أبو يعرب المرزوقي الأسماء والبيان
المحتويات1 تمهيد1 : النص 1 : المسألة الأولى 3 المسألة الثانية 8
نشر هذا النص بتاريخ 2007 - 03 - 31ونعيد نشره اليوم لأن الأستاذ أشار إليه في تعليقه علىمناورة الرئيس حول المساواة في الإرث .وهو يعالج القضية فلسفيا ردا على إحدى زعيمات هذاالتيار الذي يقود حملة المهمة التحضيرية بالتحديث المستبد للنخب الوصية للشعوب .وفيه ثلاثة فصول.نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه \"للذكر مثل حظ الأنثيين\" وشبه عنوانه \"جرحالتفضيل الالهي\" في عدة أحياز آخرها في العدد 58من الطريق الجديد (جريدة الحزب الشيوعيالتونسي الذي كان) يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية .فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة منالمحاولات التي عرف بها تيار التحديث فيما يسمى باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كلياتالآداب بالجامعة التونسية .لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام على الشرعالإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلى أسبابه الظرفية .وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأهلالنقاش بنيويا لاستناده إلى مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمى بالفكر العلماني والتحديثي العربيعامة والتونسي منه خاصة .ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية منشروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه .ذلك أن هذا المقال يظهرعلى سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلى أصحابه براقعالمعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة .ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشتركفيها الأستاذ محمد الطالبي والأستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولى حلقات السلسلة تمتاز على حلقتيها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد :والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا .إنه الاستعمال السطحيلمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاء 10 1
شرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا.والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسبابالنزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي على الأصل النقلي إذ لادلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من التجربة الحسية أو من التجربة النصية.لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحدالجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه -لأنالمسألة في الآية التي تناقشها لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتى بحقوق الورثة-بل هو سيقتصر على مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجوديةفي الإسلام وعلى مدى فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتينوالفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة .فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهيقابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير.وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب :فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصلإلى متانة التصورات القانونية والفلسفية .لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية .لن أهتمبتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدلالإلهي .فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب(وهذا أمر كلي لا يحتاج إلى دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية 256من البقرة) :حرية المعتقد.سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهمافي النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتهالصوغ الإشكالية صوغا يمكن من علاجها والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصدالنص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها .ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشةبالمسألتين المنهجيتين .لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود على مقدمات العلاجالنظري .لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين على النحو التالي: 10 2
لو صح ما فهمته الأستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التيتعلل كون الحكم على ما كان عليه] الرجل :الإرث الكامل= ( 2المرأة :نصف الإرث)[ == ] )منزلةالرجل = ضعف منزلة المرأة = ( )منزلة المرأة= نصف منزلة الرجل[( لكان معنى ذلك أن المنزلةالوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساءهو المحدد لمنازلهم الوجودية .فلا يبقى عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدراتالاقتصادية وواجبها محددا بالإمكانات الوجودية حتى لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما فيها .بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح: 10 3
هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إنذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي؟وهب ذلك مقبولا – تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديثي فكر الأغنياء الجدد -هليمكن عندئذ أن تقاس المنزلة بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلة الإنسان الوجودية مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه على ما يملك هو بفعله الذاتي؟لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجالفضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية .فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هوأيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها .وعندئذ سنقع في طريقين مسدودين لا مخرجمنهما :فلن يبقى بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقى للملكية تغير لثباتالمنزلة الوجودية .وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا .فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلةالإنسان الوجودية تبقى ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا على المعيار المادي لتقويم الناس :لأن من يفتقرماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلى الفقر الوجودي إذ يكون قد فقد القدرة على الاستئناف.وعقلا حتى لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بلالقدرة على تحصيلها في الحوز .فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أنيكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده :لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كمايقول ابن خلدون .والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي.وقدكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم سبب اندحار النظامالشيوعي .وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة على الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتهاعلى كيفية تحصيله الدالة عليها .والملكية التي يمكن أن تكون علامة على الدناءة في اختلاسالأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذاالحكم حتى لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة :وفي كلتاالحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها القانون المحددلمقادير الملكية .لكن من يمدني بمن يلتفت إلى هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه! 10 4
أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غيرذاتية لصاحبها بل هي بالأولى لمن يمده بما سيرثه .فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياهاخلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به :وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلةالوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوالغيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا في قيامه الكلي موضوعا لها .فتكونمنزلة المرأة والرجل الوارثين على حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافةالوجودية التي تتضمنها المقادير المالية الموروثة عنه ولا يكون ذا منزلة وجودية ذاتيه له إلا هو.وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهيتكون عدما حتى لو أوصى لهما بها كلها وبالتساوي .لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحدمن تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليستفي تحديد منزلة من سيصبح ورثة :واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات وليست من المعاملات لأنها حد توقيفي من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية.لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجوديةدون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب على معنى الحرية التي هي مقوم جوهريمن مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحريةوأدوات تحقيقها وليس بمقدارها .فهذا المعنى جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومنمقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحريةوسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن التعلقالمباشر بالمنزلة الوجودية :وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها دائما مصدره عند الكرام.من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل :هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألةحرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا؟ وهل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفسالحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيدمن الملكية الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها:حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية .وتلوها عنهاهو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر السلطان دولة بين الأغنياء. 10 5
إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيدمن الملكية الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبهيسلم له الشرع بالرشد وينفى عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة :كلاهما مثلالآخر من حيث حرية التصرف فيما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في أحد مقومات المنزلة الوجوديةأعني أحد صفات الملكية أو حرية التصرف .أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلاعن تحكم شروط أخرى سنرى بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا على ظلم وقسمة ضيزى استثارتها إلى حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا.وكان على حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجلوالفاني :ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الفلسفية؟ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال على السؤال معاجزين بالقول :ما الذي يحدد المنزلة الوجوديةإذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو أبنائه؟أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخرى ليس لها صلة بمقدار الملكية لأن المنزلةالوجودية لا صلة لها بها حتى وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال فيكون المال وسيلة الوسيلة:وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني .فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرينيجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين .ولا علاقة للأمرين بالملكية فضلا عنمقدارها ولا بالجنس لأنهما يتعلقان بمعنى الوجود ) (êtreلا بمعنى المال ) (avoirأو بجنس مالكه.والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلى صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها).والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعنى العميق أو الوظيفة بالمعنى السطحي بالنسبة إليه كذلك(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) .فالمنزلةالوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوى فيالتعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر)وفيما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان المادي الروحي أو الجماعة).ولما كان الظاهر من معيار التقوى هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحددطبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان :فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأة 10 6
في العبادات؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بمقدارها خاصة فإن النتيجة تكون نفيهذين المحددين الوجوديين :فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن مايملكون .وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والكفران الناتجين عنتناكر التغالب من أجل الرزق بدل الحلم والعرفان الناتجين عن تعارف التحابب من أجل الذوقوتكون منزلة نسبية إلى أدوات القوة وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا: فالرزق أداة في التعارف ويصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف ويصبح أداة في التناكر.ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع :لكن الواجبفي المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية .ولو صح أنالوارث له حق فيما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة:فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالةحتى بعد الوفاة .أما الوارث فإنه لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة الشارع(تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل بالوصية إذا سلما أن الميت يبقى ذا حق على ما بقي من ملكيته من بعده).أعلم أن الباحثة ستقول :يكفينا مثاليات حدثنا عن الواقع .وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكرالتحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون .فالكلام على المنزلة الوجودية لا معنى له عندمن لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب :ذلكأن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعدالإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قيس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية .وهذاالعكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها :كان ينبغي حتىلا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجوديةوليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله .لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذانص تحديدها للمنزلة الوجودية .ولما كانا من طبيعتين مختلفتين اضطرت الباحثة إلى استنتاج المنزلةالوجودية التي تزعمها علة من نصيب المرأة في الإرث ثم عكست فنسبت إليها دور تحديد النصيب في الإرث.لكن هذه العلة ليس لها وجود في القرآن .لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لمتطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزولوتاريخ الإرث عند العرب .فذهبت إلى حد قيس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع من 10 7
تعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث :فهن عندها قد طالبن بالجهاد للحصول على المساواة في الملكيةوالإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلالمرحلة التأسيس! العزائم لا تأتي فحسب على قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار :فالصَغار يُغفل الصغار فلا يرون إلا الصغائر!ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات وكانت المثالياتعندها من الأوهام سعت إلى بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد فيالنص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بينالمنزلتين :الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث .لكن الفكر المجردوالمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن أمر العلاقة بين النصين نص المنزلة الوجودية ونص الإرث لا يخلو من أن يكون منتسبا إلى إحدى الحالتين المضاعفتين التاليتين:فإما أن النص المحدد للمنزلة الوجودية له علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول.أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية.وهنا نصل إلى جوهر التناقض الذي يتصف به موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهمشرطه :إلغاء حرية المالك في الوصية .لم يسأل أحد من المساواتين عن المساواة فيم تكون؟ هليمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية –إذهذه المنزلة ليست نسبية إلى الغير -في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته؟ وهل يمكن للقانونأن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصيةالمحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لميدرك معنى تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلى فريضة أو عبادة ؟ أليس المتكلمون في الأمرلا يعلمون فيم يتكلمون :فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن .فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواةبل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه بالوصية إذ بقي له منه قدر معلوم .لذلك فالحكم الوارد فيالآية لا يتعلق بحق الورثة -إذ لا حق لهم – بل هو يتعلق يضبط حق المالك في التصرف فيما يملك 10 8
بعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها في المسألة الموالية:أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقى المشرع قدر المستطاع على وحدة الملكية القاعدية التي هيشرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلى مجرد أرقام في اقتصاد خفي الاسم.والثاني خلقي بايولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعاللتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر يجعل الأسرة تبقى عليها للإبقاء عليه.لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقفمن نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلابصورة عرضية .ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بلبتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته علىظنونه... { :آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما} (النساء غاية الآية 11منها)من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأالذي تضعه ثانيا :عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلى المسكوت عنه .فالمعلوم أنالمالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك .والصلة الأولى هي حق الملكية أعني حريةالتصرف في ثمرة عمله .والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمهالمظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها :وهو جزء من حق التصرف في الملكية ويسمىحق الوصية .لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكيةثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم :وهي صلة قرابة أو صداقة ولاعلاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا .لذلك فلا حق للوارث فيما يملك المالك ما دام حيا :الإرث حقبعد الوفاة بمقتضى إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها.لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث :الأول هو علاقة المالك بما يملكوالثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك .والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلةوهي التي انطلق منها نص الآية في تحديد الفرائض .أما العلاقة الأولى فهي بمنأى تام عن المنقول 10 9
إليه .وموضوع الآية هو إذن محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبنى تفضيله لوارثعلى وارث يبنيه عادة على العلاقات العاطفية وعلى الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يختاره المالكليرث ملكه .الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه :هل يكفي لتحديدها علم المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع يحصل له منهم؟أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أوحرية تصرفه بالوصية فيما يملك حتى لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد على الظن :إنها إذنحد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجودقبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك .لذلك فلاحق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية .وبهذا الحدتختلف التشريعات في أحكام الإرث :فالتشريعات الحديثة (الفرنسية على وجه الخصوص لكونالأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس فيما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحقبأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة على نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرعالإسلامي ..والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرمالبعض لمجرد الظن .الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقةفي المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ما بقي من ماله قبل الوفاة .ويؤيد هذا الفهم الحد منحرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن :فالوصية للورثة ممنوعة والوصية لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة. 10 10
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 16
Pages: