-- وهو ما يقلب العلاقة فيجعل العلاقة الافقية مقدمة على العلاقة العمودية :فمن دون نشأة الدولة التي تحقق شروط الحماية في الداخل والخارج ليكون التواصل سلميا لا يمكن تقق شروط العلاقة الافقية التي تمكن من معرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها لسد الحاجات بالتبادل والتعاون والتعاوض العادل. ولذلك فالشكل الأول للدولة سيكون الجماعة المتنقلة للغزو والنهب والسلب قبل أن تصبح الجماعة مستقرة لأنها انتقلت من استمداد حاجتها من اخذها من غيرها إلى انتاجها بنفسها وذلك بتأسيس النظر والعقد والعمل والشرع فتكون الدولة عندئذ سلطة فعلية على العالمين الطبيعي والتاريخي. ولا يتم ذلك إلا بثورتين رمز إليهما لقرآن :الأولى هي ثورة نوح بتعويض ما يستمد من عبودية الطبيعة بما يستمد من ثمرات النظر والعقد وثمرات العمل والشرع :التحرر من طاغوت الطبيعة .والثانية هي ثورة موسى بتعويض ما يستمد عبودية الإنسان بما يستمد من حريته :التحرر من طاغوت التاريخ. أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
-- شرحت في محاولة سابقة القصد بثورة نوح وبثورة موسى من خلال كلامي ما اعتبره الرسول الخاتم مشيبا فيها وفي أخواتها .فثورة نوح هي بدايتها وترمز إلى شرط تحرير الإنسان من سلطان الطبيعة وثورة موسى هي غايتها وترمز غلى شرط تحرير الإنسان من سلطان التاريخ (السياسة). وإذا قارنت الثاني بعد نوح والثاني قبل موسى وجدت المشكل عند الثاني الأول والحل عن الثاني :هو وشعيب .وإذا قارنت بين الثالث بعد نوح والثالث قبل موسى وجدت المشكلين اللذين يتضمنان حليهما في مآلهما المعلوم :فبعدم توزيع الماء العادل (صالح) وبالمثلية الجنسية (لوط) لا حياة أصلا. قسمة الماء (بين الأحياء) وقسمة الجنس (بين الجنسين) هما المشكلان الأوسطان في الحياة وقبلهما فساد الاقتصاد (هود) وطغيان الطبيعة (نوح) وبعدهما فساد شروط التبادل (شعيب) وطغيان السياسة (موسى) .ويبقى القلب في المعادلة ويمثله حضور ابراهيم بين ثلاثة رسل قبله وثلاثة رسل بعده. يبدو ابراهيم وكأنه لا دور له في القصة كلها .فهو تلقى الرسل إلى لوط وتلقت زوجته بشرى .والبشرى هي بابن في مرحلة اليأس .وطبعا فالابن ليس اسماعيل ولا أسحاق بل الرسول الخاتم الذي هو إبراهيم الثاني أو مؤسس الحنيفية المحدثة :الإسلام بداية الديني واحد الديني والفلسفي فتحا وغايته ختما. وهذه المشكلات لا يمكن علاجها في جماعة من بين الجماعات بل هي شاملة للإنسانية كلها: التحرر من سلطان الطبيعة الاستعبادي والتحرر من سلطان السياسة الاستعبادي يقتضي أن يكون المشكل الاقتصادي (العلاقة العمودية) والتبادل والمشكل الثقافي والتواصل (العلاقة الأفقية) لا يكون إلا عالميا. أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- ولذلك فدولة الإسلام ليست خاصة بجماعة دون جماعة ولا حدود لها بل هي تشمل العالم كله والبشرية كلها .ولذلك فهي تتأسس على الأخوة البشرية وعلى المساواة بين البشر وحصر التفاضل بينهم في التقوى وهم مطالبون بالتعارف معرفة معروفا لعلاج مهمتي الإنسان :الاستعمار في والاستخلاف فيها. ومبدأ الأخوة البشرية (النساء )1يضع بداية وغاية لصلة الرحم :كونية وهي الصدور عن نفس واحدة وتناسب الربوبية التي هي ليست اختيارية وجزئية هي الرحم الذي نساءل به وتناسب الالوهية التي هي اختبارية .والهدف الوصول بهذه إلى تلك في الرحم العضوي وفي العبادة أو الرحم الروحي. ومبدأ المساواة بين البشر (الحجرات )13لا يبني لا على مستويي الرحم ولا على مستويي العبادة بل على خصائص انثروبولوجية (شعوب وقبائل) للتخلص من تأثير الرحمين والعبادتين مصدرين للصراع بين البشر والاكتفاء بصفات انثروبولوجية عامة تبنى علها علاقة معرفية وخلقية :التعارف معرفة ومعروفا. ومنهما يستنتج مبدأ التفاضل الوحيد عند الله :التقوى .والتقوى تعني احترام القانون أو الشرع .وهذا هو المبدأ الذي يمكن أن تقاد به الدولة الكونية التي حددت مشاكلها سورة هود التي اعتبرها الرسول الخاتم مع أخواتها قد شببت رأسه .هو لم يشرح علـة التشييب .وهذا ما اجتهد في طلبه. ذلك أن تحقيق هذا الهدف الكوني الذي يعتبر الأرض كلها مسجدا لم يكن في المستطاع تحقيقه من البداية ولم يكن مطلوبا منه ذلك بل كان المطلوب تحقيق عينه منه بتحديد منطق السياسية الناقلة من البداية إلى الغاية .فسميت قراءتي الفلسفية\" :استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية\". وقد حرفت الثورتان :فثورة نوح التي تشمل كل المخلوقات تحولت إلى نظرية شعب الله المختار نفيا لكونية الوحي وهو تحريف خلص القرآن الإنسانية منه مرتين: .1كل أمة لها رسول بلسانها وليس ذلك خاصا بآل بيت إبراهيم. أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- .2الرسول الخاتم للبشرية كلها وليس لجماعة من آل بيت إبراهيم. وثورة موسى حرفت فمن دين للبشرية يحررها من الطاغوت السياسي إلى بديل منه هو دين العجل لاستعباد كل لبشر ببعدي العجل :معدنه أو المال وخواره أو الإيديولوجيا العنصرية وهما يجتمعان في الصهيونية والمسيحية الصهيونية والصفوية وكل من يعتقد في شعب مختار أو أسرة مختارة تكون وسيطة ووصية. نزول القرآن كان نقطة فاصلة في تاريخ الإنسانية والعالم :فما قبله لم يكن لمفهوم وحدة الإنسانية وجود فضلا عن المعنى .ويكفي مثالا تصنيف أرسطو للجماعات تصنيفا حصرها في ثلاثة :الأسرة والقرية والمدينة بمعنى الدولة أي جملة القرى التي تنتسب إلى جماعة \"قومية\" .لا إشارة إلى ما فوق ذلك من الجماعات. وحتى إذا كانت في الوجود العيني امبراطوريات فهي مجموعة من هذه المجموعات الثلاثة وليست مجموعة واحدة إلا كمستعمرات وليس كأمة واحدة ذات أساس كوني من جنس البذرة الأولى في دستور الرسول مجتمعة حول الحماية والرعاية دون شرط وحدة عرقية أو دينية أو طبقية. لكنك تجد لأول مرة إضافة مجموعة كونية في أعمال الفارابي الذي وضع تصنيفا أضاف إليها الإنسانية مجموعة شاملة فوق المجموعات الأرسطية وحتى الإمبراطورية .وطبعا هذه المجموعة ليس لها دولة واحدة ولا قومية واحدة ولا أمة واحدة بل هي الإنسانية ككل ذات نفس المعنى لمفهوم الإنسان. وهذا المفهوم لا يكفي فيه التعريف الفلسفي -حيوان عاقل -لأن ذلك ايضا موجود منذ أرسطو لكنه مفهوم في التاريخ الطبيعي وليس في التاريخ الحضاري بمعنى أنه من جنس ما يذكر في تصنيف الأجناس والأنواع الحيوانية وليس في تصنيف الإنسان من حيث كونه ذا وحدة تاريخية من الحضاري وليس الحيواني. وهذا الهدف العولمي لم يكتمل إلا من خلال التزاحم والتمانع بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية طيلة القرون الوسطى إلى أن خسرت الأمة الاسلامية المعركة نهائيا بسبب بقائها أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- كقوة مادية دون شروطها المتعلقين بتحقيق الثورتين-1 :ثورة نوح -2وثورة موسى .وهما ثورتان قرآنيتان كما تبين \"هود\". تحريف النظر والعقد حال أفشل العلاقة العمودية لفشل علوم الملة في النظر والعقد في معرفة قوانين الطبيعة واستعمالها لتعمير الارض فبقيت خاضعة لاستبداد الطبيعة وتحريف العمل والشرع أفشل العلاقة العمودية لفشل أعمال الملة في العمل والشرع في معرفة سنن التاريخ واستعمالها للاستخلاف فيها. والفشلان حالات دون الثورة الثانية أعني التحرر من استبداد السياسية فضلا عن عدم التحرر من استبداد الطبيعة فكان أن أتم العولمة الغرب .لكنها لم تكن عولمة بمفهوم الاخوة والمساواة المشروطة بالتعارف معرفة ومعروفا بل بالتمانع الذي نحن الآن في غايته لأن الإنسانية بدأت تدرك أدواءها. ولا دواء لهذه الأدواء إلى الرؤية القرنية المؤسسة على الاخوة البشرية (النساء )1 والمساواة بين البشر (الحجرات )13فتكون الإنسانية حنيها وبعد أكثر من 14قرنا قد فهمت رؤية القرآن الكونية في الفلسفات الخمسة التي شرحت في هذه المحاولة وأصلها المعادلة الوجودية التي بينت. هذه المعادلة هي في آن بنية القرآن وبنية الإنسان وبنية العالم نفسه ولكن من منظور ما يذكره القرآن للإنسان مما فطره الله عليه في كيانه أولا في شروط بقائه ثانيا وتلك هي نظرية الأحياز في كيان الإنسان (بدنه وما يخزنه من الثروة شرط قيامه المادي وروحه وما تخزنه من التراث شرط قيامه الروحي) وفي محيطه الطبيعي (الجغرافيا والثروة) والتاريخي (الثقافة والتراث) بوصفها شروط سد حاجاته المادية والروحية باجتهاده وجهاده. ويمكن القول إن مشكل العرب خاصة والمسلمين عامة مع القرآن دستور الإسلام وكيان الأمة الروحي مجانس لمشكلهم مع دار الإسلام كيان الأمة المادي .فقد عاشوا أربعة عشر أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- قرنا ولم يعالجوا العلاقة العمودية أو ثروة الأمة المادية التي هي تحتوي عليها دار الإسلام حتى تقدم غيرنا واكتشفها واكتشف ما يحوجه إليها. ويبدو أن سلوك المسلمين كان نفسه مع العلاقة الأفقية بالقرآن أو تراث روح الإسلام التي ما تزال محجوبة عنهم .ونفس الشيء لم يعالجوا العلاقة بالقرآن أو تراث الأمة الروحي .وآمل ألا ننتظر غيرنا حتى يكتشفها بدلا منا .وعلى كل فذلك ما أحاول البحث عنه انطلاقا من مقدمات فكرية وضعها ابن تيمية لتأسيس فلسفة النظر والعقد وابن خلدون لتأسيس فلسفة العمل والشرع وكلاهما انطلق من رؤية القرآن: .1فإهمال النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها في علاج العلاقة العمودية (بين البشر والطبيعة) يساوي اهمال المهمة الأولى التي هي تعمير الأرض كما حددتها رؤية القرآن للآفاق الطبيعية في الأعيان وفي الأنفس. .2وإهمال العمل والشرع للعمل بسنن التاريخ وتطبيها في علاج العلاقة الأفقية (بين البشر) يساوي إهمال المهمة الثانية التي هي الاستخلاف فيها كما حددته رؤية القرآن للآفاق التاريخية وفي الأعيان وفي الأنفس. تحريف علوم الملة الخمسة -التفسير أصلا للكلام والفلسفة اللذين حرفا العلاقة بين الإيمان بصراعهما الدال على لجهل برؤية القرآن الإبستمولوجية وأصلا للفقه والتصوف اللذين حرفا العلاقة بين القانون والأخلاق بصرعهما الدال على الجهل برؤية القرآن الأكسيولوجية :فكانت لغوا في المهمتين. ولأنها كانت لغوا دون ثمرة بقيت الأمة خاضعة للاستعباد الطبيعي في سد حاجاتها لأنها لم تحقق شروط الاستعمار في الأرض-لم تفهم ثورة نوح التي أمره الله بها-وبقيت خاضعة للاستعباد السياسي في حماية ذاتها لأنها لم تحقق شروط الاستخلاف فيها -لم تفهم ثورة موسى التي أمره الله بها :ثورة الإسلام تجمع بين الثورتين. ولذلك فهذان الرسولان هما أكثر حضورا في القرآن حتى من الرسول الخاتم الذي لم يذكر فيه بالاسم إلا خمس مرات أربعة بمحمد والخامسة بأحمد .ولا شك أن كل إشارة أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- لأي رسول يكون الخاتم متضمنا فيها إما بوصفه مذكرا بوحدة الديني والفلسفي (الحقيقة) أو بوصفه عارضا لأوجه التحرير التي تصلحا الرسالة الخاتمة المذكرة بالرسالة الفاتحة من حيث هي الفطرة المرسومة في كيان الإنسان البدني والروحي. انطلاقي من ابن تيمية وابن خلدون علته ما وجدته في عملهما من محاولة لاكتشاف شروط التحرر مما حصل في علوم الملة وأعمالها من تحريف: .1دور ابن تيمية هو النقد الإبستمولوجي (ابن تيمية). .2دور ابن خلدون النقد الاكسيولوجي (ابن خلدون). وكلاهما ركز على الفلسفات الخمس التي حاولت بيان الرؤية التي تؤسسها في القرآن وفي نقدهم لعلوم الملة التي انحرفت فلم تستفد منها وذلك ما حاولت بيانه بتكوينية تتجاوز علوم الملة والله أعلم .وبهما يمكن أن يصبح بوسع الأمة أن تستأنف دورها في التاريخ الكوني. أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- ولنستأنف الكلام من رأس في مسألة قيس الميثولوجيا في مجال المقدرات الذهنية \"الادبية\" على المقدرات الذهنية الرياضية التي تكلم عليها ابن تيمية وعلة اعتباره إياها الوحيدة التي يمكن للعقل أن يعلم فيها الكلي علما يقينيا برهانينا بدهيا محضا مع نفي ذلك على أي علم من علوم الموجود الخارجي. قياسي ليس بهدف أثبات الظاهرة فهي عندي غنية عن ذلك بل في التعيير الفني الذي أقيسه هو بدروه على التعيير الأبستمولوجي الذي قام به ابن تيمية إذ ميز بين العلم الكلي والبرهاني المحض والعلم الذي لا يمكن أن يكون كليا ولا برهانيا ولا محضا .فهل يمكن أن أقول ذلك على الفنون بمعايير تناظرها؟ لكت كتبت \"الشعر المطلق والإعجاز القرآني\" كنت أبحث عن مثل هذه المعايير في محاولة مني لإنجاز وعد لم يتمكن ابن سينا الذي وعد به في شرح كتاب الشعر لأرسطو ولم ينجزه ربما بسبب قصر عمره .المهم أني حاولت ذلك واعتبرت القرآن الغاية الممتنعة على الإبداع الإنساني دون مزيد توضيح. وقد آن أوان التوضيح .فأولا من الصفات التقييمية التي قدمها ابن تيمية في كلامه على علم المقدرات الذهنية التي من الطبيعة الرياضية يمكن أن أقبل دون حاجة للشرح صفة الكلية بمعنى أن تطبيق هذه الصفة على الفنون هو ما كان يطلبه ابن سينا لأنه اراد شعرا كليا لا هو عربي ولا هو يوناني. فلكأنه يبحث عن شعر يكون ذا خصائص تجعله شعرا كونيا متحررا مما يضفيه عليه الخصوصي في حضارة معنية ولغة معينة .وإذا كان الشعر يستعمل دائما أداتين في شكليتين في إضفاء الشعرية وكان مقاله مضمونيا متعلقا بالكلي الجمالي فإنه رهن رسم الشكل ونغم الصوت :إذن التقدير الذهني الرياضي. أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- فيكون التقدير الذهني الأدبي فنا لسانيا يترجم فنيا تشكيليا للرسم في المكان وللنغم في الزمان وهو ما ثم مستوى أعلى من مستوى التقدير الذهني الرياضي المشكل للمكان وللزمان والمتجسد في الافعال لشخوص هي المقدرات الذهنية التي يكون منطقها درامي بدلا من منطقها المفهومي في الرياضيات. بعبارة أخرى :خذ مقدرات ذهنية رياضية وعوض المفهومات الواردة فيها وهي غالبا تعريفا يرمز إليها برموز من جنس العلامات التي تسمي التعريف والعلامات التي تسمي قوانين العلاقات بينها ثم عوضها بشخوص واعتبر تعريفاتها تعريفات لأفعالها وانفعالاتها ووضع لها قوانين متحررة من منطق الضرورة وذلك هو الفنن عامة والأدب الأتم خاصة. وحينها يمكن التمييز بين الأدب الذي يعبر عن المنشود الكوني وهو ما لا يوجد له مثيل في الوجود الحسي الإضافي إلى المدارك الحسية الفردية والأدب الذي يعبر عن أحوال نفس فردية منشودها من جنس الحرمان بالقياس إلى هذا الوجود المباشر من جنس أحلام الجائع بالمأكولات مثلا وليس من جنس الجوع الوجودي لما يتعالى عن الإخلاد إلى الِارض. ونختم هذا الفصل بشرع الفرق بين نوعي الحرمان. وبذلك فما يبدو في الميثولوجيا -رياضيات الفنون وأصلها جميعا-ما يبدو فيها من غير المعقول لأنها لا يعترف بما تجري به قوانين الطبيعة والتاريخ أو ما نسميه الواقع ليس خيالا بل هو إبداع لعالم من جنس آخر منطقه عير منطق عالمنا المحسوس ولا العلمي .في اللاإقليدي إلى الإقليدي. لماذا أقول \"ليس خياليا\"؟ لأني لا أصف الفضاء اللاإقليدي بالخيالي مقارنة بالفضاء اللاإقليدي إلا إذا اعتبرت الإقليدي هو الحقيقة الوحيدة وما عداه من الفضاءات من وهم الإنسان .لكني لا أجوهر أيا من الفضاءات الممكنة ومن ثم فلا اعتبر الفضاء الإقليدي إلا أحد هذه الفضاءات الممكنة مثله مثل الفضاءات الأخرى التي تبدعها الرياضيات اللاإقليدية والفن يبدع عوالم كلها من الممكن لأن عالمنا المحسوس واحد منها. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- ولما قلت إن القرآن يجمع بين التقدير الرياضي والتقدير الميثولوجي بهذا المعنى فقصدي أنه يمكننا من التخلص من وحدانية العالم لأن الوحدانية لله وحده ويبين لنا أنه توجد عوالم ذات نظام رياضي يعلم بالمقدرات الذهنية الرياضية مع التجربة وعوالم ذات نظام أسمى من الرياضي الآخرة أحدها. والآخرة التي هي عالم ممكن مثلها مثل الدنيا هي عالم ممكن والدنيا متعددة والآخرة متعددة وهذه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر لكن خواطرها على بال البشر لا متناهية .فلكل نفس لها خواطر حولها كل بحسب قدرته التي يمكن اعتبار كتاب التوهم للمحاسبي أحد أمثلتها الكبرى :إذ يصبح الإنسان له قدرة \"كن\" لكل ما يطلب ويتوهم. إذا فهمنا هذا الامر صار الإنسان وكأنها سمكة تسبح في محيطات لا متناهية بعضها خاضعة لمنطق الضرورة المنطقية الذي تعتمد عليه التقديرات الرياضية وهو متعدد وبعضها يتحرر منه وتعتمد عليه التقديرات الميثولوجية وهو أيضا متعدد .والقرآن يضعنا أمام النوعين بصورة لا يضاهيها إبداع إنساني. وقد ضربت مثال التوهم للمحاسبي :فهذا مثيولوجيا مستمدة من محاولة لتصور ما يمكن من رسم لوحة من عالم يكون في الإنسان بعد البعث قادرا على \"فاعلية\" كن .كل ما يريده يتحقق .واعتمادا على هذه المصادرات يبني عالم التوهم في الحياة الأخرى .وهو أرقى أشكال الأب الكوني إذ لا يخلو منه وجدان. التقدير الذهني رياضيا كان أو ميثولوجيا هو حب التأله أو إرادة الخلق بـ\"كن\". كل إنسان له قدر من ذلك .ولا أحد مهما كان عديم الطموح لا يعيش هذا الاشرئباب الدائم نحو القرين في قلب المعادلة الوجودية الذي وضعناه علاقة مباشرة بين الإنسان وربه وقبله الطبيعة وما بعدها وبعده التاريخ وبعده. ومن هذا النوع من الفن أفلام العلم الخيالي التي هي غير الخيال العلمي إذ كل ممارسات البشر ايا كان نوعها فيها شيء من الخيال .وليس العلم الخيالي منه لأنه من جنس أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
-- الميثولوجيا لأنه لا يعتمد لا على نظام القوانين الضرورية ولا على التطبيق التكنولوجي حتى قليل الاحتمال بمقتضى النظرية. هو إذن من جنس قصص ألف ليلة وليلة حيث لا تنطبق مقتضيات المكان ولا مقتضيات الزمان الطبيعي والرجع الزماني مثلا فيه ممكن .وهذا يعني أن الأمر يتعلق بعالم مختلف عن العالم الطبيعي والتاريخي المعتاد .وهي فنون بمنطق العوالم المتعددة أو العوالم ذات أنظمة مختلفة تحدده مجريات أحداثها. والتقدير الذهني فيها هو طبعا إبداع هذه العوالم التي تعوض فيها الشخوص والافعال المفهومات والعلاقات في الإبداع الرياضي مع فارق خضوع هذه لمنطق العلاقات الثابتة والمضطرة خضوع تلك لمنطق الافعال غير الثابتة وغير المضطرة لكأن فيها ما تخلت عنه الأولى من دور الصدفة واللامعقول. وفي الحقيقة فحتى عالمنا الذي نتصوره محكوم بالضرورة والقوانين العلمية فهو مليء بالصدفة واللامعقول في أحداثه وخاصة التاريخي منها وخاصة إذا تعلق الامر بوزنها وما يشبه التلازم بين صدفة وكأنها ناتجة عن تواطئ قصدي ليد خفية .وسأضرب مثالين من أحداث نعيشها الآن. فنحن نعتبر دائما ما يجري هذا المجرى خاضعا للضرورة والنظام وننسب ما غاب عنا في رؤيته جهلنا بالعوامل المؤثرة بمعنى أنه قابل للتفسير المعقول بما نقص في معلوماتنا التي لو حصلنا عليها في الإبان لكان ما يحدث معلوما بمنطق الضرورة .لكن يعسر أن نجد منطق يشرح لنا \"وزن\" حادثة خاشقجي مثلا. ولا قبلها الصدف المتراكمة التي أنقذت أردوغان في الانقلاب وتدخل تلك السيدة التي مكنته من استعمال هاتفها فينزل المواطنون ليفشلوا الانقلاب وكان يمكن أن يقتل قبل أن يصل إلى محل آمن يمكنه منه أن يقود مع رجاله المقامة لبلوغ مرحلة الأمان والكثير من أحداث التاريخ هي من هذا الجنس. أبو يعرب المرزوقي 57 الأسماء والبيان
-- ومهما حاولنا أن نشرح ذلك إما بإهمال أحد الأطراف في الأحداث أو بنظرية المؤامرة واليد الخفية وهما شيء حقيقي لا شك فيه مع ذلك فإن الكثير من الأحداث لا تقبل أوزان العناصر المؤثرة فيها محليا وظرفيا ومؤقتيا وغير معقولة أن تفسر إلا بكون ما تحدده نسبة المعلوم إلى اللامعلوم من المؤثرات. وهذه النسبة هي نسبة المتناهي دائما إلى اللامتناهي دائما .فالمؤثرات لا متناهية والمعلوم منها متناه .وما يجعلنا نغفل عن ذلك هو تمييزنا بين المؤثرات التي نعتبرها جديرة بالاعتبار والمؤثرات التي نعتبرها لا تستحق الاعتبار .فالمهاجم في الحرب قد يخسر المباغتة فيخسر معركة بناها عليها. والمباغتة قد تضيعها مباغتة مضادة حصلت بالصدفة أي إن المهجوم عليه ليس هو الذي أعدها بل حصلت من دون قصد ممن أحدثها. ودور الصدفة رغم اهتمام أرسطو به فإنه أخرجه من نسقه وكل العلوم تخرجه لأنه غير قابل للحصر وهو ما ينسبه أرسطو للعرض العام تمييزا للمعلوم من الأعراض أي الذاتية. لكن كل هذا امثلة من عالمنا الطبيعي والتاريخي وهو مقدور عليه .لكن ما يهم المقدرات الذهنية التي هي موضوعي قياسا على المقدرات الرياضية التي هي موضوع ابن تيمية هي المقدرات التي تتلعق بعوالم لا متناهية ولا تقاس على عالمنا أو هي بلغة القرآن مما \"ليس كمثلها شيء\" .والفنون تتشوف إلى هذا الذي ليس كمثله شيء في الموجود لأنه غاية المنشود الذي يعتبر مثال الموجود الأعلى. وبهذا المعنى فهو المقابل التام لما يسميه نوعها المنحط فنونا واقعية بمعنى الفنون التي تحاكي أحوال النفس وارتساماتها عن الموجود .وغالبا ما تكون هذه الفنون تعبيرا عن التعويض الناتج عن الحرمان. وقد ظن الكثير أن الأديان هي من هذا الجنس وهي خرافة صارت \"فلسفة\" عند فيورباخ :وكل حداثيي العرب المزعومين بوعي أو بغير وعي فيورباخيون في رؤاهم الوجودية وموقفهم من الدين عامة ولكن من الإسلام خاصة. أبو يعرب المرزوقي 58 الأسماء والبيان
-- وحتى لو قبلنا أن الحرمان يمكن أن يكون محركا يتجاوز الموجود فالقياس على ما في الوجود يجانس هذا الفهم غير حقيقي .ذلك أن ما يحرم منه المرء يكون إضافيا إليه وإلى ما يسد الحاجة التي حرم منها .ومعنى ذلك أن الحرمان لا يتعلق بمعدوم بل بموجود في ذاته ومستجيب لحاجة موجودة في ذات المحروم فلا يكون الوعي بالحرمان وعيا بفقدان موجود على نحوين من الموجود. .1موجود في وعي المحروم تشوفا لسد حاجة فعلية مثل الغذاء أو الجنس أو ما يتعلق بفن المائدة أو بفن السرير. .2وموجود في العالم الطبيعي بوصفه ما يسد تلك الحاجة سواء كانت غذاء أو جنسا أو فنا يزين المائدة أو فنا يزين السرير. ومن ثم فاعتبار الحرمان من شيء بالمعنى الفيورباخي قياس خاطئ وهو ما يعني أن الوعي بالحرمان الميتافيزيقي إذا سلمنا بأن الوعي بما بعد الوجود الطبيعي والتاريخي وعي بالحرمان لا يفيد أن ما في هذا الوعي عدم بل يفيد بأنه يوجد وجود أسمى فعلي يسد هذه الحاجة فيكون في نسبة الوعي بالجوع المادي سواء للأكل أو للجنس أو لفنيهما المكملين لما يحتويان عليه من اللذة الذوقية التي هي في هذه الحالة روحية وهي أسمى من الغذائية والجنسية. وإذن فالمنشود وراء الموجود على نوعين :إضافي مثل الذي يشعر به الجائع غذائيا أو جنسيا ومطلق مثل الذي يشعر به الإنسان من حيث هو إنسان في ما يشوب الفناء والمحدودية في مقومات وجوده إرادته وعلمه وقدرته وحياته ووجوده .وطبعا فيمكن للمرء أن يدعي أنه لم يشعر في حياته بالمنشود الأول لأنه ولد غنيا مثلا .لكن كل من يدعي أنه لم يشعر بالمنشود الثاني فهو إما كاذب أو لم يصل بعد لمستوى الإنسانية لأنه ما يزال مخلدا إلى الأرض غارقا في لهيث الكلاب ككل أدعياء الحداثة والعقلانية من نخب العرب. ولا بد هنا من إشارة لأمر طالما كنت استغرب منه :لم كنت أقرأ القرآن كنت أعجب من أمر محير .فلكأن الدين وضع لخدمة الدنيا وليس العكس .لكني بفضل هذه العلاقة بين أبو يعرب المرزوقي 59 الأسماء والبيان
-- نوعي التقدير الذهني وجدت ما يطمئنني لهذه العلاقة :إذا كان الدين تذكيرا بشيء قائم في كيان الإنسان فإن الأمر لم يعد علاقة بين دين ودنيا بل بين مثال وممثول .فالدين من حيث هو وعي بهذا الشوق الوجودي للكمال يتحول إلى مثال أعلى يحظ المؤمن به إلى السمو بحياته الدنيا إلى ما تحدده حياته الأخرى من مثل عليا يحاول أن يعيش بما يقرب منها قدر المستطاع. فيكون الدين بذلك مذكرا للإنسان بما فيه من قدرة على تحرير ذاته من الإخلاد إلى الأرض والارتفاع إلى مستوى الإنسانية الجديرة بالاستخلاف خلال تجربة تعمير الأرض بقيمه .وفي القرآن يكون الهدف تحرير الإنسان مما يحول دون الأخوة البشرية (النساء )1ودون علاماتها المتمثلة في المساواة بين البشر وتحقيق التعارف بمعنى المعرفة (النظر والعقد) والمعروف (العمل والشرع) فلا يبقى تفاضل بين البشر عند الله إلا بالتقوى (الحجرات .)13 أبو يعرب المرزوقي 60 الأسماء والبيان
-- صلت الآن إلى الغاية من المحاولة لأجيب عن سؤال يمكن أن نعتبر أول من طرحه وإن لم يصغه بالطريقة التي نتبعها هنا هو سؤال ابن خلدون في المقدمة بابها الأول الذي يشمل كل المقدمة كما أسلفت بمعنى أنه ينطبق على العمرانين البدوي والحضري ويحدد العلاقة بين النظر والعقد والعمل والشرع في آن. والسؤال جاء عند ابن خلدون في شكل جواب بديهي لكأنه لم يعتبر ذلك أمرا بحاجة إلى سؤال وهو: لماذا احتاج إلى الكلام في البحث عن معرفة الغيب في باب التأسي كلازم للحيث في الجغرافيا الطبيعة والمناخ؟ لماذا من شروط حصول موضوع علمه من حيز رمزي يتعلق بالغيب مع الحير المادي الطبيعي؟ فقد خصص ابن خلدون المقدمة السادسة والاخيرة إلى مسألة إدراك الغيب بمعنيين: فهم الوجود وخاصة توقع المستقبل مع تقديم هذا المعنى على ذاك .لكن كلامه على إدراك الغيب ومحاولة تفسيره بنظرية النفس لا يخفي أنه أن يجمع بين ما في النفس من تجهيز وما في العالم من حاجة للمقام فيه. وذكر جنسين من إدراك الغيب لكل منهما عدة أنواع: .1فالجنس الأول يمكن اعتباره \"فطريا\" أي غير ناتج عن تعلم ومنه الرؤيا والكهانة والنبوة. .2والجنس الثاني مكتسب بالرياضة مثل الكشف الصوفي الذي يقتضي رياضة أو بـ\"بما يشبه العلم\" كـالتنجيم والزيارات والجفر و\"علم\" الحروف وكل الدجل الذي يزعم إدراكا للغيب وحتى السحر .والمقصود بالغيب هنا أمران ثانيها هو الغالب: أبو يعرب المرزوقي 61 الأسماء والبيان
-- • فهم العالم وما يجري فيه وتنظيم الحياة بمقتضاه بمنطق الضرورة الذي ليس كافيا وإلا لكان الخوف من المستقبل مستحيل التصور. • وتوقع المستقل بوصفه مصدر الخوف من العالم الطبيعي والإنساني م والخوف من عدم تحصيل ما يسد الحاجة المادية والروحية شرطين للبقاء. وهذا هو المكون الثاني بعد المكون الطبيعي أي الجغرافيا والبدن وهو طبيعي عضوي. هنا نجد الشكل الأول من الثقافة والفكر وهو تاريخي رمزي (دون نفي أن يكون الرمزي هو بدوره من وظائف العضوي والبدني) .ولا يمكن أن يتم الوصل بين هذين الحيزين الطبيعي والثقافي من دون وصل بينهما فيه الوصل. فيمكن أن نعتبر التعامل مع المقوم الطبيعي مصدرا أولا لاكتشاف الانتظام الذي قد يتحول إلى البحث عن النظام ومن ثم عن القوانين ويمثله الجنس الثاني من إدراك الغيب الصناعي وأن نعتبر التعامل مع المقوم الرميز مصدرا ثانيا لاكتشاف ما يظن مؤسسا للإدراك نفسه سواء كان موضوعه النظام أو غيره. ولا يمكن أن يكون النوع المتعلق بإدراك الغيب \"الصناعي\" منطلقا إلا من نوعي ظهور النظام في مجرى العالم في بدايات البشرية إلا كما هو دائما أي من بنية المكان وبنية الزمان وما يجري فيهما من أحداث تنسب إلى قوى سواء كانت من جنس الإنسان أو من جنس آخر حيا كان أو جامدا وكلها مفروضات. هذه المفروضات هي إما على محمل التقدير الذهني أو على محمل المرور مباشرة إلى اعتبارها حقيقة الوجود ا لخارجي المتمكن والمتزامن من احداثه وتأثيراته .ويمكن اعتبار ذلك بداية الفلك ومنه التنجيم الذي هو وصل بين بعض خصائص الأفلاك وعلاقاتها وبين بعض احوال الإنسان فردا كان أو جماعة. فيكون الشكل الأول من دعوى \"الاطلاع على الغيب\" مبينا على تقدير ذهني أولي صله تعميم متسرع لتجارب غير ممحصة علميا .ومن ثم فالتقدير الذهني بالمعنى الرياضي بدأ أبو يعرب المرزوقي 62 الأسماء والبيان
-- وكأنه فيزياء نظرية وقد نعتبر رياضيات اقليدس التي هي جمع منسق لمكتشفات سابقة عليه هي بنحو ما فيزياء نظرية شبه مطابقة لعالمنا. ولست أعني أن رياضيات اقليدس استقرائية بل هي استنتاجية بل وأكثر من ذلك هي أكسيومية لكنها مع ذلك كان أصحابها يعتقدون أنها الوحيدة الممكنة حتى وإن كان أرسطو كما بينت في بحثي عن منزلة الرياضيات في علمه قد توقع أنه يمكن أن نغير الرياضيات إذا غيرنا تعريف المستقيم والمثلث والتوازي. التقدير الذهني الرياضي التام هو الذي يتصور صاحبه أنه يمكن أن بـ\"خلق\" عوالم لا متناهية بمجرد أن يغير الحدود الدنيا التي يتألف منها هذه العوالم والقوانين التي تصل هذه الحدود بعضها بالبعض في نظامها لتكون لحمة العالم وسداه :ولهذا تكلمت على الزرد المنطقي في التقدير الذهني الرياضي. والمعلوم أن ابن خلدون خصص عدة فصول في لباب السادس من المقدمة لإبطال ما يسميه بالعلوم الزائفة رغم أنها من حيث الشكل فيها ما يشبه التقدري الذهني .وهو طبعا لا ينفي أن فيها التناسق الشكلي لكنه يعيب عليها الإيهام بأنها علم للوجود الخارجي .وضمنها وضع الفلسفة بمعنى الميتافيزيقا. فتكون الرياضيات التي استثناها من هذه التقديرات التي اعتبرها علوما زائفة في جنس إدراك الغيب الصناعي في نسبة الوحي إلى أنواع الإدراك التي تدعيه في جنس إدراك الغيب الفطري مثل الكهانة وتعبير الاحلام فنكون أمام نوعين من إدراك عوالم أخرى غير العالم الطبيعي المحسوس. لكن الزرد المنطقي متأخر بالقياس إلى السرد القصصي وأقل شمولا .فهذا يبقى دائما رهن محددي الموجود المضطر وما يناظر إطاري الامتداد والمدة حتى وإن كان المكان والزمان فيه ليسا بالضرورة من جنس زمان عالمنا ومكانه .لكن السرد القصصي يتجاوزهما ويتحرر من إطار الامتداد والمدة. أبو يعرب المرزوقي 63 الأسماء والبيان
-- وللتيسير سأقول إن التقدير الرياضي الذي يعتمد على الزرد المنطقي في النظام المضطر يناظره التقدير الميثولوجي الذي يعتمد على السرد القصصي الحر .والحرية هنا لا تعني اللانظام بل تعدد الانظمة المتشاجنة في عالم شبه متحرر من مقتضيات المكان والزمان كما هما في عالمنا الطبيعي. وكنت قد بينت بعد أنه حتى في عالمنا يختلف زمان التاريخ عن زمان الطبيعة إذ بينت أنه مخمس الأبعاد وليس مثلثها .فالماضي له بعدان حدث سابق وحديث لاحق .والمستقبل له بعدان متعاكسان مع بعدي الماضي لأن الحديث فيه سابق على الحدث .ثم الحاضر ويجمع ذلك كله في تلاطم أمواج اللحظة العاتية. ولذلك فأمواج لحظة الحاضر العاتية لها خاصية عجيبة وهي أنها هي التي تحيط بالماضـي ببعديه وبالمستقبل ببعديه رغم أن ذلك ليس كذلك في الطبيعة حيث يكون الحاضر محاطا بالماضي قبله وبالمستقبل بعده .ولما كان الإنسان تاريخيا وطبيعيا فله النوعان :لحظته محاطة طبيعيا بما قبلها وبما بعدها لكنها محيطة بهما تاريخيا إذ إن فعل الإنسان لا يفهم إلا بوصفه عودة إلى ما قبل الحاضر لتحديد ما بعده. وحتى هذه الظاهرة التي يجدها أي إنسان في عالمنا فإنها بتعقيد كاف يجعل من المستحيل تخيل مقدرات ذهنية رياضية قادرة على صوغها بالزرد المنطقي المضطر .لكن المقدرات الذهنية الميثولوجية قادرة على ذلك ولهذه العلة يمكن أن نفهم كيف أن بعض قصص القرآن يبدو لمن يجهل هذه الخاصية الأسلوبية وكأنه يخلط بين الأزمنة. أعلم أني سألام على استعمال \"ميثولوجيا\" في الكلام على القصص القرآني .لكني قدمت دلالة الكلمة باليونانية .فهي لا تعني \"اساطير الأولين\" بل هي تعني الأسلوب القصصي بالعرض الدرامي أي بالأفعال وليس بالأقوال للموضوع دون حكم قيمي ولا حكم معرفي بل الأمر يتعلق بأسلوب السرد القصصي الحر في مقابل الزرد المنطقي المضطر .والقرآن الكريم يستعمل الأسلوبين: أبو يعرب المرزوقي 64 الأسماء والبيان
-- فهو من حيث القصص يستعمل السرد القصصي الحر ويكون المتلقي فيه كالمضطر لأنه منفعل بالقصة التي تبدو شبه واقعات تحدث أمامه موضوعيا. ومن حيث الاستدلال يستعمل الزرد المنطقي المضطر يوكون المتلقي فيه كالحر لأنه فعل المفهوم وعلاقاته فيه يقتضي فعل الفهم منه فعلا ذاتيا. فهو نص حواري للإقناع بالأدلة وحينها يكون زردا منطقيا رغم كونه يتأسس على الضرورة المنطقية فإن تلقيه لا يقبله إلى بحرية عندما يقتنع بالاستدلال فيكون المخاطب مثل المستدل قبل بالضرورة المنطقية بحرية. أما السرد القصصي فمضطر بمعنى أن القصة تحكي دراما تحصل أمامك ولا دخل لك ولحريتك في مجراها لأنها مثل الأحداث في العالم تجري وأنت تتلقاها كما تدركها ولا دخل لك فيه وفي يجري ما فيها .لكن الأحداث والشخوص كلها متحررة من الضرورة المنطقية ولها ما يشبه تعدد العوالم الرياضية. ولذلك فهي في الغالب أكثر تأثيرا من الزرد المنطقي .ولهذه العلة كذلك يبدو المعطى المحسوس أكثر يقينا من التصور .وهذا من العجائب .فالزرد المنطقي المضطر من حيث هو موضوع للإدراك يترك للمتلقي حرية القبول والرفض بقدر ما له من قدرة على الإدراك. فيكون اضطراره للاقتناع فعلا حرا وليس فعلا مضطر لأنه نابع من ذاته .في حين أن السرد القصصي الحر من حيث هو موضوع للإدراك لا يترك للمتلقي حرية القبول والرفض. فالتلقي في هذه الحالة انفعالي وليس فعليا .ولهذه العلة يكون القصص سالبا لحرية المتلقي رغم أنه يعبر عن حرية السارد .صحيح أن المتلقي يمكن أن يضيف شيئا على المتلقى .لكن ما يضيفه هو ثمرة انفعال وليس ثمرة فعل لأن إضافته هي ما يتحرك فيه وغالبا في لا وعيه مما فيه من انفعالات مكتومة. وهذه الانفعالات المكتومة هي التعبير الذي ليس بينه وبين صاحبه غربال الزرد المنطقي المضطر .هو نوع من غلبة الفطري على المكتسب .والفطري هنا هو ما في روح الإنسان من أبو يعرب المرزوقي 65 الأسماء والبيان
-- مقومات الذات التي تنقلها من الموجود فيها إلى المنشود المكمل للموجود فيها .وهذا المنشود هو موضوع السرد القصصي في الآداب. ولا بد هنا من فتح قوسين للكلام في الجهات الوجودية :الممكن والواجب والممتنع .ففي الكلام وخاصة في أدلة وجود الله يعتبرون الواجب -واجب الوجود-أهم من الممكن .لكنه يتجاهلون أن الواجب ما كان ليوجد لو لم يكن ممكنا أي لو لم يكن غير ممتنع .ولولا ذلك لاستحال أن يستمد دليل على وجود الله من حاجة الإمكان إلى ما ينقله من الوجوب. فتكون الجهات بحاجة إلى أمرين آخرين في الوجود قبل جهاته لأنه لا يمكن تصور جهات الوجود إذا لم يتقدم عليها الوجود .لكن تصور الوجود الذي سينقسم إلى جهات يقتضي شرطين هما عين كونه وجودا له هذه الجهات وكونه الوجود الرب .لا بد أن يكون الوجود الرب إرادة وقدرة .وذلك هو المفهوم الحقيقي لله .ولا يمكن تصور إرادة دون علم وقدرة دون حياة .فيكون الوجود من حيث هو الرب إرادة مريدة على علم وقادرة بحياة وبذلك يكون وجوده إيجاد .فإرادة الوجود هي أصل الإمكان وقدرته هي أصل الوجوب .أما الامتناع فنوعان: • أحدهما ما يقدر عليه ولا يريده وهو الشر. • والثاني ما لا يريده ولا يقدر عليه وهو العدم. الآن ختمت قياسي على القدير الذهني التيمي .فهو تكلم عليه في الرياضيات وأنا أتكلم عليه في الميثولوجيات .هو تكلم على أصل العلوم التي تصبح ممكنة لما تكون رياضيات تطبيقية على تجربة الطبيعة .وأنا أتكلم على أصل الأعمال التي تصبح ممكنة لما تكون ميثولوجيات تطبيقية على تجربة التاريخ. أبو يعرب المرزوقي 66 الأسماء والبيان
-- وليكن الفصل الأخير مثالا من القرآن الكريم يشمل كل النتائج من هذا القياس الذي نقلنا من المقدرات الذهنية الرياضية لتعريف العلم الأتم بالزرد المنطقي المضطر عند ابن تيمية إلى المقدرات الذهنية الميثولوجية (كأسلوب سرد دون خلط باساطيرالأولين) لتعريف العمل الأتم بالسرد القصي الحر في بحثنا. ولا يمكن قراءة قصة يوسف في القرآن من دون مقابلتها بقصة يوسف في التوراة .فالقصة القرآنية دحض حرفي لقصة التوراة أو هي تفكيك للتحريف بمنطق التصديق والهيمنة. ومعنى ذلك أن كل ما ورد في القصة التوراتية يمكن اعتباره من دين العجل وكل ما ورد في القرآن من دين الله الخاتم. كلتاهما سردية :التوراتية يمكن اعتبارها من جنس الأدب \"الواقعي\" يقص سلوك مستشار بالمعنى السياسي في الدول المافياوية .والقرآنية من جنس الأدب الذي يعدد معالم المنشود لتغيير الموجود نقلا إياه من هذا السلوك المافياوي إلى السلوك الذي يليق بنبي يذكر الإنسان بمعاني الإنسانية. لا أنوي إيراد القصة التوراتية لأن القارئ يمكن أن يتأكد من ذلك بنفسه .ما يعنيني هو دلالة القصة القرآنية على ما يستكمل ما شرحته في كلامي على سورة هود .فهي المكملة لها وهي الوصف الحرفي لاستراتيجية الرسالة الخاتمة في تحقيق مشروع الدولة الكونية للأخوة البشرية والمساواة بين البشر. فأولا المخاطب بها هو المبشر به في هود أي ابراهيم الثاني أو محمد خاتم الرسل تذكيرا للمذكر بأنه كان من الغافلين قبل أن يوحى إليه هذا القرآن .ويأتي في القصة التي هي مضمون السورة الوحيد تعيين ما كان غافلا عنه الرسول قبل الوحي :تذكير المذكر بما عليه أن يذكر به وأن يحقق شروط إنجازه. أبو يعرب المرزوقي 67 الأسماء والبيان
-- وسأكتفي بفرضية واحدة :اسرة يوسف في القصة هي الإنسانية كلها .والقصة إذن تبدأ بما بين البشر من تآمر متبادل رغم أنهم اخوة .والآن أبدأ بتحليل القصة ولا أحتاج لفرض أي فرضية بعد هذه .ولأذكر أولا أن كل ما يجري فيها يجري في مستويين :في العلم والرؤى ثم في العلم والتاريخ. وذلك يعني أن كل التاريخ الإنساني (الفرضية التي انطلقنا منها أن اسرة يوسف رمز للإنسانية التي تعيش حروبا رغم أن البشر اخوة) هو السعي لتحقيق أحلامها أو أنها تعيش تاريخها في مستويين مستوى التوقع الذهني لتصوري ومستوى التفعل العيني الإنجازي. وذلك في خمس مستويات هي موضوعات السورة .ويمكن حصر الموضوعات حصرا جامعا مناعا .فهي: .1الحب والكراهية. .2التبادل الاقتصادي. .3فهم أحلام الإنسان واستراتيجية تحقيقها. .4السياسة لتحقيقها .5المعيار الأسمى لعدم تحريف أيا من الأربعة السابقة أو رؤية برهان الرب. وفي النهاية وبفضل تحقق ذلك تلتقي الأسرة كاملة أي الإنسانية في غاية السورة متآخية غاية للإسلام الكوني .ومن مزايا هذه الموضوعات أنها جامعة مانعة .لن تجد موضوعا آخر لتحقيق الرسالة ولموجود حياة الإنسان في الدنيا ومنشودها في الأخرى .لكن ما تتميز به القصة هي العامل الغيبي الذي لا يمكن أن يحصر في علم والذي هو أساس الفرق بين المقدرات الرياضية التي تخضع للزرد المنطقي المضطر والمقدرات الذهنية التي تخضع للسرد الميثولوجي الحر :حياة يوسف. فحياة يوسف وما حصل له في كل اطوارها مصير خارج عن منطق الزرد وبالغ غاية منطق السرد .كله يبدو سلسلة من الصدف التي ليس لها منطق ظاهر رغم أن كل ما يبدو منطقيا أبو يعرب المرزوقي 68 الأسماء والبيان
-- في الاستراتيجية التي تصل بين الموضوعات الخمسة .لا شيء \"يفسر\" هذا المصير إلا غيب محجوب :الرمي في البئر والتجار وبيعه وخدمته ولقاؤه بالمرأة إلخ.. وسأكتفي بكلمة واحدة حول قصة يوسف في التوراة .خذ ما أوردناه هنا واعكسه وستجد مضمون القصة في التوراة .ففيها يوسف أشبه بـ\"كيسنجر\" أو أي مستشار خبيب في أنظمة الحكم الغربية الحالية ينصح الحاكم من أجل فهم ماكيفالي للسياسة .وغاية نصيحة يوسف التوراتي هي تحويل المزارعين المصريين من أحرار يملكون أرضهم إلى أقنان عند فرعون الذي صار رب الأرض كلها وهم خدم عنده. وهذه مناسبة لأحكي قصة حصلت فعلا سنة 1971في أول سنة درست فيها الفلسفة بثانوية منزل بورقيبة التي تخرجت منها قبل ذلك بأربع سنوات .وكان عدد ساعاتي في المادة دون ما أنا مطالب به كأستاذ ثانوية 18-سنة-فاستكمل المدير واجبي بساعات ترجمة للرابعة ثانوي :بعض الطلبة ما زالوا يذكرون القصة. كان أحد الأستاذة الفرنسيين يدرس تلاميذ الرابعة الفرنسية وهو ابن أحد كبار متفقدي التعليم في المدارس الفرنسية .كان يكثر الكلام حق الصهيونية في فلسطين. أعلمني التلاميذ بألمهم وبعجزهم عن الرد على تلميحه إلى ما يجانس تشكيك \"فلاسفة الدين\" العرب الحاليين في القرآن. فأوعزت لبعضهم أن يتحدوه بالمناظرة معي في الموضوع .كنا لم نتعارف بعد إذ كان ذلك في الثلث الأول من السنة .فاغتر وقبل وليته لم يفعل .لم أساله عن فلسطين ولا عن اسرائيل .سألته عن تعريضه بالقرآن ليس مباشرة بل عن يوسف في التوراة هل يعتبره نبيا؟ فأجاب :طبعا .فسألته :هل ما فعله كما ترويه التوراة يليق بنبي؟ فهم أن المناظرة انتهت :إذ كان عليه إما أن يسلم بأن التوراة محرفة أو أن يوسف ليس نبيا .حاول أن يحتج :لا تقس الماضي على الحاضر .فسألته :هل القيم الروحية مثل الحيل السياسية تتأثر بالظرف ولا تؤمن بالعدل والحرية والحقوق؟ أفحم .لكني مررت للغاية من أبو يعرب المرزوقي 69 الأسماء والبيان
-- المناظرة :هل من حرف صورة يوسف ليس هو جعل لجوء بني إسرائيل إلى فلسطين يلغي حق أهلها فيها إلى الأبد؟ أعلمني التلاميذ أنهم لم يسمعوه بعدها يتكلم في الأمر وغادر المدرسة في نهاية السنة. ذلك أن المناظرة تمت وبيننا التوراة في نصها الفرنسي والقرآن الذي لم أحتج لاستعماله لأني طلبت منه أن ينظر في الترجمات الفرنسية حتى يرى أن القيم التي نسبت إلى يوسف في القرآن لم تتغير بحسب العصور إلا لكانت الحقيقة الدينية من جنس المناورة السياسية. والقصة هذه تبين أن \"فلاسفة الدين\" من حداثيي العرب-وهم لا علاقة لهم لا بالفلسفة ولا بالدين-لا يؤمنون بدين وليسوا مختصين في الفلسفة ثانيا لأنهم خريجو أقسام العربية ولا علم لهم بالأدب الذي ينحصر عندهم في سرد أحوال النفس أو ما يسمونه بالأدب الواقعي-يتجرؤون على القرآن ويخافون التوراة. فعندما يتكلم ناصر حامد أبو زيد عن النص والواقع فهو يدعي المقابلة بين نص القرآن وما يسميه واقعا وهو يقصد صورة الوقع في نص ماركس .وهذا يصح عليهم جميعا وليس على أبي زيد وحده .ولا يهم صورة أي نص وخاصة عند مخرفي \"الهر على من يطيقه\" لأني \"الواقع\" لست أدري كيف ينفذون إليه؟ ولذلك اعتبرتهم جميعا قد نكصوا تبعا لهيجل وماركس إلى القول بابستمولوجية المطابقة وما يترتب عليها من أكسيولوجية الواقع .وكلمة \"رياليسم\" لها دلالة ابستمولوجية ودلالة أكسيولوجية: • فالدلالة الأولى أبستمولوجية وهي القول بمطابقة النظر لـ\"لواقع\" وتعني أن العلم نسخة من \"الواقع\" الذي يظن شفافا ويعتقد أن العقل الإنسان نفاذ إليه دون لبس. • والدلالة الثانية أكسيولوجية وهي القول بمطابقة العمل لـ\"لواقع\" تعني أن العلم تكيف مع ما يسمونه \"الواقع\" الذي يظن حقيقة مطلقة وأن الإرادة خضوع إليه دون عناد. ويستنتجون من ثم أكسيولوجيا وأكسيولوحيا البراجماتسم الأنجس المتمثلتين في قبول \"الواقع\" الوجود والتخلي الدائم عن \"المثال\" المنشود بمقتضى الواقعية التي هي عين أبو يعرب المرزوقي 70 الأسماء والبيان
-- العبودية لدين العجل معدنه وخواره .فيكون الواقع أساسا لانحطاطين معرفي وخلقي. وطبعا هم يتهمون كل من لا يرى مثلهم أنه مثالي و\"ناييف\" أي ساذج يصدق الخرافة (أي الدين عندهم) والأحلام (أي الفلسفة عندهم). ولذلك فلن تجد من هو أذل منهم وجودا وأقبح حياة وأشر قدرة وأكذب معرفة وأكثر عبودية إرادة .فهم عبيد أمام صاحب السلطة والمال ومستعدون لأن يتحولوا إلى مجرد خوار العجل من أجل معدنه .وتلك هي خاصية غالبة النخب التي تدعي الدور الثقافي في المراحل المنحطة من كل حضارة .وذلك ما يعتبره ابن خلدون علامة على بداية الانهيار حتى وإن كان يحمل مسؤولية الظاهرة إلى عاملين: .1عامل التأله عند الحاكم الذي لا يريد التعامل مع الأحرار إرادة والصادقين علما والخيرين قدرة والجميلين وحياة والجليلين وجودا لأنه يعلم أن من كان كذلك لا يمكن أن يصبح عبدا لغير الله. .2عامل التأله عند المبدع الذي لا يريد القبول بهذا الشرط لأنه هو بدوه له نفس الاعتداد بالنفس ويكاد يكون موقفه من غيره مثل الحاكم لأنه يتصور سلطانه الفكري وفق سلطان الحاكم السياسي. ولهذه العلة فإني لم ار في حياتي أكثر منهم متصفا بعكس ما يسميه ابن خلدون معاني الإنسانية :إرادة عبيد وعلم كاذب وقدرة شريرة حياة قبيحة ورؤية ذليلة .ذلك أن معاني الإنسانية في راي ابن خلدون هي التي تجعله يعرف الإنسان\" :رئيسا بطبعه (فلسفيا) بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (دينيا)\" .إذا لم يكن الإنسان: .1حر الإرادة .2صادق العلم .3خير القدرة .4جميل الحياة .5جليل الوجود أبو يعرب المرزوقي 71 الأسماء والبيان
-- فهو كما يصفه القرآن مخلد إلى الأرض كالكلب يلهث سواء حملت عليه أم لم تحمل. ولذلك تراهم حياتهم لا يتوقفون عن اللهيث وراء ما سماه هيجل باللامتناهي الزائف. واللامتناهي الزائف هو بعدا العجل الذهبي :معدنه وخواره. والغريب أنهم يتصورون ما يحبرونه أدبا لأنه يحكي حياتهم أو ما يرد إليها والتي هي عبودية معدن العجل ماديا وخواره فكريا .فهم يعتقدون أن الذاتية التي لا يرون منها إلى تمظهرا النفسي في أحوال نفوسهم وأنها بهذا المعنى هي محور الإبداع الذي يصبح بنحو ترجمة ذاتية لأحوال النفس التي يظنونها عين كيان الإنسان الروحي. ولهذه العلة خصصت محاولة للفرد والفردية والفردانية لأبين أنها ليست طبيعية ولا عضوية ولا حتى مفهوما فلسفيا بل هي منشود ديني روحي لا قيام له في الموجود بل في ما يدفع إليه الموجود من المنشود .فالذات هي الاشرئباب الدائم لحرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال الحياة وجلال الوجود. لكن إذا فسدت في الإنسان معاني الإنسانية (ابن خلدون) ينقلب هذا الاشرئباب إلى عكسه فيصبح انكماشا ونكوصا إلى عبودية الإرادة وكذب العلم وشر القدرة وقبح الحياة وذل الوجود .وهذه حال الأمة التي ربيت أفرادها بالعنف المادي والرمزي وحكمت جماعتها بهما (المقدمة الباب السادس الفصل الرابع). فتكون الفردية كما يحددها القرآن المنشود من الوجود وهي متعالة على الحاصل من الممكن إلى كل ممكن الحصول .فتكون قدرة على إبداع هذا الممكن المفتوح على اللاتناهي بالتقدير الذهني .إنها إذن عين ما به يكون بوسع الإنسان أن يكون مبدعا: .1للمقدرات الذهنية الرياضية ذات الزرد المنطقي المضطر. .2والمقدرات الذهنية الميثولوجية ذات السرد القصصي الحر. وبهما يكون الإنسان من حيث هو ذات يتعين فيها المنشود المتجاوز للموجود في علاقة مباشرة بالإلهي من حيث هو إلهي .وبين أن عالم المقدرات الذهنية التي يبدعها صاحب أبو يعرب المرزوقي 72 الأسماء والبيان
-- السرد الحر أوسع من التي يبدعها صاحب الزرد المضطر لأن الأول يتحرر من منطق الضرورة المقيدة والثاني يتعالى عليه إلى منطق الممكن المرسل. أبو يعرب المرزوقي 73 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 74 الأسماء والبيان
Search