أبو يعرب المرزوقي كيان الانسانأصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 7 - -الفصل الثالث 12 - -الفصل الرابع 17 - -الفصل الخامس 22 -
--عندما تكلم القرآن على النظر في الطبائع (القابلة للعلم) والعقد (في العقائد موضوعالخلق) تكلم على قوانين الخلق وهي بنى رياضي (الخلق بقد) وعندما تكلم على العمل(القابل للعلم) والشرائع (في الشرائع القابلة موضوع الامر) تكلم على سنن الأمر :السؤال هو ما الفرق بينهما قوانين الخلق وسنن الامر؟وكل الادلة التي يستعملها القرآن في حجاجه (لأثبات وجود الله مثلا) يتكلم على النظامالطبيعي حصيلة للخلق بعدد والادلة التي يستعملها في حجاجه (لأثبات سنن مآل الحضاراتمثلا) يتكلم على النظام التاريخي حصيلة للأمر بأحكام خلقية .هل هذا مؤشر على الفرق بين القوانين الرياضية والسنن التاريخية؟ألا يمكن ان نعتبر ذلك تمييزا بين موضوع النظر والعقائد بالخضوع للقوانين الضروريةأو قوانين الخلق (لأن العقائد معتبرة فطرية أي مرسومة في كيان الإنسان) وسنن موضوعالعمل والشرع بالخضوع للسنن الحرة أو سنن الأمر (لأن التشريعات متعددة :لكل جعلنا منكم سرعة ومنهاجا)؟ ألا ينتج عن ذلك أن العقائد والطبائع واحدة وكونية والشرائع متعددة وغير كونية؟هل يكون تعدد الشرائع هدفه كما حددته المائدة 48هادفا إلى التسابق في الخيرات بمعنىأن العلمي النظري واحد والعلمي العملي متعدد فيكون التعدد الثاني هو ما تقتضيه مراحل التدرج في العلم النظري والعملي؟كيف نجمع بين وحدة النظر والعقد وتعدد العمل والشرع وفيهما كليهما ما هو طبيعيوماهو إنساني؟ ففي النظر والعقد الطبائع طبيعية (في الأعيان) والعقائد إنسانية (فيالأذهان) وفي العمل والشرع العمل طبيعي (في الاعيان) والشرع إنساني (في الاذهان). فهل الطبيعي والإنساني كلاهما مزدوج الدلالة؟فيكون الطبيعي في الطبيعة غير الطبيعي في الإنسان .ويكون الإنساني في الإنسان غيرالإنساني في الطبيعة :فالعمل الذي هو تعامل إنساني مع الطبيعة مزيجا من الطبيعيأبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
--والإنساني .ويكون العقدي في الإنساني مزيجا بين ما فيه من طبيعي(الفطرة)وما فيه من متجاوز للطبيعي وله فيه الاختيار(الخلقي).وإذن فلدينا طبيعتان هما نظام العالم الطبيعي ونظام الإنسان الطبيعي :قوانين الخلقللطبيعة وللإنسان .ولدينا إنسانان هما نظام الإنساني في العالم الطبيعي ونظام الإنسانيفي العالم التاريخي .والنسبة بين النظامين الإنسانيين كالنسبة بين الطبيعتين .والإنسان خاضع لهذه النسب الأربعة وكيانه أصلها.ولذلك فهو أكثر المخلوقات تعقيدا بما في ذلك العالم الطبيعي فضلا عن العالم التاريخيلأنه مؤلف منهما وأرقاها ما جعله يكون أهلا للاستخلاف .وينبغي اذن أن نحدد ما به كانالإنسان أرقى المخلوقات لنفهم ما يجعله أهلا للاستخلاف إذا عمل بالفروع الأربعة التي ذكرناها وهي عين كيانه وهو أصلها.ما معنى أن كيان الإنسان هو كونه أصل هذه الافعال الأربعة :ينظر ويعتقد ويعملويشرع حتى لو كان مطلق الأمية؟ ولماذا كان ينظر ويعتقد رياضيين؟ ويعلم ويشرع سنين؟في الحقيقة \"يعتقد\" ليس رياضيا مباشرة بل هو ما بعد رياضي .كما أن يشرع ليس سننيا مباشرا بل ما بعد سنني .ما القصد بما بعد؟قبل الجواب ينبغي أن أجيب عن اعتراضين لا بد أن يصدرا عن الكاريكاتورين :كيفتجعل العقدي ما بعدا مؤسسا للرياضي وتجعل الشرعي ما بعدا مؤسسا للسنني؟ فلكأنك قلتإن رأس العلم (الرياضيات) أساسه العقيدة ورأس العمل أساسه الشريعة(السنن). فالتأصيلي لن يقبل فقهيا والتحديثي ابستمولوجيا.فأما التحديثي فاعتراضه ابستمولوجي كما يتوهم لأنه يخلط بين العقدي الدينيوالاعتقادي الاجتماعي ولا يصدق الأعراف 173-172لأنه يتصور الديني هو المثيولوجي.والتأصيلي فاعتراضه فقهي كما يتوهم لأنه يتصور أن اعتبار العقيدة أساسا للرياضيات حطا منها لخلطه بين فعل الرياضيات وثمرته الرياضية.أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
--والرد على التحديثي أيسر من الرد على التأصيلي لأنه يتحجج بما يتوهمه ابستمولوجياويظنه قائلا بأن العقدي لا صلة له بالعلمي فضلا عن أن يكون مؤسسا له وخاصة لذروتهأي الرياضيات .وينسى الامور التالية-1:العقل يبدع نسقا رياضيا -2ويتصور العالم ذانسق -3ويميز بين النسقين -4ويطبق1على 2ويعتبر ذلك علما للعالم بنسقين أحدهمايبدعه العقل الإنساني والثاني ليس للعقل الإنساني في إبداعه دور .فكيف يفسر هذهالمسائل الخمسة هل هي علمية أم عقدية؟ هب الإنسان لم يعتقد في إمكانية 1و 2و 3و4 فهل يمكن أن يتكلم على 5؟ ألا يرى إذن ان العقد هو أساس اساس العلم النظري؟وطبعا فلست أزعم أن كل عقدي هو كذلك أساس بل العقدي الذي هو كذلك هو الأساس:والعقدي الذي هو كذلك هو العقدي الذي جاء في رسالة موضوعها ليس الأديان التاريخيةبل الديني في كل دين تاريخي وهو الرسالة الخاتمة التي يصفها القرآن بكونها دين الله التام.فالقرآن هو الذي يقول إن الخلق بقدر أي إن الطبيعة قوانينها رياضية وأن طلبها يكونفي رؤية الآيات في الأفاق والانفس وبه يتبين الإنسان حقيقة القرآن .وهذه هي العقيدةالتي حددتها الآيتان 172و 173من الأعراف بوصفها شهادة من أبناء آدم الميثاق وبعدم الاحتجاج بأثر التربية وبالسن :فطرية.لكن التأصيلي أعسر اقناعا لأنه يتصورني قد قلت إن أساتذة الرياضيات هم علماءالعقيدة .وهو يتوهم أن أساتذتها هم مبدعوها .قلة قليلة منهم لهم دور فيها .ما أتكلمعليها هو ذلك المخمس الذي ذكرته في ردي على التحديثي .فمبدعو الرياضيات يتخيلون نسقا ومطبقوها يجدونها في العالم.ولما كان القرآن يستدل على وجود الله بنظام الخلق وبسنن الامر بات واضحا أن من لميطلب النظامين بما يبدعه العقل من نماذج رياضية وسننية ليس في الحقيقة فاهما لمعنىالعقد ولا لمعنى الشرع على الاقل في الرسالة الخاتمة .المقدرات الذهنية ليست تحكمية هي أثر هذه العلاقة مكتوبا في الفطرة.أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
--كيف يكون الشرعي مؤسسا للسنني مثلما يكون العقدي مؤسسا للرياضي؟ هنا تبدو الفارقةاكبر .وكذلك في راي التأصيلي والتحديثي .والرد على التحديثي هنا أيضا أيسر من الردعلى التأصيلي .فالأول يتصور ما تسنه المجالس النيابية تستمد شرعيتها من إرادة المجالس النيابية وليس من مفهوم الشرعية.وعندما تبين له أن ذلك لو كان كذلك لما أمكن القدح في ما تسنه المجالس قدحين أساهمامفهوم الشرعية بمستوييها شرعية الذي يسنها وشرعية السنن نفسها .والشرعية الاولىهي حقيقة الانتخابات ونزاهتها والشرعية الثانية وهي أرقى هي مطابقة حقوق الإنسان. وهذه هي التي تضفي الشرعية على السنن.ولا يمكن لأي حداثي نزيه أن يجادل في هذه الحجة لأنه يحتج ببعديها ليؤسس لحقالمعارضة في المعارضة على ما تسنه الحكومات من سنن في تنظيم الحياة السياسية الاقتصاديةوالاجتماعية .والآن لماذا يعسر أقناع التأصيلي لأن يتصور ما جاء في القرآن من أحكام هي الشريعة وليست سننا من جنس القانون.لذلك فهو لا يمكن أن يفهم أن هذه السنن لا تقبل من سلطة غير شرعية سننا ينظم بهاالمجتمع ولا تقبل من دون شروطها التي إذا توفرت في أي سن تعتبر شرعية :وشروطها هيتعليلها الخلقي وصحة نسبتها إلى ما فرضه الله من واجبات وحقوق على الإنسان .والقرآن يحدد شرعية السن وشروط المسنون.لا يفهم التأصيلي أن السن ليس نص الحكم الذي هو حد بشروط التنزيل والمنزل علىالنوازل وهو لا يكون إلا لعلل النص الخلقية وشروط شرعية المنزل على النوازل الخلقيةوخاصة الاستقلالية وهي جميعا رهن شرعية سلطة الامر التي ينسبها القرآن للجماعة ويحدد نظام إدارته بالشورى.فيكون الكلام على السنن وكأنها هي الشريعة خطأ من جنس الكلام على القانون وكأنههو الشرعية .في القانون الوضعي الشرعية ذات مستويين شرعية الشارع شرطا في حقه في وضع السنن القانونية وشرعية الأساس الذي هو حقوق الإنسان الطبيعية.أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
--في القوانين الدينية التي تظن هي الشرعية ننسى ما يناظر هذين الامرين رغم ان حقالله كشارع لا جدال فيه وهما شرعية السلطة التي تستعمل القوانين الدينية وشرعيةاساس الشرعية وهي أن تكون مطابقة لشروطها التي تناظر حقوق الإنسان الطبيعية وهنا حقوق الإنسان وواجباته التي حددها القرآن.والفرق بين البحث في شرعية الشارع في القانون الوضعي وعدم الحاجة إليها في القانونالشرعي هو الذي يجعل الفرق الاول ينتقل في الشريعة السماوية إلى وجه ثان يستغنيعنه القانون الوضعي لأنه جزء من شرعية الشارع فيه :هو شروط التنزيل تنتقل من الشارع إلى العامل به.فالعامل بالقانون الوضعي خاضع لشروط التنزيل الوضعية ولصفات الشارع الإنساني لكنالعامل بالقانون الشرعي تنزيله إنساني وصفات الشارع إلهية .فكيف نحكم على صاحبالتنزيل على النوازل :لا يمكن تطبيق الشرائع المنزلة من دون مراعاة هذا الفرق .إذن الشريعة الدينية شريعة للتشريع وليست للسنن.ما كان شريعة للسنن القانونية في القرآن لا يمكن أن يطبقه إلى من تتوفر فيه شروطالأمانة والعدل النبويين .أما القضاة العاديين فما يطبقونه من تشريع من وضع البشرعلى الاقل في التحديد النسبي للمناط والاجتهاد الذي لا يتجاوز الظاهر للجهل بالسرائر: شرعية سلطة الحكم ونسبية علم القضاء.فيكون الحل في غياب من أمانته وعلمه وشرعية سلطته السياسية ومعرفته بعلل الأحكامالخلقية ووظيفتها الدنيوية والاخروية هي الشرع الذي يؤسس للسنن القانونية .وهذاغير متوفر إلا للنبي في الدنيا ولله في الآخرة .لذلك فالشريعة القرآنية شريعة للتشريع وليست شريعة للنوازل بعد وفاة الرسول.ذلك أن التوقيع باسم الرسول لا شيء يضمن أن الموقعين لهم شروط التوقيع خاصةوالحكومات في العالم الإسلامي كلها ليست ذات شرعية لا دينية ولا وضعية بل هي حكوماتأبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
--مفروضة ولا تطبق الشريعة بمعنى الحكم على النوازل وليس على شروطه الا على الضعفاء :فأكبر السراق هم الحكام ولم نر حاكما قطعت يده.أما عندما تكون الشريعة السماوية محدد لشروط شرعية التشريع أو السن القانوني فإنذلك يصبح حكما على التشريع وليس حكما على النوازل .فيكون حكما على التشريع وعلىشرعية الشارع والقاضي والمنفذ للشروط الخلقية التي أهمها الامانة والعدل لتطبيق تشريع حدد القرآن شروط شرعيته ليكون سننا شرعية.تلك هي علة عسر أفهام المسألة للتأصيلي .ذلك أنه يعتبر الأحكام تطبق آليا لكأن منيقضي فيها وينفذها له ذو شرعية ويطبقها بمقتضيات ما بتوفره فيه يجعله ذا شرعية.وهذا الـ\"ما\" يجعله ذو شرعية لا يتعلق بالحكم فيحس بل يتعلق بشرعية القاضي والحاكم الذي يعينه وشروط التنزيل أي الامانة والعدل.وشروط التنزيل نوعان :لا يكفي شروط تحقيق المناط بل شروط الظرف الاجتماعيوالاقتصادي والسياسي التي قد تصل إلى تعطيل الحكم المؤقت أو حتى الدائم إذا كانالشرط دائما .وفي القرآن من العلل الخلقية والسياسية ما يمكن من ذلك .ولعل أهم علة هي الضرورة التي تبيح المحظور ناهيك عما هو ليس محظورا.أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
--أعود الآن إلى كيان الإنسان وفروعه الأربعة بعد أن بينت العلاقة بين الفرعين الاولين(النظر والعقد) والفرعين الثانيين (العمل والشرع) انطلاقا من العقم الذي أصاب نظرالامة وعملها لأنها طلبت العلم والعمل بعكس ما أمر به القرآن ونهى عنه .فهو أمر بفصلت 53ونهى بآل عمران .7وهو ما ألغى النظر والعمل ولم يبق إلا العقد والشرع .فهما يتوقفان بمجرد أن تتركآيات الله التي يرينها في الآفاق والانفس وتهتم بالعقد والشرع اللذين يتحولان إلى بحثما لا يمكن علمه(الغيب)علما ينطبق في الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف (آل عمران )7ويهملان علم الطبيعة والتاريخ.وقد خصصت لبيان ذلك محاولات هدفها بيان علل عقم علوم الملة الخمسة (الكلاموالفلسفة والفقه والتصوف وأصلها جميعا أو التفسير) التي تحولت إلى مثلجة الدينوالعلم والقانون والأخلاق والتفسير بصورة تجعلها مجرد شرح نصوص وعلة للصراع بين التأويلات التي لا تقبل التقييم لغياب ما يحتكم اليه.ولست أنوي العودة إلى بيان الطابع اللاديني واللافلسفي واللافقي واللازهديواللاتفسيري في هذه العلوم أولا لعقمها الذي لم يحقق شروط الاستعمار في الارضوالاستخلاف فيهما وهما مقوما الإنسان من حيث كيانه العضوي والروحي وثانيا لأنها تتنافي ما أمر فصلت 53ونهي آل عمران .7وقد أوجز القصد بهذا العقم في الاستعمار والاستخلاف في الارض من حيث فاعلية العلموالعمل وعدم العمل بالأمر والنهي القرآنيين المشيرين إلى مجال البحث العلمي الموصللحقيقة القرآن ومجال التخريف المبعد عنها في ما يمثله اليوم ما يسمى بالإعجاز العلمي: شرح نصوص القرآن لاكتشاف المكتشف.وما يعمله أصحاب هذه الرؤية اليوم بالنسبة إلى المتكشف في العلوم الأوروبية الحديثةعمله أصحاب هذه العلوم المزعومة بالنسبة إلى المكتشف في علوم اليونان .ولولا بقاء تقاليدأبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
--المدارس العلمية المستقلة عن هذه العلوم الخمسة وآراء المدرسة النقدية لكان تراثنا العلمي والعملي لا يبعد عن الصفر.وهذا الوصف يصح على ما سميته الكاريكاتورين .فالموروث من العلوم اليونانية شاركفيه العلماء بالمعنى الوضعي ولم يشارك فيه لا الفلاسفة ولا المتكملون ولا الفقهاء ولاالمتصورة ولا مفسرو القرآن في الماضي وكذلك في الحاضر بالنسبة إلى العلوم الحديثة حتى التي هذه موضوعاتها.ولا يعني ذلك أنهم كانوا ناقصين ذكاء أو عاجزين عن الابداع لعلل عرقية بل لعلتين هماما يشير إلى عكس الامر والنهي :عملوا عكس فصلت 53وعكس آل عمران .7وإذنفالامر يتعلق برؤية وبنظام تعليم .والرؤية مضاعفة :حقيقة علم الشاهد التي لا توجد إلا فيه (الآفاق والانفس) وحقيقة المتشابه (المتشابه).أما نظام التعليم فهو مقصور على شرح النصوص والصراع بين الفلاسفة والتكلمين حولعلاقة العلم والأيمان والفقهاء والمتصوفة حول علاقة القانون والأخلاق .وبدلا من أنيكون ذلك في دراسة الشاهد من أجل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها اخرجوها من المنظومة التربوية وهي عمل علماء عصاميين.ومعنى ذلك أن معرفة شروط الاستعمار في الارض (العلاقة العمودية بين الإنسانوالطبيعة) وشروط الاستخلاف فيها (العلاقة الافقية بين الإنسان والتاريخ) قد استثنيتمن منظومة التعليم الرسمية فلم تتجاوز المدرسة الإسلامية العلوم اليونانية ومبتذلاتها بدون إبداع يذكر تماما كما يحصل الآن.ومما لم أجد له فهما حقا هو تعامل الفلاسفة مع النصوص الفلسفية اليونانية تعاملهم معالنصوص الدينية متصورين ان العلم موجود فيها حتى قال الفارابي إن العلم قد تم معارسطو ولم يبق إلا أن يعلم ويتعلم .ابن رشد الذي يظنه الحداثيون العرب منبع حداثة الغرب كان أكثر من الفارابي إيمانا برأيه.أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
--وهو ما نراه يتكرر عند الحداثيين العرب فعندهم أن العلم قد اكتمل ولم يبق إلا أن يعلمويتعلق وخاصة عند من يريد أن يعتبر نفسه خادما للقرآن عندما يدعي أنه قد سبق إلىهذه الحقيقة أو تلك من المبدعات الغربية والتي لا يفهمون أنهم بذلك يفقدون القرآن قدسيته ويؤرخنونه .فالعلم تاريخي بالجوهر.ولهذه العلل سأحاول بيان القصد بأن كيان الإنسان ليس هو شيئا آخر ما أشرت إليه منغيب الروح التي لا نعلمها لكنا نرى أفعالها في فروع كيان الأنسان الأربعة :النظر والعقدوالعمل الشرع كما حللتهما في الفصل السابق بمفهوم الطبيعة المزدوجة والإنساني المزدوج وما بين عناصرهما وبينهما من تفاعل.ولست بكلامي هذ آتي بجديد فلو لم يكن ما أقوله سابقا لما احتاج الغزالي للكلام علىإحياء العلوم (لاحظ موتها) ولما كتب ابن تيمية ما كتب في نقد علماء هذه العلوم الخمسةوحاول تقديم البديل وكذلك فعل ابن خلدون .طموحي إذن هو توحيد محاولاتهم وتحديثها كفكر حي ينسب لأصحابه مع صفة \"محدث\".من ذلك الكلام على كنطية محدثة أو أرسطية محدثة أو ديكارتية محدثة وسأسميالمحاولة بكونها غزالية محدثة وتيمية محدثة وخلدونية محدثة أحافظ منها على المبادئالأسياسية جعلتهم يحددون طبيعة الازمة في النظر والعقد وفي العمل والشرع ولكن بعلاج لم يكن ممكنا لهما لأنه لا أحد واصل اجتهادهما.والمواصلة لا تعني المحافظة على المضمون بل الروح التي أبدعته والتوجه الذي حددتهوالنقد الذي وجهته لما اعتبرته علة \"الموت\" استنادا إلى عنوان \"إحياء\" فلا نحيي الحي بلالإحياء هو إعلان وفاة ما يراد إحيائه مع بقاء المجال خاليا من البديل فيكون الإحياء هو البديل أو أعادة التأويل.والدعوة إلى الاستكمال وربما اعادة التأويل طلبها ابن خلدون طلبا ختم به مقدمته فقال:\"وقد كدنا نخرج عن الغرض .ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتابأبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
--الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاء له .ولعل من يأتي بعدنا من يؤيده الله بفكر.صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا .فليس على مستنبط الفن احصاءمسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقونالمسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكتمل والله يعلم وأنتم لا تعلمون\" (المقدمة خاتمة الباب السادس).ومن الفكر النقدي الذي يمثله الغزالي وابن تيمية وابن خلدون يمكن القول إن الحصيلة هي:.1الشروع في نقد الفلسفة والكلام والفقه والباطنية والظاهرية عند الغزالي أو الوعي بالمأزق الحضاري رغم وقوعه هو نفسه فيه مباشرة.2الشروع في تجاوز النظر والعقد القائلين بالمطابقة عند ابن تيمية والتجاوز الأتم حصل عند ابن خلدون. .3تجاوز نظرية العمل والشرع في المقدمة بمعنى أنه يتضمن التجاوز التيمي في النظروالعقد شرطا في تجاوزه بل وصاغ بصورة صريحة تجاوز نظرية المطابقة بالقول إن الوجودلا يقبل الرد إلى الإدراك وأن المعرفة لا يمكن أن تتجاوز ما يقبل التجربة منطلق كل معرفة.ومع ذلك فابن خلدون الذي حقق قفزة نوعية في ضم التاريخ للفلسفة بعكس استثناءالفلاسفة القدامى عند العرب واليونان منها فأسهم من ثم بالجمع بين العمل والشرع ولميفصل بينهما فإنه مع ذلك كان لا يعتبر الفيزياء من العلوم الضرورية حتى وإن أحب الرياضيات التطبيقية وفي فيزياء (الفلك مثلا).وكلامه في النظرية التربوية لم يكن ثوريا كما يزعم إلا في ما يتعلق بأخلاق التعامل بينالمعلم والمتعلم والتخفيف من الحشو .لكنه لم يتعرض للمضمون التربوي بصورة تحررهأبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
--نظام التعليم من شبه الاقتصار على علوم الملة وأبجديات علوم المنطقية والرياضية في حدود الاستعمال في علوم الملة.وفي الحصيلة الجملية لا أحد حتى من المدرسة النقدية اعتبر النظر والعقد والعملوالشرع من شروط الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها .فلو فعلوا لكان مفهوم العلاقةالعمودية مع الطبيعة قد بحث كشرط الاستعمار في الأرض ولكان مفهوم العلاقة الأفقية مع الإنسان قد بحث كشرط للاستخلاف.ولهذه العلة خصصت هذه المحاولة إلى دراسة هذين العلاقتين أو فلسفة الطبيعةوتطبيقاتها التقنية وفلسفة التاريخ وتطبيقاتها الخلقية والأولى هي مادة النظر والعقدوالثانية هي مادة العمل والشرع .والاولى هي علاج العلاقة العمودية والثانية هي علاج العلاقة الافقية .والعلاجان يتعلقان بقضيتين.الأولى هي العلاقة بالأحياز الخمسة ظرفا لوجود الإنسان وشرطا لقيامه والثانية هيالعلاقة بالمقومات الخمسة مظروفا لجود الإنسان والعلاقة بين الظرف والمظروف من الأولإلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث تعطيينا الأبعاد الأربعة للمعادلة الوجودية التي هي أهم بنية عميقة للقرآن نفسه.أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
--لا يمكن الخوض في هذه المسائل الخمس من دون شرح مفهوم الاسترماز الذي سبق أناستعملته وأشرت إلى دلالته دون وصلها بهذه الأبعاد التي تحدد ظرف الوجود الإنساني(احياز الوجود) ومظروفه (مقومات الكيان) التي هي منها يأتي الطبيعي (العضوي والفطري) في الأنسان والإنساني فيه (الروحي والرمزي).وشرح مفهوم الاسترماز يعني التمييز بين مفهومه الفلسفي الذي يعرفه بالحيوان الناطقومفهومه القرآني الذي يعرفه بالإنسان المستخلف في استعمار الارض رسالة وبتجهيزه بمايمكنه من ذلك أعني علم الأسماء كلها (البقرة :قصة الاستخلاف) وعلم القرآن والبيان (الرحمن :قصة تمييزه عن المخاطب الثاني).وشرح مفهوم الاسترماز يعني كذلك النظر في العلاقة بين هذه الرسالة والتجهيز ومايصف القرآن به الإنسان من هشاشة عضوية وخلقية تجعل التجهيز ليس لتأهيله لوظيفتهفحسب (الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف) بل أيضا لعلاج هذه الهشاشة التي هي علة ما وصفته به الملائكة من فساد وسفك الدماء.والفرق بين تعريفي الإنسان بما جهز به (بين الناطقية فلسفيا والتسمية والبيان قرآنيا)وبين الوظيفتين (غيابهما فلسفيا وحضورهما قرآنيا (الاستعمار بقيم الاستخلاف) وهو مادفعني للبحث في الاسترماز لأنتهي إلى حقيقة يمكن تلخيصها في مقابلة النطق والإبانة. قدرة الروحي على إبداع الرمز والاسم.قدرة إبداع الرمز والاسم أو الاسترماز هما أثر ما في الإنسان من الروحي وفيه شيءمن قدرة الخلق الإلهي لأن الله يخلق بهما فهو يريد الشيء المعدوم فيبدعه برمز كنوبتسميته .وإذن فما جهز به الإنسان له شيء من هذه الوظيفة يبدع المعدوم بالرمز والاسم .ومجموع هذا التجهيز هو المقومات الخمس.وأعني بالمقومات الخمس :الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود التي ترجمتها فيالجماعة بالسياسة والمعرفة والاقتصاد والفنون والرؤى الوجودية وهي كلها مقومة للفردأبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
--وبما يغلب عليهم إحدى هذه الصفات يمثلون النخب الخمس التي وظيفتها في الجماعة كوظيفة هذه المقومات في الفرد.فتكون النخبة السياسية مؤلفة ممن يغلب عليهم مقوم الإرادة ونخبة العلماء ممن يغلبعليهم مقوم المعرفة ونخبة القدرة ممن يغلب عليهم مقوم القدرة ونخبة الفنانين ممن يغلبعليهم مقوم الحياة والذوق ونخبة الرؤى ممن يغلب عليهم مقوم الوجود :نخب الجماعة هي إرادتها وعلمها وقدرتها وحياتها ورؤاها.وإذن فالجماعة هي بنحو ما كيان متفرد مقوماته هي نخبه الخمس التي تناظر مقوماتالفرد الإنساني أعني إرادته وعلمه وقدرته وحياته ورؤاه .لكن الملاحظ أن ممثلي الرؤىصنفان :أصحاب الفكر الديني وأصحاب الفكر الفلسفي .وإذن فكل مقوم الإرادة والعلم والقدرة والحياة له نفس هذين الصنفين.وتلك هي العلة في وجود التقابل حكم معارضة بين الساسة وبين العلماء وبين الاقتصاديينوبين الفنانين مثل ما يوجد في الرؤى بين الفلاسفة والمتكلمين وبين المتصوفة والفقهاء.وهذا التعارض ليس بالمعنى الصراعي الجدلي بل بمعنى التواصي بالحق في الاجتهاد والتواصي بالصبر في الجهاد.وما الذي يمكن من الفصل بين النظرتين نظرة الصراع الجدلي ونظرة التواصي المحررمنه؟ تلك هي علة البحث في الاسترماز بوصفه قدرة الخلق بإبداع الرموز والأسماء التيتختلف عن وهم الناطقية التي هي سر القول بنظرية المطابقة لأن الفلسفة التي عرفت الإنسان بها جعلتها في آن حقيقة الوجود.وهم المطابقة البارميندي بين الوجود والنوس ما كان ليكون ضارا لولا الخلط بين النوسمبدأ عاما هو عين الرب الخالق والنوس الإنساني الذي هو العقل والذي يتوهم نفسه ذاعلم محيط بالوجود مثل الرب الخالق .فأن يكون الله محيطا بالوجود أمر يقبل عقلا بخلاف وهم نسبة ذلك إلى الإنسان.أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
--الاسترماز-للإبانة والتسمية-هو الذي يجعل الإنسان يدرك أن إرادته وعلمه وقدرتهوحياته ووجوده كلها نسبية وليست مطلقة فيدرك أنه قادر على إبداع الرموز والأسماءوما يمكن إبداعه بها دون أن يدعي أن إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده مطلقة فيميز بينها عند الإنسان وبينها عند الله.فمفهم حينئذ معنى \"إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم\" و\"ما أتى الله بها منسلطان\" .فمعنى الجملة الاولى تبين أن التسمية يمكن أن تعبر عن حقيقة المسمى ويمكنأن تكون مجرد أسماء .وهو معنى التقييم إذ قابلية التسمية الصادقة التسمية الكاذبة كناية على كل القيم أي الخير والشر إلخ...والجملة الثانية هي نفي السلطان المطلق على الإبداع الإنساني او الاسترماز .ليسللإنسان به سلطان مطلق مثل الله رغم أن الإنسان بها يبدع الإبانة والرمز اللذين هماأداتا الإبداع الحضاري عنده فيكون للإنسان قدرة للإبداع الوجودي بالإبداع الرمزي دون إطلاق (خليفة) وتلك هي المقومات الخمس.ويتبين هذا الفرق حتى في تحليل مفهومي الإبانة والاسم .فالإبانة من البين والبون.والبون مسافة البين أو مسافة ما يفصل بين شيئين .وإذن فالإنسان يبين بالفصل بين الأشياءولا يفصل بينها إلا بالانتقال منها عامة إلى جعلها مسميات يكون الاسم فيها سمة وسموا عن وجودها غير المبين.فيكون فعل الإبانة هو عين إبداع السمات التي تبزر تحدد بون البين أو المسافة الفاصلةبين السمات علامات على المسافة الفاصلة بين المسميات بتلك السمات التي صارت علامات.وهذه هو أساس الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود أي إن الصفات المقومة للإنسان ترجع إلى شرطي اهلية الاستخلاف.وهي ترجع إليهما من الوجهين :وجه التجهيز للقدرة على الرسالة التي تجعل الإنسانخليفة ووجه كيان الإنسان العضوي والروحي في علاقته بالطبيعة والتاريخ الظارفةأبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
--لفاعلية مقوماته الخمس أي إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده بالمعاني المضاعفة التي أشرنا إليها حيننا هذا.ولنأخذ الجملة الأولى من سورة الرحمن :فعندنا خمس كلمات هي-1:الرحمن -2علم-3القرآن -4خلق -5الإنسان .وعندنا علمه البيان .وهي كذلك خمسة كلمات-1 :فعلعلم -2وفاعل الفعل مقدر وهو الله و-3والمفعول به وهو الضمير الراجع إلى الإنسان -4 والبيان المفعول به الثاني لفعل علم و-5ما يبينه مقدر غائب.وكان ينبغي ن يكون ما يبينه الإنسان مقدرا وغائبا .ذلك أن ما يبينه الإنسان لو حددهالقرآن لكان ذلك معارضا لفصلت 53ولآل عمران .7ذلك أن ما يبينه الإنسان صادقوكاذب وخير وشر وجميل ودميم وحر ومضطر وإله حقيقي أو وثن .أعني كل القيم موجبها وسالبها الدالة على آثار روح الإنسان.فلو حددها القرآن فأرودها في نصه لكان كل تخريف البحث عن القيم النظرية (التواصيبالحق) والبحث عن تحقيقها العملي (التواصي بالصبر) يكفي فيه شرح النص ولا حاجةللبحث العلمي في ما يرينه الله من آياته في الآفاق والأنفس وتجنب البحث الزائف في ما وراء ذلك من المتشابه والغيب.لكن الأهم من ذلك كله هو تحديد الوسيط الوحيد بين الرحمن وخلق الإنسان :إنه تعليمالقرآن .وهذه الوساطة هي تعليم البيان .فيكون البيان عند الإنسان ثمرة لتعليم القرآن.وتعليم القرآن هنا يتجاوز الامر الذي يظنه الكثير خصا بالمسلمين بل هو يعني ما تعنيه الفطرة أو الروحي في الإنسان عامة.وسأستعمل هنا نظريتي في المعادلة الوجودية لأحدد ما تعلم الإنسان إبانته .في الآية لميحدد القرآن ما يبينه الإنسان الذي علم البيان وقبله القرآن .فالقرآن كما هو بين منالآية وسيط بين الإنسان والله وهو معنى الرسالة وهي علاقة مباشرة بينهما .وما يبينه الإنسان هو العلاقة غير المباشرة.أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
--وهذه العلاقة غير المباشرة بين الله والإنسان تمر بالطبيعة وبالتاريخ أي بما يكونالإنسان مظروفا فيه باعتباره الظرف الشارط لتجلي كيانه العضوي (الطبيعي) وكيانهالروحي (التاريخ) وذلك بالاسترماز المبين والمسمي لقوانين الطبيعة ولسنن التاريخ من خلال رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس.وهكذا فالتحليل البنيوي لـ\"الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان\" يثبت أننظرية المعادلة الوجودية صحيحة وأن تعريف القرآن للإنسان أعمق ألف مرة من تعريفالفلسفة قديمها وحديثها للإنسان لأنه تعريف يحدد رسالة الإنسان الوجودية وجهازه النظري والعقدي والعملي والشرعي ليحقق الاستخلاف.أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
--اعتبرت الفرد الإنسان متقوما مما يصدر عنه من أفعال دالة على صفات ذاتية له هيالإرادة والعلم والقدرة والحياة (او الذوق) والوجود (أو الرؤى) وصنفت النخب بتألفهاممن غلبت عليهم إحدى هذه الصفات والأفعال الدالة عليها فاستنتجت أن خمسة أصناف: السياسي والمعرفي والاقتصادي والفني والرؤيوي.واستنتجت أن الجماعة التي تكون ذات وحدة حية تتألف من هذه النخب صفات لها ناتجةعن أفعالها التي من دونها لا توجد الجماعة وخاصة الدولة التي تعمل بهذه الافعال وكأنهاوظائف وكائها شبه حي .لكنها جهاز شيه آلي هو نظام مؤسسات تحقق الحماية الداخلية والخارجية والرعاية التكوينية والتموينيةكن هذا الجهاز الآلي يصبح شبه حي لأن ما يملأ المؤسسات التي هي خانات خالية ووظائفمحددة لا تعمل من دون من يملأها ويعمل بنظامها فتكون الدولة في آن جهازاآليا(المؤسسات)التي هي خانات خالية يملأها أشخاص (يحيونها بعملهم الذي تحدده قوانين مؤسساتها) .المالئون لها نوعان :بالفعل وبالقوة.فالمالئون للمؤسسات بالفعل هم من اختارهم الشعب بالاختيار أو من فرضوا عليه بالتغلبوهم الحكام .والذين بالقوة هم من اختارهم الشعب أو من فرضوا بالغلب للتربص بالحكاموهم المعارضون .وهذان هما نوعا القوى السياسية التي تتداول سلما أو حربا على تمثيل إرادة الجماعة حكما ومعارضة.وقد استنجت ذلك من كون نخبة الوجود أو الرؤى تنقسم دائما كل الحضارات بين منيتكلمون باسم الرؤى الديني ومن يتكلمون باسم الرؤى الفلسفية وهما يتبادلان دور الحكموالمعارضة في الرؤى وليس في السياسية وفي الحقيقة هما في ما وراء السياسة أو في مرجعياتها الأساسية.وهذه بنية كونية في كل الجماعات والفرق الوحيد بينها هو النسب بين ممثلي الرؤيتينمثل النسب بين ممثل الحكمين فالغالبة تحكم في السياسة أو في الرؤى والمغلوبة تعارضأبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
--فيهما .لكن كيفية تحديد من يتولى الحكم ومن يتولى المعارضة فيهما هي كيفية الاخيار السلمي والاضطرار الحربي.والغلبة التي تفرض الاضطرار وليس الاختيار وغاية الحكم أن يجعل الاختيار يتم بغلبةرمزية وليست فعلية أي بالانتخاب الحر الذي بدلا من العنف يختار اللطف .وطبعا البحثينبغي أن يتعلق بنوع اللطف .حقيقي أو غطاء على الثيوقراطيا (عنف ينسب لإرادة الله) والأنثروبوقراطيا (عنف ينسب لإرادة الإنسان).والغالب في الأنظمة الوطنية أو الدولية هو هذان النوعان من العنف اللطيف لأنالنوعين الآخرين هما هما بعد أن يفتضح الغطاء فتحدث الثورة ضد الوساطة والوصايةاللتين تدعيان الكلام باسم الله واللتين تدعيان الكلام بالاسم الإنسان .وهذا الافتضاح يلغي شرعية الدولة الزائفة فلا تبقى الا الشوكة.ونباهة فلاسفة المدرسة النقدية العربية ثلاثتهم (الغزالي وابن تيمية وابن خلدون)اكتشفوا قانونين ثوريين صاغهما ابن خلدون في فلسفته التاريخية وعللهما بنفس التعليلالذي سبق إليه الغزالي وابن تيمية وهو تعليل فلسفي وديني في آن :ضرورة الشرعية الشوكة والتناسب العكسي في دورهما السياسي.ففي فضائح الباطنية بين ذلك الغزالي في حوار متخيل بينه وبين باطني حول أساسالحكم في الإسلام .فكان رد الغزالي على نظرية الوصية بالقول إن اساس الحكم في الاسلامهو الاختيار الحر والاغلبية ومن ثم فهو يحتاج إلى الشرعية (الاختيار الحر) وإلى الشوكة الاغلبية التي تحول دون الاقلية ومنع الحكم.وابن تيمية يقول نفس القول في السياسة الشرعية لكنه يضيف تدقيقا أساسيا بأن يجعلوظائف النخب لا تقاس إلى بمعايير الكفاءة والأخلاق (الأمانة والعدل النساء )58التيهي الشوكة بمعنى أعم من الشوكة بمعنى القوة المادية أو الوازع الخارجي لأن الكفاءة تعني قوة ألطف واقوى في انجاز المهام.أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
--وهو معنى قرآني لطيف لعل ابن تيمية فكر فيه .ففي الانفال 60حرصت آية الردععلى التمييز بين القوة والقوة العسكرية :أعدوا لهم -1من قوة عامة و-2رباط الخيل.فالأولى تتعلق بقوة النخب الخمسة التي تكلمت عليها أي الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود .والثلاثة الوسطى غنية عن التدليل.لكن الأولى والأخيرة لا بد من توضيح القصد منها على الأقل بمثال :فرنسا قبل دوجولسنة 1958وبعده بقليل لم تتغير قوتها المادية لكن ضعف إرادة ممثلي إرادة فرنسا فيالجمهورية الرابعة جعلته مطلقة التبعية لأمريكا .فكانت إرادة دوجول سلاح ردع لأنه كان يفعل ما يقول .والعكس عند العرب.ونفس الأمر بالنسبة إلى الرؤى .فعندما تكون جماعة لنخبها رؤية يؤمنون بها فإنالتمسك بها مصدرا لاستراتيجيتها في تحقيق شروط سيادتها هي التي تردع مثل الإرادةالسياسية القوية .فلا أحد يشك في أن الغرب مستعد لخوض حروب من أجل اسرائيل لكن رؤية نخبها هي الاعتماد على الذات في الدفاع.وهنا أيضا عكس العرب .لكهم يعتمدون على من يسمونه حليفا وهو في الحقيقة حاممحتل .الدليل وجود القواعد في كل بلاد العرب وانقسام انظمتهم القبلية العسكرية إلىتوابع لذراع روسيا (إيران) ولذراع أمريكا (إسرائيل) .وفي الحقيقة هما ذراعان لكلتي القوتين لأنهما كلتاهما تمنعان استئناف دورنا.أما العلم والقدرة والحياة أعني نخبة المعرفة وتطبيقاتها ونخبة الاقتصاد وتطبيقاتهونخبة الذوق وتطبيقاته فدورها في الردع وفي القوة أمر لا يجادل فيه عاقل .ولذلك فأصلكل ضعف العرب والمسلمين بالإضافة إلى الإرادة السياسة والرؤية الوجودية هو الداء الذي أشخصه وأبحث له عن علاج.والآن إذا كان ازدواج النخب الخمس التي هي بعدة من يغلب عليهم مقومات الشخصالإنساني (حكم معارضة في السياسة وفي الرؤى وفي باقي النخب الثلاث بينهما أي نخبةأبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
--المعرفة ونخبة الاقتصاد ونخبة الفن وكأنها جميعا مبنية على المنطق الجدلي والصراع للتداول على الوظائف) فماذا يناظرها في المقومات؟هل الإرادة الفردية والعلم الفردي والقدرة الفردية والحياة الفردية والوجود الفرديهي بدورها مزدوجة بحيث تصبح عشرة كل منها فيه ما يناظر الحكم والمعارضة؟ ماذا يمكنأن يكون الازدواج في الإرادة؟ وفي العلم؟ وفي القدرة؟ وفي الحياة (الذوق)؟ وفي الوجود (الرؤية)؟سأترك الجواب لابن خلدون حتى يعلم متهمي بأني ماضوي -وهم يتبعون حتى من يعودإلى الفلسفة ما قبل السقراطية ويعتبرون ذلك ثورة-لكن أن تعود بعين جديدة لمفكر مسلمفإن ذلك رجعية وظلامية وإذا رحموك سموها ماضوية .وغالبا ما يكون ذلك مركبا لأبلد خلق الله حتى يعرفوا.إنه النص الذي يعرف فيه ابن خلدون ما يحصل للأمم إذا ربي نشؤها بالعنف وحكمت به\"ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم -1سطا به القهر وضيقعلى النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل -2وحمل على الكذب والخبثوهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه -3وعلمه المكروالخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا -4وفسدت معاني الإنسانية تلني له من حيثالاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على في ذلك -5بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدىإنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين .وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونالمنها العسف .واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به ونجدذلك فيهم استقراء\" (المقدمة الباب السادس الفصل )40وجدنا الأن عدة أمور في جواب ابن خلدون.إنها ما ينتج عن تواز بين مفعول العنفين في التربية وفي السياسة أو الحكم وهو إفسادمعاني الإنسانية بمستوياتها الخمسة-1:النفسية الخلقية -2النفاق أو اختلاف الظاهر عنأبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
--الباطن -3الخداع والمكر -4فقدان الدفاع عن النفس والاهل (عالة) -5اهمال الفضائل والرد أسفل سافلين :فساد معاني الإنسانية.هل يوجد من يجادل في دقة هذا التشخيص الخلدوني والتعليل وصدقهما لا يمكن أنيكون صادقا فضلا عن أن يكون ساعيا إلى تجاوز مآزقنا الحالية :فعندي أن هذا التشخيصوالوصف والتعليل وثلاثتها في هذا النص ما يزال أعمق فهم لطبيعة ما تعاني منه الأمة. إنها حقيقة وضعنا من الماء إلى الماء.وهذا الوصف هو الذي يحدد الازدواج في المقومات الخمسة أي في الإرادة وفي العلم وفيالقدرة وفي الحياة وفي الوجود وهي معاني ألإنسانية بل هي الإنسان ذاته وغايته (أيحقيقة التامة) .والازدواج هو السوي والفاسد فيها وهذان هما مناط الخلاف الذي يضفي الازدواج على النخب في بينة الجماعة والدولة.فعندما يصبح الازدواج في السياسة وفي العلم وفي الاقتصاد وفي الفن وفي الرؤية محكومابفساد المقومات الخمسة يكون الحاكم والمعارض فيها جميعا ليس محكوما بالتواصي بالحقولا بالتواصي بالصبر بل بمنطق الصراع والجدل .فيصبح هذا المآل ليس السياسة السوية بل هو السياسة الفاسدة.ومعنى ذلك أن منطق الجدل والصراع علته العميقة هي ما سميناه دين العجل الذييتنكر في الثيوقراطيا وفي الانثروبوقراطيا بوساطة ووصاية تتكلمان في الأولى باسم وثنتمسيه الله وفي الثانية باسم وثن تسميه الإنسان لكن الإنسان والله تحول إلى أداة مضاعفة هما معدن العجل وخواره.أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
--لما اخترت العنوان \"كيان الإنسان :أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع\" مدخلا أولا لعلاجكيانه كجاهز جامع بين قيامه الفعلي وهو الاصل ومقومات التجهيز الذي يحقق هذا القيامالفعلي وهي فروع القيام كجهاز فاعل يحققه في ذات الإنسان ككيان \"مادي-روحي\" لا يقبلان الفصل قرآنيا لا في الدنيا وفي الآخرة.وهذا هو كيانه الذي قيام لا معنى له من دون تجهيزه الذي لو فصلناه عن الكيان لكانالكيان هو المقصود بالمادي (اي البدن) والتجهيز هو المقصود بالروحي(الروح) لكن البدنبغير هذا الجهاز لا شيء فيه من الانساني أو مما يتميز به الإنسان عن غيره من الحيوان والجهاز من غير البدن لا قيام له بذاته.والعلة في كون قيام الإنسان بدن مجهز هذا التجهيز هي كونه مظروفا بشروط قيامهمادة لبدنه وجهازه بظرف هو ما يحيط به من العالم الطبيعي الضروري لبدنه مادة حياةعضوية ولروحه موضوع حياة روحية والعالم التاريخي مادة حياة روحية ليكون بحق محققا تعايش الاحرار لتكون الطبيعة مادة حياته عضوية.وهذا المقصود بالعلاقتين :العمودية شرطا في استعمار الأرض والتبادل والأفقية شرطافي الاستخلاف والتواصل .وعلاج العلاقة العمودية يعتمد على جهاز النظر والعقد في المقامالاول وعلاج العلاقة الافقية يعتمد على جهاز العمل والشرع في المقام الأول .لكن العلاجين متوالجان كلاهما ضروري للثاني.والظوارف هي الأحياز .فالحيز المكاني المباشر هو الجغرافيا والحيز الزمان المباشر وهوالتاريخ .وفعل كيان الإنسان المظروف في الجغرافيا يعالج العلاقة العمودية ليستمد شروطقيامه المادي وهي الثروة في المقام الاول ولا يتم ذلك من دون تعاون وتبادل وتعاوض وذلك هو علاج العلاقة الافقية.ومباشرة يتبين أن الديني في الأديان الذي جاء القرآن ليخلصه من التحريف الذي ينزلبه إلى دين العجل المتنكر في الثيوقراطيا والفلسفي في الفلسفات الذي ينبغي تخليصه منأبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
--التحريف الذي ينزل به إلى دين العجل المتكل في الانثروبوقراطيا شيء واحد وهما وجها الوجود الإنساني أي قيامه وتجهيزه.وهذا هو معنى فصلت 53وآل عمران 7تعريفا لشروط عمل التجهيز الموجب الذييتعالم مع العلاقتين العمودية مع الطبيعة والافقية مع التاريخ شرطين لقيام الإنسان وعملتجهيزه في الاستعمار وفي الاستخلاف وتلك هي بنية القرآن المضمونية .ومعنى ذلك أن هذه البنية هي عين كيان الخليفة وتجهيزه.وحتى أعبر عن هذه الحقيقة وضعت نظرية المعادلة الوجودية\" :الله الطبيعية (الله-الإنسان) التاريخ الإنسان\" وشرحت معني \"الله والإنسان\" في الوسط علاقة مباشرة بينهمادون تمانع شرطا في العلاقة غير المباشرة فـ\"الله والإنسان\" محيطان بالطبيعة والتاريخ كما بعد يجعل الاستعمار بقيم الاستخلاف.وهنا تأتي نظرية الاسترماز :ففي قصة الاستخلاف كان ما لا يعلمه الملائكة في حكمهمعلى عدم أهلية الإنسان للاستخلاف هو الاسترماز أي تعلم الاسماء كلها .وشرحت الاسترمازسابقا في فصول خصصتها لما سميته أنطولوجيا اللسان ضاعفت فيها مفهوم النظم ومفهوم الدلالة شرطا في مفهوم التداول.ولا أنوي الخوض مرة أخرى في تعليل ذلك ويكفي مثال الدلالة فهي تقتصر على Die Bedeutungبمعنى أنها تجعل الرمز اللساني محيلا إلى شيء معين في الوجود .وهذالو كان يكفي لاستحال الإبداع الذي ليس له إحالة على شيء معين في الوجود بل هو رمز يبدع ذاته ويبقى مفتوحا دون مرجعية محددة .Der Sinnوإذن فشرط التقدير الذهني الذي يبدع رموزا ليس لها دلالة لكنها ذات معنى متجاوزللدلالة هو الإيمان بوجود عالمين على الاقل أحدهما ظارف للإنسان وهو العالم الطبيعيوالتاريخي وهما عالم الدلالة وعالم مظروف هو الإنسان وما به يتجاوز العالمين في علاقة بماوراء هو \"الله\" :علاقة الاستخلاف.أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
--ولا مشاحة في الاصطلاح لتسمية هذا المابعد المؤسس لعالم الدلالة المحدود بعالم المعنىاللامحدود لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه لأنه جزء من بنية قيامه وتجهيزه وما فيها منتجاوز لشروط عالم الدلالة الطبيعي والتاريخي إلى عالم فسيح أوسع منهما بما لا يتناهي من الممكن الوجودي المطلق.تحريف الديني والفلسفي هو محاولة حصر الإنسان في عالم الدلالة ظنا أن عالم المعنىوهمي إما صراحة كما في العلمانية والمادية والانثروبوقراطيا الناتجة عنهما دين عجلمتنكر بالإنساني أو خفية كما في الدينية والروحية او الثيوقراطيا الناتجة عنهما .فيكون الأصل المحرف هو نفي التعالي الإنساني.ونفي التعالي الإنساني أو عالم المعاني المتعالي على عالم الدلالات يمكن اعتباره تحريفاللاسترماز بنوعيه التبادلي (العلمة)والتواصلي(الكلمة) وجعلهما معدن العجل وخوارهنفيا لدورهما السوي الذي يضفي البعد الروحي على قيم التبادل المادية (الاقتصاد) وعلى قيم التواصل الرمزية (الثقافة).وتعالي عالم المعاني على عالم الدلالات هو المضمون الصريح للآية الأولى من سورةالنساء .ففيها المستويان عالم الدلالات الطبيعية والتاريخية وعالم المعاني المتجاوزةللدلالات الطبيعية والتاريخية إلى ما وراء يتأسس على حرية الإنسان واستخلافه شرطي أخلاقه وتعاليه على الضرورة.ففيها دعوتان مستندتان على علاقتي الإلهي والإنساني .فالإلهي خالق وآمر والإنسانيمخلوق ومأمور .والعلاقتان بين ذاتين أولاهما مطلقة الحرية تخلق وتأمر والثانية نسبيةالحرية تُخلق وتؤمر والآية تدعو الإنسان بالصفتين وتذكره بالرحمين اللذين يحرران التبادل والتواصل من دين العجل.\"اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة\" :فيها إشارة للربوبية الخالقة وفيها إشارةللرحم الكلي المضطر للإنسانية (الأخوة الإنسانية)\".واتقوا الله الذي تساءلون بهأبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
--والارحام\" :فيها إشارة للالوهية وفيها إشارة للرحم الجزئي المختار للإنسانية (التزاوج بين البشر) .والرقابة الإلهية تشمل الرحمين.وهذا هو الفرق بين العلاقات البشرية المبنية على دين العجل أي على رمز التبادل(العملة) ورمز التواصل (الكلمة) المتنكر بتحريف الديني والفلسفي أي بالثيوقراطيا أوبالانثروبوقرطيا لتحريف غايات الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود ومن ثم تحريف حقيقة الإنسان بتحريف وظيفة الرمزين.فعندما ننزع عن دين العجل تنكريه نكتشف ان حقيقته هي تحريف وظيفة رمزالتبادل(العلمة) ورمز التواصل (الكلمة)من كونهما شرطي الحرية السياسية (العملة)والروحية (الكلمة) إلى أداتي العبوديتين لتحولهما إلى سلطان على كيان الإنسان البدني (الغذاء والجنس) وعلى كيانه الروحي (أبعاد تجهيزه الأربعة).فالعملة حقيقتها المتعالية على توظيفها في دين العجل هي رمز التبادل المشروط بقيمالبضائع والخدمات والتعاوض العادل بين الناس المتساوين في القيمة وفي الحاجات التييقوم بها كيان الإنسان البدني والروحي :النساء تمنع السفيه من التصرف في المال نقدا وعينا لأنه شرط قيام الإنسان.ونسبة الكلمة إلى التواصل هي عين نسبة العملة إلى التبادل .وحقيقتها إذا خلصناها منالتحريف الناتج عن دين العجل هي رمز التواصل الصادق بني الناس المتساوين في القيمةوفي الحاجات الروحية التي بقوم بها كيان الإني الروحي والبدني :فالخداع التواصلي تحريف ثقافي متبادل التأسيس مع الاقتصادي.ولما كان هذا الفصل هو الاخير في المحاولة فلأذهب مباشرة إلى الزبدة .في الفصل الثالثشرحت التجهيز الروحي للإنسان ليكون قادرا على تحقيق بعدي مهمته في الوجود الدنيويأي الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها دون ادعاء معرفة حقيقة الروح لأنها من امر الله والغيب المحجوب حتى على الرسل.أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
--لكن أفعال الروحي من الإنسان المتعين في البدني منه هي مضمون \"الرحمن علم القرآنخلق الأنسان علمه البيان\" .وتبين أن القرآن هو العلاقة المباشرة بين الله والإنسان وأنالبيان الذي علمه هو شرط أهليته للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها .والبيان شارط للأول وشارط للثاني موجبهما وسالبهما.فإذا تنكر رمز التبادل في معدن العجل أي سلطة المال وتنكر رمز التواصل في خوار العجلأي سلطة الكلمة سواء كان التنكر باسم تحريف مفهوم الله وتحويله إلى وثن تستعمله سلطةالوساطة وسلطة الوصاية (الثيوقرطيا) أو باسم تحريف مفهوم الإنسان لنفس الغاية (الانثروبوقراطيا) حرف الديني والفلسفي.وتحريفهما الثيوقراطي هو أصل الفتنة الكبرى التي عرفها تاريخنا في بداية تعطيلالدستورين وفرض حالة الطوارئ التي دامت 14قرنا وتحريفهما الانثروبوقراطي هوأصل الفتنة الصغرى التي يعرفنا تاريخنا منذ ما يسمى بالعصر الحديث .وتجمع بينهما بنية عميقة هو دين العجل ورمزاه إيران وإسرائيل.وهما رمزان لنفي مضمون النساء 1ومضمون الحجرات 13وليس كل منهما إلى ذراعلحضارة العجل او العولمة التي هي سلطان تحريف وظيفة العملة ووظيفة الكلمة لأن الاولىصارت أساس التبادل الظالم والثانية أساس التواصل الكاذب .والتبادل الظالم في نفس الجماعة وبين الجماعات معياره القوة والسلطة.وما يغطي عليه هو مفهوم \"السوق\" التي تحدد أسعار البضائع والخدمات موضوعي التبادلالاقتصادي .فهذا المفهوم كذبة لأنه ليس كما يتوهم الكثير عملية موضوعي لا دخل فيهالنسب القوة بين المتبادلين .فالأقوى هو الذي يفرض الاسعار والقيم بآليات سأدرسها لاحقا: قيمة الدولار أغلبها سياسي وليس سوقي.وما قلته عن العملة أقول مثله عن الكلمة .فنسبة القوة إلى القيمة الاقتصادية لها نظيرهو نسبتها إلى القيمة الثقافية .فقيمة الثقافة الأمريكية ليست ذاتية لها بل سرها في قوةأبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
--أمريكا التي هي عجليتها بمعنى أن الكلمة تخدم العملة فأسست لثقافة الاستغلال بدل ثقافة التعاون والتعاوض العادل.وهو ما يبين خطاب هابرماس الذي يتصور أن منطق التدوال (في ثقافة النظامالديموقراطي) يمكن أن يصلح منطق التبادل (في اقتصاد النظام الرأسمالي) لأنه لم يفهمأن الأول وظيفته ليس التواصل الصادق باسم الله حول التبادل الظالم بل هو التواصل المخادع الذي يبرر البادل الظالم باسم الإنسان.أعود إلى الرحمن .من المخاطب؟ الكائنان اللذان لم يخلقا إلا للعبادة :الجن والانس.ومن الجنس والإنسان شياطين وهم محرفو وظيفة رمز الفاعلية او العملة وفاعلية الرمزأو الكلمة ومؤسسو دين العجل وتنكره في الثيوقراطيا وفي الانثروبوقراطيا .ولفهم ذلك يكفي قراءة المعوذات الثلاث.لن أطيل في بيان ذلك لأنه من بعض أفكرا التفسير الفلسفي للقرآن الكريم .سأكتفيبالقول إن الأولى تعرف الله الحق وتميزه عما يوثنه وخاصة قيسه على الإنسان من حيثالصفات الوجودية .والثانية تعرف ما في كيان الإنسان من استعداد لقبول هذا التحريف وهي القيم السالبة الخمس ورمزها \"شر ما خلق\".والأخيرة تبين أن شر ما خلق هو شياطين الإنس والجان أو ما يؤسس للإنسان الذي لايعوذ بالله بل يعوض بتوثينه فيفقد انسانيته التي هي علاقته المباشرة بالله وعلاقته غيرالمباشرة بالطبيعة والتاريخ بمنظور العلاقة المباشرة أعني بما يجعله يعتبر ما فيهما من نظام ما يراه فيهما من آيات الله.ففي السور الثلاث الملجأ الوحيد هو العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه دون وسيط ولاوصي وهو ملجأ من دين العجل أو من الوسطاء والاوصياء الذين يقيسون الله على الإنسان(م )1.وينسبون إلى الإنسان قدرات تتجاوز سلطان الله (م )2.وذلك بوسوسة شياطين الإنس (الجلية)والجان (الخفية) (م.)2.أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
--اضطررت لاعتبار الاخلاص أصلا للمعوذتين فوصفتها بصفتهما لأن المضمر فيها هو مايتعوذ به من يتعوذ في المعوذتين أعين رب الفلق ورب الناس .ولا يمكن أن نتكلم علىالمعوذتين من دون الكلام على هذا الرب المنسوب إلى الفلق والناس .والأول مجال الضرورة والثاني مجال الحرية.ولولا ذلك لما كان موضوع المعوذة الأولى (رب الفلق) الكلام على السحر خاصة أي نفيالنظام الطبيعي وبما يؤسس لسلطان الوسطاء والاوصياء على الإنسان .ولما كان موضوعالمعوذة الثانية (رب الناس) الكلام فيه على الوسوسة التي تؤيد في الأذهان ما يؤثر في الأعيان من ادوات سلطان الوسطاء والاوصياء.أعلم أن الاخلاص ليست معوذة لكنها أساس الكلام في المعوذتين بمعنى أن توثين اللهبقيسه على الإنسان هو الذي يجب على المؤمن أن يتعوذ منه والعياذ لا يكون بغير هذاالمعنى الحقيقي للإله .السور الثلاث وحدة متكاملة لبيان أصل دين العجل وشرط التخلص منه وهما موضوع النقد والبديل القرآنيين.ولعل في اسمها معنى من دلالاته أنها تؤسس للخلاص مما يتأسس عليه تحريف مفهوم اللهومفهوم الأنسان المؤسسين لسلطان الوسطاء والاوصياء الذي لا يتحقق إلى ببعدي دينالعجل في سياسة الدنيا التي تعتبر غاية الاخرى بدل العكس فتحرف الاخرى لتكون في خدمة الأولى وذلك هو تنكر دين العجل.أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
--أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 32
Pages: