Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore علوم الملة، ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟ - أبو يعرب المرزوقي

علوم الملة، ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟ - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-11-04 06:46:03

Description: علوم الملة، ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟ - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات‬ ‫‪1‬‬ ‫‪6‬‬‫‪10‬‬‫‪14‬‬‫‪18‬‬‫‪22‬‬‫‪27‬‬‫‪31‬‬‫‪35‬‬‫‪40‬‬

‫هل اعتباري علوم الملة علوما زائفة يعني أني من القائلين بدفن التراث وعدم اعتباره‬ ‫جزءا لا يتجزأ من عملية بناء المستقبل؟‬ ‫ذلك ما فهمه بعض القراء‪.‬‬‫ولا بد هنا من طرح سؤال واضح‪ :‬هل تجاوز الفيزياء الحديثة فيزياء أرسطو يعني أن‬ ‫علينا أن نلغيها لأنها لم تعد صالحة كفيزياء؟‬ ‫أم إن لها بقاء آخر؟‬‫ولنبدأ أولا فنعترف أنه لا يوجد عاقل يقضي بأن فيزياء أرسطو هي الفيزياء الصحيحة‬ ‫وأن الفيزياء الحديثة ليست بشيء فيبقي عليها وعلى أدوات علاجها‪.‬‬‫لكن ذلك لا يعني أنها ليست جزءا مقوما من الفكر الفيزيائي في تاريخ العلم ومن ثم‬ ‫فهي لم تعد فيزياء صالحة لكنها تبقى مرحلة مهمة من تاريخ فكرها‪.‬‬‫وتاريخ العلم وظيفته أن يبحث في علة كونها لم تكون الفيزياء التي تحقق غرض البحث‬ ‫في الفيزياء بصورة تجعله علما فظلت فيزياء أرسطو دون العلم بحق‪.‬‬ ‫هل يوجد من ينكر فضل ارسطو مع ذلك؟‬‫كل ما في الأمر أن تاريخ العلم نقدي بالجوهر‪-‬ككل تاريخ‪ -‬همه درس الفكر الماضي‬ ‫ومناهجه لفهمه وفهم شروط تجاوزه‪.‬‬‫والقصد هو الجواب عن السؤال الجوهري لتاريخ العلم‪ :‬ما الذي حصل في الفكر‬ ‫الفيزيائي فأعاقه لتجاوز فرضياته الأولى وطرق بحثه فلم يصبح علما؟‬‫وبهذا المعنى فتاريخ العلم جزء مقوم للفكر الابستيمولوجي أي لنظرية المعرفة العلمية‬ ‫إشكالات وحلولا وطرائق وأدوات‪.‬‬ ‫ذلك ما أحاوله مع علوم الملة‪.‬‬‫أكون غبيا لو كنت أنكر فضل الشافعي في تأسيس أصول الفقه‪ .‬وأكون أغبى لو تصورت‬ ‫أن ذلك هو أصول الفقه الذي يحقق وظيفته التي هي عين فلسفة القانون‪.‬‬ ‫‪43 1‬‬

‫وحينها نجد أنفسنا أمام نفس الإشكالية التي رأيناها في فيزياء أرسطو‪ :‬فإما أن اعاند‬ ‫فأقول أصول الشافعي نهائية ومطلقة أو أبحث عن شروط التجاوز‪.‬‬‫صحيح أن فيزياء القرون الوسطى بقيت عقيما لأنها ظلت متشبثة بفيزياء أرسطو حتى‬ ‫إن ابن رشد رفض كل ما عداها وعدها غير علمية فحال دون التجاوز‪.‬‬‫ويمكن القول إن ابن رشد (فقه متفلسف) والرازي (متكلم متفلسف) والسهرودي‬ ‫(متصوف متفلسف) وابن عربي (متصوف متكلم) قتلوا إعادة التأسيس الغزالية‪.‬‬‫ففي مقدمات التهافت بين أن نقده لا يتوجه للرياضيات والمنطق لأنهما علميان بحق بل‬ ‫يقتصر على الميتافيزيقا وفرضياتها فإنه اعتبره كافرا بـ\"العقل\"‪.‬‬‫ولا يزال أدعياء الحداثة إلى اليوم يقولون إن الغزالي قد قتل الفلسفة و\"العقل\"‪ .‬لم‬ ‫يفهموا أنه كان يبحث عن بداية جديدة لإدراكه طرقها المسدودة‪.‬‬‫إن \"حداثيينا\" أكثر تخلفا من \"تقليديينا\"‪ :‬يعتبرون فكر المعتزلة وفلسفة ابن رشد‬ ‫عقلانيين بمعنى مطلق بدلا من فهم أن العقل يتجاوز نفسه دائما‪.‬‬‫لكني لم أركز في عملي على \"الحداثيين\" لأن دورهم على خلاف توهمهم لا أثر له يذكر‬ ‫في المعرفة اي معرفة ودورهم لا يتجاوز دور تجار الروبافيكيا‪.‬‬‫ويحزنني كلام التقليديين على \"علوم الملة\" أي واحد منها وهي خمسة أصولية (أصلها‬ ‫التفسير وفروعها الكلام والفلسفة في النظر والفقه والتصوف في العمل)‪.‬‬‫وقد عبرت عن ذلك بوضوح في حواري مع الشيخ البوطي‪ :‬يتلكم على أصول الفقه ويجهل‬ ‫أنه لا توجد دولة مسلمة اليوم بما فيها السعودية تعمل به وبالفقه‪.‬‬‫صحيح أن الظاهر يخالف ما أقول‪ :‬لكنه في الحقيقة من جنس دجل \"خبراء\" البنك‬ ‫الإسلامي‪ .‬يأخذون البنك عامة ثم يتحيلون بالفتاوى ليبعثوا معان ميتة‪.‬‬ ‫فبناء اقتصاد حديث يحتاج للفصل بين خمسة مقومات‪:‬‬ ‫‪ .1‬مستهلك ممكن‬ ‫‪ .2‬فكرة تسد حاجته‬ ‫‪ .3‬تمويل للاستثمار فيها‬ ‫‪43 2‬‬

‫‪ .4‬العمل المحقق‬ ‫‪ .5‬ادارة توحد المشروع‪.‬‬‫وهذا التعقيد والبنية العضوية مقومة للدولة الحديثة كجهاز معقد يعمل بتفاعل‬ ‫الإبداع العلمي والاقتصادي بتوسط التقني للإنتاج المادي والرمزي‪.‬‬‫وكل ذلك لا وجود له في الرؤية الاقتصادية والعلمية التي يراد حصر العمل البنكي فيما‬ ‫كانت تعرفه من عقود كلها خاصة ليس لها هذا الجهاز المعقد‪.‬‬‫فهل ننظم المواصلات والاتصالات الحديثة بنظام الحمام الزاجل والخيول في التواصل‬ ‫والاتصال‪ :‬هل يوجد عاقل يفضل فيزياء أرسطو على فيزياء نيوتن؟‬‫وهذه الطريقة تعطل النمو وتفسد وظيفة البنك دون أن أنفي أن النظام البنكي بحاجة‬ ‫إلى \"دوزة\" خلقية تستمد من الرؤية الإسلامية لوظيفة الاقتصاد‪.‬‬‫لم أر فيما يسمى بالبنك الإسلامي هذه الدوزة الخلقية بل بالعكس هم حافظوا على‬ ‫أخلاقياته الحالية ثم عطلوه بإفساد الفصل بين الممول والمستثمر‪.‬‬‫وما توهموه محررا من الربا صار أكثر ربوية لان جعل العلاقة مباشرة بين المستثمر‬ ‫والممول يلغي دوريهما بما يفرضه عليهما من الجمع بين الوظيفتين‪.‬‬‫وهو ما يعني أن هذه الرؤية قاصرة لأنها تتصور الملكية ينبغي بالضرورة أن تكون عينا‬ ‫لا نقدا‪ .‬وهذا كان صحيحا لما كانت العملة ذات قيمة ذاتية‪.‬‬‫فعندما كان للذهب والفضة دور العملة اي رمز مقدار الملكية كانا في نفس الوقت ملكية‪.‬‬ ‫فلها دوران‪ .‬أما العملة الورقية فهي مجرد رمز لتقدير الملكية‪.‬‬‫ودورها في تمويل الاستثمار برمزيتها للملكية وليس بذاتها فيكون دورها بقدرتها الرمزية‬ ‫على تمثيلها‪ .‬فتكون من أدوات الإنتاج عند المستثمر‪.‬‬‫فإذا طالبنا من الممول أن يصبح مشاركا للمستثمر بأن بجعله مالكا لأدوات انتاجه يؤجرها‬ ‫له بدلا خلطنا بين الوظيفتين فعطلناهما بصورة غبية‪.‬‬‫لم يبق البنك وسيطا بين المدخرين على العموم والمستثمرين على العموم بل أصبح مالكا‬ ‫مشاركا للمستثمر وليس وسيطا بضمانة بين التمويل والاستثمار‪.‬‬ ‫‪43 3‬‬

‫وساطة البنك بين المدخرين على العموم والمستثمرين على العموم لا تعني أنه أصبح‬ ‫شريكا للمستثمرين بل هو ضامن حسن التصرف في الادخار بالضمانات‪.‬‬‫جعل المدخرين طرفا في الاستثمار وليسوا مقدمي خدمة بمقابل هو الذي يعطل الادخار‬ ‫والاستثمار لإلزام المدخرين بان يكونوا طرفا فيه ربحا أو خسارة‪.‬‬‫وهذا لا يزيل الربوية بل يضاعفها‪ :‬لأن صاحب المال سيعيد حسابه وسيضاعف قسطه‬ ‫من الربح ويضاعف ما يطلبه من الضمانات مقابل إمكانية فشل المشروع‪.‬‬‫وهو ما يزيل أهم عناصر العملة الاقتصادية‪ :‬ففيها يكون المستثمر مغامرا مغامرة محسوبة‬ ‫وحقه أن يكون مسؤولا ومنتفعا وحده من مغامرته الاستثمارية‪.‬‬‫فيكون قد تحمل مسؤولة ما اقترضه بمقابل محدد سلفا وتحمل البنك ضمانة القرض ولا‬ ‫دخل له في الربح ولا في الخسارة حتى تكون العملية ذات نجاعة‪.‬‬‫وختاما فالبنك الإسلامي يجعل المعاملات وكأنها تجري بنظام المقايضات العينية لا بنظام‬ ‫الوسيط الرمزي بين البضائع والخدمات‪ :‬العملة كأداة تقييم‪.‬‬‫ومدح للنظام البنكي الإسلامي توظيف سطحي لإضفاء الشرعية‪ :‬نظام البنك هو‬ ‫الوساطة في \"بيع\" خدمة لا المشاركة في إنتاجها‪ :‬هو تجارة خدمية وليس ربا‪.‬‬‫زبدة القول إن البنك الإسلامي لم يضف إلى الخدمات البنكية الدوزة الخلقية الإسلامية‬ ‫بل هو نكص بالاقتصاد إلى منطق المقايضة‪ :‬تعطيل وليس أخلاقا‪.‬‬ ‫بماذا يمكن أن تتعلق الدوزة الخلقية التي يحتاج إليها النظام البنكي؟‬ ‫ما ظنوه أسلمة هو إطلاق سلطان البنك الذي أصبح شريكا مع الضمانات‪.‬‬‫والشراكة مع الضمانات خداع تام للمقترض‪ :‬فالبنك الإسلامي بالضمانات يدخل في‬ ‫الربح ويخرج من الخسارة‪ .‬ومن ثم فهو أكثر ربوية من البنك العادي‪.‬‬‫والأمر يتعلق بسلطان البنك على الاستثمار الذي اقترض صاحبه من البنك تمويله‪:‬‬ ‫فالبنك تاجر خدمي بضمانة عينية حاصلة ومن ثم فلا مغامرة في تجارته‪.‬‬‫لكأن العملية رهن مؤجل إذا لم يدفع المقترض ما به اشترى الخدمة يكون من حق البنك‬ ‫أن يبيع المرهون ليحصل ليسترد ماله ومقابل تأجيره من ثمنه‪.‬‬ ‫‪43 4‬‬

‫وإذن فلا دخل له في الربع ولا في الخسارة‪ .‬في حالة البنك الإسلامي يصبح البنك هو‬ ‫المستثمر الرابع دائما والخاسر دائما هو المستثمر المقترض منه‪.‬‬‫وهنا يأتي دور الأخلاق‪ :‬لا بد أن نطبق على تمويل الاستثمار نوعين من القيم الخلقية‪:‬‬ ‫ما ينطبق على التجارة عامة وعلى تجارة الخدمة المالية خاصة‪.‬‬‫وأخلاق التجارة معلومة‪ :‬وهي كل ما يحول دون التطفيف بنوعيه والغش بنوعيه في‬ ‫البضاعة والخدمة وفي التعاقد حولها‪ .‬أما أخلاق الخدمة المالية فاشد‪.‬‬‫فالنسبة بينهما كالنسبة بين القانون المدني والقانون الجنائي‪ .‬الأول تعاقدي بين طرفين‬ ‫بشروط التعاقد لكن الثاني للحق العام فيه دخل كبير‪.‬‬‫فتجارة خدمة التمويل تهم كل التنمية لأنها شرط الاستثمار عامة وهو مصدر الثروة‬ ‫والتراث لأنه أصل الرعاية (شروط العيش) والحماية (شروط الدفاع)‪.‬‬‫النظام البنكي ينبغي أن يتبع مباشرة استراتيجية التنمية المادية والعلمية في الجماعة‬ ‫وظيفته جعل هذه الخدمة تشجيع مبدعي الأفكار ومستثمريها‪.‬‬‫وهذا هو المعنى الأول لخلقيته والمعنى الثاني هو منعه من أن يتحول إلى نظام تحيل على‬ ‫ضمانات المستثمرين وتخريب الاقتصاد بتمويل المغامرين‪.‬‬ ‫‪43 5‬‬

‫في الفصل الثاني من ضرورة تجاوز علوم الملة سأعلل فيه اختياري البدء بأصلها أعني‬ ‫التفسير‪ .‬وعلي أن أبين لم أعتبره أصل علوم الملة وبأي معنى‪.‬‬‫لما شرعت في قراءة القرآن فسلفيا بمعنى التعامل معه كما يتعامل العلم مع أي موضوع‬ ‫اختاره ليكون مجال بحث دقيق بنموذج نظري فرضي استنتاجي أولي‪.‬‬‫وهو أولي لأن العلم يتقدم دائما بمراجعة النموذج الذي بدا به محتكما إلى قوته‬ ‫التفسيرية وله قبلتان‪ :‬نتائج النموذج التفسيري غاية ومقدماته بداية‪.‬‬‫فانطلقت من مبدأ التعامل مع القرآن مثله مثل أي حقيقة موجودة بهذه الطريقة العلمية‬ ‫قبل استنتاج علوم الملة منه كما حصل تاريخيا‪ :‬مرجعية عقدية‪.‬‬‫ذلك أن العلوم التي أسست على القرآن‪ :‬التفسير والفروع الأربعة أصول الفقه والفقه‬ ‫وأصل التصوف والتصوف وأصول العقيدة والعقدية واصول الفكر والفكر‪.‬‬‫الفروع الثلاثة الاولى بينة للجميع‪ .‬الأصل الرابع هو المشكل‪ .‬لو سميته فلسفة لظن أن‬ ‫الفلسفة بمعناها التقليدي من علوم الملة‪ .‬وهي ليست كذلك‪.‬‬‫وما هو من علوم الملة ويعوض الفلسفة هو ما انتهى إليه الموقف النقدي من الفلسفة‬ ‫باعتبارها دخيلة على علوم الملة وهي محاولات وضع نظرية المعرفة‪.‬‬‫وقد سميتها هنا اصول الفكر والفكر قياسا على الفروع الثلاثة المتقدمة عليه بأصول‬ ‫الفقه والفقه وأصول التصوف والتصوف وأصول العقدية والعقيدة‪.‬‬‫وقد قدمت أصول العلم على موضوعه‪ :‬صحيح أن الفقه كممارسة متقدم على اصوله‬ ‫كنظرية لكنه لم يصبح \"علما\" إلا بعد وضع أصوله (بعد كتاب الشافعي)‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن المذهبين المتقدمين عليه لم يكن لهما الاساس النظري الذي لم يتحقق إلا‬ ‫مع الشافعي وبه يبدأ العلم تأصيلا نظريا للممارسة عملية‪.‬‬‫وقس عليه بقية الفروع‪ .‬وما يعني تخصصي هو الفرع الاخير أي نظرية المعرفة التي‬ ‫تحاول تجاوز الفلسفة اليونانية بتأسيس صريح بدأ مع الغزالي‪.‬‬ ‫‪43 6‬‬

‫وبداية الغزالي على احتشامها حددت الوجهة‪ :‬ما شروط العلمية وما حدودها التي تقبل‬ ‫التحقق منها (جوهر التهافت لمن لا يهمل مقدماته الأربعة الصريحة‪.‬‬‫وقد تحققت ثمرة هذه البداية رغم ما يبدو من علاقة متوترة بين صاحب البداية‬ ‫وصاحب الغاية في النقد التيمي ليس للمنطق بل لأسسه الميتافيزيقة‪.‬‬‫وطبقت فعليا في مقدمة ابن خلدون التي ينطلق صاحبها من ابستمولوجية جديدة جعلت‬ ‫التاريخ يصبح من العلوم الفلسفية وجعلت العلوم كلها تاريخية‪.‬‬‫والعلوم ليست تاريخية بنتائجها بل بكون موضوعها هو نفسه صار تاريخيا لأن كل علم‬ ‫يحدد موضوعه بـ\"خلقه\" من خلال رؤية تكون دائما حصيلة تاريخية‪.‬‬‫فابن خلدون مثلا \"خلق\" موضوع علم التاريخ لأنه جعله علم نقد الخبر المتعلق بأبعاد‬ ‫العمران كلها بزمانيتين وليس كلاما في تاريخ الأسر الحاكمة‪.‬‬‫الزمانية القصيرة وهي تعنى بتعاصر الأحداث في حقب قصيرة والزمانية المديدة وهي‬ ‫تعنى بتواليها في حقب طويلة لأن التغير نوعان‪ :‬سريع وبطيء‪.‬‬‫والتغير البطيء أهم من التغير السريع‪ .‬فالسريع يهم لحظة من تاريخ معين والبطيء‬ ‫يهم تاريخ الإنسانية كلها أو تاريخ تراكم خبرة توالي الحضارات‪.‬‬‫لكأن ابن خلدون أثبت أن فلسفة التاريخ سابقة على علم التاريخ لأنها هي التي تؤصل‬ ‫له فتجعل الانتقال من التحسس المعرفي إلى العلم ممكنا بحق‪.‬‬‫وطبعا فبسبب تواضعه لم ينسب ابن خلدون التاريخ المديد لنفسه بل اعتبر المؤرخين‬ ‫الكبار قبله أرخوا للميزات الحقب الطويلة‪ .‬لكن اكتشافه تجاوزهم‪.‬‬‫فهو الأول الذي اعتبر التاريخ المديد شرط التاريخ القصير لأنه هو الذي يمده بدلالة‬ ‫الأشياء‪ :‬مثال المعلم‪ .‬دور الحجاج لا يعود لكونه معلما‪.‬‬‫توهم الدور ناتجا عن كونه معلم يجعل المعلم في عصر ابن خلدون يتوهم أنه يمكن أن‬ ‫يكون له دور الحجاج‪ .‬دور الحجاج من عصبيته وليس من علمه‪.‬‬‫والعكس كذلك‪ :‬من كان في عصبية ذات سلطان فعلي يتوهم أنه بعد أن تفقد ذلك‬ ‫السلطان يبقى له ما لها من عزة ودور‪ .‬فشل على وأبنائه ضد بني أمية‪.‬‬ ‫‪43 7‬‬

‫فسلطانهم كان بسبب القرابة من الرسول وليس بعصبية ما تزال ذات فاعلية‪ .‬ومن ثم‬ ‫فبنو أمية بعصبية جديدة تغلبوا على من فقد العصبية وبقي له وهمها‪.‬‬‫وله مثال آخر أكثر دلالة‪ :‬فالمدل بنفسه لأنه علامة يتصور أن ذلك يكفي لأن يكون ذا‬ ‫منزلة في السلطان السياسي‪ .‬وهو خلط بين سلطانين مادي ورمزي‪.‬‬‫ولا أحد منا اليوم لا يعجب أن العالم مهما كان عبقرية فلا يمكن أن يتجاوز سلطانه‬ ‫بالتقدير المالي ما يحصل عليه من إبداعه أكثر من جائزة نوبل‪.‬‬‫لكن أي لاعب كرة شهير يحصل على أضعافها في عقد واحد‪ .‬ومثله من يوظف نظرية‬ ‫المبدع في مشروع اقتصادي أو في فلم إذا الإبداع أدبيا‪ :‬هو المستفيد‪.‬‬‫وفي الجملة فإن المبدعين الكبار لا يستفيدون من إبداعهم إذ قد لا تظهر فائدته إلا بعد‬ ‫قرون‪ .‬لكن تجار توظيف المعرفة قد يستمدون منه رزقا كثيرا‪.‬‬‫وهذه الأمور لم يتوصل إليها ابن خلدون إلا بفضل فهمه للدلالة العميقة بين نوعي‬ ‫التاريخ‪ :‬القصير والمديد‪ :‬الدلالة أي موضوع العلم بطيئة التغير‪.‬‬‫وهذا هو المرض الأساسي الذي تعاني منه علوم الملة‪ :‬ظنوا الدلالة ثابتة خلطا بين وهم‬ ‫العلم النهائي وما ينبغي أن يكون عليه العلم بتغير الدلالة‪.‬‬‫يمكن ان نعتبر الطبيعة ثابتة لكن دلالتها في العلم غير ثابتة‪ .‬ويمكن أن نعتبر القرآن‬ ‫مثل الطبيعة ثابتا‪ .‬لكن دلالاته غير ثابتة بل متغيرة دائما‪.‬‬‫ودلالات علوم الملة كلها مثبتة ومن ثم فقد جمدت وتحنطت مثل المومياء‪ :‬تتكلم على‬ ‫الموجود وكأنه ثابت فيما ثبته عليه كلامهم ظنا منهم انه نهائي‪.‬‬‫القرآن رسالة خاتمة ومن ثم فيمكن اعتباره مثل الطبيعة حقيقة ثابتة‪ .‬لكن علمه يعطيه‬ ‫دلالات غير ثابتة تنتج عما يستنتج من فهمه بمقدماته ونتائجه‪.‬‬‫ومقدمات علم القرآن‪-‬رغم أن القرآن عقيدة دينية‪-‬لا ينبغي أن تكون عقدية‪ .‬ونتائجه‬ ‫علمية ولا ينبغي أن تكون عقدية لأن وظيفتها فهمه وما يستمد منه‪.‬‬‫وبهذا المعنى سميت محاولتي قراءة القرآن فلسفيا لدرسه العلمي بما عرفت به القرآن‬ ‫تعريفا مستمدا منه هو‪ :‬استراتيجية توحيد البشرية بالحريتين‪.‬‬ ‫‪43 8‬‬

‫الأولى‪ :‬تحرر الفرد الإنساني روحيا من الوسطاء بينه وبين ربه (السلط الروحية‬ ‫كالكنيسة) والثانية الجماعة الإنسانية من حكم يعلو عليها عدا ربها‪.‬‬‫وما يعلو على الجماعة ليحكمها عدى ربها هو المستبد إما باسم الحق الإلهي (مثل الشيعة‪:‬‬ ‫شرعية الوصية) أو باسم الحق الطبيعي (السنة شرعية المتغلب)‪.‬‬‫لكن الثورتين ألغيتا لأن القراءات السطحية والأولية حولت القرآن إلى مدونة تؤسس‬ ‫لعلوم زائفة تسد الحاجات الأولية لمجتمع لم يفهم معنى الحريتين‪.‬‬‫وما كان ثورة تحرير مضاعف روحي وسياسي تحول إلى مدونة من الأحكام الفقهية‬ ‫والصوفية والكلامية والنقدية المعادية للفكر الحر إلى ما ينقضهما كليا‪.‬‬‫وذلك هو ما سميته الانتقال من الدستور (عهد الراشدين) إلى حالة الطوارئ بعد‬ ‫الفتنة الكبرى (منها إلى اليوم)‪ :‬تعطيل الدستور وإلغاء الحريتين‪.‬‬ ‫‪43 9‬‬

‫في الفصل الثالث من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" فلنحرر المقصود‬ ‫بأنها لم تعد صالحة دون أن يكون هذا الحكم دعوة للتنكر لوجودها‪.‬‬‫فيم تتمثل عدم الصلوحية وفيم يتمثل تجاوزها دون التفصي منها لأنها من مراحل‬ ‫تكوينية فكرنا الذي لا يكون فكرا حيا إلا بتجاوز ذاته تجاوزا دائما‪.‬‬‫فبعد أن بينت كيفية دراسة القرآن علميا بوصفه استراتيجية توحيد الإنسانية بتحريرها‬ ‫مما يحول دون الإنسان وأهلية الاستخلاف أمر إلى العلوم الأخرى‪.‬‬ ‫وهي اربعة علوم‪:‬‬ ‫‪ .1‬أصول الفقه والفقه‬ ‫‪ .2‬أصول التصوف والتصوف‬ ‫‪ .3‬أصول العقائد والعقائد (علم الكلام)‬ ‫‪ .4‬أصول نظرية المعرفة والعلم (نقد الفلسفة)‪.‬‬‫والثلاثة الاولى منها لم تعد صالحا بإطلاق إلا كموضوع لتاريخها العلمي ومحاولة فهم‬ ‫أعطالها وشروط تجاوزها وقد قست ذلك على تجاوز فيزياء أرسطو‪.‬‬‫والرابع ما يزال صالحا مطالبا وأهدافا لكنه الطريقة التي حاول بها العلماء وضعها لم‬ ‫تمكنهم من جعلها تصبح علوما لأنها ظلت حبيسة الجدل الكلامي‪.‬‬‫والقصد بـ\"حبيسة الجدل الكلامي\" يفيده فكر ابن تيمية‪ .‬فالشيخ طرح القضايا‬ ‫الأساسية لنظرية المعرفة التي كانت ردودا ظرفية فلم تصبح فلسفة موجبة‪.‬‬‫ورغم أن ابن خلدون حقق قفزة نوعية في محاولة صوغ ثمرة النقد إيجابيا فإنه استفاد‬ ‫منها في عمله لكنه لم يتحرر من الرد المقتضب لتصبح نظرية معرفة‪.‬‬‫والأهم من ذلك كله أنه لم يبين علاقتها بما حققه في منجزه العلمي‪ :‬لم يبين دلالة بيان‬ ‫حدود العقل والتمييز ممكن العلم وغير ممكنه وتجاوز المطابقة‪.‬‬ ‫‪43 10‬‬

‫فلا يكفي القول إن الوجود لا يرد إلى الإدراك وتعليل ذلك بالكلم وليس بالكيف‪:‬‬ ‫الوجود أوسع من الإدراك كميا وليس كيفيا لأنه لم يعلله بأمر جوهري‪.‬‬‫والأمر الجوهري هو اقتصار العلم الإنساني على عالم الشهادة ومن ثم الاعتراف بالغيب‬ ‫في الوجود أو بما يجعل الإحاطة ممتنعة ببيان حدود العلم‪.‬‬‫وذلك هو شرط الانتقال من نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة بين العلم وموضوعه إلى‬ ‫الوظيفة النموذجية للنظرية التي لا تتجاوز صوغ ما يقبل التجربة‪.‬‬‫وهذا في الحقيقة جوهر الفرق بين الفلسفة والقديمة والفلسفة الحديثة التي تبنت في‬ ‫النهاية حدا للعلم علته تمييز الدين بين علم الله وعلم الإنسان‪.‬‬‫علم الله في كل الأديان محيط وعلم الإنسان في كل الأديان غير محيط وهو معنى الإيمان‬ ‫في مقابل العلم‪ .‬والفلسفة تكتفي بأمرين يمزانها عن القديمة‪.‬‬‫لما لم تعد تقول بالمطابقة تخلت عن جعل علم الإنسان محيطا دون أن تؤمن بوجود علم‬ ‫محيط تنسبه إلى الله كما يقول الدين‪ :‬سلمت بنسبية علم الإنسان‪.‬‬‫وطبعا يوجد فلاسفة يؤمنون بوجود الله ومن ثم بعلمه المطلق والمحيط‪ .‬لكن ذلك ليس‬ ‫ضروريا في صحة نظرية المعرفة‪ :‬المهم التسليم بحدود علم الإنسان‪.‬‬‫إيمانهم بالله وبعلمه المحيط يجعل معنى العلم النسبي مفهوما‪ .‬فالنسبي من دون وعي‬ ‫صاحبه برديفه المطلق يكون مطلقا للتضايف بين المعنيين‪.‬‬‫لكن ذلك ليس له دلالة ابستمولوجية (معرفية)بل دلالته انطولوجية (وجودية)‪:‬‬ ‫فالفيلسوف حتى لو كان ملحدا يكفيه أنه فهم امتناع إحاطة علم الإنسان‪.‬‬‫وإلحاده علته أنه يمر من نفي الإحاطة على علمه إلى نفيها بإطلاق ونفي الله نفسه‬ ‫غافلا عن كونه قد أطلق علمه لإهمال التضايف بين النسبي والمطلق‪.‬‬‫لا يمكن للإنسان أن يدرك عدم إحاطة علمه من دون فهم أن ذلك غياب فضل على علمه‬ ‫وبتعميمها على صفات الإنسان أثبت ديكارت كمالات الله ووجوده‪.‬‬‫وانطلاقا من هذه الرؤية الجديدة لعلم الإنسان ‪-‬وهي قرآنية خاصة وعلامتها الغيب‪-‬‬ ‫يمكن التخلص من جمود علوم الملة التي بنيت على نظرية المطابقة‪.‬‬ ‫‪43 11‬‬

‫فجمد العلم وجمد المعلوم لتوهم العالم علمه مطابقا لموضوعه الذي فقد دور النبع الحي‬ ‫فيصبح العلم استعراضا لمحفوظات منفصلة عن دلالات حية‬‫ودلالات الموضوع في وعي المسلمين هي إيحاءات القرآن نبعا لا يتوقف خطابه لمتدبريه‬ ‫بآياته الدالة على حقيقته في الآفاق وفي الأنفس (فصلت ‪.)53‬‬‫لكن علماءنا لم يبحثوا عن حقيقة القرآن حيث عينها‪-‬آيات الله في الآفاق والأنفس‪-‬‬ ‫اكتفوا بفنون قلبت المطوب إلى نقيضه بالجرأة على آل عمران ‪.7‬‬‫تركوا المأمور به (فصلت ‪ )53‬واهتموا بالمنهي عنه (آل عمران ‪ )7‬فكانت النتائج هي ما‬ ‫توقعه القرآن نفسه‪ :‬مرض القلب وابتغاء الفتنة فصار البلسم سما‪.‬‬‫وبمعنى فصلت ‪ 53‬يكون موضوع اصول الفقه والفقه ليس القيس على الاحكام الواردة‬ ‫في القرآن بل على العلاقة بينها ودلالاتها في الآفاق والانفس‪.‬‬‫فتكون القيم التي بها تحدد قانونية القانون هي الشريعة لا الأحكام‪ .‬فهذه أمثلة تحققت‬ ‫فيها قيم قانون العدل المطلق المستحيل بالطبع على الإنسان‪.‬‬‫واستثني من كلامي الرسول لأن الله أطلعه على بعض الغيب الذي هو عادة ومحجوب‬ ‫حتى عليه‪ .‬فيكون بوسعه أن يحكم بالعدل المطلق الممكن لله وحده‪.‬‬‫وقوله هو نفسه \"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر \"تعني أن الحكم لا ينبغي ان‬ ‫يكون مطلقا لأنه بقدر العلم الذي يؤسسه وهو نسبي‪ :‬تنسيب الأحكام‪.‬‬‫فلا يبقى منها إلا معياره الخلقي لتكون متصفة بالقوانين التي تسعى لتحقيق العدل مع‬ ‫العلم بنسبية ما نبني عليها من علم يحد من إطلاق الأحكام‪.‬‬‫فإذا جعلنا الاحكام هي الشريعة بديلا من الأخلاق والعلم اللذين يؤسسان لحكم الإنسان‬ ‫الذي هو نسبي دائما فكأننا اعتبرنا أحكامنا مطلقة كأحكام الله‪.‬‬‫فيتبين أن أصول الفقه والفقه قد تأسسا على قلب دلالة فصلت ‪ 35‬والجرأة على آل‬ ‫عمران ‪ 7‬ظنا أن علمنا وحكمنا يمكن أن يقاسا على علم الله وحكمه‪.‬‬‫حكمنا بالظاهر لا ينبغي أن يكون من جنس الحكم بالسرائر التي لا يعلمها إلا الله‪ :‬والعلم‬ ‫بالظاهر نسبي دائما ومن ثم فالحكم ينبغي أن يكون مثله‪.‬‬ ‫‪43 12‬‬

‫وهذا يعني أن القرآن لم يقدم الحدود وأحكامها لكي نقيس عليها بل لكي نقيس على‬ ‫الأخلاق التي يتصف بها الحكم ليكون متصفا بصفة القانونية الشرعية‪.‬‬‫لكن اصول الفقه والفقه انبنى على القياس وحتى على ما هو أدهى المقاصد مهملا دلالة‬ ‫فصلت ‪ 53‬ومتجرئا على دلالة آل عمران ‪ 7‬فكان قاصرا وظيفته‪.‬‬‫ويكذب من يدعي أن الأمة سيست بالفقه وأصوله‪ :‬لابد أن نعلم أن الامر كان دائما كما‬ ‫نراه الآن‪ .‬إرادة الأقوياء يطلبون من \"علم\" الفقهاء ما يبرره‪.‬‬‫لا أنكر أنه يوجد بعض الاستثناءات التي تثبت القاعدة‪ :‬كل ما جرى في تاريخنا القانوني‬ ‫مناف للعقل وللدين فالعدل مستحيل مع الاستبداد والفساد‪.‬‬‫فالقوانين التي تطبق بإرادة المستبد والفاسد تبقى حتى لو فرضنا وجود قاض شجاع‬ ‫للحكم بمقتضاها حبرا على الورق إلا إذا ناسب ذلك غرض الحاكم‪.‬‬‫حكم القاضي قد يكون سليما لكن نسيان نسبية علمه ونسبية حكمه بعلمه وإهمال أن‬ ‫تنفيذ الحكم ليس بيده يجعل القضاء مهزلة كحاله الان في كل بلادنا‪.‬‬‫واعتبر ذلك أكبر الجرائم إذا مررت هذه الاحكام باسم الله‪ .‬فالله ليس ظالما وأعطانا‬ ‫شروط القانون العادل وأولها أن يكون الأمر بيد الأمة المؤمنة‪.‬‬ ‫‪43 13‬‬

‫ما قلناه عن اصول الفقه والفقه نقوله عن اصول التصوف والتصوف‪ .‬إذ فرضنا أن الفقه‬ ‫حكم بالظاهر والله يتولى السرائر فمن المفروض ألا يدعيه إنسان‪.‬‬‫منطقيا مجرد الزعم بالاطلاع على السرائر والمقابلة بين الفقه دراية بالرسوم والتصوف‬ ‫بالحقائق هو عين الكفر بالمعنى اللغوي للكلمة‪ :‬إخفاء الحقيقة‪.‬‬‫الحقيقة هي أن الرسول نفسه لم يدع الاطلاع على السرائر بل قال نحكم بالظاهر أي‬ ‫حكما نسبيا بنسبية العلم بالظاهر‪ .‬فكيف يدعي الممتنع عقلا ونقلا؟‬‫فلا يبقى لما صار يسمى تصوفا ما قصده الدين الإسلامي من ضرورة الزهد بمعنى التحرر‬ ‫من الدنيا ليس بنكرانها بل بتحقيق ما يشد إليها للتحرر من سلطانها‪.‬‬‫وما يشد إليها هو الحاجة‪ .‬والتحرر من الحاجة المادية يكون بالوسائل المادية وعلى راسها‬ ‫المال‪ .‬لذلك فالفقر المدي مذموم إسلاميا لضرورة الكفاية‪.‬‬‫فالفروض الخمسة مؤسسة على الكفاية المحررة من الفقر الذي يكون صاحبه عبدا لمن‬ ‫بيده سد حاجاته‪ :‬الحج والزكاة ضرورة المال فيها بينة‪ .‬ففاقده يقصر‪.‬‬‫والصوم والصلاة لا بد فيهما من الكفاية‪ :‬لأن الأول مشروط بالصحة والثانية بالنظافة‬ ‫وكلتاهما مكلفة‪ .‬وإذن فـ‪ 4‬من الفروض مشروط بالكفاية المادية‪.‬‬‫والشهادة وحدها وضع رجل على عتبة الإسلام دون الدخول بحق‪ .‬الفقر المادي مكروه‬ ‫والتدين معه تعويض وليس حقيقة‪ .‬شرط التدين الاستغناء عن غير الله‪.‬‬‫والاستغناء عن كل ما عدا الله هو الوعي بالفقر الوجودي الذي يجعل الإنسان لا يعبد‬ ‫سواه فيكون مطلق الحرية من الحاجة وسلطان المال عليه لأنه سيده‪.‬‬‫وذلك هو الزهد الذي يعني التحرر من سلطان المال الذي يملكه الإنسان لأن من لا يملكه‬ ‫لا معنى لزهده فيه غير العجز عن تحصيله بوجوه المشروعة‪.‬‬ ‫ويكون الإنسان عندئذ زاهدا بحق إذا حقق المجاهدتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬التقوى‪ :‬تطبيق قيم الإسلام في معاملاته‬ ‫‪43 14‬‬

‫‪ .2‬الاستقامة‪ :‬مراقبة الذات وعدم الغفلة عن الأولى‬‫وبهذين المجاهدتين قد يمن الله عليه بما يمن به على الصديقين‪ .‬لكن طلب ذلك‬ ‫بالصناعة الصوفية هو الذي يعتبره ابن خلدون تشوفا لأمر مستحيل‪.‬‬‫والمستحيل المطلوب في هذه الحالة هو الاطلاع على الغيب والقيام بما يسمونه \"كرامات\"‬ ‫تجملا عن تسميتها معجزات وهي كلها أكاذيب الدجالين‪.‬‬ ‫إذن ما التصوف إذا لم يقصد به الزهد؟‬‫إنه نفي الحرية الأولى التي يتأسس عليها الإسلام‪ :‬الحرية الروحية التي تغني الفرد‬ ‫عن وسيط بينه وبين ربه‪.‬‬‫التصوف سلطان كاذب يدعي الوساطة بين الإنسان وربه ويجعل البشر عبيد الوسطاء‬ ‫وهو أكبر سلاح بيد الدجالين بزعم علم الغيب ليتبرك الناس بهم‪.‬‬‫وهو من أسلحة الباطنية التي تستعمله لجعل السلطان الروحي الكاذب طريقة للاعتقاد‬ ‫في الخرافات والقبور اعتمادا على ميل الإنسان للخرافة والوثنية‪.‬‬‫وكل استبداد سياسي يحتاج لهذا النوع من توظيف الدين وقد اضطر الفقهاء لدخول‬ ‫المنافسة كما نلاحظ ذلك‪ .‬الكثير من منافقي الدعاة خدم للاستبداد‪.‬‬‫وهو ما يؤدي إلى الغاء ثورة الإسلام الثانية‪ .‬فبعد إلغاء حرية الإنسان الروحية بكنسية‬ ‫صوفية وشيعية يأتي إلغاء الحرية السياسية بتبرير الاستبداد‪.‬‬‫والتبرير نوعان‪ :‬عبادة أولياء الامر وعبادة الأئمة ومن ينوبهم‪ .‬لا فرق بين سلفية‬ ‫عبادة \"ولي الأمر\" في السعودية وعبادة نواب الأئمة في إيران‪.‬‬‫وعندما تتحرك الشعوب لتستعيد الحريتين الروحية للفرد والسياسية للجماعة يلجأ‬ ‫المستبدون وحماتهم الاستعماريون إلى إحياء الخرافات الصوفية‪.‬‬‫والخرافات الصوفية تتأسس على علم زائف هو أصول التصوف وهي مأخوذة من خرافات‬ ‫الأديان البدائية والفلسفات الوثنية التي يزعمونها علما لدنيا‪.‬‬‫من يعرف هذه الخرافات الدينية والفلسفية القديمة التي سادت خاصة بعد تردي‬ ‫الفلسفة اليونانية يعرف بحق أن ما يزعمونه علما لدنيا هو أوهام شعبية‪.‬‬ ‫‪43 15‬‬

‫وفي خطابهم يمكن أن نجد شيئا من الحقيقة‪ .‬لكنه منتحلات من الدين والفلسفة السويين‬ ‫تزيينا لما يدعونه من معرفة لدنية يبتذلونها بزعم اللدنية‪.‬‬‫وطبعا فكلامي هذا يكثر من الأعداء‪ .‬لكن الامة ستبقى مستعبدة من اصحاب الاستبداد‬ ‫السياسي ومبرريه من المتصوفة والمتفقه بعكس قيم الإسلام‪.‬‬‫وما نجده من تبرير تحريفي بقيم الإسلام في التصوف والفقه نجد أمثاله في فكر أدعياء‬ ‫الحداثة بدعوى محاربة توظيف الدين‪ :‬كلاهما يوظفه للاستبداد‪.‬‬‫الفرق الوحيد أن أولئك يدعون أنهم مع الدين وهؤلاء يدعون أنهم مع الفلسفة‪ .‬لكن‬ ‫المعية في الحالتين هي مع كاريكاتور الدين وكاريكاتور الفلسفة‪.‬‬‫فالدين الحق والفلسفة الحق كلاهما يطلب الحريتين وإن بطرق مختلفة‪ .‬وكلاهما متحرر‬ ‫من دعوى العلم المحيط والتقييم المحيط بل يسعيان لتحرير الإنسان‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن كل ما يزعم علما لدنيا هو المستوى الادنى من المعرفة الإنسانية العادية‬ ‫في متون الفلسفة أو في متون الدين مع إيهام بأنها \"فتوحات\"‪.‬‬‫فمن المتصوفة من هو ذو قريحة وفهم في المضامين المعرفية والأشكال البلاغية أو الشعرية‬ ‫لكنهم يخفون ذلك ويدعون أنه علم لدني اطلاع على الغيب‪.‬‬‫وإذا الرسول نفسه‪-‬ومثله كل من يقصهم القرآن‪-‬لم يدع العلم بالغيب أو العلم اللدني‬ ‫وأنه مجرد مبلغ لرسالة لا تبدع دينيا بل تذكر بما في الفطرة‪.‬‬‫والخاتم نفسه‪-‬ومثله من يقصهم القرآن‪-‬لم يدع العلم بالغيب أو العلم اللدني وأنه‬ ‫مجرد مبلغ لرسالة لا تبدع دينا بل تذكر الديني القائم في الفطرة‪.‬‬‫فكيف يمكن لنا أن نصدق الدجالين الذي يدعون ما لم يدعه الرسول ويزعمون أنهم‬ ‫ورثته‪ :‬هل يمكن للمرء أن يرث من ميت ما لا يملك وما لم يدع حيازته؟‬‫والزبدة من كلامنا هي أن التصوف مثل الفقه كلاهما حرف رسالة الإسلام بأن جعلها‬ ‫تسهم في استعباد الإنسان روحيا وسياسيا بدلا من تنويره لتحريره‪.‬‬‫الفقه بالقانون والزهد بالسلوك كما حددناهما هما المطلوب لاستئناف دور الأمة التي‬ ‫يتمتع ابناؤها بالحريتين الروحية والسياسية فتكون أمة سيدة‪.‬‬ ‫‪43 16‬‬

‫ولهذه الغاية ومساعدة الشباب في إدراكها كتبت هذا الكلام لعله يمكن الشباب من التحرر‬ ‫من العلوم والاعمال الزائفة دون نكران دورها في الماضي‪.‬‬‫ويمكن كذلك الاعتراف لأصحابها بفضل الدور الذي مكن من الصمود فحال دون انهيار‬ ‫الأمة التي فقدت القدرة على التنميتين منذ قرون‪ :‬الروحية والمادية‪.‬‬‫لكن الهجمة على الأمة بلغت حدا لم يعد يكفي فيه رد الفعل والمحافظة على علوم‬ ‫وأعمال فقدت فاعليتها بل ينبغي استئناف الابداع في التنميتين‪.‬‬‫وكلامي هذا ليس من جنس كلام أعداء الإسلام والامة بل هو من جنس ما ينبغي فعله‬ ‫لجعلهما يستردان دورهما في التاريخ الكوني الذي نكاد نخرج منه‪.‬‬‫من دون إبداع علمي مناسب للعصر ومن دون إبداع عملي يسهم في تحديد مستقبل‬ ‫الإنسانية سنبقى على هامش التاريخ تابعين وفاقدين للريادة والسيادة‪.‬‬‫ولست ممن يرفض شيئا من دون بيان العلل ولا ممن يقترح شيئا من دون تعليل يجعل ما‬ ‫اقترحه من ضرورات المشروع الأكبر‪ :‬استعادة الامة لشروط سيادتها‪.‬‬‫إنه الهدف الذي ينبغي لكل شباب الامة أن يجعله قبلته في السعي للتحرير بشروطه‪:‬‬ ‫استعادة وحدة الامة حول دور مثاله مرحلة نشأتها بالتحرر من كبوتها‪.‬‬ ‫‪43 17‬‬

‫نصل في الفصل الخامس من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" إلى أكثر‬ ‫هذه العلوم الزائفة وضوحا ما يغنيني عما اضطررت اليه فيما تقدم‪.‬‬‫فـ\"علم\" الكلام أو \"علم\" العقائد أكثر علوم الملة الخمسة قلبا لفصلت ‪ 53‬وجرأة على آل‬ ‫عمران ‪ .7‬فأهمه ما يسميه جليل الكلام ودقيقه زائدة دودية‪.‬‬‫لذلك فلن أحاول بيان هذه الحقيقة بخصوصه بل سأهتم بقضية أخرى وتتعلق بأساسية‬ ‫المنهجيين‪:‬‬ ‫‪ .1‬قيس الغائب على الشاهد‬ ‫‪ .2‬والتأويل ثم بعلامته وثمرته‬‫وأبدأ بعلامته وثمرته اللتين حددتهما آل عمران ‪ :7‬فأصحابه كلهم دون استثناء من بغاة‬ ‫الفتنة ومرضى القلب وهو أمر ليس خاصا بنا فهو ملازم لكل دين‪.‬‬‫لكن الأديان الأخرى تخلصت من مفعوله لكن الإسلام ما يزال يعاني منه لأن حركة‬ ‫الإصلاح غلب عليها كاريكاتور التأصيل بدل التجديد الواعي بالأدواء‪.‬‬‫فلو لم توجد في القرآن صيغة دقيقة للعقائد لفهمنا أنه يوجد من يريد أن يضع صيغة‬ ‫تيسر الأمر للمؤمنين‪ .‬لكن القرآن صاغ العقيدة بصورة لا لبس فيها‪.‬‬‫وقد أفهم أن يتعدد شرحها خلال تعليمها للمؤمنين بها أو لغيرهم لكن أن تصبح هذه‬ ‫الشروح منتجة لعقائد مختلفة تنسب إلى المتكلمين فتلك بداية الفتنة‪.‬‬‫فالأمر لا يتعلق بنظريات علمية التعدد فيها من شروط التقدم في المعرفة بل برؤية‬ ‫مشتركة تحدد المقومات الأساسية للمرجعية العقدية الواحدة والموحدة‪.‬‬‫وما وظيفته التوحيد تحول إلى التفريق وتوليد العقائد بعدد المذاهب بحيث صار كل‬ ‫متكلم يدعي أنه أكثير بيانا من القرآن نفسه لأنها صارت بدائل منه‪.‬‬‫فهجر القرآن لدى أهل الحديث وأهل الكلام لا فرق‪ .‬لا فرق بين وضع الحديث وصنع‬ ‫العقائد‪ .‬وما كان متروكا لوجدان المؤمنين حولوه إلى حكم المتعالمين‪.‬‬ ‫‪43 18‬‬

‫ولست ضد التعدد بل ضد المصطنع منه‪ :‬فالتعدد في التلقي أمر مفروغ منه وهو إذا بقي‬ ‫حرا كان بعدد المؤمنين لتعدد الفهوم مع بقاء نص العقائد واحدا‪.‬‬‫والاسراء اعتبرت أن الدعاء إلى الله لا يقتصر على صورة واحدة بل هو بعدد الصور‬ ‫التي توحي بها اسماؤه الحسنى (الإسراء ‪ )110‬فكل منها يتضمنها كلها‪.‬‬‫وهي حاضرة كلها معا في كل دعاء‪ .‬إذ إن مجموعها هو الصورة التي لا تغادر وجدان‬ ‫المؤمن وتقبل الرد إلى أفعال الله وآياته في الآفاق ولأنفس‪.‬‬‫ولم أر أحدا يعمل بهذا المبدأ مثل ابن تيمية الذي لم يضع عقيدة من صوغه بل حاول‬ ‫بناء نسق هذه الصور وما يترتب عليها من تعاهد بين الله والإنسان‪.‬‬‫ولنعد إلى منهجي الفكر الكلامي عامة لبيان أنهما يناقضان فصلت ‪ 53‬وآل عمران ‪.7‬‬ ‫فقيس الغائب على الشاهد أساسه طرد الحاصل على المطلوب من العلم‪.‬‬ ‫وهو أساس يكون مقبولا بشرطين‪:‬‬ ‫‪ -‬الأول أن يكون المطلوب قابلا للشهادة‪.‬‬ ‫وأن يكون العالم مستعدا لاعتبار الطرد مؤقتا بوصفه وسيلة لتعميم الاستقراء‪.‬‬‫والأول مستحيل في حالة الغيب لأنه ليس محجوبا إلا في الآخرة يوم يصبح البصر حديدا‬ ‫والثاني غير متوفر لأن الكلام لا يستعمل التجربة العلمية‪.‬‬‫وإذن فالكلام أبنية حجاجية خالية من مميزات المعرفة العلمية أولا لأنه يتكلم فيما لا‬ ‫يقبل العلم وثانيا لأن منهجه الترجيح الحجاجي بافحام خصم‪.‬‬‫الكلام لا يحتكم لشروط المعرفة العلمية التي الفاصل فيها ليس للحجاج وحده بل لا بد‬ ‫من معيار منفصل عن طرفيه بالاحتكام الحاسم بين فرضيات طرفيه‪.‬‬‫وبين أن هذا الاحتكام قد يبين أن طرفي الحجاج على خطأ لأن ما يحتكم إليه ليس‬ ‫منحصرا جوابه في فرضيات المتحاجين حتى لو كانا متناقضين‪.‬‬ ‫كيف؟‬ ‫فحتى لو قبلنا بعدم التناقض والثالث المرفوع فإن ذلك لا ينطبق إلا بشرطين‪:‬‬ ‫‪ -‬صحة نظرية المعرفة المطابقة‬ ‫‪43 19‬‬

‫‪ -‬ومطابقة احدى فرضتي الحجاج لنفي نقيضها‬‫والشرطان منعدمان حتى في الشاهد فضلا عن الغيب‪ .‬ومن ثم فمنهجيا الحجاج لا يثبت‬ ‫شيئا لان الفرضيات تبقى فرضيات ما لم تحسم بالتجربة العلمية‪.‬‬‫نمر الآن إلى المبدأ الثاني من منهج الكلام‪ :‬التأويل‪ .‬ولأهمية هذه المسألة سأضطر للكلام‬ ‫لاحقا في العلوم المساعدة التي يستعملها الكلام فيه‪.‬‬‫سأكتفي هنا في اساسي التأويل المزعومين‪ :‬المقابلة بين الحقيقة والمجاز وعلم الحقيقة التي‬ ‫يرد إليها المتكلم المجاز في جليله ليستقيم تأويله‪.‬‬‫أساس المقابلة بين الحقيقة والمجاز سوء فهم لبعد الدلالة من الترميز اللساني‪ .‬يأخذون‬ ‫إحدى دلالات أي لفظ ويزعمونها دلالته الحقيقية‪.‬‬‫ويعتبرون ما عداها من دلالاته إليها‪ .‬وهذا الأساس اقصى ما يمكن بناؤه عليه هو القول‬ ‫إن تلك الدلالة هي الأكثر شيوعا أو ربما الأولى التي وضعت‪.‬‬ ‫وهبنا سلمنا بذلك تسليما جدليا فهل المفردات لها دلالة محددة إذا خرجت من سياقها؟‬ ‫وهم التناظر بين المفردات والدلالات يلغي وظيفة اللغة اصلا‪.‬‬‫فعدد المفردات في أي لغة محدود والدلالات تكاد تكون لا محدودة‪ :‬ليس للمفردة دلالة‬ ‫واحدة بل هي متعددة بتعدد سياقاتها مثل المنازل في الأعداد‪.‬‬‫فبأي تحكم سنختار واحدة منها ونعتبرها الدلالة الحقيقية ونرد إليها ما عداها بوصفها‬ ‫مجازية؟‬ ‫وبذلك بين ابن تيمية أن المقابلة بينهما لا معنى لها‪.‬‬‫العلاقة بين الرمز والمرموز ليس تناظرا واحد بواحد بل هي تناظر واحد بكثرة ولا‬ ‫تراتب بين الكثرة المناظرة للواحد لأنها تواضعية بحسب اللغات‪.‬‬‫وإذن فوهم المقابلة حقيقة مجاز علته توهم العلم في نظرية المعرفة المطابقة دلالته‬ ‫حقيقية وما عداه دلالته مجازية ليست من مصطلح المعرفة العلمية‪.‬‬‫وما أن نتخلص من وهم نظرية المعرفة المطابقة التي توهم بالعلم المحيط المدرك للشيء‬ ‫على ما هو عليه يصبح العلم هو نفسه وضعا لا يوصف بالحقيقة‪.‬‬ ‫‪43 20‬‬

‫لا معنى لوصف علاقة كلمة \"يد\" والعضو \"يد\" عند الإنسان بالحقيقة إلا لتوهم التلازم‬ ‫بين الدال والمدلول‪ .‬فيعتبرها المتكلم دلالاتها الاخرى مجازية‪.‬‬‫ولا معنى للاحتجاج بنفي المجاز للقول إن لله جوارح ولكن لا نعلم كيفها‪ .‬ذلك أن نافي‬ ‫المجاز في هذه الحالة قائل مثل المتكلم بنظرية المطابقة‪.‬‬‫في الحقيقة الكلمات تتغير دلالتها بحسب منزلتها في الكلام وكل دلالاتها تواضعية بحسب‬ ‫اللغة وبحسب الفن الذي اختارها للدلالة على ما يتكلم عليه‪.‬‬‫فلو أخذنا كلمة \"حد\" في الفقه وفي الرياضيات وفي المنطق وفي مسح الأرض وفي اي فن‬ ‫آخر لكانت الدلالة مختلفة رغم أن الكلمة واحدة‪ :‬ما سر ذلك؟‬‫هي نسبة بين أمرين وليس لها من الأمرين شيء ولا طبيعة لها تكون أميل لأحدهما دون‬ ‫الثاني من جنس اليمين واليسار والفوق والتحت إلخ‪..‬‬‫وكذلك المفردات‪ :‬كل المفردات نسب‪ .‬وبخلاف ما يظن فحتى اسم العلم نسبة لأنه علامة‬ ‫للتمييز بين المسميات دون أن يكون لها أي مضمون دلالي حقيقي‪.‬‬‫فالخاتم اسمه محمد وأنا اسمي محمد ولا شيء يجمع بين علاقة اسمه به بعلاقة اسمي‬ ‫بي إلا نسبة الاسم للمسمى‪ :‬الإشارة بالأول للثاني‪ .‬والإشارة نسبة‪.‬‬‫نمر إلى الشرط الثاني ما مصدر علم الحقيقة الذي يرد إليه ما يعتبر مجازيا وغير‬ ‫حقيقي في الكلام على جليل الكلام؟ هل يوجد علم بالله وصفاته؟‬‫قد أفهم قول الفلاسفة ذلك عندما كانوا يؤمنون بنظرية المطابقة أي علم الاشياء على‬ ‫ما هي عليه وينفون من ثم ما يتجاوز علمهم الذي جعلوه محيطا‪.‬‬ ‫لكن كيف لمتكلم أن يقوله؟ هل ينفي الغيب؟‬ ‫ومن ينفي الغيب كيف يسمى نفسه مؤمنا ومدافعا عن العقيدة؟‬ ‫لماذا لا يعتبر نفسه دعيا يزعم علمه محيطا؟‬ ‫‪43 21‬‬

‫أخصص الفصل السادس من \"علوم الملة‪ :‬ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" للكلام‬ ‫على العلوم الأدوات التي تستعملها علوم الملة ومدى قصورها الفعلي‪.‬‬‫من المعلوم أن العلوم الادوات أو المساعدة واحدة في كل العلوم سواء كانت علوم الملة أو‬ ‫العلوم عامة‪ :‬وهي خمسة أصل وأربعة فروع تتلون بلون الأصل‪.‬‬‫فأما الأصل فهو نظرية المعرفة أو الرؤية الفلسفية العامة لعلاقة بين المعرفة والوجود‬ ‫ويمكن أن نسميها رؤية العلاقة بين الإدراك الإنساني والوجود‪.‬‬‫وهذه الأداة الأصل في كل معرفة بلغت إلى العلمية هي في آن بداية وغاية‪ .‬فكل مرحلة‬ ‫من مراحل المعرفة الإنسانية تنطلق منها وتنتهي إلى ما يتجاوزها‪.‬‬‫وما يتجاوزها بداية مرحلة أرقى وهكذا دواليك‪ .‬فالأصل بداية وغاية لفروعه علة‬ ‫ومعلولا في آن‪ .‬والفروع الأربعة هي اللغة والتاريخ والمنطق والرياضيات‪.‬‬‫والغالب على علوم الملة اللغة والتاريخ ووهم الإطلاق بالنسبة إلى الأصل لظنهم أن ما‬ ‫يصح على النصوص المرجعية يصح على علوم أصحابها‪ :‬مطابقة وهمية‪.‬‬‫ومن المفروض ألا يؤمن أي عالم من علوم الملة بالمطابقة لأن الدين نفسه يميز بين علم‬ ‫محيط مطابق مقصور على الله وعلم الإنسان لا محيط ولا مطابق‪.‬‬‫لكنهم ربما بتأثير من الفكر الفلسفي ظنوا أن العلم مطابق في مرجعيات النصوص الدينية‬ ‫قيسا على القول بالمطابقة الفلسفية في الوجود الطبيعي‪.‬‬‫ومن هنا جاءت مغالطة قيس الغائب على الشاهد بمقتضى توهم الانتظام المضطرد في‬ ‫الطبيعة‪ :‬من أوهام الفلسفة التي قبلت بها علوم الملة في مرحلتيها‪.‬‬ ‫واقصد بمرحلتيها عصرين مضاعفين (ابن خلدون)‪:‬‬ ‫‪ .1‬هو كلام القدامى بعد نشأته الذرية وقبلها‪.‬‬ ‫‪ .2‬نشأة كلام المحدثين وبعد اندراجه في المشائية‪.‬‬ ‫‪43 22‬‬

‫فعلم الكلام أسس لعلوم الملة كلها لأن مراحله هي عين مراحل كل واحد منها بوصفها آلت‬ ‫إلى فلسفة ذرية أولا ثم إلى فلسفة هيلومورفية ثانيا‪.‬‬‫فالكلام بعد تحسس النشأة تبني رؤية الفلسفة الذرية ثم تبني رؤية اقتربت من الفلسفة‬ ‫المشائية التي سادت‪ :‬نظرية المعرفة الفلسفية أصل مناهجه‪.‬‬‫وخصومة الكلام والفلسفة تعلقت بمضمون المعرفة وليس بحقيقة العلم شكلا وأدوات‬ ‫منهجية‪ .‬لم يستفد من نفي القرآن لنظرية المطابقة‪ :‬علة رفض السلف له‪.‬‬‫القرآن يعتبر كل معرفة اجتهادا وليست معرفة محيطة‪ .‬فالاجتهاد يعرف بمناهجه ووعيه‬ ‫بحدوده ومن ثم فهو في تقدم دائم وبأخلاق التواضع العلمي‪.‬‬‫تكون اللغة تسمية لما ندركه من الموضوع والتاريخ لما فهمنا من مجراه والمنطق لما رتبنا من‬ ‫مدركاتنا في الاجتهاد دون دعوى المطابقة مع الموضوع‪.‬‬‫ورغم أن ابن خلدون مثلا قد وضع علما العمران ليصل إلى شيء من المطابقة فهو يبين‬ ‫عقبات ذلك وينتهي إلى أنها مستحيلة لأن الوجود لا يرد للإدراك‪.‬‬‫فيكون مدار المعرفة العلمية وأصل مدى أدواتها متعلقا بهذا العلم الأول الذي تستند‬ ‫إليه نظرية المعرفة‪ :‬طبيعة العلاقة بين مدى الإدراك وموضوعه‪.‬‬‫فمدار المعرفة العلمية وأصل فاعلية أدواتها هذا العلم الأول الذي تستند إليه نظرية‬ ‫المعرفة‪ :‬طبيعة العلاقة بين الإدراك وما يُعلم من الموضوع‪.‬‬‫وما يعلم من الموضوع هو ما تؤيده التجربة بأدواتها من فرضيات نظرية‪ .‬ولا شيء يثبت‬ ‫أنه حقيقة الموضوع بل ما ناسب تلك الفرضية بتلك الأدوات‪.‬‬‫ولولا ذلك لكانت كل معرفة نهائية ولما تغيرت العلوم أو لتوهمنا أن المعرفة بموضوع معين‬ ‫لها غاية لا مزيد بعدها‪ :‬لكن البحث العلمي لا يتوقف ابدا‪.‬‬‫وهو ما يعني أن ما نتوصل إليه من معرفة بأي موضوع يبقى دائما إضافيا إلى المنظور‬ ‫الذي يبحث فيه وأن البحوث كلها في كل الموضوعات متضامنة‪.‬‬‫أي إنه يمكن لبحث في مجال \"أ\" غير مجال \"ب\" أن يؤثر فيه فيغير كل شيء فيه وخاصة‬ ‫دور تغير العلوم المساعدة وأدوات الإدراك التجريبي في المعرفة‪.‬‬ ‫‪43 23‬‬

‫أما إذا كانت العلوم مبنية على المطابقة وتوهم اكتمال البحث في مجال العلوم المساعدة‬ ‫فإنها تجمد كما حصل لعلوم الملة كلها وتعوض من مرجعيتها‪.‬‬‫وقد ضربت مثال حواري مع البوطي‪ :‬يعتبر علوم اللسان العربي التي يعلمها وهي كلها‬ ‫متخلفة كافية لأصول الفقه عديم الصلة أصلا بعمل الدول الحديثة‪.‬‬‫وأكثر من ذلك فهو لم يكن ذا صلة حقيقية حتى بالدولة الإسلامية التقليدية‪ :‬فلا يمكن‬ ‫لقانون حرفه الاستبداد وجعله مبررا لتحكماته أن يعتبر قانونا‪.‬‬‫ولا معنى لقانون لفاقد للشرعية التي تحدده‪ :‬في دستور يقول إن الأمر امر الجماعة وهي‬ ‫تسوسه بالشورى صار امر ولي الأمر ويسوسه بفقهاء تحت سلطانه‪.‬‬‫وذلك هو ما سميته تعطيل الدستور والحكم وكأن الجماعة في حالة طوارئ‪ :‬صاحب‬ ‫السلطة التنفيذية وضع تحت سلطانه السلطة التشريعية التي صارت تبريرية‪.‬‬‫شرعية أي قانون مستمدة من شرعية الحكم بمقتضى نظام دستوري يحترم أصل السلطة‬ ‫وليست منفصلة عنها فضلا عن تطبيقه بالشروط الخلقية للقضاء العادل‪.‬‬‫وهذا هو مجال أصول القانون (الفقه في حالتنا) وليس مجرد الصوغ القانوني للأحكام‬ ‫المستمدة من المرجعية القانونية (القرآن والسنة) فذلك عملية تقنية‪.‬‬‫والعملية التقنية لا تضفي الشرعية على القانون بل هي تولده من طبيعة التشريع‬ ‫المرجعي وأخلاقه وهذه هي العملية المعتبرة في تأصيل أي قانون‪.‬‬‫ولا فرق في ذلك بين الوضعي والشرعي من القانون‪ :‬ولو اقتصرنا على ما يوجد في القرآن‬ ‫والسنة واعتبرناه مدونة قانونية لكان حاصل الظاهرية هو الوحيد‪.‬‬‫فمن يعتمد القياس ينزل نفسه نظيرا للشارع وخاصة من يعتمد المقاصد تماما كمن يظن‬ ‫الرسوخ في العلم مضاهيا لعلم الله في التأويل (آل عمرا ن ‪.)7‬‬‫وإذا كان للتشابه مجال مفضل فهو مجال النوازل القضائية والحقوق‪ .‬فلم يبقى من خيار‬ ‫إلا اعتبار ما ورد من حدود شرعية هو لأخلاق القانون يعمل بها‪.‬‬‫ليس هدف الأحكام التشريع بل تحديد أخلاق التشريع موضوع الشورى بمعايير خلقية‬ ‫حددتها الحدود نماذج إذ هو مقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬ ‫‪43 24‬‬

‫وذلك هو معنى الاستثناء من الخسر في العصر‪{ :‬الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا‬ ‫بالحق وتواصوا بالصبر} أي الذين استجابوا لربهم في الشورى ‪.38‬‬‫فإذا لم يكن التواصي بالحق والتواصي بالصبر أساس الشورى لإدارة الجماعة أمرها‬ ‫فكيف يمكن أن يكون اساس التعامل فيما بينها حتى في أتفه الأمور؟‬‫سياسة الجماعة أمرها بالشورى بخلق المؤمن العامل صالحا والمتواصي بالحق والمتواصي‬ ‫بالصبر هو أصل كل تشريع ذي مرجعية دينية أو وضعية‪.‬‬‫فالتشريع الوضعي له مرجعية وضعية يؤمن بها المنتسب إليها ويعمل بمقتضاها متواصيا‬ ‫بالحق ومتواصيا بالصبر مسهما فيها فعلا وانفعالا‪ :‬الديموقراطية‪.‬‬‫الفرق الوحيد بين الشورى ‪ 38‬والنظام الديموقراطي هو نوع الإيمان بأصل القيم التي‬ ‫تحكم التشريع‪ :‬هل هو الحقوق والواجبات الفطرية أم الطبيعية‪.‬‬‫وتلك هي أولى مسؤوليات المكلف قرآنيا لأن كل مؤمن مشارك في التشريع وإلا لما قال‬ ‫الرسول من رأى منكر فلقومه إلخ‪ .‬وطبعا التقويم تطور فصار بوسط‪.‬‬‫والوسيط مؤسسات تطبق القانون الذي وضعته الجماعة بفضل سياسة الشورى لأمرهم‪.‬‬ ‫فحرف الشورى فلم تبق نظام حكم بل نصيحة تابع منافق لمتبوع مستبد‪.‬‬‫وللتأكد من ذلك فلنشرح الآية ‪ 38‬من الشورى‪ .‬ولنبدأ فنظهر ضمائرها التي يغيبها‬ ‫أسلوب القرآن الذي يغلب عليه الإضمار في بلاغة الإيجاز البليغ‪.‬‬‫فالمعطوفات الخمسة الواردة في الآية تبدو وكأنها مجرد معطوفات مبتدئية لا تتضمن‬ ‫خبرا بضمير المقابلة بين فضل الله وعدم استفادة الإنسان منه‪.‬‬‫والخبر هو بيان شروط الاستفادة منه بسياسة الدنيا يحددها دستور القرآن لتنظيم حياة‬ ‫البشر في الأرض‪ .‬ومن بين المعطوفات شروط السياسة في الشورى ‪.38‬‬ ‫والشروط خمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬الاستجابة للرب‬ ‫‪ .2‬رمزها إقامة الصلاة‬ ‫‪ .3‬امرهم‬ ‫‪43 25‬‬

‫‪ .4‬شورى بينهم‬ ‫‪ .5‬ومما رزقناهم ينفقون‪.‬‬ ‫علي شرح الفصل بين ‪ 3‬و‪ 4‬وهي تبدو معطوفا واحدا‪.‬‬‫وهنا يبرز المستوى الثاني من الإضمار‪ :‬وتقدير الكلام \"وسياسة الأمر تكون بالشورى\"‬ ‫فيطرح سؤالان‪ :‬نسبة الامر إلى الجماعة ونسبة الشورى إليها؟‬‫فيصبح النص‪ :‬الامر هو أمر الجماعة وشورى سياسته للجماعة‪ .‬ومن ثم \"فأمرهم شورى\"‬ ‫جملة فيها مضمران‪ :‬نسبة الأمر إلى الجماعة ونسبة الشورى إليها‪.‬‬‫لو ترجمت الامر أمر الجماعة لكانت تحديد لطبيعة نظام الحكم‪ :‬ففي المصطلح‬ ‫الدستوري بلغة لاتينية يسمى ذلك \"راس بوبليكا\" أي نظام حكم جمهوري‪.‬‬‫ولو ترجمنا شورى بينهم بالمصطلح السياسي باليونانية لكان ذلك يعني أسلوب الحكم في‬ ‫النظام الجمهوري ديموقراطي‪ :‬الآية حدد طبيعة الحكم وأسلوبه‪.‬‬‫وأحاطت هذا التحديد بعاملين‪ :‬الاعتراف بفضل الله بداية والتحرر من عبادة الدنيا‬ ‫بالبعد الاجتماعي للاقتصاد غاية أي سلطان المال على أصحابه‪.‬‬‫وكلنا يعلم علاقة السياسة بالاقتصاد ويعلم أهمية سياسة الاقتصاد ووظائفه الاجتماعية‬ ‫في القرآن‪ .‬تلك هي مجالات بحث الفقه التي أهملها التحريف‪.‬‬ ‫‪43 26‬‬

‫أخصص الفصل السابع من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" لمناقشة‬ ‫مفروضات المطابقة بين العلم وموضوعه بزعم علمه على ما هو عليه‪.‬‬‫وهي تعود إلى توهم أدوات العبارة عن الإدراك نافذة بإطلاق لموضوعه وليس معبرة‬ ‫عن مضمون الإدراك لا تتعداه فتنفذ لموضوعه إلا بوهم المطابقة‪.‬‬‫فيكون وهم المطابقة جامعا بين كل المفروضات التي تؤسسه‪ :‬قانون الرمز اللساني والرمز‬ ‫التاريخي والرمز المنطقي والرمز الرياضي يعكس قانون الوجود‪.‬‬‫القول بالمطابقة اساس هذه الأوهام حول علاقة قوانين الأدوات وقانون الوجود‪ .‬فتكون‬ ‫في الأخير دالة على جعل قوانين أدوات المعرفة مقياسا للوجود‪.‬‬‫وهو ما يسميه ابن خلدون برد الوجود إلى الإدراك وهو ليس ردا للمعرفة من حيث هي‬ ‫حسية بل من حيث هي أفعال ادوات الإدراك والمعبرة عنه في آن‪.‬‬‫فالمدارك الحسية فردية لكن أدوات الإدراك الموصلة إلى المعرفة العلمية ليست فردية‬ ‫بل هي جماعية وهي في آن للتواصل بين الناس وبينهم وبين موضوعها‪.‬‬‫الناس يتواصلون بها فتكون الحصيلة عملا جماعيا ويتواصلون بها مع الموضوعات فتكون‬ ‫عملا جماعيا حصيلة لتراكم المعلومة والمخبرة‪ :‬التراث العلمي‪.‬‬‫التراث العلمي حصيلة لاستعمال أدوات العلم التي هي علوم أداتية أو مساعدة‪ :‬هي‬ ‫اللغة والتاريخ والمنطق والرياضيات مع طبيعة العلاقة بالموضوع‪.‬‬‫نفاذ لحقيقته بإطلاق فتكون المعرفة نهائية أم هي اقتراب لا متناه من حقيقته دون‬ ‫المطابقة معها مهما اقتربت منه فلا يتجاوز العلم السعي الدائم‪.‬‬‫والآن سآخذ الادوات الأربع واحدة بعد أخرى لامتحان دعوى النفاذ إلى حقيقة الشيء‬ ‫التي نؤمن بوجودها الموضوعي ولا نعلمها على ما هي عليه‪.‬‬‫وتكون غاية البحث الكلام في نظرية المعرفة المطابقة التي اعتبرها مشروطة بالعلم‬ ‫المحيط ومن ثم فهي مستحيلة على الإنسان لاستحالة الإحاطة عليه‪.‬‬ ‫‪43 27‬‬

‫ونبدأ باللغة‪ :‬هل يوجد من يدعي أن اللغة أي لغة إنسانية يمكن أن تقول كل ما يريد‬ ‫الإنسان قوله؟‬ ‫أم إنه لا شيء تحيط به العبارة وخاصة الوجدانيات؟‬‫وقد كانت هذه أقوى حجة استعملها ابن خلدون ضد الشطح الصوفي لأن اللغة لا يمكن‬ ‫أن تكون إلا ما هو مشترك والوجدانيات ليس فيها مشترك فلا تقال‪.‬‬‫وأتفه إدراك حسي لو أردنا قول مدركه لما كفت كل كتب العالم أن تحويه فضلا عن كونه‬ ‫يطرأ ويزول في لمح البصر فما أن ندركه حتى يترك مكانه لما يليه‪.‬‬‫وهبنا افترضنا ما يدركه البصر مشتركا بسبب إمكان توجيه العيون نفس الوجهة‪-‬وهو‬ ‫مستحيل للتزاحم على حيز الناظر‪-‬فإن الذوق واللمس مما لا شركة فيه‪.‬‬‫وهو مما لا يقال‪ .‬ومعنى ذلك وهذا هو المهم‪ :‬حتى ما ندركه تعجز اللغة عن قوله فكيف‬ ‫بما لا ندركه مما نحسه وغالبه يجري دون إدراك واع ولا ناطق‪.‬‬‫فأبداننا مهما سترناها بالثياب ولكن تبقى مخترقة كقطعة الجبن بكل ما في المحيط من‬ ‫عوامل مرئية وغير مرئية كما تبين لنا الآن من وسائل التواصل‪.‬‬‫فالواحد منها في تبادل دائم مع المحيط لو انقطع لاضمحل وجودنا ولعل التنفس أهم‬ ‫علاماته‪ .‬الإنسان مثل الجوال يحتاج للشحن حتى يبقى يتواصل فعله‪.‬‬‫وجل ذلك مما لا يقال باللغة التي تقتصر على العموميات المشتركة في الجماعة الناطقة‬ ‫بها حول ما يقبل الإشارة إليه بما يمكن من التواصل بخصوصه‪.‬‬‫فإذا انتقلنا إلى المنطق المجرد أو المعين فهمنا أنه لا يقول شيئا عن المدركات بل هو‬ ‫يعوضها بمتغيرات يفترضها ذهنيا قابلة للتعويض بقيم معرفية‪.‬‬‫لكنه هو في ذاته لا يتعلق بالقيم المعرفية بل بنقلها من المقدمة إلى النتيجة بعد التسليم‬ ‫بأن تعويض المتغيرات بمضامين معرفية معينة مطابقة‪.‬‬‫وتحصيل هذه المضامين المزعومة مطابقة رهن أدوات الوصول إلى المعلومة حول الموضوع‬ ‫ولا شيء يثبت أنها تحقق شرط المطابقة فيبقى الامر شرطيا‪.‬‬ ‫‪43 28‬‬

‫من جنس إذا صح تعويض المقدمة بحقيقة الموضوع فيمكن نقلها إلى النتيجة بوصفها‬ ‫حقيقة مبنية عليها‪ .‬وفيه مسلمتان لا شيء يثبتها لنقول بالمطابقة‪.‬‬ ‫أي‪:‬‬ ‫‪ .1‬تعويض المتغير المجرد بالقيمة المعينة صادق‬‫‪ .2‬وأن الانتقال المنطقي من المقدمة إلى الى النتيجة مطابق للانتقال الوجودي بين‬ ‫المضمونين‬‫ولا شيء يثبت المسلمتين‪ :‬فقيمة المتغير مصدرها التجربة وهي محدودة والانتقال‬ ‫المنطقي يخضع لقوانين المنطق ولا دليل على مطابقتها لقوانين الوجود‪.‬‬‫فنكون بذلك قد جعلنا التجربة التي هي دائما غير مطابقة حقيقة الشيء والقانون‬ ‫المنطقي قانونا للوجود حتى نقول بالمطابقة رغم عدم تحقق شروطها‪.‬‬‫وقد قدمت المنطق على التاريخ لصلته باللغة‪ .‬وهو ذو صلة بها مثله‪ .‬لكن صلته بها تنتسب‬ ‫إلى الأدب أكثر من انتسابها إلى العلم مهما دقق المؤرخ‪.‬‬‫وفيه شيء مما يصل بين اللغة والمنطق من حيث الوظيفة‪ :‬فالسياق الخارجي تاريخي‬ ‫بالضرورة واستقراء المضمون الذي يعوض المتغيرات تاريخي بالضرورة‪.‬‬‫فيكون التاريخ شرط الوصل بين المنطق المجرد والمنطق المطبق بدوره في السياق الخارجي‬ ‫للدلالة وبدوره في سياق استقراء المضامين لتعويض المتغيرات‪.‬‬‫فيكون التاريخ هو هذه الوصلة بين صيرورة المضمون المعرفي وثبات البنى المنطقية التي‬ ‫تجمد صيرورة المضمون لتمسك ببنى ميتة بتثبيت قيم المتغيرات‪.‬‬‫لذلك فحتى محاولات حل هذه المعضلة بالجدل لم تفلح في حلها‪ :‬ذلك أن صيرورة‬ ‫المضمون لا تتوقف وبناه لا متناهية كما وكيفا ومثلها نماذجها المجردة‪.‬‬‫وهنا نصل إلى الرياضيات ومثلها الفنون‪ :‬إنها بنى مجردة لا تتوقف عن صيرورة الابداع‬ ‫لأنها في الحقيقة إبداع لبنى مجردة تساعد في النظر والعمل‪.‬‬‫وهي لا تدعي المطابقة مع وجود متقدم عليها بل هي \"إيجاد\" بنى قد تصلح نماذج لقول‬ ‫التجارب بأدوات تقنية تحول تقديرها إلى أدوات استكشاف الوجود‪.‬‬ ‫‪43 29‬‬

‫ولما كان ذلك لامتناهيا فإن القول بالمطابقة منتف ويعوضه التوازي بين وجودين‬ ‫لامتناهيين‪:‬‬ ‫‪ .1‬رمزي خالص‬ ‫‪ .2‬فعلي خالص‪:‬‬ ‫تلامسهما لا يدعي المطابقة‪.‬‬‫ونوعا الإبداع متفاعلان‪ .‬فكلاهما يمكن أن يكون مصدر إيحاء للثاني كتفاعلي مجال‬ ‫فعلهما المفضل‪ :‬النظر للإبداع الرياضي والعمل للإبداع الأدبي‪.‬‬‫فلا يكون العلم والعمل إلا ما اختص به الإنسان لتحقيق شروط استعماره في الأرض إما‬ ‫بالإخلاد إليها أو بقيم الاستخلاف اي بأنواع القيم الـخمسة‪.‬‬ ‫والقيم الخمس هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الجلال (التعالي)‬ ‫‪ .2‬والجمال(الذوق)‬ ‫‪ .3‬والخير(القدرة)‬ ‫‪ .4‬والحقيقة (العلم)‬ ‫‪ .5‬والجهة (الحرية)‪ :‬والتعالي أصل القيم وشرطه فروعه‬‫إنها شروطه بترتيب معكوس‪ :‬فالأصل هو التعالي‪ .‬والجمال والخير هما غايتاه والحقيقة‬ ‫والحرية هما أداتاه‪ .‬وهي قيم حرفها فساد النظر والعمل في حضارتنا‪.‬‬‫والعلامة الاولى لفساد النظر هي عقم الإبداع الرياضي في حضارتنا منذ عصر‬ ‫الانحطاط والعلامة الثانية هي علم الإبداع الأدبي‪ .‬انحصرا في المحاكاة‪.‬‬‫وبذلك يتبين أن الهدف من هذه المحاولة هو إحياء القدرة الإبداعية في مجالي‬ ‫الرياضيات العالية والأدب الرفيع لأنهم اساس كل إبداع نظري وعملي‪.‬‬ ‫‪43 30‬‬

‫وصلنا الآن إلى زبدة البحث كله‪ .‬سأخصص هذا الفصل الثامن لأهم مسالة في نظرية‬ ‫المعرفة التي هي بداية التجاوز الحاسم للفلسفة القديمة والوسيطة‪.‬‬‫إنها المرحلة التي اكتشفها ابن تيمية والتي جعلتني أخصص له مع ابن خلدون رسالة‬ ‫دكتوراه الدولة في النظام الفرنسي القديم وهي غير ‪.Phd‬‬‫ذلك أنها تعد في الغالب في سن متأخرة تكاد تكون غاية التمكن من الاختصاص بخلاف‬ ‫هذه التي بداية الشروع فيه‪ .‬وفي جزءان‪ :‬النظرية وتطبيقها‪.‬‬‫والنظرية هي منزلة الكلي والتطبيق هو إصلاح العقل في الفلسفة العربية‪ :‬مجال‬ ‫التطبيق هو ثورة ابن تيمية (فلسفة النظر) وابن خلدون (فلسفة العمل)‪.‬‬‫أنهيت الكلام في الفصل السابق بالكلام على أن الرياضيات هي اساس النظر والأدبيات‬ ‫هي أساس العمل‪ .‬ولم أشرح ذلك وشرحه هو ما أقصده بزبدة المحاولة‪.‬‬‫في النظام الفرنسي دكتوراه الدولة بعد التبريز أو دكتوراه الحلقة الثالثة (مثل‬ ‫‪ :)Phd‬قدمتها في موضوع \"منزلة الرياضيات في العلم الأرسطي\"‪.‬‬‫وهذا موضوعي‪ .‬وفي كلامي شيء من سيرتي العلمية لأن للمسالة علاقة بها‪ .‬فاكتشافي‬ ‫ما ميز به ابن تيمية علوم المقدرات الذهنية حيرني كثيرا‪.‬‬‫ومثله حيرني ما أراد ابن خلدون تحقيقه لنقل التاريخ من الجنس الأدبي إلى الجنس‬ ‫الفلسفي المبنى على تعليل الاحداث وتفسير مساراتها‪.‬‬‫فالأول خص علم المقدرات الذهنية دون سواه بالبرهانية بالكلية التي نفاها عن علوم‬ ‫الوجود الخارجي والثاني نفس التمييز التاريخ الذي يريد تأسيسه‪.‬‬‫في الظاهر يبدو أن الرجلين يطلبان أمرين متقابلين‪ :‬فالأول ينفي أي علم كلي يكون‬ ‫موضوعه موجودا فعليا في الخارج والثاني يشترط التحرر من الأدبية‪.‬‬‫ما نبحث عنه في علة ما يبدو تقابلا نفهم ما ينفتح أمام البصيرة‪ ،‬الثورة المشتركة بين‬ ‫الرجلين‪ :‬إنه الخيال المبدع‪ .‬فالمقدرات الذهنية إبداع الذهن‪.‬‬ ‫‪43 31‬‬

‫نقل التاريخ من الأدب إلى الفلسفة يبدو مقابلا لرؤية الأول‪ .‬أما إذا كان البديل‬ ‫الخلدوني مبنيا على مقدرات ذهنية تبين أن للرجلين نفس الرؤية‪.‬‬‫فعلم العمران البشري والاجتماع الإنساني الذي سيكون اساس نقد التاريخ السائد‬ ‫لتعويضه بالبديل الخلدوني فإن هذا البديل ليس علما لموجود خارجي‪.‬‬‫نظرية العمل أو علم العمران البشري والاجتماع الإنسان علم مقدرات ذهنية عملية‬ ‫جنيسة للمقدرات الذهنية الرياضية التي تلكم عليها ابن تيمية‪.‬‬‫المشترك بينهما هو أن العلم البرهاني والكلي للمقدرات الذهنية هو أساس علوم الموجود‬ ‫الخارجي نظريا كان أو عمليا‪ :‬المقدرات الذهنية نوعان‪:‬‬‫‪ .1‬الذي تكلم عليه ابن تيمية يجعل المنطق أداة لعلم موضوعه مقدر ذهنيا وليس‬ ‫الموضوع الخارجي كالحالة في المنطق السابق الذي ينقده ابن تيمية‪.‬‬‫‪ .2‬والذي تكلم عليه ابن خلدون يجعل التاريخ أداة لعلم موضوعه مقدرا ذهنيا‬ ‫وليس الموضوع الخارجي كحالة التاريخ السابق الذي ينقده ابن خلدون‪.‬‬‫ولا يمكن تصور علم المقدرات الذهنية علما برهانيا وكليا ونفي الصفتين عن علم الموجود‬ ‫الخارجي من دون نفي النظرية الأرسطية في التحليلات الثواني‪.‬‬‫ونفي الصفتين عن علم الموضوع الخارجي في التحليلات الأواخر يعني نفي الميتافيزيقا‬ ‫التي تؤسس لنظرية المعرفة المطابقة أساس الفلسفة القديمة‪.‬‬‫وادعاء الصفتين للتاريخ البديل يعني نفيهما عن التاريخ السابق فيكون هذا التاريخ‬ ‫البديل ليس علما تاريخيا لموضوع خارجي بل لموضوع مقدر ذهنيا‪.‬‬‫فيكون ابن خلدون قد أنجز في ابستمولوجية العلم العملي ما اكتشفه ابن تيمية في‬ ‫ابستمولوجية العلم النظري فاشتركا في ثورة تجاوزت لفلسفة اليونانية‪.‬‬‫الأول جعل العلم الضروري والكلي (البرهاني) في النظر مقصورا على الرياضيات كعمل‬ ‫منطقي على موضوع غير الموجود الخارجي الخالي من الصفتين‪.‬‬‫والثاني جعل العلم الضروري والكلي (البرهاني) في العمل مقصورا على العمرانيات‬ ‫كعمل تاريخي على موضوع غير الموجود الخارجي الخالي من الصفتين‪.‬‬ ‫‪43 32‬‬

‫الفرق الوحيد هو أن الموضوع المقدر ذهنيا وغير الموجود خارجيا يكون في النظر أكثر‬ ‫تجريدا منه في العمل لكنهما يشتركان في مثاليته الذهنية‪.‬‬‫فالمقدر الذهني في النظر موضوع رياضي وهو في العمل موضوع تاريخي وكلاهما متخيل‬ ‫ذهنيا يبدع نماذج يعلم الموجود الخارجي النظري والعملي بتطبيقهما‪.‬‬‫فيكون علم الموجود الخارجي النظري والعملي مزيجا من المقدر الذهني اليقيني ومن‬ ‫التجربة الخالية من الكلية والضرورة لأنها استقرائية بالضرورة‪.‬‬‫ولهذه العلة كل علم موضوعه خارجي نظريا كان (كالفيزياء) أو عمليا (كالاقتصاد) لا‬ ‫يمكن أن يكون برهانيا وكليا بل هو احصائي دائما لتجريبية مادته‪.‬‬‫وبذلك تسقط نظرية المعرفة المطابقة والتحليلات الأواخر مع بقاء التحليلات الأوائل‬ ‫لأن مادتها مقدرة ذهنية وليست معطيات تجريبية من موضوع خارجي‪.‬‬‫ويسقط التاريخ التقليدي الذي يحكي أحداثا موجودة في الخارجي من دون مقدرات‬ ‫ذهنية في علم العمران البشري والاجتماع الإنساني وتطبق على الخارج‪.‬‬‫ولهذا جاءت المقدمة أكسيومية من جنس الاكسيومية الرياضية لكنها في العمل وليس في‬ ‫النظر ولم تتبين هذه الخصائص لأن صاحبها لم يفصلها عن التطبيق‪.‬‬‫وهي أشبه بأنساق الفيزياء النظرية التي فيها شيء من الموجود الخارجي منها بأنساق‬ ‫الرياضيات ليس فيها شيء من الموجود الخارجي بل كلها متخيلة‪.‬‬‫ثورة ابن خلدون لم تنقل الأدب إلى الفلسفة بل طور شكل الإبداع الأدبي من محاكاة‬ ‫التاريخ إلى إبداع نماذجه كما تبدع الرياضيات نماذج الطبيعيات‪.‬‬‫كان عمل الرجلين هو هذه الثورة التي حصرت صفتي العلم التام في الإبداع الرياضي‬ ‫الادبي واعتبرت علم الخارج الطبيعي والتاريخي تطبيقا لنماذجهما‪.‬‬‫وهي ثورة لم تكن واعية بذاتها لأن الثورات العلمية ليس أصحابها بالضرورة واعين‬ ‫بها‪ :‬العلم النظري والعمل العملي لا يحاكيان الوجود الخارجي‪.‬‬‫إنهما يبدعان نماذج نظرية يحاكيها علمهما التجريبي‪ .‬فعلم الطبيعية الخارجية نماذجه‬ ‫مبدعات رياضية وعلم الحضارة الخارجية نماذجه مبدعات أدبية‪.‬‬ ‫‪43 33‬‬

‫صحيح أن ابن تيمية لم يضرب إلا مثالين من المبدعات الذهنية رياضي ومنطقي‪ .‬لكنه‬ ‫لم يستثن عداهما‪ .‬وصحيح أن ابن خلدون لم يصف علمه مبدعا ذهنيا‬‫ونسب إليه صفتي المقدرات الذهنية التيمية‪ :‬الضرورة والكلية اللتين نفاهما عن علوم‬ ‫الخارج‪ .‬وإذن فعلم التاريخ البديل مقدر ذهني‪ .‬فهم ذلك كان عسيرا‪.‬‬‫لكن عدم فهمه يجعل ما قاله ابن تيمية وما أنجزه ابن خلدون لغزين يتعذر على‬ ‫الأبستمولوجيا اليونانية التي عمل بها فلاسفتنا قبلهما أن تفسرهما‪.‬‬‫لا يمكن بنظرية في المعرفة تقول بالمطابقة أن تفسر الفرق بين علم المقدرات الذهنية‬ ‫وعلم الخارج‪ .‬ففي حالتها يكون ‪ 2‬أولى من ‪ 1‬بتمام العلمية‪.‬‬‫لم يكن نقد ابن تيمية متعلقا بالتحليلات الأوائل بل الاواخر ولم يكن التاريخ جزءا من‬ ‫المنظومة الفلسفة فجعله الثاني منها بعد أن قلبها الأول‪.‬‬‫أعلم أن الكثير من أدعياء الحداثة لن يفهموا هذه الأمور وأن من يفهمها منهم لن‬ ‫يصدقها لأنها فعلا تبدو أمرا شبه مستحيل في عصرهما (‪8‬هـ‪14‬م)‪.‬‬‫كل من يريد تحدي هذه المحاولة عليه أولا أن يدرس الابستمولوجيا اليونانية وعلة‬ ‫كونها قائلة بنظرية المعرفة المطابقة وعلة اخراج التاريخ منها‪.‬‬‫فإذا فهم ذلك وقرأ ما حدث من انقلاب على الامرين في عملهما أمكنه حينها أن يجد‬ ‫نفسه أمام استحالة ابستمولوجية لفهم هذا الانقلاب بما تقدم عليه‪.‬‬‫وسيفرض عليه الانصاف إن كان محبا للحقيقة أن يعترف بأن الرجلين قاما ثورة غير‬ ‫مسبوقة وهي ما تزال سارية المفعول ولا فضل لي إلا في الانتباه إليها‪.‬‬ ‫‪43 34‬‬

‫الفصل التاسع من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" سيعالج مفارقة‬ ‫يعسر التفطن إليها من دون فهم وظيفة المقدرات الذهنية بصنفيها‪.‬‬‫رأينا أن علوم الملة قلبت العلاقة بين العالمين فلم تنته عما نهى عنه القرآن (الغيب) لوم‬ ‫تأتمر بما أمر به (علم الشاهد) وقاست الاول على الثاني‪.‬‬‫ثم أولت كل ما لا مثيل له في عالم الشهادة لترده إلى مثيل منه أو لتلغيه فصار العلم‬ ‫تعميما للشاهد الغفل والمعرفة العامية لأعراضه السطحية‪.‬‬‫وكانت علومها المساعدة مقصورة على اللغة والتاريخ لا تتعداها قبل أن يصبح أي منهما‬ ‫علميا خلطا بين قواعد تعلم اللغة وعلمها وبين الأثر والتاريخ‪.‬‬‫صحيح أنهم استعاروا من الفلسفة الذرية أولا ثم من الفلسفة المشائية ما اعتبروه علما‬ ‫نهائيا يؤسسون عليه ويستعملون مناهجه في الحجاج الكلامي‪.‬‬‫ومن مفارقات ذوي العجلة المعرفية توهم نظريات الفلسفة الذرية أو الفلسفة المشائية‬ ‫ومنهجياتهما قابلة لأن تكون مقدمات لعقائد الأديان المنزلة‪.‬‬‫فهذه النظريات مبنية على أن النوس‪-‬نظير الله في الأديان المنزلة‪-‬محايث في العالم‬ ‫الطبيعي لأنه هو نظام قوانينها وهي لا تقول بالحاجة إلى خالق‪.‬‬‫لذلك فهم يستعملونها لبيان الحدوث أو المخلوقية التي توجب وجود الخالقية فيكون‬ ‫العالم الحادث دليلا على الله الخالق‪ :‬قيس الغائب على الشاهد‪.‬‬‫المصنوعات تدل على الصانع تعميم للسببية واستثناء ما يسمى بالسبب الأول منها مدعين‬ ‫ضرورة قطع التسلسل في السببية‪ :‬الاستدلال يصادر على المطلوب‪.‬‬‫فالعلم الإنساني غير محيط وغني عن المطابقة مع الموضوع لأنه فن التعامل معه على ما‬ ‫يبدو عليه دون شرط شفافية الوجود ونفاذ العقل المطلقين‪.‬‬‫والدين عامة والإسلام خاصة مبني على أن العلم المحيط الذي يعلم الاشياء على ما هي‬ ‫عليه هو علم الله وحده وعلم الإنسان غير محيط وغير مطابق‪.‬‬ ‫‪43 35‬‬

‫وهذا هو مفهوم الغيب الذي يختلف عن مفهوم الغائب‪ .‬فالغائب نوعان‪:‬‬ ‫‪ .1‬غائب نسبي أي ما ليس بعد معلوما مما يقبل العلم‬ ‫‪ .2‬غائب بإطلاق لا يقبل العلم‬‫فحتى لو سلمنا أن النوع الأول يمكن أن يقبل قيسه على الشاهد أي قياس مستقبل العلم‬ ‫على ماضيه فإنه يفترض أن ما نقيس عليه علم مطلق وتام ونهائي‪.‬‬‫فنصل إلى مفارقة تنتج عن نفي الإحاطة وعدم قابلية الوجود للرد إلى الإدراك‪ :‬بدلا‬ ‫من قيس الغائب على الشاهد صار العلم يقيس الشاهد على الغائب‪.‬‬‫فالشاهد هو الموجود الخارجي‪ .‬وابن تيمية ينفي عن علمه صفتي الضرورة والكلية‬ ‫معتبرا إياه جزئيا دائما‪ .‬فما طبيعة الموضوع الذي يتصف علمه بهما؟‬‫أولا هو موضوع غير موجود في الخارج‪ .‬وثانيا هو ليس موضوع فعلي بل موضوع مقدر‪.‬‬ ‫إنه إبداع خيالي لا قيام له بذاته بل بذهن مبدعه وغائب في الخارج‪.‬‬‫هو إذن علم بنى مجردة ليست موجودة في الخارج بل وجودها هو تقديرها في الذهن وهي‬ ‫إذن تقوم في بنى رمزية خالصة تتعين بالتطبيق على موجود خارجي‪.‬‬‫الموجود الخارجي هو عالم الشاهد والمقدر الذهني هو عالم الغائب‪ :‬علم الموضوع الشاهد‬ ‫في الخارج يقاس على علم المقدر الغائب في الخارج‪ .‬قلب تام‪.‬‬‫العلم ليس قيس الغائب على الشاهد بل العكس هو الصحيح‪ :‬هو قيس الشاهد الموجود في‬ ‫الخارج على الغائب في الوجود الخارجي‪ :‬والغائب إبداع لبنى رمزية‪.‬‬‫هذه دلالة رؤية ابن تيمية في العلم النظري‪ :‬عكس القياس الكلامي‪ .‬وقياسا عليه تبين‬ ‫أن ابن خلدون قام بنفس القلب بالنسبة إلى العلم العملي‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن علم العمران البشري والاجتماع الإنساني ليس تاريخا يعلم الشاهد بل‬ ‫هو نموذج مثالي غائب في الوجود الخارجي يقاس عليه تاريخ الشاهد‪.‬‬‫وهو ما حيرني منذ السبعينات‪ .‬لذلك سميت أول كتاب في فكر ابن خلدون \"علم الاجتماع‬ ‫النظري الخلدوني\"‪ :‬فهو ليس علما للاجتماع الشاهد بل لمثاله‪.‬‬ ‫‪43 36‬‬

‫وقد قدمته موضوع \"\"شهادة التعمق في البحث ‪\"DRA‬المناظر لدكتوراه الحلقة الثالثة‬ ‫لكني تخليت عنه وفضلت كتابة رسالة في دور الرياضيات في علم أرسطو بالفرنسية‪.‬‬‫وفيها بينت أن أرسطو كان على عتبة الثورة التيمية لكن ما أعاقه هو تصوره الرياضيات‬ ‫علما لبنى المادة في الموجود وليست إبداعا ذهنيا خالصا‪.‬‬‫فلكأنها عنده ناتجة عن التجريد من الوجود الفعلي في الخارج وليست إبداعا فرضيا لبنى‬ ‫مجردة قد تقبل التطبيق على الموجود الخارجي دون مطابقة‪.‬‬‫إذا كان الوجود الخارجي لا يقبل العلم الكلي والضروري فما العلاقة بين هذين الصفتين‬ ‫وعلم التقدير الذهني الذي يقبلهما؟ ما العلة في ذلك؟‬‫ولماذا يحتاج علم الوجود الخارجي التجريبي إلى علم المقدر الذهني غير التجريبي؟ تلك‬ ‫هي المسألة التي حيرتني ولم ألمح الطريق إلى حلها إلا مؤخرا‪.‬‬‫فلأصغها أولا قبل بيان ما لمحته من حل ممكن لما شرعت في قراءة القرآن فلسفيا باعتباره‬ ‫موضوع علم وليس موضوع عقد‪ :‬وذلك سنة ‪ 2003‬في كوالالمبور‪.‬‬ ‫المسألة هي‪ :‬ما طبيعة اللقاء بين المعرفي والوجودي (والمعرفي منه)؟‬ ‫ما الذي يجعل بعض الموجود ينعكس على ذاته وعلى غيره ليدركه ويعبر عنه معرفيا؟‬‫كلنا يعلم أن اليونان طرحوا المشكل وأجابوا عنه جوابين متقابلين إلى حد التناقض‪ :‬حل‬ ‫أول‪ :‬لقاء المعرفة وموضوعها الوجودي هو ما بينهما من تماثل‪.‬‬‫الحل الثاني‪ :‬نقيضه لقاؤهما هو ما بينهما من عدم تماثل‪ .‬لكن لا الحل الأول بين فيم‬ ‫يتمثل التماثل ولا الثاني فيم يتمثل عدمه‪ .‬بقي المشكل مفتوحا‪.‬‬‫لما قرأت الآية ‪ 53‬من فصلت أصابني ما يشبه الذهول‪ :‬آيات الله في الآفاق والأنفس‪.‬‬ ‫فلا شك أن الآفاق والأنفس وجود خارجي بالقياس إلى المعرفة‪.‬‬‫فما طبيعة الآيات التي يرينا الله فيها لنعلم حقيقة القرآن الذي هو أيضا من الوجود‬ ‫الخارجي؟ إن الآية هي الرمز الدال على معنى ما هي آية فيه‪.‬‬‫آيات الله في الآفاق والأنفس رموز فيها بوصفها موضوعات ذات وجود خارجي‪ .‬وهي رموز‬ ‫دالة على حقيقة القرآن الذي هو موضوع موجود في الخارج‪.‬‬ ‫‪43 37‬‬

‫فإذا تذكرنا أن الإنسان اعتبر أهلا للاستخلاف لأنه تعلم الأسماء كلها وهي رموز اللقاء‬ ‫بين المعرفة كوجود يعود على الوجود الخارجي شرطا في إدراكه‪.‬‬‫المقدرات الذهنية هي التعامل مع الرموز وكأنها مرموزات وإبداع بنى مجردة منها في‬ ‫فرضيات كلها خيالية شرطها اعتبار الرموز نفسها موجودات اسمية‪.‬‬‫لذلك يمكن القول إن المقدرات الذهنية لعبة اسماء نبدع لها دلالات خيالية فتكون‬ ‫الرياضيات والآداب من الألعاب الاسمية كاليوتوبيا والميثولوجيا‪.‬‬‫والطبيعة والتاريخ وكل ما نعتبره وجودا في الخارج حالات خاصة منها فتلتقي معها في‬ ‫قوانين خفية تجمع بين الآيات وما هي آياته الدالة عليه‪.‬‬‫وبذلك بدلا من الانطلاق من التجربة نحو النظرية العلم الحقيقي ينطلق من النظرية‬ ‫التي هي لعبة أسماء إلى التجربة كحالة خاصة من قوانين الأسماء‪.‬‬‫وفي هذه الحالة نكون قد تخلينا نهائيا على وهم المعرفة المطابقة لنكتفي باعتبارها تعاملا‬ ‫ناجعا مع الوجود الخارجي بألعابنا الرمزية أو الاسمية‪.‬‬‫لكن هذا الحل قد يبدو مناقضا لموقفي من الاعجاز العلمي‪ .‬كيف أبني حل لمشكل‬ ‫ابستمولوجي عويص على ما أوحت به فصلت ‪ 53‬وأواصل نفي الاعجاز العلمي؟‬‫لا بد هنا من تعريف القصد بالأعجاز العلمي‪ :‬هو الوهم القائل أصحابه بأن القوانين‬ ‫العلمية المعينة للظاهرات معنية موجود في نص القرآن كقوانين‪.‬‬‫وهذا بالذات ما تنفيه فصلت ‪ .53‬فهي تقول إن معرفة حقيقة القرآن ليست في نص‬ ‫القرآن بل هي تطلب من آيات الله التي يرينها في الآفاق والأنفس‪.‬‬‫فالقرآن هو الذي ينفي الأعجاز العلمي للقرآن لأنه يدعونا للبحث عن القوانين العلمية‬ ‫عامة ولحقيقته هو خاصة في آيات الله في الوجود الخارجي‪.‬‬ ‫وهذا البحث يحتاج إلى أمرين‪:‬‬‫‪ .1‬المقدرات الذهنية وهي قدرة إنسانية على إبداع عالم اسمي خيالي يتعامل معه‬ ‫وكأنه مسميات بافتراضات بنيوية حرة‪.‬‬ ‫‪43 38‬‬

‫‪ .2‬ثم التجربة النسقية بأدوات تقنية تقوي الإدراك الحسي للوجود الخارجي‬ ‫انطلاقا من فرضيات تقيس مجرى الوجود الخارجي على مجرى المقدرات الذهنية‪.‬‬‫إدراك الآيات في الوجود الخارجي ليس إدراك لوجود خارجي بل هي بانطباقها عليه‬ ‫تكون القوانين المجردة للوجود الخارجي‪ :‬قيس الشاهد على الغائب‪.‬‬‫ذلك هو ما أذهلني‪ :‬المنهج العلمي يعكس منهج علم الكلام‪ :‬لا يقيس الغائب على الشاهد‬ ‫بل يقيس الشاهد (الوجود الخارجي) على الغائب (المقدر الذهني)‪.‬‬ ‫‪43 39‬‬

‫الفصل العاشر والأخير يكمل الجواب عن التعارض البادي من رفض الأعجاز العلمي‬ ‫والكلام على أمر في القرآن يمكن اعتباره منه‪ :‬ما طبيعة ما استمده منه‬‫واعتقد أن الجواب بيّن وسأقوله دون إطالة‪ :‬هل يمكن رد الفلسفة إلى القوانين العلمية‬ ‫المعينة والبعدية المشروطة بالبحث العلمي النظري التجريبي؟‬‫الفلسفة لا ترد إلى العلوم الجزئية البعدية‪ .‬هي فعل جامع بين الإبداعين الرياضي‬ ‫والأدبي الراقيين وهي قبلية بالضرورة‪ .‬هي شرط العلم وليست علما‪.‬‬‫تلك هي منزلة ما استمده من القرآن‪ :‬فهو عندي فلسفة دين أي فلسفة وجود وفلسفة‬ ‫تاريخ مبنية على نظرية المعرفة الحاصرة للمطابقة في علم الله‪.‬‬‫ميزت بين القول بالإعجاز العلمي والقول بفلسفة العلم ولأمر الآن إلى الغاية من هذا‬ ‫العمل لأختم بتحديد القصد من ضرورة تجاوز علوم الملة للاستئناف‪.‬‬‫ولأضف ملاحظة تخص النوع الثاني من الإبداع‪ :‬فمثلما أنه في النظر ينتج المقدرات‬ ‫الذهنية الرياضية فإنه في العمل يبدع المقدرات الذهنية التاريخية‪.‬‬‫ما يسمى بالأدب الواقعي هو من جنس العلم المبني على اعتبار ظواهر الأشياء الطبيعية‬ ‫هي حقيقتها فيكون تصور العلم استقراء لما يسمونه واقعا‪.‬‬‫والعلم لم يصبح ممكنا إلا بعد أن عكس العلاقة بين ما يسميه واقعا وما يسميه مثالا‬ ‫خياليا ومثله الأدب لن يصبح ممكنا إلا بنفس العكس بينهما‪.‬‬‫آدابنا تعاني من نفس التخلف في علومنا لأننا لم نفهم بعد أن العلم بحق في النظر والأدب‬ ‫بحق في العمل كلاهما يقيس الشاهد على الغائب وليس العكس‪.‬‬‫العلم والعمل كلاهما يبدع مثال الشاهد ليقيسه عليه وليس العكس إلا كبداية قبل أن‬ ‫نفهم أن ما نسميه واقعا مشهودا حالة سطحية من واقع لا مشهود‪.‬‬‫وهذه العلاقة ليس بالمعنى الأفلاطوني فالواقع اللامحسوس من إبداع قدرة التسمية عند‬ ‫الإنسان وليس وجودا مفارقا من جنس الوجود المحسوس وأكمل منه‪.‬‬ ‫‪43 40‬‬

‫فالله يبدع علمه بكن وبه يخلق العالم الطبيعي ومنه الإنسان الذي له القدرة والتكليف‬ ‫لإبداع علم وعمل ينتج بهما الحضارة بتعمير الأرض‪.‬‬‫ولا بد أن يتحقق مثال العلم والعمل في عالم الأسماء قبل أن يصبحا قابلين للتطبيق على‬ ‫\"الواقع\" الخارجي بقيسه عليهما دون رده إليهما‪.‬‬‫والسؤال‪ :‬ماذا يعني كلام القرآن عن إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤهم عن‬ ‫الأديان الطبيعية التي هي من مقدرات ذهنية من جنس علم الكلام؟‬‫هل \"المقدرات الذهنية أدبية كانت أو علمية\" تقتصر على وظيفة العلوم المساعدة كنماذج‬ ‫نظرية وعملية لعلم الآفاق والأنفس وتستثني الأديان الطبيعية‪.‬‬‫فتكون المقدرات الذهنية الكلامية \"إن هي إلا أسماء\" مثل الأديان الطبيعية لأنها قلبت‬ ‫فصلت ‪ 53‬وتجرأت على آل عمران ‪ 7‬وتلك علة رفضها من السلف؟‬‫كيف يوجد دين (الإسلام)يحدد الممكن وغير الممكن في العلم والعمل فيجعلهما عبادة‬ ‫وأداتي استعمار الأنسان في الأرض وظيفة وبقيم الاستخلاف خلقا؟‬‫ذلك هو ما اعتبره الدليل القاطع على صحة هذا الدين لأنه يعتبر الإنسان بكيانه‬ ‫ونظره وعمله متميزا بهما وبالقيم المحررة من اخلاده إلى الأرض‪.‬‬‫وقد اعتبر الحجة الحاسمة الدالة على أهليته للاستخلاف‪-‬في المشهد الحواري التأسيسي‪-‬‬ ‫قدرته على تسمية كل شيء من العالم الخارجي لاختبار أهليته‪.‬‬‫واختبار أهليته مشروط بحريته وبتجهيزه لأن يكون مسؤولا عن نجاحه أو فشله‪\" :‬الم‬ ‫نجعل له لسانا وشفتين ‪-‬الكلام‪-‬وهديناه النجدين‪-‬للسلوك\" وعلاماتهما‪.‬‬‫والعلامات هي التي تبين أنه قدر على التخلص من التاريخ الطبيعي‪ :‬فيلغي العبودية‬ ‫ويتقاسم الرزق مع المحتاجين وهما شرطا الأخوة البشرية والمساواة‪.‬‬‫وعدم التخلص من التاريخ الطبيعي هو ما لأجله اعتبرت الملائكة آدم في الحوارية‬ ‫التأسيسية \"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء\" نافين أهليته‪.‬‬‫ولهذه العلة كانت أدلة القرآن على الحكمة الإلهية مبينة على النظام الطبيعي المحقق‬ ‫للشروط الخارجية وبتحميل الإنسان فضل نجاحه أو مسؤولية فشله‪.‬‬ ‫‪43 41‬‬

‫وما يزيدني حيرة هو أن ابن تيمية لا يعترف بخاصية الضرورة والكلية إلا للمقدرات‬ ‫الذهنية وللمعتقدات الدينية التي اعتبرها صحيحة‪ :‬فماذا يعني ذلك؟‬‫هل معنى ذلك أن \"المقدرات الذهنية\" النظرية والعملية التي هي ليست علما لموجودات‬ ‫خارجية مثل المعتقدات الدينية الصحيحة مقومة للإنسان كفطرة؟‬‫هذا هو الحل الوحيد للاشتراك في الكلية والضرورة بين المقدرات الذهنية التي قدم‬ ‫منها مثال الرياضيات والمنطق والمعتقدات الدينة الصحيحة‪.‬‬‫وإذن فهو يمزيهما بالفطرية عن العلم والعمل المتعلقين بالوجود الخارجي المحتاجين‬ ‫للاكتساب والتجربة المقيس عليهما بعكس القياس الكلامي‪.‬‬‫فلماذا يضرب مثالي الرياضيات والمنطق عما سماه مقدرات ذهنية ولم يذكر من بينها‬ ‫المعتقدات الدينية الصحيحة والفطرية رغم الاشتراك في الصفات؟‬‫مشكل لم أجد له حلا في عمله رغم أن الحل الديكارتي يقرب منه‪ :‬فعنده أن كل الحقائق‬ ‫فطرية وليست مكتسبة وأنها هي أساس المكتسب من العلم والعمل‪.‬‬‫وأكثر من ذلك فعنده أن الاعتقاد في وجود الله شرطها جميعا انطلاقا من المقابلة بين‬ ‫تمام صفاته الذي يفترضه التضايف مع عدمه عند الإنسان‪.‬‬‫ولا يستثنى من صفات الإنسان إلا الإرادة التي يعتبرها لامتناهية وهي ما يمكن أن‬ ‫نعتبره رمز الحرية التي تبنى عليها المسؤولية أو التكليف الديني‪.‬‬‫وبقية الصفات‪-‬العلم والقدرة والحياة والوجود‪-‬فهي كلها ناقصة بالقياس إلى مثال مطلق‬ ‫منها ينسبه إلى الله وينفيه عن الإنسان المحتاج إلى التجربة‪.‬‬‫فكان يعتبر الحاجة إلى التجربة لمعرفة الوجود الخارجي من علامات نقص صفات العقل‬ ‫والقدرة والحياة والوجود الإنسانية‪ :‬شرط المعرفة المكتسبة‪.‬‬‫لكن ابن تيمية يعتبرها من ضرورات التواضع الإنساني لأن علمه وعمله لو كان غنيا عما‬ ‫يشده لما يتجاوزه رغم كونه ينتسب إلى الحس لادعى الألوهية‪.‬‬‫فنصل إلى أهم اسرار الوجود‪ :‬فما موضوع للإدراك الحسي في الوجود الخارجي وفي‬ ‫الذات مهما كان تافها فيه من الغيب ما لا يمكن للعقل الإحاطة به‪.‬‬ ‫‪43 42‬‬

‫ولهذه العلة يبقى علمه للوجود الخارجي ناقصا دائما لعدم الإحاطة وهو بالضرورة علم‬ ‫إحصائي خال من الكلية والضرورة ووظيفة المقدرات مده بالنماذج‪.‬‬‫ولأختم هذه المحاولة بتصنيف نوعي العلم والعمل‪ :‬الفطري والمكتسب‪ .‬والاول فيه‬ ‫المعتقدات الفطرية والمقدرات الذهنية والثاني كل العلوم التجريبية‪.‬‬‫والمعتقدات الدينية وحي خالص والكلام تحريفها والمقدرات الذهنية عقلية خالصة ولا‬ ‫دخل للتجربة فيها والتجريبية كلها احصائية دائمة التكامل‪.‬‬‫وأنا أضيف لهذا التصنيف التيمي المقدرات الذهنية الأدبية التي هي إبداع نماذج العمل‬ ‫وليس العلم والقرآن حدد نوعها في شرط الشعر المقبول‪.‬‬‫فالتطابق بين قمة القول(الشعر) وقمة الأخلاق (الفعل) هو معيار الإبداع الذي يمثل‬ ‫القيم الخمس‪ :‬الجلال والجمال والحقيقة والخير والحرية (فطرة)‪.‬‬‫آمل بهذا أن يفهم الشباب أن سعي كاريكاتور التحديث إلى إيهام الناس بأن الحقيقة‬‫الدينية لا وجود لها وأن الأديان إيديولوجيات دليل قصور عقولهم وأنهم بهذا الموقف‬‫دون كاريكاتور التأصيل فهما للدين ولوظيفته رغم أن هؤلاء يعتمدون على علوم مزيفة‬ ‫بنوها على قلب فصلت ‪ 53‬وتجاهل آل عمران ‪.7‬‬‫لكن الإسلام بين مجال المعرفة العلمية والعملية وبين حدود المعرفة الإنسانية فخلصنا من‬ ‫شرطي الطاغوتين‪ :‬سلطة وسيطة روحيا وسلطة ومستبدة سياسيا‪.‬‬ ‫‪43 43‬‬





‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook