أبو يعرب المرزوقي الأسماء والبيان
وصلنا الآن إلى المسألة الأخيرة في وظيفة الرعاية :البحث العلمي الذي هو الجهاز العصبي لفرعي التكوين وفرعي التموين وكلها فروع البحث العلمي.والبحث العلمي يجمع بين طلب المعلومات عن الطبيعة والتاريخ وعلاقتهما ويعلم بها الجماعة لتكوين النشء وتموين الجماعة .ومراحله هي مراحل الحضارة.وقد جعل ابن خلدون موضوع باب المقدمة الأول مؤلفا من العالم الطبيعي (الجغرافيا والمناخ) والعامل الثقافي (فهم الحاضر وتوقع المستقل) ومن تفاعلهما.ومثلما تكلم على الجغرافيا في شكلها الخام تكلم على الثقافة في شكلها الأول .وبحث في أثر الطبيعة في ثقافة الإنسان وأثر الثقافة في طبيعة الإنسان.وطبيعة الإنسان عضوية وروحية لذلك اعتبر التأثير المتبادل بينهما عضوي وروحي فكان ذلك أول بحث علمي يؤسس العمران والاجتماع على هذه العلاقة.ومثلما كان الباب الأول يدرس غلبة الطبيعة على الثقافة فإن الباب الأخير يدرس غلبة الثقافة على الطبيعة .فيتضاءل الطبيعي من الأول إلى الأخير.ويناظره تناقص دور الثقافي من الأخير إلى الأول .والباب الأول عام يضع مقدمات العلاج الخلدوني .بداية درس العلاقة في الثاني .فيكون الأربعة-المدينة -الأوسطواللقاء الحقيقي بين الدورين الطبيعي في الثقافي والثقافي في الطبيعي تمثله المدينة: ففي القلب ثقافية شبه خالصة وفي أحوازها طبيعية شبه خالصة.فتجد الأحواز مشرئبة لدخول المدينة والقلب مشرئب للخروج منها .الأول تجذبه الثقافة والثاني تجذبه الطبيعة :المنشود غير الموجود في الحالتين.ولهذه الحقيقة التي بنى عليها ابن خلدون مقدمته ذات دلالة جوهرية فهي اساس فلسفة الحضارة واساس الانثروبولوجيا التاريخية بصورة كلية وكونية. 61
فهي اساس الانثروبولوجيا لأنها تحدد حقيقة الإنسان كحصيلة للتفاعل بين الطبيعي والثقافي في بدنه وفي روحه :ومشكل ابن خلدون هو تدجين الإنسان.وهي اساس الحضارة لأنها بمقتضى ذلك التدجين إذا لم يصحبه علم بأضراره دون نفي لمنافعه فهو المحدد لأعمارها بداية وغاية :ترف المدينة قاتل.ومن هنا يصبح البحث العلمي في التاريخ الحضاري مقدما من حيث الحاجة الروحية على البحث العلمي في التاريخ الطبيعي من حيث الحاجة البايولوجية.والقصد بالحاجتين دور الأخلاق في وجود الإنسان وبقائه :الإنسان يحتاج تكوينا وتموينا ينبغي أن يحترز من تطرف التدجين المفسد للطبيعة بالثقافة. يمكننا الآن أن نحدد: .1معنى البحث العلمي ومطالبه .2ومجالاته وموضوعاته .3وطرقه وأدواته .4وشروطه السياسية (في التربية والحكم) .5وشروطه الخلقيةوكالعادة فالقلب هنا هو الأساس في البحث :والقلب هو الثالث أي الطرق والأدوات .ثم نجد تناظرا وتكاملا بين الأول والأخير ثم بين الثاني والرابع.سندرس العلاقة بين الاول والأخير ثم العلاقة بين الثاني والرابع لنختم بدراسة القلب الذي هو جوهر البحث العلمي في كل الحضارات الكونية المبدعة.فالأول هو معنى البحث العلمي ومطالبه والأخير هو شروطه الخلقية .والسؤال المشترك هو :ما علاقة البحث ومطالبه بأخلاقه ليكون أصل الرعاية بفروعها؟والجواب الفلسفي يطابق الجواب القرآني :أصل الرعاية بفروعها الأربعة (اثنان للتكوين واثنان للتموين) هدفهما المباشر هو تحرير الإنسان من العبوديتين.وهما تاريخيا أداتا استعباد الإنسان للإنسان .فمن يمسك بالغذاء قد يجوّع ولا يطعم وبالسلاح قد يخيف ولا يأمن فسادا في الارض وسفكا للدماء. 62
وذلك هو عين مفهوم الخير والشر في الإنسان عندما يسيطر عليه منطق التاريخ الطبيعي وهي أصل الطغيانين الروحي والسياسي في تاريخ الإنسانية.معنى البحث العلمي ومطالبه هما أدوات فعل الخير وأدوات فعل الشر في آن :وهو إذن ما به يتحقق الخير والشر في تاريخ الإنسانية .لكن عدمه شر مطلق.وعدمه هو مفهوم الجاهلية بمعنييها :جهلا نفيا للعلم وجهالة نفيا للحلم .والمسلمون نكصوا إلى الجاهلية بهذين المعنيين لتعويضه بالعلوم الزائفة.فالعلم صار عندهم رغبة في معرفة الغيب وهو إذن دجل خالص ورغبة عن معرفة الشاهد الذي فيه شرطا الحرية بمستوييهما :في ذات الإنسان وفي موضوع علمه.ففي حالة الغيب لا وجود لما يمكن الاحتكام إليه للتمييز بين العلم والدجل وفي حالة الشاهد يكون كل إنسان قادر على التحقق بنفسه فيميز بينهما.وفي الموضوع حضوره وإدراكه بأدوات الإدراك المشتركة بين البشر مباشرة أو بوسائل تجويد الإدراك يكون الموضوع شاهدا بمعنى الشهود والشهادة.ولهذه العلة كان القرآن قد قال إن معرفة حقيقة القرآن ليست فيه بل في آياته التي يريها للبشر في الآفاق والأنفس موضوعا ومعيارا للحسم المعرفي.ولم يكتف القرآن بتحديد الوجهات التي ينبغي انتحاؤها بل حدد الوجهة التي ينبغي تجنبها (آل عمران )7عمران لتجنب مرض القلب وابتغاء الفتنة.لكن حب السلطة واستعمال الدجل قلب دلالة الآية فادعى أن الراسخين في العلم له علم يضاهي علم الله فأدعوا علم المتشابه فكانت فتنة مرض القلوب.فيكون العلم دالا على معنيين بأولهما يكون أداة تنوير وتحرير وبالثاني يكون أداة تخدير وتغرير :وهذا يصح على العلم سواء كان دينيا أو فلسفيا.والحرب الأهلية الجارية حاليا بين أدعياء التأصيل وأدعياء التحديث من النخب العربية علتها مرض القلب وابتغاء الفتنة والمفهوم الثاني للعلم.كلا الصفين يدعي علما مطلقا فيما لا يقبل الاحتكام لمعايير يمكن للجميع أن يمتحنوه بها :وذلك هو عين العلم الزائف في الدين وفي الفلسفة معا. 63
والإطلاق الذي يدعونه لا يقبل الامتحان العلمي :فلا يمكن أن ندعي مطابقة العلم للموجود مطابقة مطلقة تجعل العلم فيهما يتجاوز نسبية الاجتهاد.أصحاب العلم الديني الزائف يدعون علم الغيب بزعم تأويل المتشابه وأصحاب العلم الفلسفي الزائف يقولون ما يفيده ويرد إليه عندما يطلقون علمهم.سر قولة ابن تيمية :إن المنطق التقليدي وتطبيقه في التحليلات الأواخر مفاده أن الإنسان مقياس كل شيء وهو سفسطة في النظر وقرمطة في العمل.فاعتبرته قد أنهى الفلسفة القديمة والوسيطة في نظرية المعرفة لاعتباره كل علم اجتهاديا ونسبيا لامتناع المطابقة بين العلم والوجود :تلك ثورته.صحيح أنه لم يقل ذلك صراحة بل قاله لما اعتبر التحليلات الأواخر تفيد الرؤية السفسطائية للمعرفة والقرمطية للأخلاق :سفسطة النظر وقرمطة العمل.وابن خلدون صاغ ذلك صراحة بتناظر بين فلسفة العمل وفلسفة النظر :اعتبر أوهام الفلاسفة والمتكلمين نتيجة لرد الوجود إلى الإدراك ودحضها بنفيه.وكل السذج الذين يتكلمون في ابن تيمية يعيشون على فضلات الفلسفة القديمة والوسطية التي تعتمد على نظرية معرفة بدائية ترد الوجود إلى الإدراك.وانتفاخ أوداج مناكفي ابن تيمية بخطاب المتكلمين دجالون في العلم الديني والفلسفي يعانون من مرض القلوب وابتغاء الفتنة ويزيفون العلم والعمل.نمر الآن إلى العلاقة بين الثاني والرابع من مقومات البحث العلمي :فالثاني مجالات العلم وموضوعاته والرابع شروطه السياسية (في التربية والحكم).رأينا كيف أن العلوم الزائفة نكصت بالأمة علمائها (النظر والعقد) وأمرائها (العمل والشرع) إلى الجاهلية بمعنييها جهلا وجهالة :وتلك شروط سياستهم.اصبحت التربية طاغوتا روحيا اعتبره ابن خلدون أصل فساد معاني الإنسانية\" :ومنكان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم-1 :سطا به القهر وضيق علىالنفس في انبساطها وذهب بنشاطها -2ودعاه إلى الكسل -3وحمل على الكذب والخبث وهوا لتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه -4وعلمه المكر والخديعة 64
وصارت له هذه عادة وخلقا -5وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدنوهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزلة وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفسعن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين\"(المقدمة الباب 6الفصل .)40وما أظنني بحاجة لأن أضيف شيئا لإثبات مطابقة هذا الوصف لحال الامة الإسلاميةالراهنة ولابن خلدون نفس الرأي في الحكم الذي يفسد معاني الإنسانية .فالحكم مثل التربية يكون تحريريا بلطف العلم على علم واستعباديا بعنفه على جهل.شروط البحث العلمي السياسية هي شروط التربية والحكم على علم أو على جهل .فإذا كانا على جهل غاب البحث العلمي وفقدا قدرة خدمة التكوين والتموين.شعوب الأمة متسولة بالفعل لعدم امتلاك ثروة طبيعية وبالقوة إلى أن تنضب الثروة الطبيعية فتصبح بالفعل :كلها فقدت القدرة على التكوين والتموين.وهنا أصل إلى قلب المعادلة اي المقوم الثالث بعد الأولين وقبل الاخيرين وأعني \"طرق البحث العلم وأدواته\" .فبها الإبداع فيما قبلها وما بعدها.والأهم أن طرق البحث العلمي وأدواته هي عينها طرق التكوين والتموين الذي يحقق الرعاية ولأجل ذلك كان البحث العلمي بها مبدعا لطرقهما وأدواتهما.وهو بإبداع طرقهما وأدواتهما هو لبهما أي إن التكوين بالتربيتين والتموين بالإنتاجين أساسه ومقومه هو الطرق والادوات التي يبدعها البحث العلمي.لهذا اعتبرته الجهاز العصبي -كبحث علمي وكإعلام علمي -للرعاية تكوينا بمستوييه وتموينا بمستوييه وشرطا في الحماية لاعتمادها على تراثها وثروتها.فما يحمي الجماعات هو قدرتها التي تستمد من ثمرة العلم والعمل على علم لأنتاج تراث وثروة يمونان ويكونان بطرق العلم على علم وأدواته :عقل متعين.لذلك قدم القرآن رمز الرعاية (أطعمهم من جوع) على رمز الحماية (آمنهم من خوف) لأن ما يخيف هو فقدان شرط قيام الحياة بعدمه أو بافتكاك الغير. 65
وتحصيله ومنع الغير من أخذه هما جوهر الرعاية والحماية .وتلكما هما وظيفتا الدولة عقلا ونقلا :وكلتا الوظيفتين ذات الخمسة فروع أصلها البحث العلمي.درسنا فروع الرعاية وأصلها فتكلمنا بعديها التكويني والتمويني ويناسب مفهوم القوة في الانفال .6والحماية تناسب القوة العسكرية :رباط الخيل.وأهم شيء في هذه الوظائف وخاصة في أصلها وجهازها العصبي المركزي (البحث العلمي) هو تحقيق غاية الأنفال 60المهابة التي تردع الأعداء بالقوتين.الآن صرنا جاهزين لدراسة وظيفة الحماية بنفس المنطق الذي درسنا به وظيفة الرعاية: وفروعها الأربعة فالحماية الداخلية 2والحماية الخارجية 2والأصل .1اشرت إلى أن الطرق والأدوات هي لب البعدين المتقدمين والبعدين المتأخرين عنه .فما هي هذه الطرق والأدوات :المبدعات الرمزية وترجماتها التقنية.اكتشفت الإنسانية بعد طول تجريب وتخيل أنها النماذج الرياضية للطرق وأجهزة الإدراك للأدوات .وكلاهما مبدعات متعينة في الرموز وفي الآلات.العلوم الزائفة تجاهلت عالم الشهادة وانشغلت بعالم الغيب فعميت عن رؤية الحل ولم تتخيل ما يقبل التجريب في عالم الشهادة مكتفية بالرجم بالغيب.والأخطر أنها عميت عما وجه إليه القرآن لطلب الطريقة :فهو يعتبر الطبيعة تتكلم رياضيا والتاريخ يتكلم خلقيا .لكن الرجم بالغيب أهمل العلمين.تصوروا الطبيعة فوضى والأخلاق كلاما .لكن الطبيعة نظام به يستدل القرآن والأخلاق سياسة ذات قيم لتحرير الإنسان من العبوديتين بالإنتاجين.والعبوديتان هما طاغوت التربية أو الكنسية وطاغوت الحكم أو الحكم بالحق الإلهي أو بالتغلب .فيفسد التكوين والتموين بالاستبداد والفساد فيهما.وكل رعاية بفروعها وأصلها وكل حماية بفروعها وأصلها طريقتها رياضية وأداتها تقنية. ومن لم يفهم ذلك يكون أعمى فلا يفهم الدين ولا الفلسفة. 66
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 12
Pages: