أبو يعرب المرزوقيالفصل الثاني الأسماء والبيان
1 المحتويات 1 اعتذار: 1 السؤال الثالث 1 تمهيد: 2 -1معارك المباحث الفقهية (العلم العملي الأول): 2 -2معارك المباحث الصوفية (العلم العملي الثاني): 3 -3معارك المباحث الكلامية (العلم النظري الأول): 4 -4معارك المباحث الفلسفية (العلم النظري الثاني): 5 -5مباحث العلم المؤسس لصنفي العلوم بفرعيهما:
(كنا نتصور أن الجمع بين الأسئلة ممكن وأنه سيمكن من الحد من طول التلخيص .لكن الأمر تبينممتنعا لدسامة المادة ما كان سيجعل كل جواب مضاعف طويلا ايضا .لذلك فضلنا الاقتصار علىالسؤال الثالث بمفرده :خاصة والقراء لا يحبذون المطولات .وقد نعود إلى الجمع في الأسئلة الموالية إن أمكن .ولهذه العلة لم نشر إلى العدد الجملي لما ستؤول إليه محاولة التلخيص) ما طبيعة الإشكالية الواحدة في معارك ابن تيمية الفكريةنميز في معارك ابن تيمية بين نوعين .فنسمي النوع الأول معارك فعلية تلك المعارك التي شاركفيها ابن تيمية بفعله وليس بفكره وكتاباته .وهي طبعا من ثمرات فكره وكتاباته .وأهمها جهادهواجتهاده الموقفي والفعلي في تحديد انحيازاته التاريخية .ويكفي أن نقول عنها إنها إذا قيست بمانعيش اليوم تقبل الوصف بكونها ميالة لصف الثوار منها لصف الثورة المضادة داخليا ولصف الأمةمنها لصف أعدائها في عصره .وهؤلاء الأعداء يكاد صفهم لم يتغير :الباطنية والطائفية في الداخلوبقايا الصليبية الأوروبية وبربرية مغول الغرب (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا والروسي حاليا) .ولا فائدة من أكثر من هذه الإشارات.ولنأت إلى معارك ابن تيمية الفكرية التي هي معارك تجاوز فيها الوجه الجدلي الناتج عنالخصام الإيديولوجي إلى ما بعده التأسيسي فعالجها علاجا نظريا فلسفيا .فهذه المعارك تقبل الردإلى ما ترد إليه أهم مباحث الفكر الإسلامي النظرية (علمان) والعملية (علمان) والمؤسسة لهما(علم واحد معقد جدا) عند تصنيفها تصنيفا عقليا جامعا مانعا إذا اقتصرنا على مناطق المعرفة ولمننظر في موضوعاتها الجزئية التي تتبع هذه المجالات سواء تعلقت بالطبيعة أو بالشريعة أو بأدواتهما المنهجية لذاتها مثل علوم اللغة والتاريخ للثانية وعلوم الرياضيات والمنطق للأولى: 51
1وهي غير فتاواه التي هي عرضية بالجوهر ككل الفتاوى بسب صدورها عن دوافع ونوازل عرضيةهي دوافع المستفتين ونوازلهم .ما يهم هو الأساس الذي ترد إليه اجتهاداته وفتاواه أعني المجالالذي يمكن القول إنه مجال إبداع غير مسبوق حرره من المذهبية وجعله متجاوزا لما جمد الفقه فيعصره أعني أصول الفقه التقليدي (راجع الحوارية بين المرحوم الشيخ البوطي وأبي يعرب فيإشكالية تجديد أصول الفقه دار الفكر دمشق وبيروت .)2006فجوهر موقف ابن تيمية في تأصيل الفقه يستند إلى نقلتين نوعيتين:في نظرية اللسان المحررة من خرافة المقابلة بين الحقيقة والمجاز بالمعنى الكلامي وكيف يمكنالاستغناء عنها بنظرية جديدة في اللغة تجعل دلالات اللغة استعمالية ولعل الموقف الأصح أنها كلهامجازية بمعنى أنها دلالة الدليل اللساني تحكمية يحددها الاستعمال والعادة وليست حقيقة الأشياء المسماة بأسماء بعينها.في نظرية التطبيق الفقهي لمصدري التشريع (القرآن والسنة) ولنوعي التعامل معهما (الاجماعوالاجتهاد) دون التقيد بتقاليد المذاهب التي صارت بديلا من المصدرين والتعاملين ومن بقاء النصينالمرجعين حيين دائما ومصدرا مباشرا لئلا يتحول الاجتهاد السابق من سابقة تطبيقية إلى تشريع من جنس التشريع الأصلي. 2ولا ينبغي حصرها في مواقفه من متصوفة عصره وخاصة من متحيل دمشق شارح مدارج السالكينللهروي بمنطلق وحدة الوجود (التلمساني) الذي رد عليه تلميذه بدحض شرحه أو من ابن عربيوغيره .فما يعنينا هو ما يمكن رده بمصطلح ابن خلدون في شفاء السائل إلى التمييز بين المجاهدتينالمشروعتين عقلا ونقلا أعني مجاهدتي التقوى والاستقامة وبيان أوهام ودعاوى الكشف القصديالذي ينتهي إلى ما يخفي نقيضيهما أعني التقية بدل التقوى والنفاق بدل الاستقامة .فيصبحالتصوف المنحرف في غايته ما يسمى بالتصوف الفلسفي القائل بوحدة الوجود والنافي للغيب بوهمالعلم اللدني المتجاوز لعلم الأنبياء والمؤسس للكنسية الصوفية ولعبادة الوسطاء أحياء كانوا أو أمواتا.وهم يحاولون تأسيس ذلك على تأويل ما أتى الله به من سلطان لقصة الرجل الصالح الذي أصبحيسمى الخضر .والمعلوم أن مواقف الرجل الصالح الثلاث التي تظن ثمرة لعلم لدني ليست إلا فراسةوتجربة .ولا شيء فيها يثبت علما متجاوزا للوحي بل بالعكس هي تبين حاجة صاحب الوحي للمعرفة 52
العادية (لذلك نجد القرآن يقرن دائما بين الكتاب والحكم والنبوة) .فحالة قتل الابن المفترضعاقا لوالديه فراسة من قبل الرجل الصالح .والحالتان الأخريان :ثقب المركب وترميم الجدارمعرفة سابقة بما يجري في ذلك البلد كان ذهن موسى عليه السلام خاليا منها .وإذن فالأمر لا يتعلقبعلم لدني إلا في وهم أصحاب أسطورة الخضر .إنما القصد المحتمل هو أن النبي بحاجة إلى \"الحكم\" بمقتضى العلم العادي المشترك بين البشر لسياسة الدنيا. 3وهذه هي التي يغلب اللغو واللغط حولها .فالكثير يناقش ابن تيمية معتبرا إياه متكلما بالمعنىالتقليدي للكلمة .وقد يكون لردوده على المتكلمين بمنطقهم ما يوحي بأنه واحد منهم وإن كان أقوىحجة .فلجوؤه لإفحام الخصوم بمنطقهم قد يوهم أصحاب العجلة في الحكم إلى أنه متكلم .لكنه فيالحقيقة ينفي شروط إمكان الكلام الفلسفي أو العقلي ولا يقول إلا بالكلام التاريخي النصي:تاريخي بمعنى أحداث النبوات والتجارب الحاصلة فعلا والنصي بمعنى القرآن والسنة وحتى الكتابينالسابقين اللذين يقرهما ابن تيمية فيما يقرهمها عليه القرآن الكريم أعني في كل ما لم يصححهما فيه استنادا إلى مبدأ التصديق والهيمنة.وثورته فضلا عن تجاوزه المتكلين في فنهم رغم كونه ينكر عليه العلمية والمتانة المنطقية ورغمكونه من أعلم مؤرخي الفكر الكلامي ربما على الإطلاق فإنه لا يعتد به ويهتم خاصة بنوع جديدمن علم الكلام التاريخي النصي وبما يتصل به من بدايات أو إرهاصات الأدوات المنطقية التي تعالجهأعني تاريخ النص وفيلولوجاه شرطي التأويل ليس بالمعنى الكلامي وليس بمعنى التطبيق على تاريخالأحداث والنصوص .والشواهد في ذلك كثيرة بصورة عرضية في جل مصنفاته ويكفي شاهدين مخصصين للرد على رمزين دالين في الساحة الكلامية:أحدهما في الرد على ممثل المذهب الأكثر تمثيلا للتشيع في عصره أي المطهري في منهاج السنة: الجزء الأساس من الكلام الشيعي إضافة إلى المأخوذ عن البهشمية هو الكلام في منهاج الإمامة.والثاني في الرد على ممثل المذهب الأكثر تمثيلا للتسنن في عصره أي الرازي في الدرء ردا على معيار التأويل وفي التلبيس ردا على أساس التقديس الذي يقبل الرد إلى ما يشبه إلهيات السلب.وسنرى في الجواب عن السؤال الخامس المتعلق بمنهجي النقد التاريخي والنقد العلمي الأكاديميكيف أن ابن تيمية يتجاوز الحجاج بمنطق علم الكلام رغم إفحامهما به إلى النقاش المعرفي الموضوعيبالاستناد إلى النقد التاريخي للأحداث والنصوص والنقد العلمي لطرق التعامل معهما من قبل الذينيحاورهم ليدحض حججهم ليس بالتشقيق اللفظي والمهارب البيزنطية الكلامية بل بوقائع التاريخ 53
ومعطيات الظاهرة التي يدور عليها الكلام سواء كانت حدثا أو نصا أو علاقة بينهما فضلا عن النفاذ الحدسي العجيب للمعاني التي لدقتها لا ينالها إلا قلة من العقول المتميزة. 4وهذه المعارك لم تكن مباشرة أبدا .فهي إما ضمن الفنين السابقين (الكلام والتصوف) أو ضمنفن المنطق وأساسه الميتافزيقي .ومعنى ذلك أن ابن تيمية كان شديد الدراية بالطابع المابعديللفلسفة أعني أنه لا يعتبرها علما بل ما بعد علم إما دخيلا في علوم الملة مثل التصوف والكلام أو فيعلوم النظر بأصنافها الثلاثة (إلهيات ورياضيات وطبيعيات) وعلوم العمل بأصنافها الثلاثة (السياسيات والأخلاقيات والاقتصاديات).ويتبين ذلك خاصة من كلامه في المنطق .فهو لا يناقشه منطقيا فحسب بل وكذلك بمقتضى مايترتب عليه في رؤية الوجود والعالم ومن ثم بمقتضى ما يؤسسه ويؤسس ما يجعله مؤديا إلى مايترتب عليه .مثال ذلك أنه يبين أن المنطق بأساسه الميتافيزيقي الموروث عن أفلاطون وأرسطو يؤديحتما إلى جعل الإنسان مقياس كل شيء .ذلك أن ظن علم الإنسان بالوجود على ما هو عليه ومن ثم مطابقا له مطلق المطابقة يجعل العلم مقياس الوجود بدلا العكس.وإذن فمعيار المطابقة والظن أن الإنسان يعلم الأشياء على ما هي عليه-وكلاهما لا يصح إلى علىعلم مطلق كعلم الله مثلا -يلغيان ما به يتجاوز الوجود العلم معرفيا (والشاهد الغيب دينيا) بسببجعل الإنسان مقياس الوجود .ويسمي ابن خلدون ذلك رد الوجود إلى الإدراك :وهذا الموقف هوبداية تأسيس مفهوم النقد بالمعنى الحديث لمن يفهم هذا المفهوم .لذلك اعتبر ابن تيمية علم المنطق بميتافيزيقاه التي كان عليها لا يمكن أن يترك مجالا للعلم الحقيقي ولا للأخلاق الحقيقية:فهو يطلق النسبي ويحول دون شرط الفعل الحر وذلك معنى قصده في قوله إن المنطق يؤسسالسفسطة في النظريات (الإنسان مقياس) والزندقة في العمليات (لا مجال لما يتجاوز الضرورة ومن ثم فلا حرية تؤسس للفعل الخلقي).وتلك هي علة إعادة تأسيس المنطق على ميتافيزيقا جديدة تمكن من تأسيس العلم النظريبالتحرر من السفسطة والعلم العملي بالتحرر من الزندقة أي دون أن تجعل الإنسان مقياس كل شي.وطبعا فالسخفاء من المتكلمين في ابن تيمية يقتصرون على كليشي \" :من تمنطق فقد تزندق\" ليبرزواثوريتهم وحداثتهم المكذوبة ويغفلون كل هذا التحليل التيمي العميق لأنهم عاجزون فهمه حتى لو أقدموا على القراءة المتأنية والصبر :لم يتواصوا بالحق ولم يتواصوا بالصبر. 54
5أما معارك المباحث في العلم الجامع فتتعلق بالأصل الواحد لكل هذه المباحث أعني ما يجعل هذهالمباحث تكون مقومة لحضارة معينة في لحظة من لحظات تكوينيتها .وهذه المباحث الجامعة من حيثالطبيعة واحدة في كل الحضارات .لكنها متعددة تعدد المضمونات العينية والمراحل التاريخية .وحتىيفهم القارئ دقة هذا المفهوم فلنضرب مثال اللغة .فكل البشر ناطقون .ومن ثم فاللغة ظاهرةكونية .لكن كل لغة تعين من الظاهرة الكونية اللغوية :وكونية اللغة تجعل كل اللغات مشتركة فيما به سميت لغة ومختلفة بمادتها وبكيفية التناظر بين مادتها وما تعبر عنه من التجارب التي هي محكومة بالمضامين والمراحل.وهذا ينطبق على \"القصة المؤسسة للحضارة أو النص المقدس\" .فكل الحضارات لها نص مقدس أوقصة مؤسسة .وكل الحضارات لا تفهم ذاتها ولا وجودها إلا من خلال نوع العلاقة التي بين هذاالنص والتجارب التي تعيشها والظاهرات والوقائع التي تحاول التعامل معها .وفي حالتنا نحن فالأمريتعلق بالقرآن الكريم وبتفسيره الأول أو السنة الشريفة :فكل ما أسلفنا في الفنون الأربعة الاثنينالعمليين (الفقه والتصوف) والاثنين النظريين (الكلام والفلسفة) كلها محاولات لفهم معنى الوجود بهما ولفهمهما بمعنى الوجود.ومن ثم فالمعارك السابقة جميعها تستمد معناها أي طبيعة الإشكال فيها و\"مصفوفة\" الحلول الممكنةمن هذه العلاقة ذات الاتجاهين لكأن النص والتجارب الحضارية تراء مضاعف بين مرآتين أو سطحينصقيلين أحيانا ومشوبين بما يكدرهما في غالب الأحيان .لذلك فالمعارك المتعلقة بهذا العنصر الخامسالمؤسس هي معارك الصقل للمرآتين متبادلتي التعاكس .ولعل أفصل صاقل وصائغ في تاريخنا كانهذا الرجل العظيم الذي انبهرت به بعد ما أوصلني إليه جواب ابن خلدون على أحد سؤاليه :النقلالصحيح بوضع علم ما بعد التاريخ المتحرر من الخرافة والتنجيم اللذين كانا سائدين وأجاب هوعلى السؤال الأعمق أعني العقل الصريح كما سنرى لاحقا بوضع ما بعد المنطق المتحرر من ميتافيزيقا تجعل الإنسان مقياس الأشياء. 55
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 12
Pages: