أبو يعرب المرزوقيوحدة مصير الشرق والغرب الأدنيين الأسماء والبيان
وحدة مصير الشرق والغرب الأدنيين
تصريح ميركل هو نتيجة الوجه السالب مما أتوقع حصوله فيما بعد .فأوروبا أدركت أن المتغطي بـ\"متاع الناس عريان\" وستعود لرشدها. فما هو رشد أوروبا؟عودتها إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية دون القدرة المتقدمة عليها ،لاستعمار الضفة الجنوبية من المتوسط :حقيقة استراتيجية.وهي حقيقة لم يعد بوسع أوروبا تغييرها بالحلول العنيفة ،ويمكنها علاجها بالحلول اللطيفة إذا نظرت قياداتها لمجريات تحديد نظام العالم الجديد.فالتمازج بين أوروبا ومستعمراتها السابقة تجاوز حد الرجع ولم يبق بوسع أوروبا أن تبقى من دون التكامل على أسس جديدة ،لم يبق فيها التفوق كيفيا.وتفوق أوروبا في نظام العالم الجديد لم يعد مضمونا لأن قطبيه -الشرق الأقصىوالغرب الأقصى -يتميزان عليها بحيازة ما فقدته :العنفوان الديموغرافي ،فإذا عادتأوروبا إلى موروثها الصليبي ،فستكون قد اختارت الانتحار ،لأن الغول الروسي وأوروبا الشرقية يمكن أن تعود لها شاهية الهيمنة عليها بيسر.ولما كان الأوروبيون لا تنقصهم الحكمة ولا الدهاء ،فإنهم سيعمدون إلى الحل الذي يجعل الشرق الأدنى والغرب الأدنى وحدة حضارية متجانسة ومتعاونة.فمجموع فرعي حضارة المتوسط وما حولهما ،اللذان بنيا العصر الحديث بفضل صراعهما وتعاونهما من بداية العصر الوسيط ،يكاد يضاهي عماليق العصر الحالي.وهما يشتركان في أصلي الثقافة ،ثقافة الحقبتين الوسيطة والحديثة ،أعني الاصل الديني الروحي (الدين وعلومه) والأصل الفلسفي العقلي (الفلسفة وعلومها. 31
وهما بين فكي كماشة الشرق الأقصى والغرب الأقصى وممر بينهما ،لذلك فكل اصحاب القرار فيهما سيستعيضون عن منطق الصليبيات والاستعمار ،بالتعاون الندي.فالتمازج البشري والثقافي والمصلحي الاقتصادي ،والضرورة الجيوسياسية ،وتوزيع الموارد الطبيعية ،كل ذلك سيفرض منطقه على الجميع ويلغي التطرفين. والتطرفان: -1اليمين الغربي الذي لم ينس أحقاد الماضي البعيد. -2واليمين الشرقي الذي لم ينس احقاد الماضي القريب. وكلاهما يهمل المستقبل ومقتضياته.وهذان التطرفان أصبحا هامشيين ،رغم أن محاولة احياء هذه الأحقاد يغذيه نزعتا الإسلاموفوبيا وحماقات الجهاديين ممن شوهوا الإسلام بدعوى حمايته.والحقيقة التي ينبغي أن يسلم بها الجميع ،هي أن التاريخ المديد بدأ يفرز نتائج لم يتوقعها أحد :ثقافة الابيض المتوسط مشرقت الغرب ومغربت الشرق.وكل من يزعم أن أوروبا بقيت كما كانت تدعي ،أعراق آرية صافية -كذبة من البداية- والشرق بقي كما كان يوصف ساميا صافيا كذبة لم يعش في أي منهما.وهذه الظاهرة الثقافية العابرة للفروق ،التي كانت تفصل بين عالمين ،بينة في العمران وعادت المدن ،حتى وإن بقي شيء من التقابل الحاد في الأرياف.ويكفي أن يعلم القارئ أنه لا تكاد توجد أسرة واحدة من المغرب العربي ليس لها أقرباء اوروبيون في الأجيال الثانية والثالثة والرابعة ،وحتى الأولى.ولا يمكن أن يكون ذلك كذلك إلا إذا كانت نفس الحقيقة صحيحة على الأسر الأوروبية: فلا تكاد توجد أسرة أوروبية ليس لها أقرباء من المسلمين بدرجات.وهذا بطيء التأثير ككل ما يتعلق بالتاريخ المديد ،لكن عمقه بقدر بطئه :فهو يفعل فعل بقع الزيت في الورق .ينتشر ببطء ،ولكن بثبات حتى يعمه كله.وإذا صار هذا المسار مطابقا للمصلحة المستقبلية ،فهو سيتسارع لأنه يحقق التكامل بين الطرفين ،كل يستكمل ما ينقصه من شروط مما يفضل به عليه الثاني. 32
فإذا أضفنا التكامل في المواد التي ينبني عليها الاقتصاد الحديث والحماية أمنا ودفاعا، بشروطهما الحديثة ،كانت مقومات العيش الآمن واحدة للطرفين.فأوروبا لن ترتهن للروس وتوابعهم (الطاقة والأمن) لأنها حريصة على استقلالها ،ولا يمكنها إن توفر ذلك إلا بالتعاون مع من لا يستطيع الهيمنة عليها.وهي تحتاج كذلك لحد أدنى من سعة السوق ،إذ كل اقتصاد لا يمكنه أن ينافس في عالم العماليق من دون هذا الحد الأدنى المضمون لقيام الاقتصاد المستقل.فمجموع سكان الإقليمين حول الأبيض المتوسط ومن افريقيا وآسيا القريبة منهم ،عربا أمازيغ وأتراكا وأكرادا وإيرانيين ،يقرب من عدد سكان الأقطاب.الصين قطب ،وأمريكا وكندا قطب ،وروسيا وتوابعها قطب ،والهند قطب .لكن أوروبا من دون مستعمراتها السابقة في الإقليم لا تمثل قطبا وازنا مثلهم بحق.فإن نكصت أوروبا إلى ما قبل الحرب الثانية ،وتصرفت بذهنية استعمارية فإنها ستنهار لسببين: -1لم تعد قادرة على ذلك عسكريا. -2ولوجود منافسين كبار. 33
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 10
Pages: