Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-03-01 12:21:27

Description: المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫وهو ما يقلب العلاقة فيجعل العلاقة الافقية مقدمة على العلاقة العمودية‪ :‬فمن دون‬ ‫نشأة الدولة التي تحقق شروط الحماية في الداخل والخارج ليكون التواصل سلميا لا يمكن‬ ‫تقق شروط العلاقة الافقية التي تمكن من معرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها لسد الحاجات‬ ‫بالتبادل والتعاون والتعاوض العادل‪.‬‬ ‫ولذلك فالشكل الأول للدولة سيكون الجماعة المتنقلة للغزو والنهب والسلب قبل أن‬ ‫تصبح الجماعة مستقرة لأنها انتقلت من استمداد حاجتها من اخذها من غيرها إلى انتاجها‬ ‫بنفسها وذلك بتأسيس النظر والعقد والعمل والشرع فتكون الدولة عندئذ سلطة فعلية على‬ ‫العالمين الطبيعي والتاريخي‪.‬‬ ‫ولا يتم ذلك إلا بثورتين رمز إليهما لقرآن‪ :‬الأولى هي ثورة نوح بتعويض ما يستمد من‬ ‫عبودية الطبيعة بما يستمد من ثمرات النظر والعقد وثمرات العمل والشرع‪ :‬التحرر من‬ ‫طاغوت الطبيعة‪ .‬والثانية هي ثورة موسى بتعويض ما يستمد عبودية الإنسان بما يستمد‬ ‫من حريته‪ :‬التحرر من طاغوت التاريخ‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫شرحت في محاولة سابقة القصد بثورة نوح وبثورة موسى من خلال كلامي ما اعتبره‬ ‫الرسول الخاتم مشيبا فيها وفي أخواتها‪ .‬فثورة نوح هي بدايتها وترمز إلى شرط تحرير‬ ‫الإنسان من سلطان الطبيعة وثورة موسى هي غايتها وترمز غلى شرط تحرير الإنسان من‬ ‫سلطان التاريخ (السياسة)‪.‬‬ ‫وإذا قارنت الثاني بعد نوح والثاني قبل موسى وجدت المشكل عند الثاني الأول والحل‬ ‫عن الثاني‪ :‬هو وشعيب‪ .‬وإذا قارنت بين الثالث بعد نوح والثالث قبل موسى وجدت المشكلين‬ ‫اللذين يتضمنان حليهما في مآلهما المعلوم‪ :‬فبعدم توزيع الماء العادل (صالح) وبالمثلية‬ ‫الجنسية (لوط) لا حياة أصلا‪.‬‬ ‫قسمة الماء (بين الأحياء) وقسمة الجنس (بين الجنسين) هما المشكلان الأوسطان في‬ ‫الحياة وقبلهما فساد الاقتصاد (هود) وطغيان الطبيعة (نوح) وبعدهما فساد شروط‬ ‫التبادل (شعيب) وطغيان السياسة (موسى)‪ .‬ويبقى القلب في المعادلة ويمثله حضور‬ ‫ابراهيم بين ثلاثة رسل قبله وثلاثة رسل بعده‪.‬‬ ‫يبدو ابراهيم وكأنه لا دور له في القصة كلها‪ .‬فهو تلقى الرسل إلى لوط وتلقت زوجته‬ ‫بشرى‪ .‬والبشرى هي بابن في مرحلة اليأس‪ .‬وطبعا فالابن ليس اسماعيل ولا أسحاق بل‬ ‫الرسول الخاتم الذي هو إبراهيم الثاني أو مؤسس الحنيفية المحدثة‪ :‬الإسلام بداية الديني‬ ‫واحد الديني والفلسفي فتحا وغايته ختما‪.‬‬ ‫وهذه المشكلات لا يمكن علاجها في جماعة من بين الجماعات بل هي شاملة للإنسانية كلها‪:‬‬ ‫التحرر من سلطان الطبيعة الاستعبادي والتحرر من سلطان السياسة الاستعبادي يقتضي أن‬ ‫يكون المشكل الاقتصادي (العلاقة العمودية) والتبادل والمشكل الثقافي والتواصل (العلاقة‬ ‫الأفقية) لا يكون إلا عالميا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولذلك فدولة الإسلام ليست خاصة بجماعة دون جماعة ولا حدود لها بل هي تشمل‬ ‫العالم كله والبشرية كلها‪ .‬ولذلك فهي تتأسس على الأخوة البشرية وعلى المساواة بين‬ ‫البشر وحصر التفاضل بينهم في التقوى وهم مطالبون بالتعارف معرفة معروفا لعلاج مهمتي‬ ‫الإنسان‪ :‬الاستعمار في والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫ومبدأ الأخوة البشرية (النساء ‪ )1‬يضع بداية وغاية لصلة الرحم‪ :‬كونية وهي الصدور‬ ‫عن نفس واحدة وتناسب الربوبية التي هي ليست اختيارية وجزئية هي الرحم الذي‬ ‫نساءل به وتناسب الالوهية التي هي اختبارية‪ .‬والهدف الوصول بهذه إلى تلك في الرحم‬ ‫العضوي وفي العبادة أو الرحم الروحي‪.‬‬ ‫ومبدأ المساواة بين البشر (الحجرات ‪ )13‬لا يبني لا على مستويي الرحم ولا على‬ ‫مستويي العبادة بل على خصائص انثروبولوجية (شعوب وقبائل) للتخلص من تأثير‬ ‫الرحمين والعبادتين مصدرين للصراع بين البشر والاكتفاء بصفات انثروبولوجية عامة‬ ‫تبنى علها علاقة معرفية وخلقية‪ :‬التعارف معرفة ومعروفا‪.‬‬ ‫ومنهما يستنتج مبدأ التفاضل الوحيد عند الله‪ :‬التقوى‪ .‬والتقوى تعني احترام القانون‬ ‫أو الشرع‪ .‬وهذا هو المبدأ الذي يمكن أن تقاد به الدولة الكونية التي حددت مشاكلها‬ ‫سورة هود التي اعتبرها الرسول الخاتم مع أخواتها قد شببت رأسه‪ .‬هو لم يشرح علـة‬ ‫التشييب‪ .‬وهذا ما اجتهد في طلبه‪.‬‬ ‫ذلك أن تحقيق هذا الهدف الكوني الذي يعتبر الأرض كلها مسجدا لم يكن في المستطاع‬ ‫تحقيقه من البداية ولم يكن مطلوبا منه ذلك بل كان المطلوب تحقيق عينه منه بتحديد‬ ‫منطق السياسية الناقلة من البداية إلى الغاية‪ .‬فسميت قراءتي الفلسفية‪\" :‬استراتيجية‬ ‫القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية\"‪.‬‬ ‫وقد حرفت الثورتان‪ :‬فثورة نوح التي تشمل كل المخلوقات تحولت إلى نظرية شعب الله‬ ‫المختار نفيا لكونية الوحي وهو تحريف خلص القرآن الإنسانية منه مرتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬كل أمة لها رسول بلسانها وليس ذلك خاصا بآل بيت إبراهيم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬الرسول الخاتم للبشرية كلها وليس لجماعة من آل بيت إبراهيم‪.‬‬ ‫وثورة موسى حرفت فمن دين للبشرية يحررها من الطاغوت السياسي إلى بديل منه هو‬ ‫دين العجل لاستعباد كل لبشر ببعدي العجل‪ :‬معدنه أو المال وخواره أو الإيديولوجيا‬ ‫العنصرية وهما يجتمعان في الصهيونية والمسيحية الصهيونية والصفوية وكل من يعتقد في‬ ‫شعب مختار أو أسرة مختارة تكون وسيطة ووصية‪.‬‬ ‫نزول القرآن كان نقطة فاصلة في تاريخ الإنسانية والعالم‪ :‬فما قبله لم يكن لمفهوم وحدة‬ ‫الإنسانية وجود فضلا عن المعنى‪ .‬ويكفي مثالا تصنيف أرسطو للجماعات تصنيفا حصرها‬ ‫في ثلاثة‪ :‬الأسرة والقرية والمدينة بمعنى الدولة أي جملة القرى التي تنتسب إلى جماعة‬ ‫\"قومية\"‪ .‬لا إشارة إلى ما فوق ذلك من الجماعات‪.‬‬ ‫وحتى إذا كانت في الوجود العيني امبراطوريات فهي مجموعة من هذه المجموعات الثلاثة‬ ‫وليست مجموعة واحدة إلا كمستعمرات وليس كأمة واحدة ذات أساس كوني من جنس‬ ‫البذرة الأولى في دستور الرسول مجتمعة حول الحماية والرعاية دون شرط وحدة عرقية‬ ‫أو دينية أو طبقية‪.‬‬ ‫لكنك تجد لأول مرة إضافة مجموعة كونية في أعمال الفارابي الذي وضع تصنيفا أضاف‬ ‫إليها الإنسانية مجموعة شاملة فوق المجموعات الأرسطية وحتى الإمبراطورية‪ .‬وطبعا هذه‬ ‫المجموعة ليس لها دولة واحدة ولا قومية واحدة ولا أمة واحدة بل هي الإنسانية ككل‬ ‫ذات نفس المعنى لمفهوم الإنسان‪.‬‬ ‫وهذا المفهوم لا يكفي فيه التعريف الفلسفي ‪-‬حيوان عاقل ‪-‬لأن ذلك ايضا موجود منذ‬ ‫أرسطو لكنه مفهوم في التاريخ الطبيعي وليس في التاريخ الحضاري بمعنى أنه من جنس ما‬ ‫يذكر في تصنيف الأجناس والأنواع الحيوانية وليس في تصنيف الإنسان من حيث كونه ذا‬ ‫وحدة تاريخية من الحضاري وليس الحيواني‪.‬‬ ‫وهذا الهدف العولمي لم يكتمل إلا من خلال التزاحم والتمانع بين الحضارتين الإسلامية‬ ‫والمسيحية طيلة القرون الوسطى إلى أن خسرت الأمة الاسلامية المعركة نهائيا بسبب بقائها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كقوة مادية دون شروطها المتعلقين بتحقيق الثورتين‪-1 :‬ثورة نوح ‪-2‬وثورة موسى‪ .‬وهما‬ ‫ثورتان قرآنيتان كما تبين \"هود\"‪.‬‬ ‫تحريف النظر والعقد حال أفشل العلاقة العمودية لفشل علوم الملة في النظر والعقد في‬ ‫معرفة قوانين الطبيعة واستعمالها لتعمير الارض فبقيت خاضعة لاستبداد الطبيعة‬ ‫وتحريف العمل والشرع أفشل العلاقة العمودية لفشل أعمال الملة في العمل والشرع في‬ ‫معرفة سنن التاريخ واستعمالها للاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫والفشلان حالات دون الثورة الثانية أعني التحرر من استبداد السياسية فضلا عن عدم‬ ‫التحرر من استبداد الطبيعة فكان أن أتم العولمة الغرب‪ .‬لكنها لم تكن عولمة بمفهوم الاخوة‬ ‫والمساواة المشروطة بالتعارف معرفة ومعروفا بل بالتمانع الذي نحن الآن في غايته لأن‬ ‫الإنسانية بدأت تدرك أدواءها‪.‬‬ ‫ولا دواء لهذه الأدواء إلى الرؤية القرنية المؤسسة على الاخوة البشرية (النساء ‪)1‬‬ ‫والمساواة بين البشر (الحجرات ‪ )13‬فتكون الإنسانية حنيها وبعد أكثر من ‪ 14‬قرنا قد‬ ‫فهمت رؤية القرآن الكونية في الفلسفات الخمسة التي شرحت في هذه المحاولة وأصلها‬ ‫المعادلة الوجودية التي بينت‪.‬‬ ‫هذه المعادلة هي في آن بنية القرآن وبنية الإنسان وبنية العالم نفسه ولكن من منظور ما‬ ‫يذكره القرآن للإنسان مما فطره الله عليه في كيانه أولا في شروط بقائه ثانيا وتلك هي‬ ‫نظرية الأحياز في كيان الإنسان (بدنه وما يخزنه من الثروة شرط قيامه المادي وروحه وما‬ ‫تخزنه من التراث شرط قيامه الروحي) وفي محيطه الطبيعي (الجغرافيا والثروة)‬ ‫والتاريخي (الثقافة والتراث) بوصفها شروط سد حاجاته المادية والروحية باجتهاده‬ ‫وجهاده‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن مشكل العرب خاصة والمسلمين عامة مع القرآن دستور الإسلام وكيان‬ ‫الأمة الروحي مجانس لمشكلهم مع دار الإسلام كيان الأمة المادي‪ .‬فقد عاشوا أربعة عشر‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫قرنا ولم يعالجوا العلاقة العمودية أو ثروة الأمة المادية التي هي تحتوي عليها دار الإسلام‬ ‫حتى تقدم غيرنا واكتشفها واكتشف ما يحوجه إليها‪.‬‬ ‫ويبدو أن سلوك المسلمين كان نفسه مع العلاقة الأفقية بالقرآن أو تراث روح الإسلام‬ ‫التي ما تزال محجوبة عنهم‪ .‬ونفس الشيء لم يعالجوا العلاقة بالقرآن أو تراث الأمة‬ ‫الروحي‪ .‬وآمل ألا ننتظر غيرنا حتى يكتشفها بدلا منا‪ .‬وعلى كل فذلك ما أحاول البحث‬ ‫عنه انطلاقا من مقدمات فكرية وضعها ابن تيمية لتأسيس فلسفة النظر والعقد وابن‬ ‫خلدون لتأسيس فلسفة العمل والشرع وكلاهما انطلق من رؤية القرآن‪:‬‬ ‫‪ .1‬فإهمال النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها في علاج العلاقة العمودية‬ ‫(بين البشر والطبيعة) يساوي اهمال المهمة الأولى التي هي تعمير الأرض كما حددتها‬ ‫رؤية القرآن للآفاق الطبيعية في الأعيان وفي الأنفس‪.‬‬ ‫‪ .2‬وإهمال العمل والشرع للعمل بسنن التاريخ وتطبيها في علاج العلاقة الأفقية‬ ‫(بين البشر) يساوي إهمال المهمة الثانية التي هي الاستخلاف فيها كما حددته رؤية القرآن‬ ‫للآفاق التاريخية وفي الأعيان وفي الأنفس‪.‬‬ ‫تحريف علوم الملة الخمسة ‪-‬التفسير أصلا للكلام والفلسفة اللذين حرفا العلاقة بين‬ ‫الإيمان بصراعهما الدال على لجهل برؤية القرآن الإبستمولوجية وأصلا للفقه والتصوف‬ ‫اللذين حرفا العلاقة بين القانون والأخلاق بصرعهما الدال على الجهل برؤية القرآن‬ ‫الأكسيولوجية‪ :‬فكانت لغوا في المهمتين‪.‬‬ ‫ولأنها كانت لغوا دون ثمرة بقيت الأمة خاضعة للاستعباد الطبيعي في سد حاجاتها لأنها‬ ‫لم تحقق شروط الاستعمار في الأرض‪-‬لم تفهم ثورة نوح التي أمره الله بها‪-‬وبقيت خاضعة‬ ‫للاستعباد السياسي في حماية ذاتها لأنها لم تحقق شروط الاستخلاف فيها ‪-‬لم تفهم ثورة‬ ‫موسى التي أمره الله بها‪ :‬ثورة الإسلام تجمع بين الثورتين‪.‬‬ ‫ولذلك فهذان الرسولان هما أكثر حضورا في القرآن حتى من الرسول الخاتم الذي لم‬ ‫يذكر فيه بالاسم إلا خمس مرات أربعة بمحمد والخامسة بأحمد‪ .‬ولا شك أن كل إشارة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لأي رسول يكون الخاتم متضمنا فيها إما بوصفه مذكرا بوحدة الديني والفلسفي (الحقيقة)‬ ‫أو بوصفه عارضا لأوجه التحرير التي تصلحا الرسالة الخاتمة المذكرة بالرسالة الفاتحة من‬ ‫حيث هي الفطرة المرسومة في كيان الإنسان البدني والروحي‪.‬‬ ‫انطلاقي من ابن تيمية وابن خلدون علته ما وجدته في عملهما من محاولة لاكتشاف‬ ‫شروط التحرر مما حصل في علوم الملة وأعمالها من تحريف‪:‬‬ ‫‪ .1‬دور ابن تيمية هو النقد الإبستمولوجي (ابن تيمية)‪.‬‬ ‫‪ .2‬دور ابن خلدون النقد الاكسيولوجي (ابن خلدون)‪.‬‬ ‫وكلاهما ركز على الفلسفات الخمس التي حاولت بيان الرؤية التي تؤسسها في القرآن وفي‬ ‫نقدهم لعلوم الملة التي انحرفت فلم تستفد منها وذلك ما حاولت بيانه بتكوينية تتجاوز‬ ‫علوم الملة والله أعلم‪ .‬وبهما يمكن أن يصبح بوسع الأمة أن تستأنف دورها في التاريخ‬ ‫الكوني‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولنستأنف الكلام من رأس في مسألة قيس الميثولوجيا في مجال المقدرات الذهنية \"الادبية\"‬ ‫على المقدرات الذهنية الرياضية التي تكلم عليها ابن تيمية وعلة اعتباره إياها الوحيدة‬ ‫التي يمكن للعقل أن يعلم فيها الكلي علما يقينيا برهانينا بدهيا محضا مع نفي ذلك على‬ ‫أي علم من علوم الموجود الخارجي‪.‬‬ ‫قياسي ليس بهدف أثبات الظاهرة فهي عندي غنية عن ذلك بل في التعيير الفني الذي‬ ‫أقيسه هو بدروه على التعيير الأبستمولوجي الذي قام به ابن تيمية إذ ميز بين العلم الكلي‬ ‫والبرهاني المحض والعلم الذي لا يمكن أن يكون كليا ولا برهانيا ولا محضا‪ .‬فهل يمكن أن‬ ‫أقول ذلك على الفنون بمعايير تناظرها؟‬ ‫لكت كتبت \"الشعر المطلق والإعجاز القرآني\" كنت أبحث عن مثل هذه المعايير في محاولة‬ ‫مني لإنجاز وعد لم يتمكن ابن سينا الذي وعد به في شرح كتاب الشعر لأرسطو ولم ينجزه‬ ‫ربما بسبب قصر عمره‪ .‬المهم أني حاولت ذلك واعتبرت القرآن الغاية الممتنعة على الإبداع‬ ‫الإنساني دون مزيد توضيح‪.‬‬ ‫وقد آن أوان التوضيح‪ .‬فأولا من الصفات التقييمية التي قدمها ابن تيمية في كلامه على‬ ‫علم المقدرات الذهنية التي من الطبيعة الرياضية يمكن أن أقبل دون حاجة للشرح صفة‬ ‫الكلية بمعنى أن تطبيق هذه الصفة على الفنون هو ما كان يطلبه ابن سينا لأنه اراد شعرا‬ ‫كليا لا هو عربي ولا هو يوناني‪.‬‬ ‫فلكأنه يبحث عن شعر يكون ذا خصائص تجعله شعرا كونيا متحررا مما يضفيه عليه‬ ‫الخصوصي في حضارة معنية ولغة معينة‪ .‬وإذا كان الشعر يستعمل دائما أداتين في شكليتين‬ ‫في إضفاء الشعرية وكان مقاله مضمونيا متعلقا بالكلي الجمالي فإنه رهن رسم الشكل ونغم‬ ‫الصوت‪ :‬إذن التقدير الذهني الرياضي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيكون التقدير الذهني الأدبي فنا لسانيا يترجم فنيا تشكيليا للرسم في المكان وللنغم في‬ ‫الزمان وهو ما ثم مستوى أعلى من مستوى التقدير الذهني الرياضي المشكل للمكان وللزمان‬ ‫والمتجسد في الافعال لشخوص هي المقدرات الذهنية التي يكون منطقها درامي بدلا من‬ ‫منطقها المفهومي في الرياضيات‪.‬‬ ‫بعبارة أخرى‪ :‬خذ مقدرات ذهنية رياضية وعوض المفهومات الواردة فيها وهي غالبا‬ ‫تعريفا يرمز إليها برموز من جنس العلامات التي تسمي التعريف والعلامات التي تسمي‬ ‫قوانين العلاقات بينها ثم عوضها بشخوص واعتبر تعريفاتها تعريفات لأفعالها وانفعالاتها‬ ‫ووضع لها قوانين متحررة من منطق الضرورة وذلك هو الفنن عامة والأدب الأتم خاصة‪.‬‬ ‫وحينها يمكن التمييز بين الأدب الذي يعبر عن المنشود الكوني وهو ما لا يوجد له مثيل‬ ‫في الوجود الحسي الإضافي إلى المدارك الحسية الفردية والأدب الذي يعبر عن أحوال‬ ‫نفس فردية منشودها من جنس الحرمان بالقياس إلى هذا الوجود المباشر من جنس أحلام‬ ‫الجائع بالمأكولات مثلا وليس من جنس الجوع الوجودي لما يتعالى عن الإخلاد إلى الِارض‪.‬‬ ‫ونختم هذا الفصل بشرع الفرق بين نوعي الحرمان‪.‬‬ ‫وبذلك فما يبدو في الميثولوجيا ‪-‬رياضيات الفنون وأصلها جميعا‪-‬ما يبدو فيها من غير‬ ‫المعقول لأنها لا يعترف بما تجري به قوانين الطبيعة والتاريخ أو ما نسميه الواقع ليس‬ ‫خيالا بل هو إبداع لعالم من جنس آخر منطقه عير منطق عالمنا المحسوس ولا العلمي‪ .‬في‬ ‫اللاإقليدي إلى الإقليدي‪.‬‬ ‫لماذا أقول \"ليس خياليا\"؟ لأني لا أصف الفضاء اللاإقليدي بالخيالي مقارنة بالفضاء‬ ‫اللاإقليدي إلا إذا اعتبرت الإقليدي هو الحقيقة الوحيدة وما عداه من الفضاءات من وهم‬ ‫الإنسان‪ .‬لكني لا أجوهر أيا من الفضاءات الممكنة ومن ثم فلا اعتبر الفضاء الإقليدي إلا‬ ‫أحد هذه الفضاءات الممكنة مثله مثل الفضاءات الأخرى التي تبدعها الرياضيات‬ ‫اللاإقليدية والفن يبدع عوالم كلها من الممكن لأن عالمنا المحسوس واحد منها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما قلت إن القرآن يجمع بين التقدير الرياضي والتقدير الميثولوجي بهذا المعنى فقصدي‬ ‫أنه يمكننا من التخلص من وحدانية العالم لأن الوحدانية لله وحده ويبين لنا أنه توجد‬ ‫عوالم ذات نظام رياضي يعلم بالمقدرات الذهنية الرياضية مع التجربة وعوالم ذات نظام‬ ‫أسمى من الرياضي الآخرة أحدها‪.‬‬ ‫والآخرة التي هي عالم ممكن مثلها مثل الدنيا هي عالم ممكن والدنيا متعددة والآخرة‬ ‫متعددة وهذه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر لكن خواطرها على‬ ‫بال البشر لا متناهية‪ .‬فلكل نفس لها خواطر حولها كل بحسب قدرته التي يمكن اعتبار‬ ‫كتاب التوهم للمحاسبي أحد أمثلتها الكبرى‪ :‬إذ يصبح الإنسان له قدرة \"كن\" لكل ما يطلب‬ ‫ويتوهم‪.‬‬ ‫إذا فهمنا هذا الامر صار الإنسان وكأنها سمكة تسبح في محيطات لا متناهية بعضها‬ ‫خاضعة لمنطق الضرورة المنطقية الذي تعتمد عليه التقديرات الرياضية وهو متعدد‬ ‫وبعضها يتحرر منه وتعتمد عليه التقديرات الميثولوجية وهو أيضا متعدد‪ .‬والقرآن يضعنا‬ ‫أمام النوعين بصورة لا يضاهيها إبداع إنساني‪.‬‬ ‫وقد ضربت مثال التوهم للمحاسبي‪ :‬فهذا مثيولوجيا مستمدة من محاولة لتصور ما يمكن‬ ‫من رسم لوحة من عالم يكون في الإنسان بعد البعث قادرا على \"فاعلية\" كن‪ .‬كل ما يريده‬ ‫يتحقق‪ .‬واعتمادا على هذه المصادرات يبني عالم التوهم في الحياة الأخرى‪ .‬وهو أرقى‬ ‫أشكال الأب الكوني إذ لا يخلو منه وجدان‪.‬‬ ‫التقدير الذهني رياضيا كان أو ميثولوجيا هو حب التأله أو إرادة الخلق بـ\"كن\"‪.‬‬ ‫كل إنسان له قدر من ذلك‪ .‬ولا أحد مهما كان عديم الطموح لا يعيش هذا الاشرئباب‬ ‫الدائم نحو القرين في قلب المعادلة الوجودية الذي وضعناه علاقة مباشرة بين الإنسان وربه‬ ‫وقبله الطبيعة وما بعدها وبعده التاريخ وبعده‪.‬‬ ‫ومن هذا النوع من الفن أفلام العلم الخيالي التي هي غير الخيال العلمي إذ كل ممارسات‬ ‫البشر ايا كان نوعها فيها شيء من الخيال‪ .‬وليس العلم الخيالي منه لأنه من جنس‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الميثولوجيا لأنه لا يعتمد لا على نظام القوانين الضرورية ولا على التطبيق التكنولوجي‬ ‫حتى قليل الاحتمال بمقتضى النظرية‪.‬‬ ‫هو إذن من جنس قصص ألف ليلة وليلة حيث لا تنطبق مقتضيات المكان ولا مقتضيات‬ ‫الزمان الطبيعي والرجع الزماني مثلا فيه ممكن‪ .‬وهذا يعني أن الأمر يتعلق بعالم مختلف‬ ‫عن العالم الطبيعي والتاريخي المعتاد‪ .‬وهي فنون بمنطق العوالم المتعددة أو العوالم ذات‬ ‫أنظمة مختلفة تحدده مجريات أحداثها‪.‬‬ ‫والتقدير الذهني فيها هو طبعا إبداع هذه العوالم التي تعوض فيها الشخوص والافعال‬ ‫المفهومات والعلاقات في الإبداع الرياضي مع فارق خضوع هذه لمنطق العلاقات الثابتة‬ ‫والمضطرة خضوع تلك لمنطق الافعال غير الثابتة وغير المضطرة لكأن فيها ما تخلت عنه‬ ‫الأولى من دور الصدفة واللامعقول‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة فحتى عالمنا الذي نتصوره محكوم بالضرورة والقوانين العلمية فهو مليء‬ ‫بالصدفة واللامعقول في أحداثه وخاصة التاريخي منها وخاصة إذا تعلق الامر بوزنها وما‬ ‫يشبه التلازم بين صدفة وكأنها ناتجة عن تواطئ قصدي ليد خفية‪ .‬وسأضرب مثالين من‬ ‫أحداث نعيشها الآن‪.‬‬ ‫فنحن نعتبر دائما ما يجري هذا المجرى خاضعا للضرورة والنظام وننسب ما غاب عنا في‬ ‫رؤيته جهلنا بالعوامل المؤثرة بمعنى أنه قابل للتفسير المعقول بما نقص في معلوماتنا التي لو‬ ‫حصلنا عليها في الإبان لكان ما يحدث معلوما بمنطق الضرورة‪ .‬لكن يعسر أن نجد منطق‬ ‫يشرح لنا \"وزن\" حادثة خاشقجي مثلا‪.‬‬ ‫ولا قبلها الصدف المتراكمة التي أنقذت أردوغان في الانقلاب وتدخل تلك السيدة التي‬ ‫مكنته من استعمال هاتفها فينزل المواطنون ليفشلوا الانقلاب وكان يمكن أن يقتل قبل أن‬ ‫يصل إلى محل آمن يمكنه منه أن يقود مع رجاله المقامة لبلوغ مرحلة الأمان والكثير من‬ ‫أحداث التاريخ هي من هذا الجنس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومهما حاولنا أن نشرح ذلك إما بإهمال أحد الأطراف في الأحداث أو بنظرية المؤامرة‬ ‫واليد الخفية وهما شيء حقيقي لا شك فيه مع ذلك فإن الكثير من الأحداث لا تقبل أوزان‬ ‫العناصر المؤثرة فيها محليا وظرفيا ومؤقتيا وغير معقولة أن تفسر إلا بكون ما تحدده نسبة‬ ‫المعلوم إلى اللامعلوم من المؤثرات‪.‬‬ ‫وهذه النسبة هي نسبة المتناهي دائما إلى اللامتناهي دائما‪ .‬فالمؤثرات لا متناهية والمعلوم‬ ‫منها متناه‪ .‬وما يجعلنا نغفل عن ذلك هو تمييزنا بين المؤثرات التي نعتبرها جديرة بالاعتبار‬ ‫والمؤثرات التي نعتبرها لا تستحق الاعتبار‪ .‬فالمهاجم في الحرب قد يخسر المباغتة فيخسر‬ ‫معركة بناها عليها‪.‬‬ ‫والمباغتة قد تضيعها مباغتة مضادة حصلت بالصدفة أي إن المهجوم عليه ليس هو الذي‬ ‫أعدها بل حصلت من دون قصد ممن أحدثها‪.‬‬ ‫ودور الصدفة رغم اهتمام أرسطو به فإنه أخرجه من نسقه وكل العلوم تخرجه لأنه غير‬ ‫قابل للحصر وهو ما ينسبه أرسطو للعرض العام تمييزا للمعلوم من الأعراض أي الذاتية‪.‬‬ ‫لكن كل هذا امثلة من عالمنا الطبيعي والتاريخي وهو مقدور عليه‪ .‬لكن ما يهم المقدرات‬ ‫الذهنية التي هي موضوعي قياسا على المقدرات الرياضية التي هي موضوع ابن تيمية هي‬ ‫المقدرات التي تتلعق بعوالم لا متناهية ولا تقاس على عالمنا أو هي بلغة القرآن مما \"ليس‬ ‫كمثلها شيء\"‪ .‬والفنون تتشوف إلى هذا الذي ليس كمثله شيء في الموجود لأنه غاية المنشود‬ ‫الذي يعتبر مثال الموجود الأعلى‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فهو المقابل التام لما يسميه نوعها المنحط فنونا واقعية بمعنى الفنون التي‬ ‫تحاكي أحوال النفس وارتساماتها عن الموجود‪ .‬وغالبا ما تكون هذه الفنون تعبيرا عن‬ ‫التعويض الناتج عن الحرمان‪.‬‬ ‫وقد ظن الكثير أن الأديان هي من هذا الجنس وهي خرافة صارت \"فلسفة\" عند‬ ‫فيورباخ‪ :‬وكل حداثيي العرب المزعومين بوعي أو بغير وعي فيورباخيون في رؤاهم‬ ‫الوجودية وموقفهم من الدين عامة ولكن من الإسلام خاصة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وحتى لو قبلنا أن الحرمان يمكن أن يكون محركا يتجاوز الموجود فالقياس على ما في‬ ‫الوجود يجانس هذا الفهم غير حقيقي‪ .‬ذلك أن ما يحرم منه المرء يكون إضافيا إليه وإلى‬ ‫ما يسد الحاجة التي حرم منها‪ .‬ومعنى ذلك أن الحرمان لا يتعلق بمعدوم بل بموجود في‬ ‫ذاته ومستجيب لحاجة موجودة في ذات المحروم فلا يكون الوعي بالحرمان وعيا بفقدان‬ ‫موجود على نحوين من الموجود‪.‬‬ ‫‪ .1‬موجود في وعي المحروم تشوفا لسد حاجة فعلية مثل الغذاء أو الجنس أو ما يتعلق‬ ‫بفن المائدة أو بفن السرير‪.‬‬ ‫‪ .2‬وموجود في العالم الطبيعي بوصفه ما يسد تلك الحاجة سواء كانت غذاء أو جنسا‬ ‫أو فنا يزين المائدة أو فنا يزين السرير‪.‬‬ ‫ومن ثم فاعتبار الحرمان من شيء بالمعنى الفيورباخي قياس خاطئ وهو ما يعني أن الوعي‬ ‫بالحرمان الميتافيزيقي إذا سلمنا بأن الوعي بما بعد الوجود الطبيعي والتاريخي وعي‬ ‫بالحرمان لا يفيد أن ما في هذا الوعي عدم بل يفيد بأنه يوجد وجود أسمى فعلي يسد هذه‬ ‫الحاجة فيكون في نسبة الوعي بالجوع المادي سواء للأكل أو للجنس أو لفنيهما المكملين لما‬ ‫يحتويان عليه من اللذة الذوقية التي هي في هذه الحالة روحية وهي أسمى من الغذائية‬ ‫والجنسية‪.‬‬ ‫وإذن فالمنشود وراء الموجود على نوعين‪ :‬إضافي مثل الذي يشعر به الجائع غذائيا أو‬ ‫جنسيا ومطلق مثل الذي يشعر به الإنسان من حيث هو إنسان في ما يشوب الفناء‬ ‫والمحدودية في مقومات وجوده إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده‪ .‬وطبعا فيمكن للمرء‬ ‫أن يدعي أنه لم يشعر في حياته بالمنشود الأول لأنه ولد غنيا مثلا‪ .‬لكن كل من يدعي أنه‬ ‫لم يشعر بالمنشود الثاني فهو إما كاذب أو لم يصل بعد لمستوى الإنسانية لأنه ما يزال مخلدا‬ ‫إلى الأرض غارقا في لهيث الكلاب ككل أدعياء الحداثة والعقلانية من نخب العرب‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من إشارة لأمر طالما كنت استغرب منه‪ :‬لم كنت أقرأ القرآن كنت أعجب من‬ ‫أمر محير‪ .‬فلكأن الدين وضع لخدمة الدنيا وليس العكس‪ .‬لكني بفضل هذه العلاقة بين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نوعي التقدير الذهني وجدت ما يطمئنني لهذه العلاقة‪ :‬إذا كان الدين تذكيرا بشيء‬ ‫قائم في كيان الإنسان فإن الأمر لم يعد علاقة بين دين ودنيا بل بين مثال وممثول‪ .‬فالدين‬ ‫من حيث هو وعي بهذا الشوق الوجودي للكمال يتحول إلى مثال أعلى يحظ المؤمن به إلى‬ ‫السمو بحياته الدنيا إلى ما تحدده حياته الأخرى من مثل عليا يحاول أن يعيش بما يقرب‬ ‫منها قدر المستطاع‪.‬‬ ‫فيكون الدين بذلك مذكرا للإنسان بما فيه من قدرة على تحرير ذاته من الإخلاد إلى‬ ‫الأرض والارتفاع إلى مستوى الإنسانية الجديرة بالاستخلاف خلال تجربة تعمير الأرض‬ ‫بقيمه‪ .‬وفي القرآن يكون الهدف تحرير الإنسان مما يحول دون الأخوة البشرية (النساء‬ ‫‪ )1‬ودون علاماتها المتمثلة في المساواة بين البشر وتحقيق التعارف بمعنى المعرفة (النظر‬ ‫والعقد) والمعروف (العمل والشرع) فلا يبقى تفاضل بين البشر عند الله إلا بالتقوى‬ ‫(الحجرات ‪.)13‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫صلت الآن إلى الغاية من المحاولة لأجيب عن سؤال يمكن أن نعتبر أول من طرحه وإن‬ ‫لم يصغه بالطريقة التي نتبعها هنا هو سؤال ابن خلدون في المقدمة بابها الأول الذي يشمل‬ ‫كل المقدمة كما أسلفت بمعنى أنه ينطبق على العمرانين البدوي والحضري ويحدد العلاقة‬ ‫بين النظر والعقد والعمل والشرع في آن‪.‬‬ ‫والسؤال جاء عند ابن خلدون في شكل جواب بديهي لكأنه لم يعتبر ذلك أمرا بحاجة‬ ‫إلى سؤال وهو‪:‬‬ ‫لماذا احتاج إلى الكلام في البحث عن معرفة الغيب في باب التأسي كلازم للحيث في‬ ‫الجغرافيا الطبيعة والمناخ؟‬ ‫لماذا من شروط حصول موضوع علمه من حيز رمزي يتعلق بالغيب مع الحير المادي‬ ‫الطبيعي؟‬ ‫فقد خصص ابن خلدون المقدمة السادسة والاخيرة إلى مسألة إدراك الغيب بمعنيين‪:‬‬ ‫فهم الوجود وخاصة توقع المستقبل مع تقديم هذا المعنى على ذاك‪ .‬لكن كلامه على إدراك‬ ‫الغيب ومحاولة تفسيره بنظرية النفس لا يخفي أنه أن يجمع بين ما في النفس من تجهيز‬ ‫وما في العالم من حاجة للمقام فيه‪.‬‬ ‫وذكر جنسين من إدراك الغيب لكل منهما عدة أنواع‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالجنس الأول يمكن اعتباره \"فطريا\" أي غير ناتج عن تعلم ومنه الرؤيا والكهانة‬ ‫والنبوة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والجنس الثاني مكتسب بالرياضة مثل الكشف الصوفي الذي يقتضي رياضة أو‬ ‫بـ\"بما يشبه العلم\" كـالتنجيم والزيارات والجفر و\"علم\" الحروف وكل الدجل الذي يزعم‬ ‫إدراكا للغيب وحتى السحر‪ .‬والمقصود بالغيب هنا أمران ثانيها هو الغالب‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫• فهم العالم وما يجري فيه وتنظيم الحياة بمقتضاه بمنطق الضرورة الذي ليس كافيا‬ ‫وإلا لكان الخوف من المستقبل مستحيل التصور‪.‬‬ ‫• وتوقع المستقل بوصفه مصدر الخوف من العالم الطبيعي والإنساني م والخوف من عدم‬ ‫تحصيل ما يسد الحاجة المادية والروحية شرطين للبقاء‪.‬‬ ‫وهذا هو المكون الثاني بعد المكون الطبيعي أي الجغرافيا والبدن وهو طبيعي عضوي‪.‬‬ ‫هنا نجد الشكل الأول من الثقافة والفكر وهو تاريخي رمزي (دون نفي أن يكون الرمزي‬ ‫هو بدوره من وظائف العضوي والبدني)‪ .‬ولا يمكن أن يتم الوصل بين هذين الحيزين‬ ‫الطبيعي والثقافي من دون وصل بينهما فيه الوصل‪.‬‬ ‫فيمكن أن نعتبر التعامل مع المقوم الطبيعي مصدرا أولا لاكتشاف الانتظام الذي قد‬ ‫يتحول إلى البحث عن النظام ومن ثم عن القوانين ويمثله الجنس الثاني من إدراك الغيب‬ ‫الصناعي وأن نعتبر التعامل مع المقوم الرميز مصدرا ثانيا لاكتشاف ما يظن مؤسسا للإدراك‬ ‫نفسه سواء كان موضوعه النظام أو غيره‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يكون النوع المتعلق بإدراك الغيب \"الصناعي\" منطلقا إلا من نوعي ظهور‬ ‫النظام في مجرى العالم في بدايات البشرية إلا كما هو دائما أي من بنية المكان وبنية الزمان‬ ‫وما يجري فيهما من أحداث تنسب إلى قوى سواء كانت من جنس الإنسان أو من جنس آخر‬ ‫حيا كان أو جامدا وكلها مفروضات‪.‬‬ ‫هذه المفروضات هي إما على محمل التقدير الذهني أو على محمل المرور مباشرة إلى‬ ‫اعتبارها حقيقة الوجود ا لخارجي المتمكن والمتزامن من احداثه وتأثيراته‪ .‬ويمكن اعتبار‬ ‫ذلك بداية الفلك ومنه التنجيم الذي هو وصل بين بعض خصائص الأفلاك وعلاقاتها وبين‬ ‫بعض احوال الإنسان فردا كان أو جماعة‪.‬‬ ‫فيكون الشكل الأول من دعوى \"الاطلاع على الغيب\" مبينا على تقدير ذهني أولي صله‬ ‫تعميم متسرع لتجارب غير ممحصة علميا‪ .‬ومن ثم فالتقدير الذهني بالمعنى الرياضي بدأ‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكأنه فيزياء نظرية وقد نعتبر رياضيات اقليدس التي هي جمع منسق لمكتشفات سابقة‬ ‫عليه هي بنحو ما فيزياء نظرية شبه مطابقة لعالمنا‪.‬‬ ‫ولست أعني أن رياضيات اقليدس استقرائية بل هي استنتاجية بل وأكثر من ذلك هي‬ ‫أكسيومية لكنها مع ذلك كان أصحابها يعتقدون أنها الوحيدة الممكنة حتى وإن كان أرسطو‬ ‫كما بينت في بحثي عن منزلة الرياضيات في علمه قد توقع أنه يمكن أن نغير الرياضيات‬ ‫إذا غيرنا تعريف المستقيم والمثلث والتوازي‪.‬‬ ‫التقدير الذهني الرياضي التام هو الذي يتصور صاحبه أنه يمكن أن بـ\"خلق\" عوالم لا‬ ‫متناهية بمجرد أن يغير الحدود الدنيا التي يتألف منها هذه العوالم والقوانين التي تصل‬ ‫هذه الحدود بعضها بالبعض في نظامها لتكون لحمة العالم وسداه‪ :‬ولهذا تكلمت على الزرد‬ ‫المنطقي في التقدير الذهني الرياضي‪.‬‬ ‫والمعلوم أن ابن خلدون خصص عدة فصول في لباب السادس من المقدمة لإبطال ما يسميه‬ ‫بالعلوم الزائفة رغم أنها من حيث الشكل فيها ما يشبه التقدري الذهني‪ .‬وهو طبعا لا‬ ‫ينفي أن فيها التناسق الشكلي لكنه يعيب عليها الإيهام بأنها علم للوجود الخارجي‪ .‬وضمنها‬ ‫وضع الفلسفة بمعنى الميتافيزيقا‪.‬‬ ‫فتكون الرياضيات التي استثناها من هذه التقديرات التي اعتبرها علوما زائفة في جنس‬ ‫إدراك الغيب الصناعي في نسبة الوحي إلى أنواع الإدراك التي تدعيه في جنس إدراك‬ ‫الغيب الفطري مثل الكهانة وتعبير الاحلام فنكون أمام نوعين من إدراك عوالم أخرى غير‬ ‫العالم الطبيعي المحسوس‪.‬‬ ‫لكن الزرد المنطقي متأخر بالقياس إلى السرد القصصي وأقل شمولا‪ .‬فهذا يبقى دائما‬ ‫رهن محددي الموجود المضطر وما يناظر إطاري الامتداد والمدة حتى وإن كان المكان‬ ‫والزمان فيه ليسا بالضرورة من جنس زمان عالمنا ومكانه‪ .‬لكن السرد القصصي يتجاوزهما‬ ‫ويتحرر من إطار الامتداد والمدة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وللتيسير سأقول إن التقدير الرياضي الذي يعتمد على الزرد المنطقي في النظام المضطر‬ ‫يناظره التقدير الميثولوجي الذي يعتمد على السرد القصصي الحر‪ .‬والحرية هنا لا تعني‬ ‫اللانظام بل تعدد الانظمة المتشاجنة في عالم شبه متحرر من مقتضيات المكان والزمان كما‬ ‫هما في عالمنا الطبيعي‪.‬‬ ‫وكنت قد بينت بعد أنه حتى في عالمنا يختلف زمان التاريخ عن زمان الطبيعة إذ بينت أنه‬ ‫مخمس الأبعاد وليس مثلثها‪ .‬فالماضي له بعدان حدث سابق وحديث لاحق‪ .‬والمستقبل له‬ ‫بعدان متعاكسان مع بعدي الماضي لأن الحديث فيه سابق على الحدث‪ .‬ثم الحاضر ويجمع‬ ‫ذلك كله في تلاطم أمواج اللحظة العاتية‪.‬‬ ‫ولذلك فأمواج لحظة الحاضر العاتية لها خاصية عجيبة وهي أنها هي التي تحيط بالماضـي‬ ‫ببعديه وبالمستقبل ببعديه رغم أن ذلك ليس كذلك في الطبيعة حيث يكون الحاضر محاطا‬ ‫بالماضي قبله وبالمستقبل بعده‪ .‬ولما كان الإنسان تاريخيا وطبيعيا فله النوعان‪ :‬لحظته‬ ‫محاطة طبيعيا بما قبلها وبما بعدها لكنها محيطة بهما تاريخيا إذ إن فعل الإنسان لا يفهم‬ ‫إلا بوصفه عودة إلى ما قبل الحاضر لتحديد ما بعده‪.‬‬ ‫وحتى هذه الظاهرة التي يجدها أي إنسان في عالمنا فإنها بتعقيد كاف يجعل من المستحيل‬ ‫تخيل مقدرات ذهنية رياضية قادرة على صوغها بالزرد المنطقي المضطر‪ .‬لكن المقدرات‬ ‫الذهنية الميثولوجية قادرة على ذلك ولهذه العلة يمكن أن نفهم كيف أن بعض قصص‬ ‫القرآن يبدو لمن يجهل هذه الخاصية الأسلوبية وكأنه يخلط بين الأزمنة‪.‬‬ ‫أعلم أني سألام على استعمال \"ميثولوجيا\" في الكلام على القصص القرآني‪ .‬لكني قدمت‬ ‫دلالة الكلمة باليونانية‪ .‬فهي لا تعني \"اساطير الأولين\" بل هي تعني الأسلوب القصصي‬ ‫بالعرض الدرامي أي بالأفعال وليس بالأقوال للموضوع دون حكم قيمي ولا حكم معرفي بل‬ ‫الأمر يتعلق بأسلوب السرد القصصي الحر في مقابل الزرد المنطقي المضطر‪ .‬والقرآن الكريم‬ ‫يستعمل الأسلوبين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهو من حيث القصص يستعمل السرد القصصي الحر ويكون المتلقي فيه كالمضطر لأنه‬ ‫منفعل بالقصة التي تبدو شبه واقعات تحدث أمامه موضوعيا‪.‬‬ ‫ومن حيث الاستدلال يستعمل الزرد المنطقي المضطر يوكون المتلقي فيه كالحر لأنه فعل‬ ‫المفهوم وعلاقاته فيه يقتضي فعل الفهم منه فعلا ذاتيا‪.‬‬ ‫فهو نص حواري للإقناع بالأدلة وحينها يكون زردا منطقيا رغم كونه يتأسس على‬ ‫الضرورة المنطقية فإن تلقيه لا يقبله إلى بحرية عندما يقتنع بالاستدلال فيكون المخاطب‬ ‫مثل المستدل قبل بالضرورة المنطقية بحرية‪.‬‬ ‫أما السرد القصصي فمضطر بمعنى أن القصة تحكي دراما تحصل أمامك ولا دخل لك‬ ‫ولحريتك في مجراها لأنها مثل الأحداث في العالم تجري وأنت تتلقاها كما تدركها ولا دخل‬ ‫لك فيه وفي يجري ما فيها‪ .‬لكن الأحداث والشخوص كلها متحررة من الضرورة المنطقية‬ ‫ولها ما يشبه تعدد العوالم الرياضية‪.‬‬ ‫ولذلك فهي في الغالب أكثر تأثيرا من الزرد المنطقي‪ .‬ولهذه العلة كذلك يبدو المعطى‬ ‫المحسوس أكثر يقينا من التصور‪ .‬وهذا من العجائب‪ .‬فالزرد المنطقي المضطر من حيث هو‬ ‫موضوع للإدراك يترك للمتلقي حرية القبول والرفض بقدر ما له من قدرة على الإدراك‪.‬‬ ‫فيكون اضطراره للاقتناع فعلا حرا وليس فعلا مضطر لأنه نابع من ذاته‪ .‬في حين أن السرد‬ ‫القصصي الحر من حيث هو موضوع للإدراك لا يترك للمتلقي حرية القبول والرفض‪.‬‬ ‫فالتلقي في هذه الحالة انفعالي وليس فعليا‪ .‬ولهذه العلة يكون القصص سالبا لحرية‬ ‫المتلقي رغم أنه يعبر عن حرية السارد‪ .‬صحيح أن المتلقي يمكن أن يضيف شيئا على‬ ‫المتلقى‪ .‬لكن ما يضيفه هو ثمرة انفعال وليس ثمرة فعل لأن إضافته هي ما يتحرك فيه‬ ‫وغالبا في لا وعيه مما فيه من انفعالات مكتومة‪.‬‬ ‫وهذه الانفعالات المكتومة هي التعبير الذي ليس بينه وبين صاحبه غربال الزرد المنطقي‬ ‫المضطر‪ .‬هو نوع من غلبة الفطري على المكتسب‪ .‬والفطري هنا هو ما في روح الإنسان من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫مقومات الذات التي تنقلها من الموجود فيها إلى المنشود المكمل للموجود فيها‪ .‬وهذا المنشود‬ ‫هو موضوع السرد القصصي في الآداب‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من فتح قوسين للكلام في الجهات الوجودية‪ :‬الممكن والواجب والممتنع‪ .‬ففي‬ ‫الكلام وخاصة في أدلة وجود الله يعتبرون الواجب ‪-‬واجب الوجود‪-‬أهم من الممكن‪ .‬لكنه‬ ‫يتجاهلون أن الواجب ما كان ليوجد لو لم يكن ممكنا أي لو لم يكن غير ممتنع‪ .‬ولولا ذلك‬ ‫لاستحال أن يستمد دليل على وجود الله من حاجة الإمكان إلى ما ينقله من الوجوب‪.‬‬ ‫فتكون الجهات بحاجة إلى أمرين آخرين في الوجود قبل جهاته لأنه لا يمكن تصور جهات‬ ‫الوجود إذا لم يتقدم عليها الوجود‪ .‬لكن تصور الوجود الذي سينقسم إلى جهات يقتضي‬ ‫شرطين هما عين كونه وجودا له هذه الجهات وكونه الوجود الرب‪ .‬لا بد أن يكون الوجود‬ ‫الرب إرادة وقدرة‪ .‬وذلك هو المفهوم الحقيقي لله‪ .‬ولا يمكن تصور إرادة دون علم وقدرة‬ ‫دون حياة‪ .‬فيكون الوجود من حيث هو الرب إرادة مريدة على علم وقادرة بحياة وبذلك‬ ‫يكون وجوده إيجاد‪ .‬فإرادة الوجود هي أصل الإمكان وقدرته هي أصل الوجوب‪ .‬أما‬ ‫الامتناع فنوعان‪:‬‬ ‫• أحدهما ما يقدر عليه ولا يريده وهو الشر‪.‬‬ ‫• والثاني ما لا يريده ولا يقدر عليه وهو العدم‪.‬‬ ‫الآن ختمت قياسي على القدير الذهني التيمي‪ .‬فهو تكلم عليه في الرياضيات وأنا أتكلم‬ ‫عليه في الميثولوجيات‪ .‬هو تكلم على أصل العلوم التي تصبح ممكنة لما تكون رياضيات‬ ‫تطبيقية على تجربة الطبيعة‪ .‬وأنا أتكلم على أصل الأعمال التي تصبح ممكنة لما تكون‬ ‫ميثولوجيات تطبيقية على تجربة التاريخ‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وليكن الفصل الأخير مثالا من القرآن الكريم يشمل كل النتائج من هذا القياس الذي‬ ‫نقلنا من المقدرات الذهنية الرياضية لتعريف العلم الأتم بالزرد المنطقي المضطر عند ابن‬ ‫تيمية إلى المقدرات الذهنية الميثولوجية (كأسلوب سرد دون خلط باساطيرالأولين) لتعريف‬ ‫العمل الأتم بالسرد القصي الحر في بحثنا‪.‬‬ ‫ولا يمكن قراءة قصة يوسف في القرآن من دون مقابلتها بقصة يوسف في التوراة‪ .‬فالقصة‬ ‫القرآنية دحض حرفي لقصة التوراة أو هي تفكيك للتحريف بمنطق التصديق والهيمنة‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن كل ما ورد في القصة التوراتية يمكن اعتباره من دين العجل وكل ما ورد في‬ ‫القرآن من دين الله الخاتم‪.‬‬ ‫كلتاهما سردية‪ :‬التوراتية يمكن اعتبارها من جنس الأدب \"الواقعي\" يقص سلوك مستشار‬ ‫بالمعنى السياسي في الدول المافياوية‪ .‬والقرآنية من جنس الأدب الذي يعدد معالم المنشود‬ ‫لتغيير الموجود نقلا إياه من هذا السلوك المافياوي إلى السلوك الذي يليق بنبي يذكر‬ ‫الإنسان بمعاني الإنسانية‪.‬‬ ‫لا أنوي إيراد القصة التوراتية لأن القارئ يمكن أن يتأكد من ذلك بنفسه‪ .‬ما يعنيني‬ ‫هو دلالة القصة القرآنية على ما يستكمل ما شرحته في كلامي على سورة هود‪ .‬فهي المكملة‬ ‫لها وهي الوصف الحرفي لاستراتيجية الرسالة الخاتمة في تحقيق مشروع الدولة الكونية‬ ‫للأخوة البشرية والمساواة بين البشر‪.‬‬ ‫فأولا المخاطب بها هو المبشر به في هود أي ابراهيم الثاني أو محمد خاتم الرسل تذكيرا‬ ‫للمذكر بأنه كان من الغافلين قبل أن يوحى إليه هذا القرآن‪ .‬ويأتي في القصة التي هي‬ ‫مضمون السورة الوحيد تعيين ما كان غافلا عنه الرسول قبل الوحي‪ :‬تذكير المذكر بما عليه‬ ‫أن يذكر به وأن يحقق شروط إنجازه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وسأكتفي بفرضية واحدة‪ :‬اسرة يوسف في القصة هي الإنسانية كلها‪ .‬والقصة إذن تبدأ‬ ‫بما بين البشر من تآمر متبادل رغم أنهم اخوة‪ .‬والآن أبدأ بتحليل القصة ولا أحتاج لفرض‬ ‫أي فرضية بعد هذه‪ .‬ولأذكر أولا أن كل ما يجري فيها يجري في مستويين‪ :‬في العلم والرؤى‬ ‫ثم في العلم والتاريخ‪.‬‬ ‫وذلك يعني أن كل التاريخ الإنساني (الفرضية التي انطلقنا منها أن اسرة يوسف رمز‬ ‫للإنسانية التي تعيش حروبا رغم أن البشر اخوة) هو السعي لتحقيق أحلامها أو أنها تعيش‬ ‫تاريخها في مستويين مستوى التوقع الذهني لتصوري ومستوى التفعل العيني الإنجازي‪.‬‬ ‫وذلك في خمس مستويات هي موضوعات السورة‪ .‬ويمكن حصر الموضوعات حصرا جامعا‬ ‫مناعا‪ .‬فهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الحب والكراهية‪.‬‬ ‫‪ .2‬التبادل الاقتصادي‪.‬‬ ‫‪ .3‬فهم أحلام الإنسان واستراتيجية تحقيقها‪.‬‬ ‫‪ .4‬السياسة لتحقيقها‬ ‫‪ .5‬المعيار الأسمى لعدم تحريف أيا من الأربعة السابقة أو رؤية برهان الرب‪.‬‬ ‫وفي النهاية وبفضل تحقق ذلك تلتقي الأسرة كاملة أي الإنسانية في غاية السورة متآخية‬ ‫غاية للإسلام الكوني‪ .‬ومن مزايا هذه الموضوعات أنها جامعة مانعة‪ .‬لن تجد موضوعا آخر‬ ‫لتحقيق الرسالة ولموجود حياة الإنسان في الدنيا ومنشودها في الأخرى‪ .‬لكن ما تتميز به‬ ‫القصة هي العامل الغيبي الذي لا يمكن أن يحصر في علم والذي هو أساس الفرق بين‬ ‫المقدرات الرياضية التي تخضع للزرد المنطقي المضطر والمقدرات الذهنية التي تخضع‬ ‫للسرد الميثولوجي الحر‪ :‬حياة يوسف‪.‬‬ ‫فحياة يوسف وما حصل له في كل اطوارها مصير خارج عن منطق الزرد وبالغ غاية منطق‬ ‫السرد‪ .‬كله يبدو سلسلة من الصدف التي ليس لها منطق ظاهر رغم أن كل ما يبدو منطقيا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في الاستراتيجية التي تصل بين الموضوعات الخمسة‪ .‬لا شيء \"يفسر\" هذا المصير إلا غيب‬ ‫محجوب‪ :‬الرمي في البئر والتجار وبيعه وخدمته ولقاؤه بالمرأة إلخ‪..‬‬ ‫وسأكتفي بكلمة واحدة حول قصة يوسف في التوراة‪ .‬خذ ما أوردناه هنا واعكسه وستجد‬ ‫مضمون القصة في التوراة‪ .‬ففيها يوسف أشبه بـ\"كيسنجر\" أو أي مستشار خبيب في أنظمة‬ ‫الحكم الغربية الحالية ينصح الحاكم من أجل فهم ماكيفالي للسياسة‪ .‬وغاية نصيحة يوسف‬ ‫التوراتي هي تحويل المزارعين المصريين من أحرار يملكون أرضهم إلى أقنان عند فرعون‬ ‫الذي صار رب الأرض كلها وهم خدم عنده‪.‬‬ ‫وهذه مناسبة لأحكي قصة حصلت فعلا سنة ‪ 1971‬في أول سنة درست فيها الفلسفة بثانوية‬ ‫منزل بورقيبة التي تخرجت منها قبل ذلك بأربع سنوات‪ .‬وكان عدد ساعاتي في المادة دون‬ ‫ما أنا مطالب به كأستاذ ثانوية ‪ 18-‬سنة‪-‬فاستكمل المدير واجبي بساعات ترجمة للرابعة‬ ‫ثانوي‪ :‬بعض الطلبة ما زالوا يذكرون القصة‪.‬‬ ‫كان أحد الأستاذة الفرنسيين يدرس تلاميذ الرابعة الفرنسية وهو ابن أحد كبار‬ ‫متفقدي التعليم في المدارس الفرنسية‪ .‬كان يكثر الكلام حق الصهيونية في فلسطين‪.‬‬ ‫أعلمني التلاميذ بألمهم وبعجزهم عن الرد على تلميحه إلى ما يجانس تشكيك \"فلاسفة‬ ‫الدين\" العرب الحاليين في القرآن‪.‬‬ ‫فأوعزت لبعضهم أن يتحدوه بالمناظرة معي في الموضوع‪ .‬كنا لم نتعارف بعد إذ كان ذلك‬ ‫في الثلث الأول من السنة‪ .‬فاغتر وقبل وليته لم يفعل‪ .‬لم أساله عن فلسطين ولا عن‬ ‫اسرائيل‪ .‬سألته عن تعريضه بالقرآن ليس مباشرة بل عن يوسف في التوراة هل يعتبره‬ ‫نبيا؟ فأجاب‪ :‬طبعا‪ .‬فسألته‪ :‬هل ما فعله كما ترويه التوراة يليق بنبي؟‬ ‫فهم أن المناظرة انتهت‪ :‬إذ كان عليه إما أن يسلم بأن التوراة محرفة أو أن يوسف ليس‬ ‫نبيا‪ .‬حاول أن يحتج‪ :‬لا تقس الماضي على الحاضر‪ .‬فسألته‪ :‬هل القيم الروحية مثل الحيل‬ ‫السياسية تتأثر بالظرف ولا تؤمن بالعدل والحرية والحقوق؟ أفحم‪ .‬لكني مررت للغاية من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المناظرة‪ :‬هل من حرف صورة يوسف ليس هو جعل لجوء بني إسرائيل إلى فلسطين يلغي‬ ‫حق أهلها فيها إلى الأبد؟‬ ‫أعلمني التلاميذ أنهم لم يسمعوه بعدها يتكلم في الأمر وغادر المدرسة في نهاية السنة‪.‬‬ ‫ذلك أن المناظرة تمت وبيننا التوراة في نصها الفرنسي والقرآن الذي لم أحتج لاستعماله‬ ‫لأني طلبت منه أن ينظر في الترجمات الفرنسية حتى يرى أن القيم التي نسبت إلى يوسف‬ ‫في القرآن لم تتغير بحسب العصور إلا لكانت الحقيقة الدينية من جنس المناورة السياسية‪.‬‬ ‫والقصة هذه تبين أن \"فلاسفة الدين\" من حداثيي العرب‪-‬وهم لا علاقة لهم لا بالفلسفة‬ ‫ولا بالدين‪-‬لا يؤمنون بدين وليسوا مختصين في الفلسفة ثانيا لأنهم خريجو أقسام العربية‬ ‫ولا علم لهم بالأدب الذي ينحصر عندهم في سرد أحوال النفس أو ما يسمونه بالأدب‬ ‫الواقعي‪-‬يتجرؤون على القرآن ويخافون التوراة‪.‬‬ ‫فعندما يتكلم ناصر حامد أبو زيد عن النص والواقع فهو يدعي المقابلة بين نص القرآن‬ ‫وما يسميه واقعا وهو يقصد صورة الوقع في نص ماركس‪ .‬وهذا يصح عليهم جميعا وليس‬ ‫على أبي زيد وحده‪ .‬ولا يهم صورة أي نص وخاصة عند مخرفي \"الهر على من يطيقه\" لأني‬ ‫\"الواقع\" لست أدري كيف ينفذون إليه؟‬ ‫ولذلك اعتبرتهم جميعا قد نكصوا تبعا لهيجل وماركس إلى القول بابستمولوجية‬ ‫المطابقة وما يترتب عليها من أكسيولوجية الواقع‪ .‬وكلمة \"رياليسم\" لها دلالة ابستمولوجية‬ ‫ودلالة أكسيولوجية‪:‬‬ ‫• فالدلالة الأولى أبستمولوجية وهي القول بمطابقة النظر لـ\"لواقع\" وتعني أن العلم‬ ‫نسخة من \"الواقع\" الذي يظن شفافا ويعتقد أن العقل الإنسان نفاذ إليه دون لبس‪.‬‬ ‫• والدلالة الثانية أكسيولوجية وهي القول بمطابقة العمل لـ\"لواقع\" تعني أن العلم‬ ‫تكيف مع ما يسمونه \"الواقع\" الذي يظن حقيقة مطلقة وأن الإرادة خضوع إليه دون عناد‪.‬‬ ‫ويستنتجون من ثم أكسيولوجيا وأكسيولوحيا البراجماتسم الأنجس المتمثلتين في قبول‬ ‫\"الواقع\" الوجود والتخلي الدائم عن \"المثال\" المنشود بمقتضى الواقعية التي هي عين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫العبودية لدين العجل معدنه وخواره‪ .‬فيكون الواقع أساسا لانحطاطين معرفي وخلقي‪.‬‬ ‫وطبعا هم يتهمون كل من لا يرى مثلهم أنه مثالي و\"ناييف\" أي ساذج يصدق الخرافة (أي‬ ‫الدين عندهم) والأحلام (أي الفلسفة عندهم)‪.‬‬ ‫ولذلك فلن تجد من هو أذل منهم وجودا وأقبح حياة وأشر قدرة وأكذب معرفة وأكثر‬ ‫عبودية إرادة‪ .‬فهم عبيد أمام صاحب السلطة والمال ومستعدون لأن يتحولوا إلى مجرد‬ ‫خوار العجل من أجل معدنه‪ .‬وتلك هي خاصية غالبة النخب التي تدعي الدور الثقافي في‬ ‫المراحل المنحطة من كل حضارة‪ .‬وذلك ما يعتبره ابن خلدون علامة على بداية الانهيار‬ ‫حتى وإن كان يحمل مسؤولية الظاهرة إلى عاملين‪:‬‬ ‫‪ .1‬عامل التأله عند الحاكم الذي لا يريد التعامل مع الأحرار إرادة والصادقين علما‬ ‫والخيرين قدرة والجميلين وحياة والجليلين وجودا لأنه يعلم أن من كان كذلك لا يمكن أن‬ ‫يصبح عبدا لغير الله‪.‬‬ ‫‪ .2‬عامل التأله عند المبدع الذي لا يريد القبول بهذا الشرط لأنه هو بدوه له نفس‬ ‫الاعتداد بالنفس ويكاد يكون موقفه من غيره مثل الحاكم لأنه يتصور سلطانه الفكري وفق‬ ‫سلطان الحاكم السياسي‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فإني لم ار في حياتي أكثر منهم متصفا بعكس ما يسميه ابن خلدون معاني‬ ‫الإنسانية‪ :‬إرادة عبيد وعلم كاذب وقدرة شريرة حياة قبيحة ورؤية ذليلة‪ .‬ذلك أن معاني‬ ‫الإنسانية في راي ابن خلدون هي التي تجعله يعرف الإنسان‪\" :‬رئيسا بطبعه (فلسفيا)‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (دينيا)\"‪ .‬إذا لم يكن الإنسان‪:‬‬ ‫‪ .1‬حر الإرادة‬ ‫‪ .2‬صادق العلم‬ ‫‪ .3‬خير القدرة‬ ‫‪ .4‬جميل الحياة‬ ‫‪ .5‬جليل الوجود‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهو كما يصفه القرآن مخلد إلى الأرض كالكلب يلهث سواء حملت عليه أم لم تحمل‪.‬‬ ‫ولذلك تراهم حياتهم لا يتوقفون عن اللهيث وراء ما سماه هيجل باللامتناهي الزائف‪.‬‬ ‫واللامتناهي الزائف هو بعدا العجل الذهبي‪ :‬معدنه وخواره‪.‬‬ ‫والغريب أنهم يتصورون ما يحبرونه أدبا لأنه يحكي حياتهم أو ما يرد إليها والتي هي‬ ‫عبودية معدن العجل ماديا وخواره فكريا‪ .‬فهم يعتقدون أن الذاتية التي لا يرون منها‬ ‫إلى تمظهرا النفسي في أحوال نفوسهم وأنها بهذا المعنى هي محور الإبداع الذي يصبح‬ ‫بنحو ترجمة ذاتية لأحوال النفس التي يظنونها عين كيان الإنسان الروحي‪.‬‬ ‫ولهذه العلة خصصت محاولة للفرد والفردية والفردانية لأبين أنها ليست طبيعية ولا‬ ‫عضوية ولا حتى مفهوما فلسفيا بل هي منشود ديني روحي لا قيام له في الموجود بل في ما‬ ‫يدفع إليه الموجود من المنشود‪ .‬فالذات هي الاشرئباب الدائم لحرية الإرادة وصدق العلم‬ ‫وخير القدرة وجمال الحياة وجلال الوجود‪.‬‬ ‫لكن إذا فسدت في الإنسان معاني الإنسانية (ابن خلدون) ينقلب هذا الاشرئباب إلى‬ ‫عكسه فيصبح انكماشا ونكوصا إلى عبودية الإرادة وكذب العلم وشر القدرة وقبح الحياة‬ ‫وذل الوجود‪ .‬وهذه حال الأمة التي ربيت أفرادها بالعنف المادي والرمزي وحكمت جماعتها‬ ‫بهما (المقدمة الباب السادس الفصل الرابع)‪.‬‬ ‫فتكون الفردية كما يحددها القرآن المنشود من الوجود وهي متعالة على الحاصل من‬ ‫الممكن إلى كل ممكن الحصول‪ .‬فتكون قدرة على إبداع هذا الممكن المفتوح على اللاتناهي‬ ‫بالتقدير الذهني‪ .‬إنها إذن عين ما به يكون بوسع الإنسان أن يكون مبدعا‪:‬‬ ‫‪ .1‬للمقدرات الذهنية الرياضية ذات الزرد المنطقي المضطر‪.‬‬ ‫‪ .2‬والمقدرات الذهنية الميثولوجية ذات السرد القصصي الحر‪.‬‬ ‫وبهما يكون الإنسان من حيث هو ذات يتعين فيها المنشود المتجاوز للموجود في علاقة‬ ‫مباشرة بالإلهي من حيث هو إلهي‪ .‬وبين أن عالم المقدرات الذهنية التي يبدعها صاحب‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫السرد الحر أوسع من التي يبدعها صاحب الزرد المضطر لأن الأول يتحرر من منطق‬ ‫الضرورة المقيدة والثاني يتعالى عليه إلى منطق الممكن المرسل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬