Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore نظرية الحرب والاستراتيجيا - كيف تصير مسودة ابن خلدون نظرية مكتملة- أبو يعرب المرزوقي

نظرية الحرب والاستراتيجيا - كيف تصير مسودة ابن خلدون نظرية مكتملة- أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-07-23 17:30:21

Description: نظرية الحرب والاستراتيجيا - كيف تصير مسودة ابن خلدون نظرية مكتملة- أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫وابن خلدونه عالج مسألة العمل والشرع ليبين نفس ما بينه ابن تيمية ولكن في نظرية‬ ‫القيم المطابقة ومن ثم فقد غير نظرية الكلي الذي يطلبه العمل بمقتضى تطور العلاقة‬ ‫بين الطبيعة والثقافة لأنه عكس الرؤية اليونانية للعلاقة بين الدولة والنفس‪ :‬ليست‬ ‫النفس هي نموذج الدولة (أفلاطون وكذلك أرسطو رغم توسيط الأسرة عنده وهي منفية‬ ‫عند أفلاطون) بل العكس هو الصحيح الدولة هي نموذج النفس بتوسط \"نحلة العيش\" التي‬ ‫هي علاقة بين الطبيعي والثقافي‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فإني اعتبر أدعياء التأصيل بسبب تعريف علوم الملة أكثر مسؤولية عن‬ ‫الوضعية الحالية للأمة من أدعياء التحديث لأن فكر أولئك وسلوكهم هو مصدر أهم أفكار‬ ‫هؤلاء وحججهم ضد الحضارة الإسلامية‪ .‬ولذلك فقد اعتبرت كلتا المدرستين كاريكاتور مما‬ ‫تدعيانه‪ .‬فلا الأولى تأصيلية على علم بالأصول ولا الثانية تحديثية على علم بالحداثة‬ ‫بل كلتاهما تمضغ قشور ما تغذي به تخريفها الإيديولوجي‪.‬‬ ‫ذلك أنهم لو كانوا يفكرون حقا لتساءلوا عن علة الحرب على الإسلام واستعمال الطريقة‬ ‫الصينية والطريقة الألمانية مع اختلاف في الترتيب بينهما بسبب الاختلاف في طبيعة القوة‬ ‫الحاصلة عندهم‪:‬‬ ‫‪ .1‬فإيران وروسيا أميل للطريقة الصينية لضعف ما في الوسائل المادية رغم وليس‬ ‫رأفة بالناس ولذلك فهم لا يترددون أمام من هم أضعف منهم في استعمال ما استعمله بوتين‬ ‫في الشيشان وفي سوريا‪.‬‬ ‫‪ .2‬وإسرائيل وأمريكا أميل للطريقة الألمانية لقوة في الوسائل المادية لكنهم ليسوا‬ ‫ضعفاء في الطرية الصينية ثم هم يستعملون إيران وروسيا للقيام بهذه المهمة ودور الجرافة‬ ‫الميسرة لمهمتهم لاحقا‪ .‬وبهذا المعنى فأمريكا هي التي تحمي الحشد الشعبي‪.‬‬ ‫صحيح أنهم يتحاربون في ما بينهم ‪-‬إيران وروسيا يستعملان الصينية ضد إسرائيل‬ ‫وأمريكا بسبب ضعفهما المادي وآخرة العمليات التدخل في الانتخابات مثلا‪-‬واسرائيل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وأمريكا يستعملان الألمانية بسبب قوتهما المادية وأخرة العمليات مثلا محاصرة إيران‪-‬لكن‬ ‫رهان اللعبة هو السلطان على العالم بالتدمير‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن الحرب على الإسلام ليست لما في أرضه أو لأرضه ومكانه في جغرافية‬ ‫العالم وتاريخه فحسب بل لأن استراتيجيته هي النقيض من الصينية والألمانية ليس في‬ ‫الوسائل فحسب بل وفي الغايات خاصة‪.‬‬ ‫فالأولى للتخريب الروحي والثانية للتدمير المادي‪ .‬والقرآن يريد الإصلاح الروحي‬ ‫والتعمير المادي‪ .‬إنه مستقبل الإنسانية من منظور الشعوب التي ترى الآن نتائج الطريقتين‬ ‫المرضيتين في أمراض العولمة‪.‬‬ ‫ولو كنت من المؤمنين بسياسة تخريب الآخر روحيا (الصيني) أو تدمير الآخر‬ ‫ماديا(الألماني) لكان الخيار الجمع بين الاستراتيجيتين كافيا ولقلت لا بد من الجمع بين‬ ‫أداتي الحرب التي يفضلها الصيني والتي يفضلها الألماني لكني أفضل عليهما الاستراتيجية‬ ‫القرآنية‪ .‬فهما تخريب وتدمير للإنسانية والعالم قصيرا النظر لعدم حسبان خطر ذلك‬ ‫على الجميع‪.‬‬ ‫فالأمر في هذين السلوكين أشبه بانتشار الأمراض بالعدوى‪ .‬فمن يعتقد أنه يمكن أن‬ ‫يستعمل السلاح البايولوجي أو السلاح النووي لتدمير العدو يفسد الأرض كلها لأنه لا‬ ‫أحد يسيطر على حركة الرياح وانتقال الآفات‪ .‬ومن جنسهما التلويث الصناعي والتلويث‬ ‫الثقافي اللذين هما جوهر العولمة‪.‬‬ ‫وكل ذلك من ثمرات دين العجل‪ .‬فالقوة التي تخرب الآخر (الصينية) وتدمره‬ ‫(الألمانية) هي عين منطق الصراع من أجل الرزق تماما كما كان الأمر في بداية تاريخ‬ ‫الإنسانية قبل أن تكتشف أنها أسمى من الحيوانات التي تتقاتل على لقمة العيش بدلا من‬ ‫التعاون عليها والعيش في سلام بالحفاظ عليها‪ .‬وهذا هو جوهر ما يعتبر إيديولوجية العصر‬ ‫ممثلة في فلسفة هيجل وهي جوهر منطق الرأسمالية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية‬ ‫مغول الغرب (صراع أرواح الشعوب الذي صار صراع الحضارات) وفلسفة ماركس وهي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫جوهر منطق الشيوعية وسياسة الصين مغول الشرق (صراع طبقات الشعوب) الذي صار‬ ‫النكوص للفرعونية أو دين المادية الجدلية‪.‬‬ ‫فلو انفقت البشرية واحد في المائة على التعاون بينها مما تنفقه على التقاتل لكانت‬ ‫البشرية أكثر سعادة أقل شقاء ولحافظوا على ثروات الأرض ولما جاع أحد‪ .‬فعندما يسيطر‬ ‫واحد في المائة من البشرية على ما يساوي ثروة بقية البشر فإن ما يحدث من حروب ليس‬ ‫بالطبع بل ثمرة الاستراتيجيتين هذين‬ ‫وذلك ما بينه القرآن‪ .‬وهو جوهر التحريف‪ .‬وقد لا يصدق من ربي على علوم الملة‬ ‫المحرفة أن ذلك جاء حرفيا في القرآن بالصورة التي أصفها هنا وأنه جاء في السورة التي‬ ‫قال عنها الرسول إنها قد شيبته ومعها أخواتها‪ .‬وبالترتيب الذي نراه اليوم بصدد تخريب‬ ‫العالم بطريقة سن تسو الصينية وتهديمه بطريقة كلاوسفيتز الألمانية وإذن فالطريقتان‬ ‫هما جوهر استراتيجيتي العولمة ما يعني أن ما يسمى سلما في العولمة حرب عالمية صامتة ليس‬ ‫بين البشر فحسب بل بينهم وبين شروط بقائهم في العالم على الأقل بسبب التلويثين‬ ‫الصناعي والثقافي‪.‬‬ ‫فمن من المسلمين لم يقرأ سورة هود؟‬ ‫من يجهل أنها تبدأ بنوح ثم تمر إلى هود ثم إلى صالح ثم ابراهيم فلوط فشعيب فموسى؟‬ ‫لو اعتبرنا الكلام فيها يخاطب الرسول المكلف بتبليغ هذه الرسالة للإنسانية واعتبرنا‬ ‫إبراهيم فاصلة بين الثلاثة الواردين فيها قبله والثلاثة الواردين فيها بعده في ترتيب‬ ‫الرسالات في سورة هود فماذا نلاحظ؟‬ ‫سأطلب من القارئ بعض الانتباه وليقرأ معي هذه الرسالات الست وكأنها مصفوفة‬ ‫(ماتركس) فيقارن الأولـى بالأخيرة والثانية بالتي قبل الأخيرة والثالثة بالتي قبل قبل‬ ‫الأخيرة ومحاولة قراءة هذا التناظر‪.‬‬ ‫فسيكون لديه (نوح ‪+‬موسى) ثم (هود‪+‬شعيب) ثم (صالح‪+‬لوط) وفي القلب إبراهيم‬ ‫وقبله ثلاثة وبعده ثلاثة ثم المخاطب بها أي الرسول الخاتم الذي عاد إلى توحيد إبراهيم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لتكون الرسالة الخاتمة هي ما سميته الحنيفية المحدثة أو الابراهيمية المحدثة‪ .‬فيكون‬ ‫القلب هو بدوره مؤلفا من زوجين مثل الأزواج التي في السورة (إبراهيم‪+‬محمد)‪.‬‬ ‫فماذا فعل الزوج الأول نوح وموسى؟‬ ‫نوح حرر الإنسانية من سلطان الطبيعية بالتقنية والزراعة لإعادة البناء الاقتصادي بعد‬ ‫استبداد الطبيعة بالطوفان‪ .‬وموسى حرر الإنسانية من استبداد الثقافة بالفرعونية‬ ‫بـالهجرة طلبا للحرية وإعادة البناء الثقافي بعد الاستبداد الفرعوني‪.‬‬ ‫وماذا فعل الزوج الثاني هود وشعيب؟ فهود طرح مشكل استبداد الأغنياء وشعيب عالج‬ ‫سر الاستغناء بالظلم فطرح الحل للتطفيف بالاستيفاء والإخسار لعلاج مشكل التبادل‬ ‫العادل شرط التعاون المؤسس لجماعة الأحرار إذا تحرروا من استبداد الطبيعة (نوح) ومن‬ ‫استبداد الحكم (موسى)‪.‬‬ ‫وماذا فعل الزوج الأخير صالح ولوط قبل الكلام على إبراهيم ومحمد؟ وضع صالح ضعا‬ ‫مشكل مصدر الحياة الأول أي الماء ووضع لوط مشكل مصدرها الثاني الجنس‪ .‬وإذن فهما‬ ‫وضعا المشكل المطلق أي شروط بقاء الإنسانية‪ :‬الماء والجنس‪.‬‬ ‫وبقي دور الزوج الأخير ابراهيم ومحمد‪ .‬فإبراهيم موجود بين الرسل الثلاثة الأول‬ ‫والرسل الثلاثة الأواخر وكأنه لا محل له من الإعراب في المسائل المطروحة‪ .‬لكنه هو الذي‬ ‫جاءته الملائكة لتخاطبه في مسألة لوط وفي بشرى عجبت لها زوجته وضحكت منها‪ .‬وطبعا‬ ‫البشارة يعتقد الكثير أنها بشارة بإسحق‪ .‬لكن ذلك لا معنى له لأن هذه البشارة الأولى‬ ‫حدثت قبل ذلك بكثير وقبل أن تصل سارة إلى سن اليأس أي مباشرة بعد \"طرد\" هاجر‬ ‫وابنها إلى مكة‪.‬‬ ‫اليأس هنا لا يتعلق بالإنجاب العضوي بل بالإنجاب الروحي‪ .‬إنها بشارة بالخروج من‬ ‫اليأس الذاتي يمثله فشل محاولة علاج الإشكالات التي عرضتها السورة‪ .‬ومن ثم فالبشارة‬ ‫هي بمحمد وبالإسلام‪ .‬ولذلك فالبداية في الإسلام هي تأسيس الابراهيمية المحدثة أو‬ ‫المحمدية أو الإسلام الذي هو تحرير الرسالات السابقة من تحريفاتها وخاصة من تحريفين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬أحدهما هو دين العجل تحريفا لثورة موسى‪.‬‬ ‫‪ .2‬والثاني هو دين الخطيئة الموروثة تحريفا للعفو على آدم‪.‬‬ ‫فآدم تلقى كلمات فاتمهن فعفا عنه ربه ولم يبق مشكل الخطيئة الموروثة موجود ومن ثم‬ ‫فهو تحريف لتأليه عيسى وتأسيس الكنسية وساطة روحية بين المؤمن وربه والحكم بالحق‬ ‫الإلهي وصاية سياسية بين الأمة وأمرها‪ .‬والتحريفان مترابطان وعلاجهما الإسلام بين لكل‬ ‫ذي بصيرة‪:‬‬ ‫‪ .1‬فدين العجل هو عبادة ربا الأموال وربا الأقوال وكلاهما من أكبر الجرائم في‬ ‫القرآن‪.‬‬ ‫‪ .2‬والخطيئة الموروثة عبادة الوسيط في التربية والوصي في الحكم‪ .‬ويجمع بينهما‬ ‫نظرية الشعب المختار الذي منه الإنسان المؤله شفيعا ترثه الكنسية (وساطة روحية)‬ ‫والحكم بالحق الإلهي (وصاية مادية)‪ .‬وهذان هما محاربا الإسلام‪.‬‬ ‫فالثيوقراطيا حاربته في القرون الوسطى وكانت مسيحية من الخارج وباطنية من‬ ‫الداخل‪ .‬وهي الآن تحاربه بنفس المنطق شيعية من الداخل صراحة ومسيحية من الخارج‬ ‫بشكل معلمن‪ .‬الأنثروبوقراطيا حاربته في القرون الوسطى بالتصوف الهندي والفلسفة‬ ‫اليونانية وتحاربه حاليا بهما مع العلمانية الملحدة‪.‬‬ ‫وكل هؤلاء يشتركون في دين العجل والحكم ببعديه أو الأبيسيوقراطيا التي هي نظام‬ ‫الحكم المافياوي المسيطر على البنك والاقتصاد وعلى الاعلام والملاهي‪ .‬وكل الحروب هذا‬ ‫هدفها وأدوات السلطان على الإنسان هو ما سميته المثلجة الاستقبالية بعد المثلجة الماضوية‪:‬‬ ‫الإيهام بتاليه الإنسان لاستعباده‪.‬‬ ‫فالصوغ الفلسفي للمثلجة القديمة التي تقيس عالم الآلهة على عالم البشر مصدرها‬ ‫أفلاطون وأرسطو‪ .‬والمثلجة الأفلاطونية غنية عن الدليل‪ .‬والمثلجة الأرسطية يكفي لفهمها‬ ‫قراءة المقالة الثانية عشرة من الميتافيزيقا‪ .‬والصوغ الفلسفي للمثلجة الحديثة التي تقيس‬ ‫على البشر على عالم الآلهة مصدرها هيجل‪ .‬والمثلجة الهيجلية غنية عن الدليل‪ .‬والمثلجة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الماركسية يكفي لفهمها قراءة وعود الشيوعية في المستقبل ولعل ماركس الأول أكثر صراحة‬ ‫في هذه الوعود الميثولوجية‪ .‬والنخب العربية القديمة قبلت بسذاجة المثلجة الأولى والح‬ ‫والنخب العربية الحالية قبلت بنفس السذاجة المثلجة الثانية‪ .‬وهما في علاقة مباشرة لأن‬ ‫الثانية تدعي مواصلة الأولى في دعوى العلمية والواقعية والعقلانية وهم من أكثر الناس‬ ‫غرقا في الميثولوجيا اللاواعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهكذا فعندما أتكلم على استراتيجيا بديلة من استراتيجية الصيني (سن تسو)‬ ‫واستراتيجية الألماني (كلاوسفيتز) فإني انتقل من استراتيجية التخريب والتدمير إلى‬ ‫استراتيجية الإصلاح والتعمير‪ .‬ومن ثم فالمعركة الحالية هي بين استراتيجيتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬واحدة رمزها مآل العولمة التي تكاد تقضي على شروط بقاء الإنسانية‪.‬‬ ‫‪ .2‬والثانية يمثلها الإسلام أملا للإنسانية أخوة ومساواة‪.‬‬ ‫فالحرب هي إذن في المنظور القرآني من أدوات التسابق في الخيرات مثلها مثل العلم حتى‬ ‫وإن استعملت لعكس ذلك كما يستعمل العلم لصنع سلاح الدمار الشامل‪ .‬والدليل أنها كذلك‬ ‫هو في القرآن آيتان وهما الوحيدتان اللتان تجعلانها شرعية دون أن تكون دفاعية عن‬ ‫الذات بل عن مبدأين عامين للعيش المشترك بين البشر والسلم العالمية‪:‬‬ ‫‪ .1‬فأما الآية الأولى فتتعلق بشرط الحريات الدينية كما هو بين من الآية ‪ 40‬من‬ ‫الحج‪ .‬ففي هذه الحالة الأولى الحرب تحول دون تهديم بيوت الله دون الاقتصار على‬ ‫الإسلامي منها‪.‬‬ ‫‪ .2‬وأما الآية الثانية فتتعلق بشرط بقاء النوع كما هو بين من الآية ‪ 251‬من البقرة‪.‬‬ ‫وفي هذه الحالة الثانية الحرب تحول دون الفساد في الأرض والعدوان على المستضعفين‪.‬‬ ‫ولهذه العلة رفضت مفهوم \"التدافع\" الذي يكثر الإسلاميون من استعماله وهم لا يدرون‬ ‫أن ذلك كفر باستراتيجية الإسلام وقول باستراتيجية الصيني والألماني أي بمنطق الصراع‬ ‫الهيجلي (بين أرواح الشعوب) أو الماركسي (بين طبقات الشعوب)‪ .‬حرب التدافع تتنافى‬ ‫مع استراتيجية القرآن البديل التي تتكلم على دفع إلهي‪.‬‬ ‫وبقدر ما الوم كاريكاتور الأصالة التي نفى هذه القيم باعتباره إياها قد نسخت وأعذر‬ ‫كاريكاتور الحداثة الذي اعتمد عليهم في الاحتجاج على ما ظنه الأمر الواجب في الإسلام‬ ‫في حين أنه أمر واقع لا يقره الإسلام أعكس فألوم كاريكاتور الحداثة الذي يظن ويوهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أن أمر الغرب الواقع هو ما في أقواله من الأمر الواجب‪ .‬ولذلك استحق الفريقان وصفي‬ ‫إياهما بالكاريكاتور‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالتأصيلي يحاكم الحداثة بأمرها الواقع وينسى أمرها الواجب‪.‬‬ ‫‪ .2‬والحداثي يحاكم الإسلام بأمره الواقع وينسى أمره الواجب‪.‬‬ ‫وكلاهما إن لم يكن متحيلا فهو ساذج‪ .‬ذلك أن قيم الإسلام الكونية لا تختلف عن قيم‬ ‫الحداثة الكونية عند كبار مؤسسيها وعظامهم‪ .‬واستراتيجية الصيني واستراتيجية الألماني‬ ‫تتعلق بالحرب في ظرف الأمر الواقع‪ .‬وهذه لا يختلف فيها ابن خلدون عنهما لأنه يعلم أن‬ ‫الحرب لها طريقتان لا ثالث لهما‪ :‬الحرب العنيفة والحرب اللطيفة‪ .‬وهذه تعد لتلك وتقلل‬ ‫من كلفتها‪ .‬ولا واحدة منهما بكافية‪ .‬ومن ثم فالفرق بينهما في الكم والترتيب‪.‬‬ ‫ولما كانت الوقاية خير من العلاج دون أن تغني عنه كان لا بد من تأسيس استراتيجية‬ ‫إيجابية وأوسع من استراتيجية الصيني والألماني تكون واقية تلغي التخريب والتهديم‬ ‫وتبقى على الحرب من حيث هي كما وصفت أداة تسابق في الخيرات أي منع التخريب‬ ‫والتهديم بدلا من استعمالهما سلاحا فيها‪ .‬وهذا يصح على علاقة العلم بالخير وقاية ومنعا‬ ‫للشر علاجا‪.‬‬ ‫واعتمادا على متابعتي ‪-‬على محدوديتها‪-‬لـ\"لمفكرين\" من الصفين يمكن القول إن بعض‬ ‫الاستثناءات تثبت أن أصحاب التكوين الحديث الذين يبحثون عن فهم الإسلام أكثر انصافا‬ ‫للحضارة الإسلامية من أصحاب التكوين القديم الذين يدعون الحداثة‪ .‬فهؤلاء من أسخف‬ ‫ما رأيت في حياتي جهلا بلب الحضارتين‪.‬‬ ‫فأغلبهم ثقافتهم من جنس ثقافة الذباب في الصحافة العربية‪ .‬يأخذون بعض قشور‬ ‫الحداثة ويتوهمون أنهم صاروا فلاسفة يمكن أن يتكلموا في ما يخلطون بينه وبين قشوره‪.‬‬ ‫فعندما تسمع البعض يتكلم على الفلسفة صانعة \"المفاهيم\" تفهم أنه بائع روبافيكيا فلسفية‪.‬‬ ‫أما إذا سمعته يتكلم على نقد الأديان فاغسل منه يديك لأنه من جنس الدعاة ولكن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بالسلب أي إنه يدعو لعكس ما يدعون إليه ولكن بنفس الأسلوب الاستعراضي الذي لا‬ ‫علاقة له بالعلم والأخلاق‪.‬‬ ‫ولذلك فلا تعجب إذا صاروا كلهم خدم المخابرات التي تدعي تكوين مراكز بحث علمي‬ ‫بتمويل مشبوه جعل جل النخب عملاء مخابرات بعضهم على دراية وبضعهم عن حسن نية‬ ‫أو بسبب الحاجة المادية‪ .‬ولما كان المشرفون عن هذه المراكز خريجي مدارس مخابراتية‬ ‫وأصحاب نفوذ لا يمكن أن يفسر بمكانتهم العلمية فالأمر بين لكي ذي بصيرة‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن أهم وظيفة لتحقيق حصانة الأمم ‪-‬البحث العلمي والتربية‪-‬صارت أدوات‬ ‫التخريب الذي يتكلم عليها الاستراتيجي الصيني والتي صارت الرديف الضروري لما يتكلم‬ ‫عليه الاستراتيجي الألماني بل هي مقدمة عليها لأنها هي الممهدة لها والمقللة من كلفتها‬ ‫بتكوين خيول طروادة في نخب الأمة‪.‬‬ ‫لـما شرعت في قراءة القرآن قراءة فلسفية انتهيت إلى تسمية المحاولة \"استراتيجية‬ ‫التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية\"‪ .‬وكان قصدي أن الإسلام من حيث هو رسالة‬ ‫خاتمة هو الاستراتيجية التي يريد الله من الرسول وأمته استعمالها لتوحيد البشرية وطلب‬ ‫منه تقديم عينة منها هي أمة الإسلام‪ .‬ولذلك فالقرآن ليس فيه من حيث هو رسالة إلا‬ ‫بعدا هذه الاستراتيجية وتكوين العينة‪:‬‬ ‫‪ .1‬علاج ما تعاني من الإنسانية برده إلى تحريف الديني والفلسفي ومحاولة إصلاحه‬ ‫بمنطق التصديق والهيمنة‪.‬‬ ‫‪ .2‬بناء البديل الوقائي وهو المضمون الموجب من الرسالة وقد بينته سورة هود أي‬ ‫التعمير بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫فترتب على ذلك أمران‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن حال الأمة الفكري والخلقي يحتاج إلى تفسير مستمد من تحريف علوم الملة‬ ‫التي كونت فكرها وأخلاقها فجعلت علل الانحطاط تصبح ما تنشره هذه العلوم الزائفة‬ ‫الملغية للبحث الفعلي في شروط تعمير الأرض بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬أن حال الأمة السياسي والاجتماعي يحتاج إلى تفسير يستمد من تحريف أعمال‬ ‫الملة التي كونت نظام تربيتها ونظام حكمها لفهم فشل الأمة في التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫ولما كنت لا أرضى لنفسي نكران جميل من أدين له بما حاولت بيانه وإن في شكل بذرات‬ ‫وحدوس أعني المدرسة النقدية بمفكريها الثلاثة ‪-‬الغزالي وابن تيمية وابن خلدون‪-‬فإني‬ ‫نذرت نفسي لكي يكون همي استكمال ما اعتبره مشروعات بقيت شبه مسودات في محاولاتهم‬ ‫للتحرر مما يحرر القرآن البشرية منه‪.‬‬ ‫أذكر أني لما بدأت في قراءة الغزالي وكتابة أول عمل فيه حول السببية سنة ‪ 1971‬في‬ ‫باريس ونشر الكتاب حال عودتي إلى تونس صرت في نظر \"الحداثيين\" العرب عدوا لدودا‬ ‫للحداثة لأني بينت أن الغزالي فيلسوف ثوري وابن رشد مجرد شارح لأرسطو لا يكاد يساوي‬ ‫مستوى تلميذ صغير عند الغزالي‪.‬‬ ‫كانوا حينها في ذروة تأثيرهم وفرحهم بالعالمية الماركسية وينفخون في ابن رشد‬ ‫ويعتبرونه مؤسس الحداثة الغربية لأن أرنست بلوخ كتب كتابا وقدم محاضرة في ما سماه‬ ‫اليسار الأرسطي‪-‬بمناسبة ألفية ابن سينا‪ -‬واعتبر ابن رشد زعيمه مدعيا ان الغزالـي يمثل‬ ‫اليمين الأرسطي قياسا سطحيا على المقابلة بين اليسار واليمين الهيجلي في الرؤية الماركسية‪.‬‬ ‫وهو قياس سخيف اضطررت لبيانه وفضح حماقات الماركسيين العرب‪.‬‬ ‫فأما الجريمة الكبرى في نظرهم فقد كانت كلامي على ابن تيمية بوصفه أكبر فيلسوف‬ ‫عرفته الثقافة الإسلامية بل والإنسانية لأنه هو الذي أنهى بصورة فلسفية الفلسفة‬ ‫القديمة عندما ناقش نظرية التحليلات الثواني الأرسطية ودحض القول بنظرية المعرفة‬ ‫المطابقة والكلي الواقعي فيها ونظرية المجاز‪.‬‬ ‫وعندما أقول دحض نظرية المجاز فالقصد نظرية المقابلة حقيقة مجاز للتضايف بين‬ ‫المفهومين حقيقة مجاز‪ .‬فدلالة اللسان لا هي مجاز ولا هي حقيقة لأنها لا علاقة لها بحقيقة‬ ‫ما ترمز إليه أو بعدم حقيقته‪ .‬إذ لو كانت ذات علاقة بحقيقته لكانت اللغات واحدة مثل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لغة العلوم الصناعية التي يراد بها الدلالة على ما يعتبر قانون الشيء ويظن واحدا‬ ‫ومطابقا للحقيقة‪.‬‬ ‫وقوة ثورة ابن تيمية في هذا المضمار هو أنه حتى هذه اللغة العلمية فهو لا يعتبرها‬ ‫معبرة عن قانون الشيء وليست مطابقة لحقيقته بل هي معبرة عن منزلة الشيء في النظام‬ ‫الكلي المعبر عن تناظر نسبي بين نظام الرموز ونظام المرموزات في التواصل عند جماعة‬ ‫من الجماعات‪ .‬فالمعاني العلمية عنده رموز مثل اللغة والكتابة‪.‬‬ ‫ولما كانت هذه الرؤى عصية عن فهم القائلين بالمطابقة المعرفية والقيمية خاصة من ذوي‬ ‫الثقافة الأيديولوجية والشعارية كحال الحداثيين العرب فمن الطبيعي ألا يصدقوا أن‬ ‫ابن تيمية يمكن أن يكون قد وصل إلى هذا الحد من الثورة على أرسطو وأفلاطون متجاوزا‬ ‫عصره ولم يصبح بالوسع فهم نظرياته قبل ثورة كنط الفلسفية وثروة بورس الوسمية‬ ‫وتجاوز نظرية المعرفة المطابقة‪.‬‬ ‫وعندما اتكلم على الاستراتيجيا في المنظور الخلدوني واعتبره متجاوزا للصيني والألماني‬ ‫فيها فمن الطبيعي ألا يصدق القشوريون مثل هذه القصة فيعتبرونها من أوهامي وليست‬ ‫نظريات قائمة في عمل ابن خلدون وابن تيمية‪ .‬ولهذه العلة أكثر من الشواهد حتى لا‬ ‫يظن أني أقول الرجلين ما لم يقولا فأدعي عليهما محتميا بهما في رؤية الأول للعمل والشرع‬ ‫والثاني للنظر والعقد‪.‬‬ ‫فكيف يمكن أن تكون الحرب بخلاف المتعارف أداة تسابق في الخيرات للإصلاح والتعمير‪-‬‬ ‫وهي عند الاقتصار على الأمر الواقع أداة للتخريب والتدمير‪-‬إذا لم نصل ذلك بشروطها‬ ‫حتى في حالة طغيان الأمر الواقع عليها؟‬ ‫فهل الجيش الأمريكي مثلا يحارب بمفرده؟‬ ‫أم إن الجامعات والمؤسسات الاقتصادية المبدعة تحارب معه؟‬ ‫أما كان يمكن أن يكون علمها للتعمير والإصلاح بدلا من أن يستعمل للتدمير والتخريب؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهل يمكن للبحث العلمي والانتاج الاقتصادي أن يكونا أداتين من أدوات الحرب إذا لم‬ ‫يكن الشعب حرا بحيث إن سهمه في الحرب بتأييدها أو بعدم تأييدها محدد لمجراها فيكون‬ ‫موقفه إما للتعمير والإصلاح أو للتدمير والتخريف؟‬ ‫وهل يمكن في هذه الحالة التصدي للجيش الأمريكي إذا لم يكن المتصدي ذكيا بحيث‬ ‫يعمل على الحد من هذا التأييد ومحاولة الفصل بينهما؟‬ ‫ذلك هو أهم علامات الحمق في المقاومات العربية التي تتصور الوحشية في المقاومة تخيف‬ ‫النظام الأمريكي وليست هي ما يطلبه بل وهي ما يضطر أحيانا لصنعه بنفسه حتى يحقق‬ ‫الالتحام بينه وبين الشعب الذي يمده بالتأييد في القيام بمغامراته‪ .‬ومن ذلك داعش وكل‬ ‫ما يماثلها من الحماقات والعنتريات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلت إلى غاية البحث في الاستراتيجيا ولم أف بوعدين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول هو أني لم أحدد تصنيف الأعداء كما حددتهم الأنفال ‪.60‬‬ ‫‪ .2‬الثاني لم أجمع كل الأبعاد التي أضفتها إلى مفهومي الاستراتيجيا اللذين نسبت‬ ‫أحدهما إلى الصين والثاني إلى الألمان‪.‬‬ ‫فقد قلت إن أعداء الإسلام يستعملونها اليوم لمنعه من استئناف دوره في التاريخ العالمي‬ ‫كما سبق له أن أسهم فيه بوصفه قوة عالمية وله شروط استعادة دوره على الأقل بالقوة‪.‬‬ ‫والمسألتان مترابطتان‪ .‬فأعداء الإسلام اليوم خمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬اثنان ضعفهما المادي علة تقديم الاستراتيجيا الصينية وهما إيران وروسيا‪.‬‬ ‫‪ .2‬واثنان إسرائيل وأمريكا قوتهما المادية علة تقديم الاستراتيجيا الألمانية‪.‬‬ ‫والعدو الخامس يمولهم بالمال والرجال (مليشيات السيف ومليشيات القلم) وهو ليس‬ ‫أجنبيا بل هو من خونة العرب حكاما ونخبا‪ .‬لذلك فقوة أعداء الإسلام الأربعة الأول‬ ‫تغزونا دون ان يكلفها ذلك شيء لأن الخونة والعملاء منا هم الذين يمولون الغزو‪ .‬وهؤلاء‬ ‫هم من النوع الذي أشارت إليه الآية بوصفه مما لا نعلمه ويعمله الله ليس لخفائهم بل لعدم‬ ‫إمكانية تحديد علل أفعالهم وسرائرهم‪.‬‬ ‫وهم ليسوا من أهل الحكم إذ لا حكم له أصلا‪ .‬فكل من يمول أعداء الإسلام الأربعة أي‬ ‫العدو الخامس ليسوا حكاما حتى بالاسم‪ .‬فهل بشار يحكم في شيء؟ وهل من جاؤوا على‬ ‫الدبابة الأمريكية للعراق يحكمون في شيء؟ وهل السيسي يحكم في شيء؟‬ ‫وهل صاحب المنشار يحكم في شيء؟‬ ‫وهل وجه الحمار يحكم في شيء؟‬ ‫وهل نخبهم نخب أم هي طبالة وأغلبها صار ذبابا؟‬ ‫لو كنت أحلل بأحوال النفس لقلت هي سادية وجنون‪ .‬فكل من ذكرت ممن يمول حرب‬ ‫الأعداء الأربعة على الاسلام بالمال والرجال يعلم أنه مجرد دمية لا حول له ولا قوة‪ .‬ومع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك فهو يقبل تهديم كل سوريا وكل العراق وكل مصر وكل السعودية وكل الخليج لا ينتظر‬ ‫أدنى فائدة لعلمه أن مستعمله سيستبدله بغيره بعد نهاية دوره‪.‬‬ ‫وإذن فالعدو الخامس لا تعنيه الأية بمن لا يعلمه إلا الله من حيث أعيانه بل من حيث‬ ‫الأمراض الخفية التي تنتج العداوات والتي لا حصر لها‪ .‬ومن ثم فمطالبة الآية‬ ‫بالاستعداد لهم هو جوهر المعنى الذي عرفت به الاستراتيجية بالمعنى القرآني الإيجابي‪.‬‬ ‫فالمطلوب مأمورا به في هذه الإشارة هو تحقيق الحصانة الروحية والمناعة المادية‪.‬‬ ‫أما الأعداء الواضحون فقد عرفتهم الآية‪ .‬لكنها عرفت نوعين وأضمرت نوعين‪ .‬عرفت‬ ‫نوعين هما‪:‬‬ ‫‪ .1‬أعداؤكم‬ ‫‪ .2‬وأعداء الله‪.‬‬ ‫وأضمرت نوعين هما‪:‬‬ ‫‪ .3‬من يعاديكم لأنه عدو الله‬ ‫‪ .4‬ومن يعادي الله لأنه عدوكم‪.‬‬ ‫فلماذا اعتبر ‪ 3‬و‪ 4‬غير ‪ 1‬و‪2‬؟‬ ‫لو لم توجد الآية ‪ 48‬من المائدة لما ميزت ولما اعتبرت الحرب أداة في التسابق في‬ ‫الخيرات‪.‬‬ ‫فواضح أن من يعادينا لذاتنا ومن يعادي الله لذاته فلا يدخل الله في الأولى ولا يدخلنا‬ ‫في الثانية الاستعداد لهما يختلف عن الاستعداد لمن يعادينا لأنه يعادي الله أو لمن يعادي‬ ‫الله لأنه يعادينا‪ .‬والفرق هو العلاقة بين الدافعين ومستوى العداوة المضاعف في الثانية‪.‬‬ ‫وهو ما يمكن من وصف ما يجري حاليا‪.‬‬ ‫فلا أحد يصدق أن أمريكا تحارب الإسلام لأنه دين وعبادات فهذا آخر همومها بل هي‬ ‫تعاديه لأن النيل منا مستحيل ما ظللنا مؤمنين به إيمان من يؤمن بقيمتي الحرية والكرامة‬ ‫وهو معنى الإسلام السياسي‪ .‬وهي إذن تعادي هذا الإسلام لأنها تعادينا بعد أن صرنا نفهمه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هذا الفهم وهي تصادق الإسلام التقليدي بل وتشجع حصر الإسلام في العبادات والشطحات‬ ‫الصوفية‪.‬‬ ‫ولا أعتقد أن روسيا تعادينا لذاتنا بل هي تعادي الإسلام لأنها ماتزال تحلم بمجد‬ ‫الأرثودوكس واسترداد عاصمتهم التاريخية (تدارك فرصة سايكس بيكو الأولى التي‬ ‫اضاعتها ثورة ‪ )17‬وتمجد المادية الجدلية في ما يتعلق بأديان الشعوب التي تريد‬ ‫استتباعها‪ .‬والدليل أنها لم تصادق من العرب إلا الملحدين والطائفيين المعادين للإسلام‪.‬‬ ‫وإذن فأمريكا وروسيا نموذجان من العدوين المضمرين في الآية‪ :‬كلاهما يجمع بين‬ ‫الدافعين مع تقديم وتأخير‪ .‬ومن ثم فالحلف بين إيران وروسيا علينا مفهوم والحلف بين‬ ‫إسرائيل وأمريكا علينا مفهوم‪ .‬وإيران لا تدعي معاداة الإسلام بل السنة عامة والعرب‬ ‫منهم خاصة (ثأر) وإسرائيل لا تدعي معاداة العرب بل الاسلام السياسي (القدس)‪.‬‬ ‫ولا يعني ذلك أن إيران تحب الإسلام بل يعني أنها تعتبر تحريفها له هو أداة الانتقام‬ ‫بتحريفه ممن أطاح امبراطوريتها به‪ .‬ولا يعني أن ذلك أن إسرائيل تحب العرب بل يعني‬ ‫أنها تعتبر العرب من دون الإسلام يمكن أن يكونوا مثل جل من تستعمرهم مافياتها في‬ ‫العالم فيصبحوا كما نرى منهم الكثير عبيدا لها وجوهيم‪.‬‬ ‫ومما يثبت هذا التحليل هو أن إيران وروسيا يخوفان العرب من إسرائيل وأمريكا‬ ‫وإسرائيل وأمريكا يخوفان العرب من إيران وروسيا‪ .‬لكن العرب الذين بيدهم المال‬ ‫والسلطان لا يعنيهم شيء من ذلك فما يعنيهم هو من يعتبرونه أكثر قدرة على بقائهم‬ ‫أطول مدة في ما يتوهمونه جنة الخلد وهم دمى في محميات‪.‬‬ ‫اعتقد الآن أني بينت تصنيف الأعداء كما يمكن أن يستخرج من الأنفال ‪ 60‬بالتعيين‬ ‫التاريخي في لحظتنا إذ يمكن أن يكون التعيين مختلفا في ظروف أخرى لأن القانون القرآنـي‬ ‫مطلق من حيث البنية المجردة لكنه نسبي من حيث التعيين التاريخي‪ .‬وما يعنيني هو البنية‬ ‫المجردة والتعيين التاريخي الحالي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وعلي الآن أن أبحث في الـمشكلة الأعوص والتي تتعلق بما أضفته للانتقال من‬ ‫الاستراتيجيا الصينية والألمانية التي تتعلق بالحرب من حيث هي فعل سلبي للتخريب‬ ‫والتدمير إلى الاستراتيجيا الخلدونية التي تتعلق بالحرب ا من حيث هي فعل إيجابي‬ ‫للتسابق في الخيرات أي من حيث هي جزء من مفهوم لم أذكره إلى حد الآن‪ :‬الجهاد بمعناه‬ ‫القرآني السليم‪.‬‬ ‫فمعلوم أن مشوهي الجهاد يقصرونه على القـتال‪ .‬وفي ذلك سوء نية من المشوهين بقصد‬ ‫وربما سذاجة ممن يستعملون هذا المعنى بحمق كان ولا يزال من أسباب الجهل بالاستراتيجيا‬ ‫الإسلامية‪ .‬فللجهاد خمس معان هي أدوات التسابق في الخيرات‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأصغر هو جهاد رد عدوان الغير علينا سواء كان منا أو من الأجانب‪.‬‬ ‫‪ .2‬والأكبر هو جهاد الامتناع عن العدوان على غيرنا سواء كان منا أو من الأجانب‪.‬‬ ‫وكلنا يعلم أن منع العدوان على الغير أعسر من منع العدوان علينا لأن الأول شرطه‬ ‫جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر‪ .‬والثاني أيسر لأن النفس لا تقبل أن تُظلم وقد تقبل أن‬ ‫تَظلم‪ .‬ولذلك سمي الأول أكير والثاني أصغر‪ .‬والأصغر يحتاج إلى إبداع تقنياته‪.‬‬ ‫والأكبر يحتاج إبداع أخلاقه‪ .‬وهما مجاهدتان معرفية وروحية‪.‬‬ ‫وأصل هذه الفروع الأربعة من الجهاد‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأكبر‬ ‫‪ .2‬وشرطه علوم الروح والأخلاق (بالمعنى الألماني يعني علوم الإنسان)‬ ‫‪ .3‬والجهاد الأصغر‬ ‫‪ .4‬وشرطه علوم الطبيعة والتقنية (بالمعن الألماني علوم العالم المادي والبايولوجي)‬ ‫‪ .5‬هو التسابق في الخيرات وقاية من الاحتراب الأهلي الإنساني وعلاجا لأن البشر‬ ‫اخوة (النساء ‪ 1‬من نفس واحدة) ومتساوون أمام الله ولا يتفاضلون إلا بالتقوى‬ ‫(الحجرات ‪.)13‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا هو جوهر الاستراتيجيا القرآنية الهادفة إلى توحيد الإنسانية بقيم الرسالة‬ ‫الخاتمة التي تحدد منزلة الإنسان وما يمكن أن يصيبها من خسر وكيف يمكن اخراجها منه‬ ‫بمضمون سورة العصر التي هي زبدة القرآن كله بوصفه هذه الاستراتيجية التوحيدية التي‬ ‫كلف الخاتم بتحقيق عينة منها هي دولة الإسلام‪.‬‬ ‫فلا أحد ينكر أن صحابة الرسول يمثلون عينة من وحدة الإنسانية ففيها العربي‬ ‫والإفريقي والفارسي والرومي والمسلم واليهودي وحتى من ليس بمسلم عندما كون نواة‬ ‫الدولة وكتب دستورها‪ .‬فكان دستور المدنية المعنى الأتم للعقد الاجتماعي والسياسي بمعنى‬ ‫أن الدولة تنشغل بالحماية والمجتمع بالرعاية‪.‬‬ ‫وهي رؤية سابقة لعصرها ولم يكن بالوسع فهمها‪ .‬ومن يقرأ المائدة ‪ 48‬يجد التعليل‬ ‫والتأسيس لأن الدولة والمجتمع هما الفضاء اي يمكن أن يمثل مسرح التسابق في الخيرات‬ ‫المشروط بأمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الحرية الدينية‬ ‫‪ .2‬التعدد الديني ليحصل الاختيار الحر‪.‬‬ ‫لكن الاختيار يتطلب تبين الرشد من الغي وإذن حرية الفكر والمعتقد‪.‬‬ ‫فإذا واصل الباحث القراءة فقرأ البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ 69‬والحج ‪ 17‬اقتنع أن المفتاح هو‬ ‫ترك الحسم بين الأديان إلى يوم الدين في ما يتعلق بمن هو على الحق والاقتصار على‬ ‫الاجتهاد للاختيار بينها خلال التسابق في الخيرات بثلاثة شروط لا غير‪ :‬الإيمان بالله‬ ‫والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح‪ .‬وهذه لا تفرض دينا معينا بل الديني من حيث هو‬ ‫ديني أيا كان شكله التاريخي‪.‬‬ ‫لذلك فهي ينبغي أن تفهم كما حددتها الآية ‪ 256‬من البقرة‪ .‬فالقصد بالإيمان بالله‬ ‫الكفر بالطاغوت أي عدم عبادة العباد‪ .‬والقصد بالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدل‬ ‫الذي يتدارك الظلم الدنيوي والعمل الصالح هو علامة المعنيين الأولين‪ .‬والسلب يوضح‬ ‫المعنى الإيجابي المقصود في الشروط‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا أنكر أمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن هذه الرؤية المعقدة من العسير الوصول إليها لأن علوم الملة كلها تنفيها ومن‬ ‫ثم فهي تبدو وكأنها من خيالي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وأنها لا تبدو المعنى الأوضح للنصوص التي وردت في القرآن والتي مارسها الرسول‬ ‫وحاول العهد الراشدي التقيد بها ولم يصغ بعضها فلسفيا إلا الغزالي وابن تيمية وابن‬ ‫خلدون‪.‬‬ ‫وإذا كان لي من فضل في ذلك فهو أني أخرجت فكر هؤلاء المبدعين ‪-‬فلاسفة المدرسة‬ ‫النقدية العربية ‪-‬من النسيان والإهمال بسبب سيطرة الكاريكاتورين على فكرنـا‪.‬‬ ‫فكاريكاتور الحداثة يعتبر الفلسفة التقليدية والمعتزلة والباطنية عقلانية وهم في الحقيقة‬ ‫من جنسهم أصحاب إيديولوجيا‪ .‬وكاريكاتور الاصالة يقلد الماضي أو قشور الحداثيين‪.‬‬ ‫ولذلك فهم أفسد من كاريكاتور الحداثة‪.‬‬ ‫اعتقد الآن أني بينت تصنيف الاعداء كما يمكن أن يستخرج من الأنفال ‪ 60‬بالتعيين‬ ‫التاريخي في لحظتنا إذ يمكن أن يكون التعيين مختلفا في ظروف أخرى لأن القانون القرآن‬ ‫مطلق من حيث البنية المجردة لكنه نسبي من حيث التعيين التاريخي‪ .‬وما يعنيني هو البنية‬ ‫المجردة والتعيين التاريخي الحالي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لم تنل الاستراتيجيا التي تأسست عليها الفتوحات الإسلامية حظها رغم أني وصلت إلى‬ ‫الفصل العاشر وختمت به دون اقتناع‪ .‬لذلك أستأنف الكلام في الموضوع‪ .‬ولكن قبل ذلك‬ ‫لا بد من بيان النوعين الأحدثين من النوعين الصيني (سن تسو) والألماني (كلاوسفيتز)‬ ‫لأنهما يتجاوزانهما في الفاعلية ويشبهانهما فضلا عن كونهما قد يخلطان بالنوع الإسلامي‬ ‫لوجود وجوه شبه بينهما وبينه كذلك‪ .‬وأكثر من ذلك فما يشبه مبادئهما موجود في النوع‬ ‫الإسلامي وجوده في النوعين الصيني والألماني وسنرى الفرق لاحقا‪ .‬والنوعان هما‪:‬‬ ‫‪ .1‬النوع الصهيوني بعد أن شرع يهود العالم في تأسيس دولة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والنوع الأمريكي بعد أن أصبحت أمريكا دولة عالمية‪.‬‬ ‫وكلاهما يعتمد على رؤية فيها لدور البعد الدنيوي من وجود الإنسان أهمية كبرى دون‬ ‫اغفال المرجعية الدينية‪ .‬والكلام دقيق وشائك‪ .‬لأن دور البعد الدنيوي وعلاقته بالمرجعية‬ ‫الدينية من علامات تمايز الأديان الأساسية‪.‬‬ ‫فمجرد التلميح لأوجه الشبه بين هذين الاستراتيجيتين والاستراتيجيتين الاوليين من‬ ‫جهة واستراتيجية الإسلام من جهة ثانية قد يصبح تهمة‪ .‬ولست ناقصا فالنصال تكسرت‬ ‫على النصال‪ .‬لكني أبحث عن الفهم ولا اهتم كثيرا بالتهم‪ .‬والاستراتيجية الصهيونية تشبه‬ ‫الصينية لكنها تهدف للاستعباد الروحي‪-‬وهذا هو الخلاف مع استراتيجية الإسلام‪ -‬وليس‬ ‫للنصر العسكري فحسب‪ .‬والاستراتيجية الامريكية تشبه الألمانية لكنها تهدف للاستتباع‬ ‫السياسي ‪-‬بعد أن أخلت أمريكا من أهلها وهذا هو الخلاف مع استراتيجية الإسلام‪ -‬وليس‬ ‫للعسكري في حسب‪ .‬وأداتهما بعدا العجل‪.‬‬ ‫وما أسميه الاستعباد الروحي هو جعل الناس جوهيم دون وعي أي عبيد لبعدي العجل‬ ‫أعني معدنه (العملة) وخواره (الكلمة)‪ .‬والاستعباد بالبنك والاقتصاد وبالأيديولوجيا‬ ‫والملاهي‪ .‬وبنفس الآلتين تعمل امريكا لكن الهدف ليس الاستعباد الروحي بل الاستتباع‬ ‫السياسي لعدم العناية برؤية الجوهيم بل بتأثير نموذج الحياة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبذلك يكون الفرق مع الرؤية الإسلامية في الحالتين رفض الاستعباد الروحي والاستتباع‬ ‫السياسي كما يثبت التاريخ ذلك‪ .‬فالمسلمون الأول وخاصة العرب سرعان ما فقدوا السيطرة‬ ‫على فتوحاتهم وصارت سيدة نفسها‪ .‬والعلة في ذلك أن الاستراتيجية الإسلامية لم تستعمل‬ ‫أداة بعدي العجل والقرآن يعتبر البشر متساوون ولا يوجد جوهيم أو تمييز عنصري على‬ ‫الأقل من حيث المبدأ لأنهما يعتبران من المحرمات‪:‬‬ ‫‪ .1‬رفض الأداة أي بعدي العجل أي ربا الأموال وربا الأقوال وكلاهما من المحرمات‬ ‫في القرآن‪ :‬الحرب على الربا وأشد المقت لمن يقولون ما لا يفعلون‪.‬‬ ‫‪ .2‬رفض الاستعباد والاستتباع الذي هو استعباد مخفف في نسبة المسيحية إلى‬ ‫اليهودية في تحديد منزلة الإنسان‪.‬‬ ‫ولا شك أن الاستراتيجية الإسلامية في الفتح فيها استعمال المال والعقائد لكنها ترفض‬ ‫نوعي الربا وتعمل بنموذج الحياة المؤثر وحتى لا يبقى الكلام غامضا وكأنه ملغز‪:‬‬ ‫‪ .1‬فميزانية دولة الإسلام فيها باب الغاه الفاروق يسمى تأليف القلوب وهو بنحو ما‬ ‫استعمال المال لكسب الأصدقاء أو للتقليل من الاعداء‪.‬‬ ‫‪ .2‬والتأثير بالنموذج هو الأقوى وهو سر الفتوحات سواء كانت حربية بعده أو سلمية‬ ‫قبلها‪ .‬إنه الأداة الحقيقية في الفتح‪.‬‬ ‫ذلك أن الانتصار على الجيوش لا يؤدي إلى إسلام الشعوب‪ .‬وبعض الشعوب أسلمت دون‬ ‫حروب وخاصة في جنوب شرق آسيا بل أكثر من ذلك فالكثير من الشعوب التي هزمت جيوش‬ ‫المسلمين أسلمت بعد ذلك إذ إن المغول لم يكونوا منهزمين لما دخلوا الإسلام ولا الأتراك ولا‬ ‫الأكراد ولا الأمازيغ ولا الأفارقة بل بتأثير النموذج‪.‬‬ ‫ولأعكس حتى يتضح القصد بتأثير النموذج‪ .‬فأمريكا لم تسقط السوفيات بالحرب بل‬ ‫بالنموذج الأمريكي‪ .‬صارت الشعوب تحلم به والعيش مثل الشعب الأمريكي‪ .‬وهذا وحده‬ ‫كان كافيا لتحصل الهزيمة الروحية للشعوب التي كانت أنظمتها تريد مقاومة أمريكا‪ .‬دولة‬ ‫الإسلام كانت بنحو ما أمريكا عصرها‪ .‬لكن وجه الشبه يقف عند هذا الحد‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقلت إن النموذج له علاقة بمنزلة الدنيوي في الوجود‪ .‬وهنا يكمن الفرق‪ :‬هل تأثير‬ ‫النموذج يقتصر على الدنيوي أم على طبيعة علاقة الدنيوي بما يتعالى عليه؟ وهل دور‬ ‫المال والمقال يقتصر عليهما أم على طبيعة علاقتهما بالعلاقة السابقة بمعنى أن المال والمقال‬ ‫في الإسلام متحرران من بعدي العجل‪.‬‬ ‫والغاية من هذه المقارنة هي التالية‪ :‬خذ الاستراتيجيات الأربع التي تكلمت عليها أي‬ ‫• الصينية (التخريب الشيطاني)‬ ‫• والألمانية (التدمير الحيواني)‬ ‫• وتخريب الأرواح الصهيوني بجعل الناس جوهيم عبيد العملة والكلمة (بعدي العجل)‬ ‫• وتخريب الأبدان الأمريكي أو تحول الناس توابع في عيشهم وستجد الأمراض التي‬ ‫يعالجها الإسلام بما يشبهها ولكن بحدود تجعله دواء بدلا من أن يكون داء‪.‬‬ ‫فاستراتيجية القرآن ‪-‬ولا أقول استراتيجية المسلمين لأن الأمر الواقع في التاريخ ‪-‬وهي‬ ‫ظاهرة عامة‪-‬لا يطابق الأمر الواجب في المرجعية‪-‬هي علاج هذه الأمراض الأربعة بما‬ ‫يبدو مماثلا لها‪ :‬التخريب الصيني والتهديم الألماني واستعباد الأرواح الصهيوني واستتباع‬ ‫الأبدان الأمريكي ولكن بحدود تحررها من ا لتخريب والتدمير والاستعباد الروحي‬ ‫والاستتباع السياسي وذلك هو مدلول النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ .13‬فالرسالة الخاتمة أولا‬ ‫تخاطب البشرية كلها بوصفها اخوة من نفس واحدة وبوصف التفاضل الوحيد بينها أمام‬ ‫الله هو ا لتقوى أي تطبيق القانون الواحد للجميع‪:‬‬ ‫‪ .1‬فلا تقبل التخريب الشيطاني الصيني (الخبث)‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولا تقبل التهديم الحيواني الألماني (عبادة القوة)‪.‬‬ ‫‪ .3‬ولا تقبل عبادة العجل والشعب المختار‪.‬‬ ‫‪ .4‬ولا تقبل عبادة الدنيا رغم الاعتراف بالنصيب منها‪.‬‬ ‫‪ .5‬فكان لا بد من التمييز بين الغدر والفكر وبين القوة والتهديم في العملة والكلمة‬ ‫أداتين وسلطانين وبين النصيب من الدنيا وعبادتها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وليس في ذلك مثالية السذج بل هي السياسة الأكثر فاعلية بشرط أن تكون ممارسة حقا‬ ‫في الأفعال وليست شعارات في الأقوال‪ .‬لذلك بينت أن مشكل الحضارة الإسلامية ليس في‬ ‫الفرق بين الأمر الواقع والأمر الواجب فحسب بل في التنافي المطلق بينهما‪ :‬لكن قيم الإسلام‬ ‫كاد يقضي عليها لغو الكلام وعقم الأفهام‪.‬‬ ‫كل البشر الأمر الواقع في أفعالهم ليس مطابقا للأمر الواجب في أقوالهم‪ .‬لكن ولاءهم‬ ‫لقيمهم يقاس بالمسافة التي تفصل بين الأقوال والأفعال‪ .‬وبهذا المعيار فلا يوجد شيء من‬ ‫أقوال غالبية المسلمين بقيت له صلة حتى ضئيلة بأفعالهم‪ .‬ولذلك ينطبق عليهم معنى \"فساد‬ ‫معاني الإنسانية\" و\"الرد في أسفل سافلين\"‪.‬‬ ‫وكما بينت في الفصول السابقة فالاستراتيجيا الإسلامية وقائية أكثر مما هي علاجية‪.‬‬ ‫وهي تعتبر الحرب من أدوات التسابق في الخيرات دون مثالية ساذجة لا أداة تخريب‬ ‫(الصيني وهو أداة إيران المفضلة) ولا تهديم (الألماني وهي أداة روسيا المفضلة) ولا‬ ‫استعباد روحي (وهو أداة إسرائيل المفضلة) ولا استتباع مادي (أمريكا وهو أداة أمريكا‬ ‫المفضلة)‪.‬‬ ‫والقرآن يحدد الاستراتيجيا بفلسفة تعوض تلك الشرور الأربعة بالأخيار في الخداع وفي‬ ‫القتال الحربيين وفي التأثير الروحي وفي التأثير المادي‪ .‬والعلة هي أن القرآن كما عرفته‬ ‫في تفسيري الفلسفي لتحريره من هذيان الكلام \"استراتيجية توحيد الإنسانية ومنطق‬ ‫السياسة المحمدية\"‪ :‬النساء ‪ 1‬والحجرات ‪.13‬‬ ‫ورغم ما تشكو منه الأمة من فساد معاني الإنسانية بالمعنى الخلدوني إلا أن خير الإسلام‬ ‫ما يزال حاميا لها ضد كل هذه الاستراتيجيات‪ .‬وما يثبت ذلك هو أن المنهج الصيني فشل‬ ‫في تحقيق خطط إيران أي التخريف الخبيث فاضطرت للاستعانة بأمريكا في العراق وبروسيا‬ ‫في سوريا دون نجاح قابل للديمومة‪.‬‬ ‫وما أتوقعه هو أن العراقيين حتى من كانوا شيعة قبل نظام الملالي ‪-‬إذا لم يكونوا من‬ ‫أصل إيراني ‪-‬لن يبقوا شيعة لأنهم رأوا ما لا يصدقه عقل من انحطاط خلقي وفساد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫واستبداد لا يرضاه أي إنسان ذو فطرة سليمة بل إن الإيرانيين أنفسهم إذا سقط النظام‬ ‫سيكونوا إما ملحدين أو مسلمين ولن يبقوا شيعة‪.‬‬ ‫كما أن استعمال الطريقة الالمانية فشل كما فشل استعمال الطريقة الصينية‪ .‬وأكبر‬ ‫علامة فشل فرنسا في المغرب الكبير‪ .‬فقد قاومها الجزائريون مثلا ‪ 130‬سنة رغم الفارق‬ ‫المادي والتقني المهول والاستعمال الذي تجاوز استعمال بوتين للقوة في الشيشان ومع ذلك‬ ‫أخرجوها صاغرة وقتلوا منها مثل ما قلت منهم‪.‬‬ ‫ونفس الشيء في العراق رغم أن المقاومين كانوا من السنة وحدها فخسرت أمريكا المعركة‬ ‫لولا المليشيات والفتاوى الشيعية التي خربت المقاومة بالحرب الاهلية الطائفية التي عطلتها‬ ‫وحالت دون اخراجها صاغرة‪ .‬وقبل ذلك مقاومة ليبيا للإيطاليين ومقاومة الأمة للغرب كله‬ ‫حفظا للقسم الأوروبي من تركيا‪.‬‬ ‫أما الاستعباد الروحي الصهيوني فالإسلام يتصدى له مباشرة لأن خرافة شعب الله‬ ‫والمختار واختصاصهم بالنبوة ألغاها القرآن فصار لكل شعب رسول بلسانه والإسلام‬ ‫للإنسانية كلها بمنطق النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ .13‬وهذا هو الدحض الحاسم لنظرية شعب‬ ‫الله المختار (اليهودية) ونظرية أسرة الله المختارة (الشيعية)‪ .‬وأما الإغراء الأمريكي‬ ‫فهو أولا لم يعد مغريا حتى لأهله فضلا عن المسلمين حقا‪ .‬ثم إن الأمريكيين خلافا‬ ‫للأوروبيين أكثر شعوب الغرب تدينا رغم كل ما نشاهده في ثقافة الملاهي والإعلام‬ ‫الأمريكيين‪.‬‬ ‫وهذا يعني سلبا أن الإسلام فيه البلسم ضد هذه الاستراتيجيات الأربعة المبنية على‬ ‫الغدر والعنف والاستعباد الروحي والاستعباد المادي‪ .‬والبلسم مضاد للسموم لكنه ليس مبنيا‬ ‫على المثالية بل عليه للوقاية مع الاعداد للعلاج عند الحاجة وهو مضمون الأنفال ‪ 60‬التي‬ ‫حللناها وبينا دورها العلاجي‪.‬‬ ‫لكن الأهم من ذلك كله ليس الوقاية والعلاج فحسب بل الحصانة الروحية والمناعة‬ ‫المادية‪ .‬وما كنت لأقدم الكلام على ما يبدو رد فعل أو وجوها سلبية للاستراتيجية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإسلامية‪-‬الوقاية والعلاج‪-‬لو لم يكن ذلك بسبب عرض الاستراتيجيات السائدة وبيان‬ ‫صمود الأمة رغم فارق القوة العلمية والاقتصادية‪.‬‬ ‫بدأت بها مدخلا للوصول إلى الحصانة الروحية والمناعة المادية التي هي الوجه الموجب‬ ‫من الاستراتيجية وهي بعدا السياسة وبعدا علاقتها بالمنزلة الوجودية التي يحددها القرآن‬ ‫للإنسان من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها ومكرم وخلق لعبادة الله دون سواه‬ ‫وتركت له حرية الإيمان بتبين الرشد‪.‬‬ ‫والحصانة الروحية (هي ثمرة الوعي بمنزلة الخليفة في الأرض) والمناعة المادية (هي‬ ‫ثمرة الوعي بالاستعمار في الأرض) هما ما بهما تكون الأمة ذات سيادة لأن الأولى هي‬ ‫الحماية من العبودية والثاني هي الحماية من الحاجة الموصلة إليها‪ :‬ومن هنا كان عنوان‬ ‫المقدمة مجرد شرح لهذين المعنيين‪.‬‬ ‫والآن أستطيع القول إن المحاولة قد أتت أكلها وبلغت غايتها‪ .‬فما لأجله نسبت‬ ‫الاستراتيجية إلى ابن خلدون ليس الفصل الذي خصصه للحرب في المقدمة بل المقدمة كلها‬ ‫فهي في الحقيقة بحث في الاستراتيجيا التي تحرر الإنسان من فساد معاني الإنسانية أو من‬ ‫الخسر باستراتيجية سورة العصر وأبعادها الخمسة‪.‬‬ ‫فالخسر رد أسفل سافلين بتحريف تقويم أحسن والوعي به هو التذكير الذي تمثله‬ ‫الرسالة الخاتمة وهو أصل العناصر الأربعة الباقية في سورة العصر‪:‬‬ ‫اثنان للفرد المؤمن أي الإيمان والعمل الصالح‬ ‫واثنان للجماعة المسلمة أي التواصي بالحق(الاجتهاد) والتواصي بالصبر(الجهاد)‪ .‬تلك‬ ‫هي الحصانة والمناعة في الرؤية القرآنية وهي للفرد وللجماعة الإنسانية من حيث هي‬ ‫إنسانية لها الخلافة منزلة وجودية‪ .‬وللخلافة لها خمس معان‪:‬‬ ‫‪ .1‬خلافة الإنسان من حيث هو إنسان‪.‬‬ ‫‪ .2‬من تؤول إليها الخلافة في الارض بالفعل وليس كمنزلة بالقوة‬ ‫‪ .3‬الخلافة من حيث هي وظيفة سياسية وهي خلافة الأمة بوصفها جماعة الخلفاء‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .4‬بين ‪ 1‬و‪ 2‬ما يجعل الجماعة من الخلفاء يصبحون أهلا للانتقال من ‪ 1‬إلى ‪ 2‬أو من‬ ‫الخلافة منزلة وجودية بالقوة إلى منزلة وجودية بالفعل‬ ‫‪ .5‬ما يجعل من هم أهل للخلافة بالمعنى الثاني يختارون من بينهم من ينوبهم في إدارة‬ ‫الشأن العام تحت رقابتهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬