Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore العملة والكلمة، أو كيف تصبح الأداتان سلطانين؟ - أبو يعرب المرزوقي

العملة والكلمة، أو كيف تصبح الأداتان سلطانين؟ - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-04-08 15:56:39

Description: العملة والكلمة، أو كيف تصبح الأداتان سلطانين؟ - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫فالمعلوم أن كل إنتاج مشروط بإنتاج شروطه قبله ليوجد وبإنتاج مشروطاته بعده ليبقى‬ ‫ويستمر‪ :‬فكل إنتاج سوق للإنتاجات المشروطة فيه وكل ما هو مشروط به من بعده هو‬ ‫سوقه‪ .‬فيكون من التعاون بين أصحاب الإنتاج الأوسط مع اصحاب الشارط وأصحاب‬ ‫المشروط ليكون تمويل الاستثمار خاضعا لنفس هذا الترابط‪ .‬وسأخصص دراسة لهذا الحل‬ ‫الذي يغني عن النظام البنكي بالربوي وهو غير خدعة ما يسمى بالبنك الإسلامي الذي هو‬ ‫أكثر ربوية من البنك اللاإسلامي‪.‬‬ ‫ويمكنني أن أزعم أن الإسلام يمكن أن يحرر الإنسانية كلها من النظام البنكي دون أن‬ ‫يزيل الحاجة إلى التمويل شرط كل استثمار ومن ثم شرط كل تعمير وذلك بآلية تغني‬ ‫نهائيا عن مافية مافيات العالم كلها أعني ملاك البنوك (معدن العجل) وبالتبعية ملاك‬ ‫السيطرة على الثقافة من حيث هي فاعلة وعلة غائية للاقتصادي أي البحث العلمي‬ ‫والفنون‪ .‬لتصبح هذه جميعا تابعة لهذا المنطق التعاوني القابل للتطوير بصورة تجعله أكثر‬ ‫فاعلية من النظام البنكي والإعلامي الحاليين شرطين للتبادل والتواصل في تفاعلهما الموجب‬ ‫الذي أصف بعض تجلياته في هذه المحاولة‪.‬‬ ‫وهذان هما بابا الإنفاق من الرزق في القرآن طبعا مع ما يتعلق بما تحتاج إليه الدولة‬ ‫لحماية الجماعة ورعايتها‪ .‬وهذا في الحقيقة فرع عن الأولين‪ :‬فحماية الجماعة لا تكون‬ ‫بالجيش ورعاية بالخدمات إلى إذا كانت الأمة قد أعدت كيانها العضوي (بناء الإنسان‬ ‫بدنيا) والروحي (بناء الإنسان روحيا)‪.‬‬ ‫وهنا نكتشف السر‪ .‬فـما الذي يوجد في الإنسان يجعله يصبح هو صاحب السلطان على‬ ‫العلمة والكلمة بدلا من أن تكونا هما ذاتي السلطان عليه؟‬ ‫فلا يتحرر الإنسان من سلطان رمز الفعل وفعل الرمز على غيره إلا إذا صار هو ذا سلطان‬ ‫عليهما لأن تسلطه بهما على غيره علته سلطانهما عليه‪.‬‬ ‫ولكي يفهم القارئ ذلك فالبخل يجعل الأب يحرم أبناءه والبخل يحول دون الإنفاق لوجه‬ ‫الله فيكون رياء إن حصل‪ .‬والبخل هو سلطان المال على صاحبه‪ .‬ونفس الشيء يقال عن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الخداع بالقول أو النفاق‪ .‬فالنفاق هو الخداع بالقول الذي يظهر عكس ما يبطن وفيه‬ ‫يصبح حتى الفعل طعما لتمرير الخداع القولي وهو مرض ذاتي‪.‬‬ ‫وإذن فالعلاج القرآني لهذين المرضين علاج نفسي عميق وهو مبني على رؤية خلقية‬ ‫لعلاقة الإنسان بأداتي التبادل والتواصل وانقلابهما إلى سلطان على المتبادلين والمتواصلين‬ ‫بسبب سلطانهما على صاحبهما‪ :‬ولهذه العلة فلا يمكن لحاكم أن يسيطر ماديا ما لم يكن معه‬ ‫مرب مسيطر روحيا على جماعة من العبيد‪.‬‬ ‫ولذلك فالشورى ‪ 38‬وصلت البداية (العلاقة المباشرة بالرب) بالغاية (الإنفاق من‬ ‫الرزق) بوسط بينهما يحدد طبيعة الحكم (الأمر أمر الجماعة) وأسلوب الحكم (شورى‬ ‫بينهم)‪ .‬ولم يفهم علماء الإسلام ذلك وإلا لما حرفوا الشورى ليجعلوها مشورة اختيارية‬ ‫يقدمها مفتي السلطان للإيهام بأنه يطبق شرع الله‪.‬‬ ‫شرع الله لم يقل الشورى مشورة المفتي اللحاس للسلطان المستبد والفاسد بل قال \"شورى‬ ‫بينهم\"‪ .‬ولم يقل الامر أمر أولي الأمر بل قال \"أمرهم\"‪ .‬فالأمر أمر الجماعة والشورى‬ ‫شوراها‪ .‬ولا يكون ذلك كذلك إلا لمن استجاب لربه وأنفق من رزقه‪ .‬ولا يوجد بين الرب‬ ‫والمؤمن وسيط وبينه وبين رزقه وصي‪.‬‬ ‫اقتربنا من الجناح الثاني في معادلة تصنيف النخب‪ .‬مررنا من الجناح السابق على القدرة‬ ‫لأنه علة فاعلية (الإرادة والمعرفة) وتكلما على القدرة المادية والروحية أو الاقتصاد‬ ‫والثقافة فتين لنا أن الكلام لا يمكن أن يكون كافيا من دون الذهاب إلى الجناح اللاحق‬ ‫الذي هو العلة الغائية (الوجود والحياة) أي الرؤية الوجودية والذوق‪.‬‬ ‫وها قد رأينا أن الرؤية والذوق كلاهما متصل بالتفاعل بين رمز الفعل (العملة التي هي‬ ‫رمز الثروة والاقتصاد المادي واللامادي) والفعل الرمز (الكلمة التي هي رمز التراث‬ ‫والثقافة العلمية والذوقية) وما يحدث بينهما من تفاعل يمكن أن يتحول إلى سلطان‬ ‫استبداد وفساد أو سلطان حرية وصلاح بالرؤية‪ .‬ورأينا طبيعة التحولين في دور العملة‬ ‫والكلمة من أداتين إلى سلطانين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فالتحول الذي يجعل العملة مولدة لسلطان على المتبادلين هو الربا في المتاجرة‬ ‫بالعملة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والتحول الذي يجعل الكلمة مولدة لسلطان على المتواصلين هو الخداع بالقول‬ ‫النافي للفعل‪.‬‬ ‫وقد شخص الإسلام هذين الداءين كما هو بين من حكم الربا (حرب الله) وحكم القول‬ ‫المغاير للفعل (المقت الأكبر) وقدم بديلا هو الإنفاق من الرزق أساسا ماديا وروحيا وتطابق‬ ‫القول والفعل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلت الآن إلى بداية نهاية المحاولة‪ :‬وأبدأ بملاحظة أوجهها للقراء‪ .‬فقياسا على علاقة‬ ‫البصيرة بالبصر استخرجت علاقة السميعة بالسمع والشميمة بالشم والذويقة بالذوق‬ ‫واللميسة باللمس‪ .‬وسميت هذه المعاني بالحوادس‪ .‬وهي ما يعنيه بالقرآن لهم أعين لا‬ ‫يرون بها وآذان لا يسمعون بها إلخ‪ ..‬ما أكتبه للشباب بجنسيه هو لجعلهم ينتقلون من‬ ‫الحواس إلى ما ورائها أي إلى الحوادس‪ :‬فمن يقف عند الحواس هو من يصدق عليه \"صم‬ ‫بكم عمي فهم لا يعقلون\"‪ .‬وحينها يمكنهم أن يفتحوا القرآن لقراءته وأن يقرأوا مصنفات‬ ‫الفلاسفة‪ .‬وهم حينها سيدركون التطابق بين لديني كما يحدده القرآن والفلسفي كما‬ ‫يحدده العقل المدرك لحدوده والحكيم الذي لا يعتبر نفسه مقياس الوجود‬ ‫وهذا التقديم ضروري لأن انتقالنا من دراسة العلة الفاعلة للقدرة المادية والروحية أو‬ ‫الاقتصادية والثقافية إلى دراسة العلة الغاية للقدرة المادية والروحية يقتضي أن نفهم‬ ‫معنى الرؤية الوجودية والذوق بمعنييه الجمالي والجلالي أو المتعلق بأسمى اللذات المادية‬ ‫والروحية‪ :‬مطلوب فصلنا الأخير‪.‬‬ ‫والآن انتقل بصورة فجئية من الكلام من منطلق ذي صلة مباشرة بالإسلام إلى منطلق‬ ‫ذي صلة مباشرة بالفلسفة وكيف حرفت فصارت معادية للدين في مرحلتي تاريخنا الفكري‬ ‫الأولى التي سيطرت عليها فلسفة أفلاطون وأرسطو تحريفا لقدرة لعقل والثانية التي‬ ‫سيطرت عليها فلسفة هيجل وماركس تحريفا لقدرة العقل‪.‬‬ ‫وهو تحريف لم يحاول الفكر الغربي التخلص منه إلا عند كنط تخلصا لم يعمر طويلا‪.‬‬ ‫وحاول التخلص منه عندنا الغزالي وابن تيمية وابن خلدون لكن دون جدوى لأن محاولتهم‬ ‫كانت صيحة في خلاء روحي وفكري أصاب الأمة بالكساح حتى كادت تصبح أثرا بعد عين في‬ ‫مستوى التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫وأول شيء ينبغي تقريره هو التناظر التام بين علاقة أرسطو بأفلاطون وعلاقة ماركس‬ ‫بهيجل‪ .‬فما حاول الأول في الحالتين السمو به إلى المثل أرجعه الثاني إلى ما يعتبره الاول‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نسخا منها‪ .‬المفارقة المثالية الأفلاطونية والتعالي الذاتوي الهيجلي كلاهما حيث من قبل‬ ‫أرسطو وماركس لتوحيد العالمين‪.‬‬ ‫لكن أرسطو فشل في تحديد طبيعة المنزلة التي ينسبها إلى مثال المثل ‪-‬وسماه المحرك‬ ‫المطلق‪-‬يناظره ما فشل فيه ماركس في تحديد طبيعة المنزلة التي ينسبها إلى روح الأرواح‪-‬‬ ‫وسماه الإنسان المطلق‪ .‬بقيت المواجهة بين الله والإنسان معضلة المعضلات في الفلسفة‬ ‫بدايتها وغايتها المضاعفتين‪.‬‬ ‫وبذلك فالرؤى الفلسفية لا تخلو من أن تكون أحد عناصر هذا المربع الذي بدأت به‬ ‫الفلسفة عندما تصورت أنها تحررت من الميثولوجيا لتصبح كما تدعي علما بالمعنى القديم‬ ‫للعلم وانتهت به الفلسفة عندما تصورت أنها تحررت من الإيديولوجيا لتصبح كما تدعي‬ ‫علما بالمعنى الحديث للعلم‪ .‬فعادت إلى حيث كانت‪.‬‬ ‫جمعت بين الميثولوجيا الثيولوجية والايديولوجيا الانثروبولوجية‪ :‬ومعنى ذلك أن المربع‬ ‫‪-‬أفلاطون أرسطو هيجل ماركس‪-‬يعني في الحقيقة مشكل العلاقة بين الثيولوجي‬ ‫والانثروبولوجي يعود من جديد بوصفه ما ظن أرسطو تجاوزه بالقياس إلى أفلاطون وظن‬ ‫ماركس تجاوزه بالقياس إلى هيجل‪ :‬وتلك غفلة حداثيينا‪.‬‬ ‫وحتى أوجز قصدي فليس يعنيني كثيرا أفلاطون وأرسطو وهيجل وماركس رغم أنهم‬ ‫يمثلون المادة الأساسية لتكويني الفلسفي‪ .‬ما يعنيني هو تحول الفلسفة القديمة إلى باطنية‬ ‫في فكرنا الوسيط وتحول الفلسفة الحديثة إلى علمانية في فكرنا الحديث‪ .‬وأثر التحولين‬ ‫في التربية والحكم هي غاية الكلام في الرؤية التي يعتبرونها عقلانية وهي عندي دغمائية‬ ‫لا يؤيدها العقل المدرك لحدود علمه المحدود جدا‪.‬‬ ‫ولو اعترف الإنسان بهذه المحدودية لتأكد له أن الفكر الميثولوجي بحق هو هذا الفكر‬ ‫الذي يتصور الوجود مقصورا على ما ندركه منه وأن الإنسان يمكن أن يصدق نفسه بأنه‬ ‫سيد العالم ومالكه كما يزعم ديكارت‪ .‬ولست أستثني نفسي من هذه الغفلة وما كنت لأقول‬ ‫ما أقوله الآن لو بقيت مقتنعا بالمقابلة \"فلسفي ديني\" كما كنت قبل أن أعود إلى قراءة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القرآن بعد أن قلوته نصف قرن كامل بين طفولتي وبلوغي سن محاسبة النفس ككل إنسان‬ ‫بدأ في طفولته بتعلم القرآن دون قدرة على الفهم والتحليل ككل أبناء الجيل‪.‬‬ ‫وحتى تصورنا إلى الآخرة فهو مجزوء لأن قراءة القرآن في مستوى أولي قد توحي بأنه‬ ‫جنيس ما نعيشه في هذا العالم‪ .‬لكن ذلك ليس إلى طريقة في الإخبار بالتقريب وليس دليل‬ ‫قول ما عليه الأمر إذا كما يصفه القرآن في المستوى الأعمق بمعنى أن كل قوانين هذا العالم‬ ‫لا تنطبق عليها‪ :‬فلا يمكن أن يكون ما يحصل في الآخرة مجانسا لما يحصل هنا ولا يمكن‬ ‫كذلك أن يكون مجرد خيال لأن الخيال لا يستطيع تخيله أبدا‪ .‬فهو الممكن المطلق الذي‬ ‫يعجز الخيال عن تخيله ولا يستطيع العقل نفيه إلا عنادا أساسه توهم ذاته مقياسا لكل‬ ‫شيء موجوده ومعدومه‪.‬‬ ‫في محاولة لفهم السلفية الأولى (ابن حنبل في النظر والعقد والأشعري في العمل‬ ‫والشرع) والسلفية الثانية (ابن تيمية في النظر والعقد وابن خلدون في العمل والشرع)‬ ‫وذلك خلال تقديم محاضرة حول الموضوع في ندوة حول الوهابية بينت أن الإشكالية هي‬ ‫علاج المقابلة بين الديني والفلسفي في المجالين‪.‬‬ ‫وكنت أعجب حقا من أن من يسمون فلاسفة في عصرنا الوسيط‪ .‬كانوا كلهم يعتقدون في‬ ‫أمرين لا يمكن لمسلم قرأ القرآن وفهم أهم ثورتين يمثلهما أن يعتقد فيهما دون الوعي‬ ‫بالعمق النقدي القرآن لهما نقدا صريحا‪ .‬ومثلهم فلاسفتنا المحدثون وخاصة الماركسيون‬ ‫والهيجليون منهم‪ .‬فلا أحد يصدق الكذبتين التاليتين من دون أن يعتقد أن العالم الذي‬ ‫ندركه بحواسنا هو العالم الوحيد الممكن وأنه يرد إلى ما ندركه منه حتى لو سلمنا بكونه‬ ‫الوحيد الممكن‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن علم الإنسان محيط والوجود مطلق الشفافية‪.‬‬ ‫‪ .2‬وأن الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه‪.‬‬ ‫وأن أيا منهم لو لم يغفل عن هذين الثورتين لما وقف نفس الموقف الذي وقفه أفلاطون‬ ‫وأرسطو فتوهم أنه يمكن أن يرد إلى العقل بالتأويل ما يسميه ظاهر القرآن إلى باطنه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الذي يجده في العلوم الفلسفية التي يعتبرها عين الحقيقة المطلقة بالتأويل فيتجرأ أكبرهم‬ ‫وآخرهم بقلب حقيقة آل عمران ‪ 7‬باطنيا‪.‬‬ ‫فأثبت بذلك أن كل فلاسفتنا كانوا باطنيين ولهذه العلة وجدت المعركة الزائفة بين‬ ‫الكلام والفلسفة حول العلاقة بين الإيمان والعلم والمعركة الأكثر زيفا بين الفقه والتصوف‬ ‫حول العلاقة بين القانون والأخلاق والجمع بين المعركتين الزائفتين في تفسير القرآن بقلب‬ ‫فصلت ‪ 53‬وآل عمران ‪ 7‬باطنيا‪.‬‬ ‫مشكل الرؤية هو إذن حاليا كما كان في عصرنا الوسيط مقابلة بين الموقف الباطني من‬ ‫الإسلام في النظر والعقد وفي العمل والشرع وهو ما يعني أن حداثيينا بخلاف ما يتوهمون‬ ‫لايزالون قائلين بنظرية المعرفة المطابقة وبنظرية القيمة المطابقة ولذلك فهم شديدو‬ ‫الفخر بالانتساب إلى ابن رشد والاعتزال‪.‬‬ ‫وعندما تسمعهم يدندنون متغنين بالعقل تفهم أنهم لا عقل لهم خاصة إذا أضافوا الكلام‬ ‫على ما يسمونه الواقع‪ .‬وليست أدري كيف يمكن لمن يقارن العلوم التي بنيت على الفلسفة‬ ‫القديمة والعلوم الحديثة التي دحضتها وبينت قصورها أن يظل قائلا بالمشترك بينها‬ ‫ومعتقد هيجل وماركس في حماقات من جنسها‪.‬‬ ‫وترد هذه حماقتين لا تختلفان عن الوهمين الأفلاطوني والأرسطي القائلين بأن المعرفة‬ ‫مطابقة لأن الوجود عقلي بذاته يدركه العقل الإنسان إدراكا مطابقا وأن الوجود في ذاته‬ ‫لا يختلف عنه في إدراك الإنسان ومن ثم فالعالم كله يرد إلى الصورة التي للإنسان عليه‬ ‫فيعتبر علمه به علما محيطا‪.‬‬ ‫لكن السلفية ليس دون ذلك وقوعا في نفس هذا الخطأ والإساءة إلى القرآن‪ .‬فهم‬ ‫يزعمون أن ما يتجاوز به الوجود العقل يعلمه الوحي وأنه موجود في القرآن‪ .‬وهذا كذب‬ ‫على القرآن‪ .‬فالقرآن يخبرنا بوجود الغيب أي بما ليس قابلا للعلم إنسانيا‪ .‬لكنه لا يحتوي‬ ‫على علمه بحيث مثلا يكون الرسول يعلمه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكل كلام على توقعات المستقبل في السنة ليس دليلا على علم الوحي بل هو دليل على‬ ‫استراتيجية الدولة الكونية التي تستقرأ من كل نصوص القرآن‪ .‬وهو ليس كلاما خبريا بل‬ ‫كلام تشجيعي على تحقيق خطة بصيغ خبرية تدليلا على الثقة في الخطة وليس على كونها‬ ‫علما بالغيب‪ .‬فمثلا الكلام على فاتح القسطنطينية ليس اخبارا بالغيب بل إبداع لطموح‬ ‫يتسابق بمقتضاه شباب الأمة من اجله في الخيرات أي تحقيق وعود الاستراتيجية الإسلامية‬ ‫لتحقيق الدولة الكونية‪.‬‬ ‫وإبداع الطموح يعتمد على خلق الهدف وصفات القادرين عليه فيكون الكلام شرطيا‬ ‫وليس خبريا‪ .‬فلكأن القول يعني الهدف كذا يحقق من يتصف بكذا وكذا فيصبح السعي‬ ‫للاتصاف بتلك الصفات هو الذي يحقق الشرط فيحقق المشروط‪ .‬وهذا سر كل تربية‬ ‫ناجحة‪ .‬ولما كان كلام الرسول من حيث هو مرب موثوقا به وذا مصداقية فإن الشرطية‬ ‫لمتعلقة بالمستقبل تتحول إلى خبرية لكنها ليست علما بالغيب‪.‬‬ ‫وعلماء الملة يزعمون أن القرآن فيه علم الغيب‪ .‬ومن ثم فهم يكذبون القرآن والرسول‬ ‫الذي ينفي علمه بالوحي‪ .‬وهم يزعمون ذلك حتى يدعوا أن لهم بالوراثة عنه القدرة‬ ‫على تجاوز ما يعلمه العقل‪ .‬وهذه سفاهة وليست علما وهدفها تأسيس الوساطة في التربية‬ ‫لتسند الوصاية في الحكم أي الاستبداد والفساد‪.‬‬ ‫لقرآن يعلمنا بوجود الغيب ويعلمنا في آن بأنه محجوب على الإنسان من حيث هو إنسان‬ ‫ومن ثم حتى على الرسل والجمع بين المعيين يعني أن الغيب هو الفرق بين الوجود وعلمه‬ ‫وهو فرق لا يتجاوزه إلا العلم المحيط أي الله وحده‪ .‬وهو فرق يعم الإرادة والعلم والقدرة‬ ‫والحياة والوجود وينفرد به الله‪.‬‬ ‫وهذا هو الديني ولا شيء غيره‪ .‬الديني هو النظر المصحوب بالعقد الذي هذا مدلوله‬ ‫(نظرية المعرفة التي لا تقول بالمطابقة بين الموجود والعقل) والعمل المصحوب بالشرع‬ ‫الذي هذا مدلوله (نظرية القيمة التي لا تقول بالمطابقة بين المنشود والإرادة)‪ :‬وذلك ما‬ ‫أدركته الفلسفة ونكص عنه هيجل وماركس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويكفيني الآن أن أشرح علة جمعي بين النظر والعقد في نظرية المعرفة وجمعي بين‬ ‫العمل والشرع في نظرية القيمة والاولى هي العلة الفاعلة للقدرة ببعديها المادي‬ ‫(الاقتصاد) والروحي (الثقافة) والثانية هي العلة الغاية للقدرة بنفس المعنى وبها أختم‬ ‫هذه المحاولة التي كما ذكرت يعسر تبسيطها أكثر‪.‬‬ ‫جمعت بين النظر والعقد لبيان سفاهة المقابلة بين الفلسفي والديني بدعوى الأول عقلي‬ ‫والثاني نقلي‪ .‬وهي خرافة يقول بها رجال الدين ورجال الفلسفة ‪-‬وعندنا خاصة‬ ‫نساؤهما‪-‬وهو دليل \"بهامة\" وليس فهامة‪ .‬فالعلم نظر ينطلق من عقد مضاعف‪ :‬أن الوجود‬ ‫له قوانين وأن الانسان قادر على علمها‪ .‬وهذان عقيدتان‪.‬‬ ‫وهذان العقدان دليلهما الوحيد نقلي وبعدي‪ .‬فالعالم ينطلق من فرض وجود قانون‬ ‫ويبحث في الطبيعة فيكتشف نقلا ما يثبت الانتظام في مجرى الطبائع فيصوغ قانونا يعبر به‬ ‫عما وجده نقلا عن محرى الطبيعة ويعتبر ذلك دليلا على أن فرضه صحيح بقدر تثبته من‬ ‫النقل ومراجعته‪ .‬وإذن فالعقلي لا يكون عقليا إلا بقدر ما هو نقلي بمعنى أن النظرية‬ ‫ليس لها أدنى معنى إذا لم تؤيدها التجربة إما حالا أو لاحقا‪.‬‬ ‫وطبعا فالكلام يتعلق بالعلم الذي له موضوع مستقل عن العلم الذي يضعه في تجربة‬ ‫ذهنية خالصة من جنس ما يسميه ابن تيمية بالمقدرات الذهنية‪ .‬في هذه الحالة لا معنى‬ ‫للتجربة الخارجية‪ :‬تكفي التجربة الذهنية التي تكتفي بالتناسق المنطقي لمنظومة من‬ ‫الرموز المقدرة ذهنيا والتي تستغني عن قيم تعطى لها من موضوع خارجي تطبق عليه‬ ‫بالتناظر بين البنية المجردة وما يعتبر بنية الموضوع على الأقل فرضيا‪ .‬فنكون وكأننا نميز‬ ‫بين نوعين من المعرفة‪:‬‬ ‫‪ .1‬معرفة لعالم ليس من إبداعنا وهو ما نعتبره العالم الخارجي الذي نتوهم أنه‬ ‫واحد ولا شيء يثبت ذلك عدا الاعتقاد‪.‬‬ ‫‪ .2‬معرفة لعوالم من إبداعنا وهي ما نعتبره مقدرات ذهنية ولا شيء يثبت أنها‬ ‫ليست قابلة لأن تكون فعلا موجودة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد وضعت مفهوما ثانيا للإبداع الذهني قياسا على الذي تكلم عليه ابن تيمية‪ :‬فهذا‬ ‫يعني الإبداع الذهني الذي من جنس الرياضيات‪ .‬والذي قسته عليه هو الذي من جنس‬ ‫الميثولوجيات‪ .‬وإذا كان النوع الأول شرط كل معرفة علمية لأنه يمثل أساسها الصوري فإن‬ ‫النوع الثاني هو شرط كل إبداع قيمي لأنه يمثل أساسها الصوري كذلك‪ .‬ومن ثم فالصورة‬ ‫نوعان‪ :‬معرفية وقيمة‪ .‬والأولى تطابق قوانين الضرورة الطبيعية والثانية تطابق سنن‬ ‫الحرية التاريخية‪.‬‬ ‫لكن تعدد قوانين الضرورة الطبيعية يرجعها هي بدروها إلى حرية متجاوزة لمعناها عند‬ ‫مقابلتها بالضرورة الطبيعية التي نعتبرها نظام عالمنا‪ .‬وتعدد سنن الحرية التاريخية‪.‬‬ ‫وذلك ما يثبت أن الإيمان بوجود أكثر من عالم وأكثر من نوع قانوني وأكثر من نوع سنني‬ ‫هو الاقرب إلى المعقولية التي لا يدعي صاحبها الإحاطة بالغيب لأن الغيب محجوب بنص‬ ‫القرآن‪ .‬وحتى ما يعلم الله به الرسول فهو يفقد صفة الغيب بمجرد أن أعلمه به لأنه ملزم‬ ‫بتبليغه وإلا لما كان أصدق الصديقين‪.‬‬ ‫فما بلغه ليس غيبا ولو علم غيبا لم يبلغه لكان عاصيا وما عليك إلا البلاغ ولما كان قد أتم‬ ‫مهمته التي هي التبليغ وقد قال إنه أتمها في حجة الوداع‪\" :‬اللهم إني بلغت\" التي رددها‬ ‫فيها كثيرا‪ .‬ولهذه العلة لم يدع القرآن أن الرسول يثبت حقيقته بالأعجاز والنقل بل‬ ‫بنفس ما يثبت به العلم حقيقته سواء كان من النوع الأول أو من النوع الثاني من القوانين‬ ‫الطبيعية وبنفس ما تثبت به القيمة حقيقتها سواء كانت من النوع الأول أو من النوع الثاني‬ ‫من السنن التاريخية‪.‬‬ ‫وذلك هو مدلول فصلت ‪ .53‬فنحن نتبين أن القرآن حق بما يرينا الله من آيات في الآفاق‬ ‫وفي الأنفس دون أن نزعم أن ما نراه منهما يقبل الرد إلى ما نعلم من الموجود أو ما نقيم‬ ‫من المنشود‪ .‬ولا أشك أن أي عاقل يفهم بالآفاق والأنفس ما يوجد في العالم وفي ذات‬ ‫الإنسان أي النظر والعقد في الحقيقة والعمل والشرع في القيمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ونصل الآن إلى علة الجمع بين العمل والشرع بعد رأينا علة الجمع بين النظر والعقد‪.‬‬ ‫وليس القصد بالشرع الشرع السماوي لأن أعلمنا بأنه يعلم مما يرينا الله من الآيات في‬ ‫الآفاق وفي الأنفس وليس من علم الغيب ولا خاصة من تأويل المتشابه الذي يعني زبغ القلب‬ ‫وابتغاء الفتنة‪ :‬القصد أن شرط العمل القانون ذي الغاية الخلقية في نفس الوقت‪.‬‬ ‫وبذلك فقد بينا زيف المعركة بين الإيمان والعلم للتلاحم الذي بيناه بين النظر والعقد‬ ‫وزيف المعركة بين الأخلاق والقانون لما بيناه من تلاحم بينهما‪ .‬ومن ثم فالمتكلم والفيلسوف‬ ‫والفقيه والمتصوف حرفوا الديني والفلسفي بسبب ظنهم أن فلسفة أرسطو وأفلاطون قديما‬ ‫وفلسفة هيجل وماركس حديثا علم مطلق‪.‬‬ ‫ألم يقل الفارابي في علم أرسطو \"العلم تم ولم يبق إلا أن يتعلم ويعلم\"؟ ألم يعتبر‬ ‫الجابري ابن رشد ممثلا للعقلانية؟ وهل يوجد مثقف عربي اليوم لا يعتبر ماركس وقد‬ ‫يصل أفضلهم إلى هيجل ناطقا بالكلمة الأخيرة في الحقيقة الاجتماعية والاقتصادية‬ ‫ويسمون فكرهم واقعا يقيسون به القرآن؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لم يكف الفصل التاسع‪ .‬نواصل في ثلاثة فصول هذا واثنين آخرين‪ .‬فنحن لمن نتمكن‬ ‫فنحقق الخروج من صدام الرؤيتين التي تدعي الاستناد إلى الدين والتي تدعي الاستناد‬ ‫إلى الفلسفة‪ .‬والأولى كان أفلاطونية أرسطية وهي التي سيطرت ليس علينا وحدنا بل‬ ‫حتى أوروبا عاشت عليها‪ .‬والثانية هيجلية ماركسية وهي عامة كذلك‪.‬‬ ‫وقد أجد عذرا لفلاسفتنا القروسطيين في تصديقهم للرؤية الأرسطية الأفلاطونية التي‬ ‫سيطرت على أكابرهم‪ .‬فنموذج التفسير الهيلومورفي قياسا على الصناعات البدائية ونموذج‬ ‫تفسير حركة السماء قياسا على الرب الـ\"نرسيسي\" (المحرك الذي لا يتحرك ولا يعشق إلا‬ ‫صورته وتحاكيه الأفلاك التي لها أرباب من جنسه من يصدقها في عصرنا؟)‬ ‫لكني لا أجد عذرا لـ\"فلاسفتنا\" التحديثيين في تصديقهم للرؤية الماركسية الهيجلية التي‬ ‫تسيطر على \"اكابرهم\"؟ من يفسر التاريخ بصراع الطبقات أو الأرواح لو كان يفهم تعقيد‬ ‫الثقافة وتعقيد الاقتصاد كما نصف في هذه المحاولة وسذاجة الصراع الجدلي بدل التفاعل‬ ‫البنيوي العام في الرموز سواء كانت معبرة عن القيم المعنوية (هيجل) أو عن القيم المادية‬ ‫(ماركس)‪.‬‬ ‫لكن الغرب بدأ يتحرر من هذه الخرافات وهو في الحقيقة عاد إلى ما أدت إليه محاولات‬ ‫تجاوز هيجل وماركس‪ .‬فلا الرأسمالية بقيت تقول بليبرالية هيجل والاشتراكية بشيوعية‬ ‫ماركس‪ .‬ومن ثم فالعودة صارت حتى إلى ما قبل أفلاطون وأرسطو العود إلى المثيولوجيا‬ ‫غير الثيولوجية بل الأنثروبولوجية وهي ما بعد الحداثة‪.‬‬ ‫ويمكن أن نعتبر ما نكصت عنه الهيجلية والماركسية هو ما بدأ مع ديكارت وبلغ الذروة‬ ‫مع كنط‪ .‬فديكارت يمثل الحد الأوسط‪ :‬قبله ثلاثة قرون وبعده ثلاثة قرون تتخبط‬ ‫للوصول إلى الحل الكنطي‪ .‬والقرون الثلاثة المتقدمة عليه أي الخامس عشر والرابع عشر‬ ‫والثالث عشر هي قرون النهضة الأوروبية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهي قرون الخروج من مناخ القرون الوسطى وكانت غايتها عودة نقدية للفكر اليوناني‬ ‫وتغليب ما يمكن أن نقول إنه فهم العلاقة بين الديني والفلسفي ولذلك تزامن فيها‬ ‫الإصلاحان الديني والفلسفي اللذين فيهما للإسلام والعلاقة بالمسلمين دور رئيسي وهو‬ ‫مختلف تماما عما تصوره حداثيو العرب ونسبوه إليه‪.‬‬ ‫وقد بلغ ذلك ذروته في بداية القرن السادس عشر كإصلاح ديني حرر المسيحية من‬ ‫الوساطة الكنسية والوصاية الملكية بمنطق الحكم بالحق الإلهي وإصلاح فلسفي حررها من‬ ‫الميتافيزيقا وعوضها بالميتااثيقا كما بينت في فصل كتبته بالفرنسية عن فلسفته ديكارت‬ ‫والضمانة الإلهية بديلا من التحريك الطبيعي‪.‬‬ ‫والأهم من ذلك كله الدليل الذي اعتمده لإثبات الوجود الإلهي‪ :‬نفي القول بالمطابقة‬ ‫والإحاطة لأن أهم دليل عنده هو وعي الإنسان بنقص علمه وقدرته دليل على أن له وعيا‬ ‫بكمالهما وبنسبة هذا الكمال إلى الضامن الإلاهي لعلمه وقدرته اللذين ليسا وسوسة‬ ‫شيطانية بل حقيقة فعلية‪ :‬علاقة بالمدرسة النقدية‪.‬‬ ‫وبداية من هذا المنعرج صار المقدم في تعريف الإنسان هو عين التعريف الخلدوني\" رئيس‬ ‫بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" وفي شبه ترجمة حرفية يقول ديكارت إن الإنسان‬ ‫سيد ومالك للطبيعة‪ .‬فالملك ثمرة التعمير والسيادة ثمرة الاستخلاف‪ .‬وذلك يكون بالعلم‬ ‫والقدرة وهما تعريف ابن خلدون‪.‬‬ ‫وما أضافه كنط لإتمام هذا المسار هو بيان ما يملكه الإنسان وما هو سيد عليه‪ :‬إنه ما‬ ‫يناسب كيانه أي ما لا يستطيع تجاوزه في علم الموجود وعمل المنشود‪ .‬ومعنى ذلك أن مفهوم‬ ‫\"ما نفكر فيه\" دون أن نعلمه هو المفهوم الحد الذي وضعه ديكارت وصاغه كنط صوغا فلسفيا‬ ‫دقيقا وهو \"الشيء في ذاته\"‪.‬‬ ‫وهو عينه المفهوم الحد الذي وضعه الغزالي \"طور ما وراء العقل\" وعين المفهوم الحد‬ ‫الذي صاغ بعمق فلسفي أدق ابن تيمية عندما عرف التصورات الإنسانية بكونها تجري في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أفق لا متناه لا يمكنها الإحاطة به‪ .‬لكن الصياغة الأوضح وإن لم تكن الأعمق هي قول‬ ‫ابن خلدون‪ :‬الوجود لا يرد إلى الإدراك‪.‬‬ ‫لكن لن تجد من ادعياء الحداثة العرب من يقبل ذلك لسيطرة احكامهم المسبقة وجهلهم‬ ‫بتاريخ الفلسفة والدين وطبيعة العلاقة بينهما‪ .‬فيتجاهلون أن ديكارت مثله مثل كنط‬ ‫خريجي جامعات دينية وأن ديكارت أول ما كتب كان بطلب من رئيس الكنسية الفرنسية‬ ‫بمناسبة زيارة البابا وكان حول أدلة وجود الله‪.‬‬ ‫وحتى هيجل فإن آخر ما كتب وكان سينشره هو درسه حول أدلة وجود الله‪ .‬ومثله ماركس‬ ‫في رأسماله‪ .‬ومن أيسر الطرق لبيان تفاهة الكتابين أن الأول يتصور أن منطق الكلمة‬ ‫والرمز الغفل هو عين بينة الوجود والتاريخ والثاني أن منطلق العملة الغفل هو عين بنية‬ ‫التاريخ والوجود‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالكلمات تبدو دالة بالتقابل وهو أصل الجدل مطبقا على البعد الروحي‪ .‬لكن‬ ‫ذلك غير صحيح لأنه متأت من اختزال البنية الكلية لفعل الترميز في الانتاج الروحي في‬ ‫أحد تمظهراتها‪ .‬الكلمة أو الانتاج الروحي لا يدل بالتقابل حتى في مستوى الجهاز الصوتي‬ ‫بدليل أنه إذا تغير نطق حرف واحد يتبعه تغير كل المنظومة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والعملات تبدو مؤثرة بالتقابل وهو أصل الجدل مطبقا على البعد المادي‪ .‬لكن‬ ‫ذلك غير صحيح لأنه متأت من اختزال البنية الكلية لفعل الترميز في الانتاج المادي في أحد‬ ‫تمظهراته‪ .‬العلمة أو الانتاج الاقتصادي لا تدل حتى في مستوى الأسعار بدليل أنه إذا‬ ‫تغيرت قيمة أي بضاعة أو خدمة واحدة يتعبه تغير المنظومة كلها‪.‬‬ ‫وما يظن مقصورا على العملات لم يعد مقصورا عليها لأن اللغات صارت مثلها عالمية معنى‬ ‫ومبنى‪ .‬ومعنى ذلك أن الطابع البنيوي ليس خاصة بكلمة معين أو بعملة بل هو شامل لما‬ ‫يمكن أن نسميه خاصية الثقافة والتواصل وخاصة الاقتصاد والتبادل ليس مع المتعاصرين‬ ‫فحسب بل وكذلك مع السابقين والتالين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فالسابقون موجودون في الحاضر بما فعلوا وأنتجوا لأن الحاضر إما مستفيد من‬ ‫ثمرة عملهم وعلمهم أو مسدد لديونهم وقروضهم‪.‬‬ ‫‪ .2‬واللاحقون موجودون في الحاضر المتوقع مما سيفعلون وينتجون كما هو بين اعتماد‬ ‫الاقتصاد والثقافة على القرض والوعد‪.‬‬ ‫لكنك تجد جل خريجي دروس العربية في الجامعات العربية من يدعون التفلسف في مسائل‬ ‫لا يفقهون منها شيئا مثل ناصر حامد أبي زيد وعركون الشرفي وكل هؤلاء المتكلمين في‬ ‫الدين وفي الفلسفة بعكاكيز صفحية للتقريب الجمهوري‪.‬‬ ‫ولما حدث النكوص الهيجلي للثورة ضد الثورة الديكارتية الكنطية انتهت الفلسفة وعادت‬ ‫الميثولوجيا ولكن بوجه انثروبولوجي تعينت فيه الألوهية عند هيجل وتخلصت منها عند‬ ‫ماركس صرنا في لحظة بداية ما بعد الحداثة التي تجمع بين النزول إلى التاريخ الطبيعي‬ ‫بالصراع من أجل العيش والأسلوب السردي للفكر الإنساني‪.‬‬ ‫فكانت غاية التعين لهذا التحول ممثلة بنيتشة الذي هو بخلاف ما يتوهم الكثيرون تكرار‬ ‫لطبعة الإنسان‪-‬إذ هو دارويني‪-‬وأسطورة فاعلية الخيال الإنساني أو مثلجة الإنسان‬ ‫\"المبدع\" حد التأليه بعد أن صار نفي الشيء في ذاته بالهجيلي صنعا له من قبل الخيال‬ ‫الإنساني بأسلوب السرديات أو أهم فكرة تعتمدها ما بعد الحداثة‪.‬‬ ‫وليس بالصدفة أن طغت على فكر ما بعد الحداثة الامريكي في آن العودة للميثولوجيات‬ ‫التوراتية التي تؤسس للمسيحية الصهيونية وللصهيونة اليهودية في تأسيس سرديات الوجود‬ ‫الإنساني الذي يراد فرضه والذي يعود إلى الصراعين الهيجلي والماركسي لتمجيدهما‬ ‫صراع الأرواح أو الحضارات وصراع الطبقات‪.‬‬ ‫ولم يعد أحد يخفي أن القانون المطلق هو الأبيسيوقراطيا أي بعدا دين العجل‪ :‬سلطان‬ ‫المال والعنف وسلطان الإيديولوجيا والملاهي للسيطرة على العالم بالسلاحين العنيف‬ ‫واللطيف‪ .‬والرمز هي أمريكا‪ .‬وإذن فليس بالصدفة أن صارت الولايات المتحدة تعتبر‬ ‫الإسلام عدوها بديلا من النازية والشيوعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والأولى دين أصحابها المسيحية والثانية دين أصحابها اليهودية ومع ذلك لم يتهم أحد‬ ‫الدينين بالإرهاب‪ .‬وما قتلوه من البشر أو تسببوا في قتله يفوق كل ما قتل في حروب‬ ‫البشرية كلها منذ ما قبل التاريخ‪ .‬وتلك هي الرؤية التي تجمع بين الديني والفلسفي‬ ‫المحرفين كما يصفهما الإسلام رغم تقدمه عليهما بأكثر من ‪ 14‬قرنا‪ .‬ذلك أنه تكلم عليهما‬ ‫برمز دين العجل‪ :‬فمعدنه هو الذهب وهو العملة في العادة رمز القوة الاقتصادية وخواره‬ ‫هو الإيديولوجيا والملاهي في العادة رمز القوة الثقافية العدوانيتين‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فالإسلام هو الذي بدأ هذه الحرب‪ .‬والقرآن يعتبر الله قد أعلن الحرب‬ ‫على الربا وهو أساس سلطان المال في دين العجل ويعتبره قد أعلن أن أكبر شيئا عنده هو‬ ‫قول الإنسان ما لا يفعل‪ .‬والإيديولوجيا هي بالذات قول الإنسان الكذب وعلامته الكلام‬ ‫المعاكس للفعل كـالكلام على حقوق الإنسان عندهم‪.‬‬ ‫لكن القرآن لا يحاربهم بل هو وقاية منهم ولذلك فهو قد تقدم‪ .‬وهم الذين يحاربونه‬ ‫لأنهم ضد مناعة الإنسانية التي مثلها الإسلام تحريرا لها من هذين المرضين الخبيثين‪.‬‬ ‫الإسلام حصانة روحية ومناعة بدنية للإنسانية ومن ثم فهو ليس في علاقة جدلية صراعية‬ ‫مع غيره لأنه لا يقول بالعلاقة الجدلية‪.‬‬ ‫فالمرض ليس في علاقة جدلية مع الصحة حتى وإن كان ينفيها لكنهما ليسا وجهين لنفس‬ ‫الشيء بل ما بينهما من صراع إن وجد فهو لغياب شروط جعل العلاقة بينهما من طبيعة‬ ‫أخرى‪ .‬ذلك أن المرض يكون إما بسبب فيروس أو جرثومة‪ .‬وكلاهما كائنان حيان‪.‬‬ ‫والأحياء تعيش بعضها مع البعض بقوانين‪.‬‬ ‫فلو جعل الإنسان علاقته بالأحياء التي يعيش منها علاقة صراع لكان ما نراه اليوم من‬ ‫علاقة تهديمية للطبيعة أمرا طبيعيا ولما فهمنا علة الوصول إلى أن الإنسان ينبغي ألا يكون‬ ‫عدوا للطبيعة بل عليه أن يكون صديقا لها لأنها شرط بقائه‪ :‬فعنفه إزاءها ليس قانونا بل‬ ‫جهل بالقانون‪ .‬وأكبر دليل أمران من البايولوجيا‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فاستعمال المضادات الحيوية ينقلب فضلا عن كونه محاولة القضاء على الأحياء‬ ‫التي نحاربها خطر على النظام العام للحياة وللطبيعة‪.‬‬ ‫‪ .2‬واستعمال الأدوية في الزراعة من أجل الزيادة في الانتاج أدى إلى نفس الشيء‬ ‫وهو ما جعلنا نتكلم على الزراعة البايولوجية‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن ما كان يتصور قانونا طبيعيا هو في الحقيقة ثمرة جهل بالقانون الطبيعي‬ ‫فضلا عن قانون الحضارات والطبقات اللتين يفسر بهما هيجل وماركس التاريخ الإنساني‪.‬‬ ‫فهذا دليل على الجهل وليس على العلم بقوانين التحولات التاريخية‪ .‬ومن ثم فدرسها في‬ ‫القرآن أبعد غورا من هذه الرؤية التهديمية‪.‬‬ ‫وسأضرب مثالا عن التغير الحضاري يعتمد على التشبيه‪ :‬فالحداثي العربي لسخفه‬ ‫يدعي أن بناء المستقبل يقتضي تهديم الماضي ولذلك تجد فيهم من يدعو إلى قلب صفحة‬ ‫تراثنا وتبني تراث الغرب الحديث‪ .‬وهؤلاء يتصورن أن الميت يتغير‪ .‬لكأن الحية تستطيع‬ ‫أن تبدل ثوبها إذا قتلناها‪.‬‬ ‫الحضارة الحية حية تبدل ثوبها لأنها حية وهي التي تنسج الثوب الجديد ولا تستعيره‬ ‫من حضارة أخرى وهو ثمرة فاعليتها ولا يمكن أن يستعار‪ .‬والكلي فيه هو أنه لا يمكن ألا‬ ‫يكون نتاج الكائن الحي نفسه‪ .‬وهو لا يتميز بخصوصيته مثل لونه أو برقشته أو سمك‬ ‫جلدته بل بفاعلية إنتاجه التي هي عين الحياة‪ .‬وإذن فعلاقة هذه الرؤية بالإسلام ليست‬ ‫جدلية صراعية من المنظور الإسلامي بل هي كذلك من منظورها‪ .‬والدليل أن كل الثقافات‬ ‫الماضية تعايشت في دولة الإسلام الذي يعتبر التعدد الديني شرطا في أمرين جوهريين‬ ‫فيه‪:‬‬ ‫‪ .1‬شرط حرية المعتقد بعد تبين الرشد من الغي (البقرة ‪.)256‬‬ ‫‪ .2‬شرط التسابق في الخيرات لاختبار المعتقد (المائدة ‪.)48‬‬ ‫لا وجود لأدنى إرادة لفرض نمط واحد في الاعتقاد والتشريع بخلاف النمط الواحد‬ ‫غربي الذي ما يزال مسيطرا وخاصة في المعتقد وحدة التشريع‪ .‬ويكفي أن تنظر في تعدد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اللغات والثقافات والأعراق أين يوجد‪ .‬صحيح أن الغرب بدأ يدخل شيئا من التعدد في‬ ‫شعوبه‪ .‬لكن ذلك ظاهرة متأخرة جدا وهي بسبب الهجرة خلال الاستعمار‪ .‬لكن انظر ماذا‬ ‫فعلوا في الشعوب التي غزوها وانظر ماذا فعلت اسبانيا في الأندلس والأوربيون في أمريكا‪.‬‬ ‫قارن بالفتح‪.‬‬ ‫كم بقيت فرنسا في افريقيا؟ على الأقصى قرنين‪ .‬كم بقي الإسلام فيها؟ على الأدنى ‪12‬‬ ‫قرنا‪ .‬لم يقتل الإسلام ثقافة ولا لغة ولم يفرض لغته إذا ما استثنينا لغة العلم التي كانت‬ ‫مثل الإنجليزية حاليا‪ .‬انظر الجرائم التي قامت بها الفرنكوفونية التي ألغت مئات اللغات‬ ‫واللهجات وتحاول حتى تمسيح الشعوب المسلمة وغير المسلمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لم يبق إلا مشكل التعبير عن الحياة أو الذوق الذي هو غاية الغايات عند كل الكائنات‬ ‫الحية وله بعدان وتعينان‪ :‬بعد عضوي وهو الذوق الغذائي وبعد جمالي وهو الذوق الفني‬ ‫لكن الذوق الجنسي يجمع بينهما وهي مصدر كل الفنون‪ .‬أما تعينه فهما ما ذكرنا ثم الالعاب‬ ‫البدنية والعقلية‪ .‬وأصلها جميعا واحد‪.‬‬ ‫إن كونه الغاية من الحياة نفسها أو هي الحياة نفسها وهو مطلوب لذاته وليس من أجل‬ ‫شيء آخر إذ حتى الذوق الجنسي فإن دوره في تواصل النوع ليس هو سر قوته الجاذبة‬ ‫ولذلك فهو منفصل عنه التوالد عند الإنسان بمعنى أنه بخلاف الحيوانات ليس مقصورا‬ ‫على فصل الإخصاب بل هو دائم طيلة الحياة‪.‬‬ ‫وقد سميت الذوق الغذائي باستعارة فن المائدة والذوق الجنسي باستعارة فن السرير‪.‬‬ ‫وهما بذاتهما الذوقية فنان‪ .‬ومع ذلك فالإنسان لا يكتفي بما فيهما من فني من حيث الذوق‬ ‫العضوي بل يضيف إليهما ما يجملهما بانتخاب المأكول وطرق الطهي وقياسا عليها بانتخاب‬ ‫الجنس الثاني وطرق العلاقة الحميمة والإطار في حالتي المائدة والسرير‪ .‬وجل ما بين‬ ‫البشر من تنافس علته هذان الذوقان سواء في عاجل وجودهم أو في آجله‪.‬‬ ‫ولا يكتفي الإنسان بذلك بل يزيد الزينة للغذاء وعرضه وللجنس وعرضه حتى إن‬ ‫المائدة تصبح لوحة رسمية والبدن يصبح لوحة رسمية (ومنه الوشم والماكياج للجنسين‬ ‫الآن) فضلا عن اللباس والعبارة الجسدية وكل ما له علاقة بالتجميل التي لا تنتهي‪.‬‬ ‫وسنحاول وضع نموذج يعتمد على تفعيل دور الحواس الخمس‪.‬‬ ‫وهذا النظام لا يستمد من الذوق العضوي بل من الذوق اللاعضوي المتجاوز للغذاء‬ ‫والجنس‪ .‬إنه الفن بالمعني الناتج عن فعل الإنسان في المواد التي ترد إلى حيز المكان وحيز‬ ‫الزمان أي موضوع البصر وموضوع السمع وله في الحالتين علاقة بالرياضيات وبالشكل‬ ‫والحركة فيهما الفعلية بحامل ذي امتداد أو ذي مدة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والحامل ذو الامتداد هو موضوع فن تشكل الاجرام وهو الرسم السطحي والغائض‬ ‫والناتئ والنحت والبناء ولنطلق عليه اسما يوحدها وهو البصري والحامل ذو المدة هو‬ ‫موضوع فن تشكل الأصوات سواء كانت ناطقة أو غير ناطقة وهو السمعي وبجمع بينهما‬ ‫اللمس إما المادي أو الروحي وكلاهما حركة خارجية أو باطنية‪.‬‬ ‫ويجمع بينهما في كيان الإنسان البدني حركة الرقص الفعلي بالبدن كله ويشبه حركة‬ ‫القراءة الناطقة أو الرقص المتخيل في النفس وهو جنيس حركة القراءة الصامتة‪ .‬وكلاهما‬ ‫اهتزاز في كيان الإنسان يشبه نبض القلب ولكن المعبر عن سعادة اللذة الجمالية تتخلل‬ ‫البدن والروح‪ .‬ويسقطها الإنسان على حيزيه‪.‬‬ ‫فجمل مكانه وزمانه ليجعلهما عملين فنيين‪ .‬وهذا هو سر تحول الجغرافيا نفسها إلى ما‬ ‫يشبه الألواح الرسمية نظاما للمكان رسما ملونا والتاريخ إلى ما يشبه السمفونيات‬ ‫الموسيقية نغما موقعا‪ .‬وكل ما وصفت يصبح فنا من درجة أرقى عندما يترجم إلى أدب‬ ‫فيكون مضمون الأدب هو هذا المستوى التشكيلي الذي يصنعه الإنسان‪.‬‬ ‫لكن الفن الوحيد الذي تعمل فيه الحواس الخمس معا وفي آن هو لقاء الجنسين في التلاحم‬ ‫الحميمي‪ .‬ففقه يتدخل فن البصر وفن السمع وفن الشم وفن الذوق وفن اللمس‪ .‬وعندما‬ ‫تعمل الحواس الخمسة معا تكون اللذة الجمالية العضوية أسمى ما يمكن أن تتجاوز فيه‬ ‫الحياة نفسها إلى ما يشبه المطلق‪.‬‬ ‫ولذلك فالإسلام هو أول دين أدرك هذه الحقيقة فجعل الجنس عبادة بل وجعله أكبر‬ ‫جزاء في الآخرة ولا يعلو عليه إلى رؤية وجه الله التي هي الإدراك المطلق الذي يكون‬ ‫فيه البصر حديد بحيث ليس الجمع بين النظر (حدة الرؤية) والنظار (أي جمال الشباب)‬ ‫تلازم بالصدفة بل لأنهما حينها يتطابقان‪.‬‬ ‫وما أعجب له هو أن هذه المعاني التي هي جوهر ما يمكن أن ينسب إلى القرآن من أعجاز‬ ‫لم يروها وروا ما يسمونه إعجازا علميا وهو ما ينفيه القرآن لأنه رسالة والرسالة لا يمكن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أن تتضمن ما لا يمكن أن يدركه المرسل إليه وإلا فهي تفقد كونها رسالة تذكر بالمعلوم ولا‬ ‫تعلم بما ليس معلوما بطبعه‪.‬‬ ‫فإذا كان القرآن رسالة وكان المرسل إليه هو الإنسان وكان الغيب محجوبا عنه وكات‬ ‫الرسالة للتذكير بما نساه الإنسان وليس بما لا يعلمه فإن الكلام على الاعجاز العلمي يصبح‬ ‫فعلا من \"معجزات\" الكذب على القرآن وليس من معجزاته لأنه غني عنها بدليل أنه لا‬ ‫يحتج إلا بالنظامين الطبيعي والتاريخي‪ .‬وإذا كان ما في القرآن لا يفهمه من عاشوا في عصر‬ ‫نزوله فمعنى ذلك أنه نزل لغيرهم‪ .‬ولا أفهم عندئذ كيف أقنعهم وهم لا يفهمونه فهداهم‬ ‫الله به للإسلام‪.‬‬ ‫وإذا كان هذا الإعجاز لن يصبح مفهوما إلا بفضل البحث العلمي الذي يوصل إلى‬ ‫القوانين التي يكتشفها غير المسلمين فهو إذن لم يرسل لهم بل للباحثين العلماء الذين‬ ‫اكتشفوه من دون العلم بما فيه‪ .‬فيكون اكتشافه مستغنيا عنه ويكون من يعلمونه لا‬ ‫يستفيدون منه ببحثهم فيصبح الكلام كله هراء في هراء‪.‬‬ ‫الأعجاز القرآني هو القرآن نفسه بصرف النظر عما يمكن أن يستفاد به منه‪ .‬فمثلما أن‬ ‫أي عمل فني يكون عملا فنيا لمجرد ذاته وليس لفائدة منتظرة منه‪ .‬فكذلك القرآن‪ .‬لكن‬ ‫عمل فن الفنون أو الفن الرئيس كما سأبين عند الكلام على ما سميته بالسبابة الوجودية‬ ‫‪ .Index ontologique‬وهو حينها جامع لكل الفنون التي ذكرتها في محاولة لتصنيفها‬ ‫وتنظيمها‪ .‬وأهم شيء في العمل الفني أنه جوهر الخلقي أي عبارة الحرية‪ .‬القرآن كله‬ ‫دراما فنية لعلاقة بين حريتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬حرية الله الخالق (القضاء) والآمر (القدر المحدد لقوانين الخلق أو شرعه)‪.‬‬ ‫‪ .2‬وحرية الإنسان الذي يشرئب لأن يكون خالقا وآمرا بوصفه خليفة‪.‬‬ ‫فيكون القرآن وكأنه شبه تمانع بين حريتين المستخ ِلفة والمتسخلَفة‪ .‬ومن يقرأ القرآن‬ ‫بعين الفنان وليس بعين المتعبد يرى تمانعا مهولا بين آله ومألوه مع تعال عليه لتحرير الآله‪.‬‬ ‫وهذه الدراما بدأت من قرار الاستخلاف والفرصة الأولى في الجنة إلى الفرصة الثانية بعد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإخراج منها ويتواصل إلى يوم الدين‪ .‬وهو في مستوى الإنسان كفرد وفي مستوى الجماعات‬ ‫المتوالية التي يقص القرآن تاريخ علاقتها برسولها‪ .‬وأفضل جمع بين هذه التمانعات هي‬ ‫السورة التي شيبت الرسول وأخواتها (الواقعة (‪ )56‬والمرسلات (‪ )77‬والنبأ (‪)78‬‬ ‫والتكوير(‪))8‬‬ ‫المعجز في القرآن هو حضور كل ما يذكر به فيه وليس في الماضي ولا في المستقبل بل هو‬ ‫في حاضر سرمدي ليس له قبل وبعد إذ حتى البعد المطلق أو اليوم الآخر فنحن نراه فيه‬ ‫بكل دقائقه‪ .‬وهو أحداث في شكل أحاديث يكون فيها المألوه والآله متكلمين وراويين كل‬ ‫منهما عن الآخر وعن ذاته حول التمانع‪.‬‬ ‫والحصيلة هي تحديد الغايات والأدوات أو العلة الغائية والعلة الفاعلية للوجود الإنساني‬ ‫بمعيار العلاقة بين إرادتين وعلمين وقدرتين وحياتين ووجودين‪ .‬وهي كلها عند المألوه‬ ‫مطلقة وعند الآله نسبية‪ .‬والتذكير لا يتجاوز التذكير بهذا الفرق ولا يوجد إنسان يجهله‬ ‫حتى عندما يلحد ويكفر ويتأله‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى قوله تعالى للرسول‪\" :‬إنما أنت مذكر\" أي إن الإنسان ينسى هذه الحقيقة‬ ‫ولن تعلميه بشيء جديد بل تذكره بما يعلم‪ .‬ثم يضيف ولا تستطيع شيئا آخر لأنه حتى‬ ‫بعد التذكير يمكن أن ينكر وألا يستفيد من التذكير وأنت لست مطالبا بشيء مستحيل‬ ‫فلست مسيطرا لكأنه يذكره بألا إكراه في الدين‪.‬‬ ‫ذلك أن عبارة \"إنما أنت مذكر\" تعني أن المخاطب بالرسالة إذا لم يتبين بذاته بعد‬ ‫التذكير الرشد من الغي فلا فائدة من محاولة إكراهه لأنك بذلك تجعله منافقا خوفا وليس‬ ‫مؤمنا اعتقادا حرا‪ .‬وعبارة \"لست عليهم بمسيطر\" تعني أنك حتى لو حاولت استعمال‬ ‫الإكراه فلن تستطيع لأنه إن خافك سينافقك‪.‬‬ ‫ذلك هو الأعجاز في القرآن‪ :‬أنه بكيانه معلم يتعين فيه الجمال والجلال ويفعل من حيث‬ ‫هم عمل فني خلقي من يقرأن بحوادسه لا بحواسه ‪-‬أي بالبصيرة والسميعة والشميمة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والذويقة واللميسة بدلا من البصر والسمع والشم والذوق واللمس‪-‬يدكر أنه فعلا يساوي‬ ‫الكون كله لأنه هذه الدراما بين الآله والمألوه‪.‬‬ ‫ولولا ذلك لما فهمت كيف تمكن القرآن من تحقيق ما حقق في حين أنه عند من يقرأه‬ ‫بسطحية يتضمن ما يمكن أن يعتبره مكذبا لنفسه فكيف لرسول كلما عاجزه من روبوا على‬ ‫التبعية لأهل كتب سماوية مليئة بالخوارق ويرويها نفسه يرد دائما بأنه لا معجزة له إلا‬ ‫القرآن الذي لا يتحجج إلا بعكس ما تحتج به الكتب الأخرى أي بالنظام الطبيعي والنظام‬ ‫التاريخي؟‬ ‫ويصعب أن أصدق أن العرب كان لهم أو فيهم الكثير ممن يتحرر بيسر من تأثير يهود‬ ‫عصره وكان لهم ما كان معلوما من صيت وجبروت في الجاهلية ‪-‬أكثر مما لهم حاليا على‬ ‫عربان الثورة المضادة‪-‬فيسمع لمحمد وينتقل من الاعجاز المبني على الخوارق إلى الاعجاز‬ ‫المبني على النظام في مجتمع فوضى؟‬ ‫توحيد العرب في هذا الظرف الذي ليس ظرفنا أفضل منه هو من أكير معجزات القرآن‪.‬‬ ‫ولان القرآن لا يعمل بالخوارق فإن هذا التوحيد كان بنظامين ليس لهما مثيل‪:‬‬ ‫‪ .1‬التربية القرآنية وفيها المربي مولدا بالمعنى السقراطي لا وسيط (مذكر)‪.‬‬ ‫‪ .2‬الحكم القرآني وفيه الحاكم وقائد لأحرار وليس وصيا‪.‬‬ ‫فهذا المربي الذي ليس بوسيط بمعنى \"إنما أنت مذكر\" (الغاشية ‪ .)21‬وهذا القائد‬ ‫للأحرار الذي ليس بوصي بمعنى \"لست عليهم بمسيطر\" (الغاشية ‪ .)22‬وهو الأمر الذي‬ ‫يجعل الرسالة لا تتحقق من دون أداتي تغيير الإنسان من \"الناسي\" إلى \"المتذكر\" ومن‬ ‫\"العبد\" إلى \"الحر\"‪ .‬فيصبح الإنسان كما يعرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى‬ ‫الاستخلاف الذي خلق له\" ترجمة مفهومية لمعاني القرآن للحرية والتكليف بمهمتي التعمير‬ ‫بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫فنفهم حينها أن محمدا ‪-‬رغم أن القرآن يقص أديان الخوارق السابقة رواية مع رفع‬ ‫الحكم (وأحيانا التلميح أحيانا بأنها رموز وليست حقائق مثل ذكر خيل لهم في الكلام على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عصا موسى أو كما في قصة حمل مريم في تجسد لها إلخ‪ - .)..‬جاء بدين لا يعتمد في‬ ‫استدلاله إلى النظام والعقل‪ .‬فكان معلما بالمعنى السقراطي الذي يفجر في الإنسان ما فيه‬ ‫من حوادس‪ .‬وكان قائدا بالمعنى السياسي الذي كتب أول دستور بالمعنى الجامع بين العقد‬ ‫الاجتماعي في الاجتماعيات للرعاية وبمعنى الحلف في السياسيات للحماية‪.‬‬ ‫ولولا ذلك لكانت الرسالة تتحقق بالخوارق وليس بالاجتهاد والجهاد‪ .‬فالرسول الذي بقي‬ ‫نصف حياته كرسول في تكوين الجيل الذي سيبني الدولة والذي خاض أكثر من ستين معركة‬ ‫حربية حقيقية لا يمكن أن نفسر عمله بالخوارق بل كان عمله مستندا إلى استراتيجية‬ ‫متناسقة مع كونه \"إنما أنت مذكر\" و\"لست عليهم بمسيطر\"‪.‬‬ ‫وتلك كانت استراتيجية سياسة أمة حرة شرعت في تحقيق الرسالة الكونية التي هي‬ ‫مضمون القرآن من حيث هو مذكر بكونها رسالة البداية ورسالة الغاية أمة تفهم معنى‬ ‫شروط التعمير بقيم الاستخلاف لتأسيس الدولة المناسبة للأخوة الإنسانية (النساء ‪)1‬‬ ‫والمساواة بين البشر (الحجرات ‪ )13‬وذلك هو مشروع الرسالة الخاتمة التي درست علل‬ ‫عدم نجاح الرسالات السابقة في تحقيقها بسبب التحريف وعسر إخراج البشر من الخسر‬ ‫رغم أن أساسها كلها هو عين رسالة الإسلام لأنه الدين الكوني بداية وغاية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫رغم أن المحاولة حول دور الرمزين رمز الفعل‪-‬العملة‪-‬وفعل الرمز‪-‬الكلمة‪-‬قد وصلت‬ ‫إلى أحد عشر فصلا فإنها ما تزال بجاجة إلى خاتمة ضرورية‪ .‬فقد درست القدرة من‬ ‫منطلق علتها الفاعلة أي الإرادة أو السياسة والمعرفة أو العلوم في الجماعة لأن الكلمة شرط‬ ‫التعامل مع التاريخ خاصة مصدر قيام الإنسان الروحي والتواصل والعملة شرط التعامل مع‬ ‫الطبيعة خاصة أو مصدر قيام الإنسان العضوي والتبادل‪.‬‬ ‫فكان الكلام على القدرة المادية أو الاقتصاد خاصة وألحقت الثقافة به لأن العلاقة‬ ‫بالطبيعة تحتاج إلى علوم قوانينها وتطبيقاتها لسد حاجات الإنسان العضوية خاصة‪.‬‬ ‫وتكلمت بإشارات للعلة الغائية التي تنظر في ما وراء القدرة المادية أعني في القدرة‬ ‫الروحية أو الثقافة التي تحدد الرؤى والذوق‪.‬‬ ‫فرأينا أن خواء الإرادة والمعرفة وتبعيتهما لم يكن بالوسع أن يؤديا إلا إلى فقدان‬ ‫القدرة المادية بمعنى انعدام وجود اقتصاد عربي حتى في البلاد التي تعتبر غنية وأن المآل‬ ‫هو المزيد من الفقر والاستبداد والفساد واستحالة تكوين دول بل ما يوجد هو محميات‬ ‫تزداد تبعية وفقرا واستبدادا وفسادا‪.‬‬ ‫وبينا ذلك بعد دراسة دور الرمزين ودورهما في حالة فاعليتهما الموجبة وفي حالة فاعليتهما‬ ‫السالبة واكتشفنا أنهما فاقدان للموجب وسالبهما من نوع مختلف عن الربا والإيديولوجيا‬ ‫الموجود في المجتمعات التي تستفيد منهما بل هو هي عكسها تماما أي إن الربا (ربا المال)‬ ‫والإيديولوجيا (ربا الأقوال) فيها بالناقص وليس بالزائد‪.‬‬ ‫فالربا والإيديولوجيا في الدول المستقلة يمكن أن ينتج فائض سيطرة مادية لصاحب‬ ‫التمويل وفائض سيطرة ثقافية لصاحب التدجيل لكنه عندنا ينتج ناقص سيطرة مادية على‬ ‫ثرواتها وناقص سيطرة ثقافية لما يظن تأصيلا أو تحديثا بين دجالينا بسبب تحول هذين‬ ‫لقتل الأصل والحديث في المجتمعات العربية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكان كلامنا في كل ما سبق حول المؤسسات والعوامل الاربعة التي تتألف منها القدرة أعني‬ ‫عاملي العلة الفاعلة أو السياسة والمعرفة وعاملي العلة الغائية أي الرؤى والذوق‪ .‬لكن‬ ‫الآن أريد أن أتكلم عمن يمثلون هذه العوامل الأربعة أي ممثل الإرادة والمعرفة الرؤى‬ ‫والذوق القيمين على مؤسسات الدولة‪.‬‬ ‫فممثلو الإرادة كما أسلفت هم الساسة حكما ومعارضة وممثلو المعرفة هم الباحثون في‬ ‫الطبيعيات والإنسانيات وممثلو الرؤى هم رجال الدين والفلسفة وممثلو الذوق هم‬ ‫الفنانون والرياضيون البدن وبالفكر (الالعاب عامة مثل الشطرنج)‪ .‬وهؤلاء هم القيمون‬ ‫على ما به تفعل الجماعة والدولة أي المؤسسات‪ .‬والسؤال حول هؤلاء الأصناف العشرة‬ ‫مضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬هل يمثلون إرادة الجماعة؟‬ ‫‪ .2‬وهل لهم حقا إرادة؟‬ ‫وكل سؤال من هذين السؤالين مضاعف بحسب الجواب الموجب والسالب‪:‬‬ ‫‪.1‬أ‪-‬فيم يمثلون الإرادة ‪.1‬ب‪-‬ولماذا لما يمكن أن يمثلونها‪.‬‬ ‫‪.2‬ب‪.‬أ‪-‬وما معنى لهم إرادة ب ‪.2‬ب‪-‬ولماذا لا يمكن أن تكون لهم إرادة‪.‬‬ ‫أصل هه الأسئلة هو \"فساد معاني الإنسانية الخلدوني\"‪ .‬ونفس هذه الأسئلة تتكرر‬ ‫بالنسبة إلى البقية‪ :‬أي إلى المعرفة وإلى الرؤية وإلى الذوق‪ .‬ثم تتوحد كلها في ما سماه‬ ‫ابن خلدون \"فساد معاني الإنسانية\" وهي التي تتعين في الرمزين تعينها الأتم إيجابا فتكون‬ ‫صلاح معاني الإنسانية وسلبا فتكون فساد معاني الإنسانية‪ .‬وبيان ذلك هو غاية المحاولة‬ ‫كلها‪.‬‬ ‫ولو تتبعت كل هذه المسائل لاضطررت لكتابة مثل ما كتبت إلى حد الآن في المحاولة‬ ‫بالنسبة إلى كل مسألة منها أي بالنسبة إلى الإرادة والمعرفة والرؤية والذوق ولما يتلقى‬ ‫فيه الأولان مع الأخيرين أعني القدرة‪ .‬لكني في الخاتمة أريد أن أكتفي بالغاية من البحث‬ ‫كله أي بالقدرة المعدومة أو العجز‪ .‬وهدفي الجواب عن سؤالين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فيم يتجلى العجز؟‬ ‫‪ .2‬وما علاجه الممكن؟‬ ‫وليست بحاجة لإثبات العجز السياسي والعلمي والرؤيوي والذوقي أو عدم القدرة فيها‬ ‫جميعا‪ .‬فكلمة واحدة تكفي‪ :‬القدرة هي شرط السيادة والسيادة لها شرطان الحماية‬ ‫والرعاية الذاتيتين‪ .‬ولا يوجد قطر واحد في الاقليم له شيء من ذلك إلا كذبا‪.‬‬ ‫ولست أشك في أن الكثير من القراء سيتعبرني متجنيا‪ :‬فيقول سلمنا لك العجز في الحماية‬ ‫بالنسبة إلى كل أقطار الإقليم بما في ذلك تركيا وإيران وإسرائيل لأنها كلها فيها قواعد إما‬ ‫أمريكية أو روسية‪ .‬لكن كيف تدعي العجز في الرعاية وبعض البلاد تفاخر بدخلها القومي‬ ‫الجماعي وبحسب الرؤوس متميز؟‬ ‫وهذا بالذات ما أعنيه بالكذب المباح‪ :‬صحيح أن من عنده البترول أو الغاز يمكن أن‬ ‫يدعي أنه يرعى شعبه سواء بصورة دائمة مثل قطر أو يزور شعبه غبا بالمكرمات مثل‬ ‫السعودية‪ .‬لكن هذا ليس رعاية فعلية لأنه ليس دليل قوة اقتصادية بل دليل تربية شعوب‬ ‫على الكسل وعدم الانتاج بتبذير الثروة الطبيعية‪.‬‬ ‫فأي دخل لا يناسب عمل وانتاج ليس رعاية ذاتية بل هو تربية فاسدة يمكن اعتبارها‬ ‫رشوة سياسية لإسكات الشعوب حتى تترك رعاية الامر لمن يوزعون عليهم بعض فتات الثروة‬ ‫بدلا من بناء شروط القيام الذاتي للجماعة وللامة حتى تصبح قادرة على إعالة نفسها فلا‬ ‫تفسد فيها معاني الانسانية‪.‬‬ ‫ولما كانت كل المحميات العربية بهذا المعنى لا تستطيع أن تحقق شرطي الحماية والرعاية‬ ‫الذاتية وتحتاج إلى حام فهي بالضرورة جماعات فاقدة لشروط السيادة مهما بدت ثرية‬ ‫بما يوجد في أرضها من ثروات طبيعية ندين بها لأجدادنا الذين حموا هذه الأرض وإلى‬ ‫الغرب الذي فجر ثرواتها في غيبوبتنا‪.‬‬ ‫وبهذه السياسة التي تجعلنا نبيعها لنستورد شروط بقائنا العضوي والروحي بدلا من‬ ‫الشروع في تحديد شروط القدرة على تحقيقها بأنفسنا فسنبقى دائما توابع لا نربط ولا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نحل إلا في الظاهر فنسمي المحميات دولا والعملاء ممثلين للإرادة والدجالين ممثلين‬ ‫للمعرفة والمزيفين للمرجعية والطبالين للذوق‪.‬‬ ‫والآن كيف يتجلى ذلك ليس في المؤسسات وهو ما تكلمنا عليه في الفصول الـ‪ 11‬التي مرت‬ ‫بل في هؤلاء الممثلين القيمين على الحكم والعلم والرؤية والذوق ومن ثم الذين من‬ ‫المفروض أن تتجلى فيهم القدرة التي هي قدرة الفرد والجماعة الموجبة إذا كانت حرة‬ ‫وعجز الجمعة المستبعدة إذا كانت سالبة‪.‬‬ ‫لا أعتقد أني الوحيد الذي يشعر بأن ما هو موجود فعلا في هؤلاء الممثلين لا يتجاوز‬ ‫الأسماء عديمة المسميات‪ .‬وسآخذ أمثلة‪ :‬قارن أي وزير خارجية عربي حاضر بين وزراء‬ ‫خارجية أي بلد أوروبي‪ .‬وقارن أي وزير تربية عربي بأي وزير تربية ألماني‪ .‬وقارن أي‬ ‫وزير دفاع عربي بأي وزير حتى إيراني إلخ‪ .‬ناهيك عن الأمريكي‪.‬‬ ‫ستشعر بملاء وجودي في حالة النظير الغربي والخلاء الوجودي في حالة أي نظير عربي‪.‬‬ ‫والمقارنة ليست بين الكيانين النفسيين للرجلين بل بين ما يملأ الكيان النفسي في المطابقة‬ ‫بين الاسم والمسمى الوظيفي‪ .‬وهذا هو الذي يقاس بوزن العملة والكلمة‪ .‬فشتان بين عملة‬ ‫وكلمته الأول وعملة الثاني وكلمته‪.‬‬ ‫إذن عندك كثافة وجودية يرمز إليها كثافة قيمية مادية تتعين في العملة وكثافة روحية‬ ‫تتعين في الكلمة‪ .‬العملة التي تفقد قيمتها والكلمة التي تفقد دلالاتها يشبهان صاحب‬ ‫الحساب الخالي من الرصيد إذا استعملنا استعارة دفتر الصكوك‪ .‬فكلمة ممثل إرادة‬ ‫الجماعة في العالم لا وزن لها ومثلها عملته‪.‬‬ ‫وليس ذلك لأن المسكين الذي كلف بهذه المهمة في المحميات العربية لا يريد أن يكون‬ ‫مسموعا ولاأ ظنه لا يشعر بالمذلة بين نظرائه لعدم وزن كلمته بسبب وضع المحمية التي‬ ‫يمثلها‪ .‬لكن المشكل ليس هنا بل في كونه يواصل الكذب ويوهم نفسه وغيره أنه مثلا وزير‬ ‫خارجية أو وزير دفاع بحق لأنه يحمل الاسم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد كتب ابن خلدون في ذلك كلاما بديعا‪ :‬يقارن المؤدب مثلا بالحجاج الذي كان مؤدبا‬ ‫أو بفاتح صقلية الذي كان مؤدبا‪ .‬فيقول إن المؤدب يتوهم نفسه مثل الحجاج أو مثل أسد‬ ‫بن الفرات لأنهما مثله مؤدبان متوهما أن علة منزلتهما هي الاسم وليس المسمى‪ .‬فالحجاج‬ ‫الثقفي وأسد بن الفرات مؤثرين بالعصبية لا بالمؤدبية‪.‬‬ ‫وكذلك كلامنا قياس‪ :‬يمكن لأي حاكم عربي أن يملأ صدره بالنجوم وعلامات القيادة‬ ‫العسكرية وبالعناوين كالفخامة والسيادة‪ .‬لكنه إن لم يكن غبيا يعلم أن السيادة في هذه‬ ‫الحالة بلادة وأن الفخامة ضخامة ورقية وأن العلامات العسكرية دليل هزائم لا انتصارات‬ ‫ومن ثم فهو أقل من صفر مع نظرائه‪.‬‬ ‫وأعجب من \"قائد\" عربي يجالس قائدا ألمانيا مثلا نظيرا له في دوره التمثيلي بالاسم ولا‬ ‫يتساءل ما الذي يحوج الألماني للوحدة الأوروبية ويغنيه هو عن الوحدة على الاقل بين‬ ‫أقطار الجامعة العربية مثلا؟ طبعا لا يفعل لأن الجاب واضح‪ :‬فهو لأنه يفضل الأسماء حتى‬ ‫من دون المسميات لأنه خاو وجوديا‪.‬‬ ‫ما معنى الخواء الوجودي؟ هو هذا الذي وصفه ابن خلدون‪ :‬المؤدب الذي يظن نفسه‬ ‫مثل الحجاج لأن يحمل نفس الاسم الوظيفي دون الاهتمام بالملاء والخلاء في الاسم أعني‬ ‫الاسم الذي يسمى مسمى مطابق والاسم الذي هو اسم بدون المسمى المطابق‪ .‬بذلك تصبح‬ ‫المحمية دولة حتى لو كان أقل من حي في قرية‪.‬‬ ‫وطبعا ركزت على الممثل السياسي‪ .‬لكن الكلام عام ويشمل ممثل البحث العلمي وممثل‬ ‫الرؤى وممثل الأذواق‪ .‬كلهم أسماء دون مسميات‪ .‬وذلك هو الخواء الوجودي أو عدم‬ ‫الكثافة الوجودية في كيان الشخص والجماعة‪ .‬عندنا مثل في تونس لتسمية هذا الخواء‪:‬‬ ‫هو الكشبور‪ .‬والقرآن يستعمل أعجاز نخل خاوية‪.‬‬ ‫هب الآن أن ممثل الإرادة وممثل المعرفة وممثل الرؤية وممثل الذوق فهموا هذا الوهاء‬ ‫والهواء الوجوديين وأدركوا أنه هو علة انعدام القدرة أو علة العجز العام في كل ما تتقوم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫به كيان الفرد وكيان الجماعة سيادتها وقوة الدول وصولتها هل كانت حالنا تكون على ما‬ ‫هي عليه وحال الاحياز خاصة؟‬ ‫أما كانوا يفهمون ما فهمه العالم كله فتكونت مجموعات قادرة لتجاوز العجز الذي لا يمكن‬ ‫الخروج منه من دون شروط القدرة أي الأحياز الكبرى جغرافيا شرطا في القوة المادية‬ ‫وتاريخيا شرطا في القوة الروحية ومرجعية موحدة تتجاوز علل التفتيت الجغرافي والتشتيت‬ ‫التاريخي والهوان الوجودي؟‬ ‫ولكن كما قال ابن خلدون فإن \"فساد معاني الإنسانية\" يلغي القدرة في كيان الفرد‬ ‫والجماعة لأن ما في الإنسان من طاقة روحية وقوة عضوية تنخذل فتصبح شبه خواء‬ ‫وجودي وهو معنى \"اعجاز نخل خاوية\"‪ .‬تشعر وكأن الكائن ليس حيا إلا في حدود الوجودي‬ ‫النباتي‪ .‬وذلك هو معنى يأكل أكل الأنعام‪.‬‬ ‫فتحصل حالة عامة تسيطر على الجميع تجعل الوصف الأتم لما عليه الشعوب بصورة شبه‬ ‫عامة تحيا ما يسميه القرآن الكريم الإخلاد إلى الارض بحيث إن الجميع يلهث وراء المفقود‬ ‫الذي يتعين في ما وصفناه بحال العملة والكلمة‪ .‬الجميع متوجس من الجميع فلا وجود لثقة‬ ‫بين الناس ولا معبود لهم غير عملة مآلها الإفلاس‪.‬‬ ‫فيتصاحب في الجماعة ما وصفه ابن خلدون في فصل «في أن الحضارة غاية العمران ونهاية‬ ‫لعمره وأنها مؤذنة بفساده» (‪« :)4.18‬وأما فساد أهلها (المدينة) في ذاتهم واحدا واحدا‬ ‫على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها وما‬ ‫يعود على النفس من الضرر بعد تحصيله بحصول لون آخر من ألوانها‪ .‬فلذلك يكثر منه‬ ‫الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غيره وجهه وتنصرف‬ ‫النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم جريئين على الكذب‬ ‫والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الإيمان والرياء في البيوعات ثم تجدهم‬ ‫لكثرة الشهوات والملاذ الناشئة عن الترف أبصر بطق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به‬ ‫وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين الأقارب وذوي الأرحام والمحارم الذين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تقتضي البداوة الحياء منهم في الإقذاع بذلك وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة و‬ ‫يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر وما يتوقعونه من ا لعقاب على تلك القبائح حتى‬ ‫يصير ذلك عادة وخلقا لأكثرهم\"‪.‬‬ ‫وهذا هو القصد بفساد معاني الإنسانية الخلدوني‪ .‬ومن يقرأ هذا النص لا يمكن ألا‬ ‫يقول في نفسه‪ :‬ها نحن نرى تماما في كل مدينة عربية وخاصة كبرى المدن ما يصفه ابن‬ ‫خلدون أدق وصف وأصدقه‪ .‬وتلك هي علة هذا الخواء الوجودي الذي يتعين في ما يتصل‬ ‫بمفهوم الإخلاد إلى الأرض لأن الكلاب التي تلهث هذا وصفها وهو عين ما يجعل الجميع‬ ‫مستسلما لعلتيه‪ :‬التربية والحكم العنيفين اللذين يفقدان الإنسان كل معاني الإنسانية‬ ‫فيجعلانه كما وصف القرآن كلبا يلهث دائما سواء حملت عليه أم لم تحمل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook