Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore موجز - خاتمة لمحاولة الفصل بين المحكم والمتشابه- أبو يعرب المرزوقي

موجز - خاتمة لمحاولة الفصل بين المحكم والمتشابه- أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-06-15 19:55:55

Description: موجز - خاتمة لمحاولة الفصل بين المحكم والمتشابه- أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫خاتمة لمحاولة الفصل‬ ‫بين المحكم والمتشابه‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪7 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪13 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪18 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪23 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫اليوم أختم التأملات التي كتبتها في القرآن خلال شهر رمضان‪ .‬فأكتفي بتعريف معنى‬ ‫القرآن رسالة تذكير للعالمين أي للإنسانية كلها‪ .‬والقصد بهذا التذكير أنه اخراج الإنسان‬ ‫من النسيان وليس تعليمه ما لا يعلم‪ .‬فالتذكير يعني إيقاظ ما هو مركوز في ما فطر عليه‬ ‫الإنسان في خلقته وفي خلقه وفي ما التزم به من ميثاق وهو في ظهر أبويه (الأعراف ‪-172‬‬ ‫‪.)173‬‬ ‫وهذه الحقيقة هي التي حسمت أهم مشكل كنت متحيرا أمامه في الرسالات السماوية‪.‬‬ ‫فليس مشكلي معها من حيث وجودها وبدئها بل من حيث ختمها‪ .‬فكيف يحتاج الإنسان إلى‬ ‫التذكير بالرسالات المتوالية إلى أن نزل القرآن فأصبح غنيا عما عداه كرسالة أخيرة؟‬ ‫هل معنى ذلك أن الإنسان تحرر نهائيا من النسيان؟‬ ‫فيكون أهم ما في الرسالة أنها عرفت نفسها بكونها تذكيرا دون وساطة ولا وصاية (الغاشية‬ ‫‪)22-21‬؟‬ ‫أصبحت الرسالة ذات تعينين في التاريخ الإنساني هما بعدا السياسة بمعناها في الرسالة‬ ‫الخاتمة أو ما غلب على المرحلة المكية وما غلب على المدنية‪:‬‬ ‫‪ .1‬التربية القرآنية التي هي تذكير دون وساطة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والحكم القرآني الذي سياسة دون وصاية؟‬ ‫فلأعرض ذلك‪ .‬ولأبدأ بجملة جامعة مانعة‪ .‬فرمز التربية من حيث هي علاقة مباشرة‬ ‫بالرب هي الصلاة‪ .‬ورمز الحكم من حيث هو علاقة بالأمر دون وصاية هو الزكاة‪ .‬والأولى‬ ‫رمز السلطان على أحوال الذات‪ .‬والثانية رمز السلطان على أموالها‪ .‬فالإنسان يستعبد‬ ‫إما بسلطان أحواله عليه أو بسلطان أمواله عليه أو بهما معا مع تقديم وتأخير‪ .‬فإذا صار‬ ‫سيدا عليهما تحرر من الأحوال ومن الأموال بشرط أن يكونا عنده في أحسن حال ليتحرر‬ ‫من سؤال الحال وسؤال المال اللذين يجعلانه عبدا لغيره‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والتحرر من عبودية الحال هو الاستخلاف في الأرض‪ .‬والتحرر من عبودية المال هو‬ ‫الاستعمار في الأرض‪ .‬ومجموعهما هو ما يعرف به ابن خلدون الإنسان‪ \":‬رئيس بطبعه‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪ .‬فنسبة الصلاة إلى الحال تحريرا من الأخلاد إلى‬ ‫الأرض في عقده الخلقي هي نسبة الزكاة إلى المال رمزا للتحرر الفعلي في سلوكه الخلقي‪.‬‬ ‫وإذا كان هذا تعريف الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" فهو‬ ‫تعريف ليس بالموجود فيه الحاصل فعلا بل بالمنشود الذي يسعى لتحصيله علما وعملا ما‬ ‫يعني أن كيان الإنسان هو هذا الانشداد الدائم الناقل من الموجود إلى المنشود‪ .‬فالموجود‬ ‫هو عبودية الحال وعبودية المال والاخلاد المترتب عليهما هو النسيان والمنشود هو التذكر‬ ‫أو إيقاظ الروحي في الإنسان‪.‬‬ ‫فتكون الرسالة الأخيرة ‪-‬القرآن‪-‬ليس نصا آتيا من خارج الذات بل هو ما في الذات عينها‬ ‫من انشداد بين الموجود فيها والمنشود منها لكأن القرآن هو عين كيان الإنسان بما فيه من‬ ‫تنازع بين ما يشده إلى الحال والمال وما يشرئب فيه من سعي للتحرر منهما بالصلاة وبالزكاة‬ ‫رمزين للتحرر من سلطانهما عليه‪.‬‬ ‫وطبعا فليس القصد بالصلاة العبادة المتعارف عليها‪-‬وهي أحد أنواعها‪-‬وليس القصد‬ ‫بالزكاة العبادة المتعارف عليها‪-‬وهي أحد أنواعها‪-‬بل كل تذكر لوجوب التحرر من سلطان‬ ‫الحال الذي هو الغرق في الاخلاد إلى الأرض بوصفه علاجا عقيما للفناء في الروحي من‬ ‫كيان الإنسان ومن سلطان المال الذي هو الغرق في عبادة الفاني بوصفه علاجا عقيما للفناء‬ ‫في العضوي من كيان الإنسان‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى قول الرسول الخاتم \"أرحنا بها يا بلال\"‪ .‬فالصلاة هي بهذا المعنى لحظة‬ ‫الاقلاع من الغرق في إشكالات الدنيا بالأشرئباب إلى ما يتعالى عليها‪ .‬وذلك هو التحرر من‬ ‫الحال‪ .‬ومثلها يمكن القول إن الزكاة تؤدي نفس الوظيفة في التحرر من الغرق من أهم‬ ‫رابط بالدنيا أي المال عندما سيطر على صاحبه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما فهمت هذه العلاقة فهمت علة التلازم الدائم بين ذكر الصلاة وذكر الزكاة في القرآن‪.‬‬ ‫فالأولى زكاة الروح‪ .‬والثانية زكاة البدن‪ .‬ولما كان الإسلام لا يفصل بين البدني والروحي‬ ‫(يبعثان معا بعكس رأي الفلاسفة والمتصوفة الذين ورثوا من اليونان احتقار المادة‬ ‫واعتبارها مصدر الشر) فالتلازم مفهوم‪.‬‬ ‫وإذن فالقرآن هو الرسالة الخاتمة التي تختم الحاجة إلى التذكير لأنها عرفت الدين‬ ‫بكونه التذكير بما فطر عليه الإنسان‪ .‬ومن ثم فكل الوجود الخارجي (الآفاق) والذاتي‬ ‫(الأنفس) تذكير‪ .‬وذلك عينه ما يشير إليه القرآن بوصف دراسته العلمية والتعامل‬ ‫القيمي معه هو عين التذكر المغني عن التذكير الخارجي‪ .‬فنفهم حينها ختم الرسالات‪.‬‬ ‫قد يعتبر البعض ما أقوله من الأنانية‪ .‬لكن الحقيقة هي أني ما كتبت يوما شيئا لم يكن‬ ‫هدفه البحث عن مخرج مما أعاني منه من أسئلة تحيرني شخصيا بهدف الصدق مع نفسي‪.‬‬ ‫فأي سؤال ليس له علاقة بحيرة ذاتية لا يعنيني ولا يستحق مني السعي للبحث فيه‪ .‬فالدين‬ ‫ليس مسالة إيديولوجية بل هو مسألة المعاني التي عين الوعي الوجودي عندي‪.‬‬ ‫وقد يكون لذلك علاقة بتربيتي البدوية الزراعية في أسرة ذات علاقة بالدين والتصوف‬ ‫وخاصة بالقرآن الكريم‪ .‬لكني أعتقد أن العلاقة ليست بسبب الغرق في هذه البيئة بل ربما‬ ‫بسبب السعي للتحرر منها ما أمكن ليس بالمعنى النافي لها بل بالمعنى الغائص في ما وراء‬ ‫شكلياتها التعبدية‪ .‬وتلك هي علاقة الديني بالفلسفي‪.‬‬ ‫فلكأن هذه العلاقة هي مسار النقلة من الممارسة الغفلة إلى الوعي الحاد بما وراءها من‬ ‫معان ودلالات قد لا تكون حاضرة في الممارسة وذلك هو النسيان والتذكر هو إذن ما في‬ ‫الديني من فلسفي‪ .‬فيكون القرآن بهذا المعنى دعوة ملحة للوصل بين الديني والفلسفي‬ ‫بوصفهما الإيقاظ الروحي‪ .‬وهو ما غاب في علوم الملة فكان غيابه علة تحريفها للقرآن‪.‬‬ ‫وقد يعجب الكثير مما سأقول‪ .‬فضرر أصحاب القرآن وأحبابه من علماء الدين عليه أكبر‬ ‫بكثير من ضرر أعدائه وكارهيه‪ .‬فهؤلاء يفضحون جهلهم فيجعلون العدو الصادق يراجع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نفسه ليتحرر من جهلهم فيصبح من أصدق المسلمين‪ .‬وأولئك يغطون عن جهلهم بعلمهم‬ ‫الزائف فينيمون المسلم ويتركوه يعيش على الأوهام التي تعلل الفشلين تعميرا واستخلافا‪.‬‬ ‫فالفشلان هما فشل التعمير شرط زكاة المال وفي الاستخلاف شرط زكاة الحال‪ .‬وتلك هي‬ ‫علة الفقر المادي الذي يلغي زكاة المال‪ .‬وهذه هي علة الفقر الروحي الذي يلغي زكاة‬ ‫الحال‪ .‬ولذلك كتبت مرة أن الفروض الخمسة كلها مشروطة بشرط الزكاتين أي التحرر‬ ‫من الفقرين المادي والروحي بتحقيق التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫ولأعد إلى القرآن من حيث هو الرسالة الخاتمة أي الرسالة التي حددت التذكير النهائي‬ ‫بأن عينت فصلت ‪ 53‬آيات التذكير الملازمة لكيان الإنسان العضوي والروحي في الآيات التي‬ ‫يرينا الله إياها في الآفاق (الطبيعة وما بعدها والتاريخ وما بعده) وفي الأنفس (كياننا‬ ‫العضوي والروحي) ما يذكرنا بما فطرنا عليه‪.‬‬ ‫وفي هذا التذكير نجد حقيقة القرآن بوصفه الرسالة التي تشير إلى كل شروط التعمير‬ ‫والاستخلاف مشارا إليها في النوع الثاني من الآيات وهي آيات القرآن الكريم‪ .‬ولذلك‬ ‫سميت هذه الآيات النصية في القرآن \"سبابة\" الإشارة وليست هي العلم بالآفاق والأنفس‬ ‫التي نحن مطالبون بالبحث عنها فيهما وبالعمل بقوانينها وسننها على علم سعيا لتحقيق‬ ‫التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫وعندئذ فهمت ما سميته تحريف علوم الملة‪ .‬فقد قلبت فيها العلاقة بين نوعي الآية‪ :‬الآية‬ ‫بمعنى الفقرات من نص القرآن وهي مجرد \"سبابة\" إشارية توجه الإنسان إلى الآيات التي‬ ‫يرينها الله في الآفاق والأنفس لندرسها ونطلب قوانينها وسننها وهي التي يعرفها القرآن‬ ‫بكونها هي التي تبين أنه الحق‪ .‬ومن ثم فحقيقة القرآن ليست فيه بل في ما يشير إليه‬ ‫ويوجهنا إليه من المخلوقات خارجه‪.‬‬ ‫تحريف القرآن علته عدم العمل بفصلت ‪ 53‬وعكس المطلوب في آل عمران ‪ .7‬فالتأويل‬ ‫الذي صار أساس كل علوم الملة الغائية الخمسة (التفسير وفروعه النظرية والعملية أي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الكلام والفلسفة والفقه والتصوف) قلبا للعلاقة بين المحكم والمتشابه لعدم اكتشاف المعيار‬ ‫المميز بينهما والذي من الله علي باكتشافه لنتحرر نهائيا من هذا التحريف‪.‬‬ ‫ومعيار الفصل بين المحكم والمتشابه بسيط جدا هو يثبت الخطأ الجسيم الذي وقع فيه‬ ‫الفقهاء عندما تصوروا أن الاحكام في القرآن هي المحكم‪ :‬فلا شيء فيه أكثر تشابها منها‬ ‫وأبرز علامات تشابهها تحقيق المناط الذي هو جوهر الوصف القانوني للأفعال وأعسر مهمة‬ ‫في القضاء‪.‬‬ ‫المعيار البسيط هو التالي‪ :‬فما كان كلاما موضوعه الرسالة‪-‬القرآن‪-‬بوصفها تذكيرا هو‬ ‫الوحيد الذي ينبغي اعتباره محكما‪ .‬وما كان كلاما في ما تشير إليه الرسالة من خارجها‬ ‫ليكون على الإنسان القيام به حتى يثبت جدارته بالاستخلاف والتعمير هو الذي ينبغي‬ ‫اعتباره متشابها‪ .‬وذلك لأن الآفاق والأنفس أي علم الطبيعة هو شرط التعمير وعلم‬ ‫التاريخ هو شرط الاستخلاف وعلم الأنفس هو شرط النوعين الأولين من الشروط‪ .‬وهذه‬ ‫الأمور الثلاثة هي أكثر الأشياء تشابها‪.‬‬ ‫فإذا توهم المرء أن علمهما يكون بتأويل آيات القرآن النصية وقعنا في ما وصفت آل عمران‬ ‫‪ 7‬من زيغ في القلب وابتغاء للفتنة إذ إن ذلك يضفي على الاجتهاد الإنساني في معرفة‬ ‫الآفاق والأنفس العلمية صبغة التقديس فيفسد مهمتي الإنسان تعميرا واستخلافا لأن‬ ‫الاجتهاد والجهاد يصبحان مطبوعين ببعد قدسي يحول دون التجريب بمنهج الصواب والخطأ‬ ‫وينتهي ما سماه ابن خلدون بمبدأ عدم التأثيم في السياسة مثلا للخروج من آثار الفتنة‬ ‫الكبرى‪.‬‬ ‫أما إذا اعتبرنا هذا النوع الثاني من الآيات الكامنة في الطبيعة وفي التاريخ وفي الأنفس‬ ‫مجالا للاجتهاد في النظر والعقد وللجهاد في العمل والشرع فذلك مطلوب فصلت ‪ .53‬وهو‬ ‫فتح باب التواصي بالحق في طلب الحقيقة والتواصي بالصبر في تحقيقها وتصبح الأمة كلها‬ ‫تسعى للاجتهاد العلمي والجهاد العملي‪ .‬فيكون المحكم في القران من حيث أمرين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬كلامه على الرسالة من حيث هي مضمون ما فطر عليه الإنسان‪ .‬وهذا مجال العقائد‬ ‫التي تعتبر مسلمات الرؤية القرآنية والتي ليس فيها اجتهاد لأنها مثل المقدمات الضرورية‬ ‫في كل نسق نظري وعملي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وإشارات إلى ما على الإنسان القيام به ليثبت جدارته بالاستخلاف وتعمير الأرض‪.‬‬ ‫وهذا هو مجال الشرائع التي ينبغي أن تكون إبداعا إنسانيا في مجال النظر والعقدة وفي‬ ‫مجال العمل والشرع‪.‬‬ ‫أما محاولة تأويل الأول والزعم أن فيه الثاني فذلك هو التأول المنهي عنه‪ .‬وهو علة‬ ‫التحريف وعلة الفشلين فيهما‪ .‬فمضمون الأمر الأول يشبه التعريفات الأولية في النسق‬ ‫الديني جنيس التعريفات الأولية في أي نسق معرفي بالمعنى الأكسيومي للتعريفات الأولية‪:‬‬ ‫وهي خمسة في حالة القرآن‪:‬‬ ‫‪ .1‬تعريف المرسل (الله)‪.‬‬ ‫‪ .2‬تعريف المرسل إليه (الإنسان)‪.‬‬ ‫‪ .3‬تعريف الرسول (الخاتم)‪.‬‬ ‫‪ .4‬تعريف منهج التذكير‪.‬‬ ‫‪ .5‬تعريف مضمون الرسالة‪.‬‬ ‫ومضمون الرسالة مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬الإشارات التوجيهية لما على الإنسان القيام به لتحقيقه شروط إثبات جدارته‬ ‫بالاستخلاف وهو النظر والعقد شرطين في التعمير والعمل والشرع شرطين في الاستخلاف‬ ‫(فصلت ‪ )53‬ولما عليه تجنبه (آل عمران ‪.)7‬‬ ‫كلام القرآن على نفسه بوصفه الرسالة الخاتمة وهو كلام ما بعدي لأنه عودة الرسالة على‬ ‫ذاتها لتحدد مضمونها المتعلق بالمسلمات الأولية المؤسسة للرؤية القرآنية للمرسل والمرسل‬ ‫إليه والرسول ومنهج التذكير ومضمون الرسالة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فالمحكم مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬كلام القرآن على الرسالة في ذاتها وعلى ما تشير إليه لتوجيه الإنسان نحو ما عليه‬ ‫فعله وما عليه تجنبه ليثبت جدارته بالاستخلاف وقدرته على التعمير وهو تذكير بما جهز‬ ‫به للنظر والعقد وللعمل والشرع شرطين للتعمير والاستخلاف وبما في الخلق والأمر من‬ ‫استعداد لذلك‪.‬‬ ‫‪ .2‬كلام القرآن على أن إشاراته لا تغني الإنسان عن النظر والعقد للتعمير والعمل‬ ‫والشرع للاستخلاف‪ .‬والأول هو الاجتهاد المعرفي‪ .‬والثاني هو الجهاد القيمي‪ .‬وهما في‬ ‫علاقة بالخلق وبالأمر يجعلان الإنسان قادرا على التعمير وأهلا للاستخلاف وبهما تتبين‬ ‫حقيقة القرآن بوصفه الرسالة الخاتمة‪.‬‬ ‫والتحريف أو التأويل المحرم في آل عمران ‪ 7‬هو الاكتفاء بآيات القرآن النصية واعتبار‬ ‫تأويل لغتها الطبيعية كافية لتحقيق شروط التعمير والاستخلاف بحجة أن كلام الله من‬ ‫حيث هو نص مغن عما يشير إليه خارجه مما لا يعلم بالتأويل بل بالبحث العلمي والعمل‬ ‫التقني والخلقي شرطي التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫وهو التحريف الذي يجعل القرآن كله متشابها‪ .‬فهو ينتج عن الخلط بين اشارات التوجيه‬ ‫إلى العمل الواجب ليكون الإنسان قادرا على التعمير بالعمل على علم بالقوانين وعلى‬ ‫الاستخلاف بالعمل على علم بالقيم بينه وبين الاكتفاء بهذه الإشارات على أنها بالتأويل‬ ‫تعوض البحث العلمي في الآفاق وفي الأنفس والعمل بنتائجه‪.‬‬ ‫فهذه الرؤية القاصرة هي التي حرفت كل معاني القرآن لأن أصحابها تصوروا إشارات‬ ‫القرآن إلى ما ينبغي فعله مغنية عن فعله إلى ما ينبغي تجنبه مغنية عن تجنبه‪ .‬فبدلا من‬ ‫علم الآفاق والأنفس اكتفوا بالإشارة إليها دون عمل ما طلبته الإشارة باعتبار البحث في‬ ‫آيات الآفاق والانفس هي حيز البحث العلمي الذي يبين أن القرآن حق فلم يبحثوا فيها بل‬ ‫استبدلوه بخرافة الاعجاز العلمي أو التأويل التحكمي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فكانت علوم الملة الخمسة كلها مؤسسة على هذا المعنى من التأويل الفاسد والتحكمي‪.‬‬ ‫فاستخراج حقيقة الآفاق والأنفس التي لا تعلم من دون البحث العلمي والعمل على علم‬ ‫استخراجها بتأويل آيات القرآن التي هي إشارية وتوجيهية وليست علمية أي إنها توجه‬ ‫الإنسان إلى ما ينبغي القيام به لعلمها والعمل على علم بها‪ .‬اعتبارها علما دليل جهل بالعلم‬ ‫ما هو‪.‬‬ ‫فالقرآن مثلا يقول \"إنا كل شيء خلقناه بقدر\"‪ .‬هذه إشارة إلى أن الطبيعة لها قوانين‬ ‫رياضية لكنها ليست علما بهذه القوانين‪ .‬لذلك فلن تجد في القرآن قانونا رياضيا واحدا‬ ‫لأي ظاهرة طبيعية‪ .‬وعندما يشير القرآن بعبارة \"وكل في فلك يسبحون\" فتلك إشارة إلى‬ ‫أن الأجرام السماوية متحركة في أفلاك‪ .‬لكنك لن تجد فيه قانون الجاذبية وعبارته‬ ‫الرياضية الدقيقة‪ .‬وقس عليهما كل الإشارات التي حولها أصحاب الإعجاز العلمي إلى‬ ‫نظريات علمية مزيفة ولا علاقة لها بالعلم أصلا إلا إذا صار العلم عموميات قابلة لأي دجل‬ ‫تأويلي‪ .‬وأعجب ما في الأمر أنهم بهذا لا يرفعون من منزلة القرآن بل يحطونها لأن في‬ ‫ذلك اضفاء التاريخية على محتواه فيصبح قابلا للتكذيب والتصديق مثل كل النظريات‬ ‫العلمية المتغيرة خلال التاريخ‪.‬‬ ‫فما الضرر الذي لحق بالأمة بسبب هذا الخلط بين الإشارة إلى حيز البحث العلمي المطلوب‬ ‫واعتباره مغنيا عن البحث لأن فيها علما معجزا؟‬ ‫إنه ضرر مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهم بذلك قد جعلوا القرآن كله متشابها لا محكما بمجرد أن جعلوا إشاراته التوجيه‬ ‫قابلا لأن تعتبر نظريات علمية‪ .‬فهو يصبح متشابها إذا اعتبرناه علما وليس إشارة إلى‬ ‫حيز البحث العلمي المطلوب الذي لا يغني عنه التأويل والتدجيل باسم الاعجاز في دين كل‬ ‫أدلته مستمدة من النظام في العالمين الطبيعي والتاريخي وفي الأنفس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬وهم ينتجون علما زائفا لا يتجاوز كونه تراكم أقوال وثرثرة عاجزة عن تحقيق أدنى‬ ‫الأفعال ككل علوم العلمة التي هي أقوال على أقوال لا سلطان لها على الأفعال إلا ما كان‬ ‫منها من جنس الاحتيال المعلوم عند الدعاة متسبلهي الشعوب بثرثرات الدجال‪.‬‬ ‫والعلم الزائف هو العلم الذي لا يتجاوز الأقوال فلا يؤسس للأفعال لا في التعمير ولا في‬ ‫الاستخلاف أو هو يؤسس لأفعال من جنس فعل السحرة وهو العلم الزائف الذي يخلط بين‬ ‫فاعلية المعرفة العلمية و\"تعاويذ\" السحرة بترديد الأدعية والخزعبلات لكأن الطبيعة‬ ‫تستجيب للخرافة وليست بنص القرآن خاضعة لقوانين رياضية تجريبية لا تطلب إلا منها‪.‬‬ ‫وقد خصص ابن خلدون في مقدمته عدة فصول لدحض هذه العلوم الزائفة مثل علم‬ ‫الحروف والسيمياء والتنجيم والجفر وكل التحيل بحساب الجمل والميتافيزيقا التي تدعي‬ ‫قياس الغيب على الشهادة خلطا بين الغائب والغيب وكل علوم الملة الخمسة هي من هذا‬ ‫الجنس من التحريف وركام الأقوال المفسدة للأفعال‪.‬‬ ‫وأكثرها ضررا أصول الفقه سواء تعلق بالفقه الخاص لأفعال الأفراد (القانون الخاص‬ ‫والأخلاق الفردية) أو الفقه العام الخاص بأفعال الجماعة (القانون العام والأخلاق‬ ‫الجمعية)‪ .‬فاعتبار إشارات القرآن التوجيهية فيهما علما بهما جعل أمثلة القرآن النموذجية‬ ‫هي الشريعة وليست شريعة الشريعة أو أخلاقها كما هي في الحقيقة‪.‬‬ ‫فكل قيس عليها وكأنها هي الشريعة يتضمن كفرا بحقيقة القرآن‪ .‬فالفقيه الذي يقيس‬ ‫عليها يتصور قيسه سيضفي على اجتهاده صفات المقيس عليه لكأن علمه محيط مثل علم‬ ‫صاحب المثال المضروب في القرآن أي الله أو الرسول بتوسط ما أوحي إليه‪ .‬لذلك فقد‬ ‫اعتبرت أمثلة القرآن التشريعية تشريعا للتشريع وليست تشريعا مباشرا للنوازل‪.‬‬ ‫ثم ميزت بين الحكم في الأمثلة الفقهية المضروبة في القرآن ‪-‬والله علمه محيط بالسرائر‪-‬‬ ‫ومقدار العقوبة التي يعاقب بها الحكم المحكوم عليه‪ .‬وهذا أيضا خلط في الفقه وأصوله‪.‬‬ ‫فالله يمكنه أن ينزل بالمذنب أقصى العقوبة لأن علمه بالسرائر محيط‪ .‬لكن كيف للقاضي‬ ‫الإنساني أن يفعل وهو لا يعلم السرائر؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫سيقال وما قولك في الامر \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما\"؟‬ ‫لو كانت الأحكام النموذجية في القرآن تخلط بين الحكم وتنفيذ مقدار العقوبة الأقصى‬ ‫الواردة فيه لما تكلم على أن الله يعفو عمن يتوب بعد ذلك؟ هل يبقى معنى \"لبعد ذلك‬ ‫وللتوبة\" إذا نفذ الحكم؟‬ ‫ألا يعني ذلك أن أقصى العقوبة مؤجلة قبل اليأس من التوبة؟ وهو إذن حكم أخروي إذا‬ ‫طبق بشرط العلم بالسرائر؟‬ ‫لذلك فعندي أن كل الأحكام الفقهية القرآنية ينبغي أن تفهم على أنها نماذج للحكم‬ ‫عندما يكون مؤسسا على علم محيط‪ .‬وهو أمر مستحيل على القاضي الإنسانـي وقد يكون‬ ‫ممكنا للرسل مع أني أشك في إمكانه لغير الله‪ .‬ومن ثم فلا يوجد أي عقاب أقصى قابل‬ ‫للتطبيق إنسانيا بل لا بد أن تكون العقوبات الإنسانية محدودة ودون القدر الأقصى منها‬ ‫بسبب امتناع علمنا بالسرائر‪ .‬وعندي أن \"تلك حدود الله فلا تقربوها\" لا ينطبق على‬ ‫المذنب وحده بل وكذلك على القاضي بمعنى أنه عليه أن يبقى دونها في تحديد الجزاء‪.‬‬ ‫وعبارة \"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر\" أسيء فهمها فقلب معناها‪ .‬حكمنا‬ ‫بالظاهر لا ينبغي ان يتحول إلى حكم وكأنه يعلم السرائر‪ .‬وإذن فيجب أن يكون دون ما‬ ‫يحكم به من يعلم السرائر‪ .‬فنترك مجالا للشك في عدم مطابقة الظاهر للسرائر وننزل‬ ‫بالحكم إلى ما يناسب علمنا المحدود‪ .‬وذلك هو العدل بشروط ما هو ممكن للعلم الإنساني‬ ‫المحدود بالطبع‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن الشريعة ليست حكما مباشرا في النوازل بل هي حكم في الحكم في النوازل‪.‬‬ ‫هي تحدد الحكم في حالة العلم بالسرائر فتجعلها الحد الأقصى الذي ينبغي أن تبقى أحكامنا‬ ‫دائما دونها رعاية للجهل بالسرائر‪ .‬ولما كان العلم بالسرائر ليس في متناولنا فينبغي أن‬ ‫يكون حكمنا مبنيا على علمنا بالظاهر من سلوك الإنسان‪ .‬وفي تلك الحالة ما يبقى ثابتا هو‬ ‫الحكم وليس مقدار العقوبة القصوى‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهي قول في شروط الحكم في النوازل وليست حكما مباشرا في النوازل‪ .‬ومثالها شرع‬ ‫الشرع تحديد شرطي الحاكم كما ورد في النساء ‪ :58‬الأمانة والعدل‪ .‬والأمانة هي لأخلاق‬ ‫الشريعة‪ .‬والعدل هو للحياد في الفصل بين المتخاصمين‪ .‬وهذا هو معنى التشريع للتشريع‬ ‫لا للنوازل الذي لا يكون إلا بعلم عيني دقيق أساسه الممارسة الممحصة للنظرية‪.‬‬ ‫والحكم شيء ومقدار العقوبة شيء ثان‪ .‬فالحكم على السرقة متصل بالملكية وشرط‬ ‫شرعيتها أعني أنها ثمرة عمل وليست ثمرة بدون كلفة هي جهد العمل‪ .‬لكن العقوبة على‬ ‫العدوان على حق الملكية وشرعيتها رهن فعل محاط بعديد القرائن التي لا تعلم إنسانيا‬ ‫بعلم محيط أبدا‪ .‬ومن ثم فتقدير العقوبة الأقصى مستحيل إنسانيا‪.‬‬ ‫وما قلناه عن الفقه نقوله عن الكلام‪ .‬فما يقوله القرآن عن الله لا يمكن الزيادة فيه أو‬ ‫النقصان بالتأويل‪ .‬وهو غني عن التأويل المشبه أو المعطل لأنه كما أسلفت من جنس‬ ‫المقدمات في أي نسق معرفي وهنا النسق هو الدين ببعديه العقدي والشرعي‪ .‬والقرآن‬ ‫يذكر بأن كل ما يقال على الله لا يقاس بغيره فليس كمثله شيء‪.‬‬ ‫وكذلك كل ما يقوله عن مكونات الرسالة الخمسة‪ :‬الله والإنسان والرسول وطريقة التبليغ‬ ‫ومضمون الرسالة‪ .‬فكلها مقدمات لفهم الرسالة ولا تحتاج إلا للتسليم الإيماني‪ .‬وهي قول‬ ‫على قول أو ما بعد قول على قول الرسالة ذاتها وعلى إشاراتها إلى ما على الإنسان القيام‬ ‫به للقدرة على التعمير وللجدارة بالاستخلاف‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من العودة إلى ما حاولت بعجالة إثباته من أن الله لا صفات له‪ .‬فـما يظن‬ ‫صفات للذات الإلهية هو صفات لأفعالها التي نعتبرها ماوراء الآفاق (الطبيعة والتاريخ)‬ ‫والأنفس من خلال من نستنبطه من نظام الطبيعة والتاريخ والأنفس أي مما يستدل به‬ ‫القرآن على أفعال الله وفضله على المخلوقات وجوده‪.‬‬ ‫وحتى أسماؤه فهي المعاني التي يتوجه إليها الإنسان في دعوته عند توجهه إلى الله‬ ‫(الإسراء مثلا) وهي في الحقيقة تتضمن أساسها في أفعال الله خلقا وأمرا كما يدركها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان المتأمل للطبيعة والتاريخ ولذاته حتى وإن لم يكن ذلك بوعي تام لأن هذا التأمل‬ ‫هو عين الوعي الديني الفطري عند الإنسان‪.‬‬ ‫وهذا الوعي الديني الفطري عند الإنسان عندما يصبح عودة على ذاته من صاحبه هو‬ ‫الوعي الفلسفي الفطري عنده‪ .‬والجمع بين الوعيين هو الجوهر الواحد في الديني‬ ‫والفلسفي باعتبار الإنسان لا يمكن أن يقف عند الطبيعة والتاريخ وذاته بل هو يتجاوزهما‬ ‫إلى ما بعد لهما هو أصل الوجدان الروحي والفكر العقلي‪.‬‬ ‫ويبقى الفكر العقلي دائما دون الوجدان الروحي نفاذا إلى كثافة الشعور الوجودي الذي‬ ‫يمد الإنسان بمتانة كينونية هي ما يجعل الحياة ذات معنى‪ .‬ولهذه العلة بينت في كلامي‬ ‫على علوم الآلة أن عالم المعاني أوسع من عالم الدلالات وأن علوم اللسان ينبغي أن‬ ‫يتضاعف فيها علم الدلالة بعلم المعنى وعلم التداول المختص بعلم التداول باللسان الطبيعي‬ ‫الأوسع الذي يتجاوز الموجود إلى المنشود دائما‪.‬‬ ‫فيكون عالم القيم أوسع من عالم العلوم لأن هذه شرط الاستعمار في الأرض وتلك شرك‬ ‫الاستخلاف فيها‪ .‬والاستعمار أداة والاستخلاف غاية‪ .‬لكن الغاية مستحيلة من دون الأداة‬ ‫والأداة يمكن أن تتحول إلى بديل من الغاية فتلهي عنـها ومن ثم يصبح التعمير تدميرا‪.‬‬ ‫ولتجنب ذلك فالإسلام هو الحل الكوني الخاتم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عالم القيم الأوسع من عالم العلوم لا ينفي أن العلوم هي بدورها نوع من أنواع القيم‬ ‫التي حاولت ردها إلى‪:‬‬ ‫‪ .1‬قيم الإرادة‪.‬‬ ‫‪ .2‬وقيم المعرفة‪.‬‬ ‫‪ .3‬وقيم القدرة‪.‬‬ ‫‪ .4‬وقيم الحياة أو الذوق الجمالي‪.‬‬ ‫‪ .5‬وقيم الوجود أو الذوق الجلالي‪.‬‬ ‫وكل واحد من هذه الأنواع لا يكون كاملا إلى بتضمنه الأربعة الأخرى يكون حينها هو‬ ‫قمتها‪ .‬وهذا هو المقصود بأخلاق القرآن أو بصورة أدق برؤية القرآن الأخلاقية لأنه‬ ‫يعرض في آن فضائل الإنسان ورذائله بصفات هذه المعاني الرامزة لكيان الإنسان مراوحة‬ ‫لا متناهية الدرجات بين حدين اقصيين في كل واحدة منها‪ :‬فالإرادة أخلاقها مراوحة بين‬ ‫الحرية والعبودية والمعرفة بين الصدق والكذب والقدرة بين الخير والشر والحياة أو‬ ‫الذوق الجمالي بين الحسن والقبح والوجود أو الذوق الجلالي بين العزة والذل‪ .‬والإنسان‬ ‫كيانه العضوي والروي يراوح بلا تناه بين القطبين في كل واحدة منها لكأنه أوتار آلة‬ ‫موسيقية لا متناهية لم أرى لها وصفا أكثر مطابقة مما نجده في القرآن الكريم رسما ونغما‪.‬‬ ‫وهذه الآلة لامتناهية الأوتار هي كيان الإنسان‪ .‬لكنه كيان عجيب فهو ليس الآلة العازفة‬ ‫فحسب بل هو الأذن المتلقية أيضا لعزف أسمى من عزفه لكأن عزفه صدى له وهو عزف‬ ‫الوجود المحيط به من خارجه وهو في آن ما يحيط به الإنسان أو ما يشعر أنه يحيط به وكأنه‬ ‫نابع من ذاته المشرئبة محاكاة لذات الله‪.‬‬ ‫ولو توقف التصوف عند هذا الحد لكان صادقا‪ .‬لكنه يقفز في المجهول لما يجعل هذا‬ ‫الاشرئباب وكأنه وصول‪ .‬فيعتبر الذات المحاكية اشرئباب ذات اندغمت في مثالها الأعلى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الذي تمثله ذات لله باعتباره الذات الخالقة والآمرة فيتوهم أنه صار خالقا وآمرا وهو ما‬ ‫يسميه ابن خلدون \"حب التأله\" الذي هو مرض نفسي‪.‬‬ ‫وهذا المرض النفسي هو الذي يؤدي إلى القول بنظرية المعرفة المطابقة فيتوهم صاحب‬ ‫\"التكبر\" أن علمه حقيقة مطلقة محيطة بالوجود إحاطة خالقه وآمره به‪ .‬وهو جنيس مرض‬ ‫المتصوف ويتحدان في القول بوحدة الوجود سواء كانت طبعانية (سبينوزا) أو تاريخانية‬ ‫بإضافة جعل الجوهر ذاتا (هيجل)‪ .‬وقس عليهما التصوف‪.‬‬ ‫فتصوف المجالي (ابن عربي) يمكن اعتباره من جنس رؤية هيجل في تذويت وحدة‬ ‫الوجود الطبعانية (القياس على أرواح الرسل) وتصوف التلمساني يمكن اعتباره من جنس‬ ‫رؤية سبينوزا في طبعنة وحدة الوجود (القياس على أمواج البحر)‪ .‬وهذه أمثلة عن‬ ‫التجانس بين المدخلين لوحدة الوجود الفلسفية والصوفية‪.‬‬ ‫وكلاهما من \"الكبر\" من حيث هو مرض نفسي سماه ابن خلدون حب التأله ونسبه إلى‬ ‫المستبدين بالحكم وبالثروة بالعلم وهي الاصناف الثلاثة التي علاقتها بالذات الإلهية‬ ‫علاقة تمانع أي إن إصحابها يدعون ما يشبه الألوهية التي تجعلهم في علاقة \"إما أنا أو هو\"‬ ‫بسبب الكبر أو أكبر رذيلة‪ :‬إنه كفر الحق‪.‬‬ ‫وكفر الحق ليس الحكم الفقهي بالكفر بل هو نسيان الإنسان لحقيقة كيانه الهش سواء‬ ‫في الاغترار بسلطان الحكم أو بسلطان الثروة أو بسلطان العلم‪ .‬وثلاثتها أوهى من بيوت‬ ‫العنكبوت لو تذكر الإنسان الموت أو المرض أو تقلب الأحوال السياسية أو الاقتصادية أو‬ ‫المعرفية فتبين له أنه على لا شيء‪.‬‬ ‫ولهذه العلة اعتبرت كلام القرآن على الإنسان انثروبولوجيا معتمدة على التحليل‬ ‫الوجودي وليس النفسي تحليلا يصف هذا المسار اللامتناهي والمتردد بين قطبي القيم‬ ‫الخمسة بين الحرية والعبودية وبين الصدق والكذب وبين الخير والشروبين الحسن والقبح‬ ‫وبين الجلال والذل لا يبرح تقازيحها بين قطبيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وأعجب ما في الأمر أن القرآن لم يستثن من حتمية هذا المسار حتى الرسل لأن بعضهم‬ ‫كما يقص القرآن ذلك مر بمثلها وتدارك ذاته بهدي من الله كما يحصل لأي إنسان وإن‬ ‫كان في الرسل اقل اطرادا منه عند بقية البشر‪ .‬وفي ذلك حكمة عظيمة‪ :‬فلا يمكن نهي‬ ‫الرسل عن الوساطة والوصاية على البشر من دونه‪.‬‬ ‫فالغاشية ‪ 21‬و‪ 22‬لا يمكن فهمها من دون هذه الحكمة‪ :‬لا يمكن أن يكون الإنسان من‬ ‫حيث هو إنسان مكلفا ومكرما إذا وجد بينه وبين ربه وسيط (الاستخلاف مباشر والتربية‬ ‫تذكير) وبينه وبين عالمه وصي (التعمير فرض عين والحكم فرض كفاية بالنيابة)‪.‬‬ ‫فالإنسان \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية التي هي ثورة الإسلام هي التي غفل عنها الفكر الديني والفلسفي في‬ ‫قراءة القرآن‪ .‬وهو ما أفسد نظرية التربية بالتذكير والحكم بالتنويب‪ .‬والتذكير في‬ ‫التربية يعني أن المتعلم ناس وليس جاهلا‪ .‬والتنويب في الحكم يعني أن المحكوم غافل وليس‬ ‫قاصرا‪ .‬الإسلام اخراج من النسيان ومن الغفلة‪.‬‬ ‫ولذلك فدعوى \"العلماء ورثة الأنبياء\" صارت تدل على عكسها‪ .‬فإذا كان الله يقول‬ ‫لرسوله \"فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر\" فإنه من الحمق تحول التربية إلى تلقين‬ ‫لرؤى المعلم وليس تذكير للمتعلم بما جهزه الله إليه من مهمة الاجتهاد الذاتي من أجل‬ ‫الجهاد الذاتي تحقيقا لما في ما فطر عليه‪.‬‬ ‫وبين أن هذه الدعوى تحريف جزئي ونسبي لوراثة الرسول عند السنة لأنها حافظت‬ ‫على سنة الرسول‪ .‬لكنه تحريف كلي ومطلق عند الشيعة لأنها جعلت التربية وساطة الأئمة‬ ‫في التربية وفي الحكم ولأنهم يرثون النبي في أخص خصائصه لكأن الوحي متواصل فيهم‪.‬‬ ‫وهو عين الحمق والجهالة والتنكر للأخلاق القرآن‪.‬‬ ‫وكل من يحارب السنة لا يفهم هذه العلاقة بينها وبين القرآن‪ .‬فهي تواصل حياة تربية‬ ‫الرسول بوصفها تذكيرا بما فطر عليه الإنسان وليست تلقينا لعلم لدني غير مرسوم في كيانه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وحياة حكم الرسول بوصفه نيابة للأمة ومن ثم فالرسول نفسه ليس من حقه أن يحكم بغير‬ ‫الشورى في فهم أمر الأمة (الشورى ‪.)38‬‬ ‫لكن تحريف \"العلماء ورثة الأنبياء في التربية\" صارت سندا لتحريف \"الأمراء ورثة‬ ‫الأنبياء في الحكم\" أساسا لما نسب إليه القرآن (في آل عمران) التحريف عامة بوصفه حلفا‬ ‫بين \"العلماء والأمراء\" وهذا الحلف القاتل للإنسان ليس جديدا فهو معلوم منذ فرعون‬ ‫وهامان إلى اليوم في ما عليه حال الإنسان‪.‬‬ ‫ولأن الفاروق يفهم ذلك تخلى عن عبارة \"خليفة رسول الله\" وسمى نفسه \"أمير المؤمنين\"‬ ‫علما وأن أمير ليست صيغة مبالغة من اسم الفاعل أي الآمر بل هي صيغة مبالغة من اسم‬ ‫المفعول أي المأمور كما سبق أن بينت إذ هو مأمور من الأمة بأن ينوبها في ما يتحقق بفرض‬ ‫الكفاية وأن يبقى لها فرض العين المتمثل في تعيينه ومراقبته وربما عزله لأنه لا طاعة في‬ ‫معصية‪ .‬ولذلك حمد الله أن في الأمة من قال له لو رأيناك فيك اعوجاجا لقومناه بحد‬ ‫السيف‪.‬‬ ‫واليوم عندما نتكلم على الجامية الدينية وعلى نظيرتها العلمانية (كل النخب التي‬ ‫تدعي العلمانية جامية لأنها تتصور علمها مطلق وتؤسس عليه حلفها مع المستبدين باسم‬ ‫الحداثة) فإننا أمام نفس الظاهرة التي يصفها القرآن في آل عمران والتي تنتهي إلى تأليه‬ ‫\"عيسى\" الذي يبرئه القرآن فيها (آية ‪.)79‬‬ ‫وكل من له دراية بالأحزاب الماركسية بالعلمانية اليعقوبية يعلم أنهما لا يختلفان عن‬ ‫الكنائس وخاصة الكاثوليكية‪ .‬فالخلاف بينها لا يختلف عن الخلاف بين الفرق الكلامية وفيها‬ ‫تكفير مجانس لأن لهم عقيدة تعتبر حقيقة نهائية ملها مثل الدوغمات الدينية في‬ ‫الكاثوليكية وماركس متأثر اليعقوبية‪.‬‬ ‫ولما كان الماركسيون والعلمانيون العرب أكثر هذين النوعين جمودا وتخلفا فإن الظاهرة‬ ‫عندهم مضاعفة وهي من علامات حمقهم وجهلهم‪ .‬فعندما يدعي ناصر حامد أبو زيد مثلا‬ ‫محاكمة القرآن بمعيار ما يسميه \"الواقع\" يجهل أنه يحاكمه بصورة الماركسية عما يسميه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫\"واقعا\" ولا يشرح لنا كيف يعلم الواقع في ذاته من دون رؤية تدعي المطابقة معه دون‬ ‫اثبات‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار ناصر حامد أبا زيد \"نوارة\" في زبالة الماركسين العرب‪ .‬فهم أكثر الناس‬ ‫كلاما على \"الواقع\" وهم ابعد الناس عن فهم القصد به‪ .‬يحاكمون نصا (القرآن) بنص‬ ‫(رؤية ماركس) ويسمون ذلك احتكاما إلى الواقع‪ .‬ولما أسمع حثالة القوم من جنس الشرفي‬ ‫أو عركون أعجب من وجود مثل هذا الغباء والحمق‪.‬‬ ‫فماركس تبعا لهيجل يعتبر العقل واقعا والواقع عقلا‪ .‬وكلاهما يتصور العقل محيطا‬ ‫بموضوعه تحررا من الاحتراز الكنطي‪ .‬لكنهم هم بمعزل عن النقد الهيجلي للتمييز‬ ‫الكنطي بين الشيء في ذاته الذي لا نعلمه وما نعلمه من ظاهراته يتبنونه مثل كل الأغبياء‬ ‫ولا يتوقفون عن وصف فكر غيرهم بالإيديولوجي‪.‬‬ ‫والأدهى أنهم يؤسسون عليه نقدهم للإسلام ولا يعلمون أن الموقف الهيجلي هو لتأسيس‬ ‫تأليه المسيح أو حلول الله (الروح اللامتناهي) في الإنسان (الروح المتناهي) بحيث إنهم‬ ‫تمسحوا بالمعنى الهيجلي ويزعمون نقد الدين تماما كما تفعل اليعقوبية التي هي كاثوليكية‬ ‫مقلوبة‪ :‬حكم فرنسا كنسي بغير وعي‪.‬‬ ‫فعندما تجد دولة حكمها يتدخل في ما على المواطن أن يلبس وأن يأكل وأن يشرب فاعلم‬ ‫أنك في اليعقوبية والماركسية‪ .‬فرنسا يعقوبية وهي كاثوليكية معلمنة‪ .‬والصين ماركسية‬ ‫وهي يعقوبية مقلوبة أو كاثوليكية أو دينا معلمنا‪ .‬وهما الوحيدان اللذان ما يزالان‬ ‫يؤسسان مذهبيا دكتاتورية القيم في العالم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫دعوني الآن أوجز قصة تمسيح هيجل للفلسفة وأدلجة الدين والفلسفة التي غرقت فيها‬ ‫النخب العربية من جامعية الحداثة المتحالفة مع العسكر والمافيات المحلية والعالمية بدعوى‬ ‫الحداثة والتحرر من الظلامية الدينية التي هم غارقون في أفسد تحريف لدين المسيح‬ ‫ولليعقوبية التي هي كاثوليكية مقلوبة‪.‬‬ ‫‪-2‬وهذا الإيجاز كتبته خلال رجلتي الأخيرة إلى استنبول بتاريخ ‪ 12‬فيفري ‪ 2019‬بضعها‬ ‫في المطار والباقي في الفندق تعليقا على كلام هيجل على المصالحة في نشرة فالتر ياشكوه‬ ‫وخاصة من ص‪ 266 .‬إلى ص‪ .269 .‬انطلقت من حكمي هيجل المسبقين‪:‬‬ ‫‪ .1‬المطابقة بين العلم وموضوعه‬ ‫‪ .2‬والعالم المادي الخارجي هو الوحيد‪.‬‬ ‫وحتى يؤسس ذلك أقدم على أمرين‪:‬‬ ‫• ميز بين العقل الحاسب وهو استرائي أو ما يمكن تسميته بالحصاة (اي لا يتجاوز الآراء‬ ‫والظنون والعقل النافذ لحقائق الأشياء أو ما يمكن تسميته بالنهى‪.‬‬ ‫• التمييز بين ما في الأذهان أو الكلي المجرد وما في الأعيان او الكلي المتعين الكلي المجرد‬ ‫والكلي المعين‪.‬‬ ‫وينتهي إلى أن ذلك هو أساس نقده لتمييز كنط بين حقائق الأشياء المجهولة (الشيء في‬ ‫ذاته) ومظاهرها المعلومة ويعتبر ذلك تحقيقا للمصالحة بين الديني والفلسفي وبين الإلهي‬ ‫والإنساني أو بين الروح اللامتناهي (الرب) والروح المتناهي (الإنسان)‪ .‬وذلك هو الصلح‬ ‫وتأويل رمز تأليه عيسى عليه السلام‪.‬‬ ‫وتلك هي الفلسفة التامة والعلم المطلق وهي عين ما يقول به ماركس مع فارق بسيط هو‬ ‫رفض التذويت الهيجلي والعودة إلى التطبيع السبينوزي لأن الإنسان ليس مملكة في المملكة‬ ‫وينطبق عليه ما ينطبق على كل الموجودات التي هي مادية بالجوهر والإنسان حالة من‬ ‫أحوال العالم المادي وصل إلى الوعي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولنطرح الأسئلة التي تثيرها هذه الرؤية الهيجلية ولن أعنى بالماركسية التي لا يبقى‬ ‫لها قيام إذا سقطت الهيجلية‪ .‬وأول سؤال هو‪:‬‬ ‫‪ .1‬هل المطابقة بين الفكر وموضوع الخارجي ممكن‬ ‫‪ .2‬من دون التسليم بدعوى وحدة الموجود وانحصاره في الوجود الخارجي؟‬ ‫لكن لا دليل على ‪ 1‬ولا على ‪ .2‬هما إذن مصادرتان‪.‬‬ ‫فهل يمكن إثبات أن ما يوجد في العقل الإنساني هو الوحيد الممكن أم إن الإنسان له‬ ‫إدراك شامل لكل الموجودات فتكون ترى ما يراه وليس لها ربما رؤية أخرى للوجود الذي‬ ‫قد يكون ما يدركه الإنسان منه قطرة في محيط؟‬ ‫لذلك فلا ‪ 1‬ولا ‪ 2‬بالأمر الثابت وهو مصادرة على ينبغي أن يكون مطلوبا أولا‪.‬‬ ‫وهذا التشكيك في المصادرتين ملازم للفكر الإنساني بل هو جوهر تعاليه الديني‬ ‫والفلسفي على الذاتي لتأسيس العلم والقيم تأسيسا مدركا لحدود علمه وعدم الاغترار‬ ‫بـ\"حب التأله \" الذي هو كبر مرضي وليس دليلا على العقل لا الحاسب ولا النهى إذ الإنسان‬ ‫يعي أن علمه ليس محيطا وما يجهله أوسع بكثير‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة لا يتجاوز كلام هيجل عقيدة السفسطائيين الذين يقولون \"الإنسان مقياس‬ ‫كل شيء موجوده ومعدومه\" وهم أكثر منه تواضعا لأنهم لا يدعون أن ذلك هو الحقيقة‬ ‫بل هم يرون أن ذلك هو المتاح للإنسان بمعنى أنهم لا يفنون إمكانية أن توجد موجودات‬ ‫أخرى قد تدرك ما لا يدركه الإنسان‪.‬‬ ‫لن أعود إلى نص المصالحة (ص‪ )269.‬الذي سبق أن قدمته في أصله وترجمته وشرحته‬ ‫في المحاولة التي يتبعها هذا الإيجاز‪ .‬وأمر إلى ما هو أهم وهو علة جمعي بين النظر والعقد‬ ‫في العلوم وجمعي بين العمل والشرع في القيم‪ .‬فلا أحد يمكن أن يثبت وجود العالم خارج‬ ‫فكره إلا عقدا لا علما إذا لم يكن فكرة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-11‬لا أحد خرج من ذاته ليثبت العالم الخارجي بوصفه خارجيا كل ما في الأمر أننا نعتقد‬ ‫أن ما ندركه بحواسنا ليس من فعلها بل هي تتلقاه من خارجها وهي العقيدة الاولى في الفكر‬ ‫الإنساني ومن دونها يمتنع النظر‪ .‬فهو إذن مؤسس على عقيدتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬وجود العالم الخارجي قائما بذاته‬ ‫‪ .2‬وقدرة العقل على إدراكه‪.‬‬ ‫والسؤال هو كيف لهيجل أن يطلق هذين العقيدتين فيدعي أنهما مطلقتان ولا تقتصران‬ ‫على الإنسان؟‬ ‫فإذا سلمت اعتقادا أني واع بشيء آخر غير ذاتي خارج ذاتي فكيف أستطيع رد آخريتها‬ ‫الإضافية إلى آخريتي الاضافيه إليه؟‬ ‫ولا أستطيع أن أعلم منه غير الآخرية الإضافية إلا إذا أطلقت ذاتي معيارا للمطلق‪.‬‬ ‫والجواب الوحيد المعقول هو نفي إطلاق الذات معيارا للمطلق والاقتصار على الغيرية‬ ‫النسبية إلى ذاتي وذلك هو بالذات معنى الايمان بالغيب أي ما اعترف بوجوده وأسلم‬ ‫بامتناع علمه‪ .‬وفي كل معرفة إنسانية لا بد من هذا البعد لأن المؤثرات في الموضوع لا‬ ‫متناهية وما أعلمه منها متناه مهما عظم‪.‬‬ ‫وحتى مهرب \"المشترك بين الذوات‪ \"Intersubjectivité‬فإنه لا يزيل الذاتية بل هو يجعل‬ ‫الموضوعية حصيلة ما تتفق عليه الذوات وليس الموضوعية المطلقة وهي لا تتفق على أنه‬ ‫الحقيقة المطلقة بل على كون اتفاقها هو معيار العلمية الممكنة للإنسان من حيث هو إنسان‬ ‫في كل الأزمان وفي كل مكان‪.‬‬ ‫وحتى هذه المزاعم فهي نسبية‪-‬في كل الأزمان لكل إنسان في كل مكان‪-‬إذ من أدراني فقد‬ ‫يحصل تحول كيفي في الإدراك الإنساني يغير معيار العلمية هذا‪ .‬واعتقد أن الدين‬ ‫الإسلامي قد غيره لأنه اضاف إليه معيارا آخر هو أن كل علم إنساني محاط بالغيب ولا‬ ‫يمكن أن يدعي أصحابه الإحاطة التي لعلم الله‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهكذا أصل إلى معضلة المعضلات وحيرة كل متحير أوصله الغوص في أعماق الوجود إلى‬ ‫السؤال التالي‪ :‬هل الإنسان يؤسس ذاته كفاعل أم هو يتأنن كمنفعل بإدراكه ذاته وما‬ ‫تدركه ذاته مما هو غيرها (إشكالية نظرية ا لعلم عند فشته‪ :‬وضع الذات لذاتها ولغيرها‬ ‫لتجاوز مفهوم الشيء في ذاته الكنطي)‪.‬‬ ‫وإذا تحررنا من إيديولوجيا الذاتية التي كانت مسيطرة على المثالية الألمانية فإن‬ ‫الإنسان يجد نفسه ولا يوجدها ومن ثم فهو منفعل حتى في إدراك ذاته والوعي بها وليس‬ ‫فاعلا إلا وهما‪ .‬ولا يجدها ولا يوجدها ليس من حيث هي إنية‪ Dasein‬فحسب بل وكذلك‬ ‫من حيث كيف الوعي بالدا وبالزاين‪.‬‬ ‫فالوعي بـ\"الدا\" أو بالتحيز الزماني والمكاني والوعي بـ\"الزاين\" أو الكينونة فيهما‬ ‫(والمكان مصدر ميمي من كان) كلها انفعالية وليست فعلية إلا توهما‪ .‬وهي الجزء العقدي‬ ‫المؤسس للنظر على العقد وللعمل على الشرع‪ .‬والشرع ليس الشريعة مقابل العقيدة بل‬ ‫الأمر مقابل الخلق أو الحرية مقابل الضرورة‪.‬‬ ‫والمقابلات هذه هي التي تنقل الإنسان من الانفعال إلى الفعل لأنها تجعله مشدودا إلى‬ ‫طرفين ما بينهما هو ما وصفنا بالآلة الموسيقية لامتناهية الاوتار أعني مقامات القيم أي‬ ‫قيمة الإرادة ثم العلم ثم القدرة ثم الحياة أو الذوق الجمالي ثم الوجود أو الذوق‬ ‫الجلالي‪ .‬وليست من صنعنا بل انفعالية‪.‬‬ ‫فلست أنا الذي أجعل ذاتي تدرك حتى تحت أقوى اضطرا أنها حرة وقادرة على قول‬ ‫لا‪ .‬ولست أنا الذي أجعل ذاتي تميز بين الصدق والكذب‪ .‬ولست أنا الذي أجلها تميز بين‬ ‫الخير والشر‪ .‬ولست أنا الذي اجعلها تميز بين الجمال والقبح وأخيرا لست أنا الذي أجعلها‬ ‫تميز بين الجلال والذل‪ .‬أنا هو من يفعل ذلك‪.‬‬ ‫ولذلك سمي هذا التفعيل تكليفا‪ .‬فانا إسلاميا وقرآنيا مكلف بأن أكون حرا لا عبد لغير‬ ‫الله‪ .‬وأنا مكلف بأن أكون صادقا لا كاذبا وخيرا لا شريرا وجميلا لا قبيحا وجليلا لا ذليلا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبذلك اقيم سواء في الدنيا من البشر أو فيها وفي الآخرة من خالقي وآمري‪ :‬العقدي في‬ ‫القيم نظير العقدي في المعرفة‪.‬‬ ‫للمرة الألف اعتذر للقراء فقد أبحرت بهم في شعاب الفلسفة التي من المفروض ألا تكون‬ ‫مثل شعاب مكة لا يدري بها إلى أهل مكة‪ .‬فهذه شعاب الإنسان عامة والمسلم خاصة وينبغي‬ ‫أن يدري بها كل إنسان وكل مسلم لأن كونية الإسلام ليست إنسانية فحسب بل هي تشمل‬ ‫رؤية القرآن لكل كيان حتى وإن كانت غيبية‪.‬‬ ‫وأختم بجوهر الخلاف بين هيجل وكنط‪ :‬هل الوجود مقوم أو غير مقوم للمفهوم؟ هيجل‬ ‫اعتبره مقوما وكنط لم يعتبره مقوما‪ .‬وكلاهما على حق وعلى باطل‪ .‬فمثال كنط عن العملة‬ ‫(تالار أصل كلمة دولار) سخيف لأن العملة ليست مفهوما إلا إذا كانت نافذة المفعول وهو‬ ‫معنى وجودها‪ .‬فورقة المال من دون فاعليتها ليست عملة بل مجرد ورقة عديمة المفعول ومن‬ ‫ثم فهي ليست عملة‪ .‬وكونها عملة هو وجودها‪.‬‬ ‫وإذن فهيجل على حق في اعتبار بعض المفاهيم تتضمن الوجود مقوما جوهريا وذلك هو‬ ‫اساس الدليل الوجودي على وجود الله‪ .‬لكن ذلك ليس صحيحا إذا حصرنا الوجود في المفهوم‬ ‫‪-‬وهو معنى منطقه الذي صار ميتافيزيقا والذي هو أساس حلول الروح اللامتناهي في الروح‬ ‫المتناهي اساس فلسفته كلها‪.‬‬ ‫‪-25‬وإذن فصحة رؤية هيجل نسبية‪ .‬فتضمن بعض المفاهيم الوجود تسقط حجة كنط‬ ‫لكنها لا تطلق حجة هيجل ولا تثبت صحة الدليل الوجودي الذي اعتبر موقف كنط فيه‬ ‫أسلم عقلا لأن ما ينسب إلى انسالم مصادرة على المطلوب وليس دليلا عقليا سليما منطقيا‪.‬‬ ‫واعتقد أن حجة ديكارت أسلم وأصدق وأعمق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الفصل الخامس والأخير من هذا الموجز يبدأ بدليل ديكارت‪ .‬وهو عندي أفضل دليل على‬ ‫شرط الاستدلال السليم منطقيا على وجود لله‪ .‬وله مقدمتان إن صح التعبير‪:‬‬ ‫‪ .1‬دليل وجود الذات المستدلة (ديكارت وكل من في موضعه بحثا عن الحقيقة)‪.‬‬ ‫‪ .2‬ودليل وجود الذات المستدل عليها (الله وكل من تحرر من حماقة حداثيي العرب)‪.‬‬ ‫كلامي لا يقتصر على حماقة حداثيي العرب وقد يشمل كل من حرف الحداثة وتجاهل‬ ‫فكر مؤسسها لكن ما يعنيني في محاولتي هم حداثيو العرب لأنهم الأغبى بين كل نخب العالم‬ ‫إذ يحالفون العسكر والقبائل التي تحارب الاسلام وتحرر الشعوب‪ .‬فما رأيت أحدا منهم‬ ‫يتجاوز انحطاط الحداثة وأدلجتها عند هيجل وماركس‪.‬‬ ‫فما كان هيجل يبرره بصراع أرواح الشعوب وبرره ماركس بصراع الطبقات علته انحطاط‬ ‫قيم الحداثة لان ذلك ناسب تاريخيا سيادة البرجوازية والتطور العلمي والتقني عند الاول‬ ‫وتنامي الاستغلال والظلم عند الثاني لكن قول الثاني لقبول كليهما بقل الثاني إذ يجمع‬ ‫بينهما شرط استعمار القوي للضعيف‪.‬‬ ‫ولهذا الشرط شرط أعمق هو تطبيق التاريخ الطبيعي على التاريخ الخلقي بمعنى أن‬ ‫الإنسانية خاضعة لما يخضع له منطق البقاء للأقوى كما يعبر عنه الانتخاب الطبيعي‬ ‫الدارويني‪ .‬وهيجل يؤسسه على صراع أرواح الشعوب أو الحضارات وماركس على الطبقية‬ ‫وتطور شروط العمل تقنية نظاما‪.‬‬ ‫وهذا من علامات انحطاط الحداثة لأنه تخل عن قيمها الجوهرية كما يمثلها ديكارت وكنط‬ ‫مثلا‪ .‬لكني سأكتفي بديكارت في مستويي دليله الذي هو أفضل دليل على وجود الله القيم‬ ‫الروحية على حد علمي في مراحل تاريخ الفكرين الديني والفلسفي من اليونان إلى اليوم‪.‬‬ ‫وما يعنيني هو الكونية وليس الخصوصية‪.‬‬ ‫وأغرب ما يجعلني أبدو متشددا في علاقتي بحداثيي العرب هو أن هيجل وماركس قد يفهم‬ ‫المرء موقفهما عند عرضه على الظرفية التاريخية التي كان العالم فيها منقسما إلى حائزين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫على أدوات الحضارة الحديثة وفاقدين لها وكان العمل جله يدويا ومبنيا على الاستغلال‬ ‫والعبودية في بداية الرأسمالية‪.‬‬ ‫من ما يزال يعتقد في اقتصار التقدم العلمي والتقني الكيفي على الغرب دون بقية العالم؟‬ ‫ومن ما يزال يعتقد أن العمل ما يزال أغلبه يدويا ويخضع لعدم فهم الحاجة إلى تشجيع‬ ‫الاستهلاك عند الجميع ومن ثم تحقيق بعض العدل في توزيع الثروة؟‬ ‫كل حجج هيجل وماركس لم يعد لها مبرر لأن العصر تجاوزها‪.‬‬ ‫لكن العصر تجاوزها في ا لعالم كله إلا عند النخب الحداثية العربية‪ .‬فهي تعتبر نفسها‬ ‫وسيطة بين شعوبها والحداثة ووصية عليها تحدثها رغم أنفها كما كان يفعل الاستعمار مع‬ ‫\"الانديجان\"‪ .‬فكل نخب آسيا حدثت شعوبها بالطرق التي تحسم ما علل به هيجل ومارس‬ ‫رؤيتهما أي التربية والحكم إلا النخب العربية‪ :‬فهي حليفة المافيات المحلية الخادمة للمافيات‬ ‫الاستعمارية‪.‬‬ ‫فليست الشعوب العربية أكثر تخلفا من شعوب آسيا غير العربية ‪-‬وقد عشت في ماليزيا‬ ‫ودرست شبابا من كل اقطار آسيا من اليابان إلى الهند‪-‬ولم أر احتقارا لدى نخبهم لشعوبهم‬ ‫كالذي أراه عند نخب العرب الذين يرون الشعوب العربية ليست مؤهلة للحرية والكرامة‬ ‫والديموقراطية والتنمية المستدامة‪.‬‬ ‫درست في ماليزيا وكلنا يعلم أن ماليزيا شعب كان مطلق البدائية في بداية الاستقلال‬ ‫المعاصر لاستقلال تونس‪ .‬فلينظر صاحب الرأي المنصف أين ماليزيا الآن واين تونس؟‬ ‫هل التونسيون حمير؟‬ ‫أم إن النخب التي تربيهم وتحكمهم تعتبرهم حميرا وتعاملهم معاملة الاستعمار للأنديجان‬ ‫في عهد هيجل وماركس؟‬ ‫من لم يأخذ هذا بعين الاعتبار قد لا يلومني على موقفي الذي يبدو حادا‪ .‬ولست أقصر‬ ‫رأيي على الحداثيين لأني أبريء التقليديين بل لأني اعتبر من حكم في بلاد العرب منذ ما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يقرب من القرن ليس للإسلامين فيه دور يذكر‪ .‬ومن ثم فلا فائدة من تحميلهم مسؤولية‬ ‫وهـم لا ناقة لهم ولا جمل في مجريات الأحداث‪.‬‬ ‫فحتى في البلدان العربية التي تبدو محتكمة إلى الدين في الظاهر كلنا يعلم أن الحكم‬ ‫الفعلي ليس بيد المتدينين بل هم من جنس التنكر والتنويم للشعوب لأن الحكم الفعلي هو‬ ‫بيد الحكام وخبرائهم الأجانب الذي هم نوعان‪ :‬إما غير عرب أو عرب ممن هم أكثر حقدا‬ ‫على العرب والإسلام من غير العرب‪ .‬والفاهم يفهم من هم من أقصد‪.‬‬ ‫أما وقد عللت موقفي الحاد من النخب الحداثية العربية‪-‬وهي كاريكاتور الحداثة ولا‬ ‫علاقة لها بها‪-‬فلأعد إلى موضوعي‪:‬‬ ‫‪ .1‬دليل ديكارت على وجود ديكارت كما تصور ذاته‪.‬‬ ‫‪ .2‬ودليل ديكارت على وجود الله كما تصوره ديكارت‪.‬‬ ‫وأجزم أن ديكارت أكثر الناس تطبيقا لفصلت ‪ 53‬رغم تأكدي أنه لم يسمع بها‪ .‬فالقرآن‬ ‫الكريم يعتبر تبين حقيقة القرآن لا يكون بشرح آياته النصية بل مما يرينه الله من آياته‬ ‫في الآفاق وفي الانفس‪ .‬ديكارت لم يكن عالما بالقرآن لكنه طبق هذا المبدأ واكتشف أن آيات‬ ‫الله في الأنفس مقدمة على آياته في الآفاق‪ .‬وله قولة شهيرة‪ :‬اثبات وجود الله أيسر من‬ ‫وجود العالم‪.‬‬ ‫لم يكن ديكارت رغم علمه وعبقريته ملحدا بل كان مؤمنا وبلغ به الإيمان إلى الاعتقاد‬ ‫في أنه ملهم وكان ينتظر ما يشبه الوحي من الروح القدس خلال ابتكاره ثورته الرياضية‪.‬‬ ‫وهو كتب التأملات لغاية علم آيات الآفاق الرياضية بالاستناد إلى ما يتأسس على علم آيات‬ ‫الأنفس الروحية‪ .‬فالنظر والعقد يتأسسان على العمل والشرع عنده لأنه يعتبر قوانين‬ ‫الطبيعة سننا إلهية كان يمكن أن تكون غير ما هي عليه وليس ضرورية بذاته‪.‬‬ ‫وأجل الكلام في العمل والشرع التاريخيين ‪-‬الفلسفة العلمية أو الأخلاق وقبل العيش‬ ‫بالأخلاق الموجودة في عصره حتى يستطيع تأسيس البديل‪-‬بخلاف المثقفين الذين تسكرهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫زبيبة فيتصورون أنفسهم آتين بما لم تأت به الأوائل‪ .‬وهم أجهل خلق الله ككل ناقدي‬ ‫القرآن بين خريجي الآداب في جامعات \"عقاب الزمان\" العربي‪.‬‬ ‫فما الدليل الأول على الذات التي تطلب الحقيقة؟ وما الدليل الثاني على الذات التي‬ ‫هي مثال الحقيقة الأعلى؟ ذلك هو مضمون تأملات ديكارت الميتافيزيقة‪ .‬بدأ بإثبات‬ ‫استحالة نفي وجوده وليس بأثبات إمكان وجوده لينتهي إلى وجوبه‪ .‬وهي الطريقة التي‬ ‫استعملها أرسطو لأثبات مبادئ العقل الثلاثة وخاصة مبدأ عدم التناقض‪.‬‬ ‫لكن دليل ديكارت كان أبلغ وأوضح من دليل أرسطو اشترط على نافي مبدا عدم التناقض‬ ‫بمعاجزته في قول معنى واحد وأن يثبت عليه من دون ان يثبت هو نفسه ما يدعي نفيه‪.‬‬ ‫فيكون الدليل مستندا إلى مبدأ الهوية الثابتة لموضوع أي قول‪ .‬فماذا فعل ديكارت؟ لم‬ ‫يحاور شخصا عاديا بل الـجني الخبيث (لو مالان جيني) أي الشيطان نفسه وبين عجزه دون‬ ‫نفي وجود ديكارت‪.‬‬ ‫وإذن فـحجة ديكارت كانت أقوى بكثير من حجة أرسطو‪ .‬فهو يحاور رمز النفي والسلب‬ ‫المطلقين وليس محاورا عاديا‪ .‬ولذلك فالدليل الديكارتي يعرض عرضا غير أمين في من‬ ‫يتكلمون على حداثة ديكارت وعلى دليله وكأنهما في قطيعة مع الدين‪ .‬والدليل نصه‬ ‫\"دوبيتو أرجو سوم=أشك فأنا إذن موجود\" وليس \"أفكر فأنا موجود\"‪ .‬لكن الصيغة الثانية‬ ‫هدفها بيان دلالة أعم لأن القصد أن كل أفعال الفكر تصح دليلا بهذه الصورة‪ .‬ومنها‬ ‫خاصة\"أشك\"‪ .‬وهو الفعل الفلسفي الأساسي‪.‬‬ ‫ولذلك فمن ترجمها ‪-‬تأصيلا للترجمة في ظنه‪ -‬لم يفهم حتى هذه الخاصية لعملية‬ ‫الاستدلال الديكارتي مثله مثل من اعترضوا عليه ساخرين‪ .‬حجة ديكارت هي أن الشك‬ ‫المطلق‪-‬تشكيك ابليس أو الجنـي المخادع لديكارت في وجوده ‪-‬الذي شكك في استخلاف الله‬ ‫لآدم ‪ -‬هزمته فلم يعد بوسع أحد أن يشكك في هازم مصدر السلب المطلق لا مجرد الشك‬ ‫وحده‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وانتهى الاستدلال إلى نتيجة عجيبة‪ .‬وهي أن الجني الخبيث يزيد اليقين في وجود ما‬ ‫يشكك فيه بقدر ما يزيد تشكيكه فيه‪ .‬فقال قولته الشهيرة مهما شككت في وجودي فأنت‬ ‫تزيده إثباتا وثباتا‪ .‬وهذه هي الحقيقة الأولى التي يستنتج منها صفات الحقيقة التي لا‬ ‫شك فيها ليطلقها على منظومة الحقائق التي يبني عليها فلسفته ولكن بعد أثبات وجود الله‬ ‫بدليل ثان وليس قبله‪.‬‬ ‫فبخلاف ما يزعم من يتوهم أن ديكارت انتقل لإثبات وجود الله من استخراج خصائص‬ ‫الحقيقة التي لا شك فيها ليبني عليها منظومته بل من حجة أخرى أعمق بكثير منها‪ .‬وهي‬ ‫المقارنة بين الإرادة والحكم العقلي والتضايف بين ما يدركه الإنسان من خصائص مقوماته‬ ‫مع مقابلاتها المشروط في تصورها‪.‬‬ ‫فالمقارنة بين الإرادة والحكم تثبت أن المعرفة العلمية هي تحرير الحكم المحدود بالجوهر‬ ‫لأن له مرجعية تحده وهي حقيقة المعلوم من موضوعه في الحكم العقلي بخلاف الإرادة التي‬ ‫تبدو وكأنها لامحدودة بمعنى أن الإنسان لو استجاب لإرادة لظن أن كل شيء ممكن بخلاف‬ ‫ما عليه الأمر في حكم العقل لأصبح لا يميز بين العلم والوهم‪.‬‬ ‫لو اكتفينا بمثال المقارنة بين الإرادة والحكم العقلي لكان ذلك تضايفا غير تام‪ .‬لكن لماذا‬ ‫أعتبر علمي للحقيقة نسبيا؟‬ ‫مع أي علم هو متضايف تضايفا ذاتيا وليس تضايفا عرضيا كالتضايف بين الإرادة والعلم؟‬ ‫إن علمي بنسبية علمي ومحدوديته متضايف مع وعيي بمعنى الكمال في العلم غير النسبي‬ ‫وغير المحدود‪.‬‬ ‫ثم يأتي التضايف في بقية المقومات القيمية الخمسة‪ :‬إرادتي التي تبدو مطلقة بالقياس‬ ‫إلى علمي نسبية بالقياس إلى ما علمي نسبي بالنسبة إليه وإرادة الله ثم القدرة ثم الحياة‬ ‫ثم الوجود كلها هي ما تتضايف معه صفاتي التي تجانسها مع كونها دونها كمالا بما لا يقدر‪.‬‬ ‫فعلمي محدود ومثله قدرتي وحياتي ووجودي وكلها متضايفة مع مثلاتها اللامتناهية دليلا‬ ‫على كمال موجود آخر هو الله‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وجودي إذن بصفاته المحدودة متضايف مع وجود موجود لا محدود بصفاته‪ .‬فيكون إثبات‬ ‫وجود الموجودين وجود الباحث عن الحقيقة (الإنسان) ووجود مثال الحقيقة (الله)‬ ‫متلازمان ولا يمكن الفصل بينهما‪ .‬ويسميه ديكارت \"إمضاء الله\" في الإنسان ثم يعمم مفهوم‬ ‫\"الامضاء\" في كل شيء معنى مرادف لآيات الله في الآفاق والأنفس‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن الحداثة لم تكن كما يفهمها من يتصورها مردودة إلى انحطاطها عند هيجل‬ ‫ماركس اللذين أدلجاها لتأسيس صراع أرواح الشعوب وصراع الطبقات بمنطق التاريخ‬ ‫الطبيعي بل هي كانت ثورة روحية وعقلية دينية وفلسفية لأن ما اسسته الفلسفة القديمة‬ ‫على ضرورة الطبيعة أسسه ديكارت على حرية الأخلاق‪.‬‬ ‫وقد سميت عمل ديكارت هذا في مقالة كتبتها بالفرنسية بمناسبة احتفال جامعة تونس‬ ‫الأولى بذكراه بأنه انتقال من الميتافيزيقا إلى الميتاأخلاق‪ .‬فديكارت لا يعتبر نظام العالم‬ ‫الرياضي الذي أسس عليه علمه ضرورة طبيعية بل يعتبره شرعا إلهيا يمكن تصوره على‬ ‫غير ما هو عليه‪ .‬ذلك هو العقل الديكارتي وجوهر معاني الحداثة قبل انحطاطها في أدلجة‬ ‫هيجل وماركس لفكر الحداثة الفلسفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook