Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore تهافت المتطرفين

تهافت المتطرفين

Published by AmineMurad, 2020-11-08 10:52:15

Description: تهافت المتطرفين

Search

Read the Text Version

‫وجهة نظر‬ ‫تهافت المتطرفين‬ ‫دعوى للتدبر في مقومات النظر ومآلات العمل‏‬ ‫تعيش تونس خا ّصة‪ ،‬والدّول العربيّة عا ّمة‪ ،‬مخاضا فكريّا عسيرا في ظ ّل وجود بعض التّيارات الفكريّة‬ ‫التي تؤ ّصل للتّطرف‏وتش ّرعه سواء كانت مرجعيتها دينيّة أو حتّى فلسفيّة وخا ّصة تلك التي أ ّصلت تصوراتها‬ ‫ورؤاها على تأصيل بما هو تنزيل‏المستجدّات الواقعيّة في سياق منظومة التّشريع في المرجعيّة المعت ّمدة إ ّل‬ ‫أنّه مغشوش‪ ،‬فيتع ّسف المفكرون في قراءة‏الأفكار وتنزيلها على الواقع وتطويعها حسب الإيديولوجيّات التي‬ ‫يتبنّونها م ّما يحدث خللا فكريّا وغيابا للحياد في البحث‏العلمي‏‪.‬‬ ‫لغة ؛ تط َّر َ‪‎‬ف ‪‎/‬تط َّر َ ‪‎‬ف ‪‎‬في يَتط ّرف ‪‎ ‎،‬تط ُّرفً ‪‎‬ا ‪ ،‎‬فهو ُمتط ِّرف ‪ ،‬والمفعول ُمتط َّرف – للمتع ِدّي يقال َرأَى‬ ‫ِخ َصاماً فِي ال َّشا ِرعِ‏فَتَ َط َّر َف َجا ِنباً ‪ :‬اِ ْبتَعَدَ ِإلَى ال َّط َر ِف ‪ ،‬ال َجانِ ِب الآ َخ ِر وتَ َط َّرفَ ِ‪‎‬ت ‪‎‬ا ْل َما ِشيَةُ َج َوانِ َب ا ْل َم ْر َعى ‪:‬‬ ‫َصا َر ْت بِأَ ْط َرا ِف ِه وتَ َط َّرفَ ِت‪‎ ‎‬ال َّش ْم ُس ‪:‬‏دَنَ ْت ِإلَى الغُ ُرو ِب تَ َط َّر َ ‪‎‬ف ‪‎‬ال َح ِدي َث ‪َ :‬عدَّهُ َط ِريفاً و أخيرا وهو المقصد‬ ‫يَتَ َط َّر ُف فِي أَ ْف َكا ِر ِه ‪ :‬يَتَ َجا َو ُز َحدَّ الا ْع ِتدَا ِل َوال ُحدُو ِد‏ا ْل َم ْعقُولَ ِة ‪ ،‬يُبَا ِل ُغ فِي َها وأما التط ُّرف فهو المغالاة ال ّسياسية‬ ‫أو الدّينية أو المذهبيّة أو الفكريّة ‪ ،‬وهو أسلوب خ ِطر مد ِّمر‏للفرد أو الجماعة تبذل بعض الدّول جهودًا مضنية‬ ‫مجّلة الإصلاح ‪ -‬العدد ‪ - 146‬السنة ‪ - 8‬سبتمبر ‪/ 2019‬محرم ‪1441‬‬ ‫‪50‬‬

‫وجهة نظر‬ ‫تهافت المتطرفين‪ ،‬دعوى للتدبر في مقومات النظر ومآلات العمل ‪ -‬محمد أمين هبيري‬ ‫للقضاء على‪‎ ‎‬التط ُّرف‪‎ ‎‬الإرهابي ( مقتطف من الموقع الالكتروني المعاني ‪ )1‬‏‬ ‫بهذا المعنى يمكن أن نشهد حالة من التّطرف الدّيني المؤدّي إلى الإرهاب الدّموي كما يمكن أن نشهد كذلك‬ ‫ردّة فعل من‏طرف مقابل يتجادل في آراء متناقضة ويسقط تجارب غربيّة على واقع سياسي وتجربة ثقافيّة‬ ‫ودينيّة ومنظومة أخلاقيّة‏وقيميّة مشرقي لا يتوافق معها في شيء الأمر الذي يش ّكل عسرا في التّفكير وغل ّوا‬ ‫في التّطبيق‪.‬‏‬ ‫‏(‪ )1‬غلو ال ّتطرف ال ّديني‏‬ ‫أ – أساس التّطرف ال ّديني ‏‬ ‫يرتكز التّطرف الدّيني أو التّطرف القائم على مرجعيّة دينيّة على تأويل مبتور للنّصوص ال ّشرعيّة لا‬ ‫يراعى‏فيه ال ّشروط العلميّة لعمليّة التّأويل‪ ،‬وقد أ ّسس الفكر المتط ّرف على أساس نظري قائم على الأوهام‬ ‫المتراكمة والمر ّكبة‏من ذلك وهم المطابقة بين التّأويل والنّص المؤ ّسس سواء كان قرآنا أو سنّة‪ ،‬ومعناه أ ّن‬ ‫حاملي هذا الفكر لا يعتبرون‏فهمهم للنّصوص ال ّشرعيّة فهما إجتهاديّا يحتمل ال ّصواب كما الخطأ‪ ،‬بل إنّهم‬ ‫يكفّرون من لم يفهم هذه النّصوص فهمهم‏ويؤ ّول تأويلهم‪ ،‬إذ أنّهم يصلون إلى المطابقة بين التّأويل ومقصود‬ ‫صاحب النّص‪ ،‬فيضفي ذلك قدسيّة لا على النّص‏فحسب‪ ،‬بل على تأويل بشري للنّص المقدّس‪.‬‏‬ ‫كما يقوم التط ّرف الدّيني على عديد الأوهام الأخرى منها على سبيل الذكر؛ وهم الانتقائيّة في فهم النّصوص‬ ‫والإعتماد على الفهم‏الإجتزائي‪ ،‬ووهم مشروعية تجاوز الإرادة العا ّمة للمجتمع إستنادا إلى الآية الكريمة‬ ‫« َو َك ِل َمةُ الَّلِ ِه َي ا ْلعُ ْليَا» م ّما يؤدّي إلى الانتقال من وهم امتلاك الحقيقة الفرديّة إلى امتلاك الحقيقة الجماعيّة‬ ‫ليخلص في‏الأخير إلى مشروعيّة العنف لتحقيق النّظام ال ّسياسي الأمثل في نظرهم وهي الخلافة على منهاج‬ ‫النب ّوة‏‪.‬‬ ‫جميع هذه الأوهام تنتج عنها مخلفات أه ّمها الانغلاق على الذّات وإقصاء للآخر الذي يعتبر كافرا بمقدّسهم‪،‬‬ ‫بالإضافة إلى ‏عقيدة الولاء لله ولل ّرسول وللمؤمنين والبراء من ال ّشرك والمشركين الذي تنتج عنه تقسيم‬ ‫للدّول قائم على دار إيمان‏ودار كفر وهو ما يتيح في النّهاية إلى الإنخراط في استراتيجيا للعنف قائمة على‬ ‫إدارة للتّوحش مفادها تدمير دولة الكفر‏وإعادة بناءها على أحكام ال ّشريعة المنصوصة في تأويلاتهم المح ّرفة‬ ‫لمقصد النّص ال ّشرعي‪.‬‬ ‫ب – نقد التطرف الديني ‏‬ ‫لو تدبّرنا في هذا الفكر لوجدنا قصورا في الفهم وتنزيلا للفكر في سياقات تاريخية ومكانية مختلفة‪،‬‬ ‫فالتطرف الديني يقوم ‏على تأويل مغشوش للنصوص الشرعية بينما التطرف الفلسفي فيقوم على تنزيل‬ ‫يرتكز الّتطرف ال ّديني أو الّتطرف القائم على مرجعّية دينّية على‬ ‫تأويل مبتور للّنصوص ال ّشرعّية لا يراعى‏فيه ال ّشروط العلمّية لعملّية‬ ‫ال ّتأويل‪.‬‬ ‫مجّلة الإصلاح ‪ -‬العدد ‪ - 146‬السنة ‪ - 8‬سبتمبر ‪/ 2019‬محرم ‪51 1441‬‬

‫تهافت المتطرفين‪ ،‬دعوى للتدبر في مقومات النظر ومآلات العمل ‪ -‬محمد أمين هبيري‬ ‫وجهة نظر‬ ‫الأفكار التي أنتجتها ظروف مكانيّة معيّنة‏وسياقات تاريخيّة محدّدة وإسقاطها في سياقات أخرى لا تتناسب‬ ‫مع ال ّسياقات التي ظهرت فيها بعض المفاهيم‏‪.‬‬ ‫إ ّن الإجابة على قصور فهم المتط ّرف الدّيني يحتاج منّا الوقوف على المبادئ الأساسيّة التي هي من صميم‬ ‫ال ّشريعة‏الإسلاميّة في العمران البشري وهي رسالة الإسلام التّكوينية والتي تقوم على معان خمسة ‪:‬‏‬ ‫‏ * الكرامة الوجودية؛ لعلّها أهم هذه ال ّشروط الجوهريّة في رسالة الإسلام وتكون في صورتين إحداهما‬ ‫الكرامة المعنويّة‏‏(الانعتاق من ال ّر ّق ال ّسياسي) والكرامة المادّية (الانعتاق من ال ّر ّق المالي) ولا يمكن المرور‬ ‫على هذه الكرامة دون التّدبّر‏في التّأصيل القرآني لنظريّة الكرامة‪ .‬حيث كثيرا ما تتك ّرر في القرآن الكريم‬ ‫ق ّصة خلق الإنسان بأنماط سرديّة مختلفة‪ ،‬تارة‏يتحدّث عن نوعيّة المادّة التي خلق منها وتارة أخرى يحدّثنا‬ ‫عن حدث إستكبار ال ّشيطان ورفضه ال ّسجود لآدم بتعلّة أ ّن‏مادة الخلق الخا ّصة به –النّار‪ -‬أرفع قدرا من مادّة‬ ‫خلق آدم –ال ّطين‪ -‬وكثيرا ما تختتم هذه المحاورة بين قطبي الخير وال ّشر‏‏–الله وال ّشيطان‪ -‬بطرد الأخير من‬ ‫رحمة الله لتكبّره وتعنّته جهلا وإعراضا منه‪ .‬‏‬ ‫‏ * الحرية؛ إذ أنّها تعدّ مبدأ أساسيّا من المبادئ التي تقوم عليها رسالة الإسلام وتكون على قسمين؛ الح ّرية‬ ‫الدّينية متمثّلة‏في ال ّصحوة الدّينية والح ّرية ال ّسياسيّة متمثّلة في تركيز منظومة سياسيّة قائمة على الدّيمقراطية‬ ‫وهو ما عرف بثورت ّي‏الاسلام ال ّروحيّة (لا وساطة بين الانسان والله ) وال ّسياسيّة (لا وصاية بين الانسان والله‬ ‫أو الحكم الالهي) ‏‬ ‫الح ّرية الحقيقيّة هي ح ّرية الاختيار الموجودة في هذا العالم والتي ك ّرسها الإسلام كجوهر للدّيني في ك ّل‬ ‫الأديان ؛ ح ّرية‏روحيّة من خلال ح ّرية اختيار المعبود الذي ترضاه نفسك دون قيد أو شرط وح ّرية سياسيّة‬ ‫أن تختار من يخدم‏دولتك دون وصاية أو ح ّق إلهي‪ .‬تلك الح ّرية هي أمانة الإستخلاف التي تعتبر غاية خلق‬ ‫الانسان الجهول (دون علم‏بشروطها ومقوماتها ال ّروحية والمادّية)‪ .‬‏‬ ‫‏ * الإختلاف والتّعارف؛ الأول سبب للثّاني والثّاني نتاج للأ ّول‪ ،‬فلو أ ّن سنّة الله الكونيّة اقتضت أ ّن البشر‬ ‫غير مختلفين‏جنسيّا وعرقيّا لكان التّعارف لا معنى له في ظ ّل تماثل كلّي وتطابق تا ّم بين س ّكان الأرض‪،‬‬ ‫فالإختلاف المولّد الأساسي‏للتّعارف‪ ،‬الذي هو غاية الخلق أو « ولذلك خلقهم» بالتّعبير القرآني‪ ،‬لا يكون إلاّ‬ ‫إذا توفّرت فيه شروط محدّدة ومنها‏الحوار المفضي إلى التّعارف الإنساني الذي ينج ّر عنه تراكما معرفيّا‬ ‫وترابطا إنسانيّا‏‪.‬‬ ‫إ ّن التّعدديّة الثّقافية أو الاختلاف الثّقافي والحضاري هي إعتراف بالكرامة الإنسانيّة المفضية إلى الحوار‬ ‫بين الحضارات‪،‬‏خا ّصة في العهد ال ّراهن الذي أتاحت ثوراته المعرفيّة إمكانات لا محدودة من التّعرف على‬ ‫الح ّرية الحقيقّية هي ح ّرية ‏روحّية من خلال ح ّرية اختيار المعبود‬ ‫الذي ترضاه نفسك دون قيد أو شرط وح ّرية سياسّية أن تختار من‬ ‫يخدم‏دولتك دون وصاية أو ح ّق إلهي‪.‬‬ ‫مجّلة الإصلاح ‪ -‬العدد ‪ - 146‬السنة ‪ - 8‬سبتمبر ‪/ 2019‬محرم ‪1441‬‬ ‫‪52‬‬

‫وجهة نظر‬ ‫تهافت المتطرفين‪ ،‬دعوى للتدبر في مقومات النظر ومآلات العمل ‪ -‬محمد أمين هبيري‬ ‫ثقافات الآخرين عبر ثقافة‏ال ّصور‪ ،‬فما دامت المجتمعات هي التي تحاور فإ ّن ال ّصراع الثّقافي الحضاري‬ ‫لا يقوم بالأساس على خلفيّة ال ّسيطرة‏المباشرة بقدر ما يتأ ّسس على خيار ال ّسيطرة على ال ّرأسمال ال ّرمزي‬ ‫المش ّكل لل ّرصيد الثّقافي‪.‬‏‬ ‫‏* المعاملة؛ إ ّن مقولة «الدّين المعاملة» تمثل أساسا قيميّا يرتكز عليه المتديّن‪ ،‬فهي منظومة أخلاقيّة قيميّة‬ ‫لتنظيم الفرد‏أ ّولا وتهذيبه ليعيش في إطار المجموعة الإنسانيّة والعيش في سعادة التي‪‎ ‎‬كثيرا‪‎ ‎‬ما‪‎ ‎‬تتك ّر ‪‎‬ر ‪‎‬ف ‪‎‬ي‬ ‫‪‎‬القرآ ‪‎‬ن ‪‎‬الكريم‪‎ ‎‬وهي تكو ‪‎‬ن ‪‎‬من‪‎ ‎‬خلال‪‎ ‎‬تطبي ‪‎‬ق ‪‎‬ركنين‪‎ ‎‬أساسييّن ‪‎ ،‎‬ركن‪‎ ‎‬مادّ ‪‎‬ي ‪‎‬هو استعما ‪‎‬ر ‪‎‬الأر ‪‎‬ض ‪‎‬بقيم‪‎ ‎‬الاستخلاف‪‎‬‬ ‫‪‎‬أ ‪‎‬و ‪‎‬العمل‪‎ ‎‬ال ّصالح‪‎ ‎‬بعبارة‪‎ ‎‬القرآ ‪‎‬ن ‪‎‬ورك ‪‎‬ن ‪‎‬روحي‪‎ ‎‬يتمثّ ‪‎‬ل ‪‎‬ف ‪‎‬ي ‪‎‬الإيما ‪‎‬ن ‪‎‬الذي‪‎ ‎‬هو إقرار‪‎ ‎‬قلبي‪‎ ‎‬بوحدانيّ ‪‎‬ة ‪‎‬الل ‪‎‬ه ‪‎‬وتصديق‪‎‬‬ ‫‪‎‬بالجوارح‪‎ ‎‬والأركان ‪‎ ،‎‬فتهذب‪‎ ‎‬النّفس‪‎ ‎‬وتز ّكيه ‪‎‬ا ‪‎‬حتّ ‪‎‬ى ‪‎‬تصل‪‎ ‎‬إل ‪‎‬ى ‪‎‬مقا ‪‎‬م ‪‎‬التّقوى وه ‪‎‬و ‪‎‬الاحترا ‪‎‬م ‪‎‬المطلق‪‎ ‎‬للقانون بما‪‎‬‬ ‫‪‎‬يجع ‪‎‬ل ‪‎‬الفرد‪‎ ‎‬صالح ‪‎‬ا ‪‎‬داخل‪‎ ‎‬المجتم ‪‎‬ع ‪‎‬الإنساني‪.‎ ‎‬‬ ‫تمثّ ‪‎‬ل ‪‎‬التّقوى القانو ‪‎‬ن ‪‎‬الذي ين ّظ ‪‎‬م ‪‎‬العلاقا ‪‎‬ت ‪‎‬الاجتماعيّة ‪‎ ،‎‬فيج ّرم‪‎ ‎‬إرتكاب‪‎ ‎‬المحظورات الت ‪‎‬ي ‪‎‬تش ّك ‪‎‬ل ‪‎‬تهديد ‪‎‬ا ‪‎‬لسلام ‪‎‬ة‬ ‫‪‎‬المجتمع‪‎ ‎‬ولأمنه‪‎ ‎‬العام‪‎ ‎‬ويح ّث على‪‎ ‎‬مكار ‪‎‬م ‪‎‬الأخلاق‪‎ ‎‬والتّقيّ ‪‎‬د ‪‎‬به ‪‎‬ا ‪‎‬حتّى‪‎ ‎‬ينتقل‪‎ ‎‬المجتمع‪‎ ‎‬من الحيوانيّة‪‎)‎‬قانو ‪‎‬ن ‪‎‬الغاب(‪‎‬‬ ‫‪‎‬إل ‪‎‬ى ‪‎‬البشريّة‪‎)‎‬المدين ‪‎‬ة ‪‎‬الفاضلة‏التي‪‎ ‎‬دع ‪‎‬ا ‪‎‬إليها‪‎ ‎‬جمي ‪‎‬ع ‪‎‬الفلاسفة) ولذلك‪‎ ‎‬فإ ّن‪‎ ‎‬تقو ‪‎‬ى ‪‎‬الله‪‎ ‎‬في مخافته‪‎ ‎‬باجتناب‪‎ ‎‬نواهي ‪‎‬ه‬ ‫‪)‎‬الأعما ‪‎‬ل ‪‎‬ال ّضارة‪‎ ‎‬الت ‪‎‬ي ‪‎‬ينج ّرعنها‪‎ ‎‬ظل ‪‎‬م ‪‎‬لنف ‪‎‬س ‪‎‬مرتكبها‪‎ ‎‬فترديه‪‎ ‎‬إل ‪‎‬ى ‪‎‬أسفل‪‎ ‎‬سافلين‪‎(‎‬‏ واتبا ‪‎‬ع ‪‎‬أوامره‪‎)‎‬الأعمال‪‎ ‎‬التي‪‎‬‬ ‫‪‎‬يقوم‪‎ ‎‬بها‪‎ ‎‬الفرد‪‎ ‎‬ال ّصال ‪‎‬ح ‪‎‬في المجتمع‪‎ ‎‬ليثب ‪‎‬ت ‪‎‬حسن‪‎ ‎‬أدائه‪‎ ‎‬لأمانة‪‎ ‎‬الاستخلاف‪‎(‎‬‏ ‏ ‬ ‫‏ ‏‏(‪ )2‬إسراف الت ّطرف الفلسفي‏‬ ‫أ – أساس التط ّرف الفلسفي ‏‬ ‫دحض مفكرو التط ّرف الفلسفي أو التط ّرف القائم على مرجعيّة فلسفية فكرة أ ّن الدّين بصفة عا ّمة يسعى‬ ‫‏لتحقيق الح ّرية داخل المجتمع واعتبروا أ ّن ال ّسلطة الدّينية هي أصل داء المجتمع ولذلك ت ّم الفصل في المجتمع‬ ‫الأوروبي بين‏ال ّسلطة الدّينية التي تمثّلها الكنيسة وال ّسلطة ال ّسياسيّة بعد الحروب الدّينية التي شهدتها أوروبا‬ ‫في عصر ال ّظلمات وأدّت‏إلى ظهور وثيقة‏‪ estphalie‬‏‪ W‬وفيها ظهر للم ّرة الأولى مصطلح العلمانيّة والتي‬ ‫تعني إخراج الكنيسة من ال ّسيطرة في‏ال ّشأن العام‪ ،‬فهي إذا تحرير النّاس من سلطة الكنيسة لا من الدّين في‬ ‫ذاته‪.‬‏‬ ‫اعتبر فصل ال ّسلطة الدّينية عن ال ّسلطة ال ّسياسية ثورة حقيقيّة‪ ،‬فالاستبداد الدّيني التي كانت الكنيسة تنتهجه‬ ‫متسلّطة بذلك ‏على الأرواح والأجساد على حدّ سواء وفي جوانب الحياة المختلفة كالف ّن الذي قسمته إلى‬ ‫قسمين؛ ف ّن مقدّس يصف‏تفاصيل صلب المسيح وآخر مدنّس يصف تفاصيل الحياة اليوميّة ومختلف العلوم‬ ‫والعلماء الذين كانوا في صراع وجودي‏بين قداسة الدّين وروحانيته ودناسة العلم ومادّيته‏‪.‬‬ ‫دحض مفكرو التط ّرف الفلسفي أو التط ّرف القائم على مرجعّية‬ ‫فلسفية فكرة أ ّن ال ّدين بصفة عاّمة يسعى ‏لتحقيق الح ّرية داخل‬ ‫المجتمع واعتبروا أ ّن ال ّسلطة ال ّدينية هي أصل داء المجتمع‪.‬‬ ‫مجّلة الإصلاح ‪ -‬العدد ‪ - 146‬السنة ‪ - 8‬سبتمبر ‪/ 2019‬محرم ‪53 1441‬‬

‫تهافت المتطرفين‪ ،‬دعوى للتدبر في مقومات النظر ومآلات العمل ‪ -‬محمد أمين هبيري‬ ‫وجهة نظر‬ ‫كانت هذه ال ّسردية التّاريخيّة سببا رئيسا في نشوء مفهوم العلمانيّة وتط ّوره بما سمح للمجتمع الأوروبي‬ ‫من تكوين‏حضارة بشريّة بعيدة عن الدّين‪ ،‬إذ أ ّن فصل ال ّسلطة الدّينية عن ال ّسلطة ال ّسياسية انتقل إلى فصل‬ ‫جذري للدّين عن‏ال ّسياسة وهو مفهوم راديكالي تط ّرفي قائم على الإعلاء المطلق من النّشاط الدّنيوي المادّي‬ ‫وإقصاء تر ّسبات ال ّروحاني‏حتّى أ ّن القيم تشيّأت وأصبحت من المادّيات التي تساعد في الدّورة الاقتصاديّة‪.‬‏‬ ‫ب – نقد التط ّرف الفلسفي‏‬ ‫يختلف التّاريخ الإسلامي الذي أ ّصل لقاعدة جوهريّة تتمثّل في «لا رهبانية في الإسلام» وقد ت ّم تكريس‬ ‫ذلك واقعا وتطبيقا‏من خلال بناء المسجد في قلب المدينة وبذلك جعل الدّين يتفاعل مع المدينة والمدينة تؤثّر‬ ‫في الدّين وتشريعاته عن التّاريخ‏المسيحي الذي ق ّسم المجتمع المسيحي إلى قسمين ؛ قسم فيه مجتمع مؤمن‬ ‫بالعقيدة المسيحيّة لكنّه غير مك ّرس لخدمة‏الكنيسة وقسم آخر فيه مجتمع آخر يطلق عليه بمجتمع المترهب‬ ‫وهو الذي تجده في خدمة الكنيسة آناء اللّيل وأطراف ‏النّهار‪ ،‬وقد ظهر هذا التّقسيم خا ّصة في المعمار‬ ‫المسيحي من خلال بناء الكنائس خارج المدينة لينقطع ال ّراهب عن الدّنيا‪،‬‏فلا تؤثّر فيه ولا يؤثّر فيها‪.‬‏‬ ‫كما تختلف ال ّسلطة الدّينية على م ّر التّاريخ الإسلامي التي لم تكن تحاكم النّاس على آراءهم ومعتقداتهم‬ ‫الباطنيّة‪ ،‬باستثناء‏فترة المأمون وال ّصراع المعتزلي في علم الكلام وقضيّة خلق القرآن‪ ،‬بقدر ما كانت تحرم‬ ‫النّاس حقّهم في المشاركة في‏الحياة ال ّسياسيّة وتدبير شؤونهم الخا ّصة تحت ذريعة خطر تف ّكك الدّولة منذ‬ ‫الفتنة الكبرى وبذلك نخلص بأ ّن الثّورة في‏التّاريخ الإسلامي لم تكن ضدّ رجال الدّين أو الفقهاء بقدر ما كانت‬ ‫ضدّ ال ّرجل السياسة على عكس نظيرتها في التّاريخ‏المسيحي التي لعبت فيه الكنيسة دور الوص ّي على الدّين‬ ‫فأرست محاكم التّفتيش لدحض المعتقدات التي لا تتبناها الكنيسة‏بصفة رسميّة وإجبار أتباعها على اعتناق‬ ‫الدّين ال ّرسمي للكنيسة‏‪.‬‬ ‫لا ينكر عاقل أ ّن التّاريخ الإسلامي قد شهد انتهاكات لحقوق الإنسان خا ّصة في حقوقهم المدنيّة وال ّسياسيّة‪،‬‬ ‫فمخاوف دعاة‏الفصل أو دعاة التحديث تبدو مشروعة بالنظر إلى التجربة الاسلامية طيلة الـ‪ 14‬قرنا الماضية‬ ‫لكن وجب بيان أ ّن التّجربة‏التّاريخيّة لا تعكس فهما صحيحا للنّص المؤ ّسس بل لو تدبّر هؤلاء في ما يقوله‬ ‫النّص ال ّشرعي المؤ ّسس لوجدنا أ ّن علم‏الأنثروبولوجيا بما هي علم الإنسان والتي تهتم بالثّقافات الأخرى من‬ ‫خلال دراسة سلوك الإنسان في المجتمعات الماضية‏والحاضرة يبيّن لنا أنّه لا يمكن لأ ّي مجتمع أو مؤ ّسسة‬ ‫خلت من ال ّسياسة ق ّط‪ ،‬فالإنسان كائن سياس ّي بامتياز وبهذا يمكن‏القول أ ّن المسجد هو مؤ ّسسة سياسيّة بالمعنى‬ ‫الأنثروبولوجي‪.‬‬ ‫ختاما‪ ،‬يكون الفصل بين الدّين وال ّسياسة لا معنى له في ال ّسياق الأنثروبولوجي إذ أنّه ليس هنالك فترة‬ ‫في التّاريخ القديم‏والحديث وحتّى المعاصر كان الدّين فيها غائبا عن تدبير شؤون النّاس‪ ،‬وبهذا يمكن القول‬ ‫أ ّن الوصل ممكن في إطار مدني‏مع ضرورة تجديد الفكر الدّيني بما هو ثمرة عمليّة إنتاج الأفكار والتي‬ ‫تحتاج إلى مؤ ّسسة مشتركة بين جميع الأطراف‏المتداخلة في ال ّشأن العام وذلك لبناء مرجعيّة فكريّة واضحة‬ ‫ومشتركة تعود إليها ال ّسلطة التّشريعية لس ّن القوانين‏المتوافقة معها‪ ،‬فيسهل بذلك إنتظام العا ّمة داخل المجتمع‬ ‫الإنساني‪.‬‏‬ ‫مجّلة الإصلاح ‪ -‬العدد ‪ - 146‬السنة ‪ - 8‬سبتمبر ‪/ 2019‬محرم ‪1441‬‬ ‫‪54‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook