Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الإنسان بمنظور القرآن، أو الأنا لغز الوجود وقاعدة تأويله - أبو يعرب المرزوقي

الإنسان بمنظور القرآن، أو الأنا لغز الوجود وقاعدة تأويله - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-11-19 15:42:40

Description: الإنسان بمنظور القرآن، أو الأنا لغز الوجود وقاعدة تأويله - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪re nils frahm‬‬ ‫الإنسان بمنظور القرآن‬ ‫أو \"الأنا\"‬ ‫لغز الوجود وقاعدة تأ ويله‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪7 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪12 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪19 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪26 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس ‪32 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السابع ‪39 -‬‬ ‫‪49‬‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان لغز الألغاز‪ .‬فهو أعسر الأشياء على الفهم وهو أحوج الأشياء إلى التأويل‪.‬‬ ‫فرؤية الإنسان لذاته رغم ذلك من أهم عوامل سلوكه‪ .‬إنها ببعديها الذي يشهده منها‬ ‫والذي يشهد به ما يشهده من ذاته أعني ما يعتبره كيانه العضوي وما يعتبره كيانه‬ ‫الروحي ما يجعل الألغاز كله متصلا بهذه العلاقة‪.‬‬ ‫سأعالج هذه القضية الفلسفية بمنظور أعلم أن أشباه الفلاسفة لا يقبلون بها لأنهم‬ ‫يعتقدون أن الفلسفة تمثل العقل والدين يمثل الخيال‪ .‬وهذا الموقف على ما يبدو عليه‬ ‫من بداهة من علامات الاحكام المسبقة التي تحول دون الفهم العميق للإشكالية‪.‬‬ ‫وإذن ففرضية العمل التي اعتمدها في هذه المحاولة هي التي تقول بوحدة المسارين‬ ‫الفلسفي والديني أو على الأقل بفعل الفلسفي في الديني والديني في الفلسفي ومن ثم‬ ‫بوحدة الأبعاد الأربعة في أصل واحد هو الفكر الإنساني الذي له أربع مسارات متكاملة‬ ‫هي‪:‬‬ ‫‪-1‬العلمي مصدرا للتفلسف بمعنى توحيد المعارف بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها‪.‬‬ ‫‪-2‬العملي مصدرا للتدين بمعنى توحيد المعاني بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها‪.‬‬ ‫‪-3‬أثر الأول في الثاني وهو محاولة جعله مادة للمعرفة العلمية‪.‬‬ ‫‪-4‬أثر الثاني في الأول وهو محاولة جعله مادة للمعنى الديني‪.‬‬ ‫‪-5‬والأصل هو الفكر الإنساني المراوح بين هذه الرؤى أو المواقف الأربعة دون أن يرد‬ ‫إليها لأنها الاصل والغاية في آن وهو عين اللغز الذي نطلب له فهما أو تأويلا لعله يساعد‬ ‫في فهم هذا المخمس الذي لا يمكن أن يكون فكر إنساني ليس خاضعا له أو تابعا له حتى‬ ‫وإن لم يعه‪.‬‬ ‫وسأبين أن محاولات فهم هذا اللغز مرت بمرحلتين أولاهما كانت بداية الفلسفة في قطع‬ ‫مع الديني الدين الطبيعي في ملتقى الشرق والغرب أي في ما بين ضفتي المتوسط الشرقيتين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أي في محاولة أفلاطون وأرسطو ونهاية الفلسفة في ملتقى الشرق والغرب أي في محاولة‬ ‫العودة إليهما عند هيجل وماركس‪.‬‬ ‫فالمعلوم أن كنط استأنف الإشارة إلى لغزية الإنسان لما نفى أن يكون له حدس لأناه فأنهى‬ ‫ما تقدم عليه من اطمئنان للحلين الأفلاطوني والأرسطي ومحاولة تجاوزها الديكارتي‬ ‫بالمثنوية دون كلام على الأنا الذي ظل مناط البحث عن الوجود عنده ومنطلق اثباته الكلام‬ ‫على مثنوية بين جهاز آلي مطلق هو البدن وروح مجهولة الطبيعة قد يكون ضمير كلامه‬ ‫يوحد بينها وبين الأنا الذي هو موضوع الكوجيتو فتكلم على علاقة بينهما غريبة التأسيس‬ ‫وفيها بنحو ما توفيق بين أفلاطون وأرسطو والكاثوليكية ذات الميل الصوفي في الرؤية‬ ‫الجنسينية‪.‬‬ ‫لكن ما تلا الاستئناف الكنطي الذي أنهى علم النفس الفلسفي وعلم الذات الإنسانية الذي‬ ‫ترتب عليها واكتفى بالفرضيات الثلاث والتي لا تفهم من دون إضافة فرضيتين اخريين‬ ‫مضمرتين في الثلاثة فتكون خمسا في الحقيقة‪.‬‬ ‫فحرية الإنسان وخلود النفس ووجود الله كلها فاقدة لمعناها من دون أن يكون ضمير ذلك‬ ‫أن وجود الإنسان في عالم الشهادة يتضمن علاقة مباشرة تتجاوزه وتضع وجود عالم الغيب‬ ‫هو ما قابل به عالم الظاهرات وأن الإنسان يبعث ليعيش مفهوم الخلود في عالم الحقائق‬ ‫التي تتجاوز الظاهرات فيكون عالم الشهادة مقصورا على الظاهرات التي تحيل على عالم‬ ‫الحقائق الذي هو من مجال الإيمان والعقد وليس من مجال النظر‪.‬‬ ‫والنتيجة هي أن الضميرين يفيدان أن ما هو موضوع على وجه الفرض فلسفيا شرطه ما‬ ‫هو موضوع على وجه العقد دينيا أعني العلاقة بعالم الغيب وبالبعث فتنعكس العلاقة بين‬ ‫المفروضات الثلاثة والعلة الملازمة لكيان الإنسان الذي يشهد به ما يشهده من ذاته دون‬ ‫أن يشهده وهو معنى عدم وجود حدس للأنا الذي هو هذه العلاقة بين الشهادة والغيب في‬ ‫كيان الإنسان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن هيجل نكص بالفلسفة وبالدين إلى ما حاول كنط إخراجهما منه‪ .‬فعاد إلى ما يشبه‬ ‫الحل الأفلاطوني فلسفيا مع \"أرسطته\" دينيا‪ .‬وتبعه ما ركس الذي \"أرسطه\" فلسفيا و‬ ‫\"أفلطه\" دينيا‪ .‬فلأشرح هذه العملية التي لا يمكن تجاوز مآزق الفكر ما بعد الحديث الذي‬ ‫بدأ مع هيجل وماركس من دون بيان هذه العلاقة بالفكر ما قبل الحديث‪.‬‬ ‫والقصد بالفكر ما قبل الحديث ما قبل الحل الديكارتي المبني على مثنوية البدن والروح‬ ‫و ما قبل تعميمه في الفلسفة على الوجود كله أعني مفهوم الامتداد المادي (خاصية البدن)‬ ‫ومفهوم اللاامتداد الفكري (خاصية الروح) صفتين معلومتين من الجوهر لامتناهي الصفات‬ ‫والأحوال كما في نظرية وحدة الوجود الطبعانية عند سبينوزا مثلا‪.‬‬ ‫فلأشرح ردي الحل الهيجلي إلى الحل الأفلاطوني فلسفيا وإلى الحل الديني أرسطيا وهما‬ ‫معنيان يبدوان غير قابلين للفهم‪ .‬فالرد الهيجلي المضاعف أنتج أرسطية مقلوبة‪ .‬ذلك أن‬ ‫الإلهي لم يبق محركا أولا لا يتحرك بل هو صار محايثا للحركة الوجودية في الطبيعة وفي‬ ‫التاريخ يسعى في حركته للتحقق في الطبيعي والتاريخي واليس الطبيعي والتاريخي هما‬ ‫اللذان يتحركان بالاشرئباب إليه ومحاكته للانتقال من القوة إلى الفعل‪.‬‬ ‫فحلول الروح في البدن الذي هو لغز أفلاطون والذي حله أرسطو بالتخلي عن مفهوم المثال‬ ‫المفارق مكتفيا بالصورة المحايثة والمثال الاعلى الوحيد الذي تحاكيه العقول المحركة‬ ‫للأفلاك التي تحقق بحركتها ما بشبه فعل الإنضاج للحركة في الطبيعة المتغيرة ومنها‬ ‫التاريخ صار عند هيجل حلول الرب في الإنسان أو في المسيح والمصالحة مع العالم وهو إذن‬ ‫تحييث مثال الإنسان الأعلى في الإنسان وفي التاريخ وفي الطبيعة بالتالي‪.‬‬ ‫والرمز هو المسيح الذي يحقق المصالحة بين الله والعالم في كيان الإنسان وفي الوجود ككل‪.‬‬ ‫وبذلك ففلسفة الوجود ترد إلى فلسفة الدين التي يتأسس عليها فلسفة التاريخ ففلسفة‬ ‫الطبيعة‪ .‬فمفهوم المصالحة بين الإلهي والطبيعي بتوسط الإنساني مرموزا إليه بالمسيح هو‬ ‫الذي يؤسس فلسفة الروح الذي هو عقل بالمعنى اليوناني وروح بالمعنى المسيحي والذي هو‬ ‫مصالحة بين الربوبي والإنساني وبين العالمين أي الروحي والطبيعي فلم يبق للغيب والماوراء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وجود وانتهى الفصل الكنطي بين الظاهر والباطن والمثالي حالا في الممثولي وصار الغيب‬ ‫الكنطي حالا في الشهادة والباطن في الظاهر‪ .‬ومن هنا نفي هيجل لوجود ما وراء العالم‬ ‫الطبيعي والعالم التاريخي وما بعد طبيعي وما بعد تاريخي‪.‬‬ ‫عاد هيجل بالإنسان إلى سجنه في عالم الشهادة الطبيعي والتاريخي اللذين ليس لهما ما‬ ‫وراء وليس فهما غيب بل أصبحا شفافين للعقل الإنساني الذي يسمي حصيلته العلم المطلق‬ ‫والعودة إلى المطابقة بين النظر والعمل وبين الموجود والمنشود وبين العقل والواقع‪.‬‬ ‫ومن ثم فالفلسفة والدين يصبحان وجهين لعملة واحدة إذ هو قد حيث كل المعاني الدينية‬ ‫في المعاني الفلسفية وأصبح تاريخ الإنسان من جنس التاريخ الطبيعي للعضوي والروحي في‬ ‫آن‪ .‬وهذا هو الحل الذي يدعي ماركس قلبه ليجعله يمشي على رجليه بدلا من المشي على‬ ‫رأسه‪ .‬فهو ينطلق من رؤية أرسطية ليـ\"أفلطها\" أفلطة مقلوبة كما فعل هجل الذي أرسطها‬ ‫أرسطة مقلوبة‪ .‬فالنفس عند ماركس هي صورة البدن‪ .‬لكنها مشرئبة إلى كمال ليس حاصلا‬ ‫فيها بل هو ما تنشده في تاريخها بقلب العلاقة الأفلاطونية بين المثال والممثول بمعنى أن‬ ‫الممثول هو الذي يشرئب لصورته التي تتحقق خلال التاريخ فيصبح ما كان نازلا من الكمال‬ ‫إلى النقص في فلسفة أفلاطون صاعدا من النقص إلى الكمال وهو معنى الأفلطة المقلوبة‪.‬‬ ‫وينتج من ثم‪:‬‬ ‫‪-1‬أن فلسفة هيجل تمسيح موجب للحلين الأفلاطوني والأرسطي للخروج من المأزق الكنطي‬ ‫ولرفض الحل الديكارتي‪.‬‬ ‫‪-2‬وأن فلسفة ماركس تمسيح سالب لنفس الحلين ولنفس الغرض‪.‬‬ ‫أي إن الفلسفة بوجهيها الهيجلي والماركسي توحيد بين الفلسفي والديني‪:‬‬ ‫‪-1‬والتوحيد الهيجلي إيجابي وهو فلسفي في ظاهره وشكله وديني في باطنه ومضمونه‪.‬‬ ‫وهو توحيد إيجابي بمعنى أنه يثبت وحدة الباطن والمضمون واختلاف الظاهر والشكل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ -2‬لكن التوحيد الماركسي سلبي بمعنى أنه يدعي نفي المضمون والباطن الديني ويكتفي‬ ‫بالظاهر والشكل دون قدرة على تفسير المحافظة على ما لا يفهم من غايات ثورته وقيمها‬ ‫التي هي دينية بالجوهر حتى لو جعلها دنيوية خالصة‪.‬‬ ‫والعلة في التوحيدين واحدة وهي التوحيد بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب‪.‬‬ ‫وكلاهما ينفي وجود الغيب‪ .‬لكن هيجل ينفيه بسبب محايثته بعد المصالحة وماركس ينفيه‬ ‫نفيا يحول دون وتعليل ما يعلله هيجل بمحايثة الإلهي بعد المصالحة‪ .‬لكن الموقفين ينتجان‬ ‫عن وهمين‪:‬‬ ‫‪-1‬القول بالمطابقة في نظرية المعرفة ونفي الغيب في ذاته وفي الوجود فيتصور علمه بذاته‬ ‫وبالطبيعة علما محيطا بهما‪.‬‬ ‫‪-2‬القول بالمطابقة في نظرية القيمية ونفي الغيب في ذاته وفي المنشود فيتصور عمله بذاته‬ ‫وبالتاريخ عملا مستوفيا لهما‪.‬‬ ‫وبذلك فكل الفلسفة بعدهما ليست إلا علم كلام دنيوي وضع الإنسان فيه في منزلة الرب‪.‬‬ ‫ولنا على ذلك دليلان قابلان للملاحظة اليسيرة إذ هما يتبينان بتجربة بسيطة‪:‬‬ ‫‪-1‬نأخذ علم الكلام الوسيط ونضع الإنسان محل الرب وسنجد نفس الخطاب الذي نسمعه‬ ‫في الفلسفة ما بعد الحديثة حول الصفات والذات والافعال وكلها تدور حول كائن مجرد لا‬ ‫نعلمه بل نعتقده علة للخلق والأمر‪.‬‬ ‫‪-2‬نأخد الفلسفة ما بعد الحديثة ونضع الرب محل الإنسان وسنجد نفس الخطاب الذي‬ ‫نسمعه في علم الكلام الوسيط حول ما نقوله عن الإنسان فاعلا ومقوما وكلاهما يدور حول‬ ‫كائن مجرد لا نعلمه ونعتقده علة للخلق والأمر‪.‬‬ ‫وما يسمى بما بعد الحداثة التي هي غاية ما بعد الفلسفة الحديثة التي أسسها هيجل‬ ‫وماركس والتي مهدت لما بعد الحداثة بعد أن أدت إلى موت الإنسان بعد موت الله ليست‬ ‫إلا هذه الغاية‪ .‬فكل الموجود والمنشود لم يبق إلا سرديات ليس وراءها غيرها بحيث إن‬ ‫السرد والمسرود كلاهما من الثقافات بما في ذلك سرديات الإنسان حول ذاته وحول العالمين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الطبيعي والتاريخي‪ .‬فيكون الأمر وكأن الإنسان صار شرنقة لا تستطيع أن تخرج من‬ ‫نسيجها الدائم التي تسجن نفسها فيه‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن تحييث الماورائيين أو المابعدين في الماأمامين أو الماقبلين انتهى إلى نفي الما‬ ‫أمامين ذاتيهما مثل الماورائين ولم يبقى إلى ترائي الإنسان الجاهل بنفسه والذي لا لا‬ ‫يتجاوز وجوده ومنشوده صورته عن نفسه في سردياته التي لا يتوقف عن نسجها‪ .‬ويمكن‬ ‫اعتبار نيتشه أفضل من عبر عن ذلك في نظرية الإنسان الأعلى من حيث هو الفنان المبدع‬ ‫بـ\"كن\" الفنية إيجادا وأمرا أي فعلي ما كان علم الكلام ينسبه إلى الله وما يقول به القرآن‬ ‫في وصفه بكونه صاحب الخلق والأمر بكملة \"كن\"‪.‬‬ ‫وسأحاول في الفصول الموالية وضع فرضية تخرجنا من الاشكالية كما صيغت في بداية‬ ‫القطع بين المثيولوجيا الربوبية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام‬ ‫ثيولوجي متعدد) عند اليونان لتأسيس الفلسفة (أفلاطون وأرسطو) وبداية عودتها إلى‬ ‫الميثولوجيا الإنسوية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام انثروبولوجي‬ ‫متعدد) عند الغرب ما بعد الحديث (هيجل وماركس)‪.‬‬ ‫والغاية هي تأسيس رؤية تمكن من فهم نظرية الإنسان القرآنية والتي هي متلازمة مع‬ ‫نظرية الله في علاقة الاستخلاف التي تجعل الإنسان شبه قاعدة تأويل لمفهوم الله من حيث‬ ‫علاقة بين حريتين خالقة وآمرة لسياسة عالم الغيب الشامل لعالم الشهادة ومخلوقة‬ ‫ومأمورة لسياسة عالم الشهادة المشمول بسياسة عالم الغيب‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لما عرف ابن خلدون الإنسان بالقول \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‬ ‫(المقدمة الباب الثاني الفصل ‪ )24‬ترجم بلسان فلسفي وقرآني في آن الانثروبولوجيا‬ ‫القرآنية تعريفا لا يمكن تصوره لو بقي فكره حبيس الفلسفة اليونانية مثل المتقدمين عليه‬ ‫من فلاسفة الإسلام‪.‬‬ ‫‪-1‬فـ\"بطبعه\" لسان فلسفي‪.‬‬ ‫‪-2‬و\"بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" لسان قرآني‪.‬‬ ‫‪-3‬ورئاسة عند ابن خلدون تقابل سيادة‪.‬‬ ‫‪-4‬فالسيادة عنده هي علاقة بالعبودية لغير الله وهي موقف الخائف من قوة السيد‪.‬‬ ‫‪-5‬أما الرئاسة فهي منزلة وجودية للإنسان من حيث هو إنسان لا يعبد غير ربه الذي‬ ‫استعمره في الأرض وتلك علاقته بالطبيعة مصدر قيامه بمنطق النظر والعقد علاجا‬ ‫لعلاقته بالضرورة الشرطية أو الخلق واستخلفه فيها في علاقة بالتاريخ مصدر نظامه بمنطق‬ ‫العمل والشرع علاجا لعلاقته بالحرية الشرطية أو الأمر‪.‬‬ ‫وإذن فهذا التعريف ينقلنا من تقديم دور العقل والمعرفة تحديد للرؤية الفلسفة‬ ‫اليونانية إلى تقديم دور الإرادة والقيمة في رؤية للوجود يمكن وصفها بالفلسفة القرآنية‪.‬‬ ‫والرؤية الأولى حالت دون علوم الملة دون فهم الرؤية الثانية فانحرفت عنها‪ .‬لم تر أنها‬ ‫رؤية مختلفة تماما عن الرؤية التي انبنت عليها الفلسفة القديمة والوسيطة‪.‬‬ ‫وعادت إليها الفلسفة الغربية بعد الشروع في النهضة في محاولات الحسم مع الرؤية‬ ‫الإسلامية والسعي إلى التحرر من هيمنتها‪ .‬وقد بدت لهم رؤية غريبة رغم أنها لم تكن‬ ‫شديدة الوضوح في علوم الملة وخطابها الفلسفي والكلامي لكنهم رأوها في نصها وفي سلوك‬ ‫المسلمين حيث كان الدين الإسلامي نصا والمسلمين سلوكا يبدوان للمتكلمين الغربيين في‬ ‫بداية النهضة الاوروبية وكأنهما عبارة عن دين طبيعي وليس دينا منزلا بمعيار المسيحية‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬في الفكر الإصلاحي بداية من الشروع في التخلص من تأثير الفلسفية القديمة ‪-2‬ثم‬ ‫في بداية الفلسفة الحديثة (بدأت بديكارت إلى بداية ثورة كنط)‬ ‫‪-3‬وما بعد الحديثة (بدأت بهيجل إلى ثورة نيتشة)‪.‬‬ ‫‪-4‬وما بعد الحداثة (بدأت بنيتشة وما تزال جارية إلى الآن)‪.‬‬ ‫‪-5‬لكن الجديد هو أن العودة إلى أزمة الغرب التي نتجت عن الصدمة الأولى برؤية‬ ‫الإسلام عادت من جديد‪ .‬وتلك هي خاصية الظرفية التاريخية الكونية الحالية التي يوجد‬ ‫أمامها الفكر الإنساني كله حتى وإن بدا الأمر وكأنه موقف إيديولوجي يوصف‬ ‫بالإسلاموفوبيا‪.‬‬ ‫لكنه في الحقيقة \"أنطوفوبيا\" تعبر عن خوف وجودي عميق رمزه الأبرز هو سلطان‬ ‫اللامعنى والحيرة القيمية اللذين لن يسدهما غير رؤية الإسلام كونيا جمعا بين الاستعمار‬ ‫في الأرض والاستخلاف فيها منزلة وجودية للإنسان من حيث هو ذا وجودين دنيوي‬ ‫وأخروي لا يمكم الفصل بينهما لحضور الثاني في الأول حضور المثال الاعلى وحضور الاول‬ ‫في الثاني حضور الممثول الذي يدرك تعيير اجتهاده وجهاده بمعيار انشداد الوجود الدنيوي‬ ‫إلى المنشود الأخروي‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية لا تقول بأن الإنسان في علاقته بالعالم يسلك باعتباره ذاتا عارفة ومقومة‬ ‫لوجود خارجي طبيعي وتاريخي بقدرة عقلية \"موضوعية\" تقول بنظرية في المعرفة وفي‬ ‫القيمة أساسها وهم المطابقة بين الموجود والإدراك في المعرفة وبين المنشود والإرادة في‬ ‫القيمة‪.‬‬ ‫إن رؤية الإنسان الجديدة التي يتميز بها القرآن والتي حالت الفلسفة اليونانية دون‬ ‫فهمها تجعله ذا إرادة حرة تسعى لتحقيق منزلة وجودية تجدها في كيانه نفسه هي ما يمكن‬ ‫أن نطلق عليه اسم \"الحرية الشرطية\" أو الإرادة التي تنزع إلى تحقيق شروط القدرة أي‬ ‫إن الحرية الشرطية توجد في ظرفية ليست هي التي صنعتها لكنها قادرة للتعامل معها‬ ‫وتأويلها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فتكون المعرفة والقيمة أداتين تصلان بين الإرادة والقدرة تعبيرا عن ذوق وجودي‬ ‫بعبارة جمالية وجلالية هي التي تنتج رؤية للوجود مختلفة تماما عما كان سائدا في الفلسفة‬ ‫اليونانية والدين المسيحي المسيطر على الفكر في الشرق الاوسط قلب المعمورة عندما نزل‬ ‫القرآن الكريم الذي كان سياسيا ثورة على الامبراطوريتين اللتين كانتا مسيطرتين على‬ ‫قلب العالم ومثلا بداية الفتح الإسلامي لتأسيس الدولة الكونية التي تتأسس على مبدأين‪:‬‬ ‫‪-1‬الاخوة الإنسانية‪ :‬النساء ‪ 1‬للتحرر من صراع الأعراق والثقافات والاديان وهو ما‬ ‫جعلها تركز على الرحم الكوني والربوبية‪.‬‬ ‫‪-2‬المساواة بين البشر‪ :‬الحجرات ‪ 13‬للتحرر من المفاضلة بغير التقوى والسعي إلى‬ ‫التعارف معرفة ومعروفا‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن تؤولها ما لم تعتبرها ضرورة شرطية ناتجة عن حرية مطلقة جعلتها تكون‬ ‫كما هي بأن خلقتها وأمرتها‪ .‬فيكون شرط الحرية الشرطية الإنسانية التعامل معها بما‬ ‫تضعه وراءها من شروط ضرورتها وهو معنى المعرفة والقيمة‪ .‬فيكون منطلق تحقيق شروط‬ ‫القدرة التي تشترطها الإرادة هو عين عملية التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫فالبحث في ما وراء هذه الوضعية من طلب شروط كونها على ما هي عليه أساس الشروع‬ ‫في المعرفة والتقييم لشروط قيام الإنسان وبقائه‪ .‬وكل تاريخ الفكر الإنساني الديني‬ ‫والفلسفي مداره رؤى الإنسان لذاته ومنزلته في الوجود الذي يؤول على أنه قابل للتفسير‬ ‫إما بما في الإنسان من مادي أو بما فيه مما يعتبر لاماديا‪.‬‬ ‫فتكون هذه المقابلة هي الثابت في هذين الفكرين رغم أن الإسلام في تصويره الرمزي‬ ‫لكيان الإنسان ولكيان العالم يرفض هذه المقابلة لكونه يرد يتكلم على الخلق والأمر‬ ‫مقومين للوجود ولا يتكلم على مادي لا مادي‪ .‬وسأخصص هذه المحاولة بكل فصولها إلى‬ ‫علاقة ما يسمى بالروح والبدن بصوفهما لغز كيان الإنسان الذي اريد تقديم محاولة لتأويل‬ ‫رؤية القرآن له تحديدا لمنزلة الإنسان الوجودية أو الانثروبولوجيا القرآنية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولن أتكلم على فلاسفة الإسلام لأنهم اكتفوا بالرؤية اليونانية أي الافلاطونية‬ ‫والأرسطية ولم يحاولوا إدراك ما تتميز به الرؤية القرآنية في علاج هذه الإشكالية خاصة‬ ‫والتصوف المتأثر إما برؤية مسيحية أو برؤية براهمانية حال دونهم وفهم منزلة البدن مما‬ ‫جعلهم ينكرون البعث البدني في شبه قول بالفتوة الإبليسية‪ .‬لذلك فسأكتفي بالفلسفة‬ ‫الغربية الحديثة واليونانية القديمة والوسيطة‪.‬‬ ‫والمعلوم أن رد الفكر الصوفي إلى تأثير المسيحية يمثل مدرسة تقابلها مدرسة ثانية رد‬ ‫فيها ماكس هرتون على ماسينون في تفسير تصور الحلاج‪ .‬وقد ترجمت نص هرتون ونشر‬ ‫سابقا في مجلة الحياة الثقافية التونسية ثم نشر في موقع حكمة السعودي وهو نص أساسي في‬ ‫فهم تنافس الرؤيتين المسيحية والبراهمانية على الرؤية الصوفية‪.‬‬ ‫لكن الرؤية الصوفية لها علاقة أخرى أعمق من تمثيل هذين الفكرين اللذين اخترقا‬ ‫التصوف اختراق الفلسفة اليونانية للفكر النظري الكلامي والفلسفي والفقهي أعني البعد‬ ‫الواصل بين الديني والسياسي والذي كان فيه لابن خلدون موقف يميز بين المجاهدات‬ ‫المشروعة والمجاهدة المحظورة دينيا وفلسفيا‪:‬‬ ‫‪-1‬فالتصوف المتأخر القائل بوحدة الوجود بأصنافها الثلاثة التي ميزها ابن خلدون‬ ‫وخاصة تصوف الوحدة المطلقة متأثر بالباطنية‪ .‬وقد وصله ابن خلدون بما بين التشيع‬ ‫والتصوف من تماثل في تاليه الإنسان سواء كان ممثلا للإمامة السياسية أو للقطبية المعرفية‪.‬‬ ‫وهو أشار إلى ذلك وأشار خاصة إلى التلاحم بين الفلسفي والصوفي في الباطنية وضرب‬ ‫مثال ما قاله ابن سينا في الإشارات من ضرورة وجود القطبية الإمامية حتى يتأسس التشريع‬ ‫والدولة‪.‬‬ ‫‪-2‬يختلف تماما عن المجاهدتين المشروعتين أعني مجاهدة التقوى ومجاهدة الاستقامة‬ ‫اللتين هما في الحقيقة جوهر الزهد ولا علاقة لهما بالتصوف الذي يدعي الرياضة من اجل‬ ‫الكشف المزعوم أي ما يعود إلى رؤيتي الفلسفة في المطابقة المعرفية والقيمية ولكن عن‬ ‫طريق الوجدان القلبي وليس عن طريق البرهان العقلي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفي كل هذه الحالات يبقى المشكل اللغز الإنساني وعلاقته بالربوبية فوقه وبالعالم دون‬ ‫لكأن العالم صار ما يرمز إليه مفهوم الخلق من تراب والربوبية مفهوم النفخ الإلهي والفصل‬ ‫بينهما يؤدي إلى رؤية تنتهي إلى تأليه بعض البشر المصطفين واعتبار البقية \"أنعاما\" هم‬ ‫رعاتهم‪ .‬وهو موقف يتنافى تماما مع الرؤية التي تستنج من تعريف ابن خلدون للإنسان‬ ‫ترجمة للأنثروبولوجيا القرآني بوصفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلنا الآن إلى قلب الإشكالية كلها في محاولتنا فهم العلاقة بين قطبي الأنا أو الذات‪.‬‬ ‫فالمنطلق في الكلام عليها الآن هو البداية الجديدة للفكر الفلسفي الذي ينسب إلى ديكارت‬ ‫إذ ينطلق من مسألة إثبات وجود الذات أو الكوجيتو بصورة صريحة رغم أن لهذه المحاولة‬ ‫سوابق كثيرة‪ .‬لكنها لم تكن بصراحة العلاج الديكارتي رغم أن إثبات الأنا يعرف في‬ ‫محاولته وكأنه \"روح\" بلا بدن لحصر الاستدلال في أثبات الذات المفكرة عامة دون كلام على‬ ‫وجودها المتعين في بدنها لأن إثبات العالم المتمدد لن يأتي إلى في المرحلة الخامسة من بنائه‬ ‫الفلسفي في التأملات‪:‬‬ ‫‪ -1‬فبعد إثبات عجز الشيطان المخادع على نفي وجود الذات‪.‬‬ ‫‪-2‬وبعد اثبات وجود الذات المفكرة نتجية لهذا العجز الناتج عن التشكيك الذي يدعم‬ ‫الاثبات ويقويه‪.‬‬ ‫‪-3‬وبعد استخراج خصائص الأفكار التي لا تقبل الشك مهما قوي التشكيك‪.‬‬ ‫‪-4‬يتم اثبات وجود الله والثقة في كونه لا يمكن أن يكون مخادعا‬ ‫‪-5‬فيحصل اثبات وجود العالم الطبيعي ومعه الآلة البدنية بنفي الخداع الإلهي‪.‬‬ ‫لذلك فينبغي أن ننطلق من المثنوية الديكارتية‪-‬بدن (كور) وروح أو نفس ( آم)‪-‬لأنها‬ ‫تبدو بدهية وتكاد تكون الموقف السائد في الفكرين الفلسفي والديني‪ .‬فبين أن ما يظهر‬ ‫من الإنسان ينحو إلى فرض هذه الرؤية المثنوية‪-‬بدن روح‪ -‬سواء بمواصلة المعنى‬ ‫الأفلاطوني أو حتى المعنى الأرسطي الذي لا يختلف عنه إلا بالمحايثة أو بالمعنى الديكارتي‬ ‫الذي يجمع بين المحايثة والفصل لأن الروح ليست صورة البدن بل هي غيره بإطلاق لأن‬ ‫البدن مجرد آلة وليس النفس بالقوة أو أخيرا بالمعنى الذي انتهى إليه الحل الكنطي وهو‬ ‫ناتج حل ينتج عن تعميم المقابلة بين الظاهر والباطن‪.‬‬ ‫فيكون وجود الإنسان الظاهر مثله مثل كل الموجودات الأخرى خاضعا لقانون الطبيعة‬ ‫ومستثنى منه بباطنه استثناء صار بمقتضى المسلمات قابلا للعقد الذي تنبني عليه الأخلاق‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫انبناء يشترط رؤية دينية للوجود (المسلمات الثالث الصريحة وضميراها) رغم أن الكثير‬ ‫لا يصل بين الأمرين لكأن وضع هذه المسلمات يمكن أن تكون مقصورة على الذات رغم أنها‬ ‫من جنس المقابلة بين الظاهر والباطن في بقية الموجودات ما يجعل ما طبق على الذات مسألة‬ ‫فرعية من المسألة الاعم التي طبقت على كل الموجودات الاخرى من حيث هي ما هي في‬ ‫ذاتها‪.‬‬ ‫لكن الحل الهيجلي ألغى المقابلة العامة بين الشيء في ذاته وما يظهر منه للعقل النظري‬ ‫التي يشرع لما يظهر له من الطبيعة ببنيته الذاتية فألغى معها الحل الكنطي الخاص بالذات‬ ‫الإنسانية الحل المعتمد على المقابلة بين الظاهر والباطن عامة وأسس لوحدة الإنسان الذي‬ ‫حلت روحه في بدنه إن صح التعبير كما يتبين من رمز المسيح‪.‬‬ ‫فحلول الروح فيه جعل الإنسان آية الوجود الروحي في التعين العضوي ذي الوعي‬ ‫بالإلهي والعلم المطلق الذي يحرره من الفرق بين الظاهر والباطن الكنطيين‪ .‬فيكون ظهور‬ ‫الموجود عين كيانه ولا شيء وراء الظهور الذي يمثل \"الماهنا\" الذي ليس له \"ما هناك\"‬ ‫يتعالى عليه‪ .‬وهو الحل الذي صار ماركسيا وإن بسلب الحلول الإلهي في الوجود الإنساني‬ ‫لكنه يفترض ما يشببه وإن بحل أقرب إلى المعنى الارسطي أي إن الجهاز العضوي يتضمن‬ ‫في ذاته قوة الصيرورة نفسا حاسة وواعية وعاقلة‪.‬‬ ‫فتكون النتيجة بخلاف ما يتوهم الكثير ليس نهاية الدين بل نهاية الفلسفة التي تحولت‬ ‫إلى علم كلام ديني موجب عند هيجل وعلم كلام ديني سلبي عند ماركس‪ .‬وفي الحالتين‬ ‫صار الإنسان بديلا من الرب إما بحلول الثاني في الأول أو بتخلص الثاني من الأول‪ .‬صارت‬ ‫الفلسفة إما دينية بالإيجاب (هيجل) أو دينية بالسلب (ماركس)‪ .‬فعادت الفلسفة إلى‬ ‫الميثولوجيا ولكن بأسلوب جديد هو الميثولوجيا الحديثة التي تعتمد على صراع البشر بديلا‬ ‫من صراع الآلهة كما في الميثولوجيا القديمة‪.‬‬ ‫صار الصراع بين البشر المتألهين بالمعنى الخلدوني للتأله السلبي الذي يفسر به الصراعات‬ ‫السياسية في سياسة عالم الشهادة كما بيناه في غير موضع‪ .‬فهو صراع إما بين أرواح الشعوب‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عند هيجل أو بين طبقاتها عند ماركس‪ .‬وهما وجهان لنفس الرؤية التي تجعل التاريخ‬ ‫الإنساني لا يختلف عن التاريخ الطبيعي إلا بتحييث الإلهي فيه إيجابا أو بتحييثه سلبا‬ ‫بمعنى أنه لا يمكن أن يكون الخطاب الماركسي إلا في حرب دائمة مع الأديان في محاولة‬ ‫لتخليص ما يسميه مادية جدلية منها ليضفي عليها ما يزعمها من علمية تتصف بها الماركسية‬ ‫وجعل السياسة بالأساس حربا دائما على الأديان لحصر وجود الإنسان في دنيوية خالصة‬ ‫تنظيم لا يختلف عن تنظيم الدولة الثيوقراطية حيث يصبح الحزب كنسية يعتر الخروج‬ ‫عنه تحريفا أو هرطقة‪ .‬بحكم لا يختلف عن التكفير في الأديان‪.‬‬ ‫إذا قبلنا بأن العلاقة بين الإنساني والإلهي سواء اثبتت أو نفيت تبقى علاقة لا بد منها‬ ‫بأحد الوجهين أو بهما معها فتكون بالجوهر مناوسة بينهما في الكلام على أي منهما فإن الطابع‬ ‫المحدد هو هذا التلازم بين الموقفين وليس الخيار بينهما الموقف المثبت أو الموقف النافي بل‬ ‫هو المناوسة الدائمة بين الإثبات والنفي والصراع الذي لا يتوقف بينهما‪ .‬وهذا هو الأمر‬ ‫الذي يعنيني في هذه المحاولة‪ .‬فالإثبات والنفي كلاهما مستحيل الإثبات ومستحيل النفي‬ ‫وما لا يمكن التخلص منه هو‪:‬‬ ‫‪-1‬التلازم بينهما بالإثبات أو بالنفي في كل تاريخ الفكر الإنساني الديني والفلسفي منذ‬ ‫أن عرفنا أثرا لهذين الفكرين‪.‬‬ ‫‪-2‬المناوسة بينهما التي هي الحالة الفعلية الناتجة عن استحالة نفي الإثبات بإطلاق أو‬ ‫اثبات النفي بإطلاق‪.‬‬ ‫‪-3‬أثر التلازم في المناوسة التي هي وضعية يكون فيها الإنسان شبه مدفوع من أحد‬ ‫القطبين إلى الثاني وما أن يصل إلى غاية الأول يستأنف الدفع بلا توقف جيئة وذهابا بين‬ ‫القطبين لكأنهما غايتان حدان‪.‬‬ ‫‪-4‬أثر المناوسة في التلازم الذي هو شبه تلازم بين وجود أحد القطبين وعدم القطب‬ ‫الثاني بحيث إن الوجود والعدم يكونان في وضعية التنادي المتبادل لملء الخلاء الذي يمثله‬ ‫العدم في الحالتين إما عدم الوجود أو وجود العدم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬وأصل ذلك هو ما دفعني لوضع نظرية المعادلة الوجودية التي تحدد العلاقة بين‬ ‫الإنساني والإلهي بوصفها علاقة بين إرادتين حرتين وليست علاقة بين عقلين كما تصور‬ ‫الفكر الفلسفي والفكر الديني إلى حد الآن‪ .‬وكلاهما موروث عن الفلسفة اليونانية‬ ‫وتأثيرها في أديان الشرق الادنى المنزلة بدءا باليهودية فالمسيحية فالإسلام ثم عودة على‬ ‫بدء من الإسلام إلى اليهودية إلى المسيحية‪ .‬والعلاقة بين الإرادتين يجعلها علاقة بين‬ ‫سلطانين يعبران عن‪:‬‬ ‫سياسة لإرادة خالقة وآمرة ذات استراتيجية في الخلق رياضية واستراتيجية في الأمر‬ ‫خلقية‪.‬‬ ‫وسياسة لإرادة مخلوقة ومأمورة تستعمل نفس الاستراتيجية المستوحاة من اكتشاف‬ ‫قوانين شاهد الخلق وأخلاق وشاهد الأمر إما بصورة مباشرة من خلال كيانه العضوي ممثلا‬ ‫للطبيعة والروحي ممثلا للتاريخ أو من خلال الطبيعة والتاريخ بما وراء الطبيعة من قوانين‬ ‫رياضية وبما وراء التاريخ من سنن خلقية‪.‬‬ ‫أي إن ما يفسر به الإنسان دور الطبيعة ودور التاريخ في بقائه بفضل دوره في معرفة ما‬ ‫ورائهما أي قوانين الطبيعة وسنن التاريخ تلك هي وظيفة نظره وعقده للمعرفة ووظيفة‬ ‫عمله وشرعه للقيمة‪ .‬وهذه هي رؤية القرآن التي أريد درسها‪ .‬لكن رؤية القرآن هذه‬ ‫حرفت في علوم الملة كلها وذلك بتأثير من علم النفس الأفلاطوني والأرسطي بتوسط‬ ‫المنحولات على أرسطو والجامعة ذات المصدر الأفلوطيني‪.‬‬ ‫وأبدأ بالقول إن كيان الإنسان مخمس الأبعاد وليس مثنويا كما يتصوره الفلاسفة أو‬ ‫ثلاثيا‪ .‬ففيه البدني واللابدني أو المشهود من كيانه واللامشهود منه‪ .‬واللامشهود من‬ ‫كيانه فاعليته في المشهود من كيانه مشهودة‪ .‬والمشهود من كيانه فاعليته في اللامشهود من‬ ‫كيانه مشهودة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬فكلنا يعلم أن اللامشهود من كياننا يفعل في المشهود منه‪ .‬وفعله مشهود لأن كلا منا‬ ‫يأمر بدنه فيطيع أحيانا ويعصي أحيانا أخرى ليس في حركاته فحسب بل وفي رغباته‬ ‫وشهواته وعاداته التي تطيع أو تعصي بوعي أو بغير وعي من صاحب الكيان‪.‬‬ ‫‪-2‬وكلنا يعلم أن المشهود من كياننا يفعل في اللامشهود منه وفعله فيه مشهود لأن كلا منا‬ ‫يأتمر بحاجات بدنه فيطيع أحيانا ويعصي أخرى سواء بخصوص ما يسد حاجاته العضوية‬ ‫أو بالتخلص من إفرازاته واللامشهود من الكيان يطيع أو يعصي أومر البدن‪.‬‬ ‫‪-3‬وفاعلية اللامشهود في المشهود تفعل في فاعلية المشهود في اللامشهود‪.‬‬ ‫‪-4‬وفاعلية المشهود في اللامشهود تفعل في فاعلية اللامشهود في المشهود‪.‬‬ ‫‪-5‬وتبقى معلا ذلك وحدة الكيان أو ما نسميه \"الأنا\" او ذات الإنسان هي الإشكال الذي‬ ‫نطلب له حلا‪.‬‬ ‫ولنا فرضيتان قد ترجحان هذه الرؤية التي هي عين رؤية القرآن لأن النفخ في التراب‬ ‫الذي صور منه آدم ليس جزءا من ذات الله بل هو فعل من جنس \"كن\"‪ .‬وهي \"كن\" من‬ ‫القوة الثانية التي تتعلق بالجهازين اللذين يجعلان الإنسان قادرا على أن يكون خليفة‬ ‫أعني جهاز النظر والعقد وجهاز العمل والشرع‪.‬‬ ‫ولهذا فالقرآن لم ينسب الروح إلى الخلق بل هو نسبها إلى الأمر وَ َيسْ َأ ُلونَ َك َع ِن ال ُرّوحِ‬ ‫ۖ ُق ِل الرُّوحُ مِنْ أَ ْم ِر َربِّي َومَا أُوتِيتُم ِمّ َن ا ْل ِعلْمِ ِإلَّا قَ ِلي ًلا\" (الإسراء ‪ )85‬وهذان الجهازان‬ ‫متعينان في كيان الإنسان العضوي ويعملان بأداة آلية هي الترميز والتقنية الرياضيتين‬ ‫وكلها متعينة في ما يشبه \"السوفت وار\" الثابت والفطري ولا يكتسب إلا دربة على‬ ‫استعمالهما في \"الهارد الوار\" الذي هو جهاز الحواس والإدراك الرمزي أو المعرفي والقيمي‬ ‫وهما لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآمر بل إن الاول هو فاعلية الثاني‪:‬‬ ‫‪-1‬لذلك فالسؤال الاول هو‪ :‬ألايكون اللامشهود من كياننا هو غيب المشهود منه؟ فتكون‬ ‫الروح هي غيب البدن إذ سمينا اللامشهود من كياننا روحا؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬والسؤال الثاني يكون‪ :‬ألا يكون المشهود من كياننا هو شاهد الغيبي من كياننا؟ فيكون‬ ‫البدن هو مشهود الروح ؟‬ ‫ولا بد هنا من الوصل بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والتاريخ بهذين الجهازين‬ ‫والوظيفتين فكلاهما لا يمكن أن نفصل فيه بين العضوي والروحي أعني‪:‬‬ ‫‪-1‬دور المائدة‪ :‬كيف تؤثر المأكولات في الحواس قبل أن تؤكل فيكون بين الطبيعة وبين‬ ‫الإنسان تواصل عن طريق ما يخرج من المأكولات مما تدركه الحواس الخمس؟‬ ‫‪-2‬دور السرير‪ :‬كيف تؤثر المنكوجات في الحواس قبل النكاح فكيون بين الطبيعة وبين‬ ‫الإنسان من جنس مختلف او من نفس الجنس ما يحرك عريزة الجنس عن طريق الحواس‬ ‫ومن بعد؟‬ ‫‪-3‬فن المائدة الذي هو ما يكون به دور المائدة متجاوزا الغذاء إلى المعاني الرمزية التي‬ ‫تتجاوز الذوق الغذائي إلى الذوق الجمالي الذي يصبح فيه الروحي مسيطرا على العضوي‬ ‫في ما هو عضوي الجوهر‪.‬‬ ‫‪-4‬فن السرير ا لذي هو ما يكون فيه دور السرير متجاوزا الجنس إلى المعاني الرمزية‬ ‫التي تتجاوز الذوق الجنسي إلى الذوق الجمالي الذي يصبح فيه الروحي مسيطرا على‬ ‫العضوي في ما هو عضوي الجوهر‪.‬‬ ‫‪-5‬جهاز النظر والعقد الذي هو شرط إدراك قوانين الطبيعة وعمل عملها بقوانينها‬ ‫وجهاز العمل والشرع الذي هو شرط إدراك سنن التاريخ وعمل عمله بسننه أو ما به‬ ‫يستطيع الإنسان التلقي من الطبيعة ومن التاريخ واستنتاج نظاميهما ألقانوني للأول‬ ‫والسنني للثاني والإرسال إليهما والتعامل معهما لسد هذه الحاجات ولحمايتها ممن ينافسه‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫فمن أين جاء اعتبار ما يقبل الوصف بـ\"السوفت وار\" في تحقيق كل هذه المهام (التجهيز‬ ‫اللطيف) بالانفصال عن \"الهارد وار\" الذي لا تتحقق من دونه (التجهيز الكثيف) حتى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإن كان نفس التجهيز اللطيف ليس هو عين ما له من قدرات هي في الرؤية الدينية حصيلة‬ ‫ما تحقق بفضل النفخ من روح الله دون أن يكون جزءا من كيانه الروحي‪.‬‬ ‫ورغم أن هذا التجهيز اللطيف‪-‬يعني المائدة والسرير وفنيهما والنظر والعقد والعمل‬ ‫والشرع‪ -‬قابل للتنزيل في عدة أجهزة كثيفة هي الأبدان فإن ذلك لا يعني أنه يمكن أن‬ ‫يحقق هذه من دون الجهاز الكثيف‪ .‬ولذه العلة فالقصة القرآنية الرمزية تشترط بعث‬ ‫الجسد للشروع في الحياة الخالدة إيجابا أو سلبا‪ .‬وحتى لو تصورنا الجهاز الكثيف ماديا‬ ‫خالصا فنحن لا نعلم الهيئات التي تتشكل بها المادة بحيث يكون بوسعنا نفي أن يكون اللطيف‬ ‫هو بدروه ماديا في تشكل شديد اللطافة بحيث لا نظنه ماديا ونعتبره لاماديا أو روحيا إذ‬ ‫لم يكن بوسعنا قبل ابداع أدوات رؤية الدقائق المرئية وسماع الدقائق السمعية كان الكثير‬ ‫من أشكال المائدة خفيا بالنسبة إلينا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من يدري فقد يكون الروح الدرجة القصوى من تلطيف الكثيف إلى حد تحوله إلى غيب‬ ‫الكثيف الذي يحيي شاهده ويقيمه ويجعله قادرا على وظائفه‪ .‬وهو ما يعني أن المقابلة‬ ‫مادة روح أو كثيف ولطيف علته الإدراك البدائي لأحول المادة وتعريفها بالامتداد الجرمي‬ ‫(بالمعنى الديكارتي) ومقابلتها بالروح التي تعرف بنفي الامتداد الجرمي‪ .‬ولذلك فسأبين‬ ‫أن هذه الوظائف الخمس التي ذكرتها لا بد فيها من الامتداد الجرمي لكل ما كنا نتصوره‬ ‫غنيا علنه وننسبه إلى الروح التي تعرف باللامتداد‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة فهذه المقابلة حتى في الرمزية الدينية الواردة في القرآن لم تلغ الجرمية‬ ‫على ما يتميز به آدم بعد النفخ لأن إبليس لما رفض السجود لم يفرضه إلا بما ينسبه إلى‬ ‫مادته من فضل على مادة آدم ‪-‬النار على التراب‪-‬ولم يعتبر النفخ الإلهي عاملا جديدا‬ ‫غير مادي‪.‬‬ ‫وهو رفض السجود بعد النفخ وحتى بعد أن علم أن الله قد علم آدم الأسماء كلها وهي‬ ‫الميزة التي كانت تنقص الملائكة الذين شككوا في أهلية آدم للاستخلاف‪ .‬ولو كان الإسلام‬ ‫لم يبن على أهمية البدن في كيان الإنسان ولم يعتبر تلك الوظائف التي تقبل الرد إلى‬ ‫تعلم الأسماء بعد النفخ لاستحال أن نفهم منزلة العناية بالجسد وعلاقتيه بالطبيعة‬ ‫والحياة (المائدة والسرير) وبما ورائهما المضاعف أعني الفنين والجهازين الذي يمكنه من‬ ‫النظر والعقد بوصفه مستعمرا في الأرض والذي يمكنه من العمل والشرع بوصفه مستخلفا‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫وتلك هي مميزات الإسلام بالمقارنة مع الأديان التي يعتبرها محرفة والتي يمكن ردها‬ ‫إلى تحريفين أولهما يتعلق بالمائدة والسرير وفنيهما وذلك هو التحريف المسيحي وقضية‬ ‫الخطيئة الموروثة التي تؤدي إلى احتقار الجسد والجنس والثانية تتعلق بمنزلة الإنسان‬ ‫التي تجعله أهلا للاستخلاف بصورة كونية وليس فيه شعب مختار وعبيد يعمرون الأرض‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫للمستفردين بالاستخلاف عليهم وهو التحريف اليهودي بنظرية الإله القبلي وما يترتب‬ ‫عليه من قضية الشعب المختار والجوهيم‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من العودة إلى الوصل بين الإنسان والطبيعة والإنسان والتاريخ وبين هذين‬ ‫الجهازين اللذين تكلمنا عليهما وصلا ماديا بمستوياته الخمسة ووصلا رمزيا أو ورحيا‬ ‫بمستوياته الخمسة كذلك‪.‬‬ ‫والقصد بالوصل المادي الذي يتقدم فيه ظاهر الكيان أو البدن على باطنه أو الروح‪:‬‬ ‫‪-1‬دور المائدة‪ :‬كيف تؤثر المأكول في الحواس عن بعد وكأنه يدعو الآكل قبل الأكل إلى‬ ‫الأكل فيكون بين الطبيعة وبين الإنسان تواصل عن طريق ما يصدر عن المأكولات مما‬ ‫تدركه الحواس الخمس؟ وكيف يكون التأثير متناسب مع عدد الحواس التي تسم في هذا‬ ‫التواصل عن بعد؟‬ ‫‪-2‬دور السرير‪ :‬كيف يؤثر المنكوح في الحواس عن بعد وكأنه يدعو الناكح (ذكرا أو‬ ‫أنثى) قبل النكاح فيكون بين الطبيعة وبين الإنسان ما يحرك غريزة الجنس عن طريق‬ ‫الحواس الخمس؟ وكيف يكون التأثير متناسب مع عدد الحواس التي تسهم في هذا التواصل‬ ‫عن بعد؟‬ ‫‪-3‬فن المائدة وهو متعلق بما يقوي هذا التأثير الغذائي عن بعد باختيار المآكل واختيار‬ ‫الأجمل في العرض وبتنضيد المائدة تنضيدا يقوي دور التواصل بين المآكل والبدن الإنساني‬ ‫بمضاعفة دور الإدراك الحسي وجعل الحواس الخمس تشارك في التواصل غير المباشر‬ ‫المقدم على المباشر الذي يصبح غاية الغاية‪.‬‬ ‫‪-4‬فن السرير وهو متعلق بما يقوي هذا التأثير الجنسي عن بعد باختيار المناكح واختيار‬ ‫الأجمل في العرض وبتنضيد السرير تنضيدا يقوي دور التواصل بين المناكح والبدن‬ ‫الإنساني بمضاعفة دور الإدراك الحسي وجعل الحواس الخمس تشارك في التواصل غير‬ ‫المباشر المقدم على المباشر الذي يصبح غاية الغاية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬ويوحد ذلك كله جهاز الحواس من حيث هي في علاقة مباشرة مع الطبيعة غذائيا‬ ‫وجنسيا ولا بد للفن ان يتحلق بالظرف المكاني وما يزينه من الرسوم والاواني وبالظرف‬ ‫الزماني وما يطرب من الموسيقى والأغاني‪ .‬وتحفة التحف فيهما قلب الظرف والمظروف‬ ‫الانثوي عند الذكري والذكري عند الأنثوي حتى كون الكلام جامعا لكل أشكال الجنس‬ ‫دون حصرها في الجنسين‪.‬‬ ‫أما العلاقة المقابلة والتي يتقدم علفيها جهاز تأويل ذلك كله فه فهو‪:‬‬ ‫‪-1‬جهاز النظر فهو لا يتعلق بالبصر حتى وإن اشتق منه بل هو يتعلق بالبصيرة بمعنى‬ ‫رؤية ما لا يرى بالحواس المباشرة بل بما وراءها من الحوادس مع اعتبار البصيرة ممثلة‬ ‫لبقية الحوادس السميعة والشميمة والذويقة واللميسة التي هي شرط كل ما عداها وذات‬ ‫علاقة مباشرة بالجنس الذي يتحد فيها البدنان والروحان‪.‬‬ ‫‪-2‬جهاز العقد وغايته العقد بالحضور الفعلي للوجود المحسوس الذي لا يمن أن يضاهيه‬ ‫في الحضور إلا ما يصل إلى المحسوسية من المتخيلات كما يحدث في النوم ومثاله الاوضح هو‬ ‫الاحتلام الذي يجعل البدن يتصرف وكأنه يحس فعلا في اليقظة فنجد له أثرا في مفرزات‬ ‫البدن‪ .‬ولا يوحد عقد ديني يصل إلى هذه الدرجة إلى نادرا‪ .‬ولذلك فكل من يرد العقد‬ ‫الديني إلى \"الروحي\" مع نفي البدني يلغي منه أهم ما يمكن أن يضفي عليه المعنى الذي‬ ‫يوليه إليه الإسلام وخاصة وصف الجنان في القرآن وما استوحاه منه المحاسبي في كتاب‬ ‫التوهم‪.‬‬ ‫‪-3‬جهاز العمل إنه الجهاز الذي لا يقبل التشكيك في وحدة البدني والروحي‪ .‬فلا يوجد‬ ‫عمل يمكن أن ينجز حتى لو زعم فكريا لا يكون بهما معا‪ .‬فالبدن حاضر في كل عمل حضور‬ ‫الهارد وار والفكر حاضر حضور الوسفت وار لكنه عندما يصبح ملكة يتحول إلى تلاحم‬ ‫وتشاجن يثبت أن تمام العمل هو وحدة الوجهين الظاهر والباطن في كل عمل‪.‬‬ ‫‪-4‬جهاز الشرع والشرع في العمل لا يختلف عن المنهج في النظر وهو الترتيب الذي من‬ ‫دون لا يمكن لأي عمل أن ينجح وهو من جنس الاستراتيجيا في الحرب وفي الاقتصاد وفي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أدنى عمل مهما كان بسيطا لأنه دائما توزع امتداد في الظرف المكاني بما يسيطر على المتصل‬ ‫وانتظام مدة في الظرف الزماني بما يسيطر على المنفصل الزماني‪ .‬ذلك أن الانتظام من‬ ‫جنس الدفقات المتوالية والمتقطعة مثلها مثل دفات القلب ولا يمكن أن تكون من المتصل بل‬ ‫هي من المنفصل مهما كان العمل بسيطا إذ إن التنقل في المكان يقتضي الاستئناف في كل‬ ‫توجه لاحق مقابل لتوجه سابق‪.‬‬ ‫‪-5‬ويوحد بينها الخفي من الكيان أو باطن الكيان الذي هو إيقاع الحياة نفسها في فشوها‬ ‫المحيط بالبدن المروحن‪ .‬وهو عين وعي الإنسان بذاته وبمحيطه وبما يتلقاه من ذاته ومن‬ ‫محيطه وبما يرد به على ذاته وعلى محيطه أي علاقته العمودية مع الطبيعة والأفقية مع‬ ‫التاريخ واستنتاج نظاميهما ألقانوني للأول والسنني للثاني والإرسال إليهما والتعامل معهما‬ ‫لسد هذه الحاجات ولحمايتها ممن ينافسه عليها‪.‬‬ ‫لا يمكن أن أجيب عن الأسئلة الأربعة الأولى التي هي في الحقيقة فروع السؤال الخامس‬ ‫حول الظاهر إلا بالانطلاق منه‪ .‬ولا يمكن أن أجيب أن الأسئلة الاربعة الثانية التي هي‬ ‫في الحقيقة فروع السؤال الخامس حول الباطن إلا بالانطلاق منه‪.‬‬ ‫لكن ذلك يقتضي أن أقدم عليه التوالج بين المائدة والسرير وبين فنيهما أو التأثير‬ ‫المتبادل بينهما سواء تصاحب الفعلان الغذائي والجنسي فعليا أو لم يتصاحبا‪ .‬لكن فنيهما‬ ‫متصاحبان دائما حتى إن لغتيهما تمثلان مصدر الاستعارات المتبادلة بمعنى أن الإنسان يمكن‬ ‫أن يعبر عن لغة الأكل بلغة الجنس والعكس بالعكس‪ .‬ولهذا التوالج بين الفعلين وبين‬ ‫الفنين أهمية كبرى في كل تواصل فعلي بين البشر وخاصة بين الجنسين‪.‬‬ ‫ونفس الأمر بخصوص النظر والعمل وبين فنيهما أو التأثير المتبادل بينهما سواء تصاحب‬ ‫الفعلان النظري والعملي فعليا أو لم يتصاحبا‪ .‬لكن فنيهما متصاحبان دائما حتى إن لغتيهما‬ ‫تمثلان مصدر الاستعارات المتبادلة بمعنى أن الإنسان لا يمكن أن يعبر عن لغة بلغة العمل‬ ‫والعكس بالعكس‪ .‬ولهذا فالتوالج بين الفعلي وبين الفنين أهمية كبرى في كل تواصل فعلي‬ ‫بين البشر وخاصة بين الجنسين كذلك‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا أعني بالجنسين العلاقة بين الرجل والمرأة بل بين الذكري والانثوي سواء كان بين‬ ‫الجنسين رجلا وامرأة عضويا أو بين رجلين أو امرأتين في المثلية أو حتى بين الشخص وذاته‬ ‫في غياب الحلين السابقين بل وحتى بينه وبين الحيوان وخاصة في البوادي‪ .‬ويبقى في كل‬ ‫هذه الحالات للذكري والانثوي حضور حتمي لأن المؤثر فيهما جميعا هو العلاقة بين هذين‬ ‫الوجهين في الاتجاهين بتجاذب من طبيعة مختلفة يوحد بينها أربعتها ما يحقق التلاذذ المتبادل‬ ‫وقد خصصت لهما محاولة سابقة مع التمييز بين الظاهرة من حيث ما فيها من طبيعي فطري‬ ‫وما فيها من ثقافي مكتسب‪.‬‬ ‫ولأبدأ الآن الكلام على هذا الجهاز الذي تتفرع عنه المائدة والسرير وفنيهما وأترك‬ ‫الكلام على الجهاز الذي يتفرع عنه النظر وهو في خدمة المائدة خاصة والعمل وهو في خدمة‬ ‫السرير وفنيهما أي العقد والشرع للقيس عليهما علما وأني قدمت فيهما ما يكفي من‬ ‫المحاولات علما وأن أصل المائدة والسرير وفنيهما ينقسم هو بدوره إلى ما لا يفهم من دون‬ ‫جهاز النظر والعمل وفنيهما‪.‬‬ ‫فهو جهاز مضاعف إذ هو ينقسم إلى جهاز المعرفة وجهاز القيمة والأول أداة مطلوبة‬ ‫لغيرها وعلة فاعلة والثاني مطلوب لذاته وعلة غائية‪ .‬والجهاز المطلوب لذاته والعلة‬ ‫الغائية هو عين الذوق القيمي الذي من دونه يصبح الأكل والنكاح مجرد عملية حيوانية‬ ‫لا تتجاوز الفعلين إلى الفنين‪:‬‬ ‫‪-1‬الجهاز المعرفي يتعلق بالمائدة والسرير وهو أداة طلبهما واكتشاف شروط سد حاجتهما‬ ‫وابداعه وأعني جهاز النظر والعقد‪.‬‬ ‫‪-2‬الجهاز القيمي يتعلق بفن المائدة وفن السرير وهو أداة طلبهما واكتشاف شروط سد‬ ‫حاجتهما وإبداعه وأعني جهاز العمل والشرع‪.‬‬ ‫وفي الحالتين فإن الأمر كله متعلق بالمعرفة والقيمة أداتي فاعلية وغائية لتحقيق وظيفتي‬ ‫الإنسان في الوجود بوصفه مستعمرا في الارض ومستخلفا فيها‪ .‬والقصد أن المعرفة علة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فاعلة لسد الحاجات التي تتعلق بالمائدة والسرير اللذين والقيمة علة غائية لسد حاجات‬ ‫فن المائدة وفن السرير‪.‬‬ ‫وهو ما يقتضي إعادة النظر في مفهوم العقل‪ .‬فهو في القرآن ليس قدرة مبدعة بل هو‬ ‫جهاز فهم لما يتلقاه الإنسان من آيات أو رموز وخاصة فهم اللسان وجهاز علاج للمعلومات‬ ‫التي يتلقاها من الطبيعة والتاريخ فيه وخارجه وجهاز حساب وتنظيم لها حتى يكون‬ ‫للإرادة حرية الاختيار على علم بإمكانات سد الحاجات بصنفها وبشروط تحقيقها‪.‬‬ ‫ومن يتصور العقل جهاز قرار فهو كمن يعتبر آلة الحساب وتنظيم المعلومات هي التي‬ ‫تقرر في أي جهاز آلي دون أن يكون فيه وظيفة تشبه الإرادة هي التي توازن بين المعطيات‬ ‫وتختار ما تريده حتى لو ناقض الحسابات التي يجريها الجهاز لعلل أخرى ليست في متناول‬ ‫الجهاز‪.‬‬ ‫وهذا الجهاز الثاني الذي سميته الإرادة هو ما يغلب على التواصلين بين المأكول والآكل‬ ‫والمنكوح والناكح وخاصة دور ما يتصفان به من تجاذب هو الذي يجعل فني المائدة والسرير‬ ‫هما المحركان الفعليان تحريك الغاية لما يشرئب إليها في الكائن الحي من حيث هو كائن حي‬ ‫فضلا عما يضيفه نظام الإدراك‪.‬‬ ‫ونظام الإدراك هو النظر والعقد للعلاقة بالطبيعة وبالتاريخ شرطين للمائدة والسرير‬ ‫ونظام العمل والشرع للعلاقة بالإنسان من حيث هو فاعل في الطبيعة والتاريخ بفني المائدة‬ ‫والسرير‪.‬‬ ‫فكيف يكون النظر والعقد علاقة بين الآفاق والانفس فيها وخارجها؟ ففي الأنفس نجد‬ ‫الطبيعي والتاريخي أو الفطري والمكتسب وفي الآفاق نجد الطبيعة والتاريخ الذي هو ما‬ ‫أضافه الإنسان للطبيعة ويمكن أن نسمي التاريخ الثقافة لأن القصد ليس التاريخ من حيث‬ ‫هو معرفة الاحداث التاريخية بل الاحداث التاريخية نفسها ومنها علمها الذي هو أحد‬ ‫الأحداث في التاريخ أو في الثقافة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد عرف ابن خلدون الفكر بهذه الوظيفة ولم يستعمل العقل في كلامه لأن العقل‬ ‫بالمعنى القرآني الذي يفهمه ابن خلدون جيدا حتى وإن واصل استعمال دلالته الطاغية‬ ‫على الفلسفة بمعنى قدرة الفكر وقدرة القرار العاقل فقال‪ \":‬وأما الأفعال الحيوانية لغير‬ ‫البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل إذ‬ ‫الحيوانات إنما تدرك بالحواس ومدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنه لا يكون إلا بالفكر‪.‬‬ ‫ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة وغير المنتظمة إنما هي تبع لها‬ ‫اندرجت حينئذ افعال الحيوانات فيها فكانت كلها مسخرة للبشر‪ .‬واستولت أفعال البشر‬ ‫على عالم الحوادث بما فيه فكان كله في طاعته وتسخره‪ .‬وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه‬ ‫في قوله تعالى \"إني جاعل في الأرض خليفة\"‪ .‬فهذا الفكر هو ا لخاصة البشرية التي تميز‬ ‫بها البشر عن غيره من الحيوان‪ .‬وعلى قدر حصول الاسباب والمسببات في الفكر مرتبة‬ ‫تكون إنسانيته\" (المقدمة الباب السادس الفصل الحادي عشر)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولنشرع الأن في الكلام في دور العقل لتلقي الرمزي وفهمه كما يحددهما القرآن ودور‬ ‫الفكر للترتيب بمعنيين أشار إليهما نص ابن خلدون ألذي أوردناه في الفصل السابق‪:‬‬ ‫‪-1‬فالترتيب المشروط في الفهم أو ترتيب المعلومات المتلقاة من موضوع المعرفة ويسميه‬ ‫بالطبع وهو معرفي بمعنى أن الإنسان يحدد علاقات الأشياء الموضوعية بقدر علمه بالأسباب‬ ‫الطبيعية‪.‬‬ ‫‪-2‬والترتيب المشروط في الفعل وهو أو ترتيب الغايات المطلوبة فيه ويسميه بالوضع وهو‬ ‫قيمي بمعنى أن الإنسان يحدد قيم الأشياء بالقياس إلى ما يريد بقدر إرادته للغايات‬ ‫القيمية وليس في ذاتها‪.‬‬ ‫وكلاهما يفترض حرية الإنسان شرطا في البحث عن العلل في الترتيب الأول بالفرضيات‬ ‫المتعددة وشرطا في تنظيم غاياته في الترتيب الثاني‪ .‬ومن هنا جاء الأول شرط الثاني من‬ ‫حيث العمل على علم والثاني شرط الأول من حيث البحث عن سد الحاجات التي هي إضافية‬ ‫إلى ما يريده الإنسان من العلم من اجل العمل‪.‬‬ ‫وهذا عين ما سميته علاقة الحرية الشرطية بالضرورة الشرطية‪ .‬فعندما يعلم الإنسان‬ ‫أن الضرورة في الطبيعة وفي التاريخ شرطية بمعنى ان علاقة العلة بالمعلول لأن يتغير‬ ‫المعلول إلى غيرنا العلة ومن ثم فالعلة مشروطة بالمعلول الذي هو بخلاف التصور هو غاية‬ ‫العلة ‪ .‬فإذا كانت لنا غاية أخرى نبحث لها عن علة تحققها وذلك شرطه الحرية الشرطية‬ ‫عند الإنسان‪.‬‬ ‫والسؤال الذي علينا الجواب عنه بصراحة‪ :‬هل ما يقوله برجسون عن استقلال \"شيء\" ما‬ ‫يمكن تسميته بالروح عن وظائف البدن شيء مفارق للبدن أم هو عين وظائفه التي هي‬ ‫هذه العلاقة بينه وبين ذاته وبينه وبين عالميه الطبيعي والتاريخي بتوسط المائدة والسرير‬ ‫وفنيهما وأصل ذلك كله في النظر والعقد للمعرفة والعمل والشرع للقيم أم إن هذا الوهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫علته البدائل من الأداتين الرمزيتين اللتين قد تصبحان بديلا منهما بوصفهما أداتيهما‬ ‫الكونية\"‬ ‫‪-1‬رمز الفعل أو العملة‪ :‬التي يمكن أن تصبح هي الغاية بدلا من المائدة والسرير لذاتهما‬ ‫وتحولهما هما بدورهما إلى أداتين من اجل الحصول عليها باعتباره شرط فني المائدة‬ ‫والسرير‪ .‬ومنه نتجت التجارة الاولى بالجنس واستعمال الجنس للحصول عليهما إما في شكل‬ ‫التجارة الجنسية المباشرة أو في شكل استعمال علامات الجنس (جمل المطلوب جنسيا)‬ ‫لتحصيل المال من أجل الوصول إلى فنون ومتع أكبر وألذ؟‬ ‫‪-2‬فعل الرمز أو الكلمة التي يمكن أن تصبح هي الغاية لأنها أداة خدمة اصحاب العلمة‬ ‫ومن ثم تحقيق ما يحققه أصحابها عن طريق خدمتهم بنفس الغايات خاصة والكلمة يمكن‬ ‫أن يكون لها نفس الدور الذي للعملة بشكل الوعود والخداع مع بعض مظاهر الثراء في‬ ‫الملبس والمسكن ووسائل النقل‪.‬‬ ‫لا يمكن تحديد الرؤية القرآنية للعلاقة بين الجسد والروحي من دون الانطلاق من‬ ‫ظاهرتين‪:‬‬ ‫‪-1‬الأولى هي البعث البدني الذي لا جدال فيه في القرآن‪.‬‬ ‫‪-2‬الثانية هي شهادة الجوارح على صاحبها يوم الحساب‪.‬‬ ‫فالأولى ترفع من منزلة البدن فنفهم أهمية العناية به في القرآن الكريم عناية هي من‬ ‫شروط العبادات‪ .‬واحتقار البدن نجده عند الفلاسفة ومن تأثر بهم من الأديان وخاصة‬ ‫المسيحية والبراهمانية والتصوف في الإسلام‪ .‬لكن الإسلام أكثر الأديان تجاوزا لهذا التأثير‬ ‫الفلسفي الذي يحقر من المادة والجسم‪.‬‬ ‫والعلة هي أنهم يحتقرون المادة ويعتبرونها مصدر كل الشرور بخلاف ما يراه عليها القرآن‬ ‫لأنها ليست مقصورة على الامتداد بالمعنى الديكارتي بل هي من المدد والمدة‪ .‬والمدد يعني‬ ‫ينبوع الحياة‪ .‬والمدد تعني الديمومة في الوجود‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والثانية تجعل شهادة الجوارح عين ما يرمز إليها الملكان اللذان يصبحان كل إنسان لتسجيل‬ ‫سلوكه حسنات وسيئات‪ .‬ولذلك فجل الجوارح مضاعفة منها ما يمثل اليمين ومنها ما يمثل‬ ‫اليسار‪ .‬وهو ما جعلني اعتبر ذلك إشارة رمزية إلى معنى الملكين المحيطين بكل إنسان‬ ‫شاهدين على أفعاله ومسجلين لها حسنات وسيئات مرسومة في البدن فيكون هو الكتاب الذي‬ ‫يحمله بيميه أو بيساره بحسب كشف الحساب يوم الحساب‪.‬‬ ‫لذلك فلا بد من قراءة كلمة الرَوْح بفتح الراء وجزم الواو لأنها تعني الروح الذي ينفخ‬ ‫وليس جزءا عضويا بل فعل التنفس الدال على الحياة والدليل هو قصة خلق عيسى عليه‬ ‫السلام بالنفخ من روح الله وهو نوع من كن ذات القوة الثانية مثل تعليم آدم الأسماء كلها‬ ‫بعد النفخ فيه من الروح‪.‬‬ ‫وهذه الرموز لا تعنينا من حيث الكلام في حقيقتها لأنها من الغيب المحجوب بل في ما ترمز‬ ‫إليه منه تحديد للعلاقة بين البدني واللابدني كما يبدوان لنا أو من البدني الإنساني‬ ‫ووظائفه التي هي موضوع كلامنا في اللغز الإنساني‪ .‬وقد عرفت هذه العلاقة بكونها علاقة‬ ‫ظاهر بباطن لنفس الشيء وليست علاقة بين شيئين مختلفين‪:‬‬ ‫‪-1‬فالبدن هو ظاهر كيان الإنسان لكنه معبر عن باطن نشعر دائما بأنه في علاقة به‬ ‫يتبادلان التآمر كلاهما آمر ومأمور وبينهما ما يشبه التغالب لكأن الباطن يصلح حال الظاهر‬ ‫بما يحاوله من تأويل لما يتلقاه من ذاته ومن محيطه‪.‬‬ ‫‪-2‬والروح هي باطن كيان الإنسان لكنه لا صلة له بذاته وبالعالم من دون مروره بالبدن‬ ‫الذي هو جهاز التلقي للمعلومات التي تأتيه من الحواس الباطنة ومن الحواس الظاهرة وهو‬ ‫إذن مصدر كل المعلومات‪ .‬ولسنا ندري طبيعة عملية التأويل ودوره فيها بخلاف ما يدعيه‬ ‫برجسون‪.‬‬ ‫‪-3‬وفعل الظاهر في الباطن هو ما يظهر من المدارك الحسية خاصة لذاته ولما حوله لكنه‬ ‫قد يكون له دور أعمق في الباطن على الأقل بالحالة المزاجية التي تتولد عنه في تلقي‬ ‫المعلومات وفي تراكمها فيه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-4‬وفعل الباطن في الظاهر هو ما يظهر من فهم (عقل) ما يتلقاه وتوظيفه في تحقيق‬ ‫شروط قيام كيان الإنسان من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها‪.‬‬ ‫‪-5‬وبذلك يتبين أن كيان الإنسان هو هذه العلاقة بين الإنسان وذاته وبينه وبين ما حوله‬ ‫من الطبيعة والتاريخ بما فيهما مما فيه أي ظاهرهما وباطنهما‪ .‬والظاهر من الطبيعة هو‬ ‫الطبيعة نفسها والباطن هو ماوراؤها الذي يجعلها تكون ما هي والذي يتجلى في ما فيها من‬ ‫آيات أو قوانين‪.‬‬ ‫والظاهر في التاريخ هو التاريخ نفسه والباطن هو ما وراؤه الذي يجعله ما هو والذي‬ ‫يتجلى في ما فيه من آيات أو سنن‪ .‬والأنفس ليست جمع النفس التي تقابل الجسد بل هي‬ ‫جمع النفس بمعنى الذات التي لها ظاهر هو البدن ولها باطن هو الروح ومن ثم فالأنفس‬ ‫تعني ما في الإنسان من ظاهر طبيعي وتاريخي (البدن) وما فيه مما ورائه من باطن طبيعي‬ ‫وتاريخي يناسبان ما في الطبيعة وما في التاريخ من ظاهر وباطن‪.‬‬ ‫وبين الطبيعي والتاريخي في الآفاق ظاهرهما وباطنهما وما في الأنفس من طبيعي وتاريخي‬ ‫ظاهرهما وباطنهما متصلة كلها بما في الآفاق مما يناسب حاجات الإنسان وما في الإنسان مما‬ ‫يناسب ما يمكننه من سد الحاجات بالنظر والعقد وبالعمل والشرع‪ .‬وذلك هو مدلول فصلت‬ ‫‪ 53‬التي تعرف هذه العلاقة بأنها آيات الله وبأنها هي التي تجعلنا نتبين أن القرآن هو‬ ‫الحق‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن لغز الإنسان هو عينه لغز القرآن‪ .‬فالقرآن هو نظرية الإنسان بهذا المعنى‬ ‫الذي يجعله تذكيرا للإنسان بما فيه من تجهيز يمكنه من علاج علاقته بالطبيعة (النظر‬ ‫والعقد) وبالتاريخ (العمل والشرع) لتحقيق شروط قيامه من حيث هو مستعمر في الأرض‬ ‫ومستخلف فيها الأرض التي تحتوي على شروط سد حاجاته إذا هو لم يفسد فيها ولم يسفك‬ ‫الدماء لئلا يكون التعمير تدميرا والاستخلاف طغيانا وتألها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫قبل الوصول إلى هذه النتائج كنت دائما أعجب من تركيز القرآن على أشياء تبدو تافهة‬ ‫عند الكثير ممن غابت عنهم حقيقة الإنسان التي يذكر بها القرآن ليبني عليها مضمون‬ ‫الرسالة من حيث هي كلام في العلاقة بين سياستين‪:‬‬ ‫‪-1‬سياسة الرب للعالم غيبه وشهادته بوصفه الخالق والآمر‪.‬‬ ‫‪-2‬سياسة الإنسان للشاهد من العالم بوصفه المخلوق المأمور خليفة خليفة الرب‪.‬‬ ‫وللرب إذن دور في سياسة الإنسان للشاهد من العالم بما جهز به الإنسان من قدرة على‬ ‫التعامل مع الطبيعة (النظر والعقد وتطبيقاتهما) ومع التاريخ (العمل والشرع‬ ‫وتطبيقاتهما) وبما وضع في الطبيعة وفي التاريخ من شروط قيام الإنسان لينجز ما كلف به‬ ‫من تعمير واستخلاف‪.‬‬ ‫وشرط ذلك قيس سياسته للعالم بالمثال الأعلى الذي هو سياسة الرب للعالم غيبه وشهادته‪.‬‬ ‫والقيس لا يكون بمجرد الدعوة إلى ذلك بل باستعمال جهازيه الأول بمعرفة قوانين‬ ‫الطبيعة وتطبيقها في تحقيق شروط بقائه والثاني بمعرفة سنن التاريخ وتطبيقها في تحقيق‬ ‫شروط تنظيم ما تقتضيه معرفة الشاهد من الخلق وتقييم الشاهد من الأمر‪.‬‬ ‫وفي هذا الإطار تأتي الأمور التي تبدو تافهة للكثير ممن يتصور الدين هو مجرد شعائر‬ ‫وعبادات وليس تنظيما شاملا للحياة وهذا الشمول يتعلق بسياسة عالم الشهادة عامة‬ ‫وبأصنف الآداب او الأخلاق الضرورية لتكون هذه السياسة تتميما لمكارم الاخلاق‪:‬‬ ‫‪-1‬آداب المائدة أو فلسفة الغذاء وعلاقته بالملكية وبالتضامن الإنساني‪.‬‬ ‫‪-2‬آداب السرير أو فلسفة الجنس وعلاقته بالعرض وبالنسب الإنساني‬ ‫‪-3‬آداب فن المائدة أو فلسفة المتعة واللذة الذوقية في الغذاء‪.‬‬ ‫‪-4‬آداب فن السرير أو فلسفة المتعة واللذة والذوقية في الجنس‪.‬‬ ‫‪-5‬والأصل آداب الحياة السوية التي تحقق شروط حماية البدن وسلامته لأنه هو عين‬ ‫كيان الإنسان حتى وإن لم نر منه إلا ظاهره فنظنه مجرد مادة لا قيمة لها بالقياس إلى ما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يزعم من روح منفصلة عنه‪ .‬وهذه الآداب الاربعة هي أهم ثورة قرآنية على الإطلاق وهي‬ ‫التي حققت الصلح الأتم بين البدني والروحي أو بين ظاهر الإنسان وباطنه‪.‬‬ ‫فالروح بهذا المعنى ليست منفصلة عن البدن بل هي باطنه ولا يوجد تنكر لحاجات البدن‬ ‫الغذائية والجنسية ولما يرفع من منزلتهما من الفنون المعلقة بهما‪ .‬فالبدن هو ظاهر الروح‪.‬‬ ‫والروح هي باطن البدن‪ .‬وهما وجهان لنفس الشيء الذي هو الإنسان الذي كرمه الله‬ ‫فنفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء وكلفه فاستعمره في الأرض واستخلفه فيها‪.‬‬ ‫لكن الأعمق من ذلك كله هو رمز فساد السياسة كما تتعين في غاية تحريف الأديان أي في‬ ‫دين العجل الذي يجعل الأداة غاية أداة التبادل وأداة التواصل تعوضهما بما لصاحبهما‬ ‫من سلطان على تلك الغايات‪ .‬فكل ما ذكرناه من شروط بقاء الإنسان بهذا المعنى المتحد‬ ‫الذي ليس فيه فصل بين وجهي كيانه الظاهر (البدن) والباطن (الروح) يمكن أن يصبح‬ ‫مجرد بضاعة بخسة أمام ما يستعاض به عنه من بعدي العجل أي الأموال والأقوال‪ :‬معدن‬ ‫العجل وخواره‪.‬‬ ‫لذلك فالقرآن لم يتكلم على حرب الله إلا على ربا المال الذي هو جعل رمزه العملة تنتقل‬ ‫من دور أداة التبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين ما يجعل أصحابه يتألهون به لمجرد‬ ‫جعله المتحكم في المائدة والسرير وفنيهما وأصلها جميعا أي في حياة الفرد والجماعة من حيث‬ ‫كيانها العضوي او ظاهر وجودها‪.‬‬ ‫والقرآن لم يتكلم على \"المقت الأشد\" إلى على ربا الأقوال الذي يجعل رمزه الكلمة تنتقل‬ ‫من دور أداة التواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين ما يجعل أصحباه يتألهون لمجرد جعله‬ ‫المتحكم في جهازي الإنسان أي النظر والعقد والعمل والشرع بجعل المعرفة والقيم خوارا‬ ‫أو إيديولوجيا تغير الرؤى والقيم في علاقة البشر بعضهم بالبعض وبالعالم وبالمثال الاعلى‬ ‫لسياسة الشاهد من العالم في في الاستعمار والاستخلاف بتحريف سياسية الرب للعالم غيبه‬ ‫وشاهده‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا بد من العودة إلى تعريف ابن خلدون للإنسان \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق' له\"‪ .‬فرئاسة الإنسان هي التي تفسد بسلطان ربا الأموال الذي يحول العملة من أداة‬ ‫تبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين وربا الأقوال الذي يحول أداة التواصل إلى أداة‬ ‫سلطان على المتواصلين فيفسد علاقة المادية البشر وعلاقتهم الروحية بعضهم بالبعض لأن‬ ‫الأول يفسد التبادل الذي يصلح علاقة سلطة بتوسط المائدة والنظر وفنيها والثاني يفسد‬ ‫التواصل بتوسط السرير والعمل وفنيهما بل يجعهما أداتي استعباد مادي وروحي للإنسان‪:‬‬ ‫‪-1‬فالاول أو ربا الأموال يمثل أداة السلطان على الأبدان لأنه يتعلق بالآداب الأربعة التي‬ ‫تحدد قيم سياسة البدن أي المائدة والسرير وفن المائدة وفن السرير‪.‬‬ ‫‪-2‬والثاني أو ربا الأقوال يمثل أداة السلطان على الأرواح لأنه يتعلق بالأجهزة الأربعة‬ ‫التي تحدد معارف سياسة العالم أي النظر والعقد والعمل والشرع‪.‬‬ ‫ونحن أمام تفسيرين لهذه الحصيلة التي تعينت في الكائن الذي نسميه الإنسان بجنسيه‬ ‫نبدأ بأولهما في هذا الفصل بكلام يزعم بما يشبه الإجماع بكونه علميا وعقلانيا ونختم‬ ‫بالثاني في الفصل الآخر والخاتم لهذه المحاولة ويعتبر خرافيا ولا وعاطفيا‪ .‬وسأحاول‬ ‫اختبار التفسير المزعوم علميا ببيان عدم كفايته على فرض صحته التي لا أسلمها إلا جدلا‬ ‫قبل اختبار تناسق الثاني الذي يزعم خرافيا وعاطفيا‪.‬‬ ‫فما يتناساه الكثير من المعجبين بنظرية التطور هو أنها مرت بمرحلتين‪ .‬أولاهما هي المرحلة‬ ‫الأرسطية التي تقول بالتطور النسبي الذي يتوقف بمجرد بلوغ الغاية في تحصيل الأجناس‬ ‫والأنواع الحية‪ .‬وهو ما يعتبر مرحلة تجريب الحياة لطرق إنجاز مهمة تخليق الأجناس‬ ‫والأنواع في رؤية ارسطو البايولوجية‪ .‬فإذا تمكنت بعد تجريب فاشل عديد المرات من أنجاز‬ ‫جنس مكتمل البنية وتأسيس قانون تكون أنواعه وأفراده أصبح ذلك ذاتي التكوين بآلياته‬ ‫التي تحقق في عملية التخلق‪ .‬والعلامة هي التطابق بين نظام الأعضاء ونظام الوظائف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد يتواصل تحسين نظام الاعضاء لكنه لا يتجاوز نفس الوظائف التي تبقى ثابتة فلا‬ ‫تتطور بعد أن تحققت فاكتملت لأن توقف التطور التجريبي شرطه أن يكون قد أنتج أتم‬ ‫نظام للوظائف الحيوية‪.‬‬ ‫وقمة إنجاز المهمة بالنسبة إلى الحياة بصورة عامة في غايتها هي إنجاز وظيفة الكلام‬ ‫والعقل عند الإنسان أرقى الاجناس الحية في فلسفة أرسطو بمعنى أن الإنسان أرقى انجاز‬ ‫في التخلق الطبيعي للحياة‪.‬‬ ‫وما يتميز به هذا التصور لنظرية التطور التجريبي عن نظرية التطور الداروينية أمران‪:‬‬ ‫‪-1‬الأول هو أن للتطور غاية موجودة بالقوة في الحياة من البداية وهي تكوين الأجناس‬ ‫والأنواع بعد تجريب يوصل إلى أفضل تناسق في النظامين العضوي والوظيفي وتطابق‬ ‫بينهما‪.‬‬ ‫‪-2‬الثاني أن حصول ذلك يؤدي إلى تحول التطور إلى نظام التوارث الذي يجعل الاجناس‬ ‫والأنواع الحية من النبات إلى الإنسان ثابتا وهو القول بنظرية ثبات الاجناس والانواع‬ ‫وبعدم مرور أي منها إلى الآخر‪.‬‬ ‫وهذه الغاية مصاهفة فهي التناسق الوظيفي والتناسب الجمالي‪ .‬ومن ثم فكل العقبات التي‬ ‫سنبينها في الخيار الدارويني ليس لها وجود في رؤية أرسطو على الأقل من حيث انطباق‬ ‫نظرية الضرورة الشرطية قانونا طبيعيا عاما‪ .‬لكن القول بالتطور بمعناه الدارويني‬ ‫يقتضي الكلام في خمس مراحل ليس لداروين لهما حل متناسق ومقبول عقلا ولا دليل‬ ‫تجريبي كاف للإقناع به‪ .‬فيكون التطور ملغزا فيها جميعا ما يجعل من العسير فهم وحدة‬ ‫السلسلة التطورية والتمايز الكيفي بين الأجناس والانواع وخاصة الثبات الوراثي حتى لو‬ ‫افترضناه غير مستقر بصورة نهائية فيه‪:‬‬ ‫‪-1‬لا بد أن يوجد تطور متقدم على تطور فصيلة القردة دون حصر لعدد الفصائل الممكنة‬ ‫عقلا إذا حددنا البداية‪.‬‬ ‫‪-2‬لا بد أن يوجد تطور في تكوينية فصيلة القردة بصورة تقربها من فصيلة الإنسان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-3‬لا بد أن يوجد تطور في تكوينية فصيلة البشر بصورة تقربها من الإنسان في شكله الذي‬ ‫هو عليه حاليا‪.‬‬ ‫‪-4‬لا بد أن يوجد تطور بعد فصيلة البشر غير معلوم الأعداد إذ لا شيء يدل على أن‬ ‫التطور توقف عند نهائيا عند تحقق غاية هي الإنسان‪.‬‬ ‫‪-5‬وأصل ذلك كله ضرورة فهم الوحدة التي تحقق هذا التسلسل الحاصل في الغاية التي لم‬ ‫تتحدد بعد والتي ليس لها وجود في البداية لأنه لا يمكن للصدف أن تحدد من البداية في‬ ‫غياب الغائية التي تقتضيها الضرورة الشرطية بالمعنى الأرسطي قانونا لعمل الطبيعة‪.‬‬ ‫ودون أن أتحامل على داروين فإني لا أتردد على افتراض أن مثل هذه النظرية لا بد وأن‬ ‫تكون ذات أصل عنصري‪ .‬فلكأن صاحبه يحاول تبرير رؤية الاستعمار البريطاني للأنديجان‬ ‫في المستعمرات وتفسير الفرق بين بشره وبشرهم بنظرية الانتخاب الطبيعي بغائية البقاء‬ ‫للأصلح لتبرير سلطان الأقوى في صراع البقاء‪ .‬فمفاد هذا الكلام أن ما يحصل بين المستعمر‬ ‫والأنديجان يمكن تفسيره بالانتخاب الطبيعي الذي يزيل بمقتضاه الأقوى الأضعف من‬ ‫الوجود بمعزل عن الأخلاق ما دام يرد إلى علة طبيعية عضوية هي التكيف الذي ينتج عن‬ ‫الصراع من أجل الحياة والبقاء للأقوى أو للأصلح بقانون التكيف‪.‬‬ ‫ذلك أن الحجة الوحيدة التي يعتمدها هي التقارب في الأعضاء‪-‬مع استحالة التطابق‬ ‫لاستحالة رد المنفصل إلى المتصل كالحال في الانتقال من العدد الطبيعي إلى العدد‬ ‫الحقيقي‪-‬لا يمكن اثباتها مهما أطال القائلون بالنظرة التطورية المعتمدة على التحولات‬ ‫الكيفية بالصدفة في مدة حصولها لكي تتمكن بالتراكم من تحقيق التكيف مع ظروف العيش‬ ‫‪-‬وهو معنى الانتخاب الطبيعي بتراكم الصدف وحفظ ما يكون مساعدا على التكيف ومن‬ ‫ثم علة كافية على إزالة كل من تحصل له الصدف وتراكمها وحفظها ليبقى‪.‬‬ ‫ومهما قبلنا بأن ذلك قد يعلل التحولات الكيفية التي لا يمكن اثباتها بالأدلة المادية من‬ ‫الإحاثيات إذ لا يمكن مهما وجد من تقارب بين الأعضاء ألا يتناقض مع إطالة المدة التي‬ ‫تعني تقريبا الانتقال من انفصال الأعداد في العدد الطبيعي إلى ما يقرب مما غايته بالمعنى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الرياضي الاتصال بين الأعداد في العدد الحقيقي‪ .‬فهذه النقلة تقتضي ضرورة قطع‬ ‫اللامتناهي بين المختلفين كيفيا في مدة متناهية فإن ذلك لا بد فيه من اعتبار ما يحفظ من‬ ‫التحولات الكيفية ويراكمها ذا غائية هي التكيف أولا والتكيف الأقل كلفة على الحياة‬ ‫نفسها ثانيا ما يعني أمرين‪:‬‬ ‫‪-1‬أن التفسير بالصدفة ينبغي أن يقول هو بدوره بغائية خفية تجعل التكيف وكأنه غاية‬ ‫تراكم الصدف التي تحقق الطفرة التكيفية لتجاوز مشكل قطع المسافة الفاصلة بين تغير‬ ‫وتغير ومن ثم فهي تتضمن تحول الصدفة إلى ثابت موروث في الأجيال المتوالية من النوع‬ ‫الوارث لها في كل مرحلة من مراحل الانتقال من القرد إلى الإنسان مثلا‪.‬‬ ‫‪-2‬والأهم من ذلك كله ضرورة أن يتكرر مرتين بسبب الحاجة إلى حصوله في الجنسين لنقل‬ ‫هذا الموروث بمعنى أنه ينبغي أن يكون حاصلا في الذكر وفي الأنثى حتى يصبح خاضعا‬ ‫لقانون الإرث البايولوجي وأن يكون متساوقا بمعنى أن الصدفة التي تحصل في الذكر ينبغي‬ ‫أن تحصل في الأنثى وإلا فانتقال ما حصل بالصدفة عند أحد الجنسين قد لا يكون كافيا‬ ‫لتحقيق التكيف لأنه يكون نصف تكيف فيصبح مستحيل الحفظ والبقاء لأن ما عند الجنس‬ ‫الثاني لا يقبله أو إن قبله فقد ينتج نكوصا في النوع يلغي ما حصل عند الجيل الأول إلى‬ ‫الحاصل عند الجيل الموالي‪.‬‬ ‫والاعتراض الأهم يتعلق بالبداية وبالغاية في نظرية التطور الداروينية‪ .‬فكلتاهما تناقض‬ ‫الرؤية التي تعلل التطور بالتكيف وبالبقاء للأصلح أو للأقوى للقدرة عليه‪:‬‬ ‫‪-1‬فالبداية إن سلمنا بوجودها لم تكن بحاجة للصراع الذي ينتج عنه الانتخاب الطبيعي‬ ‫لوفرة شروط البقاء ومن للاستغناء عن شرط إضافي للتكيف إلا إذا كان حصول التحول‬ ‫الخارجي في بيئة الكائنات الحية هو العلة الخارجية التي تجد في الجنس الوحيد من الحياة‬ ‫‪-‬إذ نحنى في البداية‪-‬تفاوتا في القدرة على التكيف ما يعني أن بعضه كان حائزا على شيء‬ ‫موجود من البداية وليس حصيلة تطور ومن ثم فالتنوع الناتج عن الفروق في قوة الأبدان‬ ‫سابق على التطور ومستغن عنه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬والغاية إذا كانت هناك غاية في التطور تقتضي أن ما ليس له القدرة على التكيف ينبغي‬ ‫أن ينقرض وألا يبقى منه ما لا يستطيع التكيف ما يعني أننا ينبغي أن نعود إلى ما كانت‬ ‫عليه البداية أي جنس وحيد استطاع البقاء وفي غير هذه الحالة لن يكون البقاء مشروط‬ ‫بهذا التغير على الأقل للبعض‪ .‬ومثال ذلك هو أن القردة كان ينبغي أن تنقرض لما حصلت‬ ‫فصيلة الإنسان‪.‬‬ ‫وإذا قبلنا فرضيتي لتأويل وضع هذه النظرية فإن الاستعمار البريطاني كان ينبغي أن‬ ‫يزيل كل الأنديجان الذين استعمرهم لأنه أقدر على التكيف منهم ما يعني تقريبا تكرار‬ ‫ما حصل للهنود الحمر فيجعل نظرية داروين لا تختلف عن نظرية هيجل في القول بصراع‬ ‫أرواح الشعوب وعن نظرية ماركس في القول بصراع الطبقات‪ .‬ولعل للنظرية علاقة بقانون‬ ‫مالتوس الذي يتنافى مع التقدم العلمي الذي يتغلب على المعادلة بالتقدم الزراعي للغذاء‬ ‫والطبي للصحة‪.‬‬ ‫وفي الحالتين الفلسفية والبايولوجية وحتى في حالة التناسب بين الغذاء والديموغرافيا‬ ‫يمكن القول إن نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي ليست إلا ترجمة لنزعة هدفها تبرير‬ ‫الاستعمار ببعديه الذي يبحث عن تحميل الطبيعة التخلي عن المسؤولية الخلقية‪:‬‬ ‫‪-1‬الاستعمار العام الذي يصبح تهديما ولا يبقى تعميرا لأنه لا يؤمن بقيم الاستخلاف‬ ‫والمؤدي إلى الافساد فيها وسفك الدماء‪ .‬وهذا هو المشترك في الرؤية الفلسفية‬ ‫الاستعمارية التي تقضي على التنوع في النبات والحيوان والإنسان لتفرض نمطا واحدا من‬ ‫الحضارة لغة واحدة وفكرا واحدا نمط حياة وثقافة واحدة‪ .‬وتلك هي العولمة الحالية‬ ‫التي علاجها المؤقت الآن هو محاولة حماية الطبيعة من التلوث وعلاقة ذلك بالتلوث الثقافي‬ ‫وكلاهما عبارة عن عبادة العجل أي عبادة معدنه ورمزه ربا الأموال وعبادة خواره ورمزه‬ ‫ربا الأقوال‪ .‬ويمكن اعتبار الثقافة الأمريكية التعين الفعلي لهذه الرؤية حاليا‪.‬‬ ‫‪-2‬تعميم العنصرية على كل الكائنات تبريرا يزعم علميا بفرضية الانتخاب الطبيعي في ما‬ ‫يبدو توحيد سلسلة الأجناس والأنواع الحية بناء على حلين كلاهما مستحيل وجوديا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ورياضيا‪ .‬فوجوديا لا يمكن تفسير التغير الكيفي بالصدفة ثم ادعاء المحافظة عليه بالغائية‬ ‫التي تجعله وراثيا‪ .‬ولا يمكن رياضيا الوصل بين منفصلين مهما صغر الفرق بينهما من دون‬ ‫قطع اللاتناهي في قطع المسافة الفاصلة لأنها تقبل القسمة إلى فروق متصاغرة دون غاية‬ ‫كالفرق بين العدد الطبيعي والعدد الحقيقي‪ .‬وإطالة مدة الانتقال لا يغير منه الامر شيئا‬ ‫لأن المدة مهما أطلنا فيها تبقى متناهية ومن ثم فهي لا تحقق شرط الوصل بين المنفصلين‬ ‫مهما قربت المسافة الفارقة بينهما‪.‬‬ ‫وأخيرا فإني دون أن ادخل في جدل حول الاكتشافات الإحاثية وهو جدل أنا في غنى عنه‬ ‫لمجرد بيان علتي استحالة تحديد البداية والغاية واستحالة قطع المسافة بين كيفيتين‬ ‫منفصلتين بالتراكم الكمي الذي يحفظ ويتحول إلى ميراث ينتقل بثبات يحقق التكيف في‬ ‫جنس أو نوع معين من دون البقية من دون شرح العلة الميتافيزيقية التي لا يمكن ألا تكون‬ ‫غائية في الصدف والعلة الرياضية التي تعلل قطع اللامتاهي في مدة متناهية مهما طالت‬ ‫فإني في حل من الحاجة إلى هذا الجدل‪.‬‬ ‫وتكفي حجة واحدة كان يمكن أن تحسم الاستدلال على صحة النظرية أو أمكن مثلا تحقيق‬ ‫تجربة واحدة ترينا إمكانية الانتقال الكيفي بين نوعين مختلفين من النبات أو من الحيوان‬ ‫كما نستطيع أن نبين التغير الكيفي في من الماء إلى البخار بالتسخين أو منه إلى الثلج‬ ‫بالتبريد‪ .‬وما لم نتمكن من مثل ذلك في الانتقال الطفري وفي التراكم الكمي الذي يؤدي‬ ‫إليه فالدليل يبدو لي ما يزال في طور الفرض الذي لا دليل كاف عليه‪.‬‬ ‫ولم يبق إذن إلا أن ابين أن ما يعتبره أصحاب هذه الرؤية من الخرافة أو من الميثولوجيا‬ ‫أو حتى من المعجزات الدينية دون أن اجادلهم في رؤاهم التي يزعمونها علمية لأنها في‬ ‫الحقيقة يمكن أن تعتبر أكثر خرافية وأكثر ميثولوجية أو حتى أكثر اعجازية رغم وصفها‬ ‫بالعلمية تجوزا‪ .‬فالعلمي نفسه مبني على خمس معتقدات هي بالجوهر معتقدات أقل ما‬ ‫يقال فيها أنها مسلمات لا دليل عليها أو هي مجرد قبول بأمر واقع (فاكتوم) لا شيء يثبت‬ ‫أن منزلته الوجودية تتجاوز كونه من باب التسليم والاستسلام للأمر الواقع‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬فالعلم يحتاج إلى التسليم بأنه يوجد عالم طبيعي وتاريخي في الأعيان خارج الأذهان‪.‬‬ ‫‪-2‬ويحتاج إلى التسليم بأن هذا العالم الطبيعي والتاريخي ذو نظام من القوانين والسنن‬ ‫‪-3‬ويحتاج إلى التسليم بأنه توجد أذهان عند الإنسان تمكنه من إدراك العالم الخارجي‬ ‫بما فيه ذاتها‪.‬‬ ‫‪-4‬ويحتاج إلى التسليم بأن إدراك الأذهان للعالم والذات يحقق المعرفة بالطبيعة وبالقيمة‬ ‫بالتاريخ‪.‬‬ ‫‪-5‬ويحتاج إلى التسليم بأن مجموع هذه المسلمات هي ما من دونه لن يوجد ما نسميه علما‬ ‫وهي إذن مسلمات أو في الحقيقة مجرد عقيدة لا تختلف عن العقائد الدينية التي تعترف‬ ‫بأنها مسلمات إيمانية ولا تدعي العلمية‪.‬‬ ‫لكنها على الأقل في الإسلام هي عقائد إيمانية متخلصة من التوظيف العنصري الذي ينتج‬ ‫عن هذه الرؤية التي تزعم العلمية والتي لها علاقة بأديان عنصرية بالجوهر وذلك لعلتين‪:‬‬ ‫‪-1‬العلة الأولى هي الزعم بأن الدين خاص بهم والله لا يتصل إلا بهم‪.‬‬ ‫‪-2‬العلة الثانية وذلك لأنهم شعب الله المختار وكل من سواهم جوهيم‪.‬‬ ‫أما الإسلام فيعتبر البشر جميعا اخوة من نفس واحدة (النساء ‪ )1‬ويعتبرهم متساويين‬ ‫(الحجرات ‪ )13‬للتعارف معرفة ومعروفا وليس للتناكر لأنه لا يعترف إلا بتفاضل وحيد هو‬ ‫التقوى أي احترام قيم الاستخلاف الذي هو منزلة وجودية لجميع البشر مع وضع مبدأ‬ ‫يحفظ التنوع في كل شيء باعتباره من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪38‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بينت في الفصل السادس استحالة حل لغز الإنسان بنظرية التطور وأرجعناها إلى موقف‬ ‫عنصري يبرر الاستعمار بأحكام الطبيعة ليتنصل من أفعاله المؤدية إلى افناء الشعوب الأقل‬ ‫تقدما علميا وتقنيا أفعالة المنافية للأخلاق لأنها استعمار متنصل من قيم الاستخلاف‪ .‬وهذا‬ ‫التنصل يجعل الاستعمار يتحول من التعمير إلى تدمير بواسطة الصراع الجدلي بين أرواح‬ ‫الشعوب أو ببين طبقاتها فلسفيا أو بين الأنواع النباتية والحيوانية والإنسانية بايولوجيا‪.‬‬ ‫وبينا قبل ذلك أن المعاني التي اكتشفناها في قيام الإنسان من حيث محددات كيانه‬ ‫ومحددات شروط بقائه ليست محاولات تفسيرها بنظرية التطور أكثر معقولية ومقبولية‬ ‫من تفسيره بصورة رمزية في الرؤية القرآنية لوجود مثل هذا الكائن اللغز الذي حاولنا‬ ‫شرح الملغز فيه‪ .‬وهو ما يعني أن ما رأيناه مما يبدو من عدم معقولية ومن ضرورة ما يشبه‬ ‫المعجزة لحصول هذا المسار العضواني والروحاني في آن يبدو في القصة الرمزية القرآنية‬ ‫أكثر معقولية ومقبولية رغم أنها لا تحل اللغز حلا يمكن اعتباره كافيا لإزالة اللغز والشك‬ ‫في وجاهة حله مثلها مثل نظرية التطور‪.‬‬ ‫فالقصة القرآنية تقول إن الأصل هو نفس واحدة (النساء ‪ .)1‬وليست النفس هنا بمعنى‬ ‫النفس المقابلة للبدن بل بمعنى الذات كما في \"لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة\" أو ذواتكم‬ ‫التي تتألف من بدن ظاهر وروح باطن في آن خلق منها زوجها ثم بث منهما رجال كثير‬ ‫ونساء‪.‬‬ ‫وهذا النص ينفي خرافة المفسرين التي تعتبر المرأة كائنا خلق بعد الرجل ومن ضلع‬ ‫أعوج منه وهو من الاسرائيليات‪ .‬لكن القرآن يعكس فيجعل الجنس الانثوي متقدما على‬ ‫الجنس الذكري الذي اشتق منه‪ .‬ففيه يعتبر خلق من المرأة ثم تغشاها فحملت منه وتتوالى‬ ‫منهما الأجيال من الرجال والنساء (الأعراف ‪ 189‬والنساء ‪ .)1‬وخلق زوج النفس الواحدة‬ ‫الذي تغشاها فحملت منه هو الذي يرمز إليه خلق آدم في القرآن خلقا يعيد ما ينبغي أن‬ ‫يكون قد حصل للنفس الواحدة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪39‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولكن هذه المرة في مرحلة ثانية من استكمال الخلق ما يعني أن النفس الواحدة هي حواء‬ ‫وأن زوجها هو آدم فتكون حواء هي أمه وزوجته في آن ومنهما تكون الأجيال بعد الخروج‬ ‫من الجنة أي بعد أن اصبحا قادرين على الاعتماد على نفسيهما لتحقيق شروط بقائهما‬ ‫بالتعامل مع الطبيعة ومع ما يضيفانه إليها أي التاريخ‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن النفس الواحدة هي حواء وأن الزوج الذي خلق منها وتزوجها هو آدم‪.‬‬ ‫ولذلك فهو الذي يحدد الجنين ذكرا كان أو انثى وحواء هي التي تمثل محل تخلقهما ولذلك‬ ‫سميت بمشتق من جذر هو الحياة‪ .‬فالبويضة هي الشرط الضروري لتخلق الحياة الإنسانية‬ ‫العضوية والروحية‪ .‬والمرأة هي شرط بقاء الجنين حتى لو أمكن بالتقدم التقني تعويضها‬ ‫في بعض الوظائف التي تحاكي ما يفرزه كيانها‪.‬‬ ‫والكلام على آدم دون حواء في عملية الخلق علته أن آدم هو الذي ما خلق من النفس‬ ‫الواحدة التي لم تكن بحاجة للإستكمال لأنها الأصل التام والرجل هو الفرع المحتاج‬ ‫للاستكمال‪ .‬وهو المحدد للفرق بين الجنسين بخلاف حواء التي هي النفس الواحدة التي‬ ‫وتقبل الجنسين ولا تتضمن التمييز بينهما‪ .‬ولا بد هنا من نحل لغز اللقاح الذي أنتج آدم‬ ‫ومثله عيسى بنص القرآن من دون أب‪ .‬واعتقد أن من له دراية بالزراعة والتلقيح بنقل‬ ‫الرياح للغبرة الملقحة وتذكير التين وتأبير النخل يعلم أن ذلك ممكن وهو ما يرمز إليه‬ ‫النفخ في فرج مريم ومثله في فرج حواء او النفس الواحدة‪ .‬وكيفما كان الأمر فإن البداية‬ ‫بالواحد أيسر من البداية بالاثنين لأن استمداد الثاني من الأول يمكن أن يكون ممكنا إذا‬ ‫جمعنا بين الجنسين كما يحدث في الزراعة‪.‬‬ ‫والمعلوم أن آدم ينتج نوعين من الحيوانات المنوية التي تخصب البيضة بما بالعامل‬ ‫الذكري للذكور التي تخصب البيضة بالعامل الأنثوي وأن عاملين يخصانه يتدخلان في‬ ‫حصول أحد التخصيبين هو مدة حياة الحيوان المنوي وسرعته في الوصول إلى البويضة‬ ‫والولوج فيها وعاملين يخصان البيئة التي يتحرك فيها خلال هذه الحركة والتي تحدد طول‬ ‫المسافة التي يقطعها والحموضة التي فيها‪ .‬وفي الحقيقة فإن الامر كله تناسب كمي وكيفي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪40‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في مكان (عضو المرأة التناسلي) التخاصب والتفاعل وزمانهما (العلاقة الزمانية بين مدة‬ ‫حياة الحيوان وزمن البيض) بين هذه العوامل الأربعة في تحقق عملية التخصيب‪ .‬ولذلك‬ ‫فتنظيم هذه العوامل لتحقيق التناسب المناسب يمكن من التحكم فيه فيكون من أدوات‬ ‫التأثير على اختيار جنس الجنين‪.‬‬ ‫أما حواء فتنتج نوعا واحدا من البويضات يصلح لأن يكون أصلا للجنسين دون تمييز بين‬ ‫الذكر والانثى إلا بفضل ما أسلفت من التناسب في لقائها بالحيوان المنوي الذكري أو‬ ‫الأنيوي‪ .‬وهي إذن عين النفس الواحدة بخلاف آدم فهو الذكر الذي اشتق منها فكان بنحو‬ ‫ما ابنها وزوجها ومنهما يبث رجال كثير ونساء (النساء ‪ 1‬والاعراف ‪ .)189‬ولست غافلا‬ ‫على كون هذه الرؤية تنافي القول بالمحارم‪ .‬لكن لا يمكن فهم القصة القرآنية من دون‬ ‫اعتبار هذا القول متأخرا بعد أن تكونت النواة الاولى من الاسرة وتعددت أفرادها من‬ ‫لجنسين وهذا يعني أن الاخ كان يتزوج اخته ثم ابن الاخ بنت الأخت او العكس حتى‬ ‫تباعدت العلاقة فوضع تحريم المحارم حتى تتوسع علاقة الاسر بعضها بالبعض وتيسيرا‬ ‫للتزاوج الخارجي‪.‬‬ ‫ولو كان الأمر يسير الفهم وقابلا للرد للمعتاد من العملية الجنسية العادية لما كان الأمر‬ ‫متعلقا بلغز يحتاج إلى ما يبدو معجزة سواء قلنا بالتطور المزعوم علميا أو بالقصة الرمزية‬ ‫المزعومة خرافية‪ .‬فيكون كل ما قيل عن آدم قد حصل مرتين واحدة للنفس الواحدة التي‬ ‫خلق منها والثانية للزوج الذي خلق منها وجمع فيه ما قيل فيهما تخليصا لمراحل خلق الإنسان‬ ‫واعداده وتجهيزه لمهمتي الاستعمار في الأرص والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫ومن ثم فما يقال عن خلق آدم زوج النفس الواحدة التي اشتق منها يتضمن ما حصل‬ ‫للنفس الواحدة ولم يذكر في الكلام عليها وهو ما جعلها تكون بداية حياة البشر الواحدة‬ ‫والتي خلق منها آدم‪ .‬أي إنها هي التي صنعت من تراب ثم نفخ فيها ومنها اخرج الزوج‬ ‫حاصلا عما تحقق فيها ثم استكمل خلقه بما لم يكن حاصلا عليه منها بمجرد اشتقاقه من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪41‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫حواء التي خلقت كاملة ولم تكن بحاجة لاستكمال خلقها فيه أعني هذه القدرة التي تمكن‬ ‫من التمييز بين الجنسين‪.‬‬ ‫ولو لم يكن قد نفخ فيها من روح الله لتنجبه لكانت بحاجة مثل آدم حتى يصبح قادرا‬ ‫على لإنجاب لما يصبح زوجها فنفخ فيه نفخا يضيف ما ليس فيها أعني التمييز بين الذكر‬ ‫والأنثى فتكون غنية عن هذه الإضافة وخلقت كاملة لا تحتاج إلى النفخة الثانية‪ .‬وكان‬ ‫يمكن أن يكتفى بالنفخ في حواء التي اشتق منها لو كان النفخ فيها متضمنا للقدرة على‬ ‫الجنسين‪ .‬لكنها لا تنتج إلا بويضات هي القاعدة المشتركة بين الجنسين‪.‬‬ ‫وخلق عيسى عليه السلام بالنفخ في فرج مريم رمز للتذكير بالنفخ في النفس الواحدة‬ ‫لأن القرآن يقيس معجزته على معجزة خلق آدم من النفس الواحدة أي بالنفخ في حواء ما‬ ‫يعني أن النفخ في مريم لإنتاج عيسى والنفخ في النفس الواحدة لإنتاج آدم فيه قيس لمريم‬ ‫على حواء وقيس لعيسى على آدم وقيس لعملية الفصل بين الزوجين في أصل واحد قصة‬ ‫رمزية تفسر إمكانية الانتقال من الوحدة إلى الزوجية بتطور في العضوي صادر عن فعل‬ ‫يبقى من الألغاز‪.‬‬ ‫والتكرار رمزي في خلق عيسى من خلق دون أب لما حصل في خلق آدم من دون أب هدفه‬ ‫التذكير بالمعجزة التي بدأت بها حياة الإنسانية والتمييز بين النفختين المنتجة للأصل الحياة‬ ‫ولأصل التجنيس فيها‪ .‬والغريب أن النفخة في فرج مريم اقتضت الإشارة إلى هذه النقلة‬ ‫التي بقيت طبيتها من الغيب والإلغاز تمثل النافخ لمريم في شكل بشري بالمعنى الطبيعي ما‬ ‫يفيد أن القصد هو الوصل بين النوعين من التخصيب الناقل من الوحدة إلى الزوجية من‬ ‫دون أب وبأب‪.‬‬ ‫والقصة ليست أكثر غرابة من قصة التطور بل هي تبدو أكثر معقولية ومقبولية إذا‬ ‫اخذت باعتبارها رمزا لأمر غيبي يعلل البداية التي ليس لنا عنه أدنى معرفة تقبل الوصف‬ ‫بالعلمية عدى كون المادة التي لم يكن فيها حياة حصلت لها صدفة التحول إلى حياة لما‬ ‫توفرت لها الظروف البيئية والمناخية‪ .‬لكن هذا التوفر هو بدوره لا تفسير له‪ .‬وهكذا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪42‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فالتفسير المادي يتوهم أصحابه أن تأخير المشكل وتطويل الزمان الموصل إلى لحظة تحقق‬ ‫الظرف المناسب يكفي للسكوت عن ذلك كله‪.‬‬ ‫في الحقيقة كلا الحلين المزعوم علميا والمزعوم دينيا كلاهما غريب وعسير التصديق على‬ ‫عقل الإنسان إذا قاس بداية خلق الحياة عامة وحياة الإنسان خاصة على ما يجري حاليا‪.‬‬ ‫وكل البدايات هي من هذا الجنس سواء البدايات المطلقة أو البدايات في النقل الكيفية‪.‬‬ ‫فلا شيء يمكن أن يفسر الانتقال من العدم إلى الوجود ولا شيء يمكن أن يفسر التغير‬ ‫الكيفي في أي شيء‪ .‬ذلك أنه إذا كل شيء ينبغي أن يكون موجودا في ما تقدم عليه لتفسير‬ ‫ظهوره فمعنى ذلك أنه لا شيء يتغير عدى الظهور بمعنى عدى ما يظهر لنا لكن الأشياء‬ ‫في ذاتها هي كما هي دائما وهو إلغاء للمشكل من أصله‪.‬‬ ‫ومن ثم فالقصتان لا تختلفان من حيث التفاوت في قابلية التصديق بذاتهما بل هما تنتجان‬ ‫عن موقفين أحدهما يزعم أصحابه العملية ويريدون تفسيرا ماديا خالصا ويجعل التغير‬ ‫الكيفي بالتراكم الكمي مع توهم إطالة المدة كافيا للوصل بين حالة سابقة وحالة لاحقة‬ ‫لقطع ما بينهما من مسافة فارقة مع التسليم بالطفرة لأن المسافة مهما كانت صغيرة قابلة‬ ‫للقسمة اللامتناهية‪ .‬والثاني يزعم اصحابه الدينية ويريدون تفسيرا روحيا خالصا ويجعل‬ ‫التغير الكيفي من الغيب دون حاجة لمهرب الإطالة الزمانية لتعليل التغير الكيفي الثابت‬ ‫في كل جنس وأنواعه على حدة دون نفي قابلة التفاعل بين الأنواع من أجناس مختلفة في‬ ‫النبات وفي الحيوان مع حدود تثبتها التجربة كما يحصل في التهجين العقيم كما في حالة‬ ‫البغال‪.‬‬ ‫والطفرات في التفسير المادي معجزات مجهولة الحقيقة وهي جوهر الفروق في كل‬ ‫الكائنات الطبيعية حية كانت أو جامدة ومن ثم ففي النهاية لا يمكننا أن نتجاوز القبول‬ ‫بالواقعات ومحاولة تفسيرها‪ .‬ولما كان يستحيل أثبات ما يصل بين حالتين من دون قطع‬ ‫اللامتناهي الفاصل بينهما فإنه لا فرق بين الروايتين التي تزعم علمية والتي تزعم دينية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪43‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كلتاهما ظنية وهي من باب الاحتمال والخيار هو بين الإيمان الديني والإيمان العلمي وليس‬ ‫بين الحقيقة والباطل‪.‬‬ ‫والآن أعود إلى ما توقفت عنده في تعريف الإنسان غاية لفهم اللغز من المنظور القرآني‬ ‫الذي استمد منه ابن خلدون تعريف الإنسان‪ .‬فتعريفه بالرئاسة بالطبع وبمقتضى‬ ‫الاستخلاف هو جوهر القصة الرمزية حول استعماره في العالم من دون قيم الاستخلاف‪:‬‬ ‫‪-1‬فيكون المعنى الأول وهو الرئاسة بالطبع التي هي ما وصفت الملائكة أي الإنسان الذي‬ ‫يفسد في الأرض ويسفك الدماء ولا يزال الإنسان فيه هذين الجريمتين إفسادا وسفكا‬ ‫للدماء بسبب الاستعمار من دون قيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫‪-2‬ويكون المعنى الثاني هو الرئاسة بمقتضى الاستخلاف فيكون للإنسان ما به يتميز عن‬ ‫غيره من الحيوانات‪ .‬فلا تكون رئاسته مقصورة على شرعية القوة بل على قوة الشرعية‪.‬‬ ‫فالتعريف الخلدوني يجعل ما به يكون الإنسان رئيسا بالطبع بحق علته اقتضاء‬ ‫الاستخلاف له الذي يضفي على الجهازين القابلين للاستعمال الطبيعي البحث ما يجعلهما‬ ‫قابلين لتجاوزه إلى الخلقي المتعالي على الطبيعي فيجتمع المعرفي مع القيمي لئلا يبقى مجرد‬ ‫أداة بمعزل عن الغاية الخلقية‪ .‬ومن ثم فما يسمى العولمة الاستعمارية الخالية من قيم‬ ‫الاستخلاف تلغي رئاسة الإنسان وتحوله إلى عبد لغير الله الذي استخلفه فيعبد العباد‬ ‫العباد بدل رب العباد لأنها تتنصل مما يقتضيها فتصبح العولمة تعميم للعبودية لغير الله أو‬ ‫للعبودية لأصحاب ربا الأموال (البنوك) وربا الأقوال (الاعلام والملاهي) وهو ما نراه‬ ‫اليوم بالعين المجردة‪ :‬فما يسمونه حرية إنسانية هو في الحقيقة عبودية مقنعة لهذين‬ ‫الربين الجديدين وغالبا ما يكون الثاني تابعا للأول‪.‬‬ ‫وطبيعي عندئذ أن يعتبر أصحابهما الإسلام عدوهما‪ .‬فما يسمى بالاسلاموفوبيا ليس‬ ‫ظاهرة معبرة عن احوال نفس اصحابها بل هي وعي حقيقي عندهم بأن ما يحرر الإنسانية‬ ‫من سلطانيهما بربا الأموال وربا الأقوال هو مهمة الإسلام وهو معنى كون امته شاهدة على‬ ‫العالمين‪ .‬ويترتب على كل ما قدمنا أمران‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪44‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬طبيعة نظام الحكمة وأسلوبه وقد شرحناه بتفسير الآية ‪ 38‬من الشورى‪ .‬فهو نظام‬ ‫جمهوري والمشاركة فيه فرض عين على الجميع لأن اسلوب الحكم ديموقراطي لا يقبل‬ ‫بالوساطة بين الله والإنسان ولا بالوصاية بين المؤمن وشأنه العام‪ .‬فـ\"أمر الجماعة\" تعني‬ ‫\"راس بوبليكيا\" وتلك هي طبيعة الحكم‪ .‬و\"شورى بينهم\" تعني ديموقراطية‪ .‬والتأسيس في‬ ‫مرجعية دينية هي الاستجابة إلى الرب بمعنى اعتراف الإنسان بما استمده ابن خلدون من‬ ‫مفهوم الإنسان القرآني \"رئيس بطبعه بمقتصى الاستخلاف الذي خلق له\" أي بأنه مستعمر‬ ‫في الأرض ومستخلف فيها يسوس عالمه الشاهد بمعايير سياسة الله للعام غيبه وشهادته‪.‬‬ ‫والغاية حل مشكل المشاكل أي الانفاق من الرزق وهو في آن مشكل الملكية ومشكل التوزيع‬ ‫العادل للثروة‪.‬‬ ‫‪-2‬جمع كل قضايا السياسة الإنسانية في ثورتين ما يحققها بالفعل وذلك هو مضمون سورة‬ ‫هود التي وصفها القرآن مع أخواتها بأنها قد شيبته لما في مضمونها من تحديد لماهم الترجمة‬ ‫السياسية للإسلام‪.‬‬ ‫*‪-‬ثورة نوح التي تعني تحرير الإنسان من استبداد الطبيعة كما يرمز إلى ذلك مفهوم‬ ‫أخذ الزوجين من كل شيء لجعل قيام الإنسان ثمرة لعمله وليس عيشا على ما تنتجه‬ ‫الطبيعة حتى وإن كانت التقنية (صنع السفينة) والزراعة تعتمد على قوانين الطبيعة‪.‬‬ ‫*‪-‬ثم ثورة موسى التي تعني تحرير الإنسان من استبداد الدولة كما يرمز إلى ذلك‬ ‫هجرة بني اسرائيل من دولة الفراعنة والانتقال من الديني الطبيعي إلى الدين المنزل‬ ‫الذي يحرر من المثال الدنيوي لسياسة الدنيا (نظام الفراعنة) إلى النظام الأخروي‬ ‫لسياستها (ألواح موسى)‪.‬‬ ‫*‪-‬وما بين الثورتين على استبداد الطبيعة وعلى استبداد الدولة نجد مشكل الثروة‬ ‫(هود) ومشكل الماء (صالح) ومشكل الجنس (لوط) ومشكل شروط التبادل العادل‬ ‫(شعيب)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪45‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫*‪-‬أما ابراهيم بين الثلاثة الاول والثلاثة الأواخر فهو رمز الأساس الذي يحرر‬ ‫الإنسانية من تعدد الآلهة وعبادة الافلاك التي كانت ترمز إلى أسمى ما في الطبيعة من‬ ‫نظام ليكون التوحيد أساس توحيد الإنسانية‪ .‬وذلك هو مشروع الإسلام الذي يرمز إليه‬ ‫عودة الرسول إلى ابراهيم مع نقل ثورته من مجرد كلام على الوحدانية إلى جعلها مشروعا‬ ‫لتوحيد الإنسانية بترجمة الدين إلى سياسة تحقق وحدة البشر مع المحافظة على التعدد‬ ‫في كل شيء بما في ذلك في الاديان لأن ذلك من آيات الله أولا ولأنه شرط الحرية الدينية‬ ‫(البقرة ‪ )256‬لأنه شرط التسابق في الخيرات عند البحث عن الحقيقة الدينية (المائدة‬ ‫‪.)48‬‬ ‫لكن ذلك كله يمكن اعتباره من جنس الاقتصادي الكلي بالمقارنة مع الاقتصاد الجزئي أو‬ ‫الماكرواكيمنومي بالقياس إلى الميكروايكونمي‪ .‬فما يجري من علاقة بين الذكورة والأنوثة‬ ‫في الجنسين وبينهما هو المحدد الأساسي في وجود الجماعات وكله يدور حول المائدة والسرير‬ ‫وحول فنيهما من حيث هما هما بالفعل أو من حيث بدائلهما في الرمزين الأكثر كلية في حياة‬ ‫البشر أعني رمز الفعل أو العملة وفعل الرمز أو الكلمة اللذين هما التعين الرمزي لما يسد‬ ‫حاجة المائدة والسرير وحاجة فينهما‪:‬‬ ‫‪-1‬فالانوثة سواء كانت عند النساء أو عند الرجال تقدم الرمزين على ما ترمزان إليه‬ ‫في العلاقة الزوجية لأنهما شرط تحقيق القدر الأوفى منهما إذ بهما يمكن لاحقا الحصول‬ ‫على المائدة والسرير وفنيهما بيسر‪ .‬لكنها تقدم المرموزين على الرمزين في العلاقة غير‬ ‫الزوجية حيث تطلبان لذاتهما وعلامتها القوة قوة الذكورة التي هي القوة الجنسية والعنف‬ ‫البدني بمعنى عنفوان البدن كما يبرز في العضلات وأهمها عضلة الجنس‪.‬‬ ‫‪-2‬الذكورة سواء كانت عند الرجال أو عند النساء يكون التقديم عندها عكس التقديم‬ ‫عند الانوثة لسبب بسيط هو كونها هي المطلوبة من الأنوثة لذاتها وفيها يكون الرمزان‬ ‫ثانويين‪ .‬ولهذه العلة فالذكورة ليس مطلوبة لذاتها في الزواج بل المطلوب فيه هو الرمزين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪46‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اللذين يمكنان من تحصيلها خارج الزواج أوالاكتفاء بهما بديلا منها إذا لم تتوفر فرصة‬ ‫تحصيلها خارجه بسبب التقاليد والعادات الخلقية في المجتمعات المحافظة‪.‬‬ ‫وبذلك يتبين أن الزواج مؤسسة اقتصادية بايولوجية وظيفتها المحافظة على النوع بتوفير‬ ‫الشرطين الضروريين والكافيين أعني المائدة والسرير في وظيفة المحافظة على النوع‪ .‬لكنها‬ ‫لا تسد حاجة فني المائدة والسرير عندما يصبح الغذاء والجنس للمتعة واللذة مطلوبين‬ ‫لذاتهما‪ .‬لكنهما في تلك الحالة يصبحان مهدمين للغاية الأولى‪ .‬ولذلك فثورة الإسلام تمثلت‬ ‫في محاولة الجمع بين الأمرين وهي طبعا مهمة شبه مستحيلة‪ .‬لكنه جعلها ممكنة بطريقتين‪:‬‬ ‫‪-1‬ضمان التعدد المتساوق للرجل والمتوالي للمرأة بتحليل الطلاق وذلك للحفاظ على‬ ‫وضوح العلاقة بالأبوة وعلاقة النسب وتمكين المرأة من حقها في المتعة إذا لم تتحقق لها في‬ ‫الزواج بالطلاق والزواج من غير الزوج السابق‪.‬‬ ‫‪-2‬اعتبار كل ألعاب فن السرير بين الزوجين من الحلال المتحرر مما يسمى الحياء في‬ ‫الدين بمعنى أن الحرية الجنسية في حدود العلاقة الشرعية تكاد تكون لا متناهية حتى‬ ‫صارت التربية الجنسية جزءا أساسيا من الفقه‪.‬‬ ‫وأخيرا فإن ابن خلدون قد خصص فصل الترف بوصفه السم القاتل للحضارات ووصله‬ ‫بالمائدة والسرير وفنيهما في علاقة بالرمزين رمز الفعل او العملة وفعل الرمز أو الكلمة في‬ ‫نهاية كل حضارة وصلت إلى مرحلة الترف تصديقا لقوله تعالى \"إذا أردنا أن نهلك قرية‬ ‫أمرنا مرفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا\" (الاسراء ‪.)16‬‬ ‫وقد سبق أن تكلمت على هذه المسائل في محاولات سابقة وقد أعود إليها لفهم ما أشار إليه‬ ‫ابن خلدون دون تحليل كاف في الباب الأول من المقدمة عندما سعى إلى فهم تأثير البيئية‬ ‫الطبيعية وما يستمده الإنسان منها لقيامه العضوي بالمائدة وفنها في صفات كيانه العضوي‬ ‫وانتقاله وراثيا بالسرير وفنه إلى شكله ومميزاته الجمالية البدنية وإلى كيانه الروحي‬ ‫ومميزاته الخلقية ثم العكس ما يصبح شبه تعامل مع المائدة وفنها والسرير وفنه لتقوية‬ ‫هذين التأثيرين البدني و الجمالي والروحي والخلقي ما قد يفسر ما يتميز به شعب عن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬