-- وابن خلدونه عالج مسألة العمل والشرع ليبين نفس ما بينه ابن تيمية ولكن في نظرية القيم المطابقة ومن ثم فقد غير نظرية الكلي الذي يطلبه العمل بمقتضى تطور العلاقة بين الطبيعة والثقافة لأنه عكس الرؤية اليونانية للعلاقة بين الدولة والنفس :ليست النفس هي نموذج الدولة (أفلاطون وكذلك أرسطو رغم توسيط الأسرة عنده وهي منفية عند أفلاطون) بل العكس هو الصحيح الدولة هي نموذج النفس بتوسط \"نحلة العيش\" التي هي علاقة بين الطبيعي والثقافي. ولهذه العلة فإني اعتبر أدعياء التأصيل بسبب تعريف علوم الملة أكثر مسؤولية عن الوضعية الحالية للأمة من أدعياء التحديث لأن فكر أولئك وسلوكهم هو مصدر أهم أفكار هؤلاء وحججهم ضد الحضارة الإسلامية .ولذلك فقد اعتبرت كلتا المدرستين كاريكاتور مما تدعيانه .فلا الأولى تأصيلية على علم بالأصول ولا الثانية تحديثية على علم بالحداثة بل كلتاهما تمضغ قشور ما تغذي به تخريفها الإيديولوجي. ذلك أنهم لو كانوا يفكرون حقا لتساءلوا عن علة الحرب على الإسلام واستعمال الطريقة الصينية والطريقة الألمانية مع اختلاف في الترتيب بينهما بسبب الاختلاف في طبيعة القوة الحاصلة عندهم: .1فإيران وروسيا أميل للطريقة الصينية لضعف ما في الوسائل المادية رغم وليس رأفة بالناس ولذلك فهم لا يترددون أمام من هم أضعف منهم في استعمال ما استعمله بوتين في الشيشان وفي سوريا. .2وإسرائيل وأمريكا أميل للطريقة الألمانية لقوة في الوسائل المادية لكنهم ليسوا ضعفاء في الطرية الصينية ثم هم يستعملون إيران وروسيا للقيام بهذه المهمة ودور الجرافة الميسرة لمهمتهم لاحقا .وبهذا المعنى فأمريكا هي التي تحمي الحشد الشعبي. صحيح أنهم يتحاربون في ما بينهم -إيران وروسيا يستعملان الصينية ضد إسرائيل وأمريكا بسبب ضعفهما المادي وآخرة العمليات التدخل في الانتخابات مثلا-واسرائيل أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
-- وأمريكا يستعملان الألمانية بسبب قوتهما المادية وأخرة العمليات مثلا محاصرة إيران-لكن رهان اللعبة هو السلطان على العالم بالتدمير. وهو ما يعني أن الحرب على الإسلام ليست لما في أرضه أو لأرضه ومكانه في جغرافية العالم وتاريخه فحسب بل لأن استراتيجيته هي النقيض من الصينية والألمانية ليس في الوسائل فحسب بل وفي الغايات خاصة. فالأولى للتخريب الروحي والثانية للتدمير المادي .والقرآن يريد الإصلاح الروحي والتعمير المادي .إنه مستقبل الإنسانية من منظور الشعوب التي ترى الآن نتائج الطريقتين المرضيتين في أمراض العولمة. ولو كنت من المؤمنين بسياسة تخريب الآخر روحيا (الصيني) أو تدمير الآخر ماديا(الألماني) لكان الخيار الجمع بين الاستراتيجيتين كافيا ولقلت لا بد من الجمع بين أداتي الحرب التي يفضلها الصيني والتي يفضلها الألماني لكني أفضل عليهما الاستراتيجية القرآنية .فهما تخريب وتدمير للإنسانية والعالم قصيرا النظر لعدم حسبان خطر ذلك على الجميع. فالأمر في هذين السلوكين أشبه بانتشار الأمراض بالعدوى .فمن يعتقد أنه يمكن أن يستعمل السلاح البايولوجي أو السلاح النووي لتدمير العدو يفسد الأرض كلها لأنه لا أحد يسيطر على حركة الرياح وانتقال الآفات .ومن جنسهما التلويث الصناعي والتلويث الثقافي اللذين هما جوهر العولمة. وكل ذلك من ثمرات دين العجل .فالقوة التي تخرب الآخر (الصينية) وتدمره (الألمانية) هي عين منطق الصراع من أجل الرزق تماما كما كان الأمر في بداية تاريخ الإنسانية قبل أن تكتشف أنها أسمى من الحيوانات التي تتقاتل على لقمة العيش بدلا من التعاون عليها والعيش في سلام بالحفاظ عليها .وهذا هو جوهر ما يعتبر إيديولوجية العصر ممثلة في فلسفة هيجل وهي جوهر منطق الرأسمالية وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية مغول الغرب (صراع أرواح الشعوب الذي صار صراع الحضارات) وفلسفة ماركس وهي أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- جوهر منطق الشيوعية وسياسة الصين مغول الشرق (صراع طبقات الشعوب) الذي صار النكوص للفرعونية أو دين المادية الجدلية. فلو انفقت البشرية واحد في المائة على التعاون بينها مما تنفقه على التقاتل لكانت البشرية أكثر سعادة أقل شقاء ولحافظوا على ثروات الأرض ولما جاع أحد .فعندما يسيطر واحد في المائة من البشرية على ما يساوي ثروة بقية البشر فإن ما يحدث من حروب ليس بالطبع بل ثمرة الاستراتيجيتين هذين وذلك ما بينه القرآن .وهو جوهر التحريف .وقد لا يصدق من ربي على علوم الملة المحرفة أن ذلك جاء حرفيا في القرآن بالصورة التي أصفها هنا وأنه جاء في السورة التي قال عنها الرسول إنها قد شيبته ومعها أخواتها .وبالترتيب الذي نراه اليوم بصدد تخريب العالم بطريقة سن تسو الصينية وتهديمه بطريقة كلاوسفيتز الألمانية وإذن فالطريقتان هما جوهر استراتيجيتي العولمة ما يعني أن ما يسمى سلما في العولمة حرب عالمية صامتة ليس بين البشر فحسب بل بينهم وبين شروط بقائهم في العالم على الأقل بسبب التلويثين الصناعي والثقافي. فمن من المسلمين لم يقرأ سورة هود؟ من يجهل أنها تبدأ بنوح ثم تمر إلى هود ثم إلى صالح ثم ابراهيم فلوط فشعيب فموسى؟ لو اعتبرنا الكلام فيها يخاطب الرسول المكلف بتبليغ هذه الرسالة للإنسانية واعتبرنا إبراهيم فاصلة بين الثلاثة الواردين فيها قبله والثلاثة الواردين فيها بعده في ترتيب الرسالات في سورة هود فماذا نلاحظ؟ سأطلب من القارئ بعض الانتباه وليقرأ معي هذه الرسالات الست وكأنها مصفوفة (ماتركس) فيقارن الأولـى بالأخيرة والثانية بالتي قبل الأخيرة والثالثة بالتي قبل قبل الأخيرة ومحاولة قراءة هذا التناظر. فسيكون لديه (نوح +موسى) ثم (هود+شعيب) ثم (صالح+لوط) وفي القلب إبراهيم وقبله ثلاثة وبعده ثلاثة ثم المخاطب بها أي الرسول الخاتم الذي عاد إلى توحيد إبراهيم أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- لتكون الرسالة الخاتمة هي ما سميته الحنيفية المحدثة أو الابراهيمية المحدثة .فيكون القلب هو بدوره مؤلفا من زوجين مثل الأزواج التي في السورة (إبراهيم+محمد). فماذا فعل الزوج الأول نوح وموسى؟ نوح حرر الإنسانية من سلطان الطبيعية بالتقنية والزراعة لإعادة البناء الاقتصادي بعد استبداد الطبيعة بالطوفان .وموسى حرر الإنسانية من استبداد الثقافة بالفرعونية بـالهجرة طلبا للحرية وإعادة البناء الثقافي بعد الاستبداد الفرعوني. وماذا فعل الزوج الثاني هود وشعيب؟ فهود طرح مشكل استبداد الأغنياء وشعيب عالج سر الاستغناء بالظلم فطرح الحل للتطفيف بالاستيفاء والإخسار لعلاج مشكل التبادل العادل شرط التعاون المؤسس لجماعة الأحرار إذا تحرروا من استبداد الطبيعة (نوح) ومن استبداد الحكم (موسى). وماذا فعل الزوج الأخير صالح ولوط قبل الكلام على إبراهيم ومحمد؟ وضع صالح ضعا مشكل مصدر الحياة الأول أي الماء ووضع لوط مشكل مصدرها الثاني الجنس .وإذن فهما وضعا المشكل المطلق أي شروط بقاء الإنسانية :الماء والجنس. وبقي دور الزوج الأخير ابراهيم ومحمد .فإبراهيم موجود بين الرسل الثلاثة الأول والرسل الثلاثة الأواخر وكأنه لا محل له من الإعراب في المسائل المطروحة .لكنه هو الذي جاءته الملائكة لتخاطبه في مسألة لوط وفي بشرى عجبت لها زوجته وضحكت منها .وطبعا البشارة يعتقد الكثير أنها بشارة بإسحق .لكن ذلك لا معنى له لأن هذه البشارة الأولى حدثت قبل ذلك بكثير وقبل أن تصل سارة إلى سن اليأس أي مباشرة بعد \"طرد\" هاجر وابنها إلى مكة. اليأس هنا لا يتعلق بالإنجاب العضوي بل بالإنجاب الروحي .إنها بشارة بالخروج من اليأس الذاتي يمثله فشل محاولة علاج الإشكالات التي عرضتها السورة .ومن ثم فالبشارة هي بمحمد وبالإسلام .ولذلك فالبداية في الإسلام هي تأسيس الابراهيمية المحدثة أو المحمدية أو الإسلام الذي هو تحرير الرسالات السابقة من تحريفاتها وخاصة من تحريفين: أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- .1أحدهما هو دين العجل تحريفا لثورة موسى. .2والثاني هو دين الخطيئة الموروثة تحريفا للعفو على آدم. فآدم تلقى كلمات فاتمهن فعفا عنه ربه ولم يبق مشكل الخطيئة الموروثة موجود ومن ثم فهو تحريف لتأليه عيسى وتأسيس الكنسية وساطة روحية بين المؤمن وربه والحكم بالحق الإلهي وصاية سياسية بين الأمة وأمرها .والتحريفان مترابطان وعلاجهما الإسلام بين لكل ذي بصيرة: .1فدين العجل هو عبادة ربا الأموال وربا الأقوال وكلاهما من أكبر الجرائم في القرآن. .2والخطيئة الموروثة عبادة الوسيط في التربية والوصي في الحكم .ويجمع بينهما نظرية الشعب المختار الذي منه الإنسان المؤله شفيعا ترثه الكنسية (وساطة روحية) والحكم بالحق الإلهي (وصاية مادية) .وهذان هما محاربا الإسلام. فالثيوقراطيا حاربته في القرون الوسطى وكانت مسيحية من الخارج وباطنية من الداخل .وهي الآن تحاربه بنفس المنطق شيعية من الداخل صراحة ومسيحية من الخارج بشكل معلمن .الأنثروبوقراطيا حاربته في القرون الوسطى بالتصوف الهندي والفلسفة اليونانية وتحاربه حاليا بهما مع العلمانية الملحدة. وكل هؤلاء يشتركون في دين العجل والحكم ببعديه أو الأبيسيوقراطيا التي هي نظام الحكم المافياوي المسيطر على البنك والاقتصاد وعلى الاعلام والملاهي .وكل الحروب هذا هدفها وأدوات السلطان على الإنسان هو ما سميته المثلجة الاستقبالية بعد المثلجة الماضوية: الإيهام بتاليه الإنسان لاستعباده. فالصوغ الفلسفي للمثلجة القديمة التي تقيس عالم الآلهة على عالم البشر مصدرها أفلاطون وأرسطو .والمثلجة الأفلاطونية غنية عن الدليل .والمثلجة الأرسطية يكفي لفهمها قراءة المقالة الثانية عشرة من الميتافيزيقا .والصوغ الفلسفي للمثلجة الحديثة التي تقيس على البشر على عالم الآلهة مصدرها هيجل .والمثلجة الهيجلية غنية عن الدليل .والمثلجة أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- الماركسية يكفي لفهمها قراءة وعود الشيوعية في المستقبل ولعل ماركس الأول أكثر صراحة في هذه الوعود الميثولوجية .والنخب العربية القديمة قبلت بسذاجة المثلجة الأولى والح والنخب العربية الحالية قبلت بنفس السذاجة المثلجة الثانية .وهما في علاقة مباشرة لأن الثانية تدعي مواصلة الأولى في دعوى العلمية والواقعية والعقلانية وهم من أكثر الناس غرقا في الميثولوجيا اللاواعية. أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- وهكذا فعندما أتكلم على استراتيجيا بديلة من استراتيجية الصيني (سن تسو) واستراتيجية الألماني (كلاوسفيتز) فإني انتقل من استراتيجية التخريب والتدمير إلى استراتيجية الإصلاح والتعمير .ومن ثم فالمعركة الحالية هي بين استراتيجيتين: .1واحدة رمزها مآل العولمة التي تكاد تقضي على شروط بقاء الإنسانية. .2والثانية يمثلها الإسلام أملا للإنسانية أخوة ومساواة. فالحرب هي إذن في المنظور القرآني من أدوات التسابق في الخيرات مثلها مثل العلم حتى وإن استعملت لعكس ذلك كما يستعمل العلم لصنع سلاح الدمار الشامل .والدليل أنها كذلك هو في القرآن آيتان وهما الوحيدتان اللتان تجعلانها شرعية دون أن تكون دفاعية عن الذات بل عن مبدأين عامين للعيش المشترك بين البشر والسلم العالمية: .1فأما الآية الأولى فتتعلق بشرط الحريات الدينية كما هو بين من الآية 40من الحج .ففي هذه الحالة الأولى الحرب تحول دون تهديم بيوت الله دون الاقتصار على الإسلامي منها. .2وأما الآية الثانية فتتعلق بشرط بقاء النوع كما هو بين من الآية 251من البقرة. وفي هذه الحالة الثانية الحرب تحول دون الفساد في الأرض والعدوان على المستضعفين. ولهذه العلة رفضت مفهوم \"التدافع\" الذي يكثر الإسلاميون من استعماله وهم لا يدرون أن ذلك كفر باستراتيجية الإسلام وقول باستراتيجية الصيني والألماني أي بمنطق الصراع الهيجلي (بين أرواح الشعوب) أو الماركسي (بين طبقات الشعوب) .حرب التدافع تتنافى مع استراتيجية القرآن البديل التي تتكلم على دفع إلهي. وبقدر ما الوم كاريكاتور الأصالة التي نفى هذه القيم باعتباره إياها قد نسخت وأعذر كاريكاتور الحداثة الذي اعتمد عليهم في الاحتجاج على ما ظنه الأمر الواجب في الإسلام في حين أنه أمر واقع لا يقره الإسلام أعكس فألوم كاريكاتور الحداثة الذي يظن ويوهم أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- أن أمر الغرب الواقع هو ما في أقواله من الأمر الواجب .ولذلك استحق الفريقان وصفي إياهما بالكاريكاتور: .1فالتأصيلي يحاكم الحداثة بأمرها الواقع وينسى أمرها الواجب. .2والحداثي يحاكم الإسلام بأمره الواقع وينسى أمره الواجب. وكلاهما إن لم يكن متحيلا فهو ساذج .ذلك أن قيم الإسلام الكونية لا تختلف عن قيم الحداثة الكونية عند كبار مؤسسيها وعظامهم .واستراتيجية الصيني واستراتيجية الألماني تتعلق بالحرب في ظرف الأمر الواقع .وهذه لا يختلف فيها ابن خلدون عنهما لأنه يعلم أن الحرب لها طريقتان لا ثالث لهما :الحرب العنيفة والحرب اللطيفة .وهذه تعد لتلك وتقلل من كلفتها .ولا واحدة منهما بكافية .ومن ثم فالفرق بينهما في الكم والترتيب. ولما كانت الوقاية خير من العلاج دون أن تغني عنه كان لا بد من تأسيس استراتيجية إيجابية وأوسع من استراتيجية الصيني والألماني تكون واقية تلغي التخريب والتهديم وتبقى على الحرب من حيث هي كما وصفت أداة تسابق في الخيرات أي منع التخريب والتهديم بدلا من استعمالهما سلاحا فيها .وهذا يصح على علاقة العلم بالخير وقاية ومنعا للشر علاجا. واعتمادا على متابعتي -على محدوديتها-لـ\"لمفكرين\" من الصفين يمكن القول إن بعض الاستثناءات تثبت أن أصحاب التكوين الحديث الذين يبحثون عن فهم الإسلام أكثر انصافا للحضارة الإسلامية من أصحاب التكوين القديم الذين يدعون الحداثة .فهؤلاء من أسخف ما رأيت في حياتي جهلا بلب الحضارتين. فأغلبهم ثقافتهم من جنس ثقافة الذباب في الصحافة العربية .يأخذون بعض قشور الحداثة ويتوهمون أنهم صاروا فلاسفة يمكن أن يتكلموا في ما يخلطون بينه وبين قشوره. فعندما تسمع البعض يتكلم على الفلسفة صانعة \"المفاهيم\" تفهم أنه بائع روبافيكيا فلسفية. أما إذا سمعته يتكلم على نقد الأديان فاغسل منه يديك لأنه من جنس الدعاة ولكن أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- بالسلب أي إنه يدعو لعكس ما يدعون إليه ولكن بنفس الأسلوب الاستعراضي الذي لا علاقة له بالعلم والأخلاق. ولذلك فلا تعجب إذا صاروا كلهم خدم المخابرات التي تدعي تكوين مراكز بحث علمي بتمويل مشبوه جعل جل النخب عملاء مخابرات بعضهم على دراية وبضعهم عن حسن نية أو بسبب الحاجة المادية .ولما كان المشرفون عن هذه المراكز خريجي مدارس مخابراتية وأصحاب نفوذ لا يمكن أن يفسر بمكانتهم العلمية فالأمر بين لكي ذي بصيرة. ومعنى ذلك أن أهم وظيفة لتحقيق حصانة الأمم -البحث العلمي والتربية-صارت أدوات التخريب الذي يتكلم عليها الاستراتيجي الصيني والتي صارت الرديف الضروري لما يتكلم عليه الاستراتيجي الألماني بل هي مقدمة عليها لأنها هي الممهدة لها والمقللة من كلفتها بتكوين خيول طروادة في نخب الأمة. لـما شرعت في قراءة القرآن قراءة فلسفية انتهيت إلى تسمية المحاولة \"استراتيجية التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية\" .وكان قصدي أن الإسلام من حيث هو رسالة خاتمة هو الاستراتيجية التي يريد الله من الرسول وأمته استعمالها لتوحيد البشرية وطلب منه تقديم عينة منها هي أمة الإسلام .ولذلك فالقرآن ليس فيه من حيث هو رسالة إلا بعدا هذه الاستراتيجية وتكوين العينة: .1علاج ما تعاني من الإنسانية برده إلى تحريف الديني والفلسفي ومحاولة إصلاحه بمنطق التصديق والهيمنة. .2بناء البديل الوقائي وهو المضمون الموجب من الرسالة وقد بينته سورة هود أي التعمير بقيم الاستخلاف. فترتب على ذلك أمران: .1أن حال الأمة الفكري والخلقي يحتاج إلى تفسير مستمد من تحريف علوم الملة التي كونت فكرها وأخلاقها فجعلت علل الانحطاط تصبح ما تنشره هذه العلوم الزائفة الملغية للبحث الفعلي في شروط تعمير الأرض بقيم الاستخلاف. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- .2أن حال الأمة السياسي والاجتماعي يحتاج إلى تفسير يستمد من تحريف أعمال الملة التي كونت نظام تربيتها ونظام حكمها لفهم فشل الأمة في التعمير والاستخلاف. ولما كنت لا أرضى لنفسي نكران جميل من أدين له بما حاولت بيانه وإن في شكل بذرات وحدوس أعني المدرسة النقدية بمفكريها الثلاثة -الغزالي وابن تيمية وابن خلدون-فإني نذرت نفسي لكي يكون همي استكمال ما اعتبره مشروعات بقيت شبه مسودات في محاولاتهم للتحرر مما يحرر القرآن البشرية منه. أذكر أني لما بدأت في قراءة الغزالي وكتابة أول عمل فيه حول السببية سنة 1971في باريس ونشر الكتاب حال عودتي إلى تونس صرت في نظر \"الحداثيين\" العرب عدوا لدودا للحداثة لأني بينت أن الغزالي فيلسوف ثوري وابن رشد مجرد شارح لأرسطو لا يكاد يساوي مستوى تلميذ صغير عند الغزالي. كانوا حينها في ذروة تأثيرهم وفرحهم بالعالمية الماركسية وينفخون في ابن رشد ويعتبرونه مؤسس الحداثة الغربية لأن أرنست بلوخ كتب كتابا وقدم محاضرة في ما سماه اليسار الأرسطي-بمناسبة ألفية ابن سينا -واعتبر ابن رشد زعيمه مدعيا ان الغزالـي يمثل اليمين الأرسطي قياسا سطحيا على المقابلة بين اليسار واليمين الهيجلي في الرؤية الماركسية. وهو قياس سخيف اضطررت لبيانه وفضح حماقات الماركسيين العرب. فأما الجريمة الكبرى في نظرهم فقد كانت كلامي على ابن تيمية بوصفه أكبر فيلسوف عرفته الثقافة الإسلامية بل والإنسانية لأنه هو الذي أنهى بصورة فلسفية الفلسفة القديمة عندما ناقش نظرية التحليلات الثواني الأرسطية ودحض القول بنظرية المعرفة المطابقة والكلي الواقعي فيها ونظرية المجاز. وعندما أقول دحض نظرية المجاز فالقصد نظرية المقابلة حقيقة مجاز للتضايف بين المفهومين حقيقة مجاز .فدلالة اللسان لا هي مجاز ولا هي حقيقة لأنها لا علاقة لها بحقيقة ما ترمز إليه أو بعدم حقيقته .إذ لو كانت ذات علاقة بحقيقته لكانت اللغات واحدة مثل أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
-- لغة العلوم الصناعية التي يراد بها الدلالة على ما يعتبر قانون الشيء ويظن واحدا ومطابقا للحقيقة. وقوة ثورة ابن تيمية في هذا المضمار هو أنه حتى هذه اللغة العلمية فهو لا يعتبرها معبرة عن قانون الشيء وليست مطابقة لحقيقته بل هي معبرة عن منزلة الشيء في النظام الكلي المعبر عن تناظر نسبي بين نظام الرموز ونظام المرموزات في التواصل عند جماعة من الجماعات .فالمعاني العلمية عنده رموز مثل اللغة والكتابة. ولما كانت هذه الرؤى عصية عن فهم القائلين بالمطابقة المعرفية والقيمية خاصة من ذوي الثقافة الأيديولوجية والشعارية كحال الحداثيين العرب فمن الطبيعي ألا يصدقوا أن ابن تيمية يمكن أن يكون قد وصل إلى هذا الحد من الثورة على أرسطو وأفلاطون متجاوزا عصره ولم يصبح بالوسع فهم نظرياته قبل ثورة كنط الفلسفية وثروة بورس الوسمية وتجاوز نظرية المعرفة المطابقة. وعندما اتكلم على الاستراتيجيا في المنظور الخلدوني واعتبره متجاوزا للصيني والألماني فيها فمن الطبيعي ألا يصدق القشوريون مثل هذه القصة فيعتبرونها من أوهامي وليست نظريات قائمة في عمل ابن خلدون وابن تيمية .ولهذه العلة أكثر من الشواهد حتى لا يظن أني أقول الرجلين ما لم يقولا فأدعي عليهما محتميا بهما في رؤية الأول للعمل والشرع والثاني للنظر والعقد. فكيف يمكن أن تكون الحرب بخلاف المتعارف أداة تسابق في الخيرات للإصلاح والتعمير- وهي عند الاقتصار على الأمر الواقع أداة للتخريب والتدمير-إذا لم نصل ذلك بشروطها حتى في حالة طغيان الأمر الواقع عليها؟ فهل الجيش الأمريكي مثلا يحارب بمفرده؟ أم إن الجامعات والمؤسسات الاقتصادية المبدعة تحارب معه؟ أما كان يمكن أن يكون علمها للتعمير والإصلاح بدلا من أن يستعمل للتدمير والتخريب؟ أبو يعرب المرزوقي 57 الأسماء والبيان
-- وهل يمكن للبحث العلمي والانتاج الاقتصادي أن يكونا أداتين من أدوات الحرب إذا لم يكن الشعب حرا بحيث إن سهمه في الحرب بتأييدها أو بعدم تأييدها محدد لمجراها فيكون موقفه إما للتعمير والإصلاح أو للتدمير والتخريف؟ وهل يمكن في هذه الحالة التصدي للجيش الأمريكي إذا لم يكن المتصدي ذكيا بحيث يعمل على الحد من هذا التأييد ومحاولة الفصل بينهما؟ ذلك هو أهم علامات الحمق في المقاومات العربية التي تتصور الوحشية في المقاومة تخيف النظام الأمريكي وليست هي ما يطلبه بل وهي ما يضطر أحيانا لصنعه بنفسه حتى يحقق الالتحام بينه وبين الشعب الذي يمده بالتأييد في القيام بمغامراته .ومن ذلك داعش وكل ما يماثلها من الحماقات والعنتريات. أبو يعرب المرزوقي 58 الأسماء والبيان
-- وصلت إلى غاية البحث في الاستراتيجيا ولم أف بوعدين: .1الأول هو أني لم أحدد تصنيف الأعداء كما حددتهم الأنفال .60 .2الثاني لم أجمع كل الأبعاد التي أضفتها إلى مفهومي الاستراتيجيا اللذين نسبت أحدهما إلى الصين والثاني إلى الألمان. فقد قلت إن أعداء الإسلام يستعملونها اليوم لمنعه من استئناف دوره في التاريخ العالمي كما سبق له أن أسهم فيه بوصفه قوة عالمية وله شروط استعادة دوره على الأقل بالقوة. والمسألتان مترابطتان .فأعداء الإسلام اليوم خمسة: .1اثنان ضعفهما المادي علة تقديم الاستراتيجيا الصينية وهما إيران وروسيا. .2واثنان إسرائيل وأمريكا قوتهما المادية علة تقديم الاستراتيجيا الألمانية. والعدو الخامس يمولهم بالمال والرجال (مليشيات السيف ومليشيات القلم) وهو ليس أجنبيا بل هو من خونة العرب حكاما ونخبا .لذلك فقوة أعداء الإسلام الأربعة الأول تغزونا دون ان يكلفها ذلك شيء لأن الخونة والعملاء منا هم الذين يمولون الغزو .وهؤلاء هم من النوع الذي أشارت إليه الآية بوصفه مما لا نعلمه ويعمله الله ليس لخفائهم بل لعدم إمكانية تحديد علل أفعالهم وسرائرهم. وهم ليسوا من أهل الحكم إذ لا حكم له أصلا .فكل من يمول أعداء الإسلام الأربعة أي العدو الخامس ليسوا حكاما حتى بالاسم .فهل بشار يحكم في شيء؟ وهل من جاؤوا على الدبابة الأمريكية للعراق يحكمون في شيء؟ وهل السيسي يحكم في شيء؟ وهل صاحب المنشار يحكم في شيء؟ وهل وجه الحمار يحكم في شيء؟ وهل نخبهم نخب أم هي طبالة وأغلبها صار ذبابا؟ لو كنت أحلل بأحوال النفس لقلت هي سادية وجنون .فكل من ذكرت ممن يمول حرب الأعداء الأربعة على الاسلام بالمال والرجال يعلم أنه مجرد دمية لا حول له ولا قوة .ومع أبو يعرب المرزوقي 59 الأسماء والبيان
-- ذلك فهو يقبل تهديم كل سوريا وكل العراق وكل مصر وكل السعودية وكل الخليج لا ينتظر أدنى فائدة لعلمه أن مستعمله سيستبدله بغيره بعد نهاية دوره. وإذن فالعدو الخامس لا تعنيه الأية بمن لا يعلمه إلا الله من حيث أعيانه بل من حيث الأمراض الخفية التي تنتج العداوات والتي لا حصر لها .ومن ثم فمطالبة الآية بالاستعداد لهم هو جوهر المعنى الذي عرفت به الاستراتيجية بالمعنى القرآني الإيجابي. فالمطلوب مأمورا به في هذه الإشارة هو تحقيق الحصانة الروحية والمناعة المادية. أما الأعداء الواضحون فقد عرفتهم الآية .لكنها عرفت نوعين وأضمرت نوعين .عرفت نوعين هما: .1أعداؤكم .2وأعداء الله. وأضمرت نوعين هما: .3من يعاديكم لأنه عدو الله .4ومن يعادي الله لأنه عدوكم. فلماذا اعتبر 3و 4غير 1و2؟ لو لم توجد الآية 48من المائدة لما ميزت ولما اعتبرت الحرب أداة في التسابق في الخيرات. فواضح أن من يعادينا لذاتنا ومن يعادي الله لذاته فلا يدخل الله في الأولى ولا يدخلنا في الثانية الاستعداد لهما يختلف عن الاستعداد لمن يعادينا لأنه يعادي الله أو لمن يعادي الله لأنه يعادينا .والفرق هو العلاقة بين الدافعين ومستوى العداوة المضاعف في الثانية. وهو ما يمكن من وصف ما يجري حاليا. فلا أحد يصدق أن أمريكا تحارب الإسلام لأنه دين وعبادات فهذا آخر همومها بل هي تعاديه لأن النيل منا مستحيل ما ظللنا مؤمنين به إيمان من يؤمن بقيمتي الحرية والكرامة وهو معنى الإسلام السياسي .وهي إذن تعادي هذا الإسلام لأنها تعادينا بعد أن صرنا نفهمه أبو يعرب المرزوقي 60 الأسماء والبيان
-- هذا الفهم وهي تصادق الإسلام التقليدي بل وتشجع حصر الإسلام في العبادات والشطحات الصوفية. ولا أعتقد أن روسيا تعادينا لذاتنا بل هي تعادي الإسلام لأنها ماتزال تحلم بمجد الأرثودوكس واسترداد عاصمتهم التاريخية (تدارك فرصة سايكس بيكو الأولى التي اضاعتها ثورة )17وتمجد المادية الجدلية في ما يتعلق بأديان الشعوب التي تريد استتباعها .والدليل أنها لم تصادق من العرب إلا الملحدين والطائفيين المعادين للإسلام. وإذن فأمريكا وروسيا نموذجان من العدوين المضمرين في الآية :كلاهما يجمع بين الدافعين مع تقديم وتأخير .ومن ثم فالحلف بين إيران وروسيا علينا مفهوم والحلف بين إسرائيل وأمريكا علينا مفهوم .وإيران لا تدعي معاداة الإسلام بل السنة عامة والعرب منهم خاصة (ثأر) وإسرائيل لا تدعي معاداة العرب بل الاسلام السياسي (القدس). ولا يعني ذلك أن إيران تحب الإسلام بل يعني أنها تعتبر تحريفها له هو أداة الانتقام بتحريفه ممن أطاح امبراطوريتها به .ولا يعني أن ذلك أن إسرائيل تحب العرب بل يعني أنها تعتبر العرب من دون الإسلام يمكن أن يكونوا مثل جل من تستعمرهم مافياتها في العالم فيصبحوا كما نرى منهم الكثير عبيدا لها وجوهيم. ومما يثبت هذا التحليل هو أن إيران وروسيا يخوفان العرب من إسرائيل وأمريكا وإسرائيل وأمريكا يخوفان العرب من إيران وروسيا .لكن العرب الذين بيدهم المال والسلطان لا يعنيهم شيء من ذلك فما يعنيهم هو من يعتبرونه أكثر قدرة على بقائهم أطول مدة في ما يتوهمونه جنة الخلد وهم دمى في محميات. اعتقد الآن أني بينت تصنيف الأعداء كما يمكن أن يستخرج من الأنفال 60بالتعيين التاريخي في لحظتنا إذ يمكن أن يكون التعيين مختلفا في ظروف أخرى لأن القانون القرآنـي مطلق من حيث البنية المجردة لكنه نسبي من حيث التعيين التاريخي .وما يعنيني هو البنية المجردة والتعيين التاريخي الحالي. أبو يعرب المرزوقي 61 الأسماء والبيان
-- وعلي الآن أن أبحث في الـمشكلة الأعوص والتي تتعلق بما أضفته للانتقال من الاستراتيجيا الصينية والألمانية التي تتعلق بالحرب من حيث هي فعل سلبي للتخريب والتدمير إلى الاستراتيجيا الخلدونية التي تتعلق بالحرب ا من حيث هي فعل إيجابي للتسابق في الخيرات أي من حيث هي جزء من مفهوم لم أذكره إلى حد الآن :الجهاد بمعناه القرآني السليم. فمعلوم أن مشوهي الجهاد يقصرونه على القـتال .وفي ذلك سوء نية من المشوهين بقصد وربما سذاجة ممن يستعملون هذا المعنى بحمق كان ولا يزال من أسباب الجهل بالاستراتيجيا الإسلامية .فللجهاد خمس معان هي أدوات التسابق في الخيرات: .1الأصغر هو جهاد رد عدوان الغير علينا سواء كان منا أو من الأجانب. .2والأكبر هو جهاد الامتناع عن العدوان على غيرنا سواء كان منا أو من الأجانب. وكلنا يعلم أن منع العدوان على الغير أعسر من منع العدوان علينا لأن الأول شرطه جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر .والثاني أيسر لأن النفس لا تقبل أن تُظلم وقد تقبل أن تَظلم .ولذلك سمي الأول أكير والثاني أصغر .والأصغر يحتاج إلى إبداع تقنياته. والأكبر يحتاج إبداع أخلاقه .وهما مجاهدتان معرفية وروحية. وأصل هذه الفروع الأربعة من الجهاد: .1الأكبر .2وشرطه علوم الروح والأخلاق (بالمعنى الألماني يعني علوم الإنسان) .3والجهاد الأصغر .4وشرطه علوم الطبيعة والتقنية (بالمعن الألماني علوم العالم المادي والبايولوجي) .5هو التسابق في الخيرات وقاية من الاحتراب الأهلي الإنساني وعلاجا لأن البشر اخوة (النساء 1من نفس واحدة) ومتساوون أمام الله ولا يتفاضلون إلا بالتقوى (الحجرات .)13 أبو يعرب المرزوقي 62 الأسماء والبيان
-- وهذا هو جوهر الاستراتيجيا القرآنية الهادفة إلى توحيد الإنسانية بقيم الرسالة الخاتمة التي تحدد منزلة الإنسان وما يمكن أن يصيبها من خسر وكيف يمكن اخراجها منه بمضمون سورة العصر التي هي زبدة القرآن كله بوصفه هذه الاستراتيجية التوحيدية التي كلف الخاتم بتحقيق عينة منها هي دولة الإسلام. فلا أحد ينكر أن صحابة الرسول يمثلون عينة من وحدة الإنسانية ففيها العربي والإفريقي والفارسي والرومي والمسلم واليهودي وحتى من ليس بمسلم عندما كون نواة الدولة وكتب دستورها .فكان دستور المدنية المعنى الأتم للعقد الاجتماعي والسياسي بمعنى أن الدولة تنشغل بالحماية والمجتمع بالرعاية. وهي رؤية سابقة لعصرها ولم يكن بالوسع فهمها .ومن يقرأ المائدة 48يجد التعليل والتأسيس لأن الدولة والمجتمع هما الفضاء اي يمكن أن يمثل مسرح التسابق في الخيرات المشروط بأمرين: .1الحرية الدينية .2التعدد الديني ليحصل الاختيار الحر. لكن الاختيار يتطلب تبين الرشد من الغي وإذن حرية الفكر والمعتقد. فإذا واصل الباحث القراءة فقرأ البقرة 62والمائدة 69والحج 17اقتنع أن المفتاح هو ترك الحسم بين الأديان إلى يوم الدين في ما يتعلق بمن هو على الحق والاقتصار على الاجتهاد للاختيار بينها خلال التسابق في الخيرات بثلاثة شروط لا غير :الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح .وهذه لا تفرض دينا معينا بل الديني من حيث هو ديني أيا كان شكله التاريخي. لذلك فهي ينبغي أن تفهم كما حددتها الآية 256من البقرة .فالقصد بالإيمان بالله الكفر بالطاغوت أي عدم عبادة العباد .والقصد بالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدل الذي يتدارك الظلم الدنيوي والعمل الصالح هو علامة المعنيين الأولين .والسلب يوضح المعنى الإيجابي المقصود في الشروط. أبو يعرب المرزوقي 63 الأسماء والبيان
-- ولا أنكر أمرين: .1أن هذه الرؤية المعقدة من العسير الوصول إليها لأن علوم الملة كلها تنفيها ومن ثم فهي تبدو وكأنها من خيالي. .2وأنها لا تبدو المعنى الأوضح للنصوص التي وردت في القرآن والتي مارسها الرسول وحاول العهد الراشدي التقيد بها ولم يصغ بعضها فلسفيا إلا الغزالي وابن تيمية وابن خلدون. وإذا كان لي من فضل في ذلك فهو أني أخرجت فكر هؤلاء المبدعين -فلاسفة المدرسة النقدية العربية -من النسيان والإهمال بسبب سيطرة الكاريكاتورين على فكرنـا. فكاريكاتور الحداثة يعتبر الفلسفة التقليدية والمعتزلة والباطنية عقلانية وهم في الحقيقة من جنسهم أصحاب إيديولوجيا .وكاريكاتور الاصالة يقلد الماضي أو قشور الحداثيين. ولذلك فهم أفسد من كاريكاتور الحداثة. اعتقد الآن أني بينت تصنيف الاعداء كما يمكن أن يستخرج من الأنفال 60بالتعيين التاريخي في لحظتنا إذ يمكن أن يكون التعيين مختلفا في ظروف أخرى لأن القانون القرآن مطلق من حيث البنية المجردة لكنه نسبي من حيث التعيين التاريخي .وما يعنيني هو البنية المجردة والتعيين التاريخي الحالي. أبو يعرب المرزوقي 64 الأسماء والبيان
-- لم تنل الاستراتيجيا التي تأسست عليها الفتوحات الإسلامية حظها رغم أني وصلت إلى الفصل العاشر وختمت به دون اقتناع .لذلك أستأنف الكلام في الموضوع .ولكن قبل ذلك لا بد من بيان النوعين الأحدثين من النوعين الصيني (سن تسو) والألماني (كلاوسفيتز) لأنهما يتجاوزانهما في الفاعلية ويشبهانهما فضلا عن كونهما قد يخلطان بالنوع الإسلامي لوجود وجوه شبه بينهما وبينه كذلك .وأكثر من ذلك فما يشبه مبادئهما موجود في النوع الإسلامي وجوده في النوعين الصيني والألماني وسنرى الفرق لاحقا .والنوعان هما: .1النوع الصهيوني بعد أن شرع يهود العالم في تأسيس دولة. .2والنوع الأمريكي بعد أن أصبحت أمريكا دولة عالمية. وكلاهما يعتمد على رؤية فيها لدور البعد الدنيوي من وجود الإنسان أهمية كبرى دون اغفال المرجعية الدينية .والكلام دقيق وشائك .لأن دور البعد الدنيوي وعلاقته بالمرجعية الدينية من علامات تمايز الأديان الأساسية. فمجرد التلميح لأوجه الشبه بين هذين الاستراتيجيتين والاستراتيجيتين الاوليين من جهة واستراتيجية الإسلام من جهة ثانية قد يصبح تهمة .ولست ناقصا فالنصال تكسرت على النصال .لكني أبحث عن الفهم ولا اهتم كثيرا بالتهم .والاستراتيجية الصهيونية تشبه الصينية لكنها تهدف للاستعباد الروحي-وهذا هو الخلاف مع استراتيجية الإسلام -وليس للنصر العسكري فحسب .والاستراتيجية الامريكية تشبه الألمانية لكنها تهدف للاستتباع السياسي -بعد أن أخلت أمريكا من أهلها وهذا هو الخلاف مع استراتيجية الإسلام -وليس للعسكري في حسب .وأداتهما بعدا العجل. وما أسميه الاستعباد الروحي هو جعل الناس جوهيم دون وعي أي عبيد لبعدي العجل أعني معدنه (العملة) وخواره (الكلمة) .والاستعباد بالبنك والاقتصاد وبالأيديولوجيا والملاهي .وبنفس الآلتين تعمل امريكا لكن الهدف ليس الاستعباد الروحي بل الاستتباع السياسي لعدم العناية برؤية الجوهيم بل بتأثير نموذج الحياة. أبو يعرب المرزوقي 65 الأسماء والبيان
-- وبذلك يكون الفرق مع الرؤية الإسلامية في الحالتين رفض الاستعباد الروحي والاستتباع السياسي كما يثبت التاريخ ذلك .فالمسلمون الأول وخاصة العرب سرعان ما فقدوا السيطرة على فتوحاتهم وصارت سيدة نفسها .والعلة في ذلك أن الاستراتيجية الإسلامية لم تستعمل أداة بعدي العجل والقرآن يعتبر البشر متساوون ولا يوجد جوهيم أو تمييز عنصري على الأقل من حيث المبدأ لأنهما يعتبران من المحرمات: .1رفض الأداة أي بعدي العجل أي ربا الأموال وربا الأقوال وكلاهما من المحرمات في القرآن :الحرب على الربا وأشد المقت لمن يقولون ما لا يفعلون. .2رفض الاستعباد والاستتباع الذي هو استعباد مخفف في نسبة المسيحية إلى اليهودية في تحديد منزلة الإنسان. ولا شك أن الاستراتيجية الإسلامية في الفتح فيها استعمال المال والعقائد لكنها ترفض نوعي الربا وتعمل بنموذج الحياة المؤثر وحتى لا يبقى الكلام غامضا وكأنه ملغز: .1فميزانية دولة الإسلام فيها باب الغاه الفاروق يسمى تأليف القلوب وهو بنحو ما استعمال المال لكسب الأصدقاء أو للتقليل من الاعداء. .2والتأثير بالنموذج هو الأقوى وهو سر الفتوحات سواء كانت حربية بعده أو سلمية قبلها .إنه الأداة الحقيقية في الفتح. ذلك أن الانتصار على الجيوش لا يؤدي إلى إسلام الشعوب .وبعض الشعوب أسلمت دون حروب وخاصة في جنوب شرق آسيا بل أكثر من ذلك فالكثير من الشعوب التي هزمت جيوش المسلمين أسلمت بعد ذلك إذ إن المغول لم يكونوا منهزمين لما دخلوا الإسلام ولا الأتراك ولا الأكراد ولا الأمازيغ ولا الأفارقة بل بتأثير النموذج. ولأعكس حتى يتضح القصد بتأثير النموذج .فأمريكا لم تسقط السوفيات بالحرب بل بالنموذج الأمريكي .صارت الشعوب تحلم به والعيش مثل الشعب الأمريكي .وهذا وحده كان كافيا لتحصل الهزيمة الروحية للشعوب التي كانت أنظمتها تريد مقاومة أمريكا .دولة الإسلام كانت بنحو ما أمريكا عصرها .لكن وجه الشبه يقف عند هذا الحد. أبو يعرب المرزوقي 66 الأسماء والبيان
-- وقلت إن النموذج له علاقة بمنزلة الدنيوي في الوجود .وهنا يكمن الفرق :هل تأثير النموذج يقتصر على الدنيوي أم على طبيعة علاقة الدنيوي بما يتعالى عليه؟ وهل دور المال والمقال يقتصر عليهما أم على طبيعة علاقتهما بالعلاقة السابقة بمعنى أن المال والمقال في الإسلام متحرران من بعدي العجل. والغاية من هذه المقارنة هي التالية :خذ الاستراتيجيات الأربع التي تكلمت عليها أي • الصينية (التخريب الشيطاني) • والألمانية (التدمير الحيواني) • وتخريب الأرواح الصهيوني بجعل الناس جوهيم عبيد العملة والكلمة (بعدي العجل) • وتخريب الأبدان الأمريكي أو تحول الناس توابع في عيشهم وستجد الأمراض التي يعالجها الإسلام بما يشبهها ولكن بحدود تجعله دواء بدلا من أن يكون داء. فاستراتيجية القرآن -ولا أقول استراتيجية المسلمين لأن الأمر الواقع في التاريخ -وهي ظاهرة عامة-لا يطابق الأمر الواجب في المرجعية-هي علاج هذه الأمراض الأربعة بما يبدو مماثلا لها :التخريب الصيني والتهديم الألماني واستعباد الأرواح الصهيوني واستتباع الأبدان الأمريكي ولكن بحدود تحررها من ا لتخريب والتدمير والاستعباد الروحي والاستتباع السياسي وذلك هو مدلول النساء 1والحجرات .13فالرسالة الخاتمة أولا تخاطب البشرية كلها بوصفها اخوة من نفس واحدة وبوصف التفاضل الوحيد بينها أمام الله هو ا لتقوى أي تطبيق القانون الواحد للجميع: .1فلا تقبل التخريب الشيطاني الصيني (الخبث). .2ولا تقبل التهديم الحيواني الألماني (عبادة القوة). .3ولا تقبل عبادة العجل والشعب المختار. .4ولا تقبل عبادة الدنيا رغم الاعتراف بالنصيب منها. .5فكان لا بد من التمييز بين الغدر والفكر وبين القوة والتهديم في العملة والكلمة أداتين وسلطانين وبين النصيب من الدنيا وعبادتها. أبو يعرب المرزوقي 67 الأسماء والبيان
-- وليس في ذلك مثالية السذج بل هي السياسة الأكثر فاعلية بشرط أن تكون ممارسة حقا في الأفعال وليست شعارات في الأقوال .لذلك بينت أن مشكل الحضارة الإسلامية ليس في الفرق بين الأمر الواقع والأمر الواجب فحسب بل في التنافي المطلق بينهما :لكن قيم الإسلام كاد يقضي عليها لغو الكلام وعقم الأفهام. كل البشر الأمر الواقع في أفعالهم ليس مطابقا للأمر الواجب في أقوالهم .لكن ولاءهم لقيمهم يقاس بالمسافة التي تفصل بين الأقوال والأفعال .وبهذا المعيار فلا يوجد شيء من أقوال غالبية المسلمين بقيت له صلة حتى ضئيلة بأفعالهم .ولذلك ينطبق عليهم معنى \"فساد معاني الإنسانية\" و\"الرد في أسفل سافلين\". وكما بينت في الفصول السابقة فالاستراتيجيا الإسلامية وقائية أكثر مما هي علاجية. وهي تعتبر الحرب من أدوات التسابق في الخيرات دون مثالية ساذجة لا أداة تخريب (الصيني وهو أداة إيران المفضلة) ولا تهديم (الألماني وهي أداة روسيا المفضلة) ولا استعباد روحي (وهو أداة إسرائيل المفضلة) ولا استتباع مادي (أمريكا وهو أداة أمريكا المفضلة). والقرآن يحدد الاستراتيجيا بفلسفة تعوض تلك الشرور الأربعة بالأخيار في الخداع وفي القتال الحربيين وفي التأثير الروحي وفي التأثير المادي .والعلة هي أن القرآن كما عرفته في تفسيري الفلسفي لتحريره من هذيان الكلام \"استراتيجية توحيد الإنسانية ومنطق السياسة المحمدية\" :النساء 1والحجرات .13 ورغم ما تشكو منه الأمة من فساد معاني الإنسانية بالمعنى الخلدوني إلا أن خير الإسلام ما يزال حاميا لها ضد كل هذه الاستراتيجيات .وما يثبت ذلك هو أن المنهج الصيني فشل في تحقيق خطط إيران أي التخريف الخبيث فاضطرت للاستعانة بأمريكا في العراق وبروسيا في سوريا دون نجاح قابل للديمومة. وما أتوقعه هو أن العراقيين حتى من كانوا شيعة قبل نظام الملالي -إذا لم يكونوا من أصل إيراني -لن يبقوا شيعة لأنهم رأوا ما لا يصدقه عقل من انحطاط خلقي وفساد أبو يعرب المرزوقي 68 الأسماء والبيان
-- واستبداد لا يرضاه أي إنسان ذو فطرة سليمة بل إن الإيرانيين أنفسهم إذا سقط النظام سيكونوا إما ملحدين أو مسلمين ولن يبقوا شيعة. كما أن استعمال الطريقة الالمانية فشل كما فشل استعمال الطريقة الصينية .وأكبر علامة فشل فرنسا في المغرب الكبير .فقد قاومها الجزائريون مثلا 130سنة رغم الفارق المادي والتقني المهول والاستعمال الذي تجاوز استعمال بوتين للقوة في الشيشان ومع ذلك أخرجوها صاغرة وقتلوا منها مثل ما قلت منهم. ونفس الشيء في العراق رغم أن المقاومين كانوا من السنة وحدها فخسرت أمريكا المعركة لولا المليشيات والفتاوى الشيعية التي خربت المقاومة بالحرب الاهلية الطائفية التي عطلتها وحالت دون اخراجها صاغرة .وقبل ذلك مقاومة ليبيا للإيطاليين ومقاومة الأمة للغرب كله حفظا للقسم الأوروبي من تركيا. أما الاستعباد الروحي الصهيوني فالإسلام يتصدى له مباشرة لأن خرافة شعب الله والمختار واختصاصهم بالنبوة ألغاها القرآن فصار لكل شعب رسول بلسانه والإسلام للإنسانية كلها بمنطق النساء 1والحجرات .13وهذا هو الدحض الحاسم لنظرية شعب الله المختار (اليهودية) ونظرية أسرة الله المختارة (الشيعية) .وأما الإغراء الأمريكي فهو أولا لم يعد مغريا حتى لأهله فضلا عن المسلمين حقا .ثم إن الأمريكيين خلافا للأوروبيين أكثر شعوب الغرب تدينا رغم كل ما نشاهده في ثقافة الملاهي والإعلام الأمريكيين. وهذا يعني سلبا أن الإسلام فيه البلسم ضد هذه الاستراتيجيات الأربعة المبنية على الغدر والعنف والاستعباد الروحي والاستعباد المادي .والبلسم مضاد للسموم لكنه ليس مبنيا على المثالية بل عليه للوقاية مع الاعداد للعلاج عند الحاجة وهو مضمون الأنفال 60التي حللناها وبينا دورها العلاجي. لكن الأهم من ذلك كله ليس الوقاية والعلاج فحسب بل الحصانة الروحية والمناعة المادية .وما كنت لأقدم الكلام على ما يبدو رد فعل أو وجوها سلبية للاستراتيجية أبو يعرب المرزوقي 69 الأسماء والبيان
-- الإسلامية-الوقاية والعلاج-لو لم يكن ذلك بسبب عرض الاستراتيجيات السائدة وبيان صمود الأمة رغم فارق القوة العلمية والاقتصادية. بدأت بها مدخلا للوصول إلى الحصانة الروحية والمناعة المادية التي هي الوجه الموجب من الاستراتيجية وهي بعدا السياسة وبعدا علاقتها بالمنزلة الوجودية التي يحددها القرآن للإنسان من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها ومكرم وخلق لعبادة الله دون سواه وتركت له حرية الإيمان بتبين الرشد. والحصانة الروحية (هي ثمرة الوعي بمنزلة الخليفة في الأرض) والمناعة المادية (هي ثمرة الوعي بالاستعمار في الأرض) هما ما بهما تكون الأمة ذات سيادة لأن الأولى هي الحماية من العبودية والثاني هي الحماية من الحاجة الموصلة إليها :ومن هنا كان عنوان المقدمة مجرد شرح لهذين المعنيين. والآن أستطيع القول إن المحاولة قد أتت أكلها وبلغت غايتها .فما لأجله نسبت الاستراتيجية إلى ابن خلدون ليس الفصل الذي خصصه للحرب في المقدمة بل المقدمة كلها فهي في الحقيقة بحث في الاستراتيجيا التي تحرر الإنسان من فساد معاني الإنسانية أو من الخسر باستراتيجية سورة العصر وأبعادها الخمسة. فالخسر رد أسفل سافلين بتحريف تقويم أحسن والوعي به هو التذكير الذي تمثله الرسالة الخاتمة وهو أصل العناصر الأربعة الباقية في سورة العصر: اثنان للفرد المؤمن أي الإيمان والعمل الصالح واثنان للجماعة المسلمة أي التواصي بالحق(الاجتهاد) والتواصي بالصبر(الجهاد) .تلك هي الحصانة والمناعة في الرؤية القرآنية وهي للفرد وللجماعة الإنسانية من حيث هي إنسانية لها الخلافة منزلة وجودية .وللخلافة لها خمس معان: .1خلافة الإنسان من حيث هو إنسان. .2من تؤول إليها الخلافة في الارض بالفعل وليس كمنزلة بالقوة .3الخلافة من حيث هي وظيفة سياسية وهي خلافة الأمة بوصفها جماعة الخلفاء. أبو يعرب المرزوقي 70 الأسماء والبيان
-- .4بين 1و 2ما يجعل الجماعة من الخلفاء يصبحون أهلا للانتقال من 1إلى 2أو من الخلافة منزلة وجودية بالقوة إلى منزلة وجودية بالفعل .5ما يجعل من هم أهل للخلافة بالمعنى الثاني يختارون من بينهم من ينوبهم في إدارة الشأن العام تحت رقابتهم. أبو يعرب المرزوقي 71 الأسماء والبيان
أبو يعرب المرزوقي 72 الأسماء والبيان
Search