Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الفرائض ومنزلة الانسان الوجودية – أبو يعرب المرزوقي

الفرائض ومنزلة الانسان الوجودية – أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-08-29 13:55:28

Description: الفرائض ومنزلة الانسان الوجودية – أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات‬ ‫‪1‬‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫النص‪:‬‬ ‫‪1‬‬ ‫المسألة الأولى‬ ‫‪1‬‬ ‫المسألة الثانية‬ ‫‪3‬‬ ‫‪8‬‬ ‫المسألة الثالثة‪:‬‬ ‫المسألة الرابعة‪:‬‬‫‪11‬‬ ‫المسألة الأخيرة‬ ‫‪15‬‬ ‫‪19‬‬‫‪22‬‬ ‫‪24‬‬‫‪28‬‬

‫نشر هذا النص بتاريخ ‪ 2007 - 03 - 31‬ونعيد نشره اليوم لأن الأستاذ أشار إليه في تعليقه على‬‫مناورة الرئيس حول المساواة في الإرث‪ .‬وهو يعالج القضية فلسفيا ردا على إحدى زعيمات هذا‬‫التيار الذي يقود حملة المهمة التحضيرية بالتحديث المستبد للنخب الوصية للشعوب‪ .‬وفيه ثلاثة‬ ‫فصول‪.‬‬‫نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه \"للذكر مثل حظ الأنثيين\" وشبه عنوانه \"جرح‬‫التفضيل الالهي\" في عدة أحياز آخرها في العدد ‪ 58‬من الطريق الجديد (جريدة الحزب الشيوعي‬‫التونسي الذي كان) يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية‪ .‬فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة من‬‫المحاولات التي عرف بها تيار التحديث فيما يسمى باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كليات‬‫الآداب بالجامعة التونسية‪ .‬لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام على الشرع‬‫الإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلى أسبابه الظرفية‪ .‬وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأهل‬‫النقاش بنيويا لاستناده إلى مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمى بالفكر العلماني والتحديثي العربي‬‫عامة والتونسي منه خاصة‪ .‬ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية من‬‫شروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه‪ .‬ذلك أن هذا المقال يظهر‬‫على سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلى أصحابه براقع‬‫المعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة‪ .‬ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشترك‬‫فيها الأستاذ محمد الطالبي والأستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولى حلقات‬ ‫السلسلة تمتاز على حلقتيها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد ‪:‬‬‫والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا‪ .‬إنه الاستعمال السطحي‬‫لمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاء‬‫شرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول‬ ‫الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا‪.‬‬ ‫‪29 1‬‬

‫والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسباب‬‫النزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي على الأصل النقلي إذ لا‬‫دلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من‬ ‫التجربة الحسية أو من التجربة النصية‪.‬‬‫لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحد‬‫الجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه‪ -‬لأن‬‫المسألة في الآية التي تناقشها لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتى بحقوق الورثة‪-‬‬‫بل هو سيقتصر على مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجودية‬‫في الإسلام وعلى مدى فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتين‬‫والفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة‪ .‬فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهي‬‫قابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة‬ ‫في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير‪.‬‬‫وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب‪ :‬فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصل‬‫إلى متانة التصورات القانونية والفلسفية‪ .‬لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية‪ .‬لن أهتم‬‫بتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدل‬‫الإلهي‪ .‬فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب‬‫(وهذا أمر كلي لا يحتاج إلى دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية ‪ 256‬من البقرة)‪ :‬حرية المعتقد‪.‬‬‫سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهما‬‫في النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتها‬‫لصوغ الإشكالية صوغا يمكن من علاجها والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصد‬‫النص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها‪ .‬ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشة‬‫بالمسألتين المنهجيتين‪ .‬لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود على مقدمات العلاج‬‫النظري‪ .‬لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين على النحو‬ ‫التالي‪:‬‬ ‫‪29 2‬‬

‫لو صح ما فهمته الأستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التي‬‫تعلل كون الحكم على ما كان عليه] الرجل‪ :‬الإرث الكامل= ‪( 2‬المرأة ‪ :‬نصف الإرث)[ == ] )منزلة‬‫الرجل = ضعف منزلة المرأة = ( )منزلة المرأة= نصف منزلة الرجل[( لكان معنى ذلك أن المنزلة‬‫الوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساء‬‫هو المحدد لمنازلهم الوجودية‪ .‬فلا يبقى عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدرات‬‫الاقتصادية وواجبها محددا بالإمكانات الوجودية حتى لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما‬ ‫فيها‪ .‬بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح‪:‬‬‫هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إن‬‫ذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي‬ ‫قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي؟‬ ‫‪29 3‬‬

‫وهب ذلك مقبولا – تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديثي فكر الأغنياء الجدد ‪ -‬هل‬‫يمكن عندئذ أن تقاس المنزلة بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلة الإنسان الوجودية‬ ‫مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه على ما يملك هو بفعله الذاتي؟‬‫لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجال‬‫فضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية‪ .‬فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هو‬‫أيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها‪ .‬وعندئذ سنقع في طريقين مسدودين لا مخرج‬‫منهما‪ :‬فلن يبقى بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقى للملكية تغير لثبات‬‫المنزلة الوجودية‪ .‬وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا‪ .‬فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلة‬‫الإنسان الوجودية تبقى ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا على المعيار المادي لتقويم الناس‪ :‬لأن من يفتقر‬‫ماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلى الفقر الوجودي‬ ‫إذ يكون قد فقد القدرة على الاستئناف‪.‬‬‫وعقلا حتى لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بل‬‫القدرة على تحصيلها في الحوز‪ .‬فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أن‬‫يكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده‪ :‬لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كما‬‫يقول ابن خلدون‪ .‬والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي‪.‬‬‫وقدكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم سبب اندحار النظام‬‫الشيوعي‪ .‬وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة على الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتها‬‫على كيفية تحصيله الدالة عليها‪ .‬والملكية التي يمكن أن تكون علامة على الدناءة في اختلاس‬‫الأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذا‬‫الحكم حتى لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة‪ :‬وفي كلتا‬‫الحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها القانون المحدد‬‫لمقادير الملكية‪ .‬لكن من يمدني بمن يلتفت إلى هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في‬ ‫المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه!‬‫أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غير‬‫ذاتية لصاحبها بل هي بالأولى لمن يمده بما سيرثه‪ .‬فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياها‬‫خلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به‪ :‬وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلة‬‫الوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوال‬ ‫‪29 4‬‬

‫غيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا في قيامه الكلي موضوعا لها‪ .‬فتكون‬‫منزلة المرأة والرجل الوارثين على حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافة‬‫الوجودية التي تتضمنها المقادير المالية الموروثة عنه ولا يكون ذا منزلة وجودية ذاتيه له إلا هو‪.‬‬‫وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهي‬‫تكون عدما حتى لو أوصى لهما بها كلها وبالتساوي‪ .‬لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحد‬‫من تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليست‬‫في تحديد منزلة من سيصبح ورثة‪ :‬واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات‬ ‫وليست من المعاملات لأنها حد توقيفي من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية‪.‬‬‫لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجودية‬‫دون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب على معنى الحرية التي هي مقوم جوهري‬‫من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحرية‬‫وأدوات تحقيقها وليس بمقدارها‪ .‬فهذا المعنى جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومن‬‫مقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحرية‬‫وسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن التعلق‬‫المباشر بالمنزلة الوجودية‪ :‬وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها‬ ‫دائما مصدره عند الكرام‪.‬‬‫من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل‪ :‬هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألة‬‫حرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا؟ وهل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفس‬‫الحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيد‬‫من الملكية الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها‪:‬‬‫حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية‪ .‬وتلوها عنها‬‫هو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر‬ ‫السلطان دولة بين الأغنياء‪.‬‬‫إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيد‬‫من الملكية الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبه‬‫يسلم له الشرع بالرشد وينفى عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة‪ :‬كلاهما مثل‬‫الآخر من حيث حرية التصرف فيما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في أحد مقومات المنزلة الوجودية‬ ‫‪29 5‬‬

‫أعني أحد صفات الملكية أو حرية التصرف‪ .‬أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلا‬‫عن تحكم شروط أخرى سنرى بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا على ظلم وقسمة‬ ‫ضيزى استثارتها إلى حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا‪.‬‬‫وكان على حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجل‬‫والفاني‪ :‬ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الفلسفية؟‬‫ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال على السؤال معاجزين بالقول‪ :‬ما الذي يحدد المنزلة الوجودية‬‫إذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو‬ ‫أبنائه؟‬‫أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخرى ليس لها صلة بمقدار الملكية لأن المنزلة‬‫الوجودية لا صلة لها بها حتى وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال‬ ‫فيكون المال وسيلة الوسيلة‪:‬‬‫وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني‪ .‬فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرين‬‫يجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين‪ .‬ولا علاقة للأمرين بالملكية فضلا عن‬‫مقدارها ولا بالجنس لأنهما يتعلقان بمعنى الوجود )‪ (être‬لا بمعنى المال )‪ (avoir‬أو بجنس مالكه‪.‬‬‫والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلى صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها)‪.‬‬‫والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعنى العميق أو الوظيفة بالمعنى السطحي بالنسبة إليه كذلك‬‫(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)‪ .‬فالمنزلة‬‫الوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوى في‬‫التعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر)‬‫وفيما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان‬ ‫المادي الروحي أو الجماعة)‪.‬‬‫ولما كان الظاهر من معيار التقوى هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحدد‬‫طبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان‪ :‬فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأة‬‫في العبادات؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بمقدارها خاصة فإن النتيجة تكون نفي‬‫هذين المحددين الوجوديين‪ :‬فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن ما‬‫يملكون‪ .‬وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والكفران الناتجين عن‬‫تناكر التغالب من أجل الرزق بدل الحلم والعرفان الناتجين عن تعارف التحابب من أجل الذوق‬ ‫‪29 6‬‬

‫وتكون منزلة نسبية إلى أدوات القوة وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا‪:‬‬ ‫فالرزق أداة في التعارف ويصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف ويصبح أداة في التناكر‪.‬‬‫ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع‪ :‬لكن الواجب‬‫في المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية‪ .‬ولو صح أن‬‫الوارث له حق فيما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة‪:‬‬‫فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالة‬‫حتى بعد الوفاة‪ .‬أما الوارث فإنه لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة الشارع‬‫(تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل‬ ‫بالوصية إذا سلما أن الميت يبقى ذا حق على ما بقي من ملكيته من بعده)‪.‬‬‫أعلم أن الباحثة ستقول‪ :‬يكفينا مثاليات حدثنا عن الواقع‪ .‬وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكر‬‫التحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون‪ .‬فالكلام على المنزلة الوجودية لا معنى له عند‬‫من لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب‪ :‬ذلك‬‫أن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعد‬‫الإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قيس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية‪ .‬وهذا‬‫العكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها‪ :‬كان ينبغي حتى‬‫لا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجودية‬‫وليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله‪ .‬لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذا‬‫نص تحديدها للمنزلة الوجودية‪ .‬ولما كانا من طبيعتين مختلفتين اضطرت الباحثة إلى استنتاج المنزلة‬‫الوجودية التي تزعمها علة من نصيب المرأة في الإرث ثم عكست فنسبت إليها دور تحديد النصيب في‬ ‫الإرث‪.‬‬‫لكن هذه العلة ليس لها وجود في القرآن‪ .‬لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لم‬‫تطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزول‬‫وتاريخ الإرث عند العرب‪ .‬فذهبت إلى حد قيس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع من‬‫تعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث‪ :‬فهن عندها قد طالبن بالجهاد للحصول على المساواة في الملكية‬‫والإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلال‬‫مرحلة التأسيس! العزائم لا تأتي فحسب على قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار‪ :‬فالصَغار‬ ‫ُيغفل الصغار فلا يرون إلا الصغائر!‬ ‫‪29 7‬‬

‫ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات وكانت المثاليات‬‫عندها من الأوهام سعت إلى بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد في‬‫النص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بين‬‫المنزلتين‪ :‬الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث‪ .‬لكن الفكر المجرد‬‫والمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن أمر العلاقة بين النصين نص المنزلة الوجودية‬ ‫ونص الإرث لا يخلو من أن يكون منتسبا إلى إحدى الحالتين المضاعفتين التاليتين‪:‬‬‫فإما أن النص المحدد للمنزلة الوجودية له علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما‬ ‫أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول‪.‬‬‫أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم‬ ‫ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية‪.‬‬‫وهنا نصل إلى جوهر التناقض الذي يتصف به موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهم‬‫شرطه‪ :‬إلغاء حرية المالك في الوصية‪ .‬لم يسأل أحد من المساواتين عن المساواة فيم تكون؟ هل‬‫يمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية –إذ‬‫هذه المنزلة ليست نسبية إلى الغير‪ -‬في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته؟ وهل يمكن للقانون‬‫أن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصية‬‫المحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لم‬‫يدرك معنى تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلى فريضة أو عبادة ؟ أليس المتكلمون في الأمر‬‫لا يعلمون فيم يتكلمون‪ :‬فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح‬‫؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن‪ .‬فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواة‬‫بل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه بالوصية إذ بقي له منه قدر معلوم‪ .‬لذلك فالحكم الوارد في‬‫الآية لا يتعلق بحق الورثة ‪ -‬إذ لا حق لهم – بل هو يتعلق يضبط حق المالك في التصرف فيما يملك‬‫بعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها‬ ‫في المسألة الموالية‪:‬‬‫أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقى المشرع قدر المستطاع على وحدة الملكية القاعدية التي هي‬‫شرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلى مجرد أرقام في اقتصاد خفي‬ ‫الاسم‪.‬‬ ‫‪29 8‬‬

‫والثاني خلقي بايولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعا‬‫للتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر‬ ‫يجعل الأسرة تبقى عليها للإبقاء عليه‪.‬‬‫لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقف‬‫من نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلا‬‫بصورة عرضية‪ .‬ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بل‬‫بتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته على‬‫ظنونه‪... { :‬آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما‬ ‫حكيما} (النساء غاية الآية ‪ 11‬منها)‬‫من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأ‬‫الذي تضعه ثانيا‪ :‬عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلى المسكوت عنه‪ .‬فالمعلوم أن‬‫المالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك‪ .‬والصلة الأولى هي حق الملكية أعني حرية‬‫التصرف في ثمرة عمله‪ .‬والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمه‬‫المظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها‪ :‬وهو جزء من حق التصرف في الملكية ويسمى‬‫حق الوصية‪ .‬لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكية‬‫ثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم‪ :‬وهي صلة قرابة أو صداقة ولا‬‫علاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا‪ .‬لذلك فلا حق للوارث فيما يملك المالك ما دام حيا‪ :‬الإرث حق‬‫بعد الوفاة بمقتضى إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في‬ ‫الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها‪.‬‬‫لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث‪ :‬الأول هو علاقة المالك بما يملك‬‫والثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك‪ .‬والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلة‬‫وهي التي انطلق منها نص الآية في تحديد الفرائض‪ .‬أما العلاقة الأولى فهي بمنأى تام عن المنقول‬‫إليه‪ .‬وموضوع الآية هو إذن محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبنى تفضيله لوارث‬‫على وارث يبنيه عادة على العلاقات العاطفية وعلى الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يختاره المالك‬‫ليرث ملكه‪ .‬الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه‪ :‬هل يكفي لتحديدها علم‬ ‫المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع يحصل له منهم؟‬ ‫‪29 9‬‬

‫أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أو‬‫حرية تصرفه بالوصية فيما يملك حتى لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد على الظن‪ :‬إنها إذن‬‫حد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجود‬‫قبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك‪ .‬لذلك فلا‬‫حق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية‪ .‬وبهذا الحد‬‫تختلف التشريعات في أحكام الإرث‪ :‬فالتشريعات الحديثة (الفرنسية على وجه الخصوص لكون‬‫الأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس فيما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحق‬‫بأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة على نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرع‬‫الإسلامي‪ ..‬والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرم‬‫البعض لمجرد الظن‪ .‬الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقة‬‫في المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ما بقي من ماله قبل الوفاة‪ .‬ويؤيد هذا الفهم الحد من‬‫حرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن‪ :‬فالوصية للورثة ممنوعة والوصية‬ ‫لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة‪.‬‬ ‫‪29 10‬‬

‫وهنا نصل إلى بيت القصيد في النظام التشريعي الإسلامي بعيد الغور النظام الذي يتجرأ عليه‬‫بعض المتفلسفين بأفقر أدوات الفكر لو كانوا يعلمون‪ .‬وحتى نفهم بعد الغور فيه فلنطرح سؤالين‬ ‫جوهريين لكل عمران سوي‪:‬‬‫‪- 1‬ما النظام الاقتصادي الذي نريده؟ هل نريد مجتمع الشركات العامة التي تجعل الناس أرقاما‬‫فاقدين للذوق هدف الحياة الأول أم مجتمع الوحدات التآنسية التي يتحرر فيها الذوق قدر المستطاع‬ ‫من سلطان أسباب الحياة القاهر؟‬‫‪- 2‬وما طبيعة الحياة العاطفية المحددة للانتخاب العضوي بمعاييره السوية طبيعتها التي نريد؟‬‫فالتزاوج الداخلي الذي يصبح القاعدة بمؤثرات العامل الاقتصادي يؤدي إلى الأمراض‬ ‫البايولوجية لفرط تأثير دافع الحفاظ على الملكية الدافع الذي لا ينكره إلى متعام‪.‬‬‫فالتزاوج الخارجي الذي يمكن من تحقيق شروط الصحة العضوية هو التزاوج الذي يكون المحدد‬‫الأول فيه الذوق لا الرزق‪ .‬ولا يتحقق ذلك إذا كان الطمع في إرث المرأة حائلا دون تحريرها من‬‫التزاوج الداخلي من أجل الحفاظ على الملكية ومن ثم مانعا لطلبها من الخارج لقوة الدافع المالي فلا‬‫يبقى إلا طلبها الداخلي‪ .‬ولو انتبهت النخب العجلى إلى هذه البعائد لترددت كثيرا في الجرأة على‬‫كل شيء مع الجهل بأدنى شروط الفهم العميق لمقاصد الشرائع في حياة العمران‪ .‬فحتى لو سلمنا لهم‬‫بأن الشرائع كلها من جنس الشرائع الوضعية فإن الأوضاع ليست متساوية للتمايز بين عقول‬‫الواضعين‪ .‬فمنهم من يرى البعائد ويسميهم اليونان حكماء‪ .‬ومنهم من لا يرى أبعد من ذبابة أنفه‬‫ويسميهم العرب سفهاء‪ .‬فما أشقى المرأة التي يختارها المغازلون لمالها! ولعل الباحثة بمقتضى الجنس‬‫والخبرة أدرى مني بالمفاضلة بين المرأة تُختار حبا لذاتها وجمالها أو تُصطاد طمعا فيما عندها ومالها!‬‫والسؤال الآن هو لم كان الحد القرآني من حرية تصرف المالك في الوصية بهذه الصورة التي‬‫جعلت بعض المعاملات من العبادات دون أن تحافظ على مبدأ العبادات الأساسي أعني المساواة بين‬‫البشر من حيث منزلتهم عند الله إلا بالتقوى أو العمل الخلقي في التعارف كما حددت ذلك آية‬‫التعارف؟ أي لماذا لم يفرض الله الحد بصورة تجعله يساوي بين الذكور والإناث في هذه الفريضة‬‫رغم كونها فريضة أي عبادة وليست معاملة؟ وهذا السؤال كان يمكن أن يكون مفهوما لو طرحته‬ ‫‪29 11‬‬

‫الباحثة بعد أن تكون قد برهنت على فهم معنى الآية بالقصد الأول‪ .‬ذلك أن تحديد مقادير الإرث‬‫هو معناها بالقصد الثاني‪ .‬وهذا القصد الثاني لا يمكن أن يفهمه من غاب عنه القصد الأول‪ .‬فإذا‬‫كان الشارح لم يفهم أن الآية تتعلق بالحد من حرية المالك في التوريث بحسب ظنونه فإنه لا يمكنه‬‫أن يفهم القصد من المقادير التي اختيرت حدا بمعنى ما لا يمكن النزول دونه‪ .‬ذلك أن ما فوقه‬‫يبقى ممكنا بعدة طرق لم يتأخر بعض المالكين والفقهاء عن تصورها وتطبيقها بل هم تحيلوا في‬‫الاتجاه المقابل للهبوط دون هذا الحد الأدنى وحتى لحرمان المرأة من الإرث أصلا اتباعا لما نبهت‬‫إليه الآية وحذرت منه لعلم الله بأن الغالب على البشر بالجبلة تفضيل الذكور على الإناث‪ :‬لا‬ ‫تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ‪.‬‬ ‫والجواب هنا مضاعف ويفهم بفرضيتين‪:‬‬‫‪- 1‬فلو فعل نص الآية فحقق المساواة في توزيع الإرث لكان ذلك معارضة مطلقة لحرية المالك في‬‫التفضيل أعني في حرية الوصية‪ .‬والحد من حرية المالك في الوصية يفقد معناه إذا لم يكن مشروطا‬‫بدواعي الحاجة إلى الحد منها‪ :‬إنها في النص القرآني المعيار المتحكم في إرادة المالك إرادته التي‬‫تعبر عنها وصيته والتي يفهم منها قيس المالك لمقدار الموصى به بنفع الموصى إليه له‪ .‬ومن هذا‬‫القاعدة العامة التي تكاد تكون كلية تنتج قاعدة تفضيل الذكور على الإناث فهي أمر شبه كوني في‬‫المجتمعات البشرية‪ .‬لكن الحد القرآني الذي يعترف بهذه الظاهرة اقتصر على وضع مبدأ الحد‬‫الأدنى (حظ الذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يمنع حق الهبة للبنات لمن كان من الآباء لا يقول بهذا‬‫الأمر شبه الكوني‪ .‬والهبة غير الوصية لأنها تتم في حياة المالك وليست بعد وفاته‪ :‬والهبات يمكن‬ ‫أن تأخذ شكل البيع بسعر تفضيلي ورمزي تجنبا للمماحكات القانونية بعد الوفاة‪.‬‬‫لكن هذا الفهم رغم اختلافه عن تعليل إخوان الصفاء الذي هزأت منه الباحثة دون عميق فهم‬‫لا يقدم من المسألة إلا علتها السطحية وهي علة رغم وجاهتها أقل أهمية من العلة العميقة ذات‬‫الغور البعيد والتي لا يدركها من يسارع لطلب المسكوت عنه ويهمل المنطوق به أعني بعائد المعرفة‬‫العلمية بقوانين العمران‪ .‬وهزء الباحثة من تعليل إخوان الصفاء لا يستحق الذكر لو لم يكن‬‫مشفوعا ببشاعة لا يقبلها حتى الحداثي لأنها مناقضة لما يعتمد عليه من حجج‪ :‬فإذا كان الصداق‬‫أجرا للاستمتاع يعني المتعة الجنسية كما فهمت الأستاذة فهو أذن أجر لما لا يستحق الأجر إذ الاستمتاع‬‫بهذا المعنى متبادل فلم ينبغي أن يدفع الرجل أجرا وكلا الجنسين يستمتع بالعلاقة الجنسية؟ لكن‬‫القرآن لم يقصد بالاستمتاع ما فهمت الباحثة‪ .‬فلو كان ذلك هو القصد لما وجد فرق بين الزواج‬‫وزواج المتعة‪ .‬أفتكون منازل الأسر مجرد مواخير خاصة عند الباحثة والصداق بمقدمه دفعة أولى‬ ‫‪29 12‬‬

‫مقابل جملة عمليات الجماع ثم يصفى الحساب بالمؤخر منه؟! وهل يستغرب مثل هذا التصور ممن‬ ‫يقيس المنزلة الوجودية بمقدار الإرث؟‬‫‪- 2‬ولو فعل نص الآية ما تطلبه الشاكيات مما سمينه بجرح التفضيل الإلهي لفقدت الملكية دوريها‬‫المقومين لتوازن القوى بين وحدات العمران الإنساني الدنيا اقتصاديا وبايولوجيا‪ .‬فالمعلوم أن‬‫العمران البشري كله يدور مباشرة حول موضوعين وردا في سورة النساء ويدور بصورة غير مباشرة‬‫حول نوعي السلطان الناتجين عنهما في العمران‪ .‬ويعبر عن الأمرين المباشرين في الأنثروبولوجيا‬‫بمادتي التبادل الأساسيتين وموضوعي التواصلين المصاحبين لهما موضوعيه الجوهريين إما لعلمه‬ ‫(مصدر السلطان الرمزي) أو للعمل به (مصدر السلطان الفعلي)‪.‬‬‫فالعمران كما يمكن أن يستنتج من نظرية ابن خلدون ومن تفسير سورة يوسف عليه السلام ليس‬‫هو إلا الحل الذي تمكن الإنسان من وضعه خلال تاريخه المتعثر لعلاج هذين التبادلين والسلطانين‬‫المترتبين عليهما من أجل تحقيق الوحدة المتعالية عليها أربعتها بوصفها الوجود المادي والروحي‬ ‫للجماعة البشرية‪:‬‬ ‫فالتبادلان المقومان للعمران هما‪:‬‬‫‪- 1‬التساكن للتآنس ويدور حول معنى الذوق وأصله الحب عامة والحب المؤسس للوحدة الدنيا‬ ‫للقيام الإنساني أو الأسرة ‪ -2‬والتعاون للتعايش ويدور حول معنى الرزق‪.‬‬‫وكلا التبادلين مصحوب بتواصلين هما بالجوهر علم وعمل لما يقتضيانه من نظام يزع المتبادلين‬ ‫ويضبط الحقوق والواجبات‪:‬‬‫‪- 3‬فالأول نظامه ووازعه خلقي روحي ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى‬‫الرمزي من وجود الإنسان ‪ -4‬والثاني نظامه ووازعه سياسي زماني ومهمته الوزع الداخلي والأمن‬ ‫الخارجي في المستوى الفعلي من وجود الإنسان‪.‬‬ ‫ولا يتحقق التلاحم بين المستويين المضاعفين من العمران من دون مبدأ موحد‪:‬‬‫‪- 5‬ثم مبدأ عام يوحد الكل في الجماعة ذات الهوية شبه الواعية بكونها ذات منفصلة عما عداها‬ ‫من الجماعات بكيان جغرافي تاريخي معين يمكن أن نسميه أمة‪.‬‬‫فأما التبادل الأول فهو التبادل الذوقي عامة وأهم شيء فيه هو الحب والتواصل العاطفي الذي‬‫تنبني عليه الحياة التآنسية والتواصل بين وحدات إنتاج الإنسان نفسه في المجتمع‪ :‬الأسر سواء في‬ ‫أضيق مستوياتها (الخلية الأسرية الدنيا) أو في أوسعها (القبيلة)‪.‬‬ ‫‪29 13‬‬

‫وأما التبادل الثاني فهو التبادل الرزقي عامة وأهم شيء فيه هو الملكية والتواصل المصلحي الذي‬ ‫تبني عليه الحياة الاقتصادية والتواصل بين وحدات إنتاج أسباب عيش الإنسان في المجتمع‪.‬‬‫والمعلوم أن السلطان على محددات التواصل الأول والسلطان على محددات التواصل الثاني‬‫ينسحب كل منهما على الآخر‪ .‬وغالبا ما يصبح العامل الثاني المحدد الأساسي للعامل الأول‪ :‬أي إن‬‫الزيجات تكون في الأغلب مصلحية فلا يكون الذوق هو المحدد بل الرزق هو الذي يعود إليه التحديد‬‫في المقام الأول إذ يدخل في الاعتبار عامل الملكية والإرث المتوقع قبل عامل الذوق وخاصة في‬‫المستويات التي تصبح فيها الملكية ذات دلالة سلطانية أي تمكن من سلطان ما يقاس بالمنزلة في السلم‬ ‫الاجتماعي إلخ‪..‬‬‫لذلك فإن تحرير المبدأ الأول (سلطان الذوق) من المبدأ الثاني (سلطان الرزق) ييسر التبادل‬‫الذوقي أو بلغة سطحية يجعل تبادل النساء متحررا ما أمكن التحرر من تأثير تبادل الرزق‪ .‬وذلك‬‫هو الشرط الضروري ولعله الكافي كذلك لتشجيع التزاوج الخارجي والعزوف عن التزاوج الداخلي‬‫فيحصل التبادلان بأفضل طريقة للفصل بينهما ما أمكن أعني بالحد من تأثير الثاني في الأول‪:‬‬‫التبادل الذوقي والتبادل الرزقي‪ .‬ثم إن هذا الشرط لا يقتصر على تشجيع التزاوج الخارجي بل‬‫هو أيضا يحافظ على معنى التقابل بين الداخل والخارج بمعيار موضوعي فيمكن من تمتين التلاحم‬‫الداخلي في الوحدات الدنيا ومن توطيد التواصل الخارجي بينها‪ :‬فالثبات النسبي لملكية الأرض أو‬‫رأس المال مثلا في الأسرة يجعل الملكية تنمو ويقلل من انفراط الوحدات الدنيا للعمران أعني‬ ‫وحدات التساكن للتآنس‪.‬‬‫ومن له دراية بعلم الاقتصاد يدرك أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على أساسين ليس منهما بد‪:‬‬‫احداهما محررة للإنسان والثانية مستعبدة له‪ .‬فالوحدات الاقتصادية ذوات الاسم الخفي تزيل‬‫الحدود بين الوحدات الدنيا (الأسر والشركات الأسرية) بل وحتى بين الوحدات القصوى (مثل‬‫الأمم والدول) فتزيل النسيج الاجتماعي عامة سواء كان وطنيا أو دوليا ويصبح الجميع أرقاما في‬‫آلة جهنمية هي بالذات مجتمع الحداثة التي يكون فيها الإنسان لولبا من لوالب السوق أو برغيا من‬‫براغيه‪ .‬والشركات المتوسطة والصغرى‪-‬وهي في الأغلب أسرية‪-‬لا تقتصر على المحافظة على الملكية‬‫وحدها بل هي تحافظ في نفس الوقت على النسيج الإنساني الذي هو المطلوب الأول والأخير للحياة‬‫البشرية إلا عند من يفضل الأرقام على البشر‪ .‬ثم إن دورها التنموي لا يقل عن دور الأولى بل‬‫إن دورها التنموي أهم بكثير لأنها هي التي تمثل أهم مغذ لسوق الشغل إذ إن الشركات الكبرى‬ ‫‪29 14‬‬

‫تستعيض بالآلة عن العمال والشركات الصغرى ليس لها القدرة على كلفة الآلات فتبقى مصدرا مهما‬ ‫للعمل الإنساني‪.‬‬‫بل إن الشركات ذات الاسم الخفي بخلاف ما يظن من ليس له علم بالاقتصاد الحديث لا تستمد‬‫قوتها الاقتصادية إلا من هذه الشركات ذات الاسم العلني الذي هو في الغالب اسم أسرة‪ :‬إنها في‬‫الحقيقة ليست وحدات إنتاج بل هي وحدات تسيير للإنتاج الذي لا يتحقق حقا إلى في الشرطات‬‫الصغرى والمتوسطة وهي إذن من جنس تغول السلطان الرزقي الذي يلغي الذوق لكي لا يبقي إلا‬‫على سلطان السوق‪ .‬وذلك هو المعنى الحقيقي لمصطلح الاستمداد الخارجي الانجليزي‬‫‪Outsourcing‬الذي لجأ له الاقتصاد الحديث للجمع بين الشكلين من عمل الملكية من حيث هي أداة‬‫إنتاج اقتصادي ويماثله انتقال وحدات الإنتاج إلى البلاد النامية بالمصطلح الفرنسي‬‫‪Délocalisation‬حيث لا يزال العمل جاريا في وحدات صغرى تحافظ على التساكن من أجل التآنس‬‫حيث لا يزال لهاتين الكلمتين معنى عند أهل البلاد التي تنتقل إليها الصناعات الفرعية المغذية‬‫للشركات الأم‪ :‬وهنا ينبغي التذكير بمعنى الاستمتاع القرآني الذي ظنته الأستاذة تحويلا للأسر إلى‬‫مواخير في حين أن القصد هو التآنس والتساكن حيث يكون للمرأة الدور الأكبر في كل المجتمعات أيا‬ ‫كانت مزاعم التقدميين‪.‬‬‫وحاصل القول مما سبق أن النخب العربية التي تدعي التفلسف بقراءة كتاب أو بلغة تونسية‬‫خالصة النخب التي \"من زبيبة تسكر\" لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوص‬‫الدينية وأولى خطاهم القفز على المنطوق به فيها حتى لو سلمنا لهم بحق معاملتها معاملة النصوص‬‫الأدبية‪ .‬فمن شروط فهم أي نص العلم بالظاهرة التي يعالجها في ذاتها وبالقصد الأول‪ .‬وهي هنا‬ ‫ظاهرة مضاعفة‪:‬‬‫‪- 1‬اقتصادية في علاقتها بقانون الملكية وحق التصرف فيها بالوصية والتوريث تحديدا لدوري‬‫الملكية المقومين لجوهرها‪ :‬دورها الدال على القدرة المحققة للإرادة عند الشخص الإنساني من حيث‬‫هو ذات مدنية لها حقوق وعليها واجبات ودورها الدال على النسيج الرزقي المحقق للتعاون من أجل‬ ‫القيام المادي لحياة الفرد والجماعة‪.‬‬‫‪- 2‬وبايولوجية في علاقتها بما يترتب عليها في تبادل النساء في العمران تبادلهن الذي ينبغي‬‫تحريره من تأثير العامل الاقتصادي حتى لا يلغي كل إمكانية للتزاوج الخارجي إذا كان خروج المرأة‬ ‫سيؤدي إلى تهديم الرصيد الرزقي‪.‬‬ ‫‪29 15‬‬

‫وهكذا فهذا النص القرآني لا يعالج قضية المساواة بين المرأة والرجل ولا مسألة المنزلة الوجودية‬‫للإنسان ذكرا كان أو أنثى بل هو يعالج مسألتين ليس من علاجهما بد لتحقيق أفضل شروط القيام‬ ‫الاقتصادي والبايولوجي للجماعة‪:‬‬‫الحد من حرية المالك في التصرف في ملكه بصورة تحول دونه والتحول إلى طاغية فيكون في تصرفه‬‫وكأنه رب وينسى أن علمه بعلاقة غيره به محدود فضلا عن علمه بأثر الملكية والعواطف في السلطان‬ ‫المستمد منهما على الحياة البشرية الجماعية‪.‬‬‫الحد من دور الرزق في الذوق لتحرير تبادل النساء من سلطان المال فلا يكون ما يعود إليها من‬‫مال الأسرة حائلا دونها والخروج منها إلى أسرة أخرى فيمتنع التبادل الخارجي ويصبح المجتمع أسرا‬‫منفصلة تمام الانفصال ويصبح المجتمع ارخبيل قبائل فضلا عما يؤدي إليه ذلك من فساد بايولوجي‬‫بسبب التزاوج الداخلي إذ إن ما حصل من فصل بين القبائل سيحصل بين أفخاذ القبيلة الواحدة‬‫وهكذا إلى أن نعود إلى زواج الأخ من أخته أو إلى حرمانها من الإرث أصلا وفرض العنوسة عليها‪.‬‬‫وتلك هي وظيفة القانون‪ :‬التوفيق بين عدة عوامل لتحقق التوازنات الأساسية لقيام العمران‬‫ذوقا ورزقا وسلطان ذوق (السلطان الروحي) وسلطان رزق (السلطان الزماني) ووحدة الكل في‬‫الجماعة المتجانسة في حياة لا تقتصر على تحديد المنازل بالرزق بل يكون فيها للذوق المنزلة الأولى‪.‬‬‫ليست وظيفة القانون تحديد المنازل الوجودية بل حمايتها بهذا التوازن الذي ذكرنا‪ .‬أما تحديدها‬ ‫فهو مادة لضرب آخر من النصوص كما سنرى في هذه المسألة الثالثة‪.‬‬‫بينا أن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية لا بذاتها ولا بمقدارها إلا عند من لا يدرك المقصود‬‫بالمنزلة الوجودية حصرا إياها في الأمر الواقع لعلاقات القوة الاقتصادية وبينا مقومات المنزلة‬‫الوجودية وبقي أن نسأل عن مدلول التفضيل الإلهي وهل هو لصالح الرجل أم لصالح المرأة في‬‫القرآن الكريم‪ .‬ولن يفهم هذا التحليل إلا من كان متحررا ما أمكن مما ربي عليه من أحكام مسبقة‬‫استبدلت الصور المشوهة لما انحط من حضارة المسلمين بالمعاني العميقة للقرآن الكريم سواء كانت‬ ‫هذه الصور المشوهة موجودة فعلا أو من وقع الأدبيات الاستشراقية بكل أجيالها‪.‬‬‫ولنبدأ بمدلول التفضيل الإلهي‪ :‬فهو قضية أساسية في نظرية العدل أو التنزيه ويشار إليها عادة‬‫بمصطلح مركب من كلمتين يونانيتين تفيدان العدل الإلهي ‪ Théodicée.‬لو كان التفضيل الإلهي‬‫تفضيلا بمعنى الاجتباء التحكمي غير المعلل لكان ظلما إلهيا‪ .‬وهذا هو قصد الجرح الذي تتكلم عليه‬‫الأستاذة‪ .‬وكلامها يكون صحيحا سواء صح التفضيل لصالح الرجل أو المرأة أو أي كائن آخر لو كان‬ ‫القصد به هذا الفهم من التحكم الإلهي‪ .‬فالتفضيل الوارد في القرآن له خمسة معان‪:‬‬ ‫‪29 16‬‬

‫‪ -1‬تفضيل آدم وبنيه على الملائكة باستخلافهم‬ ‫‪ -2‬وتفضيل بني إسرائيل على العالمين باصطفاء الكثير من الأنبياء منهم قبل نقض العهد‬‫‪ -3‬وتفضيل المؤمنين على الكفار بتوريثهم الأرض‪ .‬وقبل هذه الثلاثة الصريحة نجد تفضيلين‬ ‫مضمرين هما‪:‬‬ ‫‪ -4‬تفضيل الوجود على العدم قبل النشأة الأولى‬ ‫‪ -5‬ونجد بعدها تفضيل البعث على العدم بعد النشأة الثانية‪.‬‬‫وكل هذه الضروب من التفضيل معللة‪ .‬ولا أعلم تفضيلا آخر ورد في القرآن بهذا الوضوح‪ .‬لذلك‬‫فالكلام على تفضيل الرجال على النساء في آيات الإرث والنشاز ليست بالأمر البين كما يتصور‬‫العجلون‪ .‬لأن الآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر التفضيل عند الكلام على العلاقة بين الرجل والمرأة‬‫لم يعين الفاضل فيها ولا المفضول‪ .‬ذلك أنها نسبت ما يتصوره البعض علة القوامة الأولى أو الإنفاق‬‫إلى الرجال لكنها لم تنسب الفضل إليهم بل بقي الضمير والتبعيض (فضل بعضهم على بعض)‬‫شاملا لكلا الجنسين عند من يحسن القراءة‪ .‬فإذا لم تفهم القوامة بمعنى السلطان‪-‬وهو أحد الفهوم‬‫لكنه هو الذي طغى‪ -‬بل فهمت بمعنى الرعاية بات المفضل في هذه الحالة هم النساء لأن القيم يكون‬‫في خدمة ما هو قيم عليه‪ .‬فيكون الرجال قيمين على النساء لأنهن أفضل ومن هذه القوامة الإنفاق‪.‬‬‫وتعليل هذا الفهم هو بالذات المنزلة الوجودية التي أكثرت الباحثة الكلام عليها دون فهم معناها‬‫للجهل بالفرق بين المقوم والعرضي‪ .‬فإذا قيست المنزلة الوجودية بما تقاس به في الفكر القديم‬‫والوسيط (بمنطق القائلين بتاريخية النصوص والباحثة منهم) كان المعيار في تحديد المنزلة الوجودية‬‫هو معيار التراتب بين المادة والصورة الذي هو غير الترتيب بينهما‪ .‬ومعنى ذلك أن السابق شرط‬‫اللاحق ماديا واللاحق شرط السابق غائيا‪ :‬فما صنع من شيء يكون وجوديا أسمى منه وجوديا لأنه‬‫يكون صورة بالقياس إليه مادة‪ .‬ولما كان المعتقد السائد عندئذ أن المرأة خلقت بعد الرجل وهي منه‬‫حتى لو صدقنا أنها من ضلع فقط فإن معنى كون الرجل مادة صنعت منه المرأة يجعله في نسبة المادة‬‫إلى الصورة فيكون بالقياس إليها أقل تطور في سلم التصوير الوجودي أعني دونها منزلة وجودية‪.‬‬‫ذلك أنه لو كان الرجل أرقى وجوديا لكانت المرأة مادة وجوده لا العكس ولكان هو الصورة والغاية‬‫وهي المادة والبداية‪ .‬الرجل هو الشرط المادي لوجود المرأة وهي الشرط الغائي لوجوده لها ما عنده‬‫مع ما أضيف إليها لتكون غيره ولا يختلف عنها إلا ما ينقصه بالقياس إليها‪ .‬لذلك فهو يكون قائما‬‫بها وليس قائما عليها فحسب‪ :‬قيامه عليها سببه قيامه بها لأن المرء لا يحفظ إلا ما يعز وقد يفسد‬‫إدراك ذلك في التعامل المرضي‪ .‬لكنه يبقى لا يتحول في التعامل السوي‪ :‬فالسلطان الفعلي بيدها‬ ‫‪29 17‬‬

‫حتى وإن بدا السلطان الوهمي بيده بل هو لا يجد في سلطانه معنى إلا بما تلاعبه به من قبول هذا‬ ‫السلطان القبول الطوعي‪.‬‬‫وهذا قانون كلي‪ :‬فهو يشمل كل الكائنات الحية ويدركه كل ذي بصيرة‪ .‬وبهذا المعنى فإن الرجل‬‫مقدم في السلطان على الرزق أعني السلطان الزماني أي سلطان الأدوات والمرأة مقدمة في السلطان‬‫على الذوق أعني السلطان الروحاني أي سلطان الغايات‪ :‬والسلطان الروحاني يبدو تابعا للسلطان‬‫الزماني لكن التبعية في العمق هي للروحاني على الزماني دائما‪ .‬فالذوق هو الحكم في الغاية لذلك‬‫كان صاحب السلطان الزماني تابعا دائما لصاحب السلطان الروحاني‪ .‬وفي الحقيقة فإن التبعيتين‬‫موجودتان‪ .‬لكن تبعية الروحاني للزماني هي تبعية المبدأ الصوري للمبدأ المادي أي إنه يحتاج إليه‬‫حاجة طالب المبنى للمبنى وتبعية الزماني للروحاني هي تبعية المبدأ المادي للمبدأ الصوري أي إنه‬‫يصبو إليه صبو طالب المعنى للمعنى لكأن المرأة هي المدلول والرجل هو الدال ووحدتهما هي عين‬‫الدلالة في ما يسمى سلطانا من حيث هو عبارة المنزلة الوجودية التي يسميها ابن خلدون‪ :‬حب التأله‬ ‫أي الحرية المطلقة‪.‬‬‫ولما كان الرجل ممثلا للعلة المادية بالنسبة إلى المرأة فإن ما يعني المرأة منه هو ما فيه مما يهم‬‫الصورة في فعل التصوير‪ :‬أن يكون أمرا بحاجة إلى صقل هو عين عمل التصوير‪ .‬وما يحتاج إلى‬‫الصقل هو هذا العصيان المادي والصبو إلى الغلبة خلال التعبير عن الانغلاب‪ :‬لذلك كان الحب‬‫لطيفا بما فيه من بقايا الوحشية التي لو خلا منها لفضل عليه الجنسان العلاقة المثلية دون سواها‪.‬‬‫وهو ما بدأ يغلب في العمران الذي خلا مما وصفنا‪ .‬لكن الدليل الموجب على ما نقول هو ما يحصل‬‫فعلا وليس بمجرد الفرض‪ :‬فالمرأة التي تدعي رفض هذا التشخيص لا ترفضه إلا في العلاقة‬‫الزوجية لكنها تطبقه في العلاقة الغرامية‪ :‬فهي فيها تطلب الذكر الأقوى فتخضع خضوعا ليس له‬‫مثيل إلا ما نراه عند الأنثى في جميع الكائنات الحية بعد لعبة الإغراء لاختيار الذكر المناسب‪.‬‬‫وكذلك يفعل الرجل‪ :‬فهو يقبل كل التضحيات لكأنه من فوارس الجاهلية العربية في مثل هذه‬ ‫العلاقة دون أي شعور بأن رجولته في الميزان مهما كان هشا وبشا‪.‬‬‫فيكون غرض الشارع أن يجعل ذلك ممكنا في العلاقة الشرعية بين الزوجين إذ يصبح من بنود‬‫عقد الزواج‪ :‬أن يتصرف الزوجان وكأنهما عشيقان وهو المقصود بأن العلاقة تكاد تكون علاقة عبادة‬‫من المرأة للرجل وعلاقة تقديس من الرجل للمرأة دون أن يكون في ذلك حاجة لتطبيق الآية التي‬‫سخرت منها أعني آية التدرج في حفظ العلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة (بشرط أن يكونا مسلمين‬‫أي يطبقان على أنفسهما ما يطالبان به غيرهما‪ :‬إذ لا يحق لمن لا تتوفر فيه شروط الإيمان بأصل‬ ‫‪29 18‬‬

‫الحكم أن يطبق ما له ويتنكر لما عليه منه) حفظا قد يؤدي إلى مراحل العقاب الثلاث عند حصول‬‫النشاز (من قبل المرأة لأن للنشار من قبل الرجل له حكمه المناظر المحدد لطبيعة المسألة في الحالتين‬‫لكن الناس لا ينتبهون إليه لفساد طرقهم في القراءة والفهم) مع عدم التسريح بالمعروف بسبب‬‫صمود العلاقة الغرامية بين الزوجين‪ .‬ذلك أنه لو لم تكن الآية تتعلق بهذا النوع من العلاقة لما كان‬‫الحكم بحاجة إلى هذا التدرج ولكان الحل البديل المغني عن جميع الدرجات هو حل التسريح‬ ‫بالمعروف‪.‬‬‫لكن السلطانين الزماني (الذي يغلب عليه دور الرزق) والروحاني (الذي غلب عليه دور الذوق)‬‫أصبحا لا اسميين في العمران الذي باتت فيه المنزلة الوجودية تقدر بالمنزلة الاقتصادية أعني أنهما‬‫أصبحا فكرتين مجردتين فاقدتين لكل تعيين رغم أنهما في الحياة غير الشرعية الموازية للحياة‬‫الشرعية هما الفاعلان حقا بل هما المهربان من هذه الآلية الجهنمية كما بينا في العلاقات الغرامية‬‫غير الشرعية التي صارت بديلا من الزواج الذي بات مجرد شركة اقتصادية لا غير‪ :‬ولسوء الحظ‬‫فالعلاقات الغرامية نفسها قد يكون أفسدها استغلال السلطان الأكاديمي في توزيعه العناوين‬‫الجامعية! إن الآلية العمياء لفكر التحديثيين الذين فقدوا كل ذوق جعلت المساواة الرياضية‬‫العمياء أو الرقمية التامة مثال المنزلة الوجودية مثالها الأعلى‪ .‬وكان ينبغي عندئذ أن يعترفوا‬‫بأنهم لا يعترفون إلا بنوع واحد من المنازل‪ :‬منازل الأرقام اللااسمية في سوق السوقة أعني البضاعة‬ ‫التي يحدد منزلتها السوقية عرض المتسوقة وطلبهم‪.‬‬‫لم أفهم لجوء الاستاذة إلى قياس الإرث المخول للمرأة في الشرع الإسلامي بالإرث المخول لابن‬‫الزنى في القانون الفرنسي‪ .‬فهل وحدة المقدار بمجردها كافية لتكون مبررا للقياس؟ ومع ذلك فلست‬‫ممن ينفي حرية الباحثة في اختيار نموذج الصوغ النظري الذي ترتئيه‪ :‬فلها كامل الحق في ذلك‪.‬‬‫اختارت الباحثة إذن أن تقيس هذين الأمرين ربما بسبب ما فيه من التبشيع المقصود إذ قد بينا ما‬‫يجعل القياس خاليا من الدور المأمول في عملية معرفية تعتمد على ترجمة من هذا الجنس وهو فيها‬‫لا يكون مطلوبا إلا لهذه الغاية‪ .‬فأصبحت الترجمة مجرد حيلة خطابية توحي للقارئ بسؤال‬‫استنكاري قد يكون نصه قريبا من‪ :‬كيف يمكن لشريعة يزعمها أصحابها سماوية أن تكون نظرتها‬ ‫إلى المرأة دون نظرة شريعة وضعية لابن الزنا ثم يواصل المؤمنون بها اعتبارها مقدسة؟!‬‫وهذا أيضا مما لا أناقش فيه‪ .‬فهو أمر مشروع عند من يميل إلى الكتابة الخطابية رغم بدائيته‬‫لخلوه‪-‬ليس بالذات‪-‬بل عند الباحثة من حذق الخداع الذي يرغب فيه الخطباء‪ :‬فالاستبشاع من‬ ‫‪29 19‬‬

‫أدوات التأثير في الإقناع الخطابي بشرط أن يكون خفي الخيوط وبارع الحياكة فلا تبرز مخارزه‬‫للعين المجردة فيفتضح صاحبه ويحصل الوقع المقابل‪ .‬أما منطقيا فقياس الباحثة بين الحالتين المقيسة‬‫والمقيس عليها لا يستقيم إلا إذا سلمنا لها بما بنت عليه علاجها‪ :‬سلمت أن العلاقة بين مقدار الإرث‬‫دالة المنزلة الوجودية للوارث دالة بالمعنى الرياضي للكلمة ‪function (in a mathematical‬‬‫)‪meaning‬ومن ثم فالتساوي في مقداره دليل على التساوي في مقدارها (بل هي ذهبت إلى أكثر‬‫من ذلك إذ الحل الإسلامي بات عندها مفضولا والحل الفرنسي فاضلا لأن ابن زنا في هذا أكبر حظا‬‫من البنت في ذاك)‪ .‬وقد عالجنا مسألة العلاقة بين المنزلة الوجودية والملكية والإرث عالجناها آنفا‬‫في ثانية المسائل الموضوعية فبينا سخف هذا الحكم فضلا عن كونها تسلمته ولم تعتبره بحاجة إلى‬ ‫دليل‪.‬‬‫لكن إذا كانت الباحثة قد اعتمدت طريقة الترجمة فمعنى ذلك أن الظاهرة المترجم إليها تبدو‬‫لها ذات شفيف كاشف للبنية النظرية التي أرادت استخراجها لشرح سطح الظاهرة بعمقها أعني‬‫بالنموذج المحدد لقوانينها بالمعنى الرياضي للكلمة‪ .‬وليس بعزيز أن تجد في حديث المتحدثات عن‬‫الحداثة من يفهمن هذه الأحداث البديهية لأن حظهن من العلم ينبغي ألا يقل عن حظ ابن الزنا‬‫حتى في القانون الفرنسي قبل تعديله الأخير إرثا عن أصحاب الحداثة قيسا لقيمها على قيم الملكية‬‫في مثالنا‪ .‬فعندما نترجم معطيات مشكل رياضي بلغة الجبر لحله فنصوغ معطياته بمعادلة جبرية‬‫يكون المقصود بالترجمة الانتقال من الصوغ الذي ينطق بمعجم اللغة الطبيعية ونحوها إلى الصوغ‬‫الذي ينطق بمفردات الجبر وقوانينه‪ .‬عندئذ تصح الترجمة الصوغية‪ :‬إذ النقلة تغير مستوى‬‫الصوغ فتيسر إجراءات العلاج لكونها تبين الخفي من البنية الباطنة للظاهرة المدروسة‪ .‬وهي لا‬ ‫تكون كذلك إلا بافتراض شرطين يصعب أن يتوفرا في مثال الأستاذة متراتبين على النحو التالي‪:‬‬‫فالشرط الأول هو أن يكون الانتقال ضروريا للعلاج علما وأن فعل الانتقال من الصوغ الذي لا‬‫يقبل العلاج العلمي (إرث البنت في الإسلام) إلى الصوغ الثاني (إرث ابن الزنا) الذي يقبله ذا‬‫قواعد معلومة لأهل الاختصاص ومتفق عليها‪ :‬شرط وحدة السياق بين الظاهرتين أعني عدم‬ ‫أخذهما بمعزل عنه وهو هنا روح القانون العامة‪.‬‬‫والشرط الثاني هو شرط الشرط الأول وهو أن يكون بين الصوغين تشاكل بنيوي يبرزه الصوغ‬‫الثاني ويخفيه الصوغ الأول وهو عينه ما يمكن من العلاج‪ .‬فالصوغ الثاني ليس هو العلاج بل هو‬‫كما في مثال الصوغ الجبري يمثل منطلق العلاج المؤدي إلى الحل تحليلا أو تركيبا‪ :‬شرط التشاكل‬ ‫البنيوي بين نظامي الملكية والوصية‪.‬‬ ‫‪29 20‬‬

‫فهل الحكم القانوني الذي يحدد الإرث عند ابن الزنا في القانون الفرنسي الذي تشير إليه‬‫الباحثة يشترك مع النظام الذي يحدد الإرث عند البنت في الشرع الإسلامي في غير المقدار؟ وهل‬‫اعتبار انتقال الملكية بالإرث حقا للوارث يقتضي المساواة بين الورثة يبقي لمفهوم الحرية في التصرف‬‫في الملكية معنى خاصة إذا لم نجد أدنى مبرر لحصر هذا المبدأ في الأخوة؟ وهل الاشتراك في المقدار‬‫وحده كاف للقول بالتشاكل البنيوي بين الظاهرتين الموصوفتين أم إنه يستوجب الاشتراك في العلة‬‫العميقة التي بموجبها يحدد المقدار أيا كان كما علل القرآن سبب نهي المالك من تفضيل من سيوصي‬‫له بما يظنه علما بمن هو أكثر نفعا له من بينهم؟ والعلة إن وجدت ألا ينبغي أن تكون هي عينها‬‫جوهر المبدأ الوجودي الذي يستند إليه التشاكل البنيوي العميق تحت سطح الظاهرتين؟ والتشاكل‬‫المبني على المقدار حتى عند التسليم بقابليته للاستعمال في الكلام على الإرث معدوم في هذه الحالة‬‫بسبب الخلل في حدود المعادلة‪ .‬فالمقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة لو لم يكن أحد الحدود الأربعة‬‫مختلفا‪ :‬فمقدارا الإرث متجانسان (النصف في الحالتين) لكن الوارثين من جنسين مختلفين (ذكر‬‫وأنثى) إلا إذا كان مدلول ابن الزنا يعني الجنسين عند الباحثة‪ .‬لذلك فالتشاكل حتى لو قبلناه لن‬‫يكون وجوديا بل رياضي لا غير بمعنى انتسابه إلى طبيعة طريقنا إلى علمه وليس إلى طبيعته هو‬‫طبيعته التي لا ندري ما هي دراية تمكننا من زعم الكلام على المنزلة الوجودية لمن تنسب إليهم‬ ‫الحقوق‪.‬‬‫فعلاقة الطبيعتين إحداهما بالأخرى منعدمة أعني أن الوجود (معين المنازل الوجودية) والمال‬ ‫(معين مقادير الملكية الموروثة) ليس بينهما علاقة مباشرة‪.‬‬ ‫‪29 21‬‬

‫ومن يدرس العلاقة يجدها تمر بتوسط الحقوق التي تضبط أمرا يكون مشتركا بينهما له شيء من‬‫طبيعة حدي التوسط‪ .‬فمن المنزلة الوجودية تنبع الحرية شرط إرادة الفعل في المجال الإنساني‪.‬‬‫ومن المال تنبع القدرة عليه في المجال الإنساني‪ .‬فتكون العلاقة بين الملكية من حيث هي أداة الفعل‬‫والحرية من حيث هي علته وغايته أو العلاقة بين الإرادة وإحدى أدوات القدرة موضوع الحقوق‬‫التي تصل القانون الذاتي بالقانون الموضوعي ومن ثم تصل الذات من حيث أحد أبعاد منزلتها‬‫الوجودية بالملكية من حيث أحد أبعاد دورها في تحقيق أحد شروط الإرادة النافذة أي القدرة‪:‬‬‫فيكون الأمر كله متعلقا بحق تملك المال وبحرية التصرف فيه دون وصاية أيا كان مقداره وفي ذلك‬‫تتساوى المرأة والرجل في الشرع الإسلامي ولا أظن الأمر كذلك في أصل الشرع الذي أخذت الباحثة‬‫منه مثالها المحبب‪ .‬ولن يختلف الأمر حتى لو كان كذلك إذ يكون التعلق بحرية التصرف وليس بمقدار‬ ‫المتصرف فيه‪.‬‬‫أما تساوي المقدارين وحده فهو غير كاف ليكون في المقيس عليه دلالة أوضح مما في المقيس في هذه‬‫الحالة على القانون العام الذي يشتركان فيه أعني في التشاكل البنيوي المطلوب المعلل للنقلة من‬‫أحدهما إلى الآخر ومن ثم الممكن من العلاج‪ .‬ولا أظن الكاتبة تستعوص مثل هذا الكلام فهو واضح‬‫حتى للمبتدئين في فنون العلاج الرياضي فكيف بالمتجاسرين على تفسير القرآن بمثل هذه الأقيسة‬ ‫العجيبة؟‬‫وظني‪-‬والله أعلم‪ -‬أن علة نصف الإرث عند ابن الزنا غير علة نصف الإرث عند البنت في الإسلام‬‫رغم علمي أن هذا النصف الأخير ليس معللا في أي نص قرآني اللهم إلا إذا حملنا محمل الجد ما‬‫استنتجته الكاتبة بتأويلاتها لتاريخ خصومة الإرث عند العرب في الجاهلية وفجر الإسلام‪ .‬فكل هذه‬‫التأويلات أقل ما يقال فيها إنها ليست مبنية على قواعد سليمة كما سنرى في المسألة المنهجية الموالية‪.‬‬‫فعلة مقدار الإرث ينبغي أن تكون من جنس الموروث أعني أنها ينبغي أن تكون من خصائص الملكية‬‫الكمية وليس من كونها ملكية ولا من كونها دالة على الحرية التي هي مقوم من مقومات المنزلة‬‫الوجودية‪ :‬فحرية التصرف في المال لا تقدر بمقدار المال بل بمقدار التصرف‪ .‬ولا شك أن مدى‬‫فاعلية الحرية يمكن أن تقاس بمقدار المال في المجتمع الإنساني لتقدير المنازل الاجتماعية بمقداره‬ ‫‪29 22‬‬

‫وخاصة في المجتمعات الأليغارشية كالتي يحلم بها حداثيونا ويسمونها ديموقراطية‪ :‬يصعب أن يفهموا‬‫التشريع المعد لمجتمع ذي قيم ارستوقراطية تشمل الجميع مجتمع للفضيلة فيه معنى وبها تحدد‬ ‫المنازل لأن معيارها التقوى في التعارف وليس التقية في التناكر‪.‬‬‫وفي هذه الحالة تكون علة النصف في إرث ابن الزنى ‪-‬والله أعلم‪ -‬تقليد موروث عن العرف‬‫الفرنسي قبل الثورة بقي في لاوعي المشرع الفرنسي‪ .‬فهو ابن من أم لم تدفع لأبيه ما يقابل‬‫الصداق عندنا لأنه لم يتزوجها قانونيا‪-‬كما هو الشأن في عرفهم المشار إليه ولا ننسى أننا نتكلم‬‫على من عندهم ما يورث ولهم القدرة على الزنا المعلن والاعتراف بالأبناء الطبيعيين بالمصطلح غير‬‫الديني ما دمت أتكلم بلغة الأكاديميين المتحررين من هذه المفردات غير المحايدة فلا معنى لوصف‬‫العلاقة بالزنا عندهم !‪ -‬فلا يكون له من الإرث إلا نصف حق الابن الشرعي الذي يرث من الثروة‬‫بكاملها ‪ -‬أعني من ثروة الأب وفيها ثروة الأم التي انضمت إلى ثروته والتي يعد الصداق جزءها‬‫الأهم‪-‬وليس من نصفها‪ .‬وهذا يبين أن النصف هنا عادل بإطلاق‪ .‬لكن مثل هذا التعليل منعدم في‬‫الحالة الإسلامية‪ :‬ليس للأب مبرر لحرمان البنت من النصف الذي خصم من حقها الكامل بمنطق‬‫الباحثة إذ حتى هذه الحجة التي وجدناها لنصف ابن الزنا ليس لها وجود لبنت الحلال! إنه حرمان‬ ‫تحكمي مائة في المائة‪ :‬ليس من مبرر قابل للتصور من أصل الملكية نفسها كما في حالة ابن الزنا‪.‬‬‫لكن الباحثة استعاضت عن العلة التي حددها الشرع الإسلامي بعلة استنبطتها بعملية تأويلية غير‬‫مشروعة منطقيا وفلسفيا سنأتي إليها لاحقا‪ .‬فالعلة عندها ليست إلا مجرد تحيل ينصف به الشارع‬‫المفضول للمحافظة على منزلته الدونية أو مفضوليته‪ .‬وهو عندها لن يتحرر إلا بالعدل الذي هو‬‫عندها المساواة وهي في عرفها فوق الإنصاف‪ .‬وكنت في الحقيقة أظن الإنصاف أبلغ من العدل لأنه‬‫يتجاوزه إلى الإحسان فإذا بي أجده قد أصبح حائلا دون العدل والمساواة‪ .‬فلا العدل هو أن تعطي‬‫المرء ما يستوجبه مقامه ولا الإنصاف هو أن تقسم معه مناصفة دون اعتبار للمنازل بل العكس هو‬ ‫الصحيح عند فيلسوفة الحقوق في فقه اللغة الحداثية‪ :‬ربي زدني علما‪.‬‬‫والمشكل الأهم في هذه الترجمة العجيبة أن الأستاذة لم تبحث في تعليل مناصفة ابن الزنا أصلا‬‫فضلا عن عدم الوعي بعدم تعليل مناصفة الإناث في الشرع الإسلامي‪ .‬لكنها حاولت طلب التعليل‬‫من خارج النص واللجوء إلى أسباب النزول بدون رابط بين الآية وسبب نزولها كما حاولت طلبه من‬‫غير الآية إما في السنة أو في تاريخ الجاهلية‪ .‬وهذا خروج عن مفهوم سبب النزول من أصله تسليما‬‫جدليا منا بأن سبب النزول يصلح تفسيرا لكون النصوص هي على ما هي عليه فيتجاوز كونه من‬ ‫دوافع إيجاد النص المعلومة وليس علة كونه على ما هو عليه‪.‬‬ ‫‪29 23‬‬

‫وحاصل القول إن الترجمة لم تكن بهدف صوغ المعادلة التي تساعد في العلاج بل هي من جنس‬‫حيل الخطابة التي تعتمد على الاستشناع الخطابي من أجل الاستفظاع الدرامي المؤدي إلى إقناع‬‫المخاطب برأي الخطيب الذي أعيته الحجة بمقومات ما يصفه بخطابه‪ .‬ولعله من فساد الذوق أن‬‫يقارن المرء شرعا مقدسا عند شعبه حتى وإن لم يكن المقدس ذا معنى عنده بمدنس حتى في الشرع‬‫الوضعي الذي اعتمده رغم كونه يجهل منه العلل والأسباب‪ :‬فتكون الشريعة الإسلامية في مسألة‬‫إرث البنت أشنع من الشريعة الفرنسية في إرث ابن الزنا‪ .‬ولما كانت ثروة الأب ليست له وحده في‬‫نظام الملكية التي أخذ منها مثال إرث ابن الزنا بل هي ثروة الوالدين كان من المعقول جدا ألا‬‫يحصل ابن الزنا إلا على نصف ما يحصل عليه الابن الشرعي‪ .‬ولما كانت الباحثة قد تكلمت عن ابن‬‫الزنى دون بنت الزنا فإننا لن ندلي برأي حتى تفعل على ألا ننسى المساواة بين حظ الزواني والزناة‬ ‫حظهم من العلوم التي تقيس المنازل الخالدات بالفاني من الممتلكات‪.‬‬‫لعل فهوم الحداثيين لا تزال دون إدراك الفرق بين السبب والعلة‪ .‬لعلهم لا يدركون أن السبب‬‫لا يعدو أن يكون الحدث العارض الذي يمكن أن ينبه الإنسان إلى أمر‪ .‬لكن علة الأمر غير سبب‬ ‫إدراكه‪ .‬فالأمران ينتسبان إلى سلسلتين من الأحداث مختلفتان تمام الاختلاف‪:‬‬ ‫أولاهما متصلة بأثر وقعه يجري في مستوى الأحداث النفسية (=صغائر التاريخ)‪.‬‬ ‫والثانية لها تعلق بترابط الأحداث التاريخية (=عظائم التاريخ) الذي انتبه إليها الإدراك‪.‬‬‫وهذا الأمر مقوماته ذات ترابط وجودي لا يُعلم إلا بما يكونه العقل من ترابط بين حدود منطقية‬‫مشاكلة للحدود الوجودية و ُيجهل إذا ظنت علله راجعة إلى الأحداث النفسية‪ .‬ولنضرب مثالا‬‫مشهورا حتى يفهم من يدعي الفهم من دون أسبابه‪ :‬فلو صحت نظرية مفسري التشريع الإسلامي‬‫بأسباب نزول القرآن لكانت خرافة التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن تفسيرا لبنية قانون‬ ‫الجاذبية!‬‫لا فائدة من التذكير بدلالة المطلع الشهير لأشهر قصائد المتنبي‪ .‬فتفسير جلائل التاريخ بصغائر‬‫أحداثه هو الأصل في الأهمية التي يوليها من يخلط بين أسباب النزول وعلل كون النازل هو على ما‬‫نزل عليه‪ .‬ويذكرني هذا بموقف ابن خلدون ممن يفسر نكبة البرامكة بالعلاقة الغرامية بين‬‫العباسة والبرمكي وليس بالصراع السياسي بين العصبيتين العربية والفارسية‪ .‬فعندي أن كل‬‫محاولات فهم التشريع القرآني بأسباب النزول‪-‬حتى لو توفرت وكانت العلاقة بين النص والأسباب‬ ‫‪29 24‬‬

‫ثابتة‪-‬لا تعدو أن تكون تفسيرا للتاريخ الكبير بالتاريخ الحقير‪ :‬لذلك ترى كل الحداثيين يسترقون‬ ‫السمح لما يجري في بلاطات بلادهم لتفسير التاريخ بمقاسهم ماضيه كحاضره وجليله كذليله‪.‬‬‫سأستسمح القارئ باستطراد مشروع في مثل هذه الحالات التي يكون فيها علاج المسائل البنيوية‬‫سانحة لعلاج المسائل الظرفية‪ .‬فقبل الكلام على هذه المسألة العويصة أشير إلى مأساة‪-‬ملهاة ركحها‬‫أقسام العربية في الجامعة التونسية‪ .‬فعلوم العربية التي هي أسمى علوم الأمة ماتت وعوضها شبه‬‫من التفلسف مربع قل أن تجد له مثيلا في الجامعات التي جعلها النقد الذاتي تتحرر من سلطان‬ ‫الدجل‪:‬‬ ‫فبعض المختصين فيها أصبحوا فلاسفة تاريخ‪.‬‬ ‫وبعضهم أضحوا فلاسفة حضارة‪.‬‬ ‫وبعضهم أمسوا فلاسفة نقد‪.‬‬ ‫وهم جميعا باتوا فلاسفة تشريع‪.‬‬‫ولم يبق أحد في أقسام العربية مختصا في علوم العربية إذا أضفنا إلى هذا الرابوع الرطن بما‬‫يسمى اللسانيات بين قوم لا يكاد أغلبهم يجيد اللسان العربي حتى وإن صندق قواعده فضلا عن‬‫غياب تعدد الألسن الضروري لمثل هذه المهام‪ .‬ووهم تفسير التشريع الإسلامي بأسباب النزول بدأها‬‫زعيم فلسفة التاريخ رغم كونه ينتسب إلى اختصاص العربية وتابعها زعيم فلسفة الحضارة رغم‬‫نفس الانتساب وأتمتها زعيمة فلسفة النقد رغم نفس الانتساب فصار عندهم الكلام في الفلسفة‬‫جزافا دون حساب‪ :‬إذ كلهم يشتركون في جرأة التطفل على ما ليسوا مطالبين بعلمه جرأة لا يساويها‬ ‫إلا الجرأة على إهمال ما هم مطالبون بعلمه‪.‬‬‫فهل الآداب العربية تعد إلى فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد إعدادا يؤهل‬‫أصحابها إلى الخوض في فلسفة التأويل والشرائع والأديان خوض العلماء؟ أم إن المنتسبين إليها‬‫يعبرون عن مواقف شخصية في حدود ما يضمنه حق التعبير الحر للمواطن بخصوص التشريعات التي‬‫تنتظم بها حياة الجماعة؟ لن أجادل إلا في الخلية الأولى من هذا الخيار‪ .‬أما الخلية الثانية فلا‬‫جدال فيها‪ .‬فحق المواطن حتى الغر حق مستقر له أن يقف ما اختار من المواقف‪ .‬لكن أن يزعم‬‫البعض موقفه علما وأن يقدمه على أنه ليس موقفا شخصيا بل تأسيس لنظريات في فهم التشريع‬‫الإسلامي وتأويل مضموناته فيجعله مادة للتدريس الجامعي دون فهم لمعنى الفصل بين مجال النقاش‬‫العمومي بين المفكرين ومجاله الخصوصي لتدريس المضمونات العلمية في الجامعات فذلك هو ما‬ ‫أعتبره مأساة‪-‬ملهاة تجري على ركح أقسام العربية في جامعاتنا‪.‬‬ ‫‪29 25‬‬

‫ولنستأنف البحث في قضية العلاقة بين أسباب النزول والنصوص النازلة‪ .‬وحتى نعالج القضية‬‫بأكبر قدر ممكن من الحياد سنفردها فنجردها من بعديها التشريعي عامة والتشريعي الديني خاصة‪.‬‬‫لن نهتم بأسباب التشريع عامة (وضع القوانين) ولا بأسباب النزول (التشريع الديني) بل سنهتم‬‫بوقوع التقنين وأسبابه سواء كان الأمر متعلقا بوضع التشريعات (في مجال المعايير القانونية) أو‬ ‫بوضع النظريات (في النظريات العلمية)‪.‬‬‫فلنبدأ بالنظريات العلمية إذ هي أيسر على الفهم من التشريعات القانونية رغم كونها تقنين وإن‬‫كانت من جنس مختلف بمقدار ما فيها من محدد ينتسب إلى الموضوع يغلب على المحدد الذاتي‪ .‬وهي‬‫أيسر على الفهم لأن هذا الترابط مع الموضوع رغم وجوده ليس ما يبدو منه سببا في وقوع التقنين‬‫علة في كون التقنين على الحال التي يكون عليها في النظرية العلمية‪ .‬فلا شك أن بعض التجريبيين‬‫يتصور المعاينات التجريبيبة من أسباب وضع النظريات العلمية‪ .‬لكني لم أسمع بواحد منهم‪-‬مهما‬‫طغت عليه النزعة التجريبية‪ -‬ذهبت إلى أن يصير غفلا فيعتبر المعاينات علل كون القوانين العلمية‬ ‫هي ما هي رغم تسليمه بأنها أسباب وقوع التقنين‪ .‬فالقوانين العلمية تخضع لمنطقين متعامدين‪:‬‬‫‪- 1‬أحدهما منطقي خالص هو تناسق النظريات في تواليها التاريخي (تاريخ بناء علم الفيزياء مثلا‬‫هو الذي يحدد المشاكل الفيزيائية وحلولها ومن ثم النظريات من حيث هي لبنة في جسم علم‬‫الفيزياء) وفي تساوقها الفني (التناسق مع فروع علم الفيزياء والعلوم الشارطة كالرياضيات‬ ‫والمشروطة كالكيمياء)‬‫‪- 2‬والثاني اقتصادي خالص هو النسق الأبسط والأقل مفروضات لعلاج أكبر عدد ممكن من‬‫القضايا التي يطرحها المجال الموضوع للعلم في تواليها التاريخي (التقليل من الشذوذ التجريبي في‬ ‫ظاهرات الموضوع) وتساوقها الفني (الاستفادة من تقدم العلوم الشارطة والعلوم المشروطة)‪.‬‬‫أما ما يسمى بأسباب الوقوع أو التجارب التي بموجبها يضطر العالم إلى مراجعة نظرياته أو وضع‬‫نظريات جديدة فهي من جنس المنبة الذي يوجه انتباه العالم وليست من جنس علة العلم الذي يصل‬‫إليه العالم لعلاج الأمر الذي نبهته إليه الأسباب‪ .‬إنها تنبهه إلى أمر ينبغي أخذه في الحسبان دون‬‫أن تحدد كيفية أخذه في الحسبان‪ :‬وكيفية الأخذ في الحسبان هي الإدراج في النص القانوني‪ .‬فهذه‬‫الكيفية ينبغي أن تخضع للمنطقين المتعامدين اللذين أشرنا إليهما أي المحدد المنطقي أو ما يمكن أن‬‫يعتبر جوهر الأكسيومية التي هي صورة العلم والمحدد الاقتصادي الخالص أي ما يمكن أن يعتبر‬‫جوهر الفاعلية التي هي وظيفة العلم من حيث هو صورة علمية عن العالم من إبداع عقول العلماء‬ ‫‪29 26‬‬

‫وأداة فعل فيه لنفاذ القوانين إلى البنى الباطنة التي غالبا ما تكون الأسباب الظاهرة حاجبة لها لا‬ ‫كاشفة‪.‬‬‫ولنأت الآن إلى التشريع‪ .‬فهو يقبل القيس على ما يتصف به العلم من حيث هذين المحددين‬‫المؤثرين في كونه ما هو وتحرره من سبب الوقوع‪ .‬فلا وجود لتشريع يتجدد في كل لحظة بمقتضى‬‫المنبهات الخارجية التي تمثلها أسباب النزول في حالة التشريع المنزل وأسباب الوقوع في حالة التشريع‬‫الوضعي‪ :‬ويذكرني هذا الموقف بموقف فقهاء \"عقاب زمان\" الذين يتصورون الفقه لا يتطور إلا‬‫بالمنبهات الخارجية المنبهات التي يسمون الانتباه إليها فقه الواقع وهو في الحقيقة البديل من علم‬‫الواقع العلم الحقيقي فيكون فقه الواقع عين الجهل بطبيعة التشريع والواقع معا‪ .‬فكل قانون جديد‬‫لا يتصل به سبب النزول أو الوقوع إلا بتوقيت التشريع وظرفه‪ .‬لكن التشريع الذي سينتج بعد هذا‬‫التنبيه لن يكون محكوما إلا بالمحدد المنطقي والمحدد الاقتصادي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما في‬ ‫حالة القانون العلمي على الأقل من حيث صورته القانونية‪.‬‬‫لا شك أن الكثيرين سيحتجون بأن القانون التشريعي عامل التأثير فيه الخفي أهم من هذين‬‫العاملين المحددين لصورته القانونية دون مضمونه القانوني‪ :‬وهذا العامل هو علاقات القوة في‬‫المجتمع لأن القانون هو في الأغلب ترجمة لعلاقات القوة السياسية في الجماعة‪ .‬وهم يحتجون هذا‬‫النوع من الاحتجاج لظنهم القانون العلمي خاليا من أثر علاقات القوة في المجتمع‪ .‬فخيار الحلول في‬‫الحالتين خاضع للتناسق مع النسق العام للحضارة التي يقع فيها التشريع بحسب مجالاته الثقافية‪.‬‬‫الفرق الوحيد أن المحدد الذي من هذا الجنس في القوانين العلمية هو علاقات القوة في وسط الثقافة‬‫العلمية أو في الجماعة العلمية‪ .‬فخيارات الحلول النظرية محكومة بعلاقات قوى بين مذاهب فكرية‬‫أو فلسفات يحكمها في الغاية خيارات عملية تعود إلى جنس الخيارات التي تحكم أخلاق الجماعة‬‫العامة ما كان منها واعيا أو غير واع أعني ما يسمى ب \"المعروف والمنكر في ذلك المجال \" ‪Sittlichkeit.‬‬‫وهي في التشريع علاقات القوة التي يبدو فيها هذا الطابع بأكثر وضوح لأنها تحدث في وسط الثقافة‬ ‫السياسية أو الجماعة السياسية التي مدارها الأخلاق العامة لجماعة من الجماعات‪.‬‬‫وفي كل الأحوال فليس سبب النزول أو سبب الوقوع إلا المنبه أو ما يسمى بالفرنسية ‪La cause‬‬‫‪occasionnelle‬ليس هو العلة الذاتية لما سيكون عليه القانون سواء كان علميا أو شرعيا بل هو‬‫المناسبة التي يأتي القانون لعلاجها بمنطقه الخاص وليس بما ورد في السبب من منبهات تعد السانحة‬‫التي وجهت الذهن إلى عرض من أعراض ما سيعالجه التشريع‪ .‬فكل ما قاله طالبو التفسير بأسباب‬‫النزول يمكن أن يكون صحيحا من حيث التنبيه إلى ضرورة علاج المسألة التي يريدون تفسيرها‪.‬‬ ‫‪29 27‬‬

‫لكن تلك الأسباب لا تفسر كون ما يريدون تفسيره على ما كان عليه بل هي قد تفسر توقيت وقوعه‬‫وظرفه لا غير‪ .‬لذلك فليس لما قالته الباحثة حول الإرث عند العرب وفي لحظة نزول الآية علاقة‬ ‫بما تم في آية الحد من حرية التصرف في الوصية‪ .‬ولا يطلب المحدد إلى من مصدرين‪:‬‬‫كيف نفهم عدم الفهم عند من لا يميز بين سبب نزول النص (أو وقوعه في القانون الوضعي) وعلة‬‫ما نص عليه؟ وكيف ندرك عدم إدراك من يتصور الترجمة أداة تحليل كيفما اتفق فينتهي إلى‬‫التطفل على غير اختصاصه بمعان ثلاث؟ فمسألة المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإن كانت‬‫ذات صلة بقضية الجناسة والحركة النسوية‪-‬فتفهم دافعا للاندفاع وعدم الروية‪ -‬فإنها لا تقتصر‬‫عليها بل تتعداها إلى ثلاثة وجوه يحق لأي إنسان أن يقف منها الموقف الذي يلائمه دون أن يزعم‬‫موقفه مستندا إلى معرفة علمية بل هو مجرد رأي‪ .‬ليس يحق له أن يقدم مبررات موقفه وكأنها‬‫علوم بأسانيد فيها شبه من البحث الأكاديمي بما يرد فيها من مصطلحات رنانة تزعم عقلية (مثل‬‫المنزلة الوجودية ومنهج الترجمة طلبا للنبية العميقة والمسكوت عنه زعما باستعمال الهرمينوطيقا‬‫إلخ‪ )..‬وتشخيصات تبدو انثروبولوجية فيما وراء أسباب النزول‪ .‬فلا بد من علم متين في ثلاثة‬‫اختصاصات ليس لمن اختصاصه العربية حتى وإن زعم التفلسف في التاريخ أو في الحضارة أو في النقد‬‫الأدبي مقومات الكلام العلمي فيها خاصة إذا أصبح هذا التطفل حائلا دونه والتمكن من العلوم‬ ‫الأدوات ليخوض في العلوم الغايات‪:‬‬‫ولما كان الاختصاص الأخير أقل الثلاثة بعدا عن الالتزامات التي يصعب ألا يقع فيها الخلط بين‬‫الموقف والعلم بات التطفل عليها داء دويا وخاصة في المتطفلين على فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة‬‫وفلسفة النقد فإني ركزت على الأولين ولم أجادل في الأخير رغم علمي بأن أكثر الناس هوسا‬‫بالهاجس الديني هم من يزعمون وقوف مواقف العلمانية‪ :‬فلو اعتبرنا كثرة الكلام في المسائل‬ ‫‪29 28‬‬

‫الدينية حتى سلبا مقياسا لمعرفة الهواجس التي تدور في خلدهم لكانوا أكثر معاناة للمسألة الدينية‬‫ممن يزعمون إسلاميين في الحركات المتحمسة للفعل المباشر واستبدال النظريات الفلسفية بالثرثرات‬ ‫الإيديولوجية‪.‬‬‫وحتى يتأكد من الحداثة الكاذبة في فكر الحداثيين العرب يكفي أن تسأل عن طبيعة الشرعية‬‫التي يستند إليها التشريع الوضعي الذي يريدون‪ .‬فمن المفروض أن يكون البديل الوحيد من‬‫شرعية التشريع الذي تقول به أخلاق الجماعة التي ينتسبون إليها الشرعية الديموقراطية أعني‬‫إرادة الجماعة التي يريدون أن يفرضوا عليها آراءهم التشريعية‪ .‬فهل يقبلون مثلا أن يعرض‬‫مقترحهم بالحد من حرية المالك في الوصية إلى غاية تتحقق فيها المساواة بين المرأة والرجل في الإرث‬‫على الاستفتاء الشعبي؟ طبعا سيكون ردهم‪ :‬لكن الشعب جاهل ولا يفهم ما يفهمون‪ .‬فيثبت من ثم‬‫أنهم ليسوا علمانيين بل قائلون بكنيسة العقلانيين الاستبداديين الذي يشرعون للشعب بديلا من‬ ‫الكهنوت الذي ينسبون إليه ما يعتقد الشعب أنه إرادة الله‪.‬‬‫إنهم يقدمون أنفسهم على أنهم تحرروا من سلطان الكهنوت الزائف باسم إله وهمي حسب رأيهم‬‫بسلطان كهنوت أكثر زيفي باسم إله هو عين التزييف‪ :‬العقل الذي لا يمتاز عن الرأي وعبادة الهوى‬‫إلا بالادعاء‪ .‬أما خصومهم فيجمعون بين الشرعيتين‪ :‬شرعية ما تؤمن به أغلبية الجماعة وشرعية‬‫ما تريده الجماعة شرعا لها لو استفتيت في تشريعاتها‪ .‬لذلك فإنه لم يبق لهؤلاء غير شرعية‬‫الاستبداد الذين هم حلفاؤه موضوعيا وذاتيا مع \"رفاه\" المعارضة الصالونية التي لم تعد تنطلي على‬‫أحد وخاصة منذ أن تبين للجميع حلف أغلبهم مع رأس الطاغوت الروحي (إسرائيل أو‪/‬والفاتيكان)‬‫والمادي (فرنسا أو‪/‬والولايات المتحدة) في الحرب على حصانة الأمة الروحية بالعمالة الفاقدة لكل‬ ‫روح والعابثة بكل القيم باسم عقلانية قاصرة على أدنى شروط علوم العقل والنقل‪.‬‬ ‫‪29 29‬‬





‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook