Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore النصيب من المويرا - هايدجر - ترجمة وتعليق ابو يعرب المرزوقي

النصيب من المويرا - هايدجر - ترجمة وتعليق ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2021-01-17 03:05:06

Description: النصيب من المويرا - هايدجر - ترجمة وتعليق ابو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫بل صارتا فيه وكأنها وحيا يوحى ونصوصا مقدسة رغم انحصارها في الخطاب الذي لا‬ ‫يتجاوز الاقوال دون الأفعال سواء في مستوى التأثي في العلاقة بالطبائع والمكان الطبيعي‬ ‫أو في العلاقة بالشرائع والزمان التاريخي‪ .‬وقد أسست هذا الفهم على مسألتين‪:‬‬ ‫‪-1‬الأولى محاولة فهم الصراع بين الفلسفة وعلم الكلام بما غاب عند الفريقين من تجاوز‬ ‫إشكالية العلاقة بين الإيمان والعلم في النظر وبين الأخلاق والقانون في العمل‪ .‬وهي مسألة‬ ‫تكررت في اللقاءين بين فكرنا وفكر اليونان قبلنا ثم فكرنا وفكر الغرب بعدنا‪.‬‬ ‫‪-2‬الثانية محاولة فهم تحول الكلام والفلسفة إلى إيديولوجيا القول بالمطابقة المعرفية‬ ‫والمطابقة القيمية بخلاف ما كان يقول به القرآن من امتناعهما بسبب حدود العلم والعمل‬ ‫ووجود الغيب المحجوب‬ ‫بمعنى أنها صارت أدنى من معناهما في الفكر السوفسطائي الذي كان يقول بهما لكنه‬ ‫يقصرهما على ما هو إضافي إلى الإنسان من حيث سياسته لعالم الشهادة وتوقفه عن الكلام‬ ‫في عالم الغيب أو عالم الممكن الذي لا دليل عليه ولا له‪.‬‬ ‫وسيكون ذلك مدخلا لعلاج المسائل العالقة التالية والتي يمكن أن تغي الموقف الفلسفي‬ ‫والديني في فكرنا بعد أن ندرك وحدتهما في ما يصل التجربتين الطبيعية والتاريخية‬ ‫إحداهما بالأخرى ارتباط التعمي والاستخلاف في مهمتي الإنسان‪:‬‬ ‫‪-1‬فمشكل الابداع الجمالي والأديان متضايف‪ -‬مع مشكل الابداع العلمي والفلسفات‪.‬‬ ‫ولهذا التضايف علاقة في لقائنا الثاني مع الفكر الفلسفي الغربي بنوعي الميثولوجيا التي‬ ‫آلت إليها المثالية الألمانية ممثلة بهيجل وشلنج في سعيهما للتخلص من ذروة فكر الحداثة كما‬ ‫صاغه كنط لتحديد العلاقة بين شروط التجربتين العلمية (قانون الضرورة) والعملية‬ ‫(قانون الحرية)‪.‬‬ ‫‪ -2‬الميثولوجيا المتعلقة بالماضي من تاريخ الإنسانية‪ :‬وذلك هو جوهر فلسفة هيجل التي‬ ‫أرد أساسها لأسطورة نهاية التاريخ الذي يعتبر شروطه الروحية قد تحققت تحققت كلها‬ ‫من بداية التاريخ إلى غايته وهي إذن ميثولوجيا تفسر هذه التكوينية‪ .‬وغاية فكره هي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فلسفة التمام الابستمولوجي أو العلم المطلق (فينومينولوجيا الروح) والأكسيولوجي أو‬ ‫الدين المطلق (دروس فلسفة الدين)‪.‬‬ ‫‪-3‬والميثولوجيا المتعلقة بالمستقبل من تاريخ الإنسانية‪ :‬وذلك هو جوهر فلسفة ماركس‬ ‫التي أرد أساسها إلى اسطورة بداية التاريخ أي الشروع الثوري في تحقيق كل شروطه‬ ‫المادية مستقبلا والغاية هي فلسفة التمام المطلق في فلسفة العلم المطلق (المادية الجدلية‬ ‫ضديدة المثالية الجدلية أو نقد الأيديولوجيا الألمانية) والسياسة المطلقة (المادية‬ ‫التاريخية)‪.‬‬ ‫‪-4‬وبالمقابل مع هذين الميثولوجيتين تأسست ميثولوجيتان اخريان مضادتان لهما‪:‬‬ ‫*‪-‬واحدة قرأت هيجل قراءة وجودية ‪-‬اسكزيستنساليت‪-‬ولعل رمزها الذي لا يخفى عن‬ ‫أحد فلسفة كيكيجارد التي تركز على التجربية الروحية الحية تقطع مع ما في الهيجلية‬ ‫من بذور المادية في ما يشبه ما يشبه حتمية المسار التاريخي الهجيلي الذي يكاد يرد على‬ ‫التاريخ الطبيعي‬ ‫*‪-‬والثانية قرأت ماركس قراءة فيها البعد الروحي الذي صار مسيطرا على علم الكلام‬ ‫الكاثوليكي حيث اجتمعت المسيحية مع الماركسية لتحقيق ميثولوجيا المستقبل وكلتاهما‬ ‫شاركتا مثل الاوليين على‪:‬‬ ‫الأولى على فكر التحديث الفلسفي في بلدان العرب والمسلمين المتأثر بالهيجلية أو خاصة‬ ‫الماركسية‬ ‫والثانية فكر التحديث الديني فيها المتأثر بالوجودية والمزيج بين الكاثوليكية والماركسية‬ ‫في أمريكا اللاتينية (ومنها ما يسمى باليسار الإسلامي)‪.‬‬ ‫‪-5‬إعادة تأسيس نظرية الوسميات (السيميوتكس) من منطلق اعادة النظر في نظرية‬ ‫الترميز بين‪:‬‬ ‫*‪ -‬بين اعتبار المعاني الكلية مقدرات ذهنية نظرية وهي مجرد رموز هي لغة من درجة‬ ‫اعمق من الالسن الطبيعية وظيفتها صوغ القول النظري حول التجربة العملية وليست‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫مقومات لموضوعها‪ .‬وذلك بالتمييز بين المعنى والدلالة في النظر‪ :‬أو تأسيس مفهوم المقدرات‬ ‫الذهنية النظرية التي هي لغة المعاني الكلية باعتبارها متغيات تتعين بقيم مضمونية من‬ ‫التجربة‪.‬‬ ‫*‪-‬والقياس عليها لوضع مفهوم المقدرات الذهنية العملية وهي تتألف من نفس المشكل‬ ‫بين المعنى والدلالة في العمل وليس في النظر‪ :‬أو تأسيس مفهوم المقدرات الذهنية العملية‬ ‫وهذه تشمل تلك لأن النظر عمل في الرموز‪ .‬وهو ما يمكن من تأسيس نظرية المعادلة‬ ‫الوجودية وابعاد التاريخ الحضاري المختلف عن التاريخ الطبيعي بكونه مخمسها وليس‬ ‫مثلثها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأول‬ ‫أخذت العلمين ‪ -‬ابن رشد وابن عربي بسبب القصة الشهية بينهما ‪ -‬للرمز إلى لغتين‬ ‫أشارا إليهما في حوارهما حول علاقة الفلسفة بالتصوف أو علاقة ضربين من \"المعرفة\"‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬الفلسفية التي كانت تستعمل لغة تعتبر لغة العلم والعقل في عصرهما (ابن رشد)‬ ‫⃣‪ -2‬والصوفية التي كانت تستعمل لغة تعتبر لغة الكشف والوجدان في عصرهما (ابن‬ ‫عربي)‪.‬‬ ‫وكان يمكن أن آخذ علمين آخرين معاصرين لهما ينتسبان إلى المشرق وهما السهروردي‬ ‫والرازي رمزين لنفس الإشكالية من منظورين مختلفين اسلوبيا وكلاهما يحدد نظام الفكر‬ ‫في الحضارة الإسلامية النسقي النهائي قبل الافول‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬صوفي فلسفي مغربا في علاقة بفلسفة أرسطو‪.‬‬ ‫⃣‪ -2‬صوفي كلامي مشرقا في علاقة بفلسفة أفلاطون‪.‬‬ ‫فصوغ هذا النظام كان مدار الفكر عندهم نظام توحده إشكالية العلاقة بين‬ ‫الصوفي الكلامي (السهروردي والرازي)‬ ‫والصوفي الفلسفي (بن رشد وابن عربي)‬ ‫ومن ثم مدار العلاقة المضاعفة بين الديني الطبيعي والفلسفي والديني المنزل‬ ‫والفلسفي الأرسطي والافلاطوني في الحالتين‪.‬‬ ‫وتلك هي علة حضور لغة التصوف فيهما بجوار لغة المنطق في الحالتين‪:‬‬ ‫السهروردي وابن عربي تحضر عندهما لغة التصوف لقول التجربتين الطبيعية‬ ‫والروحية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والرازي وابن رشد تحضر عندهما لغة المنطق لقول التجربتين الطبيعية والروحية‪.‬‬ ‫وجميعهم على وعي حاد بالفرق بين اللغتين وبين التجربتين لا يقابلان بينهما بصورة‬ ‫تجعل إحداهما تقول الحقيقة والثانية لا تقولها بل هما معا تقولانها‪.‬‬ ‫وإذا كان السهروردي لا يخفي صلته بالأديان الطبيعية وإحالته إلى ما بين الافلاطونية‬ ‫والحكمة الشرقية ممثلة بالزرادشتية والقدامى الذين يشي إليهم بعد أن قطع مع‬ ‫المشائية‪.‬‬ ‫فإن ابن عربي أبقى على قابلية تأويل فكره تأويلا لا يناقض‬ ‫الأديان المنزلة (تأويل ماسينيون ذو الميل النصراني)‬ ‫والاديان الطبيعية (تأويل هرتون ذو الميل الهندوسي)‪.‬‬ ‫والرازي كما هو معلوم ميال إلى الأفلاطونية بتوسط السينوية إيجابا كما هو بين من قوله‬ ‫بالمثل‬ ‫وابن رشد يكاد يؤله أرسطو بتوسط السينوية سلبا (أي إنه يعتبر ابن سينا سببا في فساد‬ ‫الفلسفة الارسطية ما جعل نقد الغزالي وجيها ليس إزاء الفلسفة الحقة ‪-‬أرسطو‪-‬بل إزاء‬ ‫تحريفها‪-‬ابن سينا‪.‬‬ ‫وقد سبق فبينت أن وحدة الوجود والتجلي عند ابن عربي أرسطية الميل ويكفي تأويل‬ ‫الاعيان الثابتة في العدم بالصور التي بالقوة وفي الرؤية قلب للأرسطية لأن العدم عنده‬ ‫هو المادة عنده والتصوير هو حلول الرب في الأعيان الثابتة في العدم‪.‬‬ ‫والهدف من هذه المحاولة التي ستمثل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫خاتمة لتعليقاتي على ترجمتي لنص هيدجر‬ ‫‪-‬في شكلها النهائي‪-‬‬ ‫وجوابا على إشكالية التقديم للغز لغة التصوف عنده‪.‬‬ ‫وهو البحث في ما وصفته خيارا هيدجرانيا يجمع بين اللغتين‪.‬‬ ‫ودافعي مضاعف‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬فأولا هدفي أن أبحث في المسألة‬ ‫لأني أريد أن اعي مدى صلوحيته للتكوين الفلسفي الذي يناسب الحاجة في جماعة ليس‬ ‫لها الزاد العلمي الذي يمكنها من التعالي عليه والزعم بأن \"العلم لا يفكر\"‪ .‬فهي تكتفي‬ ‫بتجاوز ليس من علم \"لا يفكر\" بل من جهل يدعي التفكي‬ ‫⃣‪ -2‬وثانيا أبحث في ما يتصورونه تعييا للعلم دون علم بالموجود ويتوهمونه قادرا على‬ ‫النفاذ إلى الوجود‪.‬‬ ‫لمحاولة فهم طبيعة اللغتين وعلة الانفصال والاتصال بينهما في الفلسفة وفي الدين‬ ‫بمعنى أن‬ ‫حضور التصوف في الفلسفة‬ ‫وحضور المنطق في الدين‬ ‫كلاهما مما يحي الباحث في الرؤيتين إذا أبقى على الفصل بينهما‪.‬‬ ‫والفصل بينهما يحول دون فهم القصد من اعتباري القرآن ليس نصا دينيا فحسب ولا هو‬ ‫نص فلسفي فحسب‬ ‫بل هو نص في الواحد المشترك الذي ينبع منه الديني والفلسفي للجواب عن علاقة عالم‬ ‫الشهادة بعالم الغيب واستراتيجية سياسية تتأسس عليها فتكون استراتيجية الاستعمار في‬ ‫الأرض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه السياسة التي تتأسس عليها تتميز‬ ‫بالكونية (تشمل كل البشر)‬ ‫والختمية‬ ‫لم تعد الإنسانية بحاجة لرسالات أخرى‬ ‫لكأن التلقي صار \"نصيب\" الإنسان من حيث هو إنسان‬ ‫ويكفي مخاطبة ما جهز به للقدرة‬ ‫على النظر والعقد معرفة واستعمارا في الارض‬ ‫وعلى العمل والشرع قيمة واستخلافا فيها‪:‬‬ ‫الرسالة الخاتمة نهاية الأديان الجزئية التي تمثلها تجربة فرد (كل أمة لها رسول‬ ‫بلسانها)‬ ‫بل هي توليفة من نظام التجارب الدينية بمنطق التصديق والهيمنة في سياسة عالم‬ ‫الشهادة بقيم عالم الغيب (الرسالة الخاتمة خطاب للعقل والوجدان في آن)‪:‬‬ ‫القرآن عرض نقدي للتجارب الدينية لاكتشاف الكوني فيها‬ ‫أي الديني من حيث هو ديني في كل دين‪.‬‬ ‫وهي نهاية الفلسفات الجزئية التي تمثلها تجربة فرد (كل أمة لها فيلسوف بلسانها)‬ ‫بل هي توليفة من نظام التجارب الفلسفية في تحديد العلاقة بين الاستعمار في الأرض‬ ‫والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫وذلك هو مجال التفلسف وهو عين مجال التدين‪ :‬القرآن استراتيجية نقدية لسياسة‬ ‫عالم الشهادة بقيم متعالية ومعيارها مدى الانشداد إليها عند الجميع ‪ .‬وبهذا المعنى نفهم‬ ‫الآية ‪ 38‬من الشورى لأن الامر أمر الجماعة وهي التي تسوسه بالتشاور في ما بينها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫⃣‪ -1‬وهذه السياسة ما كانت لتكون ممكنة لو لم‬ ‫تنف الرسالة الأحاطة والمطابقة المعرفية في النظر‬ ‫وتعوضهما بالاجتهاد الإنساني أو التواصي بالحق الذي يشارك فيه الجميع‬ ‫وترجئ الحسم في العلم التام للآخرة‪.‬‬ ‫⃣‪ -2‬وهي كذلك‬ ‫تنفي التمام والمطابقة القيمية في العمل‬ ‫وتعوضهما بالجهاد الإنساني أو التواصي بالصبر الذي يشارك فيه الجميع‬ ‫وترجئ الحسم في العمل التام للآخرة‪.‬‬ ‫ولأعد الآن إلى رأي هيدڨر الذي يدعي‬ ‫أن \"العلم لا يفكر\"‬ ‫وأن الفلسفة بالشكل الذي يعرض تاريخها عرضا تغلب عليه لغة التصوف نسيت سر‬ ‫التفكي الذي يعنى بالحقيقة فيتجاوز الموجود إلى الوجود أو الانطيك إلى الانطولوجيك‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية تبدو لي نكوصا‬ ‫ليس لأنها تستعمل لغة التصوف‬ ‫بل لأنها تقابل بين الفكر في الأنطيك والانطولوجيك فتتصور الولوج إلى الانطولوجيك‬ ‫من خارج الأنطيك ممكنا وتنسبه إلى \"هدية\" المصي‪.‬‬ ‫وذلك هو سر القول بما يشبه الكشف الصوفي‬ ‫لكأنه البديل من البحث العلمي الذي ينفذ من الموجود بالانشداد إلى الوجود دون‬ ‫الإحاطة المستحيلة على الجميع بمن فيهم الرسل والفلاسفة بسبب وجود الغيب‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫ولو قال القائل إن مرحلة من العلم صارت لا تفكر‬ ‫الأسماء والبيان ‪54‬‬

‫‪--‬‬ ‫‪-‬لأنها صارت تقول بالمطابقتين المعرفية والقيمية‪-‬‬ ‫لقبلنا ذلك ولكان مما لا يستحق النقاش‪.‬‬ ‫لكن الزعم‬ ‫بأن العلم من حيث هو علم لا يفكر‬ ‫وأن البديل منه للتدارك هو هذه اللغة الصوفية‬ ‫التي تعتمد لغة طبيعية معينة على أنها مصدر الإلهام‬ ‫هو المشكل‪.‬‬ ‫والمعلوم أني قد قدمت لنص هيدجر‬ ‫‪-‬تفسي رؤية بارميندس وعلاقتها بما تلاها من نسيان للوجود (المستوى الانطولوجي)‬ ‫اقتصار على الموجود (المستوى الانطيكي) ‪-‬‬ ‫بعد نقله إلى العربية مؤخرا‪.‬‬ ‫وقد نشرته في وسائل التواصل الجمهوري قطعا مع حصره في مبتذل النوازل اليومية‪.‬‬ ‫فالتواصل الجمهوري لا ينبغي أن يبقى مقصورا على التقريب الجمهوري‪.‬‬ ‫فهذا ليس كافيا في تكوين شباب‬ ‫مطالب بان يشارك بعمق في فهم إشكاليات العصر‬ ‫ليشارك في الاستئناف‬ ‫ومنها الشأن السياسي‬ ‫بل وخاصة السياسي بأبعاده التالية‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬فالأصل هو الحكم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من حيث هو قوامة الشأن العام بالنيابة عن الجماعة‬ ‫ويتفرع عنه أربعة عناصر مقومة للفعل السياسي‪.‬‬ ‫⃣‪ -2‬قوامة شروط سد الحاجات التي تصدر عن القيام العضوي لكيان الإنسان رعاية‬ ‫وحماية‬ ‫وذلك هو الاقتصاد‪.‬‬ ‫⃣‪ -3‬قوامة شروط سد الحاجات التي تصدر عن القيام الروحي لكيان الإنسان رعاية‬ ‫وحماية‬ ‫وتلك هي الثقافة (بكل أبعادها العلمية والفنية)‪.‬‬ ‫⃣‪ -4‬وأثر الاقتصادي في الثقافي‬ ‫وهو دوره في علاج الآجل الذي هو روحي‬ ‫وهو العلوم وتطبيقاتها‬ ‫والفنون وتطبيقاتها‬ ‫في تربية البشر وتكوين الأجيال‪.‬‬ ‫⃣‪ -5‬وأثر الثقافي في الاقتصادي‬ ‫وهو بدوريه علة فاعلة في سد نوعي الحاجات الاقتصادية والثقافية (العلوم وتطبيقاتها)‬ ‫ودوره علة غاية في سد نوع الحاجات الاقتصادية والثقافية (الفنون وتطبيقاتها)‪.‬‬ ‫وهذه المجالات كلها يمكن الكلام عليها باللغة الطبيعية بالإحالة إلى ما لا يمكن أن يقال‬ ‫بها‬ ‫لأن دورها فيها يفترضها معلومة باللغات العلمية الخاصة بها‬ ‫ومن ثم فإذا لم يكن الشباب حاصلا على الزاد الكافي‬ ‫فإنه لا يمكن أن يسهم في النهضة الفعلية للأمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والمشكل الذي وضعه كلام هيدجر في هذا المقال الذي نقلته إلى العربية قد يجعل أي‬ ‫شخص يتصور الفلسفة قابلة للمشاركة في فعل النهوض إذا بقيت من جنس كلامه في جيل‬ ‫من الشباب لم يحصل على الثقافة العلمية‪.‬‬ ‫فحصوله عليها هي التي قد تحوجه لما يمكن أن يعتبر دعوة لتجاوز العلوم \"بحجة أنها لا‬ ‫تفكر\" تجعله يبحث عما يضفي عليها معنى مستمدا من التجربة الثانية التي يتكلم عليها‪:‬‬ ‫فتقديم خطاب من جنس خطاب هيدجر في النظر أي في علاقة الفلسفة بالعلوم‪.‬‬ ‫يشبه تقديم خطاب التصوف في العمل أي في علاقة الفلسفة بالسياسة‪.‬‬ ‫وفي الحالتين نجد أنفسنا أمام مفاضلة بين ضربين من التجربة الإنسانية‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬واحدة تتعلق بالتجربة العلمية التي هي ثمرة حوار بين الإنسان والطبيعة وبينه وبين‬ ‫الإنسان وذاته من حيث مافيهما من طبيعي‬ ‫⃣‪ -2‬والثانية تتعلق بالتجربة العملية التي هي ثمرة حوار بين الإنسان والإنسان وذاته‬ ‫وما فيهما من روحي‪.‬‬ ‫والسؤال‪:‬‬ ‫هل في غياب الثقافة العلمية والعملية‬ ‫‪-‬ليس في تكوين الشباب فحسب بل في تكوين المختصين في الفلسفة أيضا‪-‬‬ ‫يمكن للطبيعي والروحي أن يكونا موضوع فكر؟‬ ‫هل يمكنه حينئذ أن يتجاوز الثرثرة اللفظية التي ليس لها مرجعية دلالية لأنها تفترض‬ ‫وجود تكلما الثقافتين حاصلتين أعني العلوم والأعمال على علم ولو ضمنيا‪.‬‬ ‫فشتان بين تلقي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الشاب الألماني لفكر هيدجر وتعلقه بما يضيفه ليضفي المعنى على ثقافة مغرقة في العلم‬ ‫والتكنولوجيا وهو ما يعتبره عيبا يعالجه‬ ‫وشباب في مجتمعات خالية منهما فيكون كلام هيدجر عديم الصلة بمناخ ثقافي يكون فيه‬ ‫معبرا عن حاجة فعلية للجمع بين التجربتين الطبيعية والروحية‪.‬‬ ‫فالثقافة العلمية والعملية في المجتمعات التي تسوس شأنها في المجالات التي ذكرت‬ ‫بالتجربة الطبيعية وليس بالتجربة الوجدانية الخالية من العلم والعمل على علم كحال‬ ‫مجتمعاتنا الحالية‪.‬‬ ‫فمن الكاريكاتور والمحاكاة القردية أن تسمع متفلسفا عربيا يقاوم \"الافراط‬ ‫التكنولوجي\" في مجتمع بدوي ليس فيه علم يتجاوز الاقوال لأن العلم في الغرب متعين في‬ ‫الأفعال‪ :‬افعال الاستعمار في الارض‬ ‫وقيم الاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فالأقوال حول العلم وحول الفلسفة وحول أي شيء يعالج فكريا سواء في‬ ‫النظر أو في العمل لا يتجاوز الموضة والشعارات‪.‬‬ ‫لكن العلم والعمل على علم إن لم يصبحا عين ما يجري في العمران علاجا لعلاقة الإنسان‬ ‫بالطبيعة وعلاقته بالإنسان وبذاته فهو لغو‪.‬‬ ‫لذلك‬ ‫ورغم أن ترجمة النص ما تزال في مسودتها الأولى التي سأراجعها لاحقا خلال التحشية‬ ‫والتهميش العلمي المتعلق خاصة بالاختيارات الاصطلاحية في نقل معاني هيدجر باللسان‬ ‫العربي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فإنه قد وضعني أمام إشكالية لا بد من جعلها خاتمة الترجمة‪.‬‬ ‫ذلك أني لم أقدم على ترجمة هذا النص‬ ‫إلا بقصد علاج هذه الإشكالية في عمومها‬ ‫باعتبارها إشكالية فلسفية عامة‬ ‫وليست قضية ظرفية‬ ‫رغم أن الظرف هو الذي جعلني أعجل بها‬ ‫بعد أن ترددت كثيا في الكلام على اللوغوماشي الفلسفية عندما تغلب البعد الأدبي على‬ ‫البعد العلمي‪.‬‬ ‫إنها إشكالية‬ ‫المنزلة التي يوليها هيدجر لدور اللغة الطبيعية‬ ‫والذي اعتقد أن أفلاطون قد عالجها بسخرية معلومة عندما كتب ما يشبه الكاريكاتور‬ ‫من الفيلولوجيا‬ ‫وما قد تؤدي إليه من تعالم يعيد الفكر‬ ‫‪-‬ويكاد هيدجر يقصره عليها‪-‬‬ ‫إلى التوارد المعتمد على مجالات الدلالة‪.‬‬ ‫والسؤال‬ ‫ليس حول أهمية اللغة الطبيعية و ٍالآليات التي تسود على توارد المعاني الحاصلة وقد‬ ‫توحي بالمعاني ممكنة الحصول‬ ‫بل حول علاقة ذلك بما يمكن اعتباره لغة العلم عامة والتي هي عندي مستقلة تماما عن‬ ‫اللغة الطبيعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكني لا أنفي أنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الوجه الثاني من المعرفة العلمية‬ ‫أعني أنها الطريقة الوحيدة للتواصل بين البشر حول تواصلهم مع الطبيعة باللغة العلمية‬ ‫غي الطبيعية وحتى حول تواصلهم مع ذواتهم‪.‬‬ ‫فلا يمكن أن ندعي القدرة على التمييز بين الوعي بأحوال النفس والعلم بها في بعديهما‬ ‫العضوي والروحي أو الواعي بذاته وبما عداه‪.‬‬ ‫وأهم خطأ يعاني منه الفكر‬ ‫‪-‬ولعل السبب فيه ما يسمى بثورة ديكارت‪-‬‬ ‫هو اعتبار الإدراك علما‬ ‫وليس أحد شروط العلم دون أن يكون علما‪.‬‬ ‫فالوعي بالذات وبما حولها ليس بعد علما‬ ‫وإن كان شرط الشروع في العلم‪:‬‬ ‫ما أدركه مباشرة من ذاتي ومما حولي يشي إلى الموجود والمنشود‬ ‫دون أن يكون علما بهما‬ ‫ولا خاصة علما بذاته من حيث هو إدراك ووعي‪.‬‬ ‫واللغة الطبيعية في هذه الحالة‬ ‫توجه الفكر نحو ما بين اللغة العلمية من حيث النظام المنطقي الذي يقدم نموذج بنيوي‬ ‫لما يفترضه العلم بنية الموضوع‬ ‫الذي يدرسه‬ ‫والذي لا يدركه الإنسان بالكلام الطبيعي‬ ‫بل بما بين اللغة العلمية وموضوعها من تشاكل بنيوي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا بد من البدء بمفارقة عجيبة في اللغة الطبيعية‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬فمن جهة اولى‬ ‫هي آلية رمزية لا تستمد مرجعيتها الدلالية من ذاتها‬ ‫بل لأنها لا تحتوي على هذه الخاصية التشكالية البينوية التي تجعل كيانها الرمزي‬ ‫محاكيان لكيان مرجعها الدلالي بنيويا‪.‬‬ ‫⃣‪ -2‬لكنها من جهة ثانية‬ ‫تؤدي دور ما بعد لغة بالنسبة إلى لغة العلوم‬ ‫‪-‬وذلك هو السر في كونها ضرورية في كل تعليم ‪-‬‬ ‫ومن ثم فهي قادرة على توجيه الانتباه لدى المتلقي لما يحصل في اللغات العلمية‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك‬ ‫أنه يوجد بينها من حيث هي منظومة تسمية طبيعية علاقة شبه ما بعدية تحيل إلى‬ ‫منظومة المسميات الحاصلة في اللغة العلمية‬ ‫وذلك خلال التعليم النظري والعملي في ثقافة الجماعة‬ ‫ثم بفضل الزاد الحاصل في ذهن المتعلم‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فإن‬ ‫ما هو فلسفي في البحث هو طبيعة العلاقة بين اللغتين الطبيعية والصناعية‬ ‫وما هو سياسي هو طبيعة الضرر الذي يحصل إذا توهمنا أن اللغة الطبيعية التي‬ ‫تستعملها الفلسفة يمكن أن تكون مصدرا لعلم موثوق وخاصة في ثقافة ينقصها العلم والعمل‬ ‫على علم‪.‬‬ ‫عندنا إذن مسألتان‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫⃣‪ -1‬المسألة الأولى‬ ‫هي المسألة الظرفية‬ ‫وتتعلق بالكلام في التجربة الفلسفية التي تتهم العلوم بكونها لا تفكر لأنها تقدم التجربة‬ ‫الطبيعية على التجربة الروحية إن صح التعبي‬ ‫وهي ذات مستويين‪:‬‬ ‫‪ -1‬عند من يحق له الشكوى مما وصلت إليه الثقافة العلمية من سيطرة البعد شديد‬ ‫الاختصاص وشديد التوظيف التكنولوجي سواء كان بناء أو هداما بما يترتب على‬ ‫تطبيقاته‪.‬‬ ‫‪ -2‬عند من يحاكون هذا الموقف من دون أن يكون ظرفهم مماثلا لهؤلاء بل هم في مجتمع‬ ‫شبه بدائي لا علم عنده ولا تطبيقات نافعة أو ضارة بل مجرد مستوردات لا تعبر عن حال‬ ‫روحية‪.‬‬ ‫⃣‪ -2‬المسألة الثانية‬ ‫هي المسألة البنيوية‬ ‫وهي تتعلق بالفرق بين التجربتين واللغتين‬ ‫وهي أيضا ذات مستويين‪:‬‬ ‫‪-1‬أولا‬ ‫هل يمكن للغة الطبيعية أن تعتبر بديلا من اللغة العلمية في الحوار مع الطبيعة من خلال‬ ‫معرفتها معرفة تمكن من إدراك ما يمكن أن يصلها بالتجربية الثانية أو التجربية الروحية‬ ‫خاصة وهي تجربة الإنسان نفسه من موضوعاتها لأن بعده الطبيعي قد يكون ذا دور سياسي‬ ‫في بعده الروحي‪.‬‬ ‫‪-2‬ثانيا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هل يمكن المفاضلة بين اللغات الطبيعية بالإيهام أن بعضها أقدر على هذه الوظيفة من‬ ‫بعضها الآخر بمعزل عن ثقافة اصحابها أعني بمعيار آخر غي علاقة لغتهم بثقافتهم العلمية‬ ‫التي صار مضمونها مضمنا في المرجعية الدلالية بحيث لم تبق اللغة الطبيعية طبيعية‪.‬‬ ‫وهنا يمكن القول إن ما يقوله هيدجر عن اليونانية والالمانية بالقياس إلى اللغة الفلسفية‬ ‫التي يريد استعمالها للكلام في التجربة الثانية التي تسد حسب رايه ما يفيده بعبارة العلم‬ ‫لا يفكر يمكن قوله على العربية والعبرية بالقياس إلى اللغة الدينية التي يمكن استعمالها‬ ‫للكلام عليها‪.‬‬ ‫فلا يكون ما ينسب إلى اللغة الطبيعية في الحالات الأربع ذاتيا للغة الطبيعية بل لعلاقتها‬ ‫بالتجربة الغالبة علي الثقافتين المشار إليهما أي الفلسفية والدينية‪ .‬لكن الثقافات الاخرى‬ ‫قد لا يكون لدور لغاتها نفس الدور‪.‬‬ ‫والنتيجة هي أن اللغة من حيث هي ذات مرجعية دلالية طبيعية ليست بذاتها حائزة على‬ ‫مضمون محدد وإنما مضمونها هو ما تحصل عليه الجماعة من مضمون مصدره ليس اللغة‬ ‫الطبيعية‪.‬‬ ‫إنما مصدرها هو ما تستمده مما صارت إليه في مرحلة أولى للغات العلمية التي تكون‬ ‫تحديد مصطلحيا لمفردات اللغة الطبيعية وهي مرحلة وسطى بين اللغة الطبيعة واللغة‬ ‫العلمية الصناعية‪ .‬ولعل أبرز الأمثلة هو المراحل الأولى من الرياضيات‪.‬‬ ‫اكتفي في هذا الفصل الاول بهذا العرض العام لإشكالية العلاقة بين التجربتين واللغتين‬ ‫وسأبحث في المسألتين الظرفية التي تتعلق بلغة هيدجر حول علاقة الوجودي بالموجودي‬ ‫واللغتين‬ ‫‪ -1‬في حضارة ليس لها علم بالموجودي وتزعم الاكتفاء بالوجودي فتكون كمن يعتبر‬ ‫الرقية الشرعية مغنية عن الطب‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬وفي حضارة بلغت الذورة في العلم بالموجودي وصارت تشرئب إلى الوجودي مع توهم‬ ‫ذلك قابل للاعتماد على اللغة الطبيعية والحدوس الاولية الواردة فيها‪.‬‬ ‫لكني سأعود إلى هذين المسألتين للبحث في معاني هذه العودة إلى الميثولوجيات القديمة‬ ‫وحدوسها ليس بمثل عودة التصديق والهيمنة القرآنية لعلاج المسألة الجوهرية التي هي‬ ‫سياسة عالم الشهادة (الاستعمار في الأرض) بمعايي عالم الغيب (الاستخلاف فيها) مع‬ ‫اعتراف صريح باستحالتين‪:‬‬ ‫‪-1‬الأولى استحالة العلم المحيط ومن ثم الاقتصار على الاجتهاد الذي يشارك فيه‬ ‫الجميع‪ :‬التواصي بالحق‪.‬‬ ‫‪-2‬الثانية استحالة العمل التام ومن ثم الاقتصار على الجهاد الذي يشارك فيه الجميع‪:‬‬ ‫التواصي بالصبر‪.‬‬ ‫فلا شك أنه يوجد في الميثولوجيات القديمة وفي خصائص اللغات الطبيعية حدوس قابلة‬ ‫للتأويل إذا اعتمدنا التوارد الدلالي في مجالات الدلالة المسقطة عليها مع زعم الشعر‬ ‫والادب بدائل ممكنة من العلوم في الجمع بين الأنطولوجي والانطيك‪.‬‬ ‫ففي اللغة الطبيعية قبل الصورنة وقبل إنشاء اللغة الصناعية المعبرة عن معانيها ‪-‬وهي‬ ‫غالبا أشكال ورموز غي لغوية‪-‬رياضيات بلغة طبيعية تحولت إلى مصطلحات دقيقة لا تحيل‬ ‫على دلالات من التجربة العادية بل هي تحيل على معان صناعية غالبا ما لا يكون لها وجود‬ ‫في الطبيعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪--‬‬ ‫قبل الشروع في علاج المسألتين اللتين أشرت إليهما في الجزء الأول‪:‬‬ ‫⃣‪ -1‬مسالة \"العلم لا يفكر\"‬ ‫لأنه يقتصر على الموجود ولا يبحث في الوجود‬ ‫وأثر هذه الرؤية في المجتمعات التي لا علم لها‬ ‫أثره على الخيارات الثقافية‬ ‫في أمة تريد استئناف دورها التاريخي‬ ‫من خلال تدارك ما فقدته‬ ‫في شروط التعمي وفي شروط الاستخلاف‪.‬‬ ‫ففيها لا يكون‬ ‫كلام الفكر في الوجود من دون علوم تتكلم في الموجود‬ ‫إلا ثرثرة لا تحيل على شيء معلوم‬ ‫فتكون محاكاة شعارية لا مضمون لها‪.‬‬ ‫‪-2‬ومسالة الدلالة في اللغة الطبيعية‬ ‫التي ليس لها ما تفيده أصل في مبناها‬ ‫بل هي تفيد بما تستمده من العادة‬ ‫سواء من التجربة العامية أو من التجربة العلمية‬ ‫التي تفيد بتشاكلها البينوي مع ما تفترضه بنية لموضوعها‪.‬‬ ‫فتكون إحالتها الدلالية‬ ‫متعينة في بنيتها الصورية‬ ‫بخلاف اللغة الطبيعية التي تشي إلى الموجود والمنشود‬ ‫دون أن يوجد تشاكل بنيوي بينها وبين مرجعياتها الموضوعية‪.‬‬ ‫وإذن فهي لا تتضمن بذاتها علما بالطبيعة أو بالتاريخ‪.‬‬ ‫الأسماء والبيان ‪65‬‬

‫‪--‬‬ ‫لذلك فاللغة العلمية تختلف جوهريا‬ ‫بكونها تصنع مثيلا رمزيا لما تحيل عليه خارجها‬ ‫بالتشاكل البنيوي‬ ‫بخلاف اللغة الطبيعية‬ ‫التي إحالتها المرجعية تأتي دائما من خارجها‪.‬‬ ‫والدليل أنها بخلاف اللغة العلمية لا تتجاوز إفادتها بين متكلميها في حين أن لغة العلم‬ ‫غنية عن الترجمة لأنها نظام رمزي يفيد ببنيته الشكلية‪.‬‬ ‫وإذن فاللغة الطبيعية ليس لها دلالات كونية بل هي لا تحيل إلا إلى دلالات حاصلة في‬ ‫إما في ثقافة عامية لمتكلميها أو في ثقافة علمية كونية دخلت فيها بعد أن أصبح العلم يتكلم‬ ‫لغة صناعية وتحرر من اللغة الطبيعية‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى ففي الفلسفة والعلوم القديمة كانت اللغة الطبيعية هي الأداة الوحيدة‬ ‫الممكنة حتى في الرياضيات لكنها تستعمل اصطلاحا غي مفهوم حتى من متكلميها لأنها مرحلة‬ ‫أولى من لغة العلم الأولى‪.‬‬ ‫وهذا يصح على العلوم التابعة للفلسفة وعلى العلوم التابعة للدين‪ .‬فتبدو وكأنها لغة‬ ‫طبيعية لكنها في الحقيقة لغة صناعية خاصة بفن من الفنون ولا تفيد ما تفيده إلا فيه وهي‬ ‫من ثم ليست في متناول متكلمي تلك اللغة إلا توهما‪.‬‬ ‫ذلك أن اللغة الطبيعية من دون ذلك تكون عديمة المرجعية وكل إحالة إلى دلالتها‬ ‫اللسانية العادية تكون مصدرا لكل الاخطاء التي يقع فيها من يتكلم في نوعي العلوم على‬ ‫جهل‪.‬‬ ‫ولذلك فكل من يتكلم في غي اختصاصه باللغة الطبيعية لا يعلم فيم يتكلم لاقتصاره على‬ ‫المعجم اللساني‪ .‬وكل هذه الأساليب تتأسس على ضرب من العبارة الاستعارية التي تتوجه‬ ‫لأحوال الإدراك المعرفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهو ما يعني أن التوجه لمقومات موضوعيه يأتي في مرتبة ثانية زعما بالاستغناء عن‬ ‫الأسلوب المنطقي بما يعتبر أكثر اصدق إدراكا وأعمق للحقيقة‪ :‬وهو ما يعيدنا إلى المقابلة‬ ‫بين التجربتين والأسلوبين التعبييين عن الحقيقة‪.‬‬ ‫وسأبدأ بالإشارة السريعة إلى الكتابة بالقص الرمزي المحاكي لأسلوب التمثيل في القص‬ ‫القرآني الذي لم يكن معهودا في أساليب الكتابة قبله ويغلب عليها اسلوب من جنس المعلقات‬ ‫والخطاب الحكمي‪.‬‬ ‫إنه أسلوب تأويلي اشتهر حتى في الفلسفة بعد أن استقرت الأساليب الفلسفية والكلامية‬ ‫التي تميل أكثر إلى الأسلوب التحليلي المنطقي حتى صارت مضرب الأمثال في الصرامة‬ ‫والدقة والجزالة عند ابن سينا والغزالي‪.‬‬ ‫وقد فشا الأسلوب التأويلي خاصة في قصص من جنس حي بن يقظان لابن سينا أو حي بن‬ ‫يقظان لابن طفيل أو القيوان للسهروردي وجل الكتابات الصوفية لها هذا المنحى‪ .‬ويمكن‬ ‫أيضا أن نعتبر بداية الرواية الأدبية ذات الإفادة الرمزية قد نحت هذا المنحى كما في في‬ ‫حالة مقامات بديع الزمان أو في ألف ليلة وليلة‪.‬‬ ‫وهذا هو الأدب الأرقى الذي لا يقص أحداثا تاريخية سواء كانت ترجمة للمؤلف أو‬ ‫عرضا لأحوال مجتمعة مباشرة وكأنه تسجيل لأخبار عصره‪.‬‬ ‫لن أطيل الكلام في المسألة الأولى المتعلقة بطابعها الظرفي أعني الكلام على قصور العلم‬ ‫في تجاوز الموجود إلى الوجود ومن ثم اعتباره لا يفكر ونسبة مهمة التفكي إلى الفلسفة في‬ ‫مجتمعات ليس فيها علم فضلا عن الافراط فيه بصورة الغت الكلام على التجربة الثانية‬ ‫المتجاوزة للتجربة الطبيعية‪.‬‬ ‫فمدخلي إليها هو بدوره ظرفي وهو محاولة الجواب عن سؤال بين لكل ذي بصية‪ :‬ماذا‬ ‫يمكن أن يتعلمه طالب الفلسفة فلسفيا من اللغة والأسلوب اللذين يغلب عليهما المنحى‬ ‫الصوفي الذي استعمله هيدجر طريقا إلى تجاوز قصور العلم؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهل اتهامه العلم بعدم التفكي يكفي لأثباته ببديل جنيس لما ورد في هذا النص لمراجعة‬ ‫تاريخ الفلسفة الغربية في ضوء إعادة تأويل قصيد بارمينيدس التعليمي حول علاقة العقل‬ ‫والوجود؟‬ ‫فيمكن ‪-‬تسليما بأن الأمر إضافي إلى مجتمع ثقافته مشبعة بالعلمي وتطبيقاته ومدركة‬ ‫لما نتج عن اهمال التجربة الثانية (الروحية) من ضرر بسبب مآل الحضارة المادية إلى‬ ‫التدمي بدل التعمي‪-‬أن نعتبر كلام هيدجر تصويبا لمسار العلم الذي أفرط أصحابه في‬ ‫التخصص والتطبيق المادي وليس حربا عليه‪.‬‬ ‫لكن في مجتمع خال من العلم وتطبيقاته الذاتية له‪-‬لأن ما هو من ثمرات العلم في‬ ‫مجتمعاتها كله مستورد وليس ثمرة علم تنتجه مجتمعاتنا‪-‬يبدو لي ترديد خطاب هيدجر‬ ‫من علامات الحمق‪.‬‬ ‫فمن يتوهم النفاذ إلى الوجود وراء الموجود من دون علم الموجود لن يكون لكلامه معنى‬ ‫يتجاوز ترديد شعارات خاوية ومن ثم فهو ثرثرة ولغو قد تنتهي إلى التخلي عن الموجود‬ ‫امتناع تجاوز ما هو معدوم لأن وجوده المعلوم شرط تجاوزه المطلوب‪.‬‬ ‫ما يعنيني الآن هو المسألة الثانية‪ .‬وهي فعلا مسألة عويصة‪ .‬لأنها لا تقتصر على فساد‬ ‫طريقة هيدجر في البلوغ إلى ما يطلبه حتى في مجتمع مشبع بالعلوم وتطبيقاتها‪.‬‬ ‫فعندي أن العلم هو الوحيد الذي يفكر ‪-‬وخاصة عندما يعي حدوده فلا يقول بالمطابقتين‬ ‫المعرفية والقيمية‪ .‬والفلسفة لما تفكر في شيء فهي لا يمكن أن تفكر فيه مباشرة بل لا بد‬ ‫لها من المدخل العلمي الذي تريد تجاوزه إلى ما ورائه‪ .‬وذلك لعلتين‪:‬‬ ‫‪-1‬أولا لان مقاومة ما يمكن أن يعتبر انحرافا في العلم وتطبيقاته لا يمكن أن تتحقق‬ ‫بالعودة إلى بدايات المحاولات العلمية باللسان الطبيعي إلا عند من يتوهم اللسان الطبيعي‬ ‫يمكن أن يكون أداة معرفة للموجود فضلا عن التعالي إلى ما ورائه من الوجود‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فاللغة الطبيعية عندي لا تقول شيئا عن الموجود فضلا عما ورائه لأنها تشي إلى ما‬ ‫يعيشه المتخاطبون به في ثقافتهم الحاضرة ومنه تستمد دلالاتها التي لا يمكن اكتشافها فيها‬ ‫من دون الإحالة المرجعية إلى ما يعيشه الناطقون بها دون أن يكون بين اللغة والمضامين‬ ‫المرجعية أدن وجه شبه‪:‬‬ ‫*‪ -‬ذكر للماضية وهو الحديث حول التجارب الماضية الذي يبقي على أثرها في الحاضر‬ ‫في علاقته بمعالمها التي ما زالت ذات دلالة في حياة الجماعة ووجدانها‪.‬‬ ‫*‪ -‬توقع للمقبلة وهو الحديث حول التجارب المقبلة التي تكون غالبا في علاقة بهذا الذي‬ ‫ما يزال حيا من الماضي في المعالم وفي الحديث إما لتدارك ما فاته أو لتغيي ما حصل فيه‪.‬‬ ‫‪-2‬وثانيا لأن اللغات العلمية لا تستمد دلالتها من خارجها بل هي بناء عينة من‬ ‫موضوعاتها بالتشاكل البنيوي بين الرموز التي تتألف منها اللغة العلمية والمرموزات التي‬ ‫يفترض العلم أنها ما يتألف منه موضوعها‪.‬‬ ‫فمثلا عبارة قانون الجاذبية يتألف من مفهومات ورموز دالة عليها على نحو تكون عبارته‬ ‫متشاكلة مع ظاهرة الجاذبية وإذن فما يحيل عليه نص العبارة العلمية موجود فيها وجوده‬ ‫خارجها لأنها تحاكي ما تفترضه بنيته‪:‬‬ ‫*‪-‬فقانون الجاذبية تتألف عبارته من ثابت مضروب في ضارب كتلتي الجرمين المتجاذبتين‬ ‫مقسوم على مربع المسافة الفاصلة بينهما‪ .‬والثابت محدد تجريبيا‪ .‬والكتلتان مفهومان‬ ‫يتحددان تجريبيا بعد وضعهما فرضيا‪ .‬والمسافة تتحدد تجريبيا أو فرضيا‪ .‬وكذلك كل‬ ‫المقادير عند التعيين‪.‬‬ ‫*‪-‬ومن ثم فاللغة العلمية لا تكتفي بالإشارة إلى الاشياء دون أن تكون مشاكلة لها‬ ‫فتكتفي بالتسمية من حيث هي عادة كلامية كما في اللغة الطبيعية بل هي بدورها مثل‬ ‫موضوعها ظاهرة لها ما لها من المكونات المماثلة لها بحيث إن المعادلات الكيمياوية تعتبر‬ ‫أفضل تمثيل للقصد من التجانس البنيوي بين اللغة العلمية وموضوعها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فإذا قلت الماء يتألف من مقدارين من الهدروجين ومقدار من الاكسيجين فما في العبارة‬ ‫العلمية عن الماء بمعناه الكيمياوي والماء موضوعها من تشاكل يجعل العبارة دالة بذاتها على‬ ‫ما تدل عليه وليس بمجرد عادة التسمية‪.‬‬ ‫وإذا قلت التفاعل بين القلوي والحمضي يعطيني ماء وملحا فإن العبارة الكيمياوية‬ ‫مشاكلة بنيويا للظاهرة التي تعبر عنها وليست مجرد اسم يدل بالعادة‪.‬‬ ‫وطبعا لا أنكر أنه يمكن الاعتراض على هذا التحليل نوعين من الاعتراض الوجيه الذي‬ ‫يهلل كي يحصل من نكوص دون لغة العلم والاكتفاء بالمجازات التي تبدو دالة على الإبداع‬ ‫الذاتي في حين أنها لا تتجاوز الترجمة العامية للمعرفة العلمية‪:‬‬ ‫‪-1‬الأول هو محاولة اضفاء نفس المعنى على اللغة الطبيعية لأن الوظائف والطبائع في‬ ‫النحو تؤدي مثل هذه الوظيفة التي أنسبها إلى التشاكل بين اللغة العلمية وموضوعاتها‪.‬‬ ‫فاللغة الطبيعية تضع علامات (الاعراب أو المنازل في نظام الجملة) على المفردات تجعلها‬ ‫مفيدة بوظائفها ما يشاكل أفعال ما تشي إليه الكلمات من الأشياء والأشخاص‪ :‬فاعل مفعول‬ ‫به متفاعل إلخ‪ ...‬وهي مفيدة بطبائع ما تسمي به مفردات اللغة أي التمييز بين الاسم‬ ‫والفعل والحرف‪.‬‬ ‫‪-2‬الثاني هو محاولة اعتبار هذا الوجه الثاني لكونه كونيا في كل اللغات البشرية بمعنى‬ ‫أنه متحرر من الثقافات والعادات ويعود إلى اللغوي الطبيعي من حيث هو طبيعي وهو‬ ‫موضع علم اللسانيات المختلف تماما عن موضوع النحو الذي يتغي من لغة إلى لغة ولكن‬ ‫للقيام بنفس هذه الخصائص الكونية في اللساني من حيث هو لساني‪.‬‬ ‫وأهم علامة على ذلك هو أنه لا توجد لغة طبيعية لا تشارك اللغة العلمية في كونها‬ ‫مؤلفها من التقطيعين الاول والثاني بمعنى أنها تتألف من عناصر بسيطة محدودة هي‬ ‫موضوع صرفها ومعجمها ومن قوانين توليفها هي موضوع نحوها ومنطقها‪.‬‬ ‫ولأني لا أنكر وجاهة هذين الاعتراضين بل ولأني اعتبرهما شديدي الوجاهة فإني‬ ‫اقبلهما ولكن لإثبات أنهما يزيدان موقفي صلابة‪ .‬ذلك أن الاعتراض الثاني لا يتكلم على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لغة طبيعية معينة بل على اللساني من حيث هو لساني باعتباره الكوني في اللغات الطبيعية‬ ‫المعينة‪.‬‬ ‫وهذا الكوني فيها ليس لغة طبيعية بمعنى أنه لغة علمية لظاهرة طبيعية يفيد بتشاكل‬ ‫العبارة مع الموضوع‪ .‬والموضوع هنا هو قوانين عمل الألسن المشاكلة لعملها تماما كما في‬ ‫الكيمياء أو في الفلك أو في الفيزياء‪.‬‬ ‫وبهذه المناسبة فإن محاولات الصوغ الرياضي للسان معين يشبه محاولة الصوغ الرياضي‬ ‫لنوع خاص من الظاهرات الحية وليس للظاهرات الحية عامة وهما أمر مستحيل من دون‬ ‫الرد إلى اللساني في الحالة الأولى وإلى الحي في الحالة الثانية‪.‬‬ ‫بمعنى أن ما هو خصوصي لا يكون قابلا للعلم إلا ضمن الكلي ولا يمكن العكس لأن ما‬ ‫يتميز بيه الخصوصي عن الكلي ليس مقوما للظاهرة الكونية‪ .‬فلا يوجد علم بايولوجيا‬ ‫خاص يتغي بتغي ألوان البشر مثلا أو علم مناخ خاص بمكان دون مكان إلا بالتعيين الخاضع‬ ‫لنفس القوانين‪.‬‬ ‫وعندما نستعمل اللغة الطبيعية للعبارة على معان كلية متجاوزة لما يمكن منه نحوها‬ ‫(وظائف عناصرها في نظام علاقاتها) وصرفها (طبائع عناصرها في نظام علاقاتها) فإنها‬ ‫تحتاج إلى نقلة نوعية تكون فيها من جنس المادة التشكيلية في فني الرسم والموسيقى‬ ‫وهو أصل كل ابداع شعري‪ .‬فإذا أضفنا التشخيص للمعاني بجعلها أفعالا انتقلنا إلى القص‬ ‫الذي هو أصل كل إبداع روائي‪ .‬وعدم فهم هذا التراكب بين الإفادتين هو العلة الأساسية‬ ‫التي جعلت القرآن الكريم يحي العرب‪ :‬فهو ليس لغة طبيعية فحسب‪.‬‬ ‫إنه يستعمل لغة طبيعية صارت لغة فنية تجمع بين المقدرات الذهنية النظرية والمقدرات‬ ‫الذهنية العملية وكلتاهما لم تكن معلومة في ثقافة العرب‪:‬‬ ‫ففيه أساليب التجريد العلمي الرياضي المطبق على الطبيعي ومنه يستمد جل أدلته في‬ ‫الحوارات التي يعتمد عليها للإقناع بالرسالة دون حاجة إلى معجزات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفيه أساليب التجريب العملي الشعري المطبق على الروائي ومنه يستمد التعيين الممثل‬ ‫في الحوارات التي تجسد المعاني دون أن يكون تاريخا لأحداث فعلية‪.‬‬ ‫لكن عندئذ نكون قد انتقلنا من اللغة الطبيعة إلى اللغة الفنية التي هي من جنس اللغة‬ ‫العلمية بمعنى أنها لا تحيل إلى ما يفاد بالعادة دون تشاكل بين اللغة والمرجع‬ ‫بل هي تحيل إلى ما يفاد بالتشاكل بين ما في النص الشعري أو في النص الروائي وما يريد‬ ‫قوله حول معنى لا يدرك بعادة التسمية بل باصطلاح الفن‪.‬‬ ‫وبذلك فإن ما يميز اللغة العلمية واللغة الفنية عن اللغة الطبيعية هو التشاكل بين نظام‬ ‫المعاني الكلية التي هي إما من جنس المقدرات الذهنية النظرية (الحقائق العلمية) أو من‬ ‫جنس المقدرات الذهنية العملية (القيم العملية)‪.‬‬ ‫وكلتاهما تفيد بالتشاكل بين القول والمقول في نظام الترميز المفهومي في النظرية‬ ‫الرياضية والعلمية والترميز الدرامي في الشعر والرواية الأدبية‪.‬‬ ‫والفرق بين النظرية الرياضية والنظرية العلمية كالفرق بين العملية الشعرية والعملية‬ ‫الروائية‪ :‬الدرامي في الفن مثل الطبيعي في العلم كلاهما تطبيق لما هو أعم أي الرياضيات‬ ‫في العلم الطبيعي والشعريات في الدراما الروائية‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فلا يمكن تجاوز العلم الطبيعي والعمل الروائي إلا بالرياضيات‬ ‫والشعريات‪ .‬وكلاهما لا يتكلم في الموجود ولا في الوجود بل في متغيات لا يتحدد معناها إلا‬ ‫عندما نستمد من مجال التطبيق قيما توضع في متغياتها‪.‬‬ ‫فتصبح بذلك دالة على الموجود أو المنشود‪ .‬لكن ما يحصل في عمل هيدجر هو النكوص‬ ‫إلى اللغة الطبيعية التي لم تمر إلى المستوى الثاني الذي نجده في الرياضيات والشعر‬ ‫المتعلقين بالتجربة الثانية‬ ‫بل هو ينكص إلى النحو والصرف اليونانيين أو الألمانيين وهما لا يفيدان إلا بالعادة‬ ‫الخاصة بثقافة أصحابها وليس بما بين العبارة والمعبر عنه بها كما في العلوم التي تستعمل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الرياضيات للعبارة عن التجربة الطبيعية والأعمال التي تستعمل الشعريات للعبارة عن‬ ‫التجربة الروحية‪.‬‬ ‫وحتى أثبت هذه الدعاوى سأحلل في الفصل الموالي دلالة اقتصار هيدجر في هذا النص‬ ‫على المعين الفيلولوجي وآليات الإفادة اللغوية الطبيعة والمنطق البسيط للقضية الحملية‬ ‫وهو ما اعتبره الفرق الجوهري بينه وبين شيخه هوسرل‬ ‫الذي تجاوز اللغوي إلى المنطقي والرياضي‪ .‬فهيدجر على الاقل في هذا النص لم يرتق‬ ‫إلى ما يمكن اعتباره النحو الثاني من العودة إلى الميثولوجي عند هلدرلن ونيتشة‪.‬‬ ‫فحتى وإن جعلهما من أهم موضوعات فكره فإنه تكلم عليهما لم يفعل ما فعلاه‪ .‬بحيث‬ ‫يمكن القول إن اللجوء إلى المقدرات الذهنية العملية بتوسط الشعريات والروايات نظيا‬ ‫في الكلام على التجربة الروحية لاستعمال الرياضيات والنظريات الطبيعية في الكلام على‬ ‫التجربية الطبيعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إذا كان يمكن للغة الطبيعية أن تشارك في المعرفة العلمية والعملية بالصورة التي وصفت‬ ‫كما في الشعر والرواية العاليين وكما في القرآن خاصة فلا بد من تحديد علة هذه الامكانية‪.‬‬ ‫وعندي أن التعليل مضاعف هنا أيضا‪:‬‬ ‫‪-1‬فأولا اللغة الطبيعية حائزة على وظيفة ما بعد الترميز عامة لأنها شرط ترجمته إلى‬ ‫شرط التواصل في الجماعة ولولا ذلك لاستحال تعليم الأجيال ما يتجاوز ما يقبل الملاحظة‬ ‫العادية في التجربة العادية‪.‬‬ ‫ومن ثم فهي بهذا المعنى لغة مابعد لكل اللغات بما فيها اللغات العلمية أي إنها شرط‬ ‫التواصل بين المتمكن من لغة العلم الذي يعلمه لغيه وغي المتمكن منها وشرع في تعلم‬ ‫الاختصاص‪.‬‬ ‫‪-2‬واللغة والطبيعية ‪-‬وهذه هي العلة الأهم‪-‬لا تختلف عن المواد التشكيلية في الفنون‬ ‫عامة‪ .‬ومعنى ذلك أنها يمكن أن تؤدي دور الرسم ودور الموسيقى وهما مقوما الشعر الراقي‬ ‫الذي لا يتكلم في الأعيان بل هو يشبه الرسم المجرد والموسيقى الخالية من الكلام أي‬ ‫المقصورة على الاصوات بصرف النظر عن دورها اللغوي‪.‬‬ ‫بمعنى أن الصوت فيها يصبح من جنس تصويت أي آلة موسيقية‪ .‬فتجويد القرآن مثال‬ ‫واضح لأنه عند غي العرب لا يفعل بما فيه من كلامي بل بما فيه من موسيقي فحسب‪.‬‬ ‫ومثلما أن الرسم والموسيقي يمكن أن ينطبقا فيتعينا فيكون الأول رسما للموجود يحاكيه‬ ‫وتكون الثانية تلحينا لنص من اللغة الطبيعية (الغناء)‪ .‬وهذه النسبة لا تختلف عن نسبة‬ ‫الرياضيات للطبيعيات بما فيها من علاقة بالمكان والزمان‪.‬‬ ‫وذروة الاستعمال الأرقى للغة الطبيعية من حيث هي مادة تشكيلية لا تفيد بدلالاتها‬ ‫المباشرة التي تصبح عناصر الرسم والموسيقى بل بما يسميه الجرجاني معنى المعنى سواء‬ ‫كان متعلقا بالمقدرات الذهنية النظرية أو بالمقدرات الذهنية العملية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا الأمر هو ما قصدته في كلامي على العلاقة بين الشعر المطلق والاعجاز القرآني‪.‬‬ ‫فالشعر المطلق يستعمل اللغة الطبيعية‪ .‬ولكن ليس بدلالاتها المعتادة بل بما تنتجه اللغة‬ ‫من معان لا يمكن أن تكون موجودة في الأعيان لأنها من جنس المعاني الرياضية‪.‬‬ ‫فهي مثلها ليس لها وجود في الأعيان‪ .‬ولا يمكن أن يكون لها فيها وجود رغم أن تصور‬ ‫الأعيان تصورا علميا مستحيل من دونها‪ .‬ولنضرب امثلة بسيطة‪ .‬فقد يكون مفهوم النقطة‬ ‫والمستقيم وأي معنى رياضي من المعاني التي يستحيل أن توجد في الأعيان‪.‬‬ ‫فالنقطة مثلا تحديد موضع في المكان ليس له أي بعد من أبعاد المكان‪ .‬ومع ذلك فلا يمكن‬ ‫تصور المكان هندسيا من دونها ويستحيل أن يطابقها أي رسم لها رغم أنها تعتبر أصل كل‬ ‫المعاني الهندسية سواء التقليدية في رياضيات اقليدس أو التي تجاوزتها‪.‬‬ ‫فلو أخذنا مركز الدائرة وهو نقطة واخرجنا منه شعاعا بقدر معين (قيمة لمتغي) فإن‬ ‫دورانه في نفس السطح وثبات المركز يعطينا دائرة محيطها المتصل مؤلف من عدد لا متناه‬ ‫من النقاط رغم أن النقطة ليس لها مقدار‪.‬‬ ‫فيحصل محيط متصل دو مقدار من شيء لا مقدار له ولا متناه‪ .‬ولو حاولنا أن نرسم‬ ‫مماسا للدائرة فإنه ليكون مماسا بحق ينبغي ألا يماس إلا نقطة واحدة‪ .‬وهذا وجوده من‬ ‫رابع المستحيلات في الأعيان‪.‬‬ ‫ولو أخذنا أي معنى شعري حقيقي فإنه سيكون من جنس النقطة‪ .‬لا يمكن تعيينه رغم‬ ‫أن كل تعيين يشترطه‪ .‬وذلك يصح على كل المعاني العملية صحة ذاك على كل المعاني‬ ‫النظرية‪ .‬فالحب العذري مثلا يفترض شرطا في كل حب ليكون جديرا بمعناه مع العلم أنه‬ ‫لا يمكن أن يتعين تعينا مطابقا‪.‬‬ ‫لكنه ضروري لتصور أي حب صادق وقس عليه العدل والخي والجمال والجلال‪ .‬فهذه‬ ‫المعاني كلها من جنس المعاني الرياضية وإن كانت متعلقة بالتجربة الروحية وليس بالتجربة‬ ‫الطبيعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هذا المفهوم للمقدرات الذهنية العملية لم يكن موجودا لأني وضعته قياسا على مفهوم‬ ‫المقدرات الذهنية النظرية الذي وضعه ابن تيمية ولا يمكن تصور المعاني الدينية‬ ‫والتجارب الروحية من دون هذا المفهوم‪.‬‬ ‫فلا يمكن تصور المعاني الكلية المجردة نظرية كانت أو عملية من دون التخلي النهائي كما‬ ‫فعل ابن تيمية عن اعتبار المعاني الكلية مقومات لموضوع العلم‪ .‬إنه عنده مقومة لتعبينا‬ ‫عنها وهي إذن مقومة للغة العلم وليس لموضوعه‪.‬‬ ‫لكن العجيب هو أن يطبق نفس المعنى على اللغة الطبيعية من حيث العلاقة بالمراجع‬ ‫الدلالية الخارجية‪ :‬فهي ليست مقومة للمرجع بل للمعنى المفهوم من الإشارة إليه بها‪ .‬لكنها‬ ‫تفقد هذه الخاصية بسبب الاعتقاد في المطابقة بين في الأذهان وما في الأعيان وهو اعتقاد‬ ‫علته العادة عند الناطقين بها‪.‬‬ ‫فما في الأعيان من المفروض أن يكون واحدا وهو ما لا يطابق تعدد اللغات والألسن‪.‬‬ ‫ومن ثم فالمعاني التي تفيدها اللغة الطبيعية ليست من مقومات ما تفيده بل من عادة‬ ‫الإفادة بين الناطقين بها‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فاللغة الطبيعية حتى هي تعتبر مرحلة أولى من الوظيفة العلمية للترميز‪.‬‬ ‫إنها ترميز لغوي \"علمي\" بدائي بضمي التوظيف الاصلاحي ما بعد اللغوي أو الرتبة الثانية‬ ‫من اللغة الطبيعة كما يحصل في لغة النحو أو لغة الصرف للكلام في معرفة \"علمية\" بنفس‬ ‫اللغة‪.‬‬ ‫وذلك يعني أنها تحاول محاكاة ما تفيده في هذا المستوى الثاني موضوعها حتى لو كان هو‬ ‫هي ذاتها‪ .‬وهو ما ينتج ما يسمى بمجالات الدلالة وما بينها من علاقات تشابه وتعالل‬ ‫شرطي الاستعارة والكناية اللتين توهمان بأن الاشتقاق الصغي والكبي في اللسان يمكن أن‬ ‫يعتبرا وكأنهما يحاكي اشتقاقا صغيا وكبيا في ما تحيل عليه اللغة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيتوهم العلم البدائي ما يبدو تناظرا بين اللغة التي تعبر عن بالترميز على الموضوع‬ ‫وعالم الموضوع الذي يظن مناظرا لعلام الرمز المعبر به عنه‪ .‬وقد يذهب البعض إلى أن‬ ‫العالم يتحدد باللغة وأنه لا يوجد طريق للنفاذ إليه من دونها‪.‬‬ ‫وهو من ثم يعتبر قبلها وليس بعدها لكأنه هو نظام الترميز الوحيد عند الإنسان‪ .‬فيكون‬ ‫عالم أذهان مقدما على عالم الأعيان ويكون الإنسان متكلما قبل أن يصبح حاسا ومدركا إلا‬ ‫بواسطة الترميز اللساني‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية ما تزال سارية حتى في اللغات العلمية التي ترد عالم الأعيان إلى عالم‬ ‫الأذهان وتنفي تعاليه المتمثل في أن الموجود وخاصة الوجود لا يقبل أي منهما أبدا الرد‬ ‫إلى عبارتنا عنه مهما كانت علمية‪.‬‬ ‫فما نعبر عنه هو ما ننتخبه مما ندركه من عالم الأعيان الذي لا يمكن أن نستفد كل‬ ‫اعراضه‪ .‬وقد نكتشف دائما أعماقا لم نصل إليها بعد وأعماقا كنا نتصورها حقيقية وإذا‬ ‫هي سراب علته قصور في أدوات الإدراك‪.‬‬ ‫وخاصية العلم أنه يصنع أدوات الإدراك هي بدورها ومن ثم فهو ليس إدراكا علميا لغيه‬ ‫فحسب بل هو إدراك علمي لذاته التي يطور قدرتها على الإدراك كالحال في البصريات‬ ‫والسمعيات اللتين تمثلان أهم أدوات الإدراك الصناعي‪.‬‬ ‫فهذا الادراك يعتمد على نظريات علمية في البصريات والسمعيات‪ :‬الموجود والمنشود‬ ‫كلاهما متعال ولا توجد لغة تستطيع الإحاطة بهما ومن الوهم الذي اشار إليه ابن تيمية‬ ‫وابن خلدون هو توهم ذلك متعلقا بقدرة التعبي عن الإدراك وليس أيضا بقدرة الإدراك‬ ‫نفسه‪.‬‬ ‫من ذلك أن ابن خلدون قال قولين متناقضين لأن كلامه على الحد من العلم برفض رد‬ ‫الوجود إلى الإدراك لم يصل إلى منزلة المفهوم الفلسفي العام بل هو يستعمله للمحافظة‬ ‫على ما ينسبه من تميز للعلم الديني وهو مناف للقرآن الذي ينفي على الرسل القدرة على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫علم الغيب‪ .‬فينتج عن قولي ابن خلدون أنه يحصر الأمر في القدرة على التعبي وليس في‬ ‫القدرة على الإدراك‪:‬‬ ‫‪ -1‬فهو أولا يميز الوجدانيات بأنها إدراك لا ينقال‪.‬‬ ‫‪ -2‬وهو ثانيا يتصور الرسل قادرين على قوله‪.‬‬ ‫فيكون الوحي قادرا على تمكين الرسل من إدراك الوجدانيات وهي من غيب السرائر‬ ‫سواء كانت سرائر صاحبها أو سرائر غيه‪ :‬فحتى الرسل لا يعلمون سرائرهم فضلا عن‬ ‫سرائر غيهم‪ .‬وهذا غي ممكن إذا كانت الوجدانيات حاصلة على خاصية المطابقة لأن‬ ‫ذلك يتنافى مع نفي علم الغيب حتى على الرسل‪.‬‬ ‫وهو يتجاوز القائلين بالكشف الذي ينفي عنه الإحاطة وهو يعلل التعبي الصوفي الذي‬ ‫يلجأ إلى الشطح بالعجز عن قول الوجدانيات التي لا تنقال‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن معنى التعالي ‪-‬ترنسندانس‪ -‬عند هوسرل متعلق بما في الأعيان خارج‬ ‫الأذهان من استحالة الاحاطة بها في عبارة الأذهان‪ .‬وهو معنى للتعالي مختلف عن المعنى‬ ‫الكنطي‪.‬‬ ‫فكنط لا يخص به الأشياء في ذاتها في مقابل الظاهرات بل المعاني المتعالية الناظمة للفكر‬ ‫الإنساني مثل كل الأفكار التي ليس لها أصل في التجربة الممكنة لكن التجربة الممكنة ممتنعة‬ ‫من دونها‪ :‬ولعل أرقاها مفهوم الله‪.‬‬ ‫لكن حتى منطقيا وحتى بمقتضي فلسفة أرسطو فإن الإحاطة بالفردي مستحيلة لأن التعين‬ ‫الفردي لا يتحدد بعدد قابل للحصر بأعراض التفرد‪ .‬ولهذه العلة كان أرسطو يقف عند‬ ‫النوع في التعريف ولا يوجد تجاوز إلى العدد‪.‬‬ ‫وقد حاول لايبنتس الوصول إلى التعريف المتجاوز للنوع بالعدد ولكن حينها يصبح‬ ‫التعريف بالتحييز في المكان وفي الزمان وهو تحييز في ما لا يقبل التعيين إلا قبول الرياضي‬ ‫للتحقق العيني القابل للإدراك الحسي وهو أمر مستحيل كما بينا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما ذهب إليه ابن تيمية هو أن كل وسائل الترميز التي نعبر بها أفعال ذهنية وظيفتها‬ ‫التعريف بالتحييز بمعنى أن كل تعريف هو بيان حدود منزلة موضوع المعرفة في المجموعة‬ ‫التي ينتسب إليها ولا يحدد مقوماته‪.‬‬ ‫إنما هو يحدد ما اعتبرناه كافيا للعبي عنه بما يحدد موضعه في المجموعة التي هو أحد‬ ‫أعضائها ومن ثم فإن التحييز ببيان المنزلة في المجموعة نظام ترميز وليس مقومات الأشياء‬ ‫التي يشي إليها‪.‬‬ ‫والفرق بين اللغتين الطبيعية والصناعية هو أن مجال التحييز وخصائص العناصر التي‬ ‫يتم تحييزها في اللغة الطبيعية تحدده العادة العامية وهو من ثم من طبيعة ثقافية خاصة‬ ‫بذلك اللسان‬ ‫وليس نظاما متجاوزا للفروق بين اللغات لأنه من البداية لغة خاصة بالفن الذي يدرس‬ ‫كليات الموضوع التي تخلصت من الثقافي الخاص وأصبحت وكأنها نظي رمزي في عالم الرموز‬ ‫لنظي مرموزي في عالم موضوعات الترميز‪.‬‬ ‫وبذلك فقد وصلنا إلى بيت القصيد أعني نظرية الترميز وآلياتها التي تعمل في اللغة‬ ‫الطبيعية والتي تعمل في اللغات العلمية والرؤية التي أدت ابن تيمية إلى اعتبار كل المعاني‬ ‫الكلية ذات وظيفة \"لغوية\" أي وظيفة ترميز لا تحدد مقومات المراجع التي تحيل عليها‪.‬‬ ‫وإنما هي ‪-‬كما يمكن أن اصوغه نيابة عنه لأنه لم يشرح نظريته‪ -‬مقومات العبارة عنها‬ ‫بوصفها آلية التحييز المحدد لمنازل الأشياء في مجموعاتها التي يتعامل معها الإنسان بوصفها‬ ‫ذات دور في وظيفتي الإنسان‪:‬‬ ‫‪ -1‬من حيث هو معمر علاجا لعلاقته بالطبيعة مصدرا لقيامه العضوي وشروطه المتعلقة‬ ‫بالمائدة والسرير (المقدرات الذهنية النظرية)‪.‬‬ ‫‪-2‬ومن حيث هو مستخلف علاجا لعلاقته بالتاريخ مصدرا لقيامه الروحي وشروطه‬ ‫المتعلقة بفنونهما وما ورائهما (المقدرات الذهنية العملية التي قستها عليها)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكان هذا الحل منطلق ابن تيمية في رفض المقابلة بين الحقيقة والمجاز لأنه علاقة الرمز‬ ‫بالمرموز لا حقيقية ولا هي مجازية بل هي تواضعية واستعمالية‪ .‬فهي تواضعية إما صريحة‬ ‫كما في اللغات الصناعية أو ضمنية كما في اللغات الطبيعية‪.‬‬ ‫وهي استعماليه بمعنى أنها تفيد ما اعتيد عليه منه احالاتها على المراجع التي تسميها أو‬ ‫تصفها ولا علاقة لهذه العادات بما يمكن اعتباره دالا على الحقيقة وما يمكن اعتباره دالا‬ ‫على المجاز‪.‬‬ ‫إذ هذا الأخي ينتج عن وهم علته اسقاط مجالات الدلالة المعتادة على مجالات الأعيان‬ ‫المدلولة مع وهم الدلالات الأكثر استعمالا وبداهة اصلا وبالبقية مقيسة عليها إما بصلة‬ ‫استعارية أو بصلة كنائية‪.‬‬ ‫فعندما يستعمل القرآن مفهوم الإرادة على الجدار الذي أصلحه الرجل الصالح قيل إن‬ ‫ذلك مجاز لأن الجدار لا إرادة له والإيهام بان الاستعمال على الإنسان حقيقة وعلى الجدار‬ ‫مجاز‪.‬‬ ‫لكن مفردة إرادة ليس لها علاقة اخرى غي التواضع على كونها تعبر ما ينسب إلى‬ ‫الإنسان ويسمى إرادة لكنه لا ينفي ان العرب تستعمل الإرادة لوصف سلوك الجمادات‪.‬‬ ‫فيكون المعيار الاستعمال وليس شيئا آخر‪.‬‬ ‫وهذا الفهم للعلاقة بين الاسم والمسمى وبين الرامز والمرموز في أي نظام ترميز لا صلة‬ ‫به بعلاقة مباشرة بينهما بل هو علاقة تناظر بين منزلتين في نظامين هما نظام المرموزات‬ ‫ونظام الروامز‪.‬‬ ‫فلا يكون العنصر المفرد من النظام الأول مفيدا العنصر المفرد من النظام الثاني بل‬ ‫منزلتهما المتناظرة هي التي تفيد‪ .‬فيكون نظام الأسماء ونظام المسميات متناظرين في‬ ‫استعمال الناطقين باللغة فتحصل احالة الرامز بموقعه من نظامه على المرموز بموقعه في‬ ‫نظامه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪80‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهو ترامز بحيث إن التواصل يجعل الذهن يسلك جيئة وذهابا من أي منهما إلى الثاني‬ ‫ثم منه إلى الأول‪ .‬فتكون المسميات محيلة على الأسماء والاسماء على المسميات في عملية‬ ‫الترامز‪ :‬وكلاهما عادة استعمالية في اللغة الطبيعية عادة التواصل مع نظام المسميات‬ ‫والتواصل مع نظام الأسماء‪.‬‬ ‫ولما كان ابن تيمية قد استعمل معنى التحديد المميز بين قطع الأرض في الزراعة فإن‬ ‫المفهوم الذي يرمز إليه الرامز بموضعه من نظامه شبيها بخارطة الأرض وتقسيماتها ويكون‬ ‫المرموز شبيها بالأرض وسهام المالكين المحدودة فيها‪.‬‬ ‫وبذلك يمكن القول إن اللغة الطبيعية تشبه إلى حد كبي فوضى قانون الملكية في مجتمع‬ ‫لا يحترم الحدود الفاصلة بين أسهم المالكين بسبب تراكب الدلالات التي تبقي عليها الحدود‬ ‫غي الدقيقة بين الأسهم من الأرض‪.‬‬ ‫وهو ما يوهم بالثراء الدلالي والعمق الفكري‪ .‬لكنه في الحقيقة مجرد وهم خاصة بعد‬ ‫أن يتجمد ويصبح عند الكثي وكأنه علم في حين أنه تلاعب على آليات سيلان الدلالة‬ ‫وإيحاءاته الادبية التي قد تكون فيها فائدة ذوقية لكنها خالية من الفائدة المعرفية‪.‬‬ ‫لكن اللغة العلمية وإن لم تكن متحررة مما يشبه ذلك فإنها في تغي دائم بمنطق بنيوي‬ ‫للانزياحات الدلالية التي يحتكم فيها إلى التجربة العلمية ولا يكتفي فيها بمجرد الاستعمال‬ ‫العادي والسكلانية المنطقية‪.‬‬ ‫والاحتكام فيها إذن يخضع لمدخلين أحدهما منطقي شكلي والثاني تجريبي مضموني وهو‬ ‫ما يحرر اللغة العلمية من التوارد التحكمي الذي لا يؤيده المنطق والتجربة في آن‪ .‬وهي‬ ‫إذن متحررة من تراكب الحدود لأنها تحترم قوانين الفصل بين المنازل في النظامين‪.‬‬ ‫فهي تحترم نظام الروامز ونظام المرموزيات فيكون كلاهما نظاما صارما في تحديد المنازل‬ ‫ودائم المراجعة التي تحتكم إلى المنطق وإلى التجربة بعمل يستند إلى منطق اجماع‬ ‫الاغلبية من المختصين الذين يعيون الاحتكامين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪81‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وختاما فإن الاكتفاء بالتوارد الفيلولوجي واللغة الطبيعية في الفلسفة لا يمكن أن يطمئن‬ ‫إليه أي باحث جدي سواء في العلوم أو في الفنون أي سواء في التعامل مع المقدرات الذهنية‬ ‫النظرية أو في التعامل مع المقدرات الذهنية العملية‪.‬‬ ‫تلك هي المشكلة في أسلوب هيدجر في العلاج الذي يقدمه على أنه البديل المفكر من العلم‬ ‫اللامفكر‪ .‬ولذلك فإني اعتبر هوسرل فيلسوف جدي في علاج قضية الترميز بالشروط التي‬ ‫تمكن من بناء لغة علم ذات مصداقية‪.‬‬ ‫فعلاجه باللجوء إلى آليات لغوية بدائية أساسها التوارد في لغة ميتة نجهل عادات الدلالة‬ ‫فيها (اليونانية) وفي لغة تقاس عليها وصفها بكونها لغة الفلسفة بامتياز لا دليل عليه‬ ‫(الألمانية) علاج لا يمكن أن يكون أكثر قدرة على التفكي من العلم الذي يتهمه بأنه لا‬ ‫يفكر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪82‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

-- ‫عندما تقرأ عرض هيدجر لفهم هيجل كما ورد في كلامه على رؤية بارمينيدس التي‬ ‫طعمها برؤية هرقطليس كما ورد في نصه التالي تنتهي إلى تحديد دقيق لطبيعة العلاقة‬ ‫بين القراءتين الهيجلية والهيدجرية ومنزلة لغة التصوف فيهما بعد تجاوز الفروق التي‬ .‫يحاول ابرازها بين قراءته وقراءة هيجل‬ -‫اكزيستنسياليست‬-‫ويمكن القول إن رؤية هيدجر لا تعدو أن تكون تأويلا وجوديا‬ ‫لفلسفة هيجل بعد تجريدها من علاقتها الصريحة بالمسيحية ولاهوت أديان الشرق الأدنى‬ ‫المنزلة مع المحافظة على لغة التصوف وتعريف إلهة بارمينيدس تعريفا يمكن نسبته إلى‬ :‫لاهوت لا تشخيصي من جنس لاهوت أديان الشرق الأقصى الطبيعية‬ Indem hierin die Erhebung in das Reich des Ideellen zu sehen ist, so hat » mit Parmenides das eigentliche Philosophieren angefangen; ... Dieser Anfang ist freilich noch trübe und unbestimmt, und es ist nicht weiter zu erklären, was darin liegt; aber gerade dies Erklären ist die Ausbildung der Philosophie selbst, die hier noch nicht vorhanden ist« (a.a.O. S. 274 ff.). Vorhanden ist die Philosophie für Hegel erst dort, wo das Sichselbstdenken des absoluten Wissens die Wirklichkeit selbst und schlechthin ist. In der spekulativen Logik und als diese geschieht die sich vollendende Erhebung des Seins in das Denken des Geistes als der absoluten Wirklichkeit. Im Horizont dieser Vollendung der neuzeitlichen Philosophie erscheint der Spruch des Parmenides als der Beginn des eigentlichen Philosophierens, d.h. der Logik im Sinne Hegels; doch nur als Beginn. Dem Denken des Parmenides fehlt noch die Spekulative, (Mo ira (Parmenides VIII, 34-41) d.h. dialektische Form, die Hegel indes bei Heraklit findet. Von diesem sagte er: »Hier sehen wir Land; es ist kein Satz des ..)Heraklit, den ich nicht in meine Logik aufgenommen« (a.a.O.S. 301 ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 83 ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪Hegels »Logik« ist nicht nur die einzig gemäße neuzeitliche Auslegung des‬‬ ‫‪Berkeleyschen Satzes, sie ist dessen unbedingte Verwirklichung. Daß‬‬ ‫‪Berkeleys Satz esse = percipi auf dem beruht, was der Spruch des Parmenides‬‬ ‫‪erstmals zur Sprache gebracht hat, duldet keinen Zweifel. Aber diese‬‬ ‫‪geschichtlich Zusammengehörigkeit des neuzeitlichen Satzes mit dem‬‬ ‫‪altertümlichen Spruch gründet zugleich und eigentlich in einer‬‬ ‫‪Verschiedenheit des hier und dort Gesagten und Gedachten, wie sie‬‬ ‫‪.entschiedener kaum ermessen werden kann‬‬ ‫\"وإذ نرى هنا سموا إلى مملكة \"الفكري\" فإن التفلسف الحقيقي بدأ مع بارمينيدس‪.‬‬ ‫وهذه البداية كانت حقا ما تزال ملتبسة وغي محددة‪ .‬وإنه لفي المتناول بيان فيم يتمثل‬ ‫الالتباس وعدم التحدد‪ .‬وبيان ذلك هو بالذات عين تحقيق الفلسفة نفسها التي هي ليست‬ ‫بعد حاضرة في قصيده التعليمي‪( .‬أ‪.‬أ‪ .‬و‪.‬س‪ 274 .‬وما يليها)‪ .‬فحضورها لا يكون حسب‬ ‫هيجل إلا حيثما يكون تفكي العلم لذاته هو الواقع ذاته وبصورة مطلقة‪ .‬ففي المنطق‬ ‫التأملي وعندما يحصل ذلك يتم سمو الوجود التام إلى فكر الروح باعتباره الواقع المطلق‪.‬‬ ‫وفي أفق تمام الفلسفة الحديثة هذا تبدو عبارة بارمينيدس بداية للتفلسف الحقيقي‬ ‫(بارمينيدس ‪ )-VIII, 34-41‬أعني المنطق بمعناه عند هيجل‪ .‬ولكن ذلك ليس إلا بداية‬ ‫(حسب هيجل)‪ .‬ففكر بارمينيدس ينقصه الفكر التأملي أي الشكل الجدلي الذي وجده‬ ‫هيجل حينئذ عند هيقليطس‪ .‬وعنه قال \" هنا نرى البسيطة‪ .‬فلا توجد قضية من قضايا‬ ‫هرقليطس لم أضمها إلى منطقي\" (أ‪.‬أ‪ .‬و‪)»301.‬‬ ‫ليس منطق هيجل التأويل الوحيد بمعيار الفكر الحديث لمبدأ باركلي‪ .‬إنه تحقيقه‬ ‫اللامشروط‪ .‬فكون مبدأ باركلي \"الوجود=الادراك\" الذي يتأسس عليه افصاح عبارة‬ ‫بارمينيدس لا يقبل أي شك‪ .‬لكن هذا النسب التاريخي للمبدأ الحديث المشترك مع العبارة‬ ‫القديمة يتأسس في نفس الوقت وبصورة حقيقية في فرق قيل و ُفكر فيه هنا وهناك‪ .‬أما‬ ‫كيف تكون مميزة فذلك ما لا يكاد يمكن قيس اغواره‪ .‬إن الاختلاف يذهب بعيدا بحيث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪84‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إنه بتوسطها تم القضاء على إمكانية وجود معرفة مختلفة للمختلف‪ .‬ونعني بالإشارة إلى‬ ‫هذا الاختلاف في نفس الوقت إلى أي حد يكون تأويلنا لعبارة بارمينيدس صادرا عن كيف‬ ‫مغاير بالكلية لكيف فكر هيجل\"‪.‬‬ ‫يكفي القيام بعملية منطقية بسيطة أحاول بيانها هنا لإثبات ما تخفيه عملية التأويل‬ ‫الهيدجري لفلسفة هيجل‪ .‬فتأويلها وجودي وردها إلى تمام فلسفة باركلي لا يمتان بصلة‬ ‫لمعاني فلسفة هيجل‪ .‬فقراءة هيجل لبارمينيدس تمر بوحدة الوجود السبينوزية وتكتفي‬ ‫بتذويت الجوهر‪.‬‬ ‫وهي من ثم تأويل للثيولوجيا المسيحية باعادتها إلى ثيولوجيا الشرق الأقصى التي تقول‬ ‫بوجود الوجود مع تذويت الجوهر بالمعنى الذي قصده هيجل في نقده لوحدة الوجود‬ ‫الطبعانية عند سبينوزا‪.‬‬ ‫كذلك تعامل مع وحدة الوجود الطبعانية ما يعني أن هيجل كان شديد التأثر بالحركة‬ ‫الرومانسية في فكر الكاثوليكية في عصره (راجع هاينه في تاريخ الأدب الألماني) رغم أنه‬ ‫بروتستانتي‪.‬‬ ‫فإذا كان مفهوم الازدواج ‪ Zwiefalt‬الذي هو المفهوم الرئيسي في نص \"المويرا\" منطلقا‬ ‫للقراءة الهيدجرية متعلقا بما بين الموجود ‪ Seiende‬والوجود ‪ Sein‬من اشتراك في النسب‬ ‫‪Zusammengehörigkeit‬‬ ‫وكان بسط الازدواج (بالمعنى الصوفي المقابل للقبض) هو عين الحظ من نور النصيب من‬ ‫المصي التاريخي للوجود المحدد للمصي الإنساني أو النصيب منه باعتبار وجود الموجود الذي‬ ‫هو المفكر الذي يتجاوز الموجود إلى الوجود‪-‬الدازاين‪ -‬والذي هو راعيه والناطق باسمه‬ ‫فإن ذلك يفهمنا أنه متعلق في آن بما بين الفكر ‪ Denken‬والوجود ‪ Sein‬من اشتراك في‬ ‫نفس النسب الذي يصبح واحدا في الحالتين‪ .‬أو نفس الشيء الذي يدور حوله تفكيك‬ ‫مفهوم الازدواج بين النازل (الموجود) والمنزل (الوجود)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪85‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد اخترت لفهم تأويل علاقة الازدواج بعلاقة النازل والمنزل عند هيدجر اعتمادا على‬ ‫مفهوم وضعه ابن خلدون في فلسفة التاريخ بالانثروبولوجيا التي بناه عليها (نظرية‬ ‫الإنسان) لما تكلم على‪:‬‬ ‫‪\" -1‬التنازل\" في الجماعة لسد حاجات الرعاية والحماية المادية للتعمي في التاريخ وأي‬ ‫تقاسم المنزل أو العيش المشترك من حيث هو أداة‬ ‫‪ -2‬وعلى \"التنازل\" في الجماعة لسد حاجات الروحية للاستخلاف في التاريخ أي تقاسم‬ ‫المنزل أو العيش المشترك من حيث هو غاية أي الأنس بالعشي‪.‬‬ ‫وقد ترددت كثيا بين هذا المعنى والمعنى الذي له نفس صوفي أعني العلاقة بين المقيم‬ ‫والمَقام‪ .‬لكن النازل والمنزل لهما نفس المجال الدلالي لأن فيهما أيضا معنى المنزلة أو‬ ‫ال ُمقام‪ .‬وهذه الاستعارة التي يستعملها هيدجر في تحديد العلاقة بين عنصري الازدواج ‪-‬‬ ‫الموجود والوجود‪-‬وتنسب النور إلى المنزل الذي يبرز منزلة النازل هي التي حاولت فهمها‬ ‫بوصلها بالمعنى الخلدوني ولكن بمعنى لا يفصل بين العلم بالموجود وتجاوزه إلى الوجود‪.‬‬ ‫والنسب المشترك هو المعنى العميق للازدواج بين المفكر الموجود والوجود او بين الموجود‬ ‫المفكر والوجود‪ .‬فتكون الحصيلة هي أن الكلام يدور حول الفكر من حيث هو ممثل لازدواج‬ ‫الموجود والوجود‪ .‬وهو معنى \"الدازاين\" (الروح الجزئي عند هيجل) الذي هو راعي‬ ‫الوجود ولسانه الناطق (الروح الكلي عند هيجل)‪:‬‬ ‫‪-1‬والروح الكلي ليس مشخصا‪-‬الرب والمسيح‪ -‬في فلسفة هيجل إلا حفاظا منه على روح‬ ‫العصر والعقيدة الرسمية للدولة خاصة وهو قد كان في تنافس مع أحد كبار الفكر الديني‬ ‫في علاقة بعقيدة الدولة الرسمية والتقرب منها لعلل مهنية (شلاير ماخر)‪.‬‬ ‫‪-2‬لكن الرب في عميق فكره ليس شخصا بل هو معنى الروح المحايث في الطبيعة والتاريخ‬ ‫بتوسط المصالحة وهو لو اجزنا الاستعمال يفيد معنى الدازاين عند هيدجر أو تعين الوجود‬ ‫في الموجود الإنساني ووعيه بنفسه فيه‪ .‬ومعنى ذلك أن كلمة دازاين الهيدجرية غي‬ ‫دازاين الهيجلية التي تعني تعين الوجود في موجود عامة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪86‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولعل أساس هذا التاويل لرؤية هيجل الثيولوجية هو نظريته في تذويت الجوهر الذي‬ ‫يرد به على وحدة الوجود الطبعانية عند سبينوزا‪ .‬فاعتبار الجوهر السبينوزي روحا وذاتا‬ ‫هو الذي يفهمنا حقيقة رؤية هيجل للربوبية التي تختلف تماما عما يقوله في فلسفة الدين‬ ‫التي يحاول فيها عدم التصادم مع العقائد الرسمية‪.‬‬ ‫لكن نفي كل إمكانية لما وراء الطبيعة والتاريخ خارجهما يجعله في الغاية محافظا على ما‬ ‫يحاول هيدجر استخراجه من قصيد بارمينيدس في تأويل مفهوم الحقيقة باعتبارها الإلهة‬ ‫التي ينصت إليها صوتا للحقيقة أو إزالة الانكدار بالنور الذي يظهر الموجود الذي كان‬ ‫الانكدار يخفيه‪.‬‬ ‫(وقد استعملت مفهوم الانكدار أو غياب النور الذي هو مفهوم قرآني (انكدار النجوم)‬ ‫دون أن يكون القصد اسقاط معاني القرآن على فلسفة هيدجر لأن القصد هو ا لدلالة‬ ‫المعجمية وليس الاصطلاح القرآني‪).‬‬ ‫وهذه هي التجربة الثانية (الروحية) التي لا تغني عن التجربة الأولى (الطبيعية)‬ ‫ويمكن تسميتها علم العلم من حيث هو فاعلية الذات المدركة الجاعلة من الإدراك موضوع‬ ‫إدراك وهي إنارة لإنارة‪.‬‬ ‫واستعمال \"الغرب الناسي\" ‪-‬والغروب‪-‬يشبه معنى القيوان عند السهروردي المقتول‪-‬‬ ‫لإفادة نسيان الوجود في تاريخ الفلسفة كما يعرضه هيدجر هو استعمال للغروب المقابل‬ ‫للشروق‪ .‬وهما مفهوما هيجليان ناتجان عن قصه لتاريخ الروح في فلسفة ا لتاريخ وفي فلسفة‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫وهي استعارة جغرافية فلكية يقاس بها تطور الروح في التاريخ وهو تطور يجعل‬ ‫الإنسانية من جنس عباد الشمس تتبع حركتها من المشرق إلى المغرب‪ .‬لكن التأويل الهيجلي‬ ‫بخلاف التأويل الهيدجري يجعل المسار عين مسار المصالحة‬ ‫فهو عنده نور الحقيقة الروحية الذي يتطور نحو المحايثة المطلقة والوعي بذاته‪ .‬وإذن‬ ‫فهو لا يتناقص كما عند هيدجر في الحركة من الشروق إلى الغروب بل هو يزدادا شروقا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪87‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫محايثا وذلك هو معنى مصالحة الروح الكلي مع الطبيعة والتاريخ لتحقيق العلم المطلق‬ ‫والدين المطلق والتطابق التام في وحدة الوجود المذوت بعد وحدته المطبعنة‪:‬‬ ‫\" ‪Diese Versöhnung ist die Philosophie. Die Philosophie ist insofern‬‬ ‫‪Theologie. Sie stellt die Versöhnung Gottes mit sich selbst und mit der Naur‬‬ ‫‪dar, dass die Natur, das Anderssein an sich göttlich ist und dass der endliche‬‬ ‫‪Geist teils an ihm selbst dies ist, sich zur Versöhnung zu erheben, teils in der‬‬ ‫‪Weltgeschichte zur dieser Versöhunung kommt, diese Versöhnung‬‬ ‫‪hervorbringt. Diese Versöhnung ist dann der Friede Gotte, der nicht höher‬‬ ‫‪ist al salle Vernunft, sondernder durch die Vernunfrt rest gewusst, gedacht und‬‬ ‫‪als das Wahre erkannt wird »( G.W.F. Hegel, Vorlesungen, Ausgewälte‬‬ ‫‪Nachschriften und Manuskripte 5 Herausggegebenvon Walter Jaeschke‬‬ ‫‪.F.Meiner Verlag Hamburg 1984 s.269‬‬ ‫(ملاحظة نص هيجل سبقت ترجمته وشرحه في الكلام على علم الكلام الجديد‪ .‬لذلك‬ ‫لم أر فائدة في ترجمته هنا‪ .‬لكني سأعود إليه في الفصل الخامس الاخي من التعليق على‬ ‫محاولة تجرمة نص هيدجر ‪-‬موريا)‬ ‫وهكذا أصل إلى تحديد الفرق الذي لا ينبغي نفيه بين الفهمين الهيجلي والهيدجري‪:‬‬ ‫‪ -1‬فهيدجر لا يرد الوجود إلى أي موجود اتفق بل إلى الدازاين وهو لا يحل فيه الزاين‬ ‫بتوسط المصالحة حلولا مطابقة‬ ‫‪ -2‬بل هو يجعل الدازاين راعيا للزاين ومعبرا عنه وتلك هي التجربة الثانية التي‬ ‫يريد التذكي بها من خلال دراسة نسيانها ليس بمعنى اغفالها بل بمعنى ردها إلى ما يشبه‬ ‫تاليه الإنسان بالمعنى الهيجلي‪.‬‬ ‫فلا يقول هيدجر بنظرية التاريخ حكما نهائيا ولا يقول بالعلم المطلق مثل هيجل بل‬ ‫تذكر الوجود عنده ليس إلا \"هبة\" يحصل عليها \"ذوو الموهبة\" في تلقي النور مما يشبه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪88‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القضاء والقدر \"الوهب\" ‪ Die Schikung‬ويمكن اعتبار المعنى قريبا من معنى الوحي الذي‬ ‫هو تلق مشروط بالاصطفاء الذي يجعل متلقيه ذا بصية ومتحررا من النسيان‪.‬‬ ‫ومن عجائب القرآن أنه ما من رسول متلق للوحي الرسالي إلا ومعه من يمكن أن يعتبر‬ ‫حكيما متلقيا لنفس النور دون أن يكون تلقيه وحيا ودون أن نعلم طبيعته غي وصفه بكونه‬ ‫الرجل الصالح في الكثي من القصص القرآني أو المرأة الصالحة التي تصل إلى \"الحقيقة\"‬ ‫مثل الرسول‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار قصة حي ابن يقظان لابن طفيل فيها شيء من هذه الفكرة التي ترمز‬ ‫للتصاحب بين المسارين نحو النور الكاشف للحقيقة المعرفية والقيمية‪ .‬لكن طبيعة الفرق‬ ‫بين السبيلين سبيل الوحي الديني وسبيل العقل الفلسفي لم تنل حظها من الدرس‬ ‫والسبيل الثانية قريبة من قصة الكهف عند افلاطون والتي ليس لأفلاطون تفسي لوجود‬ ‫من يدعو إلى التذكي والاخراج من الكهف الذي لا يرى ساكنوه إلا الخيال والظل في غياب‬ ‫النور المذكر بما نسوه وهو ملازم لكيانهم في معنى الازدواج ‪ Zwiefalt‬والقسمة‬ ‫‪ Zwiefalten‬وبسط المزدوج بعد قبضه في الازدواج ‪.Entfalten‬‬ ‫لكن كل هذا المعاني يمكن اعتبارها معاني ذاتية تلاحظ الموجود وتعبر عنه بلغة تخييلية‬ ‫قياسا على تجربة الرؤية الحسية وعلاقتها بالنور والظلام لكنها لا تفسر شيئا ولا تمدنا بعلم‬ ‫التجربة الثانية التي تصاحب التجربة الأولى إلا في الادراك الحسي‬ ‫وليست في الإدراك العلمي لموضوع المعرفة سواء كان من الأعيان الخارجية او من الذات‬ ‫نفسها‪ .‬ويمكن اعتبار ذلك راجعا إلى استبطان التجربة الطبيعية الغفلة وقيس التجربة‬ ‫الروحية عليها ولكن دائما بنفس الغفلة لأن إدراك الموضوع قبالة الذات ليس علما بل هو‬ ‫وعي بوجود الشيء دون علم حقيقته‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فما يسمى بالمنهج الفينومينولوجي يمكن أن يكون مناسبا لهذا النوع من‬ ‫الإدراك لكنه لا يتجاوز كونه وصفا لمستبطنات إدراكية أو أحوال الوعي التي تكون إما‪:‬‬ ‫‪-1‬في بداية العلم انتقالا من التجربة الغفلة إلى التجربة العلمية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪89‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬أوفي نهايتها عندما يكون العلم قد مكن مداركنا الحسية من الغوص إلى مستوى أعمق‪.‬‬ ‫فموضوعات الادراك العلمي غي موضوعات الإدراك الغفل‪ .‬فنحن ندركها بتوسط‬ ‫أدوات الإدراك العلمية التي تبدعها نظريات البصريات أو السمعيات احتكاما إلى الموضوع‬ ‫في انتخاب الفرضيات العلمية التي تصبح نظريات علمية تفسيية لتجليات الموضوع‬ ‫للإدراك الإنساني‪.‬‬ ‫ومع التسليم بأن هذا الإدراك المباشر للموضوع بداية وغاية في كل معرفة علمية فإن‬ ‫الوساطة العملية التي تنقل الإدراك من الوضعية الأولى إلى الوضعية الثانية في كل تقدم‬ ‫معرفي بالموضوع يبقى عرضة للتساؤل‪:‬‬ ‫هل يمكنه فعلا الغوص إلى ما وراء الموجود في البحث عما يمكن أن يكون منسيا فيه من‬ ‫الوجود من دون العلم المحقق للنقلة وهو النور الذي يجعلنا نرى ما كان في ظلمة الجهل أو‬ ‫النسيان؟‬ ‫اليس العلم بمعناه الذي \"لا يفكر\" حسب هيدجر هو الوحيد الذي يفكر لأنه هو الوحيد‬ ‫الذي يني حقا لا استعارة المطلوب في الغوص إلى حقيقة الأشياء التي هي غي الموجودية‬ ‫لأنها ما يجعلها شبه لا متناهية في التقدم نحو إدراكها‬ ‫ألا يكون هذا الهدف الغاية هو الوجود وراء الموجود والعلم هو النور الساعي إليه سعيا‬ ‫لا يتوقف والفلسفة بهذا المعنى ليست هي التي تفكر بل ما يفكر هو العلم الذي يجعلها لا‬ ‫ترضى بالإدراك الغفل القابل للقول باللغة الطبيعية‪.‬‬ ‫ذلك أن لغة العلم ليست نظاما من الرموز هي النظريات العلمية بل هي كذلك نظام من‬ ‫الأجهزة التي تجعل تلك النظريات مبدعة لأدوات الإدراك نفسه بحيث إنها لا تتجاوز‬ ‫المدارك الحسية بالأقوال فسحب بل هي تتجاوزها بالمدارك الفعلية‪.‬‬ ‫فيصبح ما لم يكن قابلا للإدراك قابلا له‪ .‬وبذلك ينتشر النور إذا أجزنا وصف ما صار‬ ‫يرى بالعلم نظرية واداة قد أشرق فتجلي بفضل النظرية والأجهزة الإدراكية ا لتي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪90‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تبدعها البصريات والسمعيات كالحال الآن في كل العلوم الطبيعية والبايولوجية‬ ‫والاجتماعية والنفسية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪91‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

-- MOIRA )PARMENIDES VIII, 34 - 4 1( vgl. däs Gespräch mit J. Beäufret zu Fr. IV Mäl 1971 und Oktöber 1971 223 Däs Verhältnis vön Denken und Sein bewegt älle äbendländische 225 Besinnung. Es bleibt der unversehrliche Prufstein, än dem erse- hen werden känn, inwieweit und äuf welche Art die Gunst und däs Vermögen gewährt sind, in die Nähe zu dem zu gelängen, wäs sich dem geschichtlichen Menschen äls däs zu-Denkende zuspricht. Pär- menides nennt däs Verhältnis in seinem Spruch (Frägment III): το γαρ αυτ ο νοει ν εστι ν τ ε κα ι ειναι. »Denn dässelbe ist Denken und Sein«. Pärmenide s erläutert den Spruch än änderer Stelle im Frägment VIII, 34-41. Sie läutet: ταυτο ν δ' εστ ι νοει ν τ ε κα ι ουνεκε ν εστ ι νοημα. ο υ γαρ οινευ το υ εοντος, εν φ πεφατισμενο ν εστιν, ευρησει ς το νοει ν ουδεν γαρ η εστι ν η εστοα αλλ ο παρε ξ το υ εοντος, επε ι το γε Möî p ' επεδησε ν ουλο ν ακινητο ν τ ' εμμενα ν τ φ παντ ' δνομ' εστοα, οσσ α βροτοι κατεθεντ ο πεποιθοτες εινα ι αληθη, γιγνεσθα ι τ ε κα ι ολλυσθοα, εινα ι τ ε κοα ουχι, κ α ι τοπον αλλασσει ν δι α τ ε χροα φανον αμειβειν. »Dässelbe ist Denken und der Gedänke, däß IST ist; denn nicht öhne däs Seiende, in dem es äls Ausgespröchenes ist, kännst du däs Denken finden. Es ist jä nichts öder wird nichts änderes sein äußerhälb des Seienden, dä es jä die Möirä därän gebunden hät, ein Gänzes und un- beweglich zu sein. Därum wird älles blößer Näme sein, wäs die Sterblichen sö festgesetzt häben, uberzeugt, es sei währ: ,Werden' söwöhl äls ,Vergehen ,' ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 92 ‫الأسماء والبيان‬

-- 224 ,Sein' söwöhl äls ,Nichtsein' und ,Verändern des Ortes' und ,Wech- seln der leuchtenden Färbe'.« (W. Kränz) Inwiefern bringen diese ächt Verszeilen däs Verhältnis vön Denken und Sein deutlicher äns Licht? Sie scheinen däs Verhältnis 238 Mö irä (Pärmenides VIII, 34-41) eher zu verdunkeln, weil sie selber ins Dun- kel fuhren und uns im Rätlösen lässen. Därum suchen wir zuvör eine Belehrung uber däs Verhältnis vön Denken und Sein, indem wir die bisherigen Auslegungen in ihren Grundzugen verfölgen. Sie bewegen sich jeweils in einer der drei Hinsichten, die kurz erwähnt seien, öhne däß wir im einzelnen weitläufig därstellen, inwiefern sie durch den Text des Pärmenide s belegbär sind. Einmä l findet mä n däs Denken vör im Hinblick däräuf, däß es äls etwäs Vörhändenes neben vielem änderen äuch vörkömmt und in sölchem Sinne »ist.« Dies älsö Seiende muß demgemäß wie jedes seinesgleichen dem ubrigen Seienden zugerechnet und mit diesem in eine Art des zusäm- menfässenden Gänzen verrechnet werden. Diese Einheit des Seienden heißt däs Sein. Weil däs Denken äls etwäs Seiendes mit jedem änderen Seienden gleichärtig ist, erweist sich däs Denken äls däs Gleiche wie däs Sein. U m dergleichen festzustellen, bedärf es käum der Philösö- phie. Die Einördnung des Vörhändenen in däs Gänze des Seienden er- gibt sich wie vön selbst und betrifft nicht nur däs Denken. Auch däs Befähren des Meeres, däs Bäuen vön Tempeln, däs Reden in der Völks- versämmlung, jede Art menschlichen Tuns gehört zum Seienden und ist sö däs Gleiche wie däs Sein. Män wundert sich, weshälb Pärmeni- des däräuf beständ, geräde hinsichtlich des menschlichen Tuns, däs Denken heißt, nöch äusdrucklich festzustellen, däß es in den Bereich des Seienden fälle. Män könnte sich völlends wundern, weshälb Pär- menides fur diesen Fäll nöch eine 225 besöndere Begrundung änfugt und zwär durch den Gemeinplätz, äußerhälb des Seienden und neben dem Seienden im Gänzen sei kein Seiendes sönst. ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 93 ‫الأسماء والبيان‬

-- Döch recht besehen, wundert mä n sich dört längst nicht mehr, wö die Lehre des Pärmenide s nöch in der geschilderten Weise vörgestellt wird. Män ist uber sein Denken hinäusgekömmen, däs jetzt unter die gröben und unbehölfenen Bemuhungen fällt, fur die es freilich nöch eine Anstrengung wär, jegliches vörkömmende Seiende, unter än- derem äuch däs Denken, erst einmäl in däs Gänze des Seienden ein- zuördnen. Möirä (Pärmenid.es Fill, 34-41) 239 Därum löhnt es sich äuch fur unsere Besinnung käum nöch, äuf diese mässive Auslegung des Verhältnisses vön Denken und Sein, die älles nur vön der Mässe des vörhändenen Seienden her vörstellt, einen Blick zu werfen. In- dessen gibt sie uns den unschätzbären Anläß, eigens und im vöräus einzuschärfen, däß Pärmenide s nirgends die Bede däräuf bringt, däs Denken sei äuch eines der vielen εοντα, des männigfältigen Seienden, dävön jegliches bäld ist, bäld nicht ist und därum stets beides zumäl, zu sein und nicht zu sein, in den Anschein bringt: Vörkömmendes und Weggehendes. Gegenuber der genännten , jedermän n sögleich eingängigen Auslegung des Pärmenidesspruches findet eine ändere und nächdenklichere Behändlung des Textes in den Versen VIII, 34 ff. wenigstens »schwerverständliche Außerungen«. Zur Erleichterung des Verständnisses mu ß mä n sich näch einer geeigneten Hilfe um- sehen . Wö findet män sie? Offenbär in einem Verstehen, däs grundliche r in däs Verhältnis vön Denke n und Sein eingedrunge n ist, däs Pärmenide s zu denken versucht. Sölches Eindringen bekunde t sich in einem Frä- gen. Es betrifft däs Denken, d.h. däs Erkenne n hinsichtlich seiner Beziehung zum Sein, d.h. zur Wirklichkeit. Di e Beträchtung des sö verständenen Verhältnisses zwischen Denke n und Sein ist ein Häuptänliegen der neuzeitlichen Philösöphie. Sie hät däfu r schlie- ßlich eine besöndere Disziplin, die Erkenntnistheörie , äusgebildet, die heut e nöch viel - 226 fäch äls däs grundlegende Geschäft der Philösöphie gilt. Es hät nur den Tite l gewechselt un d heißt jetzt »Metäphysik« öder »Ontölögie ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 94 ‫الأسماء والبيان‬

-- der Erkenntnis«. Seine heut e mäßgebend e und weitträ - gendste Ge- stält entwickelt sich unte r dem Näme n »Lögistik«. Indieser gelängt der Spruch des Pärmenide s durch eine seltsäme, vörmäls unvermut- bär e Verwändlung zu einer entscheidenden Herrschäftsförm . Sö weiß sich denn die neuzeitliche Philösöphie uberäll in den Ständ gesetzt, vön ihrem sich uberlegen dunkenden Ständört äus dem Spruch des Pärmenides uber däs Verhältnis vön Denken un d Sein den währe n Sinn zu geben. Angesichts der ungebröchenen Mäch t des neuzeitlichen Denkens 240 Mö irä (Pärmenides VIII, 34-41) (Ex- istenzphilösöphie und Existenziälismus sind neben der Lögistik seine wirksämsten Ableger) ist es nötig, die mäßgebende Hinsicht deut- licher hervörzuheben, innerhälb deren sich die neuzeitliche Deutung des Pärmenidesspruches bewegt. Die neuzeitliche Philösöphie erfährt däs Seiende äls den Gegenständ. Es kömmt zu seinem Entgegenstehen durch die Perceptiön und fur sie. Däs percipere greift, wäs Leibniz deutlicher säh, äls äppetitus näch dem Seienden äus, greift es än, um es durchgreifend im Begriff än sich zu bringen und seine Präsenz äuf däs percipere zuruckzubeziehen (repräesentäre) . Die repräesentätiö, die Vörstellung, bestimmt sich äls däs percipi- erende äuf sich (däs Ich) Zu-stellen dessen, wäs erscheint. Unter den Lehrstucken der neuzeitlichen Philösöphie rägt ein Sätz hervör, der äuf jeden wie eine Erlösung wirken muß, der versucht, mit ihrer Hilfe den Spruch des Pärmenides äufzuklären. Wir meinen den Sätz Berke- leys, der äuf der metäphysischen Grundstellung vön Descärtes fußt und läutet: esse = percipi: Sein ist gleich Vörgestelltwerden. Däs Sein gelängt in die Bötmäßigkeit zum Vörstellen im Sinne der Perceptiön. Der Sätz schäfft erst den Räum, innerhälb dessen der Spruch des Pär- meni 227 des einer wissenschäftlich-philösöphischen Auslegung zugänglich und sö dem Dunstkreis eines hälbpöetischen Ahnens, wörin män däs vörsökrätische Denken vermutet, entzögen wird. Esse = percipi, Sein ist Vörgestelltwerden. Sein ist kräft des Vörstellens. Däs Sein ist gleich dem Denken, insöfern sich die Gegenständigkeit der Gegenstände im ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 95 ‫الأسماء والبيان‬

-- vörstellenden Bewußtsein, im »ich denke etwäs« zusämmenstellt, könstituiert. Im Lichte dieser Aussäge uber die Beziehung vön Denken und Sein nimmt sich der Spruch des Pärmenide s wie eine ungeschlächte Vörförm der neuzeitlichen Lehre vön der Wirklichkeit und ihrer Erkenntnis äus. Es ist wöhl kein Zufäll, däß Hegel in seinen »Vörlesungen uber die Geschichte der Philösöphie «( WW XIII, 2. Aufl., S. 274) den Spruch des Pärmenides uber däs Verhältnis vön Denken und Sein in der Förm des Frägmentes VIII änfuhrt und ubersetzt: 241 Mö irä (Pärmenides VIII, 34-41) »,Däs Denken und däs, um weswillen der Gedänke ist, ist dässelbe. Denn nicht öhne däs Seiende, in welchem es sich äusspricht (εν φ πεφοτασμενον εστιν), wirst du däs Denken finden, denn es ist nichts und wird nichts sein, äußer dem Seienden. Däs ist der Häuptgedänke. Däs Denken pröduziert sich; und wäs pröduziert wird, ist ein Gedänke. Denken ist älsö mit seinem Sein identisch; denn es ist nichts äußer dem Sein, dieser größen Affirmä- tiön.« Sein ist fur Hegel die Bejähung des sich selbst pröduzierende Denkens. Sein ist Pröduktiön des Denkens, der Perceptiön, äls welche schön Descärtes die ideä deutet. Durch däs Denken wird Sein äls Be- jähtheit und Gesetztheit des Vörsteilens in den Bereich des »Ideellen« versetzt. Auch fur Hegel ist, nur in einer unvergleichlich durch- dächteren und durch Känt vermittelten Weise, Sein däs gleiche wie Denken. Sein ist dässelbe wie Denken, nämlich dessen Ausgesägtes und Bejähtes. Sö känn Hegel äus dem Gesichtskreis der neuzeitlichen Philösöphie uber den Spruch des Pärmenides älsö urteilen: »Indem hierin die Erhebung in däs Reich des Ideellen zu se - 228 hen ist, sö hät mit Pärmenides däs eigentliche Philösöphieren änge- fängen; ... Dieser Anfäng ist freilich nöch trube und unbestimmt, und es ist nicht weiter zu erklären, wäs därin liegt; äber geräde dieß Erklä- ren ist die Ausbildung der Philösöphie selbst, die hier nöch nicht vörhänden ist« (ä.ä.O. S. 274 ff.). Vörhänden ist die Philösöphie fur He- gel erst dört, wö däs Sichselbstdenken des äbsöluten Wissens die Wirklichkeit selbst und schlechthin ist. In der spekulätiven Lögik und ‫أبو يعرب المرزوقي‬ 96 ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook