الأسماء والبيان
1 مقدمة1 : العلوم الزائفة من منظور ابن خلدون وابن تيمية 1 تزييف النظر 2 العقم العلمي والعقم الادبي والعجز في الاستعمار في الارض 4 طبيعة الأسلوبين العلمي والادبي أداتي الخطاب القرآني 5 خاتمة 9
وعدت في الفصل الثالث من بحث التواصل والتبادل بعلاج اشكاليتي: -1طبيعة العلوم والآداب الزائفة. -2وفشلها في تحديد العلاقة السوية بين وجهي وجود الإنسان أي حبط الأعمال. فما طبيعة العلوم والآداب الزائفة؟ وما علة زيفهما؟ولم اعتبرها علة انحطاط الأمة وفقدانها القدرة على تحقيق شروط الاستعمار في الارض بوهم الاستخلاف التعبدي؟وهذا هو الفصل الرابع من البحث في التواصل والتبادل وشروطهما في العالم وفيما ورائه وسيليه الفصل الأخير البحث فيما ترتب عمليا على فشل النظر.كل من اطلع على مقدمة ابن خلدون يذكر أنه قد أشار إلى الكثير من العلوم الزائفة التي كانت سائدة في عصره والتي هي علة الانحطاط بالبديل الزائف.وكل من عمق النظر في عرض ابن خلدون يجده قد أشار إلى علوم زائفة لم يصفها بالزيف صراحة لكنه وصفها بالعقم والامتناع وقدم منها بدائل باحتشام.وبدائله منها هي مضمون المقدمة مضمونها الذي لم يصفه بكونه بديلا من العلوم الإسلامية الزائفة تقية المشارك في الحكم بخلاف ابن تيمية المعارض.ما يبرز في مواقف ابن تيمية المعارض نجده خفيا في مقدمة ابن خلدون المشارك في الحكم وصاحب الدهاء السياسي الذي ينظر للعلاج دون إقدام المعارض.فهو ينفي علمية الكلام والفلسفة (في المقدمة) وينتقد بشدة الفقهاء (في ترجمته لحياته) والمتصوفة (في المقدمة وفي شفاء السائل). 91
ومقدمته هي منظومة العلوم البديل منها جميعا.وما ورد فيها ضمنيا هو نفس ما نجده صراحة عند ابن تيمية الذي كانت مواقفه من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمتصوفة سر الحرب العامة عليه. وبين أن كلام الرجلين مختلف بالأسلوب وبالمدخل إلى علاج الإشكاليات أيضا:فابن خلدون قدم البديل العلمي من العلوم الزائفة لكن ابن تيمية اكتفى بالجدل الداحض لأوهام أصحابها.واختلاف المدخل بل وتقابله هو أن ابن تيمية ينطلق من العقائد إلى الشرائع وابنخلدون بالعكس ينطلق من الشرائع إلى العقائد وذلك لاختلاف التعليل عندهما تعليل الانحطاط الذي آل إليه أمر الحضارة الإسلامية.فابن تيمية يتصور تصحيح العقائد ضامنا لتصحيح ثمرة الشرائع أي إن السلوك الظاهر محكوم بما في الباطن. لكن ابن خلدون يرى بعكس ابن تيمية أن التربية والحكم هما المحددان.لكأن المقابلة بينهما هي المقابلة بين البحث من منطلق علم النفس والبحث من منطلق علم الاجتماع .وكلاهما يقتصر على أحد المحددين الفردي والجمعي.وبصورة أدق فإن كلا منهما يعتبر ما فضله مقدما على الثاني الذي لا ينكر دوره لكنه يعتبره تابعا للأول. وفي الحقيقة فإن المحددين متساويا التأثير ومتبادلاه.فالتواصل والتبادل ببعديهما في كلا المستويين المتعلق بالاستعمار في الأرض والمتعلقبالاستخلاف فيها لا يكونان سويين إلا بهذين المدخلين معا لتلازمهما في تفاعل متبادل دائم.نريد أن نبين أن عدم هذا التلازم والتفاعل هو أصل لكل تزييف للنظر وللعمل وسنبدأبتزييف النظر وكيف يتأصل ذلك في قلب ما حدده القرآن لمعرفة طبيعة البحث في حقيقته.رأينا أن ابن خلدون عالج المسألة بأسلوب من شارك في الحكم والعلم البنائي الموجب وابن تيمية عالجها بأسلوب من شارك في المعارضة والعلم النقدي السالب. 92
سأحاول تجاوز الأسلوبين المنفصلين لأعالج القضية علميا وبصورة نسقية متحررة من تقية ابن خلدون ومما يتهم به ابن تيمية من \"فظاظة\" الجراح الغيور.ذلك أن هدفي هو تعليم الشباب بجنسيه تعليما يحرره من العاجل لفهم شروط عجلته الكامنة دائما في الآجل الذي كان غياب اعتباره سر ضعف الأمة وعقم نخبها: وهو ما يعاب على طريقتي التي تبدو معسرة بدلا من أن تكون ميسرة.ولا شك أن الثورة في بعدها المباشر والعاجل تعد حربا على الأعيان الماثلة أمام غضب الشباب بجنسيه فيغفلون عن الأخلاق العامة التي هي أصل كل الأدواء.فبشار والسيسي في صف الأنظمة الفاشية والمجرمة وممولوهم في صف الأنظمة التي تدعي الإسلام سنية كانت أو شيعية شرط إمكانهم أخلاق العاجل العامة:فلولا فساد معاني الإنسانية بمعناه الخلدوني لما كانت الجماعة قابلة لمثل هذا السلوك وصابرة عليه قرونا.كل النخب (بأصنافها الخمسة) تأخذ العاجل بقوة وتترك الآجل الذي الوعي به يمكنمن تجاوز اللامبالاة بالمآلات التي نراها تهدم أوتاد حضارة الأمة :العراق والشام ومصر واليمن.كما نراها تسعى لتهديم ما بقي من الأوتاد في الخليج وفي المغرب بل وفي كل دار الإسلام.فبهذا الموقف تنقلب كل القيم فلا تبقى مطالب الإرادة والعقل والقدرة الحياة والوجود مطالبها بل تستعيض النخب عنها بأشباهها فتبقى الأسماء دون مسميات:الإرادة تابعة والعقل شارد والقدرة وهمية والحياة مجون وإدراك الوجود ورؤاه شعوذة إما باسم الأصالة أو باسم الحداثة.واليوم أريد أن أتكلم على العقل وتزييف منتوجيه اللذين يتجاوز الإنسان بهما العاجل ليدرك مآلاته في الآجل فيكون سيد الطبيعة والتاريخ بالإبداع.فتزييف منتجي العقل أي العلم أساس السلطان على الطبيعة والأدب أساس السلطان على التاريخ هو فساد إبداع قوانين الطبيعة وفساد إبداع نماذج التاريخ والحرية. 93
وقد سبق فبينت أن هذا الفساد علته قلب دلالة الآية 53من فصلت والعمل بعكس ما طلبت من المؤمنين وقد حصل ذلك في جميع الأمم قبلنا بأقدار مختلفة. كما سبق وبينت أن القرآن الكريم يجمع بين الأسلوبين: -1التحليلي للمثل (شرط العلم). -2والتأويلي للأمثال (شرط الأدب).وإذن فالآية 53من فصلت تتعلق بهما منهجين سويين إذا توجه صاحبهما إلى ما أشارت إليه بعكس ما قلب التوجه إليه في المرحلة المنحطة من تاريخنا الحضاري.لذلك فكلامي اليوم على العقمين العلمي والأدبي وعجز النخب في تحقيق شروطالاستعمار في الأرض (عدم إبداع قوانين الطبيعة) وشروط الاستخلاف فيها (عدم إبداع قيم التاريخ).والقرآن الكريم لا يتضمن قوانين الطبيعة (بخلاف وهم أصحاب الاعجاز العلمي بدلفلسفة النظر والبحث العلمي) ولا قيم التاريخ (بخلاف وهم أصحاب الحكم بالقرآن بدلفلسفة العمل والبحث العملي) بل هو يحدد ما وراءهما ليدل الإنسان على طريقهما وتأهيله ليكون مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها.ففصلت 53توجه الإنسان إلى المحل الذي يجد فيه ما يثبت أن القرآن حقيقة بوصفه رسالة خاتمة تحدد شروط تحقيق الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها.لكن أصحاب العلم والأدب الزائفين عكسوا الوجهة فنظروا فيما لا يقبل تحقيق شروط الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها وتركوا ما يقبله تحريفا للآية الصريحة.فالمطلوب فيها هو البحث فيما يريهم الله ليس في آيات النص القرآني بل في آياته الواردةفي الآفاق والأنفس فضلا عن البحث عنها في الغيب المحجوب أعني في ذات الله وصفاته وفي علاقة الآفاق والأنفس بهما.وكلام القرآن على آيات الله في الآفاق والأنفس يبين أنها رياضيات في الآفاق وأخلاقيات في الأنفس .والأولى أساس الطبيعة والثانية أساس التاريخ. 94
وما جعلني معجبا بابن تيمية وابن خلدون اكتشافهما لهذين الحقيقتين. ▪ فابن تيمية هو أول من قال إنه لا علم يقيني إلا في المقدرات الذهنية أي الرياضيات والمنطق.وهو القائل إن باقي العلوم تبع لهما أي إن العلوم الطبيعية ليست إلا علوما تطبيقية للرياضيات والمنطق على الظاهرات الطبيعية نماذج تفسيرية تحتكم إلى التجربة.وتلك هي علة اعتباري إياه قد تجاوز الفلسفة القديمة التي كانت تعمل بما يشبه ذلك دون تأسيس لغياب نسبية هذه العلاقة في نظرية المعرفة المطابقة.فأساس هذه العلاقة عند ابن تيمية هو امتناع المطابقة فالنماذج الرياضية والخلقية تعد معايير مثالية لمعرفة تجريبية جوهرية النسبية والتكامل. ▪ وابن خلدون يقول مثله لكنه كان أكثر جرأة .لم يكتف بإدراك هذه الحقيقة بل طبقها فحدد الشروط التي تبين شروط علم التاريخ أو القيم الخلقية للعمران والاجتماع.ولعل الغزالي -رغم سخف من يتهمه بقتل الفلسفة ممن تصورونها مضغ تراث يونانيأو أوروبي غير مستوعب الدلالة-قد أدرك هذه الحقيقة فحدد علاقة العلم والإيمان في مقدمات التهافت بمثال الفلك والرمانية والبصلة.فلنبين طبيعة العلم (مُثل الطبيعة الرياضية) والأدب (أمثال التاريخ الخلقية) وبيان علل عدم الإبداع فيهما اقتصارا على ما دونهما بظنه ما فوقهما. فمن له دراية بنصوص القرآن الكريم لا ينكر أن كلام القرآن على العالم يتضمن: ▪ عنصرين علميين من الشاهد. ▪ وعنصرين إيمانيين من الغيب. وأصل العناصر الأربعة هو آية القرآن وجودية. 95
-1فعنصرا الشاهد هما قوانين الظاهرات الطبيعية (أداتيه رياضية) ومناسبتها للحياة (غائية خلقية). -2عنصرا الغيب هما الخلق (الطبائع) والأمر(الشرائع). -3وعنصرا الشاهد من مجال العلم -4وعنصرا الغيب من مجال الإيمان-5والجمع بين الثاني منطلقا للبحث والأول موضوعا هو مطلوب الآية 53من فصلت الذي أهمل.وفي كلا العنصرين ما ينتسب إلى شروط الاستعمار في الأرض (العلم الرياضي بالطبائع) وما ينتسب إلى شروط الاستخلاف فيها (العلم الخلقي بالشرائع). وذلك هو الفرق بين العلم والإيمان:-1فعلم الطبائع وقوانينها الرياضية يوجه القرآن الإنسان إليه بوصفه شرطا ضروريا للاستعمار في الأرض.و-2بهذين الشرطين الضروري وما يجعلهما كافيين يتوجه الإنسان إلى الآفاق والأنفس لمعرفة حقيقة القرآن رسالة خاتمة تحدد مثل الطبائع وأمثال الشرائع. ومُثل الطبائع رياضية وهي موضوع الإبداع العلمي شرط الاستعمار في الأرض. وأمثال الشرائع خلقية وهي موضوع الإبداع الأدبي شرط الاستخلاف فيها.وغياب هذين الابداعين بهذين المعنيين هو الدليل الدامغ على تحريف العلم والأدب في حضارتنا وسبب انحطاطها والتحرر منهما شرط الاستئناف الفعلي.وتلك هي الثورة التي ينبغي أن يؤمن بها الشباب لأن البداية التي توجهت للعاجل- المطالبة بالحرية والكرامة-لا ينبغي أن تلهينا عن الآجل :شروطهما. -1فأدعياء الأدب يقتصر أدبهم على ظاهر وجودهم:وصف أحوال نفسهم يعتبرونه إبداعا أدبيا وهو أدنى أشكال التعبير عن الوعي بالوجود لحصره في النفسانيات. -2وأدعياء العلم يقتصر علمهم على ظاهر مداركهم الحسية: 96
وصف ما يعتبرونه إبداعا علميا لا يتجاوز وصف ظاهر الوقائع وهو أدنى أشكال التعبير على القوانين العلمية. وذلك سر انحطاط الابداعين في حضارتنا.وأدعياء تحرير العلم أو الأدب من هذين الظاهرين بتقليد ماضينا للتأصيل أو ماضي الغرب للتحديث يوثنون المثل والأمثال ويقتلون الإبداع بوثن الواقع.تركوا الإبداع الرياضي لصوغ نماذج الطبائع والابداع الأدبي لصوغ نماذج الشرائع أعني ما توحي به آيات الشاهد من مثل وأمثال وطلبوا الرجم بالغيب. وبذلك زيفت العلوم الإسلامية الخمسة: التفسير والنظر العقدي :كلاما وفلسفة والعمل الشرعي :فقها وتصوفا وأصبح الجميع يدعي العلم بالغيب ليكفر غيره.وبذلك فالمفسرون كلاميا وفلسفيا وفقهيا وصوفيا لم يكونوا علماء بل أمراء حرب باللسان الذي لا يهذب الوجدان بل يروضه على حرب الإنسان على الإنسان. زيفوا كل العلوم:فبدل علم طبائع العالم طلبوا علم طبيعة الخالق قبله وبدل علم شرائع التاريخ طلبواعلم شرائع الآخرة بعده فأضاعوا الدنيا مطيتها واستبدلوا عبادة الخالق بالعبودية للمخلوق.ذلك أن من لم يحقق شروط الاستعمار في الأرض (كما بين ابن خلدون في المقدمة) لا يمكن أن يحقق شروط الاستخلاف فيها بل يصبح عالة على غيره فيكون عبدا له.فمن يعجز عن سد حاجاته ويعجر عن السيادة عليهما يسود عليه غيره بأولهما فيكون عبدا تابعا له.فما يزعمونه علما ليس إلا رجما بالغيب أضاع معايير الفصل بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين الجمال والقبح وبين الحرية والجبرية وفقد الوعي بالمتعالي. 97
والوعي بهذا الغياب هو شرط العودة إلى الصواب بفهم الآية 53من فصلت: فعلم آيات الآفاق والأنفس (الرياضيات والأخلاقيات) هو شرط الحرية والكرامة. وعلم الآفاق والأنفس:إبداع علمي (رياضي)يطبق على الطبائع وإبداع أدبي(خلقي)يطبق على الشرائع ليكون الإنسان بحق مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها.سيتوهم الكثير من المتآدبين باني اقول بإخضاع الإبداع الأدبي للأخلاق بمعنى الحكم الخلقي المسبق ما يعني أنهم يجهلون دلالة مفهوم الخلقي:فلا إبداع أدبي من دون أن يكون كلاما في علاقة الحر بالمضطر ومن ثم التعبير عن الاشرئباب لتجاوز الثاني إلى الأول.وتصور الخلقي غير ذلك هو جهل بالخلقي في الإبداع الأدبي وهو جهل مناظر لجهل مفهوم الرياضي في الإبداع العلمي. فنسبة الأدبي في الشرائع والتاريخ كنسبة العلمي في الطبائع والعالم. -1والعلمي في الطبائع والعالم رياضي أو لا يكون -2والأدبي في الشرائع والتاريخ خلقي أو لا يكون. ومعنى خلقي هنا هو توسيع مجال الحرية والكرامة.والرياضي هو توسيع مجال التحرر من الضرورة العمياء ببيان قوانينها التي تعلم مجراها فتحقق شروط التوسيع الأدبي للحرية والكرامة في التاريخ.وبذلك فالأدب الرفيع يحرر الإنسان من الواقع الثقافي بالأمثال بتوسيع حرية الإنسان وكرامته والعلم الرفيع يحرر الإنسان من الواقع الطبيعي بالمثل.الإبداع الأدبي تجاوز للواقع الثقافي والإبداع العلمي تجاوز للواقع الطبيعي بكرامة العبادة :الرياضيات حرية العقل والأخلاقيات حرية الإرادة. وذانك هما فرعا الاشرئباب الإنساني نحو المتعالي شرط كل تقويم: 98
فلا يمكن للإنسان أن يقوم الموجود إذا لم يشرئب لمنشود يجعل علاقته بالمطلق علاقةمباشرة مع الله .وهذه العلاقة المباشرة تجعلنا ندرك دلالة آيات الآفاق والأنفس بوصفها رياضية في الطبائع وخلقية في الشرائع :إنها حقيقة القرآن نراها في آياته.لن يطمئن لي بال حتى يبدأ الشباب بجنسيه ثورة تمكن الامة من استئناف دورها في العالم فشرع في العمل بما تطلب فصلت 53فأبدع علميا وأدبيا.لهذا قبلت بأن أنزل لساحتهم فشرعت في الكتابة بأساليبهم المحدثة بمعونة مساعدي الأعزين ابني الأكبر وخطيبته فجزاهما الله خيرا وحفظهما للأمة. 99
02 01 01 02
Search
Read the Text Version
- 1 - 16
Pages: