أبو يعرب المرزوقي re nils frahm علاقة العاجل بالآجل أو تحقيب جهاز الإنسان المعرفي والقيمي الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 6 - -الفصل الثالث 12 - -الفصل الرابع 19 - -الفصل الخامس 26 - -الفصل السادس31 -
-- سأنطلق في هذه المحاولة من راهن المعركة الانتخابية في تونس .فهي عينة مما تعيشه المجتمعات العربية عامة في كل شؤونها الدنيوية وحتى الأخروية .والظاهرة التي اريد رصدها لا علاقة لها بالأعراق ولا حتى بالثقافات .وهذه الإشارة هدفها التخلص من زعم البعض أن العرب استثناء في تاريخ الإنسانية .إنها ظاهرة كونية .وما اهتممت أبدا بالخصوصيات لأني لا أومن بوجودها إلا في اساليب تعين المعاني الكلية .وهو موقف فلسفي بالأساس .لكنه أيضا هو عين الموقف الذي يعتمد عليه القرآن في تحديد نظرية الإنسان - الانثروبولوجيا القرآنية وما يترتب عليها في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ إيجابيهما وسلبيهما أي ما ينقده منهما وما يقدمه بديلا مما ينقده بمنطق التصديق والهيمنة. وهذه الظاهرة قابلة للرد إلى النضوج الحضاري الذي يمكن تحقيبه وهو تحقيب كوني بمعنى أن الإنسانية كلها تمر به باعتباره تحقيقا للتجهيز المعرفي والقيمي في الجماعة الذي يمكنها من تحديد علاقة الآجل بالعاجل في سد حاجات البشر رغم هذا المرور يخضع لأساليب مختلفة تحددها الأحياز الخمسة التي هي المكان والزمان وفعل المكان في الزمان أو الثروة وفعل الزمان في المكان أي التراث وما يوحد هذه الأحياز أو الرؤية الوجودية التي تترتب على نضوج جهازي الإنسان للقيام بمهمتيه أي جهاز النظر والعقد للمعرفة وتطبيقاتها في علاج العلاقة بالطبيعة وجهاز العمل والشرع للقيمة وتطبيقاتها في علاج العلاقة بالتاريخ. وبهذا المعنى فإن الأمر كله يعود إلى سد الحاجات وطبيعتها ودور بعدي السياسة أي التربية والحكم في علاجها وفي علاج الموقف منها من خلال مفهوم اورده هنا وهو مفهوم العلاقة بين العاجل والآجل في سدها والعمل عليه وإذن فالأمر كله رهن تطور الجهازين وقوانينه: .1تطور جهاز النظر والعقد ودوره في علاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة مصدر حاجاته التي تنقسم إلى قسمين حاجات الرعاية وحاجات الحماية. أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- .2تطور جهاز العمل والشرع ودوره في علاج العلاقة بين الإنسان والإنسان أساس نظام العيش المشترك وتقسم العمل وثمرته في الجماعة. ما سأقدمه في هذه المحاولة رغم كونه مغرقا في التنظير الانثروبولوجي فإنه قابل للفهم بيسر لأنه عين مسار تاريخ تكون الإنسانية من حيث هي مبدعة لشروط قيامها بجهازيها أو أداتي الاستعمار في الأرض (النظر والعقد) والاستخلاف فيها (العمل والشرع): .1إما بمجرد تطبيقه مثلا على وضعية الانتخابات الحالية في تونس وما يحول دون سلامتها التي تجل على النضوح الديموقراطي من فساد شراء الذمم ليس من حيث وجودهما بل من حيث مستواهما الكمي والكيفي لأنهما موجودان في كل الجماعات أيا كان نضوجها الحضاري وثقافتها الديموقراطي. .2أو بقراءة مقدمة ابن خلدون في ضوئه لأنها مبنية على مراحل النضوج الحضاري في علاقة بسد الحاجات وشروط تحقيق الرعاية أو العلاقة بالطبيعة خاصة والحماية أو العلاقة الأفقية بالتاريخ خاصة وذلك ببعدي السياسة أي تكوين الإنسان وتربيته وتنظيم الجماعة وحكمها شرطين في إبداع أدوات سد الحاجات المادية (سد الحاجات غاية للعمران) والروحية (الأنس بالعشير غاية للاجتماع) في الجماعة. وقد سبق فصغت النظرية التي تمكن من التحقيب بصورة أكثر وضوحا من مبدأ التحقيب الخلدوني المبني على مفهوم \"نحلة العيش\" التي ركز فيها على أحد بعديها أعني العمراني أي العلاقة بالطبيعة خاصة وأغفل الاجتماعي أي العلاقة بالتاريخ خاصة رغم أنه على الاقل في كلامه على الترف تدارك الأمر فاهتم بالبعد الثاني من نحلة العيش .ويتبين ذلك من خلال المفهومين اللذين اضطررت لوضعهما حتى أميز بين البعدين مع تكييف لهما بمقتضى ما يساعد على التحقيب الأدق من التحقيب الذي اختاره ابن خلدون والذي يرجع إلى جنسين كل منهما له عدة أنواع متوالية: .1جنس العمران البدوي وأنواعه بدايتها بداوة الأعراب أو العيش في الصحراء مع الابل وغايتها نشأة الدول وبداية الاستقرار مع نحل العيش البدائية التي لا تتجاوز أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- الزراعة والتجارة فيها وفي ما يترتب على البضاعتين الأساسيتين أي حصيلة العمل وحصيلة الجنس أو ثمرة العمل والعبودية وخاصة الجواري. .2جنس العمران الحضري وأنواعه وبدايته نهاية العمران البدوي أو تأسيس الدول والمدن وغايته الترف الذي يأتي بعد الاقتصاد الناتج أساسا عن \"الصناعة\" وتطبيق المعرفة العلمية في مراحلها البدائية .والغاية هنا فيها انحدار حضاري يعيد الجماعة على الاقل في جلها إذا ما استثنينا أصحاب القوة والمال إلى ما يشبه النكوص إلى بداوة الأعراب (ابن خلدون يستعمل العرب في دلالة انثروبولوجية لا عرقية بمعنى البداوة القصوى كالأكراد وكل من يعيش على تربية الأبل في أقاصي الصحراء). أما المفهومان اللذان وضعتهما فهما استعارتان تصفان نوعي الحاجات العضوية والحاجات القيمية بصنفيها الخلقية والجمالية: .1فسميت الأولى بصنفيها المائدة والسرير واعتبرت القيم الخلقية ناتجة عن مراحلهما دون أن أشير إلى ذلك وسأفعل هنا حتى يتم القياس على الثانية التي أشرت فيها للقيم الجمالية حتى أدخلها في التحقيب باعتباره أحد معاييره. .2وسميت الثانية بصفنها فني المائدة والسرير واعتبرت القيم الجمالية ناتجة عن مراحلهما وقد سبق أن اعتبرت القيم الجمالية داخلة في التحقيب بنفس الاعتبار. فيكون لدينا المتغيرات التالية لتحقيق التحقيب الذي سأعرضه اجمالا ثم أفصله لاحقا بدراسة الحقب كل واحدة منها على حدة لأبين علاقة العاجل والآجل فيها ومن ثم طبيعة العلاقة بين التجهيزين النظري والعقدي في المعرفة والعملي والشرعي في القيمة. فتكون الحقب على النحو التالي: .1حقبة ما دون المائدة والسرير وقيمهما وهي الحقبة التي يسميها ابن خلدون حقبة الأعراب بالمعنى الانثروبولوجي أي حقبة نحلة العيش على تربية الأبل في أقصى الصحاري. أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- .2حقبة المائدة والسرير وقيمهما دون فنيهما وهي بداية البداوة العادية التي تشرع في سن بعض القواعد العامة للعيش المشترك السلمي في القبائل وبينها. .3حقبة بداية فني المائدة والسرير أو نشأة المدن والدول حول مصادر الرزق وخاصة الزراعي وتطوير تدجين الحيوان. .4حقبة فني المائدة والسرير المعتمدين على تطور الزراعي وبداية الصناعي أي بالتدخل في تهجين الحيوان وتشتيل الزراعات. .5حقبة الترف أي العودة إلى ما دون المائدة والسرير بسبب الغلو في فنيهما عند الأقلية المستولية على الثروات والقوة وما يترتب عليه من فقدان الحد الأدنى من المائدة والسرير للأغلبية فلا تبقى لها القدرة على قيمهما ويندثر معهما فناهما. وكل ذلك في المرحلة المتقدمة على الحداثة التي ستليها خمس مراحل من نفس الجنس ولكنها بسبب علاج علل الانحطاط الناتج عن الترف: .1حل التوسع الاستعماري بفضل التقدم التقني في الحرب. .2ثم توفير الانتاج بفضل التقدم التقني في الانتاج. .3ثم حل الزراعة الصناعية بفضل التقدم التقني في التغيير العضوي .4ثم حل علاج البيئة لتجنب نتائج التقنية الوخيمة .5ثم فساد الأرض بترف الاقلية وعموم الفقر على الأغلبية فيكون الحل إما في اكتشاف عوالم جديدة او في الحد من النسل بحروب الدمار الشامل. وأختم هذا الفصل الأول بتعليل كتابتي لهذه المحاولة :أريد أن أثبت أن ما يجري في بلاد العرب ليس لأن العرب عرب بل لأنهم نكصوا إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام .وأعني أنهم اليوم وخاصة من يتصورون أنفسهم أغنياء العرب وجل المسلمين صاروا في وضع شبيه بالوضع الذي صار عليه الاسبان لما استعاضوا عما حصل في بقية أوروبا بالاستعمار الذي مكنهم من استغلال ثروات أمريكا اللاتينية وأهملوا شروط الانتقال من الانحطاط العلمي أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- والتقني والسياسي الذي نتج عن قوة زائفة مبنية على هذه الثروات التي هي ثمرة الغزو وليس ثمرة العمل والعلم وتطبيقاتهما .فأصبح الاسبان والبرتغال اللذين كانا تقريبا من حيث القوة العسكرية أشبه بالمغول الذين غزوا دار الإسلام متخلفين علميا وتقنيا واستطاعوا بالقوة العسكرية هزيمة المسلمين في حرب الاسترداد واستعمار الكثير من بلدان العالم والاستفادة من ثرواتها دون عمل وعلم. وهذا عينه ما حدث للمسلمين الذين كما سبق أن بينت عكس علماؤهم ما أمروا به في القرآن الكريم أعني جعلوا نهي آل عمران 7أمرا وـأمر فصلت 53نهيا مع ما حصل للحكام المستبدين من ترف وثراء فاحش في مجتمعات نكصت إلى البداوة القصوى وانتهى كل إمكانية للانتقال من العيش على ما تنتجه الطبيعة إلى ما ينتجه الإنسان بعلمه وعمله من خلال استثمار ثروات الطبيعة. عرب اليوم مثلهم الافقر من الشعوب الإسلامية مثل دولتي الإسلام الهندي جل أغنيائهم هم في هذه الوضعية ويكفي دليلا على ذلك أن أكبر بلد في الخليج وأكبر بلد في المغرب كلاهما يعيش على شركة البترول أي سناتراك وأرامكوا والبقية هم بالطبع ما تزال اغلبيتهم في القرون الوسطى من حيث الفقر والجوع .وهم إذن في وضعية لا يمكن أن تنجح فيها الديموقراطية وحياة الحرية والكرامة لأن الشعوب التي نكصت إلى ما يشبه ما وصف به ابن خلدون أعراب البل والصحراء القصوى ومن ماثلهم من الشعوب التي تتنازل عن قيم المائدة والسرير الخلقية والذوقية لأن الجائع مستعد لكل الجرائم الخلقية ولا يفكر في الذوق إذا كان لا يستطيع أن يحقق الحد الأدنى من \"العيش\" بلغة مصر .ومثل اليوم أفضل مثال .وليست بقية العرب بعيدة عن ذلك حتى وإن كانت الظاهرة في مصر وفي اليمن وما يماثلهما ـأبرز بسبب كثرة السكان وقلة الثروات وفساد الانظمة وكثرة المافيات بين النخب من كل الاصناف. أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- هدفي من الكلام في علاقة العاجل بالآجل فهم ما يجري من ظاهرات تبدو غير طبيعية في بلاد العرب خاصة والمسلمين عامة .فالمسلمون والعرب يتهمون بكونهم أشبه بالاستثناء قياسا إلى غيرهم من الأمم التي تعيش في هذا العصر .ويقتضي ذلك أن أنطلق من الغاية التي من المفروض أن يصل إليها تطور الجهازين اللذين هما مدار ما اعتبر غايته القابلة لأن تصبح أشبه بالظاهرة الحية نفسها من حيث التجدد المستمر بآلية الأجيال المتكررة: .1تطور جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية. .2تطور جهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية وذانك هما بعدا مهمة الإنسان من حيث هو مستعمر في الأرض أي العلاقة العمودية بينها وبين الطبيعة ومن حيث هو مستخلف فيها أي العلاقة الأفقية بينه وبين التاريخ .ومعنى ذلك أن الحياة التي هي من الظاهرات الطبيعية والتي تخضع للضرورة الشرطية قد توصلت إلى آلية التجدد الدائم بتوالي الأجيال عضويا وبقانون الوراثة نظاما. وقياسا على تطور الحياة تحاول الثقافة التي هي من الظاهرات التاريخية والتي تخضع للحرية الشرطية محاكاتها من حيث آلية التجدد الذي يضمن الاستمرار تاريخيا بقانون يحاكي نظام الوراثة العضوي هو نظام التراث .وهي من تدين لهذه الآلية العضوية بنموذج آلية التجدد الدائم بتوالي الأجيال ليس عضويا عامة بل تاريخيا ليس فيه قانون الوراثة العضوي بل فيه قانون الإراث المكتسب: .1ويكون ذلك أساس التراكم وتطور قدرات جهاز النظر والعقد للمعرفة وتطبيقاتها من أجل سد الحاجات الشارطة لبقاء الإنسان عضويا وتلك هي العلاقة العمودية بالطبيعة :إنتاج الثروة للرعاية وللحماية .وهذا هو الاستعمار في الأرض. .2ويكون ذلك أساس التراكم وتطور قدرات جهاز العمل والشرع للقيمة وتطبيقاتها من أجل سد الحاجات الشارطة لبقاء الإنسان ثقافيا وتلك هي العلاقة الأفقية بالتاريخ: تنظيم الانتاجين لتحقيق الغايتين .وهذا هو الاستخلاف. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- ولما كان الأول مستحيل البقاء من دون الثاني وكان الثاني مستحيل الوجود من دون الأول وكانت هذه العلاقة هي المحددة لكيان الإنسان فردا وجماعة أصبحت هذه العلاقة تشارطية بينهما أساس كل الحضارات الإنسانية والحضاري الكوني الواحد فيها جميعا: • فالأول هو شرط وجود الثاني لأنه الدافع إليه وسيلة لتحقيق شروط الرعاية. • والثاني هو شرط بقاء الأول لأن المحافظ عليه بما يحققه من شروط الحماية. فيكون الأول ممثلا لعالم الأدوات والثاني ممثلا لعالم الغايات .وبلغة أوضح فإن الطبيعي علة شرط وجود الثقافـي وشرط عدمه .والثقافـي شرط بقاء الطبيعي وشرط فنائه .وتلك هي بنية التطور الحضاري الإنساني كما تحصل فعلا في التاريخ وكما يمكن استخراجها من فهم القرآن بوصفه استراتيجية التوحيد ومنطق السياسة التي تترتب عليه بمها فن أنجازها: .1وما يحقق التشارط بين الجهازين هو الجماعة ودولتها في عالم الشهادة أو الدولة الدنيوية التي هي علاقة بين الطبيعة والتاريخ وما بعدهما .وذلك هو موضوع السياسة الدنيوية ولنسمها دولة الإنسان .وهي لا تفعل إلا في عالمي الضرورة الشرطية أو الطبيعة والحرية الشرطية أو التاريخ. .2وما يحقق التشارط بين ما يناظرهما في الوجود ودولته في عالم الغيب أو الدولة الأخروية التي هي نموذج العلاقة الأولى لأنها علاقة الطبيعة بما بعدها وعلاقة التاريخ بما بعده .وذلك هو موضوع السياسة الأخروية ولنسمها دولة الله .وهي التي نفترضها فاعلة في عالم الضرورة اللاشرطية والحرية اللاشرطية وأثر فعلها فيهما هو الضرورة الشرطية والحرية الشرطية المؤثرة في دور الإنسان من حيث هم مستعمر في الأرض ومستخلف فيها. والدين في القرآن الكريم هو الجامع بين الدولتين أو المضمونين المتشارطين بعابرة صريحة في القرآن في شكل عقد بين الله مستخلفا والإنسان خليفة وهذا العقد يجعل سياسة أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- عالم الشهادة ذات مثال أعلى هو سياسة عالم الغيب .والقرآن يعرض هذا الدور النموذجي عرضا مضاعفا: • قسمه الأول هو نقد رؤى الدولتين :الدنيوية والأخروية. • قسمه الثاني هو تقديم البديل من هذه الرؤى. وذلك هو مضمون الرسالة الخاتمة المذكرة بالرسالة الفاتحة .ومن ثم فالإسلام ليس دينا من بين الأديان بل هو الديني في كل دين أعني أنه الديني بعد تحرير الأديان السابقة من التحريف المضاعف أعتي التحريف المعرفي بإصلاح نظرية النظر والعقد والتحريف القيمي بإصلاح نظرية العمل والشرع. وسأخصص هذا الفصل الثاني لبيان البنية العامة التي تتجلى من هذا النقد والبديل والسؤال عن سر غيابهما في علوم الملة تنظيرا وتطبيقا ما جعلني أعتبرها تحريفا لمضمون القرآن والرسالة التي يتضمنها من حيث هي ما أسلفت من التحديد: .1والأمر الأول سبق أن عالجته لأنه الموضوع الاول والأخير في محاولة التفسير الفلسفي للقرآن التي عنونتها باستراتيجية القرآن التوحيدية. .2لكن الأمر الثاني هو موضوعه الثاني كما جاء في عنوانه هو هذه السياسة التي تؤسس سياسة الإنسان في عالم الشاهد أو في الموجود هي طلب المنشود من خلال ما تشرئب إليه من سياسة الله في عالم الغيب كما يقصه القرآن .والقرآن يقص ما يؤدي دور النظر والعقد وهو نظام الخلق الذي يصفه القرآن بكونه رياضيا أساس النظر والعقد وتأسيسا لعلاقة الإنسان العمودية بالطبيعة أو التسخير وما يؤدي دور العمل والشرع وهو نظام الأمر يكونه اخلاقيا وأساس للعمل والشرع أو التكليف. فالسؤال عن سر غيابهما في علوم الملة يتبين من التنافي بين مآلها بالقياس إلى منطق السياسة المحمدية الغائب في علوم الملة أعني سياسة النظر والعقد وسياسة العمل والشرع تكوينا للجهازين بمنطق الغاشية .22-21 أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- وما كان ذلك يكون كذلك لولا عدم التفطن إلى أن القرآن في جوهره هو الاستراتيجية التي تحدد العلاقة بين الدولتين وهي المعنى العميق للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. فهذه العلاقة ليست شيئا آخر غير العلاقة بين الطبيعة والتاريخ ودولة الإنسان في عالم الشهادة وما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ ودولة الله في عالم الغيب .وطبيعة العلاقة بين الدولتين هي علاقة المثال الثاني للمثول الأول .لكن علوم الملة بسبب عدم إدراك هذه الحقيقة وعدم اتباع الغاشية 22-21جعلوها نسبة سلطان للإنسان مربيا وحاكما لا يبقي عليه خليفة بل يؤلهه: .1فالمربي لم يطبق \"إنما أنت مذكر\" بل صار وسيطا بين الإنسان وربه بدلا من أن يكون مولدا بالمعنى السقراطي وهو معنى التذكير فأصبحت التربية كما وصفها ابن خلدون عنفا يفسد معاني الإنسانية في الأجيال ومن ثم فهو يفقد الثقافة ما تستمده من الحياة ويفقد الحياة ما تستمده من تجددها العضوي. .2والحاكم لم يطبق \"لست عليهم بمسيطر بل صار وصيا بين الإنسان وشأنه بلدا من أن يكون ساهرا على النظام القيمي وهو معنى \"لست عليهم بمسيطر\" .فاكتمل قتل التجدد الذي يعرفه في القرآن باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو المشاركة في الشأن العام فرض عين على إنسان. والآن فلنحدد بنية الدولة سواء كانت أخروية أو دنيوية من عالم الغيب أو من عالم الشهادة .وهذه البنية واحدة إذا نظرنا إليها من حيث هي بنية مجردة ولم ننظر في المضمون الذي لا نعلم منه إلا ما كان من عالم الشهادة وما يمكن أن يستنتج من عالم الشهادة باعتباره رامزا لعالم الغيب. دولة عالم الشهادة محكومة بالضرورة الشرطية في بعدها الطبيعي وعلاجه يكون بجهاز النظر والعقد وتطبيقات المعرفة التقنية وبالحرية الشرطية في بعدها التاريخي وعلاجه بجهاز العمل والشرع وتطبيقاته القيمة الخلقية .لكن دولة عالم الغيب محكومة بالضرورة أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- اللاشرطية في بعدها الخالق وعلاجه فعل الخلق المجهول تماما وبالحرية اللاشرطية في بعدها الآمر وعلاجه فعل الأمر المجهول تماما. لكن القرآن في مستوى العبارة الرامزة وليس العبارة المحددة للمقومات يمكننا من اعتبار دولة عالم الغيب هي المثال الأعلى لمنشود دولة عالم الشهادة وليست مما يقبل المقارنة مع موجودها ولا حتى مع غاية منشودها إذا قيس بما للإنسان من تجهيز في النظر والعقد وفي العمل والشرع. لكن علماء الملة وخاصة المتكلمون والفلاسفة (أصحاب النظر والعقد) وبنحو أقل الفقهاء والمتصوفة (اصحاب العمل والشرع) توهموا أن ما يقوم به القرآن في قيس المثال على الممثول في العبارة الرمزية يعني قابلية القيام بالعكس واعتبار الغيب غائبا وقيسه على الشاهد ومن ثم انعكست العلاقة فأصبحت سياسة عالم الشهادة يتوهم أصحاب بعدها التربوي وسيطا ثم بديلا من الله لأن المتكلم يدعي أنه يصوغ العقائد أفضل من القرآن فصار لكل مذهب عقيدته والفيلسوف يدعي أن علمه مطابق لحقائق الأشياء على ما هي عليه فصار لكل فلسفة واقع مردود إلى عقلها الذي صار كأنه \"عقل\" الله. وبذلك أصبح تطور الجهازين مستحيلا لأنهما إذا كانا مطابقين للحقيقة وليسا اجتهادا قابلا للتجاوز دائما استحال أن يحصل تطور دائم فيجمد النظر والعقد والعمل والشرع في الشكل الأول .وهو أمر طبيعي لأنه إذا كان النظر والعقد يصل إلى التطابق مع الحقيقة وما يقوله عن الأشياء هو مقوماتها وليس رمزا لما أدركه منها فإن تجاوز الحقيقة يصبح باطلا .وإذا كان العمل والشرع يصل إلى التطابق مع القيمة وما يقوله عن الأشياء هو قيمها وليس رمزا لما قيمه الإنسان منها فإن تجاوز القيمة الذاتية للأشياء يصبح باطلا. ولو طبقنا ذلك على الحياة مثلا وقلنا إن ما عليه الجيل السابق هو حقيقة ما يجب أن تكون عليه الحياة في كل جيل لتوقفت الحياة ولماتت مع الجيل السابق .توالي الأجيال الحية يعني التجدد الدائم لأنه لا أحد من الأجيال يمكن أن يدعي أنه قد حقق كل الحياة بل الحياة شلال دائم ليست الأجيال إلى مسعى دائم للإبقاء عليه جاريا .وتطور جهاز النظر أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- والعقد وتطبيقاته التقنية وجهاز العمل والشرع وتطبيقاته الخلقية هما حياة التاريخ ودولة عالم الشهادة لأن الأول يحقق التطور الدائم للعلاقة بين الإنسان والطبائع والثاني يحقق التطور الدائم للعلاقة بين الإنسان والشرائع .وهذا التطور الدائم في كل الحضارات هو ثمرة الانشداد الدائم للمثال الأعلى الذي تمثله رؤية لدولة عالم الغيب. ولست مهتما الآن عن طبيعة دولة عالم الغيب وحقيقتها .فسواء سلمنا بوجودها وبحقيقتها كما يصفها القرآن الكريم أو كما لا تخلو منها فلسفة ولا دين طبيعي أو منزل فإنها في القرآن الكريم توصف بكونها ذات ضربين من الوجود: • في كيان الإنسان من حيث هو مفطور على منزلة وجودية هي الاستخلاف أي الوعي بأنه خليفة المثال الاعلى. • في قيام ذاتي هو الله من حيث هو الخالق بقدر أي بنظام رياضي (نظر وعقد) والآمر بحكمة أي بنظام خلقي (عمل وشرع) .وهذا القيام الذاتي خارج الزمان والمكان وهو الأول -قبل الطبيعة والتاريخ -والآخر أي بعدهما وذلك هو يوم الدين الذي يجتمع فيه نوعا الدولة :فكل ما جرى في دولة عالم الشهادة يفحص في دولة الغيب ولا يبقى فرق بين الدولتين لأن الإنسان نفسه يصبح بصره حديدا فيكون على نفسه بصيرة. لم يبق الآن إلى أن أحدد البنية الواحدة في الدولتين إذا نظرنا إليها مجردة من مضمونها الذي يتمايز فيه عالم الشهادة عن عالم الغيب .وذلك هو موضوع الفصل المقبل وقلب هذه المحاولة. أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- ما البنية الواحدة في الدولتين دولة عالم الشهادة ودولة عالم الغيب إذا نظرنا إليها مجردة من مضمونها الذي تتمايز به الدولتان بطبيعة هذا المضمون؟ لا يمكن أن أجيب عن هذا السؤال العسير قبل الإشارة إلى مفتاحين حددهما القرآن لفهم كلامه على العلاقة بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب وبالتالي على سياستهما أي سياسة دولة لله مثالا أعلى وسياسة دولة الإنسان رمزا لسعي الموجود في محاكاة المنشود المشدود إلى المثال الأعلى دون أن يطابقه وكل دعوى مطابقته كاذبة وهي أصل التأله الذي هو جوهر الاستبداد والفساد في بعدي السياسة أي التربية ولبها جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية وجهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية. فالقرآن يتكلم على دولة الإنسان الكونية ولا يتكلم على دول معينة لأن الغرض هو تحديد الكوني في السياسي وليس تشكلاته المختلفة بحسب الظروف العرضية .وقد فهم ابن خلدون ذلك كما يتبين من عنوان المقدمة \"علم العمران البشري والاجتماع الإنساني\" أعني بعدي الدولة من حيث هي نظام جهاز النظر والعقد المعالج لعلاقة الإنسان بالطبيعة أو التعمير (بوصفه مستعمرا في الأرض) وجهاز العمل والشرع المعالج لعلاقة الإنسان بالتاريخ (بوصفه مستخلفا في الأرض): .1المفتاح الأول يتمثل في اعتبار الأرض وحدة قيس للعالم الطبيعي الشاهد منه وغير الشاهد أو الغيب .والمثال هو قيس اليوم في عالم آخر باليوم الأرض عند الكلام على صعود الروح فاعتبره يعدل خمسين ألف سنة مما نعد أي مما نعد بوحدة قيس هي اليوم الأرضي. .2المفتاح الثاني هو اعتبار أفعال الإنسان وحدات قيس لأفعال الله مع احتراز ليس كمثله شيء ما يعني أن الله اختار أن يقيس الغيب على الشهادة في دور الرمز وليس في دور المقوم-من هنا أهمية ثورة ابن تيمية في نفي أن تكون المعاني الكلية مقومة واعتبرها مجرد رموز-فيكون الإنسان وأفعاله رموزا لوحدات قيس متناهية للكلام على اللامتناهي. أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- ولعل ظاهرة التأله الإنسانية التي خصص لها ابن خلدون إشارات كثيرة في كلامه على سلطة الحكم وسلطة المعرفة اللتين لهما صلة مباشرة بهذه الخاصية بمعنى أنها تظهر إما في دعوى التفرد بالحكم والاطلاق الاستبدادي فيه أو دعوى التفرد بالعلم والاطلاق الاستبدادي فيه .وكلاهما يسهم في إفساد معاني الإنسانية بالمصطلح الخلدوني .وقد أشار في الاستبداد السياسي إلى دليل التمانع لفهم استبداد التفرد في الحكم ويمكن أن نقيس عليه استبداد التفرد في العلم في غايته التي يدعيها القطب الصوفي -وكلتاهما ذات صلة بالقيم الأسمى أعني بما به تحصل ظاهرة الشعور بالاتصاف بصفات تشبه ما يصف الله به نفسه من إرادة وعلم وقدرة وحياة ووجود كلها مطلقة فعلية عند الله وهي وهمية عند الإنسان المتأله .ومن نتائجها عامة دعويا المطابقة في نظرية المعرفة والمطابقة في نظرية القيمة وهما أساس الفلسفة القديمة وعلم الكلام القديم المتقدمين على ثورة ابن تيمية وابن خلدون النافيين لنظرية المطابقة في المعرفة وفي القيمة. وإذا كان يمكن للامتناهي أن يسقط على المتناهي في العبارة الاستعارية أو التمثيلية عنه فإن العكس مستحيل .وحتى في مقارنة الموجودات العادية فإنك يمكن أن ترسم خارطة العالم على ورقة لكنك لا تستطيع أن تجعل الورقة خارطة العالم .وهو الخطأ الذي تأسس عليه علم الكلام لخلط أصحابه بين الغيب والغائب وهو الخطأ الذي تأسست عليه نظرية المعرفة ونظرية القيمة القائلتين بالمطابقة .ولما كانت سياسة الوجود عامة وعالم الغيب منه على وجه الخصوص هي ذروة أفعال الله وكانت سياسة عالم الشهادة كذلك ذروة أفعال الإنسان. وتلك هي علة أن كان يمكن أن يزعم صاحب الثانية لنفسه صفات صاحب الأولى بعضها أو كلها .ولعل هذا من أهم العلامات على اعتبار الإنسان وحدة قيس في القرآن موجبة إن لم تنس \"ليس كمثله شيء\" وسالبة إن نستها .حينها يكون الإنسان وحدة قيس بالمعنى الذي حاولت بيانه بمنطق اسقاط اللامتناهي على المتناهي في مستوى الترميز وليس في مستوى الحقائق واستحالة العكس فيهما .وبهذا الاحتراز يمكنني أن أجيب عن السؤال فأحدد أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- البنية الواحدة إذا نظرنا إليها مجردة عن تناهي سياسة الإنسان لعالم الشهادة وسياسة الله لعالم الغيب الذي يتضمن عالم الشهادة بوصفه ما يريه الله للإنسان بما جهزه به من قدرة على النظر والعقد للعلم وعلى العمل والشرع للعمل وجعله في آن ممثلا للضرورة الشرطية بما فيه من طبيعي وممثلا للحرية الشرطية بما فيه من تاريخي وواعيا بما ورائهما من تحرر من الشرطية في الضرورة وفي الحرية. سبق أن تكلمت على البنية العامة للدولة من حيث هي بنية خالية من المضمون بوصفها جهازا شبه آلي مؤلفا من خانات خالية قابلة للملء بمن يكون قيما على الوظائف التي تؤديها الدولة من حيث هي كما يصفها ابن خلدون صورة العمران والاجتماع أو صورة الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها ويكون من يملأ الخانات نائبا للجماعة باختيارها الحر يبقى دائما تحت مراقبتها بوصفها هي صاحبة الأمر تديره بالشورى فرض عين على الجميع فلا يكون النائب إلا القيم على التنفيذ تحت مراقبتها وذلك هو مفهوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولها حق التولية والعزل بمبدأ لا طاعة في معصية الله أي في الوصل الممثول (سياسة عالم الشهادة) في ضوء المثال (سياسة عالم الغيب). والبنية مؤلفة من قلب هو الخانة التي يملؤها الدستور أو الفهم الموحد للجماعة السانة (الجمع والسن) يتقدم عليه بعدان هما بعد المرجعية والقوى السياسية ويتأخر عنه بعدان هو التنفيذ الحاكم والمعارض والوظائف التي تتعلق بالرعاية وبالحماية إذن البنية على النحو التالي: .1خانة المرجعية .2خانة القوى السياسية .3خانة الدستور (القلب) .4السلطة التنفيذية-التشريعية حكما ومعارضة .5وظائف الدولة لرعاية ذاتها بوصفها معبرة عن إرادة الجماعة حماية ورعاية. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- وهذه كلها شرحتها بخصوص دولة الإنسان في عالم الشهادة المشدود إلى مثال عالم الغيب .لكن كيف نعتبر دولة الله في عالم الغيب الحاكم أيضا في عالم الشهادة بقوانين الخلق وسنن الـأمر أو بقوانين الاستعمار في الارض وسنن الاستخلاف فيها. هل يعقل أن يكون لله مرجعية؟ وقد قلنا إن الله من حيث هو ما بعد الطبيعة والتاريخ يمثل الضرورة اللاشرطية والحرية اللاشرطية (وعند غير المؤمن تؤدي الصدفة هذه الوظيفة)؟ وهل يعقل أن تكون لديه قوى سياسية تؤدي دور المترجم لهذه المرجعية في دستور تعمل بمقتضاه حكومة مؤلفة من حاكم ومعارضة يشرعان وينفذان ما ينظم وظائف دولته رعاية وحماية للوجود والعوالم المختلفة؟ طبعا لو اعتبرنا أفعال الإنسان وحدة لقيس للحقائق وليس لرموزها التي يعبر بها القرآن عنها ليوجه إليها الإدراك الإنساني توجيها يجعله مشدودا إلى المثال لكان كلامنا كفرا صراحا .لكن عندما نطبق ما يقوله ابن تيمية عن المعاني الكلية بوصفها لا تختلف عن رسوم الكتابة وعن ألفاظ اللغة من حيث دورها الرمزي غير المقوم لما يشير إليه .وسأضرب مثالين أحدهما من الطبيعة والثاني من الثقافة. .1فمن الطبيعة هل يمكن أن نعتبر ظل الشيء الذي نقيس به حركة الشمس بوحدات نستخرجها من التناظر بين الحركتين مقوما للشيء أو للشمس؟ .2ومن الثقافة هل نعتبر رسم بورتري شخص على ورقة بعين الرسام مقوما لفعل الرسم أو للشخص المرسوم فيكون ما ترسمه الريشة مقوما لفعل الرسام أو لكيان المرسوم؟ فظل الشيء ورسم الشيء ليس أي منهما مقوما للشيء بل هما علاقة بين شيئين يمكنان من الرمز لقيس الزمان بعلاقة بين حركة الشمس حركة ظل الشيء المعترض لانتشار شعاعها في الحالة الأولى ومن الرمز لقيس الصورة بعلاقة بين الصورة في بصر الرسام والصورة في الرسم دون أن يكون ذلك مقوما لا لفعل الرسم وللشيء المرسوم. وبهذا المعنى فيمكن الكلام على سياسة الإنسان لعالم الشهادة برموز تكلم بها الله على سياسته لعالم الغيب دون أن تكون تلك الرموز المأخوذة من سياسة الإنسان لعالم الشهادة أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- مقومة لأي من السياستين بل هي رامزة لمعان كلية علاقتها بها من جنس علاقة الكتابة واللغة بالمعاني التي نعبر بها عنها: • فما المرجعية في سياسة الله لدولة عالم الغيب؟ كل الآيات التي يتكلم فيها الله على ما كتبه على نفسه. • وما القوى السياسية في سياسة الله لدولته؟ كل الملائكة التي يكلفها بمهام مثل مهمة الكتابة على الإنسان كل حركاته. • وما الدستور الذي يتنظم بها فعل هذه القوى لما تحكم وتعارض في التشريع والتنفيذ؟ كل ما يتكلم فيه الله على حقوق الإنسان ومسؤوليته الناتجة عن تكليفه وتطبيقها الحاسم دون ظلم. • وما الحكم والمعارض في التشريع والتنفيذ؟ الحاكم هو الله والإنسان له حق الجدال في الدنيا والمطالبة بحقوقه والمعيار هو قوله تعالى \"رضي الله عنهم ورضوا عنه\". • وما وظائف الدولة الإلهية في الرعاية والحماية؟ كل ما يتعلق بالأرزاق وكل ما يتعلق بالمنازل في الجماعة للرعاية وكل ما يتعلق بالحماية لكيان الموجودات عامة والإنسان خاصة. وكل هذه العناصر مطلقة التمام لأن الله في دولته له الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود وكلها مطلقة وليس يمكن أن يتخلف منها شيء فهو فعال لما يريد بعلم مطلق وتحقيق مطلق وعدم مطلق. لكن القرآن الذي يجعل السياسة الإنسانية لعالم الشهادة \"وحدة قيس\" للسياسة الإلهية لعالم الغيب يحلل معنى \"ليس كمثله شيء\" ببيان الفروق الجوهرية بين علاقة الإنسان بموضوع سياسته أي بعالم الشهادة وعلاقة الله بموضوع سياسته أي بعالم الغيب وهي فروق تحدد معاني صفات الافعال الخمسة :الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود عند الرمز بها إلى أفعال الله وإلى أفعال الإنسان .فهي لامتناهية في الحالة الاولى كما وكيفا ومتناهية في الحالة الثانية كما وكيفا .ويترتب على ذلك الفروق التالية في العلاقة بين الحاكمين الله المستخلف والإنسان الخليفة .والخلافة وحدة قيس الأفعال وليس وحدة قيس الفاعل.. أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- .1أول شيء ينبغي ألا ننساه هو أن دولة الله لا تقتصر على سياسة الإنسانية بل هي سياسة كل الوجود خلقا وأمرا .الفرق الأول يمكن اعتباره كميا. .2ثان شيء ينبغي ألا ننساه هو أن المخلوقات كلها تمثل عوالم وكلها يسميها الله امما مثلنا .الفرق الثاني يمكن اعتباره نوعيا وهو ان الاشياء كلها كائنا حية. .3ثالث شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء سابقة عن وجودها. الفرق الثاني هو أن الله يسوس ما \"صنع\" بنفسه. .4ورابع شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء مساوقة لوجودها لأن قيامها من دون غير ممكن .الفرق الرابع هو أن الاشياء فقيرة إليه ومدينة له ببقائها. .5وخامس شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء تالية عن وجودها في عالم الشهادة وعائدة إليه يوم الدين .الفرق الخامس هو أن الأشياء مرجعها إليه وهو الحكم النهائي. وعندما أحلل وظائف الدولة في الحالتين حالة دولة الله من حيث هو مستخلف للإنسان وخالق وآمر لكل الموجودات تصبح دولة لموجود واحد في علاقته بالطبيعة والتاريخ وتلك هي دولة الإنسان من حيث هو خليفة بعد أن بينا عناصر البنية المجردة المشتركة: وظائف الحماية وأولها مشتقة من اسم الرب أعني التربية وهي تقع مباشرة للشخص وتقع بصورة مباشرة في إطار الحياة الجماعية خلال تقاسم العمل في الجماعة في ما يتعلق بمجهاز النظر والعقد وبجهاز العمل والشرع في كل جماعة .وذلك لتكوين الإنسان حتى يصبح قادرا على إنتاج ما يمون به نفسه أي الاقتصاد والثقافة والأول لتموين كيانه العضوي والثانية لتموين كيانه الروحي .وهذه الوظائف الأربعة أصلها في النظر والعقد وفي العمل والشرع من حيث هما موضوع البحث العلمي وتطبيقاته لتحقيق شروط الرعاية. لكن تحقيق شروط الرعاية يحتاج إلى الحماية الداخلية أي النظام القانوني (القضاء) وأداة تنفيذه (الشرطة) وهي الحماية الداخلية .وهي غير كافية إذ لا بد من الحماية الخارجية وهي تكون ما حددته الآية 60من الأنفال أي الحماية الوقائية أو الدبلوماسية أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- والحماية العلاجية وهي الدفاع وكل ذلك متحقق في الدولة الإلهية في كيان الإنسان وفي محيطه الطبيعي والتاريخي وهذه الوظائف الأربع تتفرع عن البحث العلمي عامة والبحث العلمي المتعلق بالاستعلام للاطلاع على ما يجري في الدولة .وقد يكون هذا أوضح شيء في دولة الله لأن كل إنسان حوله رقيبان يسجلان كل صغيرة كبيرة. ولو لم يكن الله أعدل العادلين ومطلق حرية الإنسان لكانت دوله مطلقة الرقابة كما تحاول الدول الاستبدادية تطبيقها لأن حكامها يدعون التأله وهو معنى الطاغوت الذي لا يمكن الإيمان بالله من دون الكفر به لأنه لا أحد يمكن أن يكون مطلق العدل ولا مؤمنا بحرية الإنسان ومعترفا بمسؤوليته مثل أقضى القضاة على الإطلاق يوم الدين. أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- نبدأ الآن الكلام على علاقة العاجل بالآجل .فكلاهما مضاعف :فسياسة الإنسان لعالم الشهادة لها عاجل وآجل .وسياسة الله لعالم الغيب لها عاجل وآجل .والمشكل كله هو أن الإنسان يستعجل الآجل في الثانية ويستأخر العاجل .ويعكس في الأولى بمعنى أنه يستأخر العاجل ويستعجل الآجل .وهذا هو القانون الذي يفهمنا عدم تطوير الجهازين في الحضارات التي تعمل بهذا المنطق فتعكس ما أمرت به فصلت 53وما نهت عنه آل عمران 7أعني المنطق الذي عللت به تحريف علوم الملة كلها .وكل ذلك علته الخفية هي تأثير ما تكلمنا عليه من المحددات التي تترتب عليها نحلة العيش والتي هي ما دون المائدة والسرير وقيمهما ثم المائدة والسرير وقيمهما وما دون فن المائدة والسرير وقيمهما ثم فن المائدة والسرير وقيمهن ثم النكوص بسبب الترف إلى ما دون المائدة والسرير ومن دون فنهما وقيمهما بالنسبة إلى غالبية الشعب وانحصارهما في القلة المستبدة بالثروة والسلطة وهم الذين يفسدون في الارض ويسفكون الدماء. علوم الملة الخمسة الغائية والخمسة الأداتية هي: .1فالتفسير أصلا لكل علوم الملة الغائية وفرعاه النظريان العقديان أي الكلام والفلسفة وفرعاه العمليان الشرعيان أي الفقه والتصوف كلها تخضع لهذا المنطق الذي تحكمه محددات المائدة والسرير. .2والوسميات أصلا لكل علوم الملة الأداتية وأداتاه النظريتان أي المنطق والرياضيات وأداته العمليتان أي اللسان والتاريخ كلها تخضع لتنفس المحددات. فما هو هذا المحدد؟ إنه :منطق تقديم المباشر على غير المباشر أي العاجل على الآجل في سياسة الغيب والعكس في سياسة الشاهد .وهذا التعاكس لا يعني إلا شيئا واحدا :وهو ترك الأعسر لله والتواكل والاكتفاء بالأيسر .فبدلا منه تحقيق شروط العلاقة العمودية مع الطبيعة لتحقيق شروط التسخير يكتفون بما تعطيهم إياه فيصبحون عبيدا لها :غياب ثورة نوح .وبدلا من تحقيق شروط العلاقة الافقية مع التاريخ لتحقيق شروط التكليف أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- يكتفون باعتبار ما يفعله حاكم الارض مرادا من حاكم السماء وإلا لما حصل فيصبح الاستعباد السياسي طاعة لله :غياب ثورة موسى. وحتى نفهم معنى غياب ثورة نوح وثورة موسى لا بد من التذكير بقولة الرسول الخاتم عن هود وأخواتها .سأكتفي بهود التي لا خلاف حولها ولن أعلق على بقية السور التي حولها خلاف .ففيها يمكن أن أشرح القصد بهذا التقديم والتأخير المتعاكسين في سياسة الله لعالم الغيب وأثره على سياسة الإنسان لعالم الشهادة بمعنى سياسة الجهازين المحققين للمهمتين جهاز النظر والعقد المحقق لمهمة الاستعمار في الارض وجهاز العمل والشرع المحقق لمهمة الاستخلاف في الأرض. فعند النظر إلى مهمتي الله في سياسة عالم الغيب يتكلم القرآن على الخلق والامر في بداية الكون وخلال بقائه والحكم والجزاء في غاية الكون بالنسبة إلى أي موجود وبالنسبة إلى الوجود ككل .وعند النظر إلى مهمتي الإنسان في سياسة عالم الشهادة يتكلم القرآن على التعمير والاستخلاف في بداية التاريخ وخلال بقائه والثمرة والجزاء في نهايته بالنسبة إلى أي جماعة وبالنسبة إلى الإنسانية ككل .وهذا التناظر بين السياستين يميز بينهما بطبيعة القدرتين للذاتين الفاعلتين :الله والإنسان. .1ففي سياسة عالم الغيب الفاعل هو الله -وعالم الغيب يشمل عالم الشهادة -وهو على كل شيء قدير ويمكن الكلام على المطابقة المطلقة بين \"التصور\" و\"الانجاز\" إن صح التعبير .وهو معنى \"نقول له كن فيكون\" .وذلك في الخلق والامر والبقاء بينهما وبين الفناء والحساب .وتلك هي العلة قي كون هذه السياسة هي المثال الأعلى الذي لا تكون السياسة الإنسانية سياسة بحق إلا بقدر اشرئبابها إليه. .2لكن سياسة عالم الشهادة الفاعل هو الإنسان-عالم الشهادة لا يشمل عالم الغيب-وهو ليس قادرا على كل شيء ومن ثم فلا يمكن الكلام على المطابقة المطلقة بين \"التصور\" و\"الانجاز\" والتعبير هنا صحيح .ومعنى ذلك أن كل من يدعي القدرة المطلقة أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- يكذب .ولهذه العلة بينت أنه حكم الفرد مستحيل لأنه يحتاج إلى مساعدين في كل شيء بما في ذلك في بقائه ناهيك عن إنجاز إرادة وعلمه وقدرته وحياته ووجوده. ومنطق التقديم والتأخير بين العاجل والآجل وبين المباشر واللامباشر في سياسة الإنسان لعالم الشهادة هو الذي يفسر ما حاولت بيانه في كلامي على ثورة نوح بداية وثورة موسى غاية وعلاقة الثورتين بثورة إبراهيم الأول التي لم يحققها إلا ابراهيم الثاني أو محمد الذي اعتبر سورة هود مشيبة للرأس لأنه أدراك كل ما ترمز إليه: .1فثورة إبراهيم بداية هي ثورة التحرر من سلطان الطبيعة على الإنسان بتطبيق النظر والعقد العلمي من خلال فن صناعة السفن والزراعة (أخذ من كل زوجين اثنين). .2وثورة موسى غاية هي ثورة التحرر من سلطان التاريخ على الإنسان بتطبيق العمل والشرع القيمي من خلال تحرير العبيد والخروج على نظام فرعون. .3لكن ثورة نوح بحاجة إلى التحرر من سلطان المهيمنين على مصدر قيام الإنسان الطبيعي الأول عندما يتحول إلى أداة سلطان على الإنسان أي الاقتصاد والثروة وتلك هي ثورة هود. .4وهي كذلك بحاجة إلى التحرر من سلطان المهيمنين على مصدر قيام الإنسان الطبيعي الثاني عندما يتحول إلى سلطان على الإنسانية أي الماء مصدر كل حياة وتلك هي ثورة صالح. .5وثورة موسى بحاجة إلى التحرر مما قد يترتب على الحرية من تظالم بالتحيل على عملية التبادل العادل وذلك هو المشكل الذي يعالجه شعيب بوضع أدوات القيس والوزن وتيسير التبادل العادل أو إن صح التعبير منع التطفيف. .6كما تحتاج ثورة موسى إلى التحرر الجامع لكل التحررات السابقة التي يغلب عليها التعلق بالمائدة أكثر من التعلق بالسرير لأن السرير مشروط بالمائدة في كل الأحوال وهي مقدمة عليه وذلك هو المشكل الذي يعالجه لوط. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- .7وفي الوسط بين ما تحتاج إليه ثورة نوح وما تحتاج إليه ثورة موسى أي بين الثلاثة الاوائل (نوح وهود وصالح) والثلاثة الأواخر (موسى وشعيب ولوط) نجد ابراهيم وسيطا بين الثالوثين صاحب الثورة المحررة من كل العقبات أي التوحيد المبني على احكم الحاكمين في علاقته بالإنسان المتأله بمعيار السلطان المقدر كميا من حيث البقاء ولفناء (الافول) ومن حيث القدرة (الشمس من الشرق أو من الغرب). .8وكل ذلك خطاب موجه إلى محمد الذي فهم القصد فشعر بثقل ما كلف به أعني بناء الدولة الإنسانية في عالم الشهادة بهذه الرؤية التي لها مثال أعلى هو دولة الله في عالم الغيب .ولا بد هنا من حسم قضية لعلها هي التي أدت إلى التحريف الذي اراد القرآن تحرير الاديان منه ولم ينج منه حتى الإسلام نفسه لأن علماء الملة غفلوا عما فيه من بلسم يحصن الإنسانية من التحريف الذي خصص القرآن له أكثر من نفسه ونسبه إلى مرض التأله عند الإنسان .فالقرآن يكاد يكون جله مخصصا لنقد التأله الإنسان مصدرا لكل ما يحل بالإنسانية من أمراض ونكبات .والبلسم هو: • إيجابا ما أمرت به فصلت 53أي تبين حقيقة القرآن مما يرينه الله في الآفاق (الطبيعة والتاريخ) وفي الأنفس (تعينهما في الإنسان من حيث هو طبيعي وتاريخي أو من حيث كون قيامه مشروط بالاستعمار في الأرض من حيث العلاقة بالطبيعة وبالاستخلاف من حيث علاقته بالتاريخ .والعلاقتان هما موضوع سياسة عالم الشهادة بفضل ما جهز به الإنسان من جهاز للنظر والعقد وتطبيقاتهما العلمية والتقنية وما جهز به من جهاز العمل والشرع وتطبيقاتهما العملية والخلقية). • وسلبا ما نهت عنه آل عمران 7أي تجنب تبين حقيقة القرآن بتأويل نصه الذي هو متشابه لأن ذلك دليل على مرض في القلب وابتغاء الفتنة إذ شرطه قيس الله على الإنسان وبدلا من أن يكون حكم الله مثالا أعلى يشرئب إليه الإنسان يصبح الإنسان متألها فيزعم أن علمه محيط بحيث يدعي من يزعمون الرسوخ في العلم القدرة على تأويل المتشابه تأويلا قابلا للعطف على تأويل الله له .وتلك هي دلالة قراءتهم \"و\" الآن قراءة عطفية بدلا من أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- القراءة الاستئنافية (ابن رشد مثلا) .وتلك هي علامة التأله وتطبيق المعايير التي وضعها الله لسياسة عالم الغيب وكأنها معلومة ثم يعتبرون سياسة الإنسان لعالم الشهادة مطابقة لها تماما كما يدعون لمعرفتهم ولتقييمهم المطابقة مع حقيقة الأشياء وقيمها. والعلة في ذلك كله هو دعوى تضمن القرآن لعلم الغيب ودعوى الوحي علما بالغيب يتجاوز الإعلام بوجوده مفهوما حدا يعجز دونه الإنسان بمن في ذلك الرسل .والدليل القاطع في ذلك مضاعف: .1الغاشية :22-21إنما أنت مذكر تعني أنك ليست وسيطا بل حامل رسالة .ولا يذكر الإنسان إلى بما يعلمه ونسيه ومن ثم فالمؤمن حر الضمير وقادر بذاته على إدراك الحقيقة .فما يذكر به الرسول هو ما يعلمه المرسل إليه أي الإنسان من حيث هو إنسان محجوب عن الغيب .و\"لست عليهم بمسيطر\" .ومن لا يخضع لسيطرة الرسول أولى بألا يخضع لسيطرة غيره .ومن ثم فهو إعلام بحرية المؤمن السياسية. .2مفهوم الرسالة :فلا معنى لرسالة موجهة لمن يعلمه الله بأن الغيب محجوب عنه أن تتضمن معرفة بالغيب لأنها ستكون رسالة تحتوي على ما لا يفهمه المرسل إليه .ولما كان المرسل هو الله فإن قول مثل هذا الكلام يعني أن الله لا يعلم حدود علم الإنسان المرسل اليه .لذلك فالرسالة ليس فيها ما هو خاص بالراسخين في العلم بل كل إنسان من حيث هو إنسان إذا نظر في الآفاق وفي الانفس فإنه قد يهتدي إلى تبين حقيقة القرآن إن رأى ما يريه الله فيهما من آيات. وهنا نصل إلى معنى الوحي والاصطفاء .فأولا الوحي ليس ما يتلقاه الرسل وحدهم بل كل الموجودات يوحى لها .والإيحاء إليها يكون عن طريق رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ومنها عن طريق أدوات التواصل الخمسة التي هي العلوم الأداتية في المعرفة والقيمة أعني الوسميات وفروعها أي اللسان والتاريخ والمنطق والرياضيات .وكلها لها مستويان :فطري ومكتسب .والمكتسب مشروط بالفطري والفطري ينمو بفضل المكتسب. وذلك ما أقصده بتطوير الجهازين فهما فطريان من حيث شرط الوجود ومكتسبان من حيث أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- تنامي القدرة على إدراك الموجود والمنشود .والمستوى الأول من ثمرات الميراث العضوي او الثروة العضوية التي هي حصيلة التطور العضوي والمستوى الثاني من ثمرات الميراث الثقافي أو الثورة التراثية التي حصيلة التطور التاريخي ويحصل عليها الفرد من حيث هو منتسب إلى ثقافة معينة جمعت بين تجربتها وتجربة غيرها من الامم التي طورت الجهازين. فيكون الوحي هو عين ما يعنيه القرآن عندما يقابل بين الحواس والحوادس .فالمقابلة بين البصر والبصيرة يعني إن حس البصر لا يكفي بل لابد من بصيرة تنقله من مجرد الانفعال الانطباعي إلى الفعل الإبداعي للمعاني التي ترمز إلى الأشياء دون أن يكون رمزها مقوما لأنه ليس مطابقا للأشياء بل مطابق لما يطلبه الإنسان لإنجاز مهمتيه من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها .وقد قست على علاقة البصر بالبصيرة كل الحواس الاخرى فاستخرجت بصيغة المبالغة مع التأنيث سميعة من السميع مثل بصير من البصير وشميمة من الشميم وذويقة من الذويق ولميسة من اللميس .وبهذه الحوادس يرى الإنسان ما يريه الله من آياته في ال ٍآفاق وفي الانفس فيكون ذلك وحيا لان من يريه الآيات هو الله .وهذا يكون بلغة المخاطب بها :وأصل هذه اللغات بالنسبة إلى الإنسان هو الوسميات التي تتفرع إلى الوسيمات اللسانية والتاريخية والمنطقية والرياضية .وقد اعتبر ابن تيمية المعاني التي تترجم ما نراه من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس هي بدورها من الوسميات إي إنها نظام رامز للأشياء مثل بقية الأدوات الرمزية وليست نظاما مقوما للأشياء .وبهذا المعنى يتحرر الإنسان من مرض التأله فلا يدعي أن علمه محيط بحقائق الأشياء لأن ذلك يعني أنه ينفي وجود الغيب فيها. وحينئذ فإن كل الموجودات تتلقى هذا النوع من الوحي والرسل يتلقونه بوصفهم من حيث الإرث العضوي والإرث التراثي حاصلون على شروط التلقي الناقل من الحواس إلى الحوادس وهو أمر يحصل في المجالات التي تناسب العلوم الأداتية إما متفرقة أو مجتمعة. والرسل هم من له تميز بالقدرة على تلقي الوحي الجامع لكل هذه المجالات وبذلك يتميزون عن غيرهم ممن يرى ما يرينا الله من آياته في الآفاق وفي الأنفس. أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- لكن لا أحد يمكن أن يبدع شيئا من دون هذا النوع من القدرة على التلقي وهي الوحي المذكر بما لدى الإنسان من تجهيز فطري في النظر والعقد وفي العمل والشرع .وهو ما يعني أن ختم الرسل ليس شيئا آخر غير انتقال البشرية ممن يستطيعون فطريا الجمع بين كل أنواع التلقي المؤهلة للنظر والعقد وللعمل والشرع إلى من لا يستطيعون إلا التلقي الخاص بالفروع فرعا فرعا أي الوسميات عامة لغويا وتاريخا ومنطقيا ورياضيا .ويمكن أن أقول إن القرآن هو آخر كتاب في الوسميات (السيميوتكس) العامة التي ليس له مثيل في تاريخ الفكر الإنساني. أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- لماذا اعتقد أن قلب العلاقة بين العاجل والآجل في السياستين قابلا للتفسير بإشكالية المائدة والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية وجودا وعدما في صلة بتطور جهازي الإنسان: .1جهاز علاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة في مسألة الاستعمار في الأرض أي جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية. .2جهاز علاج العلاقة بين الإنسان والتاريخ في مسألة الاستخلاف في الأرض أي جهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية. والقلب طبيعي جدا لأن علاج الأول مشروط بعلاج الثاني من حيث شرط التراكم في أدواته لأنه شرط البقاء .في حين أن علاج الثاني مشروط بعلاج الأول شروط وجود .فإذا توفرت شروط الوجود يطرح مشكل شروط البقاء .وطبيعي جدا أن يكون الإنسان في بدايته معتمدا على الطبيعة التي كان منتوجها كافيا لحياته حتى وإن اقتضى ذلك الترحال للحصول على ما يكفي منها للبقاء دون لجوء إلى الإبداع العلمي والتقني الذي يوفره كما ترمز إلى ذلك ثورة نوح أعني صناعة السفن والزراعة الإنسانية التي تسد ما لم تعد الزراعة الطبيعية كافية لسده. وهذا الترحال هو الذي يجعل القبائل في صراع دائم على مصادر الرزق الذي تنتجه الطبيعة أي النبات والحيوان والإنسان وشروط بقائها وتلك هي الصفات المميزة لمرحلة البداوة من حيث هي \"نحلة عيش\" بلغة ابن خلدون .فالحل حينها هو العناية بالعاجل وبالأدوات المباشرة والمتوفرة أي القوة البدنية للإنسان في غياب القوة الذهنية التي يمثلها النظر والعقد وتطبيقاتهما العلمية والتقنية. لكن ذلك لا يمنع من وجود أمور بدائية منهما مع أمر يرمز إلى غاية هذه الأمور البدائية إذا تطورت فأصبحت ما يرمز إليه السحر من قدرة إنسانية على تغيير الطبيعة بتطوير علاقته بها المستندة إلى النظر والعقد والتطبيق العلمي والتقني. أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- والدافع في هذه الحالات هو مقتضيات نحلة العيش بالمعنى الخلدوني ونحلة العيش تدور حول الرعاية والحماية .والرعاية هي أصل الاقتصاد وإنتاج الثروة والحماية هي أصل الجماعة وانتاج أدوات الدفاع .وبذلك فبداية الدولة ذات العصبية القبلية التي فيها خصائص الأسرة الكبرى بفضل التعاون والتصاهر فتصبح أمرا حتما لأنها هي التي تحقق الشرطين: .1الحماية بين المتعاونين على تحقيق شروط الرعاية وبينهم وبين من ينازعونهم ما لديهم من ثروة طبيعية. .2الرعاية بين المتعاونين ومن يقبل من الأجوار التحالف معهم لسد الحاجات الأولية وهي خاصة حاجات المائدة والسرير. ولست في هذا العرض الواضح أضيف شيئا يذكر للأساس الذي بنى عليه ابن خلدون نظريته في العمرانين البدوي والحضري .لكن مقدمة ابن خلدون كما أسلفت عديد المرات لم يتمكن صاحبها من بنائها بناء نسقيا مكتملا بل هي \"الرمية\" الأولى في مسودة مشروع كبير لم ينهه صاحبه لعلل كثيرة ليس هنا محل الكلام فيها .والرمية الأولى هي ثمرة تفكير طويل قبلها لكنها تمت في أقل من نصف سنة لما انعزل لكتابتها في الجزائر بعد اعتزال السياسة المباشرة واهتم بالفكر السياسي بالمعنى الذي وصفت أعني وظائف الدولة بالمعنى الكوني الجامع بين: .1المرجعية. .2والقوى السياسية. .3والدستور أو مبادئ التنظيم السياسي حقوقا وواجبات ومنازل. .4ومنظومة الحكم تشريعا وتنفيذا وبالفعل وبالقوة (المعارضة). .5والوظائف العشرة التي ذكرتها. وهذه البنية لا تخلو منها حضارة أو جماعة وإن كانت في العمران البدوي جنينية ولا تكتمل إلا في العمران الحضري بفضل تطور النظر والعقد وتطبيقاهما العلمية والتقنية أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- وتكوين الأجيال بمقتضاها وبفضل تطوير العمل والشرع وتطبيقاتهما العملية والخلقية وحكم الأجيال بمقتضاها .ولهذه العلة كان ابن خلدون يقارن التربية والحكم المشدودين إلى المثال الأعلى الوارد في القرآن والذي لا يفسد معاني الإنسانية والمدعيين أنهما بديلين منهما في استبداد المربي واستبداد الحاكم .وتلك هي أكبر ثورة في فلسفة السياسة تجاوزت الفلسفة العملية القديمة والوسيطة وتحاول الفلسفة الحديثة تحقيق ما يقرب منها مع نفي أساسها ليس كليا بل بجعله حالا في الطبيعة والتاريخ كما هو بين من فلسفة هيجل وماركس وهي قول بوحدة الوجود المذوتة عند الأول والمؤدية إلى صراع أرواح الشعوب والممددة عند الثاني والمؤدية إلى صراع طبقات الشعوب. .1ما أضفته أولا هو أني ترجمت \"نحلة العيش\" إلى مراحل تطورها بمعيار محدديها الأساسيين أي المائدة استعارة للكلام على شروط الحياة العضوية للأفراد والسرير استعارة للكلام على شروط الحياة العضوية للجماعة .وذلك هو ا لمحدد الأساسي للنظر والعقد من حيث هما أداتان لفاعلية العلم وتطبيقاته التقنية في علاج هذين المجالين .ولذلك فابن خلدون يعبر عن ذلك بمفهوم دقيق هو \"سد الحاجات\" الإعالية والحمائية. .2وما أضفته ثانيا هو ترجمتها إلى مراحل تطورها بمعيار قيم هذين المحددين الخلقية والجمالية .فالإنسان لا يكتفي بالأكل والنكاح بل إن الأكل والنكاح كلما تحققت الشروط الواردة في الإضافة الاولى ترقيا إلى المزيد من القيم الخلقية والجمالية .ولذلك فابن خلدون يعبر عن ذلك بعبارة جميلة هي \"الأنس بالعشير\" ولأجل ذلك جمع بين معنيين كلاهما مضاعف في عنوان اكتشافه: • فهو علم العمران البشري :عمران +بشر. • وهو علم الاجتماع الإنساني :اجتماع +إنسان. وكلاهما يشمل نوعي اجتماع الإنسان :العمران البدوي والعمران الحضري .لكن الأول يغلب عليه الاعتماد على الطبيعة في سد الحاجات التي ترد إلى المائدة والسرير والثاني دون أن يتحرر منهما يضيف إليهما بمقدار تحرره القيم الخلقية والجمالية خاصة .ولا يعني أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- ذلك أن العمران البدوي يخلو منهما لكنها قيم بدائية بمعنى أنها لا تتجاوز الحد من الأثرة في المائدة بالإيثار وهو ما يسمى عادة بخلق الكرم والحد من الغيرة في السرير بالتساهل في تبادل النساء بين القبائل بدلا من التغازي والسبي. ويمكن أن أقول إن أكبر علامات الأمرين هو مفهوم \"وأد\" البنات .فالعلة هي المائدة والسرير .فالحاجة الغذائية والخوف على العرض هما المحدد الأساسي لهذين الموقفين القيميين الذي يفسر بهما الموقفين ويحرر الإنسان منهما .ويمكن أن اعتبر الجاهلية العربية كان هذا مدار عمرانها واجتماعها لأن نحلة عيشها كانت على هذا النحو. وطبعا فلا يعني كلامي أن من هم دون المائدة والسرير ليس لهم القيم الجمالية في الأكل وفي الجنس .لكنها في الغالب نادرة وهي من موضوعات الخيال الادبي أكثر مما هي من المعيش الفعلي وقد يكون من المعيش الفعلي لمن حولهم من أصحاب الحضارات التي كانت مسيطرة على أطراف الجزيرة العربية مثل الفرس والبيزنطيين وربما أهل الحبشة. ولا أعتقد أن ذلك مختلف كثيرا عما هو جار الآن في الكثير من بلاد العرب وخاصة في الخليج حيث إن الغذاء والجنس المحدد عندهم فيهما ليس الكيف بل الكم .وحتى ما تجده من كيف فيهما فهو مستورد وهو أوروبي وأمريكي .ومن لا يعترف بذلك لا يمكن أن يحقق ما نريده للأمة من اكتشاف علل ما تعاني منه من إدقاع في القيم الخلقية والجمالية عامة والمتعلق منها بالغذاء والجنس خاصة وفقر في القدرات الإبداعية في النظر والعقد وفي العمل والشرع والاكتفاء بموضع إما ميت تراثنا أو روبافاكيا التراث الغربي. فما حصل في اليابان لم يحصل مثله في مصر رغم بدايات كنا نتصورها ستثمر .وما حدث في كوريا كنا نتصور ان يحدث مثله في الجزائر رغم بدايات كنا نتصورها ستثمر .لكن الحصيلة التي نراها في مصر وفي الجزائر وقس عليهما بقية بلاد العرب .وهي مؤسفة ولا يمكن أن تقبل المقارنة مع أي بلد من البلاد التي شرعت في النهوض معنا أو حتى بعدنا. فالاكتفاء بالاستيراد سد اصطناعي للحاجات المادية والروحية .وهو معطل للتطور الفعلي وليس مشجعا عليه في مجتمعاتنا العربية .ولست أعني بالتطور ما يحصل في \"القاعدة أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- المادية\" للسد الناتج عنه بل بالسد الذي يصبح مكونا لكيان الإنسان من حيث هو ذو وعي بتناسق ذاته أو بمعاصرة وعيه التراثي لوعيه العضوي. والمفهومان -أضعهما اصطلاحا -يمكن أن يدركهما من درس في الغرب وكان مثلي من وسط اجتماعي قريب من البداوة حتى وإن كان من أسرة عريقة في الثقافة التقليدية والزراعة. فهو يعيش تباعد بين الوعيين وغالبا ما يسمى التناسق بينهما اسلوبا حضاريا للجماعة .وقد كان نيتشة يستعمل ما يشبه هذا المعنى لوصف الألمان بالأجلاف وعديمي الحضارة بالقياس إلى الفرنسيين الذين يعترف لهم بالحضارة وذلك في كتابه النقدي لمثقفي عصره وموقهم المتكبر من فرنسا بعد هزيمتها في حرب .1870 وهو الكتاب الذي انتخبت منه أول نص حول مفهوم التاريخ ذي الأبعاد الثلاثة للترجمة مع نص التنوير لكنط خلال تدريسي الفلسفة في الثانويات .ولا يوجد شيء أبلغ عبارة عن الذوق الخلقي والجمالي أكثر من المائدة والسرير. واعتقد أن هذا كاف وزيادة .لكن يمكن البحث في باقي المراحل بين أقصى البداوة وأقصى الحضارة أو الترف ..لكني أكتفي بما فعل ابن خلدون اعتمادا على مفهوم \"نحلة العيش\" ا بحصرة بين هذين الحديين الأقصيين ولم يتعرض لما بينهما مع الإشارة إلى ان الترف ينتهي إلى سقوط الحضارة فيعود بها إلى ما هو أرذل من البداوة مطبقا على ذلك الآية المتعلقة بالمترفين وقريتهم. أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- سأكتفي بدلالة استعجال الآجل واستئخار العاجل في عمل الجهازين بالتناسب مع تكوينهما الاكتسابي مسلما بأن أساسهما المفطور في كيان الإنسان لا يخلو منه إنسان أو جماعة وإن بتفاوت في الوراثي الطبيعي بالنسبة إلى الأفراد مع قبول التعديل المحقق للمساواة في التراثي التاريخي بين الجماعات بالتدارك الاكتسابي: .1جهاز النظر والعقد وتطبيقاته المعرفية تقنيا وأثر ذلك في مهمة الإنسان من حيث هو مستعمر في الأرض أو في ترجمة التسخير إلى ما ينتج عن ذلك من علاج لمعضلة المائدة والسرير علاجا يحقق التحرر من الطبيعة بالتدرج في العلاقة بالمائدة وقيمها وفنونها وفي العلاقة بالسرير وقيمه وفنونه أي الجمع بين العمران لسد الحاجات والاجتماع للأنس بالعشير بلغة ابن خلدون. .2جهاز العمل والشرع وتطبيقاتها القيمية خلقيا وأثر ذلك على مهمة الإنسان من حيث هو مستخلف في الأرض ينظم شروط سد الحاجات العمرانية لحل ما يترتب على التبادل من خصام والحاجات الاجتماعية لحل ما يترتب على التواصل من خصام بنفس المصطلحات رعاية للإنسان وحماية بوظائف الدولة العشر. والتدارك الاكتسابي هو وظيفة الدولة التي تعنى بنظام الرعاية ونظام الحماية دون أن تكون هي الراعية أو الحامية لأن هذين كلتاهما فرض عين على الأفراد بالكفاية التخصصية شرط التكامل فالتعاون فاقتسام العمل لسد الحاجات المادية بالتبادل والروحية بالتواصل فيهما .ورعاية نظام الرعاية والحماية حفظا وتطويرا هو وظيفة الدولة التي هي عودة الجماعة على ذاتها مثل عودة الوعي الذاتي بالنسبة إلى الفرد لإدراك وضعه وتنظيم علاقته بالطبيعة وبالتاريخ. فتكون الدولة في الحقيقة مستوى ثانيا من الرعاية والحماية أو إن صح التعبير هي رعاية الرعاية وحماية الحماية من قبل الجماعة نفسها من حيث هي مستخلفة أي مربية وحاكمة لنفسها في التجدد الدائم شرط البقاء في حين أن الرعاية والحماية في مستوى الأول الذي هو تبادل الجماعة وتواصلها في دورها من حيث هي مستعمرة في الأرض. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- وما اريد أن أختم به هذه المحاولة المغرقة في النظر والتجريد بقدر الغوص في العمل والتعيين هو بيان سياسة عالم الشهادة كما يحددها القرآن بالاستناد إلى الانشداد إلى صورة سياسة عالم الغيب التي يقدمها القرآن مثالا أعلى لها .وحينها سنفهم كيف أدى تحريف النظر والعقد من حيث هو علاقة عمودية بالطبيعة هي مجال التعاون لسد الحاجات والعمل والشرع من حيث هو علاقة أفقية بالتاريخ هي مجال التواصل لتنظيم التعاون والتواصل والعيش السلمي المشترك في حضارتنا خاصة وفي الحضارة الإنسانية الحالية التي جعلوها مثالا أعلى والتي عوضت التعمير إلى تدمير لأنها أنهت مفهوم الانشداد إلى صورة سياسة الغيب التي يقدمها القرآن وذلك في مهمتي الإنسان مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها .والقصد تعليل ما قضيت به سابقا في الحكمين التاليين: .1الإسلام سيكون مستقبل الإنسانية إذا حررناه من التحريفين :الأول تحريف علاقة الإنسان العمودية بالطبيعة أي بمهمة التعمير فحال دون تطوير جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية ما جعل المجتمع الإسلامي يبقى رهن الثروات الطبيعة الخام أو الإغارة على الشعوب المنتجة .والثاني تحريف علاقة الإنسان الأفقية بالتاريخ أي بمهمة الاستخلاف فحال دون تطوير جهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية ما جعل المجتمع الإسلام يبقى رهن الاستبداد في التربية والحكم واغارة الحكام على رزق الشعوب. .2ذلك أن نظرية الإسلام في التعمير ونظريته في الاستخلاف لو لم يصبها هذان التحريفان لكانت هي الحل الحقيقي لبقاء الإنسانية أو لتحريرها مما قضت به الملائكة في عدم أهلية الإنسان للاستخلاف متهمة إياه بالفساد في الأرض وسفك الدماء لكأنها تصف إنسان الحداثة المحرفة والعولمة .فالحداثة حرفت بانحطاط الإنسان الغربي الذي ظن التعمير ممكن من دون قيم الاستخلاف في الأرض والإسلام حرف بانحطاط الإنسان المسلم الذي ظن أن الاستخلاف ممكن من دون قيم الاستعمار في الأرض. ولكن قبل أن أتكلم في ذلك لا بد من بيان حصيلة استقدام الآجل واستئخار العاجل في ثمرات التعمير عند المسلمين كيف حدث وذلك ما يماثله في الحضارة التي تغلبت على حضارة المسلمين وسيطرت على العالم بعدها .فسياسة عالم الشهادة عندما يتأله المستبدون حتى يعيشوا في الدنيا أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- ما يصف به القرآن منزلة من كتابه بيمينه بالاستحواذ على عرق من يجعلونهم عبيدا لهم ويعيشونهم ما يصف به القرآن منزلة من كتابه بيساره. ولما كان ذلك ناتجا عن إفساد معاني الإنسانية في الجماعة بالتربية والحكم العنيفين فإن شروط التعمير تتبع فساد شروط الاستخلاف :وتلك هي علة الانحطاط المضاعفة .فتلكما هما علة ما نعلم من التخلف في الجهازين جهاز النظر والعقد وجهاز العمل والشرع .وتكون النتيجة ما وصفه ابن خلدون :نهاية الحضارة بسبب سلوك المترفين والمعدمين فيحق على القرية القول. وما حصل عند المسلمين ضمن جماعتهم حدث في الغرب ضمن جماعتهم لما كانوا منحطين ثم حرروا جماعتهم من الاستبداد المفسد لمعاني الإنسانية في التربية والحكم الداخلي وأبقوا عليهما في المستعمرات التي صارت العالم كله بعد أن حقق التحرير السابق شروط القوة المادية التي مكنت من ذلك فأصبح الاستبداد الغربي خارج الغرب والحرية الغربية داخل الغرب فكان ما ينهب من خارج الغرب عاملا ممكنا من جنة في الأرض أوسع عند المستبدين خارجيا و\"الديموقراطيين\" داخليا وهو معنى العولمة التي هي استعباد للمستضعفين في العالم بما في ذلك في الغرب نفسه. وإذن فالفرق بين الغرب والشرق كمي وليس كيفيا .ما حصل في حضارتنا كان مقصورا على بلاد الإسلام ولم يشمل المعمورة وما يحصل في الغرب تجاوز الغرب وشمل العالم كله .لكن المسألة في الحالتين نتجت عن تقديم الآجل الوجب في عالم الشهادة دون شرط الأهلية له التي تجعله ممكنا في عالم الغيب (الجنة في الأرض ثمرة للفساد وليس للصلاح) والآجل السالب في عالم الشهادة دون العلة التي تفرضه (جهنم في الأرض لغالبية البشر الذين صاروا عبيدا) .وذلك هو المرض الذي جاء الإسلام لعلاجه فلم ينتبه إليه المربون (العلماء) والحكام (الأمراء) وهو تحريف على جهل لأنه كان مقصورا على الداخل .لكن نظيره في الغرب كان على علم وبقصد لأنه تخلص منه بقدر محترم في الداخل وعممه على الخارج. ومشكلي الشخصي مرة أخرى هو الوقوع في نفس الخطأ من قبل مفكري الإسلام المحدثين :فهم يجعلون نفس الظاهرة بعد أن عمت مثالا أعلى فيعتبرون النظام الغربي حلا في حين أنه تعميم للداء وليس الحل .فلا يمكن تصور نظاما غربيا بالمعنى الحالي أي الديموقراطية في الداخل من أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- دون نقيضها في الخارج لأن من شروط آليات الحكم فيها نهب العالم حتى يرض الناخب على الحاكم والتنافس بين المترشحين لرعاية الرعاية والحماية فيه أي للتربية والحكم استبعاد كل البشر بالعنف المادي (قوة الاقتصاد وتطبيقاته العسكرية) والعنف الرمزي (قوة لا ثقافة وتطبيقاتها الإيديولوجي) أي ببعدي العجل الذهبي :الذهب والخوار. وإذن فالتقديم والتأخير علته نظام المائدة والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية بالمراحل التي ذكرتها والتي اقتصر ابن خلدون على مرحلتها الأولى القصوى (بداوة الاعراب) والأخيرة القصوى (حضارة الترف) وجمع بقية المراحل في جنس نحل العيش في العمران البدوي وفي العمران الحضري .وما أريد الإشارة السريعة إليه في غاية هذا البحث وهو ذو صلة بأهمية المائدة والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية في الإسلام وعلاقة ذلك بسياسة عالم الشهادة ببعديها تربية في صلتها بشروط المائدة والسرير أي العمران من حيث شروط الوجود (الاقتصاد والثقافة) وحكما أي الاجتماع من حيث شروط البقاء بفضل النظام السياسي الذي يعنى بالرعاية والحماية بوصفهما فرض عين على الجميع. المسألة الأولى :شرط وجود الحياة الفاضلة والجميلة أو العلاقة العمودية بالطبيعة إنها مسألة تتعلق بالعلة الفاعلة التي تحددها العلة الغائية :فالغاية هي تحقيق الحياة السعيدة أو ما يسميه ابن خلدون بالاجتماع الإنسان من أجل الأنس بالعشير والعلة الفاعلة هي التعمير أو ما يسميه ابن خلدون بالعمران البشري من أجل سد الحاجات .وهذان هما مهمة السياسة التربوية التي تكون الأجيال من حيث صحة الكيان العضوي وسلامة الكيان العائد عليه أو الروحي. وكلاهما ذو صلة بشروط الصحة البدنية والنفسية .وتلك هي مهمة التربية التي تكون الأجيال لتكون قادرة على إنتاج ما يعولها وما يحميها لتكون الحياة كما وصفها ابن خلدون \"أنسا بالعشير\" أي توفير شروط المائدة والسرير بقيمهما الخلقية والجمالية. المسألة الثانية :شروط بقاء الحياة الفاضلة والجميلة أو العلاقة الافقية بالتاريخ. لكن المسألة الأولى لا يمكن أن يتم علاجها بالصورة التي سبق وصفها من دون عودة الجماعة على ذاتها لتكون إدراكا لمسارها بشروط خمسة هي جوهر الكيان المشرف على سياسة التربية وسياسة أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- الحكم .وتلك هي مهمة الإنسان الاستخلافية التي هي العودة إلى المهمة الاستعمارية لجعلها تجري بالقيم التي تحقق الغاية من وجود الإنسان كما يحددها القرآن .وإذا كانت الغاية في المسألة الأولى هي الحياة الفاضلة والجميلة فإن الغاية في المسألة الثانية هي الحياة الحرية والكريمة. ومثلما يكون من فرض العين المشاركة في تعمير الأرض فكذلك من فرض العين المشاركة في رعاية قيم الاستخلاف :وذلك هو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران )110-104 واعتبار الأمر أمر الجماعة تديره بالشورى (الشورى )38وخاصة ما يتلعق بالرزق. وبهذا أنهي المحاولة كلها .فالرزق (انتاجه) والإنفاق منه (توزيعه) هو المشكل الرئيس في الرؤية الإسلامية .وهنا لا بد من شرح مفهوم استعملته ولم أعلله التعليل الكافي .ففي كلامي على تطور أشكال الحكم في التاريخ بمعيار دور إنتاج الثروة (البعد الاقتصادي الصرف منها) ودور توزيعها (البعد الاجتماعي الصرف منها) وباستعمال المصطلح التقليدي يمين يسار اعتبرت رؤية الإسلام ممثلة لموقف يمين اليسار .فلماذا؟ لو قارنا موقف العصر الراشدي من المسألة لفهمنا ذلك .فيكفي أن تقارن بين الموقف من توزيع الثروة والقانون الجنائي الخاص بالملكية .ففيه نرى بالعين المجردة أنه يقدم إشكالية العدل الاجتماعي لكنه يردفها بحماية الملكية وتشجيع تنميتها وخاصة بسياسة المساهمة في تمويل رعاية الشأن العام أي السهم الذي يطلبه من ذوي الثروة في تمويل المسألة الاجتماعية وخاصة في تمويل التجديد الدائم لأدوات الإنتاج أو تمويل الاستثمار. • فهو أولا يضع ما يمكن نسميه الحد الأدنى من الدخل ويقدره بما يعيل الاسرة سنة كاملة أو ما يسمى بالنصاب .فمن ليس له النصاب معفى من الحد الأدنى من المشاركة في الكلفة الاجتماعية للعيش المشترك وهو الزكاة. • وهو ثانيا يضع ما يمكن أن نسميه الحد الأقصى من الجباية بالنسبة إلى ما تجاوز النصاب وهو الخمس بعد طرح النصاب يدفع لبيت مال المسلمين وليس للدجالين من الملالي .لكن السنة بسبب حمق علمائها تصوروا ذلك متعلقا بحصيلة الأنفال في الحروب وليس بحصيلة العمل أيا كان. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- وينبغي أن نفهم أن هذا الحد -الخمس من الربح في أي عمل أي مما يبقى بعد طرح كلفة الإنتاج وكلفة تجديد أدواته-هو ما تحتاج إليه الدولة للقيام بوظائفها العشر أي الخمس المتعلقة بالعناية بالرعاية وبالحماية اللتين هما من مسؤولية الجماعة من حيث حصولهما وما يعود إلى الدولة ليس تحصيلهما بل الحرص على أن يكون ذلك التحصيل بالقيم التي وضعها الإسلام حتى يكون التحصيل تعميرا وليس تدميرا تعميرا للأرض وتوطيدا للتعاون والتعاوض العادل في الجماعة وبين الجماعات. وإذا حصل ذلك فلن يحتاج المجتمع لربا الأموال ولا لربا الأقوال :فالأول هو الربا المعهود الذي يظن ضروريا لتمويل الاستثمار والثاني قياسا عليه هو ربا الأقوال الذي يظن ضروريا \"لتزييت\" الحكم أعني الخداع والكذب في الخطاب الإيدلوجي .وهذا هما بعدا دين العجل: .1فالعملة أو رمز الفعل الاقتصادي والثروة بدلا من أن تبقى أداة تبادل تحولت إلى سلطة على المتبادلين. .2والكلمة أو فعل الرمز الثقافي والتراث بدلا من أن تبقى أداة تواصل تحولت إلى سلطة على المتواصلين. وهذا الانقلابان في وظيفة الأموال والأقوال هما السر في تحريف علاقة العاجل بالآجل والتلهف عليهما بوصفهما أداتي سلطان يمكن من تركيمهما بيد الأقلية فيكون كل شيء دولة بين الأغنياء لأن سلطان الأقوال (الإعلام مثلا) أداة بيد صاحب سلطان المال (المافيات). أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 40
Pages: