Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore ارهاصات ثورة المدرسة النقدية ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة – الفصل السابع – أبو يعرب المرزوقي

ارهاصات ثورة المدرسة النقدية ومحاولاتها تجاوز الفلسفة القديمة – الفصل السابع – أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-08-12 08:00:58

Description: نواصل الكلام في ثورة المدرسة النقدية ببيان علاقتها بالرؤية القرآنية التي عللت بها أمرين:
1-البداية الإيديولوجية للمعركة مع الكلام والباطنية
2-الانتقال إلى الغاية الفلسفية التي تعلقت بتغيير نظرية المعرفة (نفي القول بالمطابقة) والنظرية الوجودية التخلي عن وهم احاطة الإنسان به.
والإثبات بالآيات على اهميته لا يكفي لعلتين: سيقال هي حمالة اوجه وسيقال أنت تصادر على المطلوب لأنك تثبت الشيء نفسه. لذلك لا بد من دليل حاسم.

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫نواصل الكلام في ثورة المدرسة النقدية ببيان علاقتها بالرؤية القرآنية التي عللت بها أمرين‪:‬‬ ‫‪-1‬البداية الإيديولوجية للمعركة مع الكلام والباطنية‬‫‪-2‬الانتقال إلى الغاية الفلسفية التي تعلقت بتغيير نظرية المعرفة (نفي القول بالمطابقة)‬ ‫والنظرية الوجودية التخلي عن وهم احاطة الإنسان به‪.‬‬‫والإثبات بالآيات على اهميته لا يكفي لعلتين‪ :‬سيقال هي حمالة اوجه وسيقال أنت تصادر على‬ ‫المطلوب لأنك تثبت الشيء نفسه‪ .‬لذلك لا بد من دليل حاسم‪.‬‬‫وأفضل أدلة الحسم شهادة من لم يعرف عنه حب الإسلام أو نزاهة الدفاع عن الحق‪ :‬ما الأمور‬ ‫التي كان علم الكلام المسيحي يعيبه على الإسلام؟‬‫ولماذا كانت ما يعيبه هيجل على الإسلام هو ما يعيبه على فلسفة التنوير ونقديتها ومنزلة للإنسان‬ ‫ومقف تجريدي يعتبره منافيا لمقوم المسيحية؟‬‫بعبارة أوضح فشهادة الكلام المسيحي وشهادة هيجل بما تبينانه من عيوب منسوبة إلى الإسلام‬ ‫هما نفس ما حاولنا بيانه أصلا لرؤية مدرسة النقد العربية‪.‬‬ ‫وأبدأ بالمسألة الأولى‪ :‬ماذا يعيب الكلام المسيحي وخاصة بعد الإصلاح على الإسلام؟‬ ‫خمسة أمور‪:‬‬ ‫‪-1‬أهمها قول الإسلام بالأ ‪Rechtshaffenheitl‬‬‫وهو أعجب ما يعاب على الإسلام أي القول إن الجزاء بقدر العمل وأن الله يعامل الناس دون‬ ‫تمييز بمقتضى عملهم وليس بما يسمى لطفا منه وتفضلا‪.‬‬ ‫وبعبارة حديثة‪ :‬كيف يعقل أن يكون الله خاضعا للقانون؟‬‫فهو لا يكتب على الإنسان وحده بل يكتب على نفسه ويلتزم بالقانون لأنه حاكم عادل بإطلاق‪.‬‬ ‫‪41‬‬

‫وهذا أول عيب يجده المصلح الأول في الإسلام‪.‬‬‫أما الثاني فهو أن الإسلام شديد الالتصاق بالدنيوي والطبيعي وينكر الخطيئة الموروثة ‪Die‬‬ ‫‪Erbsünde‬‬‫والعيب الثالث‪ :‬الحرية الروحية أو نفي الوساطة ولا يعتبر عيسى وسيطا بل هو رسول مثل الرسل‬ ‫الباقين يذكر بدين الفطرة أو الديني في كل دين‪ :‬الإسلام‪.‬‬‫العيب الرابع لا يكتفي الإسلام بإصلاح الكنيسة التي تعوص الوسيط والشفيع (المسيح) بل يلغيها‬ ‫تماما فيجعل الدين مسألة شخصية وفرض عين لكل فرد‪.‬‬‫والمسألة الاخيرة وهي الأهم القول بالغيب المطلق الذي هو محجوب حتى على الأنبياء فالعلم كله‬ ‫نسبي لا المسيح ولا محمد يمكنه أن يحيط بالوجود‪.‬‬‫هذه العيوب الخمسة في نظر فكر الإصلاح (بعد لوثر) هي في الحقيقة أهم ثورات الإسلام‪ :‬إلغاء‬ ‫للسلطتين فوق الضمير الخلقي في تعينيه الديني والسياسي‪.‬‬‫وإذن فالإصلاح لم يغير من جوهر المسيحية بل هو حد من فساد الكنيسة وفساد الحكم بالحق‬ ‫الإلهي دون أن يلغيهما كما فعل الإسلام‪ :‬بقيت آل عمران ‪.79‬‬‫فتأليه المسيح الوسيط المطلق أو الشفيع المطلق الذي هو تأنيس الله في قراءة هيجل هو الخلاف‬ ‫الجوهري بين الديني أو الإسلام وتحريفاته كلها‪.‬‬‫ومعنى ذلك أنه انطلاقا من آل عمران ‪ 79‬يمكن اعتبار فلسفة الدين الهيجلية مطابقة للوجه‬ ‫النقدي من فلسفة الدين الإسلامية‪ :‬فلسفة تحريفات الديني‪.‬‬‫فما يعتبره هيجل غاية الدين القصوى أو تأويله للمسيحية بوصفها بلوغ مرحلة تعين الله في‬ ‫الإنسان برمز المسيح هو غاية التحريف القصوى قرآنيا‪.‬‬‫{ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونا عبادا لي من دون الله‬ ‫ولكن كونوا ربانيين‪ .....‬وبما كنتم تدرسون} الآية‪.‬‬‫كل علم إنساني اجتهاد‪ .‬وإذا كان صاحبه صادقا في طلب الحق فهو مثاب حتى لو أخطأ‪ .‬والشرط‬ ‫التواصي بالحق وبالصبر بين المؤمنين العاملين صالحا‪.‬‬‫يكون التعدد شرطا في البحث عن الحقيقة وذلك حتى في العقائد والشرائع‪ :‬المائدة ‪ .48‬لكل‬ ‫جعلنا منكم شرعة ومنهاجا حتى تتسابقوا في الخيرات‪.‬‬‫الاعتراف بالتعدد الديني شرط في حرية المعتقد (البقرة ‪ )256‬المشروطة بحرية الفكر (تبين‬ ‫الرشد من الغي) روحيا وبالحرية السياسية (الكفر بالطاغوت)‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫لكن ذلك كله ذهب هباء بسبب الانحطاط والنكوص إلى الجاهلية‪ .‬الغوا الحرية الروحية في الفكر‬ ‫والعقد وألغوا الحرية السياسية في المثال والواقع‪.‬‬‫ولما كانت الحداثة فيها ما يشبه هذه القيم القرآنية ‪-‬مثل حرية الضمير وحرية الفكر والحرية‬ ‫السياسية‪ -‬اعتبروها غزوا ثقافيا وابتعادا عن الإسلام‪.‬‬‫وهنا أمر إلى المستوى الثاني من الدليل لنفهم لماذا كان هيجل يعيب على الإسلام ما يعيبه على‬ ‫فكر الحداثة وما يسميه الاسترياء (من الرأي) لا العقل‪.‬‬‫كما في العربية الألمانية تميز في فاعلية بين الحصاة ‪ Verstand‬والنهى ‪ Vernunft‬اي العقل‬ ‫المتجاوز لمجرد الحساب والتقدير إلى مدرك القيم والمطلق‪.‬‬‫وكان ذلك ضروريا عنده لتجاوز الحل الكنطي الذي فصل بين ما يدركه الإنسان وما يتجاوز‬ ‫إدراكه أو حقيقة الشيء في ذاته حتى يوحد بين العقل والواقع‪.‬‬‫فأعاد بذلك نظرية الحقيقة المطابقة وجعل ما يدركه العقل هو عين الحقيقة وكل ما يتجاوز‬ ‫العقل من أوهام الإنسان وليس وراء هذا العالم ما وراء‪.‬‬‫إنه مفهوم التطابق بين الذات والموضوع في غاية التطور الروحي ومن ثم فالعلم اكتمل والتاريخ‬ ‫انتهى كخرافة خاتم الأولياء كان خاتم الفلاسفة‪.‬‬‫وهذا هو منطق العولمة الذي هو التعين التام لفلسفة هيجل والتي لا مخرج منها من دون الفلسفة‬ ‫النقدية بشكليها العربي والغربي مع تفضيل الأولى‪.‬‬‫وليس التفضيل لتعصب للذات بل لعلتين فلسفيتين‪ :‬لا أقبل أن يكون ما يدركه الإنسان مجرد‬ ‫مظاهر الوجود بل هو ما يناسبه من الوجود وهو حقيقة إضافية‪.‬‬‫ولا اقبل أن تكون شروط الأخلاق مجرد مسلمات‪ :‬فشرط الحرية وخلود النفس ووجود الله إذا‬ ‫كانت مجرد مسلمات كانت الأخلاق مجرد \"تقديرات ذهنية\"‪.‬‬‫والجمع بين العلتين يبين أن القول بأن الأخلاق ممكنة من دون دين ‪-‬فكرة مسيطرة على أدعياء‬ ‫التفلسف‪-‬وهم‪ :‬ذلك أنه لا يميزون بين القانون والأخلاق‪.‬‬‫وهو تمييز دقيق عند ابن خلدون‪ :‬الوازع الذاتي ديني خلقي‪ .‬والأجنبي ساسي قانوني‪ .‬والأول‬ ‫نابع من ضمير الإنسان وروحه والثاني نابع الحكم السياسي‪.‬‬‫لكن التربية تحاول الجمع بين الأمرين فيظن الكثير أن الأول حصيلة فعل الثاني‪ .‬وهذا خلف‪:‬‬ ‫ذلك أن الثاني ما كان ليستبطن بدون قابلية الباطن له‪.‬‬ ‫‪43‬‬

‫والقابلية هي الضمير الذي يميز بين القانون العادل فيعمل به بمقتضى فطرته الخلقية التي هي‬ ‫عين الديني والقانون الظالم فيثور عليه بنفس الدافع‪.‬‬‫ولولا ذلك لما تغيرت القوانين والنظم السياسية‪ .‬وتلك علة اشتراط القرآن الحرية الروحية في‬ ‫الحرية السياسية فألغى الوساطة والحق الإلهي في الحكم‪.‬‬‫وبذلك نفهم العلاقة بين الثورتين المعرفية والوجودية في المدرسة النقدية والثورتين القرآنيتين‬ ‫أعني الحرية الروحية والحرية السياسية‪.‬‬‫فلكأن الغزالي وابن تيمية وابن خلدون طلبا الفلسفة النظرية والعملية التي تترتب على‬ ‫الحريتين الروحية والسياسية في تنظيم مقومي وجود الإنسان‪.‬‬‫والمقومان هما‪ :‬كونه مستعمرا في الأرض بتوسط الوسيطين الطبيعة والتاريخ‪ .‬لكنه مستعمر بقيم‬ ‫الاستخلاف بعلاقة مباشرة بينه وبين الله خليفة له‪.‬‬ ‫‪44‬‬





‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬