أبو يعرب المرزوقي خاتمة لمحاولة الفصل بين المحكم والمتشابه الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 7 - -الفصل الثالث 13 - -الفصل الرابع 18 - -الفصل الخامس 23 -
-- اليوم أختم التأملات التي كتبتها في القرآن خلال شهر رمضان .فأكتفي بتعريف معنى القرآن رسالة تذكير للعالمين أي للإنسانية كلها .والقصد بهذا التذكير أنه اخراج الإنسان من النسيان وليس تعليمه ما لا يعلم .فالتذكير يعني إيقاظ ما هو مركوز في ما فطر عليه الإنسان في خلقته وفي خلقه وفي ما التزم به من ميثاق وهو في ظهر أبويه (الأعراف -172 .)173 وهذه الحقيقة هي التي حسمت أهم مشكل كنت متحيرا أمامه في الرسالات السماوية. فليس مشكلي معها من حيث وجودها وبدئها بل من حيث ختمها .فكيف يحتاج الإنسان إلى التذكير بالرسالات المتوالية إلى أن نزل القرآن فأصبح غنيا عما عداه كرسالة أخيرة؟ هل معنى ذلك أن الإنسان تحرر نهائيا من النسيان؟ فيكون أهم ما في الرسالة أنها عرفت نفسها بكونها تذكيرا دون وساطة ولا وصاية (الغاشية )22-21؟ أصبحت الرسالة ذات تعينين في التاريخ الإنساني هما بعدا السياسة بمعناها في الرسالة الخاتمة أو ما غلب على المرحلة المكية وما غلب على المدنية: .1التربية القرآنية التي هي تذكير دون وساطة. .2والحكم القرآني الذي سياسة دون وصاية؟ فلأعرض ذلك .ولأبدأ بجملة جامعة مانعة .فرمز التربية من حيث هي علاقة مباشرة بالرب هي الصلاة .ورمز الحكم من حيث هو علاقة بالأمر دون وصاية هو الزكاة .والأولى رمز السلطان على أحوال الذات .والثانية رمز السلطان على أموالها .فالإنسان يستعبد إما بسلطان أحواله عليه أو بسلطان أمواله عليه أو بهما معا مع تقديم وتأخير .فإذا صار سيدا عليهما تحرر من الأحوال ومن الأموال بشرط أن يكونا عنده في أحسن حال ليتحرر من سؤال الحال وسؤال المال اللذين يجعلانه عبدا لغيره. أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- والتحرر من عبودية الحال هو الاستخلاف في الأرض .والتحرر من عبودية المال هو الاستعمار في الأرض .ومجموعهما هو ما يعرف به ابن خلدون الإنسان \":رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .فنسبة الصلاة إلى الحال تحريرا من الأخلاد إلى الأرض في عقده الخلقي هي نسبة الزكاة إلى المال رمزا للتحرر الفعلي في سلوكه الخلقي. وإذا كان هذا تعريف الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" فهو تعريف ليس بالموجود فيه الحاصل فعلا بل بالمنشود الذي يسعى لتحصيله علما وعملا ما يعني أن كيان الإنسان هو هذا الانشداد الدائم الناقل من الموجود إلى المنشود .فالموجود هو عبودية الحال وعبودية المال والاخلاد المترتب عليهما هو النسيان والمنشود هو التذكر أو إيقاظ الروحي في الإنسان. فتكون الرسالة الأخيرة -القرآن-ليس نصا آتيا من خارج الذات بل هو ما في الذات عينها من انشداد بين الموجود فيها والمنشود منها لكأن القرآن هو عين كيان الإنسان بما فيه من تنازع بين ما يشده إلى الحال والمال وما يشرئب فيه من سعي للتحرر منهما بالصلاة وبالزكاة رمزين للتحرر من سلطانهما عليه. وطبعا فليس القصد بالصلاة العبادة المتعارف عليها-وهي أحد أنواعها-وليس القصد بالزكاة العبادة المتعارف عليها-وهي أحد أنواعها-بل كل تذكر لوجوب التحرر من سلطان الحال الذي هو الغرق في الاخلاد إلى الأرض بوصفه علاجا عقيما للفناء في الروحي من كيان الإنسان ومن سلطان المال الذي هو الغرق في عبادة الفاني بوصفه علاجا عقيما للفناء في العضوي من كيان الإنسان. وذلك هو معنى قول الرسول الخاتم \"أرحنا بها يا بلال\" .فالصلاة هي بهذا المعنى لحظة الاقلاع من الغرق في إشكالات الدنيا بالأشرئباب إلى ما يتعالى عليها .وذلك هو التحرر من الحال .ومثلها يمكن القول إن الزكاة تؤدي نفس الوظيفة في التحرر من الغرق من أهم رابط بالدنيا أي المال عندما سيطر على صاحبه. أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- ولما فهمت هذه العلاقة فهمت علة التلازم الدائم بين ذكر الصلاة وذكر الزكاة في القرآن. فالأولى زكاة الروح .والثانية زكاة البدن .ولما كان الإسلام لا يفصل بين البدني والروحي (يبعثان معا بعكس رأي الفلاسفة والمتصوفة الذين ورثوا من اليونان احتقار المادة واعتبارها مصدر الشر) فالتلازم مفهوم. وإذن فالقرآن هو الرسالة الخاتمة التي تختم الحاجة إلى التذكير لأنها عرفت الدين بكونه التذكير بما فطر عليه الإنسان .ومن ثم فكل الوجود الخارجي (الآفاق) والذاتي (الأنفس) تذكير .وذلك عينه ما يشير إليه القرآن بوصف دراسته العلمية والتعامل القيمي معه هو عين التذكر المغني عن التذكير الخارجي .فنفهم حينها ختم الرسالات. قد يعتبر البعض ما أقوله من الأنانية .لكن الحقيقة هي أني ما كتبت يوما شيئا لم يكن هدفه البحث عن مخرج مما أعاني منه من أسئلة تحيرني شخصيا بهدف الصدق مع نفسي. فأي سؤال ليس له علاقة بحيرة ذاتية لا يعنيني ولا يستحق مني السعي للبحث فيه .فالدين ليس مسالة إيديولوجية بل هو مسألة المعاني التي عين الوعي الوجودي عندي. وقد يكون لذلك علاقة بتربيتي البدوية الزراعية في أسرة ذات علاقة بالدين والتصوف وخاصة بالقرآن الكريم .لكني أعتقد أن العلاقة ليست بسبب الغرق في هذه البيئة بل ربما بسبب السعي للتحرر منها ما أمكن ليس بالمعنى النافي لها بل بالمعنى الغائص في ما وراء شكلياتها التعبدية .وتلك هي علاقة الديني بالفلسفي. فلكأن هذه العلاقة هي مسار النقلة من الممارسة الغفلة إلى الوعي الحاد بما وراءها من معان ودلالات قد لا تكون حاضرة في الممارسة وذلك هو النسيان والتذكر هو إذن ما في الديني من فلسفي .فيكون القرآن بهذا المعنى دعوة ملحة للوصل بين الديني والفلسفي بوصفهما الإيقاظ الروحي .وهو ما غاب في علوم الملة فكان غيابه علة تحريفها للقرآن. وقد يعجب الكثير مما سأقول .فضرر أصحاب القرآن وأحبابه من علماء الدين عليه أكبر بكثير من ضرر أعدائه وكارهيه .فهؤلاء يفضحون جهلهم فيجعلون العدو الصادق يراجع أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- نفسه ليتحرر من جهلهم فيصبح من أصدق المسلمين .وأولئك يغطون عن جهلهم بعلمهم الزائف فينيمون المسلم ويتركوه يعيش على الأوهام التي تعلل الفشلين تعميرا واستخلافا. فالفشلان هما فشل التعمير شرط زكاة المال وفي الاستخلاف شرط زكاة الحال .وتلك هي علة الفقر المادي الذي يلغي زكاة المال .وهذه هي علة الفقر الروحي الذي يلغي زكاة الحال .ولذلك كتبت مرة أن الفروض الخمسة كلها مشروطة بشرط الزكاتين أي التحرر من الفقرين المادي والروحي بتحقيق التعمير والاستخلاف. ولأعد إلى القرآن من حيث هو الرسالة الخاتمة أي الرسالة التي حددت التذكير النهائي بأن عينت فصلت 53آيات التذكير الملازمة لكيان الإنسان العضوي والروحي في الآيات التي يرينا الله إياها في الآفاق (الطبيعة وما بعدها والتاريخ وما بعده) وفي الأنفس (كياننا العضوي والروحي) ما يذكرنا بما فطرنا عليه. وفي هذا التذكير نجد حقيقة القرآن بوصفه الرسالة التي تشير إلى كل شروط التعمير والاستخلاف مشارا إليها في النوع الثاني من الآيات وهي آيات القرآن الكريم .ولذلك سميت هذه الآيات النصية في القرآن \"سبابة\" الإشارة وليست هي العلم بالآفاق والأنفس التي نحن مطالبون بالبحث عنها فيهما وبالعمل بقوانينها وسننها على علم سعيا لتحقيق التعمير والاستخلاف. وعندئذ فهمت ما سميته تحريف علوم الملة .فقد قلبت فيها العلاقة بين نوعي الآية :الآية بمعنى الفقرات من نص القرآن وهي مجرد \"سبابة\" إشارية توجه الإنسان إلى الآيات التي يرينها الله في الآفاق والأنفس لندرسها ونطلب قوانينها وسننها وهي التي يعرفها القرآن بكونها هي التي تبين أنه الحق .ومن ثم فحقيقة القرآن ليست فيه بل في ما يشير إليه ويوجهنا إليه من المخلوقات خارجه. تحريف القرآن علته عدم العمل بفصلت 53وعكس المطلوب في آل عمران .7فالتأويل الذي صار أساس كل علوم الملة الغائية الخمسة (التفسير وفروعه النظرية والعملية أي أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- الكلام والفلسفة والفقه والتصوف) قلبا للعلاقة بين المحكم والمتشابه لعدم اكتشاف المعيار المميز بينهما والذي من الله علي باكتشافه لنتحرر نهائيا من هذا التحريف. ومعيار الفصل بين المحكم والمتشابه بسيط جدا هو يثبت الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الفقهاء عندما تصوروا أن الاحكام في القرآن هي المحكم :فلا شيء فيه أكثر تشابها منها وأبرز علامات تشابهها تحقيق المناط الذي هو جوهر الوصف القانوني للأفعال وأعسر مهمة في القضاء. المعيار البسيط هو التالي :فما كان كلاما موضوعه الرسالة-القرآن-بوصفها تذكيرا هو الوحيد الذي ينبغي اعتباره محكما .وما كان كلاما في ما تشير إليه الرسالة من خارجها ليكون على الإنسان القيام به حتى يثبت جدارته بالاستخلاف والتعمير هو الذي ينبغي اعتباره متشابها .وذلك لأن الآفاق والأنفس أي علم الطبيعة هو شرط التعمير وعلم التاريخ هو شرط الاستخلاف وعلم الأنفس هو شرط النوعين الأولين من الشروط .وهذه الأمور الثلاثة هي أكثر الأشياء تشابها. فإذا توهم المرء أن علمهما يكون بتأويل آيات القرآن النصية وقعنا في ما وصفت آل عمران 7من زيغ في القلب وابتغاء للفتنة إذ إن ذلك يضفي على الاجتهاد الإنساني في معرفة الآفاق والأنفس العلمية صبغة التقديس فيفسد مهمتي الإنسان تعميرا واستخلافا لأن الاجتهاد والجهاد يصبحان مطبوعين ببعد قدسي يحول دون التجريب بمنهج الصواب والخطأ وينتهي ما سماه ابن خلدون بمبدأ عدم التأثيم في السياسة مثلا للخروج من آثار الفتنة الكبرى. أما إذا اعتبرنا هذا النوع الثاني من الآيات الكامنة في الطبيعة وفي التاريخ وفي الأنفس مجالا للاجتهاد في النظر والعقد وللجهاد في العمل والشرع فذلك مطلوب فصلت .53وهو فتح باب التواصي بالحق في طلب الحقيقة والتواصي بالصبر في تحقيقها وتصبح الأمة كلها تسعى للاجتهاد العلمي والجهاد العملي .فيكون المحكم في القران من حيث أمرين: أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- .1كلامه على الرسالة من حيث هي مضمون ما فطر عليه الإنسان .وهذا مجال العقائد التي تعتبر مسلمات الرؤية القرآنية والتي ليس فيها اجتهاد لأنها مثل المقدمات الضرورية في كل نسق نظري وعملي. .2وإشارات إلى ما على الإنسان القيام به ليثبت جدارته بالاستخلاف وتعمير الأرض. وهذا هو مجال الشرائع التي ينبغي أن تكون إبداعا إنسانيا في مجال النظر والعقدة وفي مجال العمل والشرع. أما محاولة تأويل الأول والزعم أن فيه الثاني فذلك هو التأول المنهي عنه .وهو علة التحريف وعلة الفشلين فيهما .فمضمون الأمر الأول يشبه التعريفات الأولية في النسق الديني جنيس التعريفات الأولية في أي نسق معرفي بالمعنى الأكسيومي للتعريفات الأولية: وهي خمسة في حالة القرآن: .1تعريف المرسل (الله). .2تعريف المرسل إليه (الإنسان). .3تعريف الرسول (الخاتم). .4تعريف منهج التذكير. .5تعريف مضمون الرسالة. ومضمون الرسالة مضاعف: .1الإشارات التوجيهية لما على الإنسان القيام به لتحقيقه شروط إثبات جدارته بالاستخلاف وهو النظر والعقد شرطين في التعمير والعمل والشرع شرطين في الاستخلاف (فصلت )53ولما عليه تجنبه (آل عمران .)7 كلام القرآن على نفسه بوصفه الرسالة الخاتمة وهو كلام ما بعدي لأنه عودة الرسالة على ذاتها لتحدد مضمونها المتعلق بالمسلمات الأولية المؤسسة للرؤية القرآنية للمرسل والمرسل إليه والرسول ومنهج التذكير ومضمون الرسالة. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- وإذن فالمحكم مضاعف: .1كلام القرآن على الرسالة في ذاتها وعلى ما تشير إليه لتوجيه الإنسان نحو ما عليه فعله وما عليه تجنبه ليثبت جدارته بالاستخلاف وقدرته على التعمير وهو تذكير بما جهز به للنظر والعقد وللعمل والشرع شرطين للتعمير والاستخلاف وبما في الخلق والأمر من استعداد لذلك. .2كلام القرآن على أن إشاراته لا تغني الإنسان عن النظر والعقد للتعمير والعمل والشرع للاستخلاف .والأول هو الاجتهاد المعرفي .والثاني هو الجهاد القيمي .وهما في علاقة بالخلق وبالأمر يجعلان الإنسان قادرا على التعمير وأهلا للاستخلاف وبهما تتبين حقيقة القرآن بوصفه الرسالة الخاتمة. والتحريف أو التأويل المحرم في آل عمران 7هو الاكتفاء بآيات القرآن النصية واعتبار تأويل لغتها الطبيعية كافية لتحقيق شروط التعمير والاستخلاف بحجة أن كلام الله من حيث هو نص مغن عما يشير إليه خارجه مما لا يعلم بالتأويل بل بالبحث العلمي والعمل التقني والخلقي شرطي التعمير والاستخلاف. وهو التحريف الذي يجعل القرآن كله متشابها .فهو ينتج عن الخلط بين اشارات التوجيه إلى العمل الواجب ليكون الإنسان قادرا على التعمير بالعمل على علم بالقوانين وعلى الاستخلاف بالعمل على علم بالقيم بينه وبين الاكتفاء بهذه الإشارات على أنها بالتأويل تعوض البحث العلمي في الآفاق وفي الأنفس والعمل بنتائجه. فهذه الرؤية القاصرة هي التي حرفت كل معاني القرآن لأن أصحابها تصوروا إشارات القرآن إلى ما ينبغي فعله مغنية عن فعله إلى ما ينبغي تجنبه مغنية عن تجنبه .فبدلا من علم الآفاق والأنفس اكتفوا بالإشارة إليها دون عمل ما طلبته الإشارة باعتبار البحث في آيات الآفاق والانفس هي حيز البحث العلمي الذي يبين أن القرآن حق فلم يبحثوا فيها بل استبدلوه بخرافة الاعجاز العلمي أو التأويل التحكمي. أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- فكانت علوم الملة الخمسة كلها مؤسسة على هذا المعنى من التأويل الفاسد والتحكمي. فاستخراج حقيقة الآفاق والأنفس التي لا تعلم من دون البحث العلمي والعمل على علم استخراجها بتأويل آيات القرآن التي هي إشارية وتوجيهية وليست علمية أي إنها توجه الإنسان إلى ما ينبغي القيام به لعلمها والعمل على علم بها .اعتبارها علما دليل جهل بالعلم ما هو. فالقرآن مثلا يقول \"إنا كل شيء خلقناه بقدر\" .هذه إشارة إلى أن الطبيعة لها قوانين رياضية لكنها ليست علما بهذه القوانين .لذلك فلن تجد في القرآن قانونا رياضيا واحدا لأي ظاهرة طبيعية .وعندما يشير القرآن بعبارة \"وكل في فلك يسبحون\" فتلك إشارة إلى أن الأجرام السماوية متحركة في أفلاك .لكنك لن تجد فيه قانون الجاذبية وعبارته الرياضية الدقيقة .وقس عليهما كل الإشارات التي حولها أصحاب الإعجاز العلمي إلى نظريات علمية مزيفة ولا علاقة لها بالعلم أصلا إلا إذا صار العلم عموميات قابلة لأي دجل تأويلي .وأعجب ما في الأمر أنهم بهذا لا يرفعون من منزلة القرآن بل يحطونها لأن في ذلك اضفاء التاريخية على محتواه فيصبح قابلا للتكذيب والتصديق مثل كل النظريات العلمية المتغيرة خلال التاريخ. فما الضرر الذي لحق بالأمة بسبب هذا الخلط بين الإشارة إلى حيز البحث العلمي المطلوب واعتباره مغنيا عن البحث لأن فيها علما معجزا؟ إنه ضرر مضاعف: .1فهم بذلك قد جعلوا القرآن كله متشابها لا محكما بمجرد أن جعلوا إشاراته التوجيه قابلا لأن تعتبر نظريات علمية .فهو يصبح متشابها إذا اعتبرناه علما وليس إشارة إلى حيز البحث العلمي المطلوب الذي لا يغني عنه التأويل والتدجيل باسم الاعجاز في دين كل أدلته مستمدة من النظام في العالمين الطبيعي والتاريخي وفي الأنفس. أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- .2وهم ينتجون علما زائفا لا يتجاوز كونه تراكم أقوال وثرثرة عاجزة عن تحقيق أدنى الأفعال ككل علوم العلمة التي هي أقوال على أقوال لا سلطان لها على الأفعال إلا ما كان منها من جنس الاحتيال المعلوم عند الدعاة متسبلهي الشعوب بثرثرات الدجال. والعلم الزائف هو العلم الذي لا يتجاوز الأقوال فلا يؤسس للأفعال لا في التعمير ولا في الاستخلاف أو هو يؤسس لأفعال من جنس فعل السحرة وهو العلم الزائف الذي يخلط بين فاعلية المعرفة العلمية و\"تعاويذ\" السحرة بترديد الأدعية والخزعبلات لكأن الطبيعة تستجيب للخرافة وليست بنص القرآن خاضعة لقوانين رياضية تجريبية لا تطلب إلا منها. وقد خصص ابن خلدون في مقدمته عدة فصول لدحض هذه العلوم الزائفة مثل علم الحروف والسيمياء والتنجيم والجفر وكل التحيل بحساب الجمل والميتافيزيقا التي تدعي قياس الغيب على الشهادة خلطا بين الغائب والغيب وكل علوم الملة الخمسة هي من هذا الجنس من التحريف وركام الأقوال المفسدة للأفعال. وأكثرها ضررا أصول الفقه سواء تعلق بالفقه الخاص لأفعال الأفراد (القانون الخاص والأخلاق الفردية) أو الفقه العام الخاص بأفعال الجماعة (القانون العام والأخلاق الجمعية) .فاعتبار إشارات القرآن التوجيهية فيهما علما بهما جعل أمثلة القرآن النموذجية هي الشريعة وليست شريعة الشريعة أو أخلاقها كما هي في الحقيقة. فكل قيس عليها وكأنها هي الشريعة يتضمن كفرا بحقيقة القرآن .فالفقيه الذي يقيس عليها يتصور قيسه سيضفي على اجتهاده صفات المقيس عليه لكأن علمه محيط مثل علم صاحب المثال المضروب في القرآن أي الله أو الرسول بتوسط ما أوحي إليه .لذلك فقد اعتبرت أمثلة القرآن التشريعية تشريعا للتشريع وليست تشريعا مباشرا للنوازل. ثم ميزت بين الحكم في الأمثلة الفقهية المضروبة في القرآن -والله علمه محيط بالسرائر- ومقدار العقوبة التي يعاقب بها الحكم المحكوم عليه .وهذا أيضا خلط في الفقه وأصوله. فالله يمكنه أن ينزل بالمذنب أقصى العقوبة لأن علمه بالسرائر محيط .لكن كيف للقاضي الإنساني أن يفعل وهو لا يعلم السرائر؟ أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- سيقال وما قولك في الامر \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما\"؟ لو كانت الأحكام النموذجية في القرآن تخلط بين الحكم وتنفيذ مقدار العقوبة الأقصى الواردة فيه لما تكلم على أن الله يعفو عمن يتوب بعد ذلك؟ هل يبقى معنى \"لبعد ذلك وللتوبة\" إذا نفذ الحكم؟ ألا يعني ذلك أن أقصى العقوبة مؤجلة قبل اليأس من التوبة؟ وهو إذن حكم أخروي إذا طبق بشرط العلم بالسرائر؟ لذلك فعندي أن كل الأحكام الفقهية القرآنية ينبغي أن تفهم على أنها نماذج للحكم عندما يكون مؤسسا على علم محيط .وهو أمر مستحيل على القاضي الإنسانـي وقد يكون ممكنا للرسل مع أني أشك في إمكانه لغير الله .ومن ثم فلا يوجد أي عقاب أقصى قابل للتطبيق إنسانيا بل لا بد أن تكون العقوبات الإنسانية محدودة ودون القدر الأقصى منها بسبب امتناع علمنا بالسرائر .وعندي أن \"تلك حدود الله فلا تقربوها\" لا ينطبق على المذنب وحده بل وكذلك على القاضي بمعنى أنه عليه أن يبقى دونها في تحديد الجزاء. وعبارة \"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر\" أسيء فهمها فقلب معناها .حكمنا بالظاهر لا ينبغي ان يتحول إلى حكم وكأنه يعلم السرائر .وإذن فيجب أن يكون دون ما يحكم به من يعلم السرائر .فنترك مجالا للشك في عدم مطابقة الظاهر للسرائر وننزل بالحكم إلى ما يناسب علمنا المحدود .وذلك هو العدل بشروط ما هو ممكن للعلم الإنساني المحدود بالطبع. وهذا يعني أن الشريعة ليست حكما مباشرا في النوازل بل هي حكم في الحكم في النوازل. هي تحدد الحكم في حالة العلم بالسرائر فتجعلها الحد الأقصى الذي ينبغي أن تبقى أحكامنا دائما دونها رعاية للجهل بالسرائر .ولما كان العلم بالسرائر ليس في متناولنا فينبغي أن يكون حكمنا مبنيا على علمنا بالظاهر من سلوك الإنسان .وفي تلك الحالة ما يبقى ثابتا هو الحكم وليس مقدار العقوبة القصوى. أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- وهي قول في شروط الحكم في النوازل وليست حكما مباشرا في النوازل .ومثالها شرع الشرع تحديد شرطي الحاكم كما ورد في النساء :58الأمانة والعدل .والأمانة هي لأخلاق الشريعة .والعدل هو للحياد في الفصل بين المتخاصمين .وهذا هو معنى التشريع للتشريع لا للنوازل الذي لا يكون إلا بعلم عيني دقيق أساسه الممارسة الممحصة للنظرية. والحكم شيء ومقدار العقوبة شيء ثان .فالحكم على السرقة متصل بالملكية وشرط شرعيتها أعني أنها ثمرة عمل وليست ثمرة بدون كلفة هي جهد العمل .لكن العقوبة على العدوان على حق الملكية وشرعيتها رهن فعل محاط بعديد القرائن التي لا تعلم إنسانيا بعلم محيط أبدا .ومن ثم فتقدير العقوبة الأقصى مستحيل إنسانيا. وما قلناه عن الفقه نقوله عن الكلام .فما يقوله القرآن عن الله لا يمكن الزيادة فيه أو النقصان بالتأويل .وهو غني عن التأويل المشبه أو المعطل لأنه كما أسلفت من جنس المقدمات في أي نسق معرفي وهنا النسق هو الدين ببعديه العقدي والشرعي .والقرآن يذكر بأن كل ما يقال على الله لا يقاس بغيره فليس كمثله شيء. وكذلك كل ما يقوله عن مكونات الرسالة الخمسة :الله والإنسان والرسول وطريقة التبليغ ومضمون الرسالة .فكلها مقدمات لفهم الرسالة ولا تحتاج إلا للتسليم الإيماني .وهي قول على قول أو ما بعد قول على قول الرسالة ذاتها وعلى إشاراتها إلى ما على الإنسان القيام به للقدرة على التعمير وللجدارة بالاستخلاف. ولا بد هنا من العودة إلى ما حاولت بعجالة إثباته من أن الله لا صفات له .فـما يظن صفات للذات الإلهية هو صفات لأفعالها التي نعتبرها ماوراء الآفاق (الطبيعة والتاريخ) والأنفس من خلال من نستنبطه من نظام الطبيعة والتاريخ والأنفس أي مما يستدل به القرآن على أفعال الله وفضله على المخلوقات وجوده. وحتى أسماؤه فهي المعاني التي يتوجه إليها الإنسان في دعوته عند توجهه إلى الله (الإسراء مثلا) وهي في الحقيقة تتضمن أساسها في أفعال الله خلقا وأمرا كما يدركها أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- الإنسان المتأمل للطبيعة والتاريخ ولذاته حتى وإن لم يكن ذلك بوعي تام لأن هذا التأمل هو عين الوعي الديني الفطري عند الإنسان. وهذا الوعي الديني الفطري عند الإنسان عندما يصبح عودة على ذاته من صاحبه هو الوعي الفلسفي الفطري عنده .والجمع بين الوعيين هو الجوهر الواحد في الديني والفلسفي باعتبار الإنسان لا يمكن أن يقف عند الطبيعة والتاريخ وذاته بل هو يتجاوزهما إلى ما بعد لهما هو أصل الوجدان الروحي والفكر العقلي. ويبقى الفكر العقلي دائما دون الوجدان الروحي نفاذا إلى كثافة الشعور الوجودي الذي يمد الإنسان بمتانة كينونية هي ما يجعل الحياة ذات معنى .ولهذه العلة بينت في كلامي على علوم الآلة أن عالم المعاني أوسع من عالم الدلالات وأن علوم اللسان ينبغي أن يتضاعف فيها علم الدلالة بعلم المعنى وعلم التداول المختص بعلم التداول باللسان الطبيعي الأوسع الذي يتجاوز الموجود إلى المنشود دائما. فيكون عالم القيم أوسع من عالم العلوم لأن هذه شرط الاستعمار في الأرض وتلك شرك الاستخلاف فيها .والاستعمار أداة والاستخلاف غاية .لكن الغاية مستحيلة من دون الأداة والأداة يمكن أن تتحول إلى بديل من الغاية فتلهي عنـها ومن ثم يصبح التعمير تدميرا. ولتجنب ذلك فالإسلام هو الحل الكوني الخاتم. أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- عالم القيم الأوسع من عالم العلوم لا ينفي أن العلوم هي بدورها نوع من أنواع القيم التي حاولت ردها إلى: .1قيم الإرادة. .2وقيم المعرفة. .3وقيم القدرة. .4وقيم الحياة أو الذوق الجمالي. .5وقيم الوجود أو الذوق الجلالي. وكل واحد من هذه الأنواع لا يكون كاملا إلى بتضمنه الأربعة الأخرى يكون حينها هو قمتها .وهذا هو المقصود بأخلاق القرآن أو بصورة أدق برؤية القرآن الأخلاقية لأنه يعرض في آن فضائل الإنسان ورذائله بصفات هذه المعاني الرامزة لكيان الإنسان مراوحة لا متناهية الدرجات بين حدين اقصيين في كل واحدة منها :فالإرادة أخلاقها مراوحة بين الحرية والعبودية والمعرفة بين الصدق والكذب والقدرة بين الخير والشر والحياة أو الذوق الجمالي بين الحسن والقبح والوجود أو الذوق الجلالي بين العزة والذل .والإنسان كيانه العضوي والروي يراوح بلا تناه بين القطبين في كل واحدة منها لكأنه أوتار آلة موسيقية لا متناهية لم أرى لها وصفا أكثر مطابقة مما نجده في القرآن الكريم رسما ونغما. وهذه الآلة لامتناهية الأوتار هي كيان الإنسان .لكنه كيان عجيب فهو ليس الآلة العازفة فحسب بل هو الأذن المتلقية أيضا لعزف أسمى من عزفه لكأن عزفه صدى له وهو عزف الوجود المحيط به من خارجه وهو في آن ما يحيط به الإنسان أو ما يشعر أنه يحيط به وكأنه نابع من ذاته المشرئبة محاكاة لذات الله. ولو توقف التصوف عند هذا الحد لكان صادقا .لكنه يقفز في المجهول لما يجعل هذا الاشرئباب وكأنه وصول .فيعتبر الذات المحاكية اشرئباب ذات اندغمت في مثالها الأعلى أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- الذي تمثله ذات لله باعتباره الذات الخالقة والآمرة فيتوهم أنه صار خالقا وآمرا وهو ما يسميه ابن خلدون \"حب التأله\" الذي هو مرض نفسي. وهذا المرض النفسي هو الذي يؤدي إلى القول بنظرية المعرفة المطابقة فيتوهم صاحب \"التكبر\" أن علمه حقيقة مطلقة محيطة بالوجود إحاطة خالقه وآمره به .وهو جنيس مرض المتصوف ويتحدان في القول بوحدة الوجود سواء كانت طبعانية (سبينوزا) أو تاريخانية بإضافة جعل الجوهر ذاتا (هيجل) .وقس عليهما التصوف. فتصوف المجالي (ابن عربي) يمكن اعتباره من جنس رؤية هيجل في تذويت وحدة الوجود الطبعانية (القياس على أرواح الرسل) وتصوف التلمساني يمكن اعتباره من جنس رؤية سبينوزا في طبعنة وحدة الوجود (القياس على أمواج البحر) .وهذه أمثلة عن التجانس بين المدخلين لوحدة الوجود الفلسفية والصوفية. وكلاهما من \"الكبر\" من حيث هو مرض نفسي سماه ابن خلدون حب التأله ونسبه إلى المستبدين بالحكم وبالثروة بالعلم وهي الاصناف الثلاثة التي علاقتها بالذات الإلهية علاقة تمانع أي إن إصحابها يدعون ما يشبه الألوهية التي تجعلهم في علاقة \"إما أنا أو هو\" بسبب الكبر أو أكبر رذيلة :إنه كفر الحق. وكفر الحق ليس الحكم الفقهي بالكفر بل هو نسيان الإنسان لحقيقة كيانه الهش سواء في الاغترار بسلطان الحكم أو بسلطان الثروة أو بسلطان العلم .وثلاثتها أوهى من بيوت العنكبوت لو تذكر الإنسان الموت أو المرض أو تقلب الأحوال السياسية أو الاقتصادية أو المعرفية فتبين له أنه على لا شيء. ولهذه العلة اعتبرت كلام القرآن على الإنسان انثروبولوجيا معتمدة على التحليل الوجودي وليس النفسي تحليلا يصف هذا المسار اللامتناهي والمتردد بين قطبي القيم الخمسة بين الحرية والعبودية وبين الصدق والكذب وبين الخير والشروبين الحسن والقبح وبين الجلال والذل لا يبرح تقازيحها بين قطبيها. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- وأعجب ما في الأمر أن القرآن لم يستثن من حتمية هذا المسار حتى الرسل لأن بعضهم كما يقص القرآن ذلك مر بمثلها وتدارك ذاته بهدي من الله كما يحصل لأي إنسان وإن كان في الرسل اقل اطرادا منه عند بقية البشر .وفي ذلك حكمة عظيمة :فلا يمكن نهي الرسل عن الوساطة والوصاية على البشر من دونه. فالغاشية 21و 22لا يمكن فهمها من دون هذه الحكمة :لا يمكن أن يكون الإنسان من حيث هو إنسان مكلفا ومكرما إذا وجد بينه وبين ربه وسيط (الاستخلاف مباشر والتربية تذكير) وبينه وبين عالمه وصي (التعمير فرض عين والحكم فرض كفاية بالنيابة). فالإنسان \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\". وهذه الرؤية التي هي ثورة الإسلام هي التي غفل عنها الفكر الديني والفلسفي في قراءة القرآن .وهو ما أفسد نظرية التربية بالتذكير والحكم بالتنويب .والتذكير في التربية يعني أن المتعلم ناس وليس جاهلا .والتنويب في الحكم يعني أن المحكوم غافل وليس قاصرا .الإسلام اخراج من النسيان ومن الغفلة. ولذلك فدعوى \"العلماء ورثة الأنبياء\" صارت تدل على عكسها .فإذا كان الله يقول لرسوله \"فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر\" فإنه من الحمق تحول التربية إلى تلقين لرؤى المعلم وليس تذكير للمتعلم بما جهزه الله إليه من مهمة الاجتهاد الذاتي من أجل الجهاد الذاتي تحقيقا لما في ما فطر عليه. وبين أن هذه الدعوى تحريف جزئي ونسبي لوراثة الرسول عند السنة لأنها حافظت على سنة الرسول .لكنه تحريف كلي ومطلق عند الشيعة لأنها جعلت التربية وساطة الأئمة في التربية وفي الحكم ولأنهم يرثون النبي في أخص خصائصه لكأن الوحي متواصل فيهم. وهو عين الحمق والجهالة والتنكر للأخلاق القرآن. وكل من يحارب السنة لا يفهم هذه العلاقة بينها وبين القرآن .فهي تواصل حياة تربية الرسول بوصفها تذكيرا بما فطر عليه الإنسان وليست تلقينا لعلم لدني غير مرسوم في كيانه أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- وحياة حكم الرسول بوصفه نيابة للأمة ومن ثم فالرسول نفسه ليس من حقه أن يحكم بغير الشورى في فهم أمر الأمة (الشورى .)38 لكن تحريف \"العلماء ورثة الأنبياء في التربية\" صارت سندا لتحريف \"الأمراء ورثة الأنبياء في الحكم\" أساسا لما نسب إليه القرآن (في آل عمران) التحريف عامة بوصفه حلفا بين \"العلماء والأمراء\" وهذا الحلف القاتل للإنسان ليس جديدا فهو معلوم منذ فرعون وهامان إلى اليوم في ما عليه حال الإنسان. ولأن الفاروق يفهم ذلك تخلى عن عبارة \"خليفة رسول الله\" وسمى نفسه \"أمير المؤمنين\" علما وأن أمير ليست صيغة مبالغة من اسم الفاعل أي الآمر بل هي صيغة مبالغة من اسم المفعول أي المأمور كما سبق أن بينت إذ هو مأمور من الأمة بأن ينوبها في ما يتحقق بفرض الكفاية وأن يبقى لها فرض العين المتمثل في تعيينه ومراقبته وربما عزله لأنه لا طاعة في معصية .ولذلك حمد الله أن في الأمة من قال له لو رأيناك فيك اعوجاجا لقومناه بحد السيف. واليوم عندما نتكلم على الجامية الدينية وعلى نظيرتها العلمانية (كل النخب التي تدعي العلمانية جامية لأنها تتصور علمها مطلق وتؤسس عليه حلفها مع المستبدين باسم الحداثة) فإننا أمام نفس الظاهرة التي يصفها القرآن في آل عمران والتي تنتهي إلى تأليه \"عيسى\" الذي يبرئه القرآن فيها (آية .)79 وكل من له دراية بالأحزاب الماركسية بالعلمانية اليعقوبية يعلم أنهما لا يختلفان عن الكنائس وخاصة الكاثوليكية .فالخلاف بينها لا يختلف عن الخلاف بين الفرق الكلامية وفيها تكفير مجانس لأن لهم عقيدة تعتبر حقيقة نهائية ملها مثل الدوغمات الدينية في الكاثوليكية وماركس متأثر اليعقوبية. ولما كان الماركسيون والعلمانيون العرب أكثر هذين النوعين جمودا وتخلفا فإن الظاهرة عندهم مضاعفة وهي من علامات حمقهم وجهلهم .فعندما يدعي ناصر حامد أبو زيد مثلا محاكمة القرآن بمعيار ما يسميه \"الواقع\" يجهل أنه يحاكمه بصورة الماركسية عما يسميه أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- \"واقعا\" ولا يشرح لنا كيف يعلم الواقع في ذاته من دون رؤية تدعي المطابقة معه دون اثبات. ويمكن اعتبار ناصر حامد أبا زيد \"نوارة\" في زبالة الماركسين العرب .فهم أكثر الناس كلاما على \"الواقع\" وهم ابعد الناس عن فهم القصد به .يحاكمون نصا (القرآن) بنص (رؤية ماركس) ويسمون ذلك احتكاما إلى الواقع .ولما أسمع حثالة القوم من جنس الشرفي أو عركون أعجب من وجود مثل هذا الغباء والحمق. فماركس تبعا لهيجل يعتبر العقل واقعا والواقع عقلا .وكلاهما يتصور العقل محيطا بموضوعه تحررا من الاحتراز الكنطي .لكنهم هم بمعزل عن النقد الهيجلي للتمييز الكنطي بين الشيء في ذاته الذي لا نعلمه وما نعلمه من ظاهراته يتبنونه مثل كل الأغبياء ولا يتوقفون عن وصف فكر غيرهم بالإيديولوجي. والأدهى أنهم يؤسسون عليه نقدهم للإسلام ولا يعلمون أن الموقف الهيجلي هو لتأسيس تأليه المسيح أو حلول الله (الروح اللامتناهي) في الإنسان (الروح المتناهي) بحيث إنهم تمسحوا بالمعنى الهيجلي ويزعمون نقد الدين تماما كما تفعل اليعقوبية التي هي كاثوليكية مقلوبة :حكم فرنسا كنسي بغير وعي. فعندما تجد دولة حكمها يتدخل في ما على المواطن أن يلبس وأن يأكل وأن يشرب فاعلم أنك في اليعقوبية والماركسية .فرنسا يعقوبية وهي كاثوليكية معلمنة .والصين ماركسية وهي يعقوبية مقلوبة أو كاثوليكية أو دينا معلمنا .وهما الوحيدان اللذان ما يزالان يؤسسان مذهبيا دكتاتورية القيم في العالم. أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- دعوني الآن أوجز قصة تمسيح هيجل للفلسفة وأدلجة الدين والفلسفة التي غرقت فيها النخب العربية من جامعية الحداثة المتحالفة مع العسكر والمافيات المحلية والعالمية بدعوى الحداثة والتحرر من الظلامية الدينية التي هم غارقون في أفسد تحريف لدين المسيح ولليعقوبية التي هي كاثوليكية مقلوبة. -2وهذا الإيجاز كتبته خلال رجلتي الأخيرة إلى استنبول بتاريخ 12فيفري 2019بضعها في المطار والباقي في الفندق تعليقا على كلام هيجل على المصالحة في نشرة فالتر ياشكوه وخاصة من ص 266 .إلى ص .269 .انطلقت من حكمي هيجل المسبقين: .1المطابقة بين العلم وموضوعه .2والعالم المادي الخارجي هو الوحيد. وحتى يؤسس ذلك أقدم على أمرين: • ميز بين العقل الحاسب وهو استرائي أو ما يمكن تسميته بالحصاة (اي لا يتجاوز الآراء والظنون والعقل النافذ لحقائق الأشياء أو ما يمكن تسميته بالنهى. • التمييز بين ما في الأذهان أو الكلي المجرد وما في الأعيان او الكلي المتعين الكلي المجرد والكلي المعين. وينتهي إلى أن ذلك هو أساس نقده لتمييز كنط بين حقائق الأشياء المجهولة (الشيء في ذاته) ومظاهرها المعلومة ويعتبر ذلك تحقيقا للمصالحة بين الديني والفلسفي وبين الإلهي والإنساني أو بين الروح اللامتناهي (الرب) والروح المتناهي (الإنسان) .وذلك هو الصلح وتأويل رمز تأليه عيسى عليه السلام. وتلك هي الفلسفة التامة والعلم المطلق وهي عين ما يقول به ماركس مع فارق بسيط هو رفض التذويت الهيجلي والعودة إلى التطبيع السبينوزي لأن الإنسان ليس مملكة في المملكة وينطبق عليه ما ينطبق على كل الموجودات التي هي مادية بالجوهر والإنسان حالة من أحوال العالم المادي وصل إلى الوعي. أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- ولنطرح الأسئلة التي تثيرها هذه الرؤية الهيجلية ولن أعنى بالماركسية التي لا يبقى لها قيام إذا سقطت الهيجلية .وأول سؤال هو: .1هل المطابقة بين الفكر وموضوع الخارجي ممكن .2من دون التسليم بدعوى وحدة الموجود وانحصاره في الوجود الخارجي؟ لكن لا دليل على 1ولا على .2هما إذن مصادرتان. فهل يمكن إثبات أن ما يوجد في العقل الإنساني هو الوحيد الممكن أم إن الإنسان له إدراك شامل لكل الموجودات فتكون ترى ما يراه وليس لها ربما رؤية أخرى للوجود الذي قد يكون ما يدركه الإنسان منه قطرة في محيط؟ لذلك فلا 1ولا 2بالأمر الثابت وهو مصادرة على ينبغي أن يكون مطلوبا أولا. وهذا التشكيك في المصادرتين ملازم للفكر الإنساني بل هو جوهر تعاليه الديني والفلسفي على الذاتي لتأسيس العلم والقيم تأسيسا مدركا لحدود علمه وعدم الاغترار بـ\"حب التأله \" الذي هو كبر مرضي وليس دليلا على العقل لا الحاسب ولا النهى إذ الإنسان يعي أن علمه ليس محيطا وما يجهله أوسع بكثير. وفي الحقيقة لا يتجاوز كلام هيجل عقيدة السفسطائيين الذين يقولون \"الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه\" وهم أكثر منه تواضعا لأنهم لا يدعون أن ذلك هو الحقيقة بل هم يرون أن ذلك هو المتاح للإنسان بمعنى أنهم لا يفنون إمكانية أن توجد موجودات أخرى قد تدرك ما لا يدركه الإنسان. لن أعود إلى نص المصالحة (ص )269.الذي سبق أن قدمته في أصله وترجمته وشرحته في المحاولة التي يتبعها هذا الإيجاز .وأمر إلى ما هو أهم وهو علة جمعي بين النظر والعقد في العلوم وجمعي بين العمل والشرع في القيم .فلا أحد يمكن أن يثبت وجود العالم خارج فكره إلا عقدا لا علما إذا لم يكن فكرة. أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- -11لا أحد خرج من ذاته ليثبت العالم الخارجي بوصفه خارجيا كل ما في الأمر أننا نعتقد أن ما ندركه بحواسنا ليس من فعلها بل هي تتلقاه من خارجها وهي العقيدة الاولى في الفكر الإنساني ومن دونها يمتنع النظر .فهو إذن مؤسس على عقيدتين: .1وجود العالم الخارجي قائما بذاته .2وقدرة العقل على إدراكه. والسؤال هو كيف لهيجل أن يطلق هذين العقيدتين فيدعي أنهما مطلقتان ولا تقتصران على الإنسان؟ فإذا سلمت اعتقادا أني واع بشيء آخر غير ذاتي خارج ذاتي فكيف أستطيع رد آخريتها الإضافية إلى آخريتي الاضافيه إليه؟ ولا أستطيع أن أعلم منه غير الآخرية الإضافية إلا إذا أطلقت ذاتي معيارا للمطلق. والجواب الوحيد المعقول هو نفي إطلاق الذات معيارا للمطلق والاقتصار على الغيرية النسبية إلى ذاتي وذلك هو بالذات معنى الايمان بالغيب أي ما اعترف بوجوده وأسلم بامتناع علمه .وفي كل معرفة إنسانية لا بد من هذا البعد لأن المؤثرات في الموضوع لا متناهية وما أعلمه منها متناه مهما عظم. وحتى مهرب \"المشترك بين الذوات \"Intersubjectivitéفإنه لا يزيل الذاتية بل هو يجعل الموضوعية حصيلة ما تتفق عليه الذوات وليس الموضوعية المطلقة وهي لا تتفق على أنه الحقيقة المطلقة بل على كون اتفاقها هو معيار العلمية الممكنة للإنسان من حيث هو إنسان في كل الأزمان وفي كل مكان. وحتى هذه المزاعم فهي نسبية-في كل الأزمان لكل إنسان في كل مكان-إذ من أدراني فقد يحصل تحول كيفي في الإدراك الإنساني يغير معيار العلمية هذا .واعتقد أن الدين الإسلامي قد غيره لأنه اضاف إليه معيارا آخر هو أن كل علم إنساني محاط بالغيب ولا يمكن أن يدعي أصحابه الإحاطة التي لعلم الله. أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- وهكذا أصل إلى معضلة المعضلات وحيرة كل متحير أوصله الغوص في أعماق الوجود إلى السؤال التالي :هل الإنسان يؤسس ذاته كفاعل أم هو يتأنن كمنفعل بإدراكه ذاته وما تدركه ذاته مما هو غيرها (إشكالية نظرية ا لعلم عند فشته :وضع الذات لذاتها ولغيرها لتجاوز مفهوم الشيء في ذاته الكنطي). وإذا تحررنا من إيديولوجيا الذاتية التي كانت مسيطرة على المثالية الألمانية فإن الإنسان يجد نفسه ولا يوجدها ومن ثم فهو منفعل حتى في إدراك ذاته والوعي بها وليس فاعلا إلا وهما .ولا يجدها ولا يوجدها ليس من حيث هي إنية Daseinفحسب بل وكذلك من حيث كيف الوعي بالدا وبالزاين. فالوعي بـ\"الدا\" أو بالتحيز الزماني والمكاني والوعي بـ\"الزاين\" أو الكينونة فيهما (والمكان مصدر ميمي من كان) كلها انفعالية وليست فعلية إلا توهما .وهي الجزء العقدي المؤسس للنظر على العقد وللعمل على الشرع .والشرع ليس الشريعة مقابل العقيدة بل الأمر مقابل الخلق أو الحرية مقابل الضرورة. والمقابلات هذه هي التي تنقل الإنسان من الانفعال إلى الفعل لأنها تجعله مشدودا إلى طرفين ما بينهما هو ما وصفنا بالآلة الموسيقية لامتناهية الاوتار أعني مقامات القيم أي قيمة الإرادة ثم العلم ثم القدرة ثم الحياة أو الذوق الجمالي ثم الوجود أو الذوق الجلالي .وليست من صنعنا بل انفعالية. فلست أنا الذي أجعل ذاتي تدرك حتى تحت أقوى اضطرا أنها حرة وقادرة على قول لا .ولست أنا الذي أجعل ذاتي تميز بين الصدق والكذب .ولست أنا الذي أجلها تميز بين الخير والشر .ولست أنا الذي اجعلها تميز بين الجمال والقبح وأخيرا لست أنا الذي أجعلها تميز بين الجلال والذل .أنا هو من يفعل ذلك. ولذلك سمي هذا التفعيل تكليفا .فانا إسلاميا وقرآنيا مكلف بأن أكون حرا لا عبد لغير الله .وأنا مكلف بأن أكون صادقا لا كاذبا وخيرا لا شريرا وجميلا لا قبيحا وجليلا لا ذليلا. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- وبذلك اقيم سواء في الدنيا من البشر أو فيها وفي الآخرة من خالقي وآمري :العقدي في القيم نظير العقدي في المعرفة. للمرة الألف اعتذر للقراء فقد أبحرت بهم في شعاب الفلسفة التي من المفروض ألا تكون مثل شعاب مكة لا يدري بها إلى أهل مكة .فهذه شعاب الإنسان عامة والمسلم خاصة وينبغي أن يدري بها كل إنسان وكل مسلم لأن كونية الإسلام ليست إنسانية فحسب بل هي تشمل رؤية القرآن لكل كيان حتى وإن كانت غيبية. وأختم بجوهر الخلاف بين هيجل وكنط :هل الوجود مقوم أو غير مقوم للمفهوم؟ هيجل اعتبره مقوما وكنط لم يعتبره مقوما .وكلاهما على حق وعلى باطل .فمثال كنط عن العملة (تالار أصل كلمة دولار) سخيف لأن العملة ليست مفهوما إلا إذا كانت نافذة المفعول وهو معنى وجودها .فورقة المال من دون فاعليتها ليست عملة بل مجرد ورقة عديمة المفعول ومن ثم فهي ليست عملة .وكونها عملة هو وجودها. وإذن فهيجل على حق في اعتبار بعض المفاهيم تتضمن الوجود مقوما جوهريا وذلك هو اساس الدليل الوجودي على وجود الله .لكن ذلك ليس صحيحا إذا حصرنا الوجود في المفهوم -وهو معنى منطقه الذي صار ميتافيزيقا والذي هو أساس حلول الروح اللامتناهي في الروح المتناهي اساس فلسفته كلها. -25وإذن فصحة رؤية هيجل نسبية .فتضمن بعض المفاهيم الوجود تسقط حجة كنط لكنها لا تطلق حجة هيجل ولا تثبت صحة الدليل الوجودي الذي اعتبر موقف كنط فيه أسلم عقلا لأن ما ينسب إلى انسالم مصادرة على المطلوب وليس دليلا عقليا سليما منطقيا. واعتقد أن حجة ديكارت أسلم وأصدق وأعمق. أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- الفصل الخامس والأخير من هذا الموجز يبدأ بدليل ديكارت .وهو عندي أفضل دليل على شرط الاستدلال السليم منطقيا على وجود لله .وله مقدمتان إن صح التعبير: .1دليل وجود الذات المستدلة (ديكارت وكل من في موضعه بحثا عن الحقيقة). .2ودليل وجود الذات المستدل عليها (الله وكل من تحرر من حماقة حداثيي العرب). كلامي لا يقتصر على حماقة حداثيي العرب وقد يشمل كل من حرف الحداثة وتجاهل فكر مؤسسها لكن ما يعنيني في محاولتي هم حداثيو العرب لأنهم الأغبى بين كل نخب العالم إذ يحالفون العسكر والقبائل التي تحارب الاسلام وتحرر الشعوب .فما رأيت أحدا منهم يتجاوز انحطاط الحداثة وأدلجتها عند هيجل وماركس. فما كان هيجل يبرره بصراع أرواح الشعوب وبرره ماركس بصراع الطبقات علته انحطاط قيم الحداثة لان ذلك ناسب تاريخيا سيادة البرجوازية والتطور العلمي والتقني عند الاول وتنامي الاستغلال والظلم عند الثاني لكن قول الثاني لقبول كليهما بقل الثاني إذ يجمع بينهما شرط استعمار القوي للضعيف. ولهذا الشرط شرط أعمق هو تطبيق التاريخ الطبيعي على التاريخ الخلقي بمعنى أن الإنسانية خاضعة لما يخضع له منطق البقاء للأقوى كما يعبر عنه الانتخاب الطبيعي الدارويني .وهيجل يؤسسه على صراع أرواح الشعوب أو الحضارات وماركس على الطبقية وتطور شروط العمل تقنية نظاما. وهذا من علامات انحطاط الحداثة لأنه تخل عن قيمها الجوهرية كما يمثلها ديكارت وكنط مثلا .لكني سأكتفي بديكارت في مستويي دليله الذي هو أفضل دليل على وجود الله القيم الروحية على حد علمي في مراحل تاريخ الفكرين الديني والفلسفي من اليونان إلى اليوم. وما يعنيني هو الكونية وليس الخصوصية. وأغرب ما يجعلني أبدو متشددا في علاقتي بحداثيي العرب هو أن هيجل وماركس قد يفهم المرء موقفهما عند عرضه على الظرفية التاريخية التي كان العالم فيها منقسما إلى حائزين أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- على أدوات الحضارة الحديثة وفاقدين لها وكان العمل جله يدويا ومبنيا على الاستغلال والعبودية في بداية الرأسمالية. من ما يزال يعتقد في اقتصار التقدم العلمي والتقني الكيفي على الغرب دون بقية العالم؟ ومن ما يزال يعتقد أن العمل ما يزال أغلبه يدويا ويخضع لعدم فهم الحاجة إلى تشجيع الاستهلاك عند الجميع ومن ثم تحقيق بعض العدل في توزيع الثروة؟ كل حجج هيجل وماركس لم يعد لها مبرر لأن العصر تجاوزها. لكن العصر تجاوزها في ا لعالم كله إلا عند النخب الحداثية العربية .فهي تعتبر نفسها وسيطة بين شعوبها والحداثة ووصية عليها تحدثها رغم أنفها كما كان يفعل الاستعمار مع \"الانديجان\" .فكل نخب آسيا حدثت شعوبها بالطرق التي تحسم ما علل به هيجل ومارس رؤيتهما أي التربية والحكم إلا النخب العربية :فهي حليفة المافيات المحلية الخادمة للمافيات الاستعمارية. فليست الشعوب العربية أكثر تخلفا من شعوب آسيا غير العربية -وقد عشت في ماليزيا ودرست شبابا من كل اقطار آسيا من اليابان إلى الهند-ولم أر احتقارا لدى نخبهم لشعوبهم كالذي أراه عند نخب العرب الذين يرون الشعوب العربية ليست مؤهلة للحرية والكرامة والديموقراطية والتنمية المستدامة. درست في ماليزيا وكلنا يعلم أن ماليزيا شعب كان مطلق البدائية في بداية الاستقلال المعاصر لاستقلال تونس .فلينظر صاحب الرأي المنصف أين ماليزيا الآن واين تونس؟ هل التونسيون حمير؟ أم إن النخب التي تربيهم وتحكمهم تعتبرهم حميرا وتعاملهم معاملة الاستعمار للأنديجان في عهد هيجل وماركس؟ من لم يأخذ هذا بعين الاعتبار قد لا يلومني على موقفي الذي يبدو حادا .ولست أقصر رأيي على الحداثيين لأني أبريء التقليديين بل لأني اعتبر من حكم في بلاد العرب منذ ما أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- يقرب من القرن ليس للإسلامين فيه دور يذكر .ومن ثم فلا فائدة من تحميلهم مسؤولية وهـم لا ناقة لهم ولا جمل في مجريات الأحداث. فحتى في البلدان العربية التي تبدو محتكمة إلى الدين في الظاهر كلنا يعلم أن الحكم الفعلي ليس بيد المتدينين بل هم من جنس التنكر والتنويم للشعوب لأن الحكم الفعلي هو بيد الحكام وخبرائهم الأجانب الذي هم نوعان :إما غير عرب أو عرب ممن هم أكثر حقدا على العرب والإسلام من غير العرب .والفاهم يفهم من هم من أقصد. أما وقد عللت موقفي الحاد من النخب الحداثية العربية-وهي كاريكاتور الحداثة ولا علاقة لها بها-فلأعد إلى موضوعي: .1دليل ديكارت على وجود ديكارت كما تصور ذاته. .2ودليل ديكارت على وجود الله كما تصوره ديكارت. وأجزم أن ديكارت أكثر الناس تطبيقا لفصلت 53رغم تأكدي أنه لم يسمع بها .فالقرآن الكريم يعتبر تبين حقيقة القرآن لا يكون بشرح آياته النصية بل مما يرينه الله من آياته في الآفاق وفي الانفس .ديكارت لم يكن عالما بالقرآن لكنه طبق هذا المبدأ واكتشف أن آيات الله في الأنفس مقدمة على آياته في الآفاق .وله قولة شهيرة :اثبات وجود الله أيسر من وجود العالم. لم يكن ديكارت رغم علمه وعبقريته ملحدا بل كان مؤمنا وبلغ به الإيمان إلى الاعتقاد في أنه ملهم وكان ينتظر ما يشبه الوحي من الروح القدس خلال ابتكاره ثورته الرياضية. وهو كتب التأملات لغاية علم آيات الآفاق الرياضية بالاستناد إلى ما يتأسس على علم آيات الأنفس الروحية .فالنظر والعقد يتأسسان على العمل والشرع عنده لأنه يعتبر قوانين الطبيعة سننا إلهية كان يمكن أن تكون غير ما هي عليه وليس ضرورية بذاته. وأجل الكلام في العمل والشرع التاريخيين -الفلسفة العلمية أو الأخلاق وقبل العيش بالأخلاق الموجودة في عصره حتى يستطيع تأسيس البديل-بخلاف المثقفين الذين تسكرهم أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- زبيبة فيتصورون أنفسهم آتين بما لم تأت به الأوائل .وهم أجهل خلق الله ككل ناقدي القرآن بين خريجي الآداب في جامعات \"عقاب الزمان\" العربي. فما الدليل الأول على الذات التي تطلب الحقيقة؟ وما الدليل الثاني على الذات التي هي مثال الحقيقة الأعلى؟ ذلك هو مضمون تأملات ديكارت الميتافيزيقة .بدأ بإثبات استحالة نفي وجوده وليس بأثبات إمكان وجوده لينتهي إلى وجوبه .وهي الطريقة التي استعملها أرسطو لأثبات مبادئ العقل الثلاثة وخاصة مبدأ عدم التناقض. لكن دليل ديكارت كان أبلغ وأوضح من دليل أرسطو اشترط على نافي مبدا عدم التناقض بمعاجزته في قول معنى واحد وأن يثبت عليه من دون ان يثبت هو نفسه ما يدعي نفيه. فيكون الدليل مستندا إلى مبدأ الهوية الثابتة لموضوع أي قول .فماذا فعل ديكارت؟ لم يحاور شخصا عاديا بل الـجني الخبيث (لو مالان جيني) أي الشيطان نفسه وبين عجزه دون نفي وجود ديكارت. وإذن فـحجة ديكارت كانت أقوى بكثير من حجة أرسطو .فهو يحاور رمز النفي والسلب المطلقين وليس محاورا عاديا .ولذلك فالدليل الديكارتي يعرض عرضا غير أمين في من يتكلمون على حداثة ديكارت وعلى دليله وكأنهما في قطيعة مع الدين .والدليل نصه \"دوبيتو أرجو سوم=أشك فأنا إذن موجود\" وليس \"أفكر فأنا موجود\" .لكن الصيغة الثانية هدفها بيان دلالة أعم لأن القصد أن كل أفعال الفكر تصح دليلا بهذه الصورة .ومنها خاصة\"أشك\" .وهو الفعل الفلسفي الأساسي. ولذلك فمن ترجمها -تأصيلا للترجمة في ظنه -لم يفهم حتى هذه الخاصية لعملية الاستدلال الديكارتي مثله مثل من اعترضوا عليه ساخرين .حجة ديكارت هي أن الشك المطلق-تشكيك ابليس أو الجنـي المخادع لديكارت في وجوده -الذي شكك في استخلاف الله لآدم -هزمته فلم يعد بوسع أحد أن يشكك في هازم مصدر السلب المطلق لا مجرد الشك وحده. أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- وانتهى الاستدلال إلى نتيجة عجيبة .وهي أن الجني الخبيث يزيد اليقين في وجود ما يشكك فيه بقدر ما يزيد تشكيكه فيه .فقال قولته الشهيرة مهما شككت في وجودي فأنت تزيده إثباتا وثباتا .وهذه هي الحقيقة الأولى التي يستنتج منها صفات الحقيقة التي لا شك فيها ليطلقها على منظومة الحقائق التي يبني عليها فلسفته ولكن بعد أثبات وجود الله بدليل ثان وليس قبله. فبخلاف ما يزعم من يتوهم أن ديكارت انتقل لإثبات وجود الله من استخراج خصائص الحقيقة التي لا شك فيها ليبني عليها منظومته بل من حجة أخرى أعمق بكثير منها .وهي المقارنة بين الإرادة والحكم العقلي والتضايف بين ما يدركه الإنسان من خصائص مقوماته مع مقابلاتها المشروط في تصورها. فالمقارنة بين الإرادة والحكم تثبت أن المعرفة العلمية هي تحرير الحكم المحدود بالجوهر لأن له مرجعية تحده وهي حقيقة المعلوم من موضوعه في الحكم العقلي بخلاف الإرادة التي تبدو وكأنها لامحدودة بمعنى أن الإنسان لو استجاب لإرادة لظن أن كل شيء ممكن بخلاف ما عليه الأمر في حكم العقل لأصبح لا يميز بين العلم والوهم. لو اكتفينا بمثال المقارنة بين الإرادة والحكم العقلي لكان ذلك تضايفا غير تام .لكن لماذا أعتبر علمي للحقيقة نسبيا؟ مع أي علم هو متضايف تضايفا ذاتيا وليس تضايفا عرضيا كالتضايف بين الإرادة والعلم؟ إن علمي بنسبية علمي ومحدوديته متضايف مع وعيي بمعنى الكمال في العلم غير النسبي وغير المحدود. ثم يأتي التضايف في بقية المقومات القيمية الخمسة :إرادتي التي تبدو مطلقة بالقياس إلى علمي نسبية بالقياس إلى ما علمي نسبي بالنسبة إليه وإرادة الله ثم القدرة ثم الحياة ثم الوجود كلها هي ما تتضايف معه صفاتي التي تجانسها مع كونها دونها كمالا بما لا يقدر. فعلمي محدود ومثله قدرتي وحياتي ووجودي وكلها متضايفة مع مثلاتها اللامتناهية دليلا على كمال موجود آخر هو الله. أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- وجودي إذن بصفاته المحدودة متضايف مع وجود موجود لا محدود بصفاته .فيكون إثبات وجود الموجودين وجود الباحث عن الحقيقة (الإنسان) ووجود مثال الحقيقة (الله) متلازمان ولا يمكن الفصل بينهما .ويسميه ديكارت \"إمضاء الله\" في الإنسان ثم يعمم مفهوم \"الامضاء\" في كل شيء معنى مرادف لآيات الله في الآفاق والأنفس. وهذا يعني أن الحداثة لم تكن كما يفهمها من يتصورها مردودة إلى انحطاطها عند هيجل ماركس اللذين أدلجاها لتأسيس صراع أرواح الشعوب وصراع الطبقات بمنطق التاريخ الطبيعي بل هي كانت ثورة روحية وعقلية دينية وفلسفية لأن ما اسسته الفلسفة القديمة على ضرورة الطبيعة أسسه ديكارت على حرية الأخلاق. وقد سميت عمل ديكارت هذا في مقالة كتبتها بالفرنسية بمناسبة احتفال جامعة تونس الأولى بذكراه بأنه انتقال من الميتافيزيقا إلى الميتاأخلاق .فديكارت لا يعتبر نظام العالم الرياضي الذي أسس عليه علمه ضرورة طبيعية بل يعتبره شرعا إلهيا يمكن تصوره على غير ما هو عليه .ذلك هو العقل الديكارتي وجوهر معاني الحداثة قبل انحطاطها في أدلجة هيجل وماركس لفكر الحداثة الفلسفي. أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 32
Pages: