Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore باسم المرعبي ـ ديوان العاطل عن الوردة

باسم المرعبي ـ ديوان العاطل عن الوردة

Published by المكتبة, 2020-09-20 08:43:54

Description: شعر عربي

Search

Read the Text Version

‫باسم المرعبي‬ ‫ــــــــــ ــــــــــ‬ ‫العاطل عن الوردة‬ ‫شعر‬ ‫‪1‬‬

‫العاطل عن الوردة‬ ‫ُمستد َركاً بـ زهور ب ّرية‬ ‫الطبعة الأولى رياض الريّس للكتب والنشر ـ لندن‬ ‫الطبعة الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت‬ ‫‪2‬‬

‫قبل أن‪...‬‬ ‫وأفّر اليه‬ ‫أُمس ُك بيديه‪ ،‬وأنشج بحرقة الخاسر ك ّل شيء‬ ‫وأُمّرغ جبهتي بضوع يديه‪..‬‬ ‫يد على قلبي ويد على يديه‬ ‫وعينا َي على أفعى تسعى في هوائي‬ ‫وسمعي لقلبي الذي يفّر في ك ّل الاتجاهات‬ ‫انا الحزين‪ ،‬المكتئب‪ ،‬الشاحب‬ ‫والمشاكس في المقاهي البليدة‬ ‫باسم الشعر‬ ‫أمنعُ الركام أن يعلو‬ ‫‪3‬‬

‫وباسمه أدعه يعلو‬ ‫وباسمه أرنو الى النسوة تموُر في القلب والشارع‬ ‫وتركل حصاني الأبيض الجميل وتجحد دمائي‬ ‫باسمه أفيق على قر ًى تهّدم ْت وضفاف شحبت‬ ‫ونسوة مكتّفات بعباءاتهن الى شبابيك واطئة‬ ‫باسمه الى أفّر الى أهوار تُحاذي رئت ّي بعنبرها وأسماكها‬ ‫وصّياديها ولياليها المعولة بشحوب فوانيسها‬ ‫أفّر الى صيف بارد فوق سطح دار‪ ،‬عينا َي‪ ،‬فيه على قمر ونجوم‬ ‫وعلى أُّمي مستحلفاً عينيها أّلا تتركاني‬ ‫الى أخوة فّرقتهم المدارس ليتج ّمعوا في الغياب‬ ‫وفي دمع الوالدة المشعّ‬ ‫الى أصدقاء يرسمون ق ارهم في با ارت ترسمهم ُدخاناً‬ ‫‪ ...‬إل ّي تحت شجرة تين متن ّشقاً حليبها ومج ّمعاً الغزلان الطائرة‬ ‫في طاسة الأفق‬ ‫‪4‬‬

‫إل ّي قبل أن ُيجفّف الحليب ويذّر في عين ّي‬ ‫إل ّي قبل أن استجمع قلبي وأصرخ مع حم ازتوف‪:‬‬ ‫\"أيها الشعر‪ :‬أنا‪ ،‬لولاك‪ ،‬يتيم\"‪.‬‬ ‫باسم المرعبي‬ ‫‪5‬‬

‫هل تدري‪ ،‬ماذا أرى في هذه الم آرة؟‬ ‫‪ ..‬العالم‪ ،‬بوضع صحيح‪ ..‬أجل‪،‬‬ ‫لأنه نفسه مقلوب!‬ ‫أُوغست سترندبيرغ‬ ‫‪6‬‬

‫‪۱‬‬ ‫ك ُّل الطرق لا تُؤّدي الى ماجي ار‬ ‫‪7‬‬

‫أبي‬ ‫يا أبي‬ ‫يا أبي!‬ ‫يا شقي َق ألمي!‬ ‫على أ ّي المدى ذرف َت قلبي‬ ‫وفي أي الظلال كن َت ترّبي حزني؟‬ ‫‪8‬‬

‫ناس من أُمم شتى‪ ،‬حلموا جميعاً حلماً واحداً‪.‬‬ ‫أروا ام أرةً تركض في الليل عبر مدينة مجهولة‪،‬‬ ‫أروها من ظهرها‪ ،‬عاري ًة وبشعر طويل‪،‬‬ ‫حلموا انهم يتعقّبونها‪ .‬وبينا هم ينعطفون ويستديرون‪ ،‬افتقدوها جميعاً‪.‬‬ ‫حين استفاقوا انطلقوا يفتّشون عن تلك المدينة‪ ،‬فلم يجدوها‬ ‫ووجدوا مدينة أُخرى‪ .‬قّرروا تشييد مدينة كتلك التي في الحلم‪.‬‬ ‫عند رسم الشوارع‪ ،‬ك ٌّل منهم اتخذ الطريق الذي سلكه في تعقبه‪،‬‬ ‫وفي كل مكان افتقدوا فيه أثر العارية الهاربة‬ ‫أنشأوا جدا ارً وف ارغات تختلف ع ّما في الحلم‪،‬‬ ‫لكي لا تستطيع الهرب مّرةً أُخرى‪.‬‬ ‫ايتالو كالفينو ـ مدن لا مرئية‬ ‫‪9‬‬

‫القسم الأول‬ ‫‪10‬‬

‫الوردةُ تسيل ولا أصابع تلّم العطر‬ ‫على الضفة تجلس ‪ ،‬تسند ظهرك إلى جذع أمنية وتصرخ‪:‬‬ ‫\"ماجي ار\"‬ ‫فينداح صوت َك عبر مياه ونخٍل يشيب‪ ،‬عبر فواخ َت وتحسر‬ ‫قروي لم ارهقات يلففن شهواتهن‪ ،‬بـ \" ِشَيل\" يكتمن صرختين مشرئبتين‬ ‫وعباءات يخنقن سرة خافتة مثل بيت الحلزون‪.‬‬ ‫عبر الأرجوانية المبكرة لبيوت الطين ولألأة عنق نجمة‪ ،‬تشدها‬ ‫من شعرها مياهُ ماجي ار‪ ..‬تصرخ‪ ،‬فينكسر صوتك أقواساً‪ ،‬ولا كمنجة‬ ‫لتسنَد إليها عواءك ولا ثقب ناي لتنشب هواءك في رئة المدينة‪.‬‬ ‫المدين ُة ظهيرة ازرقاق تحت عيون النسوة‪،‬‬ ‫والسهر ير ّصع بالشحوب العينين‪،‬‬ ‫فكيف نبصر العشب مرتجفاً في النسيم‪،‬‬ ‫وكيف نذ ّب‪ ،‬بالدمع‪ ،‬السهَم عن عنق الصغير‪.‬‬ ‫الوردةُ تسيل ولا أصابعَ تلّم العطر‬ ‫‪11‬‬

‫وماجي ار تشهد العنق والوردةَ السائلة‬ ‫وماجي ار تسقف بالمياه طفولة الرمل‪.‬‬ ‫فلتغتسلي‪ ،‬يا سما ًء أكنسها من نجوم فاسدة‬ ‫ولتفيقي يا نجم ًة واهنة أرشها بعطر فحولتي‬ ‫فهذا السرير مرك ٌب تسّيره مياهُ الرغبة‪ ،‬وأخشى على قلبي أن يصل‬ ‫قبل أن يغرق ـ الغرق الضروري في حليب الغلامة ـ‬ ‫ـ يا ُغلامة! اغتلمي بين يد ّي‪ ،‬فوحي بفحيحك‪ .‬ارخي!‬ ‫فهذا القفاز الذهب لأجل حريرتك تتباهى به كفي‬ ‫وهذا القفاز يلمع‪ ،‬لترى صوتي ماجي ار وهو يومىء في ظلام النخيل‬ ‫وهذا القلب مدب ٌب لأطلقه سهماً في ف ارغ ماجي ار‪.‬‬ ‫‪12‬‬

‫ما الذي قاله العشب؟‬ ‫يلتمع الم ْح ُل مثل عيني لص‪.‬‬ ‫يلزمني خفان لأتزو َج هذا العشب ولأقنعَ البحر بخفة دمي‪.‬‬ ‫ـ أي َن القميص الصاخب لأقنع رجال الحدود ببوهيميتي؟‬ ‫ـ أين كأس النبيذ لأرى الفتيات محم ارت من خجل ومن سطوع رغبة؟‬ ‫يقول لي العشب‪ ،‬تلزمك شمس بيكاسو وحصان فائق حسن و لوثة فان‬ ‫غوغ ‪..‬‬ ‫أقو ُل للعشب‪ ،‬لا يلزمني سواي‪،‬‬ ‫لأسّير قاربي في اليابسة ولألظَم الشمس طْر ازً في ش ارعي‪،‬‬ ‫فالبرية أمامي صهي ٌل ذهبي لخالق يد ّشن أيامه‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫سقوط السروج‬ ‫تلطم الشم ُس غلالة الغبش‪ ،‬فتد ّب الكائنات‬ ‫يعرج السرطان على ضفاف القرى‬ ‫تلمع الفتاةُ في السهب مثل حّبات خيبتي‬ ‫ينفرطُ الماء‬ ‫تلتمعُ الأف ارس‪ُ ،‬حم ارً‪ ،‬في الشمس وال اريات‬ ‫أسّن ٌة تثقّب الفضاء‬ ‫تسقطُ السروج‬ ‫والأعّنة تخطّ مصيَر قر ًى قادمة على الرمل‪.‬‬ ‫الف ار ُت قرب ٌة تثقبها \" الأسهم\" والأك ّف حواٌر مقطوع‬ ‫تصهل النشارةُ في فرسي الخشبية أمام قنطرة اللهب‬ ‫يمتطي الأت ار ُب أذيا َل دشاديشهم‬ ‫ولا صهيل‪ ،‬لا علف‪ ،‬لا ماء‬ ‫والمدن بلا ب ارٍر خلفية ليصه َل القلب‬ ‫بلا برسيم يحّرك الحيوانات أمام أعيننا‬ ‫ويدفع هوا َء المص ّحات‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫بأية كتابة أقطع بياض قطيعتنا‬ ‫بأ ّي موسى أجرح الشمع؟ أُرجرج المتح َف؟‬ ‫أُسي ُل الحمام على جلد الزجاج‬ ‫بأ ّي صوت أ ِص ُل صمتَ ِك المرجان ّي بالب ارري‬ ‫بأ ّي كتاب ٍة أقطعُ بياض قطيعتنا؟‬ ‫‪ ...‬مش ّع ٌث الصوت‬ ‫فبأية لغة أُنادي ِك عبر ضباب وأسّنة‪ ،‬تلوح لقل ِب يلتحف الرم َل‪ ،‬نخلاً ـ‬ ‫عبر مداخن تربو وفضاء لل َحمام ُيشطب‪ ،‬عبر مياه تسعى‬ ‫ولا وصول‪ ،‬لا باب‪ ،‬لا ارئحة نافذة‪.‬‬ ‫‪......................‬‬ ‫ُيض ّمخنا الُبعُد‬ ‫والمسافات مساّم صوتينا‬ ‫يلفّ ِك السوُر‪ ،‬تشرئ ّب عيني‬ ‫يغز ُل الضبا ُب يدي ِك ووجه ِك ضوٌء يسعى أمام ِك‬ ‫يؤلّ ُب حندس أيامي‬ ‫ويصفع اريتي الذابلة‬ ‫‪15‬‬

‫\"نهاري نهاُر الناس حتى إذا بدا‪\"......‬‬ ‫وج ُه ِك يغر ُس الظفَر في دمي‪،‬‬ ‫أسي ُل شج ارً ُيسلَ ُب في الطريق الى النبع‪،‬‬ ‫طفلاً ُيصلب على خشب ُسلّم المدرسة‬ ‫شفَقاً يقترحه مسا ُء أعزل‬ ‫أسي ُل صد ًى تصّدهُ الم اريا ـ متفّرساً يشهُد ترقرقنا عبر‬ ‫شتاء مسائي ودفاتر بوح وقناني عطر تستر صورتيناز‬ ‫[ ُمريني قبل تسع سنوات‪ ،‬مثلمل فعل ِت‪:‬‬ ‫أن أعبَر تحت شرفت ِك مخت ّضاً‪ .‬لن أنسى عيني ِك‪ ،‬مهما ع ِمي ُت‪،‬‬ ‫وهما تخترقان كمود الكوى في سياج قيامتي‪..‬‬ ‫(لم أَر عينيك‪ ،‬لحظتها‪ ،‬غير أني مطمئ ٌن أنك كن ِت تترصدينني‬ ‫مثلما أُفا َجأ دائماً بأعين البنات ورّبات البيوت واللاهيات‬ ‫يسترقن النظر ال ّي عبر الشبابيك الواطئة أو العالية‬ ‫والأبواب التي ت ارها كما لو انها مغلَقة‪ .‬وعبر الأسطح التي‬ ‫تسترها سياجات مغتلمة‪ ،‬مما يدفعني الى تذّكر صديقي \"المثقّب العبدي\"‬ ‫الطي ذهب الى هذا المعنى بقوله‪:‬‬ ‫\"ظهر َن بكلّ ٍة وسدل َن أُخرى وثقّب َن الوصاو َص للعيو ِن\"‪.‬‬ ‫وبدقة أكثر فإ ّن ما ينسجم وهذا الموقف تماماً هو قول \"عمر بن أبي‬ ‫ربيعة‪:‬‬ ‫و \"كن إذا أبصرنني أو س ِمع َن بي‪ ،‬جري َن فرقع َن الكوى بالمحاجِر]‬ ‫‪16‬‬

‫خوخ ًة‪ ،‬خوخة‪ ..‬يوّرق ِك القلب‬ ‫أجد ُل قوس قزح ضماداً لركبتك وأقود رهَو جسد ِك‬ ‫لما خلف موجة وصندل ومرجان نبيذ‬ ‫‪ ..‬تأتل ُق نجوٌم ويبارُز البر َق بر ٌق‬ ‫تظفُر نافذةٌ بالقمر‪،‬‬ ‫البري ُة تلقح فرساً‪،‬‬ ‫فلا أتبينني في زرقة غبار الأجنحة والحفيف‪،‬‬ ‫تنجلي الزرقة‪ ،‬يفى ُء الهوا ُء من البخور‪:‬‬ ‫أتبين ِك شقرةَ غيمة‬ ‫روبة ضباب‬ ‫انسكا َب نجمة‬ ‫تنكم ُش أصابعي وهي تفّكر في ابريز زغب ِك وتختل ُج الحواس‬ ‫بينا تقلّب فاكهتك ‪..‬‬ ‫خوخةً ‪ ،‬خوخة يورق ِك القلب ويطفو في مه ّب تفاحك‬ ‫يا حفيف د ارق وريشتين‪،‬‬ ‫‪17‬‬

‫يا اكتظاظ من تذهب للثانوية بعد الواحدة ظه ارً‬ ‫أخف ُق شهوتك على ركبت ّي‪ ،‬فيسيل المدى تحت عيني ِك وتحتك‬ ‫وتخاطب الغاب ُة اختها الغابة‬ ‫تولم الضوء قبيلة الف ارشات‬ ‫يبرق قندي ُل بحر في جفاف عتمة‬ ‫و لا ضوَء يضاهي وَه َج سّرت ِك‪:‬‬ ‫يا انثيال قوس قزح ندي بين أصابعي‬ ‫يا حمحم َة مهرة ولهاث غ ازلة‬ ‫اني أرهف القلب لملمس نبضك يا نعومة البريق‬ ‫يا نبع م اريا تلي ُن لتطلّع دمي‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫دائما! الوعورة سالكة الى ماجي ار‬ ‫أترك الجياد و ارئي‪ ،‬جليدا‪ ،‬تغزلها الغيوم‬ ‫وفتاة ماجي ار‬ ‫أتركها تعرق في الفرو‬ ‫يضيئها الضباب وينتحلها الذهب‪.‬‬ ‫تقول لي النخلة‪ :‬ياسّيد!‬ ‫أقول للنخلة‪ :‬يا أمة‪ ..‬التلف سّيٌد‪ ،‬والهاوية تخفيها أكوام الهواء‪،‬‬ ‫اتلف ُت والفت العصفور‪:‬‬ ‫الرماُد لا أحد يطويه‪ .‬اذن الوعورة سالك ٌة الى ماجي ار‪ ،‬والجغ ارفيا صنو‬ ‫التضاريس‪...‬‬ ‫يستوقفني كوخ خشب يندلق الهواء والشم ُس والمرعى بداخله‪..‬‬ ‫الرج ُل الريف ّي منهمك بشأن ز ارعي‪ .‬لا يعنيني!‬ ‫ألم ُح كو ازً تحت الشجرة‪ ،‬بارداً مثل م ارهقة أدلقها‬ ‫على الكاشي في يوم قائظ‬ ‫‪19‬‬

‫ينتف ُض القل ُب بمحاذاة سحنة مشمسة لكاعب أكاُد أشُّم‬ ‫ص ارخاً ساخناً في نهديها‪.‬‬ ‫البق ار ُت هناك في البعيد‪ ،‬أُشاغ ُل الدَم بتصفّح ال ُعشب‬ ‫تحت أقدامهن وأمن ُح الريف ّي بضع نظرٍة لأعبَر شّكه‪.‬‬ ‫الإغتلاُم سال ٌك اليها‪،‬‬ ‫أسمعُ فحي َح الباب‪ ،‬وأش ّم ِك احتكاكاً يا ذات السحنة المشمسة‬ ‫أتر ُك الري َف والريف ّي و ارء ظهري‬ ‫وألجأ الى تأّوه ِك الناضح باللبن‪.‬‬ ‫ظهرِك الى الباب‬ ‫وقلبي الى الع ارء‬ ‫أنفاسنا ح ّماماً يجمعنا‪ ،‬وخارجنا الريف يضحك مخّبئاً لنا‬ ‫الشم َس والتلّ َة ترتقيها الغ ازل ُة وتنفّس الأرض‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫الإمتنان لبياض الصخور‬ ‫خفيفاً أمضي‪ ،‬طائ ارً مثل فكرة مغتسلة بالعطر‬ ‫ممتناً لبياض الصخور على الساحل‬ ‫أقود الشجرةَ للمرعى والساقية للشجرة‬ ‫مربتاً على البط يكتب الري َش على التُ ارب‬ ‫نابذاً باع َة الكتب المستعملة و ار َء ظهري‬ ‫فالغابة سطٌر مورق في الدفتر الطلق‬ ‫ك ّل غص ٍن ناي‬ ‫وك ّل هسهس ٍة أغنية‬ ‫أغّذ الصفيَر لأوق َع القرى في هواي‬ ‫‪21‬‬

‫والسواح َل أسلسلُها‪َ ،‬حطباً لموقِد زرق ٍة‬ ‫أقدح ُه في هجيِر المدن‬ ‫‪22‬‬

‫عندما تتعظ الفتيات بالشجرة‬ ‫بلا حيض تعّر ُش الفتيا ُت في ماجيرا‬ ‫بلا إدماءُيخثّر الوط َء‬ ‫هكذا‪ ،‬ث ّم َةن تتعظُ الفتيا ُت بالشجرة‬ ‫ُصف ارً ينتشر َن في ُكركِم القمر‪ ،‬مريضا ٍت‪ ،‬يلسع َن الرم َل‬ ‫بش ارر ُسرره ّن‬ ‫يتقلب َن على طين الأمنية البارد‬ ‫أًص ُل أجساده ّن ـ الأج ازء الأكثر لدانة ـ بغناء نايي الأزرق‬ ‫ُمنَّوما ٍت ينهض َن وبخط ًى خدرة يمشي َن بهدي‬ ‫فانوس زيت ُه الشبق‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫حيوا ُن حلمي أمام قلعة المروضين‬ ‫على فرسي‪ ،‬أسوطُ البرية أمامي (أتذكر د ارجتي الهوائية في المدينة‬ ‫وعطب اطا ارتها)‪.‬‬ ‫أضفُر السواقي نشيداً لفم المدينة المتسخ‬ ‫وأقدح سلك الصباح في فحم خرائبها‬ ‫أنجُر الفجَر لأجل أعناق ديكة ازهية‬ ‫توقظني الفتيا ُت‪ ،‬فأتح ّسس البرية تحت جلدي وأفتقد ثيابي‬ ‫أسمع ضحكا ٍت مثل لمع البلّور‪ ،‬يساومنني‪:‬‬ ‫ثياب َك أو البرية؟‬ ‫عريي يسطع في السهب أمام ُسررهن الرواني ‪،‬‬ ‫أحم ُل بريتي وأسترني (مرِّوعٌ منظر الآباء يقودو َن صغارهم في شوارع‬ ‫المدن) ‪ ،‬أله ُب المسافة بحلمي الوحشي‪ ،‬فأ ارني أعبر أقفاصاً وقاعا ٍت‬ ‫آسنة وهياك َل مربوطة أو معلقة بأشجار متفحمة‪.‬‬ ‫أ ارني أطوي دمعتي وأرفع بياضها شعاعاً ينجر جنا َحي ركضي‬ ‫وأ ارني أرى إلى ريش ينعب فأوقن أنه لأغربة ـ ولكن ليست ُعصما ـ*‬ ‫‪24‬‬

‫وبرق يخت ّض في سواد الريح كأنه جذر السماوات يفضح رجالاً بأصابع‬ ‫طويلة تعرق على السياط‬ ‫أتبينهم في الشرفات مديدي الأناة والقسوة‪.‬‬ ‫النوافذ عالية تسترها جلود الحيوانات‬ ‫أسمع عوا ًء وزئيراً‬ ‫عواء‪ ..‬عواء طويل مثل جد ارن هذه القلعة‬ ‫فأدرك انها قلعة المروضين‪.‬‬ ‫يخت ُّض شي ٌء ما بداخلي‪ ،‬أظن ُه حيوان حلمي‬ ‫أُم ّسُد شعره القصير‪ ،‬أُقّبل ما بين عينيه‬ ‫أختلي به‪ ،‬برقاً‪ ،‬عن أعين المرّوضين‪ ،‬أوشوش ُه‬ ‫ما لا اتذّكر‬ ‫فينطلق رشيقاً كـ هو‬ ‫يخت ُّض جذر السماوات ثاني ًة‬ ‫ويسعل أيلول في الشجرة‬ ‫أعرى‬ ‫فيسترني هزيُم السياط‬ ‫وُيشت ّق القفص‪.‬‬ ‫* أغربة جمع غراب‪ ،‬والعصم جمع أعصم وهو الذي في جناحه بياض‪ ،‬ويندر وجوده‪.‬‬ ‫وهو مأخوذ من قول المتنبي ‪:‬‬ ‫تع ّج ُب من لفظي وخ ّطي كأنما ترى بحروف السطر أغربةً عصما‪.‬‬ ‫‪25‬‬

‫عن مشهد تذكرته في ما بعد في لاباز‬ ‫رهينةٌ القلب بين أقفاص ورجال لهم سيماء مهرجين‬ ‫يصطدمون في الظلمة بب ارميل خمر ناشفة وبك ارت أسلاك وسياط متهرئة‬ ‫يتعثرون ويرطنون بشتائَم منقرضة ‪،‬‬ ‫ي ْق ُعو َن مدخنين ور َق مواضيهم‬ ‫وما ان ينشر المحا ُق ريشه النيلي وتبطل النجوم‬ ‫يلقي الرجال ـ الذين لهم سيماء مهرجين ـ لفافاتهم ‪ ،‬متفقدين سياطهم‪.‬‬ ‫يذرف القلب لؤلؤة ذكرى‬ ‫السياط تفرقع في الهواء‪:‬‬ ‫ـ صف حيوانك الهارب!‬ ‫ينقدح الأزرق ف ّي‪ ،‬أستشعُر نسمة المتوسط تشط ُف رئتي‬ ‫وتوم ُض جنّيا ُت الأنبذة‬ ‫بأ ّي عين أصف حيواني‬ ‫‪26‬‬

‫وأ ّي عينين سأرويهما عنه‪:‬‬ ‫السهو ُب أط ارفه‪ ،‬أرس ُه الغابات‬ ‫أصابع ُه الأح ارج والأديرة المنسية في المرتفعات‬ ‫الينابيع والحصباء خطوه‬ ‫الرك ُض كتابه‬ ‫فاق أرني أستحلف َك بحلم َك‪ ،‬الموج َة‬ ‫لئلا تطر ُف سحنتي وهي تق أر‪:‬‬ ‫عيناهُ من ب ٍّط وسواحل‬ ‫وانبذة وهواء لم ُيم ّس‬ ‫من نسوة محلولات الشعر‬ ‫وموسيقى في قطار يحمل الليل والسائحات‬ ‫ورغوة الكاس على جوخ مائدة في طنجة‬ ‫وكركرة صبية بالكيمونو‬ ‫و ارئحة ورق جواز سفر جديد‬ ‫ومشهد تذكرته في ما بعد في لاباز‬ ‫وماذا‪..‬؟‬ ‫يشه ُق القل ُب متلفتاً‪:‬‬ ‫‪27‬‬

‫الزورق دخا ٌن يتصاعد في الو ارء‬ ‫والعط ُش مرتز ٌق أسوُد الكلمات‬ ‫ُيله ُب الينابيع بالردم ويتملق الفخاخ‬ ‫فأُصفّف الخلجان في قفصي لتقع أصابعي‪،‬‬ ‫ساي ًة في الزرقة‬ ‫وهي تشّد على ركض حيواني الشارد بعينيه‬ ‫من برق عما ٍء يخطف النظرة‬ ‫‪28‬‬

‫القسم الثاني‬ ‫‪29‬‬

‫عن أثير يؤثر النقرس على الما ارثون‬ ‫ويربي وجه محقق قبل أن يجترح العصافير‬ ‫اعتاد الطق ُس أن يسّرح شموسه الرخيمة في ظلال عينيه‬ ‫والمناخ تجّأر على غرس كرسّيه قريباً من ُمنت َحر الأمواج‬ ‫ليرقب اختلاجات الطيف الشمسي منحلاً في حدقتيه‪ ،‬مضيئاً‬ ‫وجوه فتيات يتحسس َن اصغاء نهودهن الوردي إلى حمام رعشة‪،‬‬ ‫وعشباً ينحني لشعر غيمة طويل‪،‬‬ ‫مط ارً خاطفاً في شارع خلفي في مدريد‬ ‫مط ارً مملاً في نيودلهي‬ ‫قيداً لا يصدأ ‪ ،‬أسئلة لا تبدأ ولا تنتهي ‪:‬‬ ‫ـ من أين‪..‬؟‬ ‫ويلمح المحقق انكسا ارت فيء سجونٍ تعبرها العصافيُر‪ ،‬علّواً‪،‬‬ ‫وظلال امهات تقيله ّن بازةُ قيلولة ‪...‬‬ ‫ـ من أين ؟‬ ‫‪30‬‬

‫ـ أنا‪..‬؟‬ ‫ـ‪!....‬‬ ‫ـ من آسيه‬ ‫ـ من أسى؟‬ ‫ويعبر الرجال مطأطئي الأفئدة ‪ ،‬يجّرون الحجارة في المرتفعات‬ ‫والأودية‪ ،‬في شقوق الأنهر العاطلة‪ ،‬في السهوب‪،‬‬ ‫يستقبلهم عوي ُل النسوة‪،‬‬ ‫مندلعاً كالأفق يغطي تغضن قاماتهم‪ ،‬مدلياً بأسمالهم في انتخابات التعب‬ ‫أسى‪ ،‬يأسو‬ ‫تأسو آسيا‬ ‫منذ متى؟‬ ‫من التماع ح اربهم تحت جنح نبي‪ ،‬من لغوهم‬ ‫الى لغطهم عند باب غامض في سّر من أرى‬ ‫الى جنوب يشتعل مغ ّطياً الجهات‪ ،‬مستنداً الى قامة الف ارت‬ ‫في ك ّل نهر لوعة الف ارت‬ ‫في ك ّل مدى مدى للجنوب‬ ‫‪31‬‬

‫تنطوي القا ارت على جنوباتها‬ ‫وأنت تنطوي على وطن في قارة ما‪ ،‬ترقى ربوة بمسوح النوم‬ ‫تُب ّشر بالنعاس وعسل الأحلام تعلق به أجساد الفتيات الصغي ارت‬ ‫والحروف الأولى لحلمك الحركي‪ ..‬ماجـ‪..‬يـ‪ ،‬ار‬ ‫‪32‬‬

33

34

35

‫عرو ُق الموسيقى‬ ‫\"وكن ُت أنتظرك من أقصى مبدأ أّيامي وعمري حتى كد ُت أنفد\"‬ ‫ميارى‪ :‬في \"السد\" لمحمود المسعدي\"‬ ‫في الخرزة الأخيرة للمنظور‪ ،‬تتموج الصبية في أعياد الساري والشادور‪،‬‬ ‫تطفح كالحليب في ضرع النار‪ ،‬متململ ًة‪ ،‬كالزبرجد‪ ،‬يش ّف الملم ُل عن‬ ‫م ارهقتها ُيرهقها شرودي‪ ،‬هذيان خطوي‪ ،‬انكساري‪ ،‬مغمو ار‪ ،‬بدقيق‬ ‫التماثيل المه ّشمة‪ ،‬متلفتاً على كسر طفولتي تلمع في نأيها‪..‬‬ ‫(أعبُر حدائق السكك‪ ،‬وأنا في طريقي الى الوشاش مع ابن خالي نتوقف‬ ‫عند نفايات جافة لبيوت مارفة‪ ،‬اعثر على صورة ملّونة لماجدة الخطيب‪،‬‬ ‫في جولة أخرى مررنا بمحاذاة معهد الفنون الجميلة‪ ،‬توقف ُت عند قطع‬ ‫التماثيل التالفة‪ ..‬تنفستها يداي‪ ،‬وتنفّست عيناي القمصان المش ّجرة في‬ ‫واجهة أحد الخياطين‪ ،‬كتب عليها‪ :‬خاصة بطلبة معهد الفنون)‪.‬‬ ‫‪ ...‬وأسمعها ترّبي قميصي‪:‬‬ ‫‪36‬‬

‫قميصك الذي لم تكبر عليه أيها الماجيري‪ ،‬الذي يتلفع الحلم ويقود قلبه‬ ‫ريش ًة لمه ّب الحجار!‬ ‫واصابعي الحانية تلقطُ السهام وتجتهد في تدبير الوردة‪ ،‬تص ّحح مياه‬ ‫ُسقاتك‪:‬‬ ‫ـ أحذر انهم يد ّسو َن لك في اللبن‬ ‫وانت تع ّب‪ ،‬لم تكن تنتبه لعينين تسقطان في زجاجتك‪ ،‬لأصابع بلا خواتم‬ ‫تشحب على مائدتك‪.‬‬ ‫‪ ..‬لتحيتك نكهة البريد‪ ،‬دعني أشّم الورقة والحبر والتوقيع‪،‬‬ ‫د ِع الإيقاع يطفو‪ ،‬لأُمس َك بعروق الموسيقى‪..‬‬ ‫دع صوتي يتدثّر بصوتك وكلماتي تستحّم على حافة كلماتك لا تكسِر‬ ‫الزجاجة‪ ،‬دعها تش ّف عن حنيني‪ ،‬ترّبيه‪ ،‬تو ّحشه‪ .‬دعها تحفظ لك حلمي‬ ‫من الغبار‪.‬‬ ‫جناحاي اللامرئيان‪ ،‬غير ان حفيفهما في قلبك‪ ،‬يظللانك أينما ذهب َت‪.‬‬ ‫في كلذ دروبك التي سلكت تركت فيها ما يد ّل عليك‪ ،‬دمع ًة‪ ،‬ظلاً نحيفاً‬ ‫ُيشبه شاع ارً أو عاشقاً‪.‬‬ ‫وأنا لس ُت بحاجة الى أثْر لأتبّينك‪ ،‬لني اتعرفك في الهواء الذي قطعته‪،‬‬ ‫غير اني كالهواء تجتازني‪ ،‬دون ان تبالي تاركاً شفت ّي ترتعشان من‬ ‫الغضب والح ّب توشمان الأف َق بحروف اسمك المضيئة كمياه تغتس ُل في‬ ‫مياه‪ ،‬غَبشاً‪ ،‬حيث المخلوقات تد ّشن بياضها‬ ‫‪37‬‬

‫لك وحدك البياض‬ ‫ش ارعك أبيض وبيضاء وردتًك‬ ‫أُلقي عليك ضبابي وأحملك على بياض غيمتي لأعبَر الدخان اللدود‪،‬‬ ‫فتتنفسك الم ارعي خضرةً بيضاء في ما و ارء ضباب الينابيع‪ ،‬فج ارً يجرب‬ ‫أولى خطواته في ممّر الأفق وتندس الديكة‪ ،‬مازحاً‪ ،‬فتجّد الشم ُس صاّك ًة‬ ‫خيولها‪ ،‬من ذهب البكاء الى ف ّضة العاصفة‪.‬‬ ‫‪.............‬‬ ‫ـ عليك البها ُء‪ ،‬الندى‪ ،‬النداء‬ ‫عليك رّيا حقوٍل تتصاعد نعاساً في سرير المطر‪.‬‬ ‫أجبني تحفّك شغافي وهمسي‪ ،‬وطيور ارئحتي وعرق قلبي‪.‬‬ ‫ـ استح ّمي في مسافة اجابتي‪ ،‬واّدخري معِدن عرقك لجفا ٍف ُيرّبى بمنأ ًى‬ ‫عن الشمس‪.‬‬ ‫أتش ّهى سؤالك ولكني لا أُحسن الإجابة تحت ُشعاعات عطرك وأج ارس‬ ‫نسياني‪.‬‬ ‫ـ لا توقظ سهو يديك يطيش على ربى م ارياي‪ ،‬يقلّب نجوماً باردة‪.‬‬ ‫كم عميقة صورتك في المرآة كأنها الهاوية‬ ‫كم عميقة صورتي كأنها السماء‬ ‫كم عميق الصدى يمّوج ظلّينا على حائط تتسلقه الأشنات والرطوبة ينادي‬ ‫على كثبان سكون أعمى في برية انق ارض يتناس ُل نشيجاً ممدوداً كقامة‬ ‫أجيال تجاور خرس الت ارب وتستعين بالمجارف في رحلة ردم يكشط البحَر‬ ‫زرق ًة زرقة‪ ،‬لينّز الصفير أصفَر حيث تق ّصف خضرٍة تدوسها عيون‬ ‫‪38‬‬

‫السحالي وتق ّعر ظلام ُيدلي بنجومه الفاسدة على ملأ دامس‪.‬‬ ‫كم بهية ظلالنا تتّوج الضوَء وتو ّشي المياه غير أنها لا تشي بإهاب‬ ‫أحلامنا‪.‬‬ ‫‪39‬‬

‫‪۲‬‬ ‫العاطل عن الوردة‬ ‫‪40‬‬

41

‫السكك الحديد‬ ‫لأيامي شكل نقود معدنية مّر عليها القطار‬ ‫أتملّى ذكرى تتشبث بها أهدابي‬ ‫أتملى خوصاً يتكسر‪ ،‬شاحباً كالهدب‬ ‫أتملى عشباً في خطى حصان ينفق فوق السكة الحديد ‪،‬‬ ‫والسكة الحديد تطارد الأفق وتعلق الطيور حتى هواء آخر‬ ‫وتشمت بالأحصنة الخضر ‪.‬‬ ‫والسكة الحديد تفّكر‪:‬‬ ‫الساقية ساق هشة‪ ،‬والمرعى بدائية متأخرة يجنح لها الشع ارء‬ ‫سيما إذا سلطت عليه الشمس حم ارء‬ ‫‪..................‬‬ ‫‪42‬‬

‫المشهد لا يتسع لقامة تتكسر كرماد السيجارة فوق بلاط لامع‬ ‫المشهد محجوز ليد موظف البنك تحصي جسا ارت المقاول‬ ‫ويُد المقاول تجلو السكة تمغنطها‪ ،‬لتتقصف سيقان العصافير أد ار َج‬ ‫الكهرباء ‪.‬‬ ‫(هنا أتذّكر شرفتي التي تظلّلها‪ ،‬بدل اللبلاب‪ ،‬أسلاك الكهرباء‪ ،‬والقمر‬ ‫دائماً أ اره من خلال هذه الأسلاك‪ ،‬لكأّنه طيٌر محت َجز‪ ،‬يحاول جاهداً‪ ،‬أن‬ ‫يرتفع فأرفع نظرتي علّني أفلح في رؤيته طليقاً‪ ،‬غير ان مدخنة جاري‬ ‫هذه المرة تحو ُل تماماً دون رؤيته‪ ،‬وأحياناً حتى الغسيل المنشور على‬ ‫الأسطح أو داخل البيوت يحول بيننا وبين أشياء كثيرة نوّد رؤيتها)‪.‬‬ ‫هل نشكو الخريف للشجرة‪ ،‬أو المدخنة للفضاء؟‬ ‫يقول الطائُر‪ :‬هل أريتموني‪ ،‬فنقول‪ :‬جناحك أخرس والسماء أبجدية‬ ‫تحجبها الغيوم‬ ‫تقول الأرض‪ :‬هذا الإسفلت والسكك الحديد!‬ ‫نقول‪ :‬نعرف انك تختنقين‬ ‫يقول النهر‪ ،‬وقبل ان يقول‪ ،‬نقول له‪ ،‬نعرف‪:‬‬ ‫انك تته ّجى الصدى والصدأ في تنك القطار‪،‬‬ ‫والقطار غير آبه يمضي بزهو فتاة اكتشفت فجأة زغب ما تحت سّرتها‬ ‫يمضي شام ارً ضفيرة دخانه على كتفه‪ ،‬مصّوتاً مثل لصوص ازئفين‬ ‫يلهون‪.‬‬ ‫‪43‬‬

‫حتى الثالثة عشرة بقينا نلهو‪ ،‬كففنا بعد أن فاجانا الزغب فوق الشفة‬ ‫العليا وأطلنا سوالفنا لنحفظها في صور ركيكة بالأبيض والأسود‪.‬‬ ‫عندها اكتشفنا السخام الذي بدأ يعلو وأصابعنا التي تق ّشر الظلام‬ ‫بحثاً عن الوردة الكامنة ‪ ،‬أيدينا على قلوبنا ‪ ،‬نلتمس ضوءها المغ ّطى‬ ‫بالريش والعصور ‪:‬‬ ‫نعزل النحاس‪ ،‬الجليد ‪ ،‬الفحم ‪ ،‬الحجر‬ ‫وقريباً منا يجلس الآثاري على صخرة ‪ ،‬يدخن ويرنو إلينا ‪ ،‬ناظ ارً بين‬ ‫حين وآخر إلى ساعته‪ ،‬مبتهجاً بالشرر الذي يعلو أصابعنا ‪ ،‬منصتاً إلى‬ ‫وقع خطى الجبليين تتضح في السكون‪ ،‬وقد فرغوا من تسمية الغابات‪.‬‬ ‫‪ ..‬يرى الينا ونحن نحّنط البرق ونؤثّث للش اررة مهدها‬ ‫نرى الينا ونحن نتكّرر في الم اريا أو الم اررة‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫ساُرو ارء العاشر من جنوني‬ ‫الفجيعة نافذة على الإسطبل‬ ‫والحّداد يصقل الجياد‬ ‫القمر حدوة متآكلة‬ ‫والإسفلت ذاكرة الب ارري‬ ‫المستشفى تَخٌم‬ ‫والأطفال حماقتنا التي تسعى‬ ‫المشهد طاع ٌن في الإرتباك‬ ‫ثمة نسوة يتفقدن الأصص في الشرفات‬ ‫والمساء أقدام تعبر جثث العصافير‬ ‫الظلم ُة تتضح‬ ‫والهوام يطفو في زجاجة النهار‬ ‫الظلام شمعة الأعمى‬ ‫والأعمى يتل ّمس الحفيف في وكر الدانتيلا‬ ‫الضباب م ازج سماء لا تفكر‬ ‫‪45‬‬

‫أعبر الغيمة‪ ،‬حيث البرق ينسج سريرِك الأبيض‬ ‫ويرتق ص ارخ طفلة‬ ‫لم أشأ أن أذّكرني‬ ‫غير ان السماء تتخذ شكل مهدر وقابلة‬ ‫والمسدسات مخاض معلّق‬ ‫ينهدم المشهد‬ ‫ينهدم سياج الصورة‬ ‫طرية أقدام الجرذ‬ ‫تد ّب‬ ‫والش ارشف عاصفة ألم أبيض‬ ‫ووحد ِك تدرئين‪،‬‬ ‫حاضن ًة الص ارخ الناعم‪،‬‬ ‫شبابيك ري ٍح ذاهلة‬ ‫يهجُم الأف ُق بخ َفّي لص‬ ‫ينكفىء الفانوس‬ ‫تهتّز صورة في الجدار‬ ‫فاغرةً يد ِك تسقط‪،‬‬ ‫عمياء‬ ‫والنافذة وشم دخان‬ ‫يرت ّج المشهد‬ ‫‪46‬‬

‫يذوب في صّرة الدخان‬ ‫تنشطُ الجياد قرب النافو ارت‬ ‫يصهل الماء‬ ‫متاحةٌ الصح ارء‬ ‫والنبع عين ديك يموت‬ ‫صافية في عزلتكِ‬ ‫مديدة كالنهر‬ ‫إلاّ ا ّن المشهد يتفكك‬ ‫أ ّي حباٍل تخطّفتني‬ ‫الموج ُة سما ٌء تعمى‬ ‫والرّبان يعالج قم ارً يذوب مثل حبة اسبرين‬ ‫يعّدني الرم ُل والدخان‬ ‫تتسقطني الصح ارء‬ ‫يقول لي ظلّي‪:‬‬ ‫يا شجرتي‬ ‫أقو ُل لظلّي‪:‬‬ ‫يا بيتي‬ ‫يا ساحلي‪ ،‬يا هاوايي‬ ‫يا جنون غوغان التاهيتي‬ ‫‪47‬‬

‫يا قوس ك ّل قوس‬ ‫هونولولو‬ ‫هلّلويا!‬ ‫زرق ًة‪ ،‬نخلاً بأجنحة‬ ‫ُعيوناً سمكاً‬ ‫مديداً ت ارني‪ ،‬كساحل‬ ‫كنهر‪،‬‬ ‫كمثلي!‬ ‫يدا َي في جيب ّي‪ ،‬أصفُر لحناً وأرك ُل الحصى‪ ،‬خفيفاً‪ ،‬أبتسُم لي وللم اريا‪،‬‬ ‫أُم ّسد شعر طفل ٍة‪ ،‬وأسعف سيدةً توشك على‪،...‬‬ ‫أورجازم‬ ‫أورجازم‬ ‫السريُر وركبت ِك تلمعُ تحت يدي‪ ،‬حت عين ّي‪ ،‬تحت ش ّمي‬ ‫ك ّل شيء ليس هو كل شيء‬ ‫ثمة ما ُينسى دائماً‬ ‫ثمة ما يقع ‪..‬‬ ‫أتفيأني والمشهد ينفتح دائماً على ما يشي بالنسوة‪:‬‬ ‫‪48‬‬

‫يستحمم َن‪ ،‬يعالجن الأصص‪ ،‬يعولن‪ ،‬يتعثرن‪ ،‬يندلعن كالعباءات‪.‬‬ ‫والمشهد ينغلق‪ ،‬عادةً‪ ،‬على ما هو فاجع‪:‬‬ ‫قطة تج ّن في الريح‪ ،‬فالج بأصابع مديدة‪ ،‬زه ارت ينفخن كالقطط‪،‬‬ ‫وأنا الخشبة‪.‬‬ ‫يمسح الساحر على كتف ّي‪ ،‬أُفّكر‪:‬‬ ‫أحصنة‬ ‫سلاسل‬ ‫اريات‬ ‫تندلع الأحصنة‬ ‫تجمح السلاسل‬ ‫تشهق ال اريات‬ ‫•‬ ‫مشّو ٌش ن ّص الوردة‬ ‫أحاول ن ّص الحلم‪:‬‬ ‫سودا ًء‪ ،‬اتذّكرِك‪ ،‬عائمين كّنا‪ ،‬تدثّرنا الُبحة‬ ‫سوداء بمحاذاتي كنت من الرغبة‪ ،‬رج ارجة كموجة‬ ‫تفرمين الوقت واللذة‬ ‫وما بيننا ب ّحة وبوح‪:‬‬ ‫اسهري‪ ..‬أقول ل ِك‬ ‫تقولين‪ :‬أسهُر‪ ،‬وأسهُر‪ ،‬أقو ُل‪ ،‬أنا‬ ‫‪49‬‬

‫مبّكرةً نامي ومبّك ارً أنام‬ ‫نسهر ومبّكرين ننام‬ ‫الُبحة فوقنا‬ ‫سوداء أتذكرِك‬ ‫شفت ِك كمنجة أوقّع عليها بلهاثي‬ ‫ورغبت ِك تشعّ‪:‬‬ ‫الغزلان تنوس في الأجمة‬ ‫الوتُر عيادةُ الأعياد‬ ‫السماء احتكاك نيزكين‬ ‫الشارعُ بنا ٌت من أجل لا مدرسة يذهبن‬ ‫الأف ُق حلم أقنى ُيقيم البريد‬ ‫وأن ِت!‬ ‫هكذا‪ ،‬لا أُس ّمي ِك في النوم‬ ‫يا ن ّص ب ّحتي‪:‬‬ ‫بيضاء تنهضين من ركام النعاس واللذة‬ ‫تنهضين‪..‬‬ ‫نصف قامتك نعاس‬ ‫ونصفها الآخر حلم‬ ‫•‬ ‫الرما ُل ضجيعتي‬ ‫‪50‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook