Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore علاقة العاجل بالآجل أو تحقيب جهاز الإنسان المعرفي والقيمي - أبو يعرب المرزوقي

علاقة العاجل بالآجل أو تحقيب جهاز الإنسان المعرفي والقيمي - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-10-02 18:26:00

Description: علاقة العاجل بالآجل أو تحقيب جهاز الإنسان المعرفي والقيمي - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪re nils frahm‬‬ ‫علاقة العاجل بالآجل‬ ‫أو تحقيب جهاز الإنسان‬ ‫المعرفي والقيمي‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪6 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪12 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪19 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪26 -‬‬ ‫‪-‬الفصل السادس‪31 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫سأنطلق في هذه المحاولة من راهن المعركة الانتخابية في تونس‪ .‬فهي عينة مما تعيشه‬ ‫المجتمعات العربية عامة في كل شؤونها الدنيوية وحتى الأخروية‪ .‬والظاهرة التي اريد‬ ‫رصدها لا علاقة لها بالأعراق ولا حتى بالثقافات‪ .‬وهذه الإشارة هدفها التخلص من زعم‬ ‫البعض أن العرب استثناء في تاريخ الإنسانية‪ .‬إنها ظاهرة كونية‪ .‬وما اهتممت أبدا‬ ‫بالخصوصيات لأني لا أومن بوجودها إلا في اساليب تعين المعاني الكلية‪ .‬وهو موقف فلسفي‬ ‫بالأساس‪ .‬لكنه أيضا هو عين الموقف الذي يعتمد عليه القرآن في تحديد نظرية الإنسان ‪-‬‬ ‫الانثروبولوجيا القرآنية وما يترتب عليها في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ إيجابيهما‬ ‫وسلبيهما أي ما ينقده منهما وما يقدمه بديلا مما ينقده بمنطق التصديق والهيمنة‪.‬‬ ‫وهذه الظاهرة قابلة للرد إلى النضوج الحضاري الذي يمكن تحقيبه وهو تحقيب كوني‬ ‫بمعنى أن الإنسانية كلها تمر به باعتباره تحقيقا للتجهيز المعرفي والقيمي في الجماعة الذي‬ ‫يمكنها من تحديد علاقة الآجل بالعاجل في سد حاجات البشر رغم هذا المرور يخضع لأساليب‬ ‫مختلفة تحددها الأحياز الخمسة التي هي المكان والزمان وفعل المكان في الزمان أو الثروة‬ ‫وفعل الزمان في المكان أي التراث وما يوحد هذه الأحياز أو الرؤية الوجودية التي تترتب‬ ‫على نضوج جهازي الإنسان للقيام بمهمتيه أي جهاز النظر والعقد للمعرفة وتطبيقاتها في‬ ‫علاج العلاقة بالطبيعة وجهاز العمل والشرع للقيمة وتطبيقاتها في علاج العلاقة بالتاريخ‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فإن الأمر كله يعود إلى سد الحاجات وطبيعتها ودور بعدي السياسة أي‬ ‫التربية والحكم في علاجها وفي علاج الموقف منها من خلال مفهوم اورده هنا وهو مفهوم‬ ‫العلاقة بين العاجل والآجل في سدها والعمل عليه وإذن فالأمر كله رهن تطور الجهازين‬ ‫وقوانينه‪:‬‬ ‫‪ .1‬تطور جهاز النظر والعقد ودوره في علاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة مصدر حاجاته‬ ‫التي تنقسم إلى قسمين حاجات الرعاية وحاجات الحماية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬تطور جهاز العمل والشرع ودوره في علاج العلاقة بين الإنسان والإنسان أساس نظام‬ ‫العيش المشترك وتقسم العمل وثمرته في الجماعة‪.‬‬ ‫ما سأقدمه في هذه المحاولة رغم كونه مغرقا في التنظير الانثروبولوجي فإنه قابل للفهم‬ ‫بيسر لأنه عين مسار تاريخ تكون الإنسانية من حيث هي مبدعة لشروط قيامها بجهازيها أو‬ ‫أداتي الاستعمار في الأرض (النظر والعقد) والاستخلاف فيها (العمل والشرع)‪:‬‬ ‫‪ .1‬إما بمجرد تطبيقه مثلا على وضعية الانتخابات الحالية في تونس وما يحول دون سلامتها‬ ‫التي تجل على النضوح الديموقراطي من فساد شراء الذمم ليس من حيث وجودهما بل من‬ ‫حيث مستواهما الكمي والكيفي لأنهما موجودان في كل الجماعات أيا كان نضوجها الحضاري‬ ‫وثقافتها الديموقراطي‪.‬‬ ‫‪ .2‬أو بقراءة مقدمة ابن خلدون في ضوئه لأنها مبنية على مراحل النضوج الحضاري في‬ ‫علاقة بسد الحاجات وشروط تحقيق الرعاية أو العلاقة بالطبيعة خاصة والحماية أو‬ ‫العلاقة الأفقية بالتاريخ خاصة وذلك ببعدي السياسة أي تكوين الإنسان وتربيته وتنظيم‬ ‫الجماعة وحكمها شرطين في إبداع أدوات سد الحاجات المادية (سد الحاجات غاية للعمران)‬ ‫والروحية (الأنس بالعشير غاية للاجتماع) في الجماعة‪.‬‬ ‫وقد سبق فصغت النظرية التي تمكن من التحقيب بصورة أكثر وضوحا من مبدأ التحقيب‬ ‫الخلدوني المبني على مفهوم \"نحلة العيش\" التي ركز فيها على أحد بعديها أعني العمراني‬ ‫أي العلاقة بالطبيعة خاصة وأغفل الاجتماعي أي العلاقة بالتاريخ خاصة رغم أنه على‬ ‫الاقل في كلامه على الترف تدارك الأمر فاهتم بالبعد الثاني من نحلة العيش‪ .‬ويتبين ذلك‬ ‫من خلال المفهومين اللذين اضطررت لوضعهما حتى أميز بين البعدين مع تكييف لهما‬ ‫بمقتضى ما يساعد على التحقيب الأدق من التحقيب الذي اختاره ابن خلدون والذي يرجع‬ ‫إلى جنسين كل منهما له عدة أنواع متوالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬جنس العمران البدوي وأنواعه بدايتها بداوة الأعراب أو العيش في الصحراء مع‬ ‫الابل وغايتها نشأة الدول وبداية الاستقرار مع نحل العيش البدائية التي لا تتجاوز‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الزراعة والتجارة فيها وفي ما يترتب على البضاعتين الأساسيتين أي حصيلة العمل وحصيلة‬ ‫الجنس أو ثمرة العمل والعبودية وخاصة الجواري‪.‬‬ ‫‪ .2‬جنس العمران الحضري وأنواعه وبدايته نهاية العمران البدوي أو تأسيس الدول‬ ‫والمدن وغايته الترف الذي يأتي بعد الاقتصاد الناتج أساسا عن \"الصناعة\" وتطبيق المعرفة‬ ‫العلمية في مراحلها البدائية‪ .‬والغاية هنا فيها انحدار حضاري يعيد الجماعة على الاقل في‬ ‫جلها إذا ما استثنينا أصحاب القوة والمال إلى ما يشبه النكوص إلى بداوة الأعراب (ابن‬ ‫خلدون يستعمل العرب في دلالة انثروبولوجية لا عرقية بمعنى البداوة القصوى كالأكراد‬ ‫وكل من يعيش على تربية الأبل في أقاصي الصحراء)‪.‬‬ ‫أما المفهومان اللذان وضعتهما فهما استعارتان تصفان نوعي الحاجات العضوية والحاجات‬ ‫القيمية بصنفيها الخلقية والجمالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬فسميت الأولى بصنفيها المائدة والسرير واعتبرت القيم الخلقية ناتجة عن مراحلهما‬ ‫دون أن أشير إلى ذلك وسأفعل هنا حتى يتم القياس على الثانية التي أشرت فيها للقيم‬ ‫الجمالية حتى أدخلها في التحقيب باعتباره أحد معاييره‪.‬‬ ‫‪ .2‬وسميت الثانية بصفنها فني المائدة والسرير واعتبرت القيم الجمالية ناتجة عن‬ ‫مراحلهما وقد سبق أن اعتبرت القيم الجمالية داخلة في التحقيب بنفس الاعتبار‪.‬‬ ‫فيكون لدينا المتغيرات التالية لتحقيق التحقيب الذي سأعرضه اجمالا ثم أفصله لاحقا‬ ‫بدراسة الحقب كل واحدة منها على حدة لأبين علاقة العاجل والآجل فيها ومن ثم طبيعة‬ ‫العلاقة بين التجهيزين النظري والعقدي في المعرفة والعملي والشرعي في القيمة‪.‬‬ ‫فتكون الحقب على النحو التالي‪:‬‬ ‫‪ .1‬حقبة ما دون المائدة والسرير وقيمهما وهي الحقبة التي يسميها ابن خلدون حقبة‬ ‫الأعراب بالمعنى الانثروبولوجي أي حقبة نحلة العيش على تربية الأبل في أقصى‬ ‫الصحاري‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬حقبة المائدة والسرير وقيمهما دون فنيهما وهي بداية البداوة العادية التي تشرع في‬ ‫سن بعض القواعد العامة للعيش المشترك السلمي في القبائل وبينها‪.‬‬ ‫‪ .3‬حقبة بداية فني المائدة والسرير أو نشأة المدن والدول حول مصادر الرزق وخاصة‬ ‫الزراعي وتطوير تدجين الحيوان‪.‬‬ ‫‪ .4‬حقبة فني المائدة والسرير المعتمدين على تطور الزراعي وبداية الصناعي أي‬ ‫بالتدخل في تهجين الحيوان وتشتيل الزراعات‪.‬‬ ‫‪ .5‬حقبة الترف أي العودة إلى ما دون المائدة والسرير بسبب الغلو في فنيهما عند الأقلية‬ ‫المستولية على الثروات والقوة وما يترتب عليه من فقدان الحد الأدنى من المائدة والسرير‬ ‫للأغلبية فلا تبقى لها القدرة على قيمهما ويندثر معهما فناهما‪.‬‬ ‫وكل ذلك في المرحلة المتقدمة على الحداثة التي ستليها خمس مراحل من نفس الجنس‬ ‫ولكنها بسبب علاج علل الانحطاط الناتج عن الترف‪:‬‬ ‫‪ .1‬حل التوسع الاستعماري بفضل التقدم التقني في الحرب‪.‬‬ ‫‪ .2‬ثم توفير الانتاج بفضل التقدم التقني في الانتاج‪.‬‬ ‫‪ .3‬ثم حل الزراعة الصناعية بفضل التقدم التقني في التغيير العضوي‬ ‫‪ .4‬ثم حل علاج البيئة لتجنب نتائج التقنية الوخيمة‬ ‫‪ .5‬ثم فساد الأرض بترف الاقلية وعموم الفقر على الأغلبية فيكون الحل إما في اكتشاف‬ ‫عوالم جديدة او في الحد من النسل بحروب الدمار الشامل‪.‬‬ ‫وأختم هذا الفصل الأول بتعليل كتابتي لهذه المحاولة‪ :‬أريد أن أثبت أن ما يجري في بلاد‬ ‫العرب ليس لأن العرب عرب بل لأنهم نكصوا إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام‪ .‬وأعني أنهم‬ ‫اليوم وخاصة من يتصورون أنفسهم أغنياء العرب وجل المسلمين صاروا في وضع شبيه‬ ‫بالوضع الذي صار عليه الاسبان لما استعاضوا عما حصل في بقية أوروبا بالاستعمار الذي‬ ‫مكنهم من استغلال ثروات أمريكا اللاتينية وأهملوا شروط الانتقال من الانحطاط العلمي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والتقني والسياسي الذي نتج عن قوة زائفة مبنية على هذه الثروات التي هي ثمرة الغزو‬ ‫وليس ثمرة العمل والعلم وتطبيقاتهما‪ .‬فأصبح الاسبان والبرتغال اللذين كانا تقريبا من‬ ‫حيث القوة العسكرية أشبه بالمغول الذين غزوا دار الإسلام متخلفين علميا وتقنيا‬ ‫واستطاعوا بالقوة العسكرية هزيمة المسلمين في حرب الاسترداد واستعمار الكثير من بلدان‬ ‫العالم والاستفادة من ثرواتها دون عمل وعلم‪.‬‬ ‫وهذا عينه ما حدث للمسلمين الذين كما سبق أن بينت عكس علماؤهم ما أمروا به في‬ ‫القرآن الكريم أعني جعلوا نهي آل عمران ‪ 7‬أمرا وـأمر فصلت ‪ 53‬نهيا مع ما حصل للحكام‬ ‫المستبدين من ترف وثراء فاحش في مجتمعات نكصت إلى البداوة القصوى وانتهى كل‬ ‫إمكانية للانتقال من العيش على ما تنتجه الطبيعة إلى ما ينتجه الإنسان بعلمه وعمله من‬ ‫خلال استثمار ثروات الطبيعة‪.‬‬ ‫عرب اليوم مثلهم الافقر من الشعوب الإسلامية مثل دولتي الإسلام الهندي جل أغنيائهم‬ ‫هم في هذه الوضعية ويكفي دليلا على ذلك أن أكبر بلد في الخليج وأكبر بلد في المغرب‬ ‫كلاهما يعيش على شركة البترول أي سناتراك وأرامكوا والبقية هم بالطبع ما تزال‬ ‫اغلبيتهم في القرون الوسطى من حيث الفقر والجوع‪ .‬وهم إذن في وضعية لا يمكن أن تنجح‬ ‫فيها الديموقراطية وحياة الحرية والكرامة لأن الشعوب التي نكصت إلى ما يشبه ما وصف‬ ‫به ابن خلدون أعراب البل والصحراء القصوى ومن ماثلهم من الشعوب التي تتنازل عن‬ ‫قيم المائدة والسرير الخلقية والذوقية لأن الجائع مستعد لكل الجرائم الخلقية ولا يفكر في‬ ‫الذوق إذا كان لا يستطيع أن يحقق الحد الأدنى من \"العيش\" بلغة مصر‪ .‬ومثل اليوم أفضل‬ ‫مثال‪ .‬وليست بقية العرب بعيدة عن ذلك حتى وإن كانت الظاهرة في مصر وفي اليمن وما‬ ‫يماثلهما ـأبرز بسبب كثرة السكان وقلة الثروات وفساد الانظمة وكثرة المافيات بين النخب‬ ‫من كل الاصناف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هدفي من الكلام في علاقة العاجل بالآجل فهم ما يجري من ظاهرات تبدو غير طبيعية في‬ ‫بلاد العرب خاصة والمسلمين عامة‪ .‬فالمسلمون والعرب يتهمون بكونهم أشبه بالاستثناء قياسا‬ ‫إلى غيرهم من الأمم التي تعيش في هذا العصر‪ .‬ويقتضي ذلك أن أنطلق من الغاية التي‬ ‫من المفروض أن يصل إليها تطور الجهازين اللذين هما مدار ما اعتبر غايته القابلة لأن‬ ‫تصبح أشبه بالظاهرة الحية نفسها من حيث التجدد المستمر بآلية الأجيال المتكررة‪:‬‬ ‫‪ .1‬تطور جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية‪.‬‬ ‫‪ .2‬تطور جهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية‬ ‫وذانك هما بعدا مهمة الإنسان من حيث هو مستعمر في الأرض أي العلاقة العمودية بينها‬ ‫وبين الطبيعة ومن حيث هو مستخلف فيها أي العلاقة الأفقية بينه وبين التاريخ‪ .‬ومعنى‬ ‫ذلك أن الحياة التي هي من الظاهرات الطبيعية والتي تخضع للضرورة الشرطية قد‬ ‫توصلت إلى آلية التجدد الدائم بتوالي الأجيال عضويا وبقانون الوراثة نظاما‪.‬‬ ‫وقياسا على تطور الحياة تحاول الثقافة التي هي من الظاهرات التاريخية والتي تخضع‬ ‫للحرية الشرطية محاكاتها من حيث آلية التجدد الذي يضمن الاستمرار تاريخيا بقانون‬ ‫يحاكي نظام الوراثة العضوي هو نظام التراث‪ .‬وهي من تدين لهذه الآلية العضوية‬ ‫بنموذج آلية التجدد الدائم بتوالي الأجيال ليس عضويا عامة بل تاريخيا ليس فيه قانون‬ ‫الوراثة العضوي بل فيه قانون الإراث المكتسب‪:‬‬ ‫‪ .1‬ويكون ذلك أساس التراكم وتطور قدرات جهاز النظر والعقد للمعرفة‬ ‫وتطبيقاتها من أجل سد الحاجات الشارطة لبقاء الإنسان عضويا وتلك هي العلاقة‬ ‫العمودية بالطبيعة‪ :‬إنتاج الثروة للرعاية وللحماية‪ .‬وهذا هو الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫‪ .2‬ويكون ذلك أساس التراكم وتطور قدرات جهاز العمل والشرع للقيمة وتطبيقاتها‬ ‫من أجل سد الحاجات الشارطة لبقاء الإنسان ثقافيا وتلك هي العلاقة الأفقية بالتاريخ‪:‬‬ ‫تنظيم الانتاجين لتحقيق الغايتين‪ .‬وهذا هو الاستخلاف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كان الأول مستحيل البقاء من دون الثاني وكان الثاني مستحيل الوجود من دون‬ ‫الأول وكانت هذه العلاقة هي المحددة لكيان الإنسان فردا وجماعة أصبحت هذه العلاقة‬ ‫تشارطية بينهما أساس كل الحضارات الإنسانية والحضاري الكوني الواحد فيها جميعا‪:‬‬ ‫• فالأول هو شرط وجود الثاني لأنه الدافع إليه وسيلة لتحقيق شروط الرعاية‪.‬‬ ‫• والثاني هو شرط بقاء الأول لأن المحافظ عليه بما يحققه من شروط الحماية‪.‬‬ ‫فيكون الأول ممثلا لعالم الأدوات والثاني ممثلا لعالم الغايات‪ .‬وبلغة أوضح فإن‬ ‫الطبيعي علة شرط وجود الثقافـي وشرط عدمه‪ .‬والثقافـي شرط بقاء الطبيعي وشرط‬ ‫فنائه‪ .‬وتلك هي بنية التطور الحضاري الإنساني كما تحصل فعلا في التاريخ وكما يمكن‬ ‫استخراجها من فهم القرآن بوصفه استراتيجية التوحيد ومنطق السياسة التي تترتب عليه‬ ‫بمها فن أنجازها‪:‬‬ ‫‪ .1‬وما يحقق التشارط بين الجهازين هو الجماعة ودولتها في عالم الشهادة أو الدولة‬ ‫الدنيوية التي هي علاقة بين الطبيعة والتاريخ وما بعدهما‪ .‬وذلك هو موضوع السياسة‬ ‫الدنيوية ولنسمها دولة الإنسان‪ .‬وهي لا تفعل إلا في عالمي الضرورة الشرطية أو الطبيعة‬ ‫والحرية الشرطية أو التاريخ‪.‬‬ ‫‪ .2‬وما يحقق التشارط بين ما يناظرهما في الوجود ودولته في عالم الغيب أو الدولة‬ ‫الأخروية التي هي نموذج العلاقة الأولى لأنها علاقة الطبيعة بما بعدها وعلاقة التاريخ‬ ‫بما بعده‪ .‬وذلك هو موضوع السياسة الأخروية ولنسمها دولة الله‪ .‬وهي التي نفترضها‬ ‫فاعلة في عالم الضرورة اللاشرطية والحرية اللاشرطية وأثر فعلها فيهما هو الضرورة‬ ‫الشرطية والحرية الشرطية المؤثرة في دور الإنسان من حيث هم مستعمر في الأرض‬ ‫ومستخلف فيها‪.‬‬ ‫والدين في القرآن الكريم هو الجامع بين الدولتين أو المضمونين المتشارطين بعابرة‬ ‫صريحة في القرآن في شكل عقد بين الله مستخلفا والإنسان خليفة وهذا العقد يجعل سياسة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عالم الشهادة ذات مثال أعلى هو سياسة عالم الغيب‪ .‬والقرآن يعرض هذا الدور النموذجي‬ ‫عرضا مضاعفا‪:‬‬ ‫• قسمه الأول هو نقد رؤى الدولتين‪ :‬الدنيوية والأخروية‪.‬‬ ‫• قسمه الثاني هو تقديم البديل من هذه الرؤى‪.‬‬ ‫وذلك هو مضمون الرسالة الخاتمة المذكرة بالرسالة الفاتحة‪ .‬ومن ثم فالإسلام ليس دينا‬ ‫من بين الأديان بل هو الديني في كل دين أعني أنه الديني بعد تحرير الأديان السابقة‬ ‫من التحريف المضاعف أعتي التحريف المعرفي بإصلاح نظرية النظر والعقد والتحريف‬ ‫القيمي بإصلاح نظرية العمل والشرع‪.‬‬ ‫وسأخصص هذا الفصل الثاني لبيان البنية العامة التي تتجلى من هذا النقد والبديل‬ ‫والسؤال عن سر غيابهما في علوم الملة تنظيرا وتطبيقا ما جعلني أعتبرها تحريفا لمضمون‬ ‫القرآن والرسالة التي يتضمنها من حيث هي ما أسلفت من التحديد‪:‬‬ ‫‪ .1‬والأمر الأول سبق أن عالجته لأنه الموضوع الاول والأخير في محاولة التفسير‬ ‫الفلسفي للقرآن التي عنونتها باستراتيجية القرآن التوحيدية‪.‬‬ ‫‪ .2‬لكن الأمر الثاني هو موضوعه الثاني كما جاء في عنوانه هو هذه السياسة التي‬ ‫تؤسس سياسة الإنسان في عالم الشاهد أو في الموجود هي طلب المنشود من خلال ما تشرئب‬ ‫إليه من سياسة الله في عالم الغيب كما يقصه القرآن‪ .‬والقرآن يقص ما يؤدي دور النظر‬ ‫والعقد وهو نظام الخلق الذي يصفه القرآن بكونه رياضيا أساس النظر والعقد وتأسيسا‬ ‫لعلاقة الإنسان العمودية بالطبيعة أو التسخير وما يؤدي دور العمل والشرع وهو نظام‬ ‫الأمر يكونه اخلاقيا وأساس للعمل والشرع أو التكليف‪.‬‬ ‫فالسؤال عن سر غيابهما في علوم الملة يتبين من التنافي بين مآلها بالقياس إلى منطق‬ ‫السياسة المحمدية الغائب في علوم الملة أعني سياسة النظر والعقد وسياسة العمل والشرع‬ ‫تكوينا للجهازين بمنطق الغاشية ‪.22-21‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما كان ذلك يكون كذلك لولا عدم التفطن إلى أن القرآن في جوهره هو الاستراتيجية‬ ‫التي تحدد العلاقة بين الدولتين وهي المعنى العميق للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫فهذه العلاقة ليست شيئا آخر غير العلاقة بين الطبيعة والتاريخ ودولة الإنسان في عالم‬ ‫الشهادة وما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ ودولة الله في عالم الغيب‪ .‬وطبيعة العلاقة بين‬ ‫الدولتين هي علاقة المثال الثاني للمثول الأول‪ .‬لكن علوم الملة بسبب عدم إدراك هذه‬ ‫الحقيقة وعدم اتباع الغاشية ‪ 22-21‬جعلوها نسبة سلطان للإنسان مربيا وحاكما لا يبقي‬ ‫عليه خليفة بل يؤلهه‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالمربي لم يطبق \"إنما أنت مذكر\" بل صار وسيطا بين الإنسان وربه بدلا من أن‬ ‫يكون مولدا بالمعنى السقراطي وهو معنى التذكير فأصبحت التربية كما وصفها ابن خلدون‬ ‫عنفا يفسد معاني الإنسانية في الأجيال ومن ثم فهو يفقد الثقافة ما تستمده من الحياة‬ ‫ويفقد الحياة ما تستمده من تجددها العضوي‪.‬‬ ‫‪ .2‬والحاكم لم يطبق \"لست عليهم بمسيطر بل صار وصيا بين الإنسان وشأنه بلدا من‬ ‫أن يكون ساهرا على النظام القيمي وهو معنى \"لست عليهم بمسيطر\"‪ .‬فاكتمل قتل التجدد‬ ‫الذي يعرفه في القرآن باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو المشاركة في الشأن العام‬ ‫فرض عين على إنسان‪.‬‬ ‫والآن فلنحدد بنية الدولة سواء كانت أخروية أو دنيوية من عالم الغيب أو من عالم‬ ‫الشهادة‪ .‬وهذه البنية واحدة إذا نظرنا إليها من حيث هي بنية مجردة ولم ننظر في‬ ‫المضمون الذي لا نعلم منه إلا ما كان من عالم الشهادة وما يمكن أن يستنتج من عالم‬ ‫الشهادة باعتباره رامزا لعالم الغيب‪.‬‬ ‫دولة عالم الشهادة محكومة بالضرورة الشرطية في بعدها الطبيعي وعلاجه يكون بجهاز‬ ‫النظر والعقد وتطبيقات المعرفة التقنية وبالحرية الشرطية في بعدها التاريخي وعلاجه‬ ‫بجهاز العمل والشرع وتطبيقاته القيمة الخلقية‪ .‬لكن دولة عالم الغيب محكومة بالضرورة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اللاشرطية في بعدها الخالق وعلاجه فعل الخلق المجهول تماما وبالحرية اللاشرطية في‬ ‫بعدها الآمر وعلاجه فعل الأمر المجهول تماما‪.‬‬ ‫لكن القرآن في مستوى العبارة الرامزة وليس العبارة المحددة للمقومات يمكننا من اعتبار‬ ‫دولة عالم الغيب هي المثال الأعلى لمنشود دولة عالم الشهادة وليست مما يقبل المقارنة مع‬ ‫موجودها ولا حتى مع غاية منشودها إذا قيس بما للإنسان من تجهيز في النظر والعقد وفي‬ ‫العمل والشرع‪.‬‬ ‫لكن علماء الملة وخاصة المتكلمون والفلاسفة (أصحاب النظر والعقد) وبنحو أقل الفقهاء‬ ‫والمتصوفة (اصحاب العمل والشرع) توهموا أن ما يقوم به القرآن في قيس المثال على‬ ‫الممثول في العبارة الرمزية يعني قابلية القيام بالعكس واعتبار الغيب غائبا وقيسه على‬ ‫الشاهد ومن ثم انعكست العلاقة فأصبحت سياسة عالم الشهادة يتوهم أصحاب بعدها‬ ‫التربوي وسيطا ثم بديلا من الله لأن المتكلم يدعي أنه يصوغ العقائد أفضل من القرآن‬ ‫فصار لكل مذهب عقيدته والفيلسوف يدعي أن علمه مطابق لحقائق الأشياء على ما هي‬ ‫عليه فصار لكل فلسفة واقع مردود إلى عقلها الذي صار كأنه \"عقل\" الله‪.‬‬ ‫وبذلك أصبح تطور الجهازين مستحيلا لأنهما إذا كانا مطابقين للحقيقة وليسا اجتهادا‬ ‫قابلا للتجاوز دائما استحال أن يحصل تطور دائم فيجمد النظر والعقد والعمل والشرع في‬ ‫الشكل الأول‪ .‬وهو أمر طبيعي لأنه إذا كان النظر والعقد يصل إلى التطابق مع الحقيقة‬ ‫وما يقوله عن الأشياء هو مقوماتها وليس رمزا لما أدركه منها فإن تجاوز الحقيقة يصبح‬ ‫باطلا‪ .‬وإذا كان العمل والشرع يصل إلى التطابق مع القيمة وما يقوله عن الأشياء هو‬ ‫قيمها وليس رمزا لما قيمه الإنسان منها فإن تجاوز القيمة الذاتية للأشياء يصبح باطلا‪.‬‬ ‫ولو طبقنا ذلك على الحياة مثلا وقلنا إن ما عليه الجيل السابق هو حقيقة ما يجب أن‬ ‫تكون عليه الحياة في كل جيل لتوقفت الحياة ولماتت مع الجيل السابق‪ .‬توالي الأجيال الحية‬ ‫يعني التجدد الدائم لأنه لا أحد من الأجيال يمكن أن يدعي أنه قد حقق كل الحياة بل‬ ‫الحياة شلال دائم ليست الأجيال إلى مسعى دائم للإبقاء عليه جاريا‪ .‬وتطور جهاز النظر‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والعقد وتطبيقاته التقنية وجهاز العمل والشرع وتطبيقاته الخلقية هما حياة التاريخ‬ ‫ودولة عالم الشهادة لأن الأول يحقق التطور الدائم للعلاقة بين الإنسان والطبائع والثاني‬ ‫يحقق التطور الدائم للعلاقة بين الإنسان والشرائع‪ .‬وهذا التطور الدائم في كل الحضارات‬ ‫هو ثمرة الانشداد الدائم للمثال الأعلى الذي تمثله رؤية لدولة عالم الغيب‪.‬‬ ‫ولست مهتما الآن عن طبيعة دولة عالم الغيب وحقيقتها‪ .‬فسواء سلمنا بوجودها‬ ‫وبحقيقتها كما يصفها القرآن الكريم أو كما لا تخلو منها فلسفة ولا دين طبيعي أو منزل‬ ‫فإنها في القرآن الكريم توصف بكونها ذات ضربين من الوجود‪:‬‬ ‫• في كيان الإنسان من حيث هو مفطور على منزلة وجودية هي الاستخلاف أي الوعي‬ ‫بأنه خليفة المثال الاعلى‪.‬‬ ‫• في قيام ذاتي هو الله من حيث هو الخالق بقدر أي بنظام رياضي (نظر وعقد) والآمر‬ ‫بحكمة أي بنظام خلقي (عمل وشرع)‪ .‬وهذا القيام الذاتي خارج الزمان والمكان وهو الأول‬ ‫‪-‬قبل الطبيعة والتاريخ‪ -‬والآخر أي بعدهما وذلك هو يوم الدين الذي يجتمع فيه نوعا‬ ‫الدولة‪ :‬فكل ما جرى في دولة عالم الشهادة يفحص في دولة الغيب ولا يبقى فرق بين‬ ‫الدولتين لأن الإنسان نفسه يصبح بصره حديدا فيكون على نفسه بصيرة‪.‬‬ ‫لم يبق الآن إلى أن أحدد البنية الواحدة في الدولتين إذا نظرنا إليها مجردة من‬ ‫مضمونها الذي يتمايز فيه عالم الشهادة عن عالم الغيب‪ .‬وذلك هو موضوع الفصل المقبل‬ ‫وقلب هذه المحاولة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما البنية الواحدة في الدولتين دولة عالم الشهادة ودولة عالم الغيب إذا نظرنا إليها‬ ‫مجردة من مضمونها الذي تتمايز به الدولتان بطبيعة هذا المضمون؟ لا يمكن أن أجيب عن‬ ‫هذا السؤال العسير قبل الإشارة إلى مفتاحين حددهما القرآن لفهم كلامه على العلاقة‬ ‫بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب وبالتالي على سياستهما أي سياسة دولة لله مثالا أعلى‬ ‫وسياسة دولة الإنسان رمزا لسعي الموجود في محاكاة المنشود المشدود إلى المثال الأعلى دون‬ ‫أن يطابقه وكل دعوى مطابقته كاذبة وهي أصل التأله الذي هو جوهر الاستبداد والفساد‬ ‫في بعدي السياسة أي التربية ولبها جهاز النظر والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية وجهاز‬ ‫العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية‪.‬‬ ‫فالقرآن يتكلم على دولة الإنسان الكونية ولا يتكلم على دول معينة لأن الغرض هو‬ ‫تحديد الكوني في السياسي وليس تشكلاته المختلفة بحسب الظروف العرضية‪ .‬وقد فهم‬ ‫ابن خلدون ذلك كما يتبين من عنوان المقدمة \"علم العمران البشري والاجتماع الإنساني\"‬ ‫أعني بعدي الدولة من حيث هي نظام جهاز النظر والعقد المعالج لعلاقة الإنسان بالطبيعة‬ ‫أو التعمير (بوصفه مستعمرا في الأرض) وجهاز العمل والشرع المعالج لعلاقة الإنسان‬ ‫بالتاريخ (بوصفه مستخلفا في الأرض)‪:‬‬ ‫‪ .1‬المفتاح الأول يتمثل في اعتبار الأرض وحدة قيس للعالم الطبيعي الشاهد منه‬ ‫وغير الشاهد أو الغيب‪ .‬والمثال هو قيس اليوم في عالم آخر باليوم الأرض عند الكلام على‬ ‫صعود الروح فاعتبره يعدل خمسين ألف سنة مما نعد أي مما نعد بوحدة قيس هي اليوم‬ ‫الأرضي‪.‬‬ ‫‪ .2‬المفتاح الثاني هو اعتبار أفعال الإنسان وحدات قيس لأفعال الله مع احتراز ليس‬ ‫كمثله شيء ما يعني أن الله اختار أن يقيس الغيب على الشهادة في دور الرمز وليس في دور‬ ‫المقوم‪-‬من هنا أهمية ثورة ابن تيمية في نفي أن تكون المعاني الكلية مقومة واعتبرها مجرد‬ ‫رموز‪-‬فيكون الإنسان وأفعاله رموزا لوحدات قيس متناهية للكلام على اللامتناهي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولعل ظاهرة التأله الإنسانية التي خصص لها ابن خلدون إشارات كثيرة في كلامه على‬ ‫سلطة الحكم وسلطة المعرفة اللتين لهما صلة مباشرة بهذه الخاصية بمعنى أنها تظهر إما في‬ ‫دعوى التفرد بالحكم والاطلاق الاستبدادي فيه أو دعوى التفرد بالعلم والاطلاق‬ ‫الاستبدادي فيه‪ .‬وكلاهما يسهم في إفساد معاني الإنسانية بالمصطلح الخلدوني‪ .‬وقد أشار‬ ‫في الاستبداد السياسي إلى دليل التمانع لفهم استبداد التفرد في الحكم ويمكن أن نقيس‬ ‫عليه استبداد التفرد في العلم في غايته التي يدعيها القطب الصوفي‪ -‬وكلتاهما ذات صلة‬ ‫بالقيم الأسمى أعني بما به تحصل ظاهرة الشعور بالاتصاف بصفات تشبه ما يصف الله به‬ ‫نفسه من إرادة وعلم وقدرة وحياة ووجود كلها مطلقة فعلية عند الله وهي وهمية عند‬ ‫الإنسان المتأله‪ .‬ومن نتائجها عامة دعويا المطابقة في نظرية المعرفة والمطابقة في نظرية‬ ‫القيمة وهما أساس الفلسفة القديمة وعلم الكلام القديم المتقدمين على ثورة ابن تيمية‬ ‫وابن خلدون النافيين لنظرية المطابقة في المعرفة وفي القيمة‪.‬‬ ‫وإذا كان يمكن للامتناهي أن يسقط على المتناهي في العبارة الاستعارية أو التمثيلية عنه‬ ‫فإن العكس مستحيل‪ .‬وحتى في مقارنة الموجودات العادية فإنك يمكن أن ترسم خارطة‬ ‫العالم على ورقة لكنك لا تستطيع أن تجعل الورقة خارطة العالم‪ .‬وهو الخطأ الذي تأسس‬ ‫عليه علم الكلام لخلط أصحابه بين الغيب والغائب وهو الخطأ الذي تأسست عليه نظرية‬ ‫المعرفة ونظرية القيمة القائلتين بالمطابقة‪ .‬ولما كانت سياسة الوجود عامة وعالم الغيب منه‬ ‫على وجه الخصوص هي ذروة أفعال الله وكانت سياسة عالم الشهادة كذلك ذروة أفعال‬ ‫الإنسان‪.‬‬ ‫وتلك هي علة أن كان يمكن أن يزعم صاحب الثانية لنفسه صفات صاحب الأولى بعضها‬ ‫أو كلها‪ .‬ولعل هذا من أهم العلامات على اعتبار الإنسان وحدة قيس في القرآن موجبة إن‬ ‫لم تنس \"ليس كمثله شيء\" وسالبة إن نستها‪ .‬حينها يكون الإنسان وحدة قيس بالمعنى الذي‬ ‫حاولت بيانه بمنطق اسقاط اللامتناهي على المتناهي في مستوى الترميز وليس في مستوى‬ ‫الحقائق واستحالة العكس فيهما‪ .‬وبهذا الاحتراز يمكنني أن أجيب عن السؤال فأحدد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫البنية الواحدة إذا نظرنا إليها مجردة عن تناهي سياسة الإنسان لعالم الشهادة وسياسة‬ ‫الله لعالم الغيب الذي يتضمن عالم الشهادة بوصفه ما يريه الله للإنسان بما جهزه به من‬ ‫قدرة على النظر والعقد للعلم وعلى العمل والشرع للعمل وجعله في آن ممثلا للضرورة‬ ‫الشرطية بما فيه من طبيعي وممثلا للحرية الشرطية بما فيه من تاريخي وواعيا بما ورائهما‬ ‫من تحرر من الشرطية في الضرورة وفي الحرية‪.‬‬ ‫سبق أن تكلمت على البنية العامة للدولة من حيث هي بنية خالية من المضمون بوصفها‬ ‫جهازا شبه آلي مؤلفا من خانات خالية قابلة للملء بمن يكون قيما على الوظائف التي تؤديها‬ ‫الدولة من حيث هي كما يصفها ابن خلدون صورة العمران والاجتماع أو صورة الاستعمار‬ ‫في الأرض والاستخلاف فيها ويكون من يملأ الخانات نائبا للجماعة باختيارها الحر يبقى‬ ‫دائما تحت مراقبتها بوصفها هي صاحبة الأمر تديره بالشورى فرض عين على الجميع فلا‬ ‫يكون النائب إلا القيم على التنفيذ تحت مراقبتها وذلك هو مفهوم الامر بالمعروف والنهي‬ ‫عن المنكر ولها حق التولية والعزل بمبدأ لا طاعة في معصية الله أي في الوصل الممثول‬ ‫(سياسة عالم الشهادة) في ضوء المثال (سياسة عالم الغيب)‪.‬‬ ‫والبنية مؤلفة من قلب هو الخانة التي يملؤها الدستور أو الفهم الموحد للجماعة السانة‬ ‫(الجمع والسن) يتقدم عليه بعدان هما بعد المرجعية والقوى السياسية ويتأخر عنه بعدان‬ ‫هو التنفيذ الحاكم والمعارض والوظائف التي تتعلق بالرعاية وبالحماية إذن البنية على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬ ‫‪ .1‬خانة المرجعية‬ ‫‪ .2‬خانة القوى السياسية‬ ‫‪ .3‬خانة الدستور (القلب)‬ ‫‪ .4‬السلطة التنفيذية‪-‬التشريعية حكما ومعارضة‬ ‫‪ .5‬وظائف الدولة لرعاية ذاتها بوصفها معبرة عن إرادة الجماعة حماية ورعاية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه كلها شرحتها بخصوص دولة الإنسان في عالم الشهادة المشدود إلى مثال عالم‬ ‫الغيب‪ .‬لكن كيف نعتبر دولة الله في عالم الغيب الحاكم أيضا في عالم الشهادة بقوانين‬ ‫الخلق وسنن الـأمر أو بقوانين الاستعمار في الارض وسنن الاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫هل يعقل أن يكون لله مرجعية؟ وقد قلنا إن الله من حيث هو ما بعد الطبيعة والتاريخ‬ ‫يمثل الضرورة اللاشرطية والحرية اللاشرطية (وعند غير المؤمن تؤدي الصدفة هذه‬ ‫الوظيفة)؟ وهل يعقل أن تكون لديه قوى سياسية تؤدي دور المترجم لهذه المرجعية في‬ ‫دستور تعمل بمقتضاه حكومة مؤلفة من حاكم ومعارضة يشرعان وينفذان ما ينظم وظائف‬ ‫دولته رعاية وحماية للوجود والعوالم المختلفة؟‬ ‫طبعا لو اعتبرنا أفعال الإنسان وحدة لقيس للحقائق وليس لرموزها التي يعبر بها‬ ‫القرآن عنها ليوجه إليها الإدراك الإنساني توجيها يجعله مشدودا إلى المثال لكان كلامنا‬ ‫كفرا صراحا‪ .‬لكن عندما نطبق ما يقوله ابن تيمية عن المعاني الكلية بوصفها لا تختلف عن‬ ‫رسوم الكتابة وعن ألفاظ اللغة من حيث دورها الرمزي غير المقوم لما يشير إليه‪ .‬وسأضرب‬ ‫مثالين أحدهما من الطبيعة والثاني من الثقافة‪.‬‬ ‫‪ .1‬فمن الطبيعة هل يمكن أن نعتبر ظل الشيء الذي نقيس به حركة الشمس‬ ‫بوحدات نستخرجها من التناظر بين الحركتين مقوما للشيء أو للشمس؟‬ ‫‪ .2‬ومن الثقافة هل نعتبر رسم بورتري شخص على ورقة بعين الرسام مقوما لفعل‬ ‫الرسم أو للشخص المرسوم فيكون ما ترسمه الريشة مقوما لفعل الرسام أو لكيان المرسوم؟‬ ‫فظل الشيء ورسم الشيء ليس أي منهما مقوما للشيء بل هما علاقة بين شيئين يمكنان‬ ‫من الرمز لقيس الزمان بعلاقة بين حركة الشمس حركة ظل الشيء المعترض لانتشار‬ ‫شعاعها في الحالة الأولى ومن الرمز لقيس الصورة بعلاقة بين الصورة في بصر الرسام‬ ‫والصورة في الرسم دون أن يكون ذلك مقوما لا لفعل الرسم وللشيء المرسوم‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فيمكن الكلام على سياسة الإنسان لعالم الشهادة برموز تكلم بها الله على‬ ‫سياسته لعالم الغيب دون أن تكون تلك الرموز المأخوذة من سياسة الإنسان لعالم الشهادة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫مقومة لأي من السياستين بل هي رامزة لمعان كلية علاقتها بها من جنس علاقة الكتابة واللغة‬ ‫بالمعاني التي نعبر بها عنها‪:‬‬ ‫• فما المرجعية في سياسة الله لدولة عالم الغيب؟ كل الآيات التي يتكلم فيها الله على ما‬ ‫كتبه على نفسه‪.‬‬ ‫• وما القوى السياسية في سياسة الله لدولته؟ كل الملائكة التي يكلفها بمهام مثل مهمة‬ ‫الكتابة على الإنسان كل حركاته‪.‬‬ ‫• وما الدستور الذي يتنظم بها فعل هذه القوى لما تحكم وتعارض في التشريع والتنفيذ؟‬ ‫كل ما يتكلم فيه الله على حقوق الإنسان ومسؤوليته الناتجة عن تكليفه وتطبيقها الحاسم‬ ‫دون ظلم‪.‬‬ ‫• وما الحكم والمعارض في التشريع والتنفيذ؟ الحاكم هو الله والإنسان له حق الجدال‬ ‫في الدنيا والمطالبة بحقوقه والمعيار هو قوله تعالى \"رضي الله عنهم ورضوا عنه\"‪.‬‬ ‫• وما وظائف الدولة الإلهية في الرعاية والحماية؟ كل ما يتعلق بالأرزاق وكل ما يتعلق‬ ‫بالمنازل في الجماعة للرعاية وكل ما يتعلق بالحماية لكيان الموجودات عامة والإنسان خاصة‪.‬‬ ‫وكل هذه العناصر مطلقة التمام لأن الله في دولته له الإرادة والعلم والقدرة والحياة‬ ‫والوجود وكلها مطلقة وليس يمكن أن يتخلف منها شيء فهو فعال لما يريد بعلم مطلق وتحقيق‬ ‫مطلق وعدم مطلق‪.‬‬ ‫لكن القرآن الذي يجعل السياسة الإنسانية لعالم الشهادة \"وحدة قيس\" للسياسة الإلهية‬ ‫لعالم الغيب يحلل معنى \"ليس كمثله شيء\" ببيان الفروق الجوهرية بين علاقة الإنسان‬ ‫بموضوع سياسته أي بعالم الشهادة وعلاقة الله بموضوع سياسته أي بعالم الغيب وهي فروق‬ ‫تحدد معاني صفات الافعال الخمسة ‪ :‬الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود عند الرمز‬ ‫بها إلى أفعال الله وإلى أفعال الإنسان‪ .‬فهي لامتناهية في الحالة الاولى كما وكيفا ومتناهية‬ ‫في الحالة الثانية كما وكيفا‪ .‬ويترتب على ذلك الفروق التالية في العلاقة بين الحاكمين الله‬ ‫المستخلف والإنسان الخليفة‪ .‬والخلافة وحدة قيس الأفعال وليس وحدة قيس الفاعل‪..‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬أول شيء ينبغي ألا ننساه هو أن دولة الله لا تقتصر على سياسة الإنسانية بل‬ ‫هي سياسة كل الوجود خلقا وأمرا‪ .‬الفرق الأول يمكن اعتباره كميا‪.‬‬ ‫‪ .2‬ثان شيء ينبغي ألا ننساه هو أن المخلوقات كلها تمثل عوالم وكلها يسميها الله امما‬ ‫مثلنا‪ .‬الفرق الثاني يمكن اعتباره نوعيا وهو ان الاشياء كلها كائنا حية‪.‬‬ ‫‪ .3‬ثالث شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء سابقة عن وجودها‪.‬‬ ‫الفرق الثاني هو أن الله يسوس ما \"صنع\" بنفسه‪.‬‬ ‫‪ .4‬ورابع شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء مساوقة لوجودها لأن‬ ‫قيامها من دون غير ممكن‪ .‬الفرق الرابع هو أن الاشياء فقيرة إليه ومدينة له ببقائها‪.‬‬ ‫‪ .5‬وخامس شيء ينبغي ألا ننساه هو أن الله في علاقة بالأشياء تالية عن وجودها في‬ ‫عالم الشهادة وعائدة إليه يوم الدين‪ .‬الفرق الخامس هو أن الأشياء مرجعها إليه وهو‬ ‫الحكم النهائي‪.‬‬ ‫وعندما أحلل وظائف الدولة في الحالتين حالة دولة الله من حيث هو مستخلف للإنسان‬ ‫وخالق وآمر لكل الموجودات تصبح دولة لموجود واحد في علاقته بالطبيعة والتاريخ وتلك‬ ‫هي دولة الإنسان من حيث هو خليفة بعد أن بينا عناصر البنية المجردة المشتركة‪:‬‬ ‫وظائف الحماية وأولها مشتقة من اسم الرب أعني التربية وهي تقع مباشرة للشخص‬ ‫وتقع بصورة مباشرة في إطار الحياة الجماعية خلال تقاسم العمل في الجماعة في ما يتعلق‬ ‫بمجهاز النظر والعقد وبجهاز العمل والشرع في كل جماعة‪ .‬وذلك لتكوين الإنسان حتى‬ ‫يصبح قادرا على إنتاج ما يمون به نفسه أي الاقتصاد والثقافة والأول لتموين كيانه‬ ‫العضوي والثانية لتموين كيانه الروحي‪ .‬وهذه الوظائف الأربعة أصلها في النظر والعقد‬ ‫وفي العمل والشرع من حيث هما موضوع البحث العلمي وتطبيقاته لتحقيق شروط الرعاية‪.‬‬ ‫لكن تحقيق شروط الرعاية يحتاج إلى الحماية الداخلية أي النظام القانوني (القضاء)‬ ‫وأداة تنفيذه (الشرطة) وهي الحماية الداخلية‪ .‬وهي غير كافية إذ لا بد من الحماية‬ ‫الخارجية وهي تكون ما حددته الآية ‪ 60‬من الأنفال أي الحماية الوقائية أو الدبلوماسية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والحماية العلاجية وهي الدفاع وكل ذلك متحقق في الدولة الإلهية في كيان الإنسان وفي‬ ‫محيطه الطبيعي والتاريخي وهذه الوظائف الأربع تتفرع عن البحث العلمي عامة والبحث‬ ‫العلمي المتعلق بالاستعلام للاطلاع على ما يجري في الدولة‪ .‬وقد يكون هذا أوضح شيء في‬ ‫دولة الله لأن كل إنسان حوله رقيبان يسجلان كل صغيرة كبيرة‪.‬‬ ‫ولو لم يكن الله أعدل العادلين ومطلق حرية الإنسان لكانت دوله مطلقة الرقابة كما‬ ‫تحاول الدول الاستبدادية تطبيقها لأن حكامها يدعون التأله وهو معنى الطاغوت الذي لا‬ ‫يمكن الإيمان بالله من دون الكفر به لأنه لا أحد يمكن أن يكون مطلق العدل ولا مؤمنا‬ ‫بحرية الإنسان ومعترفا بمسؤوليته مثل أقضى القضاة على الإطلاق يوم الدين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نبدأ الآن الكلام على علاقة العاجل بالآجل‪ .‬فكلاهما مضاعف‪ :‬فسياسة الإنسان لعالم‬ ‫الشهادة لها عاجل وآجل‪ .‬وسياسة الله لعالم الغيب لها عاجل وآجل‪ .‬والمشكل كله هو أن‬ ‫الإنسان يستعجل الآجل في الثانية ويستأخر العاجل‪ .‬ويعكس في الأولى بمعنى أنه يستأخر‬ ‫العاجل ويستعجل الآجل‪ .‬وهذا هو القانون الذي يفهمنا عدم تطوير الجهازين في‬ ‫الحضارات التي تعمل بهذا المنطق فتعكس ما أمرت به فصلت ‪ 53‬وما نهت عنه آل عمران‬ ‫‪ 7‬أعني المنطق الذي عللت به تحريف علوم الملة كلها‪ .‬وكل ذلك علته الخفية هي تأثير ما‬ ‫تكلمنا عليه من المحددات التي تترتب عليها نحلة العيش والتي هي ما دون المائدة والسرير‬ ‫وقيمهما ثم المائدة والسرير وقيمهما وما دون فن المائدة والسرير وقيمهما ثم فن المائدة‬ ‫والسرير وقيمهن ثم النكوص بسبب الترف إلى ما دون المائدة والسرير ومن دون فنهما‬ ‫وقيمهما بالنسبة إلى غالبية الشعب وانحصارهما في القلة المستبدة بالثروة والسلطة وهم‬ ‫الذين يفسدون في الارض ويسفكون الدماء‪.‬‬ ‫علوم الملة الخمسة الغائية والخمسة الأداتية هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالتفسير أصلا لكل علوم الملة الغائية وفرعاه النظريان العقديان أي الكلام‬ ‫والفلسفة وفرعاه العمليان الشرعيان أي الفقه والتصوف كلها تخضع لهذا المنطق الذي‬ ‫تحكمه محددات المائدة والسرير‪.‬‬ ‫‪ .2‬والوسميات أصلا لكل علوم الملة الأداتية وأداتاه النظريتان أي المنطق‬ ‫والرياضيات وأداته العمليتان أي اللسان والتاريخ كلها تخضع لتنفس المحددات‪.‬‬ ‫فما هو هذا المحدد؟ إنه‪ :‬منطق تقديم المباشر على غير المباشر أي العاجل على الآجل‬ ‫في سياسة الغيب والعكس في سياسة الشاهد‪ .‬وهذا التعاكس لا يعني إلا شيئا واحدا‪ :‬وهو‬ ‫ترك الأعسر لله والتواكل والاكتفاء بالأيسر‪ .‬فبدلا منه تحقيق شروط العلاقة العمودية‬ ‫مع الطبيعة لتحقيق شروط التسخير يكتفون بما تعطيهم إياه فيصبحون عبيدا لها‪ :‬غياب‬ ‫ثورة نوح‪ .‬وبدلا من تحقيق شروط العلاقة الافقية مع التاريخ لتحقيق شروط التكليف‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يكتفون باعتبار ما يفعله حاكم الارض مرادا من حاكم السماء وإلا لما حصل فيصبح‬ ‫الاستعباد السياسي طاعة لله‪ :‬غياب ثورة موسى‪.‬‬ ‫وحتى نفهم معنى غياب ثورة نوح وثورة موسى لا بد من التذكير بقولة الرسول الخاتم‬ ‫عن هود وأخواتها‪ .‬سأكتفي بهود التي لا خلاف حولها ولن أعلق على بقية السور التي‬ ‫حولها خلاف‪ .‬ففيها يمكن أن أشرح القصد بهذا التقديم والتأخير المتعاكسين في سياسة الله‬ ‫لعالم الغيب وأثره على سياسة الإنسان لعالم الشهادة بمعنى سياسة الجهازين المحققين‬ ‫للمهمتين جهاز النظر والعقد المحقق لمهمة الاستعمار في الارض وجهاز العمل والشرع المحقق‬ ‫لمهمة الاستخلاف في الأرض‪.‬‬ ‫فعند النظر إلى مهمتي الله في سياسة عالم الغيب يتكلم القرآن على الخلق والامر في‬ ‫بداية الكون وخلال بقائه والحكم والجزاء في غاية الكون بالنسبة إلى أي موجود وبالنسبة‬ ‫إلى الوجود ككل‪ .‬وعند النظر إلى مهمتي الإنسان في سياسة عالم الشهادة يتكلم القرآن‬ ‫على التعمير والاستخلاف في بداية التاريخ وخلال بقائه والثمرة والجزاء في نهايته بالنسبة‬ ‫إلى أي جماعة وبالنسبة إلى الإنسانية ككل‪ .‬وهذا التناظر بين السياستين يميز بينهما‬ ‫بطبيعة القدرتين للذاتين الفاعلتين‪ :‬الله والإنسان‪.‬‬ ‫‪ .1‬ففي سياسة عالم الغيب الفاعل هو الله ‪-‬وعالم الغيب يشمل عالم الشهادة ‪-‬وهو‬ ‫على كل شيء قدير ويمكن الكلام على المطابقة المطلقة بين \"التصور\" و\"الانجاز\" إن صح‬ ‫التعبير‪ .‬وهو معنى \"نقول له كن فيكون\"‪ .‬وذلك في الخلق والامر والبقاء بينهما وبين الفناء‬ ‫والحساب‪ .‬وتلك هي العلة قي كون هذه السياسة هي المثال الأعلى الذي لا تكون السياسة‬ ‫الإنسانية سياسة بحق إلا بقدر اشرئبابها إليه‪.‬‬ ‫‪ .2‬لكن سياسة عالم الشهادة الفاعل هو الإنسان‪-‬عالم الشهادة لا يشمل عالم‬ ‫الغيب‪-‬وهو ليس قادرا على كل شيء ومن ثم فلا يمكن الكلام على المطابقة المطلقة بين‬ ‫\"التصور\" و\"الانجاز\" والتعبير هنا صحيح‪ .‬ومعنى ذلك أن كل من يدعي القدرة المطلقة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يكذب‪ .‬ولهذه العلة بينت أنه حكم الفرد مستحيل لأنه يحتاج إلى مساعدين في كل شيء‬ ‫بما في ذلك في بقائه ناهيك عن إنجاز إرادة وعلمه وقدرته وحياته ووجوده‪.‬‬ ‫ومنطق التقديم والتأخير بين العاجل والآجل وبين المباشر واللامباشر في سياسة الإنسان‬ ‫لعالم الشهادة هو الذي يفسر ما حاولت بيانه في كلامي على ثورة نوح بداية وثورة موسى‬ ‫غاية وعلاقة الثورتين بثورة إبراهيم الأول التي لم يحققها إلا ابراهيم الثاني أو محمد‬ ‫الذي اعتبر سورة هود مشيبة للرأس لأنه أدراك كل ما ترمز إليه‪:‬‬ ‫‪ .1‬فثورة إبراهيم بداية هي ثورة التحرر من سلطان الطبيعة على الإنسان بتطبيق‬ ‫النظر والعقد العلمي من خلال فن صناعة السفن والزراعة (أخذ من كل زوجين اثنين)‪.‬‬ ‫‪ .2‬وثورة موسى غاية هي ثورة التحرر من سلطان التاريخ على الإنسان بتطبيق‬ ‫العمل والشرع القيمي من خلال تحرير العبيد والخروج على نظام فرعون‪.‬‬ ‫‪ .3‬لكن ثورة نوح بحاجة إلى التحرر من سلطان المهيمنين على مصدر قيام الإنسان‬ ‫الطبيعي الأول عندما يتحول إلى أداة سلطان على الإنسان أي الاقتصاد والثروة وتلك‬ ‫هي ثورة هود‪.‬‬ ‫‪ .4‬وهي كذلك بحاجة إلى التحرر من سلطان المهيمنين على مصدر قيام الإنسان‬ ‫الطبيعي الثاني عندما يتحول إلى سلطان على الإنسانية أي الماء مصدر كل حياة وتلك هي‬ ‫ثورة صالح‪.‬‬ ‫‪ .5‬وثورة موسى بحاجة إلى التحرر مما قد يترتب على الحرية من تظالم بالتحيل‬ ‫على عملية التبادل العادل وذلك هو المشكل الذي يعالجه شعيب بوضع أدوات القيس‬ ‫والوزن وتيسير التبادل العادل أو إن صح التعبير منع التطفيف‪.‬‬ ‫‪ .6‬كما تحتاج ثورة موسى إلى التحرر الجامع لكل التحررات السابقة التي يغلب عليها‬ ‫التعلق بالمائدة أكثر من التعلق بالسرير لأن السرير مشروط بالمائدة في كل الأحوال وهي‬ ‫مقدمة عليه وذلك هو المشكل الذي يعالجه لوط‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .7‬وفي الوسط بين ما تحتاج إليه ثورة نوح وما تحتاج إليه ثورة موسى أي بين الثلاثة‬ ‫الاوائل (نوح وهود وصالح) والثلاثة الأواخر (موسى وشعيب ولوط) نجد ابراهيم وسيطا‬ ‫بين الثالوثين صاحب الثورة المحررة من كل العقبات أي التوحيد المبني على احكم الحاكمين‬ ‫في علاقته بالإنسان المتأله بمعيار السلطان المقدر كميا من حيث البقاء ولفناء (الافول)‬ ‫ومن حيث القدرة (الشمس من الشرق أو من الغرب)‪.‬‬ ‫‪ .8‬وكل ذلك خطاب موجه إلى محمد الذي فهم القصد فشعر بثقل ما كلف به أعني‬ ‫بناء الدولة الإنسانية في عالم الشهادة بهذه الرؤية التي لها مثال أعلى هو دولة الله في‬ ‫عالم الغيب‪ .‬ولا بد هنا من حسم قضية لعلها هي التي أدت إلى التحريف الذي اراد القرآن‬ ‫تحرير الاديان منه ولم ينج منه حتى الإسلام نفسه لأن علماء الملة غفلوا عما فيه من بلسم‬ ‫يحصن الإنسانية من التحريف الذي خصص القرآن له أكثر من نفسه ونسبه إلى مرض‬ ‫التأله عند الإنسان‪ .‬فالقرآن يكاد يكون جله مخصصا لنقد التأله الإنسان مصدرا لكل ما‬ ‫يحل بالإنسانية من أمراض ونكبات‪ .‬والبلسم هو‪:‬‬ ‫• إيجابا ما أمرت به فصلت ‪ 53‬أي تبين حقيقة القرآن مما يرينه الله في الآفاق (الطبيعة‬ ‫والتاريخ) وفي الأنفس (تعينهما في الإنسان من حيث هو طبيعي وتاريخي أو من حيث كون‬ ‫قيامه مشروط بالاستعمار في الأرض من حيث العلاقة بالطبيعة وبالاستخلاف من حيث‬ ‫علاقته بالتاريخ‪ .‬والعلاقتان هما موضوع سياسة عالم الشهادة بفضل ما جهز به الإنسان‬ ‫من جهاز للنظر والعقد وتطبيقاتهما العلمية والتقنية وما جهز به من جهاز العمل والشرع‬ ‫وتطبيقاتهما العملية والخلقية)‪.‬‬ ‫• وسلبا ما نهت عنه آل عمران ‪ 7‬أي تجنب تبين حقيقة القرآن بتأويل نصه الذي هو‬ ‫متشابه لأن ذلك دليل على مرض في القلب وابتغاء الفتنة إذ شرطه قيس الله على الإنسان‬ ‫وبدلا من أن يكون حكم الله مثالا أعلى يشرئب إليه الإنسان يصبح الإنسان متألها فيزعم‬ ‫أن علمه محيط بحيث يدعي من يزعمون الرسوخ في العلم القدرة على تأويل المتشابه تأويلا‬ ‫قابلا للعطف على تأويل الله له‪ .‬وتلك هي دلالة قراءتهم \"و\" الآن قراءة عطفية بدلا من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القراءة الاستئنافية (ابن رشد مثلا)‪ .‬وتلك هي علامة التأله وتطبيق المعايير التي وضعها‬ ‫الله لسياسة عالم الغيب وكأنها معلومة ثم يعتبرون سياسة الإنسان لعالم الشهادة مطابقة‬ ‫لها تماما كما يدعون لمعرفتهم ولتقييمهم المطابقة مع حقيقة الأشياء وقيمها‪.‬‬ ‫والعلة في ذلك كله هو دعوى تضمن القرآن لعلم الغيب ودعوى الوحي علما بالغيب‬ ‫يتجاوز الإعلام بوجوده مفهوما حدا يعجز دونه الإنسان بمن في ذلك الرسل‪ .‬والدليل‬ ‫القاطع في ذلك مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬الغاشية ‪ :22-21‬إنما أنت مذكر تعني أنك ليست وسيطا بل حامل رسالة‪ .‬ولا‬ ‫يذكر الإنسان إلى بما يعلمه ونسيه ومن ثم فالمؤمن حر الضمير وقادر بذاته على إدراك‬ ‫الحقيقة‪ .‬فما يذكر به الرسول هو ما يعلمه المرسل إليه أي الإنسان من حيث هو إنسان‬ ‫محجوب عن الغيب‪ .‬و\"لست عليهم بمسيطر\"‪ .‬ومن لا يخضع لسيطرة الرسول أولى بألا‬ ‫يخضع لسيطرة غيره‪ .‬ومن ثم فهو إعلام بحرية المؤمن السياسية‪.‬‬ ‫‪ .2‬مفهوم الرسالة‪ :‬فلا معنى لرسالة موجهة لمن يعلمه الله بأن الغيب محجوب عنه أن‬ ‫تتضمن معرفة بالغيب لأنها ستكون رسالة تحتوي على ما لا يفهمه المرسل إليه‪ .‬ولما كان‬ ‫المرسل هو الله فإن قول مثل هذا الكلام يعني أن الله لا يعلم حدود علم الإنسان المرسل‬ ‫اليه‪ .‬لذلك فالرسالة ليس فيها ما هو خاص بالراسخين في العلم بل كل إنسان من حيث هو‬ ‫إنسان إذا نظر في الآفاق وفي الانفس فإنه قد يهتدي إلى تبين حقيقة القرآن إن رأى ما‬ ‫يريه الله فيهما من آيات‪.‬‬ ‫وهنا نصل إلى معنى الوحي والاصطفاء‪ .‬فأولا الوحي ليس ما يتلقاه الرسل وحدهم بل‬ ‫كل الموجودات يوحى لها‪ .‬والإيحاء إليها يكون عن طريق رؤية آيات الله في الآفاق وفي‬ ‫الأنفس ومنها عن طريق أدوات التواصل الخمسة التي هي العلوم الأداتية في المعرفة‬ ‫والقيمة أعني الوسميات وفروعها أي اللسان والتاريخ والمنطق والرياضيات‪ .‬وكلها لها‬ ‫مستويان‪ :‬فطري ومكتسب‪ .‬والمكتسب مشروط بالفطري والفطري ينمو بفضل المكتسب‪.‬‬ ‫وذلك ما أقصده بتطوير الجهازين فهما فطريان من حيث شرط الوجود ومكتسبان من حيث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تنامي القدرة على إدراك الموجود والمنشود‪ .‬والمستوى الأول من ثمرات الميراث العضوي او‬ ‫الثروة العضوية التي هي حصيلة التطور العضوي والمستوى الثاني من ثمرات الميراث‬ ‫الثقافي أو الثورة التراثية التي حصيلة التطور التاريخي ويحصل عليها الفرد من حيث هو‬ ‫منتسب إلى ثقافة معينة جمعت بين تجربتها وتجربة غيرها من الامم التي طورت الجهازين‪.‬‬ ‫فيكون الوحي هو عين ما يعنيه القرآن عندما يقابل بين الحواس والحوادس‪ .‬فالمقابلة‬ ‫بين البصر والبصيرة يعني إن حس البصر لا يكفي بل لابد من بصيرة تنقله من مجرد‬ ‫الانفعال الانطباعي إلى الفعل الإبداعي للمعاني التي ترمز إلى الأشياء دون أن يكون‬ ‫رمزها مقوما لأنه ليس مطابقا للأشياء بل مطابق لما يطلبه الإنسان لإنجاز مهمتيه من حيث‬ ‫هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها‪ .‬وقد قست على علاقة البصر بالبصيرة كل الحواس‬ ‫الاخرى فاستخرجت بصيغة المبالغة مع التأنيث سميعة من السميع مثل بصير من البصير‬ ‫وشميمة من الشميم وذويقة من الذويق ولميسة من اللميس‪ .‬وبهذه الحوادس يرى الإنسان‬ ‫ما يريه الله من آياته في ال ٍآفاق وفي الانفس فيكون ذلك وحيا لان من يريه الآيات هو‬ ‫الله‪ .‬وهذا يكون بلغة المخاطب بها‪ :‬وأصل هذه اللغات بالنسبة إلى الإنسان هو الوسميات‬ ‫التي تتفرع إلى الوسيمات اللسانية والتاريخية والمنطقية والرياضية‪ .‬وقد اعتبر ابن تيمية‬ ‫المعاني التي تترجم ما نراه من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس هي بدورها من الوسميات‬ ‫إي إنها نظام رامز للأشياء مثل بقية الأدوات الرمزية وليست نظاما مقوما للأشياء‪ .‬وبهذا‬ ‫المعنى يتحرر الإنسان من مرض التأله فلا يدعي أن علمه محيط بحقائق الأشياء لأن ذلك‬ ‫يعني أنه ينفي وجود الغيب فيها‪.‬‬ ‫وحينئذ فإن كل الموجودات تتلقى هذا النوع من الوحي والرسل يتلقونه بوصفهم من حيث‬ ‫الإرث العضوي والإرث التراثي حاصلون على شروط التلقي الناقل من الحواس إلى‬ ‫الحوادس وهو أمر يحصل في المجالات التي تناسب العلوم الأداتية إما متفرقة أو مجتمعة‪.‬‬ ‫والرسل هم من له تميز بالقدرة على تلقي الوحي الجامع لكل هذه المجالات وبذلك يتميزون‬ ‫عن غيرهم ممن يرى ما يرينا الله من آياته في الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن لا أحد يمكن أن يبدع شيئا من دون هذا النوع من القدرة على التلقي وهي الوحي‬ ‫المذكر بما لدى الإنسان من تجهيز فطري في النظر والعقد وفي العمل والشرع‪ .‬وهو ما يعني‬ ‫أن ختم الرسل ليس شيئا آخر غير انتقال البشرية ممن يستطيعون فطريا الجمع بين كل‬ ‫أنواع التلقي المؤهلة للنظر والعقد وللعمل والشرع إلى من لا يستطيعون إلا التلقي الخاص‬ ‫بالفروع فرعا فرعا أي الوسميات عامة لغويا وتاريخا ومنطقيا ورياضيا‪ .‬ويمكن أن أقول‬ ‫إن القرآن هو آخر كتاب في الوسميات (السيميوتكس) العامة التي ليس له مثيل في تاريخ‬ ‫الفكر الإنساني‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لماذا اعتقد أن قلب العلاقة بين العاجل والآجل في السياستين قابلا للتفسير بإشكالية المائدة‬ ‫والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية وجودا وعدما في صلة بتطور جهازي الإنسان‪:‬‬ ‫‪ .1‬جهاز علاج العلاقة بين الإنسان والطبيعة في مسألة الاستعمار في الأرض أي جهاز النظر‬ ‫والعقد وتطبيقاته العلمية والتقنية‪.‬‬ ‫‪ .2‬جهاز علاج العلاقة بين الإنسان والتاريخ في مسألة الاستخلاف في الأرض أي جهاز‬ ‫العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية‪.‬‬ ‫والقلب طبيعي جدا لأن علاج الأول مشروط بعلاج الثاني من حيث شرط التراكم في‬ ‫أدواته لأنه شرط البقاء‪ .‬في حين أن علاج الثاني مشروط بعلاج الأول شروط وجود‪ .‬فإذا‬ ‫توفرت شروط الوجود يطرح مشكل شروط البقاء‪ .‬وطبيعي جدا أن يكون الإنسان في‬ ‫بدايته معتمدا على الطبيعة التي كان منتوجها كافيا لحياته حتى وإن اقتضى ذلك الترحال‬ ‫للحصول على ما يكفي منها للبقاء دون لجوء إلى الإبداع العلمي والتقني الذي يوفره كما‬ ‫ترمز إلى ذلك ثورة نوح أعني صناعة السفن والزراعة الإنسانية التي تسد ما لم تعد‬ ‫الزراعة الطبيعية كافية لسده‪.‬‬ ‫وهذا الترحال هو الذي يجعل القبائل في صراع دائم على مصادر الرزق الذي تنتجه‬ ‫الطبيعة أي النبات والحيوان والإنسان وشروط بقائها وتلك هي الصفات المميزة لمرحلة‬ ‫البداوة من حيث هي \"نحلة عيش\" بلغة ابن خلدون‪ .‬فالحل حينها هو العناية بالعاجل‬ ‫وبالأدوات المباشرة والمتوفرة أي القوة البدنية للإنسان في غياب القوة الذهنية التي يمثلها‬ ‫النظر والعقد وتطبيقاتهما العلمية والتقنية‪.‬‬ ‫لكن ذلك لا يمنع من وجود أمور بدائية منهما مع أمر يرمز إلى غاية هذه الأمور البدائية‬ ‫إذا تطورت فأصبحت ما يرمز إليه السحر من قدرة إنسانية على تغيير الطبيعة بتطوير‬ ‫علاقته بها المستندة إلى النظر والعقد والتطبيق العلمي والتقني‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والدافع في هذه الحالات هو مقتضيات نحلة العيش بالمعنى الخلدوني ونحلة العيش تدور‬ ‫حول الرعاية والحماية‪ .‬والرعاية هي أصل الاقتصاد وإنتاج الثروة والحماية هي أصل‬ ‫الجماعة وانتاج أدوات الدفاع‪ .‬وبذلك فبداية الدولة ذات العصبية القبلية التي فيها‬ ‫خصائص الأسرة الكبرى بفضل التعاون والتصاهر فتصبح أمرا حتما لأنها هي التي تحقق‬ ‫الشرطين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الحماية بين المتعاونين على تحقيق شروط الرعاية وبينهم وبين من ينازعونهم ما لديهم‬ ‫من ثروة طبيعية‪.‬‬ ‫‪ .2‬الرعاية بين المتعاونين ومن يقبل من الأجوار التحالف معهم لسد الحاجات الأولية وهي‬ ‫خاصة حاجات المائدة والسرير‪.‬‬ ‫ولست في هذا العرض الواضح أضيف شيئا يذكر للأساس الذي بنى عليه ابن خلدون‬ ‫نظريته في العمرانين البدوي والحضري‪ .‬لكن مقدمة ابن خلدون كما أسلفت عديد المرات‬ ‫لم يتمكن صاحبها من بنائها بناء نسقيا مكتملا بل هي \"الرمية\" الأولى في مسودة مشروع‬ ‫كبير لم ينهه صاحبه لعلل كثيرة ليس هنا محل الكلام فيها‪ .‬والرمية الأولى هي ثمرة تفكير‬ ‫طويل قبلها لكنها تمت في أقل من نصف سنة لما انعزل لكتابتها في الجزائر بعد اعتزال‬ ‫السياسة المباشرة واهتم بالفكر السياسي بالمعنى الذي وصفت أعني وظائف الدولة بالمعنى‬ ‫الكوني الجامع بين‪:‬‬ ‫‪ .1‬المرجعية‪.‬‬ ‫‪ .2‬والقوى السياسية‪.‬‬ ‫‪ .3‬والدستور أو مبادئ التنظيم السياسي حقوقا وواجبات ومنازل‪.‬‬ ‫‪ .4‬ومنظومة الحكم تشريعا وتنفيذا وبالفعل وبالقوة (المعارضة)‪.‬‬ ‫‪ .5‬والوظائف العشرة التي ذكرتها‪.‬‬ ‫وهذه البنية لا تخلو منها حضارة أو جماعة وإن كانت في العمران البدوي جنينية ولا‬ ‫تكتمل إلا في العمران الحضري بفضل تطور النظر والعقد وتطبيقاهما العلمية والتقنية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتكوين الأجيال بمقتضاها وبفضل تطوير العمل والشرع وتطبيقاتهما العملية والخلقية‬ ‫وحكم الأجيال بمقتضاها‪ .‬ولهذه العلة كان ابن خلدون يقارن التربية والحكم المشدودين‬ ‫إلى المثال الأعلى الوارد في القرآن والذي لا يفسد معاني الإنسانية والمدعيين أنهما بديلين‬ ‫منهما في استبداد المربي واستبداد الحاكم‪ .‬وتلك هي أكبر ثورة في فلسفة السياسة تجاوزت‬ ‫الفلسفة العملية القديمة والوسيطة وتحاول الفلسفة الحديثة تحقيق ما يقرب منها مع نفي‬ ‫أساسها ليس كليا بل بجعله حالا في الطبيعة والتاريخ كما هو بين من فلسفة هيجل وماركس‬ ‫وهي قول بوحدة الوجود المذوتة عند الأول والمؤدية إلى صراع أرواح الشعوب والممددة‬ ‫عند الثاني والمؤدية إلى صراع طبقات الشعوب‪.‬‬ ‫‪ .1‬ما أضفته أولا هو أني ترجمت \"نحلة العيش\" إلى مراحل تطورها بمعيار محدديها‬ ‫الأساسيين أي المائدة استعارة للكلام على شروط الحياة العضوية للأفراد والسرير استعارة‬ ‫للكلام على شروط الحياة العضوية للجماعة‪ .‬وذلك هو ا لمحدد الأساسي للنظر والعقد من‬ ‫حيث هما أداتان لفاعلية العلم وتطبيقاته التقنية في علاج هذين المجالين‪ .‬ولذلك فابن‬ ‫خلدون يعبر عن ذلك بمفهوم دقيق هو \"سد الحاجات\" الإعالية والحمائية‪.‬‬ ‫‪ .2‬وما أضفته ثانيا هو ترجمتها إلى مراحل تطورها بمعيار قيم هذين المحددين الخلقية‬ ‫والجمالية‪ .‬فالإنسان لا يكتفي بالأكل والنكاح بل إن الأكل والنكاح كلما تحققت الشروط‬ ‫الواردة في الإضافة الاولى ترقيا إلى المزيد من القيم الخلقية والجمالية‪ .‬ولذلك فابن‬ ‫خلدون يعبر عن ذلك بعبارة جميلة هي \"الأنس بالعشير\"‬ ‫ولأجل ذلك جمع بين معنيين كلاهما مضاعف في عنوان اكتشافه‪:‬‬ ‫• فهو علم العمران البشري‪ :‬عمران ‪ +‬بشر‪.‬‬ ‫• وهو علم الاجتماع الإنساني‪ :‬اجتماع ‪ +‬إنسان‪.‬‬ ‫وكلاهما يشمل نوعي اجتماع الإنسان‪ :‬العمران البدوي والعمران الحضري‪ .‬لكن الأول‬ ‫يغلب عليه الاعتماد على الطبيعة في سد الحاجات التي ترد إلى المائدة والسرير والثاني‬ ‫دون أن يتحرر منهما يضيف إليهما بمقدار تحرره القيم الخلقية والجمالية خاصة‪ .‬ولا يعني‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك أن العمران البدوي يخلو منهما لكنها قيم بدائية بمعنى أنها لا تتجاوز الحد من الأثرة‬ ‫في المائدة بالإيثار وهو ما يسمى عادة بخلق الكرم والحد من الغيرة في السرير بالتساهل في‬ ‫تبادل النساء بين القبائل بدلا من التغازي والسبي‪.‬‬ ‫ويمكن أن أقول إن أكبر علامات الأمرين هو مفهوم \"وأد\" البنات‪ .‬فالعلة هي المائدة‬ ‫والسرير‪ .‬فالحاجة الغذائية والخوف على العرض هما المحدد الأساسي لهذين الموقفين‬ ‫القيميين الذي يفسر بهما الموقفين ويحرر الإنسان منهما‪ .‬ويمكن أن اعتبر الجاهلية العربية‬ ‫كان هذا مدار عمرانها واجتماعها لأن نحلة عيشها كانت على هذا النحو‪.‬‬ ‫وطبعا فلا يعني كلامي أن من هم دون المائدة والسرير ليس لهم القيم الجمالية في الأكل‬ ‫وفي الجنس‪ .‬لكنها في الغالب نادرة وهي من موضوعات الخيال الادبي أكثر مما هي من‬ ‫المعيش الفعلي وقد يكون من المعيش الفعلي لمن حولهم من أصحاب الحضارات التي كانت‬ ‫مسيطرة على أطراف الجزيرة العربية مثل الفرس والبيزنطيين وربما أهل الحبشة‪.‬‬ ‫ولا أعتقد أن ذلك مختلف كثيرا عما هو جار الآن في الكثير من بلاد العرب وخاصة في‬ ‫الخليج حيث إن الغذاء والجنس المحدد عندهم فيهما ليس الكيف بل الكم‪ .‬وحتى ما تجده‬ ‫من كيف فيهما فهو مستورد وهو أوروبي وأمريكي‪ .‬ومن لا يعترف بذلك لا يمكن أن يحقق‬ ‫ما نريده للأمة من اكتشاف علل ما تعاني منه من إدقاع في القيم الخلقية والجمالية عامة‬ ‫والمتعلق منها بالغذاء والجنس خاصة وفقر في القدرات الإبداعية في النظر والعقد وفي‬ ‫العمل والشرع والاكتفاء بموضع إما ميت تراثنا أو روبافاكيا التراث الغربي‪.‬‬ ‫فما حصل في اليابان لم يحصل مثله في مصر رغم بدايات كنا نتصورها ستثمر‪ .‬وما حدث‬ ‫في كوريا كنا نتصور ان يحدث مثله في الجزائر رغم بدايات كنا نتصورها ستثمر‪ .‬لكن‬ ‫الحصيلة التي نراها في مصر وفي الجزائر وقس عليهما بقية بلاد العرب‪ .‬وهي مؤسفة ولا‬ ‫يمكن أن تقبل المقارنة مع أي بلد من البلاد التي شرعت في النهوض معنا أو حتى بعدنا‪.‬‬ ‫فالاكتفاء بالاستيراد سد اصطناعي للحاجات المادية والروحية‪ .‬وهو معطل للتطور الفعلي‬ ‫وليس مشجعا عليه في مجتمعاتنا العربية‪ .‬ولست أعني بالتطور ما يحصل في \"القاعدة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المادية\" للسد الناتج عنه بل بالسد الذي يصبح مكونا لكيان الإنسان من حيث هو ذو وعي‬ ‫بتناسق ذاته أو بمعاصرة وعيه التراثي لوعيه العضوي‪.‬‬ ‫والمفهومان ‪-‬أضعهما اصطلاحا‪ -‬يمكن أن يدركهما من درس في الغرب وكان مثلي من وسط‬ ‫اجتماعي قريب من البداوة حتى وإن كان من أسرة عريقة في الثقافة التقليدية والزراعة‪.‬‬ ‫فهو يعيش تباعد بين الوعيين وغالبا ما يسمى التناسق بينهما اسلوبا حضاريا للجماعة‪ .‬وقد‬ ‫كان نيتشة يستعمل ما يشبه هذا المعنى لوصف الألمان بالأجلاف وعديمي الحضارة بالقياس‬ ‫إلى الفرنسيين الذين يعترف لهم بالحضارة وذلك في كتابه النقدي لمثقفي عصره وموقهم‬ ‫المتكبر من فرنسا بعد هزيمتها في حرب ‪.1870‬‬ ‫وهو الكتاب الذي انتخبت منه أول نص حول مفهوم التاريخ ذي الأبعاد الثلاثة للترجمة‬ ‫مع نص التنوير لكنط خلال تدريسي الفلسفة في الثانويات‪ .‬ولا يوجد شيء أبلغ عبارة عن‬ ‫الذوق الخلقي والجمالي أكثر من المائدة والسرير‪.‬‬ ‫واعتقد أن هذا كاف وزيادة‪ .‬لكن يمكن البحث في باقي المراحل بين أقصى البداوة وأقصى‬ ‫الحضارة أو الترف‪ ..‬لكني أكتفي بما فعل ابن خلدون اعتمادا على مفهوم \"نحلة العيش\" ا‬ ‫بحصرة بين هذين الحديين الأقصيين ولم يتعرض لما بينهما مع الإشارة إلى ان الترف ينتهي‬ ‫إلى سقوط الحضارة فيعود بها إلى ما هو أرذل من البداوة مطبقا على ذلك الآية المتعلقة‬ ‫بالمترفين وقريتهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫سأكتفي بدلالة استعجال الآجل واستئخار العاجل في عمل الجهازين بالتناسب مع تكوينهما‬ ‫الاكتسابي مسلما بأن أساسهما المفطور في كيان الإنسان لا يخلو منه إنسان أو جماعة وإن بتفاوت في‬ ‫الوراثي الطبيعي بالنسبة إلى الأفراد مع قبول التعديل المحقق للمساواة في التراثي التاريخي بين‬ ‫الجماعات بالتدارك الاكتسابي‪:‬‬ ‫‪ .1‬جهاز النظر والعقد وتطبيقاته المعرفية تقنيا وأثر ذلك في مهمة الإنسان من حيث هو‬ ‫مستعمر في الأرض أو في ترجمة التسخير إلى ما ينتج عن ذلك من علاج لمعضلة المائدة‬ ‫والسرير علاجا يحقق التحرر من الطبيعة بالتدرج في العلاقة بالمائدة وقيمها وفنونها وفي‬ ‫العلاقة بالسرير وقيمه وفنونه أي الجمع بين العمران لسد الحاجات والاجتماع للأنس‬ ‫بالعشير بلغة ابن خلدون‪.‬‬ ‫‪ .2‬جهاز العمل والشرع وتطبيقاتها القيمية خلقيا وأثر ذلك على مهمة الإنسان من حيث هو‬ ‫مستخلف في الأرض ينظم شروط سد الحاجات العمرانية لحل ما يترتب على التبادل من‬ ‫خصام والحاجات الاجتماعية لحل ما يترتب على التواصل من خصام بنفس المصطلحات رعاية‬ ‫للإنسان وحماية بوظائف الدولة العشر‪.‬‬ ‫والتدارك الاكتسابي هو وظيفة الدولة التي تعنى بنظام الرعاية ونظام الحماية دون أن تكون‬ ‫هي الراعية أو الحامية لأن هذين كلتاهما فرض عين على الأفراد بالكفاية التخصصية شرط‬ ‫التكامل فالتعاون فاقتسام العمل لسد الحاجات المادية بالتبادل والروحية بالتواصل فيهما‪ .‬ورعاية‬ ‫نظام الرعاية والحماية حفظا وتطويرا هو وظيفة الدولة التي هي عودة الجماعة على ذاتها مثل‬ ‫عودة الوعي الذاتي بالنسبة إلى الفرد لإدراك وضعه وتنظيم علاقته بالطبيعة وبالتاريخ‪.‬‬ ‫فتكون الدولة في الحقيقة مستوى ثانيا من الرعاية والحماية أو إن صح التعبير هي رعاية الرعاية‬ ‫وحماية الحماية من قبل الجماعة نفسها من حيث هي مستخلفة أي مربية وحاكمة لنفسها في التجدد‬ ‫الدائم شرط البقاء في حين أن الرعاية والحماية في مستوى الأول الذي هو تبادل الجماعة‬ ‫وتواصلها في دورها من حيث هي مستعمرة في الأرض‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما اريد أن أختم به هذه المحاولة المغرقة في النظر والتجريد بقدر الغوص في العمل والتعيين هو‬ ‫بيان سياسة عالم الشهادة كما يحددها القرآن بالاستناد إلى الانشداد إلى صورة سياسة عالم الغيب‬ ‫التي يقدمها القرآن مثالا أعلى لها‪ .‬وحينها سنفهم كيف أدى تحريف النظر والعقد من حيث هو‬ ‫علاقة عمودية بالطبيعة هي مجال التعاون لسد الحاجات والعمل والشرع من حيث هو علاقة أفقية‬ ‫بالتاريخ هي مجال التواصل لتنظيم التعاون والتواصل والعيش السلمي المشترك في حضارتنا خاصة‬ ‫وفي الحضارة الإنسانية الحالية التي جعلوها مثالا أعلى والتي عوضت التعمير إلى تدمير لأنها‬ ‫أنهت مفهوم الانشداد إلى صورة سياسة الغيب التي يقدمها القرآن وذلك في مهمتي الإنسان‬ ‫مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها‪ .‬والقصد تعليل ما قضيت به سابقا في الحكمين التاليين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الإسلام سيكون مستقبل الإنسانية إذا حررناه من التحريفين‪ :‬الأول تحريف علاقة الإنسان‬ ‫العمودية بالطبيعة أي بمهمة التعمير فحال دون تطوير جهاز النظر والعقد وتطبيقاته‬ ‫العلمية والتقنية ما جعل المجتمع الإسلامي يبقى رهن الثروات الطبيعة الخام أو الإغارة‬ ‫على الشعوب المنتجة‪ .‬والثاني تحريف علاقة الإنسان الأفقية بالتاريخ أي بمهمة الاستخلاف‬ ‫فحال دون تطوير جهاز العمل والشرع وتطبيقاته العملية والخلقية ما جعل المجتمع الإسلام‬ ‫يبقى رهن الاستبداد في التربية والحكم واغارة الحكام على رزق الشعوب‪.‬‬ ‫‪ .2‬ذلك أن نظرية الإسلام في التعمير ونظريته في الاستخلاف لو لم يصبها هذان التحريفان‬ ‫لكانت هي الحل الحقيقي لبقاء الإنسانية أو لتحريرها مما قضت به الملائكة في عدم أهلية‬ ‫الإنسان للاستخلاف متهمة إياه بالفساد في الأرض وسفك الدماء لكأنها تصف إنسان الحداثة‬ ‫المحرفة والعولمة‪ .‬فالحداثة حرفت بانحطاط الإنسان الغربي الذي ظن التعمير ممكن من‬ ‫دون قيم الاستخلاف في الأرض والإسلام حرف بانحطاط الإنسان المسلم الذي ظن أن‬ ‫الاستخلاف ممكن من دون قيم الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫ولكن قبل أن أتكلم في ذلك لا بد من بيان حصيلة استقدام الآجل واستئخار العاجل في ثمرات‬ ‫التعمير عند المسلمين كيف حدث وذلك ما يماثله في الحضارة التي تغلبت على حضارة المسلمين‬ ‫وسيطرت على العالم بعدها‪ .‬فسياسة عالم الشهادة عندما يتأله المستبدون حتى يعيشوا في الدنيا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما يصف به القرآن منزلة من كتابه بيمينه بالاستحواذ على عرق من يجعلونهم عبيدا لهم‬ ‫ويعيشونهم ما يصف به القرآن منزلة من كتابه بيساره‪.‬‬ ‫ولما كان ذلك ناتجا عن إفساد معاني الإنسانية في الجماعة بالتربية والحكم العنيفين فإن شروط‬ ‫التعمير تتبع فساد شروط الاستخلاف‪ :‬وتلك هي علة الانحطاط المضاعفة‪ .‬فتلكما هما علة ما نعلم‬ ‫من التخلف في الجهازين جهاز النظر والعقد وجهاز العمل والشرع‪ .‬وتكون النتيجة ما وصفه ابن‬ ‫خلدون‪ :‬نهاية الحضارة بسبب سلوك المترفين والمعدمين فيحق على القرية القول‪.‬‬ ‫وما حصل عند المسلمين ضمن جماعتهم حدث في الغرب ضمن جماعتهم لما كانوا منحطين ثم حرروا‬ ‫جماعتهم من الاستبداد المفسد لمعاني الإنسانية في التربية والحكم الداخلي وأبقوا عليهما في‬ ‫المستعمرات التي صارت العالم كله بعد أن حقق التحرير السابق شروط القوة المادية التي مكنت‬ ‫من ذلك فأصبح الاستبداد الغربي خارج الغرب والحرية الغربية داخل الغرب فكان ما ينهب من‬ ‫خارج الغرب عاملا ممكنا من جنة في الأرض أوسع عند المستبدين خارجيا و\"الديموقراطيين\"‬ ‫داخليا وهو معنى العولمة التي هي استعباد للمستضعفين في العالم بما في ذلك في الغرب نفسه‪.‬‬ ‫وإذن فالفرق بين الغرب والشرق كمي وليس كيفيا‪ .‬ما حصل في حضارتنا كان مقصورا على بلاد‬ ‫الإسلام ولم يشمل المعمورة وما يحصل في الغرب تجاوز الغرب وشمل العالم كله‪ .‬لكن المسألة في‬ ‫الحالتين نتجت عن تقديم الآجل الوجب في عالم الشهادة دون شرط الأهلية له التي تجعله ممكنا‬ ‫في عالم الغيب (الجنة في الأرض ثمرة للفساد وليس للصلاح) والآجل السالب في عالم الشهادة دون‬ ‫العلة التي تفرضه (جهنم في الأرض لغالبية البشر الذين صاروا عبيدا)‪ .‬وذلك هو المرض الذي‬ ‫جاء الإسلام لعلاجه فلم ينتبه إليه المربون (العلماء) والحكام (الأمراء) وهو تحريف على جهل‬ ‫لأنه كان مقصورا على الداخل‪ .‬لكن نظيره في الغرب كان على علم وبقصد لأنه تخلص منه بقدر‬ ‫محترم في الداخل وعممه على الخارج‪.‬‬ ‫ومشكلي الشخصي مرة أخرى هو الوقوع في نفس الخطأ من قبل مفكري الإسلام المحدثين‪ :‬فهم‬ ‫يجعلون نفس الظاهرة بعد أن عمت مثالا أعلى فيعتبرون النظام الغربي حلا في حين أنه تعميم‬ ‫للداء وليس الحل‪ .‬فلا يمكن تصور نظاما غربيا بالمعنى الحالي أي الديموقراطية في الداخل من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫دون نقيضها في الخارج لأن من شروط آليات الحكم فيها نهب العالم حتى يرض الناخب على الحاكم‬ ‫والتنافس بين المترشحين لرعاية الرعاية والحماية فيه أي للتربية والحكم استبعاد كل البشر‬ ‫بالعنف المادي (قوة الاقتصاد وتطبيقاته العسكرية) والعنف الرمزي (قوة لا ثقافة وتطبيقاتها‬ ‫الإيديولوجي) أي ببعدي العجل الذهبي‪ :‬الذهب والخوار‪.‬‬ ‫وإذن فالتقديم والتأخير علته نظام المائدة والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية بالمراحل التي‬ ‫ذكرتها والتي اقتصر ابن خلدون على مرحلتها الأولى القصوى (بداوة الاعراب) والأخيرة‬ ‫القصوى (حضارة الترف) وجمع بقية المراحل في جنس نحل العيش في العمران البدوي وفي‬ ‫العمران الحضري‪ .‬وما أريد الإشارة السريعة إليه في غاية هذا البحث وهو ذو صلة بأهمية المائدة‬ ‫والسرير وقيمهما الخلقية والجمالية في الإسلام وعلاقة ذلك بسياسة عالم الشهادة ببعديها تربية‬ ‫في صلتها بشروط المائدة والسرير أي العمران من حيث شروط الوجود (الاقتصاد والثقافة)‬ ‫وحكما أي الاجتماع من حيث شروط البقاء بفضل النظام السياسي الذي يعنى بالرعاية والحماية‬ ‫بوصفهما فرض عين على الجميع‪.‬‬ ‫المسألة الأولى‪ :‬شرط وجود الحياة الفاضلة والجميلة أو العلاقة العمودية بالطبيعة‬ ‫إنها مسألة تتعلق بالعلة الفاعلة التي تحددها العلة الغائية‪ :‬فالغاية هي تحقيق الحياة السعيدة أو‬ ‫ما يسميه ابن خلدون بالاجتماع الإنسان من أجل الأنس بالعشير والعلة الفاعلة هي التعمير أو ما‬ ‫يسميه ابن خلدون بالعمران البشري من أجل سد الحاجات‪ .‬وهذان هما مهمة السياسة التربوية‬ ‫التي تكون الأجيال من حيث صحة الكيان العضوي وسلامة الكيان العائد عليه أو الروحي‪.‬‬ ‫وكلاهما ذو صلة بشروط الصحة البدنية والنفسية‪ .‬وتلك هي مهمة التربية التي تكون الأجيال‬ ‫لتكون قادرة على إنتاج ما يعولها وما يحميها لتكون الحياة كما وصفها ابن خلدون \"أنسا بالعشير\"‬ ‫أي توفير شروط المائدة والسرير بقيمهما الخلقية والجمالية‪.‬‬ ‫المسألة الثانية‪ :‬شروط بقاء الحياة الفاضلة والجميلة أو العلاقة الافقية بالتاريخ‪.‬‬ ‫لكن المسألة الأولى لا يمكن أن يتم علاجها بالصورة التي سبق وصفها من دون عودة الجماعة على‬ ‫ذاتها لتكون إدراكا لمسارها بشروط خمسة هي جوهر الكيان المشرف على سياسة التربية وسياسة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الحكم‪ .‬وتلك هي مهمة الإنسان الاستخلافية التي هي العودة إلى المهمة الاستعمارية لجعلها تجري‬ ‫بالقيم التي تحقق الغاية من وجود الإنسان كما يحددها القرآن‪ .‬وإذا كانت الغاية في المسألة‬ ‫الأولى هي الحياة الفاضلة والجميلة فإن الغاية في المسألة الثانية هي الحياة الحرية والكريمة‪.‬‬ ‫ومثلما يكون من فرض العين المشاركة في تعمير الأرض فكذلك من فرض العين المشاركة في رعاية‬ ‫قيم الاستخلاف‪ :‬وذلك هو معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (آل عمران ‪)110-104‬‬ ‫واعتبار الأمر أمر الجماعة تديره بالشورى (الشورى ‪ )38‬وخاصة ما يتلعق بالرزق‪.‬‬ ‫وبهذا أنهي المحاولة كلها‪ .‬فالرزق (انتاجه) والإنفاق منه (توزيعه) هو المشكل الرئيس في الرؤية‬ ‫الإسلامية‪ .‬وهنا لا بد من شرح مفهوم استعملته ولم أعلله التعليل الكافي‪ .‬ففي كلامي على تطور‬ ‫أشكال الحكم في التاريخ بمعيار دور إنتاج الثروة (البعد الاقتصادي الصرف منها) ودور توزيعها‬ ‫(البعد الاجتماعي الصرف منها) وباستعمال المصطلح التقليدي يمين يسار اعتبرت رؤية الإسلام‬ ‫ممثلة لموقف يمين اليسار‪ .‬فلماذا؟‬ ‫لو قارنا موقف العصر الراشدي من المسألة لفهمنا ذلك‪ .‬فيكفي أن تقارن بين الموقف من توزيع‬ ‫الثروة والقانون الجنائي الخاص بالملكية‪ .‬ففيه نرى بالعين المجردة أنه يقدم إشكالية العدل‬ ‫الاجتماعي لكنه يردفها بحماية الملكية وتشجيع تنميتها وخاصة بسياسة المساهمة في تمويل رعاية‬ ‫الشأن العام أي السهم الذي يطلبه من ذوي الثروة في تمويل المسألة الاجتماعية وخاصة في تمويل‬ ‫التجديد الدائم لأدوات الإنتاج أو تمويل الاستثمار‪.‬‬ ‫• فهو أولا يضع ما يمكن نسميه الحد الأدنى من الدخل ويقدره بما يعيل الاسرة سنة كاملة أو‬ ‫ما يسمى بالنصاب‪ .‬فمن ليس له النصاب معفى من الحد الأدنى من المشاركة في الكلفة‬ ‫الاجتماعية للعيش المشترك وهو الزكاة‪.‬‬ ‫• وهو ثانيا يضع ما يمكن أن نسميه الحد الأقصى من الجباية بالنسبة إلى ما تجاوز النصاب‬ ‫وهو الخمس بعد طرح النصاب يدفع لبيت مال المسلمين وليس للدجالين من الملالي‪ .‬لكن‬ ‫السنة بسبب حمق علمائها تصوروا ذلك متعلقا بحصيلة الأنفال في الحروب وليس بحصيلة‬ ‫العمل أيا كان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وينبغي أن نفهم أن هذا الحد ‪-‬الخمس من الربح في أي عمل أي مما يبقى بعد طرح كلفة الإنتاج‬ ‫وكلفة تجديد أدواته‪-‬هو ما تحتاج إليه الدولة للقيام بوظائفها العشر أي الخمس المتعلقة بالعناية‬ ‫بالرعاية وبالحماية اللتين هما من مسؤولية الجماعة من حيث حصولهما وما يعود إلى الدولة ليس‬ ‫تحصيلهما بل الحرص على أن يكون ذلك التحصيل بالقيم التي وضعها الإسلام حتى يكون التحصيل‬ ‫تعميرا وليس تدميرا تعميرا للأرض وتوطيدا للتعاون والتعاوض العادل في الجماعة وبين‬ ‫الجماعات‪.‬‬ ‫وإذا حصل ذلك فلن يحتاج المجتمع لربا الأموال ولا لربا الأقوال‪ :‬فالأول هو الربا المعهود الذي‬ ‫يظن ضروريا لتمويل الاستثمار والثاني قياسا عليه هو ربا الأقوال الذي يظن ضروريا \"لتزييت\"‬ ‫الحكم أعني الخداع والكذب في الخطاب الإيدلوجي‪ .‬وهذا هما بعدا دين العجل‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالعملة أو رمز الفعل الاقتصادي والثروة بدلا من أن تبقى أداة تبادل تحولت إلى سلطة‬ ‫على المتبادلين‪.‬‬ ‫‪ .2‬والكلمة أو فعل الرمز الثقافي والتراث بدلا من أن تبقى أداة تواصل تحولت إلى سلطة على‬ ‫المتواصلين‪.‬‬ ‫وهذا الانقلابان في وظيفة الأموال والأقوال هما السر في تحريف علاقة العاجل بالآجل والتلهف‬ ‫عليهما بوصفهما أداتي سلطان يمكن من تركيمهما بيد الأقلية فيكون كل شيء دولة بين الأغنياء لأن‬ ‫سلطان الأقوال (الإعلام مثلا) أداة بيد صاحب سلطان المال (المافيات)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬