Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore المثالية في مشكل دلالتيها- أبو يعرب المرزوقي

المثالية في مشكل دلالتيها- أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-08-22 05:21:00

Description: المثالية في مشكل دلالتيها- أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪re nils frahm‬‬ ‫المثالية‬ ‫في مشكل دلالتيها‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪4 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪7 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪11 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪14 -‬‬ ‫‪-‬الفصل السادس‪18 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫لما تكلمت أمس على سبر الآراء وعلاقته بالتاريخ مطبقا على تونس لتحديد الحجم الفعلي‬ ‫للقوى السياسية ووضع تفتتها الحالي بمناسبة الانتخابات القادمة وهي الثالثة بعد الثورة‬ ‫لم أستعمل الاستنتاج العقلي دون الشهادة الفعلية والمباشرة إلا في كلامي على الحرب‬ ‫الاهلية الأولى التي لم أعشها لأني كنت في السنوات الاولى من التعليم الابتدائي‪ .‬وفي‬ ‫جيلنا لم توجد بعد وسائل التواصل الاجتماعي بحيث إن الاخبار لا تنتقل بسرعة والنضوح‬ ‫الاجتماعي كان يأتي متأخرا أو الطفولة كانت تدوم إلى حدود سن المراهقة تقريبا وبداية‬ ‫الثانوية‪ .‬لذلك فما ينقصني من معلومات مباشرة عوضته بتحليل عماده الاطلاع البعدي‬ ‫على مجريات الامور ومحاولة وصلها منطقيا بظرفياتها‪.‬‬ ‫لكن كلامي على ما تلاها كان من خلال حضوري المباشر كشاهد احيانا عن بعد وأحيانا‬ ‫كثير وبصدف أرادها الله من خلال حضور مباشر وأحيانا مساهمة فعلية في بعض الاحداث‬ ‫لمشاركتي السياسية في شبابي‪ .‬وهنا يأتي مشكل المثالية الذي أريد أن أتكلم فيه اليوم‪.‬‬ ‫فالشاهد نوعان‪:‬‬ ‫‪ .1‬شاهد زور أو باطل‬ ‫‪ .2‬وشاهد عدل أو حق‪.‬‬ ‫فكيف نميز بين شاهد الباطل وشاهد الحق؟‬ ‫في النظرة الأولى يتصور الإنسان التمييز قضية خلقية لدى الشاهد بمعنى أن ذا الاخلاق‬ ‫يكون شاهد حق وعديمها أو سيئها ‪-‬لأن الأخلاق ليست الموجبة وحدها بل وكذلك السالبة‪-‬‬ ‫يكون شاهد زور‪ .‬ثم يأتي النظر في تعليل شهادة الزور وشهادة الحق‪ .‬وغالبا ما يكون تعليل‬ ‫الأولى بالمنفعة المباشرة والثانية بمنفعة غير مباشرة (في رؤية العامة الدينية) أو باحترام‬ ‫الذات عند المثالي أو المعتز بنفسه الذي لا يشترى بالمنافع لا المباشرة ولا غير المباشرة‬ ‫بمعنى أن الحقيقة عنده قيمة بذاتها ولا ينتظر جزاء ولا شكورا على قولها كما يعتقد في‬ ‫ما يعتبره مطابقا لحقيقة ما يشهد له أو عليه‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والمشكل هو ما طبيعة هذا التعليل للشهادة للحق أو على الباطل؟‬ ‫وماهي الشروط التي تجعل مثل هذه الخصائص ممكنة لقلة من الناس وشبه مستحيلة‬ ‫لغالبية الناس؟‬ ‫أعطيت لهذه الإشكالية عنوان المثالية ومشكل دلالتيها واقصد دلاتها المعرفة ودلالتها‬ ‫القيمية لأن صفة المثالي تقال إما على موقف من نظرية العرفة أو على موقف من نظرية‬ ‫القيم‪ .‬وكلتاهما مما يسخر منه في الرؤى الشعبية وخاصة عند الساسة الذين جلهم شهود‬ ‫زور‪ .‬وتلك هي علة مشكلي مع السياسة‪ .‬ولا يمكن ألا يعترف الإنسان أن للسلطة السياسة‬ ‫اغراء يفوق إغراء جميلة الجميلات فضلا عن كونهما كلتاهما أداة للثانية كما هو بين عند‬ ‫أخبث السياسيين وخاصة المتعامل منهم ‪-‬ولعلهم كلهم من هذا الجنس‪-‬مع المخابرات التي‬ ‫تولي وتعزل في البلاد التوابع‪:‬‬ ‫• فالمثالي في نظرية المعرفة يبدو معارضا للعقل السليم لأنه لا يقبل بما يفرضه الحس‪.‬‬ ‫• والمثالي في نظرية القيم يبدو معارضا \"للواقعية\" لأنه لا يقبل بما تفرضه إكراهات‬ ‫الممكن‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فالإشكالية تحتاج إلى تعميق النظر‪ .‬وقد اضطررت لعلاج ملغزاتها وأسرارها‬ ‫أن أصل الأمر الذي يعلل هذين الموقفين اللذين يبدوان حقا مستجيبين للعقل السليم‪:‬‬ ‫كيف يمكن للعاقل أن يتنكر لما تفرضه الحواس من بداهة ولما تفرضه اكراهات الواقع من‬ ‫ضرورة فيكون حتى بالمعنى النفسي غير سوي إذ يبدو في الثاني وكأنه رهن الأوهام وفي‬ ‫الاول رهن الهذيان الذي يتكلم على عوالم خاصة بالمرضى النفسيين‪.‬‬ ‫لذلك اضطررت أولا لتعليل الموقفين اللذين يبدوان بديهيين فوضعت مسألة المائدة و‬ ‫السرير وفنيهما وأحكامهما ومسألة بعدي دين العجل وسلطانهما وأحكامهما وعلاقة ذلك‬ ‫بهشاشة الإنسان العضوية والروحية ثم ربطت ذلك كله بنظرية القرآن في شروط تحرر‬ ‫الإنسان من سلطة الوساطة الروحية وسلطة الوصاية السياسية اللتين تستعملان هذه‬ ‫الآليات لخلق ما سميته شهادة الزور والحرب على شهادة الحق رغم أن شاهد الزور يعلم‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أنه شاهد زور فيقدم عليها من أجل تحقيق منفعة أو تجنب عاقبة سيئة وشاهد الحق يعلم‬ ‫كلفة شهادة الحق فيقدم عليها قابلا لخسارة منفعة ولعقوبة ظالمة‪ .‬فتعود القضية إلى كيان‬ ‫الإنسان وشروط تكوينه وتكوين الجماعة التي لا يوجد فيها سلطة الوساطة وسلطة‬ ‫الوصاية لأنهما هما أصل الداءين‪:‬‬ ‫‪ .1‬داء جعل المائدة والسرير وفنيهما أداتي السلطة في السيطرة على الإنسان بمقتضى‬ ‫هشاشته‪.‬‬ ‫‪ .2‬داء جعل بعدي العجل ‪-‬العملة معدنه والكلمة خواره ‪-‬أداتي تربية اساسها المنفعة‬ ‫والعقاب والكذب والخداع لترويض الإنسان حتى يقبل بداء الأدواء أي سلطة الوساطة‬ ‫وسلطة الوصاية‪.‬‬ ‫‪ .3‬فيكون الداء هو دين العجل الذي هو البنية العميقة لكل الأنظمة التي تنقسم في‬ ‫الحقيقة إلى صنفين‬ ‫‪ .4‬هما صنف الثيوقراطيا أو الحكم باسم الله وصنف الانثروبوقراطيا أو الحكم باسم‬ ‫الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .5‬وبذلك يتبين أن رؤية الإسلام هي الرؤية التي تفهمنا أن المثالية بالمعنى المعرفي‬ ‫والقيمي ممكنة لكنها لا تكون بحق صادقة إلى عند أقلية قليلة جدا يمكن أن تكون بمجرد‬ ‫وجودها ودون سعي لسلطان وساطة ولا لسلطان وصاية أشبه بمنارات جاذبة قد تحرر‬ ‫الإنسانية بمجرد احترام شروط كون الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق‬ ‫له\" وهو ما يعني تطبيق النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬ما يجعل الصراع على ‪ 1‬بـ‪ 2‬واستعمال ‪3‬‬ ‫لهما بنظامي ‪ 4‬هي الأدواء التي وظيفة الواحد في الديني وفي الفلسفي علاجهما وذلك هو‬ ‫مضمون القرآن الكريم‪.‬‬ ‫والسؤال هو هل نجح الإسلام في تحقيق هذه الرسالة أم إن المسلمين لم يدركوها على‬ ‫حقيقته فلم يشذوا عن سنن التاريخ الروحي والسياسي الذي نقده القرآن؟‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لست غافلا عن كون مثل هذه المسائل ليست من هموم غالبية القراء‪ :‬فمن يعنيه أن‬ ‫\"يتفلفس\" (عبارة تحقيرية للفلسفة في لغة العامة من مثقفي عقاب الزمان) في مسائل تعتبر‬ ‫شغل من لا شغل له في لحظة حمي فيها وطيس \"الروش\" نحو \"بيع الأصول التجارية\" التي‬ ‫تسمى أحزابا في المزاد العلني الذي يسمى انتخابات مع محاولة وفصلها بها؟‬ ‫ما علاقة الانتخابات بمشكل المثالية ودلالتيها المعرفية والقيمية؟‬ ‫• فمن يعنيه مشكل المثالية في نظرية المعرفة؟‬ ‫• ومن يعنيه مشكل المثالية في نظرية القيمة؟‬ ‫حسن‪.‬‬ ‫لكني وصلتهما بإشكالية الشهادة التي قدمتها والتي يمكن وصفها بكونها تعتمد الدلالتين‪.‬‬ ‫فلو لم أكن اعتقد أن الحقيقة موجودة مع علمي ألا أحد يمكن أن يدعي الوصول إليها أو‬ ‫ملكيتها (نفي المطابقة بين العلم وموضوعه) وأعتقد أن هذا الاعتقاد هو أساس كل القيم‬ ‫‪-‬وهي خمس أصناف هي حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال الحياة وجلال‬ ‫الوجود‪-‬لما وصلت الأمر بشهادتي في الومضات الخمس التي قدمتها بمناسبة الكلام على ما‬ ‫سميته سبر الآراء المعتمد على تاريخ الجماعة وتأصيل قواها السياسية وعلى منهج انتخاب‬ ‫العينة مقدما وغاية الاستنتاج الاحصائي تاليا في السبر الذي لا يطلب خلق الإشاعات بل‬ ‫تحديد حظوظ المرشحين من القوى السياسية ذات الوجود الفعلي في القاعدة الشعبية مع‬ ‫خصائص المرشحين الشخصية‪.‬‬ ‫والوصل بين الأمرين هدفه بيان المحددات التي تجعل الشهادة تكون شهادة زور وباطل‬ ‫أو شهاد عدل وحق‪.‬‬ ‫والمعلوم أن حق الانتخاب هو جوهر الشهادة في مسألة سياسة الجماعة لنفسها بمنطق الآية‬ ‫‪ 38‬من الشورى دينيا وبمنطق حرية الإنسان وكرامته فلسفيا ويجمع بينهما ابن خلدون في‬ ‫تعريف الإنسان جمعا بين الفلسفي والديني في عبارة \"الإنسان رئيس بطبعه (فلسفي)‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (ديني)\"‪ .‬لكنه حق صار أشبه بالملكية التي تقبل التصرف‬ ‫بالبيع والشراء‪ .‬ومن هنا قابليتها للتحور إلى شهادة زور وباطل‪.‬‬ ‫ولما كنت اعتمد ما أطلقت عليه الخلدونية المحدثة فإني اردت أن اشفع ما كتبته حول‬ ‫السبر الذي أتبعته بالعرض التاريخي لتكوينية القوى السياسية في تونس وما آلت إليه من‬ ‫الفوضى والبعثرة فإني أردت أن أواصل البحث لتأسيسه على النظريات التي ذكرتها في‬ ‫الفصل الأول من هذه المحاولة‪:‬‬ ‫‪ .1‬فكل مواقف البشر رهن حاجات المائدة والسرير وفنيهما وجودا وعدما وما رؤنهما‬ ‫من درجات سدهما‪.‬‬ ‫‪ .2‬وكل تحكم في هذه المواقف يمر بالتحكم في هذه الحاجيات التي هي أدوات‬ ‫الاستعباد في كل المجتمعات‬ ‫‪ .3‬والتحكم فيهما يكون ببعدي دين العجل أي ربا الأموال (معدنه) وربا الأقوال‬ ‫(خواره) أو سلطان العلمة على المتبادلين وسلطان الكلمة على المتواصلين وهما أداتا كل‬ ‫سلطان في كل المجتمعات‪.‬‬ ‫‪ .4‬ومستعملو السلطانين بينون‪:‬‬ ‫• فسلطان الكلمة كان للسلطان الروحي أو الكنسية وصار لما يناظرها أي ثقافة الاعلام‬ ‫والملاهي‬ ‫• وسلطان العملة كان للحاكم بالحق الإلهي وصار لأصحاب البنوك ورأس المال وليس‬ ‫الحاكم إلا مجرد ناطق باسمهما‪.‬‬ ‫‪ .5‬وهذا يصح على النظامين اللذين ترد إليهما كل الأنظمة لأنه بنيتهما العميقة‬ ‫أعني نظام الحكم باسم الله أو الثيوقراطيا ونظام الحكم باسم الإنسان أي‬ ‫الأنثروبوقراطيا‪ .‬وهما يبدوان متنافيين في الظاهر بوصف الأول دينيا والثاني علمانيا‪.‬‬ ‫لكن الثاني هو في الحقيقة عين الأول بعد علمنته شكليا وهما كلاهما صورة متنكرة من‬ ‫\"الأبيسيوقراطيا\" أو الحكم باسم العجل بمعدنه أو ربا الاموال وبخواره أو ربا الأقوال‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هدفي من البحث هو بيان هذه المعاني وأثرها في نظرية المعرفة ونظرية القيمة وكيف‬ ‫حاول الإسلام تحرير الإنسانية منهما ولماذا غابت هذه المعاني عن فكر المسلمين ولماذا اعتبر‬ ‫الوعي بها والعمل بها هو شرط الاستئناف الإسلامي لأن فيه استجابة لحاجة الإنسانية‬ ‫الحالية والتي لم يكن بالوسع فهمها حتى إن هيجل ظنها مثالية تجريدية تحول دون تأسيس‬ ‫دولة مستقرة واعتبرها من ثم منافية لما يحتاج إليه البشر حتى يحققوا ما يسمح بالحياة‬ ‫المنظمة والسلمية‪ .‬لكن العولمة بينت أن ما ظنه سليما هو السرطان الذي لم يكن هيجل‬ ‫داريا به لأنه لم يصل في عصره إلى مرحلة الميتاستاز كما نراه حاليا وبدأت الإنسانية كلها‬ ‫تراه وخاصة شباب الغرب الذي بدأ يفهم أنه هو بدوره ضحية مثلنا لهذه الآليات الجهنمية‬ ‫التي يمثلها بعدا دين العجل أيا كان تنكرها بل إن تنكرها الأخير في الديموقراطية لم يعد‬ ‫تنكرا لأن دور مافيات المال ومافيات الإعلام لم يعد خافيا عن أحد‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما الذي يجعل الإنسان الذي صار له حق التعبير ‪-‬وهو معنى حق الانتخاب‪-‬عن سيادته‬ ‫يتخلى عنها فيقبل تحويلها إلى ملكية قابلة للبيع والشراء؟‬ ‫سرعان ما تسمع الكلام على الاخلاق وخاصة ممن يستعملون السلاح الذي يؤدي إلى هذا‬ ‫السلوك أي من الساسة وخاصة إذا كانوا عاجزين عن الشراء؟‬ ‫لو كان هذا الجواب المباشر يرضيني لما كان للبحث معنى‪.‬‬ ‫يمكن أن أسمي هذا الفصل بعنوان \"هشاشة الإنسان علة موضوعية لتردي منزلته‬ ‫الوجودية العضوية والروحية\" وهي التي تكذب التحليل الهيجلي والماركسي المعتمد على‬ ‫صراع السيد والعبد لكأن الأمر يتعلق بمبارزة تنتهي إلى استسلام أحدا المبارزين في ساحة‬ ‫المعركة وهو تبسيط مخل لا يعبر عن حقيقة ما يجري فعلا فيعلل مجريات التاريخ‬ ‫الإنساني‪ .‬فالإنسان من حيث هو إنسان يعاني من هشاشتين ولا علاقة لهما بالسيادة‬ ‫والعبودية لأنهما كليتان لا فرق فيهما بين سيد وعبد وهما متقدمتان على هذه المقابلة لأنهما‬ ‫علتهما بل هي ظاهرة تحكمها الهشاشة الذاتية للإنسان والظرف الذي قد يمكن من السيادة‬ ‫أو يلجئ إلى العبودية من حيث هما نظامان \"قانونيان\" في الجمعات البشرية وليسا منزلتين‬ ‫وجوديتين‪.‬‬ ‫وقد اكتشفت أن الإنسان يعاني من هشاشة وجودية مضاعفة ذات علاقة بكيانه العضوي‬ ‫وبكيانه الروحي وهو لا يؤتى إلا منهما في علاقتهما بالمائدة والسرير وبفنيهما‪ .‬وحيازة ما‬ ‫يسد حاجتي المائدة والسرير تحكمه قوانين عضوية وروحية في كيان الإنسان ومن ثم‬ ‫فالسيادة والعبودية حل قانوني لعلاج مشكل طبيعي وسياسي‪ .‬والمشكل الطبيعي خاضع‬ ‫لقوانين طبيعية بين الإنسان والطبيعة قبل تعليلها بسنن تاريخية بين البشر‪ .‬وهو ينطبق‬ ‫على علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الأب بالأبناء إلخ وأعني به التبعية للأقوى طبيعيا ثم‬ ‫تصبح التبعية من السنن التاريخية‪:‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فطبيعي أن الاقوى بدنيا يسيطر على الاضعف حتى يكتشف الإنسان قوة أخرى‬ ‫غير البدنية حتى خارج العلاقة الأسرية التي لا تبدو سيطرة سيد على عبد بل سيطرة أب‬ ‫على أبنائه وزوجته أو زوجاته‪.‬‬ ‫‪ .2‬وطبيعي أن الاقوى في هذه القوة الثانية يسيطر على الأضعف في السيطرة على‬ ‫هذه القوة الثانية وعلى استعمالها للتصدي للقوة الأولى‪.‬‬ ‫ولا تصبح مسألة السيادة والعبودية مسألة إلا أن تصبح منزلة قانونية معترف بها وبعد‬ ‫أن يكتشف الإنسان قوة ثالثة وهي قوة خلقية تتمثل في الشعور بالذات وحقوقها‪ .‬لكن هذا‬ ‫الشعور بالذات والحقوق يمكن أن يصبح بضاعة تباع وتشترى حتى يتم تجاوزها‪.‬‬ ‫التجاوز يحصل عندما يصبح للإنسان منزلة من حيث هو إنسان وهذه تقتضي أن توجد‬ ‫سلطة فوق كل سلطة إنسانية وطبيعية وهي بداية الوعي بوجود سلطة متعالية يمكن أن‬ ‫تتدخل في العلاقة القانونية بين الأقوياء والضعفاء بدنيا وفكريا‪ .‬وهذه هي القوة الرابعة‬ ‫وهي بالأساس دينية‪.‬‬ ‫وقد تزيد الطين بلة لأن الله نفسه يمكن أن يوظف في تبرير الموجود ولذلك فلا بد من‬ ‫التمييز بينها عامة وبينها إذا أصبحت مطبقة فعليا إذ حينها فقط تتحرر ممن يسيطر عليها‬ ‫أي سلطان الوساطة وسلطان الوصاية وهي متعينة في الكنيسة روحيا وفي الحق الإلهي في‬ ‫الحكم سواء بالوصية أو بالقوة القاهرة‪.‬‬ ‫وهذا هو المستوى الخامس والارقي للتحرر وهو جوهر مضمون الرسالة الخاتمة التي تنبني‬ ‫على مبدأ التحرر من هذين السلطانين الروحي والسياسي وذلك هو مضمون الآية ‪ 38‬من‬ ‫الشورى‪ :‬المستجيبون للرب أمرهم شورى بينهم بمعنى أنه لا سلطان عليهم غير الرب‬ ‫والسلطة الروحية والسياسية هي سلطة الجماعة من البشر الذين هم أخوة (النساء ‪)1‬‬ ‫ومتساوون (الحجرات ‪.)13‬‬ ‫لكن هل هذه الرؤية حققت تحرير البشر من السلطتين اللتين تسيطران على الرزقين‬ ‫الروحي (الفنان) والمادي (المائدة والسرير)‪ .‬ذلك هو المشكل الذي يترتب على هشاشة‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان والذي لا يعالج مباشرة من دون معالجة هشاشة الإنسان وإلا فإن الدين يصبح‬ ‫كما وصفه ماركس أفيون الشعوب‪.‬‬ ‫وإذن فلكأن الإسلام علاج لهشاشة الإنسان التي هي أصل وجود السلطانين سواء كانا‬ ‫باسم الله (الثيوقراطية) أو باسم الإنسان (الانثروبوقراطية)‪ .‬وللماركسية شيء من هذا‬ ‫لو لم يقع الخلط فيها بين توظيف الدين والدين وهو خلط صار عقيدة الحمقى من ادعياء‬ ‫الحداثة العرب‪.‬‬ ‫فكيف يكون ذلك أو كيف اكتشف الإسلام ‪-‬القرآن‪-‬أن هذين السلطانين يستعملان دين‬ ‫العجل لتحقيق سلطانيهما ويخفيان ذلك بالثيوقراطية أو بالديموقراطية التي هي‬ ‫ثيوقراطية معلمنة؟‬ ‫أولا ينبغي أن أثبت أن القرآن يقدم هذا التعليل للسلطانين ويعالج هشاشة الإنسان‬ ‫بهذا العلاج من خلال التصدي لأداتيهما أعني بعدي العجل أي ربا الأموال وربا الأقوال‬ ‫والأول بيد السلطان السياسي على حاجات المائدة والسرير والثاني بيد السلطان الروحي‬ ‫على حاجات فنيهما أي ما يجعل الحاجات الأولى شبه لا محدودة مما يولد وجهي المشكل‪:‬‬ ‫‪ .1‬الاستحواذ على ما يسد الحاجات بنوعيها‬ ‫‪ .2‬فقدان ما يسد الحاجات بنوعيها‪ .‬وبهما ومنهما يؤتى الإنسان فيبيع سيادته‬ ‫وكرامته من أجل المزيد منهما عند النوع الاول والحصول على الحد الأدنى عند النوع‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫وأبدأ بالمائدة‪:‬‬ ‫• لا يوجد حيوان يأكل أكثر مما يحتاج ليشبع‪.‬‬ ‫• ولا يوجد حيوان ينكح أكثر مما يحتاج إليه لما تأتي الحاجة‪.‬‬ ‫والحاجة الجنسية ليست دائمة عند الحيوانات بل هي في الغالب تقع مرة في السنة‪ .‬لكن‬ ‫الإنسان يأكل أكثر مما يحتاج ليشبع غذائيا وينكح أكثر مما يحتاج ليشبع جنسيا‪ .‬وحتى‬ ‫إذا كان لذلك حد فإن فنهما يجعل التنويع فيهما بلا حد‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا يعني أمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬بالنسبة إلى المستحوذين عليهما لا حد في طلب المزيد لأنها ليست لسد الحاجات‬ ‫الذاتية فحسب بل لأنها كذلك أدوات سلطان على الآخرين‪.‬‬ ‫‪ .2‬وبالنسبة إلى الفاقدين لهما المحدودية الفعلية تخلق لا محدودية خيالية فتنتج‬ ‫الحاجة إلى الذل من أجل الرمق ثم من أجل المزيد‪ .‬وتلك علة التجارة الأولى في التاريخ‬ ‫أي تجارة الجنس والجواري لنفس العلتين عند الأغنياء فعلا وعند المعدمين انفعالا‪.‬‬ ‫تلك هي علل العبودية والسيادة وليست الصراع بالمعنى الهيجلي أو الماركسي‪ .‬لأن هذا‬ ‫الصراع ليس بين الافراد بل هو بين الجماعات وخاصة في المرحلة القبلية لأنه صراع على‬ ‫مصادر الرزق المادي على أساس رؤية روحية في الجماعتين‪ .‬ولذلك فكل المجتمعات البدائية‬ ‫ربها يحارب معها‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا يمكن فهم تميز الإسلام بالشريعة المتعلقة بالمعاملات الدنيوية إلى حد اعتبارها من‬ ‫العبادات وعدم الاقتصار على العبادات المشعرية من دون العلاقة بمسألة المائدة والسرير‬ ‫وبمسألة فينهما أو أساليب السلوك فيهما ومن دون اعتبار ذلك جزءا من علاج هشاشة‬ ‫الإنسان الذي يحفظ حقيقة الإنسان كما يحددها القرآن وكما صاغها ابن خلدون \"رئيس‬ ‫بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫فكونه رئيسا بطبعه يعني أنه مجهز بما يجعله قادرا على التحرر من استعباد الطبيعة له‬ ‫(والرمز هو تكليف نوح بأمرين‪ :‬تقينا صنع السفينة والزراعة مع الرسالة التي تحدد منزلة‬ ‫الإنسان عبدا لربه دون سواه)‪.‬‬ ‫وكونه قادرا على التحرر من استعباد السياسة له (والرمز تكليف موسى بأـمرين‪ :‬تبليغ‬ ‫الرسالة لفرعون ثم اخراج شعبه من العبودية)‪.‬‬ ‫وهما الرمزان اللذان تبدأ بأولهما هود وتنتهي بثانيهما في علاج كل إشكاليات وجود‬ ‫الإنسان بوصفه مكلفا بتعمير الأرض ومستخلفا فيها‪ :‬فما بين هذين التحريرين نجد المسألة‬ ‫تسلط أصحاب الثروة أو المسألة الاقتصادية (هود) ومسألة توزيع الماء (صالح) ومسألة‬ ‫الجنس (لوط) ومسألة شروط التبادل العادل‪ .‬ولهذه العلة اعتبر الرسول هذه السورة‬ ‫مشيبة لرأسه لأنها في الحقيقة تعرض طبيعة العلاقة بين السماء والارض في الرؤية‬ ‫الاسلامية لعلاج هشاشة الإنسان التي تجعله يقبل بالعبودية للطبيعة وللسياسة أو لمن‬ ‫يسيطر على سد حاجاته المادية والروحية بدل العبودية لله وحده‪.‬‬ ‫وطبعا وجود إبراهيم بين الثلاثة الاول (نوح وهود وصالح) والثلاثة الاخيرين (لوط‬ ‫وشعيب وموسى) في السورة يشير إلى عودة المحمدية إلى الابراهيمية لتحقيق الرسالة‬ ‫الكونية لأن ابراهيم لم يحقق منها إلى المبدأ الأول أي مبدأ الوحدانية والتحرر من عبادة‬ ‫الافلاك والتضحية بالإنسان في المعابد‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن الدليل الأوضح على علاقة الإسلام بعلاج هشاشة الإنسان من هذا المنظور هو‬ ‫الموقف القرآني من ربا الأموال ومن ربا الأقوال‪ .‬فهما الأمران اللذان كان حكم القرآن‬ ‫فيهما أشد أحكام الشرع‪:‬‬ ‫‪ .1‬الحرب على ربا الاموال‬ ‫‪ .2‬والمقت الأشد على من يقول ما لا يفعل‪.‬‬ ‫لكن الأهم من ذلك كله هو أن القانون الجنائي (حماية الملكية فوق كل الاحكام الاخرى‬ ‫عدا الشرك) وشروط الفروض الخمسة متصلان وثيق الاتصال بمسألة ما يحرر من‬ ‫الهشاشة أي بالملكية وحماتيها وبشروط الفروق أعني النصاب في الزكاة والاستطاعة في‬ ‫الحج وكلفة النظافة في الصلاة وكلفة الصحة في الصيام‪ .‬وهذه كلها مشروطة بتوفير الحد‬ ‫المعقول لسد حاجات المائدة والسرير وفنيهما السليم‪.‬‬ ‫ولعل أكبر ثورة حصلت في القرآن هي علاج مسألة المائدة والسرير وفنيهما علاجا صريحا‬ ‫وواضحا واعتبارهما من الحقوق التي لا بد من توفيرها والتي تحصيلها جهاد وحمايتها جهاد‬ ‫وهي لا تقل أهمية على العبادات المشعرية بل وهي أهم منها لأنها شرطها دون أن تكون‬ ‫مغنية عنها فهي جزء من التعمير الذي يفقد معناه إذا لم يكن بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫ولهذه العلة عرفت القوة السياسة التي تريد أن تمثيل رؤية الإسلام في العمل السياسي‬ ‫ينبغي ان تكون يمين اليسار بالمصطلح السياسي الحالي‪ :‬فهي يسار بمعنى إيلاء اهمية كبرى‬ ‫للعدالة الاجتماعية لكنها تعتبر شرط ذلك تشجيع الإنتاج بحماية حق الملكية ولذلك فهي‬ ‫يمين اليسار‪.‬‬ ‫لكن الإسلاميين لا يفهمون ذلك بل ما يزالون أكثر يمينية من أقصى اليمين ومن ثم‬ ‫فاستعمالهم للإسلام ليس سليما وهو أكثر ميلا للتخدير منه للتحرير‪ .‬ذلك أن الغالب عليهم‬ ‫هو رؤية لا تختلف عن الرأسمالية المتوحشة والتي لا تعير أدنى أهمية للعلاقة بين العدالة‬ ‫الاجتماعية والاقتصاد‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والدليل هو أن أقصى ما يعتبر اجتماعيا في رؤاهم يقرب من الرشوة الانتخابية أكير من‬ ‫الوظيفة الاجتماعية‪ .‬وما يعتبر في الإسلام متعلقا بالحالات الشاذة في علاج المشكل‬ ‫الاجتماعي صار أقصى ما يفكرون فيه ولم يتحرر الإنسان في رؤيتهم من علل هشاشته‬ ‫بدليل حاجته لرشوتهم الانتخابية‪ .‬والرشوة الانتخابية لا تعني شيئا آخر غير استغلال‬ ‫الحاجة في المائدة أو في السرير ولذلك غالبا ما تكون المساعدات متعلقة بهما أي بالأكل‬ ‫وبالزواج‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ماذا يحصل في الشخص الذي يقبل بأن يبيع \"سيادته\" على ذاته بدنه وروحه أيا كانت‬ ‫السوق التي تصبح السيادات نافقة سواء كانت سيادة الإنسان على بدنه أو على روحه؟‬ ‫كل المشكل هنا‪ .‬ذلك أن التنازل عن السيادة لا بد أن يكون على مستويين‪:‬‬ ‫• تصوري أو معرفي‪.‬‬ ‫• وتقييمي أو خلقي‪.‬‬ ‫فما الذي يسهل على المتنازل التنازل في مستوى التصورات أو في مستوى \"حقائق\" الأشياء؟‬ ‫وما الذي يسهل على المتنازل التنازل في مستوى القيم أي \"أخلاق\" الأفعال؟‬ ‫فلا بد أولا أن يكون للمائدة والسرير دورا في مستوى إلحاح الحاجة ولا بد أن يكون‬ ‫لفنيهما دورا في مستوى تقييم ما يطلب مقابل سدها‪ .‬هذا ما سأخصص له الفصل الخامس‪.‬‬ ‫سأنطلق من دور السينما المصرية في استغلال هذين الداءين بحجة الواقعية الفنية لإفساد‬ ‫أخلاق المصريين والعرب عامة والنساء منهم خاصة إذ يصبح مدار الافلام على دور حاجات‬ ‫المائدة والسرير بتوسط الكلام عليهما والاغراء بالأموال التي يقع إبرازها إما في الاسر أو‬ ‫خاصة في السهرات الماجنة‪ .‬لا شك أن الظاهرتين موجودتان في كل الحضارات لكنها في‬ ‫الشعوب الفقيرة لها الدلالة التي وصفها ابن خلدون في كلامه على الترف ودوره في نهاية‬ ‫الحضارات‪.‬‬ ‫ذلك أن جمعها بين السادة أصحاب السلطان على أدوات سد الحاجات النباتية والمعدمين‬ ‫هو الذي يحدد مناخا هو عينه المستعمل في كل مناسبة لتعبير الإنسان عن سيادته وخاصة في‬ ‫الديموقراطيات التي من جنس ما نراه في بداياتها المصرية وكيفية استعمالها من قبل‬ ‫أصحاب العزب والباشوات ليكون لهم السلطان المطلق على الشعب الجائع والتابع فيهما معا‪.‬‬ ‫ولعل ما بدأ يعم في البلاد العربية التي تدعي الديموقراطية كتونس أو الاردن أو المغرب‬ ‫يثبت أن حاجات المائدة والسرير هي أدوات سلطان الاغنياء على الفقراء فيها‪ .‬في البلاد‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الغربية المال والجنس يؤديان دورا لكنهما بين الاغنياء خاصة وليس بينهم وبين الفقراء‬ ‫إلا نادرا‪.‬‬ ‫ولعل دور الإعلام والملاهي أكبر فيهما منه عندنا بسبب عدم الاهتمام الشعبي بما يتعلق‬ ‫بالسياسي في الأعلام ولا يشعر بما له علاقة بالملاهي والكرة لطابعه السياسي غير المباشر‪.‬‬ ‫والآن يمكن أن أقسم العمل بين الأموال والاقوال على النحو التالي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأموال تحدد قيم الأشياء وتمهد لجعل ما لا يقبل التصرف يصبح قابلا للتصرف‪.‬‬ ‫‪ .2‬الأقوال تحدد التصورات والتواصل تسهل العملية الاولى بغسل الأدمغة وقلب المعاني‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن معدن العجل وظيفته إدخال ما لا يقبل التبادل إلى التبادل وخواره‬ ‫تيسير ذلك بتغيير التصورات وهو العامل الإيديولوجي الاساسي‪ .‬وبذلك نتأكد مما بينته‬ ‫في عدة محاولات سابقة أعني أن الحكم باسم الله والحكم باسم الإنسان ليسا إلى غطاءين‬ ‫للحكم باسم العجل وبعديه‪ .‬وإذن فالمشكل كله هو العمل على المائدة والسرير وعلى فنيهما‬ ‫لجعل الإنسان يتنازل عما لا يقبل التصرف قابلا للتصرف بسبب اغراء الأموال واقناع‬ ‫الاقوال‪.‬‬ ‫وأكاد أزعم أن كل ما يسمونه تحرير للمرأة وخاصة في النخب التي تدعي الحداثة ليس‬ ‫هو شيئا آخر غير تحقيق مثل هذه المهمة بجعل كل شيء قابلا للتصرف بما يخلقونه من‬ ‫حاجات أصبحت من أدوات الاستعداد لعملية التبادل‪ :‬فلما كانت المائدة والسرير يقتضيان‬ ‫\"استعدادات\" معينة متعلقة بالهندام وبالزينة للمشاركة فيهما على مستوى المظاهر العامة‬ ‫في المحلات العامة (كالمطاعم والمسارح وحتى في العمل) فإن الحاجة تتضاعف‪ :‬حاجة المائدة‬ ‫والسرير وحاجة ميسرات الوصول إلى المشتهى منهما‪.‬‬ ‫والظاهرة وصلت إلى ما يعجز عنه الوصف‪ .‬فالكثير من الفتيات يصبحن في وضع يجعلهن‬ ‫مستعدات للتنازل عن كل شيء من أجل \"لمجة\" و\"قهوة\" و\"كأس ما\" في جلسة مقابلها ما يؤدي‬ ‫إلى كوارث في مجتمعات ما تزال محافظة‪ .‬ولما كانت الشهادات والنجاحات في التعليم هي‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بدروها قد صارت بضاعة تباع وتشترى إما بمقابل نقدي أو عيني فإن ما نحاول فهمه في‬ ‫تغيير التصورات والقيم يصبح ظاهرة عسيرة العلاج رغم أن تشخيصها ليس عسيرا‪.‬‬ ‫أصبحنا في جماعة جلها ليس عنده ما يبيع ليعيش عدا بدنه وروحه‪ .‬وفي العادة نسمي في‬ ‫تونس من يعيش بجهده البدني \"خدام حزام\" أي إنه إذا لم يجد عملا يوميا فلن يستطيع‬ ‫أن يعيش ذلك اليوم أو الذي بعده‪ .‬ومن ثم فلم يبق له إلا أن يكون عبدا ليضمن الحد‬ ‫الادنى للعياش النباتي‪ .‬وبين هؤلاء والذين بيدهم السلطان على الأموال والأقوال درجات‬ ‫ممن يستغل من يوجد دونه في سلم المجتمع ويستغل ممن يوجد فوقه في السلم‪ .‬وقد يظن‬ ‫أن من هم في أعلى السلم سادة‪ .‬وفي الحقيقة هم أيضا عبيد لمن يستعمر البلد‪ .‬وهذا على‬ ‫الأقل ما كانت عليه تونس قبل ما يسمى بالاستقلال‪ .‬وقد ظننا أن من هم في رأس السلم‬ ‫سادة بعد الاستقلال حتى اكتشفنا أنهم عبيد لنفس المستعمر وحتى يعوضوا عن عبوديتهم‬ ‫للمستعمر يتصرفون بقساوة لا مثيل لها مع الشعب الذي لا يعتبر عندهم إلى انديجان‪.‬‬ ‫فأصبحوا هم بدورهم لهم سلم من نفس الجنس فيه أدنى السلم وهم الصبايحية وفي أعلى‬ ‫السلم وهم عملاء الاستعمار‪ .‬وهذا صحيح في تونس في الجزائر وفي المغرب‪ .‬وقد تكون‬ ‫الجزائر بدأت الآن تدرك علة فقرها وتسعى للتحرر‪ .‬وتونس أدركت ذلك لكنها عاجزة‬ ‫ربما عن التحرر والمغرب أكثر من تونس‪.‬‬ ‫ويخطئ من يتصور بقية العرب أفضل حال‪ .‬فهم على صنفين‪ .‬الصنف الأول على قسمين‬ ‫هو بدوره توابع إسرائيل وأمريكا وتوابع إيران وروسيا ونسبتهم إليهما نسبتنا إلى فرنسا‪.‬‬ ‫ثم من يتصورون أنفسهم أغنياء من العرب في الخليج لأن بقية الخليج مثل اليمن والبحرين‬ ‫عبيد لهم وهم عبيد لمن نصب عليهم الامراء والملوك والسلاطين والشيوخ‪ .‬وهو في غنى‬ ‫عن مناسبات الانتخابات لرشوة الشعوب فهم يرشونهم بما يسمونه مكرمات حتى يبقوا عليهم‬ ‫مثل السوائم وتسمع الكثير منهم من يقول إنهم محسودون على ما يتمتعون به من نعم‪.‬‬ ‫فتكون سوق السيادة ذات مستويين‪:‬‬ ‫‪ .1‬المستوى الاول بين الشعب والمافية المحلية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬المستوى الثاني بين المافية المحلية والمافية الدولية‪.‬‬ ‫وهذا هو الذي جعلني اضع هذا المشكل بمناسبة ما اراه بأم عيني من تدخل المافيات‬ ‫الدولية لاختيار من ستعينه من المافية المحلية لمواصلة سوق بيع السيادتين المادية والروحية‬ ‫لكيان الإنسان في بلاد العرب‪ :‬كيانه البدني في تجارة الغذاء والجنس وكيانه الروحي في‬ ‫تجارة الثقافة والفنون‪ .‬فلا يبق الإنسان العربي سيدا على كيانه الفردي ولا على أحياز‬ ‫وجوده الجغرافي وثروته والتاريخ وتراثه‪ .‬والمافيات المحلية مكلفة من المافية الخارجية‬ ‫بالحرب على حصانته الروحية ومناعته المادية‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بينت أن التنازل على السيادة الذاتية العضوية والروحية أي جعل الذات ببعيدها قابلة‬ ‫للتصرف وكأنها شيء مملوك يباع ويشترى لا يحدث من دون حصول أمور وسيطة كثيرة‬ ‫تجعله ليس ممكنا فحسب بل شبه ضروري في حياة الجماعة‪:‬‬ ‫‪ .1‬أثر العجز عن سد حاجات المائدة والسرير فضلا عن فنيهما‪.‬‬ ‫‪ .2‬استبداد البعض بأدوات سدهما أعني بأداة الرزق المادي والروحي‪.‬‬ ‫‪ .3‬حصر هذه الادوات في أداتين هما أداة التبادل وأداة التواصل اللتين تصبحان أداتي‬ ‫سلطان على المتبادلين والمتواصلين‪.‬‬ ‫‪ .4‬الحصول المتدرج لما سماه ابن خلدون \"الترف\" بوجهيه المتقابلين أي الثراء الفاحش‬ ‫والفقر المدقع‪.‬‬ ‫‪ .5‬تحول كل القيم إلى المعنى الاقتصادي أي قيمة الاستعمال وقيمة التبادل وزوال كل ما‬ ‫يتعالى عليهما بمعنى قيمة ما لا يقدر بالاستعمال وقيمة ما لا يقدر بالتبادل وهما قيمتا‬ ‫القيم بمعنى أن القيم الاقتصادية نفسها تفقد دلالتها بمجرد أن تزول هذان القيمتان‬ ‫اللتان تتعاليان على قيمتي الاقتصاد‪ .‬فحتى المقابلة بين الاستعمال والتبادل في المستوى‬ ‫الاقتصادي فإنها ذات صلة بفني المائدة والسرير ومن ثم فهي بداية التعالي على الحيواني‬ ‫في الإنسان إلى جعله إنسانيا بما تضفيه عليهما من قيمة فنية جمالية في الغالب‪.‬‬ ‫ما اريد الكلام فيه اليوم هو هذا التحول من التمييز بين نوعي القيم إلى ردها إلى نوع‬ ‫وحيد هو القيمة الاقتصادية بمعنييها الاستعمالي والتبادلي والوقوف عند هذا الحد‪ .‬وقد‬ ‫سبق لي منذ ‪ 1993‬أن كتبت مقالا صدر في مجلة المستقبل العربي بتاريخ ‪ 1993‬عدد ‪172‬‬ ‫ص‪ 119-97.‬رددت فيه على المرحوم سمير أمين على مقال له بعنوان البديل الشعبي‬ ‫الديموقراطي في الوطن العربي\" وكان مداره رؤيته \"الماركسية\" للقيم وتحليل تاريخ‬ ‫الحضارة الإسلامية خاصة والحضارة الإنسانية عامة بها‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫رددت على هذا الرد إلى الاقتصادي بوصفه العامل الأساسي في فهم أحداث التاريخ‬ ‫الإنساني بنظرية البنيتين الشهيرة والمبتذلة‪ .‬وكان ردي أن ماركس نفسه لا يقول بها في‬ ‫الحقيقة لأن ما لأجله تقع الثورات هو القيم المتعالية على القيم الاقتصادية بل هي ضد‬ ‫رد القيم عامة إلى الاقتصادية وذلك لأن ماركس لا يكتفي بهذا الكلام بل هو يرد أيضا‬ ‫على المعنى التعويضي لتوظيف الأديان عن فقدان القيم الفعلية التي تتحول إلى عالم‬ ‫وهمي لتحقيقها في اليوم الآخر‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن ماركس نفسه يكاد يقول إن القيم الحقيقية هي التي يقول بها الدين لو‬ ‫لم يحوله موظفوه إلى تأسيس للتأجيل إلى يوم الدين أي ما يسميه وظيفة الافيون ولو‬ ‫تحققت مطالب الدين الآن وهنا لكانت عين ما تسعى إليه الثورة الماركسية‪ .‬وإذن فما القيم‬ ‫بمعناها الاقتصادي عند ماركس إلا قيم أداتية وليست غائية‪ .‬والقيم الغائية هي القيم‬ ‫التي تتمثل في سيادة الإنسان على ذاته بحيث لا تتحول إلى بضاعة تباع وتشترى من أجل‬ ‫لقمة العيش و\"نكحة\" الجنس في مجتمع مبني على الظلم والاستعباد والحرمان مما يسد‬ ‫حاجة المائدة والسرير‪ .‬وهذا هو مآل المليون شاب وشابة العاطلين عن العمل في تونس‬ ‫ومثلهم ملايين في بلاد العرب بسبب ما أحاول فهم آليات وتفكيكها لعل الحسم في الانتخابات‬ ‫لا يبقى خاضعا لهذا الخلط بين القيم‪.‬‬ ‫لم يكن قصدي مناكفة المرحوم بل كان القصد بيان ما يعاني منه الماركسيون العرب من‬ ‫تبسيط جعلهم يخلطون بين الحرب على توظيف الدين وبين الدين وبين القيم المادية التي‬ ‫هي أدوات والقيم الروحية التي هي الغايات ومن ثم فهو أبعد ما يكون عن فهم الماركسية‬ ‫وأهم تناقض فيها لأنها بدلا من اعتبار التحليل الاقتصادي للتاريخ هو بيان ما تحول الأداة‬ ‫دون الغاية جعلوها هي الغاية‪ .‬وطبعا لا يوجد إنسان عاقل مستعد ليموت من أجل قيمة‬ ‫اقتصادية إذا لم يكن ذلك من أجل غاية هي دورها في منع تحول القيم الأسمى إلى قيم‬ ‫أدنى‪ .‬وحينئذ لا يكون جعل الملكية عامة بيد النخب الحاكمة تحريرا بل هو إطلاق‬ ‫للاستبداد وهو الذي حصل في كل الانظمة التي تدعي تحقيق العدل الاجتماعي لأنها صارت‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أكثر ظلما من الأنظمة الرأسمالية إذ هي ضاعفت من هم في وضع تحويل كل شيء إلى قيم‬ ‫استعمالية وتبادلية من أجل حاجات المائدة والسرير بسبب تعميم الفقر وتسلط ممثلي‬ ‫السلطة واستعمالها للسيطرة مع تحول الكنسية إلى الحزبية وتحول الوصاية إلى سلطة ليس‬ ‫باسم حق ديني بل باسم الحق الأيديولوجي‪ .‬وما ورثته الأنظمة العربية هو إما الفاشية‬ ‫اليمينية الغربية في الأنظمة القومية العربية (مثل البعث والناصرية) أو القومية الوطنية‬ ‫(مثل بورقيبة) ثم أضيف إليها تزيين اشتراكي وهمي جعل موظفي الحزب الحاكم ومافيته‬ ‫والإدارة السياسية والنقابية تصبح أشد عنفا وظلامية من السلط الدينية في القرون‬ ‫الوسطى ويسمون ذلك الدولة الحاضنة التي قتلت كل الشروط المشجعة على الإنتاج‬ ‫والاعتماد على النفس في المجتمع الاهلي‪ .‬أما بقية المحميات العربية ذات الثورة البترولية‬ ‫فهي أتعس لأن العراق والجزائر وليبيا والسعودية والكويت والإمارات وقطر كلها بلاد‬ ‫ريعية لا تنتج شيئا وهي تعيش من تصدير ثرواتها الطبيعية واستيراد ما يسد حاجات‬ ‫المائدة والسرير وفنيهما‪ .‬وطبعا لا يبقى من ذلك كله للشعب إلى فضلات الموائد فيتحقق‬ ‫ما سماه ابن خلدون بالترف الذي يقضي على الحضارة وهو دائما تصاحب بين الثراء‬ ‫الفاحش دون عمل والفقر المدقع مع بطالة واستعداد لبيع أي شيء فيزول الفرق بين القيم‬ ‫الأداتية (نوعيها الاقتصاديين) والقيم الغائية (نوعيها الخلقيين أي الحرية ا لكرامة)‪.‬‬ ‫والسؤال الآن هو كيف يحصل هذا التوحيد بين نوعي القيم المضاعفين‪ :‬كيف ترد القيم‬ ‫الخلقية التي تتعلق بالحرية والكرامة مقومي سيادة الذات على كيانها العضوي والروحي‬ ‫إلى القيم الاقتصادية التي تتعلق بالاستعمال والتبادل فيصبح كل شيء قابلا للتصرف يباع‬ ‫ويشترى ومنه خاصة في حالتنا الراهنة حق الانتخاب الذي صار بضاعة ككل بضاعة له سوق‬ ‫لم تقتصر على التصرف في حق الانتخاب بل وكذلك في إرادة النواب الذين صاروا هم‬ ‫بدورهم بضاعة تباع وتشترى في المجلس وكان مؤسس هذه الظاهرة رئيس الدولة السابق‬ ‫الذي يزعمون أنه كان رجل دولة وديموقراطي وتركنا على \"المحجة البيضاء\"‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫صحيح أن الظاهرة ليست خاصة بنا‪ .‬لكنها في البلاد الديموقراطية تكاد تكون مقتصرة‬ ‫على الطبقة الحاكمة ولوبياتها ولها حروز تمكن من المحافظة على سلامة الأنظمة ولا تؤدي‬ ‫إلى الفوضى التي نراها في بلادنا إذ إن أقصى ما وصلت إليه الظاهرة هي ما نراه في أمريكا‬ ‫لكن الثقافة الديموقراطية ونظام تعادل السلط وتقاسهما لمهام الحكم وحرية الصحافة‬ ‫وحرية الرأي وتقارب قوة الحزبين كل ذلك يقلل من الخلط بين القيم ويمكن من المحافظة‬ ‫على الحرية والكرامة وسيادة المواطن‪.‬‬ ‫الانقلاب الذي يرد القيمتين الخلقيتين إلى القيمتين الاقتصاديتين فيجل كل شيء بضاعة‬ ‫أو ملكية قابلة للتصرف هو ما حاولت شرحه بنظرية الرمزين الأكثر كلية في الجماعات‬ ‫البشرية‪:‬‬ ‫‪ .1‬رمز الفعل أو العملة وكيف تنتقل من كونها أداة تبادل إلى سلطان على المتبادلين وذلك‬ ‫هو ما يقبل التسمية بربا الأموال والأفعال‬ ‫‪ .2‬فعل الرمز أو الكلمة وكيف تنتقل من كونها أداة تواصل إلى سلطان على المتواصلين‬ ‫وذلك هو ما يقبل التسمية بربا المعاني والأقوال‪.‬‬ ‫وهما أهم داءين اعتبرهما القرآن سر كل الشرور الموجودة في الحياة الجماعية‪ .‬وقد رمز‬ ‫إليهما بدين العجل أي بسلطان معدنه (الذهب المسروق من المصريين) وبسلطان خواره‬ ‫(تحريف الكلم عن مواضعه)‪ .‬وقلما فهم علماء الملة العلاقة بين هذين الانقلابين من دور‬ ‫اداة التبادل إلى أداة السلطان على المتبادلين وأداة التواصل وأداة السلطان على‬ ‫المتواصلين‪ .‬والأول هو اساس الوصاية السياسة الفعلية والثاني هو أداة الوساطة الروحية‬ ‫الدينية الفعلية‪ .‬وسورة آل عمران تعتبر الحلف بين الوسطاء (العلماء الدين الذين‬ ‫يحرفون قيم الديني والروحي) والأوصياء (الامراء الذين يحرفون قيم السياسي والمادي)‬ ‫علة كل الشرور في ا لجماعات‪ .‬وهي التي تؤدي إلى كذبة تأليه عيسى (آل عمران ‪)79‬‬ ‫وما يترتب عليها من وساطة كنسية في التربية ووصاية سياسية في الحكم‪ .‬ومن ثم ففي كل‬ ‫التاريخ الإنساني لا يكون قلب رمز الفعل أو العملة من أداة تبادل إلى أداة سلطان على‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المتبادلين وقلب فعل الرمز من أداة تواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين من دون تحريف‬ ‫ديني يحدث وسطاء بين الإنسان وربه وأوصياء بين الإنسان وشأنه فتكون الأنظمة‬ ‫الثيوقراطية أساسها دين العجل ومثلها الانظمة الأنثروبوقراطية أي التي هي ثيوقراطية‬ ‫معلمنة وأفضل نماذجها ما يظن ثورة على الثيوقراطيا أي الماركسية التي هي في الحقيقة‬ ‫انثروبوقراطيا عوض فيها الإنسان الله وعوض فيها الحزب الكنيسة وعوض فيها الحكم‬ ‫بالحق الإلهي الحق بالحق الأيديولوجي باسم الطبقة العمالية‪.‬‬ ‫لكن في أنظمة العرب بعضها ما يزال يتستر باسم الله وبعضها بدأ يتستر باسم الإنسان‪.‬‬ ‫لكن ذلك كله كذب في كذب لأن الاول يحكم باسم مافية القبائل والثاني باسم مافية العسكر‬ ‫وكلاهما يحكم باسم مافية محلية تابعة لمافية دولية‪ .‬وتجارة السيادة البدنية والروحية هي‬ ‫أداة انتخاب من يريدهم \"المسؤول الكبير\" لتعيين الغوافير في حكم الشعوب التي لم تفهم‬ ‫بعد شروط التحرر والتحرير‪.‬‬ ‫انتهى الفصل والبحث كله وهو مؤلف من ستة فصول‪.‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ابو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook