-- لهذه العلاقة بين العمليتين من خلال بيان أثر الطبيعة في الإنسان وأثر الحضارة في الطبيعة. وأقوى الأدلة على هذا الانتقال من الجمع بين أمرين حاصلين قبل الحصيلة إلى حصيلة هي التي تحصل الأمرين هو بيان ما يترتب على التربية والحكم العنيفين من إفساد لمعاني الإنسانية التي هي هذه الرئاسة بالطبع وبمقتضى الاستخلاف أي إن طبيعة دورهما في الفكرين الفلسفي والديني ينفيها. وحتى نفهم ذلك جيدا فيكفي أن نقارن الحل الهيجلي بالحل الخلدوني .فالأول يرى أن الإنسان يتحرر بعبودية التربية والحكم (العامل الحضاري) من عبودية الطبيعة الخارجية والطبيعة الذاتية (العامل الطبيعي) في حين أن ابن خلدون يعتبر ذلك لا يحقق الهدف بل يفسد معاني الإنسانية لأن النتيجة هي التدجين وليس التكوين .وبلغتنا الحديثة فالتدجين حينها يكون مضاعفا: • تدجن الطبيعة الخارجية فلا يبقى شيء من الطبيعي في العالم. • وتدجين الطبيعة الذاتية للإنسان فلا يبقى شيء من الإنساني فيه. كلاهما يصبح آليا وتقنيا واصطناعيا .ولا يتحقق ذلك إلا بالقضاء على القانونين قانون الضرورة الطبيعية وقانون الحرية الخلقية .وهو ما يمكن تسميته بلغتنا الانتحار الحضاري كما في العولمة حيث يتم إفساد الطبيعة والإنسان في آن .وكل محاولات حماية الطبيعة المتأخرة أو التصدي للتلوث يشبه الوعي المتأخر بهذه النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون وسماها \"فساد معاني الإنسانية\" أو الانتحار عند فقدان الإنسان لرئاسته. ولأختم هذا الوجه الأول وهو فلسفي بإيراد النص الخلدوني الحاسم قبل أن أمر إلى الوجه الثاني وهو ديني .وقد استخرجته من شرح سورة هود .ففي الفصل 24من الباب الثاني يعلل ابن خلدون فناء الأمم المغلوبة كالتالي بعلتين: \" .1والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل .والاعتمار إنما أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
-- هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية .فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل .وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أو لم يحصلوا. .2وفيه والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له .والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده .وهذا موجود في أخلاق الأناسي ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة وإنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين .فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء .والبقاء لله وحده\" .ذانك هما التعليلان الثوريان الواصفان للظاهرة التي يدرسها ابن خلدون .التكاسل وعدم الأمل هو الداء الدوي الذي يقتل الحضارات حتى تلك التي تبدو متقدمة تقنيا وعلميا واقتصاديا وثقافيا لأن الحياة نفسها تفقد معناها ويكون الإنسان فيها مجرد جزء من آلة عمياء تفسد معاني الإنسانية فيه ومعاني الطبيعية في العالم فيكون الجميع فيه أدوات ولم يبقوا غايات. ويكون ذلك-وهو من المفارقات-أكثر تأثيرا كلما كان الإنسان قد مر من البداوة إلى الحضارة بفعل خارجي وبقفزة تلغي كل المراحل وليس بفعله الذاتي لأن العلاقة المباشرة بين البدوي والثمرة الحضارية الخالية من الإثمار التاريخي يؤدي إلى أنها تتحول إلى ركام عنيف من الأمور الجاهزة التي يكون فيها فاقدا لفاعلية العقل والروحي. فيكون كالحمار الذي يأتيه غيره بعلفه .تكون علاقته بالحضارة علاقة علف وليس علاقة إبداع لها قبل أن تكون استجابة لحاجة عضوية فيه .فلا يرى من المرأة إلا البدن .ولا يرى الأشياء إلا الاستعمال .ولا يدرك معنى الجمال .ولا معنى للجلال .ولا معنى للحلال. ولا معنى للحرام بل هو بطن وجنس لا غير. أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- وهذه الصفات ليست خاصة بالأغنياء منهم فحسب بل هي أشد عند الفقراء .ذلك أن حضور هذه الصفات يستجاب لها بالثراء والقدرة عليها بالاستيراد وغيابها يستجاب له بالخيال واللهيث الدائم وراء أدنى ما يتوفر منها بكل الوسائل الممكنة وهذه هي الوضعية التي يصفها ابن خلدون بفاعلية الترف القاتل للحضارة. يقول ابن خلدون في ذلك (المقدمة الباب 4الفصل :)18 \"(بعد التفسير الاقتصادي) وأما فساد أهلها (أهل الحواضر) في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها .فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه .وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والرباء في البياعات .ثم تجدهم لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه\". من لم ير في هذا الوصف مدن العرب وخاصة أحياءها الشعبية ومقاهيها وحاناتها وأسواقها فهو لا يمكن أن يفهم التحليل والتعليل الخلدونيين للانهيار الحضاري في المجتمعات الإنسانية بأغنيائها وفقرائها. أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- وصلنا الآن إلى غاية المطاف :ما الجديد في رسالة الإسلام الخاتمة وعميت عنه الأبصار والبصائر طيلة 14قرنا بسبب الاقتصار على المباشر من معانيه والتلهف على استعمالها المباشر لكأن القرآن صندوق ماعون عند المفسر والمتكلم والفقيه والفيلسوف والمتصوف أعني في علوم الملة الغائية الخمسة-التفسير والفقه والكلام والفلسفة والصوف -وهو أمر حصل فعلا ولا يزال معمولا به وخاصة في تخريف المتكلمين على الأعجاز العلمي. إن فعلا أمر غير مفهوم حقا؟ لو لم تكن آثار ذلك بادية للعيان لكان كلامي دعاوى قد تظن حسن ظن برأيي وسوء ظن برأي غيري .فلا يمكن أن يصدق أحد أن أمة استطاعت في بداية عهدها بالإسلام أن تصبح أكبر إمبراطورية في عصرها وأن تصبح رغم ما تعاني منه من وهن خمس البشرية من دون تعليل يفهمنا سر بقائها تابعة بعد قرنين من \"النهوض\". والأدهى هو أن نخبها بدلا من اتهام فهومهم صاروا يتهمون ما منه استمدوا سلطانهم التاريخي الكوني .فأصبح هم أغبيائهم الأول والأخير السعي إلى استبداله بما يريده أعداؤه تأويلا له لا يتجاوز عين السر الذي جعله يفقد تأثيره في الأمة لأن تحول إلى مادة الوعظ والإرشاد في أمة لم يبق لها إلا رفع الأكف بالدعاء حتى صارت إلى ما هي عليه وما حاولت وصفه في الفصول التسعة السابقة. فعندما يعتبر ما ترتبت على تحريف القرآن وقلب ما أمر به في فصلت 53وما نهى عنه في آل عمران 7مترتبا على القرآن والثورة الإسلامية التي وصفت في شرح هود وعلة تشييبها للرسول فأنت تفهم حينها علة أن يصبح الإسلام متهما ومستهدفا من قبل البداوة عندما تدعي الحضارة وتفهم الثورة المضادة العربية التي يقودها أكثر من \"فسدت فيهم معاني الإنسانية\" ممن يدعون الليبرالية والتفلسف القميء. فما يعتبر بداية الوعي بهذا التحريف الذي جعل الإسلام يتحول إلى تكديس العبادات والشعائر والاستغناء عن فوائدها أو رد الفعل عليها بنفي كل ما يمت إلى الإسلام وخاصة أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- ما تحاول الثورة تداركه-أي الإسلام السياسي إذ الثورة ليست من فعل الظاهرات الصوتية لليسار والقوميين-بتطبيق دلالات سورة هود باستعادة دور قيم الإسلام في التربية والحكم أي في بعدي السياسة التي تحقق التعمير بقيم الاستخلاف .ذلك هو المستهدف في محاولات تكريس تحييد ثورة الإسلام أي العودة إلى علل الانحطاط. فما يطلبونه نفي لثورة الإسلام كما بينتها سورة هود .نفي التحرر من عبودية الطبيعة (نوح) والتحرر من عبودية السياسة(موسى) وبينهما أي التحرر من هيمنة المستبدين بالثروة (هود والاقتصاد) وبأصل الحياة الأول (صالح والماء) وبأصل الحياة الثاني (لوط والجنس) وبشروط التبادل العادل (شعيب والمكاييل). ما يطلبونه هو الإبقاء على سلطان المافيات والحرب على \"رئاسة الإنسان بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" الإنسان من حيث هو إنسان كما هو مضمون هذا التحرر المضاعف من عبودية الطبيعة ومن عبودية الساسة وما بين طرفي الوجود الإنساني الطبيعة والحضارة من شروط هي حل المشكل الاقتصادي ومشكل الماء ومشكل الجنس ومشكل التوزيع العادل للثروة .وإذن فما يطلبونه مضاعف: .1أولا إحياء علل الانحطاط أي جعل المسلمين دراويش بدعوى الروحانيات الصوفية التي هي مطلق التحريف للإسلام. .2استيراد سبب خراب العالم الحالي أي ما سأحاول بيانه من خلال تحريف ثورة نوح وتحريف ثورة موسى كما فهمهما القرآن الكريم وحذر منهما. وسأبدأ بالكلام على تحريف ثورة موسى :ألم يقلبوا ثورته إلى دين العجل؟ ودين العجل ما هو؟ اليس هو عبادة معدنه وخواره؟ ومعدن العجل هو رمز العملة الربوية .وخواره هو رمز الكلمة الربوية أي التضخمين اللذين تستعبد بهما المافيات العالمية الإنسانية كلها؟ فالبنك والإعلام هما أداتا العبودية العالمية حاليا. أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- وقد بينت أن دين العجل-الأبيسيوقراطيا-هو البنية العميقة للثيوقراطيا (مثالها إيران) والانثروبوقراطيا (مثالها اسرائيل) عينتين مما يستبعد الإنسان أي الدين والعلمانية وكلاهما يستند إلى خرافة من طبيعة دينية تدعي إما نظرية الأسرة المختارة (آل البيت) أو الشعب المختار (بنو إسرائيل). والنخب العربية بحاكميها وطباليهم انقسموا إلى توابع للأولى (إيران وحليفتها) أو للثانية (إسرائيل وحليفتها) بوصفهما ذراعي المافية الكونية التي تمثلها مافيات الحليفين أي أمريكا وروسيا اللتين تحركانهما في الإقليم حتى تمنعا استئناف الإسلام دوره بما تفيده ثورة نوح وموسى وما بينهما من شروط بعد تحريرهما من التحريف الذي توقعه القرآن. أما ثورة الإسلام فهي: .1منع الربا لئلا تصبح أداة التبادل سلطانا على المتبادلين فيصبح الاقتصاد أداة استعباد لا أداة تحرير من استبداد الطبيعة. .2منع الفصل بين القول والفعل (كبر مقتا) لئلا تصبح أداة التواصل سلطانا على المتواصلين والثقافة أداة استعباد وليس أداة تحرير من استبداد السياسة. وهذان هما سلاحا الاستعباد الكوني الحالي في العولمة وهما ما به يحاول أصحاب الثورة المضادة العربية ضرب الثورة والحرب على الإسلام .فالأميران الأحمقان اللذان يقودان الثورة المضادة ليسا إلا دميتين إسرائيلية مثلهما مثل حكام العراق وسوريا ولبنان .فأمراء العراق وأمراء سوريا دميتين إيرانيتين والكل دمى أمريكا وروسيا حربا على عودة الإسلام الآتية لاريب. فإذا طبقنا خطة ابن خلدون حول المسار في الاتجاهين فإنهما يلتقيان هنا في الوسط بين نوح وهود وصالح قبل إبراهيم وموسى وشعيب ولوط بعده تماما كما كانت المدينة عند ابن خلدون في كلامه على العلاقة بين البداوة والحضارة لأنهما ملتقاهما أو ملتقى المسارين الذاهب من تلك إلى هذه والعائد من هذه إلى تلك. أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- فيتبين من ثم أن الحل في هذه الحالة هو عين الحل الذي قدمه محمد للمدينة أو للنقلة من قرآن مكة إلى قرآن المدينة .لا يمكن للاستخلاف في الأرض من حيث هو ثورة روحية أن يتحقق من دون شرطه أو الاستعمار في الأرض من حيث هو ثورة مادية أي ثورة موسى تشترط ثورة نوح :ذلك هو مشروع الإسلام فثورة نوح هي معنى تعمير في الأرض وثورة موسى هي معنى الاستخلاف فيها. لكن هذا هو المشروع الموجب .ولا يمكن للمشروع الموجب أن يتحقق من دون علاج مشكل تحريف الثورتين .وتلك هي مهمة النقد القرآني لتحريف الأديان السابقة عليه .وإذا كان تحريف ثورة موسى هو دين العجل فماذا يمكن أن يكون تحريف ثورة نوح؟ إنه دين التقنية المفسدة للطبيعة والحياة بدل التحرير من استبدادهما الذي صار ثقافة تفسد في الأرض ولا تعمرها وتقودها بنفي الاستخلاف :التحريفان يمثلهما ما نبه إليه هود وشعيب اقتصاديا وصالح لوط. فهود وشعيب يعالجان مشكل الثروة (هود) وشروط توزيعها العادل (شعيب) وصالح ولوط يعالجان مشكل الحياة عامة (صالح والماء) وشروط توزيعها (لوط والجنس) .وإذن فالثورتان ليستا ممكنتين من دون علاج هذه المشاكل الأربعة التي تتوسطانهما :اثنتان اقتصاديتان تحكمهما العملة واثنتان ثقافيتان تحكمهما الكلمة. تحكم العملة يجعل الاقتصاد وتوزيعه ليس أداة بل غاية .فيصبح حل نوح بتحريفه تهديما ماديا للطبيعة لتركيم الثورة التي هي سلطان العملة الربوية .وتحكم الكلمة يجعل الثقافة وتوزيعها ليس أداة بل غاية فيصبح حل موسى بتحريفه تهديما روحيا للإنسان لتركيم الأوهام التي هي سلطان الكلمة الربوية :بعدا دين العجل معدنه وخواره. كيف لا يشيب من يدرك ذلك كله في لمح البصر ويدرك أن دوره يتمثل في استكمال رسالة إبراهيم بأن يحرر الإنسان من هذه الأدواء كلها بالوحدانية الخالصة لله دون سواه وتوحيد الإنسانية بمبدأ يجعل التعدد شرط قيامها كما تعرف ذلك النساء 1أصلا والحجرات 13 غاية :أخوة البشر والمساواة بينهم؟ أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- ذلك هو مضمون دستور المدينة :التعدد الديني والاعتراف المتبادل بينها وإرجاء حسم الخلاف بينها إلى يوم الدين (البقرة 62والمائدة )69يلغي الحروب الأهلية بين البشر لأنه شرط أمرين هما جوهر ثورة الإسلام: .1الحرية العقدية أو عدم الاكراه في الدين المشروط بتين الرشد من الغي (البقرة .)256 .2التسابق في الخيرات لاختيار العقيدة بحرية (المائدة :)48وتلك فرصة تبين الرشد من الغي. فيترتب على ذلك أمران آخران: .1التمييز بين وحدة الديني وتعدد الأديان وهو ما حددته الآيتان 62من البقرة و 69من المائدة :كل من عمل صالحا وآمن بالله الواحد لا خوف عليه ولا هو يحزن وله أجره يوم الدين. .2والديني في الأديان هو دين الله أو الإسلام الفطري أو طلب الإنسان الحقيقة لذاتها. وهذا المعنى الثاني هو القصد \"بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .ومعنى ذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان -كما تفيد الآيتان 172و 173من الأعراف-شهد على نفسه بالإيمان ولا يحتاج للعنف .يكفي تذكيره دون وساطة ولا وصاية .وذلك هو معنى \"فذكر إنما أنت مذكر (لا وسيط) *لست عليهم بمسيطر (لا وصي)\". والأولى تعني أن من يذكر دون أن يكون وسيطا هو التعليم الذي لا عنف فيه لأنه للتربية الروحية .الثانية تعني أن من يذكر دون أن يكون وصيا هو الحكم الذي لا عنف فيه لأنه التربية السياسية .ولذلك يقول ابن خلدون أن هذه التربية تبقي على ما في الإنسان من معاني الإنسانية .وبنصه أختم كلامي. يقول في الفصل 6من الباب:2 أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- \"ولا تستنكر ذلك (التأديب الذي لا يفسد معاني الإنسانية) بما وقع للصحابة من أخذهم أحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأسا لان الشارع صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلا عليهم من الترغيب والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق .فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم .قال عمر \"من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله\" حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقينا بأن الشارع أعلم بمصالح العباد .ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى حضارة وخلق الانقياد إلى الاحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم .فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي\". ولا أحتاج للقول إن المسلمين يعانون من الداءين :الحلف اللعين بين عنف \"العلماء\" الروحي وعنف \"الأمراء\" المادي .وكلاهما ضديد الدين تعليما وحكما كما مارسهما الرسول بوصفه مذكرا وليس وسيطا ولا مسيطرا. وكلا الاستبدادين مبني على كذبة .الأول مبني على كذبة \"العلماء ورثة الأنبياء\" إذ تقال دون شرطها وهي أن يكونوا بأخلاقه كما حددتها \"إنما أنت مذكر\" و\"لست عليهم بمسيطر\" .والثاني مبني على كذبة \"الأمراء أولياء الأمر\" إذ تقال دون شروطها :أن يؤمرهم أصحاب الأمر (الشورى )38بمعيار النساء .58وبالمناسبة فالأمير خلافا لما يظن ليست مشتقة من اسم الفاعل آمر بل من اسم الفعول مأمور من صاحب الأمر الذي هو الأمة (الشورى .)38ومثالها أجير من مأجور وليست من مؤجر وحقير من محقور وليست من حاقر .وهي إذن صيغة مبالغة من اسم المفعول وليس من أسم الفاعل كعليم من عالم أو رحيم من راحم .والأمير بهذا لا معنى مأمور مرتين :مأمور من الأمة نيابة عنها ومأمور من الشرع خضوعا لها .وخضوعه لها هو شرط طاعته من الأمة. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
Search