Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore كيان الانسان أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع – أبو يعرب المرزوقي

كيان الانسان أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع – أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2018-06-27 01:01:08

Description: كيان الانسان أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع – أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫كيان الانسان‬‫أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬‫‪ -‬الفصل الثاني ‪7 -‬‬‫‪ -‬الفصل الثالث ‪12 -‬‬‫‪ -‬الفصل الرابع ‪17 -‬‬‫‪ -‬الفصل الخامس ‪22 -‬‬

‫‪--‬‬‫عندما تكلم القرآن على النظر في الطبائع (القابلة للعلم) والعقد (في العقائد موضوع‬‫الخلق) تكلم على قوانين الخلق وهي بنى رياضي (الخلق بقد) وعندما تكلم على العمل‬‫(القابل للعلم) والشرائع (في الشرائع القابلة موضوع الامر) تكلم على سنن الأمر‪ :‬السؤال‬ ‫هو ما الفرق بينهما قوانين الخلق وسنن الامر؟‬‫وكل الادلة التي يستعملها القرآن في حجاجه (لأثبات وجود الله مثلا) يتكلم على النظام‬‫الطبيعي حصيلة للخلق بعدد والادلة التي يستعملها في حجاجه (لأثبات سنن مآل الحضارات‬‫مثلا) يتكلم على النظام التاريخي حصيلة للأمر بأحكام خلقية‪ .‬هل هذا مؤشر على الفرق‬ ‫بين القوانين الرياضية والسنن التاريخية؟‬‫ألا يمكن ان نعتبر ذلك تمييزا بين موضوع النظر والعقائد بالخضوع للقوانين الضرورية‬‫أو قوانين الخلق (لأن العقائد معتبرة فطرية أي مرسومة في كيان الإنسان) وسنن موضوع‬‫العمل والشرع بالخضوع للسنن الحرة أو سنن الأمر (لأن التشريعات متعددة‪ :‬لكل جعلنا‬ ‫منكم سرعة ومنهاجا)؟‬ ‫ألا ينتج عن ذلك أن العقائد والطبائع واحدة وكونية والشرائع متعددة وغير كونية؟‬‫هل يكون تعدد الشرائع هدفه كما حددته المائدة ‪ 48‬هادفا إلى التسابق في الخيرات بمعنى‬‫أن العلمي النظري واحد والعلمي العملي متعدد فيكون التعدد الثاني هو ما تقتضيه مراحل‬ ‫التدرج في العلم النظري والعملي؟‬‫كيف نجمع بين وحدة النظر والعقد وتعدد العمل والشرع وفيهما كليهما ما هو طبيعي‬‫وماهو إنساني؟ ففي النظر والعقد الطبائع طبيعية (في الأعيان) والعقائد إنسانية (في‬‫الأذهان) وفي العمل والشرع العمل طبيعي (في الاعيان) والشرع إنساني (في الاذهان)‪.‬‬ ‫فهل الطبيعي والإنساني كلاهما مزدوج الدلالة؟‬‫فيكون الطبيعي في الطبيعة غير الطبيعي في الإنسان‪ .‬ويكون الإنساني في الإنسان غير‬‫الإنساني في الطبيعة‪ :‬فالعمل الذي هو تعامل إنساني مع الطبيعة مزيجا من الطبيعي‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫والإنساني‪ .‬ويكون العقدي في الإنساني مزيجا بين ما فيه من طبيعي(الفطرة)وما فيه من‬ ‫متجاوز للطبيعي وله فيه الاختيار(الخلقي)‪.‬‬‫وإذن فلدينا طبيعتان هما نظام العالم الطبيعي ونظام الإنسان الطبيعي‪ :‬قوانين الخلق‬‫للطبيعة وللإنسان‪ .‬ولدينا إنسانان هما نظام الإنساني في العالم الطبيعي ونظام الإنساني‬‫في العالم التاريخي‪ .‬والنسبة بين النظامين الإنسانيين كالنسبة بين الطبيعتين‪ .‬والإنسان‬ ‫خاضع لهذه النسب الأربعة وكيانه أصلها‪.‬‬‫ولذلك فهو أكثر المخلوقات تعقيدا بما في ذلك العالم الطبيعي فضلا عن العالم التاريخي‬‫لأنه مؤلف منهما وأرقاها ما جعله يكون أهلا للاستخلاف‪ .‬وينبغي اذن أن نحدد ما به كان‬‫الإنسان أرقى المخلوقات لنفهم ما يجعله أهلا للاستخلاف إذا عمل بالفروع الأربعة التي‬ ‫ذكرناها وهي عين كيانه وهو أصلها‪.‬‬‫ما معنى أن كيان الإنسان هو كونه أصل هذه الافعال الأربعة‪ :‬ينظر ويعتقد ويعمل‬‫ويشرع حتى لو كان مطلق الأمية؟ ولماذا كان ينظر ويعتقد رياضيين؟ ويعلم ويشرع سنين؟‬‫في الحقيقة \"يعتقد\" ليس رياضيا مباشرة بل هو ما بعد رياضي‪ .‬كما أن يشرع ليس سننيا‬ ‫مباشرا بل ما بعد سنني‪ .‬ما القصد بما بعد؟‬‫قبل الجواب ينبغي أن أجيب عن اعتراضين لا بد أن يصدرا عن الكاريكاتورين‪ :‬كيف‬‫تجعل العقدي ما بعدا مؤسسا للرياضي وتجعل الشرعي ما بعدا مؤسسا للسنني؟ فلكأنك قلت‬‫إن رأس العلم (الرياضيات) أساسه العقيدة ورأس العمل أساسه الشريعة(السنن)‪.‬‬ ‫فالتأصيلي لن يقبل فقهيا والتحديثي ابستمولوجيا‪.‬‬‫فأما التحديثي فاعتراضه ابستمولوجي كما يتوهم لأنه يخلط بين العقدي الديني‬‫والاعتقادي الاجتماعي ولا يصدق الأعراف ‪ 173-172‬لأنه يتصور الديني هو المثيولوجي‪.‬‬‫والتأصيلي فاعتراضه فقهي كما يتوهم لأنه يتصور أن اعتبار العقيدة أساسا للرياضيات‬ ‫حطا منها لخلطه بين فعل الرياضيات وثمرته الرياضية‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫والرد على التحديثي أيسر من الرد على التأصيلي لأنه يتحجج بما يتوهمه ابستمولوجيا‬‫ويظنه قائلا بأن العقدي لا صلة له بالعلمي فضلا عن أن يكون مؤسسا له وخاصة لذروته‬‫أي الرياضيات‪ .‬وينسى الامور التالية‪-1:‬العقل يبدع نسقا رياضيا ‪-2‬ويتصور العالم ذا‬‫نسق ‪-3‬ويميز بين النسقين ‪-4‬ويطبق‪1‬على ‪ 2‬ويعتبر ذلك علما للعالم بنسقين أحدهما‬‫يبدعه العقل الإنساني والثاني ليس للعقل الإنساني في إبداعه دور‪ .‬فكيف يفسر هذه‬‫المسائل الخمسة هل هي علمية أم عقدية؟ هب الإنسان لم يعتقد في إمكانية ‪ 1‬و‪ 2‬و‪ 3‬و‪4‬‬ ‫فهل يمكن أن يتكلم على ‪5‬؟ ألا يرى إذن ان العقد هو أساس اساس العلم النظري؟‬‫وطبعا فلست أزعم أن كل عقدي هو كذلك أساس بل العقدي الذي هو كذلك هو الأساس‪:‬‬‫والعقدي الذي هو كذلك هو العقدي الذي جاء في رسالة موضوعها ليس الأديان التاريخية‬‫بل الديني في كل دين تاريخي وهو الرسالة الخاتمة التي يصفها القرآن بكونها دين الله‬ ‫التام‪.‬‬‫فالقرآن هو الذي يقول إن الخلق بقدر أي إن الطبيعة قوانينها رياضية وأن طلبها يكون‬‫في رؤية الآيات في الأفاق والانفس وبه يتبين الإنسان حقيقة القرآن‪ .‬وهذه هي العقيدة‬‫التي حددتها الآيتان ‪ 172‬و‪ 173‬من الأعراف بوصفها شهادة من أبناء آدم الميثاق وبعدم‬ ‫الاحتجاج بأثر التربية وبالسن‪ :‬فطرية‪.‬‬‫لكن التأصيلي أعسر اقناعا لأنه يتصورني قد قلت إن أساتذة الرياضيات هم علماء‬‫العقيدة‪ .‬وهو يتوهم أن أساتذتها هم مبدعوها‪ .‬قلة قليلة منهم لهم دور فيها‪ .‬ما أتكلم‬‫عليها هو ذلك المخمس الذي ذكرته في ردي على التحديثي‪ .‬فمبدعو الرياضيات يتخيلون‬ ‫نسقا ومطبقوها يجدونها في العالم‪.‬‬‫ولما كان القرآن يستدل على وجود الله بنظام الخلق وبسنن الامر بات واضحا أن من لم‬‫يطلب النظامين بما يبدعه العقل من نماذج رياضية وسننية ليس في الحقيقة فاهما لمعنى‬‫العقد ولا لمعنى الشرع على الاقل في الرسالة الخاتمة‪ .‬المقدرات الذهنية ليست تحكمية هي‬ ‫أثر هذه العلاقة مكتوبا في الفطرة‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫كيف يكون الشرعي مؤسسا للسنني مثلما يكون العقدي مؤسسا للرياضي؟ هنا تبدو الفارقة‬‫اكبر‪ .‬وكذلك في راي التأصيلي والتحديثي‪ .‬والرد على التحديثي هنا أيضا أيسر من الرد‬‫على التأصيلي‪ .‬فالأول يتصور ما تسنه المجالس النيابية تستمد شرعيتها من إرادة المجالس‬ ‫النيابية وليس من مفهوم الشرعية‪.‬‬‫وعندما تبين له أن ذلك لو كان كذلك لما أمكن القدح في ما تسنه المجالس قدحين أساهما‬‫مفهوم الشرعية بمستوييها شرعية الذي يسنها وشرعية السنن نفسها‪ .‬والشرعية الاولى‬‫هي حقيقة الانتخابات ونزاهتها والشرعية الثانية وهي أرقى هي مطابقة حقوق الإنسان‪.‬‬ ‫وهذه هي التي تضفي الشرعية على السنن‪.‬‬‫ولا يمكن لأي حداثي نزيه أن يجادل في هذه الحجة لأنه يحتج ببعديها ليؤسس لحق‬‫المعارضة في المعارضة على ما تسنه الحكومات من سنن في تنظيم الحياة السياسية الاقتصادية‬‫والاجتماعية‪ .‬والآن لماذا يعسر أقناع التأصيلي لأن يتصور ما جاء في القرآن من أحكام هي‬ ‫الشريعة وليست سننا من جنس القانون‪.‬‬‫لذلك فهو لا يمكن أن يفهم أن هذه السنن لا تقبل من سلطة غير شرعية سننا ينظم بها‬‫المجتمع ولا تقبل من دون شروطها التي إذا توفرت في أي سن تعتبر شرعية‪ :‬وشروطها هي‬‫تعليلها الخلقي وصحة نسبتها إلى ما فرضه الله من واجبات وحقوق على الإنسان‪ .‬والقرآن‬ ‫يحدد شرعية السن وشروط المسنون‪.‬‬‫لا يفهم التأصيلي أن السن ليس نص الحكم الذي هو حد بشروط التنزيل والمنزل على‬‫النوازل وهو لا يكون إلا لعلل النص الخلقية وشروط شرعية المنزل على النوازل الخلقية‬‫وخاصة الاستقلالية وهي جميعا رهن شرعية سلطة الامر التي ينسبها القرآن للجماعة‬ ‫ويحدد نظام إدارته بالشورى‪.‬‬‫فيكون الكلام على السنن وكأنها هي الشريعة خطأ من جنس الكلام على القانون وكأنه‬‫هو الشرعية‪ .‬في القانون الوضعي الشرعية ذات مستويين شرعية الشارع شرطا في حقه في‬ ‫وضع السنن القانونية وشرعية الأساس الذي هو حقوق الإنسان الطبيعية‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫في القوانين الدينية التي تظن هي الشرعية ننسى ما يناظر هذين الامرين رغم ان حق‬‫الله كشارع لا جدال فيه وهما شرعية السلطة التي تستعمل القوانين الدينية وشرعية‬‫اساس الشرعية وهي أن تكون مطابقة لشروطها التي تناظر حقوق الإنسان الطبيعية وهنا‬ ‫حقوق الإنسان وواجباته التي حددها القرآن‪.‬‬‫والفرق بين البحث في شرعية الشارع في القانون الوضعي وعدم الحاجة إليها في القانون‬‫الشرعي هو الذي يجعل الفرق الاول ينتقل في الشريعة السماوية إلى وجه ثان يستغني‬‫عنه القانون الوضعي لأنه جزء من شرعية الشارع فيه‪ :‬هو شروط التنزيل تنتقل من‬ ‫الشارع إلى العامل به‪.‬‬‫فالعامل بالقانون الوضعي خاضع لشروط التنزيل الوضعية ولصفات الشارع الإنساني لكن‬‫العامل بالقانون الشرعي تنزيله إنساني وصفات الشارع إلهية‪ .‬فكيف نحكم على صاحب‬‫التنزيل على النوازل‪ :‬لا يمكن تطبيق الشرائع المنزلة من دون مراعاة هذا الفرق‪ .‬إذن‬ ‫الشريعة الدينية شريعة للتشريع وليست للسنن‪.‬‬‫ما كان شريعة للسنن القانونية في القرآن لا يمكن أن يطبقه إلى من تتوفر فيه شروط‬‫الأمانة والعدل النبويين‪ .‬أما القضاة العاديين فما يطبقونه من تشريع من وضع البشر‬‫على الاقل في التحديد النسبي للمناط والاجتهاد الذي لا يتجاوز الظاهر للجهل بالسرائر‪:‬‬ ‫شرعية سلطة الحكم ونسبية علم القضاء‪.‬‬‫فيكون الحل في غياب من أمانته وعلمه وشرعية سلطته السياسية ومعرفته بعلل الأحكام‬‫الخلقية ووظيفتها الدنيوية والاخروية هي الشرع الذي يؤسس للسنن القانونية‪ .‬وهذا‬‫غير متوفر إلا للنبي في الدنيا ولله في الآخرة‪ .‬لذلك فالشريعة القرآنية شريعة للتشريع‬ ‫وليست شريعة للنوازل بعد وفاة الرسول‪.‬‬‫ذلك أن التوقيع باسم الرسول لا شيء يضمن أن الموقعين لهم شروط التوقيع خاصة‬‫والحكومات في العالم الإسلامي كلها ليست ذات شرعية لا دينية ولا وضعية بل هي حكومات‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫مفروضة ولا تطبق الشريعة بمعنى الحكم على النوازل وليس على شروطه الا على‬ ‫الضعفاء‪ :‬فأكبر السراق هم الحكام ولم نر حاكما قطعت يده‪.‬‬‫أما عندما تكون الشريعة السماوية محدد لشروط شرعية التشريع أو السن القانوني فإن‬‫ذلك يصبح حكما على التشريع وليس حكما على النوازل‪ .‬فيكون حكما على التشريع وعلى‬‫شرعية الشارع والقاضي والمنفذ للشروط الخلقية التي أهمها الامانة والعدل لتطبيق‬ ‫تشريع حدد القرآن شروط شرعيته ليكون سننا شرعية‪.‬‬‫تلك هي علة عسر أفهام المسألة للتأصيلي‪ .‬ذلك أنه يعتبر الأحكام تطبق آليا لكأن من‬‫يقضي فيها وينفذها له ذو شرعية ويطبقها بمقتضيات ما بتوفره فيه يجعله ذا شرعية‪.‬‬‫وهذا الـ\"ما\" يجعله ذو شرعية لا يتعلق بالحكم فيحس بل يتعلق بشرعية القاضي والحاكم‬ ‫الذي يعينه وشروط التنزيل أي الامانة والعدل‪.‬‬‫وشروط التنزيل نوعان‪ :‬لا يكفي شروط تحقيق المناط بل شروط الظرف الاجتماعي‬‫والاقتصادي والسياسي التي قد تصل إلى تعطيل الحكم المؤقت أو حتى الدائم إذا كان‬‫الشرط دائما‪ .‬وفي القرآن من العلل الخلقية والسياسية ما يمكن من ذلك‪ .‬ولعل أهم علة‬ ‫هي الضرورة التي تبيح المحظور ناهيك عما هو ليس محظورا‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫أعود الآن إلى كيان الإنسان وفروعه الأربعة بعد أن بينت العلاقة بين الفرعين الاولين‬‫(النظر والعقد) والفرعين الثانيين (العمل والشرع) انطلاقا من العقم الذي أصاب نظر‬‫الامة وعملها لأنها طلبت العلم والعمل بعكس ما أمر به القرآن ونهى عنه‪ .‬فهو أمر بفصلت‬ ‫‪ 53‬ونهى بآل عمران ‪.7‬‬‫وهو ما ألغى النظر والعمل ولم يبق إلا العقد والشرع‪ .‬فهما يتوقفان بمجرد أن تترك‬‫آيات الله التي يرينها في الآفاق والانفس وتهتم بالعقد والشرع اللذين يتحولان إلى بحث‬‫ما لا يمكن علمه(الغيب)علما ينطبق في الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف (آل عمران‬ ‫‪ )7‬ويهملان علم الطبيعة والتاريخ‪.‬‬‫وقد خصصت لبيان ذلك محاولات هدفها بيان علل عقم علوم الملة الخمسة (الكلام‬‫والفلسفة والفقه والتصوف وأصلها جميعا أو التفسير) التي تحولت إلى مثلجة الدين‬‫والعلم والقانون والأخلاق والتفسير بصورة تجعلها مجرد شرح نصوص وعلة للصراع بين‬ ‫التأويلات التي لا تقبل التقييم لغياب ما يحتكم اليه‪.‬‬‫ولست أنوي العودة إلى بيان الطابع اللاديني واللافلسفي واللافقي واللازهدي‬‫واللاتفسيري في هذه العلوم أولا لعقمها الذي لم يحقق شروط الاستعمار في الارض‬‫والاستخلاف فيهما وهما مقوما الإنسان من حيث كيانه العضوي والروحي وثانيا لأنها تتنافي‬ ‫ما أمر فصلت ‪ 53‬ونهي آل عمران ‪.7‬‬‫وقد أوجز القصد بهذا العقم في الاستعمار والاستخلاف في الارض من حيث فاعلية العلم‬‫والعمل وعدم العمل بالأمر والنهي القرآنيين المشيرين إلى مجال البحث العلمي الموصل‬‫لحقيقة القرآن ومجال التخريف المبعد عنها في ما يمثله اليوم ما يسمى بالإعجاز العلمي‪:‬‬ ‫شرح نصوص القرآن لاكتشاف المكتشف‪.‬‬‫وما يعمله أصحاب هذه الرؤية اليوم بالنسبة إلى المتكشف في العلوم الأوروبية الحديثة‬‫عمله أصحاب هذه العلوم المزعومة بالنسبة إلى المكتشف في علوم اليونان‪ .‬ولولا بقاء تقاليد‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫المدارس العلمية المستقلة عن هذه العلوم الخمسة وآراء المدرسة النقدية لكان تراثنا‬ ‫العلمي والعملي لا يبعد عن الصفر‪.‬‬‫وهذا الوصف يصح على ما سميته الكاريكاتورين‪ .‬فالموروث من العلوم اليونانية شارك‬‫فيه العلماء بالمعنى الوضعي ولم يشارك فيه لا الفلاسفة ولا المتكملون ولا الفقهاء ولا‬‫المتصورة ولا مفسرو القرآن في الماضي وكذلك في الحاضر بالنسبة إلى العلوم الحديثة حتى‬ ‫التي هذه موضوعاتها‪.‬‬‫ولا يعني ذلك أنهم كانوا ناقصين ذكاء أو عاجزين عن الابداع لعلل عرقية بل لعلتين هما‬‫ما يشير إلى عكس الامر والنهي‪ :‬عملوا عكس فصلت ‪ 53‬وعكس آل عمران ‪ .7‬وإذن‬‫فالامر يتعلق برؤية وبنظام تعليم‪ .‬والرؤية مضاعفة‪ :‬حقيقة علم الشاهد التي لا توجد‬ ‫إلا فيه (الآفاق والانفس) وحقيقة المتشابه (المتشابه)‪.‬‬‫أما نظام التعليم فهو مقصور على شرح النصوص والصراع بين الفلاسفة والتكلمين حول‬‫علاقة العلم والأيمان والفقهاء والمتصوفة حول علاقة القانون والأخلاق‪ .‬وبدلا من أن‬‫يكون ذلك في دراسة الشاهد من أجل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها اخرجوها من‬ ‫المنظومة التربوية وهي عمل علماء عصاميين‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن معرفة شروط الاستعمار في الارض (العلاقة العمودية بين الإنسان‬‫والطبيعة) وشروط الاستخلاف فيها (العلاقة الافقية بين الإنسان والتاريخ) قد استثنيت‬‫من منظومة التعليم الرسمية فلم تتجاوز المدرسة الإسلامية العلوم اليونانية ومبتذلاتها‬ ‫بدون إبداع يذكر تماما كما يحصل الآن‪.‬‬‫ومما لم أجد له فهما حقا هو تعامل الفلاسفة مع النصوص الفلسفية اليونانية تعاملهم مع‬‫النصوص الدينية متصورين ان العلم موجود فيها حتى قال الفارابي إن العلم قد تم مع‬‫ارسطو ولم يبق إلا أن يعلم ويتعلم‪ .‬ابن رشد الذي يظنه الحداثيون العرب منبع حداثة‬ ‫الغرب كان أكثر من الفارابي إيمانا برأيه‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫وهو ما نراه يتكرر عند الحداثيين العرب فعندهم أن العلم قد اكتمل ولم يبق إلا أن يعلم‬‫ويتعلق وخاصة عند من يريد أن يعتبر نفسه خادما للقرآن عندما يدعي أنه قد سبق إلى‬‫هذه الحقيقة أو تلك من المبدعات الغربية والتي لا يفهمون أنهم بذلك يفقدون القرآن‬ ‫قدسيته ويؤرخنونه‪ .‬فالعلم تاريخي بالجوهر‪.‬‬‫ولهذه العلل سأحاول بيان القصد بأن كيان الإنسان ليس هو شيئا آخر ما أشرت إليه من‬‫غيب الروح التي لا نعلمها لكنا نرى أفعالها في فروع كيان الأنسان الأربعة‪ :‬النظر والعقد‬‫والعمل الشرع كما حللتهما في الفصل السابق بمفهوم الطبيعة المزدوجة والإنساني المزدوج‬ ‫وما بين عناصرهما وبينهما من تفاعل‪.‬‬‫ولست بكلامي هذ آتي بجديد فلو لم يكن ما أقوله سابقا لما احتاج الغزالي للكلام على‬‫إحياء العلوم (لاحظ موتها) ولما كتب ابن تيمية ما كتب في نقد علماء هذه العلوم الخمسة‬‫وحاول تقديم البديل وكذلك فعل ابن خلدون‪ .‬طموحي إذن هو توحيد محاولاتهم‬ ‫وتحديثها كفكر حي ينسب لأصحابه مع صفة \"محدث\"‪.‬‬‫من ذلك الكلام على كنطية محدثة أو أرسطية محدثة أو ديكارتية محدثة وسأسمي‬‫المحاولة بكونها غزالية محدثة وتيمية محدثة وخلدونية محدثة أحافظ منها على المبادئ‬‫الأسياسية جعلتهم يحددون طبيعة الازمة في النظر والعقد وفي العمل والشرع ولكن بعلاج‬ ‫لم يكن ممكنا لهما لأنه لا أحد واصل اجتهادهما‪.‬‬‫والمواصلة لا تعني المحافظة على المضمون بل الروح التي أبدعته والتوجه الذي حددته‬‫والنقد الذي وجهته لما اعتبرته علة \"الموت\" استنادا إلى عنوان \"إحياء\" فلا نحيي الحي بل‬‫الإحياء هو إعلان وفاة ما يراد إحيائه مع بقاء المجال خاليا من البديل فيكون الإحياء هو‬ ‫البديل أو أعادة التأويل‪.‬‬‫والدعوة إلى الاستكمال وربما اعادة التأويل طلبها ابن خلدون طلبا ختم به مقدمته فقال‪:‬‬‫\"وقد كدنا نخرج عن الغرض‪ .‬ولذلك عزمنا أن نقبض العنان عن القول في هذا الكتاب‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫الأول الذي هو طبيعة العمران وما يعرض فيه وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاء‬ ‫له‪ .‬ولعل من يأتي بعدنا من يؤيده الله بفكر‪.‬‬‫صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا‪ .‬فليس على مستنبط الفن احصاء‬‫مسائله وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه والمتأخرون يلحقون‬‫المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكتمل والله يعلم وأنتم لا تعلمون\" (المقدمة خاتمة‬ ‫الباب السادس)‪.‬‬‫ومن الفكر النقدي الذي يمثله الغزالي وابن تيمية وابن خلدون يمكن القول إن الحصيلة‬ ‫هي‪:‬‬‫‪.1‬الشروع في نقد الفلسفة والكلام والفقه والباطنية والظاهرية عند الغزالي أو الوعي‬ ‫بالمأزق الحضاري رغم وقوعه هو نفسه فيه مباشرة‬‫‪.2‬الشروع في تجاوز النظر والعقد القائلين بالمطابقة عند ابن تيمية والتجاوز الأتم حصل‬ ‫عند ابن خلدون‪.‬‬‫‪ .3‬تجاوز نظرية العمل والشرع في المقدمة بمعنى أنه يتضمن التجاوز التيمي في النظر‬‫والعقد شرطا في تجاوزه بل وصاغ بصورة صريحة تجاوز نظرية المطابقة بالقول إن الوجود‬‫لا يقبل الرد إلى الإدراك وأن المعرفة لا يمكن أن تتجاوز ما يقبل التجربة منطلق كل‬ ‫معرفة‪.‬‬‫ومع ذلك فابن خلدون الذي حقق قفزة نوعية في ضم التاريخ للفلسفة بعكس استثناء‬‫الفلاسفة القدامى عند العرب واليونان منها فأسهم من ثم بالجمع بين العمل والشرع ولم‬‫يفصل بينهما فإنه مع ذلك كان لا يعتبر الفيزياء من العلوم الضرورية حتى وإن أحب‬ ‫الرياضيات التطبيقية وفي فيزياء (الفلك مثلا)‪.‬‬‫وكلامه في النظرية التربوية لم يكن ثوريا كما يزعم إلا في ما يتعلق بأخلاق التعامل بين‬‫المعلم والمتعلم والتخفيف من الحشو‪ .‬لكنه لم يتعرض للمضمون التربوي بصورة تحرره‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫نظام التعليم من شبه الاقتصار على علوم الملة وأبجديات علوم المنطقية والرياضية في‬ ‫حدود الاستعمال في علوم الملة‪.‬‬‫وفي الحصيلة الجملية لا أحد حتى من المدرسة النقدية اعتبر النظر والعقد والعمل‬‫والشرع من شروط الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪ .‬فلو فعلوا لكان مفهوم العلاقة‬‫العمودية مع الطبيعة قد بحث كشرط الاستعمار في الأرض ولكان مفهوم العلاقة الأفقية مع‬ ‫الإنسان قد بحث كشرط للاستخلاف‪.‬‬‫ولهذه العلة خصصت هذه المحاولة إلى دراسة هذين العلاقتين أو فلسفة الطبيعة‬‫وتطبيقاتها التقنية وفلسفة التاريخ وتطبيقاتها الخلقية والأولى هي مادة النظر والعقد‬‫والثانية هي مادة العمل والشرع‪ .‬والاولى هي علاج العلاقة العمودية والثانية هي علاج‬ ‫العلاقة الافقية‪ .‬والعلاجان يتعلقان بقضيتين‪.‬‬‫الأولى هي العلاقة بالأحياز الخمسة ظرفا لوجود الإنسان وشرطا لقيامه والثانية هي‬‫العلاقة بالمقومات الخمسة مظروفا لجود الإنسان والعلاقة بين الظرف والمظروف من الأول‬‫إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث تعطيينا الأبعاد الأربعة للمعادلة الوجودية التي هي‬ ‫أهم بنية عميقة للقرآن نفسه‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫لا يمكن الخوض في هذه المسائل الخمس من دون شرح مفهوم الاسترماز الذي سبق أن‬‫استعملته وأشرت إلى دلالته دون وصلها بهذه الأبعاد التي تحدد ظرف الوجود الإنساني‬‫(احياز الوجود) ومظروفه (مقومات الكيان) التي هي منها يأتي الطبيعي (العضوي‬ ‫والفطري) في الأنسان والإنساني فيه (الروحي والرمزي)‪.‬‬‫وشرح مفهوم الاسترماز يعني التمييز بين مفهومه الفلسفي الذي يعرفه بالحيوان الناطق‬‫ومفهومه القرآني الذي يعرفه بالإنسان المستخلف في استعمار الارض رسالة وبتجهيزه بما‬‫يمكنه من ذلك أعني علم الأسماء كلها (البقرة‪ :‬قصة الاستخلاف) وعلم القرآن والبيان‬ ‫(الرحمن‪ :‬قصة تمييزه عن المخاطب الثاني)‪.‬‬‫وشرح مفهوم الاسترماز يعني كذلك النظر في العلاقة بين هذه الرسالة والتجهيز وما‬‫يصف القرآن به الإنسان من هشاشة عضوية وخلقية تجعل التجهيز ليس لتأهيله لوظيفته‬‫فحسب (الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف) بل أيضا لعلاج هذه الهشاشة التي هي علة‬ ‫ما وصفته به الملائكة من فساد وسفك الدماء‪.‬‬‫والفرق بين تعريفي الإنسان بما جهز به (بين الناطقية فلسفيا والتسمية والبيان قرآنيا)‬‫وبين الوظيفتين (غيابهما فلسفيا وحضورهما قرآنيا (الاستعمار بقيم الاستخلاف) وهو ما‬‫دفعني للبحث في الاسترماز لأنتهي إلى حقيقة يمكن تلخيصها في مقابلة النطق والإبانة‪.‬‬ ‫قدرة الروحي على إبداع الرمز والاسم‪.‬‬‫قدرة إبداع الرمز والاسم أو الاسترماز هما أثر ما في الإنسان من الروحي وفيه شيء‬‫من قدرة الخلق الإلهي لأن الله يخلق بهما فهو يريد الشيء المعدوم فيبدعه برمز كن‬‫وبتسميته‪ .‬وإذن فما جهز به الإنسان له شيء من هذه الوظيفة يبدع المعدوم بالرمز‬ ‫والاسم‪ .‬ومجموع هذا التجهيز هو المقومات الخمس‪.‬‬‫وأعني بالمقومات الخمس‪ :‬الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود التي ترجمتها في‬‫الجماعة بالسياسة والمعرفة والاقتصاد والفنون والرؤى الوجودية وهي كلها مقومة للفرد‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫وبما يغلب عليهم إحدى هذه الصفات يمثلون النخب الخمس التي وظيفتها في الجماعة‬ ‫كوظيفة هذه المقومات في الفرد‪.‬‬‫فتكون النخبة السياسية مؤلفة ممن يغلب عليهم مقوم الإرادة ونخبة العلماء ممن يغلب‬‫عليهم مقوم المعرفة ونخبة القدرة ممن يغلب عليهم مقوم القدرة ونخبة الفنانين ممن يغلب‬‫عليهم مقوم الحياة والذوق ونخبة الرؤى ممن يغلب عليهم مقوم الوجود‪ :‬نخب الجماعة هي‬ ‫إرادتها وعلمها وقدرتها وحياتها ورؤاها‪.‬‬‫وإذن فالجماعة هي بنحو ما كيان متفرد مقوماته هي نخبه الخمس التي تناظر مقومات‬‫الفرد الإنساني أعني إرادته وعلمه وقدرته وحياته ورؤاه‪ .‬لكن الملاحظ أن ممثلي الرؤى‬‫صنفان‪ :‬أصحاب الفكر الديني وأصحاب الفكر الفلسفي‪ .‬وإذن فكل مقوم الإرادة والعلم‬ ‫والقدرة والحياة له نفس هذين الصنفين‪.‬‬‫وتلك هي العلة في وجود التقابل حكم معارضة بين الساسة وبين العلماء وبين الاقتصاديين‬‫وبين الفنانين مثل ما يوجد في الرؤى بين الفلاسفة والمتكلمين وبين المتصوفة والفقهاء‪.‬‬‫وهذا التعارض ليس بالمعنى الصراعي الجدلي بل بمعنى التواصي بالحق في الاجتهاد‬ ‫والتواصي بالصبر في الجهاد‪.‬‬‫وما الذي يمكن من الفصل بين النظرتين نظرة الصراع الجدلي ونظرة التواصي المحرر‬‫منه؟ تلك هي علة البحث في الاسترماز بوصفه قدرة الخلق بإبداع الرموز والأسماء التي‬‫تختلف عن وهم الناطقية التي هي سر القول بنظرية المطابقة لأن الفلسفة التي عرفت‬ ‫الإنسان بها جعلتها في آن حقيقة الوجود‪.‬‬‫وهم المطابقة البارميندي بين الوجود والنوس ما كان ليكون ضارا لولا الخلط بين النوس‬‫مبدأ عاما هو عين الرب الخالق والنوس الإنساني الذي هو العقل والذي يتوهم نفسه ذا‬‫علم محيط بالوجود مثل الرب الخالق‪ .‬فأن يكون الله محيطا بالوجود أمر يقبل عقلا بخلاف‬ ‫وهم نسبة ذلك إلى الإنسان‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫الاسترماز‪-‬للإبانة والتسمية‪-‬هو الذي يجعل الإنسان يدرك أن إرادته وعلمه وقدرته‬‫وحياته ووجوده كلها نسبية وليست مطلقة فيدرك أنه قادر على إبداع الرموز والأسماء‬‫وما يمكن إبداعه بها دون أن يدعي أن إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده مطلقة‬ ‫فيميز بينها عند الإنسان وبينها عند الله‪.‬‬‫فمفهم حينئذ معنى \"إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم\" و\"ما أتى الله بها من‬‫سلطان\"‪ .‬فمعنى الجملة الاولى تبين أن التسمية يمكن أن تعبر عن حقيقة المسمى ويمكن‬‫أن تكون مجرد أسماء‪ .‬وهو معنى التقييم إذ قابلية التسمية الصادقة التسمية الكاذبة كناية‬ ‫على كل القيم أي الخير والشر إلخ‪...‬‬‫والجملة الثانية هي نفي السلطان المطلق على الإبداع الإنساني او الاسترماز‪ .‬ليس‬‫للإنسان به سلطان مطلق مثل الله رغم أن الإنسان بها يبدع الإبانة والرمز اللذين هما‬‫أداتا الإبداع الحضاري عنده فيكون للإنسان قدرة للإبداع الوجودي بالإبداع الرمزي دون‬ ‫إطلاق (خليفة) وتلك هي المقومات الخمس‪.‬‬‫ويتبين هذا الفرق حتى في تحليل مفهومي الإبانة والاسم‪ .‬فالإبانة من البين والبون‪.‬‬‫والبون مسافة البين أو مسافة ما يفصل بين شيئين‪ .‬وإذن فالإنسان يبين بالفصل بين الأشياء‬‫ولا يفصل بينها إلا بالانتقال منها عامة إلى جعلها مسميات يكون الاسم فيها سمة وسموا عن‬ ‫وجودها غير المبين‪.‬‬‫فيكون فعل الإبانة هو عين إبداع السمات التي تبزر تحدد بون البين أو المسافة الفاصلة‬‫بين السمات علامات على المسافة الفاصلة بين المسميات بتلك السمات التي صارت علامات‪.‬‬‫وهذه هو أساس الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود أي إن الصفات المقومة للإنسان‬ ‫ترجع إلى شرطي اهلية الاستخلاف‪.‬‬‫وهي ترجع إليهما من الوجهين‪ :‬وجه التجهيز للقدرة على الرسالة التي تجعل الإنسان‬‫خليفة ووجه كيان الإنسان العضوي والروحي في علاقته بالطبيعة والتاريخ الظارفة‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫لفاعلية مقوماته الخمس أي إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده بالمعاني المضاعفة التي‬ ‫أشرنا إليها حيننا هذا‪.‬‬‫ولنأخذ الجملة الأولى من سورة الرحمن‪ :‬فعندنا خمس كلمات هي‪-1:‬الرحمن ‪-2‬علم‬‫‪-3‬القرآن ‪-4‬خلق ‪-5‬الإنسان‪ .‬وعندنا علمه البيان‪ .‬وهي كذلك خمسة كلمات‪-1 :‬فعل‬‫علم ‪-2‬وفاعل الفعل مقدر وهو الله و‪-3‬والمفعول به وهو الضمير الراجع إلى الإنسان ‪-4‬‬ ‫والبيان المفعول به الثاني لفعل علم و‪-5‬ما يبينه مقدر غائب‪.‬‬‫وكان ينبغي ن يكون ما يبينه الإنسان مقدرا وغائبا‪ .‬ذلك أن ما يبينه الإنسان لو حدده‬‫القرآن لكان ذلك معارضا لفصلت ‪ 53‬ولآل عمران‪ .7‬ذلك أن ما يبينه الإنسان صادق‬‫وكاذب وخير وشر وجميل ودميم وحر ومضطر وإله حقيقي أو وثن‪ .‬أعني كل القيم‬ ‫موجبها وسالبها الدالة على آثار روح الإنسان‪.‬‬‫فلو حددها القرآن فأرودها في نصه لكان كل تخريف البحث عن القيم النظرية (التواصي‬‫بالحق) والبحث عن تحقيقها العملي (التواصي بالصبر) يكفي فيه شرح النص ولا حاجة‬‫للبحث العلمي في ما يرينه الله من آياته في الآفاق والأنفس وتجنب البحث الزائف في ما‬ ‫وراء ذلك من المتشابه والغيب‪.‬‬‫لكن الأهم من ذلك كله هو تحديد الوسيط الوحيد بين الرحمن وخلق الإنسان‪ :‬إنه تعليم‬‫القرآن‪ .‬وهذه الوساطة هي تعليم البيان‪ .‬فيكون البيان عند الإنسان ثمرة لتعليم القرآن‪.‬‬‫وتعليم القرآن هنا يتجاوز الامر الذي يظنه الكثير خصا بالمسلمين بل هو يعني ما تعنيه‬ ‫الفطرة أو الروحي في الإنسان عامة‪.‬‬‫وسأستعمل هنا نظريتي في المعادلة الوجودية لأحدد ما تعلم الإنسان إبانته‪ .‬في الآية لم‬‫يحدد القرآن ما يبينه الإنسان الذي علم البيان وقبله القرآن‪ .‬فالقرآن كما هو بين من‬‫الآية وسيط بين الإنسان والله وهو معنى الرسالة وهي علاقة مباشرة بينهما‪ .‬وما يبينه‬ ‫الإنسان هو العلاقة غير المباشرة‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫وهذه العلاقة غير المباشرة بين الله والإنسان تمر بالطبيعة وبالتاريخ أي بما يكون‬‫الإنسان مظروفا فيه باعتباره الظرف الشارط لتجلي كيانه العضوي (الطبيعي) وكيانه‬‫الروحي (التاريخ) وذلك بالاسترماز المبين والمسمي لقوانين الطبيعة ولسنن التاريخ من‬ ‫خلال رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس‪.‬‬‫وهكذا فالتحليل البنيوي لـ\"الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان\" يثبت أن‬‫نظرية المعادلة الوجودية صحيحة وأن تعريف القرآن للإنسان أعمق ألف مرة من تعريف‬‫الفلسفة قديمها وحديثها للإنسان لأنه تعريف يحدد رسالة الإنسان الوجودية وجهازه‬ ‫النظري والعقدي والعملي والشرعي ليحقق الاستخلاف‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫اعتبرت الفرد الإنسان متقوما مما يصدر عنه من أفعال دالة على صفات ذاتية له هي‬‫الإرادة والعلم والقدرة والحياة (او الذوق) والوجود (أو الرؤى) وصنفت النخب بتألفها‬‫ممن غلبت عليهم إحدى هذه الصفات والأفعال الدالة عليها فاستنتجت أن خمسة أصناف‪:‬‬ ‫السياسي والمعرفي والاقتصادي والفني والرؤيوي‪.‬‬‫واستنتجت أن الجماعة التي تكون ذات وحدة حية تتألف من هذه النخب صفات لها ناتجة‬‫عن أفعالها التي من دونها لا توجد الجماعة وخاصة الدولة التي تعمل بهذه الافعال وكأنها‬‫وظائف وكائها شبه حي‪ .‬لكنها جهاز شيه آلي هو نظام مؤسسات تحقق الحماية الداخلية‬ ‫والخارجية والرعاية التكوينية والتموينية‬‫كن هذا الجهاز الآلي يصبح شبه حي لأن ما يملأ المؤسسات التي هي خانات خالية ووظائف‬‫محددة لا تعمل من دون من يملأها ويعمل بنظامها فتكون الدولة في آن جهازا‬‫آليا(المؤسسات)التي هي خانات خالية يملأها أشخاص (يحيونها بعملهم الذي تحدده قوانين‬ ‫مؤسساتها)‪ .‬المالئون لها نوعان‪ :‬بالفعل وبالقوة‪.‬‬‫فالمالئون للمؤسسات بالفعل هم من اختارهم الشعب بالاختيار أو من فرضوا عليه بالتغلب‬‫وهم الحكام‪ .‬والذين بالقوة هم من اختارهم الشعب أو من فرضوا بالغلب للتربص بالحكام‬‫وهم المعارضون‪ .‬وهذان هما نوعا القوى السياسية التي تتداول سلما أو حربا على تمثيل‬ ‫إرادة الجماعة حكما ومعارضة‪.‬‬‫وقد استنجت ذلك من كون نخبة الوجود أو الرؤى تنقسم دائما كل الحضارات بين من‬‫يتكلمون باسم الرؤى الديني ومن يتكلمون باسم الرؤى الفلسفية وهما يتبادلان دور الحكم‬‫والمعارضة في الرؤى وليس في السياسية وفي الحقيقة هما في ما وراء السياسة أو في مرجعياتها‬ ‫الأساسية‪.‬‬‫وهذه بنية كونية في كل الجماعات والفرق الوحيد بينها هو النسب بين ممثلي الرؤيتين‬‫مثل النسب بين ممثل الحكمين فالغالبة تحكم في السياسة أو في الرؤى والمغلوبة تعارض‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫فيهما‪ .‬لكن كيفية تحديد من يتولى الحكم ومن يتولى المعارضة فيهما هي كيفية الاخيار‬ ‫السلمي والاضطرار الحربي‪.‬‬‫والغلبة التي تفرض الاضطرار وليس الاختيار وغاية الحكم أن يجعل الاختيار يتم بغلبة‬‫رمزية وليست فعلية أي بالانتخاب الحر الذي بدلا من العنف يختار اللطف‪ .‬وطبعا البحث‬‫ينبغي أن يتعلق بنوع اللطف‪ .‬حقيقي أو غطاء على الثيوقراطيا (عنف ينسب لإرادة الله)‬ ‫والأنثروبوقراطيا (عنف ينسب لإرادة الإنسان)‪.‬‬‫والغالب في الأنظمة الوطنية أو الدولية هو هذان النوعان من العنف اللطيف لأن‬‫النوعين الآخرين هما هما بعد أن يفتضح الغطاء فتحدث الثورة ضد الوساطة والوصاية‬‫اللتين تدعيان الكلام باسم الله واللتين تدعيان الكلام بالاسم الإنسان‪ .‬وهذا الافتضاح‬ ‫يلغي شرعية الدولة الزائفة فلا تبقى الا الشوكة‪.‬‬‫ونباهة فلاسفة المدرسة النقدية العربية ثلاثتهم (الغزالي وابن تيمية وابن خلدون)‬‫اكتشفوا قانونين ثوريين صاغهما ابن خلدون في فلسفته التاريخية وعللهما بنفس التعليل‬‫الذي سبق إليه الغزالي وابن تيمية وهو تعليل فلسفي وديني في آن‪ :‬ضرورة الشرعية‬ ‫الشوكة والتناسب العكسي في دورهما السياسي‪.‬‬‫ففي فضائح الباطنية بين ذلك الغزالي في حوار متخيل بينه وبين باطني حول أساس‬‫الحكم في الإسلام‪ .‬فكان رد الغزالي على نظرية الوصية بالقول إن اساس الحكم في الاسلام‬‫هو الاختيار الحر والاغلبية ومن ثم فهو يحتاج إلى الشرعية (الاختيار الحر) وإلى الشوكة‬ ‫الاغلبية التي تحول دون الاقلية ومنع الحكم‪.‬‬‫وابن تيمية يقول نفس القول في السياسة الشرعية لكنه يضيف تدقيقا أساسيا بأن يجعل‬‫وظائف النخب لا تقاس إلى بمعايير الكفاءة والأخلاق (الأمانة والعدل النساء ‪ )58‬التي‬‫هي الشوكة بمعنى أعم من الشوكة بمعنى القوة المادية أو الوازع الخارجي لأن الكفاءة‬ ‫تعني قوة ألطف واقوى في انجاز المهام‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫وهو معنى قرآني لطيف لعل ابن تيمية فكر فيه‪ .‬ففي الانفال ‪ 60‬حرصت آية الردع‬‫على التمييز بين القوة والقوة العسكرية‪ :‬أعدوا لهم ‪-1‬من قوة عامة و‪-2‬رباط الخيل‪.‬‬‫فالأولى تتعلق بقوة النخب الخمسة التي تكلمت عليها أي الإرادة والعلم والقدرة والحياة‬ ‫والوجود‪ .‬والثلاثة الوسطى غنية عن التدليل‪.‬‬‫لكن الأولى والأخيرة لا بد من توضيح القصد منها على الأقل بمثال‪ :‬فرنسا قبل دوجول‬‫سنة ‪ 1958‬وبعده بقليل لم تتغير قوتها المادية لكن ضعف إرادة ممثلي إرادة فرنسا في‬‫الجمهورية الرابعة جعلته مطلقة التبعية لأمريكا‪ .‬فكانت إرادة دوجول سلاح ردع لأنه كان‬ ‫يفعل ما يقول‪ .‬والعكس عند العرب‪.‬‬‫ونفس الأمر بالنسبة إلى الرؤى‪ .‬فعندما تكون جماعة لنخبها رؤية يؤمنون بها فإن‬‫التمسك بها مصدرا لاستراتيجيتها في تحقيق شروط سيادتها هي التي تردع مثل الإرادة‬‫السياسية القوية‪ .‬فلا أحد يشك في أن الغرب مستعد لخوض حروب من أجل اسرائيل لكن‬ ‫رؤية نخبها هي الاعتماد على الذات في الدفاع‪.‬‬‫وهنا أيضا عكس العرب‪ .‬لكهم يعتمدون على من يسمونه حليفا وهو في الحقيقة حام‬‫محتل‪ .‬الدليل وجود القواعد في كل بلاد العرب وانقسام انظمتهم القبلية العسكرية إلى‬‫توابع لذراع روسيا (إيران) ولذراع أمريكا (إسرائيل)‪ .‬وفي الحقيقة هما ذراعان لكلتي‬ ‫القوتين لأنهما كلتاهما تمنعان استئناف دورنا‪.‬‬‫أما العلم والقدرة والحياة أعني نخبة المعرفة وتطبيقاتها ونخبة الاقتصاد وتطبيقاته‬‫ونخبة الذوق وتطبيقاته فدورها في الردع وفي القوة أمر لا يجادل فيه عاقل‪ .‬ولذلك فأصل‬‫كل ضعف العرب والمسلمين بالإضافة إلى الإرادة السياسة والرؤية الوجودية هو الداء‬ ‫الذي أشخصه وأبحث له عن علاج‪.‬‬‫والآن إذا كان ازدواج النخب الخمس التي هي بعدة من يغلب عليهم مقومات الشخص‬‫الإنساني (حكم معارضة في السياسة وفي الرؤى وفي باقي النخب الثلاث بينهما أي نخبة‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫المعرفة ونخبة الاقتصاد ونخبة الفن وكأنها جميعا مبنية على المنطق الجدلي والصراع‬ ‫للتداول على الوظائف) فماذا يناظرها في المقومات؟‬‫هل الإرادة الفردية والعلم الفردي والقدرة الفردية والحياة الفردية والوجود الفردي‬‫هي بدورها مزدوجة بحيث تصبح عشرة كل منها فيه ما يناظر الحكم والمعارضة؟ ماذا يمكن‬‫أن يكون الازدواج في الإرادة؟ وفي العلم؟ وفي القدرة؟ وفي الحياة (الذوق)؟ وفي الوجود‬ ‫(الرؤية)؟‬‫سأترك الجواب لابن خلدون حتى يعلم متهمي بأني ماضوي ‪-‬وهم يتبعون حتى من يعود‬‫إلى الفلسفة ما قبل السقراطية ويعتبرون ذلك ثورة‪-‬لكن أن تعود بعين جديدة لمفكر مسلم‬‫فإن ذلك رجعية وظلامية وإذا رحموك سموها ماضوية‪ .‬وغالبا ما يكون ذلك مركبا لأبلد‬ ‫خلق الله حتى يعرفوا‪.‬‬‫إنه النص الذي يعرف فيه ابن خلدون ما يحصل للأمم إذا ربي نشؤها بالعنف وحكمت به‬‫\"ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم ‪-1‬سطا به القهر وضيق‬‫على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل ‪-2‬وحمل على الكذب والخبث‬‫وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ‪-3‬وعلمه المكر‬‫والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا ‪-4‬وفسدت معاني الإنسانية تلني له من حيث‬‫الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على في ذلك ‪-5‬‬‫بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى‬‫إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين‪ .‬وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال‬‫منها العسف‪ .‬واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به ونجد‬‫ذلك فيهم استقراء\" (المقدمة الباب السادس الفصل ‪ )40‬وجدنا الأن عدة أمور في جواب‬ ‫ابن خلدون‪.‬‬‫إنها ما ينتج عن تواز بين مفعول العنفين في التربية وفي السياسة أو الحكم وهو إفساد‬‫معاني الإنسانية بمستوياتها الخمسة‪-1:‬النفسية الخلقية ‪-2‬النفاق أو اختلاف الظاهر عن‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫الباطن ‪-3‬الخداع والمكر ‪-4‬فقدان الدفاع عن النفس والاهل (عالة) ‪-5‬اهمال الفضائل‬ ‫والرد أسفل سافلين‪ :‬فساد معاني الإنسانية‪.‬‬‫هل يوجد من يجادل في دقة هذا التشخيص الخلدوني والتعليل وصدقهما لا يمكن أن‬‫يكون صادقا فضلا عن أن يكون ساعيا إلى تجاوز مآزقنا الحالية‪ :‬فعندي أن هذا التشخيص‬‫والوصف والتعليل وثلاثتها في هذا النص ما يزال أعمق فهم لطبيعة ما تعاني منه الأمة‪.‬‬ ‫إنها حقيقة وضعنا من الماء إلى الماء‪.‬‬‫وهذا الوصف هو الذي يحدد الازدواج في المقومات الخمسة أي في الإرادة وفي العلم وفي‬‫القدرة وفي الحياة وفي الوجود وهي معاني ألإنسانية بل هي الإنسان ذاته وغايته (أي‬‫حقيقة التامة)‪ .‬والازدواج هو السوي والفاسد فيها وهذان هما مناط الخلاف الذي يضفي‬ ‫الازدواج على النخب في بينة الجماعة والدولة‪.‬‬‫فعندما يصبح الازدواج في السياسة وفي العلم وفي الاقتصاد وفي الفن وفي الرؤية محكوما‬‫بفساد المقومات الخمسة يكون الحاكم والمعارض فيها جميعا ليس محكوما بالتواصي بالحق‬‫ولا بالتواصي بالصبر بل بمنطق الصراع والجدل‪ .‬فيصبح هذا المآل ليس السياسة السوية‬ ‫بل هو السياسة الفاسدة‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن منطق الجدل والصراع علته العميقة هي ما سميناه دين العجل الذي‬‫يتنكر في الثيوقراطيا وفي الانثروبوقراطيا بوساطة ووصاية تتكلمان في الأولى باسم وثن‬‫تمسيه الله وفي الثانية باسم وثن تسميه الإنسان لكن الإنسان والله تحول إلى أداة مضاعفة‬ ‫هما معدن العجل وخواره‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫لما اخترت العنوان \"كيان الإنسان‪ :‬أصلا للنظر والعقد وللعمل والشرع\" مدخلا أولا لعلاج‬‫كيانه كجاهز جامع بين قيامه الفعلي وهو الاصل ومقومات التجهيز الذي يحقق هذا القيام‬‫الفعلي وهي فروع القيام كجهاز فاعل يحققه في ذات الإنسان ككيان \"مادي‪-‬روحي\" لا‬ ‫يقبلان الفصل قرآنيا لا في الدنيا وفي الآخرة‪.‬‬‫وهذا هو كيانه الذي قيام لا معنى له من دون تجهيزه الذي لو فصلناه عن الكيان لكان‬‫الكيان هو المقصود بالمادي (اي البدن) والتجهيز هو المقصود بالروحي(الروح) لكن البدن‬‫بغير هذا الجهاز لا شيء فيه من الانساني أو مما يتميز به الإنسان عن غيره من الحيوان‬ ‫والجهاز من غير البدن لا قيام له بذاته‪.‬‬‫والعلة في كون قيام الإنسان بدن مجهز هذا التجهيز هي كونه مظروفا بشروط قيامه‬‫مادة لبدنه وجهازه بظرف هو ما يحيط به من العالم الطبيعي الضروري لبدنه مادة حياة‬‫عضوية ولروحه موضوع حياة روحية والعالم التاريخي مادة حياة روحية ليكون بحق محققا‬ ‫تعايش الاحرار لتكون الطبيعة مادة حياته عضوية‪.‬‬‫وهذا المقصود بالعلاقتين‪ :‬العمودية شرطا في استعمار الأرض والتبادل والأفقية شرطا‬‫في الاستخلاف والتواصل‪ .‬وعلاج العلاقة العمودية يعتمد على جهاز النظر والعقد في المقام‬‫الاول وعلاج العلاقة الافقية يعتمد على جهاز العمل والشرع في المقام الأول‪ .‬لكن‬ ‫العلاجين متوالجان كلاهما ضروري للثاني‪.‬‬‫والظوارف هي الأحياز‪ .‬فالحيز المكاني المباشر هو الجغرافيا والحيز الزمان المباشر وهو‬‫التاريخ‪ .‬وفعل كيان الإنسان المظروف في الجغرافيا يعالج العلاقة العمودية ليستمد شروط‬‫قيامه المادي وهي الثروة في المقام الاول ولا يتم ذلك من دون تعاون وتبادل وتعاوض‬ ‫وذلك هو علاج العلاقة الافقية‪.‬‬‫ومباشرة يتبين أن الديني في الأديان الذي جاء القرآن ليخلصه من التحريف الذي ينزل‬‫به إلى دين العجل المتنكر في الثيوقراطيا والفلسفي في الفلسفات الذي ينبغي تخليصه من‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫التحريف الذي ينزل به إلى دين العجل المتكل في الانثروبوقراطيا شيء واحد وهما وجها‬ ‫الوجود الإنساني أي قيامه وتجهيزه‪.‬‬‫وهذا هو معنى فصلت ‪ 53‬وآل عمران ‪ 7‬تعريفا لشروط عمل التجهيز الموجب الذي‬‫يتعالم مع العلاقتين العمودية مع الطبيعة والافقية مع التاريخ شرطين لقيام الإنسان وعمل‬‫تجهيزه في الاستعمار وفي الاستخلاف وتلك هي بنية القرآن المضمونية‪ .‬ومعنى ذلك أن هذه‬ ‫البنية هي عين كيان الخليفة وتجهيزه‪.‬‬‫وحتى أعبر عن هذه الحقيقة وضعت نظرية المعادلة الوجودية‪\" :‬الله الطبيعية (الله‪-‬‬‫الإنسان) التاريخ الإنسان\" وشرحت معني \"الله والإنسان\" في الوسط علاقة مباشرة بينهما‬‫دون تمانع شرطا في العلاقة غير المباشرة فـ\"الله والإنسان\" محيطان بالطبيعة والتاريخ كما‬ ‫بعد يجعل الاستعمار بقيم الاستخلاف‪.‬‬‫وهنا تأتي نظرية الاسترماز‪ :‬ففي قصة الاستخلاف كان ما لا يعلمه الملائكة في حكمهم‬‫على عدم أهلية الإنسان للاستخلاف هو الاسترماز أي تعلم الاسماء كلها‪ .‬وشرحت الاسترماز‬‫سابقا في فصول خصصتها لما سميته أنطولوجيا اللسان ضاعفت فيها مفهوم النظم ومفهوم‬ ‫الدلالة شرطا في مفهوم التداول‪.‬‬‫ولا أنوي الخوض مرة أخرى في تعليل ذلك ويكفي مثال الدلالة فهي تقتصر على ‪Die‬‬‫‪ Bedeutung‬بمعنى أنها تجعل الرمز اللساني محيلا إلى شيء معين في الوجود‪ .‬وهذا‬‫لو كان يكفي لاستحال الإبداع الذي ليس له إحالة على شيء معين في الوجود بل هو رمز‬ ‫يبدع ذاته ويبقى مفتوحا دون مرجعية محددة ‪.Der Sinn‬‬‫وإذن فشرط التقدير الذهني الذي يبدع رموزا ليس لها دلالة لكنها ذات معنى متجاوز‬‫للدلالة هو الإيمان بوجود عالمين على الاقل أحدهما ظارف للإنسان وهو العالم الطبيعي‬‫والتاريخي وهما عالم الدلالة وعالم مظروف هو الإنسان وما به يتجاوز العالمين في علاقة‬ ‫بماوراء هو \"الله\"‪ :‬علاقة الاستخلاف‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫ولا مشاحة في الاصطلاح لتسمية هذا المابعد المؤسس لعالم الدلالة المحدود بعالم المعنى‬‫اللامحدود لا يمكن للإنسان أن يعيش بدونه لأنه جزء من بنية قيامه وتجهيزه وما فيها من‬‫تجاوز لشروط عالم الدلالة الطبيعي والتاريخي إلى عالم فسيح أوسع منهما بما لا يتناهي‬ ‫من الممكن الوجودي المطلق‪.‬‬‫تحريف الديني والفلسفي هو محاولة حصر الإنسان في عالم الدلالة ظنا أن عالم المعنى‬‫وهمي إما صراحة كما في العلمانية والمادية والانثروبوقراطيا الناتجة عنهما دين عجل‬‫متنكر بالإنساني أو خفية كما في الدينية والروحية او الثيوقراطيا الناتجة عنهما‪ .‬فيكون‬ ‫الأصل المحرف هو نفي التعالي الإنساني‪.‬‬‫ونفي التعالي الإنساني أو عالم المعاني المتعالي على عالم الدلالات يمكن اعتباره تحريفا‬‫للاسترماز بنوعيه التبادلي (العلمة)والتواصلي(الكلمة) وجعلهما معدن العجل وخواره‬‫نفيا لدورهما السوي الذي يضفي البعد الروحي على قيم التبادل المادية (الاقتصاد) وعلى‬ ‫قيم التواصل الرمزية (الثقافة)‪.‬‬‫وتعالي عالم المعاني على عالم الدلالات هو المضمون الصريح للآية الأولى من سورة‬‫النساء‪ .‬ففيها المستويان عالم الدلالات الطبيعية والتاريخية وعالم المعاني المتجاوزة‬‫للدلالات الطبيعية والتاريخية إلى ما وراء يتأسس على حرية الإنسان واستخلافه شرطي‬ ‫أخلاقه وتعاليه على الضرورة‪.‬‬‫ففيها دعوتان مستندتان على علاقتي الإلهي والإنساني‪ .‬فالإلهي خالق وآمر والإنساني‬‫مخلوق ومأمور‪ .‬والعلاقتان بين ذاتين أولاهما مطلقة الحرية تخلق وتأمر والثانية نسبية‬‫الحرية تُخلق وتؤمر والآية تدعو الإنسان بالصفتين وتذكره بالرحمين اللذين يحرران‬ ‫التبادل والتواصل من دين العجل‪.‬‬‫\"اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة\"‪ :‬فيها إشارة للربوبية الخالقة وفيها إشارة‬‫للرحم الكلي المضطر للإنسانية (الأخوة الإنسانية)‪\".‬واتقوا الله الذي تساءلون به‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫والارحام\"‪ :‬فيها إشارة للالوهية وفيها إشارة للرحم الجزئي المختار للإنسانية (التزاوج بين‬ ‫البشر)‪ .‬والرقابة الإلهية تشمل الرحمين‪.‬‬‫وهذا هو الفرق بين العلاقات البشرية المبنية على دين العجل أي على رمز التبادل‬‫(العملة) ورمز التواصل (الكلمة) المتنكر بتحريف الديني والفلسفي أي بالثيوقراطيا أو‬‫بالانثروبوقرطيا لتحريف غايات الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود ومن ثم تحريف‬ ‫حقيقة الإنسان بتحريف وظيفة الرمزين‪.‬‬‫فعندما ننزع عن دين العجل تنكريه نكتشف ان حقيقته هي تحريف وظيفة رمز‬‫التبادل(العلمة) ورمز التواصل (الكلمة)من كونهما شرطي الحرية السياسية (العملة)‬‫والروحية (الكلمة) إلى أداتي العبوديتين لتحولهما إلى سلطان على كيان الإنسان البدني‬ ‫(الغذاء والجنس) وعلى كيانه الروحي (أبعاد تجهيزه الأربعة)‪.‬‬‫فالعملة حقيقتها المتعالية على توظيفها في دين العجل هي رمز التبادل المشروط بقيم‬‫البضائع والخدمات والتعاوض العادل بين الناس المتساوين في القيمة وفي الحاجات التي‬‫يقوم بها كيان الإنسان البدني والروحي‪ :‬النساء تمنع السفيه من التصرف في المال نقدا‬ ‫وعينا لأنه شرط قيام الإنسان‪.‬‬‫ونسبة الكلمة إلى التواصل هي عين نسبة العملة إلى التبادل‪ .‬وحقيقتها إذا خلصناها من‬‫التحريف الناتج عن دين العجل هي رمز التواصل الصادق بني الناس المتساوين في القيمة‬‫وفي الحاجات الروحية التي بقوم بها كيان الإني الروحي والبدني‪ :‬فالخداع التواصلي‬ ‫تحريف ثقافي متبادل التأسيس مع الاقتصادي‪.‬‬‫ولما كان هذا الفصل هو الاخير في المحاولة فلأذهب مباشرة إلى الزبدة‪ .‬في الفصل الثالث‬‫شرحت التجهيز الروحي للإنسان ليكون قادرا على تحقيق بعدي مهمته في الوجود الدنيوي‬‫أي الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها دون ادعاء معرفة حقيقة الروح لأنها من امر‬ ‫الله والغيب المحجوب حتى على الرسل‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫لكن أفعال الروحي من الإنسان المتعين في البدني منه هي مضمون \"الرحمن علم القرآن‬‫خلق الأنسان علمه البيان\"‪ .‬وتبين أن القرآن هو العلاقة المباشرة بين الله والإنسان وأن‬‫البيان الذي علمه هو شرط أهليته للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪ .‬والبيان شارط‬ ‫للأول وشارط للثاني موجبهما وسالبهما‪.‬‬‫فإذا تنكر رمز التبادل في معدن العجل أي سلطة المال وتنكر رمز التواصل في خوار العجل‬‫أي سلطة الكلمة سواء كان التنكر باسم تحريف مفهوم الله وتحويله إلى وثن تستعمله سلطة‬‫الوساطة وسلطة الوصاية (الثيوقرطيا) أو باسم تحريف مفهوم الإنسان لنفس الغاية‬ ‫(الانثروبوقراطيا) حرف الديني والفلسفي‪.‬‬‫وتحريفهما الثيوقراطي هو أصل الفتنة الكبرى التي عرفها تاريخنا في بداية تعطيل‬‫الدستورين وفرض حالة الطوارئ التي دامت ‪ 14‬قرنا وتحريفهما الانثروبوقراطي هو‬‫أصل الفتنة الصغرى التي يعرفنا تاريخنا منذ ما يسمى بالعصر الحديث‪ .‬وتجمع بينهما بنية‬ ‫عميقة هو دين العجل ورمزاه إيران وإسرائيل‪.‬‬‫وهما رمزان لنفي مضمون النساء ‪ 1‬ومضمون الحجرات ‪ 13‬وليس كل منهما إلى ذراع‬‫لحضارة العجل او العولمة التي هي سلطان تحريف وظيفة العملة ووظيفة الكلمة لأن الاولى‬‫صارت أساس التبادل الظالم والثانية أساس التواصل الكاذب‪ .‬والتبادل الظالم في نفس‬ ‫الجماعة وبين الجماعات معياره القوة والسلطة‪.‬‬‫وما يغطي عليه هو مفهوم \"السوق\" التي تحدد أسعار البضائع والخدمات موضوعي التبادل‬‫الاقتصادي‪ .‬فهذا المفهوم كذبة لأنه ليس كما يتوهم الكثير عملية موضوعي لا دخل فيها‬‫لنسب القوة بين المتبادلين‪ .‬فالأقوى هو الذي يفرض الاسعار والقيم بآليات سأدرسها لاحقا‪:‬‬ ‫قيمة الدولار أغلبها سياسي وليس سوقي‪.‬‬‫وما قلته عن العملة أقول مثله عن الكلمة‪ .‬فنسبة القوة إلى القيمة الاقتصادية لها نظير‬‫هو نسبتها إلى القيمة الثقافية‪ .‬فقيمة الثقافة الأمريكية ليست ذاتية لها بل سرها في قوة‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫أمريكا التي هي عجليتها بمعنى أن الكلمة تخدم العملة فأسست لثقافة الاستغلال بدل ثقافة‬ ‫التعاون والتعاوض العادل‪.‬‬‫وهو ما يبين خطاب هابرماس الذي يتصور أن منطق التدوال (في ثقافة النظام‬‫الديموقراطي) يمكن أن يصلح منطق التبادل (في اقتصاد النظام الرأسمالي) لأنه لم يفهم‬‫أن الأول وظيفته ليس التواصل الصادق باسم الله حول التبادل الظالم بل هو التواصل‬ ‫المخادع الذي يبرر البادل الظالم باسم الإنسان‪.‬‬‫أعود إلى الرحمن‪ .‬من المخاطب؟ الكائنان اللذان لم يخلقا إلا للعبادة‪ :‬الجن والانس‪.‬‬‫ومن الجنس والإنسان شياطين وهم محرفو وظيفة رمز الفاعلية او العملة وفاعلية الرمز‬‫أو الكلمة ومؤسسو دين العجل وتنكره في الثيوقراطيا وفي الانثروبوقراطيا‪ .‬ولفهم ذلك‬ ‫يكفي قراءة المعوذات الثلاث‪.‬‬‫لن أطيل في بيان ذلك لأنه من بعض أفكرا التفسير الفلسفي للقرآن الكريم‪ .‬سأكتفي‬‫بالقول إن الأولى تعرف الله الحق وتميزه عما يوثنه وخاصة قيسه على الإنسان من حيث‬‫الصفات الوجودية‪ .‬والثانية تعرف ما في كيان الإنسان من استعداد لقبول هذا التحريف‬ ‫وهي القيم السالبة الخمس ورمزها \"شر ما خلق\"‪.‬‬‫والأخيرة تبين أن شر ما خلق هو شياطين الإنس والجان أو ما يؤسس للإنسان الذي لا‬‫يعوذ بالله بل يعوض بتوثينه فيفقد انسانيته التي هي علاقته المباشرة بالله وعلاقته غير‬‫المباشرة بالطبيعة والتاريخ بمنظور العلاقة المباشرة أعني بما يجعله يعتبر ما فيهما من نظام‬ ‫ما يراه فيهما من آيات الله‪.‬‬‫ففي السور الثلاث الملجأ الوحيد هو العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه دون وسيط ولا‬‫وصي وهو ملجأ من دين العجل أو من الوسطاء والاوصياء الذين يقيسون الله على الإنسان‬‫(م‪ )1.‬وينسبون إلى الإنسان قدرات تتجاوز سلطان الله (م‪ )2.‬وذلك بوسوسة شياطين‬ ‫الإنس (الجلية)والجان (الخفية) (م‪.)2.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫اضطررت لاعتبار الاخلاص أصلا للمعوذتين فوصفتها بصفتهما لأن المضمر فيها هو ما‬‫يتعوذ به من يتعوذ في المعوذتين أعين رب الفلق ورب الناس‪ .‬ولا يمكن أن نتكلم على‬‫المعوذتين من دون الكلام على هذا الرب المنسوب إلى الفلق والناس‪ .‬والأول مجال الضرورة‬ ‫والثاني مجال الحرية‪.‬‬‫ولولا ذلك لما كان موضوع المعوذة الأولى (رب الفلق) الكلام على السحر خاصة أي نفي‬‫النظام الطبيعي وبما يؤسس لسلطان الوسطاء والاوصياء على الإنسان‪ .‬ولما كان موضوع‬‫المعوذة الثانية (رب الناس) الكلام فيه على الوسوسة التي تؤيد في الأذهان ما يؤثر في‬ ‫الأعيان من ادوات سلطان الوسطاء والاوصياء‪.‬‬‫أعلم أن الاخلاص ليست معوذة لكنها أساس الكلام في المعوذتين بمعنى أن توثين الله‬‫بقيسه على الإنسان هو الذي يجب على المؤمن أن يتعوذ منه والعياذ لا يكون بغير هذا‬‫المعنى الحقيقي للإله‪ .‬السور الثلاث وحدة متكاملة لبيان أصل دين العجل وشرط التخلص‬ ‫منه وهما موضوع النقد والبديل القرآنيين‪.‬‬‫ولعل في اسمها معنى من دلالاته أنها تؤسس للخلاص مما يتأسس عليه تحريف مفهوم الله‬‫ومفهوم الأنسان المؤسسين لسلطان الوسطاء والاوصياء الذي لا يتحقق إلى ببعدي دين‬‫العجل في سياسة الدنيا التي تعتبر غاية الاخرى بدل العكس فتحرف الاخرى لتكون في‬ ‫خدمة الأولى وذلك هو تنكر دين العجل‪.‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook