Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore مم يعاني العرب؟ وما علة تخليهم عن دورهم الإسلامي؟ - أبو يعرب المرزوقي

مم يعاني العرب؟ وما علة تخليهم عن دورهم الإسلامي؟ - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-09-16 17:50:33

Description: مم يعاني العرب؟ وما علة تخليهم عن دورهم الإسلامي؟ - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫لهذه العلاقة بين العمليتين من خلال بيان أثر الطبيعة في الإنسان وأثر الحضارة في‬ ‫الطبيعة‪.‬‬ ‫وأقوى الأدلة على هذا الانتقال من الجمع بين أمرين حاصلين قبل الحصيلة إلى حصيلة‬ ‫هي التي تحصل الأمرين هو بيان ما يترتب على التربية والحكم العنيفين من إفساد لمعاني‬ ‫الإنسانية التي هي هذه الرئاسة بالطبع وبمقتضى الاستخلاف أي إن طبيعة دورهما في‬ ‫الفكرين الفلسفي والديني ينفيها‪.‬‬ ‫وحتى نفهم ذلك جيدا فيكفي أن نقارن الحل الهيجلي بالحل الخلدوني‪ .‬فالأول يرى أن‬ ‫الإنسان يتحرر بعبودية التربية والحكم (العامل الحضاري) من عبودية الطبيعة الخارجية‬ ‫والطبيعة الذاتية (العامل الطبيعي) في حين أن ابن خلدون يعتبر ذلك لا يحقق الهدف‬ ‫بل يفسد معاني الإنسانية لأن النتيجة هي التدجين وليس التكوين‪ .‬وبلغتنا الحديثة‬ ‫فالتدجين حينها يكون مضاعفا‪:‬‬ ‫• تدجن الطبيعة الخارجية فلا يبقى شيء من الطبيعي في العالم‪.‬‬ ‫• وتدجين الطبيعة الذاتية للإنسان فلا يبقى شيء من الإنساني فيه‪.‬‬ ‫كلاهما يصبح آليا وتقنيا واصطناعيا‪ .‬ولا يتحقق ذلك إلا بالقضاء على القانونين قانون‬ ‫الضرورة الطبيعية وقانون الحرية الخلقية‪ .‬وهو ما يمكن تسميته بلغتنا الانتحار الحضاري‬ ‫كما في العولمة حيث يتم إفساد الطبيعة والإنسان في آن‪ .‬وكل محاولات حماية الطبيعة‬ ‫المتأخرة أو التصدي للتلوث يشبه الوعي المتأخر بهذه النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون‬ ‫وسماها \"فساد معاني الإنسانية\" أو الانتحار عند فقدان الإنسان لرئاسته‪.‬‬ ‫ولأختم هذا الوجه الأول وهو فلسفي بإيراد النص الخلدوني الحاسم قبل أن أمر إلى‬ ‫الوجه الثاني وهو ديني‪ .‬وقد استخرجته من شرح سورة هود‪ .‬ففي الفصل ‪ 24‬من الباب‬ ‫الثاني يعلل ابن خلدون فناء الأمم المغلوبة كالتالي بعلتين‪:‬‬ ‫‪\" .1‬والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها‬ ‫وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل‪ .‬والاعتمار إنما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية‪ .‬فإذا ذهب الأمل‬ ‫بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم‬ ‫تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد‬ ‫الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل‪ .‬وسواء كانوا حصلوا على‬ ‫غايتهم من الملك أو لم يحصلوا‪.‬‬ ‫‪ .2‬وفيه والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له‪ .‬والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه‬ ‫وري كبده‪ .‬وهذا موجود في أخلاق الأناسي ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة وإنها لا‬ ‫تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين‪ .‬فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص‬ ‫واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء‪ .‬والبقاء لله وحده\"‪ .‬ذانك هما التعليلان الثوريان‬ ‫الواصفان للظاهرة التي يدرسها ابن خلدون‪ .‬التكاسل وعدم الأمل هو الداء الدوي الذي‬ ‫يقتل الحضارات حتى تلك التي تبدو متقدمة تقنيا وعلميا واقتصاديا وثقافيا لأن الحياة‬ ‫نفسها تفقد معناها ويكون الإنسان فيها مجرد جزء من آلة عمياء تفسد معاني الإنسانية‬ ‫فيه ومعاني الطبيعية في العالم فيكون الجميع فيه أدوات ولم يبقوا غايات‪.‬‬ ‫ويكون ذلك‪-‬وهو من المفارقات‪-‬أكثر تأثيرا كلما كان الإنسان قد مر من البداوة إلى‬ ‫الحضارة بفعل خارجي وبقفزة تلغي كل المراحل وليس بفعله الذاتي لأن العلاقة المباشرة‬ ‫بين البدوي والثمرة الحضارية الخالية من الإثمار التاريخي يؤدي إلى أنها تتحول إلى ركام‬ ‫عنيف من الأمور الجاهزة التي يكون فيها فاقدا لفاعلية العقل والروحي‪.‬‬ ‫فيكون كالحمار الذي يأتيه غيره بعلفه‪ .‬تكون علاقته بالحضارة علاقة علف وليس علاقة‬ ‫إبداع لها قبل أن تكون استجابة لحاجة عضوية فيه‪ .‬فلا يرى من المرأة إلا البدن‪ .‬ولا‬ ‫يرى الأشياء إلا الاستعمال‪ .‬ولا يدرك معنى الجمال‪ .‬ولا معنى للجلال‪ .‬ولا معنى للحلال‪.‬‬ ‫ولا معنى للحرام بل هو بطن وجنس لا غير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه الصفات ليست خاصة بالأغنياء منهم فحسب بل هي أشد عند الفقراء‪ .‬ذلك أن‬ ‫حضور هذه الصفات يستجاب لها بالثراء والقدرة عليها بالاستيراد وغيابها يستجاب له‬ ‫بالخيال واللهيث الدائم وراء أدنى ما يتوفر منها بكل الوسائل الممكنة وهذه هي الوضعية‬ ‫التي يصفها ابن خلدون بفاعلية الترف القاتل للحضارة‪.‬‬ ‫يقول ابن خلدون في ذلك (المقدمة الباب ‪ 4‬الفصل ‪:)18‬‬ ‫\"(بعد التفسير الاقتصادي) وأما فساد أهلها (أهل الحواضر) في ذاتهم واحدا واحدا‬ ‫على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما‬ ‫يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها‪ .‬فلذلك يكثر منهم‬ ‫الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه‪ .‬وتنصرف‬ ‫النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على الكذب‬ ‫والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان والرباء في البياعات‪ .‬ثم تجدهم‬ ‫لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به‬ ‫وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه\"‪.‬‬ ‫من لم ير في هذا الوصف مدن العرب وخاصة أحياءها الشعبية ومقاهيها وحاناتها‬ ‫وأسواقها فهو لا يمكن أن يفهم التحليل والتعليل الخلدونيين للانهيار الحضاري في المجتمعات‬ ‫الإنسانية بأغنيائها وفقرائها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلنا الآن إلى غاية المطاف‪ :‬ما الجديد في رسالة الإسلام الخاتمة وعميت عنه الأبصار‬ ‫والبصائر طيلة ‪ 14‬قرنا بسبب الاقتصار على المباشر من معانيه والتلهف على استعمالها‬ ‫المباشر لكأن القرآن صندوق ماعون عند المفسر والمتكلم والفقيه والفيلسوف والمتصوف أعني‬ ‫في علوم الملة الغائية الخمسة‪-‬التفسير والفقه والكلام والفلسفة والصوف‪ -‬وهو أمر حصل‬ ‫فعلا ولا يزال معمولا به وخاصة في تخريف المتكلمين على الأعجاز العلمي‪.‬‬ ‫إن فعلا أمر غير مفهوم حقا؟‬ ‫لو لم تكن آثار ذلك بادية للعيان لكان كلامي دعاوى قد تظن حسن ظن برأيي وسوء‬ ‫ظن برأي غيري‪ .‬فلا يمكن أن يصدق أحد أن أمة استطاعت في بداية عهدها بالإسلام أن‬ ‫تصبح أكبر إمبراطورية في عصرها وأن تصبح رغم ما تعاني منه من وهن خمس البشرية‬ ‫من دون تعليل يفهمنا سر بقائها تابعة بعد قرنين من \"النهوض\"‪.‬‬ ‫والأدهى هو أن نخبها بدلا من اتهام فهومهم صاروا يتهمون ما منه استمدوا سلطانهم‬ ‫التاريخي الكوني‪ .‬فأصبح هم أغبيائهم الأول والأخير السعي إلى استبداله بما يريده‬ ‫أعداؤه تأويلا له لا يتجاوز عين السر الذي جعله يفقد تأثيره في الأمة لأن تحول إلى مادة‬ ‫الوعظ والإرشاد في أمة لم يبق لها إلا رفع الأكف بالدعاء حتى صارت إلى ما هي عليه وما‬ ‫حاولت وصفه في الفصول التسعة السابقة‪.‬‬ ‫فعندما يعتبر ما ترتبت على تحريف القرآن وقلب ما أمر به في فصلت ‪ 53‬وما نهى عنه في‬ ‫آل عمران ‪ 7‬مترتبا على القرآن والثورة الإسلامية التي وصفت في شرح هود وعلة تشييبها‬ ‫للرسول فأنت تفهم حينها علة أن يصبح الإسلام متهما ومستهدفا من قبل البداوة عندما‬ ‫تدعي الحضارة وتفهم الثورة المضادة العربية التي يقودها أكثر من \"فسدت فيهم معاني‬ ‫الإنسانية\" ممن يدعون الليبرالية والتفلسف القميء‪.‬‬ ‫فما يعتبر بداية الوعي بهذا التحريف الذي جعل الإسلام يتحول إلى تكديس العبادات‬ ‫والشعائر والاستغناء عن فوائدها أو رد الفعل عليها بنفي كل ما يمت إلى الإسلام وخاصة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما تحاول الثورة تداركه‪-‬أي الإسلام السياسي إذ الثورة ليست من فعل الظاهرات الصوتية‬ ‫لليسار والقوميين‪-‬بتطبيق دلالات سورة هود باستعادة دور قيم الإسلام في التربية والحكم‬ ‫أي في بعدي السياسة التي تحقق التعمير بقيم الاستخلاف‪ .‬ذلك هو المستهدف في محاولات‬ ‫تكريس تحييد ثورة الإسلام أي العودة إلى علل الانحطاط‪.‬‬ ‫فما يطلبونه نفي لثورة الإسلام كما بينتها سورة هود‪ .‬نفي التحرر من عبودية الطبيعة‬ ‫(نوح) والتحرر من عبودية السياسة(موسى) وبينهما أي التحرر من هيمنة المستبدين‬ ‫بالثروة (هود والاقتصاد) وبأصل الحياة الأول (صالح والماء) وبأصل الحياة الثاني (لوط‬ ‫والجنس) وبشروط التبادل العادل (شعيب والمكاييل)‪.‬‬ ‫ما يطلبونه هو الإبقاء على سلطان المافيات والحرب على \"رئاسة الإنسان بطبعه بمقتضى‬ ‫الاستخلاف الذي خلق له\" الإنسان من حيث هو إنسان كما هو مضمون هذا التحرر المضاعف‬ ‫من عبودية الطبيعة ومن عبودية الساسة وما بين طرفي الوجود الإنساني الطبيعة‬ ‫والحضارة من شروط هي حل المشكل الاقتصادي ومشكل الماء ومشكل الجنس ومشكل‬ ‫التوزيع العادل للثروة‪ .‬وإذن فما يطلبونه مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولا إحياء علل الانحطاط أي جعل المسلمين دراويش بدعوى الروحانيات‬ ‫الصوفية التي هي مطلق التحريف للإسلام‪.‬‬ ‫‪ .2‬استيراد سبب خراب العالم الحالي أي ما سأحاول بيانه من خلال تحريف ثورة نوح‬ ‫وتحريف ثورة موسى كما فهمهما القرآن الكريم وحذر منهما‪.‬‬ ‫وسأبدأ بالكلام على تحريف ثورة موسى‪ :‬ألم يقلبوا ثورته إلى دين العجل؟‬ ‫ودين العجل ما هو؟‬ ‫اليس هو عبادة معدنه وخواره؟‬ ‫ومعدن العجل هو رمز العملة الربوية‪ .‬وخواره هو رمز الكلمة الربوية أي التضخمين‬ ‫اللذين تستعبد بهما المافيات العالمية الإنسانية كلها؟‬ ‫فالبنك والإعلام هما أداتا العبودية العالمية حاليا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد بينت أن دين العجل‪-‬الأبيسيوقراطيا‪-‬هو البنية العميقة للثيوقراطيا (مثالها‬ ‫إيران) والانثروبوقراطيا (مثالها اسرائيل) عينتين مما يستبعد الإنسان أي الدين‬ ‫والعلمانية وكلاهما يستند إلى خرافة من طبيعة دينية تدعي إما نظرية الأسرة المختارة‬ ‫(آل البيت) أو الشعب المختار (بنو إسرائيل)‪.‬‬ ‫والنخب العربية بحاكميها وطباليهم انقسموا إلى توابع للأولى (إيران وحليفتها) أو‬ ‫للثانية (إسرائيل وحليفتها) بوصفهما ذراعي المافية الكونية التي تمثلها مافيات الحليفين‬ ‫أي أمريكا وروسيا اللتين تحركانهما في الإقليم حتى تمنعا استئناف الإسلام دوره بما تفيده‬ ‫ثورة نوح وموسى وما بينهما من شروط بعد تحريرهما من التحريف الذي توقعه القرآن‪.‬‬ ‫أما ثورة الإسلام فهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬منع الربا لئلا تصبح أداة التبادل سلطانا على المتبادلين فيصبح الاقتصاد أداة‬ ‫استعباد لا أداة تحرير من استبداد الطبيعة‪.‬‬ ‫‪ .2‬منع الفصل بين القول والفعل (كبر مقتا) لئلا تصبح أداة التواصل سلطانا على‬ ‫المتواصلين والثقافة أداة استعباد وليس أداة تحرير من استبداد السياسة‪.‬‬ ‫وهذان هما سلاحا الاستعباد الكوني الحالي في العولمة وهما ما به يحاول أصحاب الثورة‬ ‫المضادة العربية ضرب الثورة والحرب على الإسلام‪ .‬فالأميران الأحمقان اللذان يقودان‬ ‫الثورة المضادة ليسا إلا دميتين إسرائيلية مثلهما مثل حكام العراق وسوريا ولبنان‪ .‬فأمراء‬ ‫العراق وأمراء سوريا دميتين إيرانيتين والكل دمى أمريكا وروسيا حربا على عودة الإسلام‬ ‫الآتية لاريب‪.‬‬ ‫فإذا طبقنا خطة ابن خلدون حول المسار في الاتجاهين فإنهما يلتقيان هنا في الوسط بين‬ ‫نوح وهود وصالح قبل إبراهيم وموسى وشعيب ولوط بعده تماما كما كانت المدينة عند ابن‬ ‫خلدون في كلامه على العلاقة بين البداوة والحضارة لأنهما ملتقاهما أو ملتقى المسارين‬ ‫الذاهب من تلك إلى هذه والعائد من هذه إلى تلك‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيتبين من ثم أن الحل في هذه الحالة هو عين الحل الذي قدمه محمد للمدينة أو للنقلة‬ ‫من قرآن مكة إلى قرآن المدينة‪ .‬لا يمكن للاستخلاف في الأرض من حيث هو ثورة روحية‬ ‫أن يتحقق من دون شرطه أو الاستعمار في الأرض من حيث هو ثورة مادية أي ثورة موسى‬ ‫تشترط ثورة نوح‪ :‬ذلك هو مشروع الإسلام فثورة نوح هي معنى تعمير في الأرض وثورة‬ ‫موسى هي معنى الاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫لكن هذا هو المشروع الموجب‪ .‬ولا يمكن للمشروع الموجب أن يتحقق من دون علاج مشكل‬ ‫تحريف الثورتين‪ .‬وتلك هي مهمة النقد القرآني لتحريف الأديان السابقة عليه‪ .‬وإذا كان‬ ‫تحريف ثورة موسى هو دين العجل فماذا يمكن أن يكون تحريف ثورة نوح؟ إنه دين التقنية‬ ‫المفسدة للطبيعة والحياة بدل التحرير من استبدادهما الذي صار ثقافة تفسد في الأرض‬ ‫ولا تعمرها وتقودها بنفي الاستخلاف‪ :‬التحريفان يمثلهما ما نبه إليه هود وشعيب اقتصاديا‬ ‫وصالح لوط‪.‬‬ ‫فهود وشعيب يعالجان مشكل الثروة (هود) وشروط توزيعها العادل (شعيب) وصالح‬ ‫ولوط يعالجان مشكل الحياة عامة (صالح والماء) وشروط توزيعها (لوط والجنس)‪ .‬وإذن‬ ‫فالثورتان ليستا ممكنتين من دون علاج هذه المشاكل الأربعة التي تتوسطانهما ‪ :‬اثنتان‬ ‫اقتصاديتان تحكمهما العملة واثنتان ثقافيتان تحكمهما الكلمة‪.‬‬ ‫تحكم العملة يجعل الاقتصاد وتوزيعه ليس أداة بل غاية‪ .‬فيصبح حل نوح بتحريفه‬ ‫تهديما ماديا للطبيعة لتركيم الثورة التي هي سلطان العملة الربوية‪ .‬وتحكم الكلمة يجعل‬ ‫الثقافة وتوزيعها ليس أداة بل غاية فيصبح حل موسى بتحريفه تهديما روحيا للإنسان‬ ‫لتركيم الأوهام التي هي سلطان الكلمة الربوية‪ :‬بعدا دين العجل معدنه وخواره‪.‬‬ ‫كيف لا يشيب من يدرك ذلك كله في لمح البصر ويدرك أن دوره يتمثل في استكمال رسالة‬ ‫إبراهيم بأن يحرر الإنسان من هذه الأدواء كلها بالوحدانية الخالصة لله دون سواه وتوحيد‬ ‫الإنسانية بمبدأ يجعل التعدد شرط قيامها كما تعرف ذلك النساء ‪ 1‬أصلا والحجرات ‪13‬‬ ‫غاية‪ :‬أخوة البشر والمساواة بينهم؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك هو مضمون دستور المدينة‪ :‬التعدد الديني والاعتراف المتبادل بينها وإرجاء حسم‬ ‫الخلاف بينها إلى يوم الدين (البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ )69‬يلغي الحروب الأهلية بين البشر‬ ‫لأنه شرط أمرين هما جوهر ثورة الإسلام‪:‬‬ ‫‪ .1‬الحرية العقدية أو عدم الاكراه في الدين المشروط بتين الرشد من الغي (البقرة‬ ‫‪.)256‬‬ ‫‪ .2‬التسابق في الخيرات لاختيار العقيدة بحرية (المائدة ‪ :)48‬وتلك فرصة تبين‬ ‫الرشد من الغي‪.‬‬ ‫فيترتب على ذلك أمران آخران‪:‬‬ ‫‪ .1‬التمييز بين وحدة الديني وتعدد الأديان وهو ما حددته الآيتان ‪ 62‬من البقرة‬ ‫و‪ 69‬من المائدة‪ :‬كل من عمل صالحا وآمن بالله الواحد لا خوف عليه ولا هو يحزن وله أجره‬ ‫يوم الدين‪.‬‬ ‫‪ .2‬والديني في الأديان هو دين الله أو الإسلام الفطري أو طلب الإنسان الحقيقة‬ ‫لذاتها‪.‬‬ ‫وهذا المعنى الثاني هو القصد \"بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪ .‬ومعنى ذلك أن‬ ‫الإنسان من حيث هو إنسان ‪-‬كما تفيد الآيتان ‪ 172‬و‪ 173‬من الأعراف‪-‬شهد على نفسه‬ ‫بالإيمان ولا يحتاج للعنف‪ .‬يكفي تذكيره دون وساطة ولا وصاية‪ .‬وذلك هو معنى \"فذكر‬ ‫إنما أنت مذكر (لا وسيط) *لست عليهم بمسيطر (لا وصي)\"‪.‬‬ ‫والأولى تعني أن من يذكر دون أن يكون وسيطا هو التعليم الذي لا عنف فيه لأنه‬ ‫للتربية الروحية‪ .‬الثانية تعني أن من يذكر دون أن يكون وصيا هو الحكم الذي لا عنف‬ ‫فيه لأنه التربية السياسية‪ .‬ولذلك يقول ابن خلدون أن هذه التربية تبقي على ما في‬ ‫الإنسان من معاني الإنسانية‪ .‬وبنصه أختم كلامي‪.‬‬ ‫يقول في الفصل ‪ 6‬من الباب‪:2‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫\"ولا تستنكر ذلك (التأديب الذي لا يفسد معاني الإنسانية) بما وقع للصحابة من أخذهم‬ ‫أحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأسا لان الشارع‬ ‫صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلا عليهم من‬ ‫الترغيب والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وآدابه‬ ‫المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق‪ .‬فلم تزل‬ ‫سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم‪ .‬قال عمر \"من لم‬ ‫يؤدبه الشرع لا أدبه الله\" حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقينا بأن الشارع‬ ‫أعلم بمصالح العباد‪ .‬ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع‬ ‫علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى حضارة وخلق الانقياد إلى الاحكام‬ ‫نقصت بذلك سورة البأس فيهم‪ .‬فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس‬ ‫لأن الوازع فيها أجنبي وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي\"‪.‬‬ ‫ولا أحتاج للقول إن المسلمين يعانون من الداءين‪ :‬الحلف اللعين بين عنف \"العلماء\"‬ ‫الروحي وعنف \"الأمراء\" المادي‪ .‬وكلاهما ضديد الدين تعليما وحكما كما مارسهما الرسول‬ ‫بوصفه مذكرا وليس وسيطا ولا مسيطرا‪.‬‬ ‫وكلا الاستبدادين مبني على كذبة‪ .‬الأول مبني على كذبة \"العلماء ورثة الأنبياء\" إذ‬ ‫تقال دون شرطها وهي أن يكونوا بأخلاقه كما حددتها \"إنما أنت مذكر\" و\"لست عليهم‬ ‫بمسيطر\"‪ .‬والثاني مبني على كذبة \"الأمراء أولياء الأمر\" إذ تقال دون شروطها‪ :‬أن‬ ‫يؤمرهم أصحاب الأمر (الشورى ‪ )38‬بمعيار النساء ‪ .58‬وبالمناسبة فالأمير خلافا لما يظن‬ ‫ليست مشتقة من اسم الفاعل آمر بل من اسم الفعول مأمور من صاحب الأمر الذي هو الأمة‬ ‫(الشورى ‪ .)38‬ومثالها أجير من مأجور وليست من مؤجر وحقير من محقور وليست من‬ ‫حاقر‪ .‬وهي إذن صيغة مبالغة من اسم المفعول وليس من أسم الفاعل كعليم من عالم أو‬ ‫رحيم من راحم‪ .‬والأمير بهذا لا معنى مأمور مرتين‪ :‬مأمور من الأمة نيابة عنها ومأمور من‬ ‫الشرع خضوعا لها‪ .‬وخضوعه لها هو شرط طاعته من الأمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook