Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-03-01 12:21:27

Description: المقدرات الذهنية، ابن تيمية وابن خلدون استئناف النظر والعمل - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫ابن تيمية وابن خلدون‪:‬‬ ‫استئناف النظر والعمل‬ ‫الأسماء والبيان‬





‫المحتويات ‪2‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪8 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪16 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪23 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪30 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس‪37 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السابع ‪43 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثامن ‪48 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل التاسع ‪54 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل العاشر ‪61 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الحادي عشر ‪67 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫قياسا على نظرية ابن تيمية الذي ميز بين العلم الكلي الذي لا يوجد إلا في ما سماه‬ ‫\"المقدرات الذهنية\" ونفاه عما عداه من العلوم التي تدرس موضوعات ذات قيام لا تستمده‬ ‫من العلم نفسه الذي يفترض موضوعا بتقديره الذهني ميزت بين الفنون عامة والآداب‬ ‫خاصة والتاريخ أو قص الموجود الخارجي‪.‬‬ ‫لم أضع نظرية في الفن والأدب بل عممت نظرية ابن تيمية في العلاقة بين المقدرات‬ ‫الذهنية وتطبيقاتها‪ .‬فالمقابلة بين علوم المقدرات الذهنية وعلوم الموجودات التي لا تدين‬ ‫بوجودها للتقدير الذهبي بل مهمة الذهن فيها هي تطبيق التقدير الذهني عليها قيسا لها‬ ‫به لأن قوانينها مجهولة فيعلم الممكن منها بالقياس إلى الحاصل من قوانين المقدرات قابلة‬ ‫للتطبيق على العلاقة بين مقدرات ذهنية من جنس آخر في علاقتها بالتاريخ والإنسانيات‬ ‫نظير علاقة المقدرات الذهنية التيمية بالطبيعيات‪.‬‬ ‫وهذا التعميم مكنني من اكتشاف خمس مجالات مختلفة في المعرفة الإنسانية‪:‬‬ ‫‪ .1‬المقدرات الذهنية الرمزية عامة والرياضية التي يكون فيها العلم واضعا للعلم والمعلوم‬ ‫في مجال الضرورة المنطقية‪.‬‬ ‫‪ .2‬المقدرات الذهنية الفنية عامة والادبية خاصة وهي مقيسة على الأولى ولكن في مجال‬ ‫الحرية الخلقية عامة ويترتب على هذين المجالين الأولين الرياضي والأدبي في التقدير‬ ‫الذهني مجالان يطبقانهما هما‪:‬‬ ‫‪ .3‬مجال علوم الطبيعة التي تتأسس على المجال الأول إذا طبقناه على التجربة الطبيعية‬ ‫ذات القوانين الضرورية فرضا أو حقا والتي تطلعنا على معطيات الطبيعة إما فرضيا أو‬ ‫فعليا‪.‬‬ ‫‪ .4‬مجال علوم الإنسان التي تبنى على المجال الثاني إذا طبقناه على التجربة الخلقية ذات‬ ‫السنن الاختيارية والتي تطلعنا على معطيات التاريخ بنفس الصورة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .5‬والمجال الاخير هو أصل هذه المجالات كلها‪ .‬وهو قبلها وبعدها في آن أو هو محط بيها‬ ‫إذ إننا نكتشفه بعدها لكننا خلال ذلك الاكتشاف ندرك أنه مضمر فيها جميعا ومن ثم فهو‬ ‫أصلها المقدم عليها على الأقل في الوجود وليس في العلم أو في الوعي به‪ :‬إنه قيس كل شيء‬ ‫على ما في وعي الإنسان بأفعال من فاعل مضطر ومن فاعل حر‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فإني اعترف بأني مدين لابن تيمية وابن خلدون بكل ما أحاول التعبير عنه‬ ‫ليس في قراءة القرآن فحسب بل وكذلك في بيان الواحد في الديني والفلسفي إذا تعلق‬ ‫الأمر بما فيهما من ابستمولوجي (نظرية النظر والعقد) ومن أكسيولوجي (نظرية العمل‬ ‫والشرع) بصورة تقطع نهائيا مع الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي‪.‬‬ ‫أكسيولوجي (نظرية العمل والشرع) بصورة تقطع نهائيا مع الكاريكاتورين التأصيلي‬ ‫والتحديثي‪.‬‬ ‫وقد شرحت القصد بالكاريكاتورين‪ .‬لكن لا بأس من التذكير بالقصد منهما‪:‬‬ ‫‪ .1‬كاريكاتور التأصيل هو فكر من يتصور علوم الملة معبرة حقا عن فلسفة القرآن الكريم‬ ‫ورؤاه في النظر والعقد وفي العمل والشرع‪.‬‬ ‫‪ .2‬وكاريكاتور التحديث هو فكرمن يتصور تخريف الحداثيين العرب معبرا حقا عن‬ ‫فلسفة الحداثة ورؤاها فيهما خلطا بينها عند كبار مفكريها وبين الإيديولوجيات التي‬ ‫استغلتها لتبرير الاستعمار تنميطاته الحضارية‪.‬‬ ‫ولأبدأ بكاريكاتور التحديث عند الحداثيين العرب‪ .‬فهم كلهم دون استثناء ضحايا‬ ‫النكوص الهيجلي الماركسي للقول بنظرية المعرفة المطابقة في النظر والعقد وبنظرية‬ ‫المطابقة في العمل والشرع بمعنى أنهم يتصورون العلم محيطا والعمل مطلقا‪ .‬وكلاهما لا‬ ‫يقول به كل من أدرك حدود العقل وحدود القدرة الإنسانيين وهي الخاصية الأساسية‬ ‫لفكر الحداثة والتنوير على الأقل من ديكارت إلى كنط‪.‬‬ ‫ومن العلامات التي لا تكذب التعصب النظري والعقدي عند الحداثيين والكراهية المطلقة‬ ‫التي تجدها لديهم للديموقراطية في الأفعال بخلاف ما يصرحون به في الأقوال‪ .‬ولذلك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فحداثتهم لا يمكن أن تكون إلا معتمدة على عنصرية أرواح الشعوب الهيجلة وعلى‬ ‫دكتاتورية الطبقة الماركسية بمن في ذلك ليبراليوهم‪.‬‬ ‫فكلهم لهم موقف عنصري من الشعوب التي يعتبرونها قاصرة ويتصورون أنفسهم أوصياء‬ ‫عليهم وهي رؤية هيجلية لأرواح الشعوب التي تجعلها انديجان في مقابل أصحاب المهمة‬ ‫التحضيرية التي تتوهم نخب العرب الحداثية أنها البديل من الاستعمار نيابة عنه في هذه‬ ‫المهمة التحضيرية العنيفة بقوة الدولة‪.‬‬ ‫ولذلك فجلهم حلفاء القبائل والعسكر التي نصبها الاستعمار على المحميات العربية لتكون‬ ‫ممثلة لهذه العنصرية المقيتة‪ .‬ولا فرق بينهم وبين الماركسيين لأن ما يقوله هيجل عن أرواح‬ ‫الشعوب يقوله ماركس عن الطبقات‪ .‬والليبراليون العرب كذبة لأن أغلبهم أيضا حلفاء إما‬ ‫للعسكر أو للقبائل المنصبين‪.‬‬ ‫ولا فائدة من إطالة القول في كاريكاتور التأصيل‪ .‬فكلهم لهم نفس المواقف‪ .‬ولكن بدلا‬ ‫من أن تكون مبنية على فكر هيجل وماركس في النكوص الفكري عن نظرية النظر والعقد‬ ‫النقدية وعلى نظرية العمل والشرع المترتبة عليها هم يبنون نفس الوصاية على الشعوب‬ ‫باسم قراءتهم الفاسدة للقرآن والسنة‪.‬‬ ‫ومثلما تجد الهيجلي والماركسي في كاريكاتور التحديث العنيف تجد السلفي والإخواني في‬ ‫كاريكاتور التأصيل العنيف‪ .‬والأربعة يعتمدون العنف بمعنيين عند ابن خلدون‪:‬‬ ‫‪ .1‬عنف التربية المبني على الوساطة إما بين العقل والإنسان أو بين الله والإنسان في‬ ‫النظر والعقد‬ ‫‪ .2‬وعنف الحكم المبني على الوصاية عليه في العمل والشرع بتعليل ديني عند التأصيليين‬ ‫أو فلسفي عند التحديثيين العنيفين ومزعومين‪.‬‬ ‫والوساطة نفاها القرآن لما قال الله للرسول \"إنما أنت مذكر\" بمعنى أنك في التربية لست‬ ‫ذا سلطة على المتعلم‪ .‬والوساطة نفاها القرآن كذلك لما قال للرسول \"لست عليهم بمسيطر\"‬ ‫بمعنى أنك في الحكم لست ذا سلطة على المواطن‪ .‬فدور التذكير في التربية من جنس التوليد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫السقراطي‪ .‬ودور ال ُحكم من جنس دور ال َحكم المحدد قرآنيا (النساء ‪ )58‬بالأمانة (لأن‬ ‫الأمر أمر الجماعة الشورى ‪ )38‬والعدل علامة الأمانة‪ .‬فالحاكم نائب مؤقت للجماعة وهو‬ ‫مؤتمن على أمرها مدة النيابة تحت مراقبتها (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو‬ ‫فرض عين وينطبق في كل ما يشمله الأمر)‪.‬‬ ‫فلا يكون النظر والعقد عندهم في التربية فرض عين ولا يكون العمل والشرع في الحكم‬ ‫عندهم فرض عين بل الأول يصبح تابعا لوسطاء من التحديثي أو من التأصيلي في التربية‬ ‫والثاني تابعا لأوصياء منهما في الحكم‪ :‬إنها الرؤية التي نكصت إليها الهيجلية والماركسية‬ ‫لتخليهما عن فلسفة النقد للنظر والعقد وللعمل والشرع‪.‬‬ ‫وهذا النكوص عودة إلى القرون الوسطى التي كانت تقول بهما لأنها تقول بنظرية المعرفة‬ ‫المطابقة وتدعي أن الوحي والعقل يدركان الوجود بإطلاق ويبنيان عليه النظر والعقد‬ ‫والعمل والشرع ولا يريان مسافة بين الوجود والإدراك الإنساني سواء كان معرفيا أو خلقيا‬ ‫خلافا للعقل وللوحي‪ .‬لكن القرآن يستثني الغيب والعلم فيه لا يكون محيطا والعمل مطلقا‬ ‫إلا للخالق‪ .‬وهذان الموقفان هما ما يجعل الأمة اليوم تعاني من داعشين‪:‬‬ ‫• داعش كاريكاتور التأصيل‪.‬‬ ‫• وداعش كاريكاتور التحديث‪.‬‬ ‫ومن لم يلحظ التوازي التام بين مواقفهما سلوكهما في النظر والعقد وفي العمل والشرع لا‬ ‫يمكن أن يفهم عجزهم مثلا عن فهم نظرية عدم التأثيم الخلدونية ومعنى الاجتهاد والجهاد‬ ‫القرآنيين‪.‬‬ ‫قدمت للمحاولة بهذا المدخل الذي يبين الفاعلية التفسيرية لحال الأمة لهذه النظرية‬ ‫ذات المجالات الخمسة التي اعتمدت فيها على نظرية ابن تيمية في النظر والعقد وما يترتب‬ ‫عليه في العمل والشرع وعلى نظرية ابن خلدون في العمل والشرع وما يترتب عليها في‬ ‫النظر والعقد لكن غرضي ليس التطبيق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك أني اعتقد أن التطبيق مهم ومهم جدا‪ .‬لكنه ليس هو مطلبي لأني أومن بأن النظر‬ ‫المطلوب لذاته غاية لذاته أهم من التطبيق لأن التطبيق محدود بظرف معين والنظر يمكن‬ ‫أن يكون أكثر انفتاحا على الممكن دون أن يكون مطلق التحرر من الظرفيات‪ .‬لكن دورها‬ ‫دون دور التطبيق إغراقا في الخصوصيات‪.‬‬ ‫وفي ختام هذا الفصل التمهيدي لنظرية المجالات الخمسة أود أن أحسم إشكالية العلاقة‬ ‫بين الخصوصي والكوني في الفكرين الديني والفلسفي وبصورة أدق في الفكر عامة إذ لا‬ ‫فكر إلا الواحد فيهما أعني طبيعة العلاقة بين الكلي والعيني أو بين ما يغلب عليه التقدير‬ ‫الذهني وما يغلب عليه التعيين الفعلي‪.‬‬ ‫فهذه القضية من الأمراض التي سيطرت على فكر الباحثين عن الخصوصية والنافين‬ ‫للكونية متوهمين أن ذلك يحررهم من السيطرة الغربية ولا يدرون أنهم يمضغون خرافة‬ ‫مستمدة من ما بعد الحداثة القائلة بأن الثقافات أرخبيل لا تتواصل جزره إيهاما بأن‬ ‫الحضارات مختلفة وكل منها مردود إلى ما يسمونه سردياته عن ذاته وعن الوجود بمن فيه‬ ‫غيرهم الشعوب الأخرى‪.‬‬ ‫وهذه الخرافة تعجب الكثير ممن يريدون أن يتفلسفوا بمثل هذه القشور‪ .‬ولكن لو‬ ‫سألتهم انطلاقا من نظرية المائدة والسرير وفنيهما كما فعلت بهذه النظرية التي وضعتها‬ ‫لتبين لهم سخفها‪ .‬صحيح أن المائدة لما تنصب والسرير لما يفتح يكون ما فيه مختلفا ليس بين‬ ‫حضارة وحضارة بل حتى بين بيت وبيت‪ .‬ويمكن حينها أن نتكلم على الخصوصيات‪.‬‬ ‫لكن لو سألنا عما يطلبه البدن في الحالتين ما هو؟ فلا يهم ما نأكل ولا مع من نتناكح وكيف‪.‬‬ ‫المهم هو ما الذي يأخذه البدن والذوق من الأكل وما الذي يأخذه البدن والذوق من‬ ‫الجنس‪ .‬فما يأخذه البدن في الحالتين من المائدة ومن السرير وخاصة من الذوق الغذائي‬ ‫والذوق الجنسي هو الكوني‪ .‬وهذا الكوني يوجد وراء المأكول والمنكوح في عينه لأن هذين‬ ‫حاملان لحاجة البدن العضوية والذوقية أيا كانت خصوصياتهما العينية‪ .‬وهي من جنس‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لون بشرة الإنسان وحجمه ولون المأكول وقيمته في مجتمع بحسب قوانين الاقتصاد أو‬ ‫العرض والطلب‪.‬‬ ‫والمعلوم أن هيجل قد استعمل معنى يمكن اعتباره متضمنا مثل هذا المعنى‪ :‬مفهوم الكلي‬ ‫المتعين‪ .‬لكنه مختلف تماما عما أقصده‪ .‬فالمتعين ليس الكلي بل هو أحد وجوهه‪ .‬إنه‬ ‫المطابقة الظرفية التي له مع تعين ما دون أن يكون إياه‪ .‬فالكلي هو قانون المتعين الذي‬ ‫يشبه اللسان بالقياس إلى المعاني المنطقية ويشبه الرسم الذي نعمل عليه لعلاج مشكل‬ ‫رياضي نعينه فيه ونعلم أنه عين من الكلي وليس الكلي أو المثال الذي نقدمه لشرح فكره‬ ‫للمتعلم‪.‬‬ ‫ولا معنى لسؤال فيم يقوم الكلي‪ :‬هل هو في الأذهان فيكون ظاهرة نفسية أم في الأعيان‬ ‫فيكون من جنس المثل الأفلاطونية أو في العناية بالمعنى السينوي فيكون في علم الله أو في‬ ‫اللوح المحفوظ كما في الإسلام‪ .‬ليس لهذا السؤال جواب مقنع‪ :‬كلها تصورات لمحل قيام‬ ‫الكلي‪ .‬وعندي أنه أحد تمظهرات الغيب المحجوب الذي يتمظهر في قدرة الإنسان على‬ ‫التقدير الذهني لمعان لها وجه انطباق جزئي على الوجود الخارجي المدرك بالحواس‪.‬‬ ‫لذلك فكل من يعتبر الفلسفي أو الديني متعلقا بالخصوصيات يشبه من يتصور الدائرة‬ ‫الرياضية مثلا هي الاعيان التي نرسمها في الاستدلال الرياضي مثلا تيسيرا لتصور المفهوم‬ ‫هي الدائرة الرياضية وهي موضوع الفكر الرياضي‪ .‬الأشكال للتعيين لا علاقة لها بالكلي‬ ‫المعين بل بتيسير إدراكه لا غير‪.‬‬ ‫فإذا سمعت متفلسفا يلح على الخصوصي فاعلم أنه لم يشم بعد رائحة الفلسفة وفضلا عن‬ ‫النظر والعقد وعلاقتهما بالعمل والشرع‪ .‬فالكلي الذي يعنى به الفكر الفلسفي والفكر‬ ‫بصورة عامة ‪-‬إذ لا فكر إلا وهو في آن وحدة الفلسفي والديني بمعنى طلب الحقيقة دون‬ ‫ادعاء حيازتها فتكون بما هي فلسفية حب الحكمة وبما هي دينية حكمة الحب‪-‬وتلك هي‬ ‫الأداة الوحيدة لإدراك الجزئي والخصوصي والغاية الوحيدة لفاعلية الفكر في المجالات‬ ‫الـخمسة هو جوهر فعل الفكر الإنساني في الدينـي والفلسفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫موضوع المحاولة أن ندرس‪:‬‬ ‫‪ .1‬الفاعلية الإنسانية في المقدرات الذهنية وفروعها الأربعة‪:‬‬ ‫أي في صنفيها‪:‬‬ ‫‪ .2‬الصنف الذي حدده ابن تيمية (الرموز عامة والرياضيات خاصة)‪.‬‬ ‫‪ .3‬والصنف الذي اضفته أنا قياسا عليه (الفنون عامة والأدب خاصة)‬ ‫وفي صنفي تطبيقاتهما أي‪:‬‬ ‫‪ .4‬عالم الطبيعة والضرورة‬ ‫‪ .5‬وفي عالم التاريخ والحرية‪.‬‬ ‫ومن يدرك أن الواحد في الأديان وفي الفلسفات ووحدة هذين الواحدين أي وحدة‬ ‫الديني والفلسفي هو فاعلية الإنسان في النظر والعقد وفي العمل والشرع وهو ما يفسر‬ ‫موقفي من الدين ومن الفلسفة وبوصفهما رؤى لهذين الوجهين من الفاعلية الإنسانية في‬ ‫الرياضيات والأدب وفي الطبيعيات والإنسانيات‪.‬‬ ‫وما أريد بيانه ليس رأيي الشخصي فحسب بل ما يترتب على رأي ابن تيمية وابن خلدون‬ ‫لو تمكن قراؤهما من تجاوز الاقتصار على القياسات السطحية طلبا للسبق بالقياس إلى ما‬ ‫يتنافى تماما مع فكرهما‪.‬‬ ‫فمثلا ابن خلدون لا يمكن أن يقاس لا بماركس ولا بأوغست كونت ولا حتى بأفلاطون أو‬ ‫بأرسطو‪ .‬ومثله ابن تيمية‪ .‬ذلك أن سبق الأول في فلسفة العمل والشرع وسبق الثاني في‬ ‫فلسفة النظر والعقد ليس لهما مثيل كما سنبين في فصول هذه المحاولة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وحتى يكون الكلام متصلا بما تقدم فإن مسألة العلاقة بين الكلي والخصوصي تحتاج إلى‬ ‫مزيد توضيح قبل الولوج في إشكالية المقدرات الذهنية الفنية والأدبية التي أنوي تأسيسها‬ ‫قياسا على المقدرات الذهنية الرمزية والرياضية التيمية لأنها هي التي تمكن من الوصل‬ ‫بين ما سماه ابن خلدون الوجدانيات التي لا تنقال والوجوديات التي تنقال دون الجزم‬ ‫بكون ما نقوله عنها يعني ردها إلى ما ندركه منها‪.‬‬ ‫صحيح أن الخصوصي أمر لا شك في وجوده‪ .‬لكنه من الوجدانيات التي لا تنقال كما بين‬ ‫ابن خلدون في شفاء السائل‪ .‬فالخصوصي فردي خالص وما يظن جمعيا منه علته توهم ما‬ ‫ندركه من الوجود هو عين الوجود بمعنى أن الكلام في الخصوص الحضاري ناتج عن الخلط‬ ‫بين الرمز الحامل المشترك في حضارة من الحضارات (اللغة خاصة) واعتباره ممثلا‬ ‫لخصوصية في المرموز المحمول (من هنا المبالغة في أهمية الفروق بين اللغات وخرافات هيدجر‬ ‫حول اللغة حتى وإن كنا لا ننفي أهميتها لكن الأهمية ليست في اختلاف اللغات بل في كون‬ ‫الإنسان ناطقا لا غير)‪ .‬وقد ضربت مثالي المائدة والسرير وفنيهما‪.‬‬ ‫وصحيح كذلك أن المائدة والسرير فيهما مشترك حضاري‪ .‬وقد يكون خصوصيا بمعنى أن‬ ‫الأكلات والاكل والجنسيات والنكاح لهما في أعيانهما أشياء كثيرة متماثلة‪ .‬لكن ما يـأخذه‬ ‫البدن منهما عضويا وذوقيا واحد للإنسان من حيث هو إنسان‪ .‬وهو قابل للتحديد الدقيق‬ ‫الكمي والنوعي‪ .‬وهو الوحيد الذي يمكن اعتباره موضوعا للمعرفة العلمية التي تفسر‬ ‫العضوي الغذائي والعضوي الجنسي في الحياة‪.‬‬ ‫والباقي يمكن وصفه والكلام عليه‪ .‬لكنه لا يفسر شيئا حتى وإن أمكن ترتيبه وبيان‬ ‫التفاضل بينه من خلال توفر ما يطلبه البدن منه لأن الأغذية ليست كلها مغذية بنفس‬ ‫الدرجة وكذلك الجنس ليس كله \"مغذيا\" بنفس الدرجة‪ .‬وهنا يتدخل الوجهان في المائدة‬ ‫والسرير وما بينهما من تفاعل بحيث يكون العضوي المادي أصلا للدور الكمي والحاجة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الكيفية في شروط قيام العضوي في الغذاء وفي الجنس والعضوي الجمالي اصلا للدور الكيفي‬ ‫فيهما بمعنى المفاضلة بين الأكلات وبين الجنس المقابل لدى كل جنس‪:‬‬ ‫‪ .1‬المقوم العضوي المادي في الغذاء والجنس‬ ‫‪ .2‬المقوم العضوي الرمزي أو الجمالي في الغذاء والجنس‪.‬‬ ‫لكن ما يحصل في البدن من حصيلة غذائية وجنسية وخاصة في المستوى الثاني أي مستوى‬ ‫العضوي الرمزي خصوصيته فردية بإطلاق‪ .‬وهي من الوجدانيات التي لا تنقال أبدا‪.‬‬ ‫وليس فيها شركة أصلا بل هي تعتبر متماثلة بقياس الغير على الذات والذات على الغير‬ ‫قياسا عاميا لا علاقة له بالمعرفة ولا بالعلم‪.‬‬ ‫أما في المستوى الثاني فالتفاعلات العضوية في البدن المخصوص لا يعلم إلا برده إلى‬ ‫الكليات في فرع علم الأحياء أي الفزيولوجيا المتعلق بالتفاعلات العضوية في بدن مخصوص‬ ‫هو هذا البدن المعين ولا يمكن أن يكون خصوصيا بمعنى الانتساب إلى جماعة أو حضارة‬ ‫بعينها‪.‬‬ ‫وأهمية ما أنوي وضعه من مقدرات ذهنية في الفنون والآداب يمكن اعتباره هو بدوره‬ ‫محاولة لجعل النوع المتعلق بالخصوصيات الفردية التي تنتسب إلى الوجدانيات قابلة لمقاربة‬ ‫الظاهرات الوجدانية في الفنون والذوق تكون جنيسة لمقاربتنا للظاهرات الطبيعية في‬ ‫الإدراكات الحسية‪ .‬فتكون الغاية معاملة الإدراكات الحسية الباطنية مقاربة جنيسة‬ ‫لمقاربتنا الإدراكات الحسية الخارجية‪ .‬ذلك أن الإنسانيات ليست إدراكات حسية خارجية‬ ‫فحسب ولا تقبل الرد إليها قيسا لعلوم الإنسان على علوم الطبيعة بل لا بد من الوجه‬ ‫الثاني الذي هو المميز الأساسي للإنسانيات بالقياس إلى الطبيعيات‪.‬‬ ‫ورغم أن منطلق فكر ابن تيمية ومنطلق فكر ابن خلدون يبدوان متقابلين‪ -‬لأن الأول‬ ‫ينطلق من النظر والعقد لينظر في العمل والشرع المترتب عليه والثاني بالعكس ينطلق من‬ ‫العمل والشرع لينظر في النظر والعقد المشروط فيه‪ -‬فإن النتيجة واحدة في المستوى‬ ‫الإبستمولوجي والأكسيولوجي عند الرجلين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما كنت لأضعهما في القسم التطبيقي من رسالتي الجامعية ‪-‬دكتوراه الدولة بالمعنى‬ ‫القديم (لا علاقة له بالبي آيتش دي التي هي مناظرة لدكتوراه الحلقة الثالثة في هذا‬ ‫النظام) ولما قابلت فكرهما بفكر أرسطو وأفلاطون الأول للأول والثاني للثاني‪ :‬إصلاح‬ ‫العقل في الفلسفة العربية من أرسطو وأفلاطون إلى ابن تيمية وابن خلدون (مركز دراسات‬ ‫الوحدة العربية بيروت الطبعة الرابعة)‪.‬‬ ‫وليس هنا محل لعرض ما تبين من هذه المقابلة ولا ما سأزيده بيانا عندما أنشر ترجمة‬ ‫الميتافيزيقا باعتماد ترجمتها الألمانية التي أفضلها على ما عداها (ترجمة بونيتس من‬ ‫ق‪ )19.‬لنعلم طبيعة الثورة الابستمولوجية التي أنسبها إلى ابن تيمية (في مقابل أرسطو)‬ ‫وطبيعة الثورة الأكسيولوجية التي أنسبها إلى ابن خلدون (في مقابل أفلاطون)‪.‬‬ ‫وزبدة هذه المقابلة تجاوز القول بالمطابقة في نظرية النظر والعقد وتجاوز القول‬ ‫بالمطابقة في نظرية العمل والشرع والانتقال من العلم المطلق إلى الاجتهاد النسبي دائما‬ ‫ومن العمل المطلق إلى الجهاد النسبي دائما‪ .‬وهو ما يعني أن تأسيس التربية والحكم سيكون‬ ‫بالضرورة مبنيا على الحرية وفرض العين‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يبنيا على الحرية وفرض العين من دون التحرر من الوساطة في التربية‬ ‫والوصاية في الحكم لأن هذين هما ما يفسد \"معاني الإنسانية\"‪ .‬وقد اهتم ابن خلدون بأثر‬ ‫الوساطة في التربية وبأثر الوصاية في الحكم عامة في حين أن ابن تيمية اهتم بهما خاصة في‬ ‫التصوف الذي هو تربية وحكم مركزا على نفيه الفرق بين الموجود والمنشود في التربية وفي‬ ‫الحكم (نظرية الحاكم ظل الله في الأرض)‪.‬‬ ‫وما يوحد بينهما هو إذن نفي رد الوجود إلى الإدراك في النظر والعقد (العلم ليس‬ ‫محيطا) وفي العمل والشرع (القدرة ليست مطلقة) والنفي الأول يحرر من القول بالمطابقة‬ ‫في العلم والنفي الثاني يحرر من المطابقة في العمل وهو ما يؤسس للاجتهاد والجهاد أو لعدم‬ ‫جعلهما فرض كفاية للوسطاء والأوصياء‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والوسطاء يزعمون الرسوخ في العلم فيعطفون تأويلهم على تأويل الله في آل عمران ‪7‬‬ ‫سواء قالوا بالعلم اللدني مثل المتصوفة أو بالعلم المطبق مثل الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء‬ ‫ومن ثم فكلهم يتجاوزن مفهوم الغيب وينسون أن الله يقول للرسول \"فذرك أنما أن مذكر‬ ‫(لا وساطة) لست عليهم بمسيطر (لا وصاية)\"‪.‬‬ ‫والوساطة بين الله والإنسان والوصاية بين الإنسان وأمره هما الكنسية سواء كانت دينية‬ ‫كما في المسيحية أو فلسفية كما في مجلس أفلاطون هي التي تحتاج إلى نظرية الحكم بالحق‬ ‫الإلهي حتى يحصل الحلف بين السلطتين الروحية والزمانية المنافيتين للإنسان من حيث هو‬ ‫\"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف\"‪.‬‬ ‫وإذا كان الرسول الخاتم \"إنما هو مذكر\" فمعنى ذلك أن الإنسان لا يتلقى شيئا جديدا‬ ‫من الرسول بل هو يتذكر ما أنساه إياه سلطان انغماسه في مشاغله المباشرة التي تلهيه عما‬ ‫في فطرته من التجهيزين الذين يجعلانه قادرا بنفسه على النظر والعقد وعلى العمل‬ ‫والشرع فيتبين الرشد من الغي الذي هو الواحد في الديني والفلسفي‪.‬‬ ‫وإذا كان الرسول \"ليس بمسيطر\" فمعنى ذلك أن ما يتذكره الإنسان عندما يذكر هو‬ ‫كونه مجهزا للنظر والعقد ومجهزا للعمل والشرع بنفسه وقادر على تبين الرشد من الغي‬ ‫في بعده الروحي والعقلي بحيث يكون حرا ولا يمكن اكراهه فيتحرر من الطاغوت (الوساطة‬ ‫الروحية والوصاية السياسية) ويستثني نفسه من الخسر كما تبين ذلك سورة العصر‪.‬‬ ‫وشروط الاستثناء من الخسر هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الوعي بالخسر ثمرة التذكر‬ ‫‪ .2‬الإيمان الصادق‬ ‫‪ .3‬العمل الصالح‬ ‫‪ .4‬التواصي بالحق‬ ‫‪ .5‬التواصي بالصبر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبذلك يكون جديرا بالخلافة أي قادرا على حكم نفسه بنفسه فلا يكون له معبود غير‬ ‫الله فيتحرر من عبادة العباد بعبادة رب العباد ومن ثم تنطبق نظرية الحكم كما حددتها‬ ‫الشورى ‪.38‬‬ ‫وكما جرت العادة في كلامي على فكر ابن خلدون بإيـراد الشواهد فإني لا أريد أن أقول‬ ‫ابن تيمية بل سأورد أهم شاهد أطنبت في درسه في الضميمة التي ختمت بها ترجمة‬ ‫\"موسوعة\" المثالية الألمانية (نشر الشبكة العربية) التي أشرف على تحقيقها الصديق هنس‬ ‫زندكولر سأورده قبل تبرير قيسي عليه في نظرية الفنون والأدب‪ .‬يقول ابن تيمية في‬ ‫كتاب الرد على المنطقيين‪:‬‬ ‫\"فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات الذهنية كالعدد (علم‬ ‫العدد) والمقدار (علم الهندسة) لا في الامور الخارجية الموجودة‪ .‬فإذا كانت مواد القياس‬ ‫البرهاني لا يدرك بعامتها إلا أمورا معينة ليست كلية وهي (ما يدرك) بالحس الباطن‬ ‫والظاهر والتواتر والتجربة والحدس و (إذا كان) الذي يدرك الكليات البديهية الأولية‬ ‫إنما يدرك أمورا مقدرة ذهنية لم يكن من مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به‬ ‫قضية كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج‪ .‬و(إذا كان) القياس لا يفيد العلم إلا بواسطة‬ ‫قضية كلية فامتنع حينئذ أن يكون في ما ذكروه من صورة القياس (موضوع التحليلات‬ ‫الأولى) ومادته (موضوع التحليلات الأواخر) حصول علم يقيني‪ .‬وهذا بين لمن تأمله‪.‬‬ ‫وبتحريره وجوده تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف‪ .‬وسنبين من أي وجه وقع عليهم‬ ‫اللبس‪ .‬فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل عن الوصف من‬ ‫ا لفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين الطريقة القياسية‬ ‫المنطقية الكلامية\" (المنطق مجموع الفتاوى ص‪.)73-72.‬‬ ‫وهذا النص الذي مر مرور الكرام في ما قيل ويقال عن ابن تيمية علته توهم نقده‬ ‫للمنطق فيه ما يستحق الذكر أفضل من هذه الفقرة التي كان يمكن أن تكون مدار كل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ثورته لو فهمت حقيقة ثورته‪ .‬ولعل قرائه معذورون لأن هذه الثورة يحول دون إدراكها‬ ‫أمران‪:‬‬ ‫• الاول سابق عليها وهو البقاء في إطار الفلسفة القديمة والوسيطة التي كانت تقول‬ ‫بنظرية المعرفة المطابقة‪.‬‬ ‫• الثاني لاحق وهو العودة إليها في إطار النكوص الهيجلي الماركسي الذي أعاد القول‬ ‫بنظرية المعرفة المطابقة‪.‬‬ ‫ولسوء الحظ فقد يكون لا بين تيمية بعض مسؤولية في ذلك لأن لم ينجز ما أشار إليه‬ ‫فلم يبين أسرار عظائم العلوم التي ألمح إليها ولا ما ينفتح منها من علوم عظيمة ومعارف‪.‬‬ ‫وحتى أكون عادلا فلا أظلم الرجل هو بين ذلك‪ .‬ولكن لمن يفهم انتخابه للمصطلحات التي‬ ‫استعملها والتي غالبا ما لا يدرك من لا يعلم فلسفة أرسطو علما دقيقا يقتضي كما قال‬ ‫هيدجر ناصحا طلبته‪ :‬ابدأوا بقضاء ما لا يقل عن عشرين سنة لفهم أرسطو ثم خوضوا في‬ ‫الفلسفة بعد ذلك‪ .‬وهي نصيحة بدأ أرسطو فطبقها على نفسه‪.‬‬ ‫فأرسطو الناقد الأكثر صرامة لأفلاطون قضى ‪ 18‬سنة في مدرسته يتعلم الفلسفة لديه‬ ‫رغم أنه كان قد تخرج طبيبا على والده‪ .‬ذلك أنه كان يعلم أن التمكن من شروط التفلسف‬ ‫ليس كما يتصوره من تسكره زبيبة فيصبح حصرما‪ .‬ويكفي هنا إشارة إلى مصطلحين‬ ‫استعملهما ابن تيمية الأسرار التي أشار إليها‪.‬‬ ‫فأما المصطلح الأول ‪ -‬اساس الثورة التي تنفي المطابقة في نظرية المعرفة القديمة‬ ‫والوسطية التي عادت إليها الفلسفة بعد هيجل وماركس فأدلجت الفلسفة بأن ألغت أساس‬ ‫النقد الكنطي المعتمد على امتناع المطابقة‪-‬فهو نظرية البرهان التي يثبت ابن تيمية‬ ‫استحالتها في غير علوم المقدرات الذهنية‪.‬‬ ‫ذلك أن البرهان في الوجود الخارجي يتأسس في نظرية ارسطو كما يعرضها في كتاب‬ ‫البرهان ‪-‬المنطق المادي‪-‬تعتمد على القبول بالميتافيزيقا الارسطية التي تقول بالمطابقة بين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما في الذهن وما في العين إذا قبلنا بأن العقل بعد أن يتحرر من اخطاء اللغة والحواس‬ ‫يطابق إدراكه الوجود على ما هو عليه‪.‬‬ ‫وهذا من أهم أسباب خلافي مع المرحوم الجابري لأنه حتى وهو في القرن الحادي‬ ‫والعشرين كان يعتقد في إمكانية البرهان بهذا المعنى تبعا لابن رشد ونزله فوق البيان‬ ‫والعرفان وثلاثتها عديمة المعنى في الفلسفة إذا لم تنكص النكوص الهيجلي والماركسي وظلت‬ ‫مدركة للثورة في نظرية المعرفة النافية للمطابقة والتي توصل كنط إلى صوغها في نهاية‬ ‫الفلسفة الحديثة وبداية ما بعد الحديثة بسبب النكوص الهيجلي الذي قضى عليها وختمها‬ ‫ماركس بأن حولها إلى فلسفة عامية سماها المادية الجدلية‪ .‬وهي التي غرق في وحل‬ ‫سذاجتها فكر التحديثيين العرب المزعومين‪.‬‬ ‫فعندما ينفي ابن تيمية البرهان على غير المقدرات الذهنية التي هي وحدها تعالج‬ ‫الكلي والبدهي والعقلي والأولي والعلم المحض أي على كل العلوم التي لها موضوع خارجي‬ ‫فهو يعني أن شيئا ما في الموضوعات الخارجية يحول دون إدراك كلي يكون علما محيطا وهو‬ ‫دائما علم تجريبي غير محيط‪.‬‬ ‫فكون معنى ذلك أن في علم المقدرات الذهنية مشكل استحالة الإحاطة غير موجود وإذن‬ ‫فالمقدرات الذهنية هي من \"إبداع\" علمها وليست مثل الموضوعات الخارجية ذات قيام سابق‬ ‫عن علمها الذي يريد إدراكها بما يحصله من ظهوراتها في تجربته الحسية سواء كان مباشرة‬ ‫أو بأدوات الإدراك الصناعية‪.‬‬ ‫ومن ثم ‪-‬وهنا نجد السر الثاني‪-‬فعندما ننتقل من التحليلات الأوائل (منطق أرسطو‬ ‫الصوري) إلى التحليلات الأواخر (منطقه المادي أو تطبيق المنطق الصوري في العلوم التي‬ ‫موضوعها ليس من المقدرات الذهنية) فإن البرهان يصبح مستحيلا‪ :‬لأن من شرط الانتاج‬ ‫المنطقي وجود مقدمة كلية‪.‬‬ ‫ولا يمكن اعتمادا على التجربة أن نحصل على مقدمة كلية‪ :‬فهي دائما استقرائية بحسب‬ ‫ما نحصل عليه من معطيات التجريبية سواء كانت فعلية أو توقعية‪ .‬فيكون من ثم كل العلم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الذي يدرس الوجود الخارجي علما مبنيا على الاحصائي وليس على اليقين الذي يشبه ما‬ ‫نحصل عليه في علم المقدرات الذهنية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والسؤال الآن هو‪ :‬ما الشيء في الموضوعات الخارجية يحول دون علمنا بها والكلية؟ أو‬ ‫بصورة أوضح ما الذي يجعل علمنا بالأشياء الخارجية لا يكون أبدا كليا أي محيطا بها فيكون‬ ‫مطابقا لها مطابقة تدل على أمرين مستحيلين‪:‬‬ ‫‪ .1‬مطلق الشفافية في الوجود الخارجي‬ ‫‪ .2‬ومطلق الإحاطة في العقل الإنساني‪.‬‬ ‫وما الشيء في الموضوعات الداخلية يحول دون قدرتنا على قولها فتكون وجدانية بإطلاق‬ ‫وهدفا للعمل الفني الذي يعتبر بالقياس إليها العمل العلمي فيحقق التواصل بفضل كلي‬ ‫من نوع ثان من الكلي الأدبي جنيس الكلي الذي نجده في المقدرات الذهنية الرياضية‪.‬‬ ‫فنكون بذلك قد اكتشفنا لغة الوجدانيات والإنسانيات الضرورية لاستكمال إدراكنا‬ ‫بالوجودين الخارجي والباطني‪.‬‬ ‫والعجيب ‪-‬وهنا تكمن عبقرية الرجل‪-‬اننا نكتشف السر في المقابل‪ :‬كيف تكون معرفتنا‬ ‫للمقدرات الذهنية كلية وعقلية وبدهية ومحضة؟ المقابلة هي بين الذهني الذي هو ليس‬ ‫موجودا خارجيا سابق الوجود عن فعل إدراكه الذي يقدره فيبدعه بتقديره أو في حدود‬ ‫تقديره ليعلمه‪ .‬الجواب هنا جواب هناك بالتعاكس‪.‬‬ ‫ومن هنا استنتجت أن العقل الإنساني يعلم علم اليقين ما يبدعه هو لا غير فيكون قادرا‬ ‫على البرهان بمعنى أن المطابقة بين العلم والمعلوم شرطها أن يكون العلم مبدعا لمعلومه‪.‬‬ ‫لكن لما يكون الموضوع الذي يريد العقل علمه ليس من إبداعه يكون ما بينهما لا متناهيا‬ ‫ولا يمكن قطعه أبدا‪ .‬وتلك هي كثافة الوجود التي لا يستطيع الإنسان مهما ادعى الإلحاد‬ ‫تصورها غير مخلوقة حتى لو اعتبرها خالقة لذاتها \"كاوزا سوي\"‪.‬‬ ‫وهذا الما بين بون وجودي في الموضوع وفي الذات‪ .‬فالعقل ليس محيطا والوجود ليس‬ ‫محاطا من أي موجود إلا إذا افترضناه في نسبة تماثل نسبتنا إلى المقدرات الذهنية‪ .‬فتكون‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هذه العلاقة شبه دليل على وجود الله‪ :‬الوجود لا يحيط به إلا علم الله‪ .‬علمنا قاصر دائما‬ ‫وهو اجتهاد إذ الوجود فيه غيب محجوب‪.‬‬ ‫وينتج عن ذلك أن علمنا اجتهاد دائم التطور ولكن لا يمكن أبدا أن نزعم \"علم الشيء‬ ‫على ما هو عليه\" في ذاته بل نعلمه على ما يناسب قدرتنا المحدودة على علم ما هو ضروري‬ ‫لحياتنا‪ .‬ويمكن أن نفترض أن كل موجود له مثل هذه العلاقة بالوجود والتي هي ما يمكنه‬ ‫من المشاركة في تنزيل ذاته فيه‪.‬‬ ‫فيكون الإنسان أمام المجالات الخمسة التي سبق فحددناها في الفصل الاول بعد أن قست‬ ‫على التمييز التيمي والخلدوني بالمقابل مع أرسطو أبستمولوجيا ومع أفلاطون أكسيولوجيا‬ ‫بين المقدرات والطبيعي والتاريخي‪ .‬فقست عليهما لتجاوز محاولتهما ببيان أن نفس التمييز‬ ‫ممكن بين المقدرات والفنون والآداب‪.‬‬ ‫ويمكن أن أقول إن المقابلة طبيعي تاريخي مع المقدرات الذهنية إبستمولوجيا تناظرها‬ ‫مقابلة بين فنون تشكيلية وفنون أدبية مع المقدرات الذهنية أكسيولوجيا‪ .‬فالمقابلة طبيعة‬ ‫تاريخ فيها دلالة المقابلة بين قانون الضرورة وقانون الحرية والمقابلة تشكيلي أدبي فيها‬ ‫المقابلة بطبيعة حامل الفن فيهما‪.‬‬ ‫فحامل الفن التشكيلي طبيعي بالضرورة لأنه مادة طبيعية (رسما أو نحتا أو كل ما هو‬ ‫تصوير لمادة) وحامل الفن الأدبي إنساني بالضرورة لأنه صورة لسانية (أي كان الجنس‬ ‫الأدبي) وإذن فالأول تقديره الذهني تابع للمقدرات الذهنية الرياضية والثاني تابع‬ ‫للمقدرات الذهنية الميثولوجية (القصصية)‪.‬‬ ‫فيكون عندنا نوعان من المقدرات الذهنية‪ :‬التي تؤسس للعلوم وهي رياضية والتي تؤسس‬ ‫للفنون وهي ميثولوجية‪ .‬وكلتاهما تنطبق على الطبيعيات والتاريخيات بوصفهما من إبداع‬ ‫الفكر الإنساني علما ومعلوما ومن ثم فمعيارهما الوحيد ليس من خارجهما لأنهما مبدعتين‬ ‫للموضوع ولعلمه أو لعمله‪ :‬هما إذن إبداع خالص لما يدرك به الممكن من الوجود المحسوس‬ ‫ومن المنشود المحدوس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد يكون للموجود فيها تأثير كمنطلق‪ .‬لكن لو بقي هذا المنطلق هو أساسها لأصبحت‬ ‫وصفية لما يدركه الإنسان من الموجود ولا يوجد في أي موجود الطابع المثالي المطلق الذي في‬ ‫الكائنات الرياضية أو في الكائنات الميثولوجية لأنها من حيث هي مقدرات ذهنية ليست‬ ‫مشروطة بالوجود الفعلي المحسوس‪.‬‬ ‫يكفي فيهما الوجود الممكن‪ .‬ولذلك فهما أوسع أفقا من الطبيعة ومن التاريخ وعليهما‬ ‫يتأسس علم الطبيعة وعلم التاريخ وبينهما والطبيعة والتاريخ وسيطان هما كل الفنون‬ ‫التشكيلية وكل الفنون الأدبية‪ .‬فتكون الفنون التشكيلية والأدبية للإنسان طلبا لكمال‬ ‫المنشود للتعالي بالخلق عن منطق المشهود‪.‬‬ ‫فإذا حاكت الفنون التشكيلية الطبيعة بدل الرياضيات والفنون الأدبية التاريخ بدل‬ ‫الميثولوجيا فقدتا أهم مميز للفن من حيث هو فن‪ .‬وإذا حاكت العلوم الطبيعية الطبيعة‬ ‫بدل إبداع رياضيات عينية والعلوم الإنسانية التاريخيات بدل إبداع ميثولوجيات عينية‬ ‫فقدتا أهم مميز للعلم‪.‬‬ ‫كل المشكل بيني وبين علوم الملة هي تعاملها مع القرآن مضاعف‪ .‬فأولا هي قلبت مبدأي‬ ‫التعامل اللذين وضعهما ما يأمر به وما ينهى عنه في العلم الرئيس أو التفسير‪ .‬وهي ثانيا‬ ‫حاكته واعتبرته قابلا للاستعمال المباشر لتأسيس علوم الملة الأربعة المتفرعة عن التفسير‬ ‫وهو ما أدى إلى جعل الموجود بدلا من المنشود‪.‬‬ ‫فصار المفسر والمتكلم والفيلسوف والفقيه والمتصوف جميعهم يتصور فهمه للقرآن محيط‬ ‫به واستعماله له من جنسه‪ .‬وأبرز علامات ذلك القياس في الفقه وأقصاه القياس المرسل أو‬ ‫ما يسمى بالمقاصد‪ .‬ففيه انتحال صفة الألوهية بمجرد التأويل اللفظي وعدم الانتقال من‬ ‫النص إلى آيات الله في الأفاق والنفس موضوعا للبحث العلمي‪.‬‬ ‫ونفس المشكل مع الفنون الأدبية العربية قديمها وحديثها‪ .‬فما يسمونه بالأدب الواقعي‬ ‫وإن كان بما يبدو معاكسا للعلاقة بالقرآن‪ .‬فهو فاقد للمقوم الأول للمبدئية لأنه مثل علوم‬ ‫الملة محاك لما يسمونه الواقع محاكاة علماء الملة لما يسمونه النص خلطا بينه وبين المدرك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من الأمر الواقع بسبب غياب الأمر الواجب منشودا بديلا من الموجود‪ .‬ولذلك فالآداب‬ ‫\"الواقعية\" لم يكن بوسعها مثل علوم الملة تجاوز المحاكاة الساذجة‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فقد كانت علوم الملة وآدابها تخلط بين أحوال النفس والإدراك المباشر‬ ‫الغفل وبين أعماق الروح والإدراك العلمي غير المباشر‪ .‬فهذان الأمران يبينان عند التعمق‬ ‫فيهما أنه بخلاف أوهام \"الواقعيين\" علوم الملة وآدابها لا تحقق أغراضها إلا بقدر ما تبتعد‬ ‫عن المباشرة وأحول النفس‪ :‬وذلك هو دور الرياضي في التقديرات الذهنية التيمية‬ ‫والميثولوجي في التقديرات الذهنية التي أقيسها عليها‪ .‬وبهذا المعنى فهدفي إبداع‬ ‫ميثولوجيا تؤسس للفنون مثلما يبدع أي رياضي ما يؤسس للعلوم‪.‬‬ ‫هل كان ابن تيمية وابن خلدون يقصدان ما أحاول استنتاجه من فكرهما؟ ليس ضروريا‬ ‫أن يكون ما استنتجه هو ما فكرا فيه ما يعنيني هو ما فتحاه من إمكانات التفكير في فكر‬ ‫الأمة إذا قرآناهما قارئين لما تتميز به الرؤية القرآنية للمعادلة الوجودية التي استخرجتها‬ ‫من القرآن أصلا لفلسفاته الخمس‪.‬‬ ‫فالقرآن أصل لفروع أربعة في نخبة العلم الرئيس (مثل الميتافيزيقا في الفلسفة) الذي‬ ‫يؤسس أربعة فروع اثنان منها يخصان الإيمان والعلم وعلاقتهما واثنان يخصان الأخلاق‬ ‫والقانون وعلاقتهما‪ .‬ويناظر هذه المقومات لما في الأذهان موضوعاتها في الأعيان هي الكون‬ ‫أصلا وفروعه هي والطبيعة والتاريخ كلاهما برؤية دينية هي جوهر ما في الأذهان وبرؤية‬ ‫فلسفية هي جوهر ما في الأعيان‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن العالم إذا أدركناه بالحواس وصورناه بالمقدرات الذهنية بمعناها التيمي‬ ‫كان لنا الفلسفي‪ .‬وإذا أدركناه بالحوادس وصورناه بالمقدرات الذهنية التي أبحث عنها‬ ‫قياسا على التي حددها ابن تيمية كان لنا الديني‪ .‬والواحد بينهما هو الوصل بين الديني‬ ‫والفلسفي في كيان الإنسان العضوي (البدن نسخة من العالم الطبيعي) والروحي (والروح‬ ‫نسخة من العالم التاريخي) والعكس بالعكس إن العالم الطبيعي نسخة من البدن والعالم‬ ‫التاريخي نسخة من الروح‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفي كل الأحوال فلا يمكن لأي مفكر سابق أن يجد في فكره كل ما يطرأ على بال الأجيال‬ ‫الموالية سواء كانوا من ثقافته أو من ثقافات مختلفة حتى لو توقع ما يمكن أن يكون عليه‬ ‫مآل فكره بوعي منه مما فتحه من آفاق الممكن القابل للتوقع في أعماله‪ .‬المهم عندي هو أني‬ ‫أبقى أمينا لنصوصهما‪.‬‬ ‫وكل قراءة لعمل الفكر الإنساني في أي مجال كان لا يمكن أن تخرج عن مقومي المنهج‬ ‫الذي سماه القرآن الكريم منهج \"التصديق والهيمنة\" أي إن الفكر الإنساني من حيث هو‬ ‫إنسان هو دائما عود تجاوزي على بدء فيه دائما بذرات شديدة الخصوبة إذا نظر إليها من‬ ‫حيث ما تفتحه من آفاق الممكن‪.‬‬ ‫فإذا طبقنا هذا التحليل انتهينا إلى نتائج شديدة الخصوبة‪:‬‬ ‫التفسير من حيث هو العلم الرئيس الذي يكتشف أرشيتاكتونيك علوم الملة لا يمكن أن‬ ‫يكون طلبا لما فيه مما يبدو حقائق مباشرة لأن ذلك من علامات السذاجة المعرفية‪ .‬لا شيء‬ ‫في الوجود يمكن فهم سره من المباشر فيه‪ .‬القرآن يقول ذلك‪.‬‬ ‫ففصلت تقول إن من أراد أن يتبين أن القرآن حق فعليه أن ينظر في ما يريه الله إياه‬ ‫من آياته في الآفاق وفي الأنفس ولم يقل في القرآن نفسه (فصلت ‪ .)53‬وإذن فالآيات التي‬ ‫هي موضوع العلم ليست الآيات النصية بل الآيات التي يرينها الله في الآفاق والأنفس والتي‬ ‫بعلومها نتبين حقيقة القرآن‪.‬‬ ‫ولا توجد في القرآن آية حيرتني بقدر ما حيرتني هذه الآية‪ :‬وهي تنتهي بالكلام على‬ ‫شهادة الله على كل شيء ما يعني أن شهادته على شهودنا لآياته في الآفاق وفي الأنفس‬ ‫بوصفها ما به نتبين حقيقة القرآن دليل على أن حقيقته هي الفطرة التي تذكر بها الرسالة‬ ‫والتي هي ما رسم في كياننا من قوانين الوجود الخارجي (التي توحي لنا بها حواسنا‬ ‫الخارجية) وسنن الوجدان الباطني (التي توحي لنا بها حوادسنا الباطنية)‪.‬‬ ‫والمقابلة \"آفاق‪-‬أنفس\" هي عينها المقابلة \"أعيان‪-‬أذهان\" ومدارك حسية خارجية‬ ‫ومدارك حسية باطنية‪ .‬فالآيات التي يرينها الله في الآفاق وفي الأنفس هي التي يرينها في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأعيان بالحواس وفي الأذهان بالحوادس‪ .‬فالأولى ندركها بالحواس الخارجية والثانية‬ ‫ندركها بالحوادس الباطنية‪ .‬والـمقابلة حواس حوادس من جنس مقابلة بصيرة للبصر وهي‬ ‫على وزنها وتمثل المستوى الثاني من الإدراك الحسي الناقل إلى فعل \"خالق\" لموضوع‬ ‫الإدراك كما يتجلى في الأذهان وفي الاعيان وذلك في كل الحواس‪ :‬فعندنا سميعة وشميمة‬ ‫وذويقة ولميسة‪.‬‬ ‫فما الآيات التي يرينها الله في الآفاق وفي الأنفس؟ القرآن يجيب عن هذا السؤال بوضوح‬ ‫تام‪ :‬فهو يقول إن كل شيء خلقه بقدر‪ .‬وهو يقول إن هذا القدر متعلق بموضوع خارجي‬ ‫(المخلوقات) التي ندركها بالحواس‪ .‬فإذا جمعنا وجدنا ان الآفاق هي ما يعلم بالرياضيات‬ ‫والتجربة لأنها خلقت بقدر (مقدار) وتعلم بالتجربة الحسية البسيطة أو المجهزة‪.‬‬ ‫والقرآن يقول إن ما في الأنفس من الآيات سنن لا تتبدل ولا تتحول‪ .‬وهي بالضرورة‬ ‫مبدعات تشريعية إما إلهية أو إنسانية‪ .‬والمقدرات الذهنية سواء كانت رياضية أو‬ ‫ميثولوجية هي سنن يضعها الله أو الإنسان وهي في آن خلق للشيء ولسننه أو لآمره‪ .‬ما‬ ‫يرينه الله من آيات هو قانون الخلق وسنن الأمر‪ .‬وهذه هي التي ترى في الأنفس خاصة‬ ‫وهي من الوجدانيات التي لا تنقال‪.‬‬ ‫والمعجز في القرآن أنه قادر على قولها أو على الأقل على إحداث التأثير الذي يفيد أنه‬ ‫قد لامسها في أنفس المخاطبين وهو تأثير أشبه بالسحر لجمعه بعدي الفن الأسمى أي الرسم‬ ‫والموسيقى‪ .‬فهو خطاب يرسم ما يتكلم فيه فتكاد تراه مشكلا في ما تحيل عليه العبارة فيحوله‬ ‫إلى إشارة وهو خطاب ينغم ما يتكلم به فتكاد تسمع ما تحيل عليه العبارة فتحوله إلى‬ ‫قيثارة‪.‬‬ ‫وإذا كنا قادرين على رؤية ما يرينه الله في الآفاق وفي الأنفس فنحن مجهزون بالحوادس‬ ‫التي تتجاوز الحواس فتتحرر من المظاهر المباشرة إلى ما وراءها من قوانين الخلق وسنن‬ ‫الامر في الوجود سواء كان وجود الطبيعة او التاريخ في الاعيان أو في الأذهان‪ :‬مجال العلوم‬ ‫والفنون لتبين حقيقة القرآن‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فتفهم حينها لماذا كانت كل أدلة القرآن في حواراته مع البشر لتذكيرهم ما طلب من‬ ‫الرسول تذكيرهم به هدفها إيقاظ يوجهه إلى النظر في آيات الله المتجلية في الآفاق أي‬ ‫العالم الطبيعي والتاريخي في الأعيان وفي الأنفس وذات الإنسان منهما في مستوييهما ولم‬ ‫يستعمل المعجزات التي يعتبرها للتخويف وتجنبها رغم كثرة المعجزات التي تحداه بها‬ ‫العرب مطالبين الرسول بها حتى لو كانت للإضرار بهم‪.‬‬ ‫وتفهم أخيرا أن معجزات القرآن ليست خرق النظام بل بيانه للإنسان الذي غفل عن‬ ‫كون الموجودات خلقت بقدر يدرك بالعقل والحواس ونظمت بأمر هو سنن لا تتبدل ولا‬ ‫تتحول لأنها سنن كونية‪ .‬وقوانين الضرورة غالبة على الطبيعة وسننن الحرية غالبة على‬ ‫التاريخ والإنسان جامع بينهما فهو طبيعي وتاريخي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا أنكر أن ما أعرضه في هذه المحاولات قد يؤكد ما تتهم به كتاباتي من كونها عسيرة‬ ‫وليست في متناول القاري‪ .‬ولا أنكر كذلك أنـهـا محاولات غير ملائمة لهذه الأداة‬ ‫التواصلية‪ .‬لكني من ذلك اتمسك بالأمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالتهمة الأولى المتعلقة بالعسر ليست مبنية على صعوبة الأسلوب بل على كون ما‬ ‫أتكلم فيه ليس من المعتاد‪ .‬فلست أعرض مضمونا للتدريس الرسمي كما هي العادة في‬ ‫التعليم الذي يعلم الحاصل بل هي محاولات لفتح آفاق جديدة تساعد على فهم القرآن‬ ‫الكريم وفلسفاته الخمس‪ .‬وقد لا تكون مما يفهم مباشرة وربما قد تكون مما لم يحن وقته‬ ‫وهي من ثمرات الجلي في التفسير‪.‬‬ ‫‪ .2‬والتهمة الثانية المتعلقة بمناسبة الأداة للغرض وجهة نظر لن أجادل فيها‪ .‬لكني‬ ‫اعتبرتها الأداة التي تمكن من إيصال ما أريد إيصاله لمن أخاطبهم من شباب الثورة‬ ‫بجنسيهم‪ .‬وأعلم أن اغلبهم ليس قادرا على كلفة اقتناء الكتب ووساطة الناشرين لم تعد‬ ‫ضرورية بالنسبة إلي لأني لا انتظر أدنى مردود مادي من عملي‪.‬‬ ‫ولأشر إلى مسألة شديدة التعقيد قد تعلل عسر المتابعة لمثل هذه المحاولات‪ .‬وهي مسالة‬ ‫غالبا ما يهملها من يتصور الكلمة علامة تحيل مباشرة إلى شيء أو معنى محدد مثل اسم‬ ‫العلم الذي يشير مباشرة للمسمى به مثلما يتصور العملة مجرد نقد ورقي أو معدني يشير‬ ‫مباشرة إلى بضاعة أو خدمة‪ .‬فإذا فقد هذه العلاقة بين الكلمة ومرجعها الشيء والعملة‬ ‫مرجعها البضاعي (إذا كانت أجنبية وليست نافذة في حالته) يتعذر عليه الفهم ويحمل‬ ‫الكلمة الفشل التواصلي والعملة الفشل التبادلي‪.‬‬ ‫لكن الكلمة لا تحيل مباشرة إلى شيء بل إلى تعريف رسمي يتعين بتناظر بين نظام‬ ‫الكلمات المنتسبة إلى مجال معين ونظام الأشياء في ذلك المجال تماما كما أن العملة تشير‬ ‫إلى تحديد قيمي يتعين بتناظر بين نظام تساعير منتسبة إلى مجال معين ونظام بضائع في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك المجال‪ .‬ومن ثم فوراء التناظر الأول علاقات دلالية بالمعنى المعرفي ووراء التناظر‬ ‫الثانية علاقات قيمية بالمعنى الاقتصادي للكلمة‪ .‬والتناظر الأول هو أساس التواصل المعرفي‬ ‫والتناظر الثاني هو أساس التبادل الاقتصادي‪ .‬ولا يمكن تصور هذين التناظرين من دون‬ ‫جماعة التبادل وجماعة التواصل‪.‬‬ ‫ولولا التبادل بين المشاركين في الإنتاج الاقتصادي والتواصل بين المشاركين في الإنتاج‬ ‫المعرفي لاستحال أن يكون للعملة وللكلمة ما لهما من فاعلية‪ .‬وأصل التبادل وحدة الحاجات‬ ‫بصورة عامة بين المتبادلين لما يسدها ثمرة لتقاسم عمل إنتاجها وأصل التواصل وحدة‬ ‫الدلالات بصورة عامة بين المتواصلين حول دلالاتها ثمرة لتقاسم عمل إنتاجها‪.‬‬ ‫ولذلك وضعت نظرية رمز الفعل أو العملة و\"فعل الرمز\" أو \"الكلمة\"‪ .‬لكن ما وراء‬ ‫العملة والكلمة هو هذان الإنتاجان وهما مشروطان بالنظر والعقد لمعرفة قوانين الإنتاج‬ ‫المادي الذي يتم تبادله بتوسط \"رمز الفعل\" أو \"العملة\" بدل المقايضة بحضور الأمر الذي‬ ‫يتم تبادله وبالعمل والشرع لمعرفة سنن الانتاج الرمزي الذي يتم التواصل فيه بتوسط فعل‬ ‫الرمز أو الكلمة بدل احضار ما يدول حوله الكلام‪.‬‬ ‫وكلا الرمزين يقتضي وضع منظومة تقدير ذهني يمكن من تنظيم تسعير سد الحاجات‬ ‫المادية التي ينتجها تقاسم العمل بالتعاون والاختصاص مع التبادل والتعاوض بصور عامة‬ ‫يكون فيها قيمة عمل كل واحد ذا عبارة رمزية تجعله كليا يصلح للحصول على أي حاجة‬ ‫يريد سدها دون تعيين لما يملك عينيا دون أن يمد من سيأخذها منه بمقابل عيني قد لا‬ ‫يكون مما يحتاجه منه‪.‬‬ ‫وما تؤديه العملة في التبادل تؤديه الكلمة في التواصل‪ .‬وكلاهما يمكن أن يكون موضوعا‬ ‫للثاني‪ .‬فالمتبادل يمكن أن يكون موضوع تواصل والمتواصل يمكن أن يكون موضوع تبادل‪.‬‬ ‫لكن الإنسان لا يعيش في هذين العالمين الرمزين بل إن كل منهما عالم فعلي هو علاقة‬ ‫مباشرة بين البدن والطبيعة قاعدة اساسية للعلاقة التي تحصل بتوسط الإنتاج الاقتصادي‬ ‫والتبادل وتلك هي العلاقة العمودية وعلاقة مباشرة بين الروح والتاريخ قاعدة أساسية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫للعلاقة التي تحصل بتوسط الانتاج الرمزي والتواصل وتلك هي العلاقة الأفقية‪ .‬ويوحد‬ ‫العالمين الرمزيين والعالمين الفعلين دائما طلب المنشود المطلق أو ما وراء العالمين الفعليين‬ ‫والعالمين الرمزين أو العلاقتين العمودية والأفقية وهذا الطلب هو علة إبداع المقدرات‬ ‫الذهنية بنوعيها الذي تكلم عليه ابن تيمية والذي أحاول قيسه عليه‪.‬‬ ‫ومثل هذه المحاولات ليست من معتاد كاريكاتور التأصيل ولا هو خاصة من معتاد‬ ‫كاريكاتور التحديث الذي هو لا يقل عن الأول ابتذالا ولا يحتاج إلى أدنى جهد لفهمه‪.‬‬ ‫كلاهما يتجاوز فكرهم محفوظات إيديولوجية لشعارات عامية‪ .‬فلا يكفي الكلام على‬ ‫التحديث في الثاني وعلى التأصيل في الأول بما هو ميت أصلا من الشعارات والإيديولوجيا‬ ‫ولا يمكن أن تبعث الحياة بحقن سم الشعارات القاتل‪.‬‬ ‫وأما أداة التواصل التي بت أفضلها على كتابة الكتب وجعلها بضاعة لدى دور النشر بين‬ ‫القراء وبين فيدعون ما بوسعي تقديمه صدقة لوجه الله لمن يحب أن يبذل جهدا للخروج‬ ‫من الكاريكاتورين‪ .‬لكن الدافع أيضا هو الميزة التي فيها‪ :‬فكل محاولة في علاقة بتغريداتها‬ ‫الجزئية هي قصيدة بأبياتها الجزئية‪.‬‬ ‫فمن كان يريد نوعا من أسلوب الإشارات والتنبيهات فسيجد ما يستجيب لما يحب ومن كان‬ ‫يريد نسق المحاولة فهو يجد نوعا من الكتابة الأكاديمية المتحررة من الجهاز الثقيل للتوثيق‬ ‫المعتاد والذي أورد الضروري منه في المتن دون حاجة للحواشي‪ .‬ولأعد الآن إلى مطلوب‬ ‫هذه المحاولة‪ .‬فما علاقتها بما أنسبه إلى ابن تيمية وابن خلدون من \"تأسيس للاستئناف‬ ‫ببداية محررة للاجتهاد والجهاد\"؟ رمزا للنظر والعقد بالاجتهاد المتحرر من القول بالمطابقة‬ ‫في الأبستمولوجيا وبالجهاد رمزا للعمل والشرع المتحرر من المطابقة في الأكسيولوجيا‪.‬‬ ‫ولأشرح الفرق بين المطابقتين‪.‬‬ ‫فأما المطابقة في الأبستمولوجيا فسرها وهم الفلاسفة والمتكملين في النظر والعقد بأن‬ ‫الوجود يرد إلى الإدراك لأن الأول شفاف والثاني نفاذ لكأن البصر يمكن أن يكون حديدا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في الحياة الدنيا‪ .‬وبينت أن التحرر من ذلك بدأ مع الغزالي وبلغ الغاية مع ابن خلدون‬ ‫وكان الوسيط الأعمق بينهما ابن تيمية‪.‬‬ ‫ولست غافلا على أن الكلام عن ابن تيمية لا يقبله لا من كانوا يعتبرونه فقيههم حتى‬ ‫بعد أن زعموا أنهم سيجعلون الفلسفة والفكر النقدي مادة في نظامهم التربوي بعد أن كانوا‬ ‫يعتبرونها كفرا ولا خاصة أدعياء الحداثة الذين يعتبرون فقيه الإرهاب لكأن دفاع‬ ‫الإنسان عن معاني الإنسانية لي واجبا‪.‬‬ ‫ولو كنت أولي أهمية لموقف الكاريكاتورين ما جعلت همي الأول بيان ما أضاعته الأمة لما‬ ‫عميت بصيرتها عما أبدعه هؤلاء الثلاثة وتوهموا أن المتكلمين والفلاسفة في تحاربهما حول‬ ‫علاقة الإيمان والعلم وأن الفقهاء والمتصوفي في تحاربهما حول علاقة القانون والأخلاق‬ ‫كانوا لسخف القول بالتضاد بينهما‪.‬‬ ‫وما كان ذلك يكون كذلك لو لم يكونوا قائلين بالمطابقة جهلا بكون الوجود ليس شفافا‬ ‫وكون العقل ليس نفاذا وكون الوعي بعد الشفافية في الوجود وعدم النفاذ في العقل لا‬ ‫ينفي العلم والعمل بل بالعكس يجعلهما اجتهاد وجهادا وهو المعنى المشترك ف تحقق كيان‬ ‫الإنسان خلال تفتح الوجدان وتحقق الكيان‪.‬‬ ‫أما المطابقة في العمل والشرع فرمزه خرافة \"التحسين والتقبيح العقليين\" عند من يتوهم‬ ‫الاعتزال ممثلا للعقلانية بمثل هذه الوهم الزائف‪ .‬لو كان الوجود شفافا وكان العقل نفاذا‬ ‫لأمكن أن نقبل هذا الوهم فندعي أن تقييمنا بالغ المطابقة ولكان دليل حمق لأنه أصل‬ ‫الإطلاق واساس العنف بين الفرق‪.‬‬ ‫فكما أن النظر والعقد اجتهاد فالعمل والشرع جهاد وكلاهما المطلوب فيهما الجهد‬ ‫بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وليس المطابقة مع حقيقة في ذاتها وقيمة في ذاتها وهما‬ ‫من حيث كونهما في ذاتهما لا يعلمها إلا الله وحده دون سواه إن آمنا به أو لا يعلمان إن لم‬ ‫نؤمن به‪ :‬الإيمان أو اللاأدرية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والإيمان لا يؤدي إلى العنف بين الفرق لأنه مصحوب بصفتين‪ :‬فهو مصحوب بهذا الحرز‬ ‫القائل إنه حكم معرفي أو خلقي لا يدعي صاحبه الإطلاق بل يتواصى فيه بالحق معرفة‬ ‫وبالصبر عملا‪ .‬ولا يفعل إلا لأنه مؤمن ويعمل صالحا لأن هذه الصفات الأربع هي فروع‬ ‫الوعي بشروط الاستثناء من الخسر‪.‬‬ ‫لكن لما يدعي كاريكاتور التأصيل أن الوحي أعطاه الحقيقة النهائية وينسى أنه يفرض‬ ‫عليه الإيمان بالغيب وعدم الزعم أن علمه محيط أو كاريكاتور التحديث لما يدعي أن عقله‬ ‫يحسن ويقبح مدعيا أمرين كلاهما مستحيل وهو أن القيم صفات ذاتية للأشياء ويؤسس‬ ‫عليها أحكامه فلكأنه رب يشرع للإنسانية‪.‬‬ ‫لكن التواصي بالحق يجعل النظر والعقد ثمرة للتواصي بين الباحثين عن الحقيقة وذلك‬ ‫هو الاجتهاد‪ .‬والتواصي بالصقر يجعل العمل والشرع ثمرة للتواصي بالصبر وذلك هو‬ ‫الجهاد‪ .‬وكلاهما عمل جماعي يبلغ الذروة في الآية ‪ 38‬من الشورى بجعل الأمر أمر الجماعة‬ ‫تسيره بشورى الجماعة‪.‬‬ ‫ولو لم يكن النظر والعقد اجتهادا وليس علما محيطا ولو لم يكن العمل والشرع جهادا‬ ‫وليس عملا مطلقا لاستحال أن نفهم ذلك أولا ثم أن يكون الدين مما لا إكراه فيه ومشروطا‬ ‫بتبين الرشد من الغي في الغاية وبالتعدد الديني شرطا للتسابق في الخيرات بداية‪ :‬لكن‬ ‫كل هذه المعاني علوم الملة الخمسة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة تكلمت على الاستئناف‪ .‬فعندما تحرر الفكرين الديني والفلسفي من الصراع‬ ‫حول علاقة النظر والعقد وتحرر الفكرين لفقهي والصوفي من الصراع حول علاقة القانون‬ ‫والاخلاق تصبح هذه المعاني الأربعة متصالحة وهي التي تصل بين النظر والعقد وبين‬ ‫العمل والشرع‪.‬‬ ‫وأقل الناس فهما لهذه المفهومات الاربعة ‪-‬النظر والعقد والعمل والشرع‪-‬هم من‬ ‫يتصورون أنفسهم فلاسفة ومتكلمون وفقهاء ومتصوفة وخاصة بين أدعياء الحداثة‪ :‬فهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يتصورون أن العقد ديني وأن الفلسفي لا عقد فيه ويتصورون الفلسفي عقلي وأن الديني‬ ‫فلا عقل فيه‪ .‬فيقابلون بحمق بين عقل ونقل‪.‬‬ ‫لا يفهمون أن الفلسفي والعلمي كلاهما يبدأ بالنقلي وينتهي إلى النقلي حتى وإن بدا‬ ‫عقليا‪ .‬فهو يبدأ بالنقلي على الأقل عقدا في وجود الموضوع وفي قابليته للعلم وفي وجود‬ ‫العقل وفي أنه يعلم‪ .‬وهو ينتهي إلى أن ما يقبله من نتائج بحثه يقبله لأنه يعتقد انه ما‬ ‫يطلبه فيه وعلامته قبول العلماء‪.‬‬ ‫وإذن يمكن القول إن بداية العقل وغايته عقد أو بصورة أدق مساءلة الموجود والواجد‬ ‫مساءلة تفحص العلاقة بين الموضوع والذات بعد التسليم بوجودهما وتواضع العلماء على‬ ‫ما به يبدؤون ما إليه ينتهون‪ .‬والآن لا يمكن تصور الدين نقلا بدون عقل‪ :‬فما ينقل في‬ ‫الدين هو أجوبه عن أسئلة من نفس الجنس‪.‬‬ ‫وقد يظن أن النقلي الديني غير النقلي العلمي لأن فيه الماورائيات والغيب‪ .‬وأولا‬ ‫الدين فيه اعلام بوجود الغيب أو بحدود علم الإنسان وليس فيه علم بالغيب الذي هو‬ ‫محجوب حتى على الرسل فيكون النقلي في الديني قد كان مختلفا عن النقلي في الفلسفي لما‬ ‫كان الفلسفة تتوهم أن علمها محيط ومطابق‪.‬‬ ‫لكنها لما تبين لها الرشد أدركت أن علمها ليس محيطا وأن الوجود ليس شفافا والأهم أن‬ ‫ما تتسلمه بداية وتنتهي إليه غاية هو بدوره ليس مقصورا على ما يقبل الدليل العقلي‬ ‫لأنه في أقصى حالة من الشك يبقى فرضيا وفي أقل حالة منه يسلم على أنه مما ليس منه‬ ‫بد للبدء وللختم في البحث‪.‬‬ ‫ولا توجد فلسفة قديمة كانت أو وسيطة أو حديثة أو معاصرة أو ما بعد حديثة ومعاصرة‬ ‫يمكن تصورها من دون ماوراء الإدراك العلمي والإدراك القيمي أو من دون‬ ‫ميتاابستمولوجيا وميتااكسيولوجيا أي إنه تتساءل عن اسس النظر وموضوع وأسس العمل‬ ‫وموضوعه‪ .‬وهو المشترك الواحد بين الديني والفلسفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وحتى لو قلنا بالنيتشوية وبالسرديات التي ليس لها مرجعية وراءها (أي إنها دوال دون‬ ‫دلالة) لكانت هي بدورها من حيث دوال دون دلالة أو مبدعة لذاتها دالا ومدلولا وما‬ ‫بينهما من وصل هو المؤول بمعناه في سيميوتكس التثليث موضوعا له ما وراء تسأل عنه فلا‬ ‫تكفي بذاتها‪.‬‬ ‫ولولا ذلك لما احتاج نيتشة لكتابه هو ذا الإنسان عن نفسه أو لوضع الإنسان الأرقى‬ ‫تعويضا عن الما وراء الذي ظن نفسه قد تخلص منه في حين أنه اكتفى بقلب الترتيب‪ :‬قلب‬ ‫الأفلاطونية فما كان نسخا صار أصلا وما كان أصلا صار نسخا في الرؤية الافلاطونية ورغم‬ ‫تبجحه فهو مجرد فريع من هيجل‪.‬‬ ‫والفرق الوحيد هو استغناء هيجل عن مرض تضخم الذات‪ .‬وكل الميالين لخرافة الذات‬ ‫الإنسانية المبدعة لعالمها بوصف ذلك فن مطلق لا يختلف عما سماه ابن خلدون \"حب التأله\"‬ ‫الذي مثل له بالتصوف وخاصة تصوف الوحدة المطلقة وبالحكم المستبد الذي يتربب صاحبه‬ ‫وبكل ادعياء العبقرية في كل مجال‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫امران قد يفسدان على هذا القياس الذي أحدثت بفضله مقدرات ذهنية من جنس ثان‬ ‫غير الذي تكلم عليه ابن تيمية‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول هو الفهم الخاطئ لكلمة ميثولوجيا التي قد تظن ما يعنيه القرآن عندما يتكلم‬ ‫على من يعتبرونه أساطير الأولين في حين أنها في دلالتها الأساس هي جنس من قص الرؤى‬ ‫الوجودية عامة‪.‬‬ ‫‪ .2‬الثاني هو الخلط بين الرؤية التوجيهية في القرآن والبحث عن متن للعلوم فيه بحثا‬ ‫حرف القرآن وأقعد العقل‪ .‬فالقائلون بالإعجاز العلمي يقعون في هذا الخطأ القاتل الذي‬ ‫يتنافى تماما مع القرآن لأنه يخلطون بين السبابة التي تشير والمشار إليه بها‪ .‬القرآن يشير‬ ‫إلى حيث نكتشف آيات الله في الآفاق وفي الأنفس وهو يبحثون عنها في الآيات النصية‪.‬‬ ‫لكني في هذه المحاولة لن أهتم بهذا الأمر الثاني فقد أوليته ما يستحق من البحث في غير‬ ‫موضع‪ .‬سأركز على الأمر الأول‪ .‬فـما يعنيه هنا القرآن هو مضمون هذا الأسلوب وليس‬ ‫الأسلوب ذاته لأنه يعني عرض الرؤى الوجودية بالقص وهو أمر يستعمله القرآن‪ .‬لكن‬ ‫المضمون في القرآن ليس قصا إنسانيا بل هو قص إلهي يذكر بمضمون الفطرة وليس قصا‬ ‫إنسانيا يستعمل نفس الاسلوب القصصي لعرض الرؤى‪.‬‬ ‫المضمون الذي تقاس عليه مضامين القرآن هو المقصود بأساطير الأولين لأن اسطورة‬ ‫باليوناني هي الحبكة القصصية التي يصنعها الإنسان ومن ثم فلا علاقة للميثولوجيا التي‬ ‫اعتبـرتها مقدرات ذهنية أصلا للفنون قياسا على الرياضيات التي هـي مقدرات ذهنية أصلا‬ ‫للعلوم وهي ذات صلة بالقرآن الكريم المذكر بأصل الأصلين اعتمادا على الأسلوب القصصي‬ ‫الدرامي (عرض أفعال وليس اقوال)‪ .‬وما أعنيه بأصل الأصلين هو التذكير بما في الفطرة‬ ‫مما سـمـيته الفلسفات الخمس‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬القرآن نفسه من حيث هو تذكير بالواحد الديني الفلسفي علما رئيسا أو‬ ‫ارشيتاكتونيك تتفرع عنه الفلسفات الأربع الباقية أي‬ ‫‪ .2‬فلسفة العالم الطبيعي‬ ‫‪ .3‬وفلسفة العالم التاريخي‬ ‫‪ .4‬وفلسفة الطلب الأبتسمولوجي‬ ‫‪ .5‬وفلسفة الطلب الأكسيولوجي‪.‬‬ ‫وهي جمعا رؤى وليست علوما وتلك هي علة رفضي ما يسمى بالإعجاز العلمي‪ .‬فالرؤى‬ ‫سابقة ولاحقة بالعلوم‪ .‬هي سابقة بوصفها مؤسسات لأفق رؤية الإنسان لآيات الله في الآفاق‬ ‫وفي الانفس ولاحقة بوصفها مؤسسة لغايات وجود الإنسان فيهما ومن ثم فهي عين مضمون‬ ‫الفطرة كما يعرضها القرآن الكريم‪.‬‬ ‫وهو يعرضها بالأسلوبين‪ :‬السرد القصصي والسرد المنطقي وهما غاية لا تدرك‪ .‬لكن‬ ‫الإنسان بفطرته يقيس عليهما فيضع رؤى عوالمية هي المقدرات الذهنية الميثولوجية‬ ‫والمقدرات الذهنية الرياضية‪ .‬وهذه رآها ابن تيمية وتلك قستها عليها‪ .‬والاولى لا علم‬ ‫من دونها والثانية لا عمل من دونها‪ .‬والفنون جامعة‪.‬‬ ‫ومعنى الفنون جامعة هو أنها في بعدها التشكيلي تحتاج للمقدرات الذهنية الرياضية وفي‬ ‫بعدها الأدبي تحتاج إلى المقدرات الذهنية الميثولوجية‪ .‬وهذه مقدمة على تلك بمعنى أن‬ ‫الرياضية هي نفسها ميثولوجية لكن شخوصها مفهومات وليست كائنات حية‪ .‬الشخوص في‬ ‫هذه درامية والمفهومات في تلك منطقية‪.‬‬ ‫وهي مقدمة‪:‬‬ ‫• لأنها تتجاوز الزرد المنطقي إلى السرد القصصي الذي يفتح آفاقا أوسع فيحتوي على‬ ‫ما يخرج من غربان المنطق الذي لا يرى إلى التلازم المنطقي في حين أن الوجود أوسع منه‬ ‫بدليل أن كل الاحداث التي نراها لا يمكن حسبانها ويبقى دائما اللامتوقع فيها وجودا‬ ‫ودورا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهي مقدمة‪:‬‬ ‫• لأن ما بين ما يمسك به منطق الضرورة وما يحدث فعلا في الوجود رغم أنه يبدو غير‬ ‫منطقي في الزرد ليس خاليا من منطق من جنس آخر يفترضه السرد وراء الزرد الإنساني‬ ‫ويعتبره زردا منسوبا إلى كائنات أسمى من الإنسان هو آلهة الأديان الطبيعية وإله‬ ‫الوحدانية‪.‬‬ ‫ما يرفضه القرآن من تهمة \"اساطير الاولين\" مضموني بمعنى أن قائليها لا يقصدون‬ ‫الأسلوب السردي بل المضمون المسرود‪ .‬وما أعنيه بالميثولوجيا التي أقيسها على الرياضيات‬ ‫من حيث كونهما مقدرات ذهنية أسلوبي وليس مضمونيا لأن الرياضيات أسلوب زردي وليس‬ ‫مضمونا أسطوريا‪.‬‬ ‫فيكون القصد بنوعي المقدرات الذهنية هو أسلوب السرد الميثولوجي دون مضمون‬ ‫اسطوري لكنه درامي أي متعلق بالأفعال واسلوب الزرد الرياضي دون مضمون اسطوري‬ ‫لكنه منطقي أي متعلق بالمفهومات‪ .‬الأول سرد لأفعال هي علاقات بين شخوص والثاني زرد‬ ‫للوازم مفهومات هي علاقات منطقية‪.‬‬ ‫فتكون المقدرات الذهنية الميثولوجية مرسومة في روح الإنسان أو زمانه وتكون المقدرات‬ ‫الذهنية الرياضية مرسومة في بدن الإنسان أو مكانه‪ :‬العرض القصصي لأسرار الوجود‬ ‫المعنوية في الروح لأنها زمانية وموسيقية بالجوهر والعرض الرياضي لأسرار الوجود المادية‬ ‫في البدن لأنه مكاني وتشكلي بالجوهر‪ .‬فطرة الإنسان مثلها مثل القرآن نسخة من اللوح‬ ‫المحفوظ وهي جوهر الإنسان ومضمونها هو ما سميته المعادلة الوجودية بقلبها وطرفيها‬ ‫المضاعفين كليهما كما عرضتها سابقا وكما أذكر بها هنا مرة أخرى‪.‬‬ ‫ويمكن القول بصورة رمزية إن الإنسان هو الكتاب الأول أو نوع الكتابة الأولى التي يمكن‬ ‫أن نجد فيها كل اسرار الوجود‪ .‬لكنه ليس مجرد كتاب يقرؤه غيره بل هو الكتاب الذي‬ ‫يقرأ نفسه ويقرأ كل ما عداه‪ .‬وقد أجازف فأقول إن ذلك هو السر في كونه مستخلفا وهو‬ ‫ما رمزت إليه آية الاستخلاف عندما تكلمت على تعليمه الأسماء كلها بمعنى أن أسماء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الموجودات كلها أي قوانينها مرسومة في كيانه ومرسوم فيه السعي الدائم لمعرفتها دون إحاطة‬ ‫وللعمل بها دون إطلاق‪.‬‬ ‫والرسول \"إنما هو مذكر\" بمعنى أنه يوقظ بالتربية هذه المفطورات في الإنسان‪ .‬و\"ليس‬ ‫عليهم بمسيطر\" بمعنى أنه يوجه بالحكم سلوك الإنسان بالوزع الخلقي والقانوني‪ .‬وبذلك‬ ‫ندرك علة كون القرآن لا تتبين حقيقته في نصه الذي يؤدي وظيفة الإشارة المذكرة بل في‬ ‫ما يشير إليه أي إن حقيقته تتبين في الآيات التي ينبغي أن نطلبها من الآفاق (قوانين‬ ‫الطبيعة وسنن التاريخ) وفي الأنفس (النظر والعقد والعمل والشرع)‪.‬‬ ‫أما الأمر الثاني بعد الفهم الخاطئ لكلمة ميثولوجيا والذي حاولت بيان المقصود منه‬ ‫لتنزيل القرآن فوق نوعي التقدير الذهني ‪-‬الرياضي والفني‪-‬مع كونه فيه ما هو مثلها‪-‬‬ ‫عرض للحقيقة في شكل قصص تعرض رؤية عرضا دراميا وليست علما ولا عملا ولا فنا بل‬ ‫هو شرطها وغايتها بمعنى كونه تذكيرا بالفطرة من حيث هي أصل لأفعال الإنسان ولقيمه‬ ‫المرسومين في كيانه البدني والروحي‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى المعادلة الوجودية التي وضعتها والتي أريد التذكير بها‪ .‬فلا يوجد انسان‬ ‫في العالم لا يشعر أنها عين ما رسم في كيانه حتى وإن أنكره بدليل حاجته إلى تعويضه بما‬ ‫يعتبره بديلا منه‪ .‬وتتألف هذه المعادلة من نواة موجودة في قلبها يتلازم فيها ذاتان آلهة‬ ‫ومربوبة هي الإنسان ومألوهة ورب هي الله‪.‬‬ ‫وطبعا ليس ضروريا أن تسمى الذات الثانية الله أو الرب فهي في كل الأحوال الذات التي‬ ‫تشعر ذات الإنسان بأنها فوقها أو بأنها مثالها الأعلى أو بأنها تتمنى لو كانت هي أو بأنها‬ ‫ما تدعيه عندما تطغى سواء بالسلطة أو بالمال أو الجاه أو بالعلم أو بالقدرة أو بالفن أو‬ ‫بأي شيء تشعر أنه منشودها‪.‬‬ ‫فإذا التفتت الذات إلى ما قبلها وجدت العالم الطبيعي الذي تشعر أنها حبيسة فيه وقائمة‬ ‫بما تستمده منه‪ .‬لكنها في آن تضع ملازمها في القلب قبله بوصفه هو الذي خلقه أو نظمه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫سواء كان مفارقا له أو محايثا فيه‪ .‬وإذا التفت إلى ما بعدها وجدت العالم التاريخي الذي‬ ‫تشعر أنها كذلك حبيسة فيه وقائمة به‪.‬‬ ‫وتضع في آن كذلك ذاتها بالنسبة إلى العالم التاريخي موضع ملازمها بالنسبة إلى العالم‬ ‫الطبيعي فتعتبرها أصلا له إما مفارقة له أو محايثة فيه‪ .‬فيصبح بين الذاتين المتلازمتين‬ ‫شبه تمانع بين آله ومألوه وبين مربوب ورب كلاهما لا يتصور ذاته إلا بهذا التلازم‬ ‫التنافسي‪ :‬كذلك يتكلم الله على الإنسان والإنسان عن الله في القرآن نفسه‪.‬‬ ‫فما يشكو منه الإنسان عند كلامه على الله وخاصة في ملامسته للإلحاد أو في ما يشعره‬ ‫بأنه يكاد يلحد أو يلحد هو شكواه مما يعيبه على الله في نقائص خلقه مثل الشر والظلم‬ ‫سواء كان صادرا عن العالم الطبيعي أو عن العالم التاريخي يتفوق عليه شكاوى الله من‬ ‫نقائص الإنسان التي يمتلئ بها القرآن‪.‬‬ ‫وما تجده من التلاوم بين الآله والمألوه تجد أكثر منه من التمادح بينهما‪ :‬فالمؤمن شكور‬ ‫ومحب والله ينزل الإنسان منزلة فوق الملائكة ولذلك اجتباه واصطفاه واستخلفه واستعمره‬ ‫في الأرض‪ .‬لكن الأهم من ذلك كله جهزه ليكون يكون قادرا على أن يكون أهلا للاستخلاف‬ ‫وذلك هو موضوع الفلسفات الخمس‪.‬‬ ‫وما أعرضه هنا ليس من تأليفي بل هو عين مضمون التذكير‪ .‬فهو يذكر بالفطرة أصلا‬ ‫للأصول الخمسة أي بنيتها هي بنية القرآن وهي المعادلة الوجودية التي وصفت حيني هذا‪.‬‬ ‫ومنها تتفرع الفلسفات الأربع الجزئية لأن القرآن هو الفلسفة الكلية المؤسسة للأربعة‬ ‫الفرعية‪ :‬القرآن هو التذكير بالفطرة التي تصل بين آيات الله في الآفاق وفي الأنفس وعنها‬ ‫تتفرع الفلسفات الجزئية الأربعة‪.‬‬ ‫وهذه الفلسفات الفرعية هي‪ :‬فلسفة الطبيعة أو الخلق وقوانينه رياضيه تجريبية لعالم‬ ‫الضرورة وفلسفة التاريخ أو الأمر وسننه سياسية تجريبية لعالم الحرية (أي خلقية)‪.‬‬ ‫ويصحب فلسفة الطبيعة فلسفة النظر والعقد ويصحب فلسفة التاريخ فلسفة العمل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والشرع‪ .‬وهذه الفلسفات ليست علوما بل هي رؤى مرسومة في فطرة الإنسان بوصفها‬ ‫شروط قيامه وبقائه‪.‬‬ ‫ولا يمكن تصورها مكتسبة اكتسابا مطلقا بنظرية اللوح الخالي من الكتابة ‪-‬تابولا رازا‪-‬‬ ‫إذ حتى في هذه الحالة فينبغي أن يكون الإنسان مستعدا لاكتسابها والعالم مستعدا ليكون‬ ‫متضمنا لفرص إيصال الإنسان لاكتسابها فنعود إلى كونها مرسومة في الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫والرسالة تكتفي بالتذكير بها لتؤسس‪:‬‬ ‫‪ .1‬للنظر والعقد وتطبيقاته شرطا لمهمة الإنسان الأولى بوصفه مستعمرا في الأرض‪.‬‬ ‫‪ .2‬وللعمل والشرع وتطبيقاتهما شرطا لمهمة الإنسان الثانية بوصفه مستخلفا فيها‪.‬‬ ‫ولذلك فليس أسخف ممن يقول الدين مغن عن الفلسفة والقرآن محتو على كل العلوم‪.‬‬ ‫فهذان الفكرتان هما سر تخلف الأمة‪ .‬الدين معد إلى الفلسفة والقرآن داع إلى العلوم‪.‬‬ ‫فلا يمكن أن يكون مدونة علمية مغنية عن التكليف في النظر والعقد وفي العمل والشرع في‬ ‫حين أنه يحول دون استمداد ذلك من تفسير آيات نصوصه لما فيها من متشابه (آل عمران‬ ‫‪ )7‬ويوجه إلى آيات الله في الآفاق والأنفس حيث ينبغي طلب حقيقته التي تتبين فيها‬ ‫(فصلت ‪.)53‬‬ ‫ولنعرض الآن هذه الرؤى الفرعية‪ .‬الرؤية الفرعية الأولى هي فلسفة الطبيعة من حيث‬ ‫الخلق المعتمد على المقدار الرياضي‪ .‬والذي يدرك بالملاحظة التجريبية أي بالحواس‬ ‫وأدوات الإدراك الحسي التي يمكن للإنسان أن يصنعها بفنون رياضية تقوي فاعليتها (مثل‬ ‫علم المناظر للبصريات وعلم الأصوات للسمعيات خاصة)‪ .‬وفيها رؤية فرعية ثانية‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية الفرعية الثانية هي فلسفة النظر والعقد‪ .‬ومعنى ذلك أن رؤية الطبيعي‬ ‫مصحوبة برؤية نظرية المعرفة والعقد‪ .‬وهو تلازم لا يمكن أن تغفل عنه البصيرة عند‬ ‫قراءة القرآن لأن الكلام على نظام العالم الطبيعي مصحوب دائما بالدعوة إلى ما يشبه‬ ‫الملاحظة العلمية لحضور هذا النظام بالحواس وبالعقل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا يمكن أن توجد معرفة عقلية للنظام أفضل من الرياضيات والقرآن يعتبر الخلق بقدر‬ ‫ولا عقد فيه أفضل من الحسيات والقرآن يدعو لاستعمال الحواس في إدراك نظام السماء‬ ‫على الأقل‪ .‬فالإنسان مهما فعل لن يجد شيئا يمكن أن يصدقه أكثر مما يصدق حواسه حتى‬ ‫صار الموجود عنده هو المحسوس‪.‬‬ ‫ولا يهم إن كان المحسوس محسوسا بالفعل ومباشرة أو بالقوة وبصورة غير مباشرة‪ .‬ولذلك‬ ‫فلا يوجد من يشك في هذا العالم المحسوس وقليل من يصدق بنفس اليقين وجود عالم آخر‬ ‫مثل الآخرة‪ .‬وهذا إذن من علامات التلازم بين فلسفة الطبيعة وفلسفة النظر والعقد‪.‬‬ ‫وهما الفرعان الأولان من الالتفات الأول‪.‬‬ ‫ها نحن قد وصلنا إلى بداية البحث في الفرعين الثانيين من الالتفات الثاني في المعادلة‬ ‫الوجودية بعد نواة التلازم نبين الآله والمألوه التي هي قلب هذه المعادلة‪ .‬فما نلتفت إليه‬ ‫هو فرع فلسفة التاريخ التي هي فلسفة العمل والشرع والإنسان من ورائها‪ .‬ويوجد تناظر‬ ‫بين الطبيعة وما بعدها والتاريخ وما بعده في الخارج (الآفاق) وبين نظرية النظر والعقد‬ ‫ونظرية العمل والشرع في ذات الإنسان (الأنفس)‪ .‬وفي الحالتين النواة (الله‪-‬الإنسان)‬ ‫تكون محايثة أو مفارقة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نجد نفس النسبة بين التاريخ موضوعا والعمل والشرع قدرة ذاتية للتفاعل معه فعلا‬ ‫وانفعالا التي وجدناها بين الطبية موضوعا والنظر والعقد‪ .‬قدرة ذاتية للتعامل معها فعلا‬ ‫وانفعالا وطبعا فالتعامل مع الطبيعة ضوري في التعامل مع التاريخ والعكس بالعكس لأن‬ ‫الإنسان طبيعي وتاريخي في آن‪.‬‬ ‫ومن هنا استنتجنا أهم علاقتين تميزان الوجود الإنساني‪ :‬العلاقة العمودية بين الإنسان‬ ‫والطبعية والعلاقة الأفقية بين الإنسان والتاريخ‪ .‬فالعلاقة الاولى يستمد الإنسان بفضلها‬ ‫مقومات وجوده العضوي من تعمير الأرض والعلاقة الثانية يستمد الإنسان بفضلها مقومات‬ ‫وجوده الروحي من الاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫ما أنسبه إلى ابن تيمية وابن خلدون من دور في الاستئناف هو أن رؤيتيهما من خلال‬ ‫إعادة تأسيس الاجتهاد بنظرية النظر والعقد والجهاد بنظرية العمل والشرع هي التي‬ ‫ستجعل الأمة تتدارك اهمالها لما بين تعمير الأرض والاستخلاف فيها من تلازم دائم‪ .‬ولا‬ ‫يكون ذلك من دون هذه الفلسفات التي هي رؤى وليست علوما‪.‬‬ ‫ومعنى كونها رؤى وليست علوما مضاعف‪ :‬فهي فتح لأفق يمكن بمقتضاها أن تصحب‬ ‫العلوم ممكنة‪ .‬فعندما نحدد رؤية لفلسفة الطبيعة ولازمها فلسفة النظر والعقد يصبح علم‬ ‫الطبيعة ممكنا وتطبيقه محققا لتعمير الارض‪ .‬وعندما نحدد رؤية لفلسفة التاريخ ولازمها‬ ‫فلسفة العمل والشرع يصبح علم التاريخ ممكنا ويصبح تطبيقه محققا للاستخلاف‪ .‬وبذلك‬ ‫يكون الاستئناف في آن تداركا لنقائص الماضي واستكمالا لشروط المستقبل‪ .‬وحينها لا يوجد‬ ‫علم محيط ولا عمل مطلق فلا يوثن الماضي بأن يعتبر ثابتا لا يتغير بل يصبح منفتحا على‬ ‫التغيير الدائم بمقتضى قانون أبعاد الزمان الخمسة التي وضعت نظريتها‪.‬‬ ‫فما يظن ثابتا من احداث الماضي لا يثبت إلا بموت حيوية أحاديثه‪ .‬وما أن نعيد الحيوية‬ ‫لأحاديثه حول أحداثه بتأويل ملتفت إلى المستقبل حتى تنفجر الينابيع من جديد فيسيل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نسغ الحياة فيها فيتوجه الماضي نحو المستقبل بخلاف ما تعيشه الأمة حاليا من توجه‬ ‫المستقبل نحو الماضي أهليا كان أو أجنبيا‪.‬‬ ‫وحينها يصبح حديث المستقبل المخطط لأحداثه ليس مجرد أماني بل استراتيجيات فعلية‬ ‫لن يكون حدثها دون وعود حديثها بل هي ستكون دائما مقصرة بالقياس إلى ما سيتفوق به‬ ‫الحدث الحديث‪ .‬وبذلك ننتقل من كوننا أمة أقوال إلى كوننا أمة أفعال والمعلوم أن الفرق‬ ‫بينهما علة المقت الإلهي الأشد‪.‬‬ ‫وحينها يكون الحاضر مرجلا يغلي فيه حدث الماضي الذي أحياه حديثه وحديث المستقبل‬ ‫الذي سيحييه حدثه فتكون الأمة قد استعادت عنفوانها وهو ما أقصده بالاستئناف‪ .‬لكن‬ ‫ذلك مشروط بأن يكون النظر والعقد قد أصبحا اجتهاديين والعمل والشرع جهاديين‬ ‫فنتخلص من وهم الإحاطة في المعرفة والإرادة‪.‬‬ ‫والآن إذا عدت إلى علوم الملة الخمسة‪ :‬التفسير أصلا للفروع الأربعة أي الاثنين‬ ‫المتعلقين بالنظر والعقد (الكلام والفلسفة) والاثنين المتعلقين بالعمل والشرع (الفقه‬ ‫والتصوف) فماذا أجد؟ تخريف لا يمكن من تعمير الأرض ولا من الاستخلاف فيها‪ :‬طلب‬ ‫السلطة على الإنسان وليس طلب شروط تحريره من سلطان الطبيعة وسلطان التاريخ عليه‪.‬‬ ‫فالكلام والفلسفة لم يتجاوزا وضع الموروث اليوناني وتوظيفه في صراع جدلي حول‬ ‫علاقة الإيمان بالعلم دون إيمان وعلم لأن القصد ليس علاج العلاقة العمودية بين الإنسان‬ ‫والطبيعة وضمنه ما وراءها بل هم قفزوا مباشرة إلى ما ورائها دون النظر فيها بما يمكن‬ ‫من علاج شروط بقاء الإنسان فيها‪.‬‬ ‫فليعد أي قارئ نزيه إلى علم الكلام والفلسفة في تاريخنا‪ .‬هل يجد فيهما علاجا مفيدا‬ ‫لعلاقة الإنسان العمودية بالطبيعة علاجا يمكن من سد حاجاته التي هي غاية تعمير‬ ‫الارض؟‬ ‫إن وجد شيئا عدى بعض الأمثلة المستمدة من التراث اليوناني والواردة كأمثلة في أعمال‬ ‫ارسطو فإن كلامي فيه ظلم شديد‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪38‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وليكن عمل من احتكمت إليه بهذه الدعوة يسيرا ولينظر في غاية ما وصل إليه الكلام‬ ‫والفلسفة في القرن الثاني عشر ‪-‬السادس أي في قرن الأربعة الكبار‪ :‬ابن رشد والسهروردي‬ ‫والرازي وابن عربي‪ .‬فإذا تأكد من أن الغاية هي كما وصفت فلا فائدة من النظر في‬ ‫البداية‪ :‬هم رمز هذا العقم في تعمير الأرض‪.‬‬ ‫ابن رشد يعتبر النظر والعقد مطلقين أعني ما اعتبره الفارابي اكتمال العلم الذي لم‬ ‫يبق إلا أن يتعلم ويعلم أي فلسفة أرسطو التي هي من القرن الرابع قبل الميلاد وذلك‬ ‫لتوهمه أن العلم محيط ويمكن أن يكون نهائيا لقوله بالمطابقة‪ .‬والسهرودي يذهب إلى‬ ‫أبعد بالعودة إلى أفلاطون أساطير المجوسية‪.‬‬ ‫وليس بالصدفة أن يكون الأول فقيها والثاني متصوفا ما يعني أن العمل والشرع يوافق‬ ‫هنا النظر والعقد وكلاهما عقيم في رؤية العلاقة العمودية مع الطبيعة تعميرا للأرض وفي‬ ‫رؤية العلاقة الافقية مع التاريخ استخلافا فيها‪ :‬إنهما رمزا جمود المدرسية الفلسفية‬ ‫الفقهية والمدرسية الفلسفية الصوفية‪.‬‬ ‫ولنأت الآن إلى المتكلم المتفلسف (الرازي) والمتصوف المتفلسف (ابن عربي) الممثلين‬ ‫لجمود المدرسة الكلامية المتفلسفة والمدرسية الصوفية المتفلسفة‪ .‬وهؤلاء يحاولان أن يرقعا‬ ‫رؤيتهما المزعومة إسلامية بخرافات العهد المتأخر من الفكر اليوناني الذي انحط وأصبح‬ ‫ميالا إلى الشعوذة المتعامقة‪.‬‬ ‫وإذن فالفكر الكلامي والفلسفي والفقهي والصوفي تجمد لما بلغ مرحلة المدرسية التي‬ ‫باكتمالها المربع الذي وصفت وصلت إلى مرحلة الانسداد التام‪ .‬فلم يكن بد من تجاوزه‬ ‫بهدم أصليه الأرسطي والافلاطوني هدما مطلقا وهو ما قام به ابن تيمية في النظر والعقد‬ ‫وابن خلدون في العمل والشرع‪ .‬وطبيعي جدا ألا يقبل \"مؤرخو\" علوم الملة سواء كانوا من‬ ‫التأصيليين أو من التحديثيين هذه الرؤية لعلتين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪39‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬لأنهم يعتبرونها هدامة للتراث فيزعم التأصيلي أنها دليل تبن لموقف يتهم صاحبه‬ ‫بالاستشراق‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولأنهم يتصورون التغير النوعي في رؤى الفكر فزعم التحديثي أنها تبين لموقف‬ ‫يتهم صاحبه بالاختلاق‪.‬‬ ‫فصورة هذين الرجلين شوهت إلى حد لا يعقل لأن الصفين ينطلقون بوعي أو بغير وعي‬ ‫من النكوص الهيجلي الماركسي أي من القول بالمطابقة في النظر والعقد وبالإطلاق في العمل‬ ‫والشرع‪.‬‬ ‫ومن عجائب عمل ابن تيمية وانب خلدون هو أن الأول أنهى الأرسطية ويبدو وكأنه قد‬ ‫عاد إلى الأفلاطونية لأنه تكلم على المقدرات الذهنية بوصفها العلم الأتم لأنه كلي وبدهي‬ ‫ومحض‪ .‬والثاني أنهى الافلاطونية ويبدو وكأنه عاد إلى الأرسطية لأنه تكلم على الإنسان‬ ‫مدني بالطبع أصلا لعلم العمران‪.‬‬ ‫وأقول \"يبدو\" في الحالتين لأن المقارنات المتسرعة قد تكون دليلا على البصر لكنها في‬ ‫الغالب دليل على فقدان البصيرة بسبب اهمال الفرق وغالبا ما يكون الفرق لطيفا فلا تراه‬ ‫إلا البصيرة‪ .‬فالمقدرات الذهنية التيمية ليست صورا حالة في الأشياء كالحال عند أرسطو‪.‬‬ ‫والمدنية بالطبع الخلدونية لا تعتمد على نموذج بنية النفس كالحال عند أفلاطون‪.‬‬ ‫الأول لا يتكلم على مثل بل على مقدرات ذهنية‪ .‬والثاني لا يتكلم على النفس والأسرة‬ ‫بل على \"نحلة العيش\" والأحياز الخمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬الجغرافيا الطبيعية‬ ‫‪ .2‬والتاريخ الثقافي‪.‬‬ ‫وثمرة التفاعل بينهما تنتج الحيزين اللذين يبدعهما الإنسان ليكونا وسيطين بينه وبين‬ ‫الحيزين الطبيعيين المكان والزمان وهما‪:‬‬ ‫‪ .3‬الثروة‬ ‫‪ .4‬والتراث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪40‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .5‬وحصيلة ما تقدم وهي في آن أصله الجماعة الإنسانية التي ترعى ذاتها بتعمير‬ ‫الأرض وتحميها بالاستخلاف وتلك هي حرية الإنسان أو بالأحرى تحرره المتدرج‪.‬‬ ‫وشتان إذن بين ابن تيمية وأرسطو من حيث الرؤية الإبستمولوجية (نظرية المعرفة)‬ ‫وبين ابن خلدون وأفلاطون من حيث الرؤية الأكسيولوجية (نظرية القيمة)‪ .‬توجد‬ ‫قطيعة جوهرية تعيد النظر في النظر والعقد (ابن تيمية) وتعيد النظر في العمل والشرع‬ ‫(ابن خلدون) فتتجاوز الرؤية التي كانت سائدة في الفلسفة القديمة والوسيطة قبلهما‪.‬‬ ‫وإذن فهما يؤسسان لبداية جديدة تستأنف الإبداع الإنساني لعلاج العلاقتين العمودية‬ ‫بين الإنسان والطبيعة وما ورائها وبين الإنسان والتاريخ وما ورائه فتكون متناغمة مع‬ ‫المعادلة الوجودية مع التحرر من القول بالمطابقة بين ما نعلمه وما نعمله وبين الوجود في‬ ‫ذاته أو على ما هو عليه كما كانت تتوهم الفلسفة القديمة والوسيطة‪.‬‬ ‫والتناغم معها يكون بفضل الاعتراف بمحدودية علم الإنسان واعتباره اجتهادا وعمله‬ ‫واعتباره جهادا ومن ثم بتاريخية العلم والعمل وبفتح المستقبل للتجديد الدائم الذي منه‬ ‫نظرية مجدد على رأس كل قرن‪ .‬والسؤال الآن هل في هذا تهديم للتراث؟‬ ‫من يقول ذلك كمن يدعي أن طبقات الأرض تهديم لها‪ .‬فللتراث طبقات متراكبة هي‬ ‫حياة الأمم‪.‬‬ ‫تاريخنا الفكري له ما قبل ابن تيمية وابن خلدون وما بعد ابن تيمية وابن خلدون‪ .‬وما‬ ‫قبلهما دون أن يفقد قيمته لم يعد صالحا لبناء مستقبل الأمة وفكرها لأنه لم يكن مدركا‬ ‫لأهمية التشارط بين تعمير الأرض والاستخلاف فيها فكان \"علمه\" و\"عمله\" لا يتجاوز‬ ‫الأقوال إلى الأفعال إلا بتكبيل الإنسان‪.‬‬ ‫كيف ذلك؟ هنا يأتي مفهوم الوساطة في التربية والوصاية في الحكم‪ .‬فالنظر والعقد الذي‬ ‫يتوهم أصحابه أنه مطابق للوجود ومحيط به يؤسس للوساطة الروحية لمن يصفون أنفسهم‬ ‫راسخين في العلم (انظر مناهج الأدلة) فيتجاوزون ما نهت عنه آل عمران ‪ 7‬ليكونوا‬ ‫\"كنسية\" وإن لم تكن صريحة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪41‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ونفس الأمر يحصل في العمل والشرع ليصبحوا وصاية ليس في التربية الآن بل في الحكم‪.‬‬ ‫والجمع بينهما هو أول فعل سياسي قام به المعتزلة‪ :‬أن يصبح الحاكم حاكما بالحق الألهي‬ ‫المتعين في الحق الطبيعي‪ .‬كذلك أرادوا للمأمون أن يجمع بين السطلتين الروحية والسياسية‬ ‫فيكون بابا سني مثل الإمام الشيعي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪42‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من يتصور أن الكنسية والحكم بالحق الإلهي ظاهرتان خاصتان بالدين يجهل تاريخ‬ ‫الفلسفة‪ .‬فأفلاطون لا يتصور التربية والحكم من دون وساطة في الاولى ووصاية في الثانية‬ ‫رغم أنه يؤسسها على فلسفته والاصطفاء الطبيعي لا الالهي‪ :‬فالمربي والحاكم ينبغي أن‬ ‫يكونا فيلسوفين ذوي نفس ذهبية‪.‬‬ ‫من يتصورون المأمون عقلانيا وابن حنبل ظلاميا يتجاهلون هذه الحقيقة‪ :‬ابن حنبل‬ ‫يرفض أن يكون الحاكم وصيا في أمر الجماعة يحكمها باستبداد يدعي العقلانية (لست‬ ‫عليهم بمسيطر) وأن يكون المربي وسيطا يربيها بـ \"عقلانية\" تدعي العلم المطلق (إنما أنت‬ ‫مذكر) لأن الجماعة هي صاحبة الامر وهي التي تحكم نفسها ولأن الفرد بفطرته لا يحتاج‬ ‫لوسيط بينه وبين ربه‪.‬‬ ‫ومن له دراية بأن أفلاطون له كنسية الوساطة بين الإنسان وربه ووصاية بين الجماعة‬ ‫وأمرها ويعتبر ذلك دور الفلاسفة اصطفاء طبيعيا لمعادن البشر يفهم أولا أمرا مناظرا في‬ ‫القول باصطفاء ديني عند الشيعة واليهود يجعل التربية والحكم إما لشعب مختار أو لأسرة‬ ‫مختارة باصطفاء إلهي‪.‬‬ ‫ومن يفهم ذلك يعلم أن القرآن الذي يقول لرسوله \"إنما أنت مذكر\" يحرر الإنسان من‬ ‫الوساطة الروحية في التربية لأن الرسول يذكر الإنسان بما فيه أي فطرته ولا يعلمه بشيء‬ ‫ليس هو بعد فيه‪ .‬ويعلم أن القرآن الذي يقول لرسوله \"لست عليهم بمسيطر\" يحرره من‬ ‫الوصاية السياسية في الحكم (الشورى ‪.)38‬‬ ‫التحريف علته بزنطة التربية والحكم وتفريسهما مع غلبة الأولى على الدولة الأموية‬ ‫والثانية على الدولة العباسية‪ .‬لكن في مستوى الفكر ما بين التشيع والاعتزال هو ما بين‬ ‫الظاهرتين في الفلسفة وفي الدين والمثال الأوضح من ذلك هو رؤية الفارابي التي تتكلم‬ ‫على الملة الفلسفية برائحة هذا الخليط‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪43‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذا تحرر الإنسان من الوسيط بينه وبين ربه في التربية صار الاجتهاد في النظر والعقد‬ ‫فرض عين وإذا تحرر من الوصي بينه وبين أمره صار الجهاد في العمل والشرع فرض عين‪:‬‬ ‫رؤية القرآن التي كانت ثورة ابن تيمية للقطع مع أرسطو وثورة ابن خلدون للقطع مع‬ ‫أفلاطون فهما عميقا لثورة الإسلام الكونية‪.‬‬ ‫لكن البداية الفعلية مثل الغاية التي يمثلها ابن تيمية وبان خلدون يمثلها ابن حنبل‬ ‫والأشعري‪ .‬فالأول حال دون تكون البابوية الإعتزالية في النظر والعقد (مسألة خلق‬ ‫القرآن) والثاني حال دون البابوية في العمل والشرع (مسألة التحسين والتقبيح)‪ .‬وكلتا‬ ‫الحيلولتين تحرير من وهمي الاعتزال‪.‬‬ ‫ما هما وهما الاعتزال؟ دعوى العقلانية في النظر والعقد (المطابقة أو رد الوجود إلى‬ ‫الإدراك) ووهم العقلانية في العمل والشرع (التحسين والتقبيح أو رد القيم إلى صفات‬ ‫ذاتية في الموضوع ذاته)‪ .‬والتخلص من هذين الوهمين هما بداية علاج العلاقتين العمودية‬ ‫مع الطبيعة والأفقية مع التاريخ‪.‬‬ ‫ولأن ما حاولت بيانه من اللطائف التي لا يفهمها لا كاريكاتور التأصيل ولا كاريكاتور‬ ‫التحديث فإن ابن حنبل والاشعري يعتبران ظلاميين والمعتزلة عقلانيين‪ .‬ولن يفهم ذلك‬ ‫من بقي مثل القائلين به من الحداثيين الذين هم ضحايا سذج النكوص الهيجلي الماركسي‬ ‫للمطابقة والتحسين والتقبيح العقليين‪.‬‬ ‫وهذا هو جوهر خلافي مع أدعياء العقلانية العرب الذين يتصورون المعتزلة والفلاسفة‬ ‫عقلانيين والمدرسة النقدية في النظر والعقد وفي العمل والشرع ظلاميين‪ .‬وحتى ابن‬ ‫خلدون فما يعتبرونه عقلانيا إذا بمعنى المطابقة والتحسين والتقبيح فعدم فهم علته رد‬ ‫فكره إلى ماركس أو أوغست كونت‪.‬‬ ‫وأدعياء العقلانية العرب على صنفين وكلاهما يشربان من نفس الآسن من ماء النكوص‬ ‫الهيجلي الماركسي اللذين عادا إلى المطابقة في النظر والعقد وإلى التحسين والتقبيح في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪44‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫العمل والشرع‪ .‬فأما النوع الاول فهو صاحب الحداثة المزعومة‪ .‬وأما النوع الثاني فهو‬ ‫صاحب ما بعد الحداثة المزعومة‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يكون الاول صاحب حداثة لأن الحداثة هي ما بين ديكارت وكنط‪ .‬ما بعد‬ ‫كنط فقد كل مقومات الفكر الحديث وعاد في المثالية الألمانية التي حاولت تجاوز النقد‬ ‫الكنطي إلى الرؤية القروسطية التي تقول بالمطابقة وبالتحسين والتقبيح العقليين‬ ‫وبالأفلاطونية والأرسطية المحدثتين‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يكون صاحب ما بعد حداثة لأنها هي ما بين هذه الحداثة الناكصة وثورة‬ ‫نيتشه عليها‪ .‬فنيتشه لم يثر على الحداثة التي بين ديكارت وكنط بل على الحداثة التي‬ ‫سادت في المرحلة الفاصلة بينه وبين الفكر الناتج عن بنكوص هيجل وماركس تأثرا بصاحب‬ ‫العالم رؤية وإرادة الذي يحتقر هيجل‪ .‬وهم لا يزالون ضحايا هذا النكوص وإن بغير‬ ‫وعي‪.‬‬ ‫ولا أريد أن أسمي أحدا لأن الكثير منهم ما يزال حيا وقد يسبب ذلك حرجا‪ .‬لكن من‬ ‫يتابع الفكر في بلاد العرب وخاصة منذ تكاثر ما يسمى بأصحاب المشاريع‪-‬كم أمقت هذه‬ ‫الكلمة‪-‬يعلم من أقصد بالنسبتين إلى الحداثة وما بعد الحداثة المزعومتين‪ :‬الفكر عندهم‬ ‫من جنس استيراد ناطحات السحاب في الخليج‪.‬‬ ‫هو استيراد لما لا حاجة إليه دون العمل الذي ينجزه لا بالنظر والعقد ولا بالعمل‬ ‫والشرع‪ .‬في أمريكا خاصة وفي الغرب عامة ناطحات السحاب ضرورة انتجها نظرهم‬ ‫وعقدهم في المستوى التصوري وحققها علمهم وشرعهم في المستوى الإنجازي‪ .‬نحن بعنا مادة‬ ‫خاما واستوردنا مادة مصنعة دون فكر ولا عمل‪.‬‬ ‫وعلى ذلك فلتقس المشاريع‪ .‬فالحداثة أنشأها فلاسفة من جنس ديكارت ولايبنتس ولم‬ ‫ينشئها المتكلمون على خرافة الفلسفة بوصفها \"صانعة المفاهيم\"‪ .‬إذا كانت المفاهيم تصنع‬ ‫فليس الفلاسفة هم صناعها بل العلماء الذي يفلسفون ما صنعه العلماء هم أو غيرهم من‬ ‫مفاهيم‪ .‬وذلك حتى في عصر أفلاطون وأرسطو‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪45‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الفلسفة ليست علما والدين ليس عملا‪ .‬الفلسفة ما بعد علم يحدد الرؤى التي تجعل‬ ‫العلم ممكنا‪ .‬والدين ما بعد عمل يحدد الرؤى التي تجعل العمل يكون ممكنا‪ .‬ولا يمكن‬ ‫تصور الدين غنيا عن عمارة الأرض وتصور الفلسفة غنية عن الاستخلاف فيها‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالفلسفة لا توجد إلا كرؤية شارطة بداية ومشروطة غاية للنظر والعقد‪.‬‬ ‫‪ .2‬والدين لا يوجد إلا كرؤية شارطة بداية ومشروطة غاية للعمل والشرع‪.‬‬ ‫وهما يلتقيان بهذا المعنى في ما يلتقي فيه النظر والعقد بالعمل والشرع توحيدا بينهما‪.‬‬ ‫والشارطية والمشروطية في الحالتين هي التي تجعل الواحد المشترك بين الديني‬ ‫والفلسفي‪-‬على الأقل في القرآن‪-‬هي هما بين العلاقتين العمودية مع الطبيعة (تعمير‬ ‫الأرض لسد الحاجات المادية وشرطه النظر والعقد وتطبيقاتهما) والأفقية مع التاريخ‬ ‫(الاستخلاف لسد الحاجات الروحية وشرطه العمل والشرع وتطبيقاتهما) ويغلب على هذه‬ ‫شروط التواصل وعلى تلك شروط التبادل‪.‬‬ ‫فإذا وجد نظر وعقد لا يعالج العلاقة العمودية والتبادل بين الإنسان والطبيعة شرطا‬ ‫لرعايته الذاتية ويدعي الانتقال مباشرة إلى ما ورائها فهو لغو وثرثرة‪ .‬وإذا وجد عمل‬ ‫وشرع لا يعالج العلاقة الافقية والتواصل بين الإنسان والتاريخ شرطا لحمايته الذاتية‬ ‫فهو لغو وثرثرة‪.‬‬ ‫وعندما يكون التبادل عديم القدرة على علاج التبادل بين الإنسان والطبيعة يصبح‬ ‫الإنسان بسبب حاجاته عبدا لمن بيده سدها أو ناهبا وسالبا له أي مترددا بين العبودية‬ ‫والوحشية في غياب شروط التحرر التي هي معرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها شرطا لسد‬ ‫الحاجات والتبادل السلمي بين البشر‪.‬‬ ‫لكن التبادل السلمي بين البشر غير ممكن من دون التواصل بينهم وهو تواصل لا يكون‬ ‫سلميا من دون العلاقة الأفقية بين البشر وهي مشروطة بالترادع بداية ثم بالنظام الرادع‬ ‫غاية وذلك هو مفهوم الدولة التي هي تعين العمل والشرع في كل جماعة تحمي ذاتها في‬ ‫الداخل وفي الخارج‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪46‬‬ ‫الأسماء والبيان‬