Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore كشف أسرار المعاني عند عبد القاهر الجرجاني

كشف أسرار المعاني عند عبد القاهر الجرجاني

Published by محمد حامد, 2019-06-11 19:00:36

Description: كشف أسرار المعاني

Search

Read the Text Version

‫اللفظ والمعنى عند المعاصرين‬ ‫وكــا شــغلت هــذه القضيــة القدمــاء‪ ،‬فكذلــك شــغلت‬ ‫المحدثــن المعاصريــن‪.‬‬ ‫ •فقــد ناقــش الدكتــور بــدوي طبانــة مســألة‬ ‫اللفــظ والمعنــى ووحــدة العمــل الأدبي‪ ،‬وقــرر أن العمــل‬ ‫الأدبي وحـدة مؤلفـة مـن الشـعور والتعبـر وقـال “ إننـا نجـد‬ ‫صعوبــة ماديــة في تقســيم العمــل الأدبي إلى عنــاصر‪ ،‬لفــظ‬ ‫ومعنـى أو شـعور وتعبـر‪ ،‬ليسـت الصـورة التعبيريـة إلا ثمـرة‬ ‫للانفعـال بالتجربـة الشـعورية‪ ،‬وليسـت القيمـة الشـعورية‬ ‫إلا مــا اســتطاعت الألفــاظ أن تصــوره وتنقلــه إلى مشــاعر‬ ‫الآخريــن‪1.‬‬ ‫ •وتعــرض الأســتاذ أحمــد حســن الزيــات لهــا‬ ‫بأجمــل وصــف قائــاً‪ “ :‬الــكلام كائــن حــي روحــه المعنــى‬ ‫وجسـمه اللفـظ‪ ،‬فـإذا فصلـت بينهـا أصبـح الـروح نفسـاً لا‬ ‫‪ 1‬التيارات المعاصرة في النقد ص‪ 184‬ط الأولى – لجنة البيان العربي – نشر الأنجلو سنة ‪1963‬‬ ‫‪- 51 -‬‬

‫يتمثــل والجســم جــاداً لا يحــس“‪1.‬‬ ‫ •وقــد أوجــز الدكتــور ســعد مهنــا القضيــة في‬ ‫قولـه‪ ”:‬وخلاصتهـا‪ :‬أن ترتيـب المعـاني في الذهـن هـو الـذي‬ ‫يقتـي ترتيـب الألفـاظ في العبـارة‪ ،‬وأن اللفـظ لا مزيـة لـه‬ ‫في ذاتـه‪ ،‬وإنمـا مزيتـه في تناسـق معنـاه مـع معنـى اللفـظ‬ ‫يجــاوره في النظــم‪ ،‬أي تنســيق الــكلام والكلــات والمعــاني‬ ‫بحيــث يبــدي النظــم جــال الألفــاظ والمعــاني مجتمعــة‪،‬‬ ‫وتــرى أن الجــال الفنــي رهــن بحســن النســق أو حســن‬ ‫النظــم كــا إنــه لا اللفــظ منفــرداً موضــع حكــم أدبي ولا‬ ‫المعنـى قبـل أن يعـر عنـه في لفـظ‪ ،‬وإنمـا هـي باجتماعهـا في‬ ‫نظــم يكــون موضــع استحســان أو اســتهجان“‪2.‬‬ ‫ •أمـا الدكتـور عـز الديـن إسـاعيل فـرى‪ :‬اللفظـة‬ ‫بمفردهـا لا تُحـب ولا تسـتكره‪ ،‬أو بعبـارة أخـرى لا تحسـن ولا‬ ‫تقبـح‪ ،‬وإنمـا مكانهـا مـن العبـارة ومـدى انسـجامها مـع بقيـة‬ ‫الألفـاظ هـو الـذي يحـدد هـذا الحسـن أو القبـح“‪3.‬‬ ‫ •ويقــول الدكتــور نــر أبــو زيــد “ فاللفــظ لا‬ ‫‪ 1‬دفاع عن البلاغة ص‪ 17‬مطبعة الرسالة سنة ‪ ،1945‬وانظر أيضاً ص‪87-59‬‬ ‫‪ 2‬محاضرات في النقد الأدبي والأدب المقارن ص‪ 48‬ط سنة ‪1985‬‬ ‫‪ 3‬الأسس الجمالية في النقد الأدبي ص‪ 270‬ط‪ 3‬دار الفكر العربي سنة‪1974‬‬ ‫‪- 52 -‬‬

‫يكـون لفظـاً‪ ،‬إلا هـو دال عـى معنـى‪ ،‬فـإذا تعـ َّرى اللفـظ‬ ‫عـن معنـاه فهـو محـض صـوت لا دلالـة فيـه‪ ،‬ولا يتصـور فيـه‬ ‫نظ ـم أو ترتي ـب“‪1.‬‬ ‫ •أمــا الدكتــور مصطفــى عــي عمــر فإنــه يــرى‬ ‫أن عبـد القاهـر قـد أضـاف للنقـد الأدبي وأثـراه ‪ ،‬فيقـول‪”:‬‬ ‫وهكـذا نجـد أن الإضافـة الأولى التـي أضافهـا عبـد القاهـر‬ ‫الجرجـاني إلى النقـد الأدبي والتـي لم يتنبـه إليهـا مـن سـبقوه‬ ‫مــن النقــاد تتجســد في العلاقــة التــي جعلهــا بــن اللغــة‬ ‫والعمـل الأدبي ‪ ،‬وبذلـك حـرر النحـو مـن القوالـب الجامـدة‬ ‫التـي ص ّبهـا فيـه النحـاة ‪ ،‬وجعـل لـه وظيفـة هامـة في النقـد‬ ‫الأدبي وتتمثــل إضافــة عبــد القاهــر الجرجــاني الثانيــة في‬ ‫قضائـه عـى ثنائيـة اللفـظ والمعنـى ‪ ،‬وإذا كان الناقـد العـربي‬ ‫قـد أكـد أن اللغـة مـن حيـث هـي كلـات لا يمكـن الفصـل‬ ‫بـن شـكلها الخارجـي ومضمونهـا نـراه وقـد لفـظ لآراء التـي‬ ‫ذكرهـا مـن سـبقوه مـن النقـاد الذيـن فضلـوا اللفـظ عـى‬ ‫المعنـى أو ممـن فصلـوا بينهـا“‪2.‬‬ ‫‪ 1‬مفهوم النظم عند عبد القاهر ص‪ 21‬مجلة فصول م‪ 5‬سنة ‪1984‬‬ ‫‪ 2‬مقالات في النقد الأدبي القديم ص‪221‬‬ ‫‪- 53 -‬‬

‫وخلاصة القول في قضية اللفظ والمعنى‪:‬‬ ‫“ أن عبــد القاهــر الجرجــاني لا يــرى قيمــة للكلمــة إلا في‬ ‫علاقـة ‪ ،‬ولا يـرى العلاقـات في الجملـة الشـعرية إلا مـن جهـة أنهـا‬ ‫أدوار جماليـة تلـك التـي تظهـر في الارتباطـات بـن عنـاصر الجملة‬ ‫بعضهـا وبعـض ‪ ،‬وفي تفاعـل متبـادل بـن الجمـل والكلـات في‬ ‫الســياق ‪ ،‬ولذلــك كانــت عمليــة الخلــق الأدبي كامنــة في كيفيــة‬ ‫تعامـل الشـاعر مـع اللغـة ‪ ،‬إذ أنـه يوجـه الأجـزاء إلى مواضيعها في‬ ‫نظامهـا ‪ ،‬ويوجـه الأنظمـة إلى علاقتهـا في تركيبهـا تحقيقـاً للتفاعـل‬ ‫بـن هـذه العنـاصر مـا يكـون بنيـة العمـل الشـعري ومـا يتيـح‬ ‫لنـا فرصـة التفكـر في حيويـة المعنـى ‪ ،‬فحيـث تتجاهـل الكلمـة‬ ‫المفـردة في ذاتهـا ونبحـث عنهـا في موقعهـا مـن السـياق ‪ ،‬حيـث‬ ‫نـدرك هـذه الحيويـة ودرجـة تأثيرهـا ولعـل فكـرة السـياق هـذه‬ ‫خطـوة إلى إدراك تفصيـي لـدور السـياق نفسـه في صنـع القصيدة‬ ‫فاللفظـة يتحقـق وجودهـا وتفاعلهـا وجمالهـا بالجملـة‪ ،‬والجملـة‬ ‫تحقــق وجودهــا تبعــاً لذلــك باندماجهــا وترافقهــا مــع جملــة‬ ‫أخـرى ضمـن البيـت الـذي يحتـوي عـى أكـر مـن جملـة ‪ ،‬وهـذا‬ ‫مـا يغـري بـرورة توضيـح علاقـة البيـت نفسـه بمـا قبلـه ومـا‬ ‫بعـده ‪ ،‬بـل بمـا ورد مـن أبيـات في أول القصيـدة حتـى آخرهـا‬ ‫وبهـذا يشـمل العمـل النقـدي مسـاحة القصيـدة كاملـة بوصفهـا‬ ‫‪- 54 -‬‬

‫بنيـة حيـة مكونـة مـن أجـزاء تربطهـا علاقـات متبادلـة ويتحقـق‬ ‫لنـا حينئـذ تتبـع اتسـاع رقعـة المعنـى الشـعري ومـدى حيويتـه‬ ‫وتأثـره الجـالي معـاً”‪1.‬‬ ‫‪ 1‬مفهوم الجمال عند عبد القاهر الجرجاني ص‪ 92، 91‬د أحمد عبد السيد الصاوي سنة ‪1988‬‬ ‫‪- 55 -‬‬

‫معنى المعنى عند عبد القاهر الجرجاني‬ ‫يؤكـد عبـد القاهـر أن مـا يقصـده بــ (المعنـى) ليـس معنـى‬ ‫الكلمــة المفــردة‪ ،‬فالكلمــة المفــردة لا ينطــوي معناهــا الخــاص‬ ‫عـى أيـة مزيـة بيانيـة‪ ،‬وإنمـا المزيـة والفضيلـة في نظـره للمعنـى‬ ‫الواحـد المفهـوم مـن مجمـوع الكلـات التـي ينظمهـا الـكلام“‪1.‬‬ ‫معنــى ذلــك أن المعنــى عنــده “ هــو كل مــا ينتــج عــن‬ ‫الســياق مــن فكــر وإحســاس وصــوت وصــورة”‪2.‬‬ ‫فليـس المقصـود بالمعنـى عنـده هـو المعنـى الجامـد الغفـل‬ ‫فذلـك هـو المعنـى فقـط‪.‬‬ ‫فالمعنـى عنـده هـو “ الدلالـة المبـاشرة التـي يجملهـا ظاهـر‬ ‫اللفـظ “‪3.‬‬ ‫وهـذا ليـس مرادنـا‪ ،‬ولكـن مرادنـا هـو مـا ينتـج عـن ذلـك‬ ‫‪ 1‬اللفظ والمعنى د محمد عابد الجابري ص‪ 42‬مجلة فصول م‪ / 6‬الجزء الأول ‪ /‬سنة ‪1985‬‬ ‫‪ 2‬النقد التحليلي ص‪157‬‬ ‫‪ 3‬مفهوم الجمال عند عبد القاهر الجرجاني ص‪61‬‬ ‫‪- 56 -‬‬

‫المعنـى مـن إيحـاءات وشـعور وأحاسـيس‪ ،‬فلذلـك كان المعنـى‬ ‫الثــاني أو “ معنــى المعنــى “ هــو‪ :‬الدلالــة غــر المبــاشرة التــي‬ ‫تسـتقي مـن وراء الـكلام‪ ،‬ومـن خـال مـا يتضمنـه مـن إيحـاءات‬ ‫وأبعـاد شـعرية‪1.‬‬ ‫والدليل على ذلك تحليله لأبيات كثير عزة‪:‬‬ ‫ولَـ َّمـا َق َض ْي َنا ِمــ ْن ِم ًنى ُكــ َّل َحاج ٍة و َمـ َّسـح بـالأركـان َمــ ْن هـو ماس ُح‬ ‫و ُشــ َّدت على ُد ْهـم الم َها َرى ِر َحا ُلنا ولـم َي ْن ُظر الـغـادي ا َّلــ ِذي هو رائـ ُح‬ ‫أخــ ْذنــا بــأطــراف الأحــاديــث َب ْي َننا و َسالَ ْت بأعناق المط ِّي الأباط ُح‬ ‫وقبـل أن نذكـر تحليـل عبـد القاهـر لهـذه الأبيـات‪ ،‬نـورد‬ ‫مـا قالـه ابـن قتيبـة في ذلـك‪ ،‬حيـث يقـول‪ “ :‬هـذه الألفـاظ كـا‬ ‫تـرى‪ ،‬أحسـن شيء مخـارج ومطالـع ومقاطـع‪ ،‬وإن نظـرت (إلى)‬ ‫مـا تحتهـا مـن المعنـى وجدتـه‪ :‬ولمـا قطعنـا أيّـام م ّنـى‪ ،‬واسـتلمنا‬ ‫الأركان‪ ،‬وعالينـا إبلنـا الأنضـاء‪ ،‬ومـى النـاس لا ينتظـر الغـادي‬ ‫الرائـح‪ ،‬ابتدأنـا في الحديـث‪ ،‬وسـارت المطـ ّى في الأبطـح“‪2.‬‬ ‫نلاحظ من تحليل ابن قتيبة السابق الآتي‪:‬‬ ‫أولاً‪ :‬فصل بين اللفظ والمعنى‪.‬‬ ‫‪ 1‬السابق ص‪61‬‬ ‫‪ 2‬الشعر والشعراء ص‪9‬‬ ‫‪- 57 -‬‬

‫ثانيـاً‪ :‬أنـه يقصـد بالمعنـى هنـا (المعنـى الخـام) أو الفكـرة‬ ‫أو الحكمــة‪.‬‬ ‫ثالثـاً‪ :‬ابـن قتيبـة يؤمـن بالفكـرة في الشـعر والحكـم والأمثال‪،‬‬ ‫وهـو يـدري أن مثـل هـذه الأشـعار لا قيمـة لها‪.‬‬ ‫“ وعـى هـذا فابـن قتيبـة لا يعـد الشـعر ذا معنـى إلا إذا‬ ‫اشـتمل عـى حكمـة أو مثـل أو فكـرة فلسـفية أو معنـى أخلاقـي‬ ‫أمـا مـا عـدا هـذا مـن مجـرد التصويـر لحالـة نفسـية أو التعبـر‬ ‫عـن موقـف إنسـاني فـا يعـد عنـده معنـى‪ ،‬لقـد أطـال البحـث في‬ ‫هـذه الأبيـات فلـم يجـد فيهـا حكمـة أو مثـ ًا أو فكـرة أخلاقيـة‬ ‫فاتهمهـا مـن أجـل ذلـك بالقصـور“‪1.‬‬ ‫ثـم نعـود بعـد ذلـك إلى تحليـل عبـد القاهـر لهـذه الأبيـات‬ ‫التـي جـاء بهـا لمناقشـة الشـعر والفضـل والمزيـة في الصـورة كلهـا‬ ‫لا في اللفـظ ‪ ،‬ورد مقـال مـن قـال ‪ :‬أن الشـعر مـن أجـل اللفـظ‬ ‫ونعـى عـى ابـن قتيبـة عندمـا فضـل الألفـاظ وأنكـر المعـاني ‪،‬‬ ‫فيقـول ‪ “ ”:‬ولمَّـا قضينـا مـن ِم ًنـى ك َّل حاجـة “ فعـ ّر عـن قضـاء‬ ‫المناسـك بأجمعهـا والخـروج مـن فُرو ِضهـا و ُسـ َن ِنها‪ ،‬مـن طريـ ٍق‬ ‫أمكنـه أن يُقـ ِّر معـه اللفـظ‪ ،‬وهـو طريقـة العمـوم‪ ،‬ثـم نبّـه‬ ‫‪ 1‬النقد التحليل ص‪157‬‬ ‫‪- 58 -‬‬

‫بقولـه‪ “ :‬وم ّسـح بـالأركان مـن هـو ماسـ ُح “ عـى طـواف الـوداع‬ ‫الـذي هـو آخـر الأمـر‪ ،‬ودليـل المسـرِ الـذي هـو مقصـوده مـن‬ ‫الشــعر‪ ،‬ثــم قــال‪ “ :‬أخذنــا بأطــراف الأحاديــث بيننــا “ فوصــل‬ ‫بذكـر مسـح الأركان‪ ،‬مـا وليـه مـن َز ِّم الـركاب وركـوب ال ُّركبـان‪،‬‬ ‫ثـم د ّل بلفظـة الأطـراف عـى ال ّصفـة التـي يختـ ّص بهـا ال ِّرفـاق‬ ‫في ال َّسـفر‪،‬من التـرف في فنـون القـو ِل وشـجون الحديـث‪ ،‬أو مـا‬ ‫هـو عـادة المتظ ِّرفـن‪ ،‬مـن الإشـارة والتلويـح وال َّر ْمـز والإيمـاء‪ ،‬وأنبأ‬ ‫بذلـك عـن ِطيـب النفـوس‪ ،‬وقُـ َّوة النشـاط‪ ،‬وفَ ْضـ ِل الاغتبـاط‪ ،‬كـا‬ ‫تُوج ُبـه ألفـة الأصحـاب وأُنسـ ُة الأحبـاب‪ ،‬وكـا يليـق بحـال مـن‬ ‫ُوفَّــق لقضــاء العبــادة الشريفــة ورجــا ُحســن الإيــاب‪ ،‬وتن َّســ َم‬ ‫روائـح الأح ّبـة والأوطـان‪ ،‬واسـتماع التهـاني والتَّحايـا مـن ال ُخـ َاّن‬ ‫والإخـوان‪ ،‬ثـم زا َن ذلـك كلَّـه باسـتعارة لطيفـ ٍة طَ َّبـق فيهـا َم ْف ِصـل‬ ‫التشــبيه‪ ،‬وأفــاد كثــراً مــن الفوائــد بلُطْــف ال َو ْحــي والتنبيــه‪،‬‬ ‫فــر ّح أ ّولاً بمــا أومــأ إليــه في الأخــذ بأطــراف الأحاديــث‪ ،‬مــن‬ ‫أنهـم تَ َنازعـوا أحاديثهـم عـى ظهـور ال َّرواحـل‪ ،‬وفي حـال التو ُّجـه‬ ‫إلى المنـازل‪ ،‬وأخـر بعـ ُد بسرعـة السـر‪ ،‬و َوطَـاءة الظَّهـر‪ ،‬إذ َج َعـل‬ ‫سلاسـة َسـ ْرها بهـم كالمـاء تسـيل بـه الأباطـح‪ ،‬وكان في ذلـك مـا‬ ‫يؤكّـد مـا قبْلـه‪ ،‬لأن الظُّهـور إذا كانـت َو ِطيئـ ًة وكان سـرها ال َّسـ ْ َر‬ ‫السـه َل السريـع‪ ،‬زاد ذلـك في نشـاط ال ُّركبـان‪ ،‬ومـع ازدياد النشـاط‬ ‫‪- 59 -‬‬

‫يـزداد الحديـث ِطيبـاً‪ ،‬ثـم قـال‪ :‬بأعنـاق المطـ ّي‪ ،‬ولم يقـل بالمطـ ّي‪،‬‬ ‫لأن السرعــة والبُــط َء يظهــران غالبــا في أعناقهــا‪ ،‬ويَ ِبــن أمرهــا‬ ‫مـن َهواديهـا وصدو ِرهـا‪ ،‬وسـائِ ُر أجزائهـا تسـتند إليهـا في الحركـة‪،‬‬ ‫وتَتبعهـا في الثِّ َقـل والخ َّفـة‪ ،‬ويُعـ ِّر عـن المَـ َرح والنشـاط‪ ،‬إذا كانـا‬ ‫في أنفسـها‪ ،‬بأفاعيـ َل لهـا خا ّصـة في العنـق والـرأس‪ ،‬وتَـ ُد ّل عليهـا‬ ‫بشــائل مخصوصــ ٍة في المقاديم‪،‬فقــل الآن‪ :‬هــل بقيــ ْت عليــك‬ ‫حسـنة تُ ِحيـل فيهـا عـى لفظـة مـن ألفاظهـا حتـى إ ّن فَ ْضـ َل تلـك‬ ‫الحسـنة يبقـى لتلـك اللفظـة لـو ُذكـر ْت عـى الانفـراد‪ ،‬وأزيلـت‬ ‫عـن موقعهـا مـن نظـم الشـاعر ونسـجه وتأليفـه وترصيفـه”‪1.‬‬ ‫هنـا نجـد مفهومـاً كامـاً لمعنـى المعنـى عنـد عبـد القاهـر‪،‬‬ ‫فليــس المعنــى في نظــره هــو المحصــول الفكــري‪ ،‬وإنمــا المعنــى‬ ‫عنـده هـو كل مـا تولـد مـن ارتبـاط الـكلام بعضـه ببعـض وكل‬ ‫مـا نشـأ عـن النظـم والصياغـة مـن خصائـص ومزايـا‪.‬‬ ‫ونجــد أيضــاً في تحليلــه أنــه اهتــم وركــز عــى الاســتعارة‪،‬‬ ‫وحــاول أن يوضــح مالهــا مــن تأثــر في الصــورة الأدبيــة كلهــا‪.‬‬ ‫“ وواضـح مـن منهـج عبـد القاهـر في تحليـل الأبيـات أنـه‬ ‫يــرد هــذه الخصائــص وتلــك المزايــا حتــى ولــو كانــت حــالات‬ ‫‪ 1‬الأسرار ص‪116- 114‬‬ ‫‪- 60 -‬‬

‫نفســية أو شــعورية إلى مــدى مــا اســتطاعه الأثــر الفنــي مــن‬ ‫الانتفـاع بمختلـف القـوى التـي تسـتطيع بهـا الألفـاظ مجتمعة أن‬ ‫تبعـث هـذا الإحسـاس أو ذاك ومـن ثـم يسـتخلص عبـد القاهـر‬ ‫قضايـاه وأحكامـه مـن واقـع العلاقـات التـي أمامـه فيقـف عنـد‬ ‫كل جملـة ليحـدد ومـا تتسـم بـه مـن خصائـص ومـا تفيـض يـه‬ ‫تبعـاً لهـذه الخصائـص مـن مشـاعر وعواطـف ومواقف نفسـية“‪1.‬‬ ‫وفي تلك الأبيات يقول الدكتور عاطف جودة‪:‬‬ ‫“ إن بنيـة الصـورة في الأبيـات تلفتنـا إلى أن في الصـورة بعـداً‬ ‫آخـر هـو هـذا “ المـاء الحـركي” وهـذا البعـد جوهـر الاسـتعارة‬ ‫وخمـرة الصـورة‪ ،‬ويطالعنـا هـذا المـاء المتموج في انشـغال السـفر‬ ‫بشــد الرحــال وتجهيــز القوافــل وفي الســهول ضيقــة بالحجــج‬ ‫والمــآزم متلاقيــة متقاطعــة تغــص بالرواحــل والركــب غاديــن‬ ‫رائحـن وفي حركـة الحـوار التـي تغـزل وتنسـج مـن البطـاح سـيالة‬ ‫بأعنـاق المطايـا ارتفاعـا وانخفاضـا“‪2.‬‬ ‫ويقول العقاد في تعليقه على الأبيات‪:‬‬ ‫“ فالقطعـة خلـو مـا تعـود النقـاد أن يسـموه بالمعـاني في‬ ‫الشـعر‪ ،‬وكلنـا لا نقـول مـع القائلـن إنهـا حـاوة لفظيـة ليـس إلا‬ ‫‪ 1‬النقد التحليل ص‪160‬‬ ‫‪ 2‬نقلا من « مفهوم الجمال عند عبد القاهر الجرجاني « ص‪13‬‬ ‫‪- 61 -‬‬

‫ولسـنا نحسـب الفضـل في استحسـانها للحـروف والكلـات كـا‬ ‫يحسـبون فـإن الشـعر شيء غـر الألفـاظ والمعـاني الذهنيـة إنـه‬ ‫الصـور الخياليـة ومـا تنطـوي عليـه مـن دواعـي الشـعر“‪1.‬‬ ‫ويقــول الدكتــور العشــاوي في تعليقــه عــى شرح هــذه‬ ‫الأبيــات‪:‬‬ ‫“ فتفســره الاســتعارة “ وســالت بأعنــاق المطــي الأباطــح‬ ‫“ مرتبـط بالموقـف العـام الـذي صـدرت عنـه الأبيـات فـا كان‬ ‫للإبـل أن يكـون سـرها السـر السـهل السريـع لـولا مـا كان يغمـر‬ ‫الركبــان مــن شــعور الســعادة والفــرح والغبطــة ‪ ،‬بعــد أن أدوا‬ ‫الفريضــة ورجــوا حســن الإيــاب ‪ ،‬ومــا كان لهــم أن يتجاذبــوا‬ ‫أطــراف الحديــث في نشــوة وانطــاق لــولا انتهاؤهــم مــن أداء‬ ‫الفريضـة ‪ ،‬ومـا انتهاؤهـم مـن أداة الفريضـة إلا إيـذان بالعـودة‬ ‫إلى الأهــل والأوطــان والخــان ‪ ،‬وهكــذا نحــس أن كل جــزء في‬ ‫الـكلام مكمـل للجـزء الأخـر ومفـر لـه ‪ ،‬وهكـذا لم يفصـل عبـد‬ ‫القاهـر بـن الـكلي والجـزئي ‪ ،‬أو بـن الجوهـر والعـرض ‪ ،‬أو بـن‬ ‫اللفـظ والمعنـى ‪ ،‬كـا فعـل سـابقوه واسـتطاعت فكـرة التوحيـد‬ ‫بـن عنـاصر اللغـة هـذه أن تحقـق لمنهـج عبـد القاهـر ودراسـة‬ ‫للشـعر فائـدة كبـرة وأن تخلصـه مـن كثـر مـن الأخطـاء التـي‬ ‫‪ 1‬فصول من النقد عند العقاد ص‪ 256‬د محمد خليفة التونسي مكتبة الخانجي‬ ‫‪- 62 -‬‬

‫وقـع فيهـا غـره“‪1.‬‬ ‫‪ 1‬قضايا النقد الأدبي المعاصر ص‪ 229‬د محمد زكي العشماوي ط دار الكتاب‬ ‫‪- 63 -‬‬

‫خلاصة البحث والنتائج النهائية‬ ‫وبعـد اسـتعراض هـذه القضيـة بـكل تشـعباتها وفروعهـا‪،‬‬ ‫ومـا أثـر حولهـا والجـدل الحاصـل فيهـا وتفنيـد آراء كل فريـق‪،‬‬ ‫يمكننـي التوصـل إلى بعـض الحقائـق مـن خـال هـذا البحـث‪،‬‬ ‫والتــي يمكــن أن ألخصهــا في الآتي‪:‬‬ ‫ •الحياد والموضوعية في شخصية عبد القاهر‪.‬‬ ‫ •إتبــاع أســلوب الاســتقصاء والتتبــع بالــرح والتحليــل‬ ‫والبراهــن عــى صــدق كلامــه‪.‬‬ ‫ •ليــس هنــاك مزيــة في اللفظــة المفــردة ولا بلاغــة ولا‬ ‫فصاحــة‪.‬‬ ‫ •أن الكلمة فائدتها بمدلولها في السياق الكلامي‪.‬‬ ‫ •اللفظ والمعنى حبتين في عقد واحد‪.‬‬ ‫ •الحكـم عـى العمـل الأدبي يكـون عـى العمـل الكامـل‬ ‫ككل‪ ،‬وليـس عـى كل لفظـة فيـه عـى حـدة‪.‬‬ ‫ •المعنـى عنـده هـو المعنـى الثـاني‪ ،‬وليـس المعنـى الخام –‬ ‫الأول‪ ،-‬فالمعنـى الأول الـذي يحـرك المشـاعر والأحاسـيس‬ ‫‪- 64 -‬‬

‫في النفوس‪.‬‬ ‫ •اختــاف المتلقــون في اســتقبال المعنــى الثــاني بحســب‬ ‫اختــاف هيئــة الإحســاس بالمعنــى‪.‬‬ ‫ •أن عبـد القاهـر قـد سـبق عـره وفـاق أقرانـه بهـذه‬ ‫النظريــة وصــدق كلامــه‪ ،‬فإننــا نجــد الآن مــن علــاء‬ ‫الغــرب مــا يتفــق مــع الجرجــاني في نظريتــه‪.‬‬ ‫‪- 65 -‬‬

‫فهرس‬ ‫مقدمة ‪3‬‬ ‫عبد القاهر الجرجان ي ‪5‬‬ ‫في سيرته الذاتية والعلمي ة ‪5‬‬ ‫اللفظ والمعنى قبل عبد القاه ر ‪20‬‬ ‫النشأة والبداية ‪13‬‬ ‫اللفظ والمعنى عند عبد القاهر الجرجاني ‪33‬‬ ‫اللفظ والمعنى عند المعاصرين ‪51‬‬ ‫معنى المعنى عند عبد القاهر الجرجاني ‪56‬‬ ‫خلاصة البحث والنتائج النهائية ‪64‬‬ ‫‪- 66 -‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook