Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore شروط الاستئناف هي شروط السيادة المادية والروحية

شروط الاستئناف هي شروط السيادة المادية والروحية

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-08-09 20:32:48

Description: شروط الاستئناف هي شروط السيادة المادية والروحية

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪re nils frahm‬‬ ‫شروط الاستئناف‬ ‫هي شروط السيادة المادية‬ ‫والروحية‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪8 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪13 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪19 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪24 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫لم يعد يخامرني شك في أن الأمة بدأت تستأنف دورها أو لنقل بشيء من التواضع أنها‬ ‫بدأت تتحسس شروط الاستئناف وتستعد لها بأن تحقق ما حققته المرحلة المكية من تاريخ‬ ‫الأمة أي تكوين الجيل الذي سيعيد التأسيس لما يمكن أن أسميه الموجة الثانية من دور‬ ‫الإسلام في العالم مستفيدة من الموجة الأولى‪.‬‬ ‫الموجة الأولى تتفوق على الثانية بأنها كانت تتميز بالتلاحم الحميم بين التاريخي وما بعد‬ ‫التاريخي لأن صوت المتعاليات كانت \"شبه بث مباشر\" يعيشها الجيل الاول مع المتعاليات‬ ‫المتعلقة بشروط الاستعمار في الأرض وبشروط الاستخلاف فيها بطموح كوني لا يخامره شك‬ ‫في وعود صادقة أو تردد في الأقدام‪.‬‬ ‫لكن الموجة الثانية تتفوق على الموجة الأولى بتجربة تاريخية مدتها ‪ 14‬قرنا‪ .‬وعند‬ ‫المقارنة بين التفوقين نجد أن حضور المثال كان ينقصه التجربة وحضور التجربة قد ينقصها‬ ‫المثال‪ .‬وما يصل التجربة بالمثال هو الاشرئباب إلى المتعالي وما يصل المثال بالتجربة هو‬ ‫الاتعاظ بالمتداني‪ :‬لابد من ثورتين‪.‬‬ ‫فالاشرئباب إلى المتعالي يقتضي ثورة في نظرية القيم‪ .‬والاتعاظ بالمتداني يقتضي ثورة‬ ‫في نظرية المعرفة‪ .‬ولهذه العلة فلا بد أن تسائل الثورة الأولى ما حل بالاشرئباب للتعالي‬ ‫من كثرة التواني وأن تسائل الثانية ما حل بالاتعاظ بالتداني من عدم التفاني‪:‬‬ ‫‪ .1‬التواني القيمي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وعدم التفاني المعرفي‪.‬‬ ‫لم أجمع بين التواني وعدم التفاني حبا في السجع بل لأن المفهومين يقولان نفس الشيء‬ ‫جتى وإن اختلفا لحاجة الثاني للسلب حتى يبين ما في الأول منه‪ :‬فكلاهما تراخ في انجاز‬ ‫شرطي مهمة الإنسان ليكون كما عرفه ابن خلدون استيحاء من القرآن الكريم \"رئيسا بطبعة‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فلا يكون الإنسان رئيسا إذ فقد أحد الشرطين‪ :‬تعمير الأرض بقيم الاستخلاف‪ .‬وإذا‬ ‫الاستخلاف يمثل القيم التي تعبر عن الاشرئباب والتواني القيمي فإن تعمير الأرض يمثل‬ ‫الاتعاظ بالتاريخ‪ .‬فما مرت به الأمة من الهزائم علته أنها لم تتعض بالتاريخ ولم تطبق‬ ‫الأنفال ‪ 60‬بسبب عدم التفاني المعرفي‪.‬‬ ‫وهذه مسائل خصصت لها الكثير من المحاولات‪ .‬ما أريد الكلام فيه اليوم هو المشكل‬ ‫التالي‪ :‬هي يوجد في الأمة حاليا جيل يمكن أن يعتبر بمعيار الجليل المكي قادرا على أن‬ ‫ينتقل إلى الجيل المدني أعني الجيل الذي حصل على التربية التي كونت المشرئب للمثل‬ ‫لينتقل إلى الجيل المتعظ بالتاريخ؟‬ ‫لو لم يحصل الربيع العربي ولو لم يتقدم عليه بعض التجارب الناجحة في الإقليم من دار‬ ‫الإسلام (تركيا مثلا) وخارجه (ماليزيا مثلا) ولو لم يصمد الربيع العربي رغم تكالب‬ ‫الاستعمار وذراعيه وكل الأنظمة العميلة ولم يستأنف الربيع في قطرين كبيرين على الاقل‬ ‫لكان بحثي اليوم سابقا لأوانه‪.‬‬ ‫صحيح أني شديد التفاؤل كلما تعلق الامر بمستقبل الإسلام الأمة وهو تفاؤل مصدره أولا‬ ‫إيمان عميق بمنزلة الأمة شاهدة على العالمين وهو وعد يتضمن بعدم الأفول التاريخي‬ ‫وثانيا ما أزعمه من أني خلال البحث عن البنية العميقة للقرآن تبينت لي استراتيجيته‬ ‫ومنطق الرسول وجاذبية الإسلام في كل ظرف‪.‬‬ ‫فحتى في أحلك الظروف ورغم توالي الهزائم في الصليبيات والمغوليات الشرقية‬ ‫والاسترداديات والاستعماريات والمغوليات الغربية (أمريكا هي مغول الغرب) لم يتوقف‬ ‫الإسلام عن الانتشار حتى صار أهله في كل المعمورة وصار يمثل خمس البشرية ولهم عنفوان‬ ‫حيوي لا يضاهيه عنفوان‪ .‬وبهذا النسق سيصبح قريبا أول مجموعة دينية في العالم‪.‬‬ ‫ولما كان ما به يتفوق عليها ما حاربنا ولا يزال أعني التقدم العلمي والتقني لم يعد من‬ ‫البعائد بل صار في المتناول بمجرد استعادة الطموح ومن ثم فالعامل الديموغرافي حامس‬ ‫والمشكل لم يبق قضية الاستئناف هل هو ممكن بل متى يتحقق‪ .‬ليس هل سيوجد الاستئناف‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بل متى ستبدأ مفاعليه في اتيان أكلها‪ .‬ومتى تحدد بما وصفت نجاح بعض التجارب والربيع‬ ‫وصموده وانتقاله إلى الموجة الثانية قبل أن يهزم فالأمر آت لا ريب فيه‪ .‬فما يحدث في‬ ‫الجزائر الآن‪-‬وقد توقعته‪-‬له دلالتان لا يمكن أن يغفل عنهما ذو بصيرة‪:‬‬ ‫‪ .1‬فأولا كل من كان يتصور أن الشعب الذي كان ذروة التحرير قد ينهزم بسبب تجربة‬ ‫العقد الأخير من القرن الماضي فلا يقدم على المشاركة في ذروة التحرر بل وعلى أن يكون‬ ‫هو ذروتها كما كان ذروة معركة التحرير‪.‬‬ ‫‪ .2‬وثانيا ما قضت الجزائر عقدين لاستعادة عنفوان الشعب الثائر بعد ما ضرب ضربة‬ ‫ظنوها قاضية لن تنتظر سوريا نفس المدة لأنها ما لم يساعد الجزائر في الاستعادة الجزائر‬ ‫تحققه لسوريا حتى لا تتأخر الاستعادة خاصة والثورة السورية لم تنهزم بخلاف ما يتوهم‬ ‫أعداؤها الذي فقدوا سلطانهم على الأحداث‪.‬‬ ‫فإيران ومليشياتها وبوتين والنظام كلهم في مرحلة الاحتضار السياسي والاقتصادي وحتى‬ ‫العسكري فضلا عن القدرة على مساعدة النظام للقيام بأدنى وظائف الدولة ما يجعله الآن‬ ‫عاجزا عن منع الموجة الثانية من الثورة لاستحالة أن يعسكرها ثانية عجزا ماديا فضلا عن‬ ‫انسداد أبواب المناورة‪ :‬حجة داعش لم تعد لها فاعلية الإلهاء التي كانت لها‪.‬‬ ‫لذلك فغدا سيخرج الشعب السوري كله من بقي منه في سوريا ومن هو خارجها ليعيدوا‬ ‫كرة الثورة السلمية من جنس ما يجري حاليا في الجزائر ولن يستطيع النظام عمل شيء‬ ‫وكذلك مليشيات إيران وطيران بوتين‪ .‬ولم يبق إلى المصريون‪ .‬وقد آن أوان النزول‬ ‫بكثافة ولا أعتقد أن الأمر سيتأخر كثيرا‪ :‬وصلنا إلى القشة التي ستقصم ظهر البعير وهي‬ ‫من جنس بداية الثورة‪.‬‬ ‫وينبغي أن تتخلى النهضة في تونس عن وهم الانتخابات المقبلة لأنها رهن ما سيحدث في‬ ‫الجزائر ولم يعد ما يجري في تونس هو المحدد‪ .‬وفي كل الاحوال هذا المجرى ليس محددا‬ ‫لموقفها وحده فحتى الباجي وكل الساعين للاتحاد ضدها ليس لهم بد من انتظار ما سيتحدد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في الجزائر وخاصة إذا \"استرجل\" شباب مصر وآن له أن يسترجل لأنه \"وخر وخر ظهر‬ ‫البهيم وفا\"‪ :‬فمن لم يثر لعرضه بعد أرضه فهو ليس أهلا لمعاني الإنسانية‪.‬‬ ‫وإذا تخاذل المصريون فخذلوا سوريا وخذل إسلاميو تونس الجزائر فمعنى ذلك أن‬ ‫الإسلاميين لا يختلفون عمن خان حرب التحرير وأرادها قطرية ضد الموقف الذي كان‬ ‫يفضل أن تكون على الأقل اقليمية بمعنى مغربية ومشرقية وهلالية وخليجية وافريقية‪.‬‬ ‫فالثورة المضادة لم تعد قطرية بل هي إقليمية‪.‬‬ ‫وإذا كانت الثورة المضادة رغم أن لها تأييد ذراعي الغرب والغرب لم تبق قطرية بل هي‬ ‫تخطط وتعمل باستراتيجية اقليمية فكيف بالثورة إذا كان بحق ثورة وتريد توفير فرص‬ ‫النجاح أن تبقى كلا فرعا بما لديه كما فعل الجيل الذي خذل حرب التحرير رغم أن‬ ‫القيادات كانت متفقة على حرب تحرير اقليمية؟‬ ‫ثم من له ذرة من عقل يعتقد أنه بالقطرية يمكن أن يصبح ذا سيادة وهو عاجز عن‬ ‫التنمية المادية والعلمية بسبب الحجم القزمي لدول ليس لها من الدولة إلا الاسم لأن‬ ‫الدولة تعني السيادة ولا يكون سيدا من يعجز عن الحماية والرعاية‪ .‬المتسول لا سيادة‬ ‫له‪ .‬ومن ثم فسيكونوا دمى مثل الأنظمة السابقة‪.‬‬ ‫ولست أعني بالتخلي عن وهم الانتخابات التخلي عنها بل عنه‪ .‬ومعنى ذلك أنها لن تحل‬ ‫شيء ولن تحقق لا الديموقراطية ولا عدم التراجع عن كل ما تحقق من حريات لأن ما‬ ‫يحدث في مصر يبقى دائما ممكنا إذا لا قدر الله فشلت ثورة الجزائر أو تم التلاعب بها‬ ‫بنفس مسرحية الجيش في خدمة الشعب أو المنقذ‪.‬‬ ‫وإذن فالسؤال الذي علينا طلب جوابه هو‪ :‬هل الثورة استعدت حقا لبناء الدولة بشروط‬ ‫السيادة أم إن المتزعمين أو المتكلمين باسمها يتوهمون أن الثورة هي أخذ الحكم بالشروط‬ ‫الحالية التي لا يترتب عليه إلا تعويض العملاء الحاليين بعملاء جدد وهذا لا يزعج‬ ‫الاستعمار ولا حتى العملاء الحاليين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فأغلب ما سـمي ثورات في القرن الماضي كان انقلابات من هذا النوع الذي تعده المخابرات‬ ‫الغربية‪ .‬فقد ساهم الاستعمار وعملاؤه في سياسة \"تبديل السروح فيه راحة\" أي تعويض‬ ‫عملاء اهترأت صورتهم في دور نائب المستعمر بعملاء جدد يظن أنهم ناطقون باسم القومية‬ ‫أو الاشتراكية أو حتى باسم الإسلام بحسب المناخ المحلي والإقليمي‪ .‬ولما حدثت ثورة شعبية‬ ‫فعلية دون انقلابات سموها مؤامرة \"عبرية\"‪.‬‬ ‫ولأكن مغاليا‪ :‬فبعد تفتيت الجغرافيا (سياكس بيكو) وتشتيت التاريخ الذي حققه من‬ ‫نصبوا على الفتات الجغرافي الذي يسمونه دولا وهي محميات وبعد الحرب على اهم مقومات‬ ‫الأمة أي لغتها ودينها وثقافتها عامة ومعالمها كل من يأتون به ولا يعتبر مهمته إزالة ذلك‬ ‫عميل رغم أنفه لأنه المحميات فاقدة لشروط السيادة مهما تطاوس حكامها ونخبها‪.‬‬ ‫وهذا صحيح حتى بالنسبة إلى ما يتصور دولا عربية أو إسلامية كبيرة‪ .‬فأكبرها سيبقى‬ ‫أصغر من أصغر أي دولة أوروبية تحميها مجموعة اتحدت لتحقيق شروط السيادة حماية‬ ‫ورعاية‪ .‬فما فهمت ألمانيا ضرورته تجد بعض الإمارات التي حجمها يجعلها أقل من حي في‬ ‫تونس تتكلم على أنها سبارطة مثلا‪.‬‬ ‫ولو كان هؤلاء الأقزام يفهمون معنى السيادة وحتى معنى الثراء لما رأينا منهم العجب‬ ‫العجاب‪ .‬فهم عندي أشبه بفقير وجد \"خزنة\" فيها بعض الملاليم فتصور نفسه غنيا وبدأ‬ ‫يعتدي على أجواره وينتفخ ويتضخم حتى ينفجر فيعوضه من نصبه بغيره‪ .‬وهذا الكلام‬ ‫يصح على كل ساسة العرب دون استثناء مغربا ومشرقا‪.‬‬ ‫فإذا أضفت إلى ذلك حمق المستشارين الذين ينفخون في \"سياداتهم\" ويقولون ما يزيد‬ ‫التفتيت تفتيتا والتشتيت تشتيتا فهمت النكبة التي تعيشها الثورة‪ :‬فعندما يتكلم أحد على‬ ‫ثورة الجزائر على أنها عربية فهو لا يدري مقدار الضرر الذي يحدثه لهذه الثورة‪ .‬فهي‬ ‫ليست عربية بل هي ثورة الجزائريين فقط‪.‬‬ ‫وقد حذرت الأخوة العرب من الكلام على المغرب بلغة المشرق‪ .‬وكان ينبغي ألا توجد هذه‬ ‫اللغة حتى في المشرق‪ .‬والسر فيها هو توهم الكلام على العروبية يزيل الخلاف الديني بين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المسيحية والإسلام فجعلوا القومية فوق الدين والنتيجة خسروا هذا ولم يربحوا تلك لأن‬ ‫الدين الموحد عوضته الطائفية التي سيطرت وخاصة في البلاد التي تدعي التقدم والعروبة‬ ‫(لبنان)‪ .‬ونعلم ميول الجل ولا معنى للاستثناء‪.‬‬ ‫وقد تكون هذه الخدعة في المشرق قد ساعدت على الإطاحة بالخلافة لكنها لم تساعد على‬ ‫توحيد العرب بل هي زادتهم تفتيتا فـخسروا العامل الأساسي في وحدتهم واعتمدوا على‬ ‫وهم القومية فكان أن حركوا العرقيات والقوميات بالإضافة إلى الطائفيات والنكبة نراها‬ ‫خاصة في سوريا والعراق وفي لبنان وهي بصدد الانتشار في بقية الاقطار في شكل حرب على‬ ‫السنة خاصة‪.‬‬ ‫ولذلك فأكثر الناس طائفية هم أكثر الناس اتهاما للسنة بها رغم أنها براء منها وإلا لما‬ ‫بقيت هذه الطوائف‪ .‬لذلك رجاء اتركوا المغرب لأهله الأدرى بأمره ولا تتكلموا عليه‬ ‫بالعروبة‪ .‬وإذا تكلمتهم عليه بالقوميات فعليكم حينها أن تقولوا كما أقول فتذكروا أهم‬ ‫مقوميه أي العرب والأمازيغ بكل تلوناتهم تجنبا لهذه الحماقات التي أسمعها من محللين‬ ‫يعتبرهم الكثير كبارا في الكلام على المغرب‪.‬‬ ‫فالجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا ليست عربية فسحب بل هي أمازيغية عربية‬ ‫متحدة في وطنية قطرية بالاسم الذي اشتهرت به ويوحد بينها الإسلام شعبيا وحديثا ربما‬ ‫بالنسبة إلى النخب آثار من ثقافة الاستعمار الأوروبي (الفرنسي والإيطالي والاسباني‪:‬‬ ‫وثلاثتها من أوروبا اللاتينية وليس الجرمانية)‪ .‬تلك هي قوتها‪.‬‬ ‫وهذا الوصف يصح كذلك إذا تكلمنا على القوميات في جل بلاد العرب المشرقية أو على‬ ‫الأقل في الهلال أي العراق والشام‪ .‬فهي بلاد عربية كردية تركية‪ .‬وكان يمكن إذ استغنينا‬ ‫عن الأقليات أن نسميها إسلامية لأن كل من هو غير هؤلاء الثلاثة أقلية سواء كانت قومية‬ ‫أو دينية أقلية عددية وليس مواطنة في الحقوق والواجبات‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أنك لو قلت عراقي لما احتجت لهذا التصنيف‪ .‬لكن لا يمكن أن تسمي العراقي‬ ‫عربيا وتسكت‪ .‬فهو إما عربي أو كردي أو تركي وكذلك السوري‪ .‬ولا يعني ذلك أنك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫استثنيت بقية الأعراق بل هو تطبيق لمبدأ تعريف الدول بأغلبيتها دون إهمال حقوق‬ ‫اقلياتها‪ .‬وهذا من شروط تجاوز سايكس بيكو والتغلب على التفتيت الذي هو سر ضعف‬ ‫الأمة‪.‬‬ ‫وأختم الفصل الأول بملاحظة مهمة جدا‪ .‬فما حصل في أوروبا لفرض عرق على أنه ممثل‬ ‫وحيد لسكان دولة من دول أوروبا الحديثة لغة وثقافة لم يعد ممكنا‪ .‬ولما كان ممكنا‬ ‫أصبحت فرنسا تسمى باسم احد أقوامها ومثلها ألمانيا وجل دول أوروبا وأزيلت جل الاقليات‬ ‫لأن العصر غير عصرنا‪ .‬وكان يمكن فرنسة القوميات الأخرى أو ألمنتها لكن هذا مستحيلا‬ ‫في عصرنا‪ .‬وحتى لو حاولناه‪-‬وهو منهي عنه قرآنيا لان التنوع والتعدد يعتبر فيه من آيات‬ ‫الله الدالة على الحكمة‪-‬فهو سيفتح باب التدخل باسم الأقليات لأن بقاءها صار من مصلحة‬ ‫الدول الاستعمارية‪.‬‬ ‫والدليل حقوقي في عصرنا وتاريخي‪ .‬فحقوقيا لم يعد بوسع أي دولة أن تفرض على‬ ‫أقوامها ثقافة أحدها (حقوق الأنسان) وتاريخيا فشلت كل محاولات التعريب والتتريك‬ ‫بقوة القوم الذي بيدهم الحكم‪ .‬وهي لم تفشل بسبب الحقوقيات بل لأن المستعمر كان‬ ‫يحول دون ما طبقه عنده عندما وحد الأقوام لديه بالعنف‪.‬‬ ‫ولذلك فكل المتكلمين على الجزائر بلغة العروبة إن كان بـحسن النية فهو جاهل بما يجري‬ ‫وإن كان بسيء النية فما حصل في الشرق درس لذي عقل‪ :‬تقديم العروبة على الإسلام لم‬ ‫يفد العرب بل هو مثل أكبر نكبة أدت بالعملاء من حكامهم إلى خسران العاملين فلم يبقوا‬ ‫عربا ولا مسلمين وأقصد المستهدفين منهم أعني العرب السنة لأن غيرهم من العرب حليف‬ ‫أعداء الأمة منذ الفتنة الكبرى‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المنطلق في العلاج هو إذن طبيعة رهان الثورة‪ :‬هل هو استبدال عملاء الأمس بمن سيكون‬ ‫هو بدوره عميلا في النهاية حتى لو كان بأخلاق الرسل (دون بعد نظرتهم الاستراتيجية)‬ ‫لأن شروط التحرر منها ليست هي غاية الثورة أم هو طلب هذه الشروط وجعلها هي الغاية‬ ‫من الثورة وليس مجرد الوصول إلى الحكم‪.‬‬ ‫فطلب الحكم يمكن لأعداء الأمة أن يساعدوك عليه حتى تصبح في فخه وتضطر شرطا‬ ‫لبقائك إلى أن تصبح مثل الذين سبقوك لأنهم أرادوك أن تكون وجها جديدا ذا مصداقية‬ ‫في القدرة على اخفاء بقاء الاستعمار غير المباشر عن طريقك فإن ذلك هو الخطر الحقيقي‬ ‫الذي يهدد ثورة الربيع في إقليمنا ولم أقل العربي‪ .‬وما سمعت عربيا يبالغ في ادعاء فضل‬ ‫العرب على غيرهم من المسلمين واعتبره أبعد الناس عن الإسلام وأكثرهم خيانة للعرب‪.‬‬ ‫فلا يزايدن أحد علي في العروبة‪ .‬فأنا عربي قح ولست أعرابيا‪ .‬لذلك فأنا لا اعتبر‬ ‫العرب أفضل من الأقوام الأخرى التي اعتمدت عليها حضارة الإسلام وخاصة حماية داره‪:‬‬ ‫فكل شعوب العالم أسهمت في ذلك ولم تدم مرحلة الدور العربي أكثر من قرن ونيف والبقية‬ ‫تعود للقرآن والعربية وليس للعرب كقوم‪ :‬هما العاملان الكونيان‪.‬‬ ‫وكل من يتكلم باسم العروبة في الربيع يفسده لأنه بدأ جزائريا وهو عربي أمازيغي ثم‬ ‫صار تونسيا فمصريا فليبيا فسوريا إلخ‪ .‬وكل هؤلاء ما يوحدهم ليس العرق والقوم بل‬ ‫الحضارة الإسلامية التي لم تلغ ما تقدم عليها بل اعتبرتها من مثرياتها وأصحبت بالقرآن‬ ‫والعربية حضارة عالمية‪ :‬تلك هي غاية الاستئناف‪.‬‬ ‫وهذا هو موضوع المحاولة‪ :‬كيف نحقق شروط الاستئناف‪ .‬والجواب كلمة واحدة‪ :‬نتجاوز‬ ‫تفتيت سايكس بيكو للجغرافيا وما ترتب عليه من تشتيت الأنظمة العميلة التي نصبوها‬ ‫للتاريخ‪ .‬لذلك فالربيع لن ينجح ما لم يحقق هذه الغاية‪ .‬وهو لا يحققها إذا عاد إلى‬ ‫الكذبة التي ساعدت على التفريط في الفرصة الأولى أعني التوحيد مع التحرير في القرن‬ ‫الماضي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الجواب هو إذن‪ :‬كيف يتم التوحيد خلال التحرر الذي يستكمل التحرير؟ فنجمع بين‬ ‫العلة والمعلول‪ .‬فالعلة هي التفتيت والتشتيت‪ .‬والمعلول هو الاستعمار والاستعباد‪ .‬والعكس‬ ‫هو إعادة التوحيد للتحرير من الاستعمار والتحرر من الاستعباد الذي تكفل به عملاؤه من‬ ‫بعده في ما سموه دولا وطنية وهي محميات استعمارية‪.‬‬ ‫لكن هذا الجواب السهل لا يتعلق إلا بتحديد الغاية التي هي شرط غائي وهو أيسر امر‬ ‫في القضية رغم أن تحديده البين ليس يسيرا لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون‪.‬‬ ‫فشكليا شرطه فهم الوضعية الاستراتيجية التي تحول دون بيان مقوماته ومضمونيا شرطه‬ ‫وجود الجيل الذي يكون مؤمنا بضرورة الاستئناف‪.‬‬ ‫ولهذه العلة جمعت في المحاولة الشرطين الشكلي والمضموني‪ .‬وبدأت بالشكلي أي‬ ‫بالوضعية الاستراتيجية التي نتجت عن فشل سايكس بيكو في قتل الطموح عند شباب الأمة‬ ‫بجنسيه الذي جعل غايته شروط السيادة التي هي شروط الاستئناف لدور الأمة الكوني‪.‬‬ ‫وبينت أن ذلك هو علة تفاؤلي بعلة إيمانية وتاريخية‪ .‬وأمر الآن إلى المضموني‪ .‬وهو‬ ‫الأعسر‪ .‬وفيه عدة مسائل وسأكتفي بأهمها‪:‬‬ ‫• لماذا عرفت الدولة بوظيفتين؟‬ ‫• لماذا اعتبرت الدولة من دون السيادة فيهما ليست دولة بل هي محمية لدولة أخرى لها‬ ‫خاصيات الدولة؟‬ ‫• لماذا يتقدم على هذين القيام بما يشبه علم التشريح وبعلم وظائف الاعضاء لـ\"الكائن\"‬ ‫دولة؟‬ ‫• لماذا التشريح ووظائف الأعضاء يختلف عن مدلولهما في علم الأحياء بل لهما معني‬ ‫يشبه ما لم يكن القدامى يستطيعون استعماله لفهم طبيعة الدولة أعني \"الروبو\" أو الموجود‬ ‫الآلي الذي يحاكي الحي؟‬ ‫• وأخيرا ما الذي يمثل \"السوفت وار\" في الروبو فيجعله قابلا للمقارنة بالكائن الحي؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إذا أجبت عن هذه الأسئلة أكون قد شرحت شروط الاستئناف لشباب الثورة بجنسيه وهي‬ ‫ثورة إقليمية ذات أثر كوني أولا لأن الإسلام تجاوز الإقليم فأصبح بالفعل كونيا وقدم كأنه‬ ‫بالقوة من حيث هو مشروع لتوحيد الإنسانية لا يعتبر دولته محدودة بإقليم معين بل هي‪:‬‬ ‫شهادة على العالمين أي البشر كلهم‪.‬‬ ‫والبداية تكون بالقلب في هذه المعادلة أي بالثالث الذي هو الحد الأوسط بين الاثنين‬ ‫المتقدمين عليه والاثنين المتأخرين‪ .‬فالكائن دولة ووظائف أعضائه يتقدم عليها فيها‬ ‫وظيفتاها وسيادتها ويتأخر عنها فيها المماثلة بالروبو وما يؤدي وظيفة السوفت وار فيه علة‬ ‫للمقارنة بالحي فرديا وجماعيا‪.‬‬ ‫وهذه المعادلة شديدة التعقيد لأنها مبنية على مفهوم الدولة بوجهي جانوس‪ .‬فكل دولة‬ ‫تتحدد داخليا بجماعتها وخارجيا بكل الجماعات المحيطة بها‪ .‬ومفهوم الجماعة كل جماعة‬ ‫تتحدد بقسطها من الأحياز وبمن تتحدد أحيازه بالجوار مع أحيازها مكانا وزمانا وثروة‬ ‫وتراثا ومرجعية‪ :‬تلازم العيني والكوني في كل لحظة من لحظات تاريخ الإنسانية‪.‬‬ ‫وهو تلازم له مساران متقابلان‪ .‬فالعيني يتكاون والكوني يتعاين‪ .‬فـما كان عينيا يصبو‬ ‫إلى الكونية‪ .‬وما كان كونيا يصبو العينية‪ .‬فيتحقق مفهوم الوحدة الإنسانية في كل شيء‪.‬‬ ‫وهو مفهوم وضعه القرآن كمثال وحرفه الناس في التاريخ بإخضاعه لـ\"أمر واقع\" بدا وكأنه‬ ‫في حرب مع المثال نفيا للتعالي الذي ظن تخلفا‪.‬‬ ‫وكل الذين يتساءلون السؤالين الاغبيين في تاريخنا مثلوا هذا الظن‪:‬‬ ‫• سؤال لماذا تقدموا وتأخرنا والقصد مقارنة حالنا بحال الغرب‬ ‫• والثاني وهو نتيجة الاول فلنثر على ما يظن علة تخلفنا لأنهم تقدموا لما ثاروا على‬ ‫سميه الذي هو علة تخلفهم‪.‬‬ ‫والأول سؤال الإسلاميين والثاني سؤال العلمانيين‪ .‬لذا سميت الفريقين كاريكاتور‬ ‫التأصيل وكاريكاتور التحديث‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فالأول تصور أن على تخلفنا أننا لم نطبق الإسلام الذي صاعته علوم الملة وهي‬ ‫عين تحريف الإسلام بمعنى أنهم يؤمنون من حيث لا يعلمون بـ\"دواني بالتي هي الداء\"‪.‬‬ ‫‪ .2‬والثاني تصور الحداثة هي ما تلا هيجل وماركس وإيديولوجيا التحديث المستبد‬ ‫التي تعلمها من الاستعمار وجلهم من أبناء علمة في مزارعه أو في إدارته أو خاصة في‬ ‫\"القوادة\" لمخابراته‪.‬‬ ‫كاريكاتور التأصيل يتصور بناء المستقبل ممكن بتكرار الماضي دون فهم علل فشله الذي‬ ‫هو يمثله حاضرنا وهو ما سميته فساد علوم الملة الخمسة (التفسير أصلا والكلام والفلسفة‬ ‫فرعين نظريين عقديين والفقه والتصوف فرعين عمليين تشريعيين)‪ .‬وكاريكاتور التحدي‬ ‫يتصور المستقبل في نسخة مسيخة تكرر تاريخ الغرب الحديث الذي لا يعلم منه إلى أدنى‬ ‫ما فيها‪.‬‬ ‫لا أحد منهما وضع السؤال بصورة كلية كما يقتضي ذلك أي تشخيص للحال بتأويل‬ ‫الاعراض في لحظة العلاج وتكوينية المرض ومن ثم فكلاهما تصور الحل في محاكاة تجربة‬ ‫فاشلة أولاهما فاشلة في عمارة الأرض والثانية فاشلة في قيم عمارتها بحيث كلاهما يصف‬ ‫علاجا هو عين مرضي الإنسانية الحالية‪ .‬وبصورة أدق هو عين وجه المرض الواحد الذي‬ ‫تعاني منه الإنسانية‪:‬‬ ‫‪ .1‬نفي الأخوة البشرية (النساء ‪.)1‬‬ ‫‪ .2‬ونفي المساواة بين البشر (الحجرات ‪.)13‬‬ ‫وهما المبدآن اللذان يعمان التجربتين اللتين يريد الكاريكاتوران تكرارهما وهما بذلك‬ ‫يحرفان كونية القيم الكونية الواحدة في الديني والفلسفي السويين‪ .‬فغير السوي في‬ ‫الديني والفلسفي هو أيضا كوني وهو تحريفهما‪ .‬وذلك ما يعنيه القرآن من خلال درسه‬ ‫لعلل فشل التجارب السابقة في كل الرسالات المتقدمة على الإسلام‪ .‬وهو درسها بمنطق‬ ‫\"التصديق والهيمنة\" بمعنى أنه يحاول تحريرها مما حصل من تناف بين الأمر الواجب‬ ‫والأمر الواقع في تاريخ البشرية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فضل ابن خلدون الأكبر في تاريخ الفكر الإنساني عامة فهو محاولة بيان أن قوانين‬ ‫الطبيعة وسنن التاريخ تثبت صحة الرؤية القرآنية التي تبين أن التهديم الذاتي للجماعات‬ ‫والأمم علته عدم تشخيص ما يترتب من أدواء على عدم قهم العلاقة بين الأمرين الواجب‬ ‫والواقع في علاقة الإنسان بمحيطة وبذاته‪.‬‬ ‫ولذلك فهو قد صاغ المشكل كونيا ولم يقابل المقابلة السخيفة بين \"نحن\" و\"الآخرين\" التي‬ ‫يتغنى بها جماعة الخصوصية الحمقاء‪ .‬فسمى علمه \"علم العمران البشري (العلاقة‬ ‫بالطبيعة) و(علم) الاجتماع الإنساني (العلاقة بالتاريخ الإنسان\" أي العلاقة بمصدري‬ ‫قيام الإنسان أو بأحيازه الخمسة بما هو إنسان‪.‬‬ ‫ولم يكتف بذلك بل اعتبر العلاقة بين الدولة والجماعة باستعمال اصطلاح أرسطو‬ ‫معروف هي من جنس العلاقة بين الصورة والمادة‪ .‬وطبعا المصطلح رغم ارسطيته فهو‬ ‫مستعمل في معنى لا يوجد عند أرسطو‪ .‬ذلك أن ارسطو يعتبر المادة منفعلة والصورة فاعلة‪.‬‬ ‫وابن خلدون ينسب لكل منهما فاعلية كلتاهما تاريخية‪.‬‬ ‫فالمادة ليست الجماعة والصورة ليست الدولة بل فعل الجماعة وفعل الدولة أو بصورة‬ ‫أدق تفاعلهما‪ :‬فالأولى تفعل بسد الحاجات العضوية والثانية تفعل بسد الحاجات‬ ‫الروحية‪ .‬فالأولى هي فاعلية الطبيعة في التاريخ الثقافي والثانية هي فاعلية التاريخ‬ ‫الثقافي في الطبيعة‪ :‬مفهومات شديدة التجريد‪.‬‬ ‫وطبيعي الا يتمكن كاريكاتور التأصيل من فهم هذه المعاني‪ .‬وأكثر منه عمى بصيرة‬ ‫كاريكاتور التحديث‪ .‬الأول ما يزال يخرف حول أصالة يظنها متمثلة في الخصوصيات التي‬ ‫هي تحريف الكليات الكونية التي حددها القرآن‪ .‬والثاني يبحث عن السبق فيقارنه بكونت‬ ‫أو ماركس وهو أعمق منهما ألف مرة ولا يقبل أي منهما المقارنة معه حتى وإن كان الشكل‬ ‫عندهما متوفقا عليه بالشكليات الفلسفية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ورغم أني أول من وضع نظرية الأحياز الخمسة فإني في الحقيقة واعترافا لصاحب‬ ‫الفضل بفضله يمكن أن اعتبرها مستمدة من نظرية ابن خلدون التي وصفت الآن لأنه‬ ‫اعتبر مادة العمران عائدة إلى ثمرة الانتاجين السادين للحاجات أي الاقتصاد والثقافة‪.‬‬ ‫وكلاهما ثمرة التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ‪ .‬والمقدمة بنيت على هذين المفهومين‬ ‫وثمراتهما كما بينت في بحوث سابقة‪.‬‬ ‫وقد ترجمت عمله بلغة أدق بوضع مفهوم الحيز وتأصيل ذلك بمفهوم المرجعية حتى يتم‬ ‫الانتقال من الخلدونية الأولى إلى الخلدونية المحدثة التي اطمع في بيان معالمها تماما كبيان‬ ‫معالم الحنيفية المحدثة في المحمدية قياسا إلى الابراهيمية والسلفية المحدثة التيمية‬ ‫الخلدونية قياسا إلى الحنبلية الأشعرية‪.‬‬ ‫نبدأ البحث انطلاقا من قلب المعادلة‪ :‬تشريح الكائن \"دولة\" ووظائف أعضائه‪ .‬هنا نطبق‬ ‫على الدولة ما يطبق عادة على الكائن الحي‪ .‬لكن الدولة ليست كائنا حيا بل هي منظومة‬ ‫جهازية شبه \"مكنة\" مكوناتها هي المؤسسات التي تعمل بها بمقتضى القوانين التي تنظمها‬ ‫وتنظم نشاطها‪.‬‬ ‫إنها لا تعمل بذاتها وإذن فهي ليست كائنا حيا والحي فيها هم القيمون عليها وقد تميتهم‬ ‫أحيانا فيصبحون آلات مثلها‪ :‬ومن ذلك الروتين الإداري مثلا وجمود المؤسسات وطرق‬ ‫العمل‪ .‬وإذن فنحن نقارن مكونات النظام الجهازي (من هنا التشريح‪ :‬أناتومي) وبوظائف‬ ‫المكونات (وظائف الأعضاء‪ :‬فيزيولوجيا)‪ .‬لكن العبارتين تشريع ووظائف عبارتان مبنيتان‬ ‫على قياس ووجه شبه في الأعضاء والوظائف يضفي الحياة على النظام الجهازي أو يلغي‬ ‫الحياة عن النظام العضوي لو صحت المقارنة وكانت مطابقة حقا وهو ما ينفيه عدم الفعل‬ ‫الذاتي‪.‬‬ ‫غياب الفعل الذاتي في النظام الجهازي وفي الوظائف يعين أن \"الكائن دولة\" لا يكفي‬ ‫لتعريفه نظامه الجهازي أي المؤسسات والقوانين بل لا بد له من ملء هذه الخانات الخالية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في الجهاز من حيث هو منظومة آلية بقيمين عليها هم الذين يفعلون بواسطة تلك المؤسسات‬ ‫والقوانين فيضفون عليها خاصية الحي‪.‬‬ ‫وبذلك فتعريف الدولة شرطه الجمع بين المنظومة الجهازية بوصفها خانات خالية‬ ‫والمنظومة التي تحييها أو منظومة السلم التراتبي للقيمين عليها أو لمالئيها ممن تعينهم‬ ‫الجماعة أو يعينهم من عينتهم الجماعة لنيابتها في تعييهم‪-‬إذا كانت حرة‪-‬حتى تصبح دولة‬ ‫دون أن يكون ذلك كافيا لأدائها دورها‪.‬‬ ‫ومن هنا جاء دور العاملين المتقدمين على هذا القلب والمتأخرين عنه‪ :‬لا بد من‪:‬‬ ‫• الوظيفتين‬ ‫• والسيادة لتكون قادرة على تمثيل إرادة جماعة معينة‬ ‫ولا بد من‪:‬‬ ‫• المماثلة بالروبوت جهازيا والسوفت وار قوامة‬ ‫• ومن قابلية المقارنة بالكائنات الحية من حيث الفاعلية الذاتية فرديا وجماعيا‪.‬‬ ‫وأهمية هذا العنصر الأخير يجعل الدولة بهذا المعنى أشبه بالكائن الحي الذي سكون‬ ‫سويا أو مريضا والذي يقبل العلاج بالمعنى الطبي لتحديد مقومات صحته وعلل أمراضه‬ ‫وقابليته للتعافي أو وصوله إلى درجة لا دواء فيها حتى بالكي وهذا رأي ابن خلدون‪ :‬الدولة‬ ‫تمرض وتموت ولا علاج لها في بعض الحالات كما نبين‪.‬‬ ‫ورأيي الشخصي أن كل ما يسمى دولا عربية ليست دولا وحتى لو سلمنا بأنها دول فهي‬ ‫من هذا النوع‪ .‬لا علاج لها حتى بكي الثورة لأنها فاقدة للشروط التي ذكرت والتي يعتبر‬ ‫أهما متعلقا بالنظام الجهازي تشريحا ووظائف أعضاء وبنظام القوامة عليها ملأ لخانات‬ ‫النظام الجهازي وأداء للوظائف لفساد الانتخابين‪ .‬وقد سبق فخصصت لمفهوم الانتخابين‬ ‫وعلل فساده محاولات عديدة ويكفي أن أذكر بأنه على نوعين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول جزء من التكوين لأن التربية تعليم الكفاءات وانتخابها وهو إذن للتكوين‬ ‫المعرفي وللترتيب فيه وفي ما هو أهم منه أعني التكوين والترتيب الخلقيين‪ .‬ذلك أن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الكفاءة المعرفية وحدها يمكن أن تكون أداة شر وتهديم مثلما يمكن أن تكون أداة خير‬ ‫وبناء‪.‬‬ ‫‪ .2‬والثاني جزء من تعيين الخريجين من النظام التربوي في تقسيم العمل في المجتمع‬ ‫بمستوييه المنتج لشروط البقاء والمشرف عليه‪ .‬وهنا يبرز الداءان اللذان ينخران كل‬ ‫الجماعات التي يكون نظامها الأول فاسدا علة وثمرة‪ :‬علة لأن ذلك ما كان ليحصل لو كان‬ ‫هذه صالحا وثمرة لأن هذا ما كان ليتواصل لو أصلح ذاك‪.‬‬ ‫ولما كان من سيكون قيما على المنظومة الجهازية التي تصبح فاعلة بالقيمين هم من تم‬ ‫انتخابهم في التكوين وفي استعمال خريجيه فإن فساد الانتخابين يعني أن القيمين لن يكونوا‬ ‫أهلا للقوامة ومن ثم فهم لن يستعملوا المنظومة الجهازية استعمالها السليم فيكون هم من‬ ‫يهدمون الدولة والمجتمع‪.‬‬ ‫وليس ذلك بالضرورة عن سوء نية بل عن عدم كفاءة‪ .‬وسوء النية يترتب علي ذلك لأن‬ ‫عديم الكفاء بحاجة للتغطية على عدم كفاءته‪ .‬فيكون سوء النية تاليا للتغطية وهو نظام‬ ‫شامل من الأعلى إلى الأدنى لأن الأعلى في سلم الوظائف يعين الأقل كفاءة منه حتى يبقى‬ ‫سيدا فيكون المنحى تنازليا في كفاءة القوامة‪.‬‬ ‫وعندما تكلمنا على المقارنة بالروبوت التي لم تكن ممكنة قبل هذا الاكتشاف التقني‬ ‫الذي هو محاكاة التكنولوجيا للبايولوجيا تصورنا أن الدولة قبل أن تملأ خاناتها الروبوتية‬ ‫بما يجعلها تحاكي الكائن الحي صنعت بحق بكل شروط الفاعلية الجهازية من حيث المكونات‬ ‫التي هي المؤسسات والقوانين الضابطة لعملها‪.‬‬ ‫وهذا أيضا ليس متوفرا في أي دولة عربية‪ .‬فلا يمكن لدولة يحكمها الجيش أو القبيلة‬ ‫أو الأحزاب المافيوزية كحال العرب كلهم لا يمكن أن تكون منظومة جهازية من جنس‬ ‫منظومة الروبوت الجهازية بل ككل ما نراه في بلاد العرب هي أقرب لما نرى عليه أسواقهم‬ ‫وعلاقاتهم من الخداع والنفاق والكذب والغدر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد خصص ابن خلدون فصلا مطولا لهذه المسألة فبين أنها هي المرض الذي لا علاج له‬ ‫والتي تؤذن بموت الدولة التي لن يداويها حتى الكي‪ .‬وهي ما يترتب على الانتخاب‬ ‫بمستوييه‪ .‬فعندما يكون الانتخاب الثاني مواصلا للانتخاب الاول‪ :‬المرض هو انتخاب ثان‬ ‫يملئ الدولة بحثالة الانتخاب الأول‪.‬‬ ‫وهذا هو الداء الذي كان موجودا وفضحته الثورة ثم عاد بأقصى ما يكون بسبب الثورة‬ ‫المضادة وعلامته التي لا تكذب ما يحدث في مصر وفي السعودية وهو حادث في جميع المحميات‬ ‫التي تسمى دولا عربية منذ أكثر من قرن‪ .‬وتلك هي علة الخراب والدمار الذي نراه في‬ ‫تصاعد لا حد له‪.‬‬ ‫فتفهم عندئذ كيف يمكن لجيش أن يخسر حربا في ست دقائق وأن يقوم جهاز مخابرات بما‬ ‫قاموا به لتنفيذ قرار صاحب المنشار ضد الخاشقجي وكل المهازل التي تراها حاليا في صراع‬ ‫الخليجيين في ما بينهم‪ .‬فجميعهم بلا استثناء صاروا قوادة الغرب ضد بعضهم البعض ونفس‬ ‫الأمر بين الجزائر والمغرب‪.‬‬ ‫فهذان يتنافسان من يرضي صهاينة فرنسا أكثر من الثاني من أجل صراع على الصحراء‬ ‫الغربية وفي الأخير سيخرس كلاهما لأن عدم الاتفاق بينهما على حل يجعلها جزءا من مغرب‬ ‫متحد سيؤدي إلى إنشاء شوكة في ظهرهما كليهما لأن صهاينة فرنسا يبحثون عن موقع قدم‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫وما يسمى بالتطبيع مع إسرائيل هو في الحقيقة مجرد البحث عمن يغطي عن مهازلهم‬ ‫وسيطا بينهم وبين أسيادهم الذين نصبوهم على شعوبهم‪ .‬ذلك هو رهان الثورة وإلا فلا‬ ‫معنى لها لأنها من دون أن تبحث عن علل هذه الحال وتعالجها ستعوض قوادة اليوم بقوادة‬ ‫أكثر قوادة شرطا في تنصيبهم بديلا من المحترقين‪.‬‬ ‫وما يجري في الجزائر ومثله ما بدأ يستأنف في سوريا ينبغي أن يكون فرصة لغيرهم حتى‬ ‫يفهموا أن الطمع في تكوين دول ذات سيادة باسم الثورة إذا بقيت قطرية يكذبون لأنهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا يجهلون أن هذه الدول المزعومة ليست دولا بل هي محميات بالجوهر أيا كان من يحكمها‬ ‫لعلل موضوعية هي حال الأحياز‪.‬‬ ‫لا أنفي أن لمن يملأ خانات النظام الجهازي للدولة بكفاءته وأخلاقه دورا مهما حتى لو‬ ‫سلمنا بأن ذلك موجود أولا وبأنه قادر على محو ما ترتب على الانتخابين الفاسدين‪-‬في‬ ‫التربية وتعيين الخريجين كما نراه مثلا في الكثير من قضاة مصر وجيشها وفي جيش‬ ‫السعودية في اليمن ومخابراتها‪ :‬محميات كسيحة‪.‬‬ ‫ولا أعني أن الوضع في تونس أفضل بل لأني أقدم الامثلة مما صار مشهودا بصورة غالبة‬ ‫ومن المحميتين الاكبرين أي مصر والسعودية‪ .‬لكن الحال واحدة في كل بلاد العرب من الماء‬ ‫الى الماء‪ :‬الانتخاب في التربية والانتخاب في تعيين الخريجين من أكبر نكبات الامة لأنهما‬ ‫نفي نسقي للأخلاق والكفاءة‪.‬‬ ‫واجتمع على ذلك مافياتان على الأقل في تونس التي أعرفها جيدا‪ :‬مافية الحكم ونخبه‬ ‫ومافية النقابات ونخبها‪ .‬ولابد أن يكون لكل المحميات العربية من يناظر ذلك‪ .‬والدليل‬ ‫أن تعدد الأحزاب في تونس واللوبيات في غيرها كله رهن إشارة المفايات التي تمولها وهي‬ ‫محلية وأقليمية ودولية‪ 217 :‬حزبا‪.‬‬ ‫ولا يوجد حزب واحد سالم من الاختراق إما بوعي من قياداته وبقصد أو بلا وعي وغياب‬ ‫القصد‪ .‬والاختراق عند السليم منها سينتهي إلى استتباعها والبقية أوجدها الاستتباع‪ .‬وكل‬ ‫ذلك يمكن أن يقع عن طريق الاحزاب أو عن طريق القبائل أو عن طريق الاعيان‬ ‫فبالصحوات اخمدت أمريكا ثورة السنة العراقية‪.‬‬ ‫لذلك تكلمت على غفلة من يبني قصورا على رمال الانتخابات القادمة في تونس‪ .‬حتى لو‬ ‫حصلت وحصلت دون تزييف فإنها لن تحسم شيئا إذا لم تحسم الأمور في الجزائر‪ .‬فالمآل‬ ‫أحد أمرين سواء ربحت النهضة أو خسرت في الحصول على الأغلبية‪ .‬فإما أن َتخضع أو أن‬ ‫تُخضع مقابل وهم الحكم الصوري ولا حل ثالث‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه الحقيقة التي لا يمكن أن يوجد أحد من قيادات النهضة لا يعلمها علم اليقين هي‬ ‫التي جعلتني أفقد بالتدريج ثقتي في الكثير منهم‪ .‬ذلك ان النتيجة الوحيدة هي أنهم بهذا‬ ‫السلوك يترشحون لمهام هي يدعونه حجة للموقف السلبي من بورقيبة‪ :‬وفي ذلك هو أقل‬ ‫لوما منهم بسبب تغير الظرف الحالي‪.‬‬ ‫لو عاش بورقيبة في ظرف شبيه بظرفنا وكان شباب الأمة بجنسيه تواقا إلى الاستئناف‬ ‫كما هو حاليا بتكوين يمكن أن يبنى عليه أمل إعادة الدور للأمة لكان ربما سلوكه أفضل‬ ‫من سلوكهم لأنه عرف العرب وخلطهم بين الأقوال والأفعال ففضل بيضة على ألف عصفور‪.‬‬ ‫فالطمع في المستحيل بدل امل الاستئناف مرض‪.‬‬ ‫ولا ينبغي رد تاريخه كله إلى ما صار عليه بعد خرفه وتلاعب العملاء به‪ .‬فكل الذين‬ ‫حاربوه من العرب كان أشد عمالة حتى من هذه المرحلة التي انتهى إليها بورقيبة لما تأكد‬ ‫وخاصة بعد هزيمة ‪ 48‬من خيانتهم جميعا فتعامل مع الظرف بما يمكنه له سياسيا‪ .‬ولست‬ ‫أعتذر له لكني أقارنه بمن كانوا يتهمونه بالخيانة‪.‬‬ ‫فقد كان أصدقهم في علاج قضية فلسطين لأنه كان صادقا وأدرى منهم جميعا بسر قوة‬ ‫الصهيونية وصلتها بالغرب وبأمريكا‪ .‬وكان يفهم الفرق بين الأقوال والأفعال في العمل‬ ‫السياسي‪ .‬ولا يعنيني كثيرا ما قاله في الإسلام بعد خرفه‪ .‬ذلك أن الخرف كاف لتبرئته‬ ‫وليس منتظرا من سياسي أن يكون فقيها ولا تعنيني معتقداته فجل الحكام العرب جاهليون‬ ‫وملحدون لكنهم بخلافه منافقون‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بقي فصلان في المحاولة ومسالتان في المعادلة‪ .‬المسألة الأولى هي النظام الجهازي‪.‬‬ ‫والمسالة الثانية هي نظام المراتب في القوامة التي تجعل النظام الجهازي الذي هو جهاز‬ ‫صناعي أو روبوتي يتحول إلى أشبه ما يكون بالكائن العضوي لتكون الدولة شخصا معنويا‬ ‫ممثلا لجماعة ويعمل باسمها فعلا وانفعالا‪.‬‬ ‫لكن ذلك كله لا معنى له من دون أن يكون هذا الكيان بأحيازه جديرا باسم الدولة‪:‬‬ ‫جغرافيته وتاريخه وثمرة تفاعلهما المادية (الاقتصاد) والروحية (الثقافة) ومرجعيته‬ ‫التي توحد هذه العوامل الاربعة ذات قدرة على تحقيق شرطي السيادة أعني القدرة على‬ ‫الحماية وعلى الرعاية الذاتيتين‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن كلامنا ينفي أن يكون أي قطر في الاقليم عربا كانوا أو أمازيغ في المغرب‬ ‫أو عربا وأكرادا وأتراكا في المشرق يمكن أن يدعي أن له شروط السيادة بهذا المعنى‪.‬‬ ‫فبحجم عصرنا الإقليم كله قد يصبح قادرا على هذين الشرطين إذا فهم ما فهمته أوروبا‬ ‫وإلا فهو سيبقى تابعا إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫بل أكثر من ذلك فحتى لو فرضنا أن الثورة نجحت في الأقطار مع المحافظة على تفتيت‬ ‫الجغرافيا والتاريخ لمنع ثمرة تفاعلهما أي الثروة والتراث وعزل المرجعية فإن ما سيصحل‬ ‫سيكون من جنس ما حصل في العراق وما ينوون تحقيقه في سوريا‪ :‬تصبح الحماية علنية‬ ‫وستكون أكثر من الانتداب بحكام يدعون الإسلام‪.‬‬ ‫وبهذا الكلام أبدو وكأني قد وضعت الامة أمام خيار بين الحل الداعشي والحل المفروض‬ ‫على العراق وجنيسه الذي سيفرض على سوريا وعلى بقية الاقطار إذا بقيت الثورة قطرية‬ ‫وسيكون الإقليم بيد شرطيين هما إيران وإسرائيل ومن ورائهما روسيا وأمريكا فنعود إلى‬ ‫سايكس بيكو الثانية التي يسعون إليها‪.‬‬ ‫طبعا لا أتصور أحدا يعتقد أني أومن بهذه الكماشة‪ .‬فالكماشة علتها بالذات موقف‬ ‫الكاريكاتورين وهي حجتهما كلاهما يحتج بالثاني ليبين أنه صاحب الحل‪ :‬حل تكرار ماضينا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كما كان رغم أن كل شيء أثبت فشل ما كان عليه بدليل ما نحن عليه وحل تكرار ماضي‬ ‫الغرب بدليل أنه هو أساس الجمهوريات الموزية‪.‬‬ ‫الحل الذي اقترحه يناقض موقف الكاريكاتورين بجعل ما يعود من ماضينا هو روحه‬ ‫ومبادئه وليس أعيان تحريفاتها البدوية والنكوص إلى الجاهلية التي عكست كل معانيها‬ ‫وبجعل ما يعود من ماضي الحداثة هو روحها ومبادئها وليس أعيان تحريفاتها الاستعمارية‪:‬‬ ‫تلك هي القيم الكونية التي ينبغي أن تقود الثورة‪.‬‬ ‫فإذا تحرك الإقليم كله بثورة تستهدف التحرر الذي يستكمل التحرير بالاعتماد على‬ ‫استعادة وحدة الجغرافيا ووحدة التاريخ شرطين في تحقيق ثمرات تفاعلهما أي التنمية‬ ‫المادية (الاقتصاد القوي) والتنمية الروحية (الثقافة القوية) فإنه لا يوجد من باستطاعته‬ ‫منع النجاح لأنه لا طاقة له على مقاومتنا‪ .‬ومقاومته لنا توجد بين حلين كلاهما أصبحا‬ ‫مستحيلين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فلا يوجد أحد قادر اليوم على احتلال الجزائر كما فعلوا سنة ‪ 1830‬مثلا لان‬ ‫الفرق في أدوات الحرب أي السلاح تكوين البشر لم يعد بالقدر الذي كان عليه في عصر‬ ‫استعمارها‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولا يوجد أحد قادر على منعنا من تدارك التخلف التقني إذا فهمنا سره فمحضنا‬ ‫المدرسة والمجتمع بذلك بمجرد إصلاح نظامي الانتخاب كفاءة وخلقا فنصبح مبدعين ككل‬ ‫البشر‪.‬‬ ‫ومهما قلنا في فساد الانتخابين فإن عدد خريجينا وعدد قوانا الانتاجية فيه أكثر مما جعل‬ ‫غيرنا ينمو ماديا وروحيا بمجرد أن وجدت الاستراتيجية المناسبة‪ .‬ولذلك تكلمت على أن‬ ‫محاولة إيجاد سايكس بيكو ثانية علتها الأساسية التأكد من فشل الاولى عندما رأوا أنها لم‬ ‫تمنع من الشروع في الاستئناف‪.‬‬ ‫فحتى في بلاد الإسلام توجد حالات تثبت أن الاستئناف ممكن في الإقليم وخارج الإقليم‪.‬‬ ‫ورغم أن باكستان فقيرة فهي أول بلد إسلامي تمكن من قدرة الردع المطلقة مثل غيره‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ورغم أن تركيا محاصرة فيه تثبت أنها قادرة على التقدم‪ .‬ورغم أن ماليزيا قطر صغير في‬ ‫تثبت أن الحكمة تقدر على المعجزات‪ .‬وأعداؤنا لا ينظرون إلى وضعنا الراهن في راهنيته‬ ‫الفعلية بل في ممكنه المستقبلي‪ .‬هم يريدون منع ما يتوقعونه بسبب أمرين من لا يراهما‬ ‫أعمى‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول كوني وهو أن ما كان يتميز بيه الغربي صار في متناول الجميع وتداركها‬ ‫يسير وسريع في حالة وجود الحجم والعزم‪.‬‬ ‫‪ .2‬أن ما نتميز به هم فقدوه أي الحيوية الديموغرافية والشبابية وهي قوة أهم من‬ ‫الأولى لأن تداركها ليس يسيرا ولا سريعا‪.‬‬ ‫فمم يتكون النظام الجهازي للدولة من حيث هي كائن صناعي؟ والجواب ينبغي أن يتصف‬ ‫بالكلية والكونية وإلا فهو ليس علميا بمعنى أنه لا يمكن أن تخلو منه دولة في كل تاريخ‬ ‫البشرية حتى وإن كان تعينه بدائيا إلى أقصى حد من البداوة الذي سماه ابن خلدون‬ ‫العرب مفهوم انثروبولوجيا وليس عرقيا‪.‬‬ ‫فهذا المفهوم يظنه اسما للعرب المعنى العرقي ولا يرون أنه يضع فيه الكردي والمغولى‬ ‫أي المرحلة الأولى من البداوة التي يسميها القرآن الأعراب وهم رعاة الإبل في الصحاري‬ ‫الكبرى‪ .‬ويمثلون المرحلة الأولى من البداوة الإنسانية‪ .‬فحتى هؤلاء لهم ما سأتكلم عليه‬ ‫الآن وإن في شكل قبلي يصور الجماعة‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن النظام الجهازي رغم كونه صناعي فهو ملازم للإنسان في كل مرحل‬ ‫تاريخه ما يعني أنه من جنس الكن الذي لا تخلو منه جماعة مهما كانت بدائية وأنه من ثم‬ ‫يستجيب لحاجات طبيعية استجابة تحققها الصناعة الإنسانية مثل الكن‪.‬‬ ‫وهو إذن استجابة لحاجة فطرية في الكيان الإنساني عضويه وروحيه مثل حاجة اطفال‬ ‫البشر إلى مدة طويلة لكي يستقلوا بذواتهم والقدرة على الحياة‪ .‬لكن النظام الجهازي‬ ‫للدولة جهاز آلي صناعي‪ .‬ومع ذلك فهو غني عن التقدم الصناعي من حيث الوجود بل ما‬ ‫فيه من استجابة لحاجة طبيعية يجعله محرك الصناعات‪ .‬لكنه يؤدي وظائفه بالموجود ولا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يحتاج إليها إلا من حيث كيف الوجود ودرجات تعقيده مثل الكن‪ .‬فمن الخيمة إلى ناطحة‬ ‫السحاب‪ .‬لكن المكونات والوظيفة دائما هي هي‪.‬‬ ‫فما هي هذه المكونات‪ .‬عشرة مكونات خمسة للحماية وخمسة للرعاية في كل جماعة حتى‬ ‫البدائية‪ .‬فالحماية داخلية وهي قضاء وأمن وخارجية هي دبلوماسية ودفاع‪ .‬ولا بد من‬ ‫جهاز استعلام واعلام حتى تقوم المؤسسات الأربع الأولى بعملها على علم‪ .‬سيقال كيف للبدو‬ ‫بمثل هذا؟‬ ‫كلنا قريبون من البداوة‪ .‬قهل القبيلة خالية مجلس يقضي ومن أداة تنفيذ الحكم؟‬ ‫هل تخلو من التواصل مع غيرها وتخلو من قوة حامية؟‬ ‫وهل يمكنها ذلك من دون استعلامات وإعلام فتكون تعمل على غير علم؟ وهذا موجود في‬ ‫أرقى الدول لكنه نظام أكثر جودة وأدق وأكثر فاعلية الخ‪ ...‬ولنمر إلى الرعاية‪ .‬حتى‬ ‫لو كانت القبيلة صغيرة فلها تكوين لأجيالها على الأقل في شروط البقاء‪ .‬ولها تقسم عمل‬ ‫على الأقل بين المدافعين والمنتجين‪.‬‬ ‫ولا يمكن لها أن تكون وتقسم الأعمال من دون تموين‪ :‬والتموين الذي بيه يتواصل النوع‬ ‫هو الاقتصاد مهما كان بدائيا والثقافة على الأقل الشفوية‪ .‬ولا يمكن لهذه الوظائف الأربع‬ ‫أن تحصل من دون ذوي خبرة أو باحثين \"علميين\" في ما يسد حاجة الرعاية والحماية‪.‬‬ ‫وذلك صحيح على أرقى المجتمعات كذلك‪.‬‬ ‫وهذه الوظائف العشر لا بد لها من سلطة قيمة عليها وهي الحكومات أو السلطة‬ ‫السياسية‪ .‬والسلطة السياسية لا بد لها من سلطة \"إيديولوجية\" وهي في الغالب إما دينية‬ ‫أو فلسفية‪ .‬وتمثل القوة اللطيفة للدولة التي تغلب عليها القوة العنيفة أو الشوكة عندما‬ ‫لا تكفي القوة اللطيفة أو الشرعية للنظام‪.‬‬ ‫ولا بد وراء ذلك من \"دستور\" وهو في الغالب عرفي أي جملة التقاليد التي تمشي بها‬ ‫المؤسسات التي وصفت في الحماية وفي الرعاية وفي سلطة الحكم أو الشوكة وفي سلطة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الشرعية أو الايديولوجيا‪ .‬ووراء هذه التقاليد قوى سياسية أو \"عصبيات\" هي التي تحدد‬ ‫الواجب والمحظور ويخرج منها السلطتان‪.‬‬ ‫ويوجد وراء ذلك كله ما يمكن تسميته بالمرجعية سواء كان دينية أو فلسفية في الجماعة‬ ‫بمعنى أن كل ما ذكرت قبل هذه تؤسس خطابها وسلوكها على مرجعية يشترك فيها من‬ ‫ينتسب إلى الجماعة مهما اختلفت تأويلاتهم وكلما مس التعدد المرجعيات ولم يكتفي‬ ‫بالتأويلات كلما انخرمت وحدة الجماعة أو عسرت‪.‬‬ ‫لكن كل ما ذكرته هو نظام جهازي وهو أشبه بالمتغيرات في المعادلات الرياضية التي هي‬ ‫صورية خالصة ولا تصبح فعلية إلى بتحديد القيم في المتغيرات حتى تتم النقلة من النظام‬ ‫الجهازي للمعادلة إلى ما تتعين فيه بتعين القيم وذلك هو الدور الذي يعود إلى القيمين‬ ‫عليها وهو موضوع الفصل الأخير‪.‬‬ ‫النظام الجهازي يمكن وصفه بكونه صورة العمران الخالية من القيمين عليها‪ .‬وهي كيان‬ ‫\"الروبوت\" الذي يخلوا من \"السوفت وار\" ومن المستخدم للسوفت وار الذي سيجعله أشبه‬ ‫بالروبوت الفاعل الذي يقبل المقارنة بـالكائن الحي فيكون من ثم أصلا للمقارنة بين تشريح‬ ‫الدولة ووظائفها وتشريح الحي ووظائفه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلنا الآن إلى الفصل الأخير ونخصصه للمسألة الأخيرة‪ :‬القيمون على النظام الجهازي‬ ‫ومفعليه ليصبح الروبوت وكأن كائن حي كل أعضائه تحقق وظائفها في تناسق ليكون شبيها‬ ‫بالفرد الحي الممثل لإرادة جماعة لأنه لا يفعل باسمه بل باسم الجماعة التي يمثل إرادتها‬ ‫بمعرفتها وقدرتها وذوقها ورؤيتها‪.‬‬ ‫طبعا لا يوجد إلى الآن روبوت يمكن أن يكون له هذه الوظائف الخمس‪ :‬الإرادة والمعرفة‬ ‫والقدرة والذوق والرؤية كما يمكن أن تكون موجودة عند القيمين لما يندمجوا في مكوناته‬ ‫بحيث يعملون بما يقتضيه نظام جهازه لان أجهزته ليس لها إرادة ولا معرفة ولا قدرة ولا‬ ‫ذوق ولا رؤية ذاتية بل ما برمج فيه‪.‬‬ ‫أول مشكل وأكبره هو أن القيمين يتنازعهم ما في النظام الجهازي للدولة كروبوت صناعي‬ ‫ما يمثل إرادة الجماعة فيها ‪-‬القوانين والمؤسسات‪-‬وإرادة القيمين الفردية وربما العرقية‬ ‫والطبقية والحزبية والطائفية والمناطقية وإلخ‪ ...‬من الإرادات والمعارف والقدرات‬ ‫والأذواق والرؤى المتعارضة والمتصادمة‪.‬‬ ‫وإذن فحتى لو اقترضنا أن النظام الجهازي شديد الاحكام والنسقية فإن مالئيه من‬ ‫القيمين عليه سيدخلون عليه من عدم ا لتناسق والتناغم والتزامن والتفاعل المناسب للظرف‬ ‫ما يجعله دون أي روبوت تنظيما ونسقية وتزامنية وتراتبية‪ .‬وهذه الخاصية التي تطرأ‬ ‫على الدولة نسميها عامل الحرية في الجماعة‪.‬‬ ‫لا توجد دولة تعمل كما تعمل الساعة السويسرية‪ .‬وهذا هو أهم أسرار هشاشة الدول‪.‬‬ ‫وقد كتب الغزالي في ذلك فصلا رائعا فقال‪\" :‬ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات‬ ‫المتباينة المتنافرة على متابعة راي واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت في‬ ‫النفوس رهبته ومهابته‪ .‬ومدار جميع ذلك على الشوكة ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة‬ ‫الأكثرين من معتبري الزمان\" (الغزالي فضائح الباطنية نشرة بدوي القومية للطباعة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القاهرة ‪ 1964‬ص‪ .)177.‬فهذا النص جمع بين مقومي \"الوحدة\" التي لا يمكن بدونها أن‬ ‫تساس أي دولة‪ :‬ورمز لها مرتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الرهبة والمهابة وصفا لرمز الشوكة‪.‬‬ ‫‪ .2‬وموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان‪.‬‬ ‫والأول للقيادة الاولى والثانون للقيادة الثانية التي تجمع الاغلبية السياسية لأن كونها‬ ‫من معتبري الزمان تجمع النخب الخمس أي الساسة والعلماء واصحاب الثروة وأصحاب‬ ‫الثقافة والفنانون أو ممثلوا الذوق العام وأصحاب الرؤى الدينية والفلسفية‪.‬‬ ‫وكلا العاملين في ما يعود إلى الشوكة وما يعود إلى الشرعية مقومي القوامة على النظام‬ ‫الجهازي حتى يصبح فاعلا فعل كائن حي متناسق‪ .‬فالرهبة ترمز إلى الشوكة وموافقة‬ ‫الأكثرين تمثلان الشوكة والمهابة ومعتبري كل زمان تمثلان الشرعية‪ .‬وإذن فالدولة‬ ‫الروبوت الفاعل فعل الكائن الحي أعقد مما نتصور‪.‬‬ ‫فلكأن الغزالي يشرح \"كيفما تكونون يولى عليكم\"‪ .‬وهو ما يعيدنا إلى مسألة الانتخابين‬ ‫في تكوين الإنسان وفي استعمال الإنسان بحسب التكوين‪ .‬فمن يكون صاحب الرهبة‬ ‫والأكثرية الموافقة تمثيلا للشوكة في الجماعة وما اساس مهابته واعتباره في الزمان ممثلا‬ ‫للشرعية فيها هو المحدد للقيمين على الوظائف‪.‬‬ ‫والغزالي محقا يعتبر ذلك قانونا كونيا وليس خاصا بالرؤية السنية للحكم‪ .‬ذلك أن قوله‬ ‫هذا جاء ردا على باطني يدعي أن حل مشكل الحكم يكون بالوصية للإمام المعصوم وليس‬ ‫باختيار الجماعة‪ .‬ومعنى ذلك أن الغزالي تجاوز الرؤية الفلسفية الموروثة عن اليونان‬ ‫ورفض الرؤية اللاهوتية الموروثة عن التشيع‪.‬‬ ‫وكما فعل ابن تيمية من بعده وابن خلدون خاصة في نهاية القرن الثامن ‪-‬الرابع عشر‪-‬‬ ‫اعتبر الحكم يتحدد بعالمين هما الشوكة والشرعية والأولى عامل مادي والثاني عامل روحي‬ ‫أو معنوي وبهما في الجماعة تتحدد عملية ملء خانات النظام الجهازي الذي هو خانات‬ ‫وظائف كل دولة كجهاز آلي في كل عصر ومصر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيعود الأمر إلى انتخاب الجماعة في مرحلة التكوين وفي مرحلة الاستعمال لأجيالها التي‬ ‫تملأ خانات صورتها بالمعنى الخلدوني الذي شرحناه في فصل سابق لتكون حاكمة لنفسها حتى‬ ‫عندما تكون مثلنا حاليان يحكمنا مستبدون فاسدون هم بدورهم يحكمهم من نصبهم علينا‬ ‫وهم أذل منا رغم أوهامهم‪.‬‬ ‫والقصد أن الأمة التي تكون في وضعيتنا هي الأمة التي يكون صاحب الرهبة والمهابة‬ ‫والأكثرية الموافقة والمعتبرون في الزمان هم الأراذل الذين من جنس من يحكمنا منذ‬ ‫قرون‪ .‬ويمكن أن نعتبر أنفسها نحن الذين انتخبناهم ولو سلبا بعدم أداء دورنا في منع ما‬ ‫يحصل وهو مصداق كيفما تكونون يولى عليكم‪.‬‬ ‫ففي تونس مثلا اليوم‪:‬‬ ‫من أقوى شخص؟‬ ‫ومن أقوى جماعة؟‬ ‫ومن إذن بيدهم الحل والربط؟‬ ‫هل يوجد سياسي تونسي له القدرة على قول لا لساكن سكرة؟‬ ‫هل يوجد سياسي تونسي قادر على قول لا للغريبة؟‬ ‫هل يوجد سياسي تونسي قادر على قول لا لباريس؟‬ ‫هل التونسيون مظلومون أم هم ظالمو أنفسهم؟‬ ‫وما قلته عن تونس يقال عن كل ما يسمى دول الاقليم وهي محميات الاستعمار ومافياته‬ ‫التي كانت تحكم من وراء حجاب ثم صارت سافرة‪ .‬حتى هي نزعت الحجاب‪ .‬فمن يصدق‬ ‫مثلا أن حكام تونس اليوم اختاروا وزيرا صهيونيا لأنهم يؤمنون بالمساواة بين التونسيين أم‬ ‫إن ذلك مغازلة للصهيونية؟‬ ‫صحيح أن بلاد الإسلام كان لليهود فيها دور معتبر لعلل كثيرة ومنها‪-‬كما في الدول‬ ‫الكاثوليكية‪-‬لتجنب الصدام مع تحريم الربا مع حاجة الحكام إليه والبنوك كانت كلها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يهودية وهي التي تعير الدول‪ .‬ولعل ذلك من أهم عناصر علاقة شارل الخامس بهم‬ ‫وتشجيعه زعيم حركة الإصلاح لتأسيس صهاينة المسيحية الحالية‪.‬‬ ‫وهذه حقائق تاريخية قد يكون الكثير غافلا عنها وهي تفيد أن \"التطبيع\" مع الصهيونية‬ ‫سابق حتى على وجود إسرائيل لأنه ظاهرة عالمية سواء مع الحكام المسلمين أو مع الحكام‬ ‫الأوروبيين والعلة مضاعفة‪ .‬وقد بينت علاقة ذلك بنظرية الحكم عن طريق بعدي العجل‪:‬‬ ‫فالعملة والكلمة هما أهم أداتي الحكم‪.‬‬ ‫فبالعملة التي ترمز للقوة الاقتصادية والبنكية (معدن العجل) والكلمة التي ترمز للقوة‬ ‫الإيديولوجية والإعلامية (خوار العجل) يحكم العالم لأن شبكات المال وشبكات الأعلام‬ ‫هي التي تقود الجماعات وخاصة في الأنظمة التي تسمى ديموقراطية لان الناخب هو الذي‬ ‫يعين القيمين على نظام الدولة الجهازي‪.‬‬ ‫ولما صار هذا النظام شاملا للعالم كله فإن هذا السلطان بالعملة وبالكلمة أو ببعدي دين‬ ‫العجل صار أداة حكم العالم‪ .‬لكنه ما كان ليحقق ذلك لو كان من جنس ما لدى العرب‬ ‫حاليا‪ :‬المال والايديولوجيا اللذان لا سلطان لهما حتى على أنفسهما فوراء المال‬ ‫والإيديولوجيا لابد من القوتين المادية والعلمية‪.‬‬ ‫وبذلك نعود إلى الانتخابين‪ :‬هل من يتولى دور تمثيل الإرادة وتمثيل المعرفة وتمثيل‬ ‫القدرة وتمثيل الذوق وتمثيل الرؤية في الجماعة لديهم الصفات التي تجعل ارادة الجماعة‬ ‫ومعرفتها وقدرتها وذوقها ورؤيتها كلها فاعلة بحق أم هي مجرد أسماء دون مسميات؟ ذلك‬ ‫هو المشكل الذي به أختم هذه المحاولة‪.‬‬ ‫فكيف يكون الجواب بنعم عن هذه الأسئلة إذا كان الانتخاب الأول الذي تقوم به المدرسة‬ ‫في التكوين لا تحقق لا شرط الكفاءة العلمية ولا شرط السلامة الخلقية كيف في هذه الحالة‬ ‫أن تجد من يمثل الإرادة والمعرفة والقدرة والذوق والرؤية تمثيلا يكون مصدرا للقوة‬ ‫المادية والعلمية في الجماعة؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكيف يمكن أن يتحقق في الانتخاب الثاني أي في الانتخاب الذي يترتب على تقسيم العمل‬ ‫في الجماعة أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب؟ أولا المناسب يكون قد صفي في‬ ‫الانتخاب الاول‪ .‬وإذا أفلت البعض فسيصفى في هذا الانتخاب الثاني‪ .‬فلا يبقى إلا ما‬ ‫اعتبره ابن خلدون علامة موت الدولة‪.‬‬ ‫يكفي أن ترى بلاط السبسي‪ .‬فهو لم يجمع فيه إلى حثالة نخب تونس‪ .‬وما كان ليفعل‬ ‫ذلك عن جهل لأنه ليس من جيل تجفيف المنابع اليساري الخادم لابن علي وإذن فالأمر‬ ‫مفروض عليه من المافية التي تحكم وهو مجرد صورة \"لا يبل ولا يعل\" كما يقول المثل‬ ‫التونسي‪ .‬ومثله السيسي وحكام الثورة المضادة‪.‬‬ ‫ولا يتوهمن أحد أن حكام الثورة إن وجد شيء يحمل هذا الاسم بأفضل حال‪ .‬فما ظل‬ ‫الإقليم خاضعا للتفتيت الجغرافي والتشتيت التاريخي ومن ثم فاقدا لشروط التنمية المادية‬ ‫والتنمية الروحية المستقلتين والقادرتين على تحقيق شروط السيادة فإن الأمر هو هو‬ ‫والتغيير بوجوه لا حول لها ولا قوة‪.‬‬ ‫حتى الروبوت العادي فهو لا يعمل إلا بما يوضع فيه من وظيفة الإرادة ووظيفة المعرفة‬ ‫ووظيفة القدرة ووظيفة الذوق ووظيفة الرؤية حتى يكون بحق محاكيا لوظائف الإنسان‪.‬‬ ‫وهي لا توجد فيه بل في يد من برمجه ومن بيده الروموت‪ .‬ما يسمى بالدول في الإقليم‬ ‫ليس الروموت بيد شعوبها ولا يمكن أ ن يكون‪.‬‬ ‫والعلة هي ما حصل للأحياز‪ :‬ومن ثم فما يجري حاليا هو المزيد من جعل الاحياز حائلة‬ ‫دون الاستئناف‪ .‬السعي إلى سايكس بيكو ثانية هدفه الابقاء على سايكس بيكو الأولى‬ ‫بوجود لم تهترأ وهم مستعدون لأن يمكنوها من النجاح باسم الثورة بشرط أن يقبلوا ما‬ ‫عدم قبوله هو علة ما حصل في مصر وينوون تعميمه‪.‬‬ ‫والنتيجة التي ينبغي أن يفهمها من يتزعمون الثروة ويدعون تمثيل قيمها أن يعيدوا‬ ‫النظر في علة العلل وهي وسيط بين العلاج التام المنتسب إلى التاريخ المديد والعلام‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأداتي المنتسب إلى التاريخ القصير والذي يعيد إصلاح الانتخابين في التكوين (التربية)‬ ‫وفي التعيين (التعيين في مواقع العمل)‪.‬‬ ‫فالإصلاح التام الذي ينتسب إلى التاريخ المديد يهم الجماعة كلها أعني استعادة أخلاق‬ ‫الانتخاب التكويني في التربية عامة وأخلاق الانتخاب التعيين في الحكم عامة وهو على رأس‬ ‫كل أنواع الأعمال التي يقسم إليها إنتاج شروط قيام الإنسان العضوي الاقتصاد وشروط‬ ‫شروطها لقيامه الروحي الثقافة‪.‬‬ ‫وهذا الإصلاح التام طويل الأمد لا يمكن للثورة أن تحققه قبل نجاحها ولا يمكن أن‬ ‫تنتظره فتتوقف عن العمل حاليا وحتى لو قررت الانتظار فلن يكون بوسعها عمله لأن من‬ ‫بيدهم السلطان يحولون دون ذلك‪ .‬وإذن فالحل هو التركيز على انتخاب المنتخبين‪ :‬أي‬ ‫انتخاب من تعدهم ليكونوا مربين وحكاما ليس في السياسة فحسب بل في القرار الاقتصادي‬ ‫والثقافي مادتي التموين المشروط في التكوين‪.‬‬ ‫ولا يمكن ألا يكون بين شباب الأمة بجنسيه من لهم التكوين السليم علما وأخلاقا ويكون‬ ‫لهم إما خصائص المربين أو خصائص الحكام‪ .‬وسبق أن بينت أن البشر ينقسمون بالطبع إلى‬ ‫خمسة أصناف بحسب غلبة أحد المقومات الموجودة في كل البشر وبالغالب عليه منها يمكن أن‬ ‫نحدد صنف الإنسان‪.‬‬ ‫فمن يغلب عليهم مقوم الإرادة لهم ميل إلى السياسة حكما ومعارضة ومن يغلب عليهم‬ ‫المعرفة لهم ميل إلى البحث العلمي إبداعا أولا أو نقدا ومن لهم تغلب عليهم قدرة الإبداع‬ ‫المادي أو الرمزي لهم ميل للاقتصاد أو الثقافة ومن يغلب عليهم الذوق لهم ميل للإبداع‬ ‫الفني وأخيرا أصحاب الرؤى الوجودية‪.‬‬ ‫والتربية تحتاج إلى من يغلب عليه الميل إلى المعرفة والذوق وإلى إيصالهما لغيره والحكم‬ ‫يحتاج إلى من يغلب عليه الميل إلى الإرادة والقدرة على الإنجاز وتحقيقهما في الجماعة ولا‬ ‫لهما كليهما من الرؤية الوجودية التي هي شرط النظر (التربية خاصة) والعمل (الحكم‬ ‫خاصة) لأنها أساس الاستراتيجية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والاستراتيجية هنا تبدأ بالجواب عن سؤال وحيد‪ .‬في عصرنا ما الحدود الدنيا من حيث‬ ‫مقومات الأحياز وحجومها لتكون الدولة دولة ذات سيادة تحمي جماعتها في الداخل والخارج‬ ‫وتحقق لها شروط الإعالة التي تبدعها الجماعة؟ والجواب المناسب للعصر عن هذا السؤال‬ ‫هو معيار الانتخاب لقيادة الثورة‪.‬‬ ‫وحينئذ لن يوجد صدام بين الأعراق ولا بين الطوائف ولا بين الأديان ولا بين الالوان‬ ‫ولا بين المرأة والرجل لأن الأمر يتعلق بشرطي البقاء‪ :‬الحماية والرعاية‪ .‬ويكفي لفهم‬ ‫ذلك قراءة دستور الرسول‪ .‬الدولة التي أنشأها هذا الدستور أجابت عن هذا السؤال‪:‬‬ ‫كيف نحمي أنفسها ونرعاها لنكون سادة لا عبيدا‪.‬‬ ‫فهو عقد اجتماعي سياسي وحلف للحماية والرعاية فيه كل الأديان الموجودة حينها وفيه‬ ‫شروط العيش المشترك التي تحقق الحماية الداخلية (الاحترام المتبادل بين الجميع‬ ‫والاعتراف بالتنوع) والحماية الخارجية (مع تحدد ممن ومن ماذا ولماذا) وفيه خاصة‬ ‫التعاون من أجل الرعاية المشتركة‪.‬‬ ‫وهذا هو الدستور الذي تنبني عليه كل الجماعات الكبرى في عصرنا‪ .‬انظروا من حولكم‬ ‫لتفهموا أن أمريكا وهي أعظم دولة حاليا هي في الحقيقة مبنية على نموذج دستور الرسول‬ ‫حتى وإن كانت دون قيم الاستخلاف‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهي تتأسس على التعدد والتنوع والاعتراف بالتعدد الديني والعرقي والثقافي دولة‬ ‫لكل منها نظامه الخاص‪.‬‬ ‫‪ .2‬مع دستور يشمل الجميع لكنه مقصور على مقومات الحماية والرعاية الجماعية في عصر‬ ‫العماليق‪ :‬هذا المطلوب‪.‬‬ ‫والمقصود بقيم الاستخلاف الإيمان بالأخوة البشرية (النساء ‪ )1‬وبالمساواة بين البشر‬ ‫(الحجرات ‪ )13‬وإن كان لها على الأقل في الأقوال ما يناظر هذه القيم تحت عنوان حقوق‬ ‫الإنسان لأنها لا تطبقه إلا قليلا في الداخل وتجعله في الخارج سلاحا ضد أعدائها ولا تطبقه‬ ‫في محمياتها ومستعمراتها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook