Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore ‏لقطة شاشة ٢٠٢١-٠٤-١٦ في ٥.١٥.٠٦ م

‏لقطة شاشة ٢٠٢١-٠٤-١٦ في ٥.١٥.٠٦ م

Published by مها أبو غليون, 2021-04-27 02:16:24

Description: ‏لقطة شاشة ٢٠٢١-٠٤-١٦ في ٥.١٥.٠٦ م

Search

Read the Text Version

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫الذين لم يولدوا بعد‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬

‫�ضل�ضلة �ضوء في المجرة‬ ‫الذين لم يولدوا بعد‬ ‫د‪ .‬أحمد خيري العمري‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬

‫إهداء‬ ‫إالى ه‪.‬ب‪ ،‬طبعاً‪..‬‬ ‫ب�ضفته ال�ضخ�ضية اأول ًا‪..‬‬ ‫وب�ضفته ممثل ًا عن «الجيل»‪ ،‬ثانياً‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫م�ن بعي�د ياأت�ي ليزورن�ا‪ ،‬وكل آا ٍت قري�ب‪ .‬يقط�ع الودي�ان‬ ‫والجبال وال�سهول‪ .‬يتجاوز الحدود والبحار والمحيطات‪ .‬يتجاهل‬ ‫الت أا�س�رة والتعرف�ة الجمركي�ة‪ .‬ل يلق�ي ب�ا ًل لتقلب�ات ا ألو�س�اع‬ ‫ال�سيا�س�ية والتح�س�دات الع�س�كرية‪ ...‬من بعيد ياأتي ليزورنا وكل‬ ‫اآ ٍت قري�ب‪.‬‬ ‫ننتظ�ره أاحيان� ًا بلهف�ة‪ ،‬و أاحيان� ًا نفاج� أا ب�ه في غم�رة ان�س�غالنا‪.‬‬ ‫مرة نفرح به ون�ستعد لزيارته لنا‪ ،‬ومرة ن�سيق ونتبرم ونتمنى لو‬ ‫اأخرها يوم ًا واحد ًا‪ ،‬واإن كنا نخفي ذلك اأدب ًا وت أادب ًا‪.‬‬ ‫من بعيد ياأتي ليزورنا‪ ،‬وكل اآ ٍت قريب‪.‬‬ ‫ل يخل�ف موع�د زيارت�ه أاب�د ًا‪ .‬لك�ن موع�ده يختل�ف بي�وم اأو‬ ‫يومين‪ .‬ي أاتينا في ال�س�نة مرة مثل مغترب م�س�تاق‪ .‬فيمكث عندنا‬ ‫�س�هر ًا‪ -‬و أاحيان� ًا �س�هر ًا اإل يوم� ًا‪ -‬كم�ا المغترب�ين الم�س�تاقين لك�ن‬ ‫الم�س�تعجلين‪ ،‬ياأت�ي إالين�ا محم� ًا بالحقائ�ب وا ألمتع�ة‪ ،‬فنه�رول‬ ‫اإليه�ا‪ ،‬ول ن�كاد ن�س� ِّلم علي�ه ون�وؤدي الواج�ب‪ ،‬حت�ى نلتف�ت اإلى‬ ‫الحقائ�ب‪ ،‬فنبع�ر محتوياته�ا وهداياه�ا الغالي�ة‪ ،‬نتفح�سه�ا‬ ‫ونقي�م أاثمانه�ا‪ ،‬ونتخا�س�م ح�ول تقا�س�مها‪ ،‬ونرث�ر ح�ول ذل�ك‬ ‫ط�وال الوق�ت‪ ،‬ون�س�دع ر أا�س�ه بخ�سوماتن�ا‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪8‬‬ ‫وعندم�ا يذه�ب‪ ،‬تك�ون حقائب�ه فارغ�ة اإل م�ن م�س�اكلنا‬ ‫وطلباتن�ا‪ .‬ل�و كان مث�ل كل المغترب�ين ألق�س�م األ ي أات�ي في ال�س�نة‬ ‫القادم�ة‪ ،‬لكن�ه ل يفع�ل ذل�ك أاب�د ًا‪� ،‬س�ي أاتي في كل الأح�وال‪..‬‬ ‫رغ�م �س�بح الح�رب ال�ذي يروح‪ ،‬ويج�يء بالقرب م�ن حدودنا‪،‬‬ ‫رغ�م �سدودن�ا‪ ،‬رغ�م عقوقنا‪ ،‬رغم ن�س�ياننا ورغم جحودنا؛يظل‬ ‫ياأتي إالينا ويزورنا‪..‬‬ ‫إان�ه هن�اك‪ .‬لعل�ه الآن في ال�س�ارع المج�اور‪ ،‬أاو البي�ت المج�اور‪،‬‬ ‫لعله ا آلن قد هبط من ال�س�يارة محم ًا بحقائبه‪..‬من بعيد ي أاتي‬ ‫إالين�ا‪ ،‬وكل آا ٍت قريب‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫رم�ضان على الاأبواب‪ ،‬يكاد يطرقها‪ .‬فلا تفتح له‪..‬‬ ‫***‬ ‫لي�س خط أاً مطبعياً‪.‬‬ ‫اأقول لك‪ :‬هذه المرة ل تفتح له‪..‬‬ ‫نع�م‪ ،‬ه�ذه الم�رة عندم�ا ياأت�ي رم�س�ان‪ ،‬ل تفت�ح ل�ه أابواب�ك‪.‬‬ ‫أاَو ِ�سده�ا جي�د ًا‪ .‬ارف�ع م�س�توى تح�سينات�ك‪ .‬زد م�ن الأقف�ال‬ ‫والمتاري��س‪ .‬اقط�ع الكهرب�اء ع�ن جر��س الب�اب‪.‬‬ ‫و أاحك�م اإ�س�دال ال�س�تائر‪ .‬و�س�ع القط�ن في أاذني�ك؛ حت�ى ل‬ ‫ت�س�عر بتاأني�ب ال�سم�ر‪.‬‬ ‫ول تفتح له‪.‬‬ ‫أاقول لك‪ :‬ل داعي‪ ،‬ل تفتح له‪.‬‬ ‫�سدق ما اأقول‪ :‬ل تفتح له‪.‬‬ ‫***‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪9‬‬ ‫إاذا كنت �ضتفعل به ما فعلته في المرة ال�ضابقة‪ ،‬لا تفتح له‪.‬‬ ‫إاذا كان �س�يمر عل�ى حيات�ك كم�ا م� َّر في ال�س�نوات ال�س�ابقة‪ ،‬ل‬ ‫تفتح له‪.‬‬ ‫ل داعي لذلك‪.‬‬ ‫اإذا كان �س�يكون مج�رد رم�س�ا ٍن آاخ�ر؛ مج�رد �سي� ٍف آاخ�ر‬ ‫ي�زورك كل �س�نة م�رة‪ ،‬ويمك�ث �س�هر ًا ث�م يم�س�ي دون اأن ي�ترك‬ ‫اأث�ر ًا‪ ،‬ف�ا تفت�ح ل�ه‪.‬‬ ‫إاذا كان �س�يكون �س�هر ًا أاخ�ر تج�وع وتعط��س في�ه قلي� ًا‪ ،‬ث�م‬ ‫تتخ�م وتمتل�ئ في�ه بطن�ك كث�ر ًا‪ ،‬فم�ن ا آلن أاق�ول ل�ك‪ :‬ل تفت�ح‬ ‫الأب�واب‪.‬‬ ‫اإذا كان �س�يكون �س�هر ًا آاخ�ر ت�س�تقبله واأن�ت ت�ض�رط علي�ه‬ ‫اأن لا ي�ض�رط علي�ك‪ ،‬ت�س�تقبله و أان�ت تق�رر اأن ل عه�ود ومواثي�ق‬ ‫دائمي�ة مع�ه‪ ،‬ف�ا تفت�ح الأبواب‪.‬‬ ‫اإذا �س�يكون مج�رد �س�ه ٍر قم�ري آاخ�ر‪ ،‬يبت�دئ بروؤي�ة اله�ال‬ ‫وينته�ي بروؤيت�ه اأو ع�دم روؤيت�ه!‬ ‫فاأقول لك‪ :‬ل تتعب نف�سك ول تكلفها‪ ..‬ول تفتح الباب‪.‬‬ ‫‪ ..‬اأق�ول ل�ك‪ :‬رم�س�ان عل�ى ا ألب�واب‪ .‬ي�كاد يطرقه�ا ‪ -‬فاأط�رق‬ ‫براأ�س�ك‪ ،‬وفك�ر‪ ،‬قب�ل اأن تفت�ح الباب اأو ل تفتحه‪.‬‬ ‫***‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪10‬‬ ‫و ألن الق�سي�ة خا�س�رة‪ ،‬اإذ اإن�ه �سيت�س�لل في كل الأح�وال م�ن‬ ‫الثق�وب والم�س�امات وفتح�ات ال�س�بابيك‪ ،‬وربم�ا موا�س�ر الم�اء‪،‬‬ ‫ف� إاني أاق�ترح علي�ك اقتراح�ا آاخ�ر‪.‬‬ ‫افتح له‪ ،‬ولكن لي�س بال�سرورة ا ألبواب‪.‬‬ ‫في كل م�رة كن�ت ت�س�تقبله فيه�ا‪ ،‬كاأي �سي� ٍف اآخ�ر‪ ،‬كن�ت تفت�ح‬ ‫له الباب‪.‬‬ ‫أاق�ول ل�ك‪ :‬م�ا دام ا ألم�ر �س�يان‪ ،‬ف�ا داع�ي‪ ،‬إان�ه �س�يدخل‬ ‫ويتج�اوز الأب�واب في كل الأح�وال‪ ،‬ول�ن يب�الي إاذا وجده�ا مغلق�ة‬ ‫ب إاح�كام أاو م�س�رعة مفتوح�ة عل�ى م�ساريعه�ا‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ولن يعاتبك على اأ�سول (التيكيت)‪.‬‬ ‫إان�ه ل يري�د من�ك اأن تفر��س ل�ه ال�س�جاد الأحم�ر‪ ،‬أاو ت�س�يء ل�ه‬ ‫ا ألنوار ال�ساطعة في الخارج‪.‬‬ ‫إانه �سيدخل في كل ا ألحوال‪.‬‬ ‫فافتح له فتح ًا مختلف ًا هذه المرة‪.‬‬ ‫وليكن فتح ًا مبين ًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫في كل م�رة ي�س�تعد النا��س ل�س�تقباله يفك�رون أاول م�ا يفك�رون‬ ‫في بطونه�م‪ ،‬وموائ�د الطع�ام والولئ�م التي �س�تمتد في�ه‪ ،‬اإفطار ًا‬ ‫و�سحور ًا‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪11‬‬ ‫وال�س�تعداد الأول ‪ -‬المع�روف ج�د ًا‪ -‬وال�ذي يب�داأ قب�ل دخ�ول‬ ‫ال�س�هر بف�ترة‪ ،‬ه�و الت�س�وق لحتياج�ات المطبخ الذي ي�وؤدي عاد ًة‬ ‫إالى ارتفاع الأ�س�عار‪.‬‬ ‫ل أاري�د الخو��س في ه�ذا المو�س�وع رغ�م أان�ه منزل�ق �س�ديد‬ ‫الإغ�راء‪ ،‬لك�ن أالي��س ذل�ك م�ا يح�دث ع�ادة‪ ،‬األا يفت�ح النا��س‬ ‫جيوبه�م ومحافظه�م لرم�س�ان أاول م�ا يفعل�ون؟‬ ‫األي��س ال�س�هر منا�س�بة ل�س�تهاك ‪ -‬أاو عل�ى ا ألق�ل اإع�داد ‪-‬‬ ‫أاك�بر كمي�ة ممكن�ة م�ن اأن�واع الطعام؟‬ ‫الوع�اظ والخطب�اء الذي�ن يتحدث�ون ع�ن ال�سي�ام باعتب�اره‬ ‫لي��س جوع� ًا فح�س�ب‪ ،‬يث�رون ا�س�تغرابي وا�س�تفزازي‪.‬ل ج�وع في‬ ‫رم�س�ان‪ ،‬خ�سو�س� ًا في �س�نوات كه�ذه‪.‬‬ ‫النا��س لم تع�د تج�وع في رم�س�ان‪ ،‬إانه�م يمتنع�ون قلي� ًا ع�ن‬ ‫الطعام‪ ،‬في عملية تكاد تكون أا�سبه بتحفيز وا�ستثارة لهم لهجوم‬ ‫كا�س�ح لح�ق على الطع�ام في موعد الإفطار‪.‬‬ ‫لذل�ك‪ ،‬ل ج�وع حقيقي� ًا في رم�س�ان‪ .‬النا��س ت�س�تهي الطع�ام‬ ‫ط�وال ف�ترة ال�س�وم‪ ،‬ث�م تهج�م لتلته�م عندم�ا يح�ين موع�د‬ ‫ا إلفط�ار‪.‬‬ ‫***‬ ‫وبع�د ذل�ك الهج�وم الكا�س�ح‪ ،‬والملحم�ة الهائل�ة‪ ،‬ي�س�تلقي‬ ‫النا��س وق�د فق�دوا قدرته�م عل�ى الح�راك‪ ،‬وبطونه�م تقرقر من‬ ‫هول القتحام الذي ح�سل‪ ..‬لقد هدهم ال�س�بع أاكر بكثر مما‬ ‫آاذاه�م الجوع‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪12‬‬ ‫المنزل�ق �س�ديد الإغ�راء كم�ا ت�رى‪ ،‬لكن�ي ل أاري�د اأن اأن�زل اإلى‬ ‫دون هذا الم�س�توى‪.‬‬ ‫رغم أان فيه طبقات أادنى واأدنى‪..‬‬ ‫***‬ ‫النا�س كما ترى تفتح لرم�سان أابوابها‪..‬‬ ‫اأول م�ا تفت�ح جيوبه�ا ومحافظه�ا‪ ،‬واأحيان� ًا خزائنه�ا‪ .‬وه�ذا‬ ‫معل�وم‪ ،‬ل �س�يء يمك�ن أان يه�ز تقالي�د الطع�ام العتي�دة في ه�ذا‬ ‫ال�س�هر‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ثم اإنها تفتح أا�سداقها واأفواهها‪ .‬وهذا مفهوم طبع ًا‪.‬‬ ‫ث�م اإنه�ا وبع�د ذل�ك تفتح أاعينها‪ ،‬على ات�س�اعها‪ ،‬في اجترار ما‬ ‫تبثه القنوات من م�سل�س�ات وبرامج وت�س�ا ٍل رم�سانية‪ ،‬ويحدث‬ ‫ذل�ك في أاثن�اء عملي�ة فتح لاأفواه اأخرى ت�س�مل طحن المك�س�رات‬ ‫الت�ي تزدهر في رم�سان‪.‬‬ ‫***‬ ‫كما ترى‪ ،‬النا�س يفتحون لرم�سان فتوحات مختلفة‪..‬‬ ‫لكني أاتحدث عن فتح اآخر‪ ،‬عن فتح كبر ومبين‪.‬‬ ‫يا �سديق‪..‬‬ ‫في قلبك مغارات ومغارات‪.‬‬ ‫وفيه اأي�س ًا كهوف مغلقة‪ ،‬و أار�س مجهولة وبقاع �سرية‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪13‬‬ ‫في قلب�ك اأماك�ن ل يعرفه�ا أاح�د‪ ،‬ول اأن�ت‪ ،‬ب�ل أان�ت ذات�ك ل‬ ‫تعرفها‪.‬‬ ‫و في�ه كواك�ب ومج�رات لم تط أاه�ا ق�دم إان�س�ان‪ ..‬وفي�ه غ�رف‬ ‫�س�رية ل يع�رف مداخله�ا أاحد‪..‬‬ ‫و في�ه �سح�ارى وغاب�ات ع�ذراء‪ ،‬وفيه قارات مجهولة غاط�س�ة‬ ‫تح�ت ق�اع البح�ر‪ ،‬وفي�ه كواكب ونج�وم لم ير�سدها (تل�س�كوب)‬ ‫بع�د‪ ،‬ومج�رات ل ت�زال تتوال�د‪ ،‬وتتراك��س في ك�ون متم�دد‬ ‫با�س�تمرار‪..‬‬ ‫وفي�ه اأه�م م�ن ذل�ك كل�ه‪ ،‬وقب�ل ذل�ك كل�ه‪ ،‬أان�ت‪ :‬حفن�ة م�ن‬ ‫هم�وم وم�س�اكل‪ ،‬عق�د ومخ�اوف‪ ،‬هواج��س وذكري�ات‪..‬‬ ‫ما�ٍس مليء بالمتاعب‪ ،‬وم�ستقبل ملبد بالغيوم‪...‬‬ ‫وفي�ه أاي�س� ًا الكث�ر م�ن الدخ�ان؛ دخ�ان ال�س�جائر الت�ي ينفثه�ا‬ ‫قلبك با�س�تمرار‪ ،‬حتى �سار يبدو مثل محرك معطوب‪..‬‬ ‫وفي قلبك قفل‪ ،‬وعلى القفل مترا�س ومزلج‪..‬‬ ‫وعليه اأي�س ًا بيت عنكبوت‪ ،‬وع�س حمامة‪..‬‬ ‫لم يقترب من القفل اأحد‪.‬‬ ‫***‬ ‫واأقول لك‪ :‬افتح لرم�سان قلبك‪.‬‬ ‫ات�رك عملي�ات الفت�ح التقليدي�ة الأخ�رى‪ ،‬وه�ذا (الرم�س�ان)‬ ‫افعل �س�يئ ًا ا�س�تثنائي ًا وافتح قلبك لرم�سان‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪14‬‬ ‫دعك من فتح الجيب والفم والعين‪..‬‬ ‫اأق�ول ل�ك افت�ح قلب�ك لرم�س�ان‪ .‬التفا�سي�ل الباقي�ة غ�ر‬ ‫مهم �ة‪..‬‬ ‫انظ�ر‪ ،‬م� ّد يدي�ك نح�و القف�ل‪ ،‬دع هال�ه يك�ون المنج�ل ال�ذي‬ ‫يم�زق بي�ت العنكب�وت‪ ،‬ل ب أا��س اإن ط�ارت الحمام�ة وارتعب�ت‪.‬‬ ‫ارف�ع بي�دك الم�زلج ال�سخ�م ‪� -‬س�ي�سدر �سري�ر ًا مرعب� ًا‪-‬‬ ‫وربم�ا يك�ون ثقي� ًا قلي� ًا‪ ،‬اجم�ع ق�واك وا�س�تجمع اأع�ساب�ك‬ ‫وارفع �ه‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫وم َّد يدك نحو القفل وافتحه‪..‬‬ ‫دع رم�سان يدخل‪.‬‬ ‫***‬ ‫رغم أانك ت�ضوم منذ قرون‪ ،‬دعه يكون رم�ضانك الاأول‪.‬‬ ‫***‬ ‫من�ذ ف�ترة طويل�ة‪ ،‬وع�بر ال�س�نوات المتعاقب�ة‪ ،‬وم�ع كل رم�س�ان‬ ‫يهل هاله‪ ،‬كنتاألحظ با�ستغراب�سديد‪ ،‬أان الفقهاءوالخطباء‬ ‫والوعاظ على المنابر وفي البرامج التلفازية والإذاعية‪ ،‬يعاملون‬ ‫رم�سان كما لو كان أاول رم�سان يمر على الم�سلمين‪ ،‬أاو كما لو أان‬ ‫أاحكام ال�سيام قد فر�ست للتو‪ .‬كل رم�سان يعاد الحديث نف�سه‬ ‫ع�ن اأح�كام ال�س�وم و�س�روطه واأع�ذاره‪ ،‬وكل التفا�سي�ل ا ألخ�رى‬ ‫التي تعاد وتكرر؛ ابتداء من نية ال�سيام اإلى زكاة الفطر‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪15‬‬ ‫وكان ذل�ك يث�ر ا�س�تغرابي‪ ،‬ه�ذا التك�رار والعج�ن في اأم�ور‬ ‫يفتر��س اأن تك�ون م�ن المعلوم�ة بال�س�رورة‪ ،‬كم�ا يقول�ون‪..‬‬ ‫كن�ت أاع�زو ذل�ك في البداي�ة إالى الغب�اء (غب�اء الخطب�اء‬ ‫اأو غب�اء النا��س عام�ة‪ ،‬ل ف�رق)‪ ،‬اأو إالى قل�ة المو�سوع�ات الت�ي‬ ‫يجي�دون التح�دث عنه�ا‪ ..‬فيك�ون رم�س�ان و أاحكام�ه و�س�يلة لم�لء‬ ‫الف�راغ‪ ،‬ل أاك�ر‪.‬‬ ‫ث�م لن�ت نظرت�ي بالتدريج‪ ،‬ربما كانوا يك�ررون هذه المعلومات‬ ‫من اأجل النا�س الجدد الذين ي�سومون ألول مرة‪.‬‬ ‫ث�م أاخ�ذت اأفك�ر اأنه�م ربم�ا يفعل�ون ذل�ك م�ن أاج�ل التذك�رة‪،‬‬ ‫والذك�رى تنف�ع الموؤمنين‪.‬‬ ‫ث�م فهم�ت! و�سل�ت لمعن�ى الحكمة الخفية الت�ي ربما كان ه ؤولء‬ ‫الخطب�اء يجهلونه�ا �س�خ�سي ًا عندم�ا يتحدثون ع�ن رم�سان كما‬ ‫لو أانه أاول رم�سان يمر على الم�س�لمين‪..‬‬ ‫يح�دث ذل�ك‪ ،‬بب�س�اطة‪ ،‬ألن�ه كذل�ك فع� ًا‪ ..‬أاو عل�ى ا ألق�ل ه�و‬ ‫كذل�ك بالن�س�بة اإلى غالبي�ة ال�سائم�ين؛ كان�وا ي�سوم�ون ط�وال‬ ‫�س�نوات وربم�ا حري�س�ين عل�ى ذل�ك‪ ،‬لك�ن رم�س�ان لم يدخ�ل‬ ‫قلوبه�م‪ ،‬لم يدخ�ل أاعماقه�م‪..‬‬ ‫كان �سيامه�م مرتبط� ًا بالع�ادات والتقالي�د والطقو��س‬ ‫الجماعي�ة وحت�ى الفلكل�ور‪ ،‬اأك�ر مم�ا كان مرتبط� ًا بمعن�ى‬ ‫رم�س�ان‪ ،‬وبحكم�ة رم�س�ان‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪16‬‬ ‫دخ�ل رم�س�ان جيوبه�م ف أافرغه�ا‪ ،‬ودخ�ل اأ�س�داقهم الممتلئ�ة‬ ‫بالحلوىوالمك�سراتال�سهية‪،‬ودخلعيونهمف أامتعهابالم�سل�سات‬ ‫والفوازير البهيجة‪..‬‬ ‫ولك�ن العنكب�وت والحمام�ة ظ� َّا عل�ى القف�ل ال�ذي عل�ى‬ ‫قلوبه �م‪..‬‬ ‫لم يدخل رم�سان قلوبهم‪.‬‬ ‫ولذل�ك وفي كل �ض�نة‪ ،‬اإذا م�ا دخ�ل رم�ض�ان‪ ،‬حق�اً �ض�يكون اأول‬ ‫رم�ضان‪.‬‬ ‫***‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫كث�رون ‪ -‬كم�ا نع�رف جميع� ًا وناح�ظ ‪ -‬م�ن أاه�ل الكبائ�ر‬ ‫والمعا�س�ي‪ ،‬حت�ى اأ�س�دها و أاعظمه�ا ي�سوم�ون في رم�س�ان‪ ،‬وربما‬ ‫أاي�س� ًا ي�سل�ون‪ ،‬ث�م إانه�م‪ ،‬كاأم�ر واق�ع‪ ،‬يمتنع�ون ع�ن معا�سيه�م‬ ‫وكبائره�م تل�ك‪ ،‬ط�وال ه�ذا ال�س�هر‪.‬‬ ‫وهذا أامر �سائع جد ًا‪ .‬واأخ�سى اأن يكون هو الغالب وا ألعم‪.‬‬ ‫في الحقيق�ة‪ ،‬ل ت�س�تطيع اأن تب�ذل اأي ج�دل في ذل�ك‪ .‬ل اأح�د‬ ‫يمكن�ه أان يمن�ع اأه�ل الكبائ�ر م�ن �سي�ام رم�سان أاو م�ن ال�ساة‬ ‫في�ه‪ ،‬ول اأح�د يمكن�ه أان يغل�ق اأبواب� ًا فتحها الرحمن‪.‬‬ ‫المه�م ه�و م�ا يل�ي ذل�ك‪ ،‬بعدم�ا ينق�س�ي ال�س�هر‪ ،‬وربم�ا في‬ ‫ليل�ة العي�د‪ ،‬ه�ل �س�يعود ه� ؤولء إالى حياته�م الما�سي�ة ومعا�سيه�م‬ ‫وكبائرهم كما لو اأن �س�يئ ًا لم يكن؟ هل �س�ي�سدق عليهم اإبلي��س‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪17‬‬ ‫ظن�ه؟ ه�ل �س�يتمكن م�ن ه�دم كل م�ا بنوه في �س�هر‪ ،‬في يوم واحد‬ ‫بع�د ه�ذا ال�س�هر؟ مع�سي�ة واح�دة‪ ،‬كب�رة واح�دة؟‬ ‫إاذا ح�دث ذل�ك‪ ،‬واأخ�س�ى اأن أاق�ول‪ :‬إان�ه كث�ر ًا م�ا يح�دث‪ ،‬ف�ا‬ ‫فائدة‪.‬‬ ‫ل أاخ�سى من أان اأقرر‪ :‬ل‪ ،‬ل لم يكن رم�سان إاذن‪.‬‬ ‫رغ�م اأنه�م �سام�وا‪ ،‬امتنع�وا ع�ن ا ألكل وال�س�رب‪ ،‬و�س ّل�وا‪،‬‬ ‫وربم�ا ذهب�وا للتراوي�ح‪ ،‬لك�ن‪..‬‬ ‫ل�و كان رم�س�ان حق� ًا‪ ،‬لم�ا ع�ادوا أادراجه�م‪ .‬رغ�م أان ال�س�داع‬ ‫أا�سابه�م ب�س�بب ع�دم �س�رب ال�س�اي أاو ب�س�بب ع�دم تدخ�ين‬ ‫�س�يجارة‪.‬‬ ‫رغ�م الولئ�م والعزائ�م‪ ،‬والأكل والتج�س�وؤ بع�ده‪ ،‬والتخم�ة التي‬ ‫تبعث على الك�س�ل‪ ،‬والم�سل�س�ات التي تبعث على الملل‪ ،‬والأ�س�داق‬ ‫وا ألفواه التي تتحرك با كلل‪..‬‬ ‫رغ�م ذل�ك‪ ،‬ورغ�م التق�ويم الهج�ري المعلق هن�اك‪ ،‬ورغم أانهم‬ ‫تبادلوا التحيات والتهاني في بداية ال�سهر وفي نهايته‪..‬‬ ‫لكن‪ ،‬مع الأ�سف‪ ،‬لي�س رم�سان‪.‬‬ ‫ربما أاي �سيء اآخر‪ ،‬وربما مح�سوب في كفة ح�سناتهم‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬لي�س رم�سان‪.‬‬ ‫***‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪18‬‬ ‫لو كان رم�ضان‪ ،‬لكان ح�ضل �ضيء اآخر لهم‪.‬‬ ‫ل�و كان رم�س�ان ق�د دخ�ل في قلوبه�م‪ ،‬لم�ا ع�ادوا أادراجه�م اإلى‬ ‫اأو�ساعهم ال�س�ابقة (كما كنت!)‪.‬‬ ‫ل�و كان رم�س�ان‪ ،‬لقربه�م خط�وة اأك�ر إالى الله‪ ،‬لمتنع�وا ع�ن‬ ‫المع�سي�ة المعين�ة‪ ،‬أاو حاول�وا التخفي�ف م�ن الكب�رة الأخ�رى‪ ،‬أاو‬ ‫لحاول�وا المواظب�ة عل�ى ال�ساة‪.‬‬ ‫ل�و كان رم�س�ان حق� ًا‪ ،‬لتم�س�كوا بذل�ك الحب�ل ال�ذي األق�ي‬ ‫إاليه�م؛ فهو م�سمم أا�سا�س� ًا ليم�س�كوه ط�وال الوقت‪ ،‬لينقذهم في‬ ‫دنياه�م واآخرته�م‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫لكنه�م ‪ -‬و ألن الغفل�ة وباء م�س�تع ٍ�س‪ -‬ف� إان الحبل يلقى اإليهم‪،‬‬ ‫فيلعبون‪ ،‬ويلهون‪ ،‬ويق�سون الوقت في �سده وجره‪..‬‬ ‫اإلى أان ت أات�ي ال�س�اعة‪ ،‬فيلت�ف ح�ول اأعناقه�م‪ ،‬ويخنقه�م‪،‬‬ ‫يغرقه�م ب�د ًل م�ن أان ينقذه�م‪..‬‬ ‫ولو كان رم�سان حق ًا‪ ،‬لكان هناك كام اآخر‪.‬‬ ‫***‬ ‫قل�ت لي م�رة‪ ،‬وفي الب�دء ج�د ًا ج�د ًا‪ :‬إان�ك كنت ت�س�وم وت�سلي‬ ‫في رم�سان‪ ،‬ولكن بعدها ل�سيء‪ .‬وكما كنت‪.‬‬ ‫�س�األتك وقته�ا ب�س�ذاجة ‪ -‬ولم أاق�س�د جواب� ًا معين� ًا‪ ،‬فق�ط‬ ‫لا�س�تمرار في الح�وار‪ : -‬لم�اذا؟‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪19‬‬ ‫اأجبتن�ي بب�س�اطة ‪ -‬جواب� ًا لعل�ك لم ت�درك كم هو عميق ‪ -‬قلت‬ ‫لي‪ ،‬ول اأزال اأذكر النبرة والمامح وكل �سيء ‪� :‬ضيطاني قوي‪.‬‬ ‫ولعل�ك لم ت�درك ك�م ه�و �سحي�ح م�ا قلت�ه‪� .‬سحي�ح وعتي�ق‪.‬‬ ‫فمنذ البداية كان ذلك الرهان‪ ،‬ومنذ البداية كان ذلك الق�سم‪،‬‬ ‫ومن�ذ البداي�ة وحت�ى الآن النا��س ي�س�قطون‪ ،‬وبع�د رم�سان بيوم‪،‬‬ ‫ي�س�دق عليهم إابلي��س ظنه‪.‬‬ ‫«�سيطاني قوي» قلت لي‪..‬‬ ‫و�سكت أانا‪.‬‬ ‫عندم�ا يتعل�ق الأم�ر بالق�وة وال�سع�ف فالم�س�األة ن�س�بية‪ .‬اإم�ا أان‬ ‫ال�س�يطان قوي‪ ،‬أاو أان ا آلدمي �سعيف‪.‬‬ ‫ول�و كان رم�س�ان حق� ًا ق�د م� ّر علي�ك ودخ�ل هن�اك‪ ،‬لهم��س‬ ‫�س�يطا ٌن م�ا لزميل�ه‪ « :‬إان اآدم�ي قوي‪»..‬في�ا �سديق�ي ال�ذي لم يعد‬ ‫�سعيف� ًا‪ ،‬دع �س�يطانك يق�ول‪ :‬إان آادم�ي ق�وي!‪.‬‬ ‫***‬ ‫وقل�ت ل�ك أان�ا م�رة‪ ،‬ولا ت�زال ذاكرت�ي تحتف�ظ ب�كل‬ ‫التفا�ضي�ل‪ :‬فاتن�ا رم�ض�ان‪..‬‬ ‫كن�ا هن�اك في ال�س�ارع الع�ام‪ ،‬وط�ال حوارن�ا حت�ى انت�س�ف‬ ‫اللي�ل وف�رغ ال�س�ارع وذهب�ت ال�س�يارات‪ ،‬اأذك�ر التفا�سي�ل ‪ -‬لك�ن‬ ‫ل داع�ي له�ا ‪ -‬كن�ت تعاتبن�ي بم�رارة عم�ا اعتبرت�ه ق�س�وة من�ي‬ ‫(واعتبرت�ه أان�ا حر�س� ًا علي�ك) وذك�رت لي‪ ،‬لتدل�ل عل�ى خطئ�ي‪،‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪20‬‬ ‫وقوف�ك ب�سم�ود بوج�ه غواي�ة معين�ة‪ ،‬غواي�ة ي�سع�ب عل�ى م�ن‬ ‫كان في وحدت�ك وو�سع�ك وما�سي�ك أان يرف�سه�ا‪ ،‬ويغل�ق الب�اب‬ ‫بوجهه�ا‪.‬‬ ‫لكنك فعلت‪.‬‬ ‫وتخيلت�ك هن�اك واأن�ت �سام�د‪ .‬تع�ود لي� ًا إالى �س�قتك وحي�د ًا‪.‬‬ ‫وت أاكل وحيد ًا‪.‬‬ ‫وتفكر بكل ما كان وحيد ًا‪ .‬ثم تلف ر أا�سك لتنام وحيد ًا‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ومع ذلك ا�ضتطعت أان تفعلها‪ :‬و�ضمدت!‬ ‫أاجه��س قلب�ي بالب�كاء وقته�ا‪ .‬لم ت�س�مع �سوت�ه‪ .‬لك�ن دمع�ت‬ ‫عين�اي‪ .‬ث�م قل�ت ل�ك �س�يئ ًا كان يب�دو أان ل عاق�ة ل�ه با ألم�ر‪..‬‬ ‫قلت لك‪ :‬فاتنا رم�ضان‪..‬‬ ‫لق�د فك�رت وقته�ا‪ ،‬إان خطوات�ك (ال�س�ريعة أا�س� ًا) نح�و الله‪،‬‬ ‫كان�ت �س�تكون أاثب�ت و أاق�وى و أاجم�ل و أاروع‪ ،‬ل�و اأن رم�س�ان كان‬ ‫هناك‪..‬‬ ‫فك�رت أان�ك تمل�ك في داخل�ك فط�رة هائل�ة ‪ -‬رغ�م ركام‬ ‫الما�سي ومعا�سيه وتعقيدات الحا�سر وتقاطعاته ‪ -‬تملك قابلية‬ ‫هائل�ة للهداي�ة‪ ،‬قابلي�ة اأ�سيل�ة ونقي�ة لم تك�ن تحت�اج إالى الكث�ر‬ ‫لتنجل�ي وتظه�ر عل�ى ال�س�طح‪.‬‬ ‫في أاعماق�ك كان هن�اك م�ارد موؤم�ن‪ ،‬لم يك�ن يحت�اج اإلى‬ ‫الكث�ر ليخ�رج م�ن قمقم�ه‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪21‬‬ ‫ول�و كان هن�اك رم�س�ان‪ ،‬والق�س�ة كله�ا ب�داأت بعده ب�س�هر كما‬ ‫تذكر‪ ،‬لكان ذلك أاثبت‪ ،‬واأي�سر‪ ،‬واأروع‪ ،‬اأو كذلك ظننت‪.‬‬ ‫وقته�ا م�ا كن�ت أات�س�ور أان�ك �س�تبقى إالى رم�س�ان الق�ادم‪..‬‬ ‫لذلك قلت بح�س�رة وحزن عميقين‪ ،‬ما كان يبدو أانه ل عاقة له‬ ‫بم�ا قلت�ه‪ .‬قلت ل�ك‪ :‬فاتن�ا رم�ضان‪..‬‬ ‫هززت ر أا�سك أانت موافق ًا‪ .‬ولم تعلق‪.‬‬ ‫هن�اك في ال�س�ارع الع�ام‪ ،‬وق�د خ�ا م�ن الم�ارة وال�س�يارات قلت‬ ‫حتى كادت أان تختفي بالتدريج‪ ،‬ح�سلت هذه الحكاية‪..‬‬ ‫لك�ن‪ ،‬ف�وق هن�اك‪ ،‬عن�د الله في عليائ�ه‪ ،‬كان�ت هن�اك خط�ة‬ ‫أاخ�رى‪ ،‬وكان رم�س�ان الق�ادم ينتظرن�ا‪..‬‬ ‫رم�سان الذي ‪ -‬هذه المرة ‪ -‬يجب األ يفوتنا‪.‬‬ ‫***‬ ‫وكذل�ك اأ�س�عر اأن الع� ّد التن�ازلي ق�د ب�د أا فع� ًا‪ ،‬و أان الوق�ت ق�د‬ ‫ب�داأ يدركن�ي (يدركن�ا!) واأن عل�ي اأن اأ�س�تجمع كل كلمات�ي وكل‬ ‫اأف�كاري وكل هواج�س�ي وو�ساو�س�ي ومخ�اوفي لأركزه�ا في حقن�ة‬ ‫واح�دة؛ يك�ون موعده�ا في رم�سان‪..‬‬ ‫نع�م‪ ،‬اأ�س�عر أان الع� ّد التن�ازلي قد ب�داأ‪ ،‬و أان رم�س�ان الذي على‬ ‫الأب�واب (ي�كاد يطرقه�ا) ه�و الأخر لنا مع� ًا‪ ،‬و أان رم�سان الذي‬ ‫يلي�ه‪� ،‬س�وف يزورن�ا كل واح�د عل�ى ح�دة ‪ -‬في ق�ارة مختلف�ة ‪-‬‬ ‫(ه�ذا إاذا فعل أا�س ًا)‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪22‬‬ ‫الع� ًد التن�ازلي ق�د ب�د أا‪ ،‬ورم�سان عل�ى الأبواب‪ .‬وت�كات العداد‬ ‫تكاد تنفجر كالقنبلة الموقوتة في اأع�سابي‪..‬‬ ‫***‬ ‫إانه رم�ضان إاذن‪.‬‬ ‫و ألن�ه كذل�ك‪ ،‬فاأب�واب الجن�ة ‪ -‬الت�ي تمت�د م�ن ال�س�ام إالى‬ ‫اليم�ن ‪ -‬ق�د فتح�ت‪ ،‬و أاب�واب جهن�م ‪ -‬الت�ي ل اأع�رف بال�سب�ط‬ ‫اأبعاده�ا ‪ -‬ق�د أاغلق�ت‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫وال�سياطين �سل�سلت و�سفدت‪.‬‬ ‫ول أانه كذلك ف إانه فر�ضة عظيمة للتذوق‪.‬‬ ‫***‬ ‫ل‪ ،‬ل أا�سخر من هوؤلء ثانية‪ .‬ول اأق�سد ال�ستفزاز وال�ستهزاء‬ ‫(رغم اأن الفر�سة عظيمة!)‪.‬‬ ‫إان�ه فر�س�ة عظيم�ة للتذوق فع� ًا‪ ،‬ولكن لي��س للموائد الممدودة‬ ‫ط�و ًل وعر�س� ًا وعمق� ًا‪ .‬لي��س للحلوي�ات الرم�ساني�ة ول للمقبات‬ ‫والم�س�هيات الت�ي يتق�ن مجتمعن�ا اجتراره�ا‪ ،‬وتتف�ن ن�س�اوؤنا في‬ ‫إاعدادها‪.‬‬ ‫لي��س ألن�واع الح�س�اء الت�ي (رم�سان لي��س رم�سان� ًا من دونها)‬ ‫ول للمخل�ات الت�ي ل ب�د م�ن وجوده�ا كطب�ق �س�روري ول غن�ى‬ ‫عنه‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪23‬‬ ‫لي��س ألل�وان اللح�وم الت�ي تن�س�ب‪ .‬بي�س�اء وحم�راء وم�ا‬ ‫بينهم�ا‪ .‬وط�رق طهوه�ا المختلف�ة و أان�واع ح�س�وها المتنوع�ة‪.‬‬ ‫لي��س ل�كل تل�ك ال�س�وائل المختلفة األوانها‪ ،‬طازج�ة وم�سطنعة‪،‬‬ ‫التي يفتر�س اأن تمدنا ب�سعرات هي من لزوم ما ل يلزم‪.‬‬ ‫لي��س ل�كل ذل�ك اله�در الهائ�ل ‪ -‬في الوق�ت والم�ال وال�سح�ة‬ ‫والروح ‪ -‬الم�سرعة راياته من اأجل التقاليد الرم�سانية العريقة‪.‬‬ ‫نع�م‪ ،‬رم�س�ان فر�س�ة عظيم�ة للت�ذوق‪ .‬ولك�ن ع�ن �س�يء آاخ�ر‬ ‫أاتحدث‪.‬‬ ‫***‬ ‫يقولون‪ :‬من ذاق عرف‪ .‬ومن عرف اغرف!‬ ‫***‬ ‫رغ�م الأب�واب المفتوح�ة‪ ،‬والأخ�رى الم�س�دودة‪ .‬رغ�م ال�سا�س�ل‬ ‫والأغال‪.‬‬ ‫ل اأجد فيه غر أانه فر�سة للتذوق‪.‬‬ ‫كل تل�ك الأب�واب الم�س�رعة الممت�دة عل�ى خط�وط الط�ول‬ ‫والعر��س‪ .‬كل تل�ك الأخ�رى المغلق�ة‪ ،‬وال�سا�س�ل وه�ي ت�سف�د‬ ‫ال�س �ياطين‪.‬‬ ‫ل اأجد فيه �سوى اأنه فر�سة للتذوق‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪24‬‬ ‫كل ذل�ك ا ألج�ر‪ .‬كل تل�ك المغف�رة‪ .‬كل تل�ك الح�س�نات‪ :‬ل اأج�د‬ ‫فيه�ا �س�وى أانه�ا طع�م أاع�د م�ن اأجل�ك‪ ،‬لك�ي تت�ذوق فق�ط! نع�م‪.‬‬ ‫فق�ط‪ .‬رغ�م اأن ه�ذا ال� (فق�ط) كث�ر ‪ -‬لو كنت�م تعلمون‪.‬‬ ‫***‬ ‫اأكرر‪ :‬من ذاق عرف‪ .‬ومن عرف اغترف!‪.‬‬ ‫و ألنه يحبك‪ .‬ويريدك اأن تبادله حب ًا بحب‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫و ألن�ه يعل�م أان�ك تجه�ل ك�م ه�و رائع حب�ه‪ ،‬وهو العلي�م بما تعلم‬ ‫وما تجهل‪.‬‬ ‫و ألن�ه يع�رف أان�ك ل تع�رف �س�يئ ًا‪ ،‬و أان�ك حائ�ر و�س�ال وخائ�ف‬ ‫مثل طفل خجول في أاول يوم له في المدر�س�ة‪.‬‬ ‫و ألن�ه خب�ر باأن�ك ت�س�رف في م�س�اعرك في التج�اه الخط� أا‪،‬‬ ‫واأن�ك تق�س�ي عم�رك ‪ -‬أاحيان� ًا‪ -‬في الأه�داف الخط�اأ‪.‬‬ ‫ولأن�ه يع�رف اأن�ك تحت�اج إالى م�ن تحب�ه‪ ،‬كم�ا تحت�اج الم�اء‬ ‫واله�واء ‪ -‬وربم�ا أاك�ر ‪ -‬واأن حاجت�ك اإلي�ه موج�ودة في اأعماق�ك‬ ‫حت�ى ل�و كن�ت تجه�ل وجوده�ا‪..‬‬ ‫و ألن�ه يع�رف اأن حاجت�ك ه�ذه‪� ،‬س�ت�سيعك اإن لم ت�س�بعها؛‬ ‫بال�سب�ط كم�ا تفع�ل كل الحاج�ات ا ألخ�رى‪ ،‬و�س�تتمرد علي�ك إان‬ ‫لم تجبه�ا‪ ،‬و�س�تتركك في مه�ا ٍو ومهال�ك اإن اأنت لم ت�س�كتها‪ .‬ف إانه‬ ‫يري�دك أان ت�س�بع ه�ذه الحاج�ة إالي�ه في اأعماق�ك‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪25‬‬ ‫ويح�دث ذل�ك كل�ه ‪ -‬أاول م�ا يح�دث‪ ،‬واأك�ر م�ا يح�دث ‪ -‬في‬ ‫رم�سان‪.‬‬ ‫عندما يجعلك تتذوق قلي ًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫لنتاأمل فيما تعودنا أان ن�ضمعه‪ ،‬دون اأن ننتبه له‪..‬‬ ‫في رم�س�ان هن�اك مو�س�م تنزي�ات هائل�ة وعظيم�ة عل�ى كافة‬ ‫الب�سائع وبكافة الأنواع‪.‬‬ ‫هن�اك المغف�رة‪ .‬هن�اك الأج�ر الهائ�ل‪ .‬هن�اك العت�ق م�ن النار‪.‬‬ ‫هن�اك الح�س�نات الت�ي تج�ازى بع�س�رة اأ�سع�اف واأك�ر مم�ا ل�و‬ ‫قدم�ت في اأي �س�هر اآخ�ر‪ .‬هن�اك كل تل�ك الف�سائ�ل الأخ�رى التي‬ ‫ُتدخ�ل الجن�ة و ُتخ�رج م�ن الن�ار‪ ،‬ب أاق�ل م�ن القليل م�ن ا ألعمال‪..‬‬ ‫ح�سن ًا‪ ،‬نعرف ذلك كله‪ .‬لكن ما الأمر بال�سبط من وراءه؟‪.‬‬ ‫لق�د تعودن�ا �س�ماعه ومعرفت�ه‪ .‬لك�ن لم�اذا يح�دث ذل�ك‬ ‫بال�سب�ط؟ لم ن�س�األ‪.‬‬ ‫لو حدث ا ألمر مع أاي ب�سائع أاخرى ‪ -‬دونما ت�س�بيه ‪ -‬ل�س�ككنا‬ ‫ولثارت ت�ساوؤلتنا‪ .‬لو دخلنا أاي متجر‪ ،‬ووجدنا اأن أا�سعار ب�سائعه‬ ‫ق�د اأنزل�ت اإلى الع�س�ر أاو أاق�ل‪ ،‬األ�ن نت�س�ور اأن هناك �س�يئ ًا ما في‬ ‫ا ألمر‪ .‬الب�ساعة كا�س�دة‪ .‬م�سروبة‪ .‬م�س�اكل في الخزن‪ .‬مناف�س�ة‬ ‫على ا أل�سعار‪ .‬اإلخ؟‪.‬‬ ‫أالي�س كذلك؟‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪26‬‬ ‫لك�ن مع�ه‪ .‬وعندم�ا يفع�ل م�ا يفعل�ه في رم�س�ان‪ .‬فاإنن�ا ل‬ ‫نت�س�اءل‪ .‬اإن�ه غف�ور رحيم ك�ريم‪ .‬وتلك �سفاته الت�ي تطبعنا على‬ ‫اأن نقبله�ا كم�ا ه�ي‪.‬‬ ‫إانن�ا ل نقل�ب في الب�ساع�ة‪ ،‬ول نح�اول اأن ندق�ق لك�ي نع�رف م�ا‬ ‫الأمر من وراء هذه التنزيات‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬فلنحاول أان ندقق قلي ًا في ا ألمر‪.‬‬ ‫إان�ه غف�ور ورحي�م وك�ريم‪ .‬ولأن�ه كذل�ك ف إان�ه يمنحن�ا مغفرت�ه‬ ‫وكرم�ه دونم�ا ح�دود‪ .‬في رم�س�ان خ�سو�س� ًا‪ ،‬أاك�ر م�ن أاي وق�ت‬ ‫آاخر‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫نعم‪ .‬هذا مفهوم‪.‬‬ ‫لك�ن‪ ،‬مث� ًا‪ ،‬ل�و اأنن�ا خرجن�ا م�ن رم�س�ان ونح�ن عتق�اء م�ن‬ ‫الن�ار وق�د غف�ر الله لن�ا م�ا �س�بق م�ن ذنوبن�ا‪ ،‬ث�م عدن�ا كم�ا كن�ا‬ ‫بال�سب�ط‪ ،‬كبائ�ر وك�وارث ومعا�ٍس وم�سائب‪ ،‬وطري�ق النار مرة‬ ‫أاخ�رى‪ ..‬مال�ذي �س�يكون ق�د ح�دث بال�سب�ط؟‪.‬‬ ‫لا �ضيء‪� .‬ضننتظر اإلى رم�ضان القادم‪ ،‬وهكذا دواليك‪.‬‬ ‫اأي �س�خ�س يم�وت في الف�ترة ب�ين رم�سان�ين في ه�ذه الحال�ة‪،‬‬ ‫�س�يكون م�س�ره مظلم ًا جد ًا‪ ،‬وتع�س� ًا جد ًا‪.‬‬ ‫ل ين�س�جم ذل�ك م�ع �سف�ات المغف�رة والك�رم والرحم�ة‪ ،‬الت�ي‬ ‫اتفقن�ا اأنه�ا ال�س�بب في مو�س�م التنزي�ات الرم�ساني�ة‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪27‬‬ ‫هناك خطاأ ما في المو�سوع‪..‬‬ ‫لنحاول مرة اأخرى‪.‬‬ ‫***‬ ‫عندم�ا ت�زور متج�ر ًا م�ا‪ ،‬فيح�اول �ساحب�ه اأن يغرق�ك بلطف�ه‬ ‫ومودت�ه‪ ،‬ويبال�غ في اإكرام�ك‪ ،‬فيح�س�م ل�ك من ال�س�عر‪ ،‬ويبالغ في‬ ‫ذل�ك‪ ،‬ويهدي�ك قطع�ة م�ن ب�سائع�ه مجان� ًا‪ ،‬ويجل�ب ل�ك كر�س�ي ًا‬ ‫لت�س�تريح علي�ه‪ ،‬وين�ادي عل�ى �سبي�ه ليجل�ب ل�ك كوب� ًا م�ن الم�اء‬ ‫البارد‪.‬‬ ‫عندم�ا يح�دث ذل�ك‪ ،‬ف�اإن ه�ذا ال�س�لوك �س�يجذبك ويغري�ك‪،‬‬ ‫حت�ى ل�و كان�ت دوافع�ه مك�س�وفة‪ :‬إان�ه يري�دك أان تتب�س�ع من�ه‬ ‫با�س�تمرار‪ ،‬يري�دك األ تذه�ب اإلى اأح�د �س�واه‪.‬‬ ‫ل م�س�كلة في ذل�ك‪ .‬م�ا دام�ت ب�سائع�ه جي�دة‪ ،‬و أا�س�عاره‬ ‫مته�اودة‪ ،‬ومعاملت�ه لطيف�ة‪ ،‬ل�ن تذه�ب إالى اأحد �س�واه بل �س�تدل‬ ‫النا��س علي�ه‪.‬‬ ‫ذلك ما يحدث أاي�س ًا‪ .‬بدون ت�سبيه‪ ،‬طبع ًا‪.‬‬ ‫***‬ ‫وعندم�ا يعطي�ك أاحده�م هدي�ة‪ ،‬واأن�ت ل ت�كاد تعرف�ه‪ ،‬ف� إان‬ ‫هدفه وا�سح طبع ًا؛ اإنه يريدك أان تتعرف عليه‪ ،‬يريدك اأن تقوي‬ ‫عاقت�ك ب�ه‪ ،‬يري�د اأن يلفت انتباهك اإليه؛ يريد منك اأن تحبه‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪28‬‬ ‫ل ت�س�دق اأن هديت�ه اإلي�ك مجاني�ة‪ .‬ل‪ ،‬لي��س بال�س�رورة اأن�ه‬ ‫يري�د اأن ترده�ا اإلي�ه هدية أاخرى‪ ،‬مادي�ة‪ ،‬لكنه يريد أان يجذبك‬ ‫اإلي�ه‪ ،‬اأن يحبب�ك في�ه‪ ،‬يري�د من�ك أان تذهب إاليه‪..‬‬ ‫ذلك ما يحدث أاي�س ًا‪ .‬بدون ت�سبيه!‪.‬‬ ‫***‬ ‫الطعم في ال�ضنارة‪ .‬هذا هو!‪.‬‬ ‫***‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ألن�ه يري�د منك أان تم�س�ي اإلى �س�بكته بخط�ى ثابتة‪ ،‬ف إانه ي�سع‬ ‫لك الطعم في ال�سنارة‪.‬‬ ‫في رم�سان تحديد ًا‪..‬‬ ‫ومن ذاق ال ُّطعم‪ ،‬عرف ال َّطعم‪.‬‬ ‫ومن ذاق عرف‪ ،‬ومن عرف ‪......‬‬ ‫***‬ ‫الطع�م في ال�سن�ارة‪� .‬س�هر واح�د في ال�س�نة‪ ،‬م�ن اأج�ل أان‬ ‫نع�رف الطع�م ال�ذي م�ن الممك�ن اأن نتناول�ه طيل�ة ال�س�نة‪.‬‬ ‫الطع�م في ال�سن�ارة‪� .‬س�هر واح�د في ال�س�نة وبت�س�هيات غ�ر‬ ‫م�سبوقة؛ من أاجل اأن نعرف ما �سيفوتنا ما لم نغترف طيلة اأيام‬ ‫ال�سنة‪.‬‬ ‫اإنه ال�ستدراج الجميل‪ .‬اإنه الفخ الرائع‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪29‬‬ ‫�س�يقول ل�ك‪ :‬اعب�دني ا آلن في ه�ذا ال�س�هر و أاب�واب الجن�ة‬ ‫مفتوح�ة م�ن أاجل�ك‪ ،‬و أاب�واب الن�ار اأغلق�ت حت�ى ل تخيف�ك‪،‬‬ ‫وال�س�ياطين ق�د �سف�دت حت�ى ل ت�سو��س علي�ك‪ ،‬و�س� أاغفر لك كل‬ ‫م�ا عمل�ت م�ن ذن�وب‪ ،‬و أاعتق�ك م�ن الن�ار و أادخل�ك الجن�ة‪.‬‬ ‫و�س�تطمع‪ .‬بديه�ي أان تطم�ع‪� ،‬س�هر واح�د في ال�س�نة مقاب�ل‬ ‫ال�س�نة كله�ا؟‪.‬‬ ‫ب�ل وحت�ى العم�ر ال�س�ابق كل�ه؟ ال�سفق�ة مغري�ة‪ ،‬ب�ل �س�ديدة‬ ‫ا إلغ�راء‪� .‬س�تقدم عليه�ا بالتاأكي�د‪ ،‬وربم�ا �س�تقول لنف�س�ك اأو‬ ‫ل�س�يطانك المقي�د بالأغ�ال‪� :‬ض�هر واح�د فق�ط ث�م نع�ود كما كنا‬ ‫بال�ضب�ط‪ .‬ل�ن يتغ�ر �ض�يء بينن�ا‪� ،‬ض�هر واح�د فق�ط أاعب�ده ث�م‬ ‫اأع�ود ل�ك‪..‬‬ ‫وفي ه�ذا ال�س�هر ‪ -‬وعل�ى الرغ�م م�ن اتفاق�ك م�ع ال�س�يطان ‪-‬‬ ‫�س�يكون الطع�م في ال�سن�ارة في انتظارك‪..‬‬ ‫ويح�دث كث�ر ًااأن ت�ذوق الطع�م‪ ،‬ف�روق ل�ك‪ ،‬ويعجب�ك‪ ،‬وتري�د‬ ‫المزيد‪ ،‬والمزيد‪..‬‬ ‫وتعلق ال�سنارة‪.‬‬ ‫***‬ ‫واإذا لم تعلق ال�سنارة في رم�سان‪ ،‬فمتى يا ترى؟‪.‬‬ ‫***‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪30‬‬ ‫نع�م‪ ،‬رم�س�ان فر�س�ة عظيم�ة للت�ذوق‪ .‬منا�س�بة ل�س�تعرا�س‬ ‫لذائ�ذ مختلف�ة وح�اوات متنوع�ة‪..‬‬ ‫اإن�ه يج�ر رجل�ك اإلي�ه‪ .‬المغف�رة ف�خ رائ�ع‪ .‬ا ألج�ر العظي�م‬ ‫ا�س�تدراج متق�ن‪� .‬س�تذهب اإلى الف�خ و أان�ت ل ت�دري بال�سب�ط م�ا‬ ‫�س�يحدث بعدها‪ ،‬وفجاأة �س�يعجبك ا ألمر و�ستتعلق به بالتدريج‪..‬‬ ‫وعندم�ا ينته�ي مو�س�م الت�س�هيات الرم�ساني�ة‪ ،‬ويه�ل ه�ال‬ ‫العيد‪� ،‬ستحاول اأن تعود لتفاقك مع ال�سيطان ‪ -‬الذي فك اأ�سره‬ ‫م�ع ه�ال العي�د ‪ -‬لك�ن �س�تجد خيوط ًا وحبا ًل ت�س�دك إالى الجهة‬ ‫المعاك�سة‪� ،‬ستجد اأن ا ألمر لم يعد اأبد ًا كما كان قبلها‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫�ستح��س كم�ا ل�و أان رم�س�ان ق�د غ�ر اأقفال�ك‪ ،‬وعندم�ا رج�ع‬ ‫ال�س�يطان بمفاتيح�ه القديم�ة لم ي�س�تطع الدخ�ول إالي�ك‪..‬‬ ‫�ستح��س كم�ا ل�و أان رم�س�ان ق�د اأ�س�قطك في �س�بكة‪ ،‬ا�سطادك‬ ‫به�ا و أانق�ذك م�ن ذل�ك الم�س�تنقع ا آل�س�ن ال�ذي كن�ت ق�د غرق�ت‬ ‫فيه‪..‬‬ ‫الطعم في ال�سنارة‪ .‬ا�ستدراج جميل وفخ رائع‪..‬‬ ‫ولم�اذا بال�سب�ط يفع�ل ذل�ك؟‪ .‬ه�ا نح�ن ن�دور دورة وا�س�عة‬ ‫ونعود لنقطة البداية نف�سها‪ ،‬لأنه يحبك‪ .‬لاأنه يريدك اأن تبادله‬ ‫الحب نف�ضه‪ .‬لاأنه يريد اأن تذهب إاليه‪ ،‬اإنه ي�ضتطيع طبعاً‪-‬اإن‬ ‫�ض�اء ‪-‬اأن ي�ض�لكك عل�ى طريق�ه واأن�ت مك�ب عل�ى وجهك‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪31‬‬ ‫لكن�ه يري�دك أان تذه�ب إالي�ه و أان�ت تم�س�ي ‪� -‬س�وي ًا‪ -‬عل�ى‬ ‫�س�را ٍط م�س�تقيم‪.‬‬ ‫اإنه يريدك اأن تذهب أانت إاليه بقدميك‪.‬‬ ‫***‬ ‫لي�س هذا ما يحدث بال�سبط‪ .‬لكنه ما يجب أان يحدث‪.‬‬ ‫اإنه الهدف والحكمة من رم�سان‪.‬‬ ‫رم�ض�ان لي��س م�ن اأج�ل رم�ض�ان‪ .‬رم�ض�ان م�ن أاج�ل بقي�ة‬ ‫ال�ض�نة‪.‬‬ ‫***‬ ‫من ذاق عرف‪......‬‬ ‫***‬ ‫وم�ن ا أل�س�ياء الت�ي يقدمه�ا لن�ا رم�س�ان لنتذوقه�ا‪ ،‬فنعرفه�ا‪،‬‬ ‫ونغ�ترف منه�ا (�س�واء في رم�سان اأو فيما بع�ده‪ :)..‬ال�ساة‪.‬‬ ‫وه�و يقدمه�ا لنتذوقه�ا بطريق�ة عر�سي�ة ج�د ًا؛ بحي�ث تب�دو‬ ‫أانها غر مق�سودة البتة‪ .‬وهذا من تمام ال�ستدراج‪ ،‬ومن روعة‬ ‫الف�خ المن�س�وب باإحكام‪..‬‬ ‫رم�س�ان كم�ا ه�و مع�روف للعامة وللنظرة المت�س�رعة‪ ،‬هو �س�هر‬ ‫ال�سيام‪ ..‬لكن الذي يحدث‪ ،‬أان ال�س�تدراج يكون نحو الفري�سة‬ ‫الأخرى‪ :‬ال�ساة‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪32‬‬ ‫ويح�دث ذل�ك كم�ا قل�ت‪ :‬بطريق�ة عر�سي�ة تمام� ًا‪� .‬س�كلها‬ ‫الظاه�ري اأنه�ا غ�ر مق�س�ودة‪.‬‬ ‫النا��س‪ ،‬عام�ة النا��س‪ .‬م�ن أا�سح�اب المعا�س�ي والكبائ�ر‪،‬‬ ‫اأولئ�ك الذي�ن ل ي�سل�ون‪� ،‬س�يجذبهم رم�س�ان بفخ�ه م�ن الجه�ة‬ ‫الت�ي تهمه�م‪ :‬المغف�رة والعف�و‪.‬‬ ‫اإنه�م يري�دون اأن ي�سف�ر الع�داد‪ .‬ع�داد الذن�وب والمعا�س�ي‪.‬‬ ‫ورم�س�ان فر�س�ة‪ ،‬فلينتهزوه�ا‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫ل م�سكلة في ذلك‪� .‬سي�سومون‪..‬‬ ‫ولك�ن‪ ،‬وم�ن أاج�ل أان ُت�س�تغل الفر�س�ة تمام� ًا‪ ،‬دون اأن ي�ترك‬ ‫مج�ال ل�سياعه�ا‪ ،‬ف إانه�م بالإ�ساف�ة إالى �سومه�م‪� :‬س�ي�سلون‪.‬‬ ‫�ساته�م هن�ا ‪ -‬ه�ي في الحقيق�ة ‪ -‬م�ن أاج�ل ال�سي�ام‪،‬‬ ‫�ساتهم هنا هي بطريقة عر�سية تمام ًا‪ ،‬غر مق�سودة لذاتها‪:‬‬ ‫اإنه�ا م�ن اأج�ل رم�سان‪ .‬من اأج�ل أال ُيحبط رم�سان‪ .‬من أاجل أال‬ ‫ت�سي�ع الفر�سة‪.‬‬ ‫�سي�سلون‪ ،‬إانه رم�سان‪ ،‬ول ينفع �سيامه دون ال�ساة فيه‪.‬‬ ‫ورغ�م �س�ذاجة النظ�رة وانتهازيته�ا الوا�سح�ة‪ ،‬إال اأنه�ا‬ ‫�سحيحة إالى ح ٍّد بعيد‪ :‬ل ينفع �سيء‪ -‬لي�س ال�سيام فقط ‪ -‬من‬ ‫دون ال�س�اة‪.‬‬ ‫في ه�ذا الع�الم كل�ه‪ ،‬كل الأعم�ال الت�ي ي�س�تطيع اب�ن اآدم أان‬ ‫ينجزه�ا‪ ،‬ويتقنه�ا ويح�س�ن فيه�ا‪ .‬كل ما يمك�ن اأن ينتج عنها من‬ ‫خ�ر‪ ،‬م�ن م�س�اعدة للنا��س وتخفي�ف لآلمه�م ومعاناتهم‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪33‬‬ ‫كل ذل�ك‪ ،‬مهم�ا ع�ا �س�انه ومكانت�ه دنيوي� ًا‪� ،‬س�يكون ‪ -‬في‬ ‫النهاي�ة‪ -‬مث�ل جث�ة منتفخ�ة لحي�وان ناف�ق‪ ..‬اإذا لم يك�ن هن�اك‬ ‫�ض�لاة‪..‬‬ ‫ال�س�اة ه�ي ذل�ك الح�د الفا�س�ل ال�ذي ل حي�اد عن�ه‪ .‬ال�ذي‬ ‫ل مف�ر من�ه إاذا لم تك�ن تري�د ألعمالك أان ُتحبط لت�سر مثل جثة‬ ‫حي�وان نافق‪..‬‬ ‫ال�س�اة ه�ي م�ا ل غن�ى عن�ه‪ ،‬م�ا ل نقا��س في�ه‪ ،‬م�ا ل يمك�ن‬ ‫لمج�ادل أان يج�ادل في�ه‪.‬‬ ‫ولذل�ك‪ ،‬حت�ى أاولئ�ك الذين ل ي�سلون ‪ -‬ك�س� ًا وهز ًل و�سياع ًا‬ ‫وتخبط� ًا‪ -‬فاإنه�م عندم�ا تح�ق الحقيق�ة وي�سع�ون أانف�س�هم عل�ى‬ ‫المح�ك‪ ،‬وي�سوم�ون رم�س�ان‪ ،‬طمع� ًا في مو�س�م المغف�رة‪ ،‬ف إانه�م‬ ‫ي�سل�ون‪ ،‬في اإق�را ٍر عمل�ي منه�م باأن�ه ل ينف�ع �س�يء م�ن دون‬ ‫ال�س�اة‪.‬‬ ‫إانه ال�ستدراج‪ .‬اإنه الفخ المن�سوب ب إاحكام‪.‬‬ ‫رم�ض�ان لي��س م�ن أاج�ل ال�ضي�ام‪ .‬اإن�ه ‪ -‬قب�ل ذل�ك ‪ -‬م�ن اأج�ل‬ ‫ال�ضلاة‪.‬‬ ‫***‬ ‫يق�ودك اإق�رارك العمل�ي (ال�ذي لم تخ�بر نف�س�ك ب�ه) ال�ذي‬ ‫مف�اده أان ل �س�يء ينف�ع م�ن دون �س�اة‪ ..‬اإلى أان ت� ؤودي خم��س‬ ‫�سل�وات كل ي�وم لم�دة �س�هر كام�ل‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪34‬‬ ‫وذل�ك معن�اه‪ ،‬اأن�ك �س�توؤدي أاكر من خم�س�مئة ركع�ة‪ .‬من أاجل‬ ‫�سيام ‪ 30‬يوم ًا‪..‬‬ ‫خم�سمئة ركعة!‪.‬‬ ‫و يعني ذلك أالف �سجدة!‬ ‫ل اأ�ستطيع هنا إال أان أاقف‪ .‬يجب اأن اأقف‪ .‬لبد اأن أاقف‪..‬‬ ‫عندم�ا ت�س�جد ل�ه أال�ف مرة‪ ،‬عندم�ا ت�سع ر أا�س�ك ‪-‬اأكرم و أاهم‬ ‫ما عندك ‪ -‬في الأر�س من اأجله‪ ،‬عندما تنزل بطولك وعر�سك‬ ‫وكل كرامت�ك وكل اعت�زازك بنف�س�ك‪ ..‬وتذه�ب إالي�ه هن�اك في‬ ‫المكان الأقرب‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫األ�ف م�رة �س�تنزل اإلي�ه‪� .‬س�تترك تك�برك وكبريائ�ك واأوهام�ك‬ ‫وم�س�اعر النق�س في داخلك‪ ،‬التي تجعلك مثل ديك منفوخ‪..‬‬ ‫أال�ف م�رة‪� ،‬س�تتذلل إالي�ه‪ ،‬وتطل�ب من�ه‪ ،‬وتن�زل هن�اك لتدخ�ل‬ ‫عليه‪..‬‬ ‫أال�ف م�رة‪� ،‬س�تكرر ا�س�مه‪ ،‬وت�س�بحه‪ ،‬وتمج�ده‪ ،‬وتنزه�ه‪،‬‬ ‫وتمتدح�ه بمختل�ف ا أل�س�ماء وال�سف�ات الت�ي يمتلكه�ا‪.‬‬ ‫حت�ى ل�و لم تك�ن تق�س�د �س�يئ ًا م�ن ذل�ك كل�ه‪ ،‬حت�ى ل�و لم تك�ن‬ ‫تفق�ه م�ا تق�ول‪ ،‬حت�ى لو كن�ت ت�سلي فقط من أاج�ل ال�سوم‪ ،‬بعد‬ ‫األ�ف م�رة‪ ،‬ل ب�د أان ي�ترك ذلك أاث�ر ًا في قلبك‪..‬‬ ‫بع�د األ�ف م�رة‪ ،‬وحت�ى ل�و لم تك�ن تق�س�د �س�يئ ًا‪ ،‬ل ب�د أان‬ ‫تتر�س�ب في داخلك م�س�اعر و أاحا�سي��س ما كانت في بالك في اأول‬ ‫ي�وم م�ن رم�س�ان‪ ،‬ي�وم ب�داأت بال�ساة من أاج�ل رم�سان فقط‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪35‬‬ ‫لك�ن بع�د األ�ف م�رة‪ ،‬وكم�ا ل�و كان ا ألم�ر أا�س�به بالتن�ويم‬ ‫المغناطي�ض�ي‪ :‬لق�د ب�داأت تح�ب ذل�ك‪..‬‬ ‫حت�ى ل�و كان الأم�ر ل ي�زال ثقي� ًا عل�ى نف�س�ك‪ :‬لق�د ب�داأت‬ ‫تتع�ود ذل�ك‪.‬‬ ‫أاترى؟‬ ‫اإن�ه ال�س�تدراج الجمي�ل والف�خ الرائ�ع‪ ،‬إان�ه الطع�م في‬ ‫ا ل�سن �ا ر ة ‪.‬‬ ‫***‬ ‫لا يح�دث ذل�ك عل�ى ال�دوام‪ .‬لكن�ه ال�ض�يء ال�ذي يج�ب أان‬ ‫يح�دث!‪.‬‬ ‫***‬ ‫النا��س الذي�ن ي�س�كنون بالق�رب م�ن ا ألنه�ار‪ ،‬عل�ى �س�واطئها‬ ‫المبا�س�رة تحدي�د ًا‪ ،‬تن�س� أا بينه�م وبينه�ا عاق�ة خا�س�ة م�ن ن�وع‬ ‫مميز ج�د ًا‪.‬‬ ‫بالتدري�ج وم�ن دون اأي اإع�ان �ساخ�ب ع�ن ذل�ك‪ ،‬ي�س�ر‬ ‫النهر واحد ًا من أاعز اأ�سدقائهم‪ .‬بل ربما أاعزهم إاطاق ًا‪ ،‬حتى‬ ‫دون أان يدرك�وا ذل�ك اأو يع�وه ب�س�كل وا�س�ح‪.‬‬ ‫الذي�ن يعي�س�ون عل�ى النه�ر يتفهم�ون ذلك‪ .‬وزواره�م ‪ -‬الذين‬ ‫يقيم�ون بينه�م ب�س�كل دوري‪ ،‬كم�ا ق�سي�ت �س�طر ًا م�ن �سغ�ري ‪-‬‬ ‫يعرفون ذل�ك ويميزونه‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪36‬‬ ‫فالنه�ر يك�ون دوم� ًا هن�اك بالن�س�بة اإلى ه� ؤولء‪ .‬إان�ه ي�سب�ح‬ ‫عليهم وهم ي�سبحون عليه‪ ،‬يتناول معهم إافطارهم‪ ،‬وي�ساركهم‬ ‫في خبزه�م‪ ،‬ويتن�اول معه�م ال�س�اي و أاحيان� ًا القه�وة‪ ،‬ي�س�مع‬ ‫لهمومه�م وم�س�اكلهم‪ ،‬وي�س�اهم في التخفي�ف م�ن ح�س�راتهم‪،‬‬ ‫وي�س�اعدهم ‪ -‬ب�سمت�ه الدائ�م والم�س�تمر ‪ -‬عل�ى أان يتكلم�وا‪،‬‬ ‫ويخفف�وا م�ن ا ألثق�ال الت�ي في �سدوره�م‪ ..‬والت�ي ل ي�س�تطيعون‬ ‫اأن يك�س�فوها‪.‬‬ ‫اإن�ه هن�اك‪� :‬سدي�ق ا ألرام�ل والعجائ�ز والأطف�ال‪ ،‬واأحيان� ًا‬ ‫الع�س�اق‪ .‬إان�ه يهي�ج فيه�م ذكرياته�م ‪ -‬رغ�م أان�ه ل يتكل�م ق�ط ‪-‬‬ ‫ث�م ي�س� ّكنها ب�س�كوته‪ .‬وم�ن ث�م يم�س�ي‪ ،‬رغ�م أان�ه يظ�ل موج�ود ًا‬ ‫هن�اك‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ل‪ ،‬لي��س كاب�ن عم�ه ا ألك�بر منه‪ :‬البحر‪ .‬البح�ر مختلف‪ .‬هياج‬ ‫وغ�سب‪ .‬ثورة وعظمة‪ .‬م ّد وجزر‪ .‬حياة وموت‪.‬‬ ‫اأم�ا النه�ر فه�و ودي�ع وه�ادئ‪ ،‬ي�كاد أان يك�ون م�س�الم ًا ج�د ًا‪،‬‬ ‫ل ي�كاد ي�س�تطيع أان ي�وؤذي أاح�د ًا‪ .‬إان�ه �سدي�ق عزي�ز‪ ،‬يرب�ت عل�ى‬ ‫كتفك ويوا�سيك‪ ،‬وي أاتي لك بكوب من الماء عندما ت�سرق بالبكاء‬ ‫أامامه‪.‬‬ ‫عظم�ة الله وقدرت�ه وجبروت�ه تتجل�ى ربم�ا في البح�ر أاك�ر‪.‬‬ ‫لك�ن لطف�ه ورحمت�ه وحكمت�ه تتجل�ى في النه�ر ب�س�كل وا�س�ح‪.‬‬ ‫يذك�رك النه�ر باأ�سا�س�يات مهم�ة في الحي�اة‪ .‬كل نقط�ة في�ه ل‬ ‫ت�س�به نقط�ة اأخ�رى‪ ،‬وم�ع ذل�ك فه�ي متماثل�ة معها تمام ًا‪ ،‬ب�س�كل‬ ‫اأو ب آاخر‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪37‬‬ ‫كل نقط�ة في�ه تم�س�ي إالى غ�ر رجع�ة؛ مث�ل الزم�ن يتفل�ت م�ن‬ ‫ب�ين أا�سابع�ك‪ ،‬ول يعود اأبد ًا‪ ..‬اأبد ًا‪..‬‬ ‫كل نقط�ة في�ه تذك�ر اأن الحي�اة تظ�ل م�س�تمرة‪ .‬و�س�وف تظ�ل‬ ‫م�س�تمرة‪ .‬رغ�م الأح�زان‪ .‬رغ�م ا ألوه�ام‪ .‬رغ�م الخذلن‪.‬‬ ‫يذك�ر النه�ر بال�سبر؛ إان�ه يظ�ل �سب�ور ًا هادئ� ًا‪ .‬يم�س�ي في‬ ‫طريق�ه‪ ،‬اأحيان� ًا ك�س�ر ًا حزين ًا‪ ،‬و أاحيان ًا قوي� ًا متين ًا‪ ،‬لكنه يم�سي‬ ‫عل�ى كل ح�ال؛ مث�ل الحي�اة‪.‬‬ ‫النه�ر ل يبه�ر كث�ر ًا عن�د النظ�رة الأولى مث�ل البح�ر‪ ،‬لكن�ه‬ ‫يت�س�لل إالى داخل�ك به�دوء وبالتدري�ج‪ .‬الم�س�اهر في مختل�ف‬ ‫المج�الت �س�يبهرونك بالت أاكي�د عندم�ا تراهم للم�رة الأولى اأكر‬ ‫بكث�ر مم�ا انبه�رت ب�سديق�ك المق�رب ي�وم ر أايته أاول م�رة‪ ،‬لكن‬ ‫�سديق�ك ه�ذا دخ�ل قلب�ك أاكر‪ ،‬واق�ترب منك أاك�ر‪ ،‬واأحببته ‪-‬‬ ‫كتح�سي�ل حا�س�ل ‪ -‬أاك�ر‪.‬‬ ‫كذل�ك النه�ر‪ .‬العلاق�ة مع�ه لا تك�ون حب�اً جارف�اً م�ن النظ�رة‬ ‫ال أاولى‪ .‬بل تكون عاقة ود عميقة تبنى عبر تراكم ال�سنين‪ .‬مثل‬ ‫عاقتك بجار العمر و أاهله‪ ،‬اإنك لن تنتبه ألهميتهم في حياتك‪،‬‬ ‫في تفا�سيله�ا اليومي�ة‪ ،‬لكنه�م اإذا انتقل�وا ف إان�ك �س�تكتئب‪ ،‬حت�ى‬ ‫بيتك �سكله �سيتغر‪.‬‬ ‫وج�ران النه�ر كذل�ك‪ .‬النه�ر يدخ�ل في تفا�سي�ل حياته�م‬ ‫و�س�لوكياتهم �س�واء و َع�وا ذل�ك اأم لم يع�وه‪ .‬إانه�م يدمن�ون علي�ه‪،‬‬ ‫دون اأن يفهم�وا كن�ه ه�ذا ا إلدم�ان‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪38‬‬ ‫اأع�رف �س�خ�سي ًا أانا�س� ًا م�ن ج�ران النه�ر‪� ،‬س�يموتون حتم ًا إان‬ ‫اأخ�ذوا النه�ر منه�م‪ ،‬لق�د تحول�وا بالتدري�ج إالى كائن�ات برمائية‬ ‫‪ -‬مخلوق�ات نهري�ة ؛ النه�ر لي��س ج�ار عمره�م فق�ط‪ ،‬ول اأع�ز‬ ‫أا�سدقائه�م‪ ،‬ول بيئته�م‪ ،‬ول الخلفي�ة الت�ي تج�ري فيه�ا اأح�داث‬ ‫حياته�م فح�س�ب‪ ..‬ولكن�ه �س�ار ج�زء ًا م�ن ذواته�م‪ ،‬ج�زء ًا م�ن‬ ‫كيانه�م‪..‬‬ ‫***‬ ‫�ض�تقول‪ :‬جمي�ل وم ؤوث�ر‪ .‬لك�ن م�ا علاق�ة ذل�ك كل�ه‬ ‫بمو �ضو عن�ا ؟‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫�سحيح‪ .‬كدت اأن أان�سى‪.‬‬ ‫كتب�ت ع�ن ذل�ك كل�ه لأن�ه ذك�رني ب�ه حدي�ث للر�س�ول علي�ه‬ ‫ال�س�اة وال�س�ام‪ ،‬ق�ال في�ه ‪ -‬ذاك الذي ل يك�ذب أابد ًا‪( :-‬مثل‬ ‫ال�سل�وات الخم��س في الي�وم والليل�ة مث�ل نه� ٍر ج�ا ٍر ع�ذ ٍب بب�اب‬ ‫أاحدكم‪ ،‬يغت�س�ل منه خم��س مرات‪ ،‬فهل يبقى من درنه �س�يء؟)‪.‬‬ ‫والت�سبيه �سحيح اإلى درجة الإعجاز‪.‬‬ ‫فعاقتن�ا بال�سل�وات الخم��س اليومي�ة ت�س�به عاق�ة النه�ر‬ ‫بج�ران عم�ره‪ .‬ل ح�ب ج�ارف �ساعق من النظ�رة ا ألولى‪ .‬ولكن‬ ‫عاق�ة ود وم�ودة ورحم�ة‪ ،‬يزيده�ا الزم�ن متان�ة وق�وة وحكم�ة‪.‬‬ ‫ل�و قل�ت ل�ك‪ ،‬أاو ألي اأح�د‪ ،‬أاو ل�و أان اأي اأح�د ًا ق�ال لأي اأح�د‪:‬‬ ‫إان الخ�س�وع �س�يكون هن�اك من�ذ الركع�ة ا ألولى الت�ي توؤديه�ا ل�ه‬ ‫�س�بحانه وتع�الى‪ ،‬ل�كان ذل�ك كذب� ًا مف�سوح� ًا ل ي�سدق�ه اأح�د‪.‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪39‬‬ ‫ل�و قل�ت ل�ك‪ ،‬أاو لأي أاح�د‪ ،‬إان التعل�ق بال�س�اة �س�ي أاتي من�ذ‬ ‫الي�وم الأول ال�ذي ت�سل�ي في�ه‪ ،‬واإن التل�ذذ بح�اوة ال�س�اة‬ ‫�س�يكون من�ذ الي�وم الأول والركع�ة ا ألولى‪ ،‬ف� إان ذل�ك �س�يكون من‬ ‫قبي�ل المبالغ�ات الإن�س�ائية الت�ي ل�ن ت�س�من ول�ن تغن�ي م�ن جوع‪..‬‬ ‫ربم�ا في الح�ج هن�اك �س�يء كه�ذا ‪ -‬عل�ى م�ا يقول�ون وي�ارب‬ ‫اأوعدنا مع ًا باإذنه تعالى ‪ -‬في الحج هناك ذلك الخ�سوع الجارف‬ ‫ال�ذي يت أات�ى فج� أاة م�ن النظ�رة ا ألولى‪ ،‬تنهم�ر الدم�وع وتتدف�ق‬ ‫الم�ساعر‪ ،‬وي�سري التيار الكهربائي ال�ساعق في ا ألع�ساب‪ ،‬منذ‬ ‫النظ�رة ا ألولى‪..‬‬ ‫لك�ن في ال�س�اة‪ ،‬ل‪ ،‬هن�اك في البداية التعود وال�سطرار‪ ،‬ثم‬ ‫ال�سطب�ار عليه�ا‪ ،‬ثم ال�س�كون والهدوء‪ ،‬ث�م الطم أانينة والراحة‪،‬‬ ‫ث�م ذل�ك الح�ب العمي�ق والم�ودة ال�سادق�ة للنه�ر الذي يم�ر أامام‬ ‫بيتك‪ ،‬وتغت�س�ل فيه خم��س مرات كل يوم‪ ،‬لو اأخذوا منك النهر‪،‬‬ ‫من �ض�ي أاتيك بماء معين؟‪..‬‬ ‫طبع�ا ق�د يفي��س النه�ر أاحيان� ًا‪ ،‬ويجتاح�ك الخ�س�وع في‬ ‫ال�س�اة‪ ،‬وتنهم�ر دموع�ك وت�س�يل اأع�ساب�ك وتحل�ق عالي� ًا في‬ ‫ال�س�ماوات ال�س�بع بينما اأنت �ساجد وجبهتك على جبهة ا ألر�س‪.‬‬ ‫لك�ن ذل�ك كل�ه ل�ن ياأت�ي فج� أاة‪ .‬ب�ل بالتدري�ج‪ .‬به�دوء‪ .‬روي�د ًا‬ ‫رويد ًا‪..‬‬ ‫ورم�س�ان بركعات�ه الخم�س�مئة الحتمي�ة‪ ،‬يعطي�ك الطع�م لك�ي‬ ‫تحب ذلك النهر الذي ياأتيك اإلى بابك‪ ،‬يعطيك الوقت لينمو في‬ ‫داخل�ك ذل�ك ال�و ّد المتراك�م‪ ،‬وتنم�و في أاح�س�ائك م�س�اعر الح�ب‬ ‫تج�اه ج�ارك هذا الذي تغت�س�ل فيه خم��س مرات كل يوم‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪40‬‬ ‫رم�س�ان يمنح�ك الفر�س�ة للتع�ود‪ .‬والتع�ود �س�روري ج�د ًا في‬ ‫تط�ور أاي عاق�ة لي��س فيه�ا حب النظ�رة ا ألولى‪..‬‬ ‫رم�س�ان يمن�ح ل�ك ولغ�رك‪ ،‬فر�س�ة ال�سطب�ار‪ ،‬ومحارب�ة‬ ‫الك�س�ل‪ ،‬وقت�ل العج�ز‪.‬‬ ‫رم�س�ان يعطي�ك قطع�ة اأر�س غالية الثمن‪ ،‬مطلة على �س�اطئ‬ ‫النهر مبا�سرة‪ ..‬ي�سجلها با�سمك‪ ..‬ويعلمك ال�سباحة!‪.‬‬ ‫***‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫نهر جا ٍر عذب بباب دارك‪.‬‬ ‫واأقول لك‪ :‬خذ نف�س ًا عميق ًا جد ًا‪ ،‬واغط�س!‪.‬‬ ‫***‬ ‫و�ست�س�األني‪ :‬لم�اذا اإذن ينقط�ع الكث�رون ع�ن ال�س�اة بع�د‬ ‫رم�س�ان؟‪.‬‬ ‫اإنه �س ؤوال حزين‪.‬‬ ‫وجواب�ه معق�د‪ .‬فم�ا ال�ذي يدف�ع النا��س إالى أان يترك�وا النه�ر‬ ‫بع�د م�ا تع�ودوا عليه واغت�س�لوا منه و�س�بحوا فيه؟‪.‬‬ ‫م�ا ال�ذي يدفعه�م اإلى أان يترك�وا اأر�س� ًا ه�م ج�ران النه�ر‬ ‫فيها‪ ،‬ليعودوا لل�سكن في أار�س خربة‪� ،‬سحراء جافة‪ ،‬ل ماء فيها‬ ‫ول زرع؟‪..‬‬ ‫نعم‪ .‬اإنه �س ؤوال حزين‪ .‬وجوابه معقد‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪41‬‬ ‫فلربم�ا ألنه�م ل يعرف�ون‪ ،‬لم يخبره�م اأح�د بذل�ك‪ ،‬وب�ين ك�وم‬ ‫ا أل�س�ياء النمطية التي تقال في بداية ال�س�هر وخاله عن المغفرة‬ ‫والأج�ر العظي�م لم يخبره�م أاح�د ع�ن الفحوى م�ن ذلك كله‪ .‬لم‬ ‫يتكل�م له�م اأح�د عن الطعم في ال�سن�ارة‪ ،‬أاو لعل اأحد ًا أاخبرهم؛‬ ‫ولكنهم قوم ل ي�س�معون؟‪..‬‬ ‫اأو ربم�ا كم�ا قل�ت أان�ت م�رة‪ ،‬عندم�ا �س�األتك أان�ا م�رة ال�س�وؤال‬ ‫الحزي�ن نف�س�ه‪� .‬س�يطانهم قوي‪..‬‬ ‫وكم�ا قل�ت �س�ابق ًا‪ :‬عندم�ا يتعل�ق ا ألم�ر بالق�وة وال�سع�ف‪،‬‬ ‫فالم�س�الة تظ�ل ن�س�بية‪.‬‬ ‫ف إاما أان �سياطينهم قوية‪.‬‬ ‫أاو اأنهم هم ال�سعفاء‪.‬‬ ‫***‬ ‫وال�سع�ف والق�وة م�س�األة ح�سا�س�ة و أا�سا�س�ية في عاقتن�ا‬ ‫ب أانف�س�نا وب�الله ع�ز وج�ل‪ ،‬وبال�س�يطان ال�ذي يترب��س �سعفن�ا‬ ‫ويتر�س�د تعبن�ا ‪ -‬ليهج�م‪..‬‬ ‫والطع�م ال�ذي ي�س�تدرجنا اإلي�ه رم�س�ان مج�دد ًا‪ -‬بينم�ا‬ ‫ال�س�يطان م�سف�د في أاغال�ه مقي�د هن�اك في الزاوي�ة المظلم�ة ‪-‬‬ ‫ه�و أان�ه يجعلن�ا نعل�م ك�م نح�ن أاقوي�اء‪.‬‬ ‫اأو بعب�ارة اأخ�رى‪ ،‬يجعلن�ا نعل�م ك�م م�ن الممك�ن أان نك�ون‬ ‫اأقوي �اء‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪42‬‬ ‫يجعلن�ا ن�ست�س�عر نواح�ي الق�وة في دواخلن�ا‪ ،‬ن�ستك�س�فها‬ ‫ونقيمه�ا‪ ..‬ون�س�تثمرها‪..‬‬ ‫ل اأقول لك اأن ذلك يحدث دائم ًا‪.‬‬ ‫لكني أازعم أانه ممكن اأن يحدث دائماً‪.‬‬ ‫***‬ ‫تذك�ر م�رة حكي�ت لي ع�ن �سديق�ك ذاك (ال�ذي ا�س�مه ي�س�به‬ ‫ا�س�م نه�ر �سغ�ر في منطق�ة ريفية بعيدة‪ )..‬وع�ن ق�سة التزامه‬ ‫الطريفة‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫�س�اأتجاوز تفا�سيله�ا الممتع�ة ‪ -‬والت�ي ت ؤوك�د فق�ط م�ا قلت�ه ل�ك‬ ‫�سابق ًا من أان الإيمان يتحرك بطرق غام�سة ‪ -‬أل�سل إالى نهايتها‬ ‫وماحظت�ه الجميلة التي لها �سلة بمو�سوعنا‪.‬‬ ‫ق�ال ل�ك‪ :‬اإن�ه م�رة بعدم�ا �سل�ى �س�اة الع�س�ر في الم�س�جد‪،‬‬ ‫ق�س�ى الوق�ت كل�ه في�ه اإلى �س�اة المغ�رب‪ ،‬ث�م �ساه�ا جماع�ة‪،‬‬ ‫وخ�رج‪..‬‬ ‫وعندم�ا خ�رج ي�س�ر في ال�س�ارع وحي�د ًا انتاب�ه ذل�ك ال�س�عور‬ ‫العظيم بالقوة والمنعة‪ ،‬بال�سبط قال لك‪ :‬إانه أاح�س أانه قد �سار‬ ‫اأق�وى �ض�خ�س في الع�الم!‪.‬‬ ‫�سحكن�ا مع� ًا‪ ،‬أان�ا و أان�ت‪ ،‬وكررن�ا مع� ًا العب�ارة‪ :‬أاق�وى �س�خ�س‬ ‫في الع�الم!‪.‬‬ ‫لعله ل يدري‪ ،‬كم هو �سحيح ورائع تعليقه هذا‪..‬‬ ‫***‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪43‬‬ ‫اأقوى �ضخ�س في العالم!‪.‬‬ ‫ورغ�م أان م�سداقي�ة ه�ذه العب�ارة تحت�اج إالى مباري�ات‬ ‫عالمية‪ ،‬ومقايي��س انتخابية‪ ،‬و�س�يطرة نوعية‪ ،‬وتفا�سيل فيزيائية‬ ‫وف�س�يولوجية كث�رة؛ اإل اأن العب�ارة �سحيح�ة ب�س�كل مده��س‪ ،‬ل‪،‬‬ ‫ربما لي�ست الده�سة هي في التعبر الذي يجب اأن اأ�ستعمله هنا‪،‬‬ ‫ب�ل �س�يء اآخ�ر يتملكن�ي كلم�ا خرج�ت عب�ارة ربم�ا كان�ت عادي�ة‬ ‫وعامي�ة لكنه�ا تخ�ترق ب�سدقه�ا وب�س�اطتها جوه�ر الحقيق�ة‪،‬‬ ‫اأك�ر بكث�ر م�ن تل�ك العب�ارات النمطية التي يتمنط�ق بها أاولئك‬ ‫المثقف�ون‪..‬‬ ‫أاق�ول ذل�ك‪ ،‬لأني بعدم�ا فك�رت بعب�ارة �سديق�ك‪ ،‬وجدته�ا‬ ‫�س�يئ ًا ا�س�تثنائي ًا اخترق جوهر الحقيقة ب�س�كل ا�ستثنائي ونادر‪..‬‬ ‫�س�معت‪ ،‬و�س�معنا جميع� ًا‪ ،‬ذل�ك الحدي�ث ال�س�هر ع�ن �س�اة‬ ‫الجماع�ة الت�ي تف�س�ل �س�اة الفرد ب�س�ب ٍع وع�س�رين مرة‪..‬‬ ‫وكعادتن�ا‪ ،‬جل�س�نا مث�ل المراب�ي اليه�ودي العتي�ق‪ -‬ال�ذي كث�ر ًا‬ ‫م�ا نكو ُن� ُه في ح�الت كه�ذه ‪ -‬جل�س�نا نع�د ونح�سي ونح�س�ب‪ ،‬كما‬ ‫ل�و كن�ا موظف�ين ن�س�طين في بور�س�ة الأج�ر والث�واب؛ نعد ونجمع‬ ‫ونط�رح ونفا�س�ل‪ ،‬كم�ا ل�و كن�ا قد أادين�ا ف�س ًا عل�ى رب العزة اإذ‬ ‫نح�ن ذهبنا إالى الم�س�جد‪..‬‬ ‫وفي غمرة ح�س�اباتنا ن�س�ينا �س�يئ ًا مهم ًا‪ ،‬لكن �سديقك تذكره‪،‬‬ ‫اأو فهم�ه‪ ،‬اأو �س�عر ب�ه‪ ،‬عندم�ا خرج من الجامع ي�س�ر في ال�س�ارع‬ ‫وحيد ًا‪ ..‬و أاح�س اأنه أاقوى �سخ�س في العالم‪..‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪44‬‬ ‫كي�ف لم ينتب�ه أاح�د اإلى ذل�ك؟ كي�ف لم يخبرن�ا أاح�د بذل�ك؟‬ ‫كيف لم يف�س�ر اأحد لنا تفا�سيل الأجر الم�ساعف؟ لكن �سديقك‬ ‫اأح��س‪ .‬ربم�ا دون اأن يفه�م بو�سوح‪ .‬ث�م اإنه قال‪ ،‬وهو المهم‪.‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة‪ ،‬كتح�سي�ل حا�س�ل‪ ،‬تجع�ل الواح�د من�ا‬ ‫بع�س�رين‪ .‬أاو بخم��س وع�س�رين اأو ب�سبع وع�سرين‪( ..‬وعملي ًا‪ ،‬إاذا‬ ‫كان الف�رد الواح�د ال�ذي ي�سلي جماعة ي�س�اوي �س�بع ًة وع�س�رين‬ ‫�س�خ�س ًا م�ن اأولئ�ك الذي�ن يم�س�ون في ا أل�س�واق‪ ،‬ف إان�ه ‪ -‬عملي ًا ‪-‬‬ ‫يكون فع ًا اأقوى �س�خ�س في العالم‪ ،‬ولي��س أاقوى منه واأ�سلب إال‬ ‫�س�خ�س مثل�ه؛ ي�سل�ي جماعة)‪.‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫�س�اة الجماع�ة ت�ساع�ف من قوت�ك‪ .‬تجعلك ت�ض�تمد طاقتك‬ ‫الروحي�ة م�ن الجم�ع ال�ذي ي�سل�ي مع�ك‪ .‬وكل ف�رد ي�سل�ي في‬ ‫ال�س�ف ه�و مثل�ك‪ .‬ب�دون ال�س�ف ل ي�س�اوي �س�يئ ًا ول يح�س�ب‬ ‫ربم�ا اإل ك�سف�ر عل�ى ال�س�مال‪ ،‬لكن انتظام�ه في ال�سف‪ ،‬انتماءه‬ ‫للجماعة‪ ،‬هو الذي يجعله يمين ًا‪ .‬اأق�سى اليمين‪ .‬هو الذي يجعل‬ ‫ل�ه وزن ًا‪..‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة تعط�ي ذل�ك ال�س�عور الطاغ�ي‪ ،‬أان�ك فق�دت‬ ‫فرديت�ك المزمن�ة وعزلت�ك ال�س�رية‪ ،‬وتمنح�ك ذل�ك النتم�اء‬ ‫ل آاخري�ن الذي�ن ينتم�ون بدوره�م اإلى الجماع�ة‪ ،‬وه�و �س�عور‬ ‫(رغ�م الغمو��س ال�ذي ق�د يكتنف�ه) اإل أانه يمنح في الوقت نف�س�ه‬ ‫الطم أانين�ة وال�س�كون‪.‬‬ ‫إانه�ا طماأنين�ة م�س�تندة عل�ى ج�دار ال�س�ف المت�ين المتما�س�ك‬ ‫الذي تكونه �ساة الجماعة‪ .‬طم أانينة م�ستندة على حقيقة أانك‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪45‬‬ ‫أاخ�راً ‪ -‬في ه�ذا الع�الم الموح��س النائ�ي ‪ -‬لم تع�د وح�دك‪،‬‬ ‫و أان�ك أاخ�راً ‪ -‬في ه�ذا الع�الم القاح�ل المل�يء بالوح�دة والعزل�ة‬ ‫والخ�ذلان والغ�در ‪� -‬ض�ار ل�ك جماع�ة‪..‬‬ ‫طم أانين�ة ل يعرفه�ا اإل ذاك ال�ذي ظ�ل لده�ور وحي�د ًا تائه� ًا‬ ‫دونم�ا �ضدي�ق في الرب�ع الخ�الي‪ .‬وفج� أاة �س�ار ل�ه رب� َع طماأنين�ة‬ ‫هادئ�ة‪ .‬ت�س�ري ب�سم�ت م�ن كت�ف لكت�ف‪ .‬م�ن ق�دم ألخ�رى‪ .‬عبر‬ ‫ذلك ال�سف المترا�س الواقف لل�ساة‪ .‬نعم‪ ،‬إانها القوة الهادئة‬ ‫المطمئن�ة‪ ،‬تنتق�ل م�ن واحد لآخر لت�س�كن في المجموع‪ ،‬في فرد هو‬ ‫جزيئة من تركيب كامل ل يتحقق إال عبر اتحاد الجزيئات‪ ،‬وكل‬ ‫جزيئ�ة ل تحق�ق ذاته�ا إال ع�بر الت�ساقها المتفاعل مع الجزيئات‬ ‫ا ألخرى‪..‬‬ ‫الإ�س�ام كم�ا يق�ال‪ ،‬اأو بالأح�رى كم�ا ل يق�ال!‪ ،‬ه�و مجموع�ة‬ ‫م�ن التوازن�ات ب�ين ال�روح والم�ادة‪ .‬الرحم�ة والق�وة‪ .‬وب�ين الف�رد‬ ‫والجماع�ة‪.‬‬ ‫وبالن�س�بة اإلى الت�وازن الأخ�ر عل�ى ا ألخ��س‪ ،‬ب�ين الف�رد‬ ‫والجماع�ة‪ ،‬ف� إان �س�اة الجماع�ة خ�سو�س ًا هي التي تاأتي به‪ ،‬في‬ ‫�س�كل وا�س�ح وجل�ي‪..‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة تنج�ز ذل�ك ب�س�كل حا�س�م وتلقائ�ي وم�ن دون‬ ‫ت�سعي�دات لفظية وخطابية‪.‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة تحق�ق ذل�ك الذوبان ال�ذي يح�ض�ل للفرد في‬ ‫الجماعة‪ ،‬بالتدريج تت�سايل جزيئاتك‪ ،‬تتدافع ذراتك‪ ،‬تتوتر كل‬ ‫جزيئ�ة في�ك لتخ�رج م�ن قمقمها‪ ،‬من أافقه�ا ال�سيق‪ ،‬من زنزانة‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪46‬‬ ‫ال�ذات‪ ،‬وتتداف�ع نح�و ال�س�ماء ا ألرح�ب‪ ،‬نح�و ا ألف�ق الطل�ق‪ ،‬نح�و‬ ‫الجماع�ة‪ ،‬حي�ث يتماي�ز وجوده�ا وتظه�ر فاعليته�ا أاك�ر عندم�ا‬ ‫تلتق�ي م�ع بقي�ة ال�ذرات‪ ،‬والجزيئ�ات‪ ،‬تتفاع�ل جميع� ًا في اإط�ار‬ ‫واح�د‪ .‬وتن�سه�ر في بوتق�ة واحدة‪..‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة تفع�ل ذل�ك‪ .‬وفي الحقيق�ة‪ ،‬ه�ي �سمم�ت‬ ‫أا�س� ًا لتحق�ق ذل�ك‪.‬‬ ‫وحت�ى ل�و �سلي�ت ال�س�اة منف�رد ًا‪ ،‬في رك�ن بعي�د خ�ا ٍل اأو‬ ‫غرف�ة منعزل�ة أاو �سح�راء خالي�ة‪ ،‬فاإن�ك م�سط�ر بم�ا ل مج�ال‬ ‫في�ه للتغي�ر أان تتح�دث في فاتح�ة �سات�ك ‪ -‬الت�ي ل �س�اة م�ن‬ ‫دونه�ا ‪ -‬ب�سيغ�ة الجماع�ة‪ .‬تك�ون وح�دك‪ ،‬بين�ك وب�ين الجماع�ة‬ ‫ربم�ا ق�ارة‪ ،‬وم�ع ذل�ك تهم��س‪ِ { :‬اإ َّي�ا َك َن ْع ُب� ُد ِو إا َّي�ا َك َن�ْس� َت ِعي ُن }‪..‬‬ ‫تذكرك الكلمات‪ ،‬عندما تنطقها ب أانك جزء من الجماعة‪ ،‬مهما‬ ‫بع�دت‪ ،‬مهم�ا ابتعدت‪..‬‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫أاو كم�ا ل�و كان�ت الكلم�ات تذك�رك ب أان�ك خ�روف �س�ارد م�ن‬ ‫القطي�ع‪ ..‬خ�روف م�س�لوب‪ ،‬منه�وب م�ن القطي�ع‪ ..‬و إاذا ظلل�ت‬ ‫كذل�ك ف إان�ك مر�س�ود لذل�ك الذئ�ب ال�ذي يترب��س م�ن الغن�م‬ ‫القا�سي �ة‪.‬‬ ‫�س�اة الجماع�ة تحق�ق النتم�اء‪ ،‬وتعطي�ك تل�ك الهوي�ة‪ :‬لم‬ ‫تع�د وح�دك‪� .‬س�ار لك جماعة‪ ،‬لن تن�سهر مامحك تمام ًا ولن‬ ‫ت�سيع ا�ستقاليتك‪ ،‬لكن حدودك لن تتمايز اإل عبر تفاعلها مع‬ ‫الجماعة‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪47‬‬ ‫و�س�تذوب ال�( أان�ا) في ال�(نح�ن)‪� ،‬س�ت أاخذ ال�( أان�ا) م�ن‬ ‫ال�(نح�ن) قوته�ا وتما�س�كها وبنيانه�ا المر�سو��س‪ ،‬فت�س�ر �س�د ًا‬ ‫منيع� ًا ل ي أاتي�ه الباط�ل م�ن ب�ين يدي�ه ول م�ن خلف�ه‪..‬‬ ‫و�س�ت أاخذ ال�(نح�ن) م�ن ال�( أان�ا) تنوعاته�ا وتمايزاته�ا‬ ‫واإبداعاته�ا وخ�سو�سياته�ا فت�س�ب في�ه كم�ا ي�س�ب النه�ر في‬ ‫المحي�ط‪ .‬تخ�س�ب ال�(اأن�ا) ال�(نح�ن) كم�ا تخ�س�ب الدلت�ا م�ن‬ ‫طم�ي ا ألنه�ار‪..‬‬ ‫وب�ين ه�ذا الذوب�ان الأخ�اذ وذاك التفاع�ل الجام�ع �سي�س�ري‬ ‫‪ -‬مث�ل تي�ار كهربائ�ي ‪ -‬ذل�ك ال�س�عور المطمئ�ن بالق�وة والمنع�ة‪..‬‬ ‫و�س�يخرج واح�د ‪ -‬تعرف�ه ‪ -‬م�ن الجام�ع بعدم�ا �سل�ى في�ه‬ ‫�سا َت�ي جماع�ة وق�س�ى الوق�ت بينهم�ا في�ه‪� ،‬س�يخرج بجيوب�ه‬ ‫منتفخ�ة با ألج�ر؛ كل �س�اة فيه ب�س�بع وع�س�رين مرة‪ ،‬و�سيم�س�ي‬ ‫في ال�س�ارع ي�كاد يه�ز الأر��س تحت�ه م�ن الق�وة‪ ،‬و�سي�س�عر‬ ‫بذل�ك ال�س�عور الفط�ري ال�ذي لم تعق�ده التنظ�رات والخطابات‬ ‫والفل�س�فات‪ ،‬والذي �س�يعبر عنه بذاك التعبر الب�س�يط الخارق‪:‬‬ ‫أاح�ض�ض�ت اأني أاق�وى �ض�خ�س في الع�الم‪..‬‬ ‫***‬ ‫الواحد في الجماعة‪ ،‬ب�سبعة وع�سرين واحد ًا منفرد ًا‪.‬‬ ‫اأي أان كل واح�د منه�م ه�و أاق�وى �س�خ�س في الع�الم‪ .‬أاو عل�ى‬ ‫الأق�ل ه�ذا م�ا يمكن أان يح��س به‪.‬‬ ‫ل أازعم أانهم مائكة‪ .‬لكني اأعرف أان المائكة معهم‪.‬‬

‫ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺿﻮء ﰲ اﳌﺠﺮة‬ ‫‪48‬‬ ‫ول أازعم اأن هذا يحدث دائم ًا‪.‬‬ ‫لكن�ه يح�دث‪ .‬وم�ن الممك�ن (ل�و �س�محنا ل�ه) أان يح�دث عل�ى‬ ‫الدوام‪.‬‬ ‫***‬ ‫بالمنا�س�بة‪� ،‬سديق�ك ه�ذا‪ ،‬ر أايت�ه للم�رة الأولى قب�ل اأي�ام‪ .‬م�ع‬ ‫ج�س�م كه�ذا‪ ،‬وع�س�ات كه�ذه‪ ،‬بديه�ي ج�د ًا أان ي�ض�عر أان�ه اأقوى‬ ‫�ض�خ�س في الع�الم!‪.‬‬ ‫***‬ ‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬ ‫ورم�س�ان‪ ،‬بت�س�هياته تل�ك‪ ،‬يج�ر النا��س ج�ر ًا إالى الجوام�ع‪،‬‬ ‫في التراوي�ح اأو غره�ا‪ ،‬يذهب�ون طمع� ًا في الأجر والمغفرة والعتق‬ ‫من النار‪ .‬اأو يذهبون‪ ،‬هكذا‪ ،‬با �س�بب‪ ،‬ألنه رم�سان‪ ،‬وقد تعود‬ ‫النا��س الذه�اب في�ه إالى الجام�ع‪ ،‬كم�ا تع�ودوا عل�ى تل�ك اللعب�ة‬ ‫الرم�ساني�ة ال�س�عبية الت�ي اأكرهها كثر ًا‪..‬‬ ‫ل يهم‪� ،‬س�يذهبون دونما �س�بب‪� .‬س�يذهبون فقط‪ ،‬لكنه الطعم‬ ‫في ال�سن�ارة‪ ،‬كم�ا تعل�م‪ ،‬و�س�يئ ًا ف�س�يئ ًا‪ ،‬ودون اأن ي�درك واح�د‬ ‫منه�م م�ا ُيدب�ر له‪� ،‬س�يجذبه الأمر‪� ،‬سي�س�ري في�ه‪ ،‬بالحث‪ ،‬ذلك‬ ‫التيار الكهربائي الذي ينتقل من كتف لكتف‪ ،‬ومن قدم ألخرى‪،‬‬ ‫�سيح��س كل منه�م بق�وة مختلف�ة تجتاح�ه م�ن الداخ�ل‪ ،‬لم يع�د‬ ‫�س�يطانه قوي� ًا كم�ا كان قبله�ا‪ ،‬و�س�يفكر م�ع نف�س�ه اأن�ه رم�س�ان‪،‬‬ ‫وق�د قي�دت في�ه ال�س�ياطين و�سفدت‪ ،‬واأ�سبح�ت �سعيفة‪..‬‬

‫ﻋﺻﯾر اﻟﻛﺗب ﻟﻠﻧﺷر واﻟﺗوزﯾﻊ‬‫اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻮﻟﺪوا ﺑﻌﺪ ‪49‬‬ ‫وكم�ا قل�ت‪ :‬عندم�ا يتعل�ق الأم�ر بالق�وة وال�سع�ف‪ ،‬فا ألم�ر‬ ‫ن�س�بي‪ ،‬فاإم�ا اأن ال�س�يطان �س�ار �سعيف� ًا‪ ،‬اأو أان�ك أان�ت ال�ذي‬ ‫اأ�سبح�ت قوي� ًا‪ ،‬واكت�س�فت نواح�ي الق�وة الكامن�ة في أاعماق�ك‪.‬‬ ‫اأو‪ ،‬وه�و ا ألغل�ب‪ ،‬الثن�ان مع� ًا‪� ،‬سع�ف ال�س�يطان ‪ -‬العاب�ر ‪-‬‬ ‫جعل�ك تتمك�ن م�ن اكت�س�اف قوتك‪..‬‬ ‫***‬ ‫وعندم�ا ينته�ي رم�س�ان‪ .‬وتنقط�ع ع�ن الذه�اب إالى الم�س�جد‪،‬‬ ‫�س�تفتقد ذل�ك دون أان ت�دري‪ .‬و�ست�س�تيقظ م�ن نوم�ك ذات ي�وم‬ ‫هلع ًا و أانت تكاد تختنق وتموت‪� ،‬ست�سعر أان فوؤادك اأ�سبح فارغ ًا‪،‬‬ ‫ب�ل اأن قف�س�ك ال�س�دري كله ق�د فرغ فجاأة‪.‬‬ ‫و�ضتكت�ضف ف ِز َعاً‪ ،‬اأن قلبك لم يعد مكانه‪.‬‬ ‫لقد فقدت قلبك فجاأة‪ .‬وها هي �سرايينك تنب�س في الفراغ‪.‬‬ ‫و�س�تذهب لتبح�ث ع�ن قلب�ك‪ ،‬في ا ألماك�ن الت�ي تع�ودت أان‬ ‫ترتادها‪ .‬في بيوت ا ألقارب وا أل�سدقاء حيث ذهبت في العيد‪ ،‬في‬ ‫ذل�ك المطع�م ال�ذي �س�هرت فيه‪ .‬هن�ا اأو هناك‪.‬‬ ‫في البي�ت ب�ين أاك�وام الماب��س الت�ي تنتظ�ر الغ�س�يل‪ ،‬ق�رب‬ ‫الهات�ف واأن�ت تنتظ�ر مكالمته�م الت�ي تجيء ول تجيء ؛ �س�تبحث‪،‬‬ ‫دون ج�دوى‪..‬‬ ‫تذك�ر اأن تذه�ب إالى الجام�ع حي�ث كن�ت تذه�ب قب�ل العي�د‪.‬‬ ‫لك�ن ل ت�س�األ الخ�ادم ع�ن قلب�ك ال�ذي �س�اع‪� ،‬س�يظنك مجنون� ًا‬ ‫عل�ى الأك�ر‪ ،‬ادخ�ل الح�رم‪ ،‬وانظ�ر إالى ال�س�قف‪.‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook