أبو يعرب المرزوقي الأسماء والبيان
المحتويات 1 تمهيد: النص: 1 المسألة الأولى 1 المسألة الثانية 3 8 المسألة الثالثة: المسألة الرابعة:11 المسألة الأخيرة 15 1922 2428
نشر هذا النص بتاريخ 2007 - 03 - 31ونعيد نشره اليوم لأن الأستاذ أشار إليه في تعليقه علىمناورة الرئيس حول المساواة في الإرث .وهو يعالج القضية فلسفيا ردا على إحدى زعيمات هذاالتيار الذي يقود حملة المهمة التحضيرية بالتحديث المستبد للنخب الوصية للشعوب .وفيه ثلاثة فصول.نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه \"للذكر مثل حظ الأنثيين\" وشبه عنوانه \"جرحالتفضيل الالهي\" في عدة أحياز آخرها في العدد 58من الطريق الجديد (جريدة الحزب الشيوعيالتونسي الذي كان) يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية .فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة منالمحاولات التي عرف بها تيار التحديث فيما يسمى باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كلياتالآداب بالجامعة التونسية .لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام على الشرعالإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلى أسبابه الظرفية .وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأهلالنقاش بنيويا لاستناده إلى مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمى بالفكر العلماني والتحديثي العربيعامة والتونسي منه خاصة .ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية منشروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه .ذلك أن هذا المقال يظهرعلى سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلى أصحابه براقعالمعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة .ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشتركفيها الأستاذ محمد الطالبي والأستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولى حلقات السلسلة تمتاز على حلقتيها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد :والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا .إنه الاستعمال السطحيلمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاءشرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا. 29 1
والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسبابالنزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي على الأصل النقلي إذ لادلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من التجربة الحسية أو من التجربة النصية.لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحدالجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه -لأنالمسألة في الآية التي تناقشها لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتى بحقوق الورثة-بل هو سيقتصر على مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجوديةفي الإسلام وعلى مدى فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتينوالفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة .فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهيقابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير.وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب :فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصلإلى متانة التصورات القانونية والفلسفية .لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية .لن أهتمبتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدلالإلهي .فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب(وهذا أمر كلي لا يحتاج إلى دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية 256من البقرة) :حرية المعتقد.سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهمافي النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتهالصوغ الإشكالية صوغا يمكن من علاجها والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصدالنص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها .ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشةبالمسألتين المنهجيتين .لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود على مقدمات العلاجالنظري .لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين على النحو التالي: 29 2
لو صح ما فهمته الأستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التيتعلل كون الحكم على ما كان عليه] الرجل :الإرث الكامل= ( 2المرأة :نصف الإرث)[ == ] )منزلةالرجل = ضعف منزلة المرأة = ( )منزلة المرأة= نصف منزلة الرجل[( لكان معنى ذلك أن المنزلةالوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساءهو المحدد لمنازلهم الوجودية .فلا يبقى عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدراتالاقتصادية وواجبها محددا بالإمكانات الوجودية حتى لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما فيها .بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح:هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إنذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي؟ 29 3
وهب ذلك مقبولا – تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديثي فكر الأغنياء الجدد -هليمكن عندئذ أن تقاس المنزلة بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلة الإنسان الوجودية مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه على ما يملك هو بفعله الذاتي؟لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجالفضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية .فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هوأيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها .وعندئذ سنقع في طريقين مسدودين لا مخرجمنهما :فلن يبقى بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقى للملكية تغير لثباتالمنزلة الوجودية .وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا .فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلةالإنسان الوجودية تبقى ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا على المعيار المادي لتقويم الناس :لأن من يفتقرماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلى الفقر الوجودي إذ يكون قد فقد القدرة على الاستئناف.وعقلا حتى لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بلالقدرة على تحصيلها في الحوز .فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أنيكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده :لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كمايقول ابن خلدون .والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي.وقدكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم سبب اندحار النظامالشيوعي .وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة على الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتهاعلى كيفية تحصيله الدالة عليها .والملكية التي يمكن أن تكون علامة على الدناءة في اختلاسالأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذاالحكم حتى لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة :وفي كلتاالحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها القانون المحددلمقادير الملكية .لكن من يمدني بمن يلتفت إلى هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه!أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غيرذاتية لصاحبها بل هي بالأولى لمن يمده بما سيرثه .فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياهاخلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به :وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلةالوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوال 29 4
غيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا في قيامه الكلي موضوعا لها .فتكونمنزلة المرأة والرجل الوارثين على حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافةالوجودية التي تتضمنها المقادير المالية الموروثة عنه ولا يكون ذا منزلة وجودية ذاتيه له إلا هو.وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهيتكون عدما حتى لو أوصى لهما بها كلها وبالتساوي .لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحدمن تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليستفي تحديد منزلة من سيصبح ورثة :واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات وليست من المعاملات لأنها حد توقيفي من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية.لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجوديةدون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب على معنى الحرية التي هي مقوم جوهريمن مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحريةوأدوات تحقيقها وليس بمقدارها .فهذا المعنى جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومنمقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحريةوسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن التعلقالمباشر بالمنزلة الوجودية :وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها دائما مصدره عند الكرام.من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل :هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألةحرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا؟ وهل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفسالحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيدمن الملكية الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها:حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية .وتلوها عنهاهو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر السلطان دولة بين الأغنياء.إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيدمن الملكية الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبهيسلم له الشرع بالرشد وينفى عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة :كلاهما مثلالآخر من حيث حرية التصرف فيما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في أحد مقومات المنزلة الوجودية 29 5
أعني أحد صفات الملكية أو حرية التصرف .أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلاعن تحكم شروط أخرى سنرى بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا على ظلم وقسمة ضيزى استثارتها إلى حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا.وكان على حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجلوالفاني :ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الفلسفية؟ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال على السؤال معاجزين بالقول :ما الذي يحدد المنزلة الوجوديةإذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو أبنائه؟أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخرى ليس لها صلة بمقدار الملكية لأن المنزلةالوجودية لا صلة لها بها حتى وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال فيكون المال وسيلة الوسيلة:وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني .فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرينيجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين .ولا علاقة للأمرين بالملكية فضلا عنمقدارها ولا بالجنس لأنهما يتعلقان بمعنى الوجود ) (êtreلا بمعنى المال ) (avoirأو بجنس مالكه.والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلى صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها).والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعنى العميق أو الوظيفة بالمعنى السطحي بالنسبة إليه كذلك(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) .فالمنزلةالوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوى فيالتعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر)وفيما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان المادي الروحي أو الجماعة).ولما كان الظاهر من معيار التقوى هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحددطبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان :فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأةفي العبادات؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بمقدارها خاصة فإن النتيجة تكون نفيهذين المحددين الوجوديين :فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن مايملكون .وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والكفران الناتجين عنتناكر التغالب من أجل الرزق بدل الحلم والعرفان الناتجين عن تعارف التحابب من أجل الذوق 29 6
وتكون منزلة نسبية إلى أدوات القوة وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا: فالرزق أداة في التعارف ويصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف ويصبح أداة في التناكر.ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع :لكن الواجبفي المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية .ولو صح أنالوارث له حق فيما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة:فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالةحتى بعد الوفاة .أما الوارث فإنه لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة الشارع(تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل بالوصية إذا سلما أن الميت يبقى ذا حق على ما بقي من ملكيته من بعده).أعلم أن الباحثة ستقول :يكفينا مثاليات حدثنا عن الواقع .وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكرالتحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون .فالكلام على المنزلة الوجودية لا معنى له عندمن لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب :ذلكأن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعدالإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قيس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية .وهذاالعكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها :كان ينبغي حتىلا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجوديةوليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله .لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذانص تحديدها للمنزلة الوجودية .ولما كانا من طبيعتين مختلفتين اضطرت الباحثة إلى استنتاج المنزلةالوجودية التي تزعمها علة من نصيب المرأة في الإرث ثم عكست فنسبت إليها دور تحديد النصيب في الإرث.لكن هذه العلة ليس لها وجود في القرآن .لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لمتطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزولوتاريخ الإرث عند العرب .فذهبت إلى حد قيس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع منتعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث :فهن عندها قد طالبن بالجهاد للحصول على المساواة في الملكيةوالإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلالمرحلة التأسيس! العزائم لا تأتي فحسب على قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار :فالصَغار ُيغفل الصغار فلا يرون إلا الصغائر! 29 7
ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات وكانت المثالياتعندها من الأوهام سعت إلى بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد فيالنص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بينالمنزلتين :الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث .لكن الفكر المجردوالمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن أمر العلاقة بين النصين نص المنزلة الوجودية ونص الإرث لا يخلو من أن يكون منتسبا إلى إحدى الحالتين المضاعفتين التاليتين:فإما أن النص المحدد للمنزلة الوجودية له علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول.أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية.وهنا نصل إلى جوهر التناقض الذي يتصف به موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهمشرطه :إلغاء حرية المالك في الوصية .لم يسأل أحد من المساواتين عن المساواة فيم تكون؟ هليمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية –إذهذه المنزلة ليست نسبية إلى الغير -في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته؟ وهل يمكن للقانونأن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصيةالمحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لميدرك معنى تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلى فريضة أو عبادة ؟ أليس المتكلمون في الأمرلا يعلمون فيم يتكلمون :فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن .فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواةبل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه بالوصية إذ بقي له منه قدر معلوم .لذلك فالحكم الوارد فيالآية لا يتعلق بحق الورثة -إذ لا حق لهم – بل هو يتعلق يضبط حق المالك في التصرف فيما يملكبعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها في المسألة الموالية:أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقى المشرع قدر المستطاع على وحدة الملكية القاعدية التي هيشرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلى مجرد أرقام في اقتصاد خفي الاسم. 29 8
والثاني خلقي بايولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعاللتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر يجعل الأسرة تبقى عليها للإبقاء عليه.لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقفمن نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلابصورة عرضية .ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بلبتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته علىظنونه... { :آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} (النساء غاية الآية 11منها)من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأالذي تضعه ثانيا :عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلى المسكوت عنه .فالمعلوم أنالمالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك .والصلة الأولى هي حق الملكية أعني حريةالتصرف في ثمرة عمله .والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمهالمظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها :وهو جزء من حق التصرف في الملكية ويسمىحق الوصية .لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكيةثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم :وهي صلة قرابة أو صداقة ولاعلاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا .لذلك فلا حق للوارث فيما يملك المالك ما دام حيا :الإرث حقبعد الوفاة بمقتضى إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها.لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث :الأول هو علاقة المالك بما يملكوالثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك .والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلةوهي التي انطلق منها نص الآية في تحديد الفرائض .أما العلاقة الأولى فهي بمنأى تام عن المنقولإليه .وموضوع الآية هو إذن محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبنى تفضيله لوارثعلى وارث يبنيه عادة على العلاقات العاطفية وعلى الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يختاره المالكليرث ملكه .الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه :هل يكفي لتحديدها علم المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع يحصل له منهم؟ 29 9
أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أوحرية تصرفه بالوصية فيما يملك حتى لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد على الظن :إنها إذنحد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجودقبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك .لذلك فلاحق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية .وبهذا الحدتختلف التشريعات في أحكام الإرث :فالتشريعات الحديثة (الفرنسية على وجه الخصوص لكونالأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس فيما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحقبأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة على نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرعالإسلامي ..والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرمالبعض لمجرد الظن .الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقةفي المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ما بقي من ماله قبل الوفاة .ويؤيد هذا الفهم الحد منحرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن :فالوصية للورثة ممنوعة والوصية لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة. 29 10
وهنا نصل إلى بيت القصيد في النظام التشريعي الإسلامي بعيد الغور النظام الذي يتجرأ عليهبعض المتفلسفين بأفقر أدوات الفكر لو كانوا يعلمون .وحتى نفهم بعد الغور فيه فلنطرح سؤالين جوهريين لكل عمران سوي:- 1ما النظام الاقتصادي الذي نريده؟ هل نريد مجتمع الشركات العامة التي تجعل الناس أرقامافاقدين للذوق هدف الحياة الأول أم مجتمع الوحدات التآنسية التي يتحرر فيها الذوق قدر المستطاع من سلطان أسباب الحياة القاهر؟- 2وما طبيعة الحياة العاطفية المحددة للانتخاب العضوي بمعاييره السوية طبيعتها التي نريد؟فالتزاوج الداخلي الذي يصبح القاعدة بمؤثرات العامل الاقتصادي يؤدي إلى الأمراض البايولوجية لفرط تأثير دافع الحفاظ على الملكية الدافع الذي لا ينكره إلى متعام.فالتزاوج الخارجي الذي يمكن من تحقيق شروط الصحة العضوية هو التزاوج الذي يكون المحددالأول فيه الذوق لا الرزق .ولا يتحقق ذلك إذا كان الطمع في إرث المرأة حائلا دون تحريرها منالتزاوج الداخلي من أجل الحفاظ على الملكية ومن ثم مانعا لطلبها من الخارج لقوة الدافع المالي فلايبقى إلا طلبها الداخلي .ولو انتبهت النخب العجلى إلى هذه البعائد لترددت كثيرا في الجرأة علىكل شيء مع الجهل بأدنى شروط الفهم العميق لمقاصد الشرائع في حياة العمران .فحتى لو سلمنا لهمبأن الشرائع كلها من جنس الشرائع الوضعية فإن الأوضاع ليست متساوية للتمايز بين عقولالواضعين .فمنهم من يرى البعائد ويسميهم اليونان حكماء .ومنهم من لا يرى أبعد من ذبابة أنفهويسميهم العرب سفهاء .فما أشقى المرأة التي يختارها المغازلون لمالها! ولعل الباحثة بمقتضى الجنسوالخبرة أدرى مني بالمفاضلة بين المرأة تُختار حبا لذاتها وجمالها أو تُصطاد طمعا فيما عندها ومالها!والسؤال الآن هو لم كان الحد القرآني من حرية تصرف المالك في الوصية بهذه الصورة التيجعلت بعض المعاملات من العبادات دون أن تحافظ على مبدأ العبادات الأساسي أعني المساواة بينالبشر من حيث منزلتهم عند الله إلا بالتقوى أو العمل الخلقي في التعارف كما حددت ذلك آيةالتعارف؟ أي لماذا لم يفرض الله الحد بصورة تجعله يساوي بين الذكور والإناث في هذه الفريضةرغم كونها فريضة أي عبادة وليست معاملة؟ وهذا السؤال كان يمكن أن يكون مفهوما لو طرحته 29 11
الباحثة بعد أن تكون قد برهنت على فهم معنى الآية بالقصد الأول .ذلك أن تحديد مقادير الإرثهو معناها بالقصد الثاني .وهذا القصد الثاني لا يمكن أن يفهمه من غاب عنه القصد الأول .فإذاكان الشارح لم يفهم أن الآية تتعلق بالحد من حرية المالك في التوريث بحسب ظنونه فإنه لا يمكنهأن يفهم القصد من المقادير التي اختيرت حدا بمعنى ما لا يمكن النزول دونه .ذلك أن ما فوقهيبقى ممكنا بعدة طرق لم يتأخر بعض المالكين والفقهاء عن تصورها وتطبيقها بل هم تحيلوا فيالاتجاه المقابل للهبوط دون هذا الحد الأدنى وحتى لحرمان المرأة من الإرث أصلا اتباعا لما نبهتإليه الآية وحذرت منه لعلم الله بأن الغالب على البشر بالجبلة تفضيل الذكور على الإناث :لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . والجواب هنا مضاعف ويفهم بفرضيتين:- 1فلو فعل نص الآية فحقق المساواة في توزيع الإرث لكان ذلك معارضة مطلقة لحرية المالك فيالتفضيل أعني في حرية الوصية .والحد من حرية المالك في الوصية يفقد معناه إذا لم يكن مشروطابدواعي الحاجة إلى الحد منها :إنها في النص القرآني المعيار المتحكم في إرادة المالك إرادته التيتعبر عنها وصيته والتي يفهم منها قيس المالك لمقدار الموصى به بنفع الموصى إليه له .ومن هذاالقاعدة العامة التي تكاد تكون كلية تنتج قاعدة تفضيل الذكور على الإناث فهي أمر شبه كوني فيالمجتمعات البشرية .لكن الحد القرآني الذي يعترف بهذه الظاهرة اقتصر على وضع مبدأ الحدالأدنى (حظ الذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يمنع حق الهبة للبنات لمن كان من الآباء لا يقول بهذاالأمر شبه الكوني .والهبة غير الوصية لأنها تتم في حياة المالك وليست بعد وفاته :والهبات يمكن أن تأخذ شكل البيع بسعر تفضيلي ورمزي تجنبا للمماحكات القانونية بعد الوفاة.لكن هذا الفهم رغم اختلافه عن تعليل إخوان الصفاء الذي هزأت منه الباحثة دون عميق فهملا يقدم من المسألة إلا علتها السطحية وهي علة رغم وجاهتها أقل أهمية من العلة العميقة ذاتالغور البعيد والتي لا يدركها من يسارع لطلب المسكوت عنه ويهمل المنطوق به أعني بعائد المعرفةالعلمية بقوانين العمران .وهزء الباحثة من تعليل إخوان الصفاء لا يستحق الذكر لو لم يكنمشفوعا ببشاعة لا يقبلها حتى الحداثي لأنها مناقضة لما يعتمد عليه من حجج :فإذا كان الصداقأجرا للاستمتاع يعني المتعة الجنسية كما فهمت الأستاذة فهو أذن أجر لما لا يستحق الأجر إذ الاستمتاعبهذا المعنى متبادل فلم ينبغي أن يدفع الرجل أجرا وكلا الجنسين يستمتع بالعلاقة الجنسية؟ لكنالقرآن لم يقصد بالاستمتاع ما فهمت الباحثة .فلو كان ذلك هو القصد لما وجد فرق بين الزواجوزواج المتعة .أفتكون منازل الأسر مجرد مواخير خاصة عند الباحثة والصداق بمقدمه دفعة أولى 29 12
مقابل جملة عمليات الجماع ثم يصفى الحساب بالمؤخر منه؟! وهل يستغرب مثل هذا التصور ممن يقيس المنزلة الوجودية بمقدار الإرث؟- 2ولو فعل نص الآية ما تطلبه الشاكيات مما سمينه بجرح التفضيل الإلهي لفقدت الملكية دوريهاالمقومين لتوازن القوى بين وحدات العمران الإنساني الدنيا اقتصاديا وبايولوجيا .فالمعلوم أنالعمران البشري كله يدور مباشرة حول موضوعين وردا في سورة النساء ويدور بصورة غير مباشرةحول نوعي السلطان الناتجين عنهما في العمران .ويعبر عن الأمرين المباشرين في الأنثروبولوجيابمادتي التبادل الأساسيتين وموضوعي التواصلين المصاحبين لهما موضوعيه الجوهريين إما لعلمه (مصدر السلطان الرمزي) أو للعمل به (مصدر السلطان الفعلي).فالعمران كما يمكن أن يستنتج من نظرية ابن خلدون ومن تفسير سورة يوسف عليه السلام ليسهو إلا الحل الذي تمكن الإنسان من وضعه خلال تاريخه المتعثر لعلاج هذين التبادلين والسلطانينالمترتبين عليهما من أجل تحقيق الوحدة المتعالية عليها أربعتها بوصفها الوجود المادي والروحي للجماعة البشرية: فالتبادلان المقومان للعمران هما:- 1التساكن للتآنس ويدور حول معنى الذوق وأصله الحب عامة والحب المؤسس للوحدة الدنيا للقيام الإنساني أو الأسرة -2والتعاون للتعايش ويدور حول معنى الرزق.وكلا التبادلين مصحوب بتواصلين هما بالجوهر علم وعمل لما يقتضيانه من نظام يزع المتبادلين ويضبط الحقوق والواجبات:- 3فالأول نظامه ووازعه خلقي روحي ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوىالرمزي من وجود الإنسان -4والثاني نظامه ووازعه سياسي زماني ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى الفعلي من وجود الإنسان. ولا يتحقق التلاحم بين المستويين المضاعفين من العمران من دون مبدأ موحد:- 5ثم مبدأ عام يوحد الكل في الجماعة ذات الهوية شبه الواعية بكونها ذات منفصلة عما عداها من الجماعات بكيان جغرافي تاريخي معين يمكن أن نسميه أمة.فأما التبادل الأول فهو التبادل الذوقي عامة وأهم شيء فيه هو الحب والتواصل العاطفي الذيتنبني عليه الحياة التآنسية والتواصل بين وحدات إنتاج الإنسان نفسه في المجتمع :الأسر سواء في أضيق مستوياتها (الخلية الأسرية الدنيا) أو في أوسعها (القبيلة). 29 13
وأما التبادل الثاني فهو التبادل الرزقي عامة وأهم شيء فيه هو الملكية والتواصل المصلحي الذي تبني عليه الحياة الاقتصادية والتواصل بين وحدات إنتاج أسباب عيش الإنسان في المجتمع.والمعلوم أن السلطان على محددات التواصل الأول والسلطان على محددات التواصل الثانيينسحب كل منهما على الآخر .وغالبا ما يصبح العامل الثاني المحدد الأساسي للعامل الأول :أي إنالزيجات تكون في الأغلب مصلحية فلا يكون الذوق هو المحدد بل الرزق هو الذي يعود إليه التحديدفي المقام الأول إذ يدخل في الاعتبار عامل الملكية والإرث المتوقع قبل عامل الذوق وخاصة فيالمستويات التي تصبح فيها الملكية ذات دلالة سلطانية أي تمكن من سلطان ما يقاس بالمنزلة في السلم الاجتماعي إلخ..لذلك فإن تحرير المبدأ الأول (سلطان الذوق) من المبدأ الثاني (سلطان الرزق) ييسر التبادلالذوقي أو بلغة سطحية يجعل تبادل النساء متحررا ما أمكن التحرر من تأثير تبادل الرزق .وذلكهو الشرط الضروري ولعله الكافي كذلك لتشجيع التزاوج الخارجي والعزوف عن التزاوج الداخليفيحصل التبادلان بأفضل طريقة للفصل بينهما ما أمكن أعني بالحد من تأثير الثاني في الأول:التبادل الذوقي والتبادل الرزقي .ثم إن هذا الشرط لا يقتصر على تشجيع التزاوج الخارجي بلهو أيضا يحافظ على معنى التقابل بين الداخل والخارج بمعيار موضوعي فيمكن من تمتين التلاحمالداخلي في الوحدات الدنيا ومن توطيد التواصل الخارجي بينها :فالثبات النسبي لملكية الأرض أورأس المال مثلا في الأسرة يجعل الملكية تنمو ويقلل من انفراط الوحدات الدنيا للعمران أعني وحدات التساكن للتآنس.ومن له دراية بعلم الاقتصاد يدرك أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على أساسين ليس منهما بد:احداهما محررة للإنسان والثانية مستعبدة له .فالوحدات الاقتصادية ذوات الاسم الخفي تزيلالحدود بين الوحدات الدنيا (الأسر والشركات الأسرية) بل وحتى بين الوحدات القصوى (مثلالأمم والدول) فتزيل النسيج الاجتماعي عامة سواء كان وطنيا أو دوليا ويصبح الجميع أرقاما فيآلة جهنمية هي بالذات مجتمع الحداثة التي يكون فيها الإنسان لولبا من لوالب السوق أو برغيا منبراغيه .والشركات المتوسطة والصغرى-وهي في الأغلب أسرية-لا تقتصر على المحافظة على الملكيةوحدها بل هي تحافظ في نفس الوقت على النسيج الإنساني الذي هو المطلوب الأول والأخير للحياةالبشرية إلا عند من يفضل الأرقام على البشر .ثم إن دورها التنموي لا يقل عن دور الأولى بلإن دورها التنموي أهم بكثير لأنها هي التي تمثل أهم مغذ لسوق الشغل إذ إن الشركات الكبرى 29 14
تستعيض بالآلة عن العمال والشركات الصغرى ليس لها القدرة على كلفة الآلات فتبقى مصدرا مهما للعمل الإنساني.بل إن الشركات ذات الاسم الخفي بخلاف ما يظن من ليس له علم بالاقتصاد الحديث لا تستمدقوتها الاقتصادية إلا من هذه الشركات ذات الاسم العلني الذي هو في الغالب اسم أسرة :إنها فيالحقيقة ليست وحدات إنتاج بل هي وحدات تسيير للإنتاج الذي لا يتحقق حقا إلى في الشرطاتالصغرى والمتوسطة وهي إذن من جنس تغول السلطان الرزقي الذي يلغي الذوق لكي لا يبقي إلاعلى سلطان السوق .وذلك هو المعنى الحقيقي لمصطلح الاستمداد الخارجي الانجليزيOutsourcingالذي لجأ له الاقتصاد الحديث للجمع بين الشكلين من عمل الملكية من حيث هي أداةإنتاج اقتصادي ويماثله انتقال وحدات الإنتاج إلى البلاد النامية بالمصطلح الفرنسيDélocalisationحيث لا يزال العمل جاريا في وحدات صغرى تحافظ على التساكن من أجل التآنسحيث لا يزال لهاتين الكلمتين معنى عند أهل البلاد التي تنتقل إليها الصناعات الفرعية المغذيةللشركات الأم :وهنا ينبغي التذكير بمعنى الاستمتاع القرآني الذي ظنته الأستاذة تحويلا للأسر إلىمواخير في حين أن القصد هو التآنس والتساكن حيث يكون للمرأة الدور الأكبر في كل المجتمعات أيا كانت مزاعم التقدميين.وحاصل القول مما سبق أن النخب العربية التي تدعي التفلسف بقراءة كتاب أو بلغة تونسيةخالصة النخب التي \"من زبيبة تسكر\" لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوصالدينية وأولى خطاهم القفز على المنطوق به فيها حتى لو سلمنا لهم بحق معاملتها معاملة النصوصالأدبية .فمن شروط فهم أي نص العلم بالظاهرة التي يعالجها في ذاتها وبالقصد الأول .وهي هنا ظاهرة مضاعفة:- 1اقتصادية في علاقتها بقانون الملكية وحق التصرف فيها بالوصية والتوريث تحديدا لدوريالملكية المقومين لجوهرها :دورها الدال على القدرة المحققة للإرادة عند الشخص الإنساني من حيثهو ذات مدنية لها حقوق وعليها واجبات ودورها الدال على النسيج الرزقي المحقق للتعاون من أجل القيام المادي لحياة الفرد والجماعة.- 2وبايولوجية في علاقتها بما يترتب عليها في تبادل النساء في العمران تبادلهن الذي ينبغيتحريره من تأثير العامل الاقتصادي حتى لا يلغي كل إمكانية للتزاوج الخارجي إذا كان خروج المرأة سيؤدي إلى تهديم الرصيد الرزقي. 29 15
وهكذا فهذا النص القرآني لا يعالج قضية المساواة بين المرأة والرجل ولا مسألة المنزلة الوجوديةللإنسان ذكرا كان أو أنثى بل هو يعالج مسألتين ليس من علاجهما بد لتحقيق أفضل شروط القيام الاقتصادي والبايولوجي للجماعة:الحد من حرية المالك في التصرف في ملكه بصورة تحول دونه والتحول إلى طاغية فيكون في تصرفهوكأنه رب وينسى أن علمه بعلاقة غيره به محدود فضلا عن علمه بأثر الملكية والعواطف في السلطان المستمد منهما على الحياة البشرية الجماعية.الحد من دور الرزق في الذوق لتحرير تبادل النساء من سلطان المال فلا يكون ما يعود إليها منمال الأسرة حائلا دونها والخروج منها إلى أسرة أخرى فيمتنع التبادل الخارجي ويصبح المجتمع أسرامنفصلة تمام الانفصال ويصبح المجتمع ارخبيل قبائل فضلا عما يؤدي إليه ذلك من فساد بايولوجيبسبب التزاوج الداخلي إذ إن ما حصل من فصل بين القبائل سيحصل بين أفخاذ القبيلة الواحدةوهكذا إلى أن نعود إلى زواج الأخ من أخته أو إلى حرمانها من الإرث أصلا وفرض العنوسة عليها.وتلك هي وظيفة القانون :التوفيق بين عدة عوامل لتحقق التوازنات الأساسية لقيام العمرانذوقا ورزقا وسلطان ذوق (السلطان الروحي) وسلطان رزق (السلطان الزماني) ووحدة الكل فيالجماعة المتجانسة في حياة لا تقتصر على تحديد المنازل بالرزق بل يكون فيها للذوق المنزلة الأولى.ليست وظيفة القانون تحديد المنازل الوجودية بل حمايتها بهذا التوازن الذي ذكرنا .أما تحديدها فهو مادة لضرب آخر من النصوص كما سنرى في هذه المسألة الثالثة.بينا أن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية لا بذاتها ولا بمقدارها إلا عند من لا يدرك المقصودبالمنزلة الوجودية حصرا إياها في الأمر الواقع لعلاقات القوة الاقتصادية وبينا مقومات المنزلةالوجودية وبقي أن نسأل عن مدلول التفضيل الإلهي وهل هو لصالح الرجل أم لصالح المرأة فيالقرآن الكريم .ولن يفهم هذا التحليل إلا من كان متحررا ما أمكن مما ربي عليه من أحكام مسبقةاستبدلت الصور المشوهة لما انحط من حضارة المسلمين بالمعاني العميقة للقرآن الكريم سواء كانت هذه الصور المشوهة موجودة فعلا أو من وقع الأدبيات الاستشراقية بكل أجيالها.ولنبدأ بمدلول التفضيل الإلهي :فهو قضية أساسية في نظرية العدل أو التنزيه ويشار إليها عادةبمصطلح مركب من كلمتين يونانيتين تفيدان العدل الإلهي Théodicée.لو كان التفضيل الإلهيتفضيلا بمعنى الاجتباء التحكمي غير المعلل لكان ظلما إلهيا .وهذا هو قصد الجرح الذي تتكلم عليهالأستاذة .وكلامها يكون صحيحا سواء صح التفضيل لصالح الرجل أو المرأة أو أي كائن آخر لو كان القصد به هذا الفهم من التحكم الإلهي .فالتفضيل الوارد في القرآن له خمسة معان: 29 16
-1تفضيل آدم وبنيه على الملائكة باستخلافهم -2وتفضيل بني إسرائيل على العالمين باصطفاء الكثير من الأنبياء منهم قبل نقض العهد -3وتفضيل المؤمنين على الكفار بتوريثهم الأرض .وقبل هذه الثلاثة الصريحة نجد تفضيلين مضمرين هما: -4تفضيل الوجود على العدم قبل النشأة الأولى -5ونجد بعدها تفضيل البعث على العدم بعد النشأة الثانية.وكل هذه الضروب من التفضيل معللة .ولا أعلم تفضيلا آخر ورد في القرآن بهذا الوضوح .لذلكفالكلام على تفضيل الرجال على النساء في آيات الإرث والنشاز ليست بالأمر البين كما يتصورالعجلون .لأن الآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر التفضيل عند الكلام على العلاقة بين الرجل والمرأةلم يعين الفاضل فيها ولا المفضول .ذلك أنها نسبت ما يتصوره البعض علة القوامة الأولى أو الإنفاقإلى الرجال لكنها لم تنسب الفضل إليهم بل بقي الضمير والتبعيض (فضل بعضهم على بعض)شاملا لكلا الجنسين عند من يحسن القراءة .فإذا لم تفهم القوامة بمعنى السلطان-وهو أحد الفهوملكنه هو الذي طغى -بل فهمت بمعنى الرعاية بات المفضل في هذه الحالة هم النساء لأن القيم يكونفي خدمة ما هو قيم عليه .فيكون الرجال قيمين على النساء لأنهن أفضل ومن هذه القوامة الإنفاق.وتعليل هذا الفهم هو بالذات المنزلة الوجودية التي أكثرت الباحثة الكلام عليها دون فهم معناهاللجهل بالفرق بين المقوم والعرضي .فإذا قيست المنزلة الوجودية بما تقاس به في الفكر القديموالوسيط (بمنطق القائلين بتاريخية النصوص والباحثة منهم) كان المعيار في تحديد المنزلة الوجوديةهو معيار التراتب بين المادة والصورة الذي هو غير الترتيب بينهما .ومعنى ذلك أن السابق شرطاللاحق ماديا واللاحق شرط السابق غائيا :فما صنع من شيء يكون وجوديا أسمى منه وجوديا لأنهيكون صورة بالقياس إليه مادة .ولما كان المعتقد السائد عندئذ أن المرأة خلقت بعد الرجل وهي منهحتى لو صدقنا أنها من ضلع فقط فإن معنى كون الرجل مادة صنعت منه المرأة يجعله في نسبة المادةإلى الصورة فيكون بالقياس إليها أقل تطور في سلم التصوير الوجودي أعني دونها منزلة وجودية.ذلك أنه لو كان الرجل أرقى وجوديا لكانت المرأة مادة وجوده لا العكس ولكان هو الصورة والغايةوهي المادة والبداية .الرجل هو الشرط المادي لوجود المرأة وهي الشرط الغائي لوجوده لها ما عندهمع ما أضيف إليها لتكون غيره ولا يختلف عنها إلا ما ينقصه بالقياس إليها .لذلك فهو يكون قائمابها وليس قائما عليها فحسب :قيامه عليها سببه قيامه بها لأن المرء لا يحفظ إلا ما يعز وقد يفسدإدراك ذلك في التعامل المرضي .لكنه يبقى لا يتحول في التعامل السوي :فالسلطان الفعلي بيدها 29 17
حتى وإن بدا السلطان الوهمي بيده بل هو لا يجد في سلطانه معنى إلا بما تلاعبه به من قبول هذا السلطان القبول الطوعي.وهذا قانون كلي :فهو يشمل كل الكائنات الحية ويدركه كل ذي بصيرة .وبهذا المعنى فإن الرجلمقدم في السلطان على الرزق أعني السلطان الزماني أي سلطان الأدوات والمرأة مقدمة في السلطانعلى الذوق أعني السلطان الروحاني أي سلطان الغايات :والسلطان الروحاني يبدو تابعا للسلطانالزماني لكن التبعية في العمق هي للروحاني على الزماني دائما .فالذوق هو الحكم في الغاية لذلككان صاحب السلطان الزماني تابعا دائما لصاحب السلطان الروحاني .وفي الحقيقة فإن التبعيتينموجودتان .لكن تبعية الروحاني للزماني هي تبعية المبدأ الصوري للمبدأ المادي أي إنه يحتاج إليهحاجة طالب المبنى للمبنى وتبعية الزماني للروحاني هي تبعية المبدأ المادي للمبدأ الصوري أي إنهيصبو إليه صبو طالب المعنى للمعنى لكأن المرأة هي المدلول والرجل هو الدال ووحدتهما هي عينالدلالة في ما يسمى سلطانا من حيث هو عبارة المنزلة الوجودية التي يسميها ابن خلدون :حب التأله أي الحرية المطلقة.ولما كان الرجل ممثلا للعلة المادية بالنسبة إلى المرأة فإن ما يعني المرأة منه هو ما فيه مما يهمالصورة في فعل التصوير :أن يكون أمرا بحاجة إلى صقل هو عين عمل التصوير .وما يحتاج إلىالصقل هو هذا العصيان المادي والصبو إلى الغلبة خلال التعبير عن الانغلاب :لذلك كان الحبلطيفا بما فيه من بقايا الوحشية التي لو خلا منها لفضل عليه الجنسان العلاقة المثلية دون سواها.وهو ما بدأ يغلب في العمران الذي خلا مما وصفنا .لكن الدليل الموجب على ما نقول هو ما يحصلفعلا وليس بمجرد الفرض :فالمرأة التي تدعي رفض هذا التشخيص لا ترفضه إلا في العلاقةالزوجية لكنها تطبقه في العلاقة الغرامية :فهي فيها تطلب الذكر الأقوى فتخضع خضوعا ليس لهمثيل إلا ما نراه عند الأنثى في جميع الكائنات الحية بعد لعبة الإغراء لاختيار الذكر المناسب.وكذلك يفعل الرجل :فهو يقبل كل التضحيات لكأنه من فوارس الجاهلية العربية في مثل هذه العلاقة دون أي شعور بأن رجولته في الميزان مهما كان هشا وبشا.فيكون غرض الشارع أن يجعل ذلك ممكنا في العلاقة الشرعية بين الزوجين إذ يصبح من بنودعقد الزواج :أن يتصرف الزوجان وكأنهما عشيقان وهو المقصود بأن العلاقة تكاد تكون علاقة عبادةمن المرأة للرجل وعلاقة تقديس من الرجل للمرأة دون أن يكون في ذلك حاجة لتطبيق الآية التيسخرت منها أعني آية التدرج في حفظ العلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة (بشرط أن يكونا مسلمينأي يطبقان على أنفسهما ما يطالبان به غيرهما :إذ لا يحق لمن لا تتوفر فيه شروط الإيمان بأصل 29 18
الحكم أن يطبق ما له ويتنكر لما عليه منه) حفظا قد يؤدي إلى مراحل العقاب الثلاث عند حصولالنشاز (من قبل المرأة لأن للنشار من قبل الرجل له حكمه المناظر المحدد لطبيعة المسألة في الحالتينلكن الناس لا ينتبهون إليه لفساد طرقهم في القراءة والفهم) مع عدم التسريح بالمعروف بسببصمود العلاقة الغرامية بين الزوجين .ذلك أنه لو لم تكن الآية تتعلق بهذا النوع من العلاقة لما كانالحكم بحاجة إلى هذا التدرج ولكان الحل البديل المغني عن جميع الدرجات هو حل التسريح بالمعروف.لكن السلطانين الزماني (الذي يغلب عليه دور الرزق) والروحاني (الذي غلب عليه دور الذوق)أصبحا لا اسميين في العمران الذي باتت فيه المنزلة الوجودية تقدر بالمنزلة الاقتصادية أعني أنهماأصبحا فكرتين مجردتين فاقدتين لكل تعيين رغم أنهما في الحياة غير الشرعية الموازية للحياةالشرعية هما الفاعلان حقا بل هما المهربان من هذه الآلية الجهنمية كما بينا في العلاقات الغراميةغير الشرعية التي صارت بديلا من الزواج الذي بات مجرد شركة اقتصادية لا غير :ولسوء الحظفالعلاقات الغرامية نفسها قد يكون أفسدها استغلال السلطان الأكاديمي في توزيعه العناوينالجامعية! إن الآلية العمياء لفكر التحديثيين الذين فقدوا كل ذوق جعلت المساواة الرياضيةالعمياء أو الرقمية التامة مثال المنزلة الوجودية مثالها الأعلى .وكان ينبغي عندئذ أن يعترفوابأنهم لا يعترفون إلا بنوع واحد من المنازل :منازل الأرقام اللااسمية في سوق السوقة أعني البضاعة التي يحدد منزلتها السوقية عرض المتسوقة وطلبهم.لم أفهم لجوء الاستاذة إلى قياس الإرث المخول للمرأة في الشرع الإسلامي بالإرث المخول لابنالزنى في القانون الفرنسي .فهل وحدة المقدار بمجردها كافية لتكون مبررا للقياس؟ ومع ذلك فلستممن ينفي حرية الباحثة في اختيار نموذج الصوغ النظري الذي ترتئيه :فلها كامل الحق في ذلك.اختارت الباحثة إذن أن تقيس هذين الأمرين ربما بسبب ما فيه من التبشيع المقصود إذ قد بينا مايجعل القياس خاليا من الدور المأمول في عملية معرفية تعتمد على ترجمة من هذا الجنس وهو فيهالا يكون مطلوبا إلا لهذه الغاية .فأصبحت الترجمة مجرد حيلة خطابية توحي للقارئ بسؤالاستنكاري قد يكون نصه قريبا من :كيف يمكن لشريعة يزعمها أصحابها سماوية أن تكون نظرتها إلى المرأة دون نظرة شريعة وضعية لابن الزنا ثم يواصل المؤمنون بها اعتبارها مقدسة؟!وهذا أيضا مما لا أناقش فيه .فهو أمر مشروع عند من يميل إلى الكتابة الخطابية رغم بدائيتهلخلوه-ليس بالذات-بل عند الباحثة من حذق الخداع الذي يرغب فيه الخطباء :فالاستبشاع من 29 19
أدوات التأثير في الإقناع الخطابي بشرط أن يكون خفي الخيوط وبارع الحياكة فلا تبرز مخارزهللعين المجردة فيفتضح صاحبه ويحصل الوقع المقابل .أما منطقيا فقياس الباحثة بين الحالتين المقيسةوالمقيس عليها لا يستقيم إلا إذا سلمنا لها بما بنت عليه علاجها :سلمت أن العلاقة بين مقدار الإرثدالة المنزلة الوجودية للوارث دالة بالمعنى الرياضي للكلمة function (in a mathematical)meaningومن ثم فالتساوي في مقداره دليل على التساوي في مقدارها (بل هي ذهبت إلى أكثرمن ذلك إذ الحل الإسلامي بات عندها مفضولا والحل الفرنسي فاضلا لأن ابن زنا في هذا أكبر حظامن البنت في ذاك) .وقد عالجنا مسألة العلاقة بين المنزلة الوجودية والملكية والإرث عالجناها آنفافي ثانية المسائل الموضوعية فبينا سخف هذا الحكم فضلا عن كونها تسلمته ولم تعتبره بحاجة إلى دليل.لكن إذا كانت الباحثة قد اعتمدت طريقة الترجمة فمعنى ذلك أن الظاهرة المترجم إليها تبدولها ذات شفيف كاشف للبنية النظرية التي أرادت استخراجها لشرح سطح الظاهرة بعمقها أعنيبالنموذج المحدد لقوانينها بالمعنى الرياضي للكلمة .وليس بعزيز أن تجد في حديث المتحدثات عنالحداثة من يفهمن هذه الأحداث البديهية لأن حظهن من العلم ينبغي ألا يقل عن حظ ابن الزناحتى في القانون الفرنسي قبل تعديله الأخير إرثا عن أصحاب الحداثة قيسا لقيمها على قيم الملكيةفي مثالنا .فعندما نترجم معطيات مشكل رياضي بلغة الجبر لحله فنصوغ معطياته بمعادلة جبريةيكون المقصود بالترجمة الانتقال من الصوغ الذي ينطق بمعجم اللغة الطبيعية ونحوها إلى الصوغالذي ينطق بمفردات الجبر وقوانينه .عندئذ تصح الترجمة الصوغية :إذ النقلة تغير مستوىالصوغ فتيسر إجراءات العلاج لكونها تبين الخفي من البنية الباطنة للظاهرة المدروسة .وهي لا تكون كذلك إلا بافتراض شرطين يصعب أن يتوفرا في مثال الأستاذة متراتبين على النحو التالي:فالشرط الأول هو أن يكون الانتقال ضروريا للعلاج علما وأن فعل الانتقال من الصوغ الذي لايقبل العلاج العلمي (إرث البنت في الإسلام) إلى الصوغ الثاني (إرث ابن الزنا) الذي يقبله ذاقواعد معلومة لأهل الاختصاص ومتفق عليها :شرط وحدة السياق بين الظاهرتين أعني عدم أخذهما بمعزل عنه وهو هنا روح القانون العامة.والشرط الثاني هو شرط الشرط الأول وهو أن يكون بين الصوغين تشاكل بنيوي يبرزه الصوغالثاني ويخفيه الصوغ الأول وهو عينه ما يمكن من العلاج .فالصوغ الثاني ليس هو العلاج بل هوكما في مثال الصوغ الجبري يمثل منطلق العلاج المؤدي إلى الحل تحليلا أو تركيبا :شرط التشاكل البنيوي بين نظامي الملكية والوصية. 29 20
فهل الحكم القانوني الذي يحدد الإرث عند ابن الزنا في القانون الفرنسي الذي تشير إليهالباحثة يشترك مع النظام الذي يحدد الإرث عند البنت في الشرع الإسلامي في غير المقدار؟ وهلاعتبار انتقال الملكية بالإرث حقا للوارث يقتضي المساواة بين الورثة يبقي لمفهوم الحرية في التصرففي الملكية معنى خاصة إذا لم نجد أدنى مبرر لحصر هذا المبدأ في الأخوة؟ وهل الاشتراك في المقداروحده كاف للقول بالتشاكل البنيوي بين الظاهرتين الموصوفتين أم إنه يستوجب الاشتراك في العلةالعميقة التي بموجبها يحدد المقدار أيا كان كما علل القرآن سبب نهي المالك من تفضيل من سيوصيله بما يظنه علما بمن هو أكثر نفعا له من بينهم؟ والعلة إن وجدت ألا ينبغي أن تكون هي عينهاجوهر المبدأ الوجودي الذي يستند إليه التشاكل البنيوي العميق تحت سطح الظاهرتين؟ والتشاكلالمبني على المقدار حتى عند التسليم بقابليته للاستعمال في الكلام على الإرث معدوم في هذه الحالةبسبب الخلل في حدود المعادلة .فالمقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة لو لم يكن أحد الحدود الأربعةمختلفا :فمقدارا الإرث متجانسان (النصف في الحالتين) لكن الوارثين من جنسين مختلفين (ذكروأنثى) إلا إذا كان مدلول ابن الزنا يعني الجنسين عند الباحثة .لذلك فالتشاكل حتى لو قبلناه لنيكون وجوديا بل رياضي لا غير بمعنى انتسابه إلى طبيعة طريقنا إلى علمه وليس إلى طبيعته هوطبيعته التي لا ندري ما هي دراية تمكننا من زعم الكلام على المنزلة الوجودية لمن تنسب إليهم الحقوق.فعلاقة الطبيعتين إحداهما بالأخرى منعدمة أعني أن الوجود (معين المنازل الوجودية) والمال (معين مقادير الملكية الموروثة) ليس بينهما علاقة مباشرة. 29 21
ومن يدرس العلاقة يجدها تمر بتوسط الحقوق التي تضبط أمرا يكون مشتركا بينهما له شيء منطبيعة حدي التوسط .فمن المنزلة الوجودية تنبع الحرية شرط إرادة الفعل في المجال الإنساني.ومن المال تنبع القدرة عليه في المجال الإنساني .فتكون العلاقة بين الملكية من حيث هي أداة الفعلوالحرية من حيث هي علته وغايته أو العلاقة بين الإرادة وإحدى أدوات القدرة موضوع الحقوقالتي تصل القانون الذاتي بالقانون الموضوعي ومن ثم تصل الذات من حيث أحد أبعاد منزلتهاالوجودية بالملكية من حيث أحد أبعاد دورها في تحقيق أحد شروط الإرادة النافذة أي القدرة:فيكون الأمر كله متعلقا بحق تملك المال وبحرية التصرف فيه دون وصاية أيا كان مقداره وفي ذلكتتساوى المرأة والرجل في الشرع الإسلامي ولا أظن الأمر كذلك في أصل الشرع الذي أخذت الباحثةمنه مثالها المحبب .ولن يختلف الأمر حتى لو كان كذلك إذ يكون التعلق بحرية التصرف وليس بمقدار المتصرف فيه.أما تساوي المقدارين وحده فهو غير كاف ليكون في المقيس عليه دلالة أوضح مما في المقيس في هذهالحالة على القانون العام الذي يشتركان فيه أعني في التشاكل البنيوي المطلوب المعلل للنقلة منأحدهما إلى الآخر ومن ثم الممكن من العلاج .ولا أظن الكاتبة تستعوص مثل هذا الكلام فهو واضححتى للمبتدئين في فنون العلاج الرياضي فكيف بالمتجاسرين على تفسير القرآن بمثل هذه الأقيسة العجيبة؟وظني-والله أعلم -أن علة نصف الإرث عند ابن الزنا غير علة نصف الإرث عند البنت في الإسلامرغم علمي أن هذا النصف الأخير ليس معللا في أي نص قرآني اللهم إلا إذا حملنا محمل الجد مااستنتجته الكاتبة بتأويلاتها لتاريخ خصومة الإرث عند العرب في الجاهلية وفجر الإسلام .فكل هذهالتأويلات أقل ما يقال فيها إنها ليست مبنية على قواعد سليمة كما سنرى في المسألة المنهجية الموالية.فعلة مقدار الإرث ينبغي أن تكون من جنس الموروث أعني أنها ينبغي أن تكون من خصائص الملكيةالكمية وليس من كونها ملكية ولا من كونها دالة على الحرية التي هي مقوم من مقومات المنزلةالوجودية :فحرية التصرف في المال لا تقدر بمقدار المال بل بمقدار التصرف .ولا شك أن مدىفاعلية الحرية يمكن أن تقاس بمقدار المال في المجتمع الإنساني لتقدير المنازل الاجتماعية بمقداره 29 22
وخاصة في المجتمعات الأليغارشية كالتي يحلم بها حداثيونا ويسمونها ديموقراطية :يصعب أن يفهمواالتشريع المعد لمجتمع ذي قيم ارستوقراطية تشمل الجميع مجتمع للفضيلة فيه معنى وبها تحدد المنازل لأن معيارها التقوى في التعارف وليس التقية في التناكر.وفي هذه الحالة تكون علة النصف في إرث ابن الزنى -والله أعلم -تقليد موروث عن العرفالفرنسي قبل الثورة بقي في لاوعي المشرع الفرنسي .فهو ابن من أم لم تدفع لأبيه ما يقابلالصداق عندنا لأنه لم يتزوجها قانونيا-كما هو الشأن في عرفهم المشار إليه ولا ننسى أننا نتكلمعلى من عندهم ما يورث ولهم القدرة على الزنا المعلن والاعتراف بالأبناء الطبيعيين بالمصطلح غيرالديني ما دمت أتكلم بلغة الأكاديميين المتحررين من هذه المفردات غير المحايدة فلا معنى لوصفالعلاقة بالزنا عندهم ! -فلا يكون له من الإرث إلا نصف حق الابن الشرعي الذي يرث من الثروةبكاملها -أعني من ثروة الأب وفيها ثروة الأم التي انضمت إلى ثروته والتي يعد الصداق جزءهاالأهم-وليس من نصفها .وهذا يبين أن النصف هنا عادل بإطلاق .لكن مثل هذا التعليل منعدم فيالحالة الإسلامية :ليس للأب مبرر لحرمان البنت من النصف الذي خصم من حقها الكامل بمنطقالباحثة إذ حتى هذه الحجة التي وجدناها لنصف ابن الزنا ليس لها وجود لبنت الحلال! إنه حرمان تحكمي مائة في المائة :ليس من مبرر قابل للتصور من أصل الملكية نفسها كما في حالة ابن الزنا.لكن الباحثة استعاضت عن العلة التي حددها الشرع الإسلامي بعلة استنبطتها بعملية تأويلية غيرمشروعة منطقيا وفلسفيا سنأتي إليها لاحقا .فالعلة عندها ليست إلا مجرد تحيل ينصف به الشارعالمفضول للمحافظة على منزلته الدونية أو مفضوليته .وهو عندها لن يتحرر إلا بالعدل الذي هوعندها المساواة وهي في عرفها فوق الإنصاف .وكنت في الحقيقة أظن الإنصاف أبلغ من العدل لأنهيتجاوزه إلى الإحسان فإذا بي أجده قد أصبح حائلا دون العدل والمساواة .فلا العدل هو أن تعطيالمرء ما يستوجبه مقامه ولا الإنصاف هو أن تقسم معه مناصفة دون اعتبار للمنازل بل العكس هو الصحيح عند فيلسوفة الحقوق في فقه اللغة الحداثية :ربي زدني علما.والمشكل الأهم في هذه الترجمة العجيبة أن الأستاذة لم تبحث في تعليل مناصفة ابن الزنا أصلافضلا عن عدم الوعي بعدم تعليل مناصفة الإناث في الشرع الإسلامي .لكنها حاولت طلب التعليلمن خارج النص واللجوء إلى أسباب النزول بدون رابط بين الآية وسبب نزولها كما حاولت طلبه منغير الآية إما في السنة أو في تاريخ الجاهلية .وهذا خروج عن مفهوم سبب النزول من أصله تسليماجدليا منا بأن سبب النزول يصلح تفسيرا لكون النصوص هي على ما هي عليه فيتجاوز كونه من دوافع إيجاد النص المعلومة وليس علة كونه على ما هو عليه. 29 23
وحاصل القول إن الترجمة لم تكن بهدف صوغ المعادلة التي تساعد في العلاج بل هي من جنسحيل الخطابة التي تعتمد على الاستشناع الخطابي من أجل الاستفظاع الدرامي المؤدي إلى إقناعالمخاطب برأي الخطيب الذي أعيته الحجة بمقومات ما يصفه بخطابه .ولعله من فساد الذوق أنيقارن المرء شرعا مقدسا عند شعبه حتى وإن لم يكن المقدس ذا معنى عنده بمدنس حتى في الشرعالوضعي الذي اعتمده رغم كونه يجهل منه العلل والأسباب :فتكون الشريعة الإسلامية في مسألةإرث البنت أشنع من الشريعة الفرنسية في إرث ابن الزنا .ولما كانت ثروة الأب ليست له وحده فينظام الملكية التي أخذ منها مثال إرث ابن الزنا بل هي ثروة الوالدين كان من المعقول جدا ألايحصل ابن الزنا إلا على نصف ما يحصل عليه الابن الشرعي .ولما كانت الباحثة قد تكلمت عن ابنالزنى دون بنت الزنا فإننا لن ندلي برأي حتى تفعل على ألا ننسى المساواة بين حظ الزواني والزناة حظهم من العلوم التي تقيس المنازل الخالدات بالفاني من الممتلكات.لعل فهوم الحداثيين لا تزال دون إدراك الفرق بين السبب والعلة .لعلهم لا يدركون أن السببلا يعدو أن يكون الحدث العارض الذي يمكن أن ينبه الإنسان إلى أمر .لكن علة الأمر غير سبب إدراكه .فالأمران ينتسبان إلى سلسلتين من الأحداث مختلفتان تمام الاختلاف: أولاهما متصلة بأثر وقعه يجري في مستوى الأحداث النفسية (=صغائر التاريخ). والثانية لها تعلق بترابط الأحداث التاريخية (=عظائم التاريخ) الذي انتبه إليها الإدراك.وهذا الأمر مقوماته ذات ترابط وجودي لا يُعلم إلا بما يكونه العقل من ترابط بين حدود منطقيةمشاكلة للحدود الوجودية و ُيجهل إذا ظنت علله راجعة إلى الأحداث النفسية .ولنضرب مثالامشهورا حتى يفهم من يدعي الفهم من دون أسبابه :فلو صحت نظرية مفسري التشريع الإسلاميبأسباب نزول القرآن لكانت خرافة التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن تفسيرا لبنية قانون الجاذبية!لا فائدة من التذكير بدلالة المطلع الشهير لأشهر قصائد المتنبي .فتفسير جلائل التاريخ بصغائرأحداثه هو الأصل في الأهمية التي يوليها من يخلط بين أسباب النزول وعلل كون النازل هو على مانزل عليه .ويذكرني هذا بموقف ابن خلدون ممن يفسر نكبة البرامكة بالعلاقة الغرامية بينالعباسة والبرمكي وليس بالصراع السياسي بين العصبيتين العربية والفارسية .فعندي أن كلمحاولات فهم التشريع القرآني بأسباب النزول-حتى لو توفرت وكانت العلاقة بين النص والأسباب 29 24
ثابتة-لا تعدو أن تكون تفسيرا للتاريخ الكبير بالتاريخ الحقير :لذلك ترى كل الحداثيين يسترقون السمح لما يجري في بلاطات بلادهم لتفسير التاريخ بمقاسهم ماضيه كحاضره وجليله كذليله.سأستسمح القارئ باستطراد مشروع في مثل هذه الحالات التي يكون فيها علاج المسائل البنيويةسانحة لعلاج المسائل الظرفية .فقبل الكلام على هذه المسألة العويصة أشير إلى مأساة-ملهاة ركحهاأقسام العربية في الجامعة التونسية .فعلوم العربية التي هي أسمى علوم الأمة ماتت وعوضها شبهمن التفلسف مربع قل أن تجد له مثيلا في الجامعات التي جعلها النقد الذاتي تتحرر من سلطان الدجل: فبعض المختصين فيها أصبحوا فلاسفة تاريخ. وبعضهم أضحوا فلاسفة حضارة. وبعضهم أمسوا فلاسفة نقد. وهم جميعا باتوا فلاسفة تشريع.ولم يبق أحد في أقسام العربية مختصا في علوم العربية إذا أضفنا إلى هذا الرابوع الرطن بمايسمى اللسانيات بين قوم لا يكاد أغلبهم يجيد اللسان العربي حتى وإن صندق قواعده فضلا عنغياب تعدد الألسن الضروري لمثل هذه المهام .ووهم تفسير التشريع الإسلامي بأسباب النزول بدأهازعيم فلسفة التاريخ رغم كونه ينتسب إلى اختصاص العربية وتابعها زعيم فلسفة الحضارة رغمنفس الانتساب وأتمتها زعيمة فلسفة النقد رغم نفس الانتساب فصار عندهم الكلام في الفلسفةجزافا دون حساب :إذ كلهم يشتركون في جرأة التطفل على ما ليسوا مطالبين بعلمه جرأة لا يساويها إلا الجرأة على إهمال ما هم مطالبون بعلمه.فهل الآداب العربية تعد إلى فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد إعدادا يؤهلأصحابها إلى الخوض في فلسفة التأويل والشرائع والأديان خوض العلماء؟ أم إن المنتسبين إليهايعبرون عن مواقف شخصية في حدود ما يضمنه حق التعبير الحر للمواطن بخصوص التشريعات التيتنتظم بها حياة الجماعة؟ لن أجادل إلا في الخلية الأولى من هذا الخيار .أما الخلية الثانية فلاجدال فيها .فحق المواطن حتى الغر حق مستقر له أن يقف ما اختار من المواقف .لكن أن يزعمالبعض موقفه علما وأن يقدمه على أنه ليس موقفا شخصيا بل تأسيس لنظريات في فهم التشريعالإسلامي وتأويل مضموناته فيجعله مادة للتدريس الجامعي دون فهم لمعنى الفصل بين مجال النقاشالعمومي بين المفكرين ومجاله الخصوصي لتدريس المضمونات العلمية في الجامعات فذلك هو ما أعتبره مأساة-ملهاة تجري على ركح أقسام العربية في جامعاتنا. 29 25
ولنستأنف البحث في قضية العلاقة بين أسباب النزول والنصوص النازلة .وحتى نعالج القضيةبأكبر قدر ممكن من الحياد سنفردها فنجردها من بعديها التشريعي عامة والتشريعي الديني خاصة.لن نهتم بأسباب التشريع عامة (وضع القوانين) ولا بأسباب النزول (التشريع الديني) بل سنهتمبوقوع التقنين وأسبابه سواء كان الأمر متعلقا بوضع التشريعات (في مجال المعايير القانونية) أو بوضع النظريات (في النظريات العلمية).فلنبدأ بالنظريات العلمية إذ هي أيسر على الفهم من التشريعات القانونية رغم كونها تقنين وإنكانت من جنس مختلف بمقدار ما فيها من محدد ينتسب إلى الموضوع يغلب على المحدد الذاتي .وهيأيسر على الفهم لأن هذا الترابط مع الموضوع رغم وجوده ليس ما يبدو منه سببا في وقوع التقنينعلة في كون التقنين على الحال التي يكون عليها في النظرية العلمية .فلا شك أن بعض التجريبيينيتصور المعاينات التجريبيبة من أسباب وضع النظريات العلمية .لكني لم أسمع بواحد منهم-مهماطغت عليه النزعة التجريبية -ذهبت إلى أن يصير غفلا فيعتبر المعاينات علل كون القوانين العلمية هي ما هي رغم تسليمه بأنها أسباب وقوع التقنين .فالقوانين العلمية تخضع لمنطقين متعامدين:- 1أحدهما منطقي خالص هو تناسق النظريات في تواليها التاريخي (تاريخ بناء علم الفيزياء مثلاهو الذي يحدد المشاكل الفيزيائية وحلولها ومن ثم النظريات من حيث هي لبنة في جسم علمالفيزياء) وفي تساوقها الفني (التناسق مع فروع علم الفيزياء والعلوم الشارطة كالرياضيات والمشروطة كالكيمياء)- 2والثاني اقتصادي خالص هو النسق الأبسط والأقل مفروضات لعلاج أكبر عدد ممكن منالقضايا التي يطرحها المجال الموضوع للعلم في تواليها التاريخي (التقليل من الشذوذ التجريبي في ظاهرات الموضوع) وتساوقها الفني (الاستفادة من تقدم العلوم الشارطة والعلوم المشروطة).أما ما يسمى بأسباب الوقوع أو التجارب التي بموجبها يضطر العالم إلى مراجعة نظرياته أو وضعنظريات جديدة فهي من جنس المنبة الذي يوجه انتباه العالم وليست من جنس علة العلم الذي يصلإليه العالم لعلاج الأمر الذي نبهته إليه الأسباب .إنها تنبهه إلى أمر ينبغي أخذه في الحسبان دونأن تحدد كيفية أخذه في الحسبان :وكيفية الأخذ في الحسبان هي الإدراج في النص القانوني .فهذهالكيفية ينبغي أن تخضع للمنطقين المتعامدين اللذين أشرنا إليهما أي المحدد المنطقي أو ما يمكن أنيعتبر جوهر الأكسيومية التي هي صورة العلم والمحدد الاقتصادي الخالص أي ما يمكن أن يعتبرجوهر الفاعلية التي هي وظيفة العلم من حيث هو صورة علمية عن العالم من إبداع عقول العلماء 29 26
وأداة فعل فيه لنفاذ القوانين إلى البنى الباطنة التي غالبا ما تكون الأسباب الظاهرة حاجبة لها لا كاشفة.ولنأت الآن إلى التشريع .فهو يقبل القيس على ما يتصف به العلم من حيث هذين المحددينالمؤثرين في كونه ما هو وتحرره من سبب الوقوع .فلا وجود لتشريع يتجدد في كل لحظة بمقتضىالمنبهات الخارجية التي تمثلها أسباب النزول في حالة التشريع المنزل وأسباب الوقوع في حالة التشريعالوضعي :ويذكرني هذا الموقف بموقف فقهاء \"عقاب زمان\" الذين يتصورون الفقه لا يتطور إلابالمنبهات الخارجية المنبهات التي يسمون الانتباه إليها فقه الواقع وهو في الحقيقة البديل من علمالواقع العلم الحقيقي فيكون فقه الواقع عين الجهل بطبيعة التشريع والواقع معا .فكل قانون جديدلا يتصل به سبب النزول أو الوقوع إلا بتوقيت التشريع وظرفه .لكن التشريع الذي سينتج بعد هذاالتنبيه لن يكون محكوما إلا بالمحدد المنطقي والمحدد الاقتصادي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما في حالة القانون العلمي على الأقل من حيث صورته القانونية.لا شك أن الكثيرين سيحتجون بأن القانون التشريعي عامل التأثير فيه الخفي أهم من هذينالعاملين المحددين لصورته القانونية دون مضمونه القانوني :وهذا العامل هو علاقات القوة فيالمجتمع لأن القانون هو في الأغلب ترجمة لعلاقات القوة السياسية في الجماعة .وهم يحتجون هذاالنوع من الاحتجاج لظنهم القانون العلمي خاليا من أثر علاقات القوة في المجتمع .فخيار الحلول فيالحالتين خاضع للتناسق مع النسق العام للحضارة التي يقع فيها التشريع بحسب مجالاته الثقافية.الفرق الوحيد أن المحدد الذي من هذا الجنس في القوانين العلمية هو علاقات القوة في وسط الثقافةالعلمية أو في الجماعة العلمية .فخيارات الحلول النظرية محكومة بعلاقات قوى بين مذاهب فكريةأو فلسفات يحكمها في الغاية خيارات عملية تعود إلى جنس الخيارات التي تحكم أخلاق الجماعةالعامة ما كان منها واعيا أو غير واع أعني ما يسمى ب \"المعروف والمنكر في ذلك المجال \" Sittlichkeit.وهي في التشريع علاقات القوة التي يبدو فيها هذا الطابع بأكثر وضوح لأنها تحدث في وسط الثقافة السياسية أو الجماعة السياسية التي مدارها الأخلاق العامة لجماعة من الجماعات.وفي كل الأحوال فليس سبب النزول أو سبب الوقوع إلا المنبه أو ما يسمى بالفرنسية La causeoccasionnelleليس هو العلة الذاتية لما سيكون عليه القانون سواء كان علميا أو شرعيا بل هوالمناسبة التي يأتي القانون لعلاجها بمنطقه الخاص وليس بما ورد في السبب من منبهات تعد السانحةالتي وجهت الذهن إلى عرض من أعراض ما سيعالجه التشريع .فكل ما قاله طالبو التفسير بأسبابالنزول يمكن أن يكون صحيحا من حيث التنبيه إلى ضرورة علاج المسألة التي يريدون تفسيرها. 29 27
لكن تلك الأسباب لا تفسر كون ما يريدون تفسيره على ما كان عليه بل هي قد تفسر توقيت وقوعهوظرفه لا غير .لذلك فليس لما قالته الباحثة حول الإرث عند العرب وفي لحظة نزول الآية علاقة بما تم في آية الحد من حرية التصرف في الوصية .ولا يطلب المحدد إلى من مصدرين:كيف نفهم عدم الفهم عند من لا يميز بين سبب نزول النص (أو وقوعه في القانون الوضعي) وعلةما نص عليه؟ وكيف ندرك عدم إدراك من يتصور الترجمة أداة تحليل كيفما اتفق فينتهي إلىالتطفل على غير اختصاصه بمعان ثلاث؟ فمسألة المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإن كانتذات صلة بقضية الجناسة والحركة النسوية-فتفهم دافعا للاندفاع وعدم الروية -فإنها لا تقتصرعليها بل تتعداها إلى ثلاثة وجوه يحق لأي إنسان أن يقف منها الموقف الذي يلائمه دون أن يزعمموقفه مستندا إلى معرفة علمية بل هو مجرد رأي .ليس يحق له أن يقدم مبررات موقفه وكأنهاعلوم بأسانيد فيها شبه من البحث الأكاديمي بما يرد فيها من مصطلحات رنانة تزعم عقلية (مثلالمنزلة الوجودية ومنهج الترجمة طلبا للنبية العميقة والمسكوت عنه زعما باستعمال الهرمينوطيقاإلخ )..وتشخيصات تبدو انثروبولوجية فيما وراء أسباب النزول .فلا بد من علم متين في ثلاثةاختصاصات ليس لمن اختصاصه العربية حتى وإن زعم التفلسف في التاريخ أو في الحضارة أو في النقدالأدبي مقومات الكلام العلمي فيها خاصة إذا أصبح هذا التطفل حائلا دونه والتمكن من العلوم الأدوات ليخوض في العلوم الغايات:ولما كان الاختصاص الأخير أقل الثلاثة بعدا عن الالتزامات التي يصعب ألا يقع فيها الخلط بينالموقف والعلم بات التطفل عليها داء دويا وخاصة في المتطفلين على فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارةوفلسفة النقد فإني ركزت على الأولين ولم أجادل في الأخير رغم علمي بأن أكثر الناس هوسابالهاجس الديني هم من يزعمون وقوف مواقف العلمانية :فلو اعتبرنا كثرة الكلام في المسائل 29 28
الدينية حتى سلبا مقياسا لمعرفة الهواجس التي تدور في خلدهم لكانوا أكثر معاناة للمسألة الدينيةممن يزعمون إسلاميين في الحركات المتحمسة للفعل المباشر واستبدال النظريات الفلسفية بالثرثرات الإيديولوجية.وحتى يتأكد من الحداثة الكاذبة في فكر الحداثيين العرب يكفي أن تسأل عن طبيعة الشرعيةالتي يستند إليها التشريع الوضعي الذي يريدون .فمن المفروض أن يكون البديل الوحيد منشرعية التشريع الذي تقول به أخلاق الجماعة التي ينتسبون إليها الشرعية الديموقراطية أعنيإرادة الجماعة التي يريدون أن يفرضوا عليها آراءهم التشريعية .فهل يقبلون مثلا أن يعرضمقترحهم بالحد من حرية المالك في الوصية إلى غاية تتحقق فيها المساواة بين المرأة والرجل في الإرثعلى الاستفتاء الشعبي؟ طبعا سيكون ردهم :لكن الشعب جاهل ولا يفهم ما يفهمون .فيثبت من ثمأنهم ليسوا علمانيين بل قائلون بكنيسة العقلانيين الاستبداديين الذي يشرعون للشعب بديلا من الكهنوت الذي ينسبون إليه ما يعتقد الشعب أنه إرادة الله.إنهم يقدمون أنفسهم على أنهم تحرروا من سلطان الكهنوت الزائف باسم إله وهمي حسب رأيهمبسلطان كهنوت أكثر زيفي باسم إله هو عين التزييف :العقل الذي لا يمتاز عن الرأي وعبادة الهوىإلا بالادعاء .أما خصومهم فيجمعون بين الشرعيتين :شرعية ما تؤمن به أغلبية الجماعة وشرعيةما تريده الجماعة شرعا لها لو استفتيت في تشريعاتها .لذلك فإنه لم يبق لهؤلاء غير شرعيةالاستبداد الذين هم حلفاؤه موضوعيا وذاتيا مع \"رفاه\" المعارضة الصالونية التي لم تعد تنطلي علىأحد وخاصة منذ أن تبين للجميع حلف أغلبهم مع رأس الطاغوت الروحي (إسرائيل أو/والفاتيكان)والمادي (فرنسا أو/والولايات المتحدة) في الحرب على حصانة الأمة الروحية بالعمالة الفاقدة لكل روح والعابثة بكل القيم باسم عقلانية قاصرة على أدنى شروط علوم العقل والنقل. 29 29
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 36
Pages: