Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الذوق والعلم، الأكسيولوجي والابستيمولوجي في فلسفة النقد العربية - أبو يعرب المرزوقي

الذوق والعلم، الأكسيولوجي والابستيمولوجي في فلسفة النقد العربية - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-09-23 19:00:34

Description: الذوق والعلم، الأكسيولوجي والابستيمولوجي في فلسفة النقد العربية - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات‬ ‫‪1‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪9‬‬‫‪12‬‬‫‪16‬‬

‫من الغاز ابن تيمية \"فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات‬ ‫الذهنية كالعدد والمقدار لا في الأمور الخارجية الموجودة\"‪.‬‬ ‫هذه القضية محيرة بأمرين‪:‬‬‫‪ .1‬مقابلة بخصائص ابستمولوجية بين علم المقدرات الذهنية وعلم الأمور الخارجية‬ ‫الموجودة‬ ‫‪ .2‬ضرب مثالين من الأول دون حصر‬ ‫ينتج عن المقابلة الأولى مسألتان ابستمولوجيتان‪:‬‬‫‪ -‬لعلم المقدرات أسمى الخصائص الابستمولوجية لكنه ليس علما بالأمور الخارجية‬ ‫الموجودة‪.‬‬‫‪ -‬وللنوع الثاني من العلم القدرة على علم الأمور الخارجية الموجودة لكنه فاقد‬ ‫للخصائص الأبستمولوجية السامية التي لعلم المقدرات الذهنية‪.‬‬ ‫والسؤال الناتج عن هذين من المقابلة الأولى‪:‬‬ ‫ما الذي ينقص الأول فيجعله فاقدا لقدرة الثاني؟‬ ‫وما الذي ينقص الثاني فيجعله فاقدا لصفات الاول‪.‬‬ ‫وينتج عن المقابلة الثانية مسألتان وجوديتان‪:‬‬ ‫هل توجد مقدرات ذهنية مثالي ابن تيمية (العدد والمقدار) ؟‬ ‫وهل توجد أمور خارجية غير الموجودة؟‬‫فإذا جمعنا فروع القضية التي تتضمنها هذه الجملة المحيرة وطلبنا أصلها الموحد لها‬ ‫اكتشفنا ثورة ابن تيمية الفلسفية وتجاوزه لما تقدم عليها‪.‬‬‫فعندما يقول ابن تيمية \"كالعدد والمقدار\" يعني أن هذين حالتين من المقدرات الذهنية‬ ‫التي تتضمن غيرهما‪ .‬وعلينا إذن أن نحدد ما صدق \"المقدار الذهني\"‪.‬‬ ‫‪18 1‬‬

‫وعندما يقول ابن تيمية \"الامور الخارجية الموجودة\" فما الأمور الخارجية غير التي ليست‬ ‫موجودة؟ وهنا أيضا فلنحدد ما صدق الأمور الخارجية عامة‪.‬‬‫وعندما يعتبر المقدار والعدد مقدرين ذهنيين ويعتبر علمها أتم علم هل ينفي عنهما‬ ‫صفة \"الأمر الخارجي\"؟‬ ‫أم صفة \"الأمر الخارجي الموجود\"؟‬ ‫وكيف يكون الشيء خارجيا غير موجود؟‬‫لا مخرج إلا إذا فهمنا من كلمة \"موجود\" هنا ما تضمره عندما يوصف بها الخارجي‪:‬‬ ‫الموجود تعني القائم بذاته‪.‬‬‫فالعدد والمقدار أمر خارجي‪ .‬لكنه غير قائم بذاته بل بإبداع الذهن الإنساني‪ .‬فتكون‬ ‫الأمور الخارجية نوعين‪ :‬موجود (بذاته) وغير موجود (بذاته)‪.‬‬‫وبهذا تنحل مسألتا المقابلة الثانية‪ :‬الخارجي الموجود جزء من الخارجي والعدد والمقدار‬ ‫جزء من المقدرات الذهنية‪ .‬وأصل الفروع الأربعة هو هذا التمييز‪.‬‬ ‫العلم نوعان لأن المعلوم نوعان‪:‬‬ ‫‪ -‬ما لا يدين بوجوده للإنسان‪.‬‬ ‫‪ -‬وما يدين للإنسان بوجوده‪.‬‬ ‫التمام الابتسمولوجي للثاني والتمام الوجودي للأول‪.‬‬‫ومهما بلغت المقدرات الذهنية من التمام الإبستمولوجي تبقى قاصرة على مطابقة‬ ‫الخارجي الموجود فعلا لأن فيه ما لا يحاط به‪ :‬تجاوز نظرية المطابقة‪.‬‬ ‫وهذا حد ثورة ابن تيمية الفلسفية‪.‬‬ ‫مسألتان لم تخطرا على باله‪ :‬ما المقدرات الذهنية الاخرى غير العدد والمقدار؟‬ ‫وما الأمر الخارجي غير الموجود؟‬‫ذلك أنه كان يحاول حل مشكل العلم ولم يبحث في مشكل الذوق‪ .‬والفرق بين العلم‬ ‫والذوق هو أن العلم يفترض تقدم موضوعه عليه‪ .‬والذوق يفترض العكس‪.‬‬ ‫‪18 2‬‬

‫وهو من ثم مصدر كل الخيال الذي يحتاج إليه العلم والفن‪ :‬الذوق له قدرة إبداع ما‬ ‫يشتهيه في الخيال (مصدر الفنون) وينجزه في الواقع (مصدر العلوم)‪.‬‬‫ومن هنا استنتج ما أضفته لثورة ابن تيمية‪ :‬المقدرات الذهنية تتجاوز العدد والمقدار‬ ‫إلى كل المبدعات الفنية والدينية الأدبية التي تبدع معلومها‪.‬‬‫علوم الأمور الخارجية الموجودة تقاس على مبدعات التقدير الذهني بافتراض أنها هي‬ ‫بدورها مبدعات مثل المقدرات الذهنية لتعلمها كما تعلم مبدعاتها‪.‬‬‫وقد رأينا أن للذوق مستويين والعلم مثله‪ .‬فالذوق بمعناه الغذائي هو المحرك الأول‬ ‫للبحث عنه وهو مستوى العلم الأول يطلب سد حاجة مستواه الأول‪.‬‬‫وإلى هذه العلاقة ترد كل علوم الطبيعة والتاريخ‪ .‬لكن للذوق مستوى ثانيا وهو كذلك‬ ‫محرك مستوى العلم الثاني‪ :‬وهو عالم الإبداع الجمالي والخلقي‪.‬‬‫إنه المستوى الثاني من الذوق ومن العلم اللذين يكون الإنسان فيهما هو المبدع للأم‬ ‫ولذوقه وعلمه‪ :‬كل الفنون والنظريات الفلسفية والعقائد الدينية‪.‬‬‫والإبداع هنا له وجهان‪ :‬فهو أولا تلق ذوقي يكون فيه المبدع شبه لاقط وجودي (انتان)‬ ‫للقيم الخمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬الذوقية‬ ‫‪ .2‬والمعرفية‬ ‫‪ .3‬والخلقية‬ ‫‪ .4‬والجهوية‬ ‫‪ .5‬والوجودية‪.‬‬‫لكن التلقي ينتقل إلى الإرسال من خلال الإبداع الذي يترجمه إلى مبدعات رمزية هي‬ ‫\"الأمر الخارجي غير الموجود\" بذاته بل هو موجود بوجود الإنسان‪.‬‬‫ولأن الوجود الرمزي غير قائم بذاته قبل أن يبدعه الإنسان ويترجم ما تلقاه بالذوق‬ ‫الوجودي فإن المبدع مؤمن بأن الخارجي الموجود له مبدع‪ :‬الله‪.‬‬ ‫‪18 3‬‬

‫المبدع هو قطب المعادلة الوجودية الثانية الذي لا يستطيع ان يعي ذاته دون افتراض‬ ‫ان وراء العالم إلها مبدعا يتلقى منه ما يترجم عنه بمبدعاته الرمزية‪.‬‬‫الإبداع تواصل وجودي ذوقا وعلما في تلق لرسالة ورد عليها في كل الجماعات البشرية‬ ‫منذ بدء الخليقة‪ :‬آدم تلقى كلمات فأتمهن فعفا عنه ربه واجتباه‪.‬‬‫يمكننا الآن أن ننظر في بعدي ثورة ابن تيمية الفلسفية‪ :‬أي الوجه الأبستمولوجي‬ ‫والوجه الأكسيولوجي‪ .‬والجامع بين الوجهين هو علاقة الذوق بالعلم‪.‬‬ ‫‪18 4‬‬

‫سأتكلم في المسألة الأكسيولوجية لأنها متقدمة على المسألة الابستمولوجية تقدم الذوق‬ ‫على العلم‪ .‬لكني مضطر لتقديم ما تعلق به كلام ابن تيمية‪.‬‬‫ذلك أن ما استخرجته من كلامه بعد التحليل الذي خصصت له الفصل الأول لم يدر‬ ‫بخلده أصلا ولم يكن مما قصده‪ :‬لم يدرس علاقة الذوق بالعلم التي نعتمدها‪.‬‬‫ومع ذلك فالشيء الثابت أن ابن تيمية كان واعيا بأن التقدير الذهني لا يقتصر على‬ ‫العدد والمقدار ويقصد علميهما وأن الأمور الخارجية تتجاوز الموجود‪.‬‬‫لذلك اجتهدت لاكتشاف ما صدق المقدر الذهني وما صدق الامر الخارجي أي غير العدد‬ ‫والمقدار في الأول وغير الموجود بذاته في الثاني‪ :‬وهما شيء واحد‪.‬‬‫إنه عالم الإبداع الرمزي الذي ليس له مرجع مثل العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية‪.‬‬ ‫ومن جنسه الادب الراقي وكل إبداع فني وجمالي وخلقي وديني‪.‬‬‫فالخاصية المشتركة بين المقدرات الذهنية في العلوم كالرياضيات وفي الفنون كاليتوبيات‬ ‫والسرديات غير التاريخية كونها مبدعة لمرجعيتها الخارجية‪.‬‬‫لكنها تبدعها ترجمة رمزية لما تتلقاها من عالم أسمى من العالم الخارجي المعتبر‬ ‫موضوعيا‪ :‬كالوحي عند الانبياء والإلهام عند الشعراء وكل فن راق‪.‬‬‫وفي هذه الحالة تكون العلوم التي من هذا الجنس هي أرقى العلوم‪ .‬وابن تيمية وصفها‬ ‫بأسمى الصفات الابستمولوجية \"الأولية البديهية العقلية المحضة\"‪.‬‬‫ولا بد من شرح هذه الصفات الأربع التي لا يوجد ما هو أسمى منها عند وصف علمية أي‬ ‫علم نظري‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولية‬ ‫‪ .2‬وبديهية‬ ‫‪ .3‬وعقلية‬ ‫‪ .4‬ومحضة‬ ‫‪18 5‬‬

‫والخامسة أهم‪.‬‬‫الصفة الخامسة‪ :‬ليست علما للأمور الخارجية الموجودة‪ .‬وهذه الصفة السلبية هي علة‬ ‫كونها بتلك الصفات الإيجابية الأربع‪ :‬اولية بديهيه عقلية محضة‪.‬‬‫والمفارقة الأساسية هي التالية‪ :‬العلم الذي ليس بعلم للأمور الخارجية الموجودة هو نموذج‬ ‫العلمية الذي يسعى إليه ويتدانى منه ولا يبلغ مستواه أبدا‪.‬‬‫فشرطه مستحيل‪ :‬فالإنسان لا يبدع الأمور الخارجية الموجودة ويقتصر على إبداع علمها‪:‬‬ ‫الفرق بين الفيزيائي والرياضي أوبين المؤرخ والروائي مثلا‪.‬‬‫والفرق بين الطبيعيات والرياضيات أو بين التاريخيات والروائيات هو الفرق بين ابداع‬ ‫خالص للموضوع وترجمته الرمزية وبين ترجمة رمزية دون موضوعها‪.‬‬‫والترجمة الثانية تقاس على الاولى وهي قاصرة دائما ومن ثم فما لا تدركه يعتبر‬ ‫أبستمولوجيا ما يفيده مفهوم الغيب دينيا‪ :‬تجاوز نظرية المطابقة‪.‬‬‫وما يترجمه علم الأمور الخارجية الموجودة هو التجربة والخبرة التي تحصل للإنسان من‬ ‫خلال التعامل معها وهذا هو ما ينقص المقدرات الذهنية‪.‬‬‫فتكون صفات علوم الأمور الخارجية الموجود ليست أولية وليست بديهية وليست عقلية‬ ‫وليست محضة‪ .‬ووصفها بها قول بنظرية المطابقة بين الموضوع وترجمته‪.‬‬‫والنتيجة التي توصل إليها ابن تيمية‪ :‬يمكن للمنطق أن يصح على مقدرات ذهنية تسلم‬ ‫بشروطه لكنه لا يقبل التعميم على الأمور الخارجية الموجودة خاصة‪.‬‬‫فالأمور الخارجية الموجودة ليست معلومة مسبقا بل هي ما تحدده تجربة أحداثها التي قد‬ ‫يكون لها عدة أنظمة منطقية تحدد بنية ترجمتها الرمزية‪.‬‬‫وقد شرح ابن تيمية عبارة \"مقولة من تمنطق فقد تزندق\" التي تبدو ساذجة بردها إلى‬ ‫تسليم الفلاسفة بالمطابقة بين قوانين المنطق وقوانين الوجود‪.‬‬‫وهو لا يناقش صحة المنطق بل الوهم الذي يرد قوانين الوجود إلى قوانين المنطق‬ ‫الأرسطي‪ :‬فشرطه القول بما جاء في التحليلات الأواخر والميتافيزيقا‪.‬‬ ‫‪18 6‬‬

‫التحرر من نظرية المطابقة بينهما يفتح آفاق الإبداع للمقدرات الذهنية‪ .‬فيصبح العلم‬ ‫إبداعا من جنس الأدب لترجمة رمزية حرة لحصيلة التجارب‪.‬‬‫فيكون مجال المقدرات الذهنية إبداعا حرا للموضوع وعلمه ومجال الأمور الخارجية‬ ‫الموجودة ترجمة للتجارب بما يناسبها من مجال المقدرات الذهنية‪.‬‬‫ويمكن أن ينعكس الأمر‪ :‬فننطلق من حصيلة التجارب ثم نصوغها بإبداع مقدرات ذهنية‬ ‫مناسبة لها والتقديم والتأخير بينهما لا يغير طبيعتهما المختلفة‪.‬‬ ‫أعود الآن إلى الصفات الخمس‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولي‬ ‫‪ .2‬وبدهي‬ ‫‪ .3‬وعقلي‬ ‫‪ .4‬ومحض‬ ‫‪ .5‬وليس علما لأمر خارجي موجود‪.‬‬ ‫كيف نفهمها ولم تعتبر أسمى الصفات الابستمولوجية؟‬‫الآن وقد شرحنا المسائل التي استنتجناها من قولة ابن تيمية المحيرة التي انطلقنا منها‬ ‫يمكن إعادة فهم هذه المعاني التي يشغل العقل القلب منها‪.‬‬ ‫فقبله صفتان‪:‬‬ ‫‪ -‬أولي‪.‬‬ ‫‪ -‬بدهي‪.‬‬ ‫وبعده صفتان‪:‬‬ ‫‪ -‬محض‬ ‫‪ -‬وليس علما لأمر خارجي موجود‪.‬‬ ‫وهذا هو تعريف العقل الذي يفهمنا قول ابن تيمية \"صريح المعقول\"‪.‬‬‫فالمتكلمون والفلاسفة الذين يردون النقلي للعقلي يتوهمون أن العقلي مضمون معرفي‬ ‫ويتوهم شراح ابن تيمية أن \"صريح\" تعني غير واضح وغني عن الشرح‪.‬‬ ‫‪18 7‬‬

‫ظنها من الصراحة وليس من الصراح‪ .‬هنا ابن تيمية واضح‪ :‬هو يعني الصراح أي ما‬ ‫عبر عنه هنا بـ\"المحض\"‪ :‬العقل المحض‪ .‬لكن ذلك يقتضي شرح ما قبله‪.‬‬‫عقل صريح يعني معرفة محض أي بلا مضمون من الامر الخارجي الموجود (صفتان بعد‬ ‫القلب)‪ .‬فيكون حينها بدهيا وأوليا (صفتان قبل القلب)‪ :‬العقل في القلب‪.‬‬‫فتكون \"أولي\" ما به نبدأ التقدير الذهني و\"بدهي\" ما لا يحتاج إلى الاحتكام للأمر‬ ‫الخارجي الموجود‪ :‬وهذا هو معنى الإبداع لما هو عقل محض أو صراح‪.‬‬‫ليس للعقل شكل واحد بل هو قدرة الإبداع الرمزي التي تكون من جنس الأدب مطلق‬ ‫الحرية أو محدد بمعايير وقيود منطقية كما في الأكسيوميات الرياضية‪.‬‬ ‫‪18 8‬‬

‫ما قلناه في ثورة ابن تيمية الابستمولوجية وعلى أسس المنطق الأنطولوجية لا يصدقه‬ ‫أحد ممن تنحصر الفلسفة عندهم في شعاراتها والعلم في بهاراته‪.‬‬‫ولست مستعدا للموقف الدفاعي‪ .‬فالباحثون الجديون سيثبتون هذه الحقائق بعد أن‬ ‫يعودوا لقراءته في ضوء ما حاولت بيان ما يحرره من أوهام الخذلان‪.‬‬‫والخذلان مفهوم‪ .‬فهو متأت إما من العلوم الزائفة أو من الأعمال الزائفة لأن ثورته‬ ‫كانت على طاغوت مفسدي معاني الإنسانية من العلماء والأمراء‪.‬‬‫وكان الأمر يكون أيسر للقراء لو لم يزدد الخذلان من كاريكاتور الحداثة بعد خذلان‬ ‫كاريكاتور الاصالة‪ :‬فأولئك أفرغوا هذه وأولئك تلك من حقيقتهما‪.‬‬‫أكتفي إذن بما قلت عن ثورة ابن تيمية الابستمولوجية وتأسيسها الأنطولوجي فمكناه‬ ‫من تجاوز منطق أرسطو وميتافيزيقاه وكلام العصر الوسيط وفلسفته‪.‬‬‫والآن فما عمق ثورته الثاني الكامن في مبدئيه اللذين وردا في جملته التي انطلقنا منها‬ ‫في المحاولة ببيان ما صدق المقدر الذهني عامة والخارجي عامة‪.‬‬‫إنه العمق الذي اعتبر نفسي مكتشفه بالانطلاق من نظرية الذوق بمستوييه ونظرية‬ ‫العلم بمستوييه وبينهما علاقة الغايات للأول بالأدوات للثاني‪.‬‬‫فالذوق بمستوييه يحدد الغايات والعلم بمستوييه يحدد الأدوات‪ .‬الذوق مصدر التقدير‬ ‫الذهني للغايات بمستوييها والعلم التحقيق الفعلي للأدوات بمستوييها‪.‬‬‫والذوق أساسه الحوادس المصاحبة للحواس الباطنية التي تدرك حاجات البدن والروح‬ ‫فتبدع غايات الفعل السائد لهما وتدفع إلى إبداع ترجمتها الرمزية‪.‬‬‫الترجمة الرمزية المعبرة عن غايات الذوق بمستوييه والمبدعة لأدوات تحقيقها بمستوييه‬ ‫هي كل المقدرات التي تشمل كل ما يدين بوجوده للذوق والعلم‪.‬‬‫وما يدين بوجوده للذوق والعلم والعمل بمستوييها هو الحد الجامع والمانع للثقافة‪ :‬كل‬ ‫ما يفعله الإنسان في حيزي وجوده الطبيعيين والتاريخيين‪.‬‬ ‫‪18 9‬‬

‫وتبدأ هذه الإضافة الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا الحضارية وبنقل التاريخ‬ ‫الطبيعي إلى التاريخ الخلقي وتلك هي الترجمة الرمزية للعلاقتين‪.‬‬‫والقصد بالعلاقتين هو علاقة الجماعة بالطبيعة وعلاقة الجماعة بعضها بالبعض‪ .‬وهذا‬ ‫يصح على أي جماعة وعلى جماعة الجماعات الشاملة للإنسانية كلها‪.‬‬‫اسم علم ابن خلدون هذا معناه‪\" :‬علم العمران البشري والاجتماع الإنساني\"‪ .‬والعمران‬ ‫يغلب عليه مستويا الذوق والعلم الأولين والاجتماع الثانيان‪.‬‬‫فالتفاعل بين مستويي الذوق والعلم نفس ما بين العمراني والاجتماعي‪ :‬فمن بداية‬ ‫المقدمة إلى غايتها ينقص العمراني ويزيد الاجتماعي والعكس بالعكس‪.‬‬‫فنرى المقدمة تبدأ بالذوق المادي والبحث عنه (الباب الأول) وتنتهي بالذوق الروحي‬ ‫والبحث عنه (الباب الاخير)‪ :‬هل كان ابن خلدون واعيا بذلك؟‬ ‫مستبعد‪.‬‬‫هل كان ابن تيمية واعيا بهذا البعد الثاني أي الأكسيولوجي الذي استنتجناه من البعد‬ ‫الأول في قولته أي الابستمولوجي؟‬ ‫البذرة موجودة والوعي مستبعد‪.‬‬‫إذن نحن نستخرج من عمل الرجلين ما توجد بذرته في عملهما دون استثمارها تماما كما‬ ‫فعلنا مع الغزالي في الحوار غير المباشر بينه وبين ابن رشد‪.‬‬‫وكان فعلنا هذا يعتبر غير مشروع لو اقتصر على تحليل النصوص‪ .‬لكنه عمل اعتمد على‬ ‫أعمال الرجلين‪ :‬فتحليل المقدمة مثلا تحليل عمل لا قول عليه‪.‬‬‫لم نكتف بما قاله ابن خلدون علمه (مقدمة المقدمة) بل حللنا عمله المقدمة‪ .‬فهي ليست‬ ‫قولا على عمل بل عمل علمي في العمران والاجتماع وعلاقتهما‪.‬‬‫وتحليل الرد على المنطقيين ومنهاج السنة والردود على الرازي ليس قولا على عمل بل‬ ‫هو تحليل لعمل علمي استعمل فيه ابن تيمية بالفعل ما بيناه‪.‬‬‫وتحليل التهافت والفضائح والاحياء والمشكاة والاقتصاد في الاعتقاد والمستصفى ليس‬ ‫قولا في قول بل هو قول في علم منهجا ومقصدا ونتائج يفهمنا ثورته‪.‬‬ ‫‪18 10‬‬

‫والجديد في ثورة ابن تيمية حتى مع عدم تفطنه للبعد الثاني هو هذه القسمة العجيبة‬ ‫للعلوم وما ترتب عليها من ابستمولوجية وأنطولوجية جديدتين‪.‬‬‫فإبستمولوجيا لم يعد بالوسع القول بنظرية المعرفة المطابقة وانطولوجيا لم يعد بالوسع‬ ‫القول بشفافية الوجود المطلقة بل فيه غيب محجوب لا يعلم‪.‬‬‫وما كان ذلك ليكون لو لم يقع التمييز بين علم المقدرات الذهنية بصفاته الخمس‪ :‬أولي‬ ‫وبدهي وعقلي ومحض ولا يعلم الوجود الخارجي‪ :‬إنه إبداع خالص‪.‬‬‫وهذا الإبداع الخالص ليس مقصورا على المعرفة بل هو يشمل كل إبداع ليس له مرجعية‬ ‫خارجية بل هو في آن إبداع للمرجعية ولترجمتها الرمزية‪.‬‬‫وللتمثيل للقضي‪ :‬نسبة الإبداع الرياضي إلى الفيزياء مثلا كنسبة الإبداع الأدبي إلى‬ ‫التاريخ‪ .‬والمرجعية هي ما يسميه الأمور الخارجية الموجودة‪.‬‬‫فما يتميز به الأدب الراقي على التاريخ هو أن هذا له مرجعية خارجية وذاك يبدع‬ ‫مرجعيته وليس له مرجعية خارجية ومن ثم فكل أدب واقعي تاريخ مزيف‪.‬‬‫وما يميز العلم الراقي‪-‬بصفاته الخمس‪-‬عما يسمى علم الواقع هو أن لهذا مرجعية‬ ‫التجربة الغفلة بخلاف العلم الذي يستمد رقيه مما يستمده من المبدعات‪.‬‬‫وهو ما يعني أن الفيزياء الراقية تتدرج نحو الفيزياء النظرية التي تتخلص بالتدريج‬ ‫من التجربة التي تجعل \"الواقع\" معيارا ليكون المعيار المثال‪.‬‬‫ولهذه العلة فإن علوم الطبيعة لم تصبح علوما إلا لما تحررت من تجربة الغفلة وأصبحت‬ ‫فرضية استنتاجية لقوانين تنطق على حالات مثالية هي شرطها‪.‬‬‫ففي \"واقع\" التجربة الغفل لا يمكن أن نصدق أن ريشة وصخرة ينطبق عليهما نفس‬ ‫قانون السقوط الحر مثلا‪ :‬لكن التجربة في الخلاء (مثال) يصح القانون‪.‬‬‫كل القوانين العلمية التي يعتمدها العلماء هي من هذا الجنس‪ :‬تصح في \"واقع\" مثالي‬ ‫هو شرط القانونية التي تستبعد المؤثرات الخارجية في القانون‪.‬‬ ‫‪18 11‬‬

‫تبين أن الذوق بمستوييه هو الذي يحدد الغايات ويبدعها استجابة مسبقة قبل وجودها‬ ‫لمطالب البدن والروح والعلم بمستوييه هو الذي يبدع أدواتها‪.‬‬‫فهل معنى ذلك أن أسمى ما في الإنسان هو هذه القدرة على الإبداع الذوقي من لا شيء‬ ‫المحرك للإبداع العلمي من لا شيء في تعامله مع الطبيعة والتاريخ‪.‬‬‫وهذا اللاشيء هو الذي سماه ابن تيمية الأمور الخارجية غير الموجودة التي يسعى إليها‬ ‫الذوق والعلم ليوجدها استكمالا للموجود من الامور الخارجية؟‬‫موجود الامور الخارجية هو الطبيعة والتاريخ وما في الإنسان من مكاني (بدنه) وزماني‬ ‫(روحه) إذ ينتجان بتفاعلهما معهما ما يضيفانه‪ :‬التراث والثروة‪.‬‬‫إذن كيان الإنسان البدني والروحي (الأنفس)يتفاعل مع حيزي المكان والزمان معين‬ ‫الطبيعة والتاريخ (الآفاق) لينتجا بتفاعلهما حيزي التراث والثروة‪.‬‬‫ويجمع هذه الأحياز الاربعة لكيان الإنسان أصلها جميعا هو الرؤية الذوقية والعلمية‬ ‫التي تمثل مرجعية الحضارة وهي متعلقة بالعملين الذوقي والعلمي‪.‬‬‫عقم الحضارة علامته عجز أبنائها عن إبداع غايات الذوق بمستوييه وأدوات العلم‬ ‫بمستوييه أي التراث والثروة علاقة أفقية بالتاريخ وعمودية بالطبيعة‪.‬‬‫فعلاقتهم الأفقية بالتاريخ الاجترار وعلاقتهم بالطبيعة العيش على ثرواتهما لا دور‬ ‫للعمل الذوقي والعلمي فيهما‪ :‬مفهوم البداوة الاولى الخلدوني‪.‬‬‫وعندما تكون حضارة ما مرت بعصر كانت فيه ذات إبداع ذوقي وعلمي بمستوييهما ثم‬ ‫انحطت فأصبحت بهذا العقم فهي حضارة ناكصة كحالنا‪ :‬فكيف تستأنف؟‬‫وإذا كانت هذه الحضارة الناكصة قد فقدت \"معاني الإنسانية\" لأسباب ذاتية ومفروض‬ ‫عليها البقاء في هذه الحالة لأسباب خارجية فحل المشكل شبه مستحيل‪.‬‬‫فالمعيقات لن تكون مقصورة على فقدان شروط الرعاية (الذوق وغاياته) بل يضاعفها‬ ‫فقدان شروط الحماية (العلم وأدواته)‪ :‬فـ\"تفسد معاني الإنسانية\"‪.‬‬ ‫‪18 12‬‬

‫وابن خلدون يعتبر هذه الوضعية إذا طالت تؤدي إلى أحد أمرين‪:‬‬ ‫‪ -‬إما ذوبان الامة في أمة تستعبدها بحضارتها‬ ‫‪ -‬أو زوالها عندما لا تستطيع الانضواء فيها‬‫والبعد الثاني من الثورة التيمية المغفول عنه البعد الأكسيولوجي قد يحررنا من الخيار‬ ‫الخلدوني بين ذوبان الاضعف في الاقوى أو الفناء والفناء‪.‬‬ ‫وهو يرجع لدور المرجعية بذاتها وبدورها في فروعها الأربعة‪:‬‬ ‫‪ .1‬الجغرافيا‬ ‫‪ .2‬والتاريخ‬ ‫‪ .3‬وفعل الجغرافيا في التاريخ (التراث)‬ ‫‪ .4‬وفعل التاريخ في الجغرافيا (الثروة)‪ :‬تلك وضعيتنا الآن‬‫من حسن حظ الأمة أن مرجعيتها (الإسلام) وجغرافيتها (داره) وتاريخها (تاريخه)‬ ‫وتراثها (حضارته الرمزية) وثروته (حضارته المادية) وزنها لا يقهر‪.‬‬‫فالاستئناف رغم ما بينا من عسره المضاعف (رعاية وحماية) ما يزال ممكنا بل فجره بزغ‬ ‫والدليل هو فشل الحرب الكونية عليه لمنعه بفضل وزنه العملاق‪.‬‬‫وما يساعد على الاستئناف هو توسيع مفهوم الإبداع الذي قدمناه وفهم شروطه التي‬ ‫يحدد الذوق بمستوييه غاياته والعلم بمستوييه أدواته‪ :‬وجدنا ضالتنا‪.‬‬‫ولا يظنن أحد أني بذلك أهرب من الحرب التي تخاض ضد الاستئناف من الداخل‬ ‫والخارج بل بالعكس فالنظرية الاستراتيجية في الحرب والسلم هي ما نتوخاه‪.‬‬‫وقد بينت في تعديل نظرية كلاوسفيتز وثلاثية مراحل النصر (كسر الجيش والاستحواذ‬ ‫على الثورة والقضاء على إرادة المقاومة) تقتضي مضاعفة الأوليين‪.‬‬‫ذلك أن إرادة المقاومة قائمة بذاتها في المرجعية (الأحرار لا يستسلمون أبدا) ثم في‬ ‫الجيش عتادا ومعنويات وفي الاستحواذ على الثروة أرضا وناسا‪.‬‬ ‫استعمار الجزائر (‪130‬سنة)‪:‬‬ ‫‪ .1‬صمدت المرجعية بذاتها‬ ‫‪18 13‬‬

‫‪ .2‬لم تخر معنويات المقاومين رغم فارق العتاد‬ ‫‪ .3‬بقاء الناس في الأرض رغم أخذه الثروة‪.‬‬‫القضاء على الجيش له وجهان عتاده ومعنوياته وهي أثر المرجعية فيه واحتلال مصدر‬ ‫الثروة له معنيان‪ :‬الثروة والناس وهم أثر المرجعية‪.‬‬ ‫فتكون العوامل خمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬المرجعية بذاتها (الإسلام)‬ ‫‪ .2‬عتاد الجيش‬ ‫‪ .3‬معنويات الجيش‬ ‫‪ .4‬مصدر الثروة‬ ‫‪ .5‬صمود اهل البلاد‪.‬‬ ‫وعوامل الضعف حاليا هي ‪ 2‬و‪.4‬‬‫فلنجعل ‪ 1‬و‪ 3‬و‪ 5‬منطلق إعادة البناء‪ .‬فالمرجعية بذاتها وبأثرها في الجهاد والسند‬ ‫الشعبي تمثل الفاعلية الروحية لصلة الأحرار بأرضهم وتاريخهم‪.‬‬‫ومن حظنا أن كونية مرجعيتنا وعالمية تاريخنا وجغرافيتنا تجعل من المستحيل إخضاع أمة‬ ‫الإسلام مهما كانت قوة أعدائها إذا وضعنا استراتيجية محكمة‪.‬‬‫والاستراتيجية المحكمة قابلة للاستخراج من القرآن الذي هو استراتيجية توحيد‬ ‫البشرية بتغيير قبلة الإنسانية لاستعادة الحريتين الروحية والسياسية‪.‬‬‫هذا إيجابا لكن ذلك يقتضي استراتيجية سلبية وظيفتها إزالة تقنية إضعاف المسلمين‬ ‫التي فتتت وحدة جغرافيتهم وشتتت تاريخهم وفككت صلتهم بالمرجعية‪.‬‬‫مفهوم الإبداع الموسع الذي تكلمت عليه هو الذي سيحيي هذه العوامل التي ستوقف‬ ‫مفعول تفتيت المكان وتشتيت الزمان وتفكيك الصلة بالمرجعية‪.‬‬‫واليوم فنيات التواصل ويسره من المساعدات الأساسية التي تجعل فعل الرمز (الكلمة‬ ‫والفنون) ورمز الفعل (العملة والتقنيات) تحقق هذه الاستراتيجية‪.‬‬ ‫‪18 14‬‬

‫الفتح الجديد هو الابداع الأدبي والدرامي والسينمائي والإعلامي مع تمويل نشر‬ ‫التربية التي تحيي الصلة بالروابط الجغرافية والتاريخية والمرجعية‪.‬‬ ‫‪18 15‬‬

‫الفصل الأخير يبين المرحلة الثانية من الاستراتيجية‪ :‬كيف يمكن الإبداع الموسع للفاعلية‬ ‫الرمزية التي يستعيد بها العمل الذوقي والعلمي مستوييه؟‬ ‫فلنصل هذين المستويين من العمل الذوقي والعلمي بمقومي وجود الإنسان‪:‬‬ ‫‪ .1‬مستعمر في الأرض‬ ‫‪ .2‬ومستخلف فيها‪.‬‬ ‫‪ .1‬بمستواهما الأول‪.‬‬ ‫‪ .2‬وبمستواهما الثاني‪.‬‬‫فيستعيد الإنسان المسلم قدرتيه الإبداعيتين الذوقية بمستوييها والعلمية بمستوييها‬ ‫فيتحرر من فساد معاني الإنسانية ويتحرر من طاغوت التربية والحكم‪.‬‬‫سنخصص هذا الفصل الأخير للقدرتين الإبداعيتين والتربية والحكم المنتميين لهما شرطا‬ ‫للاستئناف بقوة تتجاوز قوة النشأة الاولى لاستفادتها منها‪.‬‬‫ذكر ابن خلدون كيف أن التربية والحكم العنيفين يفسدان معاني الإنسانية وقد حللنا‬ ‫كلامه‪ .‬لكنه لم يعلل العنف الذي يفسر به فساد معاني الإنسانية‪.‬‬‫كما أنه لم يشرح الوصل بين فساد معاني الإنسانية ومآل الأمة التي يقع عليها ذلك إلى‬ ‫أحد مآلين‪ :‬مثل لأولهما ببين إسرائيل وللثاني بالفرس‪.‬‬‫فهو فسر من لم يفنى بفساد معاني الإنسانية بحل الذوبان في الحضارة الغالبة (الفرس)‬ ‫وبحل بقاء التحيل والخرج والوجود الجيتوي في الحضارة الغالبة‪.‬‬‫وطبعا لم ير ابن خلدون ما نراه حاليا وهو أن كلا المثالين لم يستسلم منهم إلا قلة لكن‬ ‫دهاتهم عملوا باستراتيجية تقنيات الفيروس المتطفل والمخرب‪.‬‬‫ذلك أن ما يزعم من دور لبني إسرائيل لتأسيس كذبة مضاعفة لا تكتفي بزعم الوساطة‬ ‫بين الشرق والغرب بل الزعم بأنهم من أهم مبدعي حضارة الإسلام‪.‬‬ ‫‪18 16‬‬

‫وهذه الكذبة تصح على المثالين اللذين ضربهما ابن خلدون دون أن يهتم بهذا الدور‬ ‫التخريبي من الداخل والذي اعتبره العلة الأولى للفتنة الكبرى‪.‬‬‫ولنعد لقضيتنا‪ :‬توقف الابداع الذوقي والعلمي في مستواه الأول لدينا منذ قرون‪.‬‬ ‫فسدت العلاقتان الأفقية والعمودية بين المسلمين وببنهم وبين الطبيعة‪.‬‬‫والعلاقتان هما العمل الذوقي المبدع للغايات والعمل العلمي المبدع للأدوات لتيسير‬ ‫العلاقة الأفقية بين البشر بتيسير العلاقة العمودية بالطبيعة‪.‬‬‫ضاقت أسباب الرزق المادي فشملت سبب ضيق أسباب الرزق الروحي في إبداع غاياته‬ ‫وأدواته‪ .‬كل شيء في الرزقين جمد فندر فعم منطق التاريخ الطبيعي‪.‬‬‫ومنطق التاريخ الطبيعي هو صراع الكل ضد الكل على أسباب الرزقين المادي والروحي‪:‬‬ ‫وهو علة النكوص إلى البداوة الأولى‪ :‬مرحلة العرب في كل الأمم‪.‬‬‫وهي مرحلة الصراع على الرزق المادي والروحي بين البشير لسيطرة الندرة المطلقة في‬ ‫شروط العيش ماديا وروحيا‪ :‬موات بلا إبداع للغايات ولا للأدوات‪.‬‬‫ويعتبر هذا النموذج العمراني مبينا اساسا على الإبل والصحراء وشظف العيش وانعدام‬ ‫دوافع الإبداع الذوقية ودوافع الإبداع العلمية‪ :‬بداوة مطلقة‪.‬‬‫جل العرب لم يتجاوزوا هذا النموذج العمراني‪ :‬فطرق الإنتاج وأدواته كلها بدائية‬ ‫والحديثة مستوردة ومن ثم فالعمل الذوقي والعلمي المبدعين منعدمان‪.‬‬‫ومن دون علاج هذين العائقين لا يمكن للاستئناف أن يتحقق‪ .‬وطرق الإنتاج وأدواته‬ ‫يقتلها الاستيراد لأنه يحول دون تعلم الإبداع وتطويره بالممارسة‪.‬‬‫فمن يستورد آخر صيحة لن يتدرج للوصول إلى ما يضاهيها أبدا‪ :‬فكل الامم بدأت‬ ‫بمراحل الطرق والأدوات قليلة الكفاءة في مسار أوصلها إلى الأكفأ‪.‬‬‫ولما كان تعلم طرق الإنتاج وأدواته مشروطا بحجم معين فإن تفتيت الجغرافيا يجعل‬ ‫الجميع أقزاما عاجزين عن شروط الانتاج المادي فضلا عن إبداعها‪.‬‬‫فمن دون سوق كبرى لا يمكن لأي صناعة أن تنمو لأن من يطلبها قليل ولأنها عاجزة عن‬ ‫السوق العالمية لانعدام شروط المنافسة للصناعة قليلة التطور‪.‬‬ ‫‪18 17‬‬

‫فاجتماع ضيق السوق وعدم القدرة على المنافسة في العالم بسبب تخلف التقنيات لم يريد‬ ‫أن يتعلم فلا يستورد تجعلان حد الإبداعين الأدنى مستحيلا‪.‬‬‫وهذا هو السر الأول في استراتيجية تفتيت الجغرافيا‪ .‬وتفتيت الجغرافيا يطلب شرعية‬ ‫بتشتيت التاريخ‪ :‬كل محمية تبحث عن شرعية تاريخية منفصلة‪.‬‬‫وإذا كان الابداعان الذوقي والعلمي مستحيلين في مستواهما الأول فمن باب أولى ألا‬ ‫يكونا ممكنين في مستواهما الثاني‪ :‬الذوق والعلم الاسميان‪.‬‬‫فالأذواق الراقية الجمالية والخلقية والعلوم الراقية النظرية والأساسية أكثر كلفة من‬ ‫الأذواق المعيشية والعلوم التطبيقية الدنيا في العمران‪.‬‬‫والمعلوم أن الأسمى مستحيل للعاجز على الأدنى‪ :‬فلابد من قاطرة روحية ومادية‪.‬‬ ‫فالذوق للذوق والعلم للعلم روحيا والغزو للغزو ماديا للفضاء والعالم‪.‬‬‫ومن ثم فالإبداع الذوقي للغايات والعلمي للأدوات حتى في مستواه الاول هو أهم مسألة‬ ‫سياسية تتعلق باستراتيجية تحقيق شروط التناسب مع حجوم العصر‪.‬‬‫لكن العرب خاصة والمسلمون عامة حكامهم ومعارضوهم ليسوا إلا أمراء حرب أو ملوك‬ ‫طوائف كل عصبية عسكرية أو قبلية تريد أن تصح دولة طبعا بلا سيادة‪.‬‬‫فيصبحون هم أصل التهديم الذاتي لشروط القيام المستقل في الرعاية والحماية الدنيا‬ ‫فضلا عن القيام في شروطهما العليا‪ :‬فتزول شروط الإبداع والقيام‪.‬‬‫وهكذا فقد حددت شروط الاستئناف ولو ببيان عوائقها لأن محفزاتها هي نقيض‬ ‫عوائقها‪ .‬أما الاستراتيجية الشاملة فهي موضوع الجلي في التفسير‪.‬‬ ‫‪18 18‬‬



‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬