-- فالمعلوم أن كل إنتاج مشروط بإنتاج شروطه قبله ليوجد وبإنتاج مشروطاته بعده ليبقى ويستمر :فكل إنتاج سوق للإنتاجات المشروطة فيه وكل ما هو مشروط به من بعده هو سوقه .فيكون من التعاون بين أصحاب الإنتاج الأوسط مع اصحاب الشارط وأصحاب المشروط ليكون تمويل الاستثمار خاضعا لنفس هذا الترابط .وسأخصص دراسة لهذا الحل الذي يغني عن النظام البنكي بالربوي وهو غير خدعة ما يسمى بالبنك الإسلامي الذي هو أكثر ربوية من البنك اللاإسلامي. ويمكنني أن أزعم أن الإسلام يمكن أن يحرر الإنسانية كلها من النظام البنكي دون أن يزيل الحاجة إلى التمويل شرط كل استثمار ومن ثم شرط كل تعمير وذلك بآلية تغني نهائيا عن مافية مافيات العالم كلها أعني ملاك البنوك (معدن العجل) وبالتبعية ملاك السيطرة على الثقافة من حيث هي فاعلة وعلة غائية للاقتصادي أي البحث العلمي والفنون .لتصبح هذه جميعا تابعة لهذا المنطق التعاوني القابل للتطوير بصورة تجعله أكثر فاعلية من النظام البنكي والإعلامي الحاليين شرطين للتبادل والتواصل في تفاعلهما الموجب الذي أصف بعض تجلياته في هذه المحاولة. وهذان هما بابا الإنفاق من الرزق في القرآن طبعا مع ما يتعلق بما تحتاج إليه الدولة لحماية الجماعة ورعايتها .وهذا في الحقيقة فرع عن الأولين :فحماية الجماعة لا تكون بالجيش ورعاية بالخدمات إلى إذا كانت الأمة قد أعدت كيانها العضوي (بناء الإنسان بدنيا) والروحي (بناء الإنسان روحيا). وهنا نكتشف السر .فـما الذي يوجد في الإنسان يجعله يصبح هو صاحب السلطان على العلمة والكلمة بدلا من أن تكونا هما ذاتي السلطان عليه؟ فلا يتحرر الإنسان من سلطان رمز الفعل وفعل الرمز على غيره إلا إذا صار هو ذا سلطان عليهما لأن تسلطه بهما على غيره علته سلطانهما عليه. ولكي يفهم القارئ ذلك فالبخل يجعل الأب يحرم أبناءه والبخل يحول دون الإنفاق لوجه الله فيكون رياء إن حصل .والبخل هو سلطان المال على صاحبه .ونفس الشيء يقال عن أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- الخداع بالقول أو النفاق .فالنفاق هو الخداع بالقول الذي يظهر عكس ما يبطن وفيه يصبح حتى الفعل طعما لتمرير الخداع القولي وهو مرض ذاتي. وإذن فالعلاج القرآني لهذين المرضين علاج نفسي عميق وهو مبني على رؤية خلقية لعلاقة الإنسان بأداتي التبادل والتواصل وانقلابهما إلى سلطان على المتبادلين والمتواصلين بسبب سلطانهما على صاحبهما :ولهذه العلة فلا يمكن لحاكم أن يسيطر ماديا ما لم يكن معه مرب مسيطر روحيا على جماعة من العبيد. ولذلك فالشورى 38وصلت البداية (العلاقة المباشرة بالرب) بالغاية (الإنفاق من الرزق) بوسط بينهما يحدد طبيعة الحكم (الأمر أمر الجماعة) وأسلوب الحكم (شورى بينهم) .ولم يفهم علماء الإسلام ذلك وإلا لما حرفوا الشورى ليجعلوها مشورة اختيارية يقدمها مفتي السلطان للإيهام بأنه يطبق شرع الله. شرع الله لم يقل الشورى مشورة المفتي اللحاس للسلطان المستبد والفاسد بل قال \"شورى بينهم\" .ولم يقل الامر أمر أولي الأمر بل قال \"أمرهم\" .فالأمر أمر الجماعة والشورى شوراها .ولا يكون ذلك كذلك إلا لمن استجاب لربه وأنفق من رزقه .ولا يوجد بين الرب والمؤمن وسيط وبينه وبين رزقه وصي. اقتربنا من الجناح الثاني في معادلة تصنيف النخب .مررنا من الجناح السابق على القدرة لأنه علة فاعلية (الإرادة والمعرفة) وتكلما على القدرة المادية والروحية أو الاقتصاد والثقافة فتين لنا أن الكلام لا يمكن أن يكون كافيا من دون الذهاب إلى الجناح اللاحق الذي هو العلة الغائية (الوجود والحياة) أي الرؤية الوجودية والذوق. وها قد رأينا أن الرؤية والذوق كلاهما متصل بالتفاعل بين رمز الفعل (العملة التي هي رمز الثروة والاقتصاد المادي واللامادي) والفعل الرمز (الكلمة التي هي رمز التراث والثقافة العلمية والذوقية) وما يحدث بينهما من تفاعل يمكن أن يتحول إلى سلطان استبداد وفساد أو سلطان حرية وصلاح بالرؤية .ورأينا طبيعة التحولين في دور العملة والكلمة من أداتين إلى سلطانين: أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- .1فالتحول الذي يجعل العملة مولدة لسلطان على المتبادلين هو الربا في المتاجرة بالعملة. .2والتحول الذي يجعل الكلمة مولدة لسلطان على المتواصلين هو الخداع بالقول النافي للفعل. وقد شخص الإسلام هذين الداءين كما هو بين من حكم الربا (حرب الله) وحكم القول المغاير للفعل (المقت الأكبر) وقدم بديلا هو الإنفاق من الرزق أساسا ماديا وروحيا وتطابق القول والفعل. أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- وصلت الآن إلى بداية نهاية المحاولة :وأبدأ بملاحظة أوجهها للقراء .فقياسا على علاقة البصيرة بالبصر استخرجت علاقة السميعة بالسمع والشميمة بالشم والذويقة بالذوق واللميسة باللمس .وسميت هذه المعاني بالحوادس .وهي ما يعنيه بالقرآن لهم أعين لا يرون بها وآذان لا يسمعون بها إلخ ..ما أكتبه للشباب بجنسيه هو لجعلهم ينتقلون من الحواس إلى ما ورائها أي إلى الحوادس :فمن يقف عند الحواس هو من يصدق عليه \"صم بكم عمي فهم لا يعقلون\" .وحينها يمكنهم أن يفتحوا القرآن لقراءته وأن يقرأوا مصنفات الفلاسفة .وهم حينها سيدركون التطابق بين لديني كما يحدده القرآن والفلسفي كما يحدده العقل المدرك لحدوده والحكيم الذي لا يعتبر نفسه مقياس الوجود وهذا التقديم ضروري لأن انتقالنا من دراسة العلة الفاعلة للقدرة المادية والروحية أو الاقتصادية والثقافية إلى دراسة العلة الغاية للقدرة المادية والروحية يقتضي أن نفهم معنى الرؤية الوجودية والذوق بمعنييه الجمالي والجلالي أو المتعلق بأسمى اللذات المادية والروحية :مطلوب فصلنا الأخير. والآن انتقل بصورة فجئية من الكلام من منطلق ذي صلة مباشرة بالإسلام إلى منطلق ذي صلة مباشرة بالفلسفة وكيف حرفت فصارت معادية للدين في مرحلتي تاريخنا الفكري الأولى التي سيطرت عليها فلسفة أفلاطون وأرسطو تحريفا لقدرة لعقل والثانية التي سيطرت عليها فلسفة هيجل وماركس تحريفا لقدرة العقل. وهو تحريف لم يحاول الفكر الغربي التخلص منه إلا عند كنط تخلصا لم يعمر طويلا. وحاول التخلص منه عندنا الغزالي وابن تيمية وابن خلدون لكن دون جدوى لأن محاولتهم كانت صيحة في خلاء روحي وفكري أصاب الأمة بالكساح حتى كادت تصبح أثرا بعد عين في مستوى التعمير والاستخلاف. وأول شيء ينبغي تقريره هو التناظر التام بين علاقة أرسطو بأفلاطون وعلاقة ماركس بهيجل .فما حاول الأول في الحالتين السمو به إلى المثل أرجعه الثاني إلى ما يعتبره الاول أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- نسخا منها .المفارقة المثالية الأفلاطونية والتعالي الذاتوي الهيجلي كلاهما حيث من قبل أرسطو وماركس لتوحيد العالمين. لكن أرسطو فشل في تحديد طبيعة المنزلة التي ينسبها إلى مثال المثل -وسماه المحرك المطلق-يناظره ما فشل فيه ماركس في تحديد طبيعة المنزلة التي ينسبها إلى روح الأرواح- وسماه الإنسان المطلق .بقيت المواجهة بين الله والإنسان معضلة المعضلات في الفلسفة بدايتها وغايتها المضاعفتين. وبذلك فالرؤى الفلسفية لا تخلو من أن تكون أحد عناصر هذا المربع الذي بدأت به الفلسفة عندما تصورت أنها تحررت من الميثولوجيا لتصبح كما تدعي علما بالمعنى القديم للعلم وانتهت به الفلسفة عندما تصورت أنها تحررت من الإيديولوجيا لتصبح كما تدعي علما بالمعنى الحديث للعلم .فعادت إلى حيث كانت. جمعت بين الميثولوجيا الثيولوجية والايديولوجيا الانثروبولوجية :ومعنى ذلك أن المربع -أفلاطون أرسطو هيجل ماركس-يعني في الحقيقة مشكل العلاقة بين الثيولوجي والانثروبولوجي يعود من جديد بوصفه ما ظن أرسطو تجاوزه بالقياس إلى أفلاطون وظن ماركس تجاوزه بالقياس إلى هيجل :وتلك غفلة حداثيينا. وحتى أوجز قصدي فليس يعنيني كثيرا أفلاطون وأرسطو وهيجل وماركس رغم أنهم يمثلون المادة الأساسية لتكويني الفلسفي .ما يعنيني هو تحول الفلسفة القديمة إلى باطنية في فكرنا الوسيط وتحول الفلسفة الحديثة إلى علمانية في فكرنا الحديث .وأثر التحولين في التربية والحكم هي غاية الكلام في الرؤية التي يعتبرونها عقلانية وهي عندي دغمائية لا يؤيدها العقل المدرك لحدود علمه المحدود جدا. ولو اعترف الإنسان بهذه المحدودية لتأكد له أن الفكر الميثولوجي بحق هو هذا الفكر الذي يتصور الوجود مقصورا على ما ندركه منه وأن الإنسان يمكن أن يصدق نفسه بأنه سيد العالم ومالكه كما يزعم ديكارت .ولست أستثني نفسي من هذه الغفلة وما كنت لأقول ما أقوله الآن لو بقيت مقتنعا بالمقابلة \"فلسفي ديني\" كما كنت قبل أن أعود إلى قراءة أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- القرآن بعد أن قلوته نصف قرن كامل بين طفولتي وبلوغي سن محاسبة النفس ككل إنسان بدأ في طفولته بتعلم القرآن دون قدرة على الفهم والتحليل ككل أبناء الجيل. وحتى تصورنا إلى الآخرة فهو مجزوء لأن قراءة القرآن في مستوى أولي قد توحي بأنه جنيس ما نعيشه في هذا العالم .لكن ذلك ليس إلى طريقة في الإخبار بالتقريب وليس دليل قول ما عليه الأمر إذا كما يصفه القرآن في المستوى الأعمق بمعنى أن كل قوانين هذا العالم لا تنطبق عليها :فلا يمكن أن يكون ما يحصل في الآخرة مجانسا لما يحصل هنا ولا يمكن كذلك أن يكون مجرد خيال لأن الخيال لا يستطيع تخيله أبدا .فهو الممكن المطلق الذي يعجز الخيال عن تخيله ولا يستطيع العقل نفيه إلا عنادا أساسه توهم ذاته مقياسا لكل شيء موجوده ومعدومه. في محاولة لفهم السلفية الأولى (ابن حنبل في النظر والعقد والأشعري في العمل والشرع) والسلفية الثانية (ابن تيمية في النظر والعقد وابن خلدون في العمل والشرع) وذلك خلال تقديم محاضرة حول الموضوع في ندوة حول الوهابية بينت أن الإشكالية هي علاج المقابلة بين الديني والفلسفي في المجالين. وكنت أعجب حقا من أن من يسمون فلاسفة في عصرنا الوسيط .كانوا كلهم يعتقدون في أمرين لا يمكن لمسلم قرأ القرآن وفهم أهم ثورتين يمثلهما أن يعتقد فيهما دون الوعي بالعمق النقدي القرآن لهما نقدا صريحا .ومثلهم فلاسفتنا المحدثون وخاصة الماركسيون والهيجليون منهم .فلا أحد يصدق الكذبتين التاليتين من دون أن يعتقد أن العالم الذي ندركه بحواسنا هو العالم الوحيد الممكن وأنه يرد إلى ما ندركه منه حتى لو سلمنا بكونه الوحيد الممكن: .1أن علم الإنسان محيط والوجود مطلق الشفافية. .2وأن الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه. وأن أيا منهم لو لم يغفل عن هذين الثورتين لما وقف نفس الموقف الذي وقفه أفلاطون وأرسطو فتوهم أنه يمكن أن يرد إلى العقل بالتأويل ما يسميه ظاهر القرآن إلى باطنه أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- الذي يجده في العلوم الفلسفية التي يعتبرها عين الحقيقة المطلقة بالتأويل فيتجرأ أكبرهم وآخرهم بقلب حقيقة آل عمران 7باطنيا. فأثبت بذلك أن كل فلاسفتنا كانوا باطنيين ولهذه العلة وجدت المعركة الزائفة بين الكلام والفلسفة حول العلاقة بين الإيمان والعلم والمعركة الأكثر زيفا بين الفقه والتصوف حول العلاقة بين القانون والأخلاق والجمع بين المعركتين الزائفتين في تفسير القرآن بقلب فصلت 53وآل عمران 7باطنيا. مشكل الرؤية هو إذن حاليا كما كان في عصرنا الوسيط مقابلة بين الموقف الباطني من الإسلام في النظر والعقد وفي العمل والشرع وهو ما يعني أن حداثيينا بخلاف ما يتوهمون لايزالون قائلين بنظرية المعرفة المطابقة وبنظرية القيمة المطابقة ولذلك فهم شديدو الفخر بالانتساب إلى ابن رشد والاعتزال. وعندما تسمعهم يدندنون متغنين بالعقل تفهم أنهم لا عقل لهم خاصة إذا أضافوا الكلام على ما يسمونه الواقع .وليست أدري كيف يمكن لمن يقارن العلوم التي بنيت على الفلسفة القديمة والعلوم الحديثة التي دحضتها وبينت قصورها أن يظل قائلا بالمشترك بينها ومعتقد هيجل وماركس في حماقات من جنسها. وترد هذه حماقتين لا تختلفان عن الوهمين الأفلاطوني والأرسطي القائلين بأن المعرفة مطابقة لأن الوجود عقلي بذاته يدركه العقل الإنسان إدراكا مطابقا وأن الوجود في ذاته لا يختلف عنه في إدراك الإنسان ومن ثم فالعالم كله يرد إلى الصورة التي للإنسان عليه فيعتبر علمه به علما محيطا. لكن السلفية ليس دون ذلك وقوعا في نفس هذا الخطأ والإساءة إلى القرآن .فهم يزعمون أن ما يتجاوز به الوجود العقل يعلمه الوحي وأنه موجود في القرآن .وهذا كذب على القرآن .فالقرآن يخبرنا بوجود الغيب أي بما ليس قابلا للعلم إنسانيا .لكنه لا يحتوي على علمه بحيث مثلا يكون الرسول يعلمه. أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- وكل كلام على توقعات المستقبل في السنة ليس دليلا على علم الوحي بل هو دليل على استراتيجية الدولة الكونية التي تستقرأ من كل نصوص القرآن .وهو ليس كلاما خبريا بل كلام تشجيعي على تحقيق خطة بصيغ خبرية تدليلا على الثقة في الخطة وليس على كونها علما بالغيب .فمثلا الكلام على فاتح القسطنطينية ليس اخبارا بالغيب بل إبداع لطموح يتسابق بمقتضاه شباب الأمة من اجله في الخيرات أي تحقيق وعود الاستراتيجية الإسلامية لتحقيق الدولة الكونية. وإبداع الطموح يعتمد على خلق الهدف وصفات القادرين عليه فيكون الكلام شرطيا وليس خبريا .فلكأن القول يعني الهدف كذا يحقق من يتصف بكذا وكذا فيصبح السعي للاتصاف بتلك الصفات هو الذي يحقق الشرط فيحقق المشروط .وهذا سر كل تربية ناجحة .ولما كان كلام الرسول من حيث هو مرب موثوقا به وذا مصداقية فإن الشرطية لمتعلقة بالمستقبل تتحول إلى خبرية لكنها ليست علما بالغيب. وعلماء الملة يزعمون أن القرآن فيه علم الغيب .ومن ثم فهم يكذبون القرآن والرسول الذي ينفي علمه بالوحي .وهم يزعمون ذلك حتى يدعوا أن لهم بالوراثة عنه القدرة على تجاوز ما يعلمه العقل .وهذه سفاهة وليست علما وهدفها تأسيس الوساطة في التربية لتسند الوصاية في الحكم أي الاستبداد والفساد. لقرآن يعلمنا بوجود الغيب ويعلمنا في آن بأنه محجوب على الإنسان من حيث هو إنسان ومن ثم حتى على الرسل والجمع بين المعيين يعني أن الغيب هو الفرق بين الوجود وعلمه وهو فرق لا يتجاوزه إلا العلم المحيط أي الله وحده .وهو فرق يعم الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود وينفرد به الله. وهذا هو الديني ولا شيء غيره .الديني هو النظر المصحوب بالعقد الذي هذا مدلوله (نظرية المعرفة التي لا تقول بالمطابقة بين الموجود والعقل) والعمل المصحوب بالشرع الذي هذا مدلوله (نظرية القيمة التي لا تقول بالمطابقة بين المنشود والإرادة) :وذلك ما أدركته الفلسفة ونكص عنه هيجل وماركس. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- ويكفيني الآن أن أشرح علة جمعي بين النظر والعقد في نظرية المعرفة وجمعي بين العمل والشرع في نظرية القيمة والاولى هي العلة الفاعلة للقدرة ببعديها المادي (الاقتصاد) والروحي (الثقافة) والثانية هي العلة الغاية للقدرة بنفس المعنى وبها أختم هذه المحاولة التي كما ذكرت يعسر تبسيطها أكثر. جمعت بين النظر والعقد لبيان سفاهة المقابلة بين الفلسفي والديني بدعوى الأول عقلي والثاني نقلي .وهي خرافة يقول بها رجال الدين ورجال الفلسفة -وعندنا خاصة نساؤهما-وهو دليل \"بهامة\" وليس فهامة .فالعلم نظر ينطلق من عقد مضاعف :أن الوجود له قوانين وأن الانسان قادر على علمها .وهذان عقيدتان. وهذان العقدان دليلهما الوحيد نقلي وبعدي .فالعالم ينطلق من فرض وجود قانون ويبحث في الطبيعة فيكتشف نقلا ما يثبت الانتظام في مجرى الطبائع فيصوغ قانونا يعبر به عما وجده نقلا عن محرى الطبيعة ويعتبر ذلك دليلا على أن فرضه صحيح بقدر تثبته من النقل ومراجعته .وإذن فالعقلي لا يكون عقليا إلا بقدر ما هو نقلي بمعنى أن النظرية ليس لها أدنى معنى إذا لم تؤيدها التجربة إما حالا أو لاحقا. وطبعا فالكلام يتعلق بالعلم الذي له موضوع مستقل عن العلم الذي يضعه في تجربة ذهنية خالصة من جنس ما يسميه ابن تيمية بالمقدرات الذهنية .في هذه الحالة لا معنى للتجربة الخارجية :تكفي التجربة الذهنية التي تكتفي بالتناسق المنطقي لمنظومة من الرموز المقدرة ذهنيا والتي تستغني عن قيم تعطى لها من موضوع خارجي تطبق عليه بالتناظر بين البنية المجردة وما يعتبر بنية الموضوع على الأقل فرضيا .فنكون وكأننا نميز بين نوعين من المعرفة: .1معرفة لعالم ليس من إبداعنا وهو ما نعتبره العالم الخارجي الذي نتوهم أنه واحد ولا شيء يثبت ذلك عدا الاعتقاد. .2معرفة لعوالم من إبداعنا وهي ما نعتبره مقدرات ذهنية ولا شيء يثبت أنها ليست قابلة لأن تكون فعلا موجودة. أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
-- وقد وضعت مفهوما ثانيا للإبداع الذهني قياسا على الذي تكلم عليه ابن تيمية :فهذا يعني الإبداع الذهني الذي من جنس الرياضيات .والذي قسته عليه هو الذي من جنس الميثولوجيات .وإذا كان النوع الأول شرط كل معرفة علمية لأنه يمثل أساسها الصوري فإن النوع الثاني هو شرط كل إبداع قيمي لأنه يمثل أساسها الصوري كذلك .ومن ثم فالصورة نوعان :معرفية وقيمة .والأولى تطابق قوانين الضرورة الطبيعية والثانية تطابق سنن الحرية التاريخية. لكن تعدد قوانين الضرورة الطبيعية يرجعها هي بدروها إلى حرية متجاوزة لمعناها عند مقابلتها بالضرورة الطبيعية التي نعتبرها نظام عالمنا .وتعدد سنن الحرية التاريخية. وذلك ما يثبت أن الإيمان بوجود أكثر من عالم وأكثر من نوع قانوني وأكثر من نوع سنني هو الاقرب إلى المعقولية التي لا يدعي صاحبها الإحاطة بالغيب لأن الغيب محجوب بنص القرآن .وحتى ما يعلم الله به الرسول فهو يفقد صفة الغيب بمجرد أن أعلمه به لأنه ملزم بتبليغه وإلا لما كان أصدق الصديقين. فما بلغه ليس غيبا ولو علم غيبا لم يبلغه لكان عاصيا وما عليك إلا البلاغ ولما كان قد أتم مهمته التي هي التبليغ وقد قال إنه أتمها في حجة الوداع\" :اللهم إني بلغت\" التي رددها فيها كثيرا .ولهذه العلة لم يدع القرآن أن الرسول يثبت حقيقته بالأعجاز والنقل بل بنفس ما يثبت به العلم حقيقته سواء كان من النوع الأول أو من النوع الثاني من القوانين الطبيعية وبنفس ما تثبت به القيمة حقيقتها سواء كانت من النوع الأول أو من النوع الثاني من السنن التاريخية. وذلك هو مدلول فصلت .53فنحن نتبين أن القرآن حق بما يرينا الله من آيات في الآفاق وفي الأنفس دون أن نزعم أن ما نراه منهما يقبل الرد إلى ما نعلم من الموجود أو ما نقيم من المنشود .ولا أشك أن أي عاقل يفهم بالآفاق والأنفس ما يوجد في العالم وفي ذات الإنسان أي النظر والعقد في الحقيقة والعمل والشرع في القيمة. أبو يعرب المرزوقي 57 الأسماء والبيان
-- ونصل الآن إلى علة الجمع بين العمل والشرع بعد رأينا علة الجمع بين النظر والعقد. وليس القصد بالشرع الشرع السماوي لأن أعلمنا بأنه يعلم مما يرينا الله من الآيات في الآفاق وفي الأنفس وليس من علم الغيب ولا خاصة من تأويل المتشابه الذي يعني زبغ القلب وابتغاء الفتنة :القصد أن شرط العمل القانون ذي الغاية الخلقية في نفس الوقت. وبذلك فقد بينا زيف المعركة بين الإيمان والعلم للتلاحم الذي بيناه بين النظر والعقد وزيف المعركة بين الأخلاق والقانون لما بيناه من تلاحم بينهما .ومن ثم فالمتكلم والفيلسوف والفقيه والمتصوف حرفوا الديني والفلسفي بسبب ظنهم أن فلسفة أرسطو وأفلاطون قديما وفلسفة هيجل وماركس حديثا علم مطلق. ألم يقل الفارابي في علم أرسطو \"العلم تم ولم يبق إلا أن يتعلم ويعلم\"؟ ألم يعتبر الجابري ابن رشد ممثلا للعقلانية؟ وهل يوجد مثقف عربي اليوم لا يعتبر ماركس وقد يصل أفضلهم إلى هيجل ناطقا بالكلمة الأخيرة في الحقيقة الاجتماعية والاقتصادية ويسمون فكرهم واقعا يقيسون به القرآن؟ أبو يعرب المرزوقي 58 الأسماء والبيان
-- لم يكف الفصل التاسع .نواصل في ثلاثة فصول هذا واثنين آخرين .فنحن لمن نتمكن فنحقق الخروج من صدام الرؤيتين التي تدعي الاستناد إلى الدين والتي تدعي الاستناد إلى الفلسفة .والأولى كان أفلاطونية أرسطية وهي التي سيطرت ليس علينا وحدنا بل حتى أوروبا عاشت عليها .والثانية هيجلية ماركسية وهي عامة كذلك. وقد أجد عذرا لفلاسفتنا القروسطيين في تصديقهم للرؤية الأرسطية الأفلاطونية التي سيطرت على أكابرهم .فنموذج التفسير الهيلومورفي قياسا على الصناعات البدائية ونموذج تفسير حركة السماء قياسا على الرب الـ\"نرسيسي\" (المحرك الذي لا يتحرك ولا يعشق إلا صورته وتحاكيه الأفلاك التي لها أرباب من جنسه من يصدقها في عصرنا؟) لكني لا أجد عذرا لـ\"فلاسفتنا\" التحديثيين في تصديقهم للرؤية الماركسية الهيجلية التي تسيطر على \"اكابرهم\"؟ من يفسر التاريخ بصراع الطبقات أو الأرواح لو كان يفهم تعقيد الثقافة وتعقيد الاقتصاد كما نصف في هذه المحاولة وسذاجة الصراع الجدلي بدل التفاعل البنيوي العام في الرموز سواء كانت معبرة عن القيم المعنوية (هيجل) أو عن القيم المادية (ماركس). لكن الغرب بدأ يتحرر من هذه الخرافات وهو في الحقيقة عاد إلى ما أدت إليه محاولات تجاوز هيجل وماركس .فلا الرأسمالية بقيت تقول بليبرالية هيجل والاشتراكية بشيوعية ماركس .ومن ثم فالعودة صارت حتى إلى ما قبل أفلاطون وأرسطو العود إلى المثيولوجيا غير الثيولوجية بل الأنثروبولوجية وهي ما بعد الحداثة. ويمكن أن نعتبر ما نكصت عنه الهيجلية والماركسية هو ما بدأ مع ديكارت وبلغ الذروة مع كنط .فديكارت يمثل الحد الأوسط :قبله ثلاثة قرون وبعده ثلاثة قرون تتخبط للوصول إلى الحل الكنطي .والقرون الثلاثة المتقدمة عليه أي الخامس عشر والرابع عشر والثالث عشر هي قرون النهضة الأوروبية. أبو يعرب المرزوقي 59 الأسماء والبيان
-- وهي قرون الخروج من مناخ القرون الوسطى وكانت غايتها عودة نقدية للفكر اليوناني وتغليب ما يمكن أن نقول إنه فهم العلاقة بين الديني والفلسفي ولذلك تزامن فيها الإصلاحان الديني والفلسفي اللذين فيهما للإسلام والعلاقة بالمسلمين دور رئيسي وهو مختلف تماما عما تصوره حداثيو العرب ونسبوه إليه. وقد بلغ ذلك ذروته في بداية القرن السادس عشر كإصلاح ديني حرر المسيحية من الوساطة الكنسية والوصاية الملكية بمنطق الحكم بالحق الإلهي وإصلاح فلسفي حررها من الميتافيزيقا وعوضها بالميتااثيقا كما بينت في فصل كتبته بالفرنسية عن فلسفته ديكارت والضمانة الإلهية بديلا من التحريك الطبيعي. والأهم من ذلك كله الدليل الذي اعتمده لإثبات الوجود الإلهي :نفي القول بالمطابقة والإحاطة لأن أهم دليل عنده هو وعي الإنسان بنقص علمه وقدرته دليل على أن له وعيا بكمالهما وبنسبة هذا الكمال إلى الضامن الإلاهي لعلمه وقدرته اللذين ليسا وسوسة شيطانية بل حقيقة فعلية :علاقة بالمدرسة النقدية. وبداية من هذا المنعرج صار المقدم في تعريف الإنسان هو عين التعريف الخلدوني\" رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" وفي شبه ترجمة حرفية يقول ديكارت إن الإنسان سيد ومالك للطبيعة .فالملك ثمرة التعمير والسيادة ثمرة الاستخلاف .وذلك يكون بالعلم والقدرة وهما تعريف ابن خلدون. وما أضافه كنط لإتمام هذا المسار هو بيان ما يملكه الإنسان وما هو سيد عليه :إنه ما يناسب كيانه أي ما لا يستطيع تجاوزه في علم الموجود وعمل المنشود .ومعنى ذلك أن مفهوم \"ما نفكر فيه\" دون أن نعلمه هو المفهوم الحد الذي وضعه ديكارت وصاغه كنط صوغا فلسفيا دقيقا وهو \"الشيء في ذاته\". وهو عينه المفهوم الحد الذي وضعه الغزالي \"طور ما وراء العقل\" وعين المفهوم الحد الذي صاغ بعمق فلسفي أدق ابن تيمية عندما عرف التصورات الإنسانية بكونها تجري في أبو يعرب المرزوقي 60 الأسماء والبيان
-- أفق لا متناه لا يمكنها الإحاطة به .لكن الصياغة الأوضح وإن لم تكن الأعمق هي قول ابن خلدون :الوجود لا يرد إلى الإدراك. لكن لن تجد من ادعياء الحداثة العرب من يقبل ذلك لسيطرة احكامهم المسبقة وجهلهم بتاريخ الفلسفة والدين وطبيعة العلاقة بينهما .فيتجاهلون أن ديكارت مثله مثل كنط خريجي جامعات دينية وأن ديكارت أول ما كتب كان بطلب من رئيس الكنسية الفرنسية بمناسبة زيارة البابا وكان حول أدلة وجود الله. وحتى هيجل فإن آخر ما كتب وكان سينشره هو درسه حول أدلة وجود الله .ومثله ماركس في رأسماله .ومن أيسر الطرق لبيان تفاهة الكتابين أن الأول يتصور أن منطق الكلمة والرمز الغفل هو عين بينة الوجود والتاريخ والثاني أن منطلق العملة الغفل هو عين بنية التاريخ والوجود: .1فالكلمات تبدو دالة بالتقابل وهو أصل الجدل مطبقا على البعد الروحي .لكن ذلك غير صحيح لأنه متأت من اختزال البنية الكلية لفعل الترميز في الانتاج الروحي في أحد تمظهراتها .الكلمة أو الانتاج الروحي لا يدل بالتقابل حتى في مستوى الجهاز الصوتي بدليل أنه إذا تغير نطق حرف واحد يتبعه تغير كل المنظومة. .2والعملات تبدو مؤثرة بالتقابل وهو أصل الجدل مطبقا على البعد المادي .لكن ذلك غير صحيح لأنه متأت من اختزال البنية الكلية لفعل الترميز في الانتاج المادي في أحد تمظهراته .العلمة أو الانتاج الاقتصادي لا تدل حتى في مستوى الأسعار بدليل أنه إذا تغيرت قيمة أي بضاعة أو خدمة واحدة يتعبه تغير المنظومة كلها. وما يظن مقصورا على العملات لم يعد مقصورا عليها لأن اللغات صارت مثلها عالمية معنى ومبنى .ومعنى ذلك أن الطابع البنيوي ليس خاصة بكلمة معين أو بعملة بل هو شامل لما يمكن أن نسميه خاصية الثقافة والتواصل وخاصة الاقتصاد والتبادل ليس مع المتعاصرين فحسب بل وكذلك مع السابقين والتالين: أبو يعرب المرزوقي 61 الأسماء والبيان
-- .1فالسابقون موجودون في الحاضر بما فعلوا وأنتجوا لأن الحاضر إما مستفيد من ثمرة عملهم وعلمهم أو مسدد لديونهم وقروضهم. .2واللاحقون موجودون في الحاضر المتوقع مما سيفعلون وينتجون كما هو بين اعتماد الاقتصاد والثقافة على القرض والوعد. لكنك تجد جل خريجي دروس العربية في الجامعات العربية من يدعون التفلسف في مسائل لا يفقهون منها شيئا مثل ناصر حامد أبي زيد وعركون الشرفي وكل هؤلاء المتكلمين في الدين وفي الفلسفة بعكاكيز صفحية للتقريب الجمهوري. ولما حدث النكوص الهيجلي للثورة ضد الثورة الديكارتية الكنطية انتهت الفلسفة وعادت الميثولوجيا ولكن بوجه انثروبولوجي تعينت فيه الألوهية عند هيجل وتخلصت منها عند ماركس صرنا في لحظة بداية ما بعد الحداثة التي تجمع بين النزول إلى التاريخ الطبيعي بالصراع من أجل العيش والأسلوب السردي للفكر الإنساني. فكانت غاية التعين لهذا التحول ممثلة بنيتشة الذي هو بخلاف ما يتوهم الكثيرون تكرار لطبعة الإنسان-إذ هو دارويني-وأسطورة فاعلية الخيال الإنساني أو مثلجة الإنسان \"المبدع\" حد التأليه بعد أن صار نفي الشيء في ذاته بالهجيلي صنعا له من قبل الخيال الإنساني بأسلوب السرديات أو أهم فكرة تعتمدها ما بعد الحداثة. وليس بالصدفة أن طغت على فكر ما بعد الحداثة الامريكي في آن العودة للميثولوجيات التوراتية التي تؤسس للمسيحية الصهيونية وللصهيونة اليهودية في تأسيس سرديات الوجود الإنساني الذي يراد فرضه والذي يعود إلى الصراعين الهيجلي والماركسي لتمجيدهما صراع الأرواح أو الحضارات وصراع الطبقات. ولم يعد أحد يخفي أن القانون المطلق هو الأبيسيوقراطيا أي بعدا دين العجل :سلطان المال والعنف وسلطان الإيديولوجيا والملاهي للسيطرة على العالم بالسلاحين العنيف واللطيف .والرمز هي أمريكا .وإذن فليس بالصدفة أن صارت الولايات المتحدة تعتبر الإسلام عدوها بديلا من النازية والشيوعية. أبو يعرب المرزوقي 62 الأسماء والبيان
-- والأولى دين أصحابها المسيحية والثانية دين أصحابها اليهودية ومع ذلك لم يتهم أحد الدينين بالإرهاب .وما قتلوه من البشر أو تسببوا في قتله يفوق كل ما قتل في حروب البشرية كلها منذ ما قبل التاريخ .وتلك هي الرؤية التي تجمع بين الديني والفلسفي المحرفين كما يصفهما الإسلام رغم تقدمه عليهما بأكثر من 14قرنا .ذلك أنه تكلم عليهما برمز دين العجل :فمعدنه هو الذهب وهو العملة في العادة رمز القوة الاقتصادية وخواره هو الإيديولوجيا والملاهي في العادة رمز القوة الثقافية العدوانيتين. وبهذا المعنى فالإسلام هو الذي بدأ هذه الحرب .والقرآن يعتبر الله قد أعلن الحرب على الربا وهو أساس سلطان المال في دين العجل ويعتبره قد أعلن أن أكبر شيئا عنده هو قول الإنسان ما لا يفعل .والإيديولوجيا هي بالذات قول الإنسان الكذب وعلامته الكلام المعاكس للفعل كـالكلام على حقوق الإنسان عندهم. لكن القرآن لا يحاربهم بل هو وقاية منهم ولذلك فهو قد تقدم .وهم الذين يحاربونه لأنهم ضد مناعة الإنسانية التي مثلها الإسلام تحريرا لها من هذين المرضين الخبيثين. الإسلام حصانة روحية ومناعة بدنية للإنسانية ومن ثم فهو ليس في علاقة جدلية صراعية مع غيره لأنه لا يقول بالعلاقة الجدلية. فالمرض ليس في علاقة جدلية مع الصحة حتى وإن كان ينفيها لكنهما ليسا وجهين لنفس الشيء بل ما بينهما من صراع إن وجد فهو لغياب شروط جعل العلاقة بينهما من طبيعة أخرى .ذلك أن المرض يكون إما بسبب فيروس أو جرثومة .وكلاهما كائنان حيان. والأحياء تعيش بعضها مع البعض بقوانين. فلو جعل الإنسان علاقته بالأحياء التي يعيش منها علاقة صراع لكان ما نراه اليوم من علاقة تهديمية للطبيعة أمرا طبيعيا ولما فهمنا علة الوصول إلى أن الإنسان ينبغي ألا يكون عدوا للطبيعة بل عليه أن يكون صديقا لها لأنها شرط بقائه :فعنفه إزاءها ليس قانونا بل جهل بالقانون .وأكبر دليل أمران من البايولوجيا: أبو يعرب المرزوقي 63 الأسماء والبيان
-- .1فاستعمال المضادات الحيوية ينقلب فضلا عن كونه محاولة القضاء على الأحياء التي نحاربها خطر على النظام العام للحياة وللطبيعة. .2واستعمال الأدوية في الزراعة من أجل الزيادة في الانتاج أدى إلى نفس الشيء وهو ما جعلنا نتكلم على الزراعة البايولوجية. وهذا يعني أن ما كان يتصور قانونا طبيعيا هو في الحقيقة ثمرة جهل بالقانون الطبيعي فضلا عن قانون الحضارات والطبقات اللتين يفسر بهما هيجل وماركس التاريخ الإنساني. فهذا دليل على الجهل وليس على العلم بقوانين التحولات التاريخية .ومن ثم فدرسها في القرآن أبعد غورا من هذه الرؤية التهديمية. وسأضرب مثالا عن التغير الحضاري يعتمد على التشبيه :فالحداثي العربي لسخفه يدعي أن بناء المستقبل يقتضي تهديم الماضي ولذلك تجد فيهم من يدعو إلى قلب صفحة تراثنا وتبني تراث الغرب الحديث .وهؤلاء يتصورن أن الميت يتغير .لكأن الحية تستطيع أن تبدل ثوبها إذا قتلناها. الحضارة الحية حية تبدل ثوبها لأنها حية وهي التي تنسج الثوب الجديد ولا تستعيره من حضارة أخرى وهو ثمرة فاعليتها ولا يمكن أن يستعار .والكلي فيه هو أنه لا يمكن ألا يكون نتاج الكائن الحي نفسه .وهو لا يتميز بخصوصيته مثل لونه أو برقشته أو سمك جلدته بل بفاعلية إنتاجه التي هي عين الحياة .وإذن فعلاقة هذه الرؤية بالإسلام ليست جدلية صراعية من المنظور الإسلامي بل هي كذلك من منظورها .والدليل أن كل الثقافات الماضية تعايشت في دولة الإسلام الذي يعتبر التعدد الديني شرطا في أمرين جوهريين فيه: .1شرط حرية المعتقد بعد تبين الرشد من الغي (البقرة .)256 .2شرط التسابق في الخيرات لاختبار المعتقد (المائدة .)48 لا وجود لأدنى إرادة لفرض نمط واحد في الاعتقاد والتشريع بخلاف النمط الواحد غربي الذي ما يزال مسيطرا وخاصة في المعتقد وحدة التشريع .ويكفي أن تنظر في تعدد أبو يعرب المرزوقي 64 الأسماء والبيان
-- اللغات والثقافات والأعراق أين يوجد .صحيح أن الغرب بدأ يدخل شيئا من التعدد في شعوبه .لكن ذلك ظاهرة متأخرة جدا وهي بسبب الهجرة خلال الاستعمار .لكن انظر ماذا فعلوا في الشعوب التي غزوها وانظر ماذا فعلت اسبانيا في الأندلس والأوربيون في أمريكا. قارن بالفتح. كم بقيت فرنسا في افريقيا؟ على الأقصى قرنين .كم بقي الإسلام فيها؟ على الأدنى 12 قرنا .لم يقتل الإسلام ثقافة ولا لغة ولم يفرض لغته إذا ما استثنينا لغة العلم التي كانت مثل الإنجليزية حاليا .انظر الجرائم التي قامت بها الفرنكوفونية التي ألغت مئات اللغات واللهجات وتحاول حتى تمسيح الشعوب المسلمة وغير المسلمة. أبو يعرب المرزوقي 65 الأسماء والبيان
-- لم يبق إلا مشكل التعبير عن الحياة أو الذوق الذي هو غاية الغايات عند كل الكائنات الحية وله بعدان وتعينان :بعد عضوي وهو الذوق الغذائي وبعد جمالي وهو الذوق الفني لكن الذوق الجنسي يجمع بينهما وهي مصدر كل الفنون .أما تعينه فهما ما ذكرنا ثم الالعاب البدنية والعقلية .وأصلها جميعا واحد. إن كونه الغاية من الحياة نفسها أو هي الحياة نفسها وهو مطلوب لذاته وليس من أجل شيء آخر إذ حتى الذوق الجنسي فإن دوره في تواصل النوع ليس هو سر قوته الجاذبة ولذلك فهو منفصل عنه التوالد عند الإنسان بمعنى أنه بخلاف الحيوانات ليس مقصورا على فصل الإخصاب بل هو دائم طيلة الحياة. وقد سميت الذوق الغذائي باستعارة فن المائدة والذوق الجنسي باستعارة فن السرير. وهما بذاتهما الذوقية فنان .ومع ذلك فالإنسان لا يكتفي بما فيهما من فني من حيث الذوق العضوي بل يضيف إليهما ما يجملهما بانتخاب المأكول وطرق الطهي وقياسا عليها بانتخاب الجنس الثاني وطرق العلاقة الحميمة والإطار في حالتي المائدة والسرير .وجل ما بين البشر من تنافس علته هذان الذوقان سواء في عاجل وجودهم أو في آجله. ولا يكتفي الإنسان بذلك بل يزيد الزينة للغذاء وعرضه وللجنس وعرضه حتى إن المائدة تصبح لوحة رسمية والبدن يصبح لوحة رسمية (ومنه الوشم والماكياج للجنسين الآن) فضلا عن اللباس والعبارة الجسدية وكل ما له علاقة بالتجميل التي لا تنتهي. وسنحاول وضع نموذج يعتمد على تفعيل دور الحواس الخمس. وهذا النظام لا يستمد من الذوق العضوي بل من الذوق اللاعضوي المتجاوز للغذاء والجنس .إنه الفن بالمعني الناتج عن فعل الإنسان في المواد التي ترد إلى حيز المكان وحيز الزمان أي موضوع البصر وموضوع السمع وله في الحالتين علاقة بالرياضيات وبالشكل والحركة فيهما الفعلية بحامل ذي امتداد أو ذي مدة. أبو يعرب المرزوقي 66 الأسماء والبيان
-- والحامل ذو الامتداد هو موضوع فن تشكل الاجرام وهو الرسم السطحي والغائض والناتئ والنحت والبناء ولنطلق عليه اسما يوحدها وهو البصري والحامل ذو المدة هو موضوع فن تشكل الأصوات سواء كانت ناطقة أو غير ناطقة وهو السمعي وبجمع بينهما اللمس إما المادي أو الروحي وكلاهما حركة خارجية أو باطنية. ويجمع بينهما في كيان الإنسان البدني حركة الرقص الفعلي بالبدن كله ويشبه حركة القراءة الناطقة أو الرقص المتخيل في النفس وهو جنيس حركة القراءة الصامتة .وكلاهما اهتزاز في كيان الإنسان يشبه نبض القلب ولكن المعبر عن سعادة اللذة الجمالية تتخلل البدن والروح .ويسقطها الإنسان على حيزيه. فجمل مكانه وزمانه ليجعلهما عملين فنيين .وهذا هو سر تحول الجغرافيا نفسها إلى ما يشبه الألواح الرسمية نظاما للمكان رسما ملونا والتاريخ إلى ما يشبه السمفونيات الموسيقية نغما موقعا .وكل ما وصفت يصبح فنا من درجة أرقى عندما يترجم إلى أدب فيكون مضمون الأدب هو هذا المستوى التشكيلي الذي يصنعه الإنسان. لكن الفن الوحيد الذي تعمل فيه الحواس الخمس معا وفي آن هو لقاء الجنسين في التلاحم الحميمي .ففقه يتدخل فن البصر وفن السمع وفن الشم وفن الذوق وفن اللمس .وعندما تعمل الحواس الخمسة معا تكون اللذة الجمالية العضوية أسمى ما يمكن أن تتجاوز فيه الحياة نفسها إلى ما يشبه المطلق. ولذلك فالإسلام هو أول دين أدرك هذه الحقيقة فجعل الجنس عبادة بل وجعله أكبر جزاء في الآخرة ولا يعلو عليه إلى رؤية وجه الله التي هي الإدراك المطلق الذي يكون فيه البصر حديد بحيث ليس الجمع بين النظر (حدة الرؤية) والنظار (أي جمال الشباب) تلازم بالصدفة بل لأنهما حينها يتطابقان. وما أعجب له هو أن هذه المعاني التي هي جوهر ما يمكن أن ينسب إلى القرآن من أعجاز لم يروها وروا ما يسمونه إعجازا علميا وهو ما ينفيه القرآن لأنه رسالة والرسالة لا يمكن أبو يعرب المرزوقي 67 الأسماء والبيان
-- أن تتضمن ما لا يمكن أن يدركه المرسل إليه وإلا فهي تفقد كونها رسالة تذكر بالمعلوم ولا تعلم بما ليس معلوما بطبعه. فإذا كان القرآن رسالة وكان المرسل إليه هو الإنسان وكان الغيب محجوبا عنه وكات الرسالة للتذكير بما نساه الإنسان وليس بما لا يعلمه فإن الكلام على الاعجاز العلمي يصبح فعلا من \"معجزات\" الكذب على القرآن وليس من معجزاته لأنه غني عنها بدليل أنه لا يحتج إلا بالنظامين الطبيعي والتاريخي .وإذا كان ما في القرآن لا يفهمه من عاشوا في عصر نزوله فمعنى ذلك أنه نزل لغيرهم .ولا أفهم عندئذ كيف أقنعهم وهم لا يفهمونه فهداهم الله به للإسلام. وإذا كان هذا الإعجاز لن يصبح مفهوما إلا بفضل البحث العلمي الذي يوصل إلى القوانين التي يكتشفها غير المسلمين فهو إذن لم يرسل لهم بل للباحثين العلماء الذين اكتشفوه من دون العلم بما فيه .فيكون اكتشافه مستغنيا عنه ويكون من يعلمونه لا يستفيدون منه ببحثهم فيصبح الكلام كله هراء في هراء. الأعجاز القرآني هو القرآن نفسه بصرف النظر عما يمكن أن يستفاد به منه .فمثلما أن أي عمل فني يكون عملا فنيا لمجرد ذاته وليس لفائدة منتظرة منه .فكذلك القرآن .لكن عمل فن الفنون أو الفن الرئيس كما سأبين عند الكلام على ما سميته بالسبابة الوجودية .Index ontologiqueوهو حينها جامع لكل الفنون التي ذكرتها في محاولة لتصنيفها وتنظيمها .وأهم شيء في العمل الفني أنه جوهر الخلقي أي عبارة الحرية .القرآن كله دراما فنية لعلاقة بين حريتين: .1حرية الله الخالق (القضاء) والآمر (القدر المحدد لقوانين الخلق أو شرعه). .2وحرية الإنسان الذي يشرئب لأن يكون خالقا وآمرا بوصفه خليفة. فيكون القرآن وكأنه شبه تمانع بين حريتين المستخ ِلفة والمتسخلَفة .ومن يقرأ القرآن بعين الفنان وليس بعين المتعبد يرى تمانعا مهولا بين آله ومألوه مع تعال عليه لتحرير الآله. وهذه الدراما بدأت من قرار الاستخلاف والفرصة الأولى في الجنة إلى الفرصة الثانية بعد أبو يعرب المرزوقي 68 الأسماء والبيان
-- الإخراج منها ويتواصل إلى يوم الدين .وهو في مستوى الإنسان كفرد وفي مستوى الجماعات المتوالية التي يقص القرآن تاريخ علاقتها برسولها .وأفضل جمع بين هذه التمانعات هي السورة التي شيبت الرسول وأخواتها (الواقعة ( )56والمرسلات ( )77والنبأ ()78 والتكوير())8 المعجز في القرآن هو حضور كل ما يذكر به فيه وليس في الماضي ولا في المستقبل بل هو في حاضر سرمدي ليس له قبل وبعد إذ حتى البعد المطلق أو اليوم الآخر فنحن نراه فيه بكل دقائقه .وهو أحداث في شكل أحاديث يكون فيها المألوه والآله متكلمين وراويين كل منهما عن الآخر وعن ذاته حول التمانع. والحصيلة هي تحديد الغايات والأدوات أو العلة الغائية والعلة الفاعلية للوجود الإنساني بمعيار العلاقة بين إرادتين وعلمين وقدرتين وحياتين ووجودين .وهي كلها عند المألوه مطلقة وعند الآله نسبية .والتذكير لا يتجاوز التذكير بهذا الفرق ولا يوجد إنسان يجهله حتى عندما يلحد ويكفر ويتأله. وذلك هو معنى قوله تعالى للرسول\" :إنما أنت مذكر\" أي إن الإنسان ينسى هذه الحقيقة ولن تعلميه بشيء جديد بل تذكره بما يعلم .ثم يضيف ولا تستطيع شيئا آخر لأنه حتى بعد التذكير يمكن أن ينكر وألا يستفيد من التذكير وأنت لست مطالبا بشيء مستحيل فلست مسيطرا لكأنه يذكره بألا إكراه في الدين. ذلك أن عبارة \"إنما أنت مذكر\" تعني أن المخاطب بالرسالة إذا لم يتبين بذاته بعد التذكير الرشد من الغي فلا فائدة من محاولة إكراهه لأنك بذلك تجعله منافقا خوفا وليس مؤمنا اعتقادا حرا .وعبارة \"لست عليهم بمسيطر\" تعني أنك حتى لو حاولت استعمال الإكراه فلن تستطيع لأنه إن خافك سينافقك. ذلك هو الأعجاز في القرآن :أنه بكيانه معلم يتعين فيه الجمال والجلال ويفعل من حيث هم عمل فني خلقي من يقرأن بحوادسه لا بحواسه -أي بالبصيرة والسميعة والشميمة أبو يعرب المرزوقي 69 الأسماء والبيان
-- والذويقة واللميسة بدلا من البصر والسمع والشم والذوق واللمس-يدكر أنه فعلا يساوي الكون كله لأنه هذه الدراما بين الآله والمألوه. ولولا ذلك لما فهمت كيف تمكن القرآن من تحقيق ما حقق في حين أنه عند من يقرأه بسطحية يتضمن ما يمكن أن يعتبره مكذبا لنفسه فكيف لرسول كلما عاجزه من روبوا على التبعية لأهل كتب سماوية مليئة بالخوارق ويرويها نفسه يرد دائما بأنه لا معجزة له إلا القرآن الذي لا يتحجج إلا بعكس ما تحتج به الكتب الأخرى أي بالنظام الطبيعي والنظام التاريخي؟ ويصعب أن أصدق أن العرب كان لهم أو فيهم الكثير ممن يتحرر بيسر من تأثير يهود عصره وكان لهم ما كان معلوما من صيت وجبروت في الجاهلية -أكثر مما لهم حاليا على عربان الثورة المضادة-فيسمع لمحمد وينتقل من الاعجاز المبني على الخوارق إلى الاعجاز المبني على النظام في مجتمع فوضى؟ توحيد العرب في هذا الظرف الذي ليس ظرفنا أفضل منه هو من أكير معجزات القرآن. ولان القرآن لا يعمل بالخوارق فإن هذا التوحيد كان بنظامين ليس لهما مثيل: .1التربية القرآنية وفيها المربي مولدا بالمعنى السقراطي لا وسيط (مذكر). .2الحكم القرآني وفيه الحاكم وقائد لأحرار وليس وصيا. فهذا المربي الذي ليس بوسيط بمعنى \"إنما أنت مذكر\" (الغاشية .)21وهذا القائد للأحرار الذي ليس بوصي بمعنى \"لست عليهم بمسيطر\" (الغاشية .)22وهو الأمر الذي يجعل الرسالة لا تتحقق من دون أداتي تغيير الإنسان من \"الناسي\" إلى \"المتذكر\" ومن \"العبد\" إلى \"الحر\" .فيصبح الإنسان كما يعرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" ترجمة مفهومية لمعاني القرآن للحرية والتكليف بمهمتي التعمير بقيم الاستخلاف. فنفهم حينها أن محمدا -رغم أن القرآن يقص أديان الخوارق السابقة رواية مع رفع الحكم (وأحيانا التلميح أحيانا بأنها رموز وليست حقائق مثل ذكر خيل لهم في الكلام على أبو يعرب المرزوقي 70 الأسماء والبيان
-- عصا موسى أو كما في قصة حمل مريم في تجسد لها إلخ - .)..جاء بدين لا يعتمد في استدلاله إلى النظام والعقل .فكان معلما بالمعنى السقراطي الذي يفجر في الإنسان ما فيه من حوادس .وكان قائدا بالمعنى السياسي الذي كتب أول دستور بالمعنى الجامع بين العقد الاجتماعي في الاجتماعيات للرعاية وبمعنى الحلف في السياسيات للحماية. ولولا ذلك لكانت الرسالة تتحقق بالخوارق وليس بالاجتهاد والجهاد .فالرسول الذي بقي نصف حياته كرسول في تكوين الجيل الذي سيبني الدولة والذي خاض أكثر من ستين معركة حربية حقيقية لا يمكن أن نفسر عمله بالخوارق بل كان عمله مستندا إلى استراتيجية متناسقة مع كونه \"إنما أنت مذكر\" و\"لست عليهم بمسيطر\". وتلك كانت استراتيجية سياسة أمة حرة شرعت في تحقيق الرسالة الكونية التي هي مضمون القرآن من حيث هو مذكر بكونها رسالة البداية ورسالة الغاية أمة تفهم معنى شروط التعمير بقيم الاستخلاف لتأسيس الدولة المناسبة للأخوة الإنسانية (النساء )1 والمساواة بين البشر (الحجرات )13وذلك هو مشروع الرسالة الخاتمة التي درست علل عدم نجاح الرسالات السابقة في تحقيقها بسبب التحريف وعسر إخراج البشر من الخسر رغم أن أساسها كلها هو عين رسالة الإسلام لأنه الدين الكوني بداية وغاية. أبو يعرب المرزوقي 71 الأسماء والبيان
-- رغم أن المحاولة حول دور الرمزين رمز الفعل-العملة-وفعل الرمز-الكلمة-قد وصلت إلى أحد عشر فصلا فإنها ما تزال بجاجة إلى خاتمة ضرورية .فقد درست القدرة من منطلق علتها الفاعلة أي الإرادة أو السياسة والمعرفة أو العلوم في الجماعة لأن الكلمة شرط التعامل مع التاريخ خاصة مصدر قيام الإنسان الروحي والتواصل والعملة شرط التعامل مع الطبيعة خاصة أو مصدر قيام الإنسان العضوي والتبادل. فكان الكلام على القدرة المادية أو الاقتصاد خاصة وألحقت الثقافة به لأن العلاقة بالطبيعة تحتاج إلى علوم قوانينها وتطبيقاتها لسد حاجات الإنسان العضوية خاصة. وتكلمت بإشارات للعلة الغائية التي تنظر في ما وراء القدرة المادية أعني في القدرة الروحية أو الثقافة التي تحدد الرؤى والذوق. فرأينا أن خواء الإرادة والمعرفة وتبعيتهما لم يكن بالوسع أن يؤديا إلا إلى فقدان القدرة المادية بمعنى انعدام وجود اقتصاد عربي حتى في البلاد التي تعتبر غنية وأن المآل هو المزيد من الفقر والاستبداد والفساد واستحالة تكوين دول بل ما يوجد هو محميات تزداد تبعية وفقرا واستبدادا وفسادا. وبينا ذلك بعد دراسة دور الرمزين ودورهما في حالة فاعليتهما الموجبة وفي حالة فاعليتهما السالبة واكتشفنا أنهما فاقدان للموجب وسالبهما من نوع مختلف عن الربا والإيديولوجيا الموجود في المجتمعات التي تستفيد منهما بل هو هي عكسها تماما أي إن الربا (ربا المال) والإيديولوجيا (ربا الأقوال) فيها بالناقص وليس بالزائد. فالربا والإيديولوجيا في الدول المستقلة يمكن أن ينتج فائض سيطرة مادية لصاحب التمويل وفائض سيطرة ثقافية لصاحب التدجيل لكنه عندنا ينتج ناقص سيطرة مادية على ثرواتها وناقص سيطرة ثقافية لما يظن تأصيلا أو تحديثا بين دجالينا بسبب تحول هذين لقتل الأصل والحديث في المجتمعات العربية. أبو يعرب المرزوقي 72 الأسماء والبيان
-- وكان كلامنا في كل ما سبق حول المؤسسات والعوامل الاربعة التي تتألف منها القدرة أعني عاملي العلة الفاعلة أو السياسة والمعرفة وعاملي العلة الغائية أي الرؤى والذوق .لكن الآن أريد أن أتكلم عمن يمثلون هذه العوامل الأربعة أي ممثل الإرادة والمعرفة الرؤى والذوق القيمين على مؤسسات الدولة. فممثلو الإرادة كما أسلفت هم الساسة حكما ومعارضة وممثلو المعرفة هم الباحثون في الطبيعيات والإنسانيات وممثلو الرؤى هم رجال الدين والفلسفة وممثلو الذوق هم الفنانون والرياضيون البدن وبالفكر (الالعاب عامة مثل الشطرنج) .وهؤلاء هم القيمون على ما به تفعل الجماعة والدولة أي المؤسسات .والسؤال حول هؤلاء الأصناف العشرة مضاعف: .1هل يمثلون إرادة الجماعة؟ .2وهل لهم حقا إرادة؟ وكل سؤال من هذين السؤالين مضاعف بحسب الجواب الموجب والسالب: .1أ-فيم يمثلون الإرادة .1ب-ولماذا لما يمكن أن يمثلونها. .2ب.أ-وما معنى لهم إرادة ب .2ب-ولماذا لا يمكن أن تكون لهم إرادة. أصل هه الأسئلة هو \"فساد معاني الإنسانية الخلدوني\" .ونفس هذه الأسئلة تتكرر بالنسبة إلى البقية :أي إلى المعرفة وإلى الرؤية وإلى الذوق .ثم تتوحد كلها في ما سماه ابن خلدون \"فساد معاني الإنسانية\" وهي التي تتعين في الرمزين تعينها الأتم إيجابا فتكون صلاح معاني الإنسانية وسلبا فتكون فساد معاني الإنسانية .وبيان ذلك هو غاية المحاولة كلها. ولو تتبعت كل هذه المسائل لاضطررت لكتابة مثل ما كتبت إلى حد الآن في المحاولة بالنسبة إلى كل مسألة منها أي بالنسبة إلى الإرادة والمعرفة والرؤية والذوق ولما يتلقى فيه الأولان مع الأخيرين أعني القدرة .لكني في الخاتمة أريد أن أكتفي بالغاية من البحث كله أي بالقدرة المعدومة أو العجز .وهدفي الجواب عن سؤالين: أبو يعرب المرزوقي 73 الأسماء والبيان
-- .1فيم يتجلى العجز؟ .2وما علاجه الممكن؟ وليست بحاجة لإثبات العجز السياسي والعلمي والرؤيوي والذوقي أو عدم القدرة فيها جميعا .فكلمة واحدة تكفي :القدرة هي شرط السيادة والسيادة لها شرطان الحماية والرعاية الذاتيتين .ولا يوجد قطر واحد في الاقليم له شيء من ذلك إلا كذبا. ولست أشك في أن الكثير من القراء سيتعبرني متجنيا :فيقول سلمنا لك العجز في الحماية بالنسبة إلى كل أقطار الإقليم بما في ذلك تركيا وإيران وإسرائيل لأنها كلها فيها قواعد إما أمريكية أو روسية .لكن كيف تدعي العجز في الرعاية وبعض البلاد تفاخر بدخلها القومي الجماعي وبحسب الرؤوس متميز؟ وهذا بالذات ما أعنيه بالكذب المباح :صحيح أن من عنده البترول أو الغاز يمكن أن يدعي أنه يرعى شعبه سواء بصورة دائمة مثل قطر أو يزور شعبه غبا بالمكرمات مثل السعودية .لكن هذا ليس رعاية فعلية لأنه ليس دليل قوة اقتصادية بل دليل تربية شعوب على الكسل وعدم الانتاج بتبذير الثروة الطبيعية. فأي دخل لا يناسب عمل وانتاج ليس رعاية ذاتية بل هو تربية فاسدة يمكن اعتبارها رشوة سياسية لإسكات الشعوب حتى تترك رعاية الامر لمن يوزعون عليهم بعض فتات الثروة بدلا من بناء شروط القيام الذاتي للجماعة وللامة حتى تصبح قادرة على إعالة نفسها فلا تفسد فيها معاني الانسانية. ولما كانت كل المحميات العربية بهذا المعنى لا تستطيع أن تحقق شرطي الحماية والرعاية الذاتية وتحتاج إلى حام فهي بالضرورة جماعات فاقدة لشروط السيادة مهما بدت ثرية بما يوجد في أرضها من ثروات طبيعية ندين بها لأجدادنا الذين حموا هذه الأرض وإلى الغرب الذي فجر ثرواتها في غيبوبتنا. وبهذه السياسة التي تجعلنا نبيعها لنستورد شروط بقائنا العضوي والروحي بدلا من الشروع في تحديد شروط القدرة على تحقيقها بأنفسنا فسنبقى دائما توابع لا نربط ولا أبو يعرب المرزوقي 74 الأسماء والبيان
-- نحل إلا في الظاهر فنسمي المحميات دولا والعملاء ممثلين للإرادة والدجالين ممثلين للمعرفة والمزيفين للمرجعية والطبالين للذوق. والآن كيف يتجلى ذلك ليس في المؤسسات وهو ما تكلمنا عليه في الفصول الـ 11التي مرت بل في هؤلاء الممثلين القيمين على الحكم والعلم والرؤية والذوق ومن ثم الذين من المفروض أن تتجلى فيهم القدرة التي هي قدرة الفرد والجماعة الموجبة إذا كانت حرة وعجز الجمعة المستبعدة إذا كانت سالبة. لا أعتقد أني الوحيد الذي يشعر بأن ما هو موجود فعلا في هؤلاء الممثلين لا يتجاوز الأسماء عديمة المسميات .وسآخذ أمثلة :قارن أي وزير خارجية عربي حاضر بين وزراء خارجية أي بلد أوروبي .وقارن أي وزير تربية عربي بأي وزير تربية ألماني .وقارن أي وزير دفاع عربي بأي وزير حتى إيراني إلخ .ناهيك عن الأمريكي. ستشعر بملاء وجودي في حالة النظير الغربي والخلاء الوجودي في حالة أي نظير عربي. والمقارنة ليست بين الكيانين النفسيين للرجلين بل بين ما يملأ الكيان النفسي في المطابقة بين الاسم والمسمى الوظيفي .وهذا هو الذي يقاس بوزن العملة والكلمة .فشتان بين عملة وكلمته الأول وعملة الثاني وكلمته. إذن عندك كثافة وجودية يرمز إليها كثافة قيمية مادية تتعين في العملة وكثافة روحية تتعين في الكلمة .العملة التي تفقد قيمتها والكلمة التي تفقد دلالاتها يشبهان صاحب الحساب الخالي من الرصيد إذا استعملنا استعارة دفتر الصكوك .فكلمة ممثل إرادة الجماعة في العالم لا وزن لها ومثلها عملته. وليس ذلك لأن المسكين الذي كلف بهذه المهمة في المحميات العربية لا يريد أن يكون مسموعا ولاأ ظنه لا يشعر بالمذلة بين نظرائه لعدم وزن كلمته بسبب وضع المحمية التي يمثلها .لكن المشكل ليس هنا بل في كونه يواصل الكذب ويوهم نفسه وغيره أنه مثلا وزير خارجية أو وزير دفاع بحق لأنه يحمل الاسم. أبو يعرب المرزوقي 75 الأسماء والبيان
-- وقد كتب ابن خلدون في ذلك كلاما بديعا :يقارن المؤدب مثلا بالحجاج الذي كان مؤدبا أو بفاتح صقلية الذي كان مؤدبا .فيقول إن المؤدب يتوهم نفسه مثل الحجاج أو مثل أسد بن الفرات لأنهما مثله مؤدبان متوهما أن علة منزلتهما هي الاسم وليس المسمى .فالحجاج الثقفي وأسد بن الفرات مؤثرين بالعصبية لا بالمؤدبية. وكذلك كلامنا قياس :يمكن لأي حاكم عربي أن يملأ صدره بالنجوم وعلامات القيادة العسكرية وبالعناوين كالفخامة والسيادة .لكنه إن لم يكن غبيا يعلم أن السيادة في هذه الحالة بلادة وأن الفخامة ضخامة ورقية وأن العلامات العسكرية دليل هزائم لا انتصارات ومن ثم فهو أقل من صفر مع نظرائه. وأعجب من \"قائد\" عربي يجالس قائدا ألمانيا مثلا نظيرا له في دوره التمثيلي بالاسم ولا يتساءل ما الذي يحوج الألماني للوحدة الأوروبية ويغنيه هو عن الوحدة على الاقل بين أقطار الجامعة العربية مثلا؟ طبعا لا يفعل لأن الجاب واضح :فهو لأنه يفضل الأسماء حتى من دون المسميات لأنه خاو وجوديا. ما معنى الخواء الوجودي؟ هو هذا الذي وصفه ابن خلدون :المؤدب الذي يظن نفسه مثل الحجاج لأن يحمل نفس الاسم الوظيفي دون الاهتمام بالملاء والخلاء في الاسم أعني الاسم الذي يسمى مسمى مطابق والاسم الذي هو اسم بدون المسمى المطابق .بذلك تصبح المحمية دولة حتى لو كان أقل من حي في قرية. وطبعا ركزت على الممثل السياسي .لكن الكلام عام ويشمل ممثل البحث العلمي وممثل الرؤى وممثل الأذواق .كلهم أسماء دون مسميات .وذلك هو الخواء الوجودي أو عدم الكثافة الوجودية في كيان الشخص والجماعة .عندنا مثل في تونس لتسمية هذا الخواء: هو الكشبور .والقرآن يستعمل أعجاز نخل خاوية. هب الآن أن ممثل الإرادة وممثل المعرفة وممثل الرؤية وممثل الذوق فهموا هذا الوهاء والهواء الوجوديين وأدركوا أنه هو علة انعدام القدرة أو علة العجز العام في كل ما تتقوم أبو يعرب المرزوقي 76 الأسماء والبيان
-- به كيان الفرد وكيان الجماعة سيادتها وقوة الدول وصولتها هل كانت حالنا تكون على ما هي عليه وحال الاحياز خاصة؟ أما كانوا يفهمون ما فهمه العالم كله فتكونت مجموعات قادرة لتجاوز العجز الذي لا يمكن الخروج منه من دون شروط القدرة أي الأحياز الكبرى جغرافيا شرطا في القوة المادية وتاريخيا شرطا في القوة الروحية ومرجعية موحدة تتجاوز علل التفتيت الجغرافي والتشتيت التاريخي والهوان الوجودي؟ ولكن كما قال ابن خلدون فإن \"فساد معاني الإنسانية\" يلغي القدرة في كيان الفرد والجماعة لأن ما في الإنسان من طاقة روحية وقوة عضوية تنخذل فتصبح شبه خواء وجودي وهو معنى \"اعجاز نخل خاوية\" .تشعر وكأن الكائن ليس حيا إلا في حدود الوجودي النباتي .وذلك هو معنى يأكل أكل الأنعام. فتحصل حالة عامة تسيطر على الجميع تجعل الوصف الأتم لما عليه الشعوب بصورة شبه عامة تحيا ما يسميه القرآن الكريم الإخلاد إلى الارض بحيث إن الجميع يلهث وراء المفقود الذي يتعين في ما وصفناه بحال العملة والكلمة .الجميع متوجس من الجميع فلا وجود لثقة بين الناس ولا معبود لهم غير عملة مآلها الإفلاس. فيتصاحب في الجماعة ما وصفه ابن خلدون في فصل «في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وأنها مؤذنة بفساده» (« :)4.18وأما فساد أهلها (المدينة) في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيله بحصول لون آخر من ألوانها .فلذلك يكثر منه الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غيره وجهه وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم جريئين على الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الإيمان والرياء في البيوعات ثم تجدهم لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف أبصر بطق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم الذين أبو يعرب المرزوقي 77 الأسماء والبيان
-- تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة و يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر وما يتوقعونه من ا لعقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم\". وهذا هو القصد بفساد معاني الإنسانية الخلدوني .ومن يقرأ هذا النص لا يمكن ألا يقول في نفسه :ها نحن نرى تماما في كل مدينة عربية وخاصة كبرى المدن ما يصفه ابن خلدون أدق وصف وأصدقه .وتلك هي علة هذا الخواء الوجودي الذي يتعين في ما يتصل بمفهوم الإخلاد إلى الأرض لأن الكلاب التي تلهث هذا وصفها وهو عين ما يجعل الجميع مستسلما لعلتيه :التربية والحكم العنيفين اللذين يفقدان الإنسان كل معاني الإنسانية فيجعلانه كما وصف القرآن كلبا يلهث دائما سواء حملت عليه أم لم تحمل. أبو يعرب المرزوقي 78 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 79 الأسماء والبيان
Search