أبو يعرب المرزوقي re nils frahm الإنسان بمنظور القرآن أو \"الأنا\" لغز الوجود وقاعدة تأ ويله الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 7 - -الفصل الثالث 12 - -الفصل الرابع 19 - -الفصل الخامس 26 - -الفصل السادس 32 - -الفصل السابع 39 - 49
-- الإنسان لغز الألغاز .فهو أعسر الأشياء على الفهم وهو أحوج الأشياء إلى التأويل. فرؤية الإنسان لذاته رغم ذلك من أهم عوامل سلوكه .إنها ببعديها الذي يشهده منها والذي يشهد به ما يشهده من ذاته أعني ما يعتبره كيانه العضوي وما يعتبره كيانه الروحي ما يجعل الألغاز كله متصلا بهذه العلاقة. سأعالج هذه القضية الفلسفية بمنظور أعلم أن أشباه الفلاسفة لا يقبلون بها لأنهم يعتقدون أن الفلسفة تمثل العقل والدين يمثل الخيال .وهذا الموقف على ما يبدو عليه من بداهة من علامات الاحكام المسبقة التي تحول دون الفهم العميق للإشكالية. وإذن ففرضية العمل التي اعتمدها في هذه المحاولة هي التي تقول بوحدة المسارين الفلسفي والديني أو على الأقل بفعل الفلسفي في الديني والديني في الفلسفي ومن ثم بوحدة الأبعاد الأربعة في أصل واحد هو الفكر الإنساني الذي له أربع مسارات متكاملة هي: -1العلمي مصدرا للتفلسف بمعنى توحيد المعارف بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها. -2العملي مصدرا للتدين بمعنى توحيد المعاني بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها. -3أثر الأول في الثاني وهو محاولة جعله مادة للمعرفة العلمية. -4أثر الثاني في الأول وهو محاولة جعله مادة للمعنى الديني. -5والأصل هو الفكر الإنساني المراوح بين هذه الرؤى أو المواقف الأربعة دون أن يرد إليها لأنها الاصل والغاية في آن وهو عين اللغز الذي نطلب له فهما أو تأويلا لعله يساعد في فهم هذا المخمس الذي لا يمكن أن يكون فكر إنساني ليس خاضعا له أو تابعا له حتى وإن لم يعه. وسأبين أن محاولات فهم هذا اللغز مرت بمرحلتين أولاهما كانت بداية الفلسفة في قطع مع الديني الدين الطبيعي في ملتقى الشرق والغرب أي في ما بين ضفتي المتوسط الشرقيتين أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- أي في محاولة أفلاطون وأرسطو ونهاية الفلسفة في ملتقى الشرق والغرب أي في محاولة العودة إليهما عند هيجل وماركس. فالمعلوم أن كنط استأنف الإشارة إلى لغزية الإنسان لما نفى أن يكون له حدس لأناه فأنهى ما تقدم عليه من اطمئنان للحلين الأفلاطوني والأرسطي ومحاولة تجاوزها الديكارتي بالمثنوية دون كلام على الأنا الذي ظل مناط البحث عن الوجود عنده ومنطلق اثباته الكلام على مثنوية بين جهاز آلي مطلق هو البدن وروح مجهولة الطبيعة قد يكون ضمير كلامه يوحد بينها وبين الأنا الذي هو موضوع الكوجيتو فتكلم على علاقة بينهما غريبة التأسيس وفيها بنحو ما توفيق بين أفلاطون وأرسطو والكاثوليكية ذات الميل الصوفي في الرؤية الجنسينية. لكن ما تلا الاستئناف الكنطي الذي أنهى علم النفس الفلسفي وعلم الذات الإنسانية الذي ترتب عليها واكتفى بالفرضيات الثلاث والتي لا تفهم من دون إضافة فرضيتين اخريين مضمرتين في الثلاثة فتكون خمسا في الحقيقة. فحرية الإنسان وخلود النفس ووجود الله كلها فاقدة لمعناها من دون أن يكون ضمير ذلك أن وجود الإنسان في عالم الشهادة يتضمن علاقة مباشرة تتجاوزه وتضع وجود عالم الغيب هو ما قابل به عالم الظاهرات وأن الإنسان يبعث ليعيش مفهوم الخلود في عالم الحقائق التي تتجاوز الظاهرات فيكون عالم الشهادة مقصورا على الظاهرات التي تحيل على عالم الحقائق الذي هو من مجال الإيمان والعقد وليس من مجال النظر. والنتيجة هي أن الضميرين يفيدان أن ما هو موضوع على وجه الفرض فلسفيا شرطه ما هو موضوع على وجه العقد دينيا أعني العلاقة بعالم الغيب وبالبعث فتنعكس العلاقة بين المفروضات الثلاثة والعلة الملازمة لكيان الإنسان الذي يشهد به ما يشهده من ذاته دون أن يشهده وهو معنى عدم وجود حدس للأنا الذي هو هذه العلاقة بين الشهادة والغيب في كيان الإنسان. أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- لكن هيجل نكص بالفلسفة وبالدين إلى ما حاول كنط إخراجهما منه .فعاد إلى ما يشبه الحل الأفلاطوني فلسفيا مع \"أرسطته\" دينيا .وتبعه ما ركس الذي \"أرسطه\" فلسفيا و \"أفلطه\" دينيا .فلأشرح هذه العملية التي لا يمكن تجاوز مآزق الفكر ما بعد الحديث الذي بدأ مع هيجل وماركس من دون بيان هذه العلاقة بالفكر ما قبل الحديث. والقصد بالفكر ما قبل الحديث ما قبل الحل الديكارتي المبني على مثنوية البدن والروح و ما قبل تعميمه في الفلسفة على الوجود كله أعني مفهوم الامتداد المادي (خاصية البدن) ومفهوم اللاامتداد الفكري (خاصية الروح) صفتين معلومتين من الجوهر لامتناهي الصفات والأحوال كما في نظرية وحدة الوجود الطبعانية عند سبينوزا مثلا. فلأشرح ردي الحل الهيجلي إلى الحل الأفلاطوني فلسفيا وإلى الحل الديني أرسطيا وهما معنيان يبدوان غير قابلين للفهم .فالرد الهيجلي المضاعف أنتج أرسطية مقلوبة .ذلك أن الإلهي لم يبق محركا أولا لا يتحرك بل هو صار محايثا للحركة الوجودية في الطبيعة وفي التاريخ يسعى في حركته للتحقق في الطبيعي والتاريخي واليس الطبيعي والتاريخي هما اللذان يتحركان بالاشرئباب إليه ومحاكته للانتقال من القوة إلى الفعل. فحلول الروح في البدن الذي هو لغز أفلاطون والذي حله أرسطو بالتخلي عن مفهوم المثال المفارق مكتفيا بالصورة المحايثة والمثال الاعلى الوحيد الذي تحاكيه العقول المحركة للأفلاك التي تحقق بحركتها ما بشبه فعل الإنضاج للحركة في الطبيعة المتغيرة ومنها التاريخ صار عند هيجل حلول الرب في الإنسان أو في المسيح والمصالحة مع العالم وهو إذن تحييث مثال الإنسان الأعلى في الإنسان وفي التاريخ وفي الطبيعة بالتالي. والرمز هو المسيح الذي يحقق المصالحة بين الله والعالم في كيان الإنسان وفي الوجود ككل. وبذلك ففلسفة الوجود ترد إلى فلسفة الدين التي يتأسس عليها فلسفة التاريخ ففلسفة الطبيعة .فمفهوم المصالحة بين الإلهي والطبيعي بتوسط الإنساني مرموزا إليه بالمسيح هو الذي يؤسس فلسفة الروح الذي هو عقل بالمعنى اليوناني وروح بالمعنى المسيحي والذي هو مصالحة بين الربوبي والإنساني وبين العالمين أي الروحي والطبيعي فلم يبق للغيب والماوراء أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- وجود وانتهى الفصل الكنطي بين الظاهر والباطن والمثالي حالا في الممثولي وصار الغيب الكنطي حالا في الشهادة والباطن في الظاهر .ومن هنا نفي هيجل لوجود ما وراء العالم الطبيعي والعالم التاريخي وما بعد طبيعي وما بعد تاريخي. عاد هيجل بالإنسان إلى سجنه في عالم الشهادة الطبيعي والتاريخي اللذين ليس لهما ما وراء وليس فهما غيب بل أصبحا شفافين للعقل الإنساني الذي يسمي حصيلته العلم المطلق والعودة إلى المطابقة بين النظر والعمل وبين الموجود والمنشود وبين العقل والواقع. ومن ثم فالفلسفة والدين يصبحان وجهين لعملة واحدة إذ هو قد حيث كل المعاني الدينية في المعاني الفلسفية وأصبح تاريخ الإنسان من جنس التاريخ الطبيعي للعضوي والروحي في آن .وهذا هو الحل الذي يدعي ماركس قلبه ليجعله يمشي على رجليه بدلا من المشي على رأسه .فهو ينطلق من رؤية أرسطية ليـ\"أفلطها\" أفلطة مقلوبة كما فعل هجل الذي أرسطها أرسطة مقلوبة .فالنفس عند ماركس هي صورة البدن .لكنها مشرئبة إلى كمال ليس حاصلا فيها بل هو ما تنشده في تاريخها بقلب العلاقة الأفلاطونية بين المثال والممثول بمعنى أن الممثول هو الذي يشرئب لصورته التي تتحقق خلال التاريخ فيصبح ما كان نازلا من الكمال إلى النقص في فلسفة أفلاطون صاعدا من النقص إلى الكمال وهو معنى الأفلطة المقلوبة. وينتج من ثم: -1أن فلسفة هيجل تمسيح موجب للحلين الأفلاطوني والأرسطي للخروج من المأزق الكنطي ولرفض الحل الديكارتي. -2وأن فلسفة ماركس تمسيح سالب لنفس الحلين ولنفس الغرض. أي إن الفلسفة بوجهيها الهيجلي والماركسي توحيد بين الفلسفي والديني: -1والتوحيد الهيجلي إيجابي وهو فلسفي في ظاهره وشكله وديني في باطنه ومضمونه. وهو توحيد إيجابي بمعنى أنه يثبت وحدة الباطن والمضمون واختلاف الظاهر والشكل. أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- -2لكن التوحيد الماركسي سلبي بمعنى أنه يدعي نفي المضمون والباطن الديني ويكتفي بالظاهر والشكل دون قدرة على تفسير المحافظة على ما لا يفهم من غايات ثورته وقيمها التي هي دينية بالجوهر حتى لو جعلها دنيوية خالصة. والعلة في التوحيدين واحدة وهي التوحيد بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب. وكلاهما ينفي وجود الغيب .لكن هيجل ينفيه بسبب محايثته بعد المصالحة وماركس ينفيه نفيا يحول دون وتعليل ما يعلله هيجل بمحايثة الإلهي بعد المصالحة .لكن الموقفين ينتجان عن وهمين: -1القول بالمطابقة في نظرية المعرفة ونفي الغيب في ذاته وفي الوجود فيتصور علمه بذاته وبالطبيعة علما محيطا بهما. -2القول بالمطابقة في نظرية القيمية ونفي الغيب في ذاته وفي المنشود فيتصور عمله بذاته وبالتاريخ عملا مستوفيا لهما. وبذلك فكل الفلسفة بعدهما ليست إلا علم كلام دنيوي وضع الإنسان فيه في منزلة الرب. ولنا على ذلك دليلان قابلان للملاحظة اليسيرة إذ هما يتبينان بتجربة بسيطة: -1نأخذ علم الكلام الوسيط ونضع الإنسان محل الرب وسنجد نفس الخطاب الذي نسمعه في الفلسفة ما بعد الحديثة حول الصفات والذات والافعال وكلها تدور حول كائن مجرد لا نعلمه بل نعتقده علة للخلق والأمر. -2نأخد الفلسفة ما بعد الحديثة ونضع الرب محل الإنسان وسنجد نفس الخطاب الذي نسمعه في علم الكلام الوسيط حول ما نقوله عن الإنسان فاعلا ومقوما وكلاهما يدور حول كائن مجرد لا نعلمه ونعتقده علة للخلق والأمر. وما يسمى بما بعد الحداثة التي هي غاية ما بعد الفلسفة الحديثة التي أسسها هيجل وماركس والتي مهدت لما بعد الحداثة بعد أن أدت إلى موت الإنسان بعد موت الله ليست إلا هذه الغاية .فكل الموجود والمنشود لم يبق إلا سرديات ليس وراءها غيرها بحيث إن السرد والمسرود كلاهما من الثقافات بما في ذلك سرديات الإنسان حول ذاته وحول العالمين أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- الطبيعي والتاريخي .فيكون الأمر وكأن الإنسان صار شرنقة لا تستطيع أن تخرج من نسيجها الدائم التي تسجن نفسها فيه. ومعنى ذلك أن تحييث الماورائيين أو المابعدين في الماأمامين أو الماقبلين انتهى إلى نفي الما أمامين ذاتيهما مثل الماورائين ولم يبقى إلى ترائي الإنسان الجاهل بنفسه والذي لا لا يتجاوز وجوده ومنشوده صورته عن نفسه في سردياته التي لا يتوقف عن نسجها .ويمكن اعتبار نيتشه أفضل من عبر عن ذلك في نظرية الإنسان الأعلى من حيث هو الفنان المبدع بـ\"كن\" الفنية إيجادا وأمرا أي فعلي ما كان علم الكلام ينسبه إلى الله وما يقول به القرآن في وصفه بكونه صاحب الخلق والأمر بكملة \"كن\". وسأحاول في الفصول الموالية وضع فرضية تخرجنا من الاشكالية كما صيغت في بداية القطع بين المثيولوجيا الربوبية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام ثيولوجي متعدد) عند اليونان لتأسيس الفلسفة (أفلاطون وأرسطو) وبداية عودتها إلى الميثولوجيا الإنسوية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام انثروبولوجي متعدد) عند الغرب ما بعد الحديث (هيجل وماركس). والغاية هي تأسيس رؤية تمكن من فهم نظرية الإنسان القرآنية والتي هي متلازمة مع نظرية الله في علاقة الاستخلاف التي تجعل الإنسان شبه قاعدة تأويل لمفهوم الله من حيث علاقة بين حريتين خالقة وآمرة لسياسة عالم الغيب الشامل لعالم الشهادة ومخلوقة ومأمورة لسياسة عالم الشهادة المشمول بسياسة عالم الغيب. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- لما عرف ابن خلدون الإنسان بالقول \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" (المقدمة الباب الثاني الفصل )24ترجم بلسان فلسفي وقرآني في آن الانثروبولوجيا القرآنية تعريفا لا يمكن تصوره لو بقي فكره حبيس الفلسفة اليونانية مثل المتقدمين عليه من فلاسفة الإسلام. -1فـ\"بطبعه\" لسان فلسفي. -2و\"بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" لسان قرآني. -3ورئاسة عند ابن خلدون تقابل سيادة. -4فالسيادة عنده هي علاقة بالعبودية لغير الله وهي موقف الخائف من قوة السيد. -5أما الرئاسة فهي منزلة وجودية للإنسان من حيث هو إنسان لا يعبد غير ربه الذي استعمره في الأرض وتلك علاقته بالطبيعة مصدر قيامه بمنطق النظر والعقد علاجا لعلاقته بالضرورة الشرطية أو الخلق واستخلفه فيها في علاقة بالتاريخ مصدر نظامه بمنطق العمل والشرع علاجا لعلاقته بالحرية الشرطية أو الأمر. وإذن فهذا التعريف ينقلنا من تقديم دور العقل والمعرفة تحديد للرؤية الفلسفة اليونانية إلى تقديم دور الإرادة والقيمة في رؤية للوجود يمكن وصفها بالفلسفة القرآنية. والرؤية الأولى حالت دون علوم الملة دون فهم الرؤية الثانية فانحرفت عنها .لم تر أنها رؤية مختلفة تماما عن الرؤية التي انبنت عليها الفلسفة القديمة والوسيطة. وعادت إليها الفلسفة الغربية بعد الشروع في النهضة في محاولات الحسم مع الرؤية الإسلامية والسعي إلى التحرر من هيمنتها .وقد بدت لهم رؤية غريبة رغم أنها لم تكن شديدة الوضوح في علوم الملة وخطابها الفلسفي والكلامي لكنهم رأوها في نصها وفي سلوك المسلمين حيث كان الدين الإسلامي نصا والمسلمين سلوكا يبدوان للمتكلمين الغربيين في بداية النهضة الاوروبية وكأنهما عبارة عن دين طبيعي وليس دينا منزلا بمعيار المسيحية: أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- -1في الفكر الإصلاحي بداية من الشروع في التخلص من تأثير الفلسفية القديمة -2ثم في بداية الفلسفة الحديثة (بدأت بديكارت إلى بداية ثورة كنط) -3وما بعد الحديثة (بدأت بهيجل إلى ثورة نيتشة). -4وما بعد الحداثة (بدأت بنيتشة وما تزال جارية إلى الآن). -5لكن الجديد هو أن العودة إلى أزمة الغرب التي نتجت عن الصدمة الأولى برؤية الإسلام عادت من جديد .وتلك هي خاصية الظرفية التاريخية الكونية الحالية التي يوجد أمامها الفكر الإنساني كله حتى وإن بدا الأمر وكأنه موقف إيديولوجي يوصف بالإسلاموفوبيا. لكنه في الحقيقة \"أنطوفوبيا\" تعبر عن خوف وجودي عميق رمزه الأبرز هو سلطان اللامعنى والحيرة القيمية اللذين لن يسدهما غير رؤية الإسلام كونيا جمعا بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها منزلة وجودية للإنسان من حيث هو ذا وجودين دنيوي وأخروي لا يمكم الفصل بينهما لحضور الثاني في الأول حضور المثال الاعلى وحضور الاول في الثاني حضور الممثول الذي يدرك تعيير اجتهاده وجهاده بمعيار انشداد الوجود الدنيوي إلى المنشود الأخروي. وهذه الرؤية لا تقول بأن الإنسان في علاقته بالعالم يسلك باعتباره ذاتا عارفة ومقومة لوجود خارجي طبيعي وتاريخي بقدرة عقلية \"موضوعية\" تقول بنظرية في المعرفة وفي القيمة أساسها وهم المطابقة بين الموجود والإدراك في المعرفة وبين المنشود والإرادة في القيمة. إن رؤية الإنسان الجديدة التي يتميز بها القرآن والتي حالت الفلسفة اليونانية دون فهمها تجعله ذا إرادة حرة تسعى لتحقيق منزلة وجودية تجدها في كيانه نفسه هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم \"الحرية الشرطية\" أو الإرادة التي تنزع إلى تحقيق شروط القدرة أي إن الحرية الشرطية توجد في ظرفية ليست هي التي صنعتها لكنها قادرة للتعامل معها وتأويلها. أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- فتكون المعرفة والقيمة أداتين تصلان بين الإرادة والقدرة تعبيرا عن ذوق وجودي بعبارة جمالية وجلالية هي التي تنتج رؤية للوجود مختلفة تماما عما كان سائدا في الفلسفة اليونانية والدين المسيحي المسيطر على الفكر في الشرق الاوسط قلب المعمورة عندما نزل القرآن الكريم الذي كان سياسيا ثورة على الامبراطوريتين اللتين كانتا مسيطرتين على قلب العالم ومثلا بداية الفتح الإسلامي لتأسيس الدولة الكونية التي تتأسس على مبدأين: -1الاخوة الإنسانية :النساء 1للتحرر من صراع الأعراق والثقافات والاديان وهو ما جعلها تركز على الرحم الكوني والربوبية. -2المساواة بين البشر :الحجرات 13للتحرر من المفاضلة بغير التقوى والسعي إلى التعارف معرفة ومعروفا. ولا يمكن أن تؤولها ما لم تعتبرها ضرورة شرطية ناتجة عن حرية مطلقة جعلتها تكون كما هي بأن خلقتها وأمرتها .فيكون شرط الحرية الشرطية الإنسانية التعامل معها بما تضعه وراءها من شروط ضرورتها وهو معنى المعرفة والقيمة .فيكون منطلق تحقيق شروط القدرة التي تشترطها الإرادة هو عين عملية التعمير والاستخلاف. فالبحث في ما وراء هذه الوضعية من طلب شروط كونها على ما هي عليه أساس الشروع في المعرفة والتقييم لشروط قيام الإنسان وبقائه .وكل تاريخ الفكر الإنساني الديني والفلسفي مداره رؤى الإنسان لذاته ومنزلته في الوجود الذي يؤول على أنه قابل للتفسير إما بما في الإنسان من مادي أو بما فيه مما يعتبر لاماديا. فتكون هذه المقابلة هي الثابت في هذين الفكرين رغم أن الإسلام في تصويره الرمزي لكيان الإنسان ولكيان العالم يرفض هذه المقابلة لكونه يرد يتكلم على الخلق والأمر مقومين للوجود ولا يتكلم على مادي لا مادي .وسأخصص هذه المحاولة بكل فصولها إلى علاقة ما يسمى بالروح والبدن بصوفهما لغز كيان الإنسان الذي اريد تقديم محاولة لتأويل رؤية القرآن له تحديدا لمنزلة الإنسان الوجودية أو الانثروبولوجيا القرآنية. أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- ولن أتكلم على فلاسفة الإسلام لأنهم اكتفوا بالرؤية اليونانية أي الافلاطونية والأرسطية ولم يحاولوا إدراك ما تتميز به الرؤية القرآنية في علاج هذه الإشكالية خاصة والتصوف المتأثر إما برؤية مسيحية أو برؤية براهمانية حال دونهم وفهم منزلة البدن مما جعلهم ينكرون البعث البدني في شبه قول بالفتوة الإبليسية .لذلك فسأكتفي بالفلسفة الغربية الحديثة واليونانية القديمة والوسيطة. والمعلوم أن رد الفكر الصوفي إلى تأثير المسيحية يمثل مدرسة تقابلها مدرسة ثانية رد فيها ماكس هرتون على ماسينون في تفسير تصور الحلاج .وقد ترجمت نص هرتون ونشر سابقا في مجلة الحياة الثقافية التونسية ثم نشر في موقع حكمة السعودي وهو نص أساسي في فهم تنافس الرؤيتين المسيحية والبراهمانية على الرؤية الصوفية. لكن الرؤية الصوفية لها علاقة أخرى أعمق من تمثيل هذين الفكرين اللذين اخترقا التصوف اختراق الفلسفة اليونانية للفكر النظري الكلامي والفلسفي والفقهي أعني البعد الواصل بين الديني والسياسي والذي كان فيه لابن خلدون موقف يميز بين المجاهدات المشروعة والمجاهدة المحظورة دينيا وفلسفيا: -1فالتصوف المتأخر القائل بوحدة الوجود بأصنافها الثلاثة التي ميزها ابن خلدون وخاصة تصوف الوحدة المطلقة متأثر بالباطنية .وقد وصله ابن خلدون بما بين التشيع والتصوف من تماثل في تاليه الإنسان سواء كان ممثلا للإمامة السياسية أو للقطبية المعرفية. وهو أشار إلى ذلك وأشار خاصة إلى التلاحم بين الفلسفي والصوفي في الباطنية وضرب مثال ما قاله ابن سينا في الإشارات من ضرورة وجود القطبية الإمامية حتى يتأسس التشريع والدولة. -2يختلف تماما عن المجاهدتين المشروعتين أعني مجاهدة التقوى ومجاهدة الاستقامة اللتين هما في الحقيقة جوهر الزهد ولا علاقة لهما بالتصوف الذي يدعي الرياضة من اجل الكشف المزعوم أي ما يعود إلى رؤيتي الفلسفة في المطابقة المعرفية والقيمية ولكن عن طريق الوجدان القلبي وليس عن طريق البرهان العقلي. أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- وفي كل هذه الحالات يبقى المشكل اللغز الإنساني وعلاقته بالربوبية فوقه وبالعالم دون لكأن العالم صار ما يرمز إليه مفهوم الخلق من تراب والربوبية مفهوم النفخ الإلهي والفصل بينهما يؤدي إلى رؤية تنتهي إلى تأليه بعض البشر المصطفين واعتبار البقية \"أنعاما\" هم رعاتهم .وهو موقف يتنافى تماما مع الرؤية التي تستنج من تعريف ابن خلدون للإنسان ترجمة للأنثروبولوجيا القرآني بوصفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\". أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- وصلنا الآن إلى قلب الإشكالية كلها في محاولتنا فهم العلاقة بين قطبي الأنا أو الذات. فالمنطلق في الكلام عليها الآن هو البداية الجديدة للفكر الفلسفي الذي ينسب إلى ديكارت إذ ينطلق من مسألة إثبات وجود الذات أو الكوجيتو بصورة صريحة رغم أن لهذه المحاولة سوابق كثيرة .لكنها لم تكن بصراحة العلاج الديكارتي رغم أن إثبات الأنا يعرف في محاولته وكأنه \"روح\" بلا بدن لحصر الاستدلال في أثبات الذات المفكرة عامة دون كلام على وجودها المتعين في بدنها لأن إثبات العالم المتمدد لن يأتي إلى في المرحلة الخامسة من بنائه الفلسفي في التأملات: -1فبعد إثبات عجز الشيطان المخادع على نفي وجود الذات. -2وبعد اثبات وجود الذات المفكرة نتجية لهذا العجز الناتج عن التشكيك الذي يدعم الاثبات ويقويه. -3وبعد استخراج خصائص الأفكار التي لا تقبل الشك مهما قوي التشكيك. -4يتم اثبات وجود الله والثقة في كونه لا يمكن أن يكون مخادعا -5فيحصل اثبات وجود العالم الطبيعي ومعه الآلة البدنية بنفي الخداع الإلهي. لذلك فينبغي أن ننطلق من المثنوية الديكارتية-بدن (كور) وروح أو نفس ( آم)-لأنها تبدو بدهية وتكاد تكون الموقف السائد في الفكرين الفلسفي والديني .فبين أن ما يظهر من الإنسان ينحو إلى فرض هذه الرؤية المثنوية-بدن روح -سواء بمواصلة المعنى الأفلاطوني أو حتى المعنى الأرسطي الذي لا يختلف عنه إلا بالمحايثة أو بالمعنى الديكارتي الذي يجمع بين المحايثة والفصل لأن الروح ليست صورة البدن بل هي غيره بإطلاق لأن البدن مجرد آلة وليس النفس بالقوة أو أخيرا بالمعنى الذي انتهى إليه الحل الكنطي وهو ناتج حل ينتج عن تعميم المقابلة بين الظاهر والباطن. فيكون وجود الإنسان الظاهر مثله مثل كل الموجودات الأخرى خاضعا لقانون الطبيعة ومستثنى منه بباطنه استثناء صار بمقتضى المسلمات قابلا للعقد الذي تنبني عليه الأخلاق أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- انبناء يشترط رؤية دينية للوجود (المسلمات الثالث الصريحة وضميراها) رغم أن الكثير لا يصل بين الأمرين لكأن وضع هذه المسلمات يمكن أن تكون مقصورة على الذات رغم أنها من جنس المقابلة بين الظاهر والباطن في بقية الموجودات ما يجعل ما طبق على الذات مسألة فرعية من المسألة الاعم التي طبقت على كل الموجودات الاخرى من حيث هي ما هي في ذاتها. لكن الحل الهيجلي ألغى المقابلة العامة بين الشيء في ذاته وما يظهر منه للعقل النظري التي يشرع لما يظهر له من الطبيعة ببنيته الذاتية فألغى معها الحل الكنطي الخاص بالذات الإنسانية الحل المعتمد على المقابلة بين الظاهر والباطن عامة وأسس لوحدة الإنسان الذي حلت روحه في بدنه إن صح التعبير كما يتبين من رمز المسيح. فحلول الروح فيه جعل الإنسان آية الوجود الروحي في التعين العضوي ذي الوعي بالإلهي والعلم المطلق الذي يحرره من الفرق بين الظاهر والباطن الكنطيين .فيكون ظهور الموجود عين كيانه ولا شيء وراء الظهور الذي يمثل \"الماهنا\" الذي ليس له \"ما هناك\" يتعالى عليه .وهو الحل الذي صار ماركسيا وإن بسلب الحلول الإلهي في الوجود الإنساني لكنه يفترض ما يشببه وإن بحل أقرب إلى المعنى الارسطي أي إن الجهاز العضوي يتضمن في ذاته قوة الصيرورة نفسا حاسة وواعية وعاقلة. فتكون النتيجة بخلاف ما يتوهم الكثير ليس نهاية الدين بل نهاية الفلسفة التي تحولت إلى علم كلام ديني موجب عند هيجل وعلم كلام ديني سلبي عند ماركس .وفي الحالتين صار الإنسان بديلا من الرب إما بحلول الثاني في الأول أو بتخلص الثاني من الأول .صارت الفلسفة إما دينية بالإيجاب (هيجل) أو دينية بالسلب (ماركس) .فعادت الفلسفة إلى الميثولوجيا ولكن بأسلوب جديد هو الميثولوجيا الحديثة التي تعتمد على صراع البشر بديلا من صراع الآلهة كما في الميثولوجيا القديمة. صار الصراع بين البشر المتألهين بالمعنى الخلدوني للتأله السلبي الذي يفسر به الصراعات السياسية في سياسة عالم الشهادة كما بيناه في غير موضع .فهو صراع إما بين أرواح الشعوب أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- عند هيجل أو بين طبقاتها عند ماركس .وهما وجهان لنفس الرؤية التي تجعل التاريخ الإنساني لا يختلف عن التاريخ الطبيعي إلا بتحييث الإلهي فيه إيجابا أو بتحييثه سلبا بمعنى أنه لا يمكن أن يكون الخطاب الماركسي إلا في حرب دائمة مع الأديان في محاولة لتخليص ما يسميه مادية جدلية منها ليضفي عليها ما يزعمها من علمية تتصف بها الماركسية وجعل السياسة بالأساس حربا دائما على الأديان لحصر وجود الإنسان في دنيوية خالصة تنظيم لا يختلف عن تنظيم الدولة الثيوقراطية حيث يصبح الحزب كنسية يعتر الخروج عنه تحريفا أو هرطقة .بحكم لا يختلف عن التكفير في الأديان. إذا قبلنا بأن العلاقة بين الإنساني والإلهي سواء اثبتت أو نفيت تبقى علاقة لا بد منها بأحد الوجهين أو بهما معها فتكون بالجوهر مناوسة بينهما في الكلام على أي منهما فإن الطابع المحدد هو هذا التلازم بين الموقفين وليس الخيار بينهما الموقف المثبت أو الموقف النافي بل هو المناوسة الدائمة بين الإثبات والنفي والصراع الذي لا يتوقف بينهما .وهذا هو الأمر الذي يعنيني في هذه المحاولة .فالإثبات والنفي كلاهما مستحيل الإثبات ومستحيل النفي وما لا يمكن التخلص منه هو: -1التلازم بينهما بالإثبات أو بالنفي في كل تاريخ الفكر الإنساني الديني والفلسفي منذ أن عرفنا أثرا لهذين الفكرين. -2المناوسة بينهما التي هي الحالة الفعلية الناتجة عن استحالة نفي الإثبات بإطلاق أو اثبات النفي بإطلاق. -3أثر التلازم في المناوسة التي هي وضعية يكون فيها الإنسان شبه مدفوع من أحد القطبين إلى الثاني وما أن يصل إلى غاية الأول يستأنف الدفع بلا توقف جيئة وذهابا بين القطبين لكأنهما غايتان حدان. -4أثر المناوسة في التلازم الذي هو شبه تلازم بين وجود أحد القطبين وعدم القطب الثاني بحيث إن الوجود والعدم يكونان في وضعية التنادي المتبادل لملء الخلاء الذي يمثله العدم في الحالتين إما عدم الوجود أو وجود العدم. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- -5وأصل ذلك هو ما دفعني لوضع نظرية المعادلة الوجودية التي تحدد العلاقة بين الإنساني والإلهي بوصفها علاقة بين إرادتين حرتين وليست علاقة بين عقلين كما تصور الفكر الفلسفي والفكر الديني إلى حد الآن .وكلاهما موروث عن الفلسفة اليونانية وتأثيرها في أديان الشرق الادنى المنزلة بدءا باليهودية فالمسيحية فالإسلام ثم عودة على بدء من الإسلام إلى اليهودية إلى المسيحية .والعلاقة بين الإرادتين يجعلها علاقة بين سلطانين يعبران عن: سياسة لإرادة خالقة وآمرة ذات استراتيجية في الخلق رياضية واستراتيجية في الأمر خلقية. وسياسة لإرادة مخلوقة ومأمورة تستعمل نفس الاستراتيجية المستوحاة من اكتشاف قوانين شاهد الخلق وأخلاق وشاهد الأمر إما بصورة مباشرة من خلال كيانه العضوي ممثلا للطبيعة والروحي ممثلا للتاريخ أو من خلال الطبيعة والتاريخ بما وراء الطبيعة من قوانين رياضية وبما وراء التاريخ من سنن خلقية. أي إن ما يفسر به الإنسان دور الطبيعة ودور التاريخ في بقائه بفضل دوره في معرفة ما ورائهما أي قوانين الطبيعة وسنن التاريخ تلك هي وظيفة نظره وعقده للمعرفة ووظيفة عمله وشرعه للقيمة .وهذه هي رؤية القرآن التي أريد درسها .لكن رؤية القرآن هذه حرفت في علوم الملة كلها وذلك بتأثير من علم النفس الأفلاطوني والأرسطي بتوسط المنحولات على أرسطو والجامعة ذات المصدر الأفلوطيني. وأبدأ بالقول إن كيان الإنسان مخمس الأبعاد وليس مثنويا كما يتصوره الفلاسفة أو ثلاثيا .ففيه البدني واللابدني أو المشهود من كيانه واللامشهود منه .واللامشهود من كيانه فاعليته في المشهود من كيانه مشهودة .والمشهود من كيانه فاعليته في اللامشهود من كيانه مشهودة. أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- -1فكلنا يعلم أن اللامشهود من كياننا يفعل في المشهود منه .وفعله مشهود لأن كلا منا يأمر بدنه فيطيع أحيانا ويعصي أحيانا أخرى ليس في حركاته فحسب بل وفي رغباته وشهواته وعاداته التي تطيع أو تعصي بوعي أو بغير وعي من صاحب الكيان. -2وكلنا يعلم أن المشهود من كياننا يفعل في اللامشهود منه وفعله فيه مشهود لأن كلا منا يأتمر بحاجات بدنه فيطيع أحيانا ويعصي أخرى سواء بخصوص ما يسد حاجاته العضوية أو بالتخلص من إفرازاته واللامشهود من الكيان يطيع أو يعصي أومر البدن. -3وفاعلية اللامشهود في المشهود تفعل في فاعلية المشهود في اللامشهود. -4وفاعلية المشهود في اللامشهود تفعل في فاعلية اللامشهود في المشهود. -5وتبقى معلا ذلك وحدة الكيان أو ما نسميه \"الأنا\" او ذات الإنسان هي الإشكال الذي نطلب له حلا. ولنا فرضيتان قد ترجحان هذه الرؤية التي هي عين رؤية القرآن لأن النفخ في التراب الذي صور منه آدم ليس جزءا من ذات الله بل هو فعل من جنس \"كن\" .وهي \"كن\" من القوة الثانية التي تتعلق بالجهازين اللذين يجعلان الإنسان قادرا على أن يكون خليفة أعني جهاز النظر والعقد وجهاز العمل والشرع. ولهذا فالقرآن لم ينسب الروح إلى الخلق بل هو نسبها إلى الأمر وَ َيسْ َأ ُلونَ َك َع ِن ال ُرّوحِ ۖ ُق ِل الرُّوحُ مِنْ أَ ْم ِر َربِّي َومَا أُوتِيتُم ِمّ َن ا ْل ِعلْمِ ِإلَّا قَ ِلي ًلا\" (الإسراء )85وهذان الجهازان متعينان في كيان الإنسان العضوي ويعملان بأداة آلية هي الترميز والتقنية الرياضيتين وكلها متعينة في ما يشبه \"السوفت وار\" الثابت والفطري ولا يكتسب إلا دربة على استعمالهما في \"الهارد الوار\" الذي هو جهاز الحواس والإدراك الرمزي أو المعرفي والقيمي وهما لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآمر بل إن الاول هو فاعلية الثاني: -1لذلك فالسؤال الاول هو :ألايكون اللامشهود من كياننا هو غيب المشهود منه؟ فتكون الروح هي غيب البدن إذ سمينا اللامشهود من كياننا روحا؟ أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- -2والسؤال الثاني يكون :ألا يكون المشهود من كياننا هو شاهد الغيبي من كياننا؟ فيكون البدن هو مشهود الروح ؟ ولا بد هنا من الوصل بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والتاريخ بهذين الجهازين والوظيفتين فكلاهما لا يمكن أن نفصل فيه بين العضوي والروحي أعني: -1دور المائدة :كيف تؤثر المأكولات في الحواس قبل أن تؤكل فيكون بين الطبيعة وبين الإنسان تواصل عن طريق ما يخرج من المأكولات مما تدركه الحواس الخمس؟ -2دور السرير :كيف تؤثر المنكوجات في الحواس قبل النكاح فكيون بين الطبيعة وبين الإنسان من جنس مختلف او من نفس الجنس ما يحرك عريزة الجنس عن طريق الحواس ومن بعد؟ -3فن المائدة الذي هو ما يكون به دور المائدة متجاوزا الغذاء إلى المعاني الرمزية التي تتجاوز الذوق الغذائي إلى الذوق الجمالي الذي يصبح فيه الروحي مسيطرا على العضوي في ما هو عضوي الجوهر. -4فن السرير ا لذي هو ما يكون فيه دور السرير متجاوزا الجنس إلى المعاني الرمزية التي تتجاوز الذوق الجنسي إلى الذوق الجمالي الذي يصبح فيه الروحي مسيطرا على العضوي في ما هو عضوي الجوهر. -5جهاز النظر والعقد الذي هو شرط إدراك قوانين الطبيعة وعمل عملها بقوانينها وجهاز العمل والشرع الذي هو شرط إدراك سنن التاريخ وعمل عمله بسننه أو ما به يستطيع الإنسان التلقي من الطبيعة ومن التاريخ واستنتاج نظاميهما ألقانوني للأول والسنني للثاني والإرسال إليهما والتعامل معهما لسد هذه الحاجات ولحمايتها ممن ينافسه عليها. فمن أين جاء اعتبار ما يقبل الوصف بـ\"السوفت وار\" في تحقيق كل هذه المهام (التجهيز اللطيف) بالانفصال عن \"الهارد وار\" الذي لا تتحقق من دونه (التجهيز الكثيف) حتى أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- وإن كان نفس التجهيز اللطيف ليس هو عين ما له من قدرات هي في الرؤية الدينية حصيلة ما تحقق بفضل النفخ من روح الله دون أن يكون جزءا من كيانه الروحي. ورغم أن هذا التجهيز اللطيف-يعني المائدة والسرير وفنيهما والنظر والعقد والعمل والشرع -قابل للتنزيل في عدة أجهزة كثيفة هي الأبدان فإن ذلك لا يعني أنه يمكن أن يحقق هذه من دون الجهاز الكثيف .ولذه العلة فالقصة القرآنية الرمزية تشترط بعث الجسد للشروع في الحياة الخالدة إيجابا أو سلبا .وحتى لو تصورنا الجهاز الكثيف ماديا خالصا فنحن لا نعلم الهيئات التي تتشكل بها المادة بحيث يكون بوسعنا نفي أن يكون اللطيف هو بدروه ماديا في تشكل شديد اللطافة بحيث لا نظنه ماديا ونعتبره لاماديا أو روحيا إذ لم يكن بوسعنا قبل ابداع أدوات رؤية الدقائق المرئية وسماع الدقائق السمعية كان الكثير من أشكال المائدة خفيا بالنسبة إلينا. أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- من يدري فقد يكون الروح الدرجة القصوى من تلطيف الكثيف إلى حد تحوله إلى غيب الكثيف الذي يحيي شاهده ويقيمه ويجعله قادرا على وظائفه .وهو ما يعني أن المقابلة مادة روح أو كثيف ولطيف علته الإدراك البدائي لأحول المادة وتعريفها بالامتداد الجرمي (بالمعنى الديكارتي) ومقابلتها بالروح التي تعرف بنفي الامتداد الجرمي .ولذلك فسأبين أن هذه الوظائف الخمس التي ذكرتها لا بد فيها من الامتداد الجرمي لكل ما كنا نتصوره غنيا علنه وننسبه إلى الروح التي تعرف باللامتداد. وفي الحقيقة فهذه المقابلة حتى في الرمزية الدينية الواردة في القرآن لم تلغ الجرمية على ما يتميز به آدم بعد النفخ لأن إبليس لما رفض السجود لم يفرضه إلا بما ينسبه إلى مادته من فضل على مادة آدم -النار على التراب-ولم يعتبر النفخ الإلهي عاملا جديدا غير مادي. وهو رفض السجود بعد النفخ وحتى بعد أن علم أن الله قد علم آدم الأسماء كلها وهي الميزة التي كانت تنقص الملائكة الذين شككوا في أهلية آدم للاستخلاف .ولو كان الإسلام لم يبن على أهمية البدن في كيان الإنسان ولم يعتبر تلك الوظائف التي تقبل الرد إلى تعلم الأسماء بعد النفخ لاستحال أن نفهم منزلة العناية بالجسد وعلاقتيه بالطبيعة والحياة (المائدة والسرير) وبما ورائهما المضاعف أعني الفنين والجهازين الذي يمكنه من النظر والعقد بوصفه مستعمرا في الأرض والذي يمكنه من العمل والشرع بوصفه مستخلفا فيها. وتلك هي مميزات الإسلام بالمقارنة مع الأديان التي يعتبرها محرفة والتي يمكن ردها إلى تحريفين أولهما يتعلق بالمائدة والسرير وفنيهما وذلك هو التحريف المسيحي وقضية الخطيئة الموروثة التي تؤدي إلى احتقار الجسد والجنس والثانية تتعلق بمنزلة الإنسان التي تجعله أهلا للاستخلاف بصورة كونية وليس فيه شعب مختار وعبيد يعمرون الأرض أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- للمستفردين بالاستخلاف عليهم وهو التحريف اليهودي بنظرية الإله القبلي وما يترتب عليه من قضية الشعب المختار والجوهيم. ولا بد هنا من العودة إلى الوصل بين الإنسان والطبيعة والإنسان والتاريخ وبين هذين الجهازين اللذين تكلمنا عليهما وصلا ماديا بمستوياته الخمسة ووصلا رمزيا أو ورحيا بمستوياته الخمسة كذلك. والقصد بالوصل المادي الذي يتقدم فيه ظاهر الكيان أو البدن على باطنه أو الروح: -1دور المائدة :كيف تؤثر المأكول في الحواس عن بعد وكأنه يدعو الآكل قبل الأكل إلى الأكل فيكون بين الطبيعة وبين الإنسان تواصل عن طريق ما يصدر عن المأكولات مما تدركه الحواس الخمس؟ وكيف يكون التأثير متناسب مع عدد الحواس التي تسم في هذا التواصل عن بعد؟ -2دور السرير :كيف يؤثر المنكوح في الحواس عن بعد وكأنه يدعو الناكح (ذكرا أو أنثى) قبل النكاح فيكون بين الطبيعة وبين الإنسان ما يحرك غريزة الجنس عن طريق الحواس الخمس؟ وكيف يكون التأثير متناسب مع عدد الحواس التي تسهم في هذا التواصل عن بعد؟ -3فن المائدة وهو متعلق بما يقوي هذا التأثير الغذائي عن بعد باختيار المآكل واختيار الأجمل في العرض وبتنضيد المائدة تنضيدا يقوي دور التواصل بين المآكل والبدن الإنساني بمضاعفة دور الإدراك الحسي وجعل الحواس الخمس تشارك في التواصل غير المباشر المقدم على المباشر الذي يصبح غاية الغاية. -4فن السرير وهو متعلق بما يقوي هذا التأثير الجنسي عن بعد باختيار المناكح واختيار الأجمل في العرض وبتنضيد السرير تنضيدا يقوي دور التواصل بين المناكح والبدن الإنساني بمضاعفة دور الإدراك الحسي وجعل الحواس الخمس تشارك في التواصل غير المباشر المقدم على المباشر الذي يصبح غاية الغاية. أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- -5ويوحد ذلك كله جهاز الحواس من حيث هي في علاقة مباشرة مع الطبيعة غذائيا وجنسيا ولا بد للفن ان يتحلق بالظرف المكاني وما يزينه من الرسوم والاواني وبالظرف الزماني وما يطرب من الموسيقى والأغاني .وتحفة التحف فيهما قلب الظرف والمظروف الانثوي عند الذكري والذكري عند الأنثوي حتى كون الكلام جامعا لكل أشكال الجنس دون حصرها في الجنسين. أما العلاقة المقابلة والتي يتقدم علفيها جهاز تأويل ذلك كله فه فهو: -1جهاز النظر فهو لا يتعلق بالبصر حتى وإن اشتق منه بل هو يتعلق بالبصيرة بمعنى رؤية ما لا يرى بالحواس المباشرة بل بما وراءها من الحوادس مع اعتبار البصيرة ممثلة لبقية الحوادس السميعة والشميمة والذويقة واللميسة التي هي شرط كل ما عداها وذات علاقة مباشرة بالجنس الذي يتحد فيها البدنان والروحان. -2جهاز العقد وغايته العقد بالحضور الفعلي للوجود المحسوس الذي لا يمن أن يضاهيه في الحضور إلا ما يصل إلى المحسوسية من المتخيلات كما يحدث في النوم ومثاله الاوضح هو الاحتلام الذي يجعل البدن يتصرف وكأنه يحس فعلا في اليقظة فنجد له أثرا في مفرزات البدن .ولا يوحد عقد ديني يصل إلى هذه الدرجة إلى نادرا .ولذلك فكل من يرد العقد الديني إلى \"الروحي\" مع نفي البدني يلغي منه أهم ما يمكن أن يضفي عليه المعنى الذي يوليه إليه الإسلام وخاصة وصف الجنان في القرآن وما استوحاه منه المحاسبي في كتاب التوهم. -3جهاز العمل إنه الجهاز الذي لا يقبل التشكيك في وحدة البدني والروحي .فلا يوجد عمل يمكن أن ينجز حتى لو زعم فكريا لا يكون بهما معا .فالبدن حاضر في كل عمل حضور الهارد وار والفكر حاضر حضور الوسفت وار لكنه عندما يصبح ملكة يتحول إلى تلاحم وتشاجن يثبت أن تمام العمل هو وحدة الوجهين الظاهر والباطن في كل عمل. -4جهاز الشرع والشرع في العمل لا يختلف عن المنهج في النظر وهو الترتيب الذي من دون لا يمكن لأي عمل أن ينجح وهو من جنس الاستراتيجيا في الحرب وفي الاقتصاد وفي أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- أدنى عمل مهما كان بسيطا لأنه دائما توزع امتداد في الظرف المكاني بما يسيطر على المتصل وانتظام مدة في الظرف الزماني بما يسيطر على المنفصل الزماني .ذلك أن الانتظام من جنس الدفقات المتوالية والمتقطعة مثلها مثل دفات القلب ولا يمكن أن تكون من المتصل بل هي من المنفصل مهما كان العمل بسيطا إذ إن التنقل في المكان يقتضي الاستئناف في كل توجه لاحق مقابل لتوجه سابق. -5ويوحد بينها الخفي من الكيان أو باطن الكيان الذي هو إيقاع الحياة نفسها في فشوها المحيط بالبدن المروحن .وهو عين وعي الإنسان بذاته وبمحيطه وبما يتلقاه من ذاته ومن محيطه وبما يرد به على ذاته وعلى محيطه أي علاقته العمودية مع الطبيعة والأفقية مع التاريخ واستنتاج نظاميهما ألقانوني للأول والسنني للثاني والإرسال إليهما والتعامل معهما لسد هذه الحاجات ولحمايتها ممن ينافسه عليها. لا يمكن أن أجيب عن الأسئلة الأربعة الأولى التي هي في الحقيقة فروع السؤال الخامس حول الظاهر إلا بالانطلاق منه .ولا يمكن أن أجيب أن الأسئلة الاربعة الثانية التي هي في الحقيقة فروع السؤال الخامس حول الباطن إلا بالانطلاق منه. لكن ذلك يقتضي أن أقدم عليه التوالج بين المائدة والسرير وبين فنيهما أو التأثير المتبادل بينهما سواء تصاحب الفعلان الغذائي والجنسي فعليا أو لم يتصاحبا .لكن فنيهما متصاحبان دائما حتى إن لغتيهما تمثلان مصدر الاستعارات المتبادلة بمعنى أن الإنسان يمكن أن يعبر عن لغة الأكل بلغة الجنس والعكس بالعكس .ولهذا التوالج بين الفعلين وبين الفنين أهمية كبرى في كل تواصل فعلي بين البشر وخاصة بين الجنسين. ونفس الأمر بخصوص النظر والعمل وبين فنيهما أو التأثير المتبادل بينهما سواء تصاحب الفعلان النظري والعملي فعليا أو لم يتصاحبا .لكن فنيهما متصاحبان دائما حتى إن لغتيهما تمثلان مصدر الاستعارات المتبادلة بمعنى أن الإنسان لا يمكن أن يعبر عن لغة بلغة العمل والعكس بالعكس .ولهذا فالتوالج بين الفعلي وبين الفنين أهمية كبرى في كل تواصل فعلي بين البشر وخاصة بين الجنسين كذلك. أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- ولا أعني بالجنسين العلاقة بين الرجل والمرأة بل بين الذكري والانثوي سواء كان بين الجنسين رجلا وامرأة عضويا أو بين رجلين أو امرأتين في المثلية أو حتى بين الشخص وذاته في غياب الحلين السابقين بل وحتى بينه وبين الحيوان وخاصة في البوادي .ويبقى في كل هذه الحالات للذكري والانثوي حضور حتمي لأن المؤثر فيهما جميعا هو العلاقة بين هذين الوجهين في الاتجاهين بتجاذب من طبيعة مختلفة يوحد بينها أربعتها ما يحقق التلاذذ المتبادل وقد خصصت لهما محاولة سابقة مع التمييز بين الظاهرة من حيث ما فيها من طبيعي فطري وما فيها من ثقافي مكتسب. ولأبدأ الآن الكلام على هذا الجهاز الذي تتفرع عنه المائدة والسرير وفنيهما وأترك الكلام على الجهاز الذي يتفرع عنه النظر وهو في خدمة المائدة خاصة والعمل وهو في خدمة السرير وفنيهما أي العقد والشرع للقيس عليهما علما وأني قدمت فيهما ما يكفي من المحاولات علما وأن أصل المائدة والسرير وفنيهما ينقسم هو بدوره إلى ما لا يفهم من دون جهاز النظر والعمل وفنيهما. فهو جهاز مضاعف إذ هو ينقسم إلى جهاز المعرفة وجهاز القيمة والأول أداة مطلوبة لغيرها وعلة فاعلة والثاني مطلوب لذاته وعلة غائية .والجهاز المطلوب لذاته والعلة الغائية هو عين الذوق القيمي الذي من دونه يصبح الأكل والنكاح مجرد عملية حيوانية لا تتجاوز الفعلين إلى الفنين: -1الجهاز المعرفي يتعلق بالمائدة والسرير وهو أداة طلبهما واكتشاف شروط سد حاجتهما وابداعه وأعني جهاز النظر والعقد. -2الجهاز القيمي يتعلق بفن المائدة وفن السرير وهو أداة طلبهما واكتشاف شروط سد حاجتهما وإبداعه وأعني جهاز العمل والشرع. وفي الحالتين فإن الأمر كله متعلق بالمعرفة والقيمة أداتي فاعلية وغائية لتحقيق وظيفتي الإنسان في الوجود بوصفه مستعمرا في الارض ومستخلفا فيها .والقصد أن المعرفة علة أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- فاعلة لسد الحاجات التي تتعلق بالمائدة والسرير اللذين والقيمة علة غائية لسد حاجات فن المائدة وفن السرير. وهو ما يقتضي إعادة النظر في مفهوم العقل .فهو في القرآن ليس قدرة مبدعة بل هو جهاز فهم لما يتلقاه الإنسان من آيات أو رموز وخاصة فهم اللسان وجهاز علاج للمعلومات التي يتلقاها من الطبيعة والتاريخ فيه وخارجه وجهاز حساب وتنظيم لها حتى يكون للإرادة حرية الاختيار على علم بإمكانات سد الحاجات بصنفها وبشروط تحقيقها. ومن يتصور العقل جهاز قرار فهو كمن يعتبر آلة الحساب وتنظيم المعلومات هي التي تقرر في أي جهاز آلي دون أن يكون فيه وظيفة تشبه الإرادة هي التي توازن بين المعطيات وتختار ما تريده حتى لو ناقض الحسابات التي يجريها الجهاز لعلل أخرى ليست في متناول الجهاز. وهذا الجهاز الثاني الذي سميته الإرادة هو ما يغلب على التواصلين بين المأكول والآكل والمنكوح والناكح وخاصة دور ما يتصفان به من تجاذب هو الذي يجعل فني المائدة والسرير هما المحركان الفعليان تحريك الغاية لما يشرئب إليها في الكائن الحي من حيث هو كائن حي فضلا عما يضيفه نظام الإدراك. ونظام الإدراك هو النظر والعقد للعلاقة بالطبيعة وبالتاريخ شرطين للمائدة والسرير ونظام العمل والشرع للعلاقة بالإنسان من حيث هو فاعل في الطبيعة والتاريخ بفني المائدة والسرير. فكيف يكون النظر والعقد علاقة بين الآفاق والانفس فيها وخارجها؟ ففي الأنفس نجد الطبيعي والتاريخي أو الفطري والمكتسب وفي الآفاق نجد الطبيعة والتاريخ الذي هو ما أضافه الإنسان للطبيعة ويمكن أن نسمي التاريخ الثقافة لأن القصد ليس التاريخ من حيث هو معرفة الاحداث التاريخية بل الاحداث التاريخية نفسها ومنها علمها الذي هو أحد الأحداث في التاريخ أو في الثقافة. أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- وقد عرف ابن خلدون الفكر بهذه الوظيفة ولم يستعمل العقل في كلامه لأن العقل بالمعنى القرآني الذي يفهمه ابن خلدون جيدا حتى وإن واصل استعمال دلالته الطاغية على الفلسفة بمعنى قدرة الفكر وقدرة القرار العاقل فقال \":وأما الأفعال الحيوانية لغير البشر فليس فيها انتظام لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس ومدركاتها متفرقة خلية من الربط لأنه لا يكون إلا بالفكر. ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة وغير المنتظمة إنما هي تبع لها اندرجت حينئذ افعال الحيوانات فيها فكانت كلها مسخرة للبشر .واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث بما فيه فكان كله في طاعته وتسخره .وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه في قوله تعالى \"إني جاعل في الأرض خليفة\" .فهذا الفكر هو ا لخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان .وعلى قدر حصول الاسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته\" (المقدمة الباب السادس الفصل الحادي عشر). أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- ولنشرع الأن في الكلام في دور العقل لتلقي الرمزي وفهمه كما يحددهما القرآن ودور الفكر للترتيب بمعنيين أشار إليهما نص ابن خلدون ألذي أوردناه في الفصل السابق: -1فالترتيب المشروط في الفهم أو ترتيب المعلومات المتلقاة من موضوع المعرفة ويسميه بالطبع وهو معرفي بمعنى أن الإنسان يحدد علاقات الأشياء الموضوعية بقدر علمه بالأسباب الطبيعية. -2والترتيب المشروط في الفعل وهو أو ترتيب الغايات المطلوبة فيه ويسميه بالوضع وهو قيمي بمعنى أن الإنسان يحدد قيم الأشياء بالقياس إلى ما يريد بقدر إرادته للغايات القيمية وليس في ذاتها. وكلاهما يفترض حرية الإنسان شرطا في البحث عن العلل في الترتيب الأول بالفرضيات المتعددة وشرطا في تنظيم غاياته في الترتيب الثاني .ومن هنا جاء الأول شرط الثاني من حيث العمل على علم والثاني شرط الأول من حيث البحث عن سد الحاجات التي هي إضافية إلى ما يريده الإنسان من العلم من اجل العمل. وهذا عين ما سميته علاقة الحرية الشرطية بالضرورة الشرطية .فعندما يعلم الإنسان أن الضرورة في الطبيعة وفي التاريخ شرطية بمعنى ان علاقة العلة بالمعلول لأن يتغير المعلول إلى غيرنا العلة ومن ثم فالعلة مشروطة بالمعلول الذي هو بخلاف التصور هو غاية العلة .فإذا كانت لنا غاية أخرى نبحث لها عن علة تحققها وذلك شرطه الحرية الشرطية عند الإنسان. والسؤال الذي علينا الجواب عنه بصراحة :هل ما يقوله برجسون عن استقلال \"شيء\" ما يمكن تسميته بالروح عن وظائف البدن شيء مفارق للبدن أم هو عين وظائفه التي هي هذه العلاقة بينه وبين ذاته وبينه وبين عالميه الطبيعي والتاريخي بتوسط المائدة والسرير وفنيهما وأصل ذلك كله في النظر والعقد للمعرفة والعمل والشرع للقيم أم إن هذا الوهم أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- علته البدائل من الأداتين الرمزيتين اللتين قد تصبحان بديلا منهما بوصفهما أداتيهما الكونية\" -1رمز الفعل أو العملة :التي يمكن أن تصبح هي الغاية بدلا من المائدة والسرير لذاتهما وتحولهما هما بدورهما إلى أداتين من اجل الحصول عليها باعتباره شرط فني المائدة والسرير .ومنه نتجت التجارة الاولى بالجنس واستعمال الجنس للحصول عليهما إما في شكل التجارة الجنسية المباشرة أو في شكل استعمال علامات الجنس (جمل المطلوب جنسيا) لتحصيل المال من أجل الوصول إلى فنون ومتع أكبر وألذ؟ -2فعل الرمز أو الكلمة التي يمكن أن تصبح هي الغاية لأنها أداة خدمة اصحاب العلمة ومن ثم تحقيق ما يحققه أصحابها عن طريق خدمتهم بنفس الغايات خاصة والكلمة يمكن أن يكون لها نفس الدور الذي للعملة بشكل الوعود والخداع مع بعض مظاهر الثراء في الملبس والمسكن ووسائل النقل. لا يمكن تحديد الرؤية القرآنية للعلاقة بين الجسد والروحي من دون الانطلاق من ظاهرتين: -1الأولى هي البعث البدني الذي لا جدال فيه في القرآن. -2الثانية هي شهادة الجوارح على صاحبها يوم الحساب. فالأولى ترفع من منزلة البدن فنفهم أهمية العناية به في القرآن الكريم عناية هي من شروط العبادات .واحتقار البدن نجده عند الفلاسفة ومن تأثر بهم من الأديان وخاصة المسيحية والبراهمانية والتصوف في الإسلام .لكن الإسلام أكثر الأديان تجاوزا لهذا التأثير الفلسفي الذي يحقر من المادة والجسم. والعلة هي أنهم يحتقرون المادة ويعتبرونها مصدر كل الشرور بخلاف ما يراه عليها القرآن لأنها ليست مقصورة على الامتداد بالمعنى الديكارتي بل هي من المدد والمدة .والمدد يعني ينبوع الحياة .والمدد تعني الديمومة في الوجود. أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- والثانية تجعل شهادة الجوارح عين ما يرمز إليها الملكان اللذان يصبحان كل إنسان لتسجيل سلوكه حسنات وسيئات .ولذلك فجل الجوارح مضاعفة منها ما يمثل اليمين ومنها ما يمثل اليسار .وهو ما جعلني اعتبر ذلك إشارة رمزية إلى معنى الملكين المحيطين بكل إنسان شاهدين على أفعاله ومسجلين لها حسنات وسيئات مرسومة في البدن فيكون هو الكتاب الذي يحمله بيميه أو بيساره بحسب كشف الحساب يوم الحساب. لذلك فلا بد من قراءة كلمة الرَوْح بفتح الراء وجزم الواو لأنها تعني الروح الذي ينفخ وليس جزءا عضويا بل فعل التنفس الدال على الحياة والدليل هو قصة خلق عيسى عليه السلام بالنفخ من روح الله وهو نوع من كن ذات القوة الثانية مثل تعليم آدم الأسماء كلها بعد النفخ فيه من الروح. وهذه الرموز لا تعنينا من حيث الكلام في حقيقتها لأنها من الغيب المحجوب بل في ما ترمز إليه منه تحديد للعلاقة بين البدني واللابدني كما يبدوان لنا أو من البدني الإنساني ووظائفه التي هي موضوع كلامنا في اللغز الإنساني .وقد عرفت هذه العلاقة بكونها علاقة ظاهر بباطن لنفس الشيء وليست علاقة بين شيئين مختلفين: -1فالبدن هو ظاهر كيان الإنسان لكنه معبر عن باطن نشعر دائما بأنه في علاقة به يتبادلان التآمر كلاهما آمر ومأمور وبينهما ما يشبه التغالب لكأن الباطن يصلح حال الظاهر بما يحاوله من تأويل لما يتلقاه من ذاته ومن محيطه. -2والروح هي باطن كيان الإنسان لكنه لا صلة له بذاته وبالعالم من دون مروره بالبدن الذي هو جهاز التلقي للمعلومات التي تأتيه من الحواس الباطنة ومن الحواس الظاهرة وهو إذن مصدر كل المعلومات .ولسنا ندري طبيعة عملية التأويل ودوره فيها بخلاف ما يدعيه برجسون. -3وفعل الظاهر في الباطن هو ما يظهر من المدارك الحسية خاصة لذاته ولما حوله لكنه قد يكون له دور أعمق في الباطن على الأقل بالحالة المزاجية التي تتولد عنه في تلقي المعلومات وفي تراكمها فيه. أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- -4وفعل الباطن في الظاهر هو ما يظهر من فهم (عقل) ما يتلقاه وتوظيفه في تحقيق شروط قيام كيان الإنسان من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها. -5وبذلك يتبين أن كيان الإنسان هو هذه العلاقة بين الإنسان وذاته وبينه وبين ما حوله من الطبيعة والتاريخ بما فيهما مما فيه أي ظاهرهما وباطنهما .والظاهر من الطبيعة هو الطبيعة نفسها والباطن هو ماوراؤها الذي يجعلها تكون ما هي والذي يتجلى في ما فيها من آيات أو قوانين. والظاهر في التاريخ هو التاريخ نفسه والباطن هو ما وراؤه الذي يجعله ما هو والذي يتجلى في ما فيه من آيات أو سنن .والأنفس ليست جمع النفس التي تقابل الجسد بل هي جمع النفس بمعنى الذات التي لها ظاهر هو البدن ولها باطن هو الروح ومن ثم فالأنفس تعني ما في الإنسان من ظاهر طبيعي وتاريخي (البدن) وما فيه مما ورائه من باطن طبيعي وتاريخي يناسبان ما في الطبيعة وما في التاريخ من ظاهر وباطن. وبين الطبيعي والتاريخي في الآفاق ظاهرهما وباطنهما وما في الأنفس من طبيعي وتاريخي ظاهرهما وباطنهما متصلة كلها بما في الآفاق مما يناسب حاجات الإنسان وما في الإنسان مما يناسب ما يمكننه من سد الحاجات بالنظر والعقد وبالعمل والشرع .وذلك هو مدلول فصلت 53التي تعرف هذه العلاقة بأنها آيات الله وبأنها هي التي تجعلنا نتبين أن القرآن هو الحق. وهذا يعني أن لغز الإنسان هو عينه لغز القرآن .فالقرآن هو نظرية الإنسان بهذا المعنى الذي يجعله تذكيرا للإنسان بما فيه من تجهيز يمكنه من علاج علاقته بالطبيعة (النظر والعقد) وبالتاريخ (العمل والشرع) لتحقيق شروط قيامه من حيث هو مستعمر في الأرض ومستخلف فيها الأرض التي تحتوي على شروط سد حاجاته إذا هو لم يفسد فيها ولم يسفك الدماء لئلا يكون التعمير تدميرا والاستخلاف طغيانا وتألها. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- قبل الوصول إلى هذه النتائج كنت دائما أعجب من تركيز القرآن على أشياء تبدو تافهة عند الكثير ممن غابت عنهم حقيقة الإنسان التي يذكر بها القرآن ليبني عليها مضمون الرسالة من حيث هي كلام في العلاقة بين سياستين: -1سياسة الرب للعالم غيبه وشهادته بوصفه الخالق والآمر. -2سياسة الإنسان للشاهد من العالم بوصفه المخلوق المأمور خليفة خليفة الرب. وللرب إذن دور في سياسة الإنسان للشاهد من العالم بما جهز به الإنسان من قدرة على التعامل مع الطبيعة (النظر والعقد وتطبيقاتهما) ومع التاريخ (العمل والشرع وتطبيقاتهما) وبما وضع في الطبيعة وفي التاريخ من شروط قيام الإنسان لينجز ما كلف به من تعمير واستخلاف. وشرط ذلك قيس سياسته للعالم بالمثال الأعلى الذي هو سياسة الرب للعالم غيبه وشهادته. والقيس لا يكون بمجرد الدعوة إلى ذلك بل باستعمال جهازيه الأول بمعرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها في تحقيق شروط بقائه والثاني بمعرفة سنن التاريخ وتطبيقها في تحقيق شروط تنظيم ما تقتضيه معرفة الشاهد من الخلق وتقييم الشاهد من الأمر. وفي هذا الإطار تأتي الأمور التي تبدو تافهة للكثير ممن يتصور الدين هو مجرد شعائر وعبادات وليس تنظيما شاملا للحياة وهذا الشمول يتعلق بسياسة عالم الشهادة عامة وبأصنف الآداب او الأخلاق الضرورية لتكون هذه السياسة تتميما لمكارم الاخلاق: -1آداب المائدة أو فلسفة الغذاء وعلاقته بالملكية وبالتضامن الإنساني. -2آداب السرير أو فلسفة الجنس وعلاقته بالعرض وبالنسب الإنساني -3آداب فن المائدة أو فلسفة المتعة واللذة الذوقية في الغذاء. -4آداب فن السرير أو فلسفة المتعة واللذة والذوقية في الجنس. -5والأصل آداب الحياة السوية التي تحقق شروط حماية البدن وسلامته لأنه هو عين كيان الإنسان حتى وإن لم نر منه إلا ظاهره فنظنه مجرد مادة لا قيمة لها بالقياس إلى ما أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- يزعم من روح منفصلة عنه .وهذه الآداب الاربعة هي أهم ثورة قرآنية على الإطلاق وهي التي حققت الصلح الأتم بين البدني والروحي أو بين ظاهر الإنسان وباطنه. فالروح بهذا المعنى ليست منفصلة عن البدن بل هي باطنه ولا يوجد تنكر لحاجات البدن الغذائية والجنسية ولما يرفع من منزلتهما من الفنون المعلقة بهما .فالبدن هو ظاهر الروح. والروح هي باطن البدن .وهما وجهان لنفس الشيء الذي هو الإنسان الذي كرمه الله فنفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء وكلفه فاستعمره في الأرض واستخلفه فيها. لكن الأعمق من ذلك كله هو رمز فساد السياسة كما تتعين في غاية تحريف الأديان أي في دين العجل الذي يجعل الأداة غاية أداة التبادل وأداة التواصل تعوضهما بما لصاحبهما من سلطان على تلك الغايات .فكل ما ذكرناه من شروط بقاء الإنسان بهذا المعنى المتحد الذي ليس فيه فصل بين وجهي كيانه الظاهر (البدن) والباطن (الروح) يمكن أن يصبح مجرد بضاعة بخسة أمام ما يستعاض به عنه من بعدي العجل أي الأموال والأقوال :معدن العجل وخواره. لذلك فالقرآن لم يتكلم على حرب الله إلا على ربا المال الذي هو جعل رمزه العملة تنتقل من دور أداة التبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين ما يجعل أصحابه يتألهون به لمجرد جعله المتحكم في المائدة والسرير وفنيهما وأصلها جميعا أي في حياة الفرد والجماعة من حيث كيانها العضوي او ظاهر وجودها. والقرآن لم يتكلم على \"المقت الأشد\" إلى على ربا الأقوال الذي يجعل رمزه الكلمة تنتقل من دور أداة التواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين ما يجعل أصحباه يتألهون لمجرد جعله المتحكم في جهازي الإنسان أي النظر والعقد والعمل والشرع بجعل المعرفة والقيم خوارا أو إيديولوجيا تغير الرؤى والقيم في علاقة البشر بعضهم بالبعض وبالعالم وبالمثال الاعلى لسياسة الشاهد من العالم في في الاستعمار والاستخلاف بتحريف سياسية الرب للعالم غيبه وشاهده. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- ولا بد من العودة إلى تعريف ابن خلدون للإنسان \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق' له\" .فرئاسة الإنسان هي التي تفسد بسلطان ربا الأموال الذي يحول العملة من أداة تبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين وربا الأقوال الذي يحول أداة التواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين فيفسد علاقة المادية البشر وعلاقتهم الروحية بعضهم بالبعض لأن الأول يفسد التبادل الذي يصلح علاقة سلطة بتوسط المائدة والنظر وفنيها والثاني يفسد التواصل بتوسط السرير والعمل وفنيهما بل يجعهما أداتي استعباد مادي وروحي للإنسان: -1فالاول أو ربا الأموال يمثل أداة السلطان على الأبدان لأنه يتعلق بالآداب الأربعة التي تحدد قيم سياسة البدن أي المائدة والسرير وفن المائدة وفن السرير. -2والثاني أو ربا الأقوال يمثل أداة السلطان على الأرواح لأنه يتعلق بالأجهزة الأربعة التي تحدد معارف سياسة العالم أي النظر والعقد والعمل والشرع. ونحن أمام تفسيرين لهذه الحصيلة التي تعينت في الكائن الذي نسميه الإنسان بجنسيه نبدأ بأولهما في هذا الفصل بكلام يزعم بما يشبه الإجماع بكونه علميا وعقلانيا ونختم بالثاني في الفصل الآخر والخاتم لهذه المحاولة ويعتبر خرافيا ولا وعاطفيا .وسأحاول اختبار التفسير المزعوم علميا ببيان عدم كفايته على فرض صحته التي لا أسلمها إلا جدلا قبل اختبار تناسق الثاني الذي يزعم خرافيا وعاطفيا. فما يتناساه الكثير من المعجبين بنظرية التطور هو أنها مرت بمرحلتين .أولاهما هي المرحلة الأرسطية التي تقول بالتطور النسبي الذي يتوقف بمجرد بلوغ الغاية في تحصيل الأجناس والأنواع الحية .وهو ما يعتبر مرحلة تجريب الحياة لطرق إنجاز مهمة تخليق الأجناس والأنواع في رؤية ارسطو البايولوجية .فإذا تمكنت بعد تجريب فاشل عديد المرات من أنجاز جنس مكتمل البنية وتأسيس قانون تكون أنواعه وأفراده أصبح ذلك ذاتي التكوين بآلياته التي تحقق في عملية التخلق .والعلامة هي التطابق بين نظام الأعضاء ونظام الوظائف. أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- وقد يتواصل تحسين نظام الاعضاء لكنه لا يتجاوز نفس الوظائف التي تبقى ثابتة فلا تتطور بعد أن تحققت فاكتملت لأن توقف التطور التجريبي شرطه أن يكون قد أنتج أتم نظام للوظائف الحيوية. وقمة إنجاز المهمة بالنسبة إلى الحياة بصورة عامة في غايتها هي إنجاز وظيفة الكلام والعقل عند الإنسان أرقى الاجناس الحية في فلسفة أرسطو بمعنى أن الإنسان أرقى انجاز في التخلق الطبيعي للحياة. وما يتميز به هذا التصور لنظرية التطور التجريبي عن نظرية التطور الداروينية أمران: -1الأول هو أن للتطور غاية موجودة بالقوة في الحياة من البداية وهي تكوين الأجناس والأنواع بعد تجريب يوصل إلى أفضل تناسق في النظامين العضوي والوظيفي وتطابق بينهما. -2الثاني أن حصول ذلك يؤدي إلى تحول التطور إلى نظام التوارث الذي يجعل الاجناس والأنواع الحية من النبات إلى الإنسان ثابتا وهو القول بنظرية ثبات الاجناس والانواع وبعدم مرور أي منها إلى الآخر. وهذه الغاية مصاهفة فهي التناسق الوظيفي والتناسب الجمالي .ومن ثم فكل العقبات التي سنبينها في الخيار الدارويني ليس لها وجود في رؤية أرسطو على الأقل من حيث انطباق نظرية الضرورة الشرطية قانونا طبيعيا عاما .لكن القول بالتطور بمعناه الدارويني يقتضي الكلام في خمس مراحل ليس لداروين لهما حل متناسق ومقبول عقلا ولا دليل تجريبي كاف للإقناع به .فيكون التطور ملغزا فيها جميعا ما يجعل من العسير فهم وحدة السلسلة التطورية والتمايز الكيفي بين الأجناس والانواع وخاصة الثبات الوراثي حتى لو افترضناه غير مستقر بصورة نهائية فيه: -1لا بد أن يوجد تطور متقدم على تطور فصيلة القردة دون حصر لعدد الفصائل الممكنة عقلا إذا حددنا البداية. -2لا بد أن يوجد تطور في تكوينية فصيلة القردة بصورة تقربها من فصيلة الإنسان. أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- -3لا بد أن يوجد تطور في تكوينية فصيلة البشر بصورة تقربها من الإنسان في شكله الذي هو عليه حاليا. -4لا بد أن يوجد تطور بعد فصيلة البشر غير معلوم الأعداد إذ لا شيء يدل على أن التطور توقف عند نهائيا عند تحقق غاية هي الإنسان. -5وأصل ذلك كله ضرورة فهم الوحدة التي تحقق هذا التسلسل الحاصل في الغاية التي لم تتحدد بعد والتي ليس لها وجود في البداية لأنه لا يمكن للصدف أن تحدد من البداية في غياب الغائية التي تقتضيها الضرورة الشرطية بالمعنى الأرسطي قانونا لعمل الطبيعة. ودون أن أتحامل على داروين فإني لا أتردد على افتراض أن مثل هذه النظرية لا بد وأن تكون ذات أصل عنصري .فلكأن صاحبه يحاول تبرير رؤية الاستعمار البريطاني للأنديجان في المستعمرات وتفسير الفرق بين بشره وبشرهم بنظرية الانتخاب الطبيعي بغائية البقاء للأصلح لتبرير سلطان الأقوى في صراع البقاء .فمفاد هذا الكلام أن ما يحصل بين المستعمر والأنديجان يمكن تفسيره بالانتخاب الطبيعي الذي يزيل بمقتضاه الأقوى الأضعف من الوجود بمعزل عن الأخلاق ما دام يرد إلى علة طبيعية عضوية هي التكيف الذي ينتج عن الصراع من أجل الحياة والبقاء للأقوى أو للأصلح بقانون التكيف. ذلك أن الحجة الوحيدة التي يعتمدها هي التقارب في الأعضاء-مع استحالة التطابق لاستحالة رد المنفصل إلى المتصل كالحال في الانتقال من العدد الطبيعي إلى العدد الحقيقي-لا يمكن اثباتها مهما أطال القائلون بالنظرة التطورية المعتمدة على التحولات الكيفية بالصدفة في مدة حصولها لكي تتمكن بالتراكم من تحقيق التكيف مع ظروف العيش -وهو معنى الانتخاب الطبيعي بتراكم الصدف وحفظ ما يكون مساعدا على التكيف ومن ثم علة كافية على إزالة كل من تحصل له الصدف وتراكمها وحفظها ليبقى. ومهما قبلنا بأن ذلك قد يعلل التحولات الكيفية التي لا يمكن اثباتها بالأدلة المادية من الإحاثيات إذ لا يمكن مهما وجد من تقارب بين الأعضاء ألا يتناقض مع إطالة المدة التي تعني تقريبا الانتقال من انفصال الأعداد في العدد الطبيعي إلى ما يقرب مما غايته بالمعنى أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- الرياضي الاتصال بين الأعداد في العدد الحقيقي .فهذه النقلة تقتضي ضرورة قطع اللامتناهي بين المختلفين كيفيا في مدة متناهية فإن ذلك لا بد فيه من اعتبار ما يحفظ من التحولات الكيفية ويراكمها ذا غائية هي التكيف أولا والتكيف الأقل كلفة على الحياة نفسها ثانيا ما يعني أمرين: -1أن التفسير بالصدفة ينبغي أن يقول هو بدوره بغائية خفية تجعل التكيف وكأنه غاية تراكم الصدف التي تحقق الطفرة التكيفية لتجاوز مشكل قطع المسافة الفاصلة بين تغير وتغير ومن ثم فهي تتضمن تحول الصدفة إلى ثابت موروث في الأجيال المتوالية من النوع الوارث لها في كل مرحلة من مراحل الانتقال من القرد إلى الإنسان مثلا. -2والأهم من ذلك كله ضرورة أن يتكرر مرتين بسبب الحاجة إلى حصوله في الجنسين لنقل هذا الموروث بمعنى أنه ينبغي أن يكون حاصلا في الذكر وفي الأنثى حتى يصبح خاضعا لقانون الإرث البايولوجي وأن يكون متساوقا بمعنى أن الصدفة التي تحصل في الذكر ينبغي أن تحصل في الأنثى وإلا فانتقال ما حصل بالصدفة عند أحد الجنسين قد لا يكون كافيا لتحقيق التكيف لأنه يكون نصف تكيف فيصبح مستحيل الحفظ والبقاء لأن ما عند الجنس الثاني لا يقبله أو إن قبله فقد ينتج نكوصا في النوع يلغي ما حصل عند الجيل الأول إلى الحاصل عند الجيل الموالي. والاعتراض الأهم يتعلق بالبداية وبالغاية في نظرية التطور الداروينية .فكلتاهما تناقض الرؤية التي تعلل التطور بالتكيف وبالبقاء للأصلح أو للأقوى للقدرة عليه: -1فالبداية إن سلمنا بوجودها لم تكن بحاجة للصراع الذي ينتج عنه الانتخاب الطبيعي لوفرة شروط البقاء ومن للاستغناء عن شرط إضافي للتكيف إلا إذا كان حصول التحول الخارجي في بيئة الكائنات الحية هو العلة الخارجية التي تجد في الجنس الوحيد من الحياة -إذ نحنى في البداية-تفاوتا في القدرة على التكيف ما يعني أن بعضه كان حائزا على شيء موجود من البداية وليس حصيلة تطور ومن ثم فالتنوع الناتج عن الفروق في قوة الأبدان سابق على التطور ومستغن عنه. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- -2والغاية إذا كانت هناك غاية في التطور تقتضي أن ما ليس له القدرة على التكيف ينبغي أن ينقرض وألا يبقى منه ما لا يستطيع التكيف ما يعني أننا ينبغي أن نعود إلى ما كانت عليه البداية أي جنس وحيد استطاع البقاء وفي غير هذه الحالة لن يكون البقاء مشروط بهذا التغير على الأقل للبعض .ومثال ذلك هو أن القردة كان ينبغي أن تنقرض لما حصلت فصيلة الإنسان. وإذا قبلنا فرضيتي لتأويل وضع هذه النظرية فإن الاستعمار البريطاني كان ينبغي أن يزيل كل الأنديجان الذين استعمرهم لأنه أقدر على التكيف منهم ما يعني تقريبا تكرار ما حصل للهنود الحمر فيجعل نظرية داروين لا تختلف عن نظرية هيجل في القول بصراع أرواح الشعوب وعن نظرية ماركس في القول بصراع الطبقات .ولعل للنظرية علاقة بقانون مالتوس الذي يتنافى مع التقدم العلمي الذي يتغلب على المعادلة بالتقدم الزراعي للغذاء والطبي للصحة. وفي الحالتين الفلسفية والبايولوجية وحتى في حالة التناسب بين الغذاء والديموغرافيا يمكن القول إن نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي ليست إلا ترجمة لنزعة هدفها تبرير الاستعمار ببعديه الذي يبحث عن تحميل الطبيعة التخلي عن المسؤولية الخلقية: -1الاستعمار العام الذي يصبح تهديما ولا يبقى تعميرا لأنه لا يؤمن بقيم الاستخلاف والمؤدي إلى الافساد فيها وسفك الدماء .وهذا هو المشترك في الرؤية الفلسفية الاستعمارية التي تقضي على التنوع في النبات والحيوان والإنسان لتفرض نمطا واحدا من الحضارة لغة واحدة وفكرا واحدا نمط حياة وثقافة واحدة .وتلك هي العولمة الحالية التي علاجها المؤقت الآن هو محاولة حماية الطبيعة من التلوث وعلاقة ذلك بالتلوث الثقافي وكلاهما عبارة عن عبادة العجل أي عبادة معدنه ورمزه ربا الأموال وعبادة خواره ورمزه ربا الأقوال .ويمكن اعتبار الثقافة الأمريكية التعين الفعلي لهذه الرؤية حاليا. -2تعميم العنصرية على كل الكائنات تبريرا يزعم علميا بفرضية الانتخاب الطبيعي في ما يبدو توحيد سلسلة الأجناس والأنواع الحية بناء على حلين كلاهما مستحيل وجوديا أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- ورياضيا .فوجوديا لا يمكن تفسير التغير الكيفي بالصدفة ثم ادعاء المحافظة عليه بالغائية التي تجعله وراثيا .ولا يمكن رياضيا الوصل بين منفصلين مهما صغر الفرق بينهما من دون قطع اللاتناهي في قطع المسافة الفاصلة لأنها تقبل القسمة إلى فروق متصاغرة دون غاية كالفرق بين العدد الطبيعي والعدد الحقيقي .وإطالة مدة الانتقال لا يغير منه الامر شيئا لأن المدة مهما أطلنا فيها تبقى متناهية ومن ثم فهي لا تحقق شرط الوصل بين المنفصلين مهما قربت المسافة الفارقة بينهما. وأخيرا فإني دون أن ادخل في جدل حول الاكتشافات الإحاثية وهو جدل أنا في غنى عنه لمجرد بيان علتي استحالة تحديد البداية والغاية واستحالة قطع المسافة بين كيفيتين منفصلتين بالتراكم الكمي الذي يحفظ ويتحول إلى ميراث ينتقل بثبات يحقق التكيف في جنس أو نوع معين من دون البقية من دون شرح العلة الميتافيزيقية التي لا يمكن ألا تكون غائية في الصدف والعلة الرياضية التي تعلل قطع اللامتاهي في مدة متناهية مهما طالت فإني في حل من الحاجة إلى هذا الجدل. وتكفي حجة واحدة كان يمكن أن تحسم الاستدلال على صحة النظرية أو أمكن مثلا تحقيق تجربة واحدة ترينا إمكانية الانتقال الكيفي بين نوعين مختلفين من النبات أو من الحيوان كما نستطيع أن نبين التغير الكيفي في من الماء إلى البخار بالتسخين أو منه إلى الثلج بالتبريد .وما لم نتمكن من مثل ذلك في الانتقال الطفري وفي التراكم الكمي الذي يؤدي إليه فالدليل يبدو لي ما يزال في طور الفرض الذي لا دليل كاف عليه. ولم يبق إذن إلا أن ابين أن ما يعتبره أصحاب هذه الرؤية من الخرافة أو من الميثولوجيا أو حتى من المعجزات الدينية دون أن اجادلهم في رؤاهم التي يزعمونها علمية لأنها في الحقيقة يمكن أن تعتبر أكثر خرافية وأكثر ميثولوجية أو حتى أكثر اعجازية رغم وصفها بالعلمية تجوزا .فالعلمي نفسه مبني على خمس معتقدات هي بالجوهر معتقدات أقل ما يقال فيها أنها مسلمات لا دليل عليها أو هي مجرد قبول بأمر واقع (فاكتوم) لا شيء يثبت أن منزلته الوجودية تتجاوز كونه من باب التسليم والاستسلام للأمر الواقع: أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
-- -1فالعلم يحتاج إلى التسليم بأنه يوجد عالم طبيعي وتاريخي في الأعيان خارج الأذهان. -2ويحتاج إلى التسليم بأن هذا العالم الطبيعي والتاريخي ذو نظام من القوانين والسنن -3ويحتاج إلى التسليم بأنه توجد أذهان عند الإنسان تمكنه من إدراك العالم الخارجي بما فيه ذاتها. -4ويحتاج إلى التسليم بأن إدراك الأذهان للعالم والذات يحقق المعرفة بالطبيعة وبالقيمة بالتاريخ. -5ويحتاج إلى التسليم بأن مجموع هذه المسلمات هي ما من دونه لن يوجد ما نسميه علما وهي إذن مسلمات أو في الحقيقة مجرد عقيدة لا تختلف عن العقائد الدينية التي تعترف بأنها مسلمات إيمانية ولا تدعي العلمية. لكنها على الأقل في الإسلام هي عقائد إيمانية متخلصة من التوظيف العنصري الذي ينتج عن هذه الرؤية التي تزعم العلمية والتي لها علاقة بأديان عنصرية بالجوهر وذلك لعلتين: -1العلة الأولى هي الزعم بأن الدين خاص بهم والله لا يتصل إلا بهم. -2العلة الثانية وذلك لأنهم شعب الله المختار وكل من سواهم جوهيم. أما الإسلام فيعتبر البشر جميعا اخوة من نفس واحدة (النساء )1ويعتبرهم متساويين (الحجرات )13للتعارف معرفة ومعروفا وليس للتناكر لأنه لا يعترف إلا بتفاضل وحيد هو التقوى أي احترام قيم الاستخلاف الذي هو منزلة وجودية لجميع البشر مع وضع مبدأ يحفظ التنوع في كل شيء باعتباره من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس. أبو يعرب المرزوقي 38 الأسماء والبيان
-- بينت في الفصل السادس استحالة حل لغز الإنسان بنظرية التطور وأرجعناها إلى موقف عنصري يبرر الاستعمار بأحكام الطبيعة ليتنصل من أفعاله المؤدية إلى افناء الشعوب الأقل تقدما علميا وتقنيا أفعالة المنافية للأخلاق لأنها استعمار متنصل من قيم الاستخلاف .وهذا التنصل يجعل الاستعمار يتحول من التعمير إلى تدمير بواسطة الصراع الجدلي بين أرواح الشعوب أو ببين طبقاتها فلسفيا أو بين الأنواع النباتية والحيوانية والإنسانية بايولوجيا. وبينا قبل ذلك أن المعاني التي اكتشفناها في قيام الإنسان من حيث محددات كيانه ومحددات شروط بقائه ليست محاولات تفسيرها بنظرية التطور أكثر معقولية ومقبولية من تفسيره بصورة رمزية في الرؤية القرآنية لوجود مثل هذا الكائن اللغز الذي حاولنا شرح الملغز فيه .وهو ما يعني أن ما رأيناه مما يبدو من عدم معقولية ومن ضرورة ما يشبه المعجزة لحصول هذا المسار العضواني والروحاني في آن يبدو في القصة الرمزية القرآنية أكثر معقولية ومقبولية رغم أنها لا تحل اللغز حلا يمكن اعتباره كافيا لإزالة اللغز والشك في وجاهة حله مثلها مثل نظرية التطور. فالقصة القرآنية تقول إن الأصل هو نفس واحدة (النساء .)1وليست النفس هنا بمعنى النفس المقابلة للبدن بل بمعنى الذات كما في \"لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة\" أو ذواتكم التي تتألف من بدن ظاهر وروح باطن في آن خلق منها زوجها ثم بث منهما رجال كثير ونساء. وهذا النص ينفي خرافة المفسرين التي تعتبر المرأة كائنا خلق بعد الرجل ومن ضلع أعوج منه وهو من الاسرائيليات .لكن القرآن يعكس فيجعل الجنس الانثوي متقدما على الجنس الذكري الذي اشتق منه .ففيه يعتبر خلق من المرأة ثم تغشاها فحملت منه وتتوالى منهما الأجيال من الرجال والنساء (الأعراف 189والنساء .)1وخلق زوج النفس الواحدة الذي تغشاها فحملت منه هو الذي يرمز إليه خلق آدم في القرآن خلقا يعيد ما ينبغي أن يكون قد حصل للنفس الواحدة. أبو يعرب المرزوقي 39 الأسماء والبيان
-- ولكن هذه المرة في مرحلة ثانية من استكمال الخلق ما يعني أن النفس الواحدة هي حواء وأن زوجها هو آدم فتكون حواء هي أمه وزوجته في آن ومنهما تكون الأجيال بعد الخروج من الجنة أي بعد أن اصبحا قادرين على الاعتماد على نفسيهما لتحقيق شروط بقائهما بالتعامل مع الطبيعة ومع ما يضيفانه إليها أي التاريخ. وهذا يعني أن النفس الواحدة هي حواء وأن الزوج الذي خلق منها وتزوجها هو آدم. ولذلك فهو الذي يحدد الجنين ذكرا كان أو انثى وحواء هي التي تمثل محل تخلقهما ولذلك سميت بمشتق من جذر هو الحياة .فالبويضة هي الشرط الضروري لتخلق الحياة الإنسانية العضوية والروحية .والمرأة هي شرط بقاء الجنين حتى لو أمكن بالتقدم التقني تعويضها في بعض الوظائف التي تحاكي ما يفرزه كيانها. والكلام على آدم دون حواء في عملية الخلق علته أن آدم هو الذي ما خلق من النفس الواحدة التي لم تكن بحاجة للإستكمال لأنها الأصل التام والرجل هو الفرع المحتاج للاستكمال .وهو المحدد للفرق بين الجنسين بخلاف حواء التي هي النفس الواحدة التي وتقبل الجنسين ولا تتضمن التمييز بينهما .ولا بد هنا من نحل لغز اللقاح الذي أنتج آدم ومثله عيسى بنص القرآن من دون أب .واعتقد أن من له دراية بالزراعة والتلقيح بنقل الرياح للغبرة الملقحة وتذكير التين وتأبير النخل يعلم أن ذلك ممكن وهو ما يرمز إليه النفخ في فرج مريم ومثله في فرج حواء او النفس الواحدة .وكيفما كان الأمر فإن البداية بالواحد أيسر من البداية بالاثنين لأن استمداد الثاني من الأول يمكن أن يكون ممكنا إذا جمعنا بين الجنسين كما يحدث في الزراعة. والمعلوم أن آدم ينتج نوعين من الحيوانات المنوية التي تخصب البيضة بما بالعامل الذكري للذكور التي تخصب البيضة بالعامل الأنثوي وأن عاملين يخصانه يتدخلان في حصول أحد التخصيبين هو مدة حياة الحيوان المنوي وسرعته في الوصول إلى البويضة والولوج فيها وعاملين يخصان البيئة التي يتحرك فيها خلال هذه الحركة والتي تحدد طول المسافة التي يقطعها والحموضة التي فيها .وفي الحقيقة فإن الامر كله تناسب كمي وكيفي أبو يعرب المرزوقي 40 الأسماء والبيان
-- في مكان (عضو المرأة التناسلي) التخاصب والتفاعل وزمانهما (العلاقة الزمانية بين مدة حياة الحيوان وزمن البيض) بين هذه العوامل الأربعة في تحقق عملية التخصيب .ولذلك فتنظيم هذه العوامل لتحقيق التناسب المناسب يمكن من التحكم فيه فيكون من أدوات التأثير على اختيار جنس الجنين. أما حواء فتنتج نوعا واحدا من البويضات يصلح لأن يكون أصلا للجنسين دون تمييز بين الذكر والانثى إلا بفضل ما أسلفت من التناسب في لقائها بالحيوان المنوي الذكري أو الأنيوي .وهي إذن عين النفس الواحدة بخلاف آدم فهو الذكر الذي اشتق منها فكان بنحو ما ابنها وزوجها ومنهما يبث رجال كثير ونساء (النساء 1والاعراف .)189ولست غافلا على كون هذه الرؤية تنافي القول بالمحارم .لكن لا يمكن فهم القصة القرآنية من دون اعتبار هذا القول متأخرا بعد أن تكونت النواة الاولى من الاسرة وتعددت أفرادها من لجنسين وهذا يعني أن الاخ كان يتزوج اخته ثم ابن الاخ بنت الأخت او العكس حتى تباعدت العلاقة فوضع تحريم المحارم حتى تتوسع علاقة الاسر بعضها بالبعض وتيسيرا للتزاوج الخارجي. ولو كان الأمر يسير الفهم وقابلا للرد للمعتاد من العملية الجنسية العادية لما كان الأمر متعلقا بلغز يحتاج إلى ما يبدو معجزة سواء قلنا بالتطور المزعوم علميا أو بالقصة الرمزية المزعومة خرافية .فيكون كل ما قيل عن آدم قد حصل مرتين واحدة للنفس الواحدة التي خلق منها والثانية للزوج الذي خلق منها وجمع فيه ما قيل فيهما تخليصا لمراحل خلق الإنسان واعداده وتجهيزه لمهمتي الاستعمار في الأرص والاستخلاف فيها. ومن ثم فما يقال عن خلق آدم زوج النفس الواحدة التي اشتق منها يتضمن ما حصل للنفس الواحدة ولم يذكر في الكلام عليها وهو ما جعلها تكون بداية حياة البشر الواحدة والتي خلق منها آدم .أي إنها هي التي صنعت من تراب ثم نفخ فيها ومنها اخرج الزوج حاصلا عما تحقق فيها ثم استكمل خلقه بما لم يكن حاصلا عليه منها بمجرد اشتقاقه من أبو يعرب المرزوقي 41 الأسماء والبيان
-- حواء التي خلقت كاملة ولم تكن بحاجة لاستكمال خلقها فيه أعني هذه القدرة التي تمكن من التمييز بين الجنسين. ولو لم يكن قد نفخ فيها من روح الله لتنجبه لكانت بحاجة مثل آدم حتى يصبح قادرا على لإنجاب لما يصبح زوجها فنفخ فيه نفخا يضيف ما ليس فيها أعني التمييز بين الذكر والأنثى فتكون غنية عن هذه الإضافة وخلقت كاملة لا تحتاج إلى النفخة الثانية .وكان يمكن أن يكتفى بالنفخ في حواء التي اشتق منها لو كان النفخ فيها متضمنا للقدرة على الجنسين .لكنها لا تنتج إلا بويضات هي القاعدة المشتركة بين الجنسين. وخلق عيسى عليه السلام بالنفخ في فرج مريم رمز للتذكير بالنفخ في النفس الواحدة لأن القرآن يقيس معجزته على معجزة خلق آدم من النفس الواحدة أي بالنفخ في حواء ما يعني أن النفخ في مريم لإنتاج عيسى والنفخ في النفس الواحدة لإنتاج آدم فيه قيس لمريم على حواء وقيس لعيسى على آدم وقيس لعملية الفصل بين الزوجين في أصل واحد قصة رمزية تفسر إمكانية الانتقال من الوحدة إلى الزوجية بتطور في العضوي صادر عن فعل يبقى من الألغاز. والتكرار رمزي في خلق عيسى من خلق دون أب لما حصل في خلق آدم من دون أب هدفه التذكير بالمعجزة التي بدأت بها حياة الإنسانية والتمييز بين النفختين المنتجة للأصل الحياة ولأصل التجنيس فيها .والغريب أن النفخة في فرج مريم اقتضت الإشارة إلى هذه النقلة التي بقيت طبيتها من الغيب والإلغاز تمثل النافخ لمريم في شكل بشري بالمعنى الطبيعي ما يفيد أن القصد هو الوصل بين النوعين من التخصيب الناقل من الوحدة إلى الزوجية من دون أب وبأب. والقصة ليست أكثر غرابة من قصة التطور بل هي تبدو أكثر معقولية ومقبولية إذا اخذت باعتبارها رمزا لأمر غيبي يعلل البداية التي ليس لنا عنه أدنى معرفة تقبل الوصف بالعلمية عدى كون المادة التي لم يكن فيها حياة حصلت لها صدفة التحول إلى حياة لما توفرت لها الظروف البيئية والمناخية .لكن هذا التوفر هو بدوره لا تفسير له .وهكذا أبو يعرب المرزوقي 42 الأسماء والبيان
-- فالتفسير المادي يتوهم أصحابه أن تأخير المشكل وتطويل الزمان الموصل إلى لحظة تحقق الظرف المناسب يكفي للسكوت عن ذلك كله. في الحقيقة كلا الحلين المزعوم علميا والمزعوم دينيا كلاهما غريب وعسير التصديق على عقل الإنسان إذا قاس بداية خلق الحياة عامة وحياة الإنسان خاصة على ما يجري حاليا. وكل البدايات هي من هذا الجنس سواء البدايات المطلقة أو البدايات في النقل الكيفية. فلا شيء يمكن أن يفسر الانتقال من العدم إلى الوجود ولا شيء يمكن أن يفسر التغير الكيفي في أي شيء .ذلك أنه إذا كل شيء ينبغي أن يكون موجودا في ما تقدم عليه لتفسير ظهوره فمعنى ذلك أنه لا شيء يتغير عدى الظهور بمعنى عدى ما يظهر لنا لكن الأشياء في ذاتها هي كما هي دائما وهو إلغاء للمشكل من أصله. ومن ثم فالقصتان لا تختلفان من حيث التفاوت في قابلية التصديق بذاتهما بل هما تنتجان عن موقفين أحدهما يزعم أصحابه العملية ويريدون تفسيرا ماديا خالصا ويجعل التغير الكيفي بالتراكم الكمي مع توهم إطالة المدة كافيا للوصل بين حالة سابقة وحالة لاحقة لقطع ما بينهما من مسافة فارقة مع التسليم بالطفرة لأن المسافة مهما كانت صغيرة قابلة للقسمة اللامتناهية .والثاني يزعم اصحابه الدينية ويريدون تفسيرا روحيا خالصا ويجعل التغير الكيفي من الغيب دون حاجة لمهرب الإطالة الزمانية لتعليل التغير الكيفي الثابت في كل جنس وأنواعه على حدة دون نفي قابلة التفاعل بين الأنواع من أجناس مختلفة في النبات وفي الحيوان مع حدود تثبتها التجربة كما يحصل في التهجين العقيم كما في حالة البغال. والطفرات في التفسير المادي معجزات مجهولة الحقيقة وهي جوهر الفروق في كل الكائنات الطبيعية حية كانت أو جامدة ومن ثم ففي النهاية لا يمكننا أن نتجاوز القبول بالواقعات ومحاولة تفسيرها .ولما كان يستحيل أثبات ما يصل بين حالتين من دون قطع اللامتناهي الفاصل بينهما فإنه لا فرق بين الروايتين التي تزعم علمية والتي تزعم دينية. أبو يعرب المرزوقي 43 الأسماء والبيان
-- كلتاهما ظنية وهي من باب الاحتمال والخيار هو بين الإيمان الديني والإيمان العلمي وليس بين الحقيقة والباطل. والآن أعود إلى ما توقفت عنده في تعريف الإنسان غاية لفهم اللغز من المنظور القرآني الذي استمد منه ابن خلدون تعريف الإنسان .فتعريفه بالرئاسة بالطبع وبمقتضى الاستخلاف هو جوهر القصة الرمزية حول استعماره في العالم من دون قيم الاستخلاف: -1فيكون المعنى الأول وهو الرئاسة بالطبع التي هي ما وصفت الملائكة أي الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء ولا يزال الإنسان فيه هذين الجريمتين إفسادا وسفكا للدماء بسبب الاستعمار من دون قيم الاستخلاف. -2ويكون المعنى الثاني هو الرئاسة بمقتضى الاستخلاف فيكون للإنسان ما به يتميز عن غيره من الحيوانات .فلا تكون رئاسته مقصورة على شرعية القوة بل على قوة الشرعية. فالتعريف الخلدوني يجعل ما به يكون الإنسان رئيسا بالطبع بحق علته اقتضاء الاستخلاف له الذي يضفي على الجهازين القابلين للاستعمال الطبيعي البحث ما يجعلهما قابلين لتجاوزه إلى الخلقي المتعالي على الطبيعي فيجتمع المعرفي مع القيمي لئلا يبقى مجرد أداة بمعزل عن الغاية الخلقية .ومن ثم فما يسمى العولمة الاستعمارية الخالية من قيم الاستخلاف تلغي رئاسة الإنسان وتحوله إلى عبد لغير الله الذي استخلفه فيعبد العباد العباد بدل رب العباد لأنها تتنصل مما يقتضيها فتصبح العولمة تعميم للعبودية لغير الله أو للعبودية لأصحاب ربا الأموال (البنوك) وربا الأقوال (الاعلام والملاهي) وهو ما نراه اليوم بالعين المجردة :فما يسمونه حرية إنسانية هو في الحقيقة عبودية مقنعة لهذين الربين الجديدين وغالبا ما يكون الثاني تابعا للأول. وطبيعي عندئذ أن يعتبر أصحابهما الإسلام عدوهما .فما يسمى بالاسلاموفوبيا ليس ظاهرة معبرة عن احوال نفس اصحابها بل هي وعي حقيقي عندهم بأن ما يحرر الإنسانية من سلطانيهما بربا الأموال وربا الأقوال هو مهمة الإسلام وهو معنى كون امته شاهدة على العالمين .ويترتب على كل ما قدمنا أمران: أبو يعرب المرزوقي 44 الأسماء والبيان
-- -1طبيعة نظام الحكمة وأسلوبه وقد شرحناه بتفسير الآية 38من الشورى .فهو نظام جمهوري والمشاركة فيه فرض عين على الجميع لأن اسلوب الحكم ديموقراطي لا يقبل بالوساطة بين الله والإنسان ولا بالوصاية بين المؤمن وشأنه العام .فـ\"أمر الجماعة\" تعني \"راس بوبليكيا\" وتلك هي طبيعة الحكم .و\"شورى بينهم\" تعني ديموقراطية .والتأسيس في مرجعية دينية هي الاستجابة إلى الرب بمعنى اعتراف الإنسان بما استمده ابن خلدون من مفهوم الإنسان القرآني \"رئيس بطبعه بمقتصى الاستخلاف الذي خلق له\" أي بأنه مستعمر في الأرض ومستخلف فيها يسوس عالمه الشاهد بمعايير سياسة الله للعام غيبه وشهادته. والغاية حل مشكل المشاكل أي الانفاق من الرزق وهو في آن مشكل الملكية ومشكل التوزيع العادل للثروة. -2جمع كل قضايا السياسة الإنسانية في ثورتين ما يحققها بالفعل وذلك هو مضمون سورة هود التي وصفها القرآن مع أخواتها بأنها قد شيبته لما في مضمونها من تحديد لماهم الترجمة السياسية للإسلام. *-ثورة نوح التي تعني تحرير الإنسان من استبداد الطبيعة كما يرمز إلى ذلك مفهوم أخذ الزوجين من كل شيء لجعل قيام الإنسان ثمرة لعمله وليس عيشا على ما تنتجه الطبيعة حتى وإن كانت التقنية (صنع السفينة) والزراعة تعتمد على قوانين الطبيعة. *-ثم ثورة موسى التي تعني تحرير الإنسان من استبداد الدولة كما يرمز إلى ذلك هجرة بني اسرائيل من دولة الفراعنة والانتقال من الديني الطبيعي إلى الدين المنزل الذي يحرر من المثال الدنيوي لسياسة الدنيا (نظام الفراعنة) إلى النظام الأخروي لسياستها (ألواح موسى). *-وما بين الثورتين على استبداد الطبيعة وعلى استبداد الدولة نجد مشكل الثروة (هود) ومشكل الماء (صالح) ومشكل الجنس (لوط) ومشكل شروط التبادل العادل (شعيب). أبو يعرب المرزوقي 45 الأسماء والبيان
-- *-أما ابراهيم بين الثلاثة الاول والثلاثة الأواخر فهو رمز الأساس الذي يحرر الإنسانية من تعدد الآلهة وعبادة الافلاك التي كانت ترمز إلى أسمى ما في الطبيعة من نظام ليكون التوحيد أساس توحيد الإنسانية .وذلك هو مشروع الإسلام الذي يرمز إليه عودة الرسول إلى ابراهيم مع نقل ثورته من مجرد كلام على الوحدانية إلى جعلها مشروعا لتوحيد الإنسانية بترجمة الدين إلى سياسة تحقق وحدة البشر مع المحافظة على التعدد في كل شيء بما في ذلك في الاديان لأن ذلك من آيات الله أولا ولأنه شرط الحرية الدينية (البقرة )256لأنه شرط التسابق في الخيرات عند البحث عن الحقيقة الدينية (المائدة .)48 لكن ذلك كله يمكن اعتباره من جنس الاقتصادي الكلي بالمقارنة مع الاقتصاد الجزئي أو الماكرواكيمنومي بالقياس إلى الميكروايكونمي .فما يجري من علاقة بين الذكورة والأنوثة في الجنسين وبينهما هو المحدد الأساسي في وجود الجماعات وكله يدور حول المائدة والسرير وحول فنيهما من حيث هما هما بالفعل أو من حيث بدائلهما في الرمزين الأكثر كلية في حياة البشر أعني رمز الفعل أو العملة وفعل الرمز أو الكلمة اللذين هما التعين الرمزي لما يسد حاجة المائدة والسرير وحاجة فينهما: -1فالانوثة سواء كانت عند النساء أو عند الرجال تقدم الرمزين على ما ترمزان إليه في العلاقة الزوجية لأنهما شرط تحقيق القدر الأوفى منهما إذ بهما يمكن لاحقا الحصول على المائدة والسرير وفنيهما بيسر .لكنها تقدم المرموزين على الرمزين في العلاقة غير الزوجية حيث تطلبان لذاتهما وعلامتها القوة قوة الذكورة التي هي القوة الجنسية والعنف البدني بمعنى عنفوان البدن كما يبرز في العضلات وأهمها عضلة الجنس. -2الذكورة سواء كانت عند الرجال أو عند النساء يكون التقديم عندها عكس التقديم عند الانوثة لسبب بسيط هو كونها هي المطلوبة من الأنوثة لذاتها وفيها يكون الرمزان ثانويين .ولهذه العلة فالذكورة ليس مطلوبة لذاتها في الزواج بل المطلوب فيه هو الرمزين أبو يعرب المرزوقي 46 الأسماء والبيان
-- اللذين يمكنان من تحصيلها خارج الزواج أوالاكتفاء بهما بديلا منها إذا لم تتوفر فرصة تحصيلها خارجه بسبب التقاليد والعادات الخلقية في المجتمعات المحافظة. وبذلك يتبين أن الزواج مؤسسة اقتصادية بايولوجية وظيفتها المحافظة على النوع بتوفير الشرطين الضروريين والكافيين أعني المائدة والسرير في وظيفة المحافظة على النوع .لكنها لا تسد حاجة فني المائدة والسرير عندما يصبح الغذاء والجنس للمتعة واللذة مطلوبين لذاتهما .لكنهما في تلك الحالة يصبحان مهدمين للغاية الأولى .ولذلك فثورة الإسلام تمثلت في محاولة الجمع بين الأمرين وهي طبعا مهمة شبه مستحيلة .لكنه جعلها ممكنة بطريقتين: -1ضمان التعدد المتساوق للرجل والمتوالي للمرأة بتحليل الطلاق وذلك للحفاظ على وضوح العلاقة بالأبوة وعلاقة النسب وتمكين المرأة من حقها في المتعة إذا لم تتحقق لها في الزواج بالطلاق والزواج من غير الزوج السابق. -2اعتبار كل ألعاب فن السرير بين الزوجين من الحلال المتحرر مما يسمى الحياء في الدين بمعنى أن الحرية الجنسية في حدود العلاقة الشرعية تكاد تكون لا متناهية حتى صارت التربية الجنسية جزءا أساسيا من الفقه. وأخيرا فإن ابن خلدون قد خصص فصل الترف بوصفه السم القاتل للحضارات ووصله بالمائدة والسرير وفنيهما في علاقة بالرمزين رمز الفعل او العملة وفعل الرمز أو الكلمة في نهاية كل حضارة وصلت إلى مرحلة الترف تصديقا لقوله تعالى \"إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مرفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا\" (الاسراء .)16 وقد سبق أن تكلمت على هذه المسائل في محاولات سابقة وقد أعود إليها لفهم ما أشار إليه ابن خلدون دون تحليل كاف في الباب الأول من المقدمة عندما سعى إلى فهم تأثير البيئية الطبيعية وما يستمده الإنسان منها لقيامه العضوي بالمائدة وفنها في صفات كيانه العضوي وانتقاله وراثيا بالسرير وفنه إلى شكله ومميزاته الجمالية البدنية وإلى كيانه الروحي ومميزاته الخلقية ثم العكس ما يصبح شبه تعامل مع المائدة وفنها والسرير وفنه لتقوية هذين التأثيرين البدني و الجمالي والروحي والخلقي ما قد يفسر ما يتميز به شعب عن أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
Search