باسم المرعبي ــــــــــ ــــــــــ العاطل عن الوردة شعر 1
العاطل عن الوردة ُمستد َركاً بـ زهور ب ّرية الطبعة الأولى رياض الريّس للكتب والنشر ـ لندن الطبعة الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2
قبل أن... وأفّر اليه أُمس ُك بيديه ،وأنشج بحرقة الخاسر ك ّل شيء وأُمّرغ جبهتي بضوع يديه.. يد على قلبي ويد على يديه وعينا َي على أفعى تسعى في هوائي وسمعي لقلبي الذي يفّر في ك ّل الاتجاهات انا الحزين ،المكتئب ،الشاحب والمشاكس في المقاهي البليدة باسم الشعر أمنعُ الركام أن يعلو 3
وباسمه أدعه يعلو وباسمه أرنو الى النسوة تموُر في القلب والشارع وتركل حصاني الأبيض الجميل وتجحد دمائي باسمه أفيق على قر ًى تهّدم ْت وضفاف شحبت ونسوة مكتّفات بعباءاتهن الى شبابيك واطئة باسمه الى أفّر الى أهوار تُحاذي رئت ّي بعنبرها وأسماكها وصّياديها ولياليها المعولة بشحوب فوانيسها أفّر الى صيف بارد فوق سطح دار ،عينا َي ،فيه على قمر ونجوم وعلى أُّمي مستحلفاً عينيها أّلا تتركاني الى أخوة فّرقتهم المدارس ليتج ّمعوا في الغياب وفي دمع الوالدة المشعّ الى أصدقاء يرسمون ق ارهم في با ارت ترسمهم ُدخاناً ...إل ّي تحت شجرة تين متن ّشقاً حليبها ومج ّمعاً الغزلان الطائرة في طاسة الأفق 4
إل ّي قبل أن ُيجفّف الحليب ويذّر في عين ّي إل ّي قبل أن استجمع قلبي وأصرخ مع حم ازتوف: \"أيها الشعر :أنا ،لولاك ،يتيم\". باسم المرعبي 5
هل تدري ،ماذا أرى في هذه الم آرة؟ ..العالم ،بوضع صحيح ..أجل، لأنه نفسه مقلوب! أُوغست سترندبيرغ 6
۱ ك ُّل الطرق لا تُؤّدي الى ماجي ار 7
أبي يا أبي يا أبي! يا شقي َق ألمي! على أ ّي المدى ذرف َت قلبي وفي أي الظلال كن َت ترّبي حزني؟ 8
ناس من أُمم شتى ،حلموا جميعاً حلماً واحداً. أروا ام أرةً تركض في الليل عبر مدينة مجهولة، أروها من ظهرها ،عاري ًة وبشعر طويل، حلموا انهم يتعقّبونها .وبينا هم ينعطفون ويستديرون ،افتقدوها جميعاً. حين استفاقوا انطلقوا يفتّشون عن تلك المدينة ،فلم يجدوها ووجدوا مدينة أُخرى .قّرروا تشييد مدينة كتلك التي في الحلم. عند رسم الشوارع ،ك ٌّل منهم اتخذ الطريق الذي سلكه في تعقبه، وفي كل مكان افتقدوا فيه أثر العارية الهاربة أنشأوا جدا ارً وف ارغات تختلف ع ّما في الحلم، لكي لا تستطيع الهرب مّرةً أُخرى. ايتالو كالفينو ـ مدن لا مرئية 9
القسم الأول 10
الوردةُ تسيل ولا أصابع تلّم العطر على الضفة تجلس ،تسند ظهرك إلى جذع أمنية وتصرخ: \"ماجي ار\" فينداح صوت َك عبر مياه ونخٍل يشيب ،عبر فواخ َت وتحسر قروي لم ارهقات يلففن شهواتهن ،بـ \" ِشَيل\" يكتمن صرختين مشرئبتين وعباءات يخنقن سرة خافتة مثل بيت الحلزون. عبر الأرجوانية المبكرة لبيوت الطين ولألأة عنق نجمة ،تشدها من شعرها مياهُ ماجي ار ..تصرخ ،فينكسر صوتك أقواساً ،ولا كمنجة لتسنَد إليها عواءك ولا ثقب ناي لتنشب هواءك في رئة المدينة. المدين ُة ظهيرة ازرقاق تحت عيون النسوة، والسهر ير ّصع بالشحوب العينين، فكيف نبصر العشب مرتجفاً في النسيم، وكيف نذ ّب ،بالدمع ،السهَم عن عنق الصغير. الوردةُ تسيل ولا أصابعَ تلّم العطر 11
وماجي ار تشهد العنق والوردةَ السائلة وماجي ار تسقف بالمياه طفولة الرمل. فلتغتسلي ،يا سما ًء أكنسها من نجوم فاسدة ولتفيقي يا نجم ًة واهنة أرشها بعطر فحولتي فهذا السرير مرك ٌب تسّيره مياهُ الرغبة ،وأخشى على قلبي أن يصل قبل أن يغرق ـ الغرق الضروري في حليب الغلامة ـ ـ يا ُغلامة! اغتلمي بين يد ّي ،فوحي بفحيحك .ارخي! فهذا القفاز الذهب لأجل حريرتك تتباهى به كفي وهذا القفاز يلمع ،لترى صوتي ماجي ار وهو يومىء في ظلام النخيل وهذا القلب مدب ٌب لأطلقه سهماً في ف ارغ ماجي ار. 12
ما الذي قاله العشب؟ يلتمع الم ْح ُل مثل عيني لص. يلزمني خفان لأتزو َج هذا العشب ولأقنعَ البحر بخفة دمي. ـ أي َن القميص الصاخب لأقنع رجال الحدود ببوهيميتي؟ ـ أين كأس النبيذ لأرى الفتيات محم ارت من خجل ومن سطوع رغبة؟ يقول لي العشب ،تلزمك شمس بيكاسو وحصان فائق حسن و لوثة فان غوغ .. أقو ُل للعشب ،لا يلزمني سواي، لأسّير قاربي في اليابسة ولألظَم الشمس طْر ازً في ش ارعي، فالبرية أمامي صهي ٌل ذهبي لخالق يد ّشن أيامه. 13
سقوط السروج تلطم الشم ُس غلالة الغبش ،فتد ّب الكائنات يعرج السرطان على ضفاف القرى تلمع الفتاةُ في السهب مثل حّبات خيبتي ينفرطُ الماء تلتمعُ الأف ارسُ ،حم ارً ،في الشمس وال اريات أسّن ٌة تثقّب الفضاء تسقطُ السروج والأعّنة تخطّ مصيَر قر ًى قادمة على الرمل. الف ار ُت قرب ٌة تثقبها \" الأسهم\" والأك ّف حواٌر مقطوع تصهل النشارةُ في فرسي الخشبية أمام قنطرة اللهب يمتطي الأت ار ُب أذيا َل دشاديشهم ولا صهيل ،لا علف ،لا ماء والمدن بلا ب ارٍر خلفية ليصه َل القلب بلا برسيم يحّرك الحيوانات أمام أعيننا ويدفع هوا َء المص ّحات. 14
بأية كتابة أقطع بياض قطيعتنا بأ ّي موسى أجرح الشمع؟ أُرجرج المتح َف؟ أُسي ُل الحمام على جلد الزجاج بأ ّي صوت أ ِص ُل صمتَ ِك المرجان ّي بالب ارري بأ ّي كتاب ٍة أقطعُ بياض قطيعتنا؟ ...مش ّع ٌث الصوت فبأية لغة أُنادي ِك عبر ضباب وأسّنة ،تلوح لقل ِب يلتحف الرم َل ،نخلاً ـ عبر مداخن تربو وفضاء لل َحمام ُيشطب ،عبر مياه تسعى ولا وصول ،لا باب ،لا ارئحة نافذة. ...................... ُيض ّمخنا الُبعُد والمسافات مساّم صوتينا يلفّ ِك السوُر ،تشرئ ّب عيني يغز ُل الضبا ُب يدي ِك ووجه ِك ضوٌء يسعى أمام ِك يؤلّ ُب حندس أيامي ويصفع اريتي الذابلة 15
\"نهاري نهاُر الناس حتى إذا بدا\"...... وج ُه ِك يغر ُس الظفَر في دمي، أسي ُل شج ارً ُيسلَ ُب في الطريق الى النبع، طفلاً ُيصلب على خشب ُسلّم المدرسة شفَقاً يقترحه مسا ُء أعزل أسي ُل صد ًى تصّدهُ الم اريا ـ متفّرساً يشهُد ترقرقنا عبر شتاء مسائي ودفاتر بوح وقناني عطر تستر صورتيناز [ ُمريني قبل تسع سنوات ،مثلمل فعل ِت: أن أعبَر تحت شرفت ِك مخت ّضاً .لن أنسى عيني ِك ،مهما ع ِمي ُت، وهما تخترقان كمود الكوى في سياج قيامتي.. (لم أَر عينيك ،لحظتها ،غير أني مطمئ ٌن أنك كن ِت تترصدينني مثلما أُفا َجأ دائماً بأعين البنات ورّبات البيوت واللاهيات يسترقن النظر ال ّي عبر الشبابيك الواطئة أو العالية والأبواب التي ت ارها كما لو انها مغلَقة .وعبر الأسطح التي تسترها سياجات مغتلمة ،مما يدفعني الى تذّكر صديقي \"المثقّب العبدي\" الطي ذهب الى هذا المعنى بقوله: \"ظهر َن بكلّ ٍة وسدل َن أُخرى وثقّب َن الوصاو َص للعيو ِن\". وبدقة أكثر فإ ّن ما ينسجم وهذا الموقف تماماً هو قول \"عمر بن أبي ربيعة: و \"كن إذا أبصرنني أو س ِمع َن بي ،جري َن فرقع َن الكوى بالمحاجِر] 16
خوخ ًة ،خوخة ..يوّرق ِك القلب أجد ُل قوس قزح ضماداً لركبتك وأقود رهَو جسد ِك لما خلف موجة وصندل ومرجان نبيذ ..تأتل ُق نجوٌم ويبارُز البر َق بر ٌق تظفُر نافذةٌ بالقمر، البري ُة تلقح فرساً، فلا أتبينني في زرقة غبار الأجنحة والحفيف، تنجلي الزرقة ،يفى ُء الهوا ُء من البخور: أتبين ِك شقرةَ غيمة روبة ضباب انسكا َب نجمة تنكم ُش أصابعي وهي تفّكر في ابريز زغب ِك وتختل ُج الحواس بينا تقلّب فاكهتك .. خوخةً ،خوخة يورق ِك القلب ويطفو في مه ّب تفاحك يا حفيف د ارق وريشتين، 17
يا اكتظاظ من تذهب للثانوية بعد الواحدة ظه ارً أخف ُق شهوتك على ركبت ّي ،فيسيل المدى تحت عيني ِك وتحتك وتخاطب الغاب ُة اختها الغابة تولم الضوء قبيلة الف ارشات يبرق قندي ُل بحر في جفاف عتمة و لا ضوَء يضاهي وَه َج سّرت ِك: يا انثيال قوس قزح ندي بين أصابعي يا حمحم َة مهرة ولهاث غ ازلة اني أرهف القلب لملمس نبضك يا نعومة البريق يا نبع م اريا تلي ُن لتطلّع دمي. 18
دائما! الوعورة سالكة الى ماجي ار أترك الجياد و ارئي ،جليدا ،تغزلها الغيوم وفتاة ماجي ار أتركها تعرق في الفرو يضيئها الضباب وينتحلها الذهب. تقول لي النخلة :ياسّيد! أقول للنخلة :يا أمة ..التلف سّيٌد ،والهاوية تخفيها أكوام الهواء، اتلف ُت والفت العصفور: الرماُد لا أحد يطويه .اذن الوعورة سالك ٌة الى ماجي ار ،والجغ ارفيا صنو التضاريس... يستوقفني كوخ خشب يندلق الهواء والشم ُس والمرعى بداخله.. الرج ُل الريف ّي منهمك بشأن ز ارعي .لا يعنيني! ألم ُح كو ازً تحت الشجرة ،بارداً مثل م ارهقة أدلقها على الكاشي في يوم قائظ 19
ينتف ُض القل ُب بمحاذاة سحنة مشمسة لكاعب أكاُد أشُّم ص ارخاً ساخناً في نهديها. البق ار ُت هناك في البعيد ،أُشاغ ُل الدَم بتصفّح ال ُعشب تحت أقدامهن وأمن ُح الريف ّي بضع نظرٍة لأعبَر شّكه. الإغتلاُم سال ٌك اليها، أسمعُ فحي َح الباب ،وأش ّم ِك احتكاكاً يا ذات السحنة المشمسة أتر ُك الري َف والريف ّي و ارء ظهري وألجأ الى تأّوه ِك الناضح باللبن. ظهرِك الى الباب وقلبي الى الع ارء أنفاسنا ح ّماماً يجمعنا ،وخارجنا الريف يضحك مخّبئاً لنا الشم َس والتلّ َة ترتقيها الغ ازل ُة وتنفّس الأرض. 20
الإمتنان لبياض الصخور خفيفاً أمضي ،طائ ارً مثل فكرة مغتسلة بالعطر ممتناً لبياض الصخور على الساحل أقود الشجرةَ للمرعى والساقية للشجرة مربتاً على البط يكتب الري َش على التُ ارب نابذاً باع َة الكتب المستعملة و ار َء ظهري فالغابة سطٌر مورق في الدفتر الطلق ك ّل غص ٍن ناي وك ّل هسهس ٍة أغنية أغّذ الصفيَر لأوق َع القرى في هواي 21
والسواح َل أسلسلُهاَ ،حطباً لموقِد زرق ٍة أقدح ُه في هجيِر المدن 22
عندما تتعظ الفتيات بالشجرة بلا حيض تعّر ُش الفتيا ُت في ماجيرا بلا إدماءُيخثّر الوط َء هكذا ،ث ّم َةن تتعظُ الفتيا ُت بالشجرة ُصف ارً ينتشر َن في ُكركِم القمر ،مريضا ٍت ،يلسع َن الرم َل بش ارر ُسرره ّن يتقلب َن على طين الأمنية البارد أًص ُل أجساده ّن ـ الأج ازء الأكثر لدانة ـ بغناء نايي الأزرق ُمنَّوما ٍت ينهض َن وبخط ًى خدرة يمشي َن بهدي فانوس زيت ُه الشبق. 23
حيوا ُن حلمي أمام قلعة المروضين على فرسي ،أسوطُ البرية أمامي (أتذكر د ارجتي الهوائية في المدينة وعطب اطا ارتها). أضفُر السواقي نشيداً لفم المدينة المتسخ وأقدح سلك الصباح في فحم خرائبها أنجُر الفجَر لأجل أعناق ديكة ازهية توقظني الفتيا ُت ،فأتح ّسس البرية تحت جلدي وأفتقد ثيابي أسمع ضحكا ٍت مثل لمع البلّور ،يساومنني: ثياب َك أو البرية؟ عريي يسطع في السهب أمام ُسررهن الرواني ، أحم ُل بريتي وأسترني (مرِّوعٌ منظر الآباء يقودو َن صغارهم في شوارع المدن) ،أله ُب المسافة بحلمي الوحشي ،فأ ارني أعبر أقفاصاً وقاعا ٍت آسنة وهياك َل مربوطة أو معلقة بأشجار متفحمة. أ ارني أطوي دمعتي وأرفع بياضها شعاعاً ينجر جنا َحي ركضي وأ ارني أرى إلى ريش ينعب فأوقن أنه لأغربة ـ ولكن ليست ُعصما ـ* 24
وبرق يخت ّض في سواد الريح كأنه جذر السماوات يفضح رجالاً بأصابع طويلة تعرق على السياط أتبينهم في الشرفات مديدي الأناة والقسوة. النوافذ عالية تسترها جلود الحيوانات أسمع عوا ًء وزئيراً عواء ..عواء طويل مثل جد ارن هذه القلعة فأدرك انها قلعة المروضين. يخت ُّض شي ٌء ما بداخلي ،أظن ُه حيوان حلمي أُم ّسُد شعره القصير ،أُقّبل ما بين عينيه أختلي به ،برقاً ،عن أعين المرّوضين ،أوشوش ُه ما لا اتذّكر فينطلق رشيقاً كـ هو يخت ُّض جذر السماوات ثاني ًة ويسعل أيلول في الشجرة أعرى فيسترني هزيُم السياط وُيشت ّق القفص. * أغربة جمع غراب ،والعصم جمع أعصم وهو الذي في جناحه بياض ،ويندر وجوده. وهو مأخوذ من قول المتنبي : تع ّج ُب من لفظي وخ ّطي كأنما ترى بحروف السطر أغربةً عصما. 25
عن مشهد تذكرته في ما بعد في لاباز رهينةٌ القلب بين أقفاص ورجال لهم سيماء مهرجين يصطدمون في الظلمة بب ارميل خمر ناشفة وبك ارت أسلاك وسياط متهرئة يتعثرون ويرطنون بشتائَم منقرضة ، ي ْق ُعو َن مدخنين ور َق مواضيهم وما ان ينشر المحا ُق ريشه النيلي وتبطل النجوم يلقي الرجال ـ الذين لهم سيماء مهرجين ـ لفافاتهم ،متفقدين سياطهم. يذرف القلب لؤلؤة ذكرى السياط تفرقع في الهواء: ـ صف حيوانك الهارب! ينقدح الأزرق ف ّي ،أستشعُر نسمة المتوسط تشط ُف رئتي وتوم ُض جنّيا ُت الأنبذة بأ ّي عين أصف حيواني 26
وأ ّي عينين سأرويهما عنه: السهو ُب أط ارفه ،أرس ُه الغابات أصابع ُه الأح ارج والأديرة المنسية في المرتفعات الينابيع والحصباء خطوه الرك ُض كتابه فاق أرني أستحلف َك بحلم َك ،الموج َة لئلا تطر ُف سحنتي وهي تق أر: عيناهُ من ب ٍّط وسواحل وانبذة وهواء لم ُيم ّس من نسوة محلولات الشعر وموسيقى في قطار يحمل الليل والسائحات ورغوة الكاس على جوخ مائدة في طنجة وكركرة صبية بالكيمونو و ارئحة ورق جواز سفر جديد ومشهد تذكرته في ما بعد في لاباز وماذا..؟ يشه ُق القل ُب متلفتاً: 27
الزورق دخا ٌن يتصاعد في الو ارء والعط ُش مرتز ٌق أسوُد الكلمات ُيله ُب الينابيع بالردم ويتملق الفخاخ فأُصفّف الخلجان في قفصي لتقع أصابعي، ساي ًة في الزرقة وهي تشّد على ركض حيواني الشارد بعينيه من برق عما ٍء يخطف النظرة 28
القسم الثاني 29
عن أثير يؤثر النقرس على الما ارثون ويربي وجه محقق قبل أن يجترح العصافير اعتاد الطق ُس أن يسّرح شموسه الرخيمة في ظلال عينيه والمناخ تجّأر على غرس كرسّيه قريباً من ُمنت َحر الأمواج ليرقب اختلاجات الطيف الشمسي منحلاً في حدقتيه ،مضيئاً وجوه فتيات يتحسس َن اصغاء نهودهن الوردي إلى حمام رعشة، وعشباً ينحني لشعر غيمة طويل، مط ارً خاطفاً في شارع خلفي في مدريد مط ارً مملاً في نيودلهي قيداً لا يصدأ ،أسئلة لا تبدأ ولا تنتهي : ـ من أين..؟ ويلمح المحقق انكسا ارت فيء سجونٍ تعبرها العصافيُر ،علّواً، وظلال امهات تقيله ّن بازةُ قيلولة ... ـ من أين ؟ 30
ـ أنا..؟ ـ!.... ـ من آسيه ـ من أسى؟ ويعبر الرجال مطأطئي الأفئدة ،يجّرون الحجارة في المرتفعات والأودية ،في شقوق الأنهر العاطلة ،في السهوب، يستقبلهم عوي ُل النسوة، مندلعاً كالأفق يغطي تغضن قاماتهم ،مدلياً بأسمالهم في انتخابات التعب أسى ،يأسو تأسو آسيا منذ متى؟ من التماع ح اربهم تحت جنح نبي ،من لغوهم الى لغطهم عند باب غامض في سّر من أرى الى جنوب يشتعل مغ ّطياً الجهات ،مستنداً الى قامة الف ارت في ك ّل نهر لوعة الف ارت في ك ّل مدى مدى للجنوب 31
تنطوي القا ارت على جنوباتها وأنت تنطوي على وطن في قارة ما ،ترقى ربوة بمسوح النوم تُب ّشر بالنعاس وعسل الأحلام تعلق به أجساد الفتيات الصغي ارت والحروف الأولى لحلمك الحركي ..ماجـ..يـ ،ار 32
33
34
35
عرو ُق الموسيقى \"وكن ُت أنتظرك من أقصى مبدأ أّيامي وعمري حتى كد ُت أنفد\" ميارى :في \"السد\" لمحمود المسعدي\" في الخرزة الأخيرة للمنظور ،تتموج الصبية في أعياد الساري والشادور، تطفح كالحليب في ضرع النار ،متململ ًة ،كالزبرجد ،يش ّف الملم ُل عن م ارهقتها ُيرهقها شرودي ،هذيان خطوي ،انكساري ،مغمو ار ،بدقيق التماثيل المه ّشمة ،متلفتاً على كسر طفولتي تلمع في نأيها.. (أعبُر حدائق السكك ،وأنا في طريقي الى الوشاش مع ابن خالي نتوقف عند نفايات جافة لبيوت مارفة ،اعثر على صورة ملّونة لماجدة الخطيب، في جولة أخرى مررنا بمحاذاة معهد الفنون الجميلة ،توقف ُت عند قطع التماثيل التالفة ..تنفستها يداي ،وتنفّست عيناي القمصان المش ّجرة في واجهة أحد الخياطين ،كتب عليها :خاصة بطلبة معهد الفنون). ...وأسمعها ترّبي قميصي: 36
قميصك الذي لم تكبر عليه أيها الماجيري ،الذي يتلفع الحلم ويقود قلبه ريش ًة لمه ّب الحجار! واصابعي الحانية تلقطُ السهام وتجتهد في تدبير الوردة ،تص ّحح مياه ُسقاتك: ـ أحذر انهم يد ّسو َن لك في اللبن وانت تع ّب ،لم تكن تنتبه لعينين تسقطان في زجاجتك ،لأصابع بلا خواتم تشحب على مائدتك. ..لتحيتك نكهة البريد ،دعني أشّم الورقة والحبر والتوقيع، د ِع الإيقاع يطفو ،لأُمس َك بعروق الموسيقى.. دع صوتي يتدثّر بصوتك وكلماتي تستحّم على حافة كلماتك لا تكسِر الزجاجة ،دعها تش ّف عن حنيني ،ترّبيه ،تو ّحشه .دعها تحفظ لك حلمي من الغبار. جناحاي اللامرئيان ،غير ان حفيفهما في قلبك ،يظللانك أينما ذهب َت. في كلذ دروبك التي سلكت تركت فيها ما يد ّل عليك ،دمع ًة ،ظلاً نحيفاً ُيشبه شاع ارً أو عاشقاً. وأنا لس ُت بحاجة الى أثْر لأتبّينك ،لني اتعرفك في الهواء الذي قطعته، غير اني كالهواء تجتازني ،دون ان تبالي تاركاً شفت ّي ترتعشان من الغضب والح ّب توشمان الأف َق بحروف اسمك المضيئة كمياه تغتس ُل في مياه ،غَبشاً ،حيث المخلوقات تد ّشن بياضها 37
لك وحدك البياض ش ارعك أبيض وبيضاء وردتًك أُلقي عليك ضبابي وأحملك على بياض غيمتي لأعبَر الدخان اللدود، فتتنفسك الم ارعي خضرةً بيضاء في ما و ارء ضباب الينابيع ،فج ارً يجرب أولى خطواته في ممّر الأفق وتندس الديكة ،مازحاً ،فتجّد الشم ُس صاّك ًة خيولها ،من ذهب البكاء الى ف ّضة العاصفة. ............. ـ عليك البها ُء ،الندى ،النداء عليك رّيا حقوٍل تتصاعد نعاساً في سرير المطر. أجبني تحفّك شغافي وهمسي ،وطيور ارئحتي وعرق قلبي. ـ استح ّمي في مسافة اجابتي ،واّدخري معِدن عرقك لجفا ٍف ُيرّبى بمنأ ًى عن الشمس. أتش ّهى سؤالك ولكني لا أُحسن الإجابة تحت ُشعاعات عطرك وأج ارس نسياني. ـ لا توقظ سهو يديك يطيش على ربى م ارياي ،يقلّب نجوماً باردة. كم عميقة صورتك في المرآة كأنها الهاوية كم عميقة صورتي كأنها السماء كم عميق الصدى يمّوج ظلّينا على حائط تتسلقه الأشنات والرطوبة ينادي على كثبان سكون أعمى في برية انق ارض يتناس ُل نشيجاً ممدوداً كقامة أجيال تجاور خرس الت ارب وتستعين بالمجارف في رحلة ردم يكشط البحَر زرق ًة زرقة ،لينّز الصفير أصفَر حيث تق ّصف خضرٍة تدوسها عيون 38
السحالي وتق ّعر ظلام ُيدلي بنجومه الفاسدة على ملأ دامس. كم بهية ظلالنا تتّوج الضوَء وتو ّشي المياه غير أنها لا تشي بإهاب أحلامنا. 39
۲ العاطل عن الوردة 40
41
السكك الحديد لأيامي شكل نقود معدنية مّر عليها القطار أتملّى ذكرى تتشبث بها أهدابي أتملى خوصاً يتكسر ،شاحباً كالهدب أتملى عشباً في خطى حصان ينفق فوق السكة الحديد ، والسكة الحديد تطارد الأفق وتعلق الطيور حتى هواء آخر وتشمت بالأحصنة الخضر . والسكة الحديد تفّكر: الساقية ساق هشة ،والمرعى بدائية متأخرة يجنح لها الشع ارء سيما إذا سلطت عليه الشمس حم ارء .................. 42
المشهد لا يتسع لقامة تتكسر كرماد السيجارة فوق بلاط لامع المشهد محجوز ليد موظف البنك تحصي جسا ارت المقاول ويُد المقاول تجلو السكة تمغنطها ،لتتقصف سيقان العصافير أد ار َج الكهرباء . (هنا أتذّكر شرفتي التي تظلّلها ،بدل اللبلاب ،أسلاك الكهرباء ،والقمر دائماً أ اره من خلال هذه الأسلاك ،لكأّنه طيٌر محت َجز ،يحاول جاهداً ،أن يرتفع فأرفع نظرتي علّني أفلح في رؤيته طليقاً ،غير ان مدخنة جاري هذه المرة تحو ُل تماماً دون رؤيته ،وأحياناً حتى الغسيل المنشور على الأسطح أو داخل البيوت يحول بيننا وبين أشياء كثيرة نوّد رؤيتها). هل نشكو الخريف للشجرة ،أو المدخنة للفضاء؟ يقول الطائُر :هل أريتموني ،فنقول :جناحك أخرس والسماء أبجدية تحجبها الغيوم تقول الأرض :هذا الإسفلت والسكك الحديد! نقول :نعرف انك تختنقين يقول النهر ،وقبل ان يقول ،نقول له ،نعرف: انك تته ّجى الصدى والصدأ في تنك القطار، والقطار غير آبه يمضي بزهو فتاة اكتشفت فجأة زغب ما تحت سّرتها يمضي شام ارً ضفيرة دخانه على كتفه ،مصّوتاً مثل لصوص ازئفين يلهون. 43
حتى الثالثة عشرة بقينا نلهو ،كففنا بعد أن فاجانا الزغب فوق الشفة العليا وأطلنا سوالفنا لنحفظها في صور ركيكة بالأبيض والأسود. عندها اكتشفنا السخام الذي بدأ يعلو وأصابعنا التي تق ّشر الظلام بحثاً عن الوردة الكامنة ،أيدينا على قلوبنا ،نلتمس ضوءها المغ ّطى بالريش والعصور : نعزل النحاس ،الجليد ،الفحم ،الحجر وقريباً منا يجلس الآثاري على صخرة ،يدخن ويرنو إلينا ،ناظ ارً بين حين وآخر إلى ساعته ،مبتهجاً بالشرر الذي يعلو أصابعنا ،منصتاً إلى وقع خطى الجبليين تتضح في السكون ،وقد فرغوا من تسمية الغابات. ..يرى الينا ونحن نحّنط البرق ونؤثّث للش اررة مهدها نرى الينا ونحن نتكّرر في الم اريا أو الم اررة. 44
ساُرو ارء العاشر من جنوني الفجيعة نافذة على الإسطبل والحّداد يصقل الجياد القمر حدوة متآكلة والإسفلت ذاكرة الب ارري المستشفى تَخٌم والأطفال حماقتنا التي تسعى المشهد طاع ٌن في الإرتباك ثمة نسوة يتفقدن الأصص في الشرفات والمساء أقدام تعبر جثث العصافير الظلم ُة تتضح والهوام يطفو في زجاجة النهار الظلام شمعة الأعمى والأعمى يتل ّمس الحفيف في وكر الدانتيلا الضباب م ازج سماء لا تفكر 45
أعبر الغيمة ،حيث البرق ينسج سريرِك الأبيض ويرتق ص ارخ طفلة لم أشأ أن أذّكرني غير ان السماء تتخذ شكل مهدر وقابلة والمسدسات مخاض معلّق ينهدم المشهد ينهدم سياج الصورة طرية أقدام الجرذ تد ّب والش ارشف عاصفة ألم أبيض ووحد ِك تدرئين، حاضن ًة الص ارخ الناعم، شبابيك ري ٍح ذاهلة يهجُم الأف ُق بخ َفّي لص ينكفىء الفانوس تهتّز صورة في الجدار فاغرةً يد ِك تسقط، عمياء والنافذة وشم دخان يرت ّج المشهد 46
يذوب في صّرة الدخان تنشطُ الجياد قرب النافو ارت يصهل الماء متاحةٌ الصح ارء والنبع عين ديك يموت صافية في عزلتكِ مديدة كالنهر إلاّ ا ّن المشهد يتفكك أ ّي حباٍل تخطّفتني الموج ُة سما ٌء تعمى والرّبان يعالج قم ارً يذوب مثل حبة اسبرين يعّدني الرم ُل والدخان تتسقطني الصح ارء يقول لي ظلّي: يا شجرتي أقو ُل لظلّي: يا بيتي يا ساحلي ،يا هاوايي يا جنون غوغان التاهيتي 47
يا قوس ك ّل قوس هونولولو هلّلويا! زرق ًة ،نخلاً بأجنحة ُعيوناً سمكاً مديداً ت ارني ،كساحل كنهر، كمثلي! يدا َي في جيب ّي ،أصفُر لحناً وأرك ُل الحصى ،خفيفاً ،أبتسُم لي وللم اريا، أُم ّسد شعر طفل ٍة ،وأسعف سيدةً توشك على،... أورجازم أورجازم السريُر وركبت ِك تلمعُ تحت يدي ،حت عين ّي ،تحت ش ّمي ك ّل شيء ليس هو كل شيء ثمة ما ُينسى دائماً ثمة ما يقع .. أتفيأني والمشهد ينفتح دائماً على ما يشي بالنسوة: 48
يستحمم َن ،يعالجن الأصص ،يعولن ،يتعثرن ،يندلعن كالعباءات. والمشهد ينغلق ،عادةً ،على ما هو فاجع: قطة تج ّن في الريح ،فالج بأصابع مديدة ،زه ارت ينفخن كالقطط، وأنا الخشبة. يمسح الساحر على كتف ّي ،أُفّكر: أحصنة سلاسل اريات تندلع الأحصنة تجمح السلاسل تشهق ال اريات • مشّو ٌش ن ّص الوردة أحاول ن ّص الحلم: سودا ًء ،اتذّكرِك ،عائمين كّنا ،تدثّرنا الُبحة سوداء بمحاذاتي كنت من الرغبة ،رج ارجة كموجة تفرمين الوقت واللذة وما بيننا ب ّحة وبوح: اسهري ..أقول ل ِك تقولين :أسهُر ،وأسهُر ،أقو ُل ،أنا 49
مبّكرةً نامي ومبّك ارً أنام نسهر ومبّكرين ننام الُبحة فوقنا سوداء أتذكرِك شفت ِك كمنجة أوقّع عليها بلهاثي ورغبت ِك تشعّ: الغزلان تنوس في الأجمة الوتُر عيادةُ الأعياد السماء احتكاك نيزكين الشارعُ بنا ٌت من أجل لا مدرسة يذهبن الأف ُق حلم أقنى ُيقيم البريد وأن ِت! هكذا ،لا أُس ّمي ِك في النوم يا ن ّص ب ّحتي: بيضاء تنهضين من ركام النعاس واللذة تنهضين.. نصف قامتك نعاس ونصفها الآخر حلم • الرما ُل ضجيعتي 50
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114