Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore السرمدي والتاريخي في استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية - أبو يعرب المرزوقي

السرمدي والتاريخي في استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2022-06-22 15:42:38

Description: السرمدي والتاريخي في استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫والمثال القديم الذي اشتهر عند أرسطو هو نظريته في الهيلومورفيا‪-‬تصوير‬ ‫المادة‪-‬مستمدة من تقنيات عصره وصناعاته ‪-‬وحتى القرآن في كلامه على‬ ‫خلق آدم يستعمل الهيلومورفية‪ .‬ل كن ارسطو يقيس الطبيعة على الصانع‬ ‫فيعتبرها تعمل وكأنها صانع داخلي في الكيان العضوي يصوره من الداخل‪.‬‬ ‫وعلى هذا التمثيل يبني نظر ية العلل الأربع أي الفاعلة والمصورة والمادة‬ ‫والغاية تماما كما يحصل في الصناعات كما في صناعة النجار مثلا حيث يكون‬ ‫النجار علة فاعلية والخشب مادة وشكل المصنوع منه صورة والهدف من‬ ‫المصنوع غاية‪.‬‬ ‫ولو كان القيس مطابقا لما كان يوجد فرق بين الصانع الإنساني والخالق‬ ‫الإلهي سواء كنا مؤمنين بوجوده أو حتى نافين لوجوده لأن الحالة الثانية لا‬ ‫تختلف عن الأولى في ما يتعلق بالمقارنية بين محدودية الصنعة بتصور مادة‬ ‫موجودة ولا محدودية البدء دون مادة مسبقة‪:‬‬ ‫وتلك هي علة القول بالصدفة الخالقة عند الملحد من المحدثين بعد أن تيقن‬ ‫الجميع أن العالم ليس سرمديا لان القدامى كانوا يظنونه سرمديا فلا يحتارون في‬ ‫تفسير البداية إذ السرمدي لا بداية له ولا نهاية‪.‬‬ ‫‪47‬‬

‫‪--‬‬ ‫وبهذا المعنى فالمحرك الأول عند ارسطو ليس خالقا ولا حتى محركا بمعنى أنه‬ ‫هو الذي يحرك وإلا لكان في التحر يك متحركا هو بدوره‪ .‬هو إذن ما تتحرك‬ ‫الأشياء بالانجذاب إليه‪ .‬وهو المعنى الأول للنوس أي القانون العقلي الذي‬ ‫تحاكيه الموجودات ذات الصيرورة والتغير بتوسط حركات عقول الأفلاك‬ ‫السرمدية التي تحاكيه فتحرك دورات الأفلاك في نموذج ر ياضي كان بداية‬ ‫لما توصل إليه نظام بطليموس لاحقا فتنضج حركات الكائنات التي تكون‬ ‫وتفسد في عالم ال كون والفساد والتغير من الطبيعة التي دون القمر في نظريته‬ ‫الفل كي‪ .‬وأجرام السماء المتحركة حركة دائر ية سرمدية يحركها قانونها الر ياضي‬ ‫أو النوس الذي ينجذب بالمحرك الذي لا يتحرك‪.‬‬ ‫ل كن المسلم يعتقد أن الله خالق وآمر‪ .‬وأنه ليس كمثله شيء‪ .‬ومن ثم فلا‬ ‫يمكن أن يكون له مثيل يكون صنعه خلقا ولا تصويره أمرا‪ .‬لا يوجد صانع‬ ‫مطلق ولا آخر مطلق غيره‪.‬‬ ‫ومن ثم فالنموذج الر ياضي الكلي للتعامل مع الطبيعة والنموذج السياسي الكلي‬ ‫للتعامل مع التاريخ يشيران إلى أن وراء الطبيعة ووراء التاريخ ما لا مثيل له‬ ‫ونسبته إلى ما نقيسه عليه تجانس نسبة الر ياضي الكلي المعلوم إلى الطبيعي في‬ ‫ذاته المجهول ونسبة السياسي الكلي المعلوم إلى التاريخي في ذاته المجهول‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫‪--‬‬ ‫فالر ياضي الكلي والسياسي الكلي كلاهما معلوم وهما اداتا التعامل مع الطبيعة‬ ‫والتاريخ في حدود ما نعلم من الأولى وما نعمل من الثاني دون أن يكونا‬ ‫مطابقين لهما لان علمنا غير محيط وعلمنا ليس تاما‪ .‬فيكون علمنا اجتهادا دائما‬ ‫وعملنا جهادا دائما دون أن يقتصر غيب الوجود على ما فيه من مشهود‪.‬‬ ‫وكل فلاسفة العرب الرسميين من ال كندي إلى ابن رشد لم يخرجوا عن هذا‬ ‫التصور الأرسطي لكأنهم كانوا فاقدين للبصيرة حتى وإن طعم بشيء من‬ ‫الافلاطونية بفضل القراءة الأفلوطينية التي امتزجت مع المشائية ما جعلهم في‬ ‫النهاية طبعانيين مثل ارسطو‪.‬‬ ‫ذلك أن مفهوم النوس عنده سواء طبق على المحرك الأول الذي يتحرك غيره‬ ‫بمحاكاته كماله الثابت أو طبق على الإنسان من حيث هو عاقل لهما دلالة‬ ‫القانون الطبيعي الفاعل من حيث هو طبيعة وله دلالة فعل الإدراك العقلي‬ ‫النافذ للحقيقة المطلقة بالطبع فتعود الدلالتان إلى الطبيعة في الغاية‪.‬‬ ‫وهو ما فهم منه ابن رشد في شرح مقالة اللام من الميتافيز يقا ما أمكن له‬ ‫تأو يله بنموذج سياسي يعتبر المحرك الأول ملكا وعقول الأفلاك امراء يأتمرون‬ ‫بأمره في تسيير عالم الأفلاك ‪-‬ملائكة إن صح التعبير‪-‬لكأنه يريد قيس النظام‬ ‫الارسطي على النظام الذي يصفه الكلام على الحكم النهائي في الآخرة لما يكون‬ ‫‪49‬‬

‫‪--‬‬ ‫الله قاضيا يحاسب البشر على افعالهم قبل تحديد الجزاء‪ .‬ل كن ابن رشد يكتفي‬ ‫بوجه الشبه‪.‬‬ ‫ل كن ابن رشد واصل راي ارسطو فتصور العلم الإنساني محيطا والعمل‬ ‫الإنساني تاما فلم يستنتج الفرق الجوهري بين \"الصانعين\" \"والحاكمين\"‪ :‬فالصانع‬ ‫خالق والحاكم مطلق العدل‪.‬‬ ‫لذلك فهو يؤول الآية السابعة من آل عمران تأو يلا يجعل الراسخين في العلم‬ ‫قادرين على تأو يل المتشابه ويستثنيهم من حكم الآية بأن كل مؤول للمتشابه‬ ‫يعاني من مرض القلب وابتغاء الفتنة‪ .‬وجه الشبه بين الرب والإنسان يسيطر‬ ‫على القرآن سيطرة‬ ‫جعلت الفلاسفة الذين يزعمون أنفسهم من الخاصة دون العامة‬ ‫انثروبومورفية إذ كما بين ابن تيمية لا فرق بين نفي المعاني المتجسمة مثل اليد‬ ‫والساق والمعاني الإدراكية المتنفسة مثل الغضب والكلام والمعاني التي‬ ‫يزعمونها من صفاته مثل العقل والإرادة والعلم إلخ‪..‬‬ ‫فكلها انثروبومورفية إذا زعمناها من جنس ما عند الإنسان‪ .‬فلا وجود‬ ‫لعقل من دون جهاز عصبي ولا وجود لإرادة من دونه ومن دون بدن‪.‬‬ ‫وإذن فالمبدأ الوحيد هو أنه ليس كمثله شيء وأن كل معاني القرآن هي‬ ‫‪50‬‬

‫‪--‬‬ ‫لإفهام النسب بين المتناهي الإنساني واللامتناهي الإلهي وليس لإفهام حقيقة‬ ‫الله وطبيعة الخلق والأمر‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فكل الفلاسفة القائلين بالمطابقة في النظر والتمام في العمل يصح‬ ‫فيهم ما يقوله ابن خلدون في محبي التأله من الطغاة في السياسة‪ :‬هم طغاة في‬ ‫نظر ية العلم ونظر ية العمل‪ .‬فلا فرق بين حاكم يتصور أحكامه مثل الأمر‬ ‫الإلهي اطلاقا وعالم يتصور احكامه المعرفية مثل العلم الإلهي اطلاقا‪.‬‬ ‫من لم يفهم أن ما نجهله من الطبيعة ومن التاريخ في نسبة اللامتناهي إلى‬ ‫علمنا وعملنا المتناهيين طاغية يرد الوجود إلى الإدراك فيصبح أصم وأبكم‬ ‫واعمى فلا يعقل ولا يمكن أن يفهم تضاريس القرآن التي حيرتني في طفولتي‬ ‫وصارت عندي اليوم عين تضاريس الوجود اللامتناهي إذا نظر إليه في علاقة‬ ‫بالقدرة الخالقة والإرادة الآمرة‪.‬‬ ‫إن التصور الأرسطي والأفلاطوني الساذج هو الذي ساد على فلاسفة‬ ‫الإسلام القدامى ومثله اليوم التصور الهيجلي والماركسي السائد حاليا على‬ ‫المحدثين ولم يشذ من القدامى إلا المدرسة النقدية التي رد رموزها الثلاثة‬ ‫الغزالي وابن تيمية وابن خلدون على ابن سينا لما اعتبر الوجود كله حاصلا أولا‬ ‫في العناية الإلهية قبل أن يتعين في الطبيعة جاعلا من الوجود في العناية‬ ‫‪51‬‬

‫‪--‬‬ ‫موضوع البحث الميتافيز يقي ومن ثم فقد غير اسمها في الهيات الشفاء من ما‬ ‫بعد الطبيعة إلى ما قبل الطبيعة‪.‬‬ ‫ل كنه لم يستنتج من ذلك التحرر من القول بالمطابقة في النظر والتمام في‬ ‫العمل ومن ثم فهو لم يخرج من الرؤ ية التي تأله الإنسان بإطلاق علمه وعمله‬ ‫وجعلهما مطابقين للوجود المطابق للعلم والعمل الإلهيين‪.‬‬ ‫‪52‬‬

‫‪--‬‬ ‫‪-‬الفصل السادس ‪-‬‬ ‫تونس في ‪22.05.14‬‬ ‫صحيح أن الرب في إلهيات الشفاء لم يبق ربا لا مباليا بالعالم بل أضاف إلى‬ ‫توجه العالم إلى الرب بما يشبه الجاذبية تقدم توجه الرب إلى العالم بما سماه‬ ‫العناية التي يتقدم الوجود فيها على الوجود في الطبيعة‪.‬‬ ‫مع وهم تمثيل ما يدركه الإنسان من الطبيعة محيط بها فيكون تمثيله تمثيلا‬ ‫تاما لما في العناية لكأن إدراك الإنسان متطابق مع العناية لتطابقه مع الطبيعة‪.‬‬ ‫ل كن لا يمكن لمن قرأ القرآن أن يقبل ذلك‪ .‬وخاصة إذا قبلنا بأن الطبيعة‬ ‫في حقيقتها في ذاتها مطابقة للعناية الإلهية مشروعا للخلق فإن علم الإنسان لا‬ ‫يحيط بها ل كون علمه ليس محيطا بما فيها من غيب العلم الإلهي المطلق‪.‬‬ ‫وعندئذ يصبح من العسير قبول القول بالمطابقة في النظر والتمام في العمل‬ ‫بالنسبة إلى علم الإنسان وعمله بما يفيد بأن الرؤ ية الفلسفية عند المسلمين‬ ‫القدامى تقول بما تقول به الميثولوجيا اليونانية التي ليس العالم المتعالي فيها إلا‬ ‫نسخة من العالم المتداني كما يدركه الإنسان ولا فرق بين غيب وشهادة‪.‬‬ ‫ولعل ابرز معنى للإبستمولوجيا والاكسو يولوجيا الحديثتين أنهما اكثر تواضعا‬ ‫من هذين الوهمين‪ :‬فلا يوجد اليوم بعد النقد ال كنطي غير الحمقى ممن يصدقون‬ ‫‪53‬‬

‫‪--‬‬ ‫نكون هيجل الذي زاده ماركس تدنيا وزادته اليعقوبية تعصبا يصدق بأن‬ ‫العلم الإنسان محيط والعمل الإنساني تام بحيث يعتبر الفلسفة عملا مطبقا‬ ‫وتحر يف المسيحية دينا خاتما كثرة كلام الحمقى على العقلانية وعلم الواقع‬ ‫والاحتكام إلى هذيانهم الذي يزعمونه نقدا للدين الإسلامي دليل كاف على‬ ‫أنهم من العامة لخلو ذهنهم بنظر ية المعرفة في الممكن للإنسان من النظر‬ ‫ونظر ية القيمة في الممكن له من العمل خلوا هو علة صلفهم الدال على عدم‬ ‫فهم أن العالم الطبيعي والعالم التاريخي من الالغاز التي من يدعي الاحاطة بهما‬ ‫مجنون دون شك‪.‬‬ ‫ما أنسبه إلى المدرسة النقدية هو هدا التمييز الدي غير نظر ية المعرفة في النظر‬ ‫ونظر ية القيمة في العمل فكان بداية القطيعة مع الفلسفة الموروثة عن اليونان‬ ‫تأسيس فلسفة جديدة تجعل العلم اجتهادا والعمل جهادا دائمي التطور‬ ‫وكلاهما تطبيق لمقدرات دهنية إنسانية محتاجة إلى شهادة التجربة لتعتبر علما‬ ‫وعملا يحاكي عادات الأشياء دون إطلاق لاستحالة الإحاطة في النظر والتمام‬ ‫في العمل‪.‬‬ ‫تلك هي الثورة التي حصلت في المدرسة النقدية العربية التي ألغت القول‬ ‫بهما للإيمان باستحالة الإحاطة في العلم والتمام في العمل الإنسانيين بسبب عدم‬ ‫‪54‬‬

‫‪--‬‬ ‫اقتصار الوجود على المشهود ووجود العيب‪ .‬ل كنها اهملت لأن الفلسفة كان‬ ‫يحكمها رأي بدايته قولة الفارابي حول العلم الدي اكتمل ولم يبق إلى أن يتعلم‬ ‫و يعلم وغايته قولة ابن رشد بأن كل ما اضيف لفلسفة ارسطو لا صلة له‬ ‫بالعلم‪.‬‬ ‫ولما كان هدا قد تكرر بعد نكوص هيجل وماركس دون المدرسة النقدية‬ ‫الألمانية التي يرمز إليها كنط والمفهوم الحد الدي لا يختلف عن القول بما‬ ‫بالغيب أعني التمييز بين الظاهرات والأشياء في ذاتها وحاجة القيمة والعمل إلى‬ ‫مسلمات تستثني مبدأي الدين والأخلاق من الضرورة الطبيعية للإيمان بالحر ية‬ ‫الإنسانية وخلود النفس ووجود الرب‬ ‫وبالتالي إمكانية العدل التام والحساب وهما مسلمتان ضمنيتان لأن كنط لا‬ ‫يجهل أن الإنسان في ما يعلمه وما يعمله ليس حرا وأن النفس ليست خالدة‬ ‫في حياتها الدنيا والمعلوم أن جل كتابته تدحض كل الأدلة على وجود الله‬ ‫باعتبارها مصادرات على المطلوب‪ :‬وهي مدار رد هيجل عليه في ضميمة‬ ‫دروسه في فلسفة الدين‪.‬‬ ‫كان منطلق المدرسة النقدية التي تنفي أن يكون ما في العناية الإلهية معلوما‬ ‫ولا تشكك في أن الوجود مطابق لما أراده الله في عنايته ولما كانت عناية الله‬ ‫‪55‬‬

‫‪--‬‬ ‫متجلية في الوجود دون أن يكون علم الإنسان محيطا بها ولا عمله تاما فإن‬ ‫الطبيعة والتاريخ فيهما من الغيب ما لا يحيط به عقل الإنسان في النظر‬ ‫وإرادته في العمل فتكون العناية متجلية في عالم الشهادة دون أن يكون علم‬ ‫الإنسان محيطا ولا مطابقا وعمله تاما ولا مطابقا‪.‬‬ ‫ما يجعله علمه وعمله مبنيا على مقدرات ذهنية بعضها ر ياضي نموذجا لعلم‬ ‫قوانين الطبيعة وبعضها سياسي نموذجا لعمل التاريخ وهما علة استخلافه فيكون‪:‬‬ ‫ما يعمله اجتهادا‬ ‫وما يعمله جهادا‬ ‫بمقتضى ما يدركه من الوجود الذي يحتكم فيه إلى التجربة الطبيعية في النظر‬ ‫وإلى التجربة التاريخية في العمل دون الزعم أن الوجود قابل للرد إلى ما‬ ‫يدركه منه لما فيه من غيب الحقيقة في العلم وغيب الحق في العمل‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن المدرسة النقدية العربية التي أهملت بسبب فقدان البصيرة‬ ‫هذا هو الذي يجعل الحمقى يتصورون ما يولونه من حقيقة لإخلادهم إلى‬ ‫الأرض عين حقيقة الوجود وأن ما يتعالى عليه من أوهام العامة بحيث‬ ‫يتصورون أنفسهم عقلانيين يدركون الواقع على ما هو عليه ولا يدرون أنهم‬ ‫بذلك اكثر عامية من عامي‪.‬‬ ‫‪56‬‬

‫‪--‬‬ ‫فقصارى ما توصلت إليه عاميتهم أنهم يمضغون عامية الميثولوجيا اليونانية التي‬ ‫يظنوا ما ترجمت إليه فلسفيا علما محيطا وعملا تاما يمثل حقيقة علمية ولا حق‬ ‫عملي‪.‬‬ ‫وما يقال عن فلاسفتنا القدامى وتقليدهم الاعمى للمشائية حتى بعد التعديل‬ ‫السينوي بالأفلاطونية بتوسط الافلوطينية يقال اكثر منه تقليدا اعمى بالقياس‬ ‫إلى فلاسفتنا المحدثين وتقليدهم الاعمى للهيجلية وخاصة بعد التعديل‬ ‫بالماركسية واليعقوبية‪.‬‬ ‫فهم يشتركون جميعا في وهمي العلم المحيط والعمل التام لظنهم أن المشهود من‬ ‫العالم هو حقيقته وأن ما يتعالى على علمهم المزعوم محيطا وعملهم المزعوم تاما‬ ‫من أوهام العامة‪.‬‬ ‫ل كن التمثيل التكنولوجي والبايولوجي يبقى مفيدا لأنه يساعد على فهم علاقة‬ ‫الأنفس ببعديها العضوي والروحي بالآفاق ببعديها الطبيعي والتاريخي وبحاجة‬ ‫العناصر الأربعة إلى ما بعد من دونه يستحيل فهم الدور الذي تنسبه الآية إلى‬ ‫إراءة الله الإنسان لآياته فيها وثمرتها التي هي تبين حقيقة القرآن من حيث هو‬ ‫شهادة من الله على كل شيء ورد فيه‪.‬‬ ‫‪57‬‬

‫‪--‬‬ ‫وما يعنيني هو أن الكلام لا يفهم إذا لم تكن الرؤ ية التي تحصل ثمرة لما‬ ‫يصل الآفاق والأنفس في علاقة بما يتعالى عليها تعالي الخالق والآمر إلى‬ ‫المخلوق والمأمور في الوجود هو عين ما يستدل به القرآن استدلالا‪:‬‬ ‫أساسه الأول النظام الطبيعي بوصفه قابلا للفهم بإشارة لما هو لا متناه في‬ ‫التعامل مع الحقيقة نجدها في الر ياضيات الكلية التي تؤسس لعلم الطبيعة علما‬ ‫يبقى دائما محدودا لاحتكامه إلى التجربة‬ ‫وأساسه الثاني النظام التاريخي بوصفه قابلا للفهم بإشارة لما هو لامتناه في‬ ‫التعامل مع الحق نجده في السياسيات الكلية وهما مغنيان عن الاستدلال‬ ‫بالمعجزات كما في الرسالات السابقة‪.‬‬ ‫المثال التكنولوجي‬ ‫سأبدأ بالمثال الأبسط اي المثال التكنولوجي فلعله يكون أوضح‪ .‬وليكن مثالنا‬ ‫الهاتف النقال‪ .‬لما يعمل نفسر ذلك بأمرين بما في جهازه من أعضاء‬ ‫ووظائف‪ .‬فما الذي يجعله يعمل ثم يتوقف وجهازه سليم؟ إنه نضوب كمية‬ ‫الشحن بالطاقة ال كهربائية في خزينته‪ .‬فيكون محركه هو مخزون الطاقة‬ ‫ال كهربائية التي يستمدها من خارجه‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫‪--‬‬ ‫ونفس الشيء بالنسبة إلى السيارة‪ :‬فمن دون ما تشحن به من طاقة سواء‬ ‫كان من المحروقات أو من الطاقة ال كهربائية‪ .‬ل كنها لا تتحرك من دون تحرير‬ ‫المحرك بمحرك سابق هو الدافع الأول لمحركها وهو غالبا ما يكون بمخزون يتحرك‬ ‫كهربائيا أو بالدفع اليدوي لانطلاق محرك السيارة‪.‬‬ ‫القوة المحركة في كيان الآلة الصناعية والقوة المحركة للجهاز العضوي موضوع‬ ‫التشريح فيصبح مؤديا لوظائفه تأدية لا يكون فيها أي عنصر من عناصر الكيان‬ ‫العضوي قادرا على الفعل بذاته بل هو يقدر على أداء وظيفته‬ ‫بفضل علاقاته ببقية عناصر الكيان العضوي‪ .‬المحرك الذاتي للكيان العضوي‬ ‫يمكن اعتباره ما يصل نظام بنية الجهاز الصلب ‪ Hardware‬بما فيه من قدرة‬ ‫على الاستجابة للجهاز اللين ‪ Software‬الذي يؤدي دور الجهاز العصبي فيه‬ ‫ول كن دائما بمفعول ما شحن فيه من طاقة‪.‬‬ ‫وهو لا ينتج الطاقة المحركة بل هي تأتيه دائما من خارجه أي نظام الأجهزة‬ ‫المنتجة للطاقة ال كهربائية تماما مثل الكيان العضوي في الكائنات الحية التي‬ ‫تشحن بالعناصر الخمسة‪:‬‬ ‫أربعة ثلاثة منها ماديا تستمد من المحيط الطبيعي هي الهواء والماء والغذاء‬ ‫‪59‬‬

‫‪--‬‬ ‫واثنان منها بتوسط المحيط التاريخي هما الدواء والإخاء أو الولاء الذي من‬ ‫دونه لا يحصلان‬ ‫وحتى الثلاثة الأول فهي يمكن أن تصبح من صنع الإنسان عندما يخرج‬ ‫من مكانه الطبيعي في الأرض كما يحصل بالنسبة إلى من يرحل للفضاء‬ ‫الخارجي الذي لا يمد الإنسان بهما بصورة طبيعية بل لا بد من تدخل‬ ‫التكييف الصناعي للفضاء الذي يحل فيه‪.‬‬ ‫المثال البايولوجي‬ ‫وهو الأعسر على الفهم‪ .‬فلنأخذ أي كائن حي في حالة كونه حيا وفي حالة‬ ‫كونه ميتا‪ .‬فعضو يا يمكن القول إن الحالتين لا تختلفان عند النظر إلى الجهاز‬ ‫العضوي للكائن‪.‬‬ ‫لا واحد من أعضائه فقد في الحالة الثانية والفقدان يتعلق بأدائه لدور‬ ‫وليس لوجوده‪ .‬فكيف نفهم ذلك؟ ما الذي فقد‪ .‬فنجرب الآن فصله عن‬ ‫العالم وهو حي قبل أن يموت‪ :‬فسيموت‪ .‬ولنسأل ما الذي فقده ل كي ينتقل‬ ‫من الحياة إلى الموت؟‬ ‫أولا هو يفقد تلقي الأكسيجين بالتنفس في أقصر وقت‬ ‫ثانيا يفقد الماء في مدة اطول‬ ‫‪60‬‬

‫‪--‬‬ ‫ثالثا يفقد الغذاء في مدة أطول‬ ‫رابعا يفقد الدواء في مدة أطول أو أقصر بحسب الداء وتلعقه بالوظائف‬ ‫العضو ية‬ ‫أخيرا يفقد الإخاء أو الولاء للعالم الطبيعي والعالم التاريخي لأنه يستمده من‬ ‫الأول بتوسط الثاني دائما وخاصة قبل أن يصبح قادرا على التعامل مع العالم‬ ‫الطبيعي دون حاجة مباشرة لغيره‪.‬‬ ‫وللنظر الآن في دور أعضائه التي لها علاقة بهذه العناصر الخمسة‪ :‬الرئتين‬ ‫والكليتين ونظام الهضم واستخلاف المواد والمناعة ثم الأدوات التي تضخ هذه‬ ‫العناصر بتوسط الدم والتي تصفها والتي تنظمها أي الجهاز العصبي والمخ‪ .‬فأيها‬ ‫يمكن اعتباره مستقلا بما ينسب إليه من الوظائف؟‬ ‫فهل يمكن تصور الجهاز العصبي قادرا على العمل من بقية الأعضاء التي‬ ‫يبدو منظما لها مثلا من دون تلقي الدم الناقل للأكسيجين؟ وهل يمكن تصور‬ ‫القلب قادرا على العمل من دون بقية الأعضاء‪ .‬فيكون أي عضو لا يفعل‬ ‫من دون بقية الأعضاء حتى وإن كان بينها تفاضل ليس في الإبقاء على الحياة‬ ‫بل في المدة الفاصلة عن الموت‪.‬‬ ‫‪61‬‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فما يحصل في المقارنة بين الكائن الحي وهو حي وبين الكائن الحي وهو‬ ‫ميت هو الوصل بالعالمين الطبيعي والتاريخي وليس أمرا ذاتيا للكائن الحي‪.‬‬ ‫وهو امر مضاعف‪ :‬الانتظام في عمل الكيان الحي بمقوميه العضوي والروحي‬ ‫والانتظام بينه ببعديه وبين عالميه الطبيعي والتاريخي وحاجة الانتظامين إلى‬ ‫محرك خارجي على الأقل وفي البداية لا بد ان يكون خالقا وآمرا‪.‬‬ ‫فما يعتبر صادرا عن الكائن الحي هو القدرة على التعامل مع العالمين الطبيعي‬ ‫والتاريخي ومن ثم فلا بد من التحر يك بعد الانشاء ولا بد من الانشاء قبله‪.‬‬ ‫وهما معنى الحاجة إلى ما بعد الطبيعة ومنها الكيان العضوي ومما بعد التاريخ‬ ‫ومنه الكيان الروحي فيكون الفرد الإنسان عين المعادلة الوجودية بعناصرها‬ ‫الخمسة أي الطبيعة والتاريخ والبدن والروح وما بعدهما خالقا وآمرا ومحركا‬ ‫تحر يك إبقاء وافناء‪.‬‬ ‫والسؤال هو ما الذي يبقي على دور العالمين الطبيعي والتاريخي إذا اعتبرناهما‬ ‫في أداء دورهما هما بدورهما ينطبق عليهما نفس الحالتين أي تصورهما حيين‬ ‫وتصورهما ميتين‪ .‬فبم يحيان وما الشيء الذي إذا فقداه يموتان؟‬ ‫‪62‬‬

‫‪--‬‬ ‫الحياة والموت هما الآية الأسمى في الدين والفلسفة وهما ما يدور حوله كل‬ ‫الأسئلة الوجودية التي ترد إلى سؤالين يشترك فيهما الديني في الأديان‬ ‫والفلسفي في الفلسفات أي جوهر القرآن أعني‪:‬‬ ‫لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟‬ ‫لماذا يكون الموجود على ما هو عليه بدل غيره؟‬ ‫والسؤالان هما ثمرة قدرة الإنسان على الفكر الموجه‪ .‬فهما محددان لشرط‬ ‫الحر ية إذ لولاهما لكان الأنسان غارقا في ما يسمى واقعا ولا يستطيع التعالي‬ ‫عليه فيخلد إلى الأرض فلا يرى وراء الطبيعة ولا وراء التاريخ ولا خاصة‬ ‫وراء كيانه العضوي ما يتعالى عليها جميعا وذلك هو جوهر كيانه الروحي‪.‬‬ ‫لولا القدرة التوجيهية لكان ما يسمى الواقع لا بديل عنه ولأصبح الإنسان‬ ‫مثل أي كائن طبيعي خاضع للضرورة العمياء لانعدام القدرة على اعتبارها‬ ‫شرطية‪:‬‬ ‫اعتبار الضرورة شرطية يجعلها هي بدورها ناتجة عن فعل حر هو فعل‬ ‫الخالق ويجعل كيفيات المخلوقات ناتجة عن خيار‪.‬‬ ‫وهذه الحر ية تكون شرطية عند الإنسان ل كنها لا مشروطة عند الخالق‬ ‫والآمر لأنه على كل شيء قدير في الخلق وفي الامر‪.‬‬ ‫‪63‬‬

‫‪--‬‬ ‫وذلك هو معنى الديني في الأديان الذي يحول دون اعتبار علم الإنسان‬ ‫محيطا وعمله تاما إذ يتحول الفكر إلى اجتهاد دائم والإرادة إلى جهاد دائم‬ ‫لاختيار أفضل توجيه في الحالتين بمعنى أنه يعتبر أفضل خيار للخلق‬ ‫هو ما وصفه القرآن بالر ياضي الكلي وأفضل خيار للأمر هو ما وصفه القرآن‬ ‫بالسياسي الكلي‪ .‬وتلك هي البنية العميقة التي وصفتها فصلت ‪ 53‬والتي‬ ‫استخرجت منها المعادلة الوجودية‪.‬‬ ‫لو لم يكن الفكر قادرا على تصور الوجود بديلا مختارا من العدم وكيف‬ ‫الموجود بديلا مختار من لا متناهي التصوير ‪-‬وهو ر ياضي بنية وسياسي إنجازا‬ ‫أي إنهما أفضل الممكن في التصور الإنساني ومطلق الحر ية في الإرادة الإلهية‬ ‫لاستحال على الإنسان أن يكون خليفة‪ .‬وهو خليفة بحيازته الجاهزين جهاز‬ ‫النظر أو العقل وجهاز العمل أو الإرادة‪.‬‬ ‫لذلك فهو يفضل أحد الممكنين الوجود والعدم في تفسير ما يدركه من‬ ‫الخلق وأحد الممكن اللامتناهي ‪-‬وذلك هو الر ياضي الكلي‪-‬في تفسير ما يدركه‬ ‫من الأمر وذلك هو السياسي الكلي‪.‬‬ ‫فيكون الر ياضي الكلي إشارة في ذهنه لللامتناهي الممكن من علم الطبيعة‬ ‫و يكون السياسي الكلي إشارة في إرادته للمتناهي الممكن في عمل الإنسان‪.‬‬ ‫‪64‬‬

‫‪--‬‬ ‫والأول يؤسس علم الطبيعة وشرط الاستعمار في الأرض‬ ‫والثاني يؤسس علم التاريخ وشرط الاستخلاف في الأرض‪.‬‬ ‫‪65‬‬

‫––‬ ‫– الفصل السابع –‬ ‫تونس في ‪22.05.15‬‬ ‫وصلنا إلى نتيجة أساسية هي جوهر المشترك بين الديني في الأديان والفلسفي في‬ ‫الفلسفيات أي جوهر البنية العميقة للقرآن ال كريم من حيث وصله بين بعدي الإنسان‬ ‫العضوي والروحي وبعدي العالم الطبيعي والتاريخي وما ورائهما‪.‬‬ ‫فهذه هي المعادلة الوجودية التي هي في آن معادلة علاقة الإنسان بالعالم الشاهد ومنه‬ ‫ما يشهده من ذاته وبما فيها من بعد غيبي فيها جميعا وخاصة في كونها نظاما ملازما‬ ‫للوعي الإنساني سواء كان متعلما ومن الخاصة أو غير متعلم ومن العامة‪.‬‬ ‫وحضور هذه المعادلة في الوعي الإنساني حضور بالطبع ر ياضي وسياسي بمعنى أنه‬ ‫حضور إضافي إلى علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي وحضور أضافي إلى علاقته بالعالم‬ ‫التاريخي‪ .‬فالحضور الأول يحكم الاستعمار في الأرض والتبادل بين البشر ل كونهم‬ ‫متعاونين على انتاج معين الحياة العضو ية أي الثروة‪.‬‬ ‫والحضور الثاني يحكم الاستخلاف فيها والتواصل بين البشر ل كونهم متفاهمين على‬ ‫انتاج معين الحياة الروحية أي التراث بكل أبعاده العلمية والعملية وتطبيقاتهما‪.‬‬ ‫لذلك فالقرآن يتكلم لغة التبادل ولغة التواصل‪ .‬ويمكن الرمز إلى الأولى بالتبادل‬ ‫والتعاوض العادل ومعياره دور العملة‪ .‬كما يمكن الرمز إلى الثاني بالتواصل والتفاهم‬ ‫الصادق ومعياره دور الكلمة‪ .‬وكل المشكل فيه هو‪:‬‬ ‫شروط التبادل العادل‬ ‫‪66‬‬

‫––‬ ‫وشروط التواصل الصادق‬ ‫في عالم الشهادة بحدود الاجتهاد في المعرفة والجهاد في العمل بحسن نية والإيمان‬ ‫بوجود رقيب لا تخفى عنه خافية علما بالسرائر‪ .‬فشروط التبادل والتعاوض العادل‬ ‫والتواصل والتفاهم الصادق كلها رهن وجود من يتعالى على عالم الشهادة الذي لا‬ ‫يعلمه إلا الله‪.‬‬ ‫فهو الخالق خلقا نموذجه ر ياضي وهو الآمر أمرا نموذجه سياسي‪ :‬فالله خالق وشارع‬ ‫يخلق على أحسن صورة و يقضي أفضل قضاء‪ .‬والقرآن كل كلامه على الله متعلق‬ ‫بهذين المعنيين بوصفهما نموذجان ينبغي أن يتقيد بهما خليفته في عالم الشهاد أي‬ ‫الإنسان‪.‬‬ ‫ومن مفارقات هذين اللغتين أنهما تصفان عالم الشهادة كما تصفان عالم الغيب بهذين‬ ‫المفهومين‪ .‬مع العكس التام لدلالتهما‪ .‬فالتبادل بالتعاوض العادل في عالم الشهادة‬ ‫يحرم فيه ربا الأموال‪ .‬والتواصل بالتفاهم الصادق في عالم الشهادة يحرم فيه ربا‬ ‫الأقوال‪.‬‬ ‫ل كنهما في عالم الغيب هما القاعدة‪ .‬والعلة هي أن قيم التبادل والتعاوض التعادل‬ ‫وقيم التواصل والتفاهم الصادق ليس للإنسان منهما في عالم الشهادة ما يكفي من‬ ‫الشروط‪ :‬فليس له العلم المحيط ولا العمل التام ومن ثم فلا هو عادل العدل الحق ولا‬ ‫هو صادق الصدق الحقيقي‪.‬‬ ‫‪67‬‬

‫––‬ ‫في حين أن قيم التبادل العادل وقيم التواصل الصادق لهما عند الله كل الشروط‬ ‫لأن الله له العلم المحيط والعمل التام ومن ثم فهو عادل بإطلاق وصادق بإطلاق‪.‬‬ ‫وذلك هو الفرق بين الله والإنسان الذي يصفه القرآن بكونه خصيم الله المبين‪.‬‬ ‫بهذه المناسبة فالحروف المقطعة تصبح واضحة الدلالة إذا تحررنا من تخر يف‬ ‫استعمال الحروف في الرؤ ية اليونانية في الحساب البدائي الذي صار في القبالة‬ ‫والاسرائيليات علة للتخر يف حول الاعجاز العددي‪.‬‬ ‫فهي ليست كما يتوهم ال كثير دالة على ما لم تشر إليه صراحة السور التي تبدأ بها‬ ‫فيتفاقه القباليون والقائلون بالإسرائيليات بحثا لها عن دلالة اعجاز يخرق النظام بخلاف‬ ‫جوهر الاستدلال القرآني‪.‬‬ ‫فهم بهذا الوهم يغفلون عما تعنيه إذا وصلت بالسور التي تبدأ بها لإهمالهم ما تشير‬ ‫إليه بها إشارة صريحة‪ .‬فهي تشير إلى المدخل الذي ينبغي أن يكون قاعدة دلالتها‬ ‫والقاعدة هي المؤطرة لبقية ما وراد فيها من وظائف الرسالة الخمسة باعتبارها ما به‬ ‫تذكر مما ينساه الإنسان أي بالمرسل والمرسل إليه والرسول والتبليغ ومضمون الرسالة‬ ‫المتعلق بشروط الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫فكل السور التي تبدأ بالحروف المقطعة تشير إلى وظائف القرآن من حيث هو رسالة‬ ‫تذكير بالمنسي ولا شيء غير ذلك‪ .‬وبوصفها دالة على المداخل بصوفها قاعدة فهم‬ ‫المعنى الرئيس في السورة فهي ترمز إليه ليكون دليل قراءتها‪.‬‬ ‫‪68‬‬

‫––‬ ‫وهي تنقسم إلى خمس مجموعات من واحدة العنصر مثل ن وق إلى ثنائيته مثل طه‬ ‫ويس إلى مثلثته فمربعته فممخمسته‪ .‬وهي سلسلة الحروف المقطعة الأطول‪ .‬وكلها‬ ‫مصحوبة مباشرة بالكلام على القرآن من حيث هو رسالة تذكير‪.‬‬ ‫لذلك فهي تتكلم على وظائف القرآن الخمسة أعني معنى كونه رسالة تذكير بما هو‬ ‫مرسوم في كيان الإنسان بحيث إن الرسالة لا تقدم ما ليس معلوما للإنسان بل تذكر بما‬ ‫هو معلوم للديه ل كنه ينساه أو يتناساه بسبب غرقه في الاستعمار في الأرض غرقا‬ ‫ينسيه الاستخلاف فيها‪:‬‬ ‫• المتعلقة بالمرسل (الله)‬ ‫• والمتعلقة بالمرسل إليه (الإنسان)‬ ‫• والمتعلقة بالرسول (المبلغ)‬ ‫• والمتعلقة بأسلوب التبليغ (التعليم والاستدلال بنظام المعادلة الوجودية)‬ ‫• والمتعلقة بمضمون الرسالة (التوعية بما يترتب على المعادلة الوجودية من كونية‬ ‫الرسالة الفاتحة والخاتمة التي هي الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات)‪.‬‬ ‫فلا توجد سورة تبدأ بحروف مقطعة منفصلة عن الكلام على الكتاب بهذا المعنى‬ ‫ومن الأمثلة البينة السور التي تبدأ بحم والم والر وطه ويس بص‪ .‬وق‪ .‬إلخ‪.‬‬ ‫والاستثناء الوحيد هو سورة آل عمران التي تبدأ بالعدد الأقصى من الحروف المقطعة‬ ‫وهي الأيسر تفسيرا لأنها تتعلق بقصة تذكر بلغز خلق آدم الذي نجد في القرآن منه‬ ‫روايتين‪:‬‬ ‫‪69‬‬

‫––‬ ‫واحدة تتعلق بخلقه من تراب وقيس على صناعة الفخار بمقياس تكنولوجي بين‬ ‫والثانية باستخراجه من النفس الواحدة وقيس على البايولوجيا قيسا بينا‬ ‫في النساء وفي الاعراف‬ ‫فيكون القصد الرمز إلى بداية الحياة بصورة تقرب من نظر ية بايولوجي انتقل فيها‬ ‫النوع من وحدة الجنسين في كيان واحد هو النفس الواحدة إلى الفصل بينهما فصلا‬ ‫يجعل الأنثى أصلا للجنسين‪ .‬ولهذه العلة لا نجد كلاما على خلق حواء ما يعني أنها هي‬ ‫النفس الواحدة التي انفصل عنها زوجها‬ ‫وهو المعنى الوحيد لدلالة عيسى وقياسه على آدم وقد كانت رسالته موجهة لنعاج‬ ‫بني إسرائيل الضالةكما قال هو نفسه حسب رواية أحد الأناجيل‪.‬‬ ‫كما أن مريم دلالتها الوحيدة هي التذكير بالنفس الواحدة التي خلق منها زوجها ثم‬ ‫تغشاها فولدت منه رجالا كثير ونساء‪ .‬فما تذكر به هو ما قبل انفصال الجنسين أي‬ ‫النفس الواحدة‪.‬‬ ‫وطبعا فالقصة رمزية تحيل إلى أمر غيبي لا يمكن رده إلى التفسير البايولوجي رغم‬ ‫أن الآية تشير إلى أن الروح تمثل لمريم تبشرا سو يا وهو تمثل لا يتنافى مع ما تقتضيه‬ ‫البايولوجيا‪.‬‬ ‫لذلك فلو أخذنا أطول بداية بالحروف المقطعة لوجدناها خمسة وهي كهيعص‪.‬‬ ‫فالكاف تعني الكتاب أي القرآن والهاء تعني أنه كتاب هداية والياء تعني أنه يهدي‬ ‫والعين للعلم والصاد للصدق‪.‬‬ ‫‪70‬‬

‫––‬ ‫والعلم نموذجه الخلق الر ياضي عند رب الخلق والامر لأن الله هو البارئ‬ ‫والصدق نموذجه الأمر السياسي عند الرب الخالق والآمر‪ :‬لأن الله هو الحاكم‪.‬‬ ‫ولو أخذنا أقصر بداية بالحروف المقطعة لوجدنا حرفا واحدا في ن وفي ق‪.‬‬ ‫ولو أخذنا الحواميم لوجدناها كلها تبدأ بالحاء والميم حصرا إلا واحدة هي الشورى‬ ‫التي تضيف بعدها العين والسين والقاف‪ .‬فمن يدرسها يجدها كلها تدور حول معنى‬ ‫الحياة والموت بالنسبة إلى المؤمنين‪.‬‬ ‫ل كن الشورى تضيف هذه الحروف الثلاثة لتخصص الكلام في ما يترتب على‬ ‫معنى الحياة والموت من سلوك ينتظم به عالم الشهادة انتظاما يجعل العلاقات بين‬ ‫البشر محكومة‪:‬‬ ‫بالتبادل والتعاوض العادل‬ ‫وبالتواصل والتفاهم الصادق‬ ‫شرطين في العيش المشترك السلمي بنظام الدولة والمعاملات التي تحددها الآية‬ ‫الثامنة والثلاثين من نظام الحكم واسلوبه ومرجعيته وغايتهكما شرحتها‪.‬‬ ‫فالعين تفيد علوم قوانين الطبيعة شرط الاستعمار في الأرض والسين تفيد سنن‬ ‫التاريخ شرط الاستخلاف فيها والقاف تعني أن ذلك هو مضمون القرآن ال كريم في‬ ‫الوصل بين معنى حياة المؤمن ومعنى موته‪.‬‬ ‫‪71‬‬

‫––‬ ‫ولو أخذنا السور التي تبدأ بألم فإنها كلها تتعلق بمعنى علم الله المحيط وعمله التام‪.‬‬ ‫وإذا أخذنا السور التي تبدأ بالر فإنها كلها تتعلق بمعنى رقابة الله للإنسان الخليفة ولكل‬ ‫مخلوقاته وهو المعنى من العناية الإلهية التي تجعله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد‪.‬‬ ‫وهو جوهر الخلاف بين القرآن وما كان يتبعه فلاسفة الإسلام من مقالة اللام في‬ ‫ميتافيز يقا ارسطو حتى بعد الانقلاب السينوي الذي قدم الوجود في العناية الإلهية‬ ‫على الوجود في الطبيعة تقديم المشروع على الإنجاز ل كن الإنجاز صار محكوما بقوانين‬ ‫الطبيعة وليس بالإرادة الحرة لصاحب المشروع الذي في العناية‪.‬‬ ‫ل كن الوصلين مستحيلان لو لم يكن للإنسان جهازان يعملان دائما بالتوجيه‪ :‬أي‬ ‫إن كل موجود وكل منشود يبقى من الممكن بذاته والواجب أو المستحيل بغيره‪.‬‬ ‫وهذه هي خاصة الفكر الإنسان وعلة استخلافه‪ .‬فالفكر ينبع من هذه القدرة على‬ ‫التوجيه الذي يميز بين الممكن والواجب والممتنع والامكان المطلق يحتوي عليها جميعا‬ ‫لأن الواجب نفسه ما كان ليكون لو لم يكن ممكنا والممتنع أيضا ما كان ليكون ممتنعا‬ ‫لو لم يكن إمكانه قد نفي‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فالفكر أوسع من الوجود لتضمنه العدم واوسع من الحصول على نحو‬ ‫معين لتضمنه عدم الحصول عليه‪ .‬وهما نوعا للامتناهي‪:‬‬ ‫فاللامتناهي في الر ياضيات الكلية هو عدم المحسوس في التجربة الطبيعية والذي لا‬ ‫يمكن أن نعلم المحسوس من دونه‪ :‬جوهر المعاني الر ياضية‪.‬‬ ‫‪72‬‬

‫––‬ ‫واللامتناهي في السياسيات الكلية هو عدم المحسوس في التجربة التاريخية والذي لا‬ ‫يمكن أن نعمل المحسوس من دونه‪ :‬جوهر المعاني الدينية‪.‬‬ ‫وهذا هو المشترك بين الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وهو مضمون‬ ‫القرآن من حيث هو فلسفة دين وفلسفة تاريخ تحددان العلاقة بين عالم الشهادة كما‬ ‫يجربه الإنسان في علاقته بالطبيعة والتاريخ خارج ذاته وفي ذاته‬ ‫وعالم الغيب كما يعيه ما بعدا لكل ذلك يشدها خلقا وامرا سواء اعتبر ذاتا قائما بذاتها‬ ‫ومتعالية عليهما كما في الإسلام أو اعتبر قانوانا ‪-‬نوس‪-‬محايثا فيهما كما يغلب على‬ ‫الفلسفة‪.‬‬ ‫وبين أن كل من له دراية بعلوم الطبيعة يعلم أن التجربة الطبيعة مستحيلة التصور‬ ‫من دون اللامحسوس الر ياضي الكلي في التجربة الطبيعية وكل من له دراية بعلوم‬ ‫الإنسان يعلم أن التجربة التاريخية مستحيلة التصور من دون اللامحسوس السياسي‬ ‫الكلي في التجربة التاريخية‪.‬‬ ‫وهذان اللامحسوسان الضرور يان الأول للفلسفة والعلم الطبيعي والثاني للدين والعلم‬ ‫التاريخي هما حقيقة الفكر الإنساني بل هما حقيقة الإنسان وحقيقة القرآن‪ .‬فالإنسان‬ ‫هو الكتاب الإلهي الأسمى وتلك هي علة استخلافه‪.‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪73‬‬

‫––‬ ‫والآن ماذا يثبت المثالان اللذان استعملناهما في الفصل السابق لتيسير فهم المعادلة‬ ‫الوجودية وما يترتب عليها من ضرورة الدولة المجردة شرطا في رؤ ية آيات الله في‬ ‫الآفاق وفي الانفس لتبين حقيقة القرآن؟ نفس الترابط بين عناصر المعادلة الوجودية‪:‬‬ ‫فالآفاق هي الطبيعة والتاريخ‬ ‫والأنفس هي كيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي‬ ‫والوصل بينهما هو عين الوصل بين الطبيعة والتاريخ والوصل بين الكيانين العضوي‬ ‫والروحي والوصل بين الوصلين مع ربطهما بما يتعالى عليهما هو سر بقاء الإنسان حيا‬ ‫لأنه يستمد معين قيامه منهما بتوسط بدنه وروحه‪ .‬ل كن ذلك كله من حيث هو عين‬ ‫فاعلية الكيان الحي عامة لا يمكن أن يكون من دون ما يحركهما من خارج ليجعل‬ ‫الشحن مناسبا للغاية منه‪.‬‬ ‫ويحصل الموت عندما يفسد الجهاز العضوي أو الروحي فلا يصبح قابلا للشحن أو‬ ‫لا يكون الشحن كافيا لفاعليته‪ .‬وقد يعتبر ذلك هو معنى الحياة من حيث مجراها بعد‬ ‫نشأتها ول كن المشكل في نشأتها ونهايتها‪.‬‬ ‫كيف تقع الدفعة الأولى التي تبدأ بها تكوينية الحياة مثل التحرك الأول في الآلة‬ ‫الصناعية التي لا بد لها من \"ديمارور\" إما كهربائي أو بالدفع المحرك وكلاهما يأتيان من‬ ‫خارج السيارة مثلا‪.‬‬ ‫وهذا هو الذي يسميه الإنسان ما بعد الطبيعة ومنها الكيان وما بعد التاريخ ومنه‬ ‫الكيان الروحي‪ .‬والمؤمن ينسب ذلك رب مدبر والملحد ينسب ذلك إلى الصدفة‪.‬‬ ‫‪74‬‬

‫––‬ ‫ل كن النسبتين لا تختلفان إلا من حيث طبيعة الحاجة إلى منطلق النشأة والفرق‬ ‫ليس في ضرورة الحاجة إليها بل في طبيعتها‪ .‬فالمؤمن يعتبرها ربا مدبرا لأنه لا يصدق‬ ‫أن تراكم الصدف يمكن أن يصبح نظاما ومن ثم فهو أكثر عقلانية ولا أزعم أنه‬ ‫مطابق لطبيعة الأشياء بل هو مطابق لطبيعة التفسير الإنساني للأشياء‪.‬‬ ‫الإنسان بسبب الر ياضيات الكلية والسياسيات الكلية لا يصدق أن تراكم الصدف‬ ‫مهما تكاثر وخاصةكلما تكاثر يصبح غير قابل لأن يكون مصدرا للنظام بمقتضى العقل‬ ‫الإنساني‪.‬‬ ‫صحيح أن يمكن بمقتضى اللاتناهي في التراكم وبحسب قانون الأعداد ال كبرى أن‬ ‫يحصل نظام ما ول كن حينها ينبغي أن يكون هذا النظام ما ناتجا عن غائية ما في‬ ‫التكاثر اللامتناهي للصدف‪.‬‬ ‫وحينها فإن الملحد هو نفسه يمكن أن يحتج بما ينفي حجته لأنه يجعل الغائية قائدة‬ ‫للتراكم اللامتناهي للصدف ل كي ينتج‪:‬‬ ‫الكائن الحي ذا النظام العضوي والروحي الفاعلين في علاقته بالآفاق والأنفس‪.‬‬ ‫والعالم المناسب لهذه الحياة ذا النظام الطبيعي والتاريخي في علاقته بما يتعالى عليه‪.‬‬ ‫فيكون التفاعل بين الكائن الحي والعالم المناسب للحياة بصورة تنشئها وتحافظ عليها‪.‬‬ ‫وهذا ما يقوله القرآن ليذكر به أولا وليبين أنه مرسوم في كيان الإنسان العضوي‬ ‫والروحي وفي عالميه الطبيعي والتاريخي وفي ما يتجلى فيها جميعا من صلة بالرب المتعالي‬ ‫عليها وهي من ثم حمالة لآياته بهذا المعنى‪.‬‬ ‫‪75‬‬

‫––‬ ‫ولذلك فالقرآن يخلو من الأدلة على وجود الله لاعتبار المشكل ليس في القول‬ ‫بوجود إله الغني عن الاثبات لاستحالة الشك في وجوده بل الشك يتعلق بوحدانية‬ ‫أي وجود الشرك‪.‬‬ ‫أدلة القرآن تتعلق بنفي الشر يك وليس بأثبات وجود الله الذي لا شك فيه عند‬ ‫المؤمن وحتى الكافر إلا في الظاهر لأنه لا ينفيه بل يحيثه فيشرك معه غيره‪.‬‬ ‫فيكون الشر يك إما من الطبيعة أو من التاريخ ويرد إلى الصدفة المتراكمة تراكما‬ ‫يخرج منه النظام الذي لا ينفيه أحد وهو جوهر الأديان الطبيعية والميثولوجيات كلها‬ ‫إذ كل قوة طبيعية لها رب محايث فيها هو عين فاعليتها‪.‬‬ ‫‪76‬‬

‫––‬ ‫– الفصل الثامن –‬ ‫تونس في ‪22.05.15‬‬ ‫المشترك بين الديني والفلسفي‪:‬‬ ‫موضوع القرآن ولب الاسلام؟‬ ‫إن ما بين الطبيعة والتاريخ من علاقة وما بين كيان الإنسان العضوي وكيانه‬ ‫اللاعضوي من علاقة ثم ما بين العلاقتين من تناظر وحاجتهما إلى ما وراء‬ ‫يضفي على هذه العلاقات معنى المعادلة الوجودية سوا كان الماوراء دينيا أو‬ ‫فلسفيا‪:‬‬ ‫ذلك هو المضمون المركزي للقرآن من حيث هو رسالة تذكير للإنسان عامة‬ ‫ولب الرسالة التي يعرفها القرآن بكونها الفاتحة والخاتمة وال كونية في الحالتين‬ ‫فالقرآن يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان عامة تذكيرا حوار يا بينه وبين‬ ‫الرب‪ .‬ويثبت تاريخ الدين وتاريخ الفلسفة أن هذا الحوار‪:‬‬ ‫قد بدأ وظل لحقب مديدة في رد الماوراء إلى ما يعلل به الإنسان الظاهرات‬ ‫الطبيعية وهو أصل كل الميثولوجيات الطبعانية‬ ‫ثم ختم برده إلى ما يعلل به الإنسان الظاهرات التاريخية وهو اصل‬ ‫الميثولوجيات الانثروبولوجية‪.‬‬ ‫‪77‬‬

‫––‬ ‫وبين نوعي الميثولوجيا والحقب الأولى والحقب الأخيرة وقع البحث عن‬ ‫الثانية في الأولى ثم البحث عن الأولى في الثانية ولم يتمكن الإنسان من‬ ‫الوصول إلى التعالي الأتم إلا في الإسلام‬ ‫وقد سمى هذه النتيجة بكونها هي الأصل الجامع بين البداية والغاية المحررة‬ ‫من نوعي الميثولوجيا‪ .‬وتلك هي نهايتهما بوعي صريح لأن القرآن يذكر أن الحجج‬ ‫ضدهكانت بمحاولة رده إلى \"اساطير الاولين\"‪.‬‬ ‫لذلك فالأصل الجامع تحقق في القرآن تحققا فعليا وتحققا تأو يليا لينتقل من‬ ‫العقد الساذج إلى العقد الواعي بحقيقته تأسيسا لدلالة السلطان الإلهي الموحد‬ ‫للنظام الطبيعي والسلطان الإلهي الموحد للنظام التاريخي‪.‬‬ ‫ورمز التحقق دون وعي بدلالته الفلسفية يمثله نوح بداية وموسى غاية‪ .‬ل كن‬ ‫التحقق الواعي بدلالته الفلسفية هو التأو يل الابراهيمي والتأو يل المحمدي كما‬ ‫ورد في القرآن ال كريم‪.‬‬ ‫فالتحقق الأول عند نوح لم يدرك دلالته الفلسفية إلا إبراهيم‬ ‫والتحقق الثاني عند موسى لم يدرك دلالته الفلسفية إلا محمد‪.‬‬ ‫‪78‬‬

‫––‬ ‫لذلك كان لا بد أن يكون التأو يل الثاني توضيحا للتأو يل الأول وبهذا‬ ‫المعنى كان محمد إبراهيم الثاني لأنه مثل الغاية الجامعة بين الثورتين ثورة نوح‬ ‫بتأو يل إبراهيم وثورة موسى بتأو يل محمد‪.‬‬ ‫ولما كان محمد جامعا بين الثورتين فهو يعد إبراهيم الثاني‪ .‬وتلك هي الحنيفية‬ ‫التي هي المشترك بين الديني والفلسفي‪:‬‬ ‫أي إن الطبيعة فقدت قدسية التأليه الميثولوجي الطبعاني التي كانت لها قبل‬ ‫ثورة التأو يل الإبراهيمي لأفول الافلاك‪.‬‬ ‫والتاريخ فقد قدسية التأليه الميثولوجي الانثروبولوجي التي كانت له قبل ثورة‬ ‫التأو يل المحمدي لطغيان الحكام‪.‬‬ ‫لم يبق مقدسا إلا الماوراء المطلق الواحد الاحد الذي لا شر يك له لا من‬ ‫الطبيعة (قوة الطغيان الطبيعي) ولا من التاريخ (قوة الطغيان السياسي)‪.‬‬ ‫وذلك ما سأبينه في الفصل المقبل بشرح هذين الثورتين اللتين حصلتا مرتين‬ ‫كما يصفهما القرآن‪:‬‬ ‫الأولى غير واعية ويمثلها نوح بداية وموسى غاية وهما حدا سورة هود‬ ‫والثانية واعية لأنها تأو يل للأولى عند ابراهيم وللثانية عند محمد‪.‬‬ ‫‪79‬‬

‫––‬ ‫فإبراهيم أول ثورة نوح التي صارت تحررا من طغيان الطبيعة والرمز طغيان‬ ‫الطوفان وعقلية الرحم الجزئي (ابن نوح وزوجته)‪.‬‬ ‫ومحمد أول ثورة موسى التي صارت تحررا من طغيان الحكام والرمز طغيان‬ ‫فرعون والعقلية السحر ية (سحرة فرعون)‪.‬‬ ‫وعاد محمد إلى تأو يل إبراهيم ليجمع بين التأولين و ينهي الشرك الطبيعي‬ ‫والشرط الانثروبولوجي (طغيان الدولة المستبدة)‪ :‬فصار التحرر يجمع بين‬ ‫التحرر من طغيان الطبيعة التي تتاله ومن طغيان الحكام الذين يتألهون‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فالقرآن يمثل رؤ ية المشترك الديني والفلسفي الفاتح والخاتم ولا‬ ‫يمكن أن يكون إلا التذكير بالرسالة ال كونية بين‪:‬‬ ‫مرسل هو الله المتعالي الوحيد الذي لا شر يك له لا من الطبيعة ولا من‬ ‫التاريخ‪.‬‬ ‫ومرسل إليه هو الإنسان بصورة عامة دون فرق عرقي أو طبقي أو جنسي‬ ‫ومبلغ لا يدعي أكثر من كونه إنسانا يوحى إليه و يعلم الغيب وليس وسيطا‬ ‫ولا وصيا‬ ‫وطر يقة تبليغ لا تدعي العلم بالغيب وعمادها التصديق والهيمنة بمنطق‬ ‫فصلت ‪53‬‬ ‫‪80‬‬

‫––‬ ‫وأخيرا رسالة تؤسس ليس لعلم يستخرج من شرح النصوص بل تدعو إلى‬ ‫البحث عن حقيقة القرآن فيما يرينا الله من آياته في الآفاق (الطبية والتاريخ)‬ ‫وفيا الانفس (كيان الإنسان العضوي واللاعضوي) بل‪:‬‬ ‫لرؤ ية ابستمولوجية تعتبر الر ياضي إشارة تذكر الإنسان بنظام الخلق‬ ‫ورؤ ية أكسيولوجية تعتبر السياسي إشارة تذكره بنظام الأمر‬ ‫دون أن يبلغ إلى تحقيق النموذجين المشار إليهما بهما أي نظام الخلق ونظام‬ ‫السياسة الإلهي لأن علم الإنسان ليس محيطا وعمله ليس تاما‬ ‫وتلك هي القطيعة الثور ية مع الفكرين الديني والفلسفي القديمين أي مع‬ ‫الرؤ ية الساذجة التي تقول بالمطابقة المعرفية لكأن العقل مرآة عاكسة عكسا‬ ‫تاما لما يسمونه الواقع والإرادة قدرة مطلقة تحقق ما تتمنى‪:‬‬ ‫فإدراك الأصل بمنتهى الوعي بداية كان رمزه التحرر من عبادة الأفلاك‬ ‫وقد نسب القرآن هذا الادراك إلى إبراهيم برمز آيات الأفول التي تعني التحرر‬ ‫من عبادة الافلاك (الأنعام ‪.)76‬‬ ‫وإدراك الأصل بمنتهى الوعي غاية كان رمزه التحرر من عبادة الطاغوت‬ ‫وقد نسب القرآن ذلك إلى محمد برمز تحرير العبيد من طاغوت التاريخ برمز‬ ‫آية تبين الرشد من الغي (البقرة ‪.)256‬‬ ‫‪81‬‬

‫––‬ ‫لذلك كان إبراهيم رمز نهاية الميثولوجيات الطبعانية وكان محمد نهاية‬ ‫الميثولوجيات التاريخانية‪:‬‬ ‫فوعي ابراهمي بأن الأفلاك من الأوافل ولا يمكن أن تكون سرمدية وإلهية‬ ‫ووعي محمد بأن الدول من الأوافل ولا يمكن أن تكون سرمدية وإلهية‬ ‫تل كما هما الثورتان اللتان تمثلان لب القرآن واللتان ينبغي أن تجمعا بين‬ ‫الفلسفي والديني فكان لا بد من أن يعلمنا القرآن بأن‪:‬‬ ‫الخلق نظام ر ياضي به دبر الرب نظام الطبيعة وكيان الإنسان العضوي‬ ‫والأمر نظام سياسي دبر به الرب نظام التاريخ وكيان الإنسان الروحي‬ ‫ومن ثم فما رواء المعادلة الوجودية هو معنى الربوبية الواحدة الذي هو‪:‬‬ ‫المدبر الخالق بنظام يشير إليه القرآن بالر ياضيات الكلية التي هي في آن نموذج‬ ‫السرمدية التي يشرئب إليها الإنسان في الاستعمار في الأرض باعتباره تعاملا‬ ‫مع الطبيعة لتحقيق شروطه‪.‬‬ ‫والذي هو المدبر الآمر بنظام يشير إليه القرآن بالسياسيات الكلية التي هي في‬ ‫آن نموذج السرمدية التي يشرئب إليها الإنسان في الخلافة في الأرض باعتبارها‬ ‫تعاملا مع التاريخ لتحقيق شروطها‪.‬‬ ‫‪82‬‬

‫––‬ ‫تلك هي المعادلة الوجودية التي لا يمكن أن يوجد إنسان مهما كان أميا لا‬ ‫تلازمه في وعيه في اليقظة وفي المنام‪ .‬وذلك هو القصد بكونه قد فطر على‬ ‫الإسلام حتى وإن لم ينتسب إلى المعنى الرسمي من الإسلام من حيث هو‬ ‫حضارة معينة‪ .‬فهذه الرؤ ية الدينية هي الأصل في وعي الإنسان بذاته وبموقعه‬ ‫في العالم‪.‬‬ ‫وكل التعبيرات الدينية المختلفة هي تعين من هذا المعنى أو هي بصورة أدق‬ ‫تحر يفاته لأنها شرك يعتبر احد هذه العناصر الأربعة مؤديا دور المتعالي في‬ ‫الشاهد كما في دولة الفراعنة وفي الغيب كما يتأسس عليه تأليه أي شيء من‬ ‫تأليها الطبيعة أو من لتاريخ أو تأليه الإنسان عضو يا وروحيا تابع لتأليه الطبيعة‬ ‫والتاريخ وهو اصل كل الشركيات بما في ذلك ما يقرب منها أي الأولياء‬ ‫والموتى‪.‬‬ ‫وقد ترددت الرؤى الميثولوجية والفلسفية بين تغليب هذه أو تلك منها‬ ‫فحددت الرؤ ية الفلسفية لتأسيس نظر ية المعرفة والنظر لتأو يل الوجود‬ ‫ولتأسيس نظر ية القيمة العمل لتأو يل المنشود تأو يلا استند إلى المطابقة لما‬ ‫ظن الوجود والمنشود شفافين والعقل والإرادة مطلقين‪.‬‬ ‫‪83‬‬

‫––‬ ‫وما لا يخلو منه وعي الإنسان أيا كان مستواه هو الوعي بعلاقة التناهي في‬ ‫الاله واللاتناهي في المألوه بالقياس إلى الفرق بين ما يستطيع وما يتمنى أن‬ ‫يستطيع أن يستطيع في النظر والوجود الحقيقي وأن يستطيع في العمل والمنشود‬ ‫الحق‪.‬‬ ‫وتلك إشارة الوعي باللاتناهيين المتجاوزين للتناهيين في كيانه العضوي‬ ‫والروحي إلى المابعد الذي هو الرب الخالق والآمر في الرؤ ية القرآنية التي أهملها‬ ‫فلاسفتنا القدامى لتبنيهم نظر ية المحرك الذي لا يتحرك في الرؤ ية الأرسطية‬ ‫ما يجعلهم بقصد أو بغير قصد طبعانيين قائلين بالميثولوجيا اليونانية التي تؤله‬ ‫الظاهرات الطبيعية حتى وإن اعتبرتها خاضعة للنوس في النظر ية التي ردها‬ ‫إليها أرسطو‪ .‬والنوس يفيد إما القانون العقلي دون أن يكون مل كة لموجود‬ ‫معين أو العقل نفسه‪.‬‬ ‫ومن يقرأ مقالة اللام من الميتافيز يقا يدرك أن اثبات المحركة الذي لا يتحرك‬ ‫وتسميته نوس مصحوب بما ينفي عنه التعين كذات ما يعني أنه قانون وليس‬ ‫عقل يشرع لقوانين‪ .‬وادلته على المعنى كلها من جنس علم الكلام السلبي للتعين‬ ‫القيامي لذات عاقلة‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫––‬ ‫ولولا هذا الفرق بين الرؤيتين للربوبية لاستحال على المدرسة النقدية العربية‬ ‫أن تتجاوز القول بالمطابقة في النظر والتمام في العمل والتخلي عنهما موروثين من‬ ‫الصوغ الفلسفي للميثولوجيا اليونانية‬ ‫لتغيير رؤ يتها في الإبستولوجيا والأكسيولوجيا تغييرا يجعل العلم اجتهادا غير‬ ‫محيط والعمل جهادا غير تام ومن ثم فكلاهما في تطور دائم متناسب مع‬ ‫مقدار الاحتكام إلى التجربة لاختبار مقدراته الذهنية‬ ‫ولا يمكن لهذه أن تكفي لمعرفة الحقيقة ولا لإحقاق الحق حتى لما تؤيدها‬ ‫التجربة التي تطلعنا على عادات الأشياء سواء كانت طبيعية أو تاريخية دون‬ ‫ان تضمن ثباتها وعدم تغيرها ومن ثم فالقول بالحتمية السببية ليس ممكنا من‬ ‫دون مصادرة على المطلوب ما دمنا ليس عندنا ما يثبت أن هذه العادات لن‬ ‫تتغير وستبقى على مجراها الحالي‪.‬‬ ‫ومن مساءلة الحتمية السببية بدأ النقد عند الغزالي وتواصل عند ابن تيمية‬ ‫وانتهى إلى غايته الأكثر صراحة عند ابن خلدون الذي قال ما لم يقله قبله ولا‬ ‫بعده أحد بالوضوح الخلدوني المعرف للسببية في الفصل العاشر من الباب‬ ‫السادس المخصص لعلم الكلام‪-‬في اللطيفة التي بدأ بها الفصل بوصفه متكلما‬ ‫سنيا تجاوز مجرد المؤرخ لعلم الكلام السني‪ -‬مبينا أن مصدرها العادة مع‬ ‫‪85‬‬

‫––‬ ‫استحالة الحد من الذهاب في سلسلتها والجهل بطبيعة التأثير السببي وهي تعود‬ ‫إلى الاقتران في الظاهر من المحسوسات‪.‬‬ ‫والمانع من الذهاب إلى الغاية في الترابط بين ما يتصور معلولا وما يتصور‬ ‫علة يقتضي العلم بالكل لمعرفة الجزء والكل بمنطق استنتاج العلة من المعلول‬ ‫منطقيا يعني استنتاج اللازم من الملزوم وهو ما يعني اللاتناهي بين المتلازمات‬ ‫إذ إن كل ملزوم له لازم إلى غير غاية‬ ‫ولا توجد علة لإيقاف لا تناهي التسلسل إلا بالدور إذا تصورنا اللوازم‬ ‫متناهية‪ .‬فيكون الباعث إلى ذلك هو المقابلة بين نوعي العلم الإلهي والإنسان‬ ‫ونوعي العمل الإلهي والإنساني‪.‬‬ ‫وتلك هي القطيعة التي احدثتها المدرسة النقدية العربية قبل المدرسة النقدية‬ ‫الألمانية بداية عند الغزالي رغم نكوصه إلى اتباع ابن سينا والقول بال كشف‬ ‫الصوفي ما جعله يعود إلى القول بالمطابقة والتمام‪.‬‬ ‫ل كن ابن تيمية في فلسفة النظر وابن خلدون في فلسفة العمل عادا إلى ما‬ ‫موقف الغزالي الأول من السببية موقفه الذي بناه على فرضية مفهوم حد هو‬ ‫طور ما وراء طور العقل ثم تخلى عنه بحل صوفي مفاده أن الثقة في الأوليات‬ ‫عادت إليه بنور قذفه الله في القلب (المنقذ من الضلال)‪.‬‬ ‫‪86‬‬

‫––‬ ‫وبفضل القطيعة التي استأنفها ابن تيمية صار العلم الوحيد البرهاني والخالص‬ ‫والمحض هو علم الر ياضيات من حيث هو مقدرات ذهنية وليس من حيث‬ ‫هو وجود في العناية الإلهية الخالقة والتي استأنفها ابن خلدون صار العمل‬ ‫الوحيد البرهاني والخالص والمحض‬ ‫هو علم السياسيات من حيث هي مقدرات ذهنية وليس من حيث هو هي‬ ‫وجود في العناية الإلهية الآمرة لأن سر الخلق والامر من الغيب ولم يبق إلا‬ ‫الاحتكام إلى ما ندركه من \"عادات\" الأشياء وهو إدراك تاريخي ومتطور لا‬ ‫يمكن أن يصبح محيطا معرفيا في العلم وتاما قيميا في العمل الإنسانيين‪.‬‬ ‫فيكون التحول الإبستمولوجي والأكسيولوجي في الرؤ ية الفلسفية ناتجا عن‬ ‫الرؤ ية الدينية التي تغيرت من المقارنة بين صانعين ومشرعين دون تمييز بينهما‬ ‫في فعل الصنعة وفعل التشر يع إلى التمييز بينهما باللاتناهي عند الرب والتناهي‬ ‫عند الإنسان بمقتضى ما نعلم عن صنع الإنسان وتشر يعه وما نجهل من صنع‬ ‫الله وتشر يعه‪ .‬فيكون الانتقال من العلم المطلق إلى الاجتهاد ومن العمل التام‬ ‫إلى الجهاد هو الثورة الأولى‪:‬‬ ‫في نظر ية المعرفة التي لم يعد فيها العقل مرآة عاكسة للوجود وكأنه مطلق‬ ‫الشفيف الذاتي‬ ‫‪87‬‬

‫––‬ ‫وفي نظر ية القيمة التي لم تعد فيها الإرادة الإنسانية مشرعة للمنشود وكأنه‬ ‫مطلق التحديد القبلي‪.‬‬ ‫وما مفهوم اللاتناهي الر ياضي واللاتناهي السياسي إلا ما في الإنسان من‬ ‫إشارة إلى ما وراء تناهيه في النظر وفي العمل اللاتناهي أي عجزه عن العلم‬ ‫المحيط والعمل التام‪.‬‬ ‫والتجربة الطبيعية والتجربة التاريخية كلتاهما تبقى دائما دون التقدير الذهني‬ ‫في علم الحقيقة والتقدير الذهني في عمل الحق‪ :‬فلا توجد تجربة طبيعية تطابق‬ ‫بإطلاق المعاني الر ياضية الكلية ولا توجد تجربة تاريخية تطابق المعاني السياسية‬ ‫الكلية‪ .‬وهو ما يعني أن الوجود معرفيا والمنشود قيميا كلاهما يتضمنان ما لا‬ ‫يقبل الرد إلى اقصى من يمكن أن يتخيله العقل والإرادة الانسانيين‪.‬‬ ‫لا وجود لمطابقة وتمام بين ما نقدره ذهنيا وما ندركه حسيا من الطبيعة‬ ‫ومن التاريخ فيبقى المعقول النظري من حيث هو تقدير ذهني للحقيقة إشارة‬ ‫لوجودها دون القدرة على عملها وهو جوهر الفلسفي في الفلسفات وهو‬ ‫المؤسس للعلم من حيث هو علم وتطبيقه التقني لصوغ مثال قانون الطبيعة‬ ‫الأسمى والمعقول العملي من حيث هو تقدير ذهني للحق إشارة لوجوده دون‬ ‫‪88‬‬

‫––‬ ‫القدرة على عمله وهو جوهر الديني في الأديان والمؤسس للعمل من حيث هو‬ ‫عمل وتطبقه الخلقي لصوغ مثال قانون التاريخ الأسمى‪.‬‬ ‫والدولة المجردة تجمع بين الإشارتين إلى المثالين الأعليين اللذين يشير إليهما‬ ‫التقدير الذهني للحقيقة والحق وكأنهما يشيران إلى المثالين الأعليين من الرب‬ ‫من حيث هو خالق للوجود وشارع للمنشود وكأنهما فطرة الإنسان متعينة في‬ ‫كيانه العضوي والروحي ليكونا محتو يين على وحدة قياس للمثالين الأعليين في‬ ‫علاقة الإنسان بالطبيعة ممثلة بالأرض وبكيانه العضوي وهما وحدة قيس للعالم‬ ‫كله بحيث إن قطع مسافة في زمان طوله خمسين الف سنة من زمان أيام‬ ‫الأرض‪.‬‬ ‫ولما كان ال كرسي يسع السماوات والأرض فهو رمز اللاتناهيين لأن‬ ‫ال كرسي الذي يسع العالم فيكون رمز اللاتناهي المحيط بالعالم المتناهي و يكون‬ ‫الإنسان مدركا لهذه العلاقة دون العلم بكيف الحقيقة في الخلق ولا بكيف‬ ‫الحق في الأمر‪ .‬فيكون ال كرسي الذي يسع السماوات والأرض هو ما ترمز‬ ‫إليه في الإنسان علامة على كونه خليفة بما لديه من إشارة على هذه العلاقة‬ ‫بين النظر والعمل المحدودين المحيلين على النظر والعمل اللامحدودين اللذين يرد‬ ‫‪89‬‬

‫––‬ ‫إليهما الخلق والأمر الإلهيين‪ .‬وحتى الملحد فإنه يميز في ما يؤلهه من الطبيعة‬ ‫مثلا بين الطبيعة المطبوعة والطبيعة الطابعةكما يفعل سبينوزا مثلا‬ ‫لتكون الأولى هي الحاصل من التطبيع والثانية هي الطابعة فتكون في نفس‬ ‫العلاقة بين الله والعالم عند المؤمنين‪ .‬الالحاد مستحيل وإنما هو شرك لا واع‪.‬‬ ‫ولأن الالحاد مستحيل خلا القرآن من الأدلة على وجود الله‪.‬‬ ‫وكثيرا ما يتردد على لسان المسلمين \"افي الله شك\" وه عبارة تعني الوعي‬ ‫بالاستغناء عن اثبات وجوده لله الذي لا شك فيه ولها نفس دلالة ما يتردد‬ ‫في القرآن جوابا من المشركين \"ليقولن الله\" كلما ُسئلوا عما يحدث في العالم من‬ ‫فاعله‪.‬‬ ‫‪90‬‬

‫––‬ ‫– الفصل التاسع –‬ ‫تونس في ‪22.05.17‬‬ ‫وعدت بشرح الثورتين في شكلهما الساذج وفي شكلهما المؤول تأو يلا يتجاوز سذاجة‬ ‫مجراهما الأول أحداثا لم ترتق إلى الوعي بدلالتهما المتعالية عليه إلى الوعي بهما ثورتين‪:‬‬ ‫أولاهما انسبها إلى إبراهيم الأول الذي لا هو يهودي ولا هو مسيحي بل حنيفي‬ ‫والثانية إلى محمد إبراهيم الثاني متجاوز العرقيات والهو يات الجزئية إلى الحنفية‬ ‫ال كونية‪.‬‬ ‫فما أنسبه إلى محمد هو الوعي بالوعيين واكتشاف المشترك بين الديني من حيث هو‬ ‫جوهر الروحي والفلسفي من حيث هو جوهر ا لعقلي‪ .‬فكان القرآن لذلك فلسفة‬ ‫الديني في الأديان ودين الفلسفي في الفلسفات‪.‬‬ ‫وتلك هي دلالة المعادلة الوجودية التي هي مركز كلام القرآن كله كما صاغتها الآية‬ ‫الثالثة والخمسين من فصلت في الوجود الخارجي وكما صاغتها سورة العصر كلها في كيان‬ ‫الإنسان فردا وجماعة‪.‬‬ ‫والصوغ الأول هو المعادلة الوجودية‬ ‫والصوغ الثاني هو المعادة الخلقية‬ ‫فالإنسان من دونهما يكون في الخسر ولا يخرج منه فرديا إلا بالإيمان بما يتعالى على‬ ‫الغرق في الاستعمار في الأرض بالعمل الصالح فيه فيتحرر بقيم الاستخلاف التي‬ ‫تكون‪:‬‬ ‫‪91‬‬

‫––‬ ‫نظام الجماعة الاجتهادي لمعرفة الحقيقة دون الاحاطة بها (التواصي بالحق)‬ ‫ونظام الجماعة الجهادي لتحقيق الحق دون التمام فيه (التواصي بالصبر)‪.‬‬ ‫والاجتهاد هو علم الحقيقة بالاشرئباب للر ياضيات الكلية التي ينتظم بها الوجود‬ ‫الطبيعي‬ ‫والجهاد هو عمل الحق بالاشرئبات للسياسيات الكلية التي ينتظم به الوجود التاريخي‪.‬‬ ‫ولو تخلص فكر المسلمين من ميثولوجيا اليونانيات الطبعانية ومن ميثولوجيا‬ ‫الإسرائيليات الانثروبولوجية لأمكن لهم اكتشاف قص القرآن للثورتين والتأو يلين‬ ‫اللذين أذكر بهما الآن هنا‬ ‫وقد أشرت إليهما في الفصل السابق ووعدت بيان ذلك من خلال شرح سورة‬ ‫هود‪ .‬وسأفترض أن القارئ له الشجاعة الكافية لفتح المصحف الشر يف وقراءتها وفي‬ ‫ذهنه ما سأحاول بيانه ثم الحكم بعد ذلك‪.‬‬ ‫فالسورة تبدأ بنوح والثورة التي كلفته بها الرسالة‪ :‬توثرة التحرر من طغيان الطبيعة‬ ‫ممثلا بالطوفان ودور علاقته بأسرته‪.‬‬ ‫وهي تنتهي بموسى وثورة التي كلفته بها الرسالة‪ :‬ثورة التحرر من طغيان التاريخ ممثلا‬ ‫بتأله فرعون ودور علاقته بسحرته‪.‬‬ ‫ل كن التحررين كلاهما بقيا حدثين ففهم الأول دون وعي بسبب ميثولوجيا‬ ‫اليونانيات وفهم الثاني دون وعي بسبب ميثولوجيا الاسرائيليات‪.‬‬ ‫‪92‬‬

‫––‬ ‫فكان التأو يل القرآني النقدي الذي حررهما من الطبعانية اليونانية والتاريخانية‬ ‫الإسرائيلية ليصلها بالسرمدي وال كوني فيجعلهما ثورتين كونيتين تحددا مضمون‬ ‫الرسالة الفاتحة والخاتمة بأبعادها الخمسة التالية‪:‬‬ ‫• المرسل‪ :‬الله الذي يتعالى على الطبيعة وعلى التاريخ ولا شر يك له‬ ‫• المرسل إليه‪ :‬الإنسان المستخلف عامة دون مفاضلة بغير التقوى‬ ‫• الرسول المبلغ‪ :‬إنسان عادي لا يعلم الغيب وليس وسيطا بين الإنسان وربه ولا‬ ‫وصيا بينه وشأنه‪.‬‬ ‫وهذا هو قلب الرحى في القرآن وجوهر الثورة المحمدية التي قلبت ما كان ميتافيز يقا‬ ‫في سابقا يصبح ميتا اخلاق ينتظم بها شأن الإنسان الروحي والسياسي بما جهز به من‬ ‫جهاز النظر ليتمكن من الاستعمار في الأرض وجهاز العمل ليتمكن من‬ ‫الاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫• منهج التبليغ‪ :‬تعليم نقدي يكتفي برؤ ية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس‬ ‫• مضمون الرسالة‪ :‬التذكير بشروط الاستعمار في الأرض امتحانا لعلاقة الانسان بقيم‬ ‫الاستخلاف التي هي وصل متناهي عالم الشهادة بلامتناهي عالم الغيب‪:‬‬ ‫وهو وصل لا يكون من دون الر ياضيات الكلية الممكنة من إدراك النظام في تجربة‬ ‫الطبائع والسياسيات الكلية الممكنة من إدراك النظام في تجربة الشرائع‪.‬‬ ‫وبين ثورة نوح بداية وثورة موسى غاية نجد خمسة رسل بين الاثنين الاولين والاثنين‬ ‫الأخيرين نحد إبراهيم وقبله هود وصالح وبعد لوط وشعيب‪.‬‬ ‫‪93‬‬

‫––‬ ‫الحبكة في الرسالة هي عين الثورة المحمدية من حيث هي المشترك بين الديني في‬ ‫الأديان والفلسفي في الفلسفات وعلاقة محمد بإبراهيم وبالثورتين وبالمعادلة الوجودية‬ ‫التي حددتها سورة فصلت آيتها الثالثة والخمسون في نظر ية المعرفة ونظر ية القيمة‪:‬‬ ‫ومن ثم فهي تعرض رؤ ية ابستمولوجية واكسيولوجية هي المشترك بين الديني‬ ‫والفلسفي من حيث هو أدوات تحقيق الاستعمار في الأرض (علاقة بالطبيعة)‬ ‫والاستخلاف فيه (علاقة بالتاريخ) بفضل التحرر من الميثولوجيتين‪.‬‬ ‫لنأخذ الآن ثورة إبراهيم‪ :‬في القراءة التي لم تتحرر من الميثولوجيتين المشكل هو عقاب‬ ‫الله للبشر بالطوفان فيكون طغيان الطبيعة آية عقاب‪.‬‬ ‫ل كن المشكل في القرآن هو ما به نجى الله البشر من طغيان الطبيعة فيكون جوهر‬ ‫الرسالة هو العلاج الذي قدمه نوح لإشكالية الطوفان أي الحل العلمي التقني (صنع‬ ‫السفينة) والحل العملي الخلقي (عدم حصر الامر في أسرته)‪:‬‬ ‫فالحل العلمي التقني مضاعف وهو صنع السفينة ونشأة الزراعة الإنسانية‪ .‬فقد أمره‬ ‫الله بأن يصنع السفينة وأن يأخذ من كل زوجين اثنين طبعا ليستنبتهما فتكون الرسالة‬ ‫دعوة للإيمان بالعلم وتطبيقاتها للتغلب على طغيان الطبيعة‪.‬‬ ‫والحل العملي الخلقي‪ :‬بيان تفاهة الانشغال بما هو ذاتي شخصي ببيان سطحية العلاقة‬ ‫العضو ية بين نوع وابنه أي بما يفسد كونية الرسالة خلطا بين الذاتي الخاص وال كوني‬ ‫العام‪ .‬فنهاه ربه واعلمه أن زوجته خائنة وأن الابن ليس ابنه‪.‬‬ ‫‪94‬‬

‫––‬ ‫ومعنى ذلك أن الوجه الثوري في الرسالة لم يكن واعيا بدليل قراءته الإسلامية قراءة‬ ‫ميثولوجية يونانية (تفسير الفلاسفة) واسرائيلة (تفسير المتكلمين والمتصوفة والفقهاء)‬ ‫فاعتبر الدال فيها هو انتقام الله من البشر بالطوفان وليس تمثيلا لما يهدي إليه من‬ ‫علاج لطغيانها‪ .‬والله لا ينتقم من أحد بل هو يرسل من يقدم ا لحل لما يمكن أن‬ ‫يعوق تحقيق الاستخلاف‪ .‬وقدم الحرص على الرحم الجزئي على الرحم الكلي والله لا‬ ‫يميز بين البشر بالقرابة‪ .‬وهو مما لا يناسب خطاب الله للإنسان عامة دون تفضيل‬ ‫أساسه القرابة‪.‬‬ ‫فالرحم الجزئي ليس هو المقدم في الرسالة بل الرحم ال كوني أي دور تحرير الإنسان‬ ‫عامة وليس الأهل فحسب إذ يمكن للرحم الجزئي أن يكون خدعة في حين أن الرحم‬ ‫ال كوني لا جدال فيه‪ .‬وذلك هو موضوع الآية الأولى من النساء حيث يقدم الرحم‬ ‫الكلي على الرحم الجزئي‪.‬‬ ‫ونفس الأمر تكرر مع موسى‪ .‬فرعون لم يكن مستعبدا لبني إسرائيل وحدهم ولم يكن‬ ‫له سحرة ضدهم وحدهم بل كل المصر يين صاروا عبيدا له بعد أن طبق نصيحة‬ ‫يوسف في الرواية التوراتية لقصته‬ ‫إذ هي بخلاف الرواية القرآنية نصحه بعد تأو يل حلميه بأنه عليه أن يخزن صابة‬ ‫السنوات السمان للسنوات العجاف ثم يشتري من مال كي الأرض من المصر يين‬ ‫ارضهم مقابل الغذاء فيجعلهم اقنانا بعد أن كانوا أحرارا‪.‬‬ ‫‪95‬‬

‫––‬ ‫ل كن موسى في فهم الرسالة بالميثولوجيا التوراتية قدم الرحم الجزئي على الرحم الكلي‬ ‫وطلب السماح بهجرة بني إسرائيل وتحقق له ذلك ل كن النتيجةكانت أخطر مما كان‬ ‫عليه الامر مع الفرعونية‪.‬‬ ‫فقد تمسك الإسرائيليون بمحاكاة الفراعنة وعمموا العبودية بعبادة العجل معدنه‬ ‫وخواره وصاروا يستعبدون العالم كله بهما سيطرة على البشر كلهم بربا الأموال وربا‬ ‫الأقوال‬ ‫بحيث صارت السياسة بالأساس خاضعة لنظام الأبيسيوقراطيا التي يحكمها سلطان‬ ‫المال وسلطان الاعلام الفاسد الذي لا ينصر إلا الباطل باطل المافية المسيطرة على‬ ‫رمز الثورة العملة برمز التراث الكلمة‪.‬‬ ‫وليس في أقول عن ثورة رسالة نوح ولا عن ثورة رسالة موسى قدحا في الرسالتين‬ ‫بل الكلام هو على ما حصل في تأو يلاتهما المبني على سوء فهم معنى التحر يف الذي‬ ‫ينقده الإسلام بمنطق التصديق والهيمنة والمشكل لا يتعلق بالنصوص بل بالتأو يلات‬ ‫التي استمدت من التحر يف والاسرائيليات في الدين ومن التحر يف واليونانيات في‬ ‫الفلسفة‪.‬‬ ‫فبدلا من التأو يل المعتمد على النقد بمنطق التصديق والهيمنة الذي يعني أن كل ما‬ ‫يتنافى مع كونية الرسالة الفاتحة والخاتمة يعتبر من التحر يف وهو إما من الإسرائيليات‬ ‫دينيا أو من اليونانيات فلسفيا صار القرآن نفسه يقرأ بهذين النوعين ممن التحر يف عند‬ ‫العلماء ذوي المرجعية الدينية وعند العلماء ذوي المرجعية الفلسفية‪..‬‬ ‫‪96‬‬