أبو يعرب المرزوقي الأسماء والبيان
المحتويات 1 61014182227313540
هل اعتباري علوم الملة علوما زائفة يعني أني من القائلين بدفن التراث وعدم اعتباره جزءا لا يتجزأ من عملية بناء المستقبل؟ ذلك ما فهمه بعض القراء.ولا بد هنا من طرح سؤال واضح :هل تجاوز الفيزياء الحديثة فيزياء أرسطو يعني أن علينا أن نلغيها لأنها لم تعد صالحة كفيزياء؟ أم إن لها بقاء آخر؟ولنبدأ أولا فنعترف أنه لا يوجد عاقل يقضي بأن فيزياء أرسطو هي الفيزياء الصحيحة وأن الفيزياء الحديثة ليست بشيء فيبقي عليها وعلى أدوات علاجها.لكن ذلك لا يعني أنها ليست جزءا مقوما من الفكر الفيزيائي في تاريخ العلم ومن ثم فهي لم تعد فيزياء صالحة لكنها تبقى مرحلة مهمة من تاريخ فكرها.وتاريخ العلم وظيفته أن يبحث في علة كونها لم تكون الفيزياء التي تحقق غرض البحث في الفيزياء بصورة تجعله علما فظلت فيزياء أرسطو دون العلم بحق. هل يوجد من ينكر فضل ارسطو مع ذلك؟كل ما في الأمر أن تاريخ العلم نقدي بالجوهر-ككل تاريخ -همه درس الفكر الماضي ومناهجه لفهمه وفهم شروط تجاوزه.والقصد هو الجواب عن السؤال الجوهري لتاريخ العلم :ما الذي حصل في الفكر الفيزيائي فأعاقه لتجاوز فرضياته الأولى وطرق بحثه فلم يصبح علما؟وبهذا المعنى فتاريخ العلم جزء مقوم للفكر الابستيمولوجي أي لنظرية المعرفة العلمية إشكالات وحلولا وطرائق وأدوات. ذلك ما أحاوله مع علوم الملة.أكون غبيا لو كنت أنكر فضل الشافعي في تأسيس أصول الفقه .وأكون أغبى لو تصورت أن ذلك هو أصول الفقه الذي يحقق وظيفته التي هي عين فلسفة القانون. 43 1
وحينها نجد أنفسنا أمام نفس الإشكالية التي رأيناها في فيزياء أرسطو :فإما أن اعاند فأقول أصول الشافعي نهائية ومطلقة أو أبحث عن شروط التجاوز.صحيح أن فيزياء القرون الوسطى بقيت عقيما لأنها ظلت متشبثة بفيزياء أرسطو حتى إن ابن رشد رفض كل ما عداها وعدها غير علمية فحال دون التجاوز.ويمكن القول إن ابن رشد (فقه متفلسف) والرازي (متكلم متفلسف) والسهرودي (متصوف متفلسف) وابن عربي (متصوف متكلم) قتلوا إعادة التأسيس الغزالية.ففي مقدمات التهافت بين أن نقده لا يتوجه للرياضيات والمنطق لأنهما علميان بحق بل يقتصر على الميتافيزيقا وفرضياتها فإنه اعتبره كافرا بـ\"العقل\".ولا يزال أدعياء الحداثة إلى اليوم يقولون إن الغزالي قد قتل الفلسفة و\"العقل\" .لم يفهموا أنه كان يبحث عن بداية جديدة لإدراكه طرقها المسدودة.إن \"حداثيينا\" أكثر تخلفا من \"تقليديينا\" :يعتبرون فكر المعتزلة وفلسفة ابن رشد عقلانيين بمعنى مطلق بدلا من فهم أن العقل يتجاوز نفسه دائما.لكني لم أركز في عملي على \"الحداثيين\" لأن دورهم على خلاف توهمهم لا أثر له يذكر في المعرفة اي معرفة ودورهم لا يتجاوز دور تجار الروبافيكيا.ويحزنني كلام التقليديين على \"علوم الملة\" أي واحد منها وهي خمسة أصولية (أصلها التفسير وفروعها الكلام والفلسفة في النظر والفقه والتصوف في العمل).وقد عبرت عن ذلك بوضوح في حواري مع الشيخ البوطي :يتلكم على أصول الفقه ويجهل أنه لا توجد دولة مسلمة اليوم بما فيها السعودية تعمل به وبالفقه.صحيح أن الظاهر يخالف ما أقول :لكنه في الحقيقة من جنس دجل \"خبراء\" البنك الإسلامي .يأخذون البنك عامة ثم يتحيلون بالفتاوى ليبعثوا معان ميتة. فبناء اقتصاد حديث يحتاج للفصل بين خمسة مقومات: .1مستهلك ممكن .2فكرة تسد حاجته .3تمويل للاستثمار فيها 43 2
.4العمل المحقق .5ادارة توحد المشروع.وهذا التعقيد والبنية العضوية مقومة للدولة الحديثة كجهاز معقد يعمل بتفاعل الإبداع العلمي والاقتصادي بتوسط التقني للإنتاج المادي والرمزي.وكل ذلك لا وجود له في الرؤية الاقتصادية والعلمية التي يراد حصر العمل البنكي فيما كانت تعرفه من عقود كلها خاصة ليس لها هذا الجهاز المعقد.فهل ننظم المواصلات والاتصالات الحديثة بنظام الحمام الزاجل والخيول في التواصل والاتصال :هل يوجد عاقل يفضل فيزياء أرسطو على فيزياء نيوتن؟وهذه الطريقة تعطل النمو وتفسد وظيفة البنك دون أن أنفي أن النظام البنكي بحاجة إلى \"دوزة\" خلقية تستمد من الرؤية الإسلامية لوظيفة الاقتصاد.لم أر فيما يسمى بالبنك الإسلامي هذه الدوزة الخلقية بل بالعكس هم حافظوا على أخلاقياته الحالية ثم عطلوه بإفساد الفصل بين الممول والمستثمر.وما توهموه محررا من الربا صار أكثر ربوية لان جعل العلاقة مباشرة بين المستثمر والممول يلغي دوريهما بما يفرضه عليهما من الجمع بين الوظيفتين.وهو ما يعني أن هذه الرؤية قاصرة لأنها تتصور الملكية ينبغي بالضرورة أن تكون عينا لا نقدا .وهذا كان صحيحا لما كانت العملة ذات قيمة ذاتية.فعندما كان للذهب والفضة دور العملة اي رمز مقدار الملكية كانا في نفس الوقت ملكية. فلها دوران .أما العملة الورقية فهي مجرد رمز لتقدير الملكية.ودورها في تمويل الاستثمار برمزيتها للملكية وليس بذاتها فيكون دورها بقدرتها الرمزية على تمثيلها .فتكون من أدوات الإنتاج عند المستثمر.فإذا طالبنا من الممول أن يصبح مشاركا للمستثمر بأن بجعله مالكا لأدوات انتاجه يؤجرها له بدلا خلطنا بين الوظيفتين فعطلناهما بصورة غبية.لم يبق البنك وسيطا بين المدخرين على العموم والمستثمرين على العموم بل أصبح مالكا مشاركا للمستثمر وليس وسيطا بضمانة بين التمويل والاستثمار. 43 3
وساطة البنك بين المدخرين على العموم والمستثمرين على العموم لا تعني أنه أصبح شريكا للمستثمرين بل هو ضامن حسن التصرف في الادخار بالضمانات.جعل المدخرين طرفا في الاستثمار وليسوا مقدمي خدمة بمقابل هو الذي يعطل الادخار والاستثمار لإلزام المدخرين بان يكونوا طرفا فيه ربحا أو خسارة.وهذا لا يزيل الربوية بل يضاعفها :لأن صاحب المال سيعيد حسابه وسيضاعف قسطه من الربح ويضاعف ما يطلبه من الضمانات مقابل إمكانية فشل المشروع.وهو ما يزيل أهم عناصر العملة الاقتصادية :ففيها يكون المستثمر مغامرا مغامرة محسوبة وحقه أن يكون مسؤولا ومنتفعا وحده من مغامرته الاستثمارية.فيكون قد تحمل مسؤولة ما اقترضه بمقابل محدد سلفا وتحمل البنك ضمانة القرض ولا دخل له في الربح ولا في الخسارة حتى تكون العملية ذات نجاعة.وختاما فالبنك الإسلامي يجعل المعاملات وكأنها تجري بنظام المقايضات العينية لا بنظام الوسيط الرمزي بين البضائع والخدمات :العملة كأداة تقييم.ومدح للنظام البنكي الإسلامي توظيف سطحي لإضفاء الشرعية :نظام البنك هو الوساطة في \"بيع\" خدمة لا المشاركة في إنتاجها :هو تجارة خدمية وليس ربا.زبدة القول إن البنك الإسلامي لم يضف إلى الخدمات البنكية الدوزة الخلقية الإسلامية بل هو نكص بالاقتصاد إلى منطق المقايضة :تعطيل وليس أخلاقا. بماذا يمكن أن تتعلق الدوزة الخلقية التي يحتاج إليها النظام البنكي؟ ما ظنوه أسلمة هو إطلاق سلطان البنك الذي أصبح شريكا مع الضمانات.والشراكة مع الضمانات خداع تام للمقترض :فالبنك الإسلامي بالضمانات يدخل في الربح ويخرج من الخسارة .ومن ثم فهو أكثر ربوية من البنك العادي.والأمر يتعلق بسلطان البنك على الاستثمار الذي اقترض صاحبه من البنك تمويله: فالبنك تاجر خدمي بضمانة عينية حاصلة ومن ثم فلا مغامرة في تجارته.لكأن العملية رهن مؤجل إذا لم يدفع المقترض ما به اشترى الخدمة يكون من حق البنك أن يبيع المرهون ليحصل ليسترد ماله ومقابل تأجيره من ثمنه. 43 4
وإذن فلا دخل له في الربع ولا في الخسارة .في حالة البنك الإسلامي يصبح البنك هو المستثمر الرابع دائما والخاسر دائما هو المستثمر المقترض منه.وهنا يأتي دور الأخلاق :لا بد أن نطبق على تمويل الاستثمار نوعين من القيم الخلقية: ما ينطبق على التجارة عامة وعلى تجارة الخدمة المالية خاصة.وأخلاق التجارة معلومة :وهي كل ما يحول دون التطفيف بنوعيه والغش بنوعيه في البضاعة والخدمة وفي التعاقد حولها .أما أخلاق الخدمة المالية فاشد.فالنسبة بينهما كالنسبة بين القانون المدني والقانون الجنائي .الأول تعاقدي بين طرفين بشروط التعاقد لكن الثاني للحق العام فيه دخل كبير.فتجارة خدمة التمويل تهم كل التنمية لأنها شرط الاستثمار عامة وهو مصدر الثروة والتراث لأنه أصل الرعاية (شروط العيش) والحماية (شروط الدفاع).النظام البنكي ينبغي أن يتبع مباشرة استراتيجية التنمية المادية والعلمية في الجماعة وظيفته جعل هذه الخدمة تشجيع مبدعي الأفكار ومستثمريها.وهذا هو المعنى الأول لخلقيته والمعنى الثاني هو منعه من أن يتحول إلى نظام تحيل على ضمانات المستثمرين وتخريب الاقتصاد بتمويل المغامرين. 43 5
في الفصل الثاني من ضرورة تجاوز علوم الملة سأعلل فيه اختياري البدء بأصلها أعني التفسير .وعلي أن أبين لم أعتبره أصل علوم الملة وبأي معنى.لما شرعت في قراءة القرآن فسلفيا بمعنى التعامل معه كما يتعامل العلم مع أي موضوع اختاره ليكون مجال بحث دقيق بنموذج نظري فرضي استنتاجي أولي.وهو أولي لأن العلم يتقدم دائما بمراجعة النموذج الذي بدا به محتكما إلى قوته التفسيرية وله قبلتان :نتائج النموذج التفسيري غاية ومقدماته بداية.فانطلقت من مبدأ التعامل مع القرآن مثله مثل أي حقيقة موجودة بهذه الطريقة العلمية قبل استنتاج علوم الملة منه كما حصل تاريخيا :مرجعية عقدية.ذلك أن العلوم التي أسست على القرآن :التفسير والفروع الأربعة أصول الفقه والفقه وأصل التصوف والتصوف وأصول العقيدة والعقدية واصول الفكر والفكر.الفروع الثلاثة الاولى بينة للجميع .الأصل الرابع هو المشكل .لو سميته فلسفة لظن أن الفلسفة بمعناها التقليدي من علوم الملة .وهي ليست كذلك.وما هو من علوم الملة ويعوض الفلسفة هو ما انتهى إليه الموقف النقدي من الفلسفة باعتبارها دخيلة على علوم الملة وهي محاولات وضع نظرية المعرفة.وقد سميتها هنا اصول الفكر والفكر قياسا على الفروع الثلاثة المتقدمة عليه بأصول الفقه والفقه وأصول التصوف والتصوف وأصول العقدية والعقيدة.وقد قدمت أصول العلم على موضوعه :صحيح أن الفقه كممارسة متقدم على اصوله كنظرية لكنه لم يصبح \"علما\" إلا بعد وضع أصوله (بعد كتاب الشافعي).ومعنى ذلك أن المذهبين المتقدمين عليه لم يكن لهما الاساس النظري الذي لم يتحقق إلا مع الشافعي وبه يبدأ العلم تأصيلا نظريا للممارسة عملية.وقس عليه بقية الفروع .وما يعني تخصصي هو الفرع الاخير أي نظرية المعرفة التي تحاول تجاوز الفلسفة اليونانية بتأسيس صريح بدأ مع الغزالي. 43 6
وبداية الغزالي على احتشامها حددت الوجهة :ما شروط العلمية وما حدودها التي تقبل التحقق منها (جوهر التهافت لمن لا يهمل مقدماته الأربعة الصريحة.وقد تحققت ثمرة هذه البداية رغم ما يبدو من علاقة متوترة بين صاحب البداية وصاحب الغاية في النقد التيمي ليس للمنطق بل لأسسه الميتافيزيقة.وطبقت فعليا في مقدمة ابن خلدون التي ينطلق صاحبها من ابستمولوجية جديدة جعلت التاريخ يصبح من العلوم الفلسفية وجعلت العلوم كلها تاريخية.والعلوم ليست تاريخية بنتائجها بل بكون موضوعها هو نفسه صار تاريخيا لأن كل علم يحدد موضوعه بـ\"خلقه\" من خلال رؤية تكون دائما حصيلة تاريخية.فابن خلدون مثلا \"خلق\" موضوع علم التاريخ لأنه جعله علم نقد الخبر المتعلق بأبعاد العمران كلها بزمانيتين وليس كلاما في تاريخ الأسر الحاكمة.الزمانية القصيرة وهي تعنى بتعاصر الأحداث في حقب قصيرة والزمانية المديدة وهي تعنى بتواليها في حقب طويلة لأن التغير نوعان :سريع وبطيء.والتغير البطيء أهم من التغير السريع .فالسريع يهم لحظة من تاريخ معين والبطيء يهم تاريخ الإنسانية كلها أو تاريخ تراكم خبرة توالي الحضارات.لكأن ابن خلدون أثبت أن فلسفة التاريخ سابقة على علم التاريخ لأنها هي التي تؤصل له فتجعل الانتقال من التحسس المعرفي إلى العلم ممكنا بحق.وطبعا فبسبب تواضعه لم ينسب ابن خلدون التاريخ المديد لنفسه بل اعتبر المؤرخين الكبار قبله أرخوا للميزات الحقب الطويلة .لكن اكتشافه تجاوزهم.فهو الأول الذي اعتبر التاريخ المديد شرط التاريخ القصير لأنه هو الذي يمده بدلالة الأشياء :مثال المعلم .دور الحجاج لا يعود لكونه معلما.توهم الدور ناتجا عن كونه معلم يجعل المعلم في عصر ابن خلدون يتوهم أنه يمكن أن يكون له دور الحجاج .دور الحجاج من عصبيته وليس من علمه.والعكس كذلك :من كان في عصبية ذات سلطان فعلي يتوهم أنه بعد أن تفقد ذلك السلطان يبقى له ما لها من عزة ودور .فشل على وأبنائه ضد بني أمية. 43 7
فسلطانهم كان بسبب القرابة من الرسول وليس بعصبية ما تزال ذات فاعلية .ومن ثم فبنو أمية بعصبية جديدة تغلبوا على من فقد العصبية وبقي له وهمها.وله مثال آخر أكثر دلالة :فالمدل بنفسه لأنه علامة يتصور أن ذلك يكفي لأن يكون ذا منزلة في السلطان السياسي .وهو خلط بين سلطانين مادي ورمزي.ولا أحد منا اليوم لا يعجب أن العالم مهما كان عبقرية فلا يمكن أن يتجاوز سلطانه بالتقدير المالي ما يحصل عليه من إبداعه أكثر من جائزة نوبل.لكن أي لاعب كرة شهير يحصل على أضعافها في عقد واحد .ومثله من يوظف نظرية المبدع في مشروع اقتصادي أو في فلم إذا الإبداع أدبيا :هو المستفيد.وفي الجملة فإن المبدعين الكبار لا يستفيدون من إبداعهم إذ قد لا تظهر فائدته إلا بعد قرون .لكن تجار توظيف المعرفة قد يستمدون منه رزقا كثيرا.وهذه الأمور لم يتوصل إليها ابن خلدون إلا بفضل فهمه للدلالة العميقة بين نوعي التاريخ :القصير والمديد :الدلالة أي موضوع العلم بطيئة التغير.وهذا هو المرض الأساسي الذي تعاني منه علوم الملة :ظنوا الدلالة ثابتة خلطا بين وهم العلم النهائي وما ينبغي أن يكون عليه العلم بتغير الدلالة.يمكن ان نعتبر الطبيعة ثابتة لكن دلالتها في العلم غير ثابتة .ويمكن أن نعتبر القرآن مثل الطبيعة ثابتا .لكن دلالاته غير ثابتة بل متغيرة دائما.ودلالات علوم الملة كلها مثبتة ومن ثم فقد جمدت وتحنطت مثل المومياء :تتكلم على الموجود وكأنه ثابت فيما ثبته عليه كلامهم ظنا منهم انه نهائي.القرآن رسالة خاتمة ومن ثم فيمكن اعتباره مثل الطبيعة حقيقة ثابتة .لكن علمه يعطيه دلالات غير ثابتة تنتج عما يستنتج من فهمه بمقدماته ونتائجه.ومقدمات علم القرآن-رغم أن القرآن عقيدة دينية-لا ينبغي أن تكون عقدية .ونتائجه علمية ولا ينبغي أن تكون عقدية لأن وظيفتها فهمه وما يستمد منه.وبهذا المعنى سميت محاولتي قراءة القرآن فلسفيا لدرسه العلمي بما عرفت به القرآن تعريفا مستمدا منه هو :استراتيجية توحيد البشرية بالحريتين. 43 8
الأولى :تحرر الفرد الإنساني روحيا من الوسطاء بينه وبين ربه (السلط الروحية كالكنيسة) والثانية الجماعة الإنسانية من حكم يعلو عليها عدا ربها.وما يعلو على الجماعة ليحكمها عدى ربها هو المستبد إما باسم الحق الإلهي (مثل الشيعة: شرعية الوصية) أو باسم الحق الطبيعي (السنة شرعية المتغلب).لكن الثورتين ألغيتا لأن القراءات السطحية والأولية حولت القرآن إلى مدونة تؤسس لعلوم زائفة تسد الحاجات الأولية لمجتمع لم يفهم معنى الحريتين.وما كان ثورة تحرير مضاعف روحي وسياسي تحول إلى مدونة من الأحكام الفقهية والصوفية والكلامية والنقدية المعادية للفكر الحر إلى ما ينقضهما كليا.وذلك هو ما سميته الانتقال من الدستور (عهد الراشدين) إلى حالة الطوارئ بعد الفتنة الكبرى (منها إلى اليوم) :تعطيل الدستور وإلغاء الحريتين. 43 9
في الفصل الثالث من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" فلنحرر المقصود بأنها لم تعد صالحة دون أن يكون هذا الحكم دعوة للتنكر لوجودها.فيم تتمثل عدم الصلوحية وفيم يتمثل تجاوزها دون التفصي منها لأنها من مراحل تكوينية فكرنا الذي لا يكون فكرا حيا إلا بتجاوز ذاته تجاوزا دائما.فبعد أن بينت كيفية دراسة القرآن علميا بوصفه استراتيجية توحيد الإنسانية بتحريرها مما يحول دون الإنسان وأهلية الاستخلاف أمر إلى العلوم الأخرى. وهي اربعة علوم: .1أصول الفقه والفقه .2أصول التصوف والتصوف .3أصول العقائد والعقائد (علم الكلام) .4أصول نظرية المعرفة والعلم (نقد الفلسفة).والثلاثة الاولى منها لم تعد صالحا بإطلاق إلا كموضوع لتاريخها العلمي ومحاولة فهم أعطالها وشروط تجاوزها وقد قست ذلك على تجاوز فيزياء أرسطو.والرابع ما يزال صالحا مطالبا وأهدافا لكنه الطريقة التي حاول بها العلماء وضعها لم تمكنهم من جعلها تصبح علوما لأنها ظلت حبيسة الجدل الكلامي.والقصد بـ\"حبيسة الجدل الكلامي\" يفيده فكر ابن تيمية .فالشيخ طرح القضايا الأساسية لنظرية المعرفة التي كانت ردودا ظرفية فلم تصبح فلسفة موجبة.ورغم أن ابن خلدون حقق قفزة نوعية في محاولة صوغ ثمرة النقد إيجابيا فإنه استفاد منها في عمله لكنه لم يتحرر من الرد المقتضب لتصبح نظرية معرفة.والأهم من ذلك كله أنه لم يبين علاقتها بما حققه في منجزه العلمي :لم يبين دلالة بيان حدود العقل والتمييز ممكن العلم وغير ممكنه وتجاوز المطابقة. 43 10
فلا يكفي القول إن الوجود لا يرد إلى الإدراك وتعليل ذلك بالكلم وليس بالكيف: الوجود أوسع من الإدراك كميا وليس كيفيا لأنه لم يعلله بأمر جوهري.والأمر الجوهري هو اقتصار العلم الإنساني على عالم الشهادة ومن ثم الاعتراف بالغيب في الوجود أو بما يجعل الإحاطة ممتنعة ببيان حدود العلم.وذلك هو شرط الانتقال من نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة بين العلم وموضوعه إلى الوظيفة النموذجية للنظرية التي لا تتجاوز صوغ ما يقبل التجربة.وهذا في الحقيقة جوهر الفرق بين الفلسفة والقديمة والفلسفة الحديثة التي تبنت في النهاية حدا للعلم علته تمييز الدين بين علم الله وعلم الإنسان.علم الله في كل الأديان محيط وعلم الإنسان في كل الأديان غير محيط وهو معنى الإيمان في مقابل العلم .والفلسفة تكتفي بأمرين يمزانها عن القديمة.لما لم تعد تقول بالمطابقة تخلت عن جعل علم الإنسان محيطا دون أن تؤمن بوجود علم محيط تنسبه إلى الله كما يقول الدين :سلمت بنسبية علم الإنسان.وطبعا يوجد فلاسفة يؤمنون بوجود الله ومن ثم بعلمه المطلق والمحيط .لكن ذلك ليس ضروريا في صحة نظرية المعرفة :المهم التسليم بحدود علم الإنسان.إيمانهم بالله وبعلمه المحيط يجعل معنى العلم النسبي مفهوما .فالنسبي من دون وعي صاحبه برديفه المطلق يكون مطلقا للتضايف بين المعنيين.لكن ذلك ليس له دلالة ابستمولوجية (معرفية)بل دلالته انطولوجية (وجودية): فالفيلسوف حتى لو كان ملحدا يكفيه أنه فهم امتناع إحاطة علم الإنسان.وإلحاده علته أنه يمر من نفي الإحاطة على علمه إلى نفيها بإطلاق ونفي الله نفسه غافلا عن كونه قد أطلق علمه لإهمال التضايف بين النسبي والمطلق.لا يمكن للإنسان أن يدرك عدم إحاطة علمه من دون فهم أن ذلك غياب فضل على علمه وبتعميمها على صفات الإنسان أثبت ديكارت كمالات الله ووجوده.وانطلاقا من هذه الرؤية الجديدة لعلم الإنسان -وهي قرآنية خاصة وعلامتها الغيب- يمكن التخلص من جمود علوم الملة التي بنيت على نظرية المطابقة. 43 11
فجمد العلم وجمد المعلوم لتوهم العالم علمه مطابقا لموضوعه الذي فقد دور النبع الحي فيصبح العلم استعراضا لمحفوظات منفصلة عن دلالات حيةودلالات الموضوع في وعي المسلمين هي إيحاءات القرآن نبعا لا يتوقف خطابه لمتدبريه بآياته الدالة على حقيقته في الآفاق وفي الأنفس (فصلت .)53لكن علماءنا لم يبحثوا عن حقيقة القرآن حيث عينها-آيات الله في الآفاق والأنفس- اكتفوا بفنون قلبت المطوب إلى نقيضه بالجرأة على آل عمران .7تركوا المأمور به (فصلت )53واهتموا بالمنهي عنه (آل عمران )7فكانت النتائج هي ما توقعه القرآن نفسه :مرض القلب وابتغاء الفتنة فصار البلسم سما.وبمعنى فصلت 53يكون موضوع اصول الفقه والفقه ليس القيس على الاحكام الواردة في القرآن بل على العلاقة بينها ودلالاتها في الآفاق والانفس.فتكون القيم التي بها تحدد قانونية القانون هي الشريعة لا الأحكام .فهذه أمثلة تحققت فيها قيم قانون العدل المطلق المستحيل بالطبع على الإنسان.واستثني من كلامي الرسول لأن الله أطلعه على بعض الغيب الذي هو عادة ومحجوب حتى عليه .فيكون بوسعه أن يحكم بالعدل المطلق الممكن لله وحده.وقوله هو نفسه \"نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر \"تعني أن الحكم لا ينبغي ان يكون مطلقا لأنه بقدر العلم الذي يؤسسه وهو نسبي :تنسيب الأحكام.فلا يبقى منها إلا معياره الخلقي لتكون متصفة بالقوانين التي تسعى لتحقيق العدل مع العلم بنسبية ما نبني عليها من علم يحد من إطلاق الأحكام.فإذا جعلنا الاحكام هي الشريعة بديلا من الأخلاق والعلم اللذين يؤسسان لحكم الإنسان الذي هو نسبي دائما فكأننا اعتبرنا أحكامنا مطلقة كأحكام الله.فيتبين أن أصول الفقه والفقه قد تأسسا على قلب دلالة فصلت 35والجرأة على آل عمران 7ظنا أن علمنا وحكمنا يمكن أن يقاسا على علم الله وحكمه.حكمنا بالظاهر لا ينبغي أن يكون من جنس الحكم بالسرائر التي لا يعلمها إلا الله :والعلم بالظاهر نسبي دائما ومن ثم فالحكم ينبغي أن يكون مثله. 43 12
وهذا يعني أن القرآن لم يقدم الحدود وأحكامها لكي نقيس عليها بل لكي نقيس على الأخلاق التي يتصف بها الحكم ليكون متصفا بصفة القانونية الشرعية.لكن اصول الفقه والفقه انبنى على القياس وحتى على ما هو أدهى المقاصد مهملا دلالة فصلت 53ومتجرئا على دلالة آل عمران 7فكان قاصرا وظيفته.ويكذب من يدعي أن الأمة سيست بالفقه وأصوله :لابد أن نعلم أن الامر كان دائما كما نراه الآن .إرادة الأقوياء يطلبون من \"علم\" الفقهاء ما يبرره.لا أنكر أنه يوجد بعض الاستثناءات التي تثبت القاعدة :كل ما جرى في تاريخنا القانوني مناف للعقل وللدين فالعدل مستحيل مع الاستبداد والفساد.فالقوانين التي تطبق بإرادة المستبد والفاسد تبقى حتى لو فرضنا وجود قاض شجاع للحكم بمقتضاها حبرا على الورق إلا إذا ناسب ذلك غرض الحاكم.حكم القاضي قد يكون سليما لكن نسيان نسبية علمه ونسبية حكمه بعلمه وإهمال أن تنفيذ الحكم ليس بيده يجعل القضاء مهزلة كحاله الان في كل بلادنا.واعتبر ذلك أكبر الجرائم إذا مررت هذه الاحكام باسم الله .فالله ليس ظالما وأعطانا شروط القانون العادل وأولها أن يكون الأمر بيد الأمة المؤمنة. 43 13
ما قلناه عن اصول الفقه والفقه نقوله عن اصول التصوف والتصوف .إذ فرضنا أن الفقه حكم بالظاهر والله يتولى السرائر فمن المفروض ألا يدعيه إنسان.منطقيا مجرد الزعم بالاطلاع على السرائر والمقابلة بين الفقه دراية بالرسوم والتصوف بالحقائق هو عين الكفر بالمعنى اللغوي للكلمة :إخفاء الحقيقة.الحقيقة هي أن الرسول نفسه لم يدع الاطلاع على السرائر بل قال نحكم بالظاهر أي حكما نسبيا بنسبية العلم بالظاهر .فكيف يدعي الممتنع عقلا ونقلا؟فلا يبقى لما صار يسمى تصوفا ما قصده الدين الإسلامي من ضرورة الزهد بمعنى التحرر من الدنيا ليس بنكرانها بل بتحقيق ما يشد إليها للتحرر من سلطانها.وما يشد إليها هو الحاجة .والتحرر من الحاجة المادية يكون بالوسائل المادية وعلى راسها المال .لذلك فالفقر المدي مذموم إسلاميا لضرورة الكفاية.فالفروض الخمسة مؤسسة على الكفاية المحررة من الفقر الذي يكون صاحبه عبدا لمن بيده سد حاجاته :الحج والزكاة ضرورة المال فيها بينة .ففاقده يقصر.والصوم والصلاة لا بد فيهما من الكفاية :لأن الأول مشروط بالصحة والثانية بالنظافة وكلتاهما مكلفة .وإذن فـ 4من الفروض مشروط بالكفاية المادية.والشهادة وحدها وضع رجل على عتبة الإسلام دون الدخول بحق .الفقر المادي مكروه والتدين معه تعويض وليس حقيقة .شرط التدين الاستغناء عن غير الله.والاستغناء عن كل ما عدا الله هو الوعي بالفقر الوجودي الذي يجعل الإنسان لا يعبد سواه فيكون مطلق الحرية من الحاجة وسلطان المال عليه لأنه سيده.وذلك هو الزهد الذي يعني التحرر من سلطان المال الذي يملكه الإنسان لأن من لا يملكه لا معنى لزهده فيه غير العجز عن تحصيله بوجوه المشروعة. ويكون الإنسان عندئذ زاهدا بحق إذا حقق المجاهدتين: .1التقوى :تطبيق قيم الإسلام في معاملاته 43 14
.2الاستقامة :مراقبة الذات وعدم الغفلة عن الأولىوبهذين المجاهدتين قد يمن الله عليه بما يمن به على الصديقين .لكن طلب ذلك بالصناعة الصوفية هو الذي يعتبره ابن خلدون تشوفا لأمر مستحيل.والمستحيل المطلوب في هذه الحالة هو الاطلاع على الغيب والقيام بما يسمونه \"كرامات\" تجملا عن تسميتها معجزات وهي كلها أكاذيب الدجالين. إذن ما التصوف إذا لم يقصد به الزهد؟إنه نفي الحرية الأولى التي يتأسس عليها الإسلام :الحرية الروحية التي تغني الفرد عن وسيط بينه وبين ربه.التصوف سلطان كاذب يدعي الوساطة بين الإنسان وربه ويجعل البشر عبيد الوسطاء وهو أكبر سلاح بيد الدجالين بزعم علم الغيب ليتبرك الناس بهم.وهو من أسلحة الباطنية التي تستعمله لجعل السلطان الروحي الكاذب طريقة للاعتقاد في الخرافات والقبور اعتمادا على ميل الإنسان للخرافة والوثنية.وكل استبداد سياسي يحتاج لهذا النوع من توظيف الدين وقد اضطر الفقهاء لدخول المنافسة كما نلاحظ ذلك .الكثير من منافقي الدعاة خدم للاستبداد.وهو ما يؤدي إلى الغاء ثورة الإسلام الثانية .فبعد إلغاء حرية الإنسان الروحية بكنسية صوفية وشيعية يأتي إلغاء الحرية السياسية بتبرير الاستبداد.والتبرير نوعان :عبادة أولياء الامر وعبادة الأئمة ومن ينوبهم .لا فرق بين سلفية عبادة \"ولي الأمر\" في السعودية وعبادة نواب الأئمة في إيران.وعندما تتحرك الشعوب لتستعيد الحريتين الروحية للفرد والسياسية للجماعة يلجأ المستبدون وحماتهم الاستعماريون إلى إحياء الخرافات الصوفية.والخرافات الصوفية تتأسس على علم زائف هو أصول التصوف وهي مأخوذة من خرافات الأديان البدائية والفلسفات الوثنية التي يزعمونها علما لدنيا.من يعرف هذه الخرافات الدينية والفلسفية القديمة التي سادت خاصة بعد تردي الفلسفة اليونانية يعرف بحق أن ما يزعمونه علما لدنيا هو أوهام شعبية. 43 15
وفي خطابهم يمكن أن نجد شيئا من الحقيقة .لكنه منتحلات من الدين والفلسفة السويين تزيينا لما يدعونه من معرفة لدنية يبتذلونها بزعم اللدنية.وطبعا فكلامي هذا يكثر من الأعداء .لكن الامة ستبقى مستعبدة من اصحاب الاستبداد السياسي ومبرريه من المتصوفة والمتفقه بعكس قيم الإسلام.وما نجده من تبرير تحريفي بقيم الإسلام في التصوف والفقه نجد أمثاله في فكر أدعياء الحداثة بدعوى محاربة توظيف الدين :كلاهما يوظفه للاستبداد.الفرق الوحيد أن أولئك يدعون أنهم مع الدين وهؤلاء يدعون أنهم مع الفلسفة .لكن المعية في الحالتين هي مع كاريكاتور الدين وكاريكاتور الفلسفة.فالدين الحق والفلسفة الحق كلاهما يطلب الحريتين وإن بطرق مختلفة .وكلاهما متحرر من دعوى العلم المحيط والتقييم المحيط بل يسعيان لتحرير الإنسان.ومعنى ذلك أن كل ما يزعم علما لدنيا هو المستوى الادنى من المعرفة الإنسانية العادية في متون الفلسفة أو في متون الدين مع إيهام بأنها \"فتوحات\".فمن المتصوفة من هو ذو قريحة وفهم في المضامين المعرفية والأشكال البلاغية أو الشعرية لكنهم يخفون ذلك ويدعون أنه علم لدني اطلاع على الغيب.وإذا الرسول نفسه-ومثله كل من يقصهم القرآن-لم يدع العلم بالغيب أو العلم اللدني وأنه مجرد مبلغ لرسالة لا تبدع دينيا بل تذكر بما في الفطرة.والخاتم نفسه-ومثله من يقصهم القرآن-لم يدع العلم بالغيب أو العلم اللدني وأنه مجرد مبلغ لرسالة لا تبدع دينا بل تذكر الديني القائم في الفطرة.فكيف يمكن لنا أن نصدق الدجالين الذي يدعون ما لم يدعه الرسول ويزعمون أنهم ورثته :هل يمكن للمرء أن يرث من ميت ما لا يملك وما لم يدع حيازته؟والزبدة من كلامنا هي أن التصوف مثل الفقه كلاهما حرف رسالة الإسلام بأن جعلها تسهم في استعباد الإنسان روحيا وسياسيا بدلا من تنويره لتحريره.الفقه بالقانون والزهد بالسلوك كما حددناهما هما المطلوب لاستئناف دور الأمة التي يتمتع ابناؤها بالحريتين الروحية والسياسية فتكون أمة سيدة. 43 16
ولهذه الغاية ومساعدة الشباب في إدراكها كتبت هذا الكلام لعله يمكن الشباب من التحرر من العلوم والاعمال الزائفة دون نكران دورها في الماضي.ويمكن كذلك الاعتراف لأصحابها بفضل الدور الذي مكن من الصمود فحال دون انهيار الأمة التي فقدت القدرة على التنميتين منذ قرون :الروحية والمادية.لكن الهجمة على الأمة بلغت حدا لم يعد يكفي فيه رد الفعل والمحافظة على علوم وأعمال فقدت فاعليتها بل ينبغي استئناف الابداع في التنميتين.وكلامي هذا ليس من جنس كلام أعداء الإسلام والامة بل هو من جنس ما ينبغي فعله لجعلهما يستردان دورهما في التاريخ الكوني الذي نكاد نخرج منه.من دون إبداع علمي مناسب للعصر ومن دون إبداع عملي يسهم في تحديد مستقبل الإنسانية سنبقى على هامش التاريخ تابعين وفاقدين للريادة والسيادة.ولست ممن يرفض شيئا من دون بيان العلل ولا ممن يقترح شيئا من دون تعليل يجعل ما اقترحه من ضرورات المشروع الأكبر :استعادة الامة لشروط سيادتها.إنه الهدف الذي ينبغي لكل شباب الامة أن يجعله قبلته في السعي للتحرير بشروطه: استعادة وحدة الامة حول دور مثاله مرحلة نشأتها بالتحرر من كبوتها. 43 17
نصل في الفصل الخامس من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" إلى أكثر هذه العلوم الزائفة وضوحا ما يغنيني عما اضطررت اليه فيما تقدم.فـ\"علم\" الكلام أو \"علم\" العقائد أكثر علوم الملة الخمسة قلبا لفصلت 53وجرأة على آل عمران .7فأهمه ما يسميه جليل الكلام ودقيقه زائدة دودية.لذلك فلن أحاول بيان هذه الحقيقة بخصوصه بل سأهتم بقضية أخرى وتتعلق بأساسية المنهجيين: .1قيس الغائب على الشاهد .2والتأويل ثم بعلامته وثمرتهوأبدأ بعلامته وثمرته اللتين حددتهما آل عمران :7فأصحابه كلهم دون استثناء من بغاة الفتنة ومرضى القلب وهو أمر ليس خاصا بنا فهو ملازم لكل دين.لكن الأديان الأخرى تخلصت من مفعوله لكن الإسلام ما يزال يعاني منه لأن حركة الإصلاح غلب عليها كاريكاتور التأصيل بدل التجديد الواعي بالأدواء.فلو لم توجد في القرآن صيغة دقيقة للعقائد لفهمنا أنه يوجد من يريد أن يضع صيغة تيسر الأمر للمؤمنين .لكن القرآن صاغ العقيدة بصورة لا لبس فيها.وقد أفهم أن يتعدد شرحها خلال تعليمها للمؤمنين بها أو لغيرهم لكن أن تصبح هذه الشروح منتجة لعقائد مختلفة تنسب إلى المتكلمين فتلك بداية الفتنة.فالأمر لا يتعلق بنظريات علمية التعدد فيها من شروط التقدم في المعرفة بل برؤية مشتركة تحدد المقومات الأساسية للمرجعية العقدية الواحدة والموحدة.وما وظيفته التوحيد تحول إلى التفريق وتوليد العقائد بعدد المذاهب بحيث صار كل متكلم يدعي أنه أكثير بيانا من القرآن نفسه لأنها صارت بدائل منه.فهجر القرآن لدى أهل الحديث وأهل الكلام لا فرق .لا فرق بين وضع الحديث وصنع العقائد .وما كان متروكا لوجدان المؤمنين حولوه إلى حكم المتعالمين. 43 18
ولست ضد التعدد بل ضد المصطنع منه :فالتعدد في التلقي أمر مفروغ منه وهو إذا بقي حرا كان بعدد المؤمنين لتعدد الفهوم مع بقاء نص العقائد واحدا.والاسراء اعتبرت أن الدعاء إلى الله لا يقتصر على صورة واحدة بل هو بعدد الصور التي توحي بها اسماؤه الحسنى (الإسراء )110فكل منها يتضمنها كلها.وهي حاضرة كلها معا في كل دعاء .إذ إن مجموعها هو الصورة التي لا تغادر وجدان المؤمن وتقبل الرد إلى أفعال الله وآياته في الآفاق ولأنفس.ولم أر أحدا يعمل بهذا المبدأ مثل ابن تيمية الذي لم يضع عقيدة من صوغه بل حاول بناء نسق هذه الصور وما يترتب عليها من تعاهد بين الله والإنسان.ولنعد إلى منهجي الفكر الكلامي عامة لبيان أنهما يناقضان فصلت 53وآل عمران .7 فقيس الغائب على الشاهد أساسه طرد الحاصل على المطلوب من العلم. وهو أساس يكون مقبولا بشرطين: -الأول أن يكون المطلوب قابلا للشهادة. وأن يكون العالم مستعدا لاعتبار الطرد مؤقتا بوصفه وسيلة لتعميم الاستقراء.والأول مستحيل في حالة الغيب لأنه ليس محجوبا إلا في الآخرة يوم يصبح البصر حديدا والثاني غير متوفر لأن الكلام لا يستعمل التجربة العلمية.وإذن فالكلام أبنية حجاجية خالية من مميزات المعرفة العلمية أولا لأنه يتكلم فيما لا يقبل العلم وثانيا لأن منهجه الترجيح الحجاجي بافحام خصم.الكلام لا يحتكم لشروط المعرفة العلمية التي الفاصل فيها ليس للحجاج وحده بل لا بد من معيار منفصل عن طرفيه بالاحتكام الحاسم بين فرضيات طرفيه.وبين أن هذا الاحتكام قد يبين أن طرفي الحجاج على خطأ لأن ما يحتكم إليه ليس منحصرا جوابه في فرضيات المتحاجين حتى لو كانا متناقضين. كيف؟ فحتى لو قبلنا بعدم التناقض والثالث المرفوع فإن ذلك لا ينطبق إلا بشرطين: -صحة نظرية المعرفة المطابقة 43 19
-ومطابقة احدى فرضتي الحجاج لنفي نقيضهاوالشرطان منعدمان حتى في الشاهد فضلا عن الغيب .ومن ثم فمنهجيا الحجاج لا يثبت شيئا لان الفرضيات تبقى فرضيات ما لم تحسم بالتجربة العلمية.نمر الآن إلى المبدأ الثاني من منهج الكلام :التأويل .ولأهمية هذه المسألة سأضطر للكلام لاحقا في العلوم المساعدة التي يستعملها الكلام فيه.سأكتفي هنا في اساسي التأويل المزعومين :المقابلة بين الحقيقة والمجاز وعلم الحقيقة التي يرد إليها المتكلم المجاز في جليله ليستقيم تأويله.أساس المقابلة بين الحقيقة والمجاز سوء فهم لبعد الدلالة من الترميز اللساني .يأخذون إحدى دلالات أي لفظ ويزعمونها دلالته الحقيقية.ويعتبرون ما عداها من دلالاته إليها .وهذا الأساس اقصى ما يمكن بناؤه عليه هو القول إن تلك الدلالة هي الأكثر شيوعا أو ربما الأولى التي وضعت. وهبنا سلمنا بذلك تسليما جدليا فهل المفردات لها دلالة محددة إذا خرجت من سياقها؟ وهم التناظر بين المفردات والدلالات يلغي وظيفة اللغة اصلا.فعدد المفردات في أي لغة محدود والدلالات تكاد تكون لا محدودة :ليس للمفردة دلالة واحدة بل هي متعددة بتعدد سياقاتها مثل المنازل في الأعداد.فبأي تحكم سنختار واحدة منها ونعتبرها الدلالة الحقيقية ونرد إليها ما عداها بوصفها مجازية؟ وبذلك بين ابن تيمية أن المقابلة بينهما لا معنى لها.العلاقة بين الرمز والمرموز ليس تناظرا واحد بواحد بل هي تناظر واحد بكثرة ولا تراتب بين الكثرة المناظرة للواحد لأنها تواضعية بحسب اللغات.وإذن فوهم المقابلة حقيقة مجاز علته توهم العلم في نظرية المعرفة المطابقة دلالته حقيقية وما عداه دلالته مجازية ليست من مصطلح المعرفة العلمية.وما أن نتخلص من وهم نظرية المعرفة المطابقة التي توهم بالعلم المحيط المدرك للشيء على ما هو عليه يصبح العلم هو نفسه وضعا لا يوصف بالحقيقة. 43 20
لا معنى لوصف علاقة كلمة \"يد\" والعضو \"يد\" عند الإنسان بالحقيقة إلا لتوهم التلازم بين الدال والمدلول .فيعتبرها المتكلم دلالاتها الاخرى مجازية.ولا معنى للاحتجاج بنفي المجاز للقول إن لله جوارح ولكن لا نعلم كيفها .ذلك أن نافي المجاز في هذه الحالة قائل مثل المتكلم بنظرية المطابقة.في الحقيقة الكلمات تتغير دلالتها بحسب منزلتها في الكلام وكل دلالاتها تواضعية بحسب اللغة وبحسب الفن الذي اختارها للدلالة على ما يتكلم عليه.فلو أخذنا كلمة \"حد\" في الفقه وفي الرياضيات وفي المنطق وفي مسح الأرض وفي اي فن آخر لكانت الدلالة مختلفة رغم أن الكلمة واحدة :ما سر ذلك؟هي نسبة بين أمرين وليس لها من الأمرين شيء ولا طبيعة لها تكون أميل لأحدهما دون الثاني من جنس اليمين واليسار والفوق والتحت إلخ..وكذلك المفردات :كل المفردات نسب .وبخلاف ما يظن فحتى اسم العلم نسبة لأنه علامة للتمييز بين المسميات دون أن يكون لها أي مضمون دلالي حقيقي.فالخاتم اسمه محمد وأنا اسمي محمد ولا شيء يجمع بين علاقة اسمه به بعلاقة اسمي بي إلا نسبة الاسم للمسمى :الإشارة بالأول للثاني .والإشارة نسبة.نمر إلى الشرط الثاني ما مصدر علم الحقيقة الذي يرد إليه ما يعتبر مجازيا وغير حقيقي في الكلام على جليل الكلام؟ هل يوجد علم بالله وصفاته؟قد أفهم قول الفلاسفة ذلك عندما كانوا يؤمنون بنظرية المطابقة أي علم الاشياء على ما هي عليه وينفون من ثم ما يتجاوز علمهم الذي جعلوه محيطا. لكن كيف لمتكلم أن يقوله؟ هل ينفي الغيب؟ ومن ينفي الغيب كيف يسمى نفسه مؤمنا ومدافعا عن العقيدة؟ لماذا لا يعتبر نفسه دعيا يزعم علمه محيطا؟ 43 21
أخصص الفصل السادس من \"علوم الملة :ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" للكلام على العلوم الأدوات التي تستعملها علوم الملة ومدى قصورها الفعلي.من المعلوم أن العلوم الادوات أو المساعدة واحدة في كل العلوم سواء كانت علوم الملة أو العلوم عامة :وهي خمسة أصل وأربعة فروع تتلون بلون الأصل.فأما الأصل فهو نظرية المعرفة أو الرؤية الفلسفية العامة لعلاقة بين المعرفة والوجود ويمكن أن نسميها رؤية العلاقة بين الإدراك الإنساني والوجود.وهذه الأداة الأصل في كل معرفة بلغت إلى العلمية هي في آن بداية وغاية .فكل مرحلة من مراحل المعرفة الإنسانية تنطلق منها وتنتهي إلى ما يتجاوزها.وما يتجاوزها بداية مرحلة أرقى وهكذا دواليك .فالأصل بداية وغاية لفروعه علة ومعلولا في آن .والفروع الأربعة هي اللغة والتاريخ والمنطق والرياضيات.والغالب على علوم الملة اللغة والتاريخ ووهم الإطلاق بالنسبة إلى الأصل لظنهم أن ما يصح على النصوص المرجعية يصح على علوم أصحابها :مطابقة وهمية.ومن المفروض ألا يؤمن أي عالم من علوم الملة بالمطابقة لأن الدين نفسه يميز بين علم محيط مطابق مقصور على الله وعلم الإنسان لا محيط ولا مطابق.لكنهم ربما بتأثير من الفكر الفلسفي ظنوا أن العلم مطابق في مرجعيات النصوص الدينية قيسا على القول بالمطابقة الفلسفية في الوجود الطبيعي.ومن هنا جاءت مغالطة قيس الغائب على الشاهد بمقتضى توهم الانتظام المضطرد في الطبيعة :من أوهام الفلسفة التي قبلت بها علوم الملة في مرحلتيها. واقصد بمرحلتيها عصرين مضاعفين (ابن خلدون): .1هو كلام القدامى بعد نشأته الذرية وقبلها. .2نشأة كلام المحدثين وبعد اندراجه في المشائية. 43 22
فعلم الكلام أسس لعلوم الملة كلها لأن مراحله هي عين مراحل كل واحد منها بوصفها آلت إلى فلسفة ذرية أولا ثم إلى فلسفة هيلومورفية ثانيا.فالكلام بعد تحسس النشأة تبني رؤية الفلسفة الذرية ثم تبني رؤية اقتربت من الفلسفة المشائية التي سادت :نظرية المعرفة الفلسفية أصل مناهجه.وخصومة الكلام والفلسفة تعلقت بمضمون المعرفة وليس بحقيقة العلم شكلا وأدوات منهجية .لم يستفد من نفي القرآن لنظرية المطابقة :علة رفض السلف له.القرآن يعتبر كل معرفة اجتهادا وليست معرفة محيطة .فالاجتهاد يعرف بمناهجه ووعيه بحدوده ومن ثم فهو في تقدم دائم وبأخلاق التواضع العلمي.تكون اللغة تسمية لما ندركه من الموضوع والتاريخ لما فهمنا من مجراه والمنطق لما رتبنا من مدركاتنا في الاجتهاد دون دعوى المطابقة مع الموضوع.ورغم أن ابن خلدون مثلا قد وضع علما العمران ليصل إلى شيء من المطابقة فهو يبين عقبات ذلك وينتهي إلى أنها مستحيلة لأن الوجود لا يرد للإدراك.فيكون مدار المعرفة العلمية وأصل مدى أدواتها متعلقا بهذا العلم الأول الذي تستند إليه نظرية المعرفة :طبيعة العلاقة بين مدى الإدراك وموضوعه.فمدار المعرفة العلمية وأصل فاعلية أدواتها هذا العلم الأول الذي تستند إليه نظرية المعرفة :طبيعة العلاقة بين الإدراك وما يُعلم من الموضوع.وما يعلم من الموضوع هو ما تؤيده التجربة بأدواتها من فرضيات نظرية .ولا شيء يثبت أنه حقيقة الموضوع بل ما ناسب تلك الفرضية بتلك الأدوات.ولولا ذلك لكانت كل معرفة نهائية ولما تغيرت العلوم أو لتوهمنا أن المعرفة بموضوع معين لها غاية لا مزيد بعدها :لكن البحث العلمي لا يتوقف ابدا.وهو ما يعني أن ما نتوصل إليه من معرفة بأي موضوع يبقى دائما إضافيا إلى المنظور الذي يبحث فيه وأن البحوث كلها في كل الموضوعات متضامنة.أي إنه يمكن لبحث في مجال \"أ\" غير مجال \"ب\" أن يؤثر فيه فيغير كل شيء فيه وخاصة دور تغير العلوم المساعدة وأدوات الإدراك التجريبي في المعرفة. 43 23
أما إذا كانت العلوم مبنية على المطابقة وتوهم اكتمال البحث في مجال العلوم المساعدة فإنها تجمد كما حصل لعلوم الملة كلها وتعوض من مرجعيتها.وقد ضربت مثال حواري مع البوطي :يعتبر علوم اللسان العربي التي يعلمها وهي كلها متخلفة كافية لأصول الفقه عديم الصلة أصلا بعمل الدول الحديثة.وأكثر من ذلك فهو لم يكن ذا صلة حقيقية حتى بالدولة الإسلامية التقليدية :فلا يمكن لقانون حرفه الاستبداد وجعله مبررا لتحكماته أن يعتبر قانونا.ولا معنى لقانون لفاقد للشرعية التي تحدده :في دستور يقول إن الأمر امر الجماعة وهي تسوسه بالشورى صار امر ولي الأمر ويسوسه بفقهاء تحت سلطانه.وذلك هو ما سميته تعطيل الدستور والحكم وكأن الجماعة في حالة طوارئ :صاحب السلطة التنفيذية وضع تحت سلطانه السلطة التشريعية التي صارت تبريرية.شرعية أي قانون مستمدة من شرعية الحكم بمقتضى نظام دستوري يحترم أصل السلطة وليست منفصلة عنها فضلا عن تطبيقه بالشروط الخلقية للقضاء العادل.وهذا هو مجال أصول القانون (الفقه في حالتنا) وليس مجرد الصوغ القانوني للأحكام المستمدة من المرجعية القانونية (القرآن والسنة) فذلك عملية تقنية.والعملية التقنية لا تضفي الشرعية على القانون بل هي تولده من طبيعة التشريع المرجعي وأخلاقه وهذه هي العملية المعتبرة في تأصيل أي قانون.ولا فرق في ذلك بين الوضعي والشرعي من القانون :ولو اقتصرنا على ما يوجد في القرآن والسنة واعتبرناه مدونة قانونية لكان حاصل الظاهرية هو الوحيد.فمن يعتمد القياس ينزل نفسه نظيرا للشارع وخاصة من يعتمد المقاصد تماما كمن يظن الرسوخ في العلم مضاهيا لعلم الله في التأويل (آل عمرا ن .)7وإذا كان للتشابه مجال مفضل فهو مجال النوازل القضائية والحقوق .فلم يبقى من خيار إلا اعتبار ما ورد من حدود شرعية هو لأخلاق القانون يعمل بها.ليس هدف الأحكام التشريع بل تحديد أخلاق التشريع موضوع الشورى بمعايير خلقية حددتها الحدود نماذج إذ هو مقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 43 24
وذلك هو معنى الاستثناء من الخسر في العصر{ :الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} أي الذين استجابوا لربهم في الشورى .38فإذا لم يكن التواصي بالحق والتواصي بالصبر أساس الشورى لإدارة الجماعة أمرها فكيف يمكن أن يكون اساس التعامل فيما بينها حتى في أتفه الأمور؟سياسة الجماعة أمرها بالشورى بخلق المؤمن العامل صالحا والمتواصي بالحق والمتواصي بالصبر هو أصل كل تشريع ذي مرجعية دينية أو وضعية.فالتشريع الوضعي له مرجعية وضعية يؤمن بها المنتسب إليها ويعمل بمقتضاها متواصيا بالحق ومتواصيا بالصبر مسهما فيها فعلا وانفعالا :الديموقراطية.الفرق الوحيد بين الشورى 38والنظام الديموقراطي هو نوع الإيمان بأصل القيم التي تحكم التشريع :هل هو الحقوق والواجبات الفطرية أم الطبيعية.وتلك هي أولى مسؤوليات المكلف قرآنيا لأن كل مؤمن مشارك في التشريع وإلا لما قال الرسول من رأى منكر فلقومه إلخ .وطبعا التقويم تطور فصار بوسط.والوسيط مؤسسات تطبق القانون الذي وضعته الجماعة بفضل سياسة الشورى لأمرهم. فحرف الشورى فلم تبق نظام حكم بل نصيحة تابع منافق لمتبوع مستبد.وللتأكد من ذلك فلنشرح الآية 38من الشورى .ولنبدأ فنظهر ضمائرها التي يغيبها أسلوب القرآن الذي يغلب عليه الإضمار في بلاغة الإيجاز البليغ.فالمعطوفات الخمسة الواردة في الآية تبدو وكأنها مجرد معطوفات مبتدئية لا تتضمن خبرا بضمير المقابلة بين فضل الله وعدم استفادة الإنسان منه.والخبر هو بيان شروط الاستفادة منه بسياسة الدنيا يحددها دستور القرآن لتنظيم حياة البشر في الأرض .ومن بين المعطوفات شروط السياسة في الشورى .38 والشروط خمسة: .1الاستجابة للرب .2رمزها إقامة الصلاة .3امرهم 43 25
.4شورى بينهم .5ومما رزقناهم ينفقون. علي شرح الفصل بين 3و 4وهي تبدو معطوفا واحدا.وهنا يبرز المستوى الثاني من الإضمار :وتقدير الكلام \"وسياسة الأمر تكون بالشورى\" فيطرح سؤالان :نسبة الامر إلى الجماعة ونسبة الشورى إليها؟فيصبح النص :الامر هو أمر الجماعة وشورى سياسته للجماعة .ومن ثم \"فأمرهم شورى\" جملة فيها مضمران :نسبة الأمر إلى الجماعة ونسبة الشورى إليها.لو ترجمت الامر أمر الجماعة لكانت تحديد لطبيعة نظام الحكم :ففي المصطلح الدستوري بلغة لاتينية يسمى ذلك \"راس بوبليكا\" أي نظام حكم جمهوري.ولو ترجمنا شورى بينهم بالمصطلح السياسي باليونانية لكان ذلك يعني أسلوب الحكم في النظام الجمهوري ديموقراطي :الآية حدد طبيعة الحكم وأسلوبه.وأحاطت هذا التحديد بعاملين :الاعتراف بفضل الله بداية والتحرر من عبادة الدنيا بالبعد الاجتماعي للاقتصاد غاية أي سلطان المال على أصحابه.وكلنا يعلم علاقة السياسة بالاقتصاد ويعلم أهمية سياسة الاقتصاد ووظائفه الاجتماعية في القرآن .تلك هي مجالات بحث الفقه التي أهملها التحريف. 43 26
أخصص الفصل السابع من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" لمناقشة مفروضات المطابقة بين العلم وموضوعه بزعم علمه على ما هو عليه.وهي تعود إلى توهم أدوات العبارة عن الإدراك نافذة بإطلاق لموضوعه وليس معبرة عن مضمون الإدراك لا تتعداه فتنفذ لموضوعه إلا بوهم المطابقة.فيكون وهم المطابقة جامعا بين كل المفروضات التي تؤسسه :قانون الرمز اللساني والرمز التاريخي والرمز المنطقي والرمز الرياضي يعكس قانون الوجود.القول بالمطابقة اساس هذه الأوهام حول علاقة قوانين الأدوات وقانون الوجود .فتكون في الأخير دالة على جعل قوانين أدوات المعرفة مقياسا للوجود.وهو ما يسميه ابن خلدون برد الوجود إلى الإدراك وهو ليس ردا للمعرفة من حيث هي حسية بل من حيث هي أفعال ادوات الإدراك والمعبرة عنه في آن.فالمدارك الحسية فردية لكن أدوات الإدراك الموصلة إلى المعرفة العلمية ليست فردية بل هي جماعية وهي في آن للتواصل بين الناس وبينهم وبين موضوعها.الناس يتواصلون بها فتكون الحصيلة عملا جماعيا ويتواصلون بها مع الموضوعات فتكون عملا جماعيا حصيلة لتراكم المعلومة والمخبرة :التراث العلمي.التراث العلمي حصيلة لاستعمال أدوات العلم التي هي علوم أداتية أو مساعدة :هي اللغة والتاريخ والمنطق والرياضيات مع طبيعة العلاقة بالموضوع.نفاذ لحقيقته بإطلاق فتكون المعرفة نهائية أم هي اقتراب لا متناه من حقيقته دون المطابقة معها مهما اقتربت منه فلا يتجاوز العلم السعي الدائم.والآن سآخذ الادوات الأربع واحدة بعد أخرى لامتحان دعوى النفاذ إلى حقيقة الشيء التي نؤمن بوجودها الموضوعي ولا نعلمها على ما هي عليه.وتكون غاية البحث الكلام في نظرية المعرفة المطابقة التي اعتبرها مشروطة بالعلم المحيط ومن ثم فهي مستحيلة على الإنسان لاستحالة الإحاطة عليه. 43 27
ونبدأ باللغة :هل يوجد من يدعي أن اللغة أي لغة إنسانية يمكن أن تقول كل ما يريد الإنسان قوله؟ أم إنه لا شيء تحيط به العبارة وخاصة الوجدانيات؟وقد كانت هذه أقوى حجة استعملها ابن خلدون ضد الشطح الصوفي لأن اللغة لا يمكن أن تكون إلا ما هو مشترك والوجدانيات ليس فيها مشترك فلا تقال.وأتفه إدراك حسي لو أردنا قول مدركه لما كفت كل كتب العالم أن تحويه فضلا عن كونه يطرأ ويزول في لمح البصر فما أن ندركه حتى يترك مكانه لما يليه.وهبنا افترضنا ما يدركه البصر مشتركا بسبب إمكان توجيه العيون نفس الوجهة-وهو مستحيل للتزاحم على حيز الناظر-فإن الذوق واللمس مما لا شركة فيه.وهو مما لا يقال .ومعنى ذلك وهذا هو المهم :حتى ما ندركه تعجز اللغة عن قوله فكيف بما لا ندركه مما نحسه وغالبه يجري دون إدراك واع ولا ناطق.فأبداننا مهما سترناها بالثياب ولكن تبقى مخترقة كقطعة الجبن بكل ما في المحيط من عوامل مرئية وغير مرئية كما تبين لنا الآن من وسائل التواصل.فالواحد منها في تبادل دائم مع المحيط لو انقطع لاضمحل وجودنا ولعل التنفس أهم علاماته .الإنسان مثل الجوال يحتاج للشحن حتى يبقى يتواصل فعله.وجل ذلك مما لا يقال باللغة التي تقتصر على العموميات المشتركة في الجماعة الناطقة بها حول ما يقبل الإشارة إليه بما يمكن من التواصل بخصوصه.فإذا انتقلنا إلى المنطق المجرد أو المعين فهمنا أنه لا يقول شيئا عن المدركات بل هو يعوضها بمتغيرات يفترضها ذهنيا قابلة للتعويض بقيم معرفية.لكنه هو في ذاته لا يتعلق بالقيم المعرفية بل بنقلها من المقدمة إلى النتيجة بعد التسليم بأن تعويض المتغيرات بمضامين معرفية معينة مطابقة.وتحصيل هذه المضامين المزعومة مطابقة رهن أدوات الوصول إلى المعلومة حول الموضوع ولا شيء يثبت أنها تحقق شرط المطابقة فيبقى الامر شرطيا. 43 28
من جنس إذا صح تعويض المقدمة بحقيقة الموضوع فيمكن نقلها إلى النتيجة بوصفها حقيقة مبنية عليها .وفيه مسلمتان لا شيء يثبتها لنقول بالمطابقة. أي: .1تعويض المتغير المجرد بالقيمة المعينة صادق .2وأن الانتقال المنطقي من المقدمة إلى الى النتيجة مطابق للانتقال الوجودي بين المضمونينولا شيء يثبت المسلمتين :فقيمة المتغير مصدرها التجربة وهي محدودة والانتقال المنطقي يخضع لقوانين المنطق ولا دليل على مطابقتها لقوانين الوجود.فنكون بذلك قد جعلنا التجربة التي هي دائما غير مطابقة حقيقة الشيء والقانون المنطقي قانونا للوجود حتى نقول بالمطابقة رغم عدم تحقق شروطها.وقد قدمت المنطق على التاريخ لصلته باللغة .وهو ذو صلة بها مثله .لكن صلته بها تنتسب إلى الأدب أكثر من انتسابها إلى العلم مهما دقق المؤرخ.وفيه شيء مما يصل بين اللغة والمنطق من حيث الوظيفة :فالسياق الخارجي تاريخي بالضرورة واستقراء المضمون الذي يعوض المتغيرات تاريخي بالضرورة.فيكون التاريخ شرط الوصل بين المنطق المجرد والمنطق المطبق بدوره في السياق الخارجي للدلالة وبدوره في سياق استقراء المضامين لتعويض المتغيرات.فيكون التاريخ هو هذه الوصلة بين صيرورة المضمون المعرفي وثبات البنى المنطقية التي تجمد صيرورة المضمون لتمسك ببنى ميتة بتثبيت قيم المتغيرات.لذلك فحتى محاولات حل هذه المعضلة بالجدل لم تفلح في حلها :ذلك أن صيرورة المضمون لا تتوقف وبناه لا متناهية كما وكيفا ومثلها نماذجها المجردة.وهنا نصل إلى الرياضيات ومثلها الفنون :إنها بنى مجردة لا تتوقف عن صيرورة الابداع لأنها في الحقيقة إبداع لبنى مجردة تساعد في النظر والعمل.وهي لا تدعي المطابقة مع وجود متقدم عليها بل هي \"إيجاد\" بنى قد تصلح نماذج لقول التجارب بأدوات تقنية تحول تقديرها إلى أدوات استكشاف الوجود. 43 29
ولما كان ذلك لامتناهيا فإن القول بالمطابقة منتف ويعوضه التوازي بين وجودين لامتناهيين: .1رمزي خالص .2فعلي خالص: تلامسهما لا يدعي المطابقة.ونوعا الإبداع متفاعلان .فكلاهما يمكن أن يكون مصدر إيحاء للثاني كتفاعلي مجال فعلهما المفضل :النظر للإبداع الرياضي والعمل للإبداع الأدبي.فلا يكون العلم والعمل إلا ما اختص به الإنسان لتحقيق شروط استعماره في الأرض إما بالإخلاد إليها أو بقيم الاستخلاف اي بأنواع القيم الـخمسة. والقيم الخمس هي: .1الجلال (التعالي) .2والجمال(الذوق) .3والخير(القدرة) .4والحقيقة (العلم) .5والجهة (الحرية) :والتعالي أصل القيم وشرطه فروعهإنها شروطه بترتيب معكوس :فالأصل هو التعالي .والجمال والخير هما غايتاه والحقيقة والحرية هما أداتاه .وهي قيم حرفها فساد النظر والعمل في حضارتنا.والعلامة الاولى لفساد النظر هي عقم الإبداع الرياضي في حضارتنا منذ عصر الانحطاط والعلامة الثانية هي علم الإبداع الأدبي .انحصرا في المحاكاة.وبذلك يتبين أن الهدف من هذه المحاولة هو إحياء القدرة الإبداعية في مجالي الرياضيات العالية والأدب الرفيع لأنهم اساس كل إبداع نظري وعملي. 43 30
وصلنا الآن إلى زبدة البحث كله .سأخصص هذا الفصل الثامن لأهم مسالة في نظرية المعرفة التي هي بداية التجاوز الحاسم للفلسفة القديمة والوسيطة.إنها المرحلة التي اكتشفها ابن تيمية والتي جعلتني أخصص له مع ابن خلدون رسالة دكتوراه الدولة في النظام الفرنسي القديم وهي غير .Phdذلك أنها تعد في الغالب في سن متأخرة تكاد تكون غاية التمكن من الاختصاص بخلاف هذه التي بداية الشروع فيه .وفي جزءان :النظرية وتطبيقها.والنظرية هي منزلة الكلي والتطبيق هو إصلاح العقل في الفلسفة العربية :مجال التطبيق هو ثورة ابن تيمية (فلسفة النظر) وابن خلدون (فلسفة العمل).أنهيت الكلام في الفصل السابق بالكلام على أن الرياضيات هي اساس النظر والأدبيات هي أساس العمل .ولم أشرح ذلك وشرحه هو ما أقصده بزبدة المحاولة.في النظام الفرنسي دكتوراه الدولة بعد التبريز أو دكتوراه الحلقة الثالثة (مثل :)Phdقدمتها في موضوع \"منزلة الرياضيات في العلم الأرسطي\".وهذا موضوعي .وفي كلامي شيء من سيرتي العلمية لأن للمسالة علاقة بها .فاكتشافي ما ميز به ابن تيمية علوم المقدرات الذهنية حيرني كثيرا.ومثله حيرني ما أراد ابن خلدون تحقيقه لنقل التاريخ من الجنس الأدبي إلى الجنس الفلسفي المبنى على تعليل الاحداث وتفسير مساراتها.فالأول خص علم المقدرات الذهنية دون سواه بالبرهانية بالكلية التي نفاها عن علوم الوجود الخارجي والثاني نفس التمييز التاريخ الذي يريد تأسيسه.في الظاهر يبدو أن الرجلين يطلبان أمرين متقابلين :فالأول ينفي أي علم كلي يكون موضوعه موجودا فعليا في الخارج والثاني يشترط التحرر من الأدبية.ما نبحث عنه في علة ما يبدو تقابلا نفهم ما ينفتح أمام البصيرة ،الثورة المشتركة بين الرجلين :إنه الخيال المبدع .فالمقدرات الذهنية إبداع الذهن. 43 31
نقل التاريخ من الأدب إلى الفلسفة يبدو مقابلا لرؤية الأول .أما إذا كان البديل الخلدوني مبنيا على مقدرات ذهنية تبين أن للرجلين نفس الرؤية.فعلم العمران البشري والاجتماع الإنساني الذي سيكون اساس نقد التاريخ السائد لتعويضه بالبديل الخلدوني فإن هذا البديل ليس علما لموجود خارجي.نظرية العمل أو علم العمران البشري والاجتماع الإنسان علم مقدرات ذهنية عملية جنيسة للمقدرات الذهنية الرياضية التي تلكم عليها ابن تيمية.المشترك بينهما هو أن العلم البرهاني والكلي للمقدرات الذهنية هو أساس علوم الموجود الخارجي نظريا كان أو عمليا :المقدرات الذهنية نوعان: .1الذي تكلم عليه ابن تيمية يجعل المنطق أداة لعلم موضوعه مقدر ذهنيا وليس الموضوع الخارجي كالحالة في المنطق السابق الذي ينقده ابن تيمية. .2والذي تكلم عليه ابن خلدون يجعل التاريخ أداة لعلم موضوعه مقدرا ذهنيا وليس الموضوع الخارجي كحالة التاريخ السابق الذي ينقده ابن خلدون.ولا يمكن تصور علم المقدرات الذهنية علما برهانيا وكليا ونفي الصفتين عن علم الموجود الخارجي من دون نفي النظرية الأرسطية في التحليلات الثواني.ونفي الصفتين عن علم الموضوع الخارجي في التحليلات الأواخر يعني نفي الميتافيزيقا التي تؤسس لنظرية المعرفة المطابقة أساس الفلسفة القديمة.وادعاء الصفتين للتاريخ البديل يعني نفيهما عن التاريخ السابق فيكون هذا التاريخ البديل ليس علما تاريخيا لموضوع خارجي بل لموضوع مقدر ذهنيا.فيكون ابن خلدون قد أنجز في ابستمولوجية العلم العملي ما اكتشفه ابن تيمية في ابستمولوجية العلم النظري فاشتركا في ثورة تجاوزت لفلسفة اليونانية.الأول جعل العلم الضروري والكلي (البرهاني) في النظر مقصورا على الرياضيات كعمل منطقي على موضوع غير الموجود الخارجي الخالي من الصفتين.والثاني جعل العلم الضروري والكلي (البرهاني) في العمل مقصورا على العمرانيات كعمل تاريخي على موضوع غير الموجود الخارجي الخالي من الصفتين. 43 32
الفرق الوحيد هو أن الموضوع المقدر ذهنيا وغير الموجود خارجيا يكون في النظر أكثر تجريدا منه في العمل لكنهما يشتركان في مثاليته الذهنية.فالمقدر الذهني في النظر موضوع رياضي وهو في العمل موضوع تاريخي وكلاهما متخيل ذهنيا يبدع نماذج يعلم الموجود الخارجي النظري والعملي بتطبيقهما.فيكون علم الموجود الخارجي النظري والعملي مزيجا من المقدر الذهني اليقيني ومن التجربة الخالية من الكلية والضرورة لأنها استقرائية بالضرورة.ولهذه العلة كل علم موضوعه خارجي نظريا كان (كالفيزياء) أو عمليا (كالاقتصاد) لا يمكن أن يكون برهانيا وكليا بل هو احصائي دائما لتجريبية مادته.وبذلك تسقط نظرية المعرفة المطابقة والتحليلات الأواخر مع بقاء التحليلات الأوائل لأن مادتها مقدرة ذهنية وليست معطيات تجريبية من موضوع خارجي.ويسقط التاريخ التقليدي الذي يحكي أحداثا موجودة في الخارجي من دون مقدرات ذهنية في علم العمران البشري والاجتماع الإنساني وتطبق على الخارج.ولهذا جاءت المقدمة أكسيومية من جنس الاكسيومية الرياضية لكنها في العمل وليس في النظر ولم تتبين هذه الخصائص لأن صاحبها لم يفصلها عن التطبيق.وهي أشبه بأنساق الفيزياء النظرية التي فيها شيء من الموجود الخارجي منها بأنساق الرياضيات ليس فيها شيء من الموجود الخارجي بل كلها متخيلة.ثورة ابن خلدون لم تنقل الأدب إلى الفلسفة بل طور شكل الإبداع الأدبي من محاكاة التاريخ إلى إبداع نماذجه كما تبدع الرياضيات نماذج الطبيعيات.كان عمل الرجلين هو هذه الثورة التي حصرت صفتي العلم التام في الإبداع الرياضي الادبي واعتبرت علم الخارج الطبيعي والتاريخي تطبيقا لنماذجهما.وهي ثورة لم تكن واعية بذاتها لأن الثورات العلمية ليس أصحابها بالضرورة واعين بها :العلم النظري والعمل العملي لا يحاكيان الوجود الخارجي.إنهما يبدعان نماذج نظرية يحاكيها علمهما التجريبي .فعلم الطبيعية الخارجية نماذجه مبدعات رياضية وعلم الحضارة الخارجية نماذجه مبدعات أدبية. 43 33
صحيح أن ابن تيمية لم يضرب إلا مثالين من المبدعات الذهنية رياضي ومنطقي .لكنه لم يستثن عداهما .وصحيح أن ابن خلدون لم يصف علمه مبدعا ذهنياونسب إليه صفتي المقدرات الذهنية التيمية :الضرورة والكلية اللتين نفاهما عن علوم الخارج .وإذن فعلم التاريخ البديل مقدر ذهني .فهم ذلك كان عسيرا.لكن عدم فهمه يجعل ما قاله ابن تيمية وما أنجزه ابن خلدون لغزين يتعذر على الأبستمولوجيا اليونانية التي عمل بها فلاسفتنا قبلهما أن تفسرهما.لا يمكن بنظرية في المعرفة تقول بالمطابقة أن تفسر الفرق بين علم المقدرات الذهنية وعلم الخارج .ففي حالتها يكون 2أولى من 1بتمام العلمية.لم يكن نقد ابن تيمية متعلقا بالتحليلات الأوائل بل الاواخر ولم يكن التاريخ جزءا من المنظومة الفلسفة فجعله الثاني منها بعد أن قلبها الأول.أعلم أن الكثير من أدعياء الحداثة لن يفهموا هذه الأمور وأن من يفهمها منهم لن يصدقها لأنها فعلا تبدو أمرا شبه مستحيل في عصرهما (8هـ14م).كل من يريد تحدي هذه المحاولة عليه أولا أن يدرس الابستمولوجيا اليونانية وعلة كونها قائلة بنظرية المعرفة المطابقة وعلة اخراج التاريخ منها.فإذا فهم ذلك وقرأ ما حدث من انقلاب على الامرين في عملهما أمكنه حينها أن يجد نفسه أمام استحالة ابستمولوجية لفهم هذا الانقلاب بما تقدم عليه.وسيفرض عليه الانصاف إن كان محبا للحقيقة أن يعترف بأن الرجلين قاما ثورة غير مسبوقة وهي ما تزال سارية المفعول ولا فضل لي إلا في الانتباه إليها. 43 34
الفصل التاسع من \"علوم الملة ما القصد من ضرورة تجاوزها لذاتها؟\" سيعالج مفارقة يعسر التفطن إليها من دون فهم وظيفة المقدرات الذهنية بصنفيها.رأينا أن علوم الملة قلبت العلاقة بين العالمين فلم تنته عما نهى عنه القرآن (الغيب) لوم تأتمر بما أمر به (علم الشاهد) وقاست الاول على الثاني.ثم أولت كل ما لا مثيل له في عالم الشهادة لترده إلى مثيل منه أو لتلغيه فصار العلم تعميما للشاهد الغفل والمعرفة العامية لأعراضه السطحية.وكانت علومها المساعدة مقصورة على اللغة والتاريخ لا تتعداها قبل أن يصبح أي منهما علميا خلطا بين قواعد تعلم اللغة وعلمها وبين الأثر والتاريخ.صحيح أنهم استعاروا من الفلسفة الذرية أولا ثم من الفلسفة المشائية ما اعتبروه علما نهائيا يؤسسون عليه ويستعملون مناهجه في الحجاج الكلامي.ومن مفارقات ذوي العجلة المعرفية توهم نظريات الفلسفة الذرية أو الفلسفة المشائية ومنهجياتهما قابلة لأن تكون مقدمات لعقائد الأديان المنزلة.فهذه النظريات مبنية على أن النوس-نظير الله في الأديان المنزلة-محايث في العالم الطبيعي لأنه هو نظام قوانينها وهي لا تقول بالحاجة إلى خالق.لذلك فهم يستعملونها لبيان الحدوث أو المخلوقية التي توجب وجود الخالقية فيكون العالم الحادث دليلا على الله الخالق :قيس الغائب على الشاهد.المصنوعات تدل على الصانع تعميم للسببية واستثناء ما يسمى بالسبب الأول منها مدعين ضرورة قطع التسلسل في السببية :الاستدلال يصادر على المطلوب.فالعلم الإنساني غير محيط وغني عن المطابقة مع الموضوع لأنه فن التعامل معه على ما يبدو عليه دون شرط شفافية الوجود ونفاذ العقل المطلقين.والدين عامة والإسلام خاصة مبني على أن العلم المحيط الذي يعلم الاشياء على ما هي عليه هو علم الله وحده وعلم الإنسان غير محيط وغير مطابق. 43 35
وهذا هو مفهوم الغيب الذي يختلف عن مفهوم الغائب .فالغائب نوعان: .1غائب نسبي أي ما ليس بعد معلوما مما يقبل العلم .2غائب بإطلاق لا يقبل العلمفحتى لو سلمنا أن النوع الأول يمكن أن يقبل قيسه على الشاهد أي قياس مستقبل العلم على ماضيه فإنه يفترض أن ما نقيس عليه علم مطلق وتام ونهائي.فنصل إلى مفارقة تنتج عن نفي الإحاطة وعدم قابلية الوجود للرد إلى الإدراك :بدلا من قيس الغائب على الشاهد صار العلم يقيس الشاهد على الغائب.فالشاهد هو الموجود الخارجي .وابن تيمية ينفي عن علمه صفتي الضرورة والكلية معتبرا إياه جزئيا دائما .فما طبيعة الموضوع الذي يتصف علمه بهما؟أولا هو موضوع غير موجود في الخارج .وثانيا هو ليس موضوع فعلي بل موضوع مقدر. إنه إبداع خيالي لا قيام له بذاته بل بذهن مبدعه وغائب في الخارج.هو إذن علم بنى مجردة ليست موجودة في الخارج بل وجودها هو تقديرها في الذهن وهي إذن تقوم في بنى رمزية خالصة تتعين بالتطبيق على موجود خارجي.الموجود الخارجي هو عالم الشاهد والمقدر الذهني هو عالم الغائب :علم الموضوع الشاهد في الخارج يقاس على علم المقدر الغائب في الخارج .قلب تام.العلم ليس قيس الغائب على الشاهد بل العكس هو الصحيح :هو قيس الشاهد الموجود في الخارج على الغائب في الوجود الخارجي :والغائب إبداع لبنى رمزية.هذه دلالة رؤية ابن تيمية في العلم النظري :عكس القياس الكلامي .وقياسا عليه تبين أن ابن خلدون قام بنفس القلب بالنسبة إلى العلم العملي.ومعنى ذلك أن علم العمران البشري والاجتماع الإنساني ليس تاريخا يعلم الشاهد بل هو نموذج مثالي غائب في الوجود الخارجي يقاس عليه تاريخ الشاهد.وهو ما حيرني منذ السبعينات .لذلك سميت أول كتاب في فكر ابن خلدون \"علم الاجتماع النظري الخلدوني\" :فهو ليس علما للاجتماع الشاهد بل لمثاله. 43 36
وقد قدمته موضوع \"\"شهادة التعمق في البحث \"DRAالمناظر لدكتوراه الحلقة الثالثة لكني تخليت عنه وفضلت كتابة رسالة في دور الرياضيات في علم أرسطو بالفرنسية.وفيها بينت أن أرسطو كان على عتبة الثورة التيمية لكن ما أعاقه هو تصوره الرياضيات علما لبنى المادة في الموجود وليست إبداعا ذهنيا خالصا.فلكأنها عنده ناتجة عن التجريد من الوجود الفعلي في الخارج وليست إبداعا فرضيا لبنى مجردة قد تقبل التطبيق على الموجود الخارجي دون مطابقة.إذا كان الوجود الخارجي لا يقبل العلم الكلي والضروري فما العلاقة بين هذين الصفتين وعلم التقدير الذهني الذي يقبلهما؟ ما العلة في ذلك؟ولماذا يحتاج علم الوجود الخارجي التجريبي إلى علم المقدر الذهني غير التجريبي؟ تلك هي المسألة التي حيرتني ولم ألمح الطريق إلى حلها إلا مؤخرا.فلأصغها أولا قبل بيان ما لمحته من حل ممكن لما شرعت في قراءة القرآن فلسفيا باعتباره موضوع علم وليس موضوع عقد :وذلك سنة 2003في كوالالمبور. المسألة هي :ما طبيعة اللقاء بين المعرفي والوجودي (والمعرفي منه)؟ ما الذي يجعل بعض الموجود ينعكس على ذاته وعلى غيره ليدركه ويعبر عنه معرفيا؟كلنا يعلم أن اليونان طرحوا المشكل وأجابوا عنه جوابين متقابلين إلى حد التناقض :حل أول :لقاء المعرفة وموضوعها الوجودي هو ما بينهما من تماثل.الحل الثاني :نقيضه لقاؤهما هو ما بينهما من عدم تماثل .لكن لا الحل الأول بين فيم يتمثل التماثل ولا الثاني فيم يتمثل عدمه .بقي المشكل مفتوحا.لما قرأت الآية 53من فصلت أصابني ما يشبه الذهول :آيات الله في الآفاق والأنفس. فلا شك أن الآفاق والأنفس وجود خارجي بالقياس إلى المعرفة.فما طبيعة الآيات التي يرينا الله فيها لنعلم حقيقة القرآن الذي هو أيضا من الوجود الخارجي؟ إن الآية هي الرمز الدال على معنى ما هي آية فيه.آيات الله في الآفاق والأنفس رموز فيها بوصفها موضوعات ذات وجود خارجي .وهي رموز دالة على حقيقة القرآن الذي هو موضوع موجود في الخارج. 43 37
فإذا تذكرنا أن الإنسان اعتبر أهلا للاستخلاف لأنه تعلم الأسماء كلها وهي رموز اللقاء بين المعرفة كوجود يعود على الوجود الخارجي شرطا في إدراكه.المقدرات الذهنية هي التعامل مع الرموز وكأنها مرموزات وإبداع بنى مجردة منها في فرضيات كلها خيالية شرطها اعتبار الرموز نفسها موجودات اسمية.لذلك يمكن القول إن المقدرات الذهنية لعبة اسماء نبدع لها دلالات خيالية فتكون الرياضيات والآداب من الألعاب الاسمية كاليوتوبيا والميثولوجيا.والطبيعة والتاريخ وكل ما نعتبره وجودا في الخارج حالات خاصة منها فتلتقي معها في قوانين خفية تجمع بين الآيات وما هي آياته الدالة عليه.وبذلك بدلا من الانطلاق من التجربة نحو النظرية العلم الحقيقي ينطلق من النظرية التي هي لعبة أسماء إلى التجربة كحالة خاصة من قوانين الأسماء.وفي هذه الحالة نكون قد تخلينا نهائيا على وهم المعرفة المطابقة لنكتفي باعتبارها تعاملا ناجعا مع الوجود الخارجي بألعابنا الرمزية أو الاسمية.لكن هذا الحل قد يبدو مناقضا لموقفي من الاعجاز العلمي .كيف أبني حل لمشكل ابستمولوجي عويص على ما أوحت به فصلت 53وأواصل نفي الاعجاز العلمي؟لا بد هنا من تعريف القصد بالأعجاز العلمي :هو الوهم القائل أصحابه بأن القوانين العلمية المعينة للظاهرات معنية موجود في نص القرآن كقوانين.وهذا بالذات ما تنفيه فصلت .53فهي تقول إن معرفة حقيقة القرآن ليست في نص القرآن بل هي تطلب من آيات الله التي يرينها في الآفاق والأنفس.فالقرآن هو الذي ينفي الأعجاز العلمي للقرآن لأنه يدعونا للبحث عن القوانين العلمية عامة ولحقيقته هو خاصة في آيات الله في الوجود الخارجي. وهذا البحث يحتاج إلى أمرين: .1المقدرات الذهنية وهي قدرة إنسانية على إبداع عالم اسمي خيالي يتعامل معه وكأنه مسميات بافتراضات بنيوية حرة. 43 38
.2ثم التجربة النسقية بأدوات تقنية تقوي الإدراك الحسي للوجود الخارجي انطلاقا من فرضيات تقيس مجرى الوجود الخارجي على مجرى المقدرات الذهنية.إدراك الآيات في الوجود الخارجي ليس إدراك لوجود خارجي بل هي بانطباقها عليه تكون القوانين المجردة للوجود الخارجي :قيس الشاهد على الغائب.ذلك هو ما أذهلني :المنهج العلمي يعكس منهج علم الكلام :لا يقيس الغائب على الشاهد بل يقيس الشاهد (الوجود الخارجي) على الغائب (المقدر الذهني). 43 39
الفصل العاشر والأخير يكمل الجواب عن التعارض البادي من رفض الأعجاز العلمي والكلام على أمر في القرآن يمكن اعتباره منه :ما طبيعة ما استمده منهواعتقد أن الجواب بيّن وسأقوله دون إطالة :هل يمكن رد الفلسفة إلى القوانين العلمية المعينة والبعدية المشروطة بالبحث العلمي النظري التجريبي؟الفلسفة لا ترد إلى العلوم الجزئية البعدية .هي فعل جامع بين الإبداعين الرياضي والأدبي الراقيين وهي قبلية بالضرورة .هي شرط العلم وليست علما.تلك هي منزلة ما استمده من القرآن :فهو عندي فلسفة دين أي فلسفة وجود وفلسفة تاريخ مبنية على نظرية المعرفة الحاصرة للمطابقة في علم الله.ميزت بين القول بالإعجاز العلمي والقول بفلسفة العلم ولأمر الآن إلى الغاية من هذا العمل لأختم بتحديد القصد من ضرورة تجاوز علوم الملة للاستئناف.ولأضف ملاحظة تخص النوع الثاني من الإبداع :فمثلما أنه في النظر ينتج المقدرات الذهنية الرياضية فإنه في العمل يبدع المقدرات الذهنية التاريخية.ما يسمى بالأدب الواقعي هو من جنس العلم المبني على اعتبار ظواهر الأشياء الطبيعية هي حقيقتها فيكون تصور العلم استقراء لما يسمونه واقعا.والعلم لم يصبح ممكنا إلا بعد أن عكس العلاقة بين ما يسميه واقعا وما يسميه مثالا خياليا ومثله الأدب لن يصبح ممكنا إلا بنفس العكس بينهما.آدابنا تعاني من نفس التخلف في علومنا لأننا لم نفهم بعد أن العلم بحق في النظر والأدب بحق في العمل كلاهما يقيس الشاهد على الغائب وليس العكس.العلم والعمل كلاهما يبدع مثال الشاهد ليقيسه عليه وليس العكس إلا كبداية قبل أن نفهم أن ما نسميه واقعا مشهودا حالة سطحية من واقع لا مشهود.وهذه العلاقة ليس بالمعنى الأفلاطوني فالواقع اللامحسوس من إبداع قدرة التسمية عند الإنسان وليس وجودا مفارقا من جنس الوجود المحسوس وأكمل منه. 43 40
فالله يبدع علمه بكن وبه يخلق العالم الطبيعي ومنه الإنسان الذي له القدرة والتكليف لإبداع علم وعمل ينتج بهما الحضارة بتعمير الأرض.ولا بد أن يتحقق مثال العلم والعمل في عالم الأسماء قبل أن يصبحا قابلين للتطبيق على \"الواقع\" الخارجي بقيسه عليهما دون رده إليهما.والسؤال :ماذا يعني كلام القرآن عن إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤهم عن الأديان الطبيعية التي هي من مقدرات ذهنية من جنس علم الكلام؟هل \"المقدرات الذهنية أدبية كانت أو علمية\" تقتصر على وظيفة العلوم المساعدة كنماذج نظرية وعملية لعلم الآفاق والأنفس وتستثني الأديان الطبيعية.فتكون المقدرات الذهنية الكلامية \"إن هي إلا أسماء\" مثل الأديان الطبيعية لأنها قلبت فصلت 53وتجرأت على آل عمران 7وتلك علة رفضها من السلف؟كيف يوجد دين (الإسلام)يحدد الممكن وغير الممكن في العلم والعمل فيجعلهما عبادة وأداتي استعمار الأنسان في الأرض وظيفة وبقيم الاستخلاف خلقا؟ذلك هو ما اعتبره الدليل القاطع على صحة هذا الدين لأنه يعتبر الإنسان بكيانه ونظره وعمله متميزا بهما وبالقيم المحررة من اخلاده إلى الأرض.وقد اعتبر الحجة الحاسمة الدالة على أهليته للاستخلاف-في المشهد الحواري التأسيسي- قدرته على تسمية كل شيء من العالم الخارجي لاختبار أهليته.واختبار أهليته مشروط بحريته وبتجهيزه لأن يكون مسؤولا عن نجاحه أو فشله\" :الم نجعل له لسانا وشفتين -الكلام-وهديناه النجدين-للسلوك\" وعلاماتهما.والعلامات هي التي تبين أنه قدر على التخلص من التاريخ الطبيعي :فيلغي العبودية ويتقاسم الرزق مع المحتاجين وهما شرطا الأخوة البشرية والمساواة.وعدم التخلص من التاريخ الطبيعي هو ما لأجله اعتبرت الملائكة آدم في الحوارية التأسيسية \"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء\" نافين أهليته.ولهذه العلة كانت أدلة القرآن على الحكمة الإلهية مبينة على النظام الطبيعي المحقق للشروط الخارجية وبتحميل الإنسان فضل نجاحه أو مسؤولية فشله. 43 41
وما يزيدني حيرة هو أن ابن تيمية لا يعترف بخاصية الضرورة والكلية إلا للمقدرات الذهنية وللمعتقدات الدينية التي اعتبرها صحيحة :فماذا يعني ذلك؟هل معنى ذلك أن \"المقدرات الذهنية\" النظرية والعملية التي هي ليست علما لموجودات خارجية مثل المعتقدات الدينية الصحيحة مقومة للإنسان كفطرة؟هذا هو الحل الوحيد للاشتراك في الكلية والضرورة بين المقدرات الذهنية التي قدم منها مثال الرياضيات والمنطق والمعتقدات الدينة الصحيحة.وإذن فهو يمزيهما بالفطرية عن العلم والعمل المتعلقين بالوجود الخارجي المحتاجين للاكتساب والتجربة المقيس عليهما بعكس القياس الكلامي.فلماذا يضرب مثالي الرياضيات والمنطق عما سماه مقدرات ذهنية ولم يذكر من بينها المعتقدات الدينية الصحيحة والفطرية رغم الاشتراك في الصفات؟مشكل لم أجد له حلا في عمله رغم أن الحل الديكارتي يقرب منه :فعنده أن كل الحقائق فطرية وليست مكتسبة وأنها هي أساس المكتسب من العلم والعمل.وأكثر من ذلك فعنده أن الاعتقاد في وجود الله شرطها جميعا انطلاقا من المقابلة بين تمام صفاته الذي يفترضه التضايف مع عدمه عند الإنسان.ولا يستثنى من صفات الإنسان إلا الإرادة التي يعتبرها لامتناهية وهي ما يمكن أن نعتبره رمز الحرية التي تبنى عليها المسؤولية أو التكليف الديني.وبقية الصفات-العلم والقدرة والحياة والوجود-فهي كلها ناقصة بالقياس إلى مثال مطلق منها ينسبه إلى الله وينفيه عن الإنسان المحتاج إلى التجربة.فكان يعتبر الحاجة إلى التجربة لمعرفة الوجود الخارجي من علامات نقص صفات العقل والقدرة والحياة والوجود الإنسانية :شرط المعرفة المكتسبة.لكن ابن تيمية يعتبرها من ضرورات التواضع الإنساني لأن علمه وعمله لو كان غنيا عما يشده لما يتجاوزه رغم كونه ينتسب إلى الحس لادعى الألوهية.فنصل إلى أهم اسرار الوجود :فما موضوع للإدراك الحسي في الوجود الخارجي وفي الذات مهما كان تافها فيه من الغيب ما لا يمكن للعقل الإحاطة به. 43 42
ولهذه العلة يبقى علمه للوجود الخارجي ناقصا دائما لعدم الإحاطة وهو بالضرورة علم إحصائي خال من الكلية والضرورة ووظيفة المقدرات مده بالنماذج.ولأختم هذه المحاولة بتصنيف نوعي العلم والعمل :الفطري والمكتسب .والاول فيه المعتقدات الفطرية والمقدرات الذهنية والثاني كل العلوم التجريبية.والمعتقدات الدينية وحي خالص والكلام تحريفها والمقدرات الذهنية عقلية خالصة ولا دخل للتجربة فيها والتجريبية كلها احصائية دائمة التكامل.وأنا أضيف لهذا التصنيف التيمي المقدرات الذهنية الأدبية التي هي إبداع نماذج العمل وليس العلم والقرآن حدد نوعها في شرط الشعر المقبول.فالتطابق بين قمة القول(الشعر) وقمة الأخلاق (الفعل) هو معيار الإبداع الذي يمثل القيم الخمس :الجلال والجمال والحقيقة والخير والحرية (فطرة).آمل بهذا أن يفهم الشباب أن سعي كاريكاتور التحديث إلى إيهام الناس بأن الحقيقةالدينية لا وجود لها وأن الأديان إيديولوجيات دليل قصور عقولهم وأنهم بهذا الموقفدون كاريكاتور التأصيل فهما للدين ولوظيفته رغم أن هؤلاء يعتمدون على علوم مزيفة بنوها على قلب فصلت 53وتجاهل آل عمران .7لكن الإسلام بين مجال المعرفة العلمية والعملية وبين حدود المعرفة الإنسانية فخلصنا من شرطي الطاغوتين :سلطة وسيطة روحيا وسلطة ومستبدة سياسيا. 43 43
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 50
Pages: