-- والمثال القديم الذي اشتهر عند أرسطو هو نظريته في الهيلومورفيا-تصوير المادة-مستمدة من تقنيات عصره وصناعاته -وحتى القرآن في كلامه على خلق آدم يستعمل الهيلومورفية .ل كن ارسطو يقيس الطبيعة على الصانع فيعتبرها تعمل وكأنها صانع داخلي في الكيان العضوي يصوره من الداخل. وعلى هذا التمثيل يبني نظر ية العلل الأربع أي الفاعلة والمصورة والمادة والغاية تماما كما يحصل في الصناعات كما في صناعة النجار مثلا حيث يكون النجار علة فاعلية والخشب مادة وشكل المصنوع منه صورة والهدف من المصنوع غاية. ولو كان القيس مطابقا لما كان يوجد فرق بين الصانع الإنساني والخالق الإلهي سواء كنا مؤمنين بوجوده أو حتى نافين لوجوده لأن الحالة الثانية لا تختلف عن الأولى في ما يتعلق بالمقارنية بين محدودية الصنعة بتصور مادة موجودة ولا محدودية البدء دون مادة مسبقة: وتلك هي علة القول بالصدفة الخالقة عند الملحد من المحدثين بعد أن تيقن الجميع أن العالم ليس سرمديا لان القدامى كانوا يظنونه سرمديا فلا يحتارون في تفسير البداية إذ السرمدي لا بداية له ولا نهاية. 47
-- وبهذا المعنى فالمحرك الأول عند ارسطو ليس خالقا ولا حتى محركا بمعنى أنه هو الذي يحرك وإلا لكان في التحر يك متحركا هو بدوره .هو إذن ما تتحرك الأشياء بالانجذاب إليه .وهو المعنى الأول للنوس أي القانون العقلي الذي تحاكيه الموجودات ذات الصيرورة والتغير بتوسط حركات عقول الأفلاك السرمدية التي تحاكيه فتحرك دورات الأفلاك في نموذج ر ياضي كان بداية لما توصل إليه نظام بطليموس لاحقا فتنضج حركات الكائنات التي تكون وتفسد في عالم ال كون والفساد والتغير من الطبيعة التي دون القمر في نظريته الفل كي .وأجرام السماء المتحركة حركة دائر ية سرمدية يحركها قانونها الر ياضي أو النوس الذي ينجذب بالمحرك الذي لا يتحرك. ل كن المسلم يعتقد أن الله خالق وآمر .وأنه ليس كمثله شيء .ومن ثم فلا يمكن أن يكون له مثيل يكون صنعه خلقا ولا تصويره أمرا .لا يوجد صانع مطلق ولا آخر مطلق غيره. ومن ثم فالنموذج الر ياضي الكلي للتعامل مع الطبيعة والنموذج السياسي الكلي للتعامل مع التاريخ يشيران إلى أن وراء الطبيعة ووراء التاريخ ما لا مثيل له ونسبته إلى ما نقيسه عليه تجانس نسبة الر ياضي الكلي المعلوم إلى الطبيعي في ذاته المجهول ونسبة السياسي الكلي المعلوم إلى التاريخي في ذاته المجهول. 48
-- فالر ياضي الكلي والسياسي الكلي كلاهما معلوم وهما اداتا التعامل مع الطبيعة والتاريخ في حدود ما نعلم من الأولى وما نعمل من الثاني دون أن يكونا مطابقين لهما لان علمنا غير محيط وعلمنا ليس تاما .فيكون علمنا اجتهادا دائما وعملنا جهادا دائما دون أن يقتصر غيب الوجود على ما فيه من مشهود. وكل فلاسفة العرب الرسميين من ال كندي إلى ابن رشد لم يخرجوا عن هذا التصور الأرسطي لكأنهم كانوا فاقدين للبصيرة حتى وإن طعم بشيء من الافلاطونية بفضل القراءة الأفلوطينية التي امتزجت مع المشائية ما جعلهم في النهاية طبعانيين مثل ارسطو. ذلك أن مفهوم النوس عنده سواء طبق على المحرك الأول الذي يتحرك غيره بمحاكاته كماله الثابت أو طبق على الإنسان من حيث هو عاقل لهما دلالة القانون الطبيعي الفاعل من حيث هو طبيعة وله دلالة فعل الإدراك العقلي النافذ للحقيقة المطلقة بالطبع فتعود الدلالتان إلى الطبيعة في الغاية. وهو ما فهم منه ابن رشد في شرح مقالة اللام من الميتافيز يقا ما أمكن له تأو يله بنموذج سياسي يعتبر المحرك الأول ملكا وعقول الأفلاك امراء يأتمرون بأمره في تسيير عالم الأفلاك -ملائكة إن صح التعبير-لكأنه يريد قيس النظام الارسطي على النظام الذي يصفه الكلام على الحكم النهائي في الآخرة لما يكون 49
-- الله قاضيا يحاسب البشر على افعالهم قبل تحديد الجزاء .ل كن ابن رشد يكتفي بوجه الشبه. ل كن ابن رشد واصل راي ارسطو فتصور العلم الإنساني محيطا والعمل الإنساني تاما فلم يستنتج الفرق الجوهري بين \"الصانعين\" \"والحاكمين\" :فالصانع خالق والحاكم مطلق العدل. لذلك فهو يؤول الآية السابعة من آل عمران تأو يلا يجعل الراسخين في العلم قادرين على تأو يل المتشابه ويستثنيهم من حكم الآية بأن كل مؤول للمتشابه يعاني من مرض القلب وابتغاء الفتنة .وجه الشبه بين الرب والإنسان يسيطر على القرآن سيطرة جعلت الفلاسفة الذين يزعمون أنفسهم من الخاصة دون العامة انثروبومورفية إذ كما بين ابن تيمية لا فرق بين نفي المعاني المتجسمة مثل اليد والساق والمعاني الإدراكية المتنفسة مثل الغضب والكلام والمعاني التي يزعمونها من صفاته مثل العقل والإرادة والعلم إلخ.. فكلها انثروبومورفية إذا زعمناها من جنس ما عند الإنسان .فلا وجود لعقل من دون جهاز عصبي ولا وجود لإرادة من دونه ومن دون بدن. وإذن فالمبدأ الوحيد هو أنه ليس كمثله شيء وأن كل معاني القرآن هي 50
-- لإفهام النسب بين المتناهي الإنساني واللامتناهي الإلهي وليس لإفهام حقيقة الله وطبيعة الخلق والأمر. وبهذا المعنى فكل الفلاسفة القائلين بالمطابقة في النظر والتمام في العمل يصح فيهم ما يقوله ابن خلدون في محبي التأله من الطغاة في السياسة :هم طغاة في نظر ية العلم ونظر ية العمل .فلا فرق بين حاكم يتصور أحكامه مثل الأمر الإلهي اطلاقا وعالم يتصور احكامه المعرفية مثل العلم الإلهي اطلاقا. من لم يفهم أن ما نجهله من الطبيعة ومن التاريخ في نسبة اللامتناهي إلى علمنا وعملنا المتناهيين طاغية يرد الوجود إلى الإدراك فيصبح أصم وأبكم واعمى فلا يعقل ولا يمكن أن يفهم تضاريس القرآن التي حيرتني في طفولتي وصارت عندي اليوم عين تضاريس الوجود اللامتناهي إذا نظر إليه في علاقة بالقدرة الخالقة والإرادة الآمرة. إن التصور الأرسطي والأفلاطوني الساذج هو الذي ساد على فلاسفة الإسلام القدامى ومثله اليوم التصور الهيجلي والماركسي السائد حاليا على المحدثين ولم يشذ من القدامى إلا المدرسة النقدية التي رد رموزها الثلاثة الغزالي وابن تيمية وابن خلدون على ابن سينا لما اعتبر الوجود كله حاصلا أولا في العناية الإلهية قبل أن يتعين في الطبيعة جاعلا من الوجود في العناية 51
-- موضوع البحث الميتافيز يقي ومن ثم فقد غير اسمها في الهيات الشفاء من ما بعد الطبيعة إلى ما قبل الطبيعة. ل كنه لم يستنتج من ذلك التحرر من القول بالمطابقة في النظر والتمام في العمل ومن ثم فهو لم يخرج من الرؤ ية التي تأله الإنسان بإطلاق علمه وعمله وجعلهما مطابقين للوجود المطابق للعلم والعمل الإلهيين. 52
-- -الفصل السادس - تونس في 22.05.14 صحيح أن الرب في إلهيات الشفاء لم يبق ربا لا مباليا بالعالم بل أضاف إلى توجه العالم إلى الرب بما يشبه الجاذبية تقدم توجه الرب إلى العالم بما سماه العناية التي يتقدم الوجود فيها على الوجود في الطبيعة. مع وهم تمثيل ما يدركه الإنسان من الطبيعة محيط بها فيكون تمثيله تمثيلا تاما لما في العناية لكأن إدراك الإنسان متطابق مع العناية لتطابقه مع الطبيعة. ل كن لا يمكن لمن قرأ القرآن أن يقبل ذلك .وخاصة إذا قبلنا بأن الطبيعة في حقيقتها في ذاتها مطابقة للعناية الإلهية مشروعا للخلق فإن علم الإنسان لا يحيط بها ل كون علمه ليس محيطا بما فيها من غيب العلم الإلهي المطلق. وعندئذ يصبح من العسير قبول القول بالمطابقة في النظر والتمام في العمل بالنسبة إلى علم الإنسان وعمله بما يفيد بأن الرؤ ية الفلسفية عند المسلمين القدامى تقول بما تقول به الميثولوجيا اليونانية التي ليس العالم المتعالي فيها إلا نسخة من العالم المتداني كما يدركه الإنسان ولا فرق بين غيب وشهادة. ولعل ابرز معنى للإبستمولوجيا والاكسو يولوجيا الحديثتين أنهما اكثر تواضعا من هذين الوهمين :فلا يوجد اليوم بعد النقد ال كنطي غير الحمقى ممن يصدقون 53
-- نكون هيجل الذي زاده ماركس تدنيا وزادته اليعقوبية تعصبا يصدق بأن العلم الإنسان محيط والعمل الإنساني تام بحيث يعتبر الفلسفة عملا مطبقا وتحر يف المسيحية دينا خاتما كثرة كلام الحمقى على العقلانية وعلم الواقع والاحتكام إلى هذيانهم الذي يزعمونه نقدا للدين الإسلامي دليل كاف على أنهم من العامة لخلو ذهنهم بنظر ية المعرفة في الممكن للإنسان من النظر ونظر ية القيمة في الممكن له من العمل خلوا هو علة صلفهم الدال على عدم فهم أن العالم الطبيعي والعالم التاريخي من الالغاز التي من يدعي الاحاطة بهما مجنون دون شك. ما أنسبه إلى المدرسة النقدية هو هدا التمييز الدي غير نظر ية المعرفة في النظر ونظر ية القيمة في العمل فكان بداية القطيعة مع الفلسفة الموروثة عن اليونان تأسيس فلسفة جديدة تجعل العلم اجتهادا والعمل جهادا دائمي التطور وكلاهما تطبيق لمقدرات دهنية إنسانية محتاجة إلى شهادة التجربة لتعتبر علما وعملا يحاكي عادات الأشياء دون إطلاق لاستحالة الإحاطة في النظر والتمام في العمل. تلك هي الثورة التي حصلت في المدرسة النقدية العربية التي ألغت القول بهما للإيمان باستحالة الإحاطة في العلم والتمام في العمل الإنسانيين بسبب عدم 54
-- اقتصار الوجود على المشهود ووجود العيب .ل كنها اهملت لأن الفلسفة كان يحكمها رأي بدايته قولة الفارابي حول العلم الدي اكتمل ولم يبق إلى أن يتعلم و يعلم وغايته قولة ابن رشد بأن كل ما اضيف لفلسفة ارسطو لا صلة له بالعلم. ولما كان هدا قد تكرر بعد نكوص هيجل وماركس دون المدرسة النقدية الألمانية التي يرمز إليها كنط والمفهوم الحد الدي لا يختلف عن القول بما بالغيب أعني التمييز بين الظاهرات والأشياء في ذاتها وحاجة القيمة والعمل إلى مسلمات تستثني مبدأي الدين والأخلاق من الضرورة الطبيعية للإيمان بالحر ية الإنسانية وخلود النفس ووجود الرب وبالتالي إمكانية العدل التام والحساب وهما مسلمتان ضمنيتان لأن كنط لا يجهل أن الإنسان في ما يعلمه وما يعمله ليس حرا وأن النفس ليست خالدة في حياتها الدنيا والمعلوم أن جل كتابته تدحض كل الأدلة على وجود الله باعتبارها مصادرات على المطلوب :وهي مدار رد هيجل عليه في ضميمة دروسه في فلسفة الدين. كان منطلق المدرسة النقدية التي تنفي أن يكون ما في العناية الإلهية معلوما ولا تشكك في أن الوجود مطابق لما أراده الله في عنايته ولما كانت عناية الله 55
-- متجلية في الوجود دون أن يكون علم الإنسان محيطا بها ولا عمله تاما فإن الطبيعة والتاريخ فيهما من الغيب ما لا يحيط به عقل الإنسان في النظر وإرادته في العمل فتكون العناية متجلية في عالم الشهادة دون أن يكون علم الإنسان محيطا ولا مطابقا وعمله تاما ولا مطابقا. ما يجعله علمه وعمله مبنيا على مقدرات ذهنية بعضها ر ياضي نموذجا لعلم قوانين الطبيعة وبعضها سياسي نموذجا لعمل التاريخ وهما علة استخلافه فيكون: ما يعمله اجتهادا وما يعمله جهادا بمقتضى ما يدركه من الوجود الذي يحتكم فيه إلى التجربة الطبيعية في النظر وإلى التجربة التاريخية في العمل دون الزعم أن الوجود قابل للرد إلى ما يدركه منه لما فيه من غيب الحقيقة في العلم وغيب الحق في العمل. ومعنى ذلك أن المدرسة النقدية العربية التي أهملت بسبب فقدان البصيرة هذا هو الذي يجعل الحمقى يتصورون ما يولونه من حقيقة لإخلادهم إلى الأرض عين حقيقة الوجود وأن ما يتعالى عليه من أوهام العامة بحيث يتصورون أنفسهم عقلانيين يدركون الواقع على ما هو عليه ولا يدرون أنهم بذلك اكثر عامية من عامي. 56
-- فقصارى ما توصلت إليه عاميتهم أنهم يمضغون عامية الميثولوجيا اليونانية التي يظنوا ما ترجمت إليه فلسفيا علما محيطا وعملا تاما يمثل حقيقة علمية ولا حق عملي. وما يقال عن فلاسفتنا القدامى وتقليدهم الاعمى للمشائية حتى بعد التعديل السينوي بالأفلاطونية بتوسط الافلوطينية يقال اكثر منه تقليدا اعمى بالقياس إلى فلاسفتنا المحدثين وتقليدهم الاعمى للهيجلية وخاصة بعد التعديل بالماركسية واليعقوبية. فهم يشتركون جميعا في وهمي العلم المحيط والعمل التام لظنهم أن المشهود من العالم هو حقيقته وأن ما يتعالى على علمهم المزعوم محيطا وعملهم المزعوم تاما من أوهام العامة. ل كن التمثيل التكنولوجي والبايولوجي يبقى مفيدا لأنه يساعد على فهم علاقة الأنفس ببعديها العضوي والروحي بالآفاق ببعديها الطبيعي والتاريخي وبحاجة العناصر الأربعة إلى ما بعد من دونه يستحيل فهم الدور الذي تنسبه الآية إلى إراءة الله الإنسان لآياته فيها وثمرتها التي هي تبين حقيقة القرآن من حيث هو شهادة من الله على كل شيء ورد فيه. 57
-- وما يعنيني هو أن الكلام لا يفهم إذا لم تكن الرؤ ية التي تحصل ثمرة لما يصل الآفاق والأنفس في علاقة بما يتعالى عليها تعالي الخالق والآمر إلى المخلوق والمأمور في الوجود هو عين ما يستدل به القرآن استدلالا: أساسه الأول النظام الطبيعي بوصفه قابلا للفهم بإشارة لما هو لا متناه في التعامل مع الحقيقة نجدها في الر ياضيات الكلية التي تؤسس لعلم الطبيعة علما يبقى دائما محدودا لاحتكامه إلى التجربة وأساسه الثاني النظام التاريخي بوصفه قابلا للفهم بإشارة لما هو لامتناه في التعامل مع الحق نجده في السياسيات الكلية وهما مغنيان عن الاستدلال بالمعجزات كما في الرسالات السابقة. المثال التكنولوجي سأبدأ بالمثال الأبسط اي المثال التكنولوجي فلعله يكون أوضح .وليكن مثالنا الهاتف النقال .لما يعمل نفسر ذلك بأمرين بما في جهازه من أعضاء ووظائف .فما الذي يجعله يعمل ثم يتوقف وجهازه سليم؟ إنه نضوب كمية الشحن بالطاقة ال كهربائية في خزينته .فيكون محركه هو مخزون الطاقة ال كهربائية التي يستمدها من خارجه. 58
-- ونفس الشيء بالنسبة إلى السيارة :فمن دون ما تشحن به من طاقة سواء كان من المحروقات أو من الطاقة ال كهربائية .ل كنها لا تتحرك من دون تحرير المحرك بمحرك سابق هو الدافع الأول لمحركها وهو غالبا ما يكون بمخزون يتحرك كهربائيا أو بالدفع اليدوي لانطلاق محرك السيارة. القوة المحركة في كيان الآلة الصناعية والقوة المحركة للجهاز العضوي موضوع التشريح فيصبح مؤديا لوظائفه تأدية لا يكون فيها أي عنصر من عناصر الكيان العضوي قادرا على الفعل بذاته بل هو يقدر على أداء وظيفته بفضل علاقاته ببقية عناصر الكيان العضوي .المحرك الذاتي للكيان العضوي يمكن اعتباره ما يصل نظام بنية الجهاز الصلب Hardwareبما فيه من قدرة على الاستجابة للجهاز اللين Softwareالذي يؤدي دور الجهاز العصبي فيه ول كن دائما بمفعول ما شحن فيه من طاقة. وهو لا ينتج الطاقة المحركة بل هي تأتيه دائما من خارجه أي نظام الأجهزة المنتجة للطاقة ال كهربائية تماما مثل الكيان العضوي في الكائنات الحية التي تشحن بالعناصر الخمسة: أربعة ثلاثة منها ماديا تستمد من المحيط الطبيعي هي الهواء والماء والغذاء 59
-- واثنان منها بتوسط المحيط التاريخي هما الدواء والإخاء أو الولاء الذي من دونه لا يحصلان وحتى الثلاثة الأول فهي يمكن أن تصبح من صنع الإنسان عندما يخرج من مكانه الطبيعي في الأرض كما يحصل بالنسبة إلى من يرحل للفضاء الخارجي الذي لا يمد الإنسان بهما بصورة طبيعية بل لا بد من تدخل التكييف الصناعي للفضاء الذي يحل فيه. المثال البايولوجي وهو الأعسر على الفهم .فلنأخذ أي كائن حي في حالة كونه حيا وفي حالة كونه ميتا .فعضو يا يمكن القول إن الحالتين لا تختلفان عند النظر إلى الجهاز العضوي للكائن. لا واحد من أعضائه فقد في الحالة الثانية والفقدان يتعلق بأدائه لدور وليس لوجوده .فكيف نفهم ذلك؟ ما الذي فقد .فنجرب الآن فصله عن العالم وهو حي قبل أن يموت :فسيموت .ولنسأل ما الذي فقده ل كي ينتقل من الحياة إلى الموت؟ أولا هو يفقد تلقي الأكسيجين بالتنفس في أقصر وقت ثانيا يفقد الماء في مدة اطول 60
-- ثالثا يفقد الغذاء في مدة أطول رابعا يفقد الدواء في مدة أطول أو أقصر بحسب الداء وتلعقه بالوظائف العضو ية أخيرا يفقد الإخاء أو الولاء للعالم الطبيعي والعالم التاريخي لأنه يستمده من الأول بتوسط الثاني دائما وخاصة قبل أن يصبح قادرا على التعامل مع العالم الطبيعي دون حاجة مباشرة لغيره. وللنظر الآن في دور أعضائه التي لها علاقة بهذه العناصر الخمسة :الرئتين والكليتين ونظام الهضم واستخلاف المواد والمناعة ثم الأدوات التي تضخ هذه العناصر بتوسط الدم والتي تصفها والتي تنظمها أي الجهاز العصبي والمخ .فأيها يمكن اعتباره مستقلا بما ينسب إليه من الوظائف؟ فهل يمكن تصور الجهاز العصبي قادرا على العمل من بقية الأعضاء التي يبدو منظما لها مثلا من دون تلقي الدم الناقل للأكسيجين؟ وهل يمكن تصور القلب قادرا على العمل من دون بقية الأعضاء .فيكون أي عضو لا يفعل من دون بقية الأعضاء حتى وإن كان بينها تفاضل ليس في الإبقاء على الحياة بل في المدة الفاصلة عن الموت. 61
-- وإذن فما يحصل في المقارنة بين الكائن الحي وهو حي وبين الكائن الحي وهو ميت هو الوصل بالعالمين الطبيعي والتاريخي وليس أمرا ذاتيا للكائن الحي. وهو امر مضاعف :الانتظام في عمل الكيان الحي بمقوميه العضوي والروحي والانتظام بينه ببعديه وبين عالميه الطبيعي والتاريخي وحاجة الانتظامين إلى محرك خارجي على الأقل وفي البداية لا بد ان يكون خالقا وآمرا. فما يعتبر صادرا عن الكائن الحي هو القدرة على التعامل مع العالمين الطبيعي والتاريخي ومن ثم فلا بد من التحر يك بعد الانشاء ولا بد من الانشاء قبله. وهما معنى الحاجة إلى ما بعد الطبيعة ومنها الكيان العضوي ومما بعد التاريخ ومنه الكيان الروحي فيكون الفرد الإنسان عين المعادلة الوجودية بعناصرها الخمسة أي الطبيعة والتاريخ والبدن والروح وما بعدهما خالقا وآمرا ومحركا تحر يك إبقاء وافناء. والسؤال هو ما الذي يبقي على دور العالمين الطبيعي والتاريخي إذا اعتبرناهما في أداء دورهما هما بدورهما ينطبق عليهما نفس الحالتين أي تصورهما حيين وتصورهما ميتين .فبم يحيان وما الشيء الذي إذا فقداه يموتان؟ 62
-- الحياة والموت هما الآية الأسمى في الدين والفلسفة وهما ما يدور حوله كل الأسئلة الوجودية التي ترد إلى سؤالين يشترك فيهما الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات أي جوهر القرآن أعني: لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟ لماذا يكون الموجود على ما هو عليه بدل غيره؟ والسؤالان هما ثمرة قدرة الإنسان على الفكر الموجه .فهما محددان لشرط الحر ية إذ لولاهما لكان الأنسان غارقا في ما يسمى واقعا ولا يستطيع التعالي عليه فيخلد إلى الأرض فلا يرى وراء الطبيعة ولا وراء التاريخ ولا خاصة وراء كيانه العضوي ما يتعالى عليها جميعا وذلك هو جوهر كيانه الروحي. لولا القدرة التوجيهية لكان ما يسمى الواقع لا بديل عنه ولأصبح الإنسان مثل أي كائن طبيعي خاضع للضرورة العمياء لانعدام القدرة على اعتبارها شرطية: اعتبار الضرورة شرطية يجعلها هي بدورها ناتجة عن فعل حر هو فعل الخالق ويجعل كيفيات المخلوقات ناتجة عن خيار. وهذه الحر ية تكون شرطية عند الإنسان ل كنها لا مشروطة عند الخالق والآمر لأنه على كل شيء قدير في الخلق وفي الامر. 63
-- وذلك هو معنى الديني في الأديان الذي يحول دون اعتبار علم الإنسان محيطا وعمله تاما إذ يتحول الفكر إلى اجتهاد دائم والإرادة إلى جهاد دائم لاختيار أفضل توجيه في الحالتين بمعنى أنه يعتبر أفضل خيار للخلق هو ما وصفه القرآن بالر ياضي الكلي وأفضل خيار للأمر هو ما وصفه القرآن بالسياسي الكلي .وتلك هي البنية العميقة التي وصفتها فصلت 53والتي استخرجت منها المعادلة الوجودية. لو لم يكن الفكر قادرا على تصور الوجود بديلا مختارا من العدم وكيف الموجود بديلا مختار من لا متناهي التصوير -وهو ر ياضي بنية وسياسي إنجازا أي إنهما أفضل الممكن في التصور الإنساني ومطلق الحر ية في الإرادة الإلهية لاستحال على الإنسان أن يكون خليفة .وهو خليفة بحيازته الجاهزين جهاز النظر أو العقل وجهاز العمل أو الإرادة. لذلك فهو يفضل أحد الممكنين الوجود والعدم في تفسير ما يدركه من الخلق وأحد الممكن اللامتناهي -وذلك هو الر ياضي الكلي-في تفسير ما يدركه من الأمر وذلك هو السياسي الكلي. فيكون الر ياضي الكلي إشارة في ذهنه لللامتناهي الممكن من علم الطبيعة و يكون السياسي الكلي إشارة في إرادته للمتناهي الممكن في عمل الإنسان. 64
-- والأول يؤسس علم الطبيعة وشرط الاستعمار في الأرض والثاني يؤسس علم التاريخ وشرط الاستخلاف في الأرض. 65
–– – الفصل السابع – تونس في 22.05.15 وصلنا إلى نتيجة أساسية هي جوهر المشترك بين الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفيات أي جوهر البنية العميقة للقرآن ال كريم من حيث وصله بين بعدي الإنسان العضوي والروحي وبعدي العالم الطبيعي والتاريخي وما ورائهما. فهذه هي المعادلة الوجودية التي هي في آن معادلة علاقة الإنسان بالعالم الشاهد ومنه ما يشهده من ذاته وبما فيها من بعد غيبي فيها جميعا وخاصة في كونها نظاما ملازما للوعي الإنساني سواء كان متعلما ومن الخاصة أو غير متعلم ومن العامة. وحضور هذه المعادلة في الوعي الإنساني حضور بالطبع ر ياضي وسياسي بمعنى أنه حضور إضافي إلى علاقة الإنسان بالعالم الطبيعي وحضور أضافي إلى علاقته بالعالم التاريخي .فالحضور الأول يحكم الاستعمار في الأرض والتبادل بين البشر ل كونهم متعاونين على انتاج معين الحياة العضو ية أي الثروة. والحضور الثاني يحكم الاستخلاف فيها والتواصل بين البشر ل كونهم متفاهمين على انتاج معين الحياة الروحية أي التراث بكل أبعاده العلمية والعملية وتطبيقاتهما. لذلك فالقرآن يتكلم لغة التبادل ولغة التواصل .ويمكن الرمز إلى الأولى بالتبادل والتعاوض العادل ومعياره دور العملة .كما يمكن الرمز إلى الثاني بالتواصل والتفاهم الصادق ومعياره دور الكلمة .وكل المشكل فيه هو: شروط التبادل العادل 66
–– وشروط التواصل الصادق في عالم الشهادة بحدود الاجتهاد في المعرفة والجهاد في العمل بحسن نية والإيمان بوجود رقيب لا تخفى عنه خافية علما بالسرائر .فشروط التبادل والتعاوض العادل والتواصل والتفاهم الصادق كلها رهن وجود من يتعالى على عالم الشهادة الذي لا يعلمه إلا الله. فهو الخالق خلقا نموذجه ر ياضي وهو الآمر أمرا نموذجه سياسي :فالله خالق وشارع يخلق على أحسن صورة و يقضي أفضل قضاء .والقرآن كل كلامه على الله متعلق بهذين المعنيين بوصفهما نموذجان ينبغي أن يتقيد بهما خليفته في عالم الشهاد أي الإنسان. ومن مفارقات هذين اللغتين أنهما تصفان عالم الشهادة كما تصفان عالم الغيب بهذين المفهومين .مع العكس التام لدلالتهما .فالتبادل بالتعاوض العادل في عالم الشهادة يحرم فيه ربا الأموال .والتواصل بالتفاهم الصادق في عالم الشهادة يحرم فيه ربا الأقوال. ل كنهما في عالم الغيب هما القاعدة .والعلة هي أن قيم التبادل والتعاوض التعادل وقيم التواصل والتفاهم الصادق ليس للإنسان منهما في عالم الشهادة ما يكفي من الشروط :فليس له العلم المحيط ولا العمل التام ومن ثم فلا هو عادل العدل الحق ولا هو صادق الصدق الحقيقي. 67
–– في حين أن قيم التبادل العادل وقيم التواصل الصادق لهما عند الله كل الشروط لأن الله له العلم المحيط والعمل التام ومن ثم فهو عادل بإطلاق وصادق بإطلاق. وذلك هو الفرق بين الله والإنسان الذي يصفه القرآن بكونه خصيم الله المبين. بهذه المناسبة فالحروف المقطعة تصبح واضحة الدلالة إذا تحررنا من تخر يف استعمال الحروف في الرؤ ية اليونانية في الحساب البدائي الذي صار في القبالة والاسرائيليات علة للتخر يف حول الاعجاز العددي. فهي ليست كما يتوهم ال كثير دالة على ما لم تشر إليه صراحة السور التي تبدأ بها فيتفاقه القباليون والقائلون بالإسرائيليات بحثا لها عن دلالة اعجاز يخرق النظام بخلاف جوهر الاستدلال القرآني. فهم بهذا الوهم يغفلون عما تعنيه إذا وصلت بالسور التي تبدأ بها لإهمالهم ما تشير إليه بها إشارة صريحة .فهي تشير إلى المدخل الذي ينبغي أن يكون قاعدة دلالتها والقاعدة هي المؤطرة لبقية ما وراد فيها من وظائف الرسالة الخمسة باعتبارها ما به تذكر مما ينساه الإنسان أي بالمرسل والمرسل إليه والرسول والتبليغ ومضمون الرسالة المتعلق بشروط الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها. فكل السور التي تبدأ بالحروف المقطعة تشير إلى وظائف القرآن من حيث هو رسالة تذكير بالمنسي ولا شيء غير ذلك .وبوصفها دالة على المداخل بصوفها قاعدة فهم المعنى الرئيس في السورة فهي ترمز إليه ليكون دليل قراءتها. 68
–– وهي تنقسم إلى خمس مجموعات من واحدة العنصر مثل ن وق إلى ثنائيته مثل طه ويس إلى مثلثته فمربعته فممخمسته .وهي سلسلة الحروف المقطعة الأطول .وكلها مصحوبة مباشرة بالكلام على القرآن من حيث هو رسالة تذكير. لذلك فهي تتكلم على وظائف القرآن الخمسة أعني معنى كونه رسالة تذكير بما هو مرسوم في كيان الإنسان بحيث إن الرسالة لا تقدم ما ليس معلوما للإنسان بل تذكر بما هو معلوم للديه ل كنه ينساه أو يتناساه بسبب غرقه في الاستعمار في الأرض غرقا ينسيه الاستخلاف فيها: • المتعلقة بالمرسل (الله) • والمتعلقة بالمرسل إليه (الإنسان) • والمتعلقة بالرسول (المبلغ) • والمتعلقة بأسلوب التبليغ (التعليم والاستدلال بنظام المعادلة الوجودية) • والمتعلقة بمضمون الرسالة (التوعية بما يترتب على المعادلة الوجودية من كونية الرسالة الفاتحة والخاتمة التي هي الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات). فلا توجد سورة تبدأ بحروف مقطعة منفصلة عن الكلام على الكتاب بهذا المعنى ومن الأمثلة البينة السور التي تبدأ بحم والم والر وطه ويس بص .وق .إلخ. والاستثناء الوحيد هو سورة آل عمران التي تبدأ بالعدد الأقصى من الحروف المقطعة وهي الأيسر تفسيرا لأنها تتعلق بقصة تذكر بلغز خلق آدم الذي نجد في القرآن منه روايتين: 69
–– واحدة تتعلق بخلقه من تراب وقيس على صناعة الفخار بمقياس تكنولوجي بين والثانية باستخراجه من النفس الواحدة وقيس على البايولوجيا قيسا بينا في النساء وفي الاعراف فيكون القصد الرمز إلى بداية الحياة بصورة تقرب من نظر ية بايولوجي انتقل فيها النوع من وحدة الجنسين في كيان واحد هو النفس الواحدة إلى الفصل بينهما فصلا يجعل الأنثى أصلا للجنسين .ولهذه العلة لا نجد كلاما على خلق حواء ما يعني أنها هي النفس الواحدة التي انفصل عنها زوجها وهو المعنى الوحيد لدلالة عيسى وقياسه على آدم وقد كانت رسالته موجهة لنعاج بني إسرائيل الضالةكما قال هو نفسه حسب رواية أحد الأناجيل. كما أن مريم دلالتها الوحيدة هي التذكير بالنفس الواحدة التي خلق منها زوجها ثم تغشاها فولدت منه رجالا كثير ونساء .فما تذكر به هو ما قبل انفصال الجنسين أي النفس الواحدة. وطبعا فالقصة رمزية تحيل إلى أمر غيبي لا يمكن رده إلى التفسير البايولوجي رغم أن الآية تشير إلى أن الروح تمثل لمريم تبشرا سو يا وهو تمثل لا يتنافى مع ما تقتضيه البايولوجيا. لذلك فلو أخذنا أطول بداية بالحروف المقطعة لوجدناها خمسة وهي كهيعص. فالكاف تعني الكتاب أي القرآن والهاء تعني أنه كتاب هداية والياء تعني أنه يهدي والعين للعلم والصاد للصدق. 70
–– والعلم نموذجه الخلق الر ياضي عند رب الخلق والامر لأن الله هو البارئ والصدق نموذجه الأمر السياسي عند الرب الخالق والآمر :لأن الله هو الحاكم. ولو أخذنا أقصر بداية بالحروف المقطعة لوجدنا حرفا واحدا في ن وفي ق. ولو أخذنا الحواميم لوجدناها كلها تبدأ بالحاء والميم حصرا إلا واحدة هي الشورى التي تضيف بعدها العين والسين والقاف .فمن يدرسها يجدها كلها تدور حول معنى الحياة والموت بالنسبة إلى المؤمنين. ل كن الشورى تضيف هذه الحروف الثلاثة لتخصص الكلام في ما يترتب على معنى الحياة والموت من سلوك ينتظم به عالم الشهادة انتظاما يجعل العلاقات بين البشر محكومة: بالتبادل والتعاوض العادل وبالتواصل والتفاهم الصادق شرطين في العيش المشترك السلمي بنظام الدولة والمعاملات التي تحددها الآية الثامنة والثلاثين من نظام الحكم واسلوبه ومرجعيته وغايتهكما شرحتها. فالعين تفيد علوم قوانين الطبيعة شرط الاستعمار في الأرض والسين تفيد سنن التاريخ شرط الاستخلاف فيها والقاف تعني أن ذلك هو مضمون القرآن ال كريم في الوصل بين معنى حياة المؤمن ومعنى موته. 71
–– ولو أخذنا السور التي تبدأ بألم فإنها كلها تتعلق بمعنى علم الله المحيط وعمله التام. وإذا أخذنا السور التي تبدأ بالر فإنها كلها تتعلق بمعنى رقابة الله للإنسان الخليفة ولكل مخلوقاته وهو المعنى من العناية الإلهية التي تجعله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد. وهو جوهر الخلاف بين القرآن وما كان يتبعه فلاسفة الإسلام من مقالة اللام في ميتافيز يقا ارسطو حتى بعد الانقلاب السينوي الذي قدم الوجود في العناية الإلهية على الوجود في الطبيعة تقديم المشروع على الإنجاز ل كن الإنجاز صار محكوما بقوانين الطبيعة وليس بالإرادة الحرة لصاحب المشروع الذي في العناية. ل كن الوصلين مستحيلان لو لم يكن للإنسان جهازان يعملان دائما بالتوجيه :أي إن كل موجود وكل منشود يبقى من الممكن بذاته والواجب أو المستحيل بغيره. وهذه هي خاصة الفكر الإنسان وعلة استخلافه .فالفكر ينبع من هذه القدرة على التوجيه الذي يميز بين الممكن والواجب والممتنع والامكان المطلق يحتوي عليها جميعا لأن الواجب نفسه ما كان ليكون لو لم يكن ممكنا والممتنع أيضا ما كان ليكون ممتنعا لو لم يكن إمكانه قد نفي. وبهذا المعنى فالفكر أوسع من الوجود لتضمنه العدم واوسع من الحصول على نحو معين لتضمنه عدم الحصول عليه .وهما نوعا للامتناهي: فاللامتناهي في الر ياضيات الكلية هو عدم المحسوس في التجربة الطبيعية والذي لا يمكن أن نعلم المحسوس من دونه :جوهر المعاني الر ياضية. 72
–– واللامتناهي في السياسيات الكلية هو عدم المحسوس في التجربة التاريخية والذي لا يمكن أن نعمل المحسوس من دونه :جوهر المعاني الدينية. وهذا هو المشترك بين الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وهو مضمون القرآن من حيث هو فلسفة دين وفلسفة تاريخ تحددان العلاقة بين عالم الشهادة كما يجربه الإنسان في علاقته بالطبيعة والتاريخ خارج ذاته وفي ذاته وعالم الغيب كما يعيه ما بعدا لكل ذلك يشدها خلقا وامرا سواء اعتبر ذاتا قائما بذاتها ومتعالية عليهما كما في الإسلام أو اعتبر قانوانا -نوس-محايثا فيهما كما يغلب على الفلسفة. وبين أن كل من له دراية بعلوم الطبيعة يعلم أن التجربة الطبيعة مستحيلة التصور من دون اللامحسوس الر ياضي الكلي في التجربة الطبيعية وكل من له دراية بعلوم الإنسان يعلم أن التجربة التاريخية مستحيلة التصور من دون اللامحسوس السياسي الكلي في التجربة التاريخية. وهذان اللامحسوسان الضرور يان الأول للفلسفة والعلم الطبيعي والثاني للدين والعلم التاريخي هما حقيقة الفكر الإنساني بل هما حقيقة الإنسان وحقيقة القرآن .فالإنسان هو الكتاب الإلهي الأسمى وتلك هي علة استخلافه. . 73
–– والآن ماذا يثبت المثالان اللذان استعملناهما في الفصل السابق لتيسير فهم المعادلة الوجودية وما يترتب عليها من ضرورة الدولة المجردة شرطا في رؤ ية آيات الله في الآفاق وفي الانفس لتبين حقيقة القرآن؟ نفس الترابط بين عناصر المعادلة الوجودية: فالآفاق هي الطبيعة والتاريخ والأنفس هي كيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي والوصل بينهما هو عين الوصل بين الطبيعة والتاريخ والوصل بين الكيانين العضوي والروحي والوصل بين الوصلين مع ربطهما بما يتعالى عليهما هو سر بقاء الإنسان حيا لأنه يستمد معين قيامه منهما بتوسط بدنه وروحه .ل كن ذلك كله من حيث هو عين فاعلية الكيان الحي عامة لا يمكن أن يكون من دون ما يحركهما من خارج ليجعل الشحن مناسبا للغاية منه. ويحصل الموت عندما يفسد الجهاز العضوي أو الروحي فلا يصبح قابلا للشحن أو لا يكون الشحن كافيا لفاعليته .وقد يعتبر ذلك هو معنى الحياة من حيث مجراها بعد نشأتها ول كن المشكل في نشأتها ونهايتها. كيف تقع الدفعة الأولى التي تبدأ بها تكوينية الحياة مثل التحرك الأول في الآلة الصناعية التي لا بد لها من \"ديمارور\" إما كهربائي أو بالدفع المحرك وكلاهما يأتيان من خارج السيارة مثلا. وهذا هو الذي يسميه الإنسان ما بعد الطبيعة ومنها الكيان وما بعد التاريخ ومنه الكيان الروحي .والمؤمن ينسب ذلك رب مدبر والملحد ينسب ذلك إلى الصدفة. 74
–– ل كن النسبتين لا تختلفان إلا من حيث طبيعة الحاجة إلى منطلق النشأة والفرق ليس في ضرورة الحاجة إليها بل في طبيعتها .فالمؤمن يعتبرها ربا مدبرا لأنه لا يصدق أن تراكم الصدف يمكن أن يصبح نظاما ومن ثم فهو أكثر عقلانية ولا أزعم أنه مطابق لطبيعة الأشياء بل هو مطابق لطبيعة التفسير الإنساني للأشياء. الإنسان بسبب الر ياضيات الكلية والسياسيات الكلية لا يصدق أن تراكم الصدف مهما تكاثر وخاصةكلما تكاثر يصبح غير قابل لأن يكون مصدرا للنظام بمقتضى العقل الإنساني. صحيح أن يمكن بمقتضى اللاتناهي في التراكم وبحسب قانون الأعداد ال كبرى أن يحصل نظام ما ول كن حينها ينبغي أن يكون هذا النظام ما ناتجا عن غائية ما في التكاثر اللامتناهي للصدف. وحينها فإن الملحد هو نفسه يمكن أن يحتج بما ينفي حجته لأنه يجعل الغائية قائدة للتراكم اللامتناهي للصدف ل كي ينتج: الكائن الحي ذا النظام العضوي والروحي الفاعلين في علاقته بالآفاق والأنفس. والعالم المناسب لهذه الحياة ذا النظام الطبيعي والتاريخي في علاقته بما يتعالى عليه. فيكون التفاعل بين الكائن الحي والعالم المناسب للحياة بصورة تنشئها وتحافظ عليها. وهذا ما يقوله القرآن ليذكر به أولا وليبين أنه مرسوم في كيان الإنسان العضوي والروحي وفي عالميه الطبيعي والتاريخي وفي ما يتجلى فيها جميعا من صلة بالرب المتعالي عليها وهي من ثم حمالة لآياته بهذا المعنى. 75
–– ولذلك فالقرآن يخلو من الأدلة على وجود الله لاعتبار المشكل ليس في القول بوجود إله الغني عن الاثبات لاستحالة الشك في وجوده بل الشك يتعلق بوحدانية أي وجود الشرك. أدلة القرآن تتعلق بنفي الشر يك وليس بأثبات وجود الله الذي لا شك فيه عند المؤمن وحتى الكافر إلا في الظاهر لأنه لا ينفيه بل يحيثه فيشرك معه غيره. فيكون الشر يك إما من الطبيعة أو من التاريخ ويرد إلى الصدفة المتراكمة تراكما يخرج منه النظام الذي لا ينفيه أحد وهو جوهر الأديان الطبيعية والميثولوجيات كلها إذ كل قوة طبيعية لها رب محايث فيها هو عين فاعليتها. 76
–– – الفصل الثامن – تونس في 22.05.15 المشترك بين الديني والفلسفي: موضوع القرآن ولب الاسلام؟ إن ما بين الطبيعة والتاريخ من علاقة وما بين كيان الإنسان العضوي وكيانه اللاعضوي من علاقة ثم ما بين العلاقتين من تناظر وحاجتهما إلى ما وراء يضفي على هذه العلاقات معنى المعادلة الوجودية سوا كان الماوراء دينيا أو فلسفيا: ذلك هو المضمون المركزي للقرآن من حيث هو رسالة تذكير للإنسان عامة ولب الرسالة التي يعرفها القرآن بكونها الفاتحة والخاتمة وال كونية في الحالتين فالقرآن يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان عامة تذكيرا حوار يا بينه وبين الرب .ويثبت تاريخ الدين وتاريخ الفلسفة أن هذا الحوار: قد بدأ وظل لحقب مديدة في رد الماوراء إلى ما يعلل به الإنسان الظاهرات الطبيعية وهو أصل كل الميثولوجيات الطبعانية ثم ختم برده إلى ما يعلل به الإنسان الظاهرات التاريخية وهو اصل الميثولوجيات الانثروبولوجية. 77
–– وبين نوعي الميثولوجيا والحقب الأولى والحقب الأخيرة وقع البحث عن الثانية في الأولى ثم البحث عن الأولى في الثانية ولم يتمكن الإنسان من الوصول إلى التعالي الأتم إلا في الإسلام وقد سمى هذه النتيجة بكونها هي الأصل الجامع بين البداية والغاية المحررة من نوعي الميثولوجيا .وتلك هي نهايتهما بوعي صريح لأن القرآن يذكر أن الحجج ضدهكانت بمحاولة رده إلى \"اساطير الاولين\". لذلك فالأصل الجامع تحقق في القرآن تحققا فعليا وتحققا تأو يليا لينتقل من العقد الساذج إلى العقد الواعي بحقيقته تأسيسا لدلالة السلطان الإلهي الموحد للنظام الطبيعي والسلطان الإلهي الموحد للنظام التاريخي. ورمز التحقق دون وعي بدلالته الفلسفية يمثله نوح بداية وموسى غاية .ل كن التحقق الواعي بدلالته الفلسفية هو التأو يل الابراهيمي والتأو يل المحمدي كما ورد في القرآن ال كريم. فالتحقق الأول عند نوح لم يدرك دلالته الفلسفية إلا إبراهيم والتحقق الثاني عند موسى لم يدرك دلالته الفلسفية إلا محمد. 78
–– لذلك كان لا بد أن يكون التأو يل الثاني توضيحا للتأو يل الأول وبهذا المعنى كان محمد إبراهيم الثاني لأنه مثل الغاية الجامعة بين الثورتين ثورة نوح بتأو يل إبراهيم وثورة موسى بتأو يل محمد. ولما كان محمد جامعا بين الثورتين فهو يعد إبراهيم الثاني .وتلك هي الحنيفية التي هي المشترك بين الديني والفلسفي: أي إن الطبيعة فقدت قدسية التأليه الميثولوجي الطبعاني التي كانت لها قبل ثورة التأو يل الإبراهيمي لأفول الافلاك. والتاريخ فقد قدسية التأليه الميثولوجي الانثروبولوجي التي كانت له قبل ثورة التأو يل المحمدي لطغيان الحكام. لم يبق مقدسا إلا الماوراء المطلق الواحد الاحد الذي لا شر يك له لا من الطبيعة (قوة الطغيان الطبيعي) ولا من التاريخ (قوة الطغيان السياسي). وذلك ما سأبينه في الفصل المقبل بشرح هذين الثورتين اللتين حصلتا مرتين كما يصفهما القرآن: الأولى غير واعية ويمثلها نوح بداية وموسى غاية وهما حدا سورة هود والثانية واعية لأنها تأو يل للأولى عند ابراهيم وللثانية عند محمد. 79
–– فإبراهيم أول ثورة نوح التي صارت تحررا من طغيان الطبيعة والرمز طغيان الطوفان وعقلية الرحم الجزئي (ابن نوح وزوجته). ومحمد أول ثورة موسى التي صارت تحررا من طغيان الحكام والرمز طغيان فرعون والعقلية السحر ية (سحرة فرعون). وعاد محمد إلى تأو يل إبراهيم ليجمع بين التأولين و ينهي الشرك الطبيعي والشرط الانثروبولوجي (طغيان الدولة المستبدة) :فصار التحرر يجمع بين التحرر من طغيان الطبيعة التي تتاله ومن طغيان الحكام الذين يتألهون. ولهذه العلة فالقرآن يمثل رؤ ية المشترك الديني والفلسفي الفاتح والخاتم ولا يمكن أن يكون إلا التذكير بالرسالة ال كونية بين: مرسل هو الله المتعالي الوحيد الذي لا شر يك له لا من الطبيعة ولا من التاريخ. ومرسل إليه هو الإنسان بصورة عامة دون فرق عرقي أو طبقي أو جنسي ومبلغ لا يدعي أكثر من كونه إنسانا يوحى إليه و يعلم الغيب وليس وسيطا ولا وصيا وطر يقة تبليغ لا تدعي العلم بالغيب وعمادها التصديق والهيمنة بمنطق فصلت 53 80
–– وأخيرا رسالة تؤسس ليس لعلم يستخرج من شرح النصوص بل تدعو إلى البحث عن حقيقة القرآن فيما يرينا الله من آياته في الآفاق (الطبية والتاريخ) وفيا الانفس (كيان الإنسان العضوي واللاعضوي) بل: لرؤ ية ابستمولوجية تعتبر الر ياضي إشارة تذكر الإنسان بنظام الخلق ورؤ ية أكسيولوجية تعتبر السياسي إشارة تذكره بنظام الأمر دون أن يبلغ إلى تحقيق النموذجين المشار إليهما بهما أي نظام الخلق ونظام السياسة الإلهي لأن علم الإنسان ليس محيطا وعمله ليس تاما وتلك هي القطيعة الثور ية مع الفكرين الديني والفلسفي القديمين أي مع الرؤ ية الساذجة التي تقول بالمطابقة المعرفية لكأن العقل مرآة عاكسة عكسا تاما لما يسمونه الواقع والإرادة قدرة مطلقة تحقق ما تتمنى: فإدراك الأصل بمنتهى الوعي بداية كان رمزه التحرر من عبادة الأفلاك وقد نسب القرآن هذا الادراك إلى إبراهيم برمز آيات الأفول التي تعني التحرر من عبادة الافلاك (الأنعام .)76 وإدراك الأصل بمنتهى الوعي غاية كان رمزه التحرر من عبادة الطاغوت وقد نسب القرآن ذلك إلى محمد برمز تحرير العبيد من طاغوت التاريخ برمز آية تبين الرشد من الغي (البقرة .)256 81
–– لذلك كان إبراهيم رمز نهاية الميثولوجيات الطبعانية وكان محمد نهاية الميثولوجيات التاريخانية: فوعي ابراهمي بأن الأفلاك من الأوافل ولا يمكن أن تكون سرمدية وإلهية ووعي محمد بأن الدول من الأوافل ولا يمكن أن تكون سرمدية وإلهية تل كما هما الثورتان اللتان تمثلان لب القرآن واللتان ينبغي أن تجمعا بين الفلسفي والديني فكان لا بد من أن يعلمنا القرآن بأن: الخلق نظام ر ياضي به دبر الرب نظام الطبيعة وكيان الإنسان العضوي والأمر نظام سياسي دبر به الرب نظام التاريخ وكيان الإنسان الروحي ومن ثم فما رواء المعادلة الوجودية هو معنى الربوبية الواحدة الذي هو: المدبر الخالق بنظام يشير إليه القرآن بالر ياضيات الكلية التي هي في آن نموذج السرمدية التي يشرئب إليها الإنسان في الاستعمار في الأرض باعتباره تعاملا مع الطبيعة لتحقيق شروطه. والذي هو المدبر الآمر بنظام يشير إليه القرآن بالسياسيات الكلية التي هي في آن نموذج السرمدية التي يشرئب إليها الإنسان في الخلافة في الأرض باعتبارها تعاملا مع التاريخ لتحقيق شروطها. 82
–– تلك هي المعادلة الوجودية التي لا يمكن أن يوجد إنسان مهما كان أميا لا تلازمه في وعيه في اليقظة وفي المنام .وذلك هو القصد بكونه قد فطر على الإسلام حتى وإن لم ينتسب إلى المعنى الرسمي من الإسلام من حيث هو حضارة معينة .فهذه الرؤ ية الدينية هي الأصل في وعي الإنسان بذاته وبموقعه في العالم. وكل التعبيرات الدينية المختلفة هي تعين من هذا المعنى أو هي بصورة أدق تحر يفاته لأنها شرك يعتبر احد هذه العناصر الأربعة مؤديا دور المتعالي في الشاهد كما في دولة الفراعنة وفي الغيب كما يتأسس عليه تأليه أي شيء من تأليها الطبيعة أو من لتاريخ أو تأليه الإنسان عضو يا وروحيا تابع لتأليه الطبيعة والتاريخ وهو اصل كل الشركيات بما في ذلك ما يقرب منها أي الأولياء والموتى. وقد ترددت الرؤى الميثولوجية والفلسفية بين تغليب هذه أو تلك منها فحددت الرؤ ية الفلسفية لتأسيس نظر ية المعرفة والنظر لتأو يل الوجود ولتأسيس نظر ية القيمة العمل لتأو يل المنشود تأو يلا استند إلى المطابقة لما ظن الوجود والمنشود شفافين والعقل والإرادة مطلقين. 83
–– وما لا يخلو منه وعي الإنسان أيا كان مستواه هو الوعي بعلاقة التناهي في الاله واللاتناهي في المألوه بالقياس إلى الفرق بين ما يستطيع وما يتمنى أن يستطيع أن يستطيع في النظر والوجود الحقيقي وأن يستطيع في العمل والمنشود الحق. وتلك إشارة الوعي باللاتناهيين المتجاوزين للتناهيين في كيانه العضوي والروحي إلى المابعد الذي هو الرب الخالق والآمر في الرؤ ية القرآنية التي أهملها فلاسفتنا القدامى لتبنيهم نظر ية المحرك الذي لا يتحرك في الرؤ ية الأرسطية ما يجعلهم بقصد أو بغير قصد طبعانيين قائلين بالميثولوجيا اليونانية التي تؤله الظاهرات الطبيعية حتى وإن اعتبرتها خاضعة للنوس في النظر ية التي ردها إليها أرسطو .والنوس يفيد إما القانون العقلي دون أن يكون مل كة لموجود معين أو العقل نفسه. ومن يقرأ مقالة اللام من الميتافيز يقا يدرك أن اثبات المحركة الذي لا يتحرك وتسميته نوس مصحوب بما ينفي عنه التعين كذات ما يعني أنه قانون وليس عقل يشرع لقوانين .وادلته على المعنى كلها من جنس علم الكلام السلبي للتعين القيامي لذات عاقلة. 84
–– ولولا هذا الفرق بين الرؤيتين للربوبية لاستحال على المدرسة النقدية العربية أن تتجاوز القول بالمطابقة في النظر والتمام في العمل والتخلي عنهما موروثين من الصوغ الفلسفي للميثولوجيا اليونانية لتغيير رؤ يتها في الإبستولوجيا والأكسيولوجيا تغييرا يجعل العلم اجتهادا غير محيط والعمل جهادا غير تام ومن ثم فكلاهما في تطور دائم متناسب مع مقدار الاحتكام إلى التجربة لاختبار مقدراته الذهنية ولا يمكن لهذه أن تكفي لمعرفة الحقيقة ولا لإحقاق الحق حتى لما تؤيدها التجربة التي تطلعنا على عادات الأشياء سواء كانت طبيعية أو تاريخية دون ان تضمن ثباتها وعدم تغيرها ومن ثم فالقول بالحتمية السببية ليس ممكنا من دون مصادرة على المطلوب ما دمنا ليس عندنا ما يثبت أن هذه العادات لن تتغير وستبقى على مجراها الحالي. ومن مساءلة الحتمية السببية بدأ النقد عند الغزالي وتواصل عند ابن تيمية وانتهى إلى غايته الأكثر صراحة عند ابن خلدون الذي قال ما لم يقله قبله ولا بعده أحد بالوضوح الخلدوني المعرف للسببية في الفصل العاشر من الباب السادس المخصص لعلم الكلام-في اللطيفة التي بدأ بها الفصل بوصفه متكلما سنيا تجاوز مجرد المؤرخ لعلم الكلام السني -مبينا أن مصدرها العادة مع 85
–– استحالة الحد من الذهاب في سلسلتها والجهل بطبيعة التأثير السببي وهي تعود إلى الاقتران في الظاهر من المحسوسات. والمانع من الذهاب إلى الغاية في الترابط بين ما يتصور معلولا وما يتصور علة يقتضي العلم بالكل لمعرفة الجزء والكل بمنطق استنتاج العلة من المعلول منطقيا يعني استنتاج اللازم من الملزوم وهو ما يعني اللاتناهي بين المتلازمات إذ إن كل ملزوم له لازم إلى غير غاية ولا توجد علة لإيقاف لا تناهي التسلسل إلا بالدور إذا تصورنا اللوازم متناهية .فيكون الباعث إلى ذلك هو المقابلة بين نوعي العلم الإلهي والإنسان ونوعي العمل الإلهي والإنساني. وتلك هي القطيعة التي احدثتها المدرسة النقدية العربية قبل المدرسة النقدية الألمانية بداية عند الغزالي رغم نكوصه إلى اتباع ابن سينا والقول بال كشف الصوفي ما جعله يعود إلى القول بالمطابقة والتمام. ل كن ابن تيمية في فلسفة النظر وابن خلدون في فلسفة العمل عادا إلى ما موقف الغزالي الأول من السببية موقفه الذي بناه على فرضية مفهوم حد هو طور ما وراء طور العقل ثم تخلى عنه بحل صوفي مفاده أن الثقة في الأوليات عادت إليه بنور قذفه الله في القلب (المنقذ من الضلال). 86
–– وبفضل القطيعة التي استأنفها ابن تيمية صار العلم الوحيد البرهاني والخالص والمحض هو علم الر ياضيات من حيث هو مقدرات ذهنية وليس من حيث هو وجود في العناية الإلهية الخالقة والتي استأنفها ابن خلدون صار العمل الوحيد البرهاني والخالص والمحض هو علم السياسيات من حيث هي مقدرات ذهنية وليس من حيث هو هي وجود في العناية الإلهية الآمرة لأن سر الخلق والامر من الغيب ولم يبق إلا الاحتكام إلى ما ندركه من \"عادات\" الأشياء وهو إدراك تاريخي ومتطور لا يمكن أن يصبح محيطا معرفيا في العلم وتاما قيميا في العمل الإنسانيين. فيكون التحول الإبستمولوجي والأكسيولوجي في الرؤ ية الفلسفية ناتجا عن الرؤ ية الدينية التي تغيرت من المقارنة بين صانعين ومشرعين دون تمييز بينهما في فعل الصنعة وفعل التشر يع إلى التمييز بينهما باللاتناهي عند الرب والتناهي عند الإنسان بمقتضى ما نعلم عن صنع الإنسان وتشر يعه وما نجهل من صنع الله وتشر يعه .فيكون الانتقال من العلم المطلق إلى الاجتهاد ومن العمل التام إلى الجهاد هو الثورة الأولى: في نظر ية المعرفة التي لم يعد فيها العقل مرآة عاكسة للوجود وكأنه مطلق الشفيف الذاتي 87
–– وفي نظر ية القيمة التي لم تعد فيها الإرادة الإنسانية مشرعة للمنشود وكأنه مطلق التحديد القبلي. وما مفهوم اللاتناهي الر ياضي واللاتناهي السياسي إلا ما في الإنسان من إشارة إلى ما وراء تناهيه في النظر وفي العمل اللاتناهي أي عجزه عن العلم المحيط والعمل التام. والتجربة الطبيعية والتجربة التاريخية كلتاهما تبقى دائما دون التقدير الذهني في علم الحقيقة والتقدير الذهني في عمل الحق :فلا توجد تجربة طبيعية تطابق بإطلاق المعاني الر ياضية الكلية ولا توجد تجربة تاريخية تطابق المعاني السياسية الكلية .وهو ما يعني أن الوجود معرفيا والمنشود قيميا كلاهما يتضمنان ما لا يقبل الرد إلى اقصى من يمكن أن يتخيله العقل والإرادة الانسانيين. لا وجود لمطابقة وتمام بين ما نقدره ذهنيا وما ندركه حسيا من الطبيعة ومن التاريخ فيبقى المعقول النظري من حيث هو تقدير ذهني للحقيقة إشارة لوجودها دون القدرة على عملها وهو جوهر الفلسفي في الفلسفات وهو المؤسس للعلم من حيث هو علم وتطبيقه التقني لصوغ مثال قانون الطبيعة الأسمى والمعقول العملي من حيث هو تقدير ذهني للحق إشارة لوجوده دون 88
–– القدرة على عمله وهو جوهر الديني في الأديان والمؤسس للعمل من حيث هو عمل وتطبقه الخلقي لصوغ مثال قانون التاريخ الأسمى. والدولة المجردة تجمع بين الإشارتين إلى المثالين الأعليين اللذين يشير إليهما التقدير الذهني للحقيقة والحق وكأنهما يشيران إلى المثالين الأعليين من الرب من حيث هو خالق للوجود وشارع للمنشود وكأنهما فطرة الإنسان متعينة في كيانه العضوي والروحي ليكونا محتو يين على وحدة قياس للمثالين الأعليين في علاقة الإنسان بالطبيعة ممثلة بالأرض وبكيانه العضوي وهما وحدة قيس للعالم كله بحيث إن قطع مسافة في زمان طوله خمسين الف سنة من زمان أيام الأرض. ولما كان ال كرسي يسع السماوات والأرض فهو رمز اللاتناهيين لأن ال كرسي الذي يسع العالم فيكون رمز اللاتناهي المحيط بالعالم المتناهي و يكون الإنسان مدركا لهذه العلاقة دون العلم بكيف الحقيقة في الخلق ولا بكيف الحق في الأمر .فيكون ال كرسي الذي يسع السماوات والأرض هو ما ترمز إليه في الإنسان علامة على كونه خليفة بما لديه من إشارة على هذه العلاقة بين النظر والعمل المحدودين المحيلين على النظر والعمل اللامحدودين اللذين يرد 89
–– إليهما الخلق والأمر الإلهيين .وحتى الملحد فإنه يميز في ما يؤلهه من الطبيعة مثلا بين الطبيعة المطبوعة والطبيعة الطابعةكما يفعل سبينوزا مثلا لتكون الأولى هي الحاصل من التطبيع والثانية هي الطابعة فتكون في نفس العلاقة بين الله والعالم عند المؤمنين .الالحاد مستحيل وإنما هو شرك لا واع. ولأن الالحاد مستحيل خلا القرآن من الأدلة على وجود الله. وكثيرا ما يتردد على لسان المسلمين \"افي الله شك\" وه عبارة تعني الوعي بالاستغناء عن اثبات وجوده لله الذي لا شك فيه ولها نفس دلالة ما يتردد في القرآن جوابا من المشركين \"ليقولن الله\" كلما ُسئلوا عما يحدث في العالم من فاعله. 90
–– – الفصل التاسع – تونس في 22.05.17 وعدت بشرح الثورتين في شكلهما الساذج وفي شكلهما المؤول تأو يلا يتجاوز سذاجة مجراهما الأول أحداثا لم ترتق إلى الوعي بدلالتهما المتعالية عليه إلى الوعي بهما ثورتين: أولاهما انسبها إلى إبراهيم الأول الذي لا هو يهودي ولا هو مسيحي بل حنيفي والثانية إلى محمد إبراهيم الثاني متجاوز العرقيات والهو يات الجزئية إلى الحنفية ال كونية. فما أنسبه إلى محمد هو الوعي بالوعيين واكتشاف المشترك بين الديني من حيث هو جوهر الروحي والفلسفي من حيث هو جوهر ا لعقلي .فكان القرآن لذلك فلسفة الديني في الأديان ودين الفلسفي في الفلسفات. وتلك هي دلالة المعادلة الوجودية التي هي مركز كلام القرآن كله كما صاغتها الآية الثالثة والخمسين من فصلت في الوجود الخارجي وكما صاغتها سورة العصر كلها في كيان الإنسان فردا وجماعة. والصوغ الأول هو المعادلة الوجودية والصوغ الثاني هو المعادة الخلقية فالإنسان من دونهما يكون في الخسر ولا يخرج منه فرديا إلا بالإيمان بما يتعالى على الغرق في الاستعمار في الأرض بالعمل الصالح فيه فيتحرر بقيم الاستخلاف التي تكون: 91
–– نظام الجماعة الاجتهادي لمعرفة الحقيقة دون الاحاطة بها (التواصي بالحق) ونظام الجماعة الجهادي لتحقيق الحق دون التمام فيه (التواصي بالصبر). والاجتهاد هو علم الحقيقة بالاشرئباب للر ياضيات الكلية التي ينتظم بها الوجود الطبيعي والجهاد هو عمل الحق بالاشرئبات للسياسيات الكلية التي ينتظم به الوجود التاريخي. ولو تخلص فكر المسلمين من ميثولوجيا اليونانيات الطبعانية ومن ميثولوجيا الإسرائيليات الانثروبولوجية لأمكن لهم اكتشاف قص القرآن للثورتين والتأو يلين اللذين أذكر بهما الآن هنا وقد أشرت إليهما في الفصل السابق ووعدت بيان ذلك من خلال شرح سورة هود .وسأفترض أن القارئ له الشجاعة الكافية لفتح المصحف الشر يف وقراءتها وفي ذهنه ما سأحاول بيانه ثم الحكم بعد ذلك. فالسورة تبدأ بنوح والثورة التي كلفته بها الرسالة :توثرة التحرر من طغيان الطبيعة ممثلا بالطوفان ودور علاقته بأسرته. وهي تنتهي بموسى وثورة التي كلفته بها الرسالة :ثورة التحرر من طغيان التاريخ ممثلا بتأله فرعون ودور علاقته بسحرته. ل كن التحررين كلاهما بقيا حدثين ففهم الأول دون وعي بسبب ميثولوجيا اليونانيات وفهم الثاني دون وعي بسبب ميثولوجيا الاسرائيليات. 92
–– فكان التأو يل القرآني النقدي الذي حررهما من الطبعانية اليونانية والتاريخانية الإسرائيلية ليصلها بالسرمدي وال كوني فيجعلهما ثورتين كونيتين تحددا مضمون الرسالة الفاتحة والخاتمة بأبعادها الخمسة التالية: • المرسل :الله الذي يتعالى على الطبيعة وعلى التاريخ ولا شر يك له • المرسل إليه :الإنسان المستخلف عامة دون مفاضلة بغير التقوى • الرسول المبلغ :إنسان عادي لا يعلم الغيب وليس وسيطا بين الإنسان وربه ولا وصيا بينه وشأنه. وهذا هو قلب الرحى في القرآن وجوهر الثورة المحمدية التي قلبت ما كان ميتافيز يقا في سابقا يصبح ميتا اخلاق ينتظم بها شأن الإنسان الروحي والسياسي بما جهز به من جهاز النظر ليتمكن من الاستعمار في الأرض وجهاز العمل ليتمكن من الاستخلاف فيها. • منهج التبليغ :تعليم نقدي يكتفي برؤ ية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس • مضمون الرسالة :التذكير بشروط الاستعمار في الأرض امتحانا لعلاقة الانسان بقيم الاستخلاف التي هي وصل متناهي عالم الشهادة بلامتناهي عالم الغيب: وهو وصل لا يكون من دون الر ياضيات الكلية الممكنة من إدراك النظام في تجربة الطبائع والسياسيات الكلية الممكنة من إدراك النظام في تجربة الشرائع. وبين ثورة نوح بداية وثورة موسى غاية نجد خمسة رسل بين الاثنين الاولين والاثنين الأخيرين نحد إبراهيم وقبله هود وصالح وبعد لوط وشعيب. 93
–– الحبكة في الرسالة هي عين الثورة المحمدية من حيث هي المشترك بين الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات وعلاقة محمد بإبراهيم وبالثورتين وبالمعادلة الوجودية التي حددتها سورة فصلت آيتها الثالثة والخمسون في نظر ية المعرفة ونظر ية القيمة: ومن ثم فهي تعرض رؤ ية ابستمولوجية واكسيولوجية هي المشترك بين الديني والفلسفي من حيث هو أدوات تحقيق الاستعمار في الأرض (علاقة بالطبيعة) والاستخلاف فيه (علاقة بالتاريخ) بفضل التحرر من الميثولوجيتين. لنأخذ الآن ثورة إبراهيم :في القراءة التي لم تتحرر من الميثولوجيتين المشكل هو عقاب الله للبشر بالطوفان فيكون طغيان الطبيعة آية عقاب. ل كن المشكل في القرآن هو ما به نجى الله البشر من طغيان الطبيعة فيكون جوهر الرسالة هو العلاج الذي قدمه نوح لإشكالية الطوفان أي الحل العلمي التقني (صنع السفينة) والحل العملي الخلقي (عدم حصر الامر في أسرته): فالحل العلمي التقني مضاعف وهو صنع السفينة ونشأة الزراعة الإنسانية .فقد أمره الله بأن يصنع السفينة وأن يأخذ من كل زوجين اثنين طبعا ليستنبتهما فتكون الرسالة دعوة للإيمان بالعلم وتطبيقاتها للتغلب على طغيان الطبيعة. والحل العملي الخلقي :بيان تفاهة الانشغال بما هو ذاتي شخصي ببيان سطحية العلاقة العضو ية بين نوع وابنه أي بما يفسد كونية الرسالة خلطا بين الذاتي الخاص وال كوني العام .فنهاه ربه واعلمه أن زوجته خائنة وأن الابن ليس ابنه. 94
–– ومعنى ذلك أن الوجه الثوري في الرسالة لم يكن واعيا بدليل قراءته الإسلامية قراءة ميثولوجية يونانية (تفسير الفلاسفة) واسرائيلة (تفسير المتكلمين والمتصوفة والفقهاء) فاعتبر الدال فيها هو انتقام الله من البشر بالطوفان وليس تمثيلا لما يهدي إليه من علاج لطغيانها .والله لا ينتقم من أحد بل هو يرسل من يقدم ا لحل لما يمكن أن يعوق تحقيق الاستخلاف .وقدم الحرص على الرحم الجزئي على الرحم الكلي والله لا يميز بين البشر بالقرابة .وهو مما لا يناسب خطاب الله للإنسان عامة دون تفضيل أساسه القرابة. فالرحم الجزئي ليس هو المقدم في الرسالة بل الرحم ال كوني أي دور تحرير الإنسان عامة وليس الأهل فحسب إذ يمكن للرحم الجزئي أن يكون خدعة في حين أن الرحم ال كوني لا جدال فيه .وذلك هو موضوع الآية الأولى من النساء حيث يقدم الرحم الكلي على الرحم الجزئي. ونفس الأمر تكرر مع موسى .فرعون لم يكن مستعبدا لبني إسرائيل وحدهم ولم يكن له سحرة ضدهم وحدهم بل كل المصر يين صاروا عبيدا له بعد أن طبق نصيحة يوسف في الرواية التوراتية لقصته إذ هي بخلاف الرواية القرآنية نصحه بعد تأو يل حلميه بأنه عليه أن يخزن صابة السنوات السمان للسنوات العجاف ثم يشتري من مال كي الأرض من المصر يين ارضهم مقابل الغذاء فيجعلهم اقنانا بعد أن كانوا أحرارا. 95
–– ل كن موسى في فهم الرسالة بالميثولوجيا التوراتية قدم الرحم الجزئي على الرحم الكلي وطلب السماح بهجرة بني إسرائيل وتحقق له ذلك ل كن النتيجةكانت أخطر مما كان عليه الامر مع الفرعونية. فقد تمسك الإسرائيليون بمحاكاة الفراعنة وعمموا العبودية بعبادة العجل معدنه وخواره وصاروا يستعبدون العالم كله بهما سيطرة على البشر كلهم بربا الأموال وربا الأقوال بحيث صارت السياسة بالأساس خاضعة لنظام الأبيسيوقراطيا التي يحكمها سلطان المال وسلطان الاعلام الفاسد الذي لا ينصر إلا الباطل باطل المافية المسيطرة على رمز الثورة العملة برمز التراث الكلمة. وليس في أقول عن ثورة رسالة نوح ولا عن ثورة رسالة موسى قدحا في الرسالتين بل الكلام هو على ما حصل في تأو يلاتهما المبني على سوء فهم معنى التحر يف الذي ينقده الإسلام بمنطق التصديق والهيمنة والمشكل لا يتعلق بالنصوص بل بالتأو يلات التي استمدت من التحر يف والاسرائيليات في الدين ومن التحر يف واليونانيات في الفلسفة. فبدلا من التأو يل المعتمد على النقد بمنطق التصديق والهيمنة الذي يعني أن كل ما يتنافى مع كونية الرسالة الفاتحة والخاتمة يعتبر من التحر يف وهو إما من الإسرائيليات دينيا أو من اليونانيات فلسفيا صار القرآن نفسه يقرأ بهذين النوعين ممن التحر يف عند العلماء ذوي المرجعية الدينية وعند العلماء ذوي المرجعية الفلسفية.. 96
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118