أبو يعرب المرزوقي الأسماء والبيان
هذا فصل كتبه الأستاذ قبل الثورة بأعوام حاول فيه فهم الأزمة السياسية والخلقية التيتمر بها الأمة مبينا أنها ليست مقصورة على النخبة السياسية بل هي شاملة .وقد تبينالنكوص ضد الثورة في بلاد الربيع العربي صحة ما وصف إذ إن جل النخب التقليديوالتحديثي المزعومين وخاصة أدعياء الإبداع والإعلاميين مثلوا أهم المؤيدين لعود الأنظمة الاستبدادية كما هو بين من مصر وتونس وما نراه الآن يجري في الخليج. النصيمثل تردي الإبداع والإعلام في الحضارة العربية الإسلامية الحالية -وهو ترد لا ينكرهأحد لتواتر علاماته ،رغم ما أشرنا إليه سابقا من نضوج النخب العربية في الجملة -عرضالداءين الرئيسيين اللذين يكاد يحصل حولهما شبه إجماع توصيفي لأمراض مجتمعناالعربي الإسلامي الحديث .لكن هذا الإجماع وجه التشخيص والعلاج إلى حلول أحاديةالنظرة فأفسد شروط التحليل العلمي لأهم هذه الأمراض في لحظتها الراهنة وحال دون إصلاح شؤوننا العامة.فأما العلامة الأولى فهي ما ألم بمجال الإبداع الأدبي الذي يكاد أن يغرق في مستقنعالطحالب والزعانف .فلا أحد يمكن أن يزعم أن الحل والعقد في تحديد المعايير والقيمالعامة المسيطرة على الساحة الإبداعية يوجد بيد أفضل المبدعين ولا حتى أقربالمفضولين إلى ذوي الفضل :ولعل أكبر مؤيدات هذه الظاهرة ما يغلب على اتحادات الكتاب العربية .فأغلب روادها من عيون الأحزاب الحاكمة ووزارات داخلياتها.وأما العلامة الثانية فهي ما أحاط بمجال الإخبار الإعلامي الذي يكاد يتلخص فيالإيديولوجيا الرسمية وفي بروباجندا الأحزاب وعبادة الأشخاص والأنظمة الحاكمة: 71
وتصح نفس المؤيدات والعلامات حتى وإن اختلف التعين التنظيمي التابع والمتبوع إذ ننتقل من وزارة الداخلية إلى وزارة الإعلام ومن اتحاد الكتاب إلى نقابة الصحافيين.لكن طابع هذا التوصيف المباشر وبساطته قد يجعلانا نرتاب من بداهة التشخيص الذيينتهي في الغاية إلى إهمال علل الأدواء لحصر الهم في علاماتها وقصر التشخيص على أدنىالعلل أعني العلل السياسية التي يعتقدها البعض ناتجة عن طبيعة السلوك السياسي للحكاموالأحزاب الحاكمة .لكأن الحكام والأحزاب بيدهم عصى سحرية يجعلون بها الجميع رهن طوعهم يفعلون ما يريدون.فلماذا يهمل أصحاب هذا التصور العجول النظر في إمكانية قلب العلية خاصة ومن شروطالسلوك السياسي صلاحا أو طلاحا الأخلاق العامة التي تجعل الأمرين ممكنين؟ ألا يكونالتفسير السريع بفساد الأنظمة والحكام وحده مجرد مهرب هدفه تجنب المعارك الحقيقيةوقصر الهم على مجرد الجدل السياسي الذي ينتهي إلى الحل السهل المتمثل في السلوكالانقلابي :لكأننا لم نجرب هذا السلوك ونتأكد أنه لم يغير شيئا بعد قرن كامل من الغوغاءالسياسية التي حالت دون كل استقرار مؤسسي شارط للتربية المدنية وللمحكومية السلمية؟ألسنا نرى الجمهوريات التي عوضنا بها الملكيات ما يزال واقعها أدهى من سلطنات القرون الوسطى؟ومهما سلمنا بأن أخلاق النخب السياسية ليست على أحسن ما يرام ومهما قبلنا باستحالةتبرئة الأحزاب الفاشية أو القبائل البدائية أو الطوائف العنصرية التي تتقاسم أقطارالوطن بتسلط وعنجهية ذاتيين وبتآمر وتدبير أجنبيين من جرم الاستفادة النسقية منأدواء مجتمعاتنا بدلا من السعي إلى تقويمها ،فهل من الجدية أن نتوهم نهضتنا لا يعوقهاإلا طبيعة الأنظمة وأخلاق الحكام أو غياب الديموقراطية الشكلية؟ أفتكون أخلاق النخبالأخرى أفضل وخاصة النخبة الجامعية المنتجة لكل النخب وخاصة للتي يزين منها سلوكهؤلاء الحكام؟ هل ترى نخبنا الجامعية الإعلامية تقبل المقارنة مع نظيراتها في المجتمعاتالتي نعتبرها نماذج ُتحتذى ،أم إن استشراء الداء في هذه النخبة يثبت أنها أول المتواطئينمع كل المفسدين بحيث إن العلامتين اللتين يكثر النعي عليهما لا تشيران إلا إلى تفشي 72
هذا الداء السرطاني وفساد الأخلاق العمومية والقيم الشارطة للصلاح في المجالينالسياسي والمدني؟ ل َم لا يكون النمو العجيب للطحالب والزعانف و\"البصاصين\" في ساحتيالإبداع والإعلام الناتجين عن تردي التعليم إلى شبة تعميم للأمية وتكديس الخريجينالعاطلين علة تبعية المجالين للأحزاب الحاكمة بما توفره لها من نخب مزيفة ومثقفينمرتزقة ,التبعية التي سيطرت منذ نصف قرن فأصبحت السمة الغالبة على كل حياتنا الفكرية والخلقية بدلا من اعتباره معلولا لها ؟وبصورة أدق لماذا لا ننظر في دلالة التعليل المتبادل بين الظاهرتين –فساد القيم الخلقيةالعامة التي يمثل تردي الإبداع وتبعية الإعلام علامتيها القصويين وفساد الأنظمة التييمثل توظيف هذا التردي دلالتها المثلى -فنفسرهما بمنطق أكثر جدية يركز على طبيعة التفاعل بين الاقتصادي أولا والتربوي ثانيا والثقافي ثالثا والخلقيرابعا والسياسي أخيرا في المستويين الوطني والدولي تفسيرا يجعل الظاهرة أمرا قابلاللتعليل الكلي الذي يتجاوز الوضع العربي الراهن فتصبح من ثم قابلة للعلاج الهادف إلىتحقيق شروط النقلة إلى وضع سوي؟ إذا قبلنا بمثل هذا العلاج المعقد ومتعدد التعليل صاربوسعنا أن نتخلص من حصر الأمر في النعي على الحكام وأنظمتهم وحدها لكأنهم أتونا منالمريخ فلا يبقون كما هم عندنا الآن مناطا نعلق عليه كل مآزقنا التي لا نريد لها حلا لكوننانهمل التعليل الصحيح والعلاج الأليم لنرضى بالمسكنات والمهدئات الإيديولوجية التيجعلت البعض ينتقل بقفزة يصعب فهم منطقها من هوى الديموقراطية الشعبية إلى الهيام بالديموقراطية البرجوازية.لا ننكر أهمية الإصلاح السياسي خاصة إذا كان تدريجيا وسلميا .لكن هذا الإصلاح لايكون البداية إلا بشرط ألا يصبح الغاية .فالسياسة لها معنيان :فن الحكم وطبيعته شكلاوتلك هي الأداة وجوهر الأحكام وقيمها مضمونا وذلك هو الهدف .لذلك فعلينا الخروجمن معارك البداية التي طالت قرنا كاملا لنحدد جواب الغاية التي لم يدر حولها حوار جدي: فكيف نعلل الرشوة السائدة عندنا في كل الأنشطة الاجتماعية؟ 73
والانتخابات المزيفة في كل التنظيمات الحديثة ذات الآلية الانتخابية؟والبضائع المغشوشة في كل الإنتاجات المحلية؟ والخدمات المنحطة في كل المصالح المدنية؟ والقضاء الذي فقد ثقة المتقاضين في كل الأصناف الحكمية؟ والتعليم المتدني في كل المستويات التربوية؟ والعملة المتدهورة في التبادلات الداخلية والخارجية؟والقيم بجميع أصنافها الجمالية والخلقية والمعرفية والحقوقية والروحية التي صارت دون العملة صمودا أمام التآكل المتسارع؟أليس ذلك كله من الأمور التي لا ينفيها إلا معاند ولا يرتاح إليها إلا مهادن للشر استفادة من ثمراته المرة في المدى البعيد؟فهل هذه العاهات يكفي لتفسيرها طبيعة نظام الحكم أو سلوك الحكام أو أخلاقهم أوعمالتهم مهما نسبنا إلى السياسي من قوة تأثير؟ أليست النخب السياسية إفرازا لهذا الفسادالعام المستشري مما يؤكد بكل وضوح أن الأمم كيفما كانت يولى عليها؟ لا بد أن نسألمتفجعين عن العلل العميقة :لم هذا الانحطاط المتزايد في صفتي كل الأفعال التي تقتضيجهدا بشريا صفتيه التقنية والخلقية بحيث بات لا يصلح في مجتمعاتنا مما هو من عملالإنسان إلا ما كان منه مستوردا -إن ليس في الواقع الفعلي ففي الرأي العام -مما يعنيأننا سنضطر شيئا فشيئا إلى حصر تعاملنا مع الغير في استبدال ثرواتنا الطبيعية التيأعطتنا إياها أرض الآباء بالبضائع والخدمات الاستهلاكية التي تزيد التبعية تعميقاوالفقر تجذرا خاصة وعدم التوازن بين حدود التبادل بين الخام والمصنع لا يتوقف تزايده؟ما الذي يجعل الجامعات التي مر قرن تقريبا على تكوين البعض منها ما تزال تدور فيفراغ فلا تنتج شيئا مما يحتاجه المجتمع بما في ذلك أدوات عملها الذاتية من أبسطالتجهيزات المكتبية في الإنسانيات إلى أعقد التجهيزات المخبرية في الطبيعيات ،رغم تضخم عدد الشهادات وألقاب الدكتوراهات؟لماذا أصبحت كل النخب بحاجة إلى الإيهام بأنها تفعل شيئا لتعلل وجودها في حين يعلمالجميع أن الكل يدور في حلقة مفرغة كما يتبين من خواء أهم قاطرات الإنتاج في المجتمعات 74
البشرية أعني الجامعات ومعاهد البحث التي صارت عندنا معامل تفرخ هذه الطحالبوالزعانف أعني كل من كان من أعشار المتعلمين والعاطلين بالكامل والمتفرغين من ثم لملءالمتسنقعين الإبداعي والإعلامي ,بدلا من أن تكون منبع الإبداع والإعلام المثمرين عندمايكونان وسيلتي خلق المعدوم من المبتكرات وسيلتيه المصاحبتين لتبليغ الحاصل للمتعلمين أو للجمهور عامة ؟لماذا لا يزال كل شيء يستحق الذكر في منشآتنا (كبناء المعامل والمستشفيات المختصة) ماكان حديثا أو حتى محاكيا للماضي (حتى بناء أكبر المساجد) يعود إلى الخبرة المستوردة خلال قرنين من محاولات النهوض وبعدهما ؟ورغم أن هذه الظاهرة تبدو سائدة في بعض الأقطار العربية الغنية أكثر منها في أقطارالوطن الأخرى فإنها ليست بالأمر الخاص بهم ،لكون النخب الحاكمة في الأقطار العربيةالأخرى تفضل الانتقال إلى هذه المرافق بدلا من نقلها إلى أوطانها ربما بسبب قلة المواردفتكون من حظها وحدها دون سواها من المواطنين (المدارس الراقية لشبابها والمصحات المتقدمة لشيوخها والملاهي الباذخة لكل أجيالها).فهي فيه أكثر بروزا لكون حركة التعمير فيه تحاكي ما يوجد في أكبر حاضرات العالمالمتقدم من دون أن يكون ذلك دالا على حيوية تعميرية ذاتية .فكلها منشئات ليس فيهاشيء واحد عربي بحق عدا موقعها الجغرافي وملكية الاستمتاع بشروط الحماة .أما التصوروالإنجاز والتجهيز والصيانة وحتى التسيير فكلها بخبرات مستوردة ومؤبدة للاستيراد ومن ثم للتبعية حتى في كيفيات العيش وفي أدنى أدواته.وكل ذلك من آيات فشل التعليم وإفلاس الجامعة التقني والخلقي ،التقني لعدم الخبرة والإتقان والخلقي لعدم التكوين السليم والضمير المهني.لا بد من علل أعمق لتفسير وجود هذه الأدواء التي اخترنا منها علامتي أدواء الثقافةالراقية في مستوييهما الجمهوري فرعا والأكاديمي أصلا :علامة داء الإبداع العلمي والجمالي وعلامة مرض الإعلام المعرفي والسياسي. 75
ذلك أنه إذا كان الكثير يبالغ في الحديث عن المستنقعين الإبداعي والإعلاميالجمهوريين اللذين يعسر إخفاؤهما فإن مستنقعي الإبداع العلمي والإخبار الإعلامي فيالمستوى الأكاديمي وضعهما أسوأ .فهو أصل دائي المستوى الجمهوري اللذين يمثلان اليومأبرز علامات الفساد العام المستشري في جسد حضارتنا التي هي ميتة ذاتيا ولا تستمدحياتها المستعارة إلا من الخبرات المستوردة ومن ثم من أجهزة حياة مصطنعة مثل المريض الذي يبقيه الأطباء في حياة نباتية آلية.فإلى تردي مستوى الإبداع والإعلام الأول يعود تردي مستواهما الثاني لكون الجامعةهي التي تخرج منتجيه الذين يستمدون نماذجهم منه .فإذا أضفنا إلى ذلك أن الصراعالمفتوح في مستنقعي الإبداع والإعلام الجمهوريين ييسر فضح الدجالين والمبتعدين عنأخلاقيات المهنتين بخلاف مستنقعي الإبداع والإعلام الأكاديميين اللذين يغلب عليهما منطقالمافية الحائل دون فضح الدجالين وكشف المبتعدين عن أخلاقيات الحرفتين باتت فداحةالداء بينة للجميع :أسباب انحطاطنا الأولى والأخيرة تعينت تعينها الأتم في جامعاتنا خاصة وفي نظام تعليمنا وتربيتنا عامة. فكل نظام تربوي مؤلف من مستويين:خاص يمثل منظومة من المؤسسات الاجتماعية التي يخصصها المجتمع لهذه الوظيفة أعني منظومة التعليم والتربية النظاميين مما قبل الابتدائي إلى ما بعد العالي.وعام يمثل بعدا من كل المؤسسات الاجتماعية الأساسية الأخرى أعني في منظومةالمؤسسات الأسرية وفي منظومة المؤسسات المنشأية الاقتصادية وفي منظومة المؤسسات السياسية وأخيرا في منظومة المؤسسات الروحية.وإذا كانت المؤسسة المخصصة لوظيفة التربية التي يغلب عليها التكوين العام في كل أبعادالتربية هي المؤسسة المدرسية بكل مستوياتها من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة فإن كلواحد من أبعادها يغلب بصورة عامة على كل واحدة من المؤسسات الرئيسية التي أشرناإليها :فالمؤسسة الأسرية يغلب عليها البعد العاطفي من التربية والمؤسسة المنشأية يغلب 76
عليها بعدها المهني والمؤسسة السياسية يغلب عليها بعدها المدني والمؤسسة الروحية يغلب عليها بعد التعالي من كل هذه الأبعاد التربوية.ولما كان كل نظام تربوي تقاس فعالياته التقنية والخلقية بنوع الإنسان الذي يكونهوكانت هذه الفعاليات تتمظهر بسلوك الإنسان والأخلاق العامة السائدة في كل المؤسساتوخاصة في المؤسسة التي توكل إليها الوظيفة التربوية ،فإن كل أنظمة المؤسسات الأخرى فيالمجتمع يقاس نجاحها الفني الخاص بوظائفها والخلقي المشترك بينها جميعا لكونها لا تختلفالواحدة منها عن الأخرى إلا بنوع ظهور الخلق الشخصي والجمعي في ممارسة تلك الوظائف.فيحق لذلك أن نعتبر فساد النظام التربوي علة كل فساد في المؤسسة التربوية وفي كلالمؤسسات الأخرى .ولما كانت الجامعة هي قاطرة المؤسسة التربوية التي هي قاطرة ما عداهامن المؤسسات ،إذ هي معمل المربين ومنبت كل الكوادر في كل المجالات التي أحصينا ،باتتالجامعة غاية كل تشخيص للأدواء وبداية كل تحديد للعلاج :لذلك فهي شرط الانتصار فيكل معاركنا إذا كنا نريد خوضها بحق بدءا بأدواء الذات وختما بعدوان الغير الذي يكون سلاحه الأمضى عادة ما يستند إلى المعرفة بأدواء الذات.فليس ما يصيب وظيفتي الإبداع والإعلام الجمهوريين إلا مجرد علامات على الاختلالفي نبض المجتمع .وهي علامات دالة على ما أصاب وظيفتي قلبه أعني وظيفتي جامعاته:المستوى الفني والخلقي في وظيفتي الإخبار بالحاصل من المعرفة والخبرة وإبداع غيرالحاصل منهما لتكوين الإنسان الذي يتحقق بهما فيكونان جوهر قيامه وعين فعالياته فيالطبيعة (الاستخلاف النظري وتطبيقاته) وفي الشريعة (الاستخلاف العملي وتطبيقاته). 77
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 14
Pages: