أبو يعرب المرزوقي ابن تيمية وابن خلدون: استئناف النظر والعمل الأسماء والبيان
المحتويات 2 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 8 - -الفصل الثالث 16 - -الفصل الرابع 23 - -الفصل الخامس 30 - -الفصل السادس37 - -الفصل السابع 43 - -الفصل الثامن 48 - -الفصل التاسع 54 - -الفصل العاشر 61 - -الفصل الحادي عشر 67 -
-- قياسا على نظرية ابن تيمية الذي ميز بين العلم الكلي الذي لا يوجد إلا في ما سماه \"المقدرات الذهنية\" ونفاه عما عداه من العلوم التي تدرس موضوعات ذات قيام لا تستمده من العلم نفسه الذي يفترض موضوعا بتقديره الذهني ميزت بين الفنون عامة والآداب خاصة والتاريخ أو قص الموجود الخارجي. لم أضع نظرية في الفن والأدب بل عممت نظرية ابن تيمية في العلاقة بين المقدرات الذهنية وتطبيقاتها .فالمقابلة بين علوم المقدرات الذهنية وعلوم الموجودات التي لا تدين بوجودها للتقدير الذهبي بل مهمة الذهن فيها هي تطبيق التقدير الذهني عليها قيسا لها به لأن قوانينها مجهولة فيعلم الممكن منها بالقياس إلى الحاصل من قوانين المقدرات قابلة للتطبيق على العلاقة بين مقدرات ذهنية من جنس آخر في علاقتها بالتاريخ والإنسانيات نظير علاقة المقدرات الذهنية التيمية بالطبيعيات. وهذا التعميم مكنني من اكتشاف خمس مجالات مختلفة في المعرفة الإنسانية: .1المقدرات الذهنية الرمزية عامة والرياضية التي يكون فيها العلم واضعا للعلم والمعلوم في مجال الضرورة المنطقية. .2المقدرات الذهنية الفنية عامة والادبية خاصة وهي مقيسة على الأولى ولكن في مجال الحرية الخلقية عامة ويترتب على هذين المجالين الأولين الرياضي والأدبي في التقدير الذهني مجالان يطبقانهما هما: .3مجال علوم الطبيعة التي تتأسس على المجال الأول إذا طبقناه على التجربة الطبيعية ذات القوانين الضرورية فرضا أو حقا والتي تطلعنا على معطيات الطبيعة إما فرضيا أو فعليا. .4مجال علوم الإنسان التي تبنى على المجال الثاني إذا طبقناه على التجربة الخلقية ذات السنن الاختيارية والتي تطلعنا على معطيات التاريخ بنفس الصورة. أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- .5والمجال الاخير هو أصل هذه المجالات كلها .وهو قبلها وبعدها في آن أو هو محط بيها إذ إننا نكتشفه بعدها لكننا خلال ذلك الاكتشاف ندرك أنه مضمر فيها جميعا ومن ثم فهو أصلها المقدم عليها على الأقل في الوجود وليس في العلم أو في الوعي به :إنه قيس كل شيء على ما في وعي الإنسان بأفعال من فاعل مضطر ومن فاعل حر. ولهذه العلة فإني اعترف بأني مدين لابن تيمية وابن خلدون بكل ما أحاول التعبير عنه ليس في قراءة القرآن فحسب بل وكذلك في بيان الواحد في الديني والفلسفي إذا تعلق الأمر بما فيهما من ابستمولوجي (نظرية النظر والعقد) ومن أكسيولوجي (نظرية العمل والشرع) بصورة تقطع نهائيا مع الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي. أكسيولوجي (نظرية العمل والشرع) بصورة تقطع نهائيا مع الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي. وقد شرحت القصد بالكاريكاتورين .لكن لا بأس من التذكير بالقصد منهما: .1كاريكاتور التأصيل هو فكر من يتصور علوم الملة معبرة حقا عن فلسفة القرآن الكريم ورؤاه في النظر والعقد وفي العمل والشرع. .2وكاريكاتور التحديث هو فكرمن يتصور تخريف الحداثيين العرب معبرا حقا عن فلسفة الحداثة ورؤاها فيهما خلطا بينها عند كبار مفكريها وبين الإيديولوجيات التي استغلتها لتبرير الاستعمار تنميطاته الحضارية. ولأبدأ بكاريكاتور التحديث عند الحداثيين العرب .فهم كلهم دون استثناء ضحايا النكوص الهيجلي الماركسي للقول بنظرية المعرفة المطابقة في النظر والعقد وبنظرية المطابقة في العمل والشرع بمعنى أنهم يتصورون العلم محيطا والعمل مطلقا .وكلاهما لا يقول به كل من أدرك حدود العقل وحدود القدرة الإنسانيين وهي الخاصية الأساسية لفكر الحداثة والتنوير على الأقل من ديكارت إلى كنط. ومن العلامات التي لا تكذب التعصب النظري والعقدي عند الحداثيين والكراهية المطلقة التي تجدها لديهم للديموقراطية في الأفعال بخلاف ما يصرحون به في الأقوال .ولذلك أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- فحداثتهم لا يمكن أن تكون إلا معتمدة على عنصرية أرواح الشعوب الهيجلة وعلى دكتاتورية الطبقة الماركسية بمن في ذلك ليبراليوهم. فكلهم لهم موقف عنصري من الشعوب التي يعتبرونها قاصرة ويتصورون أنفسهم أوصياء عليهم وهي رؤية هيجلية لأرواح الشعوب التي تجعلها انديجان في مقابل أصحاب المهمة التحضيرية التي تتوهم نخب العرب الحداثية أنها البديل من الاستعمار نيابة عنه في هذه المهمة التحضيرية العنيفة بقوة الدولة. ولذلك فجلهم حلفاء القبائل والعسكر التي نصبها الاستعمار على المحميات العربية لتكون ممثلة لهذه العنصرية المقيتة .ولا فرق بينهم وبين الماركسيين لأن ما يقوله هيجل عن أرواح الشعوب يقوله ماركس عن الطبقات .والليبراليون العرب كذبة لأن أغلبهم أيضا حلفاء إما للعسكر أو للقبائل المنصبين. ولا فائدة من إطالة القول في كاريكاتور التأصيل .فكلهم لهم نفس المواقف .ولكن بدلا من أن تكون مبنية على فكر هيجل وماركس في النكوص الفكري عن نظرية النظر والعقد النقدية وعلى نظرية العمل والشرع المترتبة عليها هم يبنون نفس الوصاية على الشعوب باسم قراءتهم الفاسدة للقرآن والسنة. ومثلما تجد الهيجلي والماركسي في كاريكاتور التحديث العنيف تجد السلفي والإخواني في كاريكاتور التأصيل العنيف .والأربعة يعتمدون العنف بمعنيين عند ابن خلدون: .1عنف التربية المبني على الوساطة إما بين العقل والإنسان أو بين الله والإنسان في النظر والعقد .2وعنف الحكم المبني على الوصاية عليه في العمل والشرع بتعليل ديني عند التأصيليين أو فلسفي عند التحديثيين العنيفين ومزعومين. والوساطة نفاها القرآن لما قال الله للرسول \"إنما أنت مذكر\" بمعنى أنك في التربية لست ذا سلطة على المتعلم .والوساطة نفاها القرآن كذلك لما قال للرسول \"لست عليهم بمسيطر\" بمعنى أنك في الحكم لست ذا سلطة على المواطن .فدور التذكير في التربية من جنس التوليد أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- السقراطي .ودور ال ُحكم من جنس دور ال َحكم المحدد قرآنيا (النساء )58بالأمانة (لأن الأمر أمر الجماعة الشورى )38والعدل علامة الأمانة .فالحاكم نائب مؤقت للجماعة وهو مؤتمن على أمرها مدة النيابة تحت مراقبتها (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض عين وينطبق في كل ما يشمله الأمر). فلا يكون النظر والعقد عندهم في التربية فرض عين ولا يكون العمل والشرع في الحكم عندهم فرض عين بل الأول يصبح تابعا لوسطاء من التحديثي أو من التأصيلي في التربية والثاني تابعا لأوصياء منهما في الحكم :إنها الرؤية التي نكصت إليها الهيجلية والماركسية لتخليهما عن فلسفة النقد للنظر والعقد وللعمل والشرع. وهذا النكوص عودة إلى القرون الوسطى التي كانت تقول بهما لأنها تقول بنظرية المعرفة المطابقة وتدعي أن الوحي والعقل يدركان الوجود بإطلاق ويبنيان عليه النظر والعقد والعمل والشرع ولا يريان مسافة بين الوجود والإدراك الإنساني سواء كان معرفيا أو خلقيا خلافا للعقل وللوحي .لكن القرآن يستثني الغيب والعلم فيه لا يكون محيطا والعمل مطلقا إلا للخالق .وهذان الموقفان هما ما يجعل الأمة اليوم تعاني من داعشين: • داعش كاريكاتور التأصيل. • وداعش كاريكاتور التحديث. ومن لم يلحظ التوازي التام بين مواقفهما سلوكهما في النظر والعقد وفي العمل والشرع لا يمكن أن يفهم عجزهم مثلا عن فهم نظرية عدم التأثيم الخلدونية ومعنى الاجتهاد والجهاد القرآنيين. قدمت للمحاولة بهذا المدخل الذي يبين الفاعلية التفسيرية لحال الأمة لهذه النظرية ذات المجالات الخمسة التي اعتمدت فيها على نظرية ابن تيمية في النظر والعقد وما يترتب عليه في العمل والشرع وعلى نظرية ابن خلدون في العمل والشرع وما يترتب عليها في النظر والعقد لكن غرضي ليس التطبيق. أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- ذلك أني اعتقد أن التطبيق مهم ومهم جدا .لكنه ليس هو مطلبي لأني أومن بأن النظر المطلوب لذاته غاية لذاته أهم من التطبيق لأن التطبيق محدود بظرف معين والنظر يمكن أن يكون أكثر انفتاحا على الممكن دون أن يكون مطلق التحرر من الظرفيات .لكن دورها دون دور التطبيق إغراقا في الخصوصيات. وفي ختام هذا الفصل التمهيدي لنظرية المجالات الخمسة أود أن أحسم إشكالية العلاقة بين الخصوصي والكوني في الفكرين الديني والفلسفي وبصورة أدق في الفكر عامة إذ لا فكر إلا الواحد فيهما أعني طبيعة العلاقة بين الكلي والعيني أو بين ما يغلب عليه التقدير الذهني وما يغلب عليه التعيين الفعلي. فهذه القضية من الأمراض التي سيطرت على فكر الباحثين عن الخصوصية والنافين للكونية متوهمين أن ذلك يحررهم من السيطرة الغربية ولا يدرون أنهم يمضغون خرافة مستمدة من ما بعد الحداثة القائلة بأن الثقافات أرخبيل لا تتواصل جزره إيهاما بأن الحضارات مختلفة وكل منها مردود إلى ما يسمونه سردياته عن ذاته وعن الوجود بمن فيه غيرهم الشعوب الأخرى. وهذه الخرافة تعجب الكثير ممن يريدون أن يتفلسفوا بمثل هذه القشور .ولكن لو سألتهم انطلاقا من نظرية المائدة والسرير وفنيهما كما فعلت بهذه النظرية التي وضعتها لتبين لهم سخفها .صحيح أن المائدة لما تنصب والسرير لما يفتح يكون ما فيه مختلفا ليس بين حضارة وحضارة بل حتى بين بيت وبيت .ويمكن حينها أن نتكلم على الخصوصيات. لكن لو سألنا عما يطلبه البدن في الحالتين ما هو؟ فلا يهم ما نأكل ولا مع من نتناكح وكيف. المهم هو ما الذي يأخذه البدن والذوق من الأكل وما الذي يأخذه البدن والذوق من الجنس .فما يأخذه البدن في الحالتين من المائدة ومن السرير وخاصة من الذوق الغذائي والذوق الجنسي هو الكوني .وهذا الكوني يوجد وراء المأكول والمنكوح في عينه لأن هذين حاملان لحاجة البدن العضوية والذوقية أيا كانت خصوصياتهما العينية .وهي من جنس أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- لون بشرة الإنسان وحجمه ولون المأكول وقيمته في مجتمع بحسب قوانين الاقتصاد أو العرض والطلب. والمعلوم أن هيجل قد استعمل معنى يمكن اعتباره متضمنا مثل هذا المعنى :مفهوم الكلي المتعين .لكنه مختلف تماما عما أقصده .فالمتعين ليس الكلي بل هو أحد وجوهه .إنه المطابقة الظرفية التي له مع تعين ما دون أن يكون إياه .فالكلي هو قانون المتعين الذي يشبه اللسان بالقياس إلى المعاني المنطقية ويشبه الرسم الذي نعمل عليه لعلاج مشكل رياضي نعينه فيه ونعلم أنه عين من الكلي وليس الكلي أو المثال الذي نقدمه لشرح فكره للمتعلم. ولا معنى لسؤال فيم يقوم الكلي :هل هو في الأذهان فيكون ظاهرة نفسية أم في الأعيان فيكون من جنس المثل الأفلاطونية أو في العناية بالمعنى السينوي فيكون في علم الله أو في اللوح المحفوظ كما في الإسلام .ليس لهذا السؤال جواب مقنع :كلها تصورات لمحل قيام الكلي .وعندي أنه أحد تمظهرات الغيب المحجوب الذي يتمظهر في قدرة الإنسان على التقدير الذهني لمعان لها وجه انطباق جزئي على الوجود الخارجي المدرك بالحواس. لذلك فكل من يعتبر الفلسفي أو الديني متعلقا بالخصوصيات يشبه من يتصور الدائرة الرياضية مثلا هي الاعيان التي نرسمها في الاستدلال الرياضي مثلا تيسيرا لتصور المفهوم هي الدائرة الرياضية وهي موضوع الفكر الرياضي .الأشكال للتعيين لا علاقة لها بالكلي المعين بل بتيسير إدراكه لا غير. فإذا سمعت متفلسفا يلح على الخصوصي فاعلم أنه لم يشم بعد رائحة الفلسفة وفضلا عن النظر والعقد وعلاقتهما بالعمل والشرع .فالكلي الذي يعنى به الفكر الفلسفي والفكر بصورة عامة -إذ لا فكر إلا وهو في آن وحدة الفلسفي والديني بمعنى طلب الحقيقة دون ادعاء حيازتها فتكون بما هي فلسفية حب الحكمة وبما هي دينية حكمة الحب-وتلك هي الأداة الوحيدة لإدراك الجزئي والخصوصي والغاية الوحيدة لفاعلية الفكر في المجالات الـخمسة هو جوهر فعل الفكر الإنساني في الدينـي والفلسفي. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- موضوع المحاولة أن ندرس: .1الفاعلية الإنسانية في المقدرات الذهنية وفروعها الأربعة: أي في صنفيها: .2الصنف الذي حدده ابن تيمية (الرموز عامة والرياضيات خاصة). .3والصنف الذي اضفته أنا قياسا عليه (الفنون عامة والأدب خاصة) وفي صنفي تطبيقاتهما أي: .4عالم الطبيعة والضرورة .5وفي عالم التاريخ والحرية. ومن يدرك أن الواحد في الأديان وفي الفلسفات ووحدة هذين الواحدين أي وحدة الديني والفلسفي هو فاعلية الإنسان في النظر والعقد وفي العمل والشرع وهو ما يفسر موقفي من الدين ومن الفلسفة وبوصفهما رؤى لهذين الوجهين من الفاعلية الإنسانية في الرياضيات والأدب وفي الطبيعيات والإنسانيات. وما أريد بيانه ليس رأيي الشخصي فحسب بل ما يترتب على رأي ابن تيمية وابن خلدون لو تمكن قراؤهما من تجاوز الاقتصار على القياسات السطحية طلبا للسبق بالقياس إلى ما يتنافى تماما مع فكرهما. فمثلا ابن خلدون لا يمكن أن يقاس لا بماركس ولا بأوغست كونت ولا حتى بأفلاطون أو بأرسطو .ومثله ابن تيمية .ذلك أن سبق الأول في فلسفة العمل والشرع وسبق الثاني في فلسفة النظر والعقد ليس لهما مثيل كما سنبين في فصول هذه المحاولة. أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- وحتى يكون الكلام متصلا بما تقدم فإن مسألة العلاقة بين الكلي والخصوصي تحتاج إلى مزيد توضيح قبل الولوج في إشكالية المقدرات الذهنية الفنية والأدبية التي أنوي تأسيسها قياسا على المقدرات الذهنية الرمزية والرياضية التيمية لأنها هي التي تمكن من الوصل بين ما سماه ابن خلدون الوجدانيات التي لا تنقال والوجوديات التي تنقال دون الجزم بكون ما نقوله عنها يعني ردها إلى ما ندركه منها. صحيح أن الخصوصي أمر لا شك في وجوده .لكنه من الوجدانيات التي لا تنقال كما بين ابن خلدون في شفاء السائل .فالخصوصي فردي خالص وما يظن جمعيا منه علته توهم ما ندركه من الوجود هو عين الوجود بمعنى أن الكلام في الخصوص الحضاري ناتج عن الخلط بين الرمز الحامل المشترك في حضارة من الحضارات (اللغة خاصة) واعتباره ممثلا لخصوصية في المرموز المحمول (من هنا المبالغة في أهمية الفروق بين اللغات وخرافات هيدجر حول اللغة حتى وإن كنا لا ننفي أهميتها لكن الأهمية ليست في اختلاف اللغات بل في كون الإنسان ناطقا لا غير) .وقد ضربت مثالي المائدة والسرير وفنيهما. وصحيح كذلك أن المائدة والسرير فيهما مشترك حضاري .وقد يكون خصوصيا بمعنى أن الأكلات والاكل والجنسيات والنكاح لهما في أعيانهما أشياء كثيرة متماثلة .لكن ما يـأخذه البدن منهما عضويا وذوقيا واحد للإنسان من حيث هو إنسان .وهو قابل للتحديد الدقيق الكمي والنوعي .وهو الوحيد الذي يمكن اعتباره موضوعا للمعرفة العلمية التي تفسر العضوي الغذائي والعضوي الجنسي في الحياة. والباقي يمكن وصفه والكلام عليه .لكنه لا يفسر شيئا حتى وإن أمكن ترتيبه وبيان التفاضل بينه من خلال توفر ما يطلبه البدن منه لأن الأغذية ليست كلها مغذية بنفس الدرجة وكذلك الجنس ليس كله \"مغذيا\" بنفس الدرجة .وهنا يتدخل الوجهان في المائدة والسرير وما بينهما من تفاعل بحيث يكون العضوي المادي أصلا للدور الكمي والحاجة أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- الكيفية في شروط قيام العضوي في الغذاء وفي الجنس والعضوي الجمالي اصلا للدور الكيفي فيهما بمعنى المفاضلة بين الأكلات وبين الجنس المقابل لدى كل جنس: .1المقوم العضوي المادي في الغذاء والجنس .2المقوم العضوي الرمزي أو الجمالي في الغذاء والجنس. لكن ما يحصل في البدن من حصيلة غذائية وجنسية وخاصة في المستوى الثاني أي مستوى العضوي الرمزي خصوصيته فردية بإطلاق .وهي من الوجدانيات التي لا تنقال أبدا. وليس فيها شركة أصلا بل هي تعتبر متماثلة بقياس الغير على الذات والذات على الغير قياسا عاميا لا علاقة له بالمعرفة ولا بالعلم. أما في المستوى الثاني فالتفاعلات العضوية في البدن المخصوص لا يعلم إلا برده إلى الكليات في فرع علم الأحياء أي الفزيولوجيا المتعلق بالتفاعلات العضوية في بدن مخصوص هو هذا البدن المعين ولا يمكن أن يكون خصوصيا بمعنى الانتساب إلى جماعة أو حضارة بعينها. وأهمية ما أنوي وضعه من مقدرات ذهنية في الفنون والآداب يمكن اعتباره هو بدوره محاولة لجعل النوع المتعلق بالخصوصيات الفردية التي تنتسب إلى الوجدانيات قابلة لمقاربة الظاهرات الوجدانية في الفنون والذوق تكون جنيسة لمقاربتنا للظاهرات الطبيعية في الإدراكات الحسية .فتكون الغاية معاملة الإدراكات الحسية الباطنية مقاربة جنيسة لمقاربتنا الإدراكات الحسية الخارجية .ذلك أن الإنسانيات ليست إدراكات حسية خارجية فحسب ولا تقبل الرد إليها قيسا لعلوم الإنسان على علوم الطبيعة بل لا بد من الوجه الثاني الذي هو المميز الأساسي للإنسانيات بالقياس إلى الطبيعيات. ورغم أن منطلق فكر ابن تيمية ومنطلق فكر ابن خلدون يبدوان متقابلين -لأن الأول ينطلق من النظر والعقد لينظر في العمل والشرع المترتب عليه والثاني بالعكس ينطلق من العمل والشرع لينظر في النظر والعقد المشروط فيه -فإن النتيجة واحدة في المستوى الإبستمولوجي والأكسيولوجي عند الرجلين. أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- وما كنت لأضعهما في القسم التطبيقي من رسالتي الجامعية -دكتوراه الدولة بالمعنى القديم (لا علاقة له بالبي آيتش دي التي هي مناظرة لدكتوراه الحلقة الثالثة في هذا النظام) ولما قابلت فكرهما بفكر أرسطو وأفلاطون الأول للأول والثاني للثاني :إصلاح العقل في الفلسفة العربية من أرسطو وأفلاطون إلى ابن تيمية وابن خلدون (مركز دراسات الوحدة العربية بيروت الطبعة الرابعة). وليس هنا محل لعرض ما تبين من هذه المقابلة ولا ما سأزيده بيانا عندما أنشر ترجمة الميتافيزيقا باعتماد ترجمتها الألمانية التي أفضلها على ما عداها (ترجمة بونيتس من ق )19.لنعلم طبيعة الثورة الابستمولوجية التي أنسبها إلى ابن تيمية (في مقابل أرسطو) وطبيعة الثورة الأكسيولوجية التي أنسبها إلى ابن خلدون (في مقابل أفلاطون). وزبدة هذه المقابلة تجاوز القول بالمطابقة في نظرية النظر والعقد وتجاوز القول بالمطابقة في نظرية العمل والشرع والانتقال من العلم المطلق إلى الاجتهاد النسبي دائما ومن العمل المطلق إلى الجهاد النسبي دائما .وهو ما يعني أن تأسيس التربية والحكم سيكون بالضرورة مبنيا على الحرية وفرض العين. ولا يمكن أن يبنيا على الحرية وفرض العين من دون التحرر من الوساطة في التربية والوصاية في الحكم لأن هذين هما ما يفسد \"معاني الإنسانية\" .وقد اهتم ابن خلدون بأثر الوساطة في التربية وبأثر الوصاية في الحكم عامة في حين أن ابن تيمية اهتم بهما خاصة في التصوف الذي هو تربية وحكم مركزا على نفيه الفرق بين الموجود والمنشود في التربية وفي الحكم (نظرية الحاكم ظل الله في الأرض). وما يوحد بينهما هو إذن نفي رد الوجود إلى الإدراك في النظر والعقد (العلم ليس محيطا) وفي العمل والشرع (القدرة ليست مطلقة) والنفي الأول يحرر من القول بالمطابقة في العلم والنفي الثاني يحرر من المطابقة في العمل وهو ما يؤسس للاجتهاد والجهاد أو لعدم جعلهما فرض كفاية للوسطاء والأوصياء. أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- والوسطاء يزعمون الرسوخ في العلم فيعطفون تأويلهم على تأويل الله في آل عمران 7 سواء قالوا بالعلم اللدني مثل المتصوفة أو بالعلم المطبق مثل الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء ومن ثم فكلهم يتجاوزن مفهوم الغيب وينسون أن الله يقول للرسول \"فذرك أنما أن مذكر (لا وساطة) لست عليهم بمسيطر (لا وصاية)\". والوساطة بين الله والإنسان والوصاية بين الإنسان وأمره هما الكنسية سواء كانت دينية كما في المسيحية أو فلسفية كما في مجلس أفلاطون هي التي تحتاج إلى نظرية الحكم بالحق الإلهي حتى يحصل الحلف بين السلطتين الروحية والزمانية المنافيتين للإنسان من حيث هو \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف\". وإذا كان الرسول الخاتم \"إنما هو مذكر\" فمعنى ذلك أن الإنسان لا يتلقى شيئا جديدا من الرسول بل هو يتذكر ما أنساه إياه سلطان انغماسه في مشاغله المباشرة التي تلهيه عما في فطرته من التجهيزين الذين يجعلانه قادرا بنفسه على النظر والعقد وعلى العمل والشرع فيتبين الرشد من الغي الذي هو الواحد في الديني والفلسفي. وإذا كان الرسول \"ليس بمسيطر\" فمعنى ذلك أن ما يتذكره الإنسان عندما يذكر هو كونه مجهزا للنظر والعقد ومجهزا للعمل والشرع بنفسه وقادر على تبين الرشد من الغي في بعده الروحي والعقلي بحيث يكون حرا ولا يمكن اكراهه فيتحرر من الطاغوت (الوساطة الروحية والوصاية السياسية) ويستثني نفسه من الخسر كما تبين ذلك سورة العصر. وشروط الاستثناء من الخسر هي: .1الوعي بالخسر ثمرة التذكر .2الإيمان الصادق .3العمل الصالح .4التواصي بالحق .5التواصي بالصبر. أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- وبذلك يكون جديرا بالخلافة أي قادرا على حكم نفسه بنفسه فلا يكون له معبود غير الله فيتحرر من عبادة العباد بعبادة رب العباد ومن ثم تنطبق نظرية الحكم كما حددتها الشورى .38 وكما جرت العادة في كلامي على فكر ابن خلدون بإيـراد الشواهد فإني لا أريد أن أقول ابن تيمية بل سأورد أهم شاهد أطنبت في درسه في الضميمة التي ختمت بها ترجمة \"موسوعة\" المثالية الألمانية (نشر الشبكة العربية) التي أشرف على تحقيقها الصديق هنس زندكولر سأورده قبل تبرير قيسي عليه في نظرية الفنون والأدب .يقول ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقيين: \"فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات الذهنية كالعدد (علم العدد) والمقدار (علم الهندسة) لا في الامور الخارجية الموجودة .فإذا كانت مواد القياس البرهاني لا يدرك بعامتها إلا أمورا معينة ليست كلية وهي (ما يدرك) بالحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس و (إذا كان) الذي يدرك الكليات البديهية الأولية إنما يدرك أمورا مقدرة ذهنية لم يكن من مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج .و(إذا كان) القياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية فامتنع حينئذ أن يكون في ما ذكروه من صورة القياس (موضوع التحليلات الأولى) ومادته (موضوع التحليلات الأواخر) حصول علم يقيني .وهذا بين لمن تأمله. وبتحريره وجوده تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف .وسنبين من أي وجه وقع عليهم اللبس .فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل عن الوصف من ا لفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية\" (المنطق مجموع الفتاوى ص.)73-72. وهذا النص الذي مر مرور الكرام في ما قيل ويقال عن ابن تيمية علته توهم نقده للمنطق فيه ما يستحق الذكر أفضل من هذه الفقرة التي كان يمكن أن تكون مدار كل أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- ثورته لو فهمت حقيقة ثورته .ولعل قرائه معذورون لأن هذه الثورة يحول دون إدراكها أمران: • الاول سابق عليها وهو البقاء في إطار الفلسفة القديمة والوسيطة التي كانت تقول بنظرية المعرفة المطابقة. • الثاني لاحق وهو العودة إليها في إطار النكوص الهيجلي الماركسي الذي أعاد القول بنظرية المعرفة المطابقة. ولسوء الحظ فقد يكون لا بين تيمية بعض مسؤولية في ذلك لأن لم ينجز ما أشار إليه فلم يبين أسرار عظائم العلوم التي ألمح إليها ولا ما ينفتح منها من علوم عظيمة ومعارف. وحتى أكون عادلا فلا أظلم الرجل هو بين ذلك .ولكن لمن يفهم انتخابه للمصطلحات التي استعملها والتي غالبا ما لا يدرك من لا يعلم فلسفة أرسطو علما دقيقا يقتضي كما قال هيدجر ناصحا طلبته :ابدأوا بقضاء ما لا يقل عن عشرين سنة لفهم أرسطو ثم خوضوا في الفلسفة بعد ذلك .وهي نصيحة بدأ أرسطو فطبقها على نفسه. فأرسطو الناقد الأكثر صرامة لأفلاطون قضى 18سنة في مدرسته يتعلم الفلسفة لديه رغم أنه كان قد تخرج طبيبا على والده .ذلك أنه كان يعلم أن التمكن من شروط التفلسف ليس كما يتصوره من تسكره زبيبة فيصبح حصرما .ويكفي هنا إشارة إلى مصطلحين استعملهما ابن تيمية الأسرار التي أشار إليها. فأما المصطلح الأول -اساس الثورة التي تنفي المطابقة في نظرية المعرفة القديمة والوسطية التي عادت إليها الفلسفة بعد هيجل وماركس فأدلجت الفلسفة بأن ألغت أساس النقد الكنطي المعتمد على امتناع المطابقة-فهو نظرية البرهان التي يثبت ابن تيمية استحالتها في غير علوم المقدرات الذهنية. ذلك أن البرهان في الوجود الخارجي يتأسس في نظرية ارسطو كما يعرضها في كتاب البرهان -المنطق المادي-تعتمد على القبول بالميتافيزيقا الارسطية التي تقول بالمطابقة بين أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- ما في الذهن وما في العين إذا قبلنا بأن العقل بعد أن يتحرر من اخطاء اللغة والحواس يطابق إدراكه الوجود على ما هو عليه. وهذا من أهم أسباب خلافي مع المرحوم الجابري لأنه حتى وهو في القرن الحادي والعشرين كان يعتقد في إمكانية البرهان بهذا المعنى تبعا لابن رشد ونزله فوق البيان والعرفان وثلاثتها عديمة المعنى في الفلسفة إذا لم تنكص النكوص الهيجلي والماركسي وظلت مدركة للثورة في نظرية المعرفة النافية للمطابقة والتي توصل كنط إلى صوغها في نهاية الفلسفة الحديثة وبداية ما بعد الحديثة بسبب النكوص الهيجلي الذي قضى عليها وختمها ماركس بأن حولها إلى فلسفة عامية سماها المادية الجدلية .وهي التي غرق في وحل سذاجتها فكر التحديثيين العرب المزعومين. فعندما ينفي ابن تيمية البرهان على غير المقدرات الذهنية التي هي وحدها تعالج الكلي والبدهي والعقلي والأولي والعلم المحض أي على كل العلوم التي لها موضوع خارجي فهو يعني أن شيئا ما في الموضوعات الخارجية يحول دون إدراك كلي يكون علما محيطا وهو دائما علم تجريبي غير محيط. فكون معنى ذلك أن في علم المقدرات الذهنية مشكل استحالة الإحاطة غير موجود وإذن فالمقدرات الذهنية هي من \"إبداع\" علمها وليست مثل الموضوعات الخارجية ذات قيام سابق عن علمها الذي يريد إدراكها بما يحصله من ظهوراتها في تجربته الحسية سواء كان مباشرة أو بأدوات الإدراك الصناعية. ومن ثم -وهنا نجد السر الثاني-فعندما ننتقل من التحليلات الأوائل (منطق أرسطو الصوري) إلى التحليلات الأواخر (منطقه المادي أو تطبيق المنطق الصوري في العلوم التي موضوعها ليس من المقدرات الذهنية) فإن البرهان يصبح مستحيلا :لأن من شرط الانتاج المنطقي وجود مقدمة كلية. ولا يمكن اعتمادا على التجربة أن نحصل على مقدمة كلية :فهي دائما استقرائية بحسب ما نحصل عليه من معطيات التجريبية سواء كانت فعلية أو توقعية .فيكون من ثم كل العلم أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- الذي يدرس الوجود الخارجي علما مبنيا على الاحصائي وليس على اليقين الذي يشبه ما نحصل عليه في علم المقدرات الذهنية. أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- والسؤال الآن هو :ما الشيء في الموضوعات الخارجية يحول دون علمنا بها والكلية؟ أو بصورة أوضح ما الذي يجعل علمنا بالأشياء الخارجية لا يكون أبدا كليا أي محيطا بها فيكون مطابقا لها مطابقة تدل على أمرين مستحيلين: .1مطلق الشفافية في الوجود الخارجي .2ومطلق الإحاطة في العقل الإنساني. وما الشيء في الموضوعات الداخلية يحول دون قدرتنا على قولها فتكون وجدانية بإطلاق وهدفا للعمل الفني الذي يعتبر بالقياس إليها العمل العلمي فيحقق التواصل بفضل كلي من نوع ثان من الكلي الأدبي جنيس الكلي الذي نجده في المقدرات الذهنية الرياضية. فنكون بذلك قد اكتشفنا لغة الوجدانيات والإنسانيات الضرورية لاستكمال إدراكنا بالوجودين الخارجي والباطني. والعجيب -وهنا تكمن عبقرية الرجل-اننا نكتشف السر في المقابل :كيف تكون معرفتنا للمقدرات الذهنية كلية وعقلية وبدهية ومحضة؟ المقابلة هي بين الذهني الذي هو ليس موجودا خارجيا سابق الوجود عن فعل إدراكه الذي يقدره فيبدعه بتقديره أو في حدود تقديره ليعلمه .الجواب هنا جواب هناك بالتعاكس. ومن هنا استنتجت أن العقل الإنساني يعلم علم اليقين ما يبدعه هو لا غير فيكون قادرا على البرهان بمعنى أن المطابقة بين العلم والمعلوم شرطها أن يكون العلم مبدعا لمعلومه. لكن لما يكون الموضوع الذي يريد العقل علمه ليس من إبداعه يكون ما بينهما لا متناهيا ولا يمكن قطعه أبدا .وتلك هي كثافة الوجود التي لا يستطيع الإنسان مهما ادعى الإلحاد تصورها غير مخلوقة حتى لو اعتبرها خالقة لذاتها \"كاوزا سوي\". وهذا الما بين بون وجودي في الموضوع وفي الذات .فالعقل ليس محيطا والوجود ليس محاطا من أي موجود إلا إذا افترضناه في نسبة تماثل نسبتنا إلى المقدرات الذهنية .فتكون أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- هذه العلاقة شبه دليل على وجود الله :الوجود لا يحيط به إلا علم الله .علمنا قاصر دائما وهو اجتهاد إذ الوجود فيه غيب محجوب. وينتج عن ذلك أن علمنا اجتهاد دائم التطور ولكن لا يمكن أبدا أن نزعم \"علم الشيء على ما هو عليه\" في ذاته بل نعلمه على ما يناسب قدرتنا المحدودة على علم ما هو ضروري لحياتنا .ويمكن أن نفترض أن كل موجود له مثل هذه العلاقة بالوجود والتي هي ما يمكنه من المشاركة في تنزيل ذاته فيه. فيكون الإنسان أمام المجالات الخمسة التي سبق فحددناها في الفصل الاول بعد أن قست على التمييز التيمي والخلدوني بالمقابل مع أرسطو أبستمولوجيا ومع أفلاطون أكسيولوجيا بين المقدرات والطبيعي والتاريخي .فقست عليهما لتجاوز محاولتهما ببيان أن نفس التمييز ممكن بين المقدرات والفنون والآداب. ويمكن أن أقول إن المقابلة طبيعي تاريخي مع المقدرات الذهنية إبستمولوجيا تناظرها مقابلة بين فنون تشكيلية وفنون أدبية مع المقدرات الذهنية أكسيولوجيا .فالمقابلة طبيعة تاريخ فيها دلالة المقابلة بين قانون الضرورة وقانون الحرية والمقابلة تشكيلي أدبي فيها المقابلة بطبيعة حامل الفن فيهما. فحامل الفن التشكيلي طبيعي بالضرورة لأنه مادة طبيعية (رسما أو نحتا أو كل ما هو تصوير لمادة) وحامل الفن الأدبي إنساني بالضرورة لأنه صورة لسانية (أي كان الجنس الأدبي) وإذن فالأول تقديره الذهني تابع للمقدرات الذهنية الرياضية والثاني تابع للمقدرات الذهنية الميثولوجية (القصصية). فيكون عندنا نوعان من المقدرات الذهنية :التي تؤسس للعلوم وهي رياضية والتي تؤسس للفنون وهي ميثولوجية .وكلتاهما تنطبق على الطبيعيات والتاريخيات بوصفهما من إبداع الفكر الإنساني علما ومعلوما ومن ثم فمعيارهما الوحيد ليس من خارجهما لأنهما مبدعتين للموضوع ولعلمه أو لعمله :هما إذن إبداع خالص لما يدرك به الممكن من الوجود المحسوس ومن المنشود المحدوس. أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- وقد يكون للموجود فيها تأثير كمنطلق .لكن لو بقي هذا المنطلق هو أساسها لأصبحت وصفية لما يدركه الإنسان من الموجود ولا يوجد في أي موجود الطابع المثالي المطلق الذي في الكائنات الرياضية أو في الكائنات الميثولوجية لأنها من حيث هي مقدرات ذهنية ليست مشروطة بالوجود الفعلي المحسوس. يكفي فيهما الوجود الممكن .ولذلك فهما أوسع أفقا من الطبيعة ومن التاريخ وعليهما يتأسس علم الطبيعة وعلم التاريخ وبينهما والطبيعة والتاريخ وسيطان هما كل الفنون التشكيلية وكل الفنون الأدبية .فتكون الفنون التشكيلية والأدبية للإنسان طلبا لكمال المنشود للتعالي بالخلق عن منطق المشهود. فإذا حاكت الفنون التشكيلية الطبيعة بدل الرياضيات والفنون الأدبية التاريخ بدل الميثولوجيا فقدتا أهم مميز للفن من حيث هو فن .وإذا حاكت العلوم الطبيعية الطبيعة بدل إبداع رياضيات عينية والعلوم الإنسانية التاريخيات بدل إبداع ميثولوجيات عينية فقدتا أهم مميز للعلم. كل المشكل بيني وبين علوم الملة هي تعاملها مع القرآن مضاعف .فأولا هي قلبت مبدأي التعامل اللذين وضعهما ما يأمر به وما ينهى عنه في العلم الرئيس أو التفسير .وهي ثانيا حاكته واعتبرته قابلا للاستعمال المباشر لتأسيس علوم الملة الأربعة المتفرعة عن التفسير وهو ما أدى إلى جعل الموجود بدلا من المنشود. فصار المفسر والمتكلم والفيلسوف والفقيه والمتصوف جميعهم يتصور فهمه للقرآن محيط به واستعماله له من جنسه .وأبرز علامات ذلك القياس في الفقه وأقصاه القياس المرسل أو ما يسمى بالمقاصد .ففيه انتحال صفة الألوهية بمجرد التأويل اللفظي وعدم الانتقال من النص إلى آيات الله في الأفاق والنفس موضوعا للبحث العلمي. ونفس المشكل مع الفنون الأدبية العربية قديمها وحديثها .فما يسمونه بالأدب الواقعي وإن كان بما يبدو معاكسا للعلاقة بالقرآن .فهو فاقد للمقوم الأول للمبدئية لأنه مثل علوم الملة محاك لما يسمونه الواقع محاكاة علماء الملة لما يسمونه النص خلطا بينه وبين المدرك أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- من الأمر الواقع بسبب غياب الأمر الواجب منشودا بديلا من الموجود .ولذلك فالآداب \"الواقعية\" لم يكن بوسعها مثل علوم الملة تجاوز المحاكاة الساذجة. وبهذا المعنى فقد كانت علوم الملة وآدابها تخلط بين أحوال النفس والإدراك المباشر الغفل وبين أعماق الروح والإدراك العلمي غير المباشر .فهذان الأمران يبينان عند التعمق فيهما أنه بخلاف أوهام \"الواقعيين\" علوم الملة وآدابها لا تحقق أغراضها إلا بقدر ما تبتعد عن المباشرة وأحول النفس :وذلك هو دور الرياضي في التقديرات الذهنية التيمية والميثولوجي في التقديرات الذهنية التي أقيسها عليها .وبهذا المعنى فهدفي إبداع ميثولوجيا تؤسس للفنون مثلما يبدع أي رياضي ما يؤسس للعلوم. هل كان ابن تيمية وابن خلدون يقصدان ما أحاول استنتاجه من فكرهما؟ ليس ضروريا أن يكون ما استنتجه هو ما فكرا فيه ما يعنيني هو ما فتحاه من إمكانات التفكير في فكر الأمة إذا قرآناهما قارئين لما تتميز به الرؤية القرآنية للمعادلة الوجودية التي استخرجتها من القرآن أصلا لفلسفاته الخمس. فالقرآن أصل لفروع أربعة في نخبة العلم الرئيس (مثل الميتافيزيقا في الفلسفة) الذي يؤسس أربعة فروع اثنان منها يخصان الإيمان والعلم وعلاقتهما واثنان يخصان الأخلاق والقانون وعلاقتهما .ويناظر هذه المقومات لما في الأذهان موضوعاتها في الأعيان هي الكون أصلا وفروعه هي والطبيعة والتاريخ كلاهما برؤية دينية هي جوهر ما في الأذهان وبرؤية فلسفية هي جوهر ما في الأعيان. ومعنى ذلك أن العالم إذا أدركناه بالحواس وصورناه بالمقدرات الذهنية بمعناها التيمي كان لنا الفلسفي .وإذا أدركناه بالحوادس وصورناه بالمقدرات الذهنية التي أبحث عنها قياسا على التي حددها ابن تيمية كان لنا الديني .والواحد بينهما هو الوصل بين الديني والفلسفي في كيان الإنسان العضوي (البدن نسخة من العالم الطبيعي) والروحي (والروح نسخة من العالم التاريخي) والعكس بالعكس إن العالم الطبيعي نسخة من البدن والعالم التاريخي نسخة من الروح. أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- وفي كل الأحوال فلا يمكن لأي مفكر سابق أن يجد في فكره كل ما يطرأ على بال الأجيال الموالية سواء كانوا من ثقافته أو من ثقافات مختلفة حتى لو توقع ما يمكن أن يكون عليه مآل فكره بوعي منه مما فتحه من آفاق الممكن القابل للتوقع في أعماله .المهم عندي هو أني أبقى أمينا لنصوصهما. وكل قراءة لعمل الفكر الإنساني في أي مجال كان لا يمكن أن تخرج عن مقومي المنهج الذي سماه القرآن الكريم منهج \"التصديق والهيمنة\" أي إن الفكر الإنساني من حيث هو إنسان هو دائما عود تجاوزي على بدء فيه دائما بذرات شديدة الخصوبة إذا نظر إليها من حيث ما تفتحه من آفاق الممكن. فإذا طبقنا هذا التحليل انتهينا إلى نتائج شديدة الخصوبة: التفسير من حيث هو العلم الرئيس الذي يكتشف أرشيتاكتونيك علوم الملة لا يمكن أن يكون طلبا لما فيه مما يبدو حقائق مباشرة لأن ذلك من علامات السذاجة المعرفية .لا شيء في الوجود يمكن فهم سره من المباشر فيه .القرآن يقول ذلك. ففصلت تقول إن من أراد أن يتبين أن القرآن حق فعليه أن ينظر في ما يريه الله إياه من آياته في الآفاق وفي الأنفس ولم يقل في القرآن نفسه (فصلت .)53وإذن فالآيات التي هي موضوع العلم ليست الآيات النصية بل الآيات التي يرينها الله في الآفاق والأنفس والتي بعلومها نتبين حقيقة القرآن. ولا توجد في القرآن آية حيرتني بقدر ما حيرتني هذه الآية :وهي تنتهي بالكلام على شهادة الله على كل شيء ما يعني أن شهادته على شهودنا لآياته في الآفاق وفي الأنفس بوصفها ما به نتبين حقيقة القرآن دليل على أن حقيقته هي الفطرة التي تذكر بها الرسالة والتي هي ما رسم في كياننا من قوانين الوجود الخارجي (التي توحي لنا بها حواسنا الخارجية) وسنن الوجدان الباطني (التي توحي لنا بها حوادسنا الباطنية). والمقابلة \"آفاق-أنفس\" هي عينها المقابلة \"أعيان-أذهان\" ومدارك حسية خارجية ومدارك حسية باطنية .فالآيات التي يرينها الله في الآفاق وفي الأنفس هي التي يرينها في أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- الأعيان بالحواس وفي الأذهان بالحوادس .فالأولى ندركها بالحواس الخارجية والثانية ندركها بالحوادس الباطنية .والـمقابلة حواس حوادس من جنس مقابلة بصيرة للبصر وهي على وزنها وتمثل المستوى الثاني من الإدراك الحسي الناقل إلى فعل \"خالق\" لموضوع الإدراك كما يتجلى في الأذهان وفي الاعيان وذلك في كل الحواس :فعندنا سميعة وشميمة وذويقة ولميسة. فما الآيات التي يرينها الله في الآفاق وفي الأنفس؟ القرآن يجيب عن هذا السؤال بوضوح تام :فهو يقول إن كل شيء خلقه بقدر .وهو يقول إن هذا القدر متعلق بموضوع خارجي (المخلوقات) التي ندركها بالحواس .فإذا جمعنا وجدنا ان الآفاق هي ما يعلم بالرياضيات والتجربة لأنها خلقت بقدر (مقدار) وتعلم بالتجربة الحسية البسيطة أو المجهزة. والقرآن يقول إن ما في الأنفس من الآيات سنن لا تتبدل ولا تتحول .وهي بالضرورة مبدعات تشريعية إما إلهية أو إنسانية .والمقدرات الذهنية سواء كانت رياضية أو ميثولوجية هي سنن يضعها الله أو الإنسان وهي في آن خلق للشيء ولسننه أو لآمره .ما يرينه الله من آيات هو قانون الخلق وسنن الأمر .وهذه هي التي ترى في الأنفس خاصة وهي من الوجدانيات التي لا تنقال. والمعجز في القرآن أنه قادر على قولها أو على الأقل على إحداث التأثير الذي يفيد أنه قد لامسها في أنفس المخاطبين وهو تأثير أشبه بالسحر لجمعه بعدي الفن الأسمى أي الرسم والموسيقى .فهو خطاب يرسم ما يتكلم فيه فتكاد تراه مشكلا في ما تحيل عليه العبارة فيحوله إلى إشارة وهو خطاب ينغم ما يتكلم به فتكاد تسمع ما تحيل عليه العبارة فتحوله إلى قيثارة. وإذا كنا قادرين على رؤية ما يرينه الله في الآفاق وفي الأنفس فنحن مجهزون بالحوادس التي تتجاوز الحواس فتتحرر من المظاهر المباشرة إلى ما وراءها من قوانين الخلق وسنن الامر في الوجود سواء كان وجود الطبيعة او التاريخ في الاعيان أو في الأذهان :مجال العلوم والفنون لتبين حقيقة القرآن. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- فتفهم حينها لماذا كانت كل أدلة القرآن في حواراته مع البشر لتذكيرهم ما طلب من الرسول تذكيرهم به هدفها إيقاظ يوجهه إلى النظر في آيات الله المتجلية في الآفاق أي العالم الطبيعي والتاريخي في الأعيان وفي الأنفس وذات الإنسان منهما في مستوييهما ولم يستعمل المعجزات التي يعتبرها للتخويف وتجنبها رغم كثرة المعجزات التي تحداه بها العرب مطالبين الرسول بها حتى لو كانت للإضرار بهم. وتفهم أخيرا أن معجزات القرآن ليست خرق النظام بل بيانه للإنسان الذي غفل عن كون الموجودات خلقت بقدر يدرك بالعقل والحواس ونظمت بأمر هو سنن لا تتبدل ولا تتحول لأنها سنن كونية .وقوانين الضرورة غالبة على الطبيعة وسننن الحرية غالبة على التاريخ والإنسان جامع بينهما فهو طبيعي وتاريخي. أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- لا أنكر أن ما أعرضه في هذه المحاولات قد يؤكد ما تتهم به كتاباتي من كونها عسيرة وليست في متناول القاري .ولا أنكر كذلك أنـهـا محاولات غير ملائمة لهذه الأداة التواصلية .لكني من ذلك اتمسك بالأمرين: .1فالتهمة الأولى المتعلقة بالعسر ليست مبنية على صعوبة الأسلوب بل على كون ما أتكلم فيه ليس من المعتاد .فلست أعرض مضمونا للتدريس الرسمي كما هي العادة في التعليم الذي يعلم الحاصل بل هي محاولات لفتح آفاق جديدة تساعد على فهم القرآن الكريم وفلسفاته الخمس .وقد لا تكون مما يفهم مباشرة وربما قد تكون مما لم يحن وقته وهي من ثمرات الجلي في التفسير. .2والتهمة الثانية المتعلقة بمناسبة الأداة للغرض وجهة نظر لن أجادل فيها .لكني اعتبرتها الأداة التي تمكن من إيصال ما أريد إيصاله لمن أخاطبهم من شباب الثورة بجنسيهم .وأعلم أن اغلبهم ليس قادرا على كلفة اقتناء الكتب ووساطة الناشرين لم تعد ضرورية بالنسبة إلي لأني لا انتظر أدنى مردود مادي من عملي. ولأشر إلى مسألة شديدة التعقيد قد تعلل عسر المتابعة لمثل هذه المحاولات .وهي مسالة غالبا ما يهملها من يتصور الكلمة علامة تحيل مباشرة إلى شيء أو معنى محدد مثل اسم العلم الذي يشير مباشرة للمسمى به مثلما يتصور العملة مجرد نقد ورقي أو معدني يشير مباشرة إلى بضاعة أو خدمة .فإذا فقد هذه العلاقة بين الكلمة ومرجعها الشيء والعملة مرجعها البضاعي (إذا كانت أجنبية وليست نافذة في حالته) يتعذر عليه الفهم ويحمل الكلمة الفشل التواصلي والعملة الفشل التبادلي. لكن الكلمة لا تحيل مباشرة إلى شيء بل إلى تعريف رسمي يتعين بتناظر بين نظام الكلمات المنتسبة إلى مجال معين ونظام الأشياء في ذلك المجال تماما كما أن العملة تشير إلى تحديد قيمي يتعين بتناظر بين نظام تساعير منتسبة إلى مجال معين ونظام بضائع في أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- ذلك المجال .ومن ثم فوراء التناظر الأول علاقات دلالية بالمعنى المعرفي ووراء التناظر الثانية علاقات قيمية بالمعنى الاقتصادي للكلمة .والتناظر الأول هو أساس التواصل المعرفي والتناظر الثاني هو أساس التبادل الاقتصادي .ولا يمكن تصور هذين التناظرين من دون جماعة التبادل وجماعة التواصل. ولولا التبادل بين المشاركين في الإنتاج الاقتصادي والتواصل بين المشاركين في الإنتاج المعرفي لاستحال أن يكون للعملة وللكلمة ما لهما من فاعلية .وأصل التبادل وحدة الحاجات بصورة عامة بين المتبادلين لما يسدها ثمرة لتقاسم عمل إنتاجها وأصل التواصل وحدة الدلالات بصورة عامة بين المتواصلين حول دلالاتها ثمرة لتقاسم عمل إنتاجها. ولذلك وضعت نظرية رمز الفعل أو العملة و\"فعل الرمز\" أو \"الكلمة\" .لكن ما وراء العملة والكلمة هو هذان الإنتاجان وهما مشروطان بالنظر والعقد لمعرفة قوانين الإنتاج المادي الذي يتم تبادله بتوسط \"رمز الفعل\" أو \"العملة\" بدل المقايضة بحضور الأمر الذي يتم تبادله وبالعمل والشرع لمعرفة سنن الانتاج الرمزي الذي يتم التواصل فيه بتوسط فعل الرمز أو الكلمة بدل احضار ما يدول حوله الكلام. وكلا الرمزين يقتضي وضع منظومة تقدير ذهني يمكن من تنظيم تسعير سد الحاجات المادية التي ينتجها تقاسم العمل بالتعاون والاختصاص مع التبادل والتعاوض بصور عامة يكون فيها قيمة عمل كل واحد ذا عبارة رمزية تجعله كليا يصلح للحصول على أي حاجة يريد سدها دون تعيين لما يملك عينيا دون أن يمد من سيأخذها منه بمقابل عيني قد لا يكون مما يحتاجه منه. وما تؤديه العملة في التبادل تؤديه الكلمة في التواصل .وكلاهما يمكن أن يكون موضوعا للثاني .فالمتبادل يمكن أن يكون موضوع تواصل والمتواصل يمكن أن يكون موضوع تبادل. لكن الإنسان لا يعيش في هذين العالمين الرمزين بل إن كل منهما عالم فعلي هو علاقة مباشرة بين البدن والطبيعة قاعدة اساسية للعلاقة التي تحصل بتوسط الإنتاج الاقتصادي والتبادل وتلك هي العلاقة العمودية وعلاقة مباشرة بين الروح والتاريخ قاعدة أساسية أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- للعلاقة التي تحصل بتوسط الانتاج الرمزي والتواصل وتلك هي العلاقة الأفقية .ويوحد العالمين الرمزيين والعالمين الفعلين دائما طلب المنشود المطلق أو ما وراء العالمين الفعليين والعالمين الرمزين أو العلاقتين العمودية والأفقية وهذا الطلب هو علة إبداع المقدرات الذهنية بنوعيها الذي تكلم عليه ابن تيمية والذي أحاول قيسه عليه. ومثل هذه المحاولات ليست من معتاد كاريكاتور التأصيل ولا هو خاصة من معتاد كاريكاتور التحديث الذي هو لا يقل عن الأول ابتذالا ولا يحتاج إلى أدنى جهد لفهمه. كلاهما يتجاوز فكرهم محفوظات إيديولوجية لشعارات عامية .فلا يكفي الكلام على التحديث في الثاني وعلى التأصيل في الأول بما هو ميت أصلا من الشعارات والإيديولوجيا ولا يمكن أن تبعث الحياة بحقن سم الشعارات القاتل. وأما أداة التواصل التي بت أفضلها على كتابة الكتب وجعلها بضاعة لدى دور النشر بين القراء وبين فيدعون ما بوسعي تقديمه صدقة لوجه الله لمن يحب أن يبذل جهدا للخروج من الكاريكاتورين .لكن الدافع أيضا هو الميزة التي فيها :فكل محاولة في علاقة بتغريداتها الجزئية هي قصيدة بأبياتها الجزئية. فمن كان يريد نوعا من أسلوب الإشارات والتنبيهات فسيجد ما يستجيب لما يحب ومن كان يريد نسق المحاولة فهو يجد نوعا من الكتابة الأكاديمية المتحررة من الجهاز الثقيل للتوثيق المعتاد والذي أورد الضروري منه في المتن دون حاجة للحواشي .ولأعد الآن إلى مطلوب هذه المحاولة .فما علاقتها بما أنسبه إلى ابن تيمية وابن خلدون من \"تأسيس للاستئناف ببداية محررة للاجتهاد والجهاد\"؟ رمزا للنظر والعقد بالاجتهاد المتحرر من القول بالمطابقة في الأبستمولوجيا وبالجهاد رمزا للعمل والشرع المتحرر من المطابقة في الأكسيولوجيا. ولأشرح الفرق بين المطابقتين. فأما المطابقة في الأبستمولوجيا فسرها وهم الفلاسفة والمتكملين في النظر والعقد بأن الوجود يرد إلى الإدراك لأن الأول شفاف والثاني نفاذ لكأن البصر يمكن أن يكون حديدا أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- في الحياة الدنيا .وبينت أن التحرر من ذلك بدأ مع الغزالي وبلغ الغاية مع ابن خلدون وكان الوسيط الأعمق بينهما ابن تيمية. ولست غافلا على أن الكلام عن ابن تيمية لا يقبله لا من كانوا يعتبرونه فقيههم حتى بعد أن زعموا أنهم سيجعلون الفلسفة والفكر النقدي مادة في نظامهم التربوي بعد أن كانوا يعتبرونها كفرا ولا خاصة أدعياء الحداثة الذين يعتبرون فقيه الإرهاب لكأن دفاع الإنسان عن معاني الإنسانية لي واجبا. ولو كنت أولي أهمية لموقف الكاريكاتورين ما جعلت همي الأول بيان ما أضاعته الأمة لما عميت بصيرتها عما أبدعه هؤلاء الثلاثة وتوهموا أن المتكلمين والفلاسفة في تحاربهما حول علاقة الإيمان والعلم وأن الفقهاء والمتصوفي في تحاربهما حول علاقة القانون والأخلاق كانوا لسخف القول بالتضاد بينهما. وما كان ذلك يكون كذلك لو لم يكونوا قائلين بالمطابقة جهلا بكون الوجود ليس شفافا وكون العقل ليس نفاذا وكون الوعي بعد الشفافية في الوجود وعدم النفاذ في العقل لا ينفي العلم والعمل بل بالعكس يجعلهما اجتهاد وجهادا وهو المعنى المشترك ف تحقق كيان الإنسان خلال تفتح الوجدان وتحقق الكيان. أما المطابقة في العمل والشرع فرمزه خرافة \"التحسين والتقبيح العقليين\" عند من يتوهم الاعتزال ممثلا للعقلانية بمثل هذه الوهم الزائف .لو كان الوجود شفافا وكان العقل نفاذا لأمكن أن نقبل هذا الوهم فندعي أن تقييمنا بالغ المطابقة ولكان دليل حمق لأنه أصل الإطلاق واساس العنف بين الفرق. فكما أن النظر والعقد اجتهاد فالعمل والشرع جهاد وكلاهما المطلوب فيهما الجهد بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر وليس المطابقة مع حقيقة في ذاتها وقيمة في ذاتها وهما من حيث كونهما في ذاتهما لا يعلمها إلا الله وحده دون سواه إن آمنا به أو لا يعلمان إن لم نؤمن به :الإيمان أو اللاأدرية. أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- والإيمان لا يؤدي إلى العنف بين الفرق لأنه مصحوب بصفتين :فهو مصحوب بهذا الحرز القائل إنه حكم معرفي أو خلقي لا يدعي صاحبه الإطلاق بل يتواصى فيه بالحق معرفة وبالصبر عملا .ولا يفعل إلا لأنه مؤمن ويعمل صالحا لأن هذه الصفات الأربع هي فروع الوعي بشروط الاستثناء من الخسر. لكن لما يدعي كاريكاتور التأصيل أن الوحي أعطاه الحقيقة النهائية وينسى أنه يفرض عليه الإيمان بالغيب وعدم الزعم أن علمه محيط أو كاريكاتور التحديث لما يدعي أن عقله يحسن ويقبح مدعيا أمرين كلاهما مستحيل وهو أن القيم صفات ذاتية للأشياء ويؤسس عليها أحكامه فلكأنه رب يشرع للإنسانية. لكن التواصي بالحق يجعل النظر والعقد ثمرة للتواصي بين الباحثين عن الحقيقة وذلك هو الاجتهاد .والتواصي بالصقر يجعل العمل والشرع ثمرة للتواصي بالصبر وذلك هو الجهاد .وكلاهما عمل جماعي يبلغ الذروة في الآية 38من الشورى بجعل الأمر أمر الجماعة تسيره بشورى الجماعة. ولو لم يكن النظر والعقد اجتهادا وليس علما محيطا ولو لم يكن العمل والشرع جهادا وليس عملا مطلقا لاستحال أن نفهم ذلك أولا ثم أن يكون الدين مما لا إكراه فيه ومشروطا بتبين الرشد من الغي في الغاية وبالتعدد الديني شرطا للتسابق في الخيرات بداية :لكن كل هذه المعاني علوم الملة الخمسة. ولهذه العلة تكلمت على الاستئناف .فعندما تحرر الفكرين الديني والفلسفي من الصراع حول علاقة النظر والعقد وتحرر الفكرين لفقهي والصوفي من الصراع حول علاقة القانون والاخلاق تصبح هذه المعاني الأربعة متصالحة وهي التي تصل بين النظر والعقد وبين العمل والشرع. وأقل الناس فهما لهذه المفهومات الاربعة -النظر والعقد والعمل والشرع-هم من يتصورون أنفسهم فلاسفة ومتكلمون وفقهاء ومتصوفة وخاصة بين أدعياء الحداثة :فهم أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- يتصورون أن العقد ديني وأن الفلسفي لا عقد فيه ويتصورون الفلسفي عقلي وأن الديني فلا عقل فيه .فيقابلون بحمق بين عقل ونقل. لا يفهمون أن الفلسفي والعلمي كلاهما يبدأ بالنقلي وينتهي إلى النقلي حتى وإن بدا عقليا .فهو يبدأ بالنقلي على الأقل عقدا في وجود الموضوع وفي قابليته للعلم وفي وجود العقل وفي أنه يعلم .وهو ينتهي إلى أن ما يقبله من نتائج بحثه يقبله لأنه يعتقد انه ما يطلبه فيه وعلامته قبول العلماء. وإذن يمكن القول إن بداية العقل وغايته عقد أو بصورة أدق مساءلة الموجود والواجد مساءلة تفحص العلاقة بين الموضوع والذات بعد التسليم بوجودهما وتواضع العلماء على ما به يبدؤون ما إليه ينتهون .والآن لا يمكن تصور الدين نقلا بدون عقل :فما ينقل في الدين هو أجوبه عن أسئلة من نفس الجنس. وقد يظن أن النقلي الديني غير النقلي العلمي لأن فيه الماورائيات والغيب .وأولا الدين فيه اعلام بوجود الغيب أو بحدود علم الإنسان وليس فيه علم بالغيب الذي هو محجوب حتى على الرسل فيكون النقلي في الديني قد كان مختلفا عن النقلي في الفلسفي لما كان الفلسفة تتوهم أن علمها محيط ومطابق. لكنها لما تبين لها الرشد أدركت أن علمها ليس محيطا وأن الوجود ليس شفافا والأهم أن ما تتسلمه بداية وتنتهي إليه غاية هو بدوره ليس مقصورا على ما يقبل الدليل العقلي لأنه في أقصى حالة من الشك يبقى فرضيا وفي أقل حالة منه يسلم على أنه مما ليس منه بد للبدء وللختم في البحث. ولا توجد فلسفة قديمة كانت أو وسيطة أو حديثة أو معاصرة أو ما بعد حديثة ومعاصرة يمكن تصورها من دون ماوراء الإدراك العلمي والإدراك القيمي أو من دون ميتاابستمولوجيا وميتااكسيولوجيا أي إنه تتساءل عن اسس النظر وموضوع وأسس العمل وموضوعه .وهو المشترك الواحد بين الديني والفلسفي. أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- وحتى لو قلنا بالنيتشوية وبالسرديات التي ليس لها مرجعية وراءها (أي إنها دوال دون دلالة) لكانت هي بدورها من حيث دوال دون دلالة أو مبدعة لذاتها دالا ومدلولا وما بينهما من وصل هو المؤول بمعناه في سيميوتكس التثليث موضوعا له ما وراء تسأل عنه فلا تكفي بذاتها. ولولا ذلك لما احتاج نيتشة لكتابه هو ذا الإنسان عن نفسه أو لوضع الإنسان الأرقى تعويضا عن الما وراء الذي ظن نفسه قد تخلص منه في حين أنه اكتفى بقلب الترتيب :قلب الأفلاطونية فما كان نسخا صار أصلا وما كان أصلا صار نسخا في الرؤية الافلاطونية ورغم تبجحه فهو مجرد فريع من هيجل. والفرق الوحيد هو استغناء هيجل عن مرض تضخم الذات .وكل الميالين لخرافة الذات الإنسانية المبدعة لعالمها بوصف ذلك فن مطلق لا يختلف عما سماه ابن خلدون \"حب التأله\" الذي مثل له بالتصوف وخاصة تصوف الوحدة المطلقة وبالحكم المستبد الذي يتربب صاحبه وبكل ادعياء العبقرية في كل مجال. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- امران قد يفسدان على هذا القياس الذي أحدثت بفضله مقدرات ذهنية من جنس ثان غير الذي تكلم عليه ابن تيمية: .1الأول هو الفهم الخاطئ لكلمة ميثولوجيا التي قد تظن ما يعنيه القرآن عندما يتكلم على من يعتبرونه أساطير الأولين في حين أنها في دلالتها الأساس هي جنس من قص الرؤى الوجودية عامة. .2الثاني هو الخلط بين الرؤية التوجيهية في القرآن والبحث عن متن للعلوم فيه بحثا حرف القرآن وأقعد العقل .فالقائلون بالإعجاز العلمي يقعون في هذا الخطأ القاتل الذي يتنافى تماما مع القرآن لأنه يخلطون بين السبابة التي تشير والمشار إليه بها .القرآن يشير إلى حيث نكتشف آيات الله في الآفاق وفي الأنفس وهو يبحثون عنها في الآيات النصية. لكني في هذه المحاولة لن أهتم بهذا الأمر الثاني فقد أوليته ما يستحق من البحث في غير موضع .سأركز على الأمر الأول .فـما يعنيه هنا القرآن هو مضمون هذا الأسلوب وليس الأسلوب ذاته لأنه يعني عرض الرؤى الوجودية بالقص وهو أمر يستعمله القرآن .لكن المضمون في القرآن ليس قصا إنسانيا بل هو قص إلهي يذكر بمضمون الفطرة وليس قصا إنسانيا يستعمل نفس الاسلوب القصصي لعرض الرؤى. المضمون الذي تقاس عليه مضامين القرآن هو المقصود بأساطير الأولين لأن اسطورة باليوناني هي الحبكة القصصية التي يصنعها الإنسان ومن ثم فلا علاقة للميثولوجيا التي اعتبـرتها مقدرات ذهنية أصلا للفنون قياسا على الرياضيات التي هـي مقدرات ذهنية أصلا للعلوم وهي ذات صلة بالقرآن الكريم المذكر بأصل الأصلين اعتمادا على الأسلوب القصصي الدرامي (عرض أفعال وليس اقوال) .وما أعنيه بأصل الأصلين هو التذكير بما في الفطرة مما سـمـيته الفلسفات الخمس: أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- .1القرآن نفسه من حيث هو تذكير بالواحد الديني الفلسفي علما رئيسا أو ارشيتاكتونيك تتفرع عنه الفلسفات الأربع الباقية أي .2فلسفة العالم الطبيعي .3وفلسفة العالم التاريخي .4وفلسفة الطلب الأبتسمولوجي .5وفلسفة الطلب الأكسيولوجي. وهي جمعا رؤى وليست علوما وتلك هي علة رفضي ما يسمى بالإعجاز العلمي .فالرؤى سابقة ولاحقة بالعلوم .هي سابقة بوصفها مؤسسات لأفق رؤية الإنسان لآيات الله في الآفاق وفي الانفس ولاحقة بوصفها مؤسسة لغايات وجود الإنسان فيهما ومن ثم فهي عين مضمون الفطرة كما يعرضها القرآن الكريم. وهو يعرضها بالأسلوبين :السرد القصصي والسرد المنطقي وهما غاية لا تدرك .لكن الإنسان بفطرته يقيس عليهما فيضع رؤى عوالمية هي المقدرات الذهنية الميثولوجية والمقدرات الذهنية الرياضية .وهذه رآها ابن تيمية وتلك قستها عليها .والاولى لا علم من دونها والثانية لا عمل من دونها .والفنون جامعة. ومعنى الفنون جامعة هو أنها في بعدها التشكيلي تحتاج للمقدرات الذهنية الرياضية وفي بعدها الأدبي تحتاج إلى المقدرات الذهنية الميثولوجية .وهذه مقدمة على تلك بمعنى أن الرياضية هي نفسها ميثولوجية لكن شخوصها مفهومات وليست كائنات حية .الشخوص في هذه درامية والمفهومات في تلك منطقية. وهي مقدمة: • لأنها تتجاوز الزرد المنطقي إلى السرد القصصي الذي يفتح آفاقا أوسع فيحتوي على ما يخرج من غربان المنطق الذي لا يرى إلى التلازم المنطقي في حين أن الوجود أوسع منه بدليل أن كل الاحداث التي نراها لا يمكن حسبانها ويبقى دائما اللامتوقع فيها وجودا ودورا. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- وهي مقدمة: • لأن ما بين ما يمسك به منطق الضرورة وما يحدث فعلا في الوجود رغم أنه يبدو غير منطقي في الزرد ليس خاليا من منطق من جنس آخر يفترضه السرد وراء الزرد الإنساني ويعتبره زردا منسوبا إلى كائنات أسمى من الإنسان هو آلهة الأديان الطبيعية وإله الوحدانية. ما يرفضه القرآن من تهمة \"اساطير الاولين\" مضموني بمعنى أن قائليها لا يقصدون الأسلوب السردي بل المضمون المسرود .وما أعنيه بالميثولوجيا التي أقيسها على الرياضيات من حيث كونهما مقدرات ذهنية أسلوبي وليس مضمونيا لأن الرياضيات أسلوب زردي وليس مضمونا أسطوريا. فيكون القصد بنوعي المقدرات الذهنية هو أسلوب السرد الميثولوجي دون مضمون اسطوري لكنه درامي أي متعلق بالأفعال واسلوب الزرد الرياضي دون مضمون اسطوري لكنه منطقي أي متعلق بالمفهومات .الأول سرد لأفعال هي علاقات بين شخوص والثاني زرد للوازم مفهومات هي علاقات منطقية. فتكون المقدرات الذهنية الميثولوجية مرسومة في روح الإنسان أو زمانه وتكون المقدرات الذهنية الرياضية مرسومة في بدن الإنسان أو مكانه :العرض القصصي لأسرار الوجود المعنوية في الروح لأنها زمانية وموسيقية بالجوهر والعرض الرياضي لأسرار الوجود المادية في البدن لأنه مكاني وتشكلي بالجوهر .فطرة الإنسان مثلها مثل القرآن نسخة من اللوح المحفوظ وهي جوهر الإنسان ومضمونها هو ما سميته المعادلة الوجودية بقلبها وطرفيها المضاعفين كليهما كما عرضتها سابقا وكما أذكر بها هنا مرة أخرى. ويمكن القول بصورة رمزية إن الإنسان هو الكتاب الأول أو نوع الكتابة الأولى التي يمكن أن نجد فيها كل اسرار الوجود .لكنه ليس مجرد كتاب يقرؤه غيره بل هو الكتاب الذي يقرأ نفسه ويقرأ كل ما عداه .وقد أجازف فأقول إن ذلك هو السر في كونه مستخلفا وهو ما رمزت إليه آية الاستخلاف عندما تكلمت على تعليمه الأسماء كلها بمعنى أن أسماء أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- الموجودات كلها أي قوانينها مرسومة في كيانه ومرسوم فيه السعي الدائم لمعرفتها دون إحاطة وللعمل بها دون إطلاق. والرسول \"إنما هو مذكر\" بمعنى أنه يوقظ بالتربية هذه المفطورات في الإنسان .و\"ليس عليهم بمسيطر\" بمعنى أنه يوجه بالحكم سلوك الإنسان بالوزع الخلقي والقانوني .وبذلك ندرك علة كون القرآن لا تتبين حقيقته في نصه الذي يؤدي وظيفة الإشارة المذكرة بل في ما يشير إليه أي إن حقيقته تتبين في الآيات التي ينبغي أن نطلبها من الآفاق (قوانين الطبيعة وسنن التاريخ) وفي الأنفس (النظر والعقد والعمل والشرع). أما الأمر الثاني بعد الفهم الخاطئ لكلمة ميثولوجيا والذي حاولت بيان المقصود منه لتنزيل القرآن فوق نوعي التقدير الذهني -الرياضي والفني-مع كونه فيه ما هو مثلها- عرض للحقيقة في شكل قصص تعرض رؤية عرضا دراميا وليست علما ولا عملا ولا فنا بل هو شرطها وغايتها بمعنى كونه تذكيرا بالفطرة من حيث هي أصل لأفعال الإنسان ولقيمه المرسومين في كيانه البدني والروحي. وذلك هو معنى المعادلة الوجودية التي وضعتها والتي أريد التذكير بها .فلا يوجد انسان في العالم لا يشعر أنها عين ما رسم في كيانه حتى وإن أنكره بدليل حاجته إلى تعويضه بما يعتبره بديلا منه .وتتألف هذه المعادلة من نواة موجودة في قلبها يتلازم فيها ذاتان آلهة ومربوبة هي الإنسان ومألوهة ورب هي الله. وطبعا ليس ضروريا أن تسمى الذات الثانية الله أو الرب فهي في كل الأحوال الذات التي تشعر ذات الإنسان بأنها فوقها أو بأنها مثالها الأعلى أو بأنها تتمنى لو كانت هي أو بأنها ما تدعيه عندما تطغى سواء بالسلطة أو بالمال أو الجاه أو بالعلم أو بالقدرة أو بالفن أو بأي شيء تشعر أنه منشودها. فإذا التفتت الذات إلى ما قبلها وجدت العالم الطبيعي الذي تشعر أنها حبيسة فيه وقائمة بما تستمده منه .لكنها في آن تضع ملازمها في القلب قبله بوصفه هو الذي خلقه أو نظمه أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- سواء كان مفارقا له أو محايثا فيه .وإذا التفت إلى ما بعدها وجدت العالم التاريخي الذي تشعر أنها كذلك حبيسة فيه وقائمة به. وتضع في آن كذلك ذاتها بالنسبة إلى العالم التاريخي موضع ملازمها بالنسبة إلى العالم الطبيعي فتعتبرها أصلا له إما مفارقة له أو محايثة فيه .فيصبح بين الذاتين المتلازمتين شبه تمانع بين آله ومألوه وبين مربوب ورب كلاهما لا يتصور ذاته إلا بهذا التلازم التنافسي :كذلك يتكلم الله على الإنسان والإنسان عن الله في القرآن نفسه. فما يشكو منه الإنسان عند كلامه على الله وخاصة في ملامسته للإلحاد أو في ما يشعره بأنه يكاد يلحد أو يلحد هو شكواه مما يعيبه على الله في نقائص خلقه مثل الشر والظلم سواء كان صادرا عن العالم الطبيعي أو عن العالم التاريخي يتفوق عليه شكاوى الله من نقائص الإنسان التي يمتلئ بها القرآن. وما تجده من التلاوم بين الآله والمألوه تجد أكثر منه من التمادح بينهما :فالمؤمن شكور ومحب والله ينزل الإنسان منزلة فوق الملائكة ولذلك اجتباه واصطفاه واستخلفه واستعمره في الأرض .لكن الأهم من ذلك كله جهزه ليكون يكون قادرا على أن يكون أهلا للاستخلاف وذلك هو موضوع الفلسفات الخمس. وما أعرضه هنا ليس من تأليفي بل هو عين مضمون التذكير .فهو يذكر بالفطرة أصلا للأصول الخمسة أي بنيتها هي بنية القرآن وهي المعادلة الوجودية التي وصفت حيني هذا. ومنها تتفرع الفلسفات الأربع الجزئية لأن القرآن هو الفلسفة الكلية المؤسسة للأربعة الفرعية :القرآن هو التذكير بالفطرة التي تصل بين آيات الله في الآفاق وفي الأنفس وعنها تتفرع الفلسفات الجزئية الأربعة. وهذه الفلسفات الفرعية هي :فلسفة الطبيعة أو الخلق وقوانينه رياضيه تجريبية لعالم الضرورة وفلسفة التاريخ أو الأمر وسننه سياسية تجريبية لعالم الحرية (أي خلقية). ويصحب فلسفة الطبيعة فلسفة النظر والعقد ويصحب فلسفة التاريخ فلسفة العمل أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- والشرع .وهذه الفلسفات ليست علوما بل هي رؤى مرسومة في فطرة الإنسان بوصفها شروط قيامه وبقائه. ولا يمكن تصورها مكتسبة اكتسابا مطلقا بنظرية اللوح الخالي من الكتابة -تابولا رازا- إذ حتى في هذه الحالة فينبغي أن يكون الإنسان مستعدا لاكتسابها والعالم مستعدا ليكون متضمنا لفرص إيصال الإنسان لاكتسابها فنعود إلى كونها مرسومة في الآفاق وفي الأنفس. والرسالة تكتفي بالتذكير بها لتؤسس: .1للنظر والعقد وتطبيقاته شرطا لمهمة الإنسان الأولى بوصفه مستعمرا في الأرض. .2وللعمل والشرع وتطبيقاتهما شرطا لمهمة الإنسان الثانية بوصفه مستخلفا فيها. ولذلك فليس أسخف ممن يقول الدين مغن عن الفلسفة والقرآن محتو على كل العلوم. فهذان الفكرتان هما سر تخلف الأمة .الدين معد إلى الفلسفة والقرآن داع إلى العلوم. فلا يمكن أن يكون مدونة علمية مغنية عن التكليف في النظر والعقد وفي العمل والشرع في حين أنه يحول دون استمداد ذلك من تفسير آيات نصوصه لما فيها من متشابه (آل عمران )7ويوجه إلى آيات الله في الآفاق والأنفس حيث ينبغي طلب حقيقته التي تتبين فيها (فصلت .)53 ولنعرض الآن هذه الرؤى الفرعية .الرؤية الفرعية الأولى هي فلسفة الطبيعة من حيث الخلق المعتمد على المقدار الرياضي .والذي يدرك بالملاحظة التجريبية أي بالحواس وأدوات الإدراك الحسي التي يمكن للإنسان أن يصنعها بفنون رياضية تقوي فاعليتها (مثل علم المناظر للبصريات وعلم الأصوات للسمعيات خاصة) .وفيها رؤية فرعية ثانية. وهذه الرؤية الفرعية الثانية هي فلسفة النظر والعقد .ومعنى ذلك أن رؤية الطبيعي مصحوبة برؤية نظرية المعرفة والعقد .وهو تلازم لا يمكن أن تغفل عنه البصيرة عند قراءة القرآن لأن الكلام على نظام العالم الطبيعي مصحوب دائما بالدعوة إلى ما يشبه الملاحظة العلمية لحضور هذا النظام بالحواس وبالعقل. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- ولا يمكن أن توجد معرفة عقلية للنظام أفضل من الرياضيات والقرآن يعتبر الخلق بقدر ولا عقد فيه أفضل من الحسيات والقرآن يدعو لاستعمال الحواس في إدراك نظام السماء على الأقل .فالإنسان مهما فعل لن يجد شيئا يمكن أن يصدقه أكثر مما يصدق حواسه حتى صار الموجود عنده هو المحسوس. ولا يهم إن كان المحسوس محسوسا بالفعل ومباشرة أو بالقوة وبصورة غير مباشرة .ولذلك فلا يوجد من يشك في هذا العالم المحسوس وقليل من يصدق بنفس اليقين وجود عالم آخر مثل الآخرة .وهذا إذن من علامات التلازم بين فلسفة الطبيعة وفلسفة النظر والعقد. وهما الفرعان الأولان من الالتفات الأول. ها نحن قد وصلنا إلى بداية البحث في الفرعين الثانيين من الالتفات الثاني في المعادلة الوجودية بعد نواة التلازم نبين الآله والمألوه التي هي قلب هذه المعادلة .فما نلتفت إليه هو فرع فلسفة التاريخ التي هي فلسفة العمل والشرع والإنسان من ورائها .ويوجد تناظر بين الطبيعة وما بعدها والتاريخ وما بعده في الخارج (الآفاق) وبين نظرية النظر والعقد ونظرية العمل والشرع في ذات الإنسان (الأنفس) .وفي الحالتين النواة (الله-الإنسان) تكون محايثة أو مفارقة. أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- نجد نفس النسبة بين التاريخ موضوعا والعمل والشرع قدرة ذاتية للتفاعل معه فعلا وانفعالا التي وجدناها بين الطبية موضوعا والنظر والعقد .قدرة ذاتية للتعامل معها فعلا وانفعالا وطبعا فالتعامل مع الطبيعة ضوري في التعامل مع التاريخ والعكس بالعكس لأن الإنسان طبيعي وتاريخي في آن. ومن هنا استنتجنا أهم علاقتين تميزان الوجود الإنساني :العلاقة العمودية بين الإنسان والطبعية والعلاقة الأفقية بين الإنسان والتاريخ .فالعلاقة الاولى يستمد الإنسان بفضلها مقومات وجوده العضوي من تعمير الأرض والعلاقة الثانية يستمد الإنسان بفضلها مقومات وجوده الروحي من الاستخلاف فيها. ما أنسبه إلى ابن تيمية وابن خلدون من دور في الاستئناف هو أن رؤيتيهما من خلال إعادة تأسيس الاجتهاد بنظرية النظر والعقد والجهاد بنظرية العمل والشرع هي التي ستجعل الأمة تتدارك اهمالها لما بين تعمير الأرض والاستخلاف فيها من تلازم دائم .ولا يكون ذلك من دون هذه الفلسفات التي هي رؤى وليست علوما. ومعنى كونها رؤى وليست علوما مضاعف :فهي فتح لأفق يمكن بمقتضاها أن تصحب العلوم ممكنة .فعندما نحدد رؤية لفلسفة الطبيعة ولازمها فلسفة النظر والعقد يصبح علم الطبيعة ممكنا وتطبيقه محققا لتعمير الارض .وعندما نحدد رؤية لفلسفة التاريخ ولازمها فلسفة العمل والشرع يصبح علم التاريخ ممكنا ويصبح تطبيقه محققا للاستخلاف .وبذلك يكون الاستئناف في آن تداركا لنقائص الماضي واستكمالا لشروط المستقبل .وحينها لا يوجد علم محيط ولا عمل مطلق فلا يوثن الماضي بأن يعتبر ثابتا لا يتغير بل يصبح منفتحا على التغيير الدائم بمقتضى قانون أبعاد الزمان الخمسة التي وضعت نظريتها. فما يظن ثابتا من احداث الماضي لا يثبت إلا بموت حيوية أحاديثه .وما أن نعيد الحيوية لأحاديثه حول أحداثه بتأويل ملتفت إلى المستقبل حتى تنفجر الينابيع من جديد فيسيل أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
-- نسغ الحياة فيها فيتوجه الماضي نحو المستقبل بخلاف ما تعيشه الأمة حاليا من توجه المستقبل نحو الماضي أهليا كان أو أجنبيا. وحينها يصبح حديث المستقبل المخطط لأحداثه ليس مجرد أماني بل استراتيجيات فعلية لن يكون حدثها دون وعود حديثها بل هي ستكون دائما مقصرة بالقياس إلى ما سيتفوق به الحدث الحديث .وبذلك ننتقل من كوننا أمة أقوال إلى كوننا أمة أفعال والمعلوم أن الفرق بينهما علة المقت الإلهي الأشد. وحينها يكون الحاضر مرجلا يغلي فيه حدث الماضي الذي أحياه حديثه وحديث المستقبل الذي سيحييه حدثه فتكون الأمة قد استعادت عنفوانها وهو ما أقصده بالاستئناف .لكن ذلك مشروط بأن يكون النظر والعقد قد أصبحا اجتهاديين والعمل والشرع جهاديين فنتخلص من وهم الإحاطة في المعرفة والإرادة. والآن إذا عدت إلى علوم الملة الخمسة :التفسير أصلا للفروع الأربعة أي الاثنين المتعلقين بالنظر والعقد (الكلام والفلسفة) والاثنين المتعلقين بالعمل والشرع (الفقه والتصوف) فماذا أجد؟ تخريف لا يمكن من تعمير الأرض ولا من الاستخلاف فيها :طلب السلطة على الإنسان وليس طلب شروط تحريره من سلطان الطبيعة وسلطان التاريخ عليه. فالكلام والفلسفة لم يتجاوزا وضع الموروث اليوناني وتوظيفه في صراع جدلي حول علاقة الإيمان بالعلم دون إيمان وعلم لأن القصد ليس علاج العلاقة العمودية بين الإنسان والطبيعة وضمنه ما وراءها بل هم قفزوا مباشرة إلى ما ورائها دون النظر فيها بما يمكن من علاج شروط بقاء الإنسان فيها. فليعد أي قارئ نزيه إلى علم الكلام والفلسفة في تاريخنا .هل يجد فيهما علاجا مفيدا لعلاقة الإنسان العمودية بالطبيعة علاجا يمكن من سد حاجاته التي هي غاية تعمير الارض؟ إن وجد شيئا عدى بعض الأمثلة المستمدة من التراث اليوناني والواردة كأمثلة في أعمال ارسطو فإن كلامي فيه ظلم شديد. أبو يعرب المرزوقي 38 الأسماء والبيان
-- وليكن عمل من احتكمت إليه بهذه الدعوة يسيرا ولينظر في غاية ما وصل إليه الكلام والفلسفة في القرن الثاني عشر -السادس أي في قرن الأربعة الكبار :ابن رشد والسهروردي والرازي وابن عربي .فإذا تأكد من أن الغاية هي كما وصفت فلا فائدة من النظر في البداية :هم رمز هذا العقم في تعمير الأرض. ابن رشد يعتبر النظر والعقد مطلقين أعني ما اعتبره الفارابي اكتمال العلم الذي لم يبق إلا أن يتعلم ويعلم أي فلسفة أرسطو التي هي من القرن الرابع قبل الميلاد وذلك لتوهمه أن العلم محيط ويمكن أن يكون نهائيا لقوله بالمطابقة .والسهرودي يذهب إلى أبعد بالعودة إلى أفلاطون أساطير المجوسية. وليس بالصدفة أن يكون الأول فقيها والثاني متصوفا ما يعني أن العمل والشرع يوافق هنا النظر والعقد وكلاهما عقيم في رؤية العلاقة العمودية مع الطبيعة تعميرا للأرض وفي رؤية العلاقة الافقية مع التاريخ استخلافا فيها :إنهما رمزا جمود المدرسية الفلسفية الفقهية والمدرسية الفلسفية الصوفية. ولنأت الآن إلى المتكلم المتفلسف (الرازي) والمتصوف المتفلسف (ابن عربي) الممثلين لجمود المدرسة الكلامية المتفلسفة والمدرسية الصوفية المتفلسفة .وهؤلاء يحاولان أن يرقعا رؤيتهما المزعومة إسلامية بخرافات العهد المتأخر من الفكر اليوناني الذي انحط وأصبح ميالا إلى الشعوذة المتعامقة. وإذن فالفكر الكلامي والفلسفي والفقهي والصوفي تجمد لما بلغ مرحلة المدرسية التي باكتمالها المربع الذي وصفت وصلت إلى مرحلة الانسداد التام .فلم يكن بد من تجاوزه بهدم أصليه الأرسطي والافلاطوني هدما مطلقا وهو ما قام به ابن تيمية في النظر والعقد وابن خلدون في العمل والشرع .وطبيعي جدا ألا يقبل \"مؤرخو\" علوم الملة سواء كانوا من التأصيليين أو من التحديثيين هذه الرؤية لعلتين: أبو يعرب المرزوقي 39 الأسماء والبيان
-- .1لأنهم يعتبرونها هدامة للتراث فيزعم التأصيلي أنها دليل تبن لموقف يتهم صاحبه بالاستشراق. .2ولأنهم يتصورون التغير النوعي في رؤى الفكر فزعم التحديثي أنها تبين لموقف يتهم صاحبه بالاختلاق. فصورة هذين الرجلين شوهت إلى حد لا يعقل لأن الصفين ينطلقون بوعي أو بغير وعي من النكوص الهيجلي الماركسي أي من القول بالمطابقة في النظر والعقد وبالإطلاق في العمل والشرع. ومن عجائب عمل ابن تيمية وانب خلدون هو أن الأول أنهى الأرسطية ويبدو وكأنه قد عاد إلى الأفلاطونية لأنه تكلم على المقدرات الذهنية بوصفها العلم الأتم لأنه كلي وبدهي ومحض .والثاني أنهى الافلاطونية ويبدو وكأنه عاد إلى الأرسطية لأنه تكلم على الإنسان مدني بالطبع أصلا لعلم العمران. وأقول \"يبدو\" في الحالتين لأن المقارنات المتسرعة قد تكون دليلا على البصر لكنها في الغالب دليل على فقدان البصيرة بسبب اهمال الفرق وغالبا ما يكون الفرق لطيفا فلا تراه إلا البصيرة .فالمقدرات الذهنية التيمية ليست صورا حالة في الأشياء كالحال عند أرسطو. والمدنية بالطبع الخلدونية لا تعتمد على نموذج بنية النفس كالحال عند أفلاطون. الأول لا يتكلم على مثل بل على مقدرات ذهنية .والثاني لا يتكلم على النفس والأسرة بل على \"نحلة العيش\" والأحياز الخمسة: .1الجغرافيا الطبيعية .2والتاريخ الثقافي. وثمرة التفاعل بينهما تنتج الحيزين اللذين يبدعهما الإنسان ليكونا وسيطين بينه وبين الحيزين الطبيعيين المكان والزمان وهما: .3الثروة .4والتراث أبو يعرب المرزوقي 40 الأسماء والبيان
-- .5وحصيلة ما تقدم وهي في آن أصله الجماعة الإنسانية التي ترعى ذاتها بتعمير الأرض وتحميها بالاستخلاف وتلك هي حرية الإنسان أو بالأحرى تحرره المتدرج. وشتان إذن بين ابن تيمية وأرسطو من حيث الرؤية الإبستمولوجية (نظرية المعرفة) وبين ابن خلدون وأفلاطون من حيث الرؤية الأكسيولوجية (نظرية القيمة) .توجد قطيعة جوهرية تعيد النظر في النظر والعقد (ابن تيمية) وتعيد النظر في العمل والشرع (ابن خلدون) فتتجاوز الرؤية التي كانت سائدة في الفلسفة القديمة والوسيطة قبلهما. وإذن فهما يؤسسان لبداية جديدة تستأنف الإبداع الإنساني لعلاج العلاقتين العمودية بين الإنسان والطبيعة وما ورائها وبين الإنسان والتاريخ وما ورائه فتكون متناغمة مع المعادلة الوجودية مع التحرر من القول بالمطابقة بين ما نعلمه وما نعمله وبين الوجود في ذاته أو على ما هو عليه كما كانت تتوهم الفلسفة القديمة والوسيطة. والتناغم معها يكون بفضل الاعتراف بمحدودية علم الإنسان واعتباره اجتهادا وعمله واعتباره جهادا ومن ثم بتاريخية العلم والعمل وبفتح المستقبل للتجديد الدائم الذي منه نظرية مجدد على رأس كل قرن .والسؤال الآن هل في هذا تهديم للتراث؟ من يقول ذلك كمن يدعي أن طبقات الأرض تهديم لها .فللتراث طبقات متراكبة هي حياة الأمم. تاريخنا الفكري له ما قبل ابن تيمية وابن خلدون وما بعد ابن تيمية وابن خلدون .وما قبلهما دون أن يفقد قيمته لم يعد صالحا لبناء مستقبل الأمة وفكرها لأنه لم يكن مدركا لأهمية التشارط بين تعمير الأرض والاستخلاف فيها فكان \"علمه\" و\"عمله\" لا يتجاوز الأقوال إلى الأفعال إلا بتكبيل الإنسان. كيف ذلك؟ هنا يأتي مفهوم الوساطة في التربية والوصاية في الحكم .فالنظر والعقد الذي يتوهم أصحابه أنه مطابق للوجود ومحيط به يؤسس للوساطة الروحية لمن يصفون أنفسهم راسخين في العلم (انظر مناهج الأدلة) فيتجاوزون ما نهت عنه آل عمران 7ليكونوا \"كنسية\" وإن لم تكن صريحة. أبو يعرب المرزوقي 41 الأسماء والبيان
-- ونفس الأمر يحصل في العمل والشرع ليصبحوا وصاية ليس في التربية الآن بل في الحكم. والجمع بينهما هو أول فعل سياسي قام به المعتزلة :أن يصبح الحاكم حاكما بالحق الألهي المتعين في الحق الطبيعي .كذلك أرادوا للمأمون أن يجمع بين السطلتين الروحية والسياسية فيكون بابا سني مثل الإمام الشيعي. أبو يعرب المرزوقي 42 الأسماء والبيان
-- من يتصور أن الكنسية والحكم بالحق الإلهي ظاهرتان خاصتان بالدين يجهل تاريخ الفلسفة .فأفلاطون لا يتصور التربية والحكم من دون وساطة في الاولى ووصاية في الثانية رغم أنه يؤسسها على فلسفته والاصطفاء الطبيعي لا الالهي :فالمربي والحاكم ينبغي أن يكونا فيلسوفين ذوي نفس ذهبية. من يتصورون المأمون عقلانيا وابن حنبل ظلاميا يتجاهلون هذه الحقيقة :ابن حنبل يرفض أن يكون الحاكم وصيا في أمر الجماعة يحكمها باستبداد يدعي العقلانية (لست عليهم بمسيطر) وأن يكون المربي وسيطا يربيها بـ \"عقلانية\" تدعي العلم المطلق (إنما أنت مذكر) لأن الجماعة هي صاحبة الامر وهي التي تحكم نفسها ولأن الفرد بفطرته لا يحتاج لوسيط بينه وبين ربه. ومن له دراية بأن أفلاطون له كنسية الوساطة بين الإنسان وربه ووصاية بين الجماعة وأمرها ويعتبر ذلك دور الفلاسفة اصطفاء طبيعيا لمعادن البشر يفهم أولا أمرا مناظرا في القول باصطفاء ديني عند الشيعة واليهود يجعل التربية والحكم إما لشعب مختار أو لأسرة مختارة باصطفاء إلهي. ومن يفهم ذلك يعلم أن القرآن الذي يقول لرسوله \"إنما أنت مذكر\" يحرر الإنسان من الوساطة الروحية في التربية لأن الرسول يذكر الإنسان بما فيه أي فطرته ولا يعلمه بشيء ليس هو بعد فيه .ويعلم أن القرآن الذي يقول لرسوله \"لست عليهم بمسيطر\" يحرره من الوصاية السياسية في الحكم (الشورى .)38 التحريف علته بزنطة التربية والحكم وتفريسهما مع غلبة الأولى على الدولة الأموية والثانية على الدولة العباسية .لكن في مستوى الفكر ما بين التشيع والاعتزال هو ما بين الظاهرتين في الفلسفة وفي الدين والمثال الأوضح من ذلك هو رؤية الفارابي التي تتكلم على الملة الفلسفية برائحة هذا الخليط. أبو يعرب المرزوقي 43 الأسماء والبيان
-- وإذا تحرر الإنسان من الوسيط بينه وبين ربه في التربية صار الاجتهاد في النظر والعقد فرض عين وإذا تحرر من الوصي بينه وبين أمره صار الجهاد في العمل والشرع فرض عين: رؤية القرآن التي كانت ثورة ابن تيمية للقطع مع أرسطو وثورة ابن خلدون للقطع مع أفلاطون فهما عميقا لثورة الإسلام الكونية. لكن البداية الفعلية مثل الغاية التي يمثلها ابن تيمية وبان خلدون يمثلها ابن حنبل والأشعري .فالأول حال دون تكون البابوية الإعتزالية في النظر والعقد (مسألة خلق القرآن) والثاني حال دون البابوية في العمل والشرع (مسألة التحسين والتقبيح) .وكلتا الحيلولتين تحرير من وهمي الاعتزال. ما هما وهما الاعتزال؟ دعوى العقلانية في النظر والعقد (المطابقة أو رد الوجود إلى الإدراك) ووهم العقلانية في العمل والشرع (التحسين والتقبيح أو رد القيم إلى صفات ذاتية في الموضوع ذاته) .والتخلص من هذين الوهمين هما بداية علاج العلاقتين العمودية مع الطبيعة والأفقية مع التاريخ. ولأن ما حاولت بيانه من اللطائف التي لا يفهمها لا كاريكاتور التأصيل ولا كاريكاتور التحديث فإن ابن حنبل والاشعري يعتبران ظلاميين والمعتزلة عقلانيين .ولن يفهم ذلك من بقي مثل القائلين به من الحداثيين الذين هم ضحايا سذج النكوص الهيجلي الماركسي للمطابقة والتحسين والتقبيح العقليين. وهذا هو جوهر خلافي مع أدعياء العقلانية العرب الذين يتصورون المعتزلة والفلاسفة عقلانيين والمدرسة النقدية في النظر والعقد وفي العمل والشرع ظلاميين .وحتى ابن خلدون فما يعتبرونه عقلانيا إذا بمعنى المطابقة والتحسين والتقبيح فعدم فهم علته رد فكره إلى ماركس أو أوغست كونت. وأدعياء العقلانية العرب على صنفين وكلاهما يشربان من نفس الآسن من ماء النكوص الهيجلي الماركسي اللذين عادا إلى المطابقة في النظر والعقد وإلى التحسين والتقبيح في أبو يعرب المرزوقي 44 الأسماء والبيان
-- العمل والشرع .فأما النوع الاول فهو صاحب الحداثة المزعومة .وأما النوع الثاني فهو صاحب ما بعد الحداثة المزعومة. ولا يمكن أن يكون الاول صاحب حداثة لأن الحداثة هي ما بين ديكارت وكنط .ما بعد كنط فقد كل مقومات الفكر الحديث وعاد في المثالية الألمانية التي حاولت تجاوز النقد الكنطي إلى الرؤية القروسطية التي تقول بالمطابقة وبالتحسين والتقبيح العقليين وبالأفلاطونية والأرسطية المحدثتين. ولا يمكن أن يكون صاحب ما بعد حداثة لأنها هي ما بين هذه الحداثة الناكصة وثورة نيتشه عليها .فنيتشه لم يثر على الحداثة التي بين ديكارت وكنط بل على الحداثة التي سادت في المرحلة الفاصلة بينه وبين الفكر الناتج عن بنكوص هيجل وماركس تأثرا بصاحب العالم رؤية وإرادة الذي يحتقر هيجل .وهم لا يزالون ضحايا هذا النكوص وإن بغير وعي. ولا أريد أن أسمي أحدا لأن الكثير منهم ما يزال حيا وقد يسبب ذلك حرجا .لكن من يتابع الفكر في بلاد العرب وخاصة منذ تكاثر ما يسمى بأصحاب المشاريع-كم أمقت هذه الكلمة-يعلم من أقصد بالنسبتين إلى الحداثة وما بعد الحداثة المزعومتين :الفكر عندهم من جنس استيراد ناطحات السحاب في الخليج. هو استيراد لما لا حاجة إليه دون العمل الذي ينجزه لا بالنظر والعقد ولا بالعمل والشرع .في أمريكا خاصة وفي الغرب عامة ناطحات السحاب ضرورة انتجها نظرهم وعقدهم في المستوى التصوري وحققها علمهم وشرعهم في المستوى الإنجازي .نحن بعنا مادة خاما واستوردنا مادة مصنعة دون فكر ولا عمل. وعلى ذلك فلتقس المشاريع .فالحداثة أنشأها فلاسفة من جنس ديكارت ولايبنتس ولم ينشئها المتكلمون على خرافة الفلسفة بوصفها \"صانعة المفاهيم\" .إذا كانت المفاهيم تصنع فليس الفلاسفة هم صناعها بل العلماء الذي يفلسفون ما صنعه العلماء هم أو غيرهم من مفاهيم .وذلك حتى في عصر أفلاطون وأرسطو. أبو يعرب المرزوقي 45 الأسماء والبيان
-- الفلسفة ليست علما والدين ليس عملا .الفلسفة ما بعد علم يحدد الرؤى التي تجعل العلم ممكنا .والدين ما بعد عمل يحدد الرؤى التي تجعل العمل يكون ممكنا .ولا يمكن تصور الدين غنيا عن عمارة الأرض وتصور الفلسفة غنية عن الاستخلاف فيها: .1فالفلسفة لا توجد إلا كرؤية شارطة بداية ومشروطة غاية للنظر والعقد. .2والدين لا يوجد إلا كرؤية شارطة بداية ومشروطة غاية للعمل والشرع. وهما يلتقيان بهذا المعنى في ما يلتقي فيه النظر والعقد بالعمل والشرع توحيدا بينهما. والشارطية والمشروطية في الحالتين هي التي تجعل الواحد المشترك بين الديني والفلسفي-على الأقل في القرآن-هي هما بين العلاقتين العمودية مع الطبيعة (تعمير الأرض لسد الحاجات المادية وشرطه النظر والعقد وتطبيقاتهما) والأفقية مع التاريخ (الاستخلاف لسد الحاجات الروحية وشرطه العمل والشرع وتطبيقاتهما) ويغلب على هذه شروط التواصل وعلى تلك شروط التبادل. فإذا وجد نظر وعقد لا يعالج العلاقة العمودية والتبادل بين الإنسان والطبيعة شرطا لرعايته الذاتية ويدعي الانتقال مباشرة إلى ما ورائها فهو لغو وثرثرة .وإذا وجد عمل وشرع لا يعالج العلاقة الافقية والتواصل بين الإنسان والتاريخ شرطا لحمايته الذاتية فهو لغو وثرثرة. وعندما يكون التبادل عديم القدرة على علاج التبادل بين الإنسان والطبيعة يصبح الإنسان بسبب حاجاته عبدا لمن بيده سدها أو ناهبا وسالبا له أي مترددا بين العبودية والوحشية في غياب شروط التحرر التي هي معرفة قوانين الطبيعة وتطبيقها شرطا لسد الحاجات والتبادل السلمي بين البشر. لكن التبادل السلمي بين البشر غير ممكن من دون التواصل بينهم وهو تواصل لا يكون سلميا من دون العلاقة الأفقية بين البشر وهي مشروطة بالترادع بداية ثم بالنظام الرادع غاية وذلك هو مفهوم الدولة التي هي تعين العمل والشرع في كل جماعة تحمي ذاتها في الداخل وفي الخارج. أبو يعرب المرزوقي 46 الأسماء والبيان
Search