Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore فلسفة التاريخ القرآنية أو في الكوني والخصوصي من السنن الحضارية - أبو يعرب المرزوقي

فلسفة التاريخ القرآنية أو في الكوني والخصوصي من السنن الحضارية - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-04-29 16:41:23

Description: فلسفة التاريخ القرآنية أو في الكوني والخصوصي من السنن الحضارية - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫أو في ال كوني والخصوصي من‬ ‫السنن الحضار ية‬ ‫الأسماء والبيان‬





‫المحتويات ‪2‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪6 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪13 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪19 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪26 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫من الكلمات المشهورة التي صارت تضرب كالأمثال كلمة هيجل \"البومة رمزا للفلسفة‬ ‫(رمزها عند اليونان) تحلق دائما عند الغروب\" ما ينطبق على دور السياسة عندما يقتصر‬ ‫عملها على دورها الوحيد أعني قوامة النظامين الراعي والحامي للجماعة داخليا وخارجيا‪.‬‬ ‫لكن بمراجعتين يقتضيهما المقام والمقال‪.‬‬ ‫ويمكن أن نعتبر ما سأقوله اليوم مواصلا لما قلته أمس في مسألة فساد معاني الإنسانية وعلة‬ ‫انطباقه علينا بمعناه الخلدوني‪ .‬والمعلوم أن المعنى الخلدوني استنتج هذا الوصف مما‬ ‫يترتب على التربية والحكم العنيفين اللذين يعلل بهما ما سماه بفساد معاني الإنساني‬ ‫وعلاماته الخمس (المقدمة ‪.)VI.40‬‬ ‫وقد أطلت القول في إشكالية فساد معاني الإنسانية بمعناه الخلدوني في مواضع كثيرة‬ ‫لذلك فلن أعود إليها بل سأمر مباشرة إلى ما يقتضيه المقام والمقال من مراجعات لقولة‬ ‫هيجل بسبب ما نتج عنه من حط لدور الفكر والفلسفة في ثقافة العرب خاصة والمسلمين‬ ‫عامة فاقتصرت على العمل المباشر على غير علم‪.‬‬ ‫فلو صحت قولة هيجل لكانت نتائجها حقا ما يحصل للعرب المسلمين أي لكان الفكر والفلسفة‬ ‫مدبرة دائما لا يلتفت إلا إلى الماضي ولكانا كما قال هيجل يأتيان في آخر النهار بعد أن‬ ‫يفوت الفوت‪ .‬لكن الشعوب الحية‪-‬وقد كنا منهم ونعمل على أن نستأنف دورنا‪-‬لا تتعامل‬ ‫مع التاريخ بمنطق الارتجال والمباشر‪.‬‬ ‫كان من المفروض أن أقول لو صح فهم قولة هيجل سطحيا لكان ما حل بالعرب والمسلمين‪.‬‬ ‫لكنها تفيد عكس ذلك تماما‪ .‬فهي تعني أن الفلسفة شبه كشف حساب للماضي يعد إلى‬ ‫المستقبل بخلاف ما يتوهم من يتصورها مجرد كلام فات أوانه‪ .‬واختيار الغروب مقصود إذ‬ ‫إن المستقبل تصوره من جنس الأحلام في هجعة الليل وسكينته‪.‬‬ ‫لما حلم العرب بالمستقبل بدأ تاريخ الأمة كله فصار المسلمون أمة كونية أسهمت في كل ما به‬ ‫يتحدد الإنسان كما حدده القرآن‪ :‬مستعمر في الأرض بقيم الاستخلاف‪ .‬لكن المسلمين اليوم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا هم مستعمرون في الأرض ولا لهم قيم الاستخلاف‪ .‬مستقبلهم ليس أحلامهم بل أضغاث‬ ‫أحلام غيرهم أي ماضيه يكتفون بتقليدها‪.‬‬ ‫وهذا التقليد الذي يجعل منشود الذات الذي صار مطلوبا موجود الغير بعد أن صار‬ ‫مرفوضا نراه يتكرر في بلاد العرب والمسلمين‪ .‬وآخر التكريرات ما نراه في الخليج‪ .‬فاقل‬ ‫الناس دراية بالموجود المنبوذ هم الذين يجعلونه المنشود المطلوب بعنف الجهاز السياسي الذي‬ ‫ينصبهم عليه عدو الأمة ومستقبلها‪.‬‬ ‫ولما كان ذلك منافيا لدور السياسي عامة‪-‬لا علاقة للسياسي بالتغير القيمي في حصوله‬ ‫الفعلي وتحوله إلى نظام من العادات السلوكية‪-‬فإنه يصبح \"هندسة\" تدميرية للجماعة‬ ‫للجهل بأن التحولات الحضارية ذات طبيعة ذاتية لها يفسدها التدخل السياسي عندما يكون‬ ‫عملا عنيف بسبب الجهل فتفسد معاني الإنسانية‪.‬‬ ‫وقد رأينا كيف أن تركيا وتونس مثلا قضتا أكثر من نصف قرن للشروع في التعافي من مثل‬ ‫ما نراه يجري حاليا في محميتي الثورة المضادة (السعودية والإمارات) بحمق أشد من حمق‬ ‫أتاتورك وبورقيبة لأن هذين الرجلين على الأقل كانا حاصلين على ثقافة عصرهما ولهما‬ ‫عمل يذكر فيشكر قبل هوسهما بالتحديث العنيف‪.‬‬ ‫بينت الأمس أن السياسي من حيث هو سياسي لا ينشغل إلا بقوامة نظامي وظائف الدولة‬ ‫أي نظام وظائف الرعاية الخمس ونظام وظائف الحماية الخمس نيابة فرض كفاية عن‬ ‫إرادة الامة بالشروط التي ذكرت وتحت مراقبتها فرض عين على الجميع‪ .‬فإمامة النظامين‬ ‫مثل إمامة العبادات خلقيا ومعرفيا نظريا وعمليا‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن السياسي لا يتدخل في كل ما يتعلق بالوظائف العشر لاقتصاره على قوامة‬ ‫نظامها الذي ارتضته الجماعة حتى تحققها‪ .‬فالتكوين بوظيفتيه والتموين بوظيفتيه وأصل‬ ‫الوظائف الأربع كلها غير سياسية بل هي أعمال الجماعة ككل والسياسي منها هو مراقبة‬ ‫العمل بنظامها الذي اختارته الجماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كما أن الحماية الداخلية بوظيفتيها والحماية الخارجية بوظيفتيها وأصل هذه الوظائف‬ ‫الأربع كلها غير سياسية بل هي أعمال الجماعة ككل والسياسي منها هو مراقبة العمل بنظمها‬ ‫الذي اختارته الجماعة وهي التي تنجزه بحسب ما أنشأته من مؤسسات وقوانين من أجل‬ ‫قيامها بعملها على أحسن ما يرام‪.‬‬ ‫وما أن يصبح السياسي هو الذي ينجز هذه الأعمال فتصبح الدولة بديلا من الجماعة في‬ ‫حين أنها من جنس حارس قيام الجماعة بتلك الوظائف بمقتضى ما ارتضته من أنظمة وقيم‬ ‫تموت الجماعة ويصبح القيمون على هذين لنظامين الراعي والحامي أوصياء عليها فتفسد‬ ‫فيها معاني الإنسانية لتخليها عن فروض العين‪.‬‬ ‫أعتقد أني قد أشبعت هذه المسائل درسا وعلي الآن أن أمر إلى مطلوبي في هذه المحاولة‬ ‫للجواب عن السؤال التالي‪ :‬كيف يحصل التغير في الحضارات الإنسانية المبدعة حقا فيكون‬ ‫تجاوزا دائما للموجود طلبا للمنشود الذي لا يكون بحق منشودا إلا إذا كان غير مسبوق لأن‬ ‫كونه مسبوقا يجعله تقليدا لموجود؟ وهذا المعنى يضعنا أمام قضيتين عويصتين في البحث‬ ‫الفلسفي‪:‬‬ ‫‪ .1‬العلاقة بين الكلي والجزئي وجوديا‪.‬‬ ‫‪ .2‬العلاقة بين الكوني والخصوصي حضاريا‪.‬‬ ‫والمعلوم أني كانت ولا زلت مهموما بالمسألتين‪ .‬فالأولى جعلتها موضوع رسالتي في دكتوراه‬ ‫الدولة ‪-‬وهي غير البي أيتش دي‪-‬التي تشبه الحلقة الثالثة في نظامها‪ .‬والقضية الثانية‬ ‫هي مصدر كل الخصومات بيني وبين المتكلمين على الخصوصية الذين أخرجوا الأمة من سنن‬ ‫التاريخ الكوني أو كادوا فاعتبـروها ملزمة بأن تحافظ على الخصوصية وتنفي الكلية لكأن‬ ‫الأمرين متقابلان في حين أنه لا يمكن الفصل بينهما حضاريا إلا إذا أمكن تصور الجزئي‬ ‫من دون الكلي وجوديا‪.‬‬ ‫وقد بدا تنديدي بالخصوصيين وكأنه نفي لها وقول بالكوني دون الخصوصي‪ .‬ولكن‬ ‫الحقيقة هي أني أردت أن اثبت امتناع الفصل بين الخصوصي والكوني لأن الأول متعلق‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بالمضمون والثاني بالشكل إن صح التعبير‪ .‬ولعل افضل مثال بايولوجي‪ .‬فلا أحد رغم‬ ‫فرديته له قوانين خصوصية لكن كيانه الفردي خصوصي بإطلاق‪.‬‬ ‫فكل فرد يتعين بذاته ولا يشاركه أحد في كلي ما هو ذاتي له لكن التعين الذاتي يحدث‬ ‫بمحددات لا أحد يتميز بشيء منها‪ .‬ومن ثم فالتلازم بين الكلي والجزئي وجوديا هو الذي‬ ‫يحدد التلازم بين الكوني والخصوصي حضاريا مثلما يحصل ذلك في العضوي إذ إن لون‬ ‫البشرة مثلا خصوصي وقانون التلون كوني‪ .‬وهو الجامع بينهما بدوره كوني‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن لون بشرتي وتلون البشرة يجمع بينهما علاقة البشرة بالمناخ ومن ثم‬ ‫الحيزان المحددان لهذه العلاقة أي المكان والزمان‪ .‬فكوني في افريقيا في عصر من عصور‬ ‫تبدل المناخ يجعل بشرتي باللون الذي لها وهو خصوصية وكونية في آن‪ .‬ونفس الامر يقال‬ ‫عن الحضارات‪.‬‬ ‫فيمكن قياسا على ذلك أن نقول إن الظاهرات الإنسانية تتحدد بنوعين من \"المناخ\"‬ ‫أحدهما هو المحدد للطبيعي أو العضوي في الإنسان والثاني هو المحدد للثقافي أو الروحي‬ ‫في الإنسان‪ .‬فالأول هو عصور المناخ الطبيعي وتوزع شروط العيش والثاني هو عصور المناخ‬ ‫الحضاري وتوزع طرق تحصيلها وأدواته‪.‬‬ ‫وواضح أن المناخ الطبيعي ليس للإنسان عليه سلطان كبير وأن المناخ الحضاري يكاد يكون‬ ‫كله تحت سلطانه‪ .‬والأول يمكن اعتباره ممثلا للضرورة الطبيعية والثاني للحرية‬ ‫ٌالإنسانية أو بعبارة أوجز الأول هو الطبيعي والثاني هو الثقافي والتفاعل بينهما هو‬ ‫التاريخ الإنسان أو الحضارات الإنسانية‪ .‬وهذا التفاعل في الاتجاهين يجعل العامل مخمس‬ ‫الأبعاد‪:‬‬ ‫‪ .1‬الطبيعي‬ ‫‪ .2‬الثقافي‬ ‫‪ .3‬فعل الطبيعي في الثقافي‬ ‫‪ .4‬فعل الثقافي في الطبيعي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .5‬القانون الذي ينتج من هذه العناصر الأربعة وحدة هي التاريخ الإنساني فيكون‬ ‫التاريخ الإنسان أصلا وغاية‪ .‬هو أصل كعلة غائية نسميها حضارة إنسانية‪.‬‬ ‫وهذا هو موضوع الباب الأول من مقدمة ابن خلدون ومنه تشتق الأبواب الخمسة الباقية‬ ‫وهي درس لعملية التفاعل بين العاملين اللذين يحددان دور العضوي والروحي في الإنساني‬ ‫أو دور الطبيعي والثقافي في التاريخ بعلاقة متعاكسة في اتجاهي الأبواب من الثاني إلى‬ ‫السادس ومن السادس إلى الثاني‪.‬‬ ‫وهذا المستوى من العلاج الخلدوني ينقصه شرطان ليكون كافيا في افهامنا سنن التغير في‬ ‫التاريخ الإنساني فيصبح ما وصفه ابن خلدون بالانتقال من البداوة إلى الحضارة مفهوما‬ ‫في الاتجاهين ذهابا من الأولى إلى الثانية نكوصا من الثانية إلى الأولى أو من سيطرة‬ ‫الطبيعي إلى سيطرة الثقافي والعكس‪ .‬وهما الشرطان اللذان يمكنان بتحققها من الانتقال‬ ‫إلى خلدونية محدثة هدفي جعلها تصبح ممكنة‪:‬‬ ‫• فأما الشرط الأول فهو نظرية الأبعاد الخمسة في التاريخ الإنساني الماضي حدثا‬ ‫وحديثا والمستقبل حديثا وحدثا والحاضر المحيط والمحاط بها أربعتها‪.‬‬ ‫• وأما الثاني فهو نظرية التواصل الحضاري الكوني للحد من نظرية موت الحضارات‬ ‫الذي قد يستشف من الخلط التاريخين السياسي والحضاري‪.‬‬ ‫ولا أنفي أن الشرط الثاني نجد بذرته عند ابن خلدون‪ .‬ولعل ذلك من أهم إضافاته إذ‬ ‫هو يؤكد على تخاصب الحضارات لمنجزات بعضها البعض سواء بتبادل التأثير بين المتعاصرين‬ ‫أو بإرث اللاحق للسابق منها‪ .‬وهذا التخاصب والتوارث اللذان يمثلان عصب الحضاري‬ ‫الكوني لم ينالا حظهما من الدرس عنده وهما موضوعنا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تكلم ابن خلدون في تخاصب الحضارات المتعاصرة وتوارث المتوالية منها تلميحا دون أن‬ ‫يؤسس لذلك نظريا وتكلم على نوعين من التاريخ القصير والمديد دون أن يعلل ذلك أيضا‬ ‫وما أسميه خلدونية محدثة وأسعى لبيان معالمها تحقيقا لما طلبه في خاتمة المقدمة باعتبارها‬ ‫حجر أساس لبناء سيتواصل بلا حد‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة فإن دعواي \"دون أن يؤسس لذلك\" ليست دقيقة‪ .‬ذلك أن عنوان المقدمة‬ ‫فيه ما يشير إلى أن الرجل لم يخل ذهنه من المنطلق إلى التأسيس‪ :‬فعندما يقابل بين‬ ‫العمران والاجتماع ومعهما بين وصف الأول بالبشري والثاني بالإنساني لا بد أن يكون‬ ‫وراء ذلك إشارة ما لمبدأ التأسيس الذي أطلبه‪ .‬وهذا الأساس الذي جاء في شكل إشارة‬ ‫بدل العبارة هو دلالة هذين المقابلتين‪:‬‬ ‫فما الفرق بين العمراني والاجتماعي؟‬ ‫وما الفرق بين البشري والإنساني؟‬ ‫وما علاقة العمراني البشري والاجتماعي الإنساني أحدهما بالآخر؟‬ ‫وهنا نجد مفهومين خلدونيين أهملهما قراؤه العجلون في المقارنات السطحية‪ .‬فأما المفهوم‬ ‫الأول فهو مفهوم \"معاني الإنسانية\" صالحها وفاسدها‪ .‬وأما المفهوم الثاني فهو تعريف‬ ‫الإنسان فريد النوع لجمعه بين الفلسفي والديني \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له\"‪ .‬فهو تعريف فلسفي لوجود \"بطبعه\" وهو تعريف ديني لوجود \"الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له\"‪ .‬وكل ذلك عجيب وغريب‪.‬‬ ‫ثم \"معاني الإنسانية\" نسبت إلى \"حيثية\" أعجب واغرب‪\" :‬وفسدت معاني الإنسانية التي‬ ‫له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزلة وصار عيالا على‬ ‫غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها‬ ‫ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين\"‪.‬‬ ‫ما الذي يوحد بين هذه الملاحظات الثلاث؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كيف يؤسس ابن خلدون \"معاني الإنسانية\" على حيثية كون الإنسان له \"الاجتماع‬ ‫والتمدن\"؟‬ ‫وكيف يوحد بين \"الاجتماع والتمدن\" والحمية والمدافعة عن النفس والمنزل فيعتبر غياب‬ ‫هذين دليلا على غياب ذينك ويسمى ذلك فساد معاني الإنسانية؟‬ ‫لنصل ذلك بتعريف الإنسان‪.‬‬ ‫فنجد أن معاني الإنسانية التي للإنسان من حيث الاجتماع والتمدن والتي تتعين في‬ ‫الحمية والمدافعة عن الذات المنزل علتها كون الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف‬ ‫الذي خلق له\"‪ .‬فيكون معنى \"فارتكس وعاد في أسفل سافلين\" المعنى القرآني في سورة العصر‬ ‫\"إن الإنسان لفي خسر\" لفقدان أحسن التقويم‪.‬‬ ‫وإذن فابن خلدون يتكلم على نكوص يحصل بسبب فساد التربية والحكم فلا يكون الأمر‬ ‫متعلقا بفساد وجودي في كيان الإنسان لأن ذلك في الرؤية القرآنية لم يعد موجودا لأن‬ ‫الإسلام ألغى ما يسمى في المسيحية بالخطيئة الموروث‪ Die Εrbsünde‬التي تحتاج إلى‬ ‫شفيع هو المسيح ووساطة كنسية ووصاية سياسية‪.‬‬ ‫وهكذا فقد اكتشفنا معنى \"العنف\" الذي يعلل به ابن خلدون فساد معاني الإنسانية‬ ‫ويرده إلى عنف التربية وعنف الحكم‪ .‬فعنف التربية هو إذن الوساطة التي تنقل المربي‬ ‫من كونه مذكرا (إنما أنت مذكر) إلى كونه ملقنا باعتباره وسيطا بين المتعلم وبين ربه‬ ‫وعنف الحكم هو الوصاية السياسية باسم حق إلهي‪.‬‬ ‫فيكون الحاصل من الجمع بين هذه المعاني الثلاثة الخلدونية أن العودة أسفل سافلين‬ ‫تعني من حيث الأساس العودة إلى ما حررت الإنسان منه الكلمات التي تلقاها آدم فأتمهن‬ ‫فعفا عنه ربه وهو ما اقتضى الرسالة الخاتمة لتحرير الإنسان من علة هذه العودة وهي‬ ‫عقيدة الخطيئة الموروثة وما يترتب عليها‪ .‬والتحرير مما ترتب عليها هو‪:‬‬ ‫‪ .1‬إلغاء عقيدة الخطيئة الموروثة‪.‬‬ ‫‪ .2‬الغاء الحاجة إلى عقيدة ابن الله الشفيع‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .3‬ألغاء نائبته أو الوساطة الروحية (الكنسية)‪.‬‬ ‫‪ .4‬والغاء الحكم باسم الحق الإلهي بشرعية مستمدة من الكنيسة‪.‬‬ ‫‪ .5‬ومن ثم تحديد شروط التحرر من الخسر في سورة العصر‪.‬‬ ‫وهذه الشروط خمسة هي بدورها لأنها هي التي تحرر من هذه المعوقات التي ابتدعها‬ ‫الإنسان ليؤسس عليها سلطانه الروحي والمادي على غيره من البشر وهو معنى عبادة العباد‬ ‫للعباد التي أراد الإسلام تحرير البشرية منها بعبادة رب العباد‪ .‬وهذه أكبر ثورة في تاريخ‬ ‫الإنسانية ولذلك فهي أعسرها تحقيقا واكثرها تعثرا‪.‬‬ ‫ولعل أكثر معثريها علومها المغشوشة التي بينت أنها جمعيها حرفت المطلوب لتحقيق مهمتي‬ ‫الإنسان قلبا لفصلت ‪ 53‬ولآل عمران ‪ 7‬قلبا جعل أمر الأولى نهيا ونهي الثانية أمرا‪ .‬لذلك‬ ‫فـ‪ 14‬قرنا من تاريخنا لم تكن كافية لفهمها والسعي إليها بوعي واستراتيجية محددة‬ ‫الأهداف والطرق‪.‬‬ ‫ولم يكن ذلك مقصورا على العلوم المتفرعة عن الدين بل هو يشمل العلوم المتفرعة عن‬ ‫الفلسفة‪ .‬ذلك أن المدرستين الفلسفيتين (الأأفلاطونية الأرسطية) اللتين أثرتا في‬ ‫كاريكاتور التأصيل والمدرستين الفلسفيتين (الهيجلية والماركسية) اللتين أثرتا في كاريكاتور‬ ‫التحديث أربعتها هي المسؤولة على هذا التعثر الذي وإن لم يؤثر كثيرا في تعمير الأرض‬ ‫في الغرب فإنه مع ذلك قد جعله تدميرا أكثر منه تعميرا بسبب وهم ابستمولوجيا المطابقة‬ ‫لعلم الموجود وأكسيولوجيا المطابقة لعمل المنشود‪.‬‬ ‫وذلك ما أسعى إلى المشاركة في إجلائه إن لم أقل إلى البدء فيه لأن كل المحاولات التي‬ ‫قدمت خلال القرنين الاخيرين آلت إلى ما فكر من سميتهم بالكاريكاتورين ‪ .‬ومحاولتي‬ ‫تعتمد على إعادة النظر في تفسير القرآن الكريم بما يحدده هو نفسه من شروطه فهمه‬ ‫وفهم تاريخ الأمة بسنن التاريخ الإنساني أولا وبومضات فكر المدرسة النقدية (الغزالي‬ ‫وابن تيمية وابن خلدون) ثانيا بعد أن أصل فكرهما بأولا وبيان ما يخفيه وراء عدم‬ ‫النسقية التي تسيطر على محاولاتهم‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬الوعي بالخسر وعلله التي هي العناصر التي تكلمنا على إلغائها‪.‬‬ ‫‪ .2‬الإيمان (الصادق لأن القصد الإيمان الحقيقي أو ما لا نفاق فيه)‪.‬‬ ‫‪ .3‬العمل الصالح وهو في آن واجب بذاته وبوصفه علامة صدق الإيمان‪.‬‬ ‫‪ .4‬التواصي بالحق هو اجتهاد من يتصفون بالثلاثة السابقة في معرفة الحقيقة‪.‬‬ ‫‪ .5‬التواصي بالصبر وهو جهاد من يتصفون بالأربعة السابقة في العمل بالحقيقة‪.‬‬ ‫والثاني والثالث هما علة الغاء الوساطة الروحية والرابع والخامس هما علة الغاء‬ ‫الوصاية السياسية في الجماعة الحرة‪ .‬أما الأول فهو حقيقة وعي الإنسان بأن الاخلاد إلى‬ ‫الأرض هو الخسر بمعنى عدم الاشرئباب إلى ما يتعالى على الامر الواقع ويحرر منه بالأمر‬ ‫الواجب‪.‬‬ ‫وتلك هي فلسفة التاريخ القرآنية فتكون فلسفة التاريخ الضمنية في المقدمة هي عين‬ ‫هذه الفلسفة عندما نبحث وراء كلام ابن خلدون عن تعليله المسكوت عنه عبارة والمحال‬ ‫عليه إشارة‪ :‬فالعنف في التربية ليس مجرد استعمال الضرب مثلا بل هو تحول المعلم إلى‬ ‫سلطة روحية بدلا من أن يكون مجرد مذكر‪.‬‬ ‫فعندما يقول الله للرسول الخاتم \"إنما أنت مذكر\" ثم يضيف \"لست عليهم بمسيطر\" فمعنى‬ ‫ذلك أن ما يعلمه المعلم ليس المضمون المعرفي إذ هو مطالب بالتذكير هذا المضمون ما يعني‬ ‫أنه موجود لدى المتعلم وهي القدرة على العلاقة المباشرة بالحقيقة التي فطر عليها بدلا‬ ‫من رؤية وسيط لهذه الحقيقة‪.‬‬ ‫ولو لم يذكر القرآن أن الرسول نفسه قد حدث له أن كاد أن يقع في ما لأجله جاء هذا‬ ‫التذكير وعصمه الله قبل أن يتورط بما يفسد دوره لما كنت واثقا من أن الرسول منزه عن‬ ‫ذلك وأنه سلك بما يقتضيه القرآن من واجبات المعلم والحاكم بالطريقة القرآنية ولذلك‬ ‫لعلتين ذكرهما القرآن وما كان ذلك ليحدث أولا وليذكر به القرآن لو لم يكن القصد بيان‬ ‫العقبتين أمام الديني والفلسفي وضرورة الحذر الدائم منهما‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬إما بسبب نزغ الشيطان الذي لا أحد معصوم منه بمن في ذلك الأنبياء بدليل‬ ‫حصوله للرسول ونجاه ربه من خبثه‪.‬‬ ‫‪ .2‬واغراء اصحاب القوة في الجماعة وهو من جنس نزغ الشيطان على الأقل بسبب‬ ‫حاجة السياسة للمداراة‪.‬‬ ‫وما كان المعلم يحتاج إلى العنف المادي لو لم يكن بسبب فشل هذا العنف الروحي لأن‬ ‫الحاجة إلى الضرب علتها توهم نقص الفهم أو الجهد للفهم عند المتعلم للظن أنه عليه أن‬ ‫يرى ما يراه المعلم وليس ما يراه هو بنفسه وأن المعلم \"إنما هو مذكر\" و\"ليس على المتعلم‬ ‫بمسيطر\"‪ .‬الوساطة هي العنف الحقيقي‪.‬‬ ‫ذلك أن الوساطة هي التي تقضي على أهم مقومات ذات الفرد‪ :‬الاستقلال الروحي‬ ‫والفكري أي ما هو به إنسان ولذلك اعتبر ابن خلدون نظام التعليم العنيف مفسدا بالجوهر‬ ‫لمعاني الإنسانية‪ .‬ثم قاس عليها الحكم باعتباره بنحو ما نظاما يواصل تربية الإنسان إما‬ ‫على الحرية والكرامة أو على العبودية واللاكرامة‪ .‬وهما الداءان اللذان له الفضل في‬ ‫اكتشاف دورهما هذا‪.‬‬ ‫وهي عنف لأنها قتل للاجتهاد الذاتي‪ :‬فالتواصي بالحق يعني أن الجميع مفروض عليه‬ ‫عينيا أن يجتهد لتصح المشاركة في الفعل \"تواص\" وليس وصاية‪ .‬وقياسا على التربية قاس‬ ‫ابن خلدون الحكم‪ .‬فالعنف هنا ليس الاضطهاد المادي فحسب بل علته الوصاية‪ :‬وهي \"لا‬ ‫أريكم إلا ما أرى \"نفيا لـ\"لست عليهم بمسيطر\"‪.‬‬ ‫الوساطة التربوية تلغي اجتهاد التواصي بالحق فرض عين على المؤمن الذي يريد أن‬ ‫يعمل صالحا في رعاية والجماعة وحمايتها والوصاية السياسية تلغي جهاد التواصي بالصبر‬ ‫فرض عين على المؤمن الذي يريد أن يعمل عملا صالحا في رعاية الجماعة وحمايتها أي‬ ‫إلغاء للاستثناء من الخسر وعودة لأسفل سافلين‪.‬‬ ‫تلك هي علة استعمال ابن خلدون \"عاد\" بدل \"رد\" الواردة في القرآن‪ .‬ذلك أن الرد‬ ‫أسفل سافلين متقدم على \"الفرصة الثانية\" التي أعطيت لآدم في القصة القرآنية حتي يثبت‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫جدارته بالاستخلاف التي من أجلها استخلف والتي شكك الملائكة في أهليته لها‪ .‬فيتبين أن‬ ‫المقدمة تتأسس على تواز بين فلسفتين‪.‬‬ ‫فلسفة تاريخ متناظرة تماما مع فلسفة دين كلتاهما وردت في القرآن كما هو بين من البنية‬ ‫النسقية الواردة في سورة هود‪ :‬فمن علاقة الإنسان بسلطان الطبيعة بداية (نوح والطوفان‬ ‫وصلة الجماعة بالرسالة الدينية) إلى علاقته بسلطان الدولة (موسى وفرعون وعلاقة‬ ‫الجماعة بالرسالة الدينية) يتم الانتقال المتدرج من استبداد الطبيعة وتكليف نوح‬ ‫بالتحرير منها إلى استبداد الفرعونية وتكليف موسى بالتحرير منها‪.‬‬ ‫والتحرير من استبداد الطبيعة تم بالتقنية والزراعة هو موضوع رسالة نوح (صنع الفلك‬ ‫وأخذ زوجين اثنين من كل شيء لاستنباته) والتحرير من استبداد السياسة هو موضوع‬ ‫رسالة موسى وقد شرع فيه بالشريعة والتحرر من الدولة الفرعونية‪ .‬لكن شعبه نكص إلى‬ ‫دين العجل‪ .‬وبين التحريرين نجد القضايا الخمس التي تحقق التحريرين أفضل تحقيق‬ ‫عند علاجها بما تتطابق فيه الديني وفلسفته والتاريخي وفلسفته القرآنيتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬مشكل توزيع الثروة (هود)‪.‬‬ ‫‪ .2‬مشكل توزيع الماء (صالح)‪.‬‬ ‫‪ .3‬مشكل فساد الجنس (لوط)‪.‬‬ ‫‪ .4‬مشكل شروط عدل التبادل (شعيب)‪.‬‬ ‫فـ\"رسالة هود\" وضعت مشكل استبداد المافية الاقتصادية‪ .‬ورسالة \"صالح\" وضعت مشكل‬ ‫توزيع الماء مصدر الحياة الأول‪ .‬ورسالة \"لوط\" وضعت مشكل الجنس مصدر الحياة الثاني‪.‬‬ ‫ورسالة \"شعيب\" وضعت مشكل شروط العدل في التبادل بالموازين والتعويض العادل‪ .‬وهذه‬ ‫هي المشاكل التي يعالجها ابن خلدون في المقدمة مع الانتقال من التحرير من سلطان الطبيعة‬ ‫(رسالة نوح) إلى التحرير من سلطان السياسة (رسالة موسى)‪.‬‬ ‫لكن ذلك لا يمكن أن يفهم من دون الوصل مع تعريف الإنسان بوصفه \"رئيسا بطبعه‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪ .‬فيكون مضمون فلسفة الدين هو بيان تاريخ الرسالات‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫التي سعت إلى تحقيق هذا التعريف وتكون هذا الرسالات ممثلة لمراحل التحرير في التاريخ‬ ‫الفعلي وتلك هي فلسفة التاريخ المطابقة لها‪.‬‬ ‫من هنا نفهم القصد بأن معاني الإنسانية عند ابن خلدون تتحدد بوصفها \"الحمية‬ ‫والمدافعة من حيث الاجتماع والتمدن\" بمعنى أن معاني الإنسانية (مفهوم من فلسفة الدين‬ ‫أو من تعريف الإنسان فيها) هي ما يترتب على الاجتماع والتمدن من صفات تجعل الإنسان‬ ‫حريصا على تحقيق حد حقيقة الإنسان رئيسا بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫فكون الإنسان رئيسا بطبعه يعني أنه متحرر من الوساطة والوصاية سلطانين إنسانيين‬ ‫عليه يلغيان حريته الروحية والسياسية‪ .‬وكونه \"خليفة بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‬ ‫يعني أنه متحرر من سلطان الطبيعة والتاريخ لأنه مجهز بما يجعله قادرا على تعمير الدنيا‬ ‫واستخراج شروط بقائه بعلمه وتطبيقاته وبعمله وتشريعاته‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫قد يسارع القاري المتعجل فيظن أني بما قلت عن مقدمة ابن خلدون قد نكصت إلى القول‬ ‫بالإعجاز العلمي ما دمت أبدو وكأني اعتبر علمه موجودا في القرآن أو على الأقل مستمد‬ ‫منه‪ .‬وهذه فرصة لتوضيح طبيعة معارضتي للقول بالإعجاز العلمي وقولي في آن إن القرآن‬ ‫يمثل الرؤية التي تحرر مما كان سائدا في الابستمولوجيا والاكسيولوجيا التي ورثها فكر‬ ‫المسلمين من ثقافة عصرهم التي هي يونانية مختلطة بالثقافة الدينية المتقدمة على‬ ‫الإسلام‪.‬‬ ‫ولكن قبل ذلك أسأل‪:‬‬ ‫أليس ما أبدعه ابن خلدون سابق على ما بينت دلالته القرآنية التي اكتشفتها بالانطلاق‬ ‫مما أمرت به الرؤية القرآنية في فصلت ‪53‬؟‬ ‫وهل ادعيت أن هذا التأويل لمصادر فكر ابن خلدون كان بمعنى المضمون المعرفي وليس‬ ‫بمعنى المناخ الرؤيوي المحرر من الموروث السائد أو الرؤية التي جعلته يكتشف ما اكتشف‬ ‫في فلسفة التاريخ بالانطلاق من مفهوم الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له\" ومفهوم معاني الإنسانية القرآنيين؟‬ ‫أفي هذا تقول على القرآن؟‬ ‫وما الصلة بين اكتشاف ابن خلدون لفلسفة التاريخ الذي كما بينت ما يزال ناقصا وإلا لما‬ ‫احتجنا لتجاوزه والتفكير في خلدونية جديدة ‪-‬وهو أمر طلبه هو نفسه في خاتمة المقدمة‪-‬‬ ‫والرؤية التي تفسر بحثي في منطلقاته وفي الرؤية التي جعلته يرى ما لم يره غيره‪:‬‬ ‫فرضيتي رؤية القرآن للإنسان والتاريخ‪.‬‬ ‫وفرضيتي ليست تحكمية‪ .‬فابن خلدون بنفسه هو الذي عينها‪ :‬ألم يقل إنه يريد أن‬ ‫يدرس العمران البشري والاجتماع الإنساني ليس من منطلق الأحكام السلطانية ولا من‬ ‫منطلق المدن المثالية بل من منطلق طبائع الأشياء وما فيها من قوانين وسنن؟ إنه تطبيق‬ ‫حرفي لفصلت ‪ 53‬أي آيات الله في الآفاق والأنفس وتجنب واع لتحريف آل عمران ‪.7‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وآيات الله في الآفاق وفي الأنفس هل يمكن طلبها من شرح كلمات القرآن؟ ما يسمى‬ ‫بالإعجاز العلمي هو توهم اكتشاف قوانين بالاعتماد على شرح آيات القرآن أو شرح آيات‬ ‫القرآن في ضوء ما يكتشفه غيرنا للدلالة على سبق علمي لم نكتشفه ونتوهم أنه المقصود‬ ‫في ما ندعيه بالتحكم اللساني لتأويل النص‪.‬‬ ‫فلا أنا قلت إن ابن خلدون استخرج قوانين التاريخ وسننه من شرح ألفاظ القرآن ولا هو‬ ‫زعم ذلك‪ .‬ما قلته هو أن ما توصل إليه ابن خلدون لا يمكن فهمه من دون وصله بالرؤية‬ ‫القرآنية للتاريخ إذا اعتبرنا هذه الرؤية لا تتبين حقيقتها‪-‬كما قالت فصلت ‪-53‬إلا من‬ ‫خلال ما يرينه الله من آيات الآفاق والأنفس التي توجه إليها ابن خلدون في عمله الفكري‬ ‫وتحرر من تخريف المتكلمين والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة الذين لم يتجاوزوا التعامل‬ ‫المقلوب معها ومع آل عمران ‪..7‬‬ ‫لو كان علم ابن خلدون مستمدا من شرح الفاظ القرآن مثلهم لكان ما اكتشفه قد كان‬ ‫موجودا قبل اكتشافه وادعى أنه موجود في شرح هذه ألفاظ القرآن كما يفعل دعاة الاعجاز‬ ‫العلمي في خرافاتهم‪ .‬لم نسمع بأحد منهم اكتشف قانونا علميا واحدا أو فلسفة ما انطلاقا‬ ‫من شرح الألفاظ بل كلهم يأخذون قانونا اكتشفه غيرهم بالبحث العلمي الجدي بعد ثم‬ ‫يتعسفوا على شرح ألفاظ القرآن حتى يجدوا فيها ما يشبهه توهما‪.‬‬ ‫وقد بينت أن هذا الوهم علته الظن أن القرآن فيه علم بالغيب في حين أن ما فيه هو‬ ‫إعلام بوجود الغيب واعلام بعجز الإنسان عن علمه وأن القرآن لا يمكن من ثم أن يكون‬ ‫رسالة موجهة إلى الإنسان ويتضمن ما هو نفسه يعلمه باستحالة علمه‪ .‬فهذا يعني أن‬ ‫الرسالة لو كان فيها علم بالغيب لما بقيت رسالة إلى الإنسان‪ .‬وما خرافة الراسخين في العلم‬ ‫سواء العقلي أو اللدني تمثل أكبر أكاذيب علمائنا‪ :‬الآية السابقة من آل عمران تعني‬ ‫بالرسوخ في العلم النقيض التام لما تحايلوا لتأويلها حتى تكون أساسا لسلطانهم في التربية‬ ‫المؤسس لسلطان الطغاة في الحكم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا التحيل جريمة في حق القرآن وفي حق الأمة‪ .‬ففي حق القرآن هو ادعاء أن القرآن‬ ‫لم يأت لكي يجعلنا نجتهد لتعمير الأرض ولجعل ذلك التعمير بقيم الاستخلاف بل أمدنا بما‬ ‫يغنينا عن الاجتهاد في المعرفة (التواصي بالحق) والجهاد في العمل بها (التواصي بالصبر)‪.‬‬ ‫بهذا الموقف الخاطئ يلغى التكليف من أصله‪.‬‬ ‫أما الجريمة في حق الأمة فلست بحاجة لشرحها‪ :‬يكفي رؤية حالها منذ قرون‪ .‬فلا هي‬ ‫قادرة على تعمير الارض ولا هي قادرة على اثبات جدارتها بالاستخلاف‪ .‬فهي تابعة في‬ ‫العمارة‪ .‬وهي كما بين ابن خلدون فاسدة معاني الإنسانية لأن تربيتها وحكمها يعتمدان‬ ‫على العنف ولا شيء غير العنف الأعمى والأصم‪ .‬والمعلوم أن لجوء الإنسان إلى العنف‬ ‫مصدره أمران‪:‬‬ ‫• الأول هو الجهل بحقيقة القوانين والسنن التي تغني عنه سواء تعلق بالتعامل مع‬ ‫الطبيعة أو مع البشر لأنها تحقق التعمير بقيم الاستخلاف كما يحددها القرآن الكريم‪.‬‬ ‫• والثاني الارتجال الناتج على انتظار حدوث الأشياء والوقوف منها موقف من يرد‬ ‫الفعل العاجز عن \"الحيل\" التي تبدعها المعرفة لاستباقها واعداد شروط علاجها‪.‬‬ ‫وهذا هو ما يسمى العمل على جهل وكل عمل ليس على علم اضطراب وليس فعلا إنسانيا‬ ‫خاضعا لتفكير سابق ومساوق ولاحق للفعل‪ .‬فالسابق يعد له استراتيجية والمساوق يعدلها‬ ‫خلال استعمالها واللاحق ينقدها لتغيير جذري إن لزم الأمر وبذلك يتقدم العلم والعمل‬ ‫في كل الحضارات الحية فرديا كان أو جماعيا‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى التواصي بالحق اجتهادا لمعرفته ومعنى التواصي بالصبر جهادا لتحقيقه‪.‬‬ ‫وشرط ذلك أن يكون الإنسان مؤمنا وعاملا صالحا‪ .‬ولا يمكن لذلك أن يحصل ما لم يكن‬ ‫الإنسان واعيا بأنه من دونه يكون في \"الخسر\"‪ .‬والخسر هو معنى الرد أسفل سافلين أي ما‬ ‫دون أهلية الاستخلاف الذي خلق له الإنسان‪.‬‬ ‫ونحن المسلمين يعلمنا القرآن أن هذا الرد تجاوزه الإنسان بما تقصه علينا قصة اتمام آدم‬ ‫للكلمات التي تلقاها فعفا عنه ربه ومن ثم فليس عندنا ما عند المسيحيين من خطيئة موروثة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بل الإنسان فطريا خير وما الشر في حياته إلى نتيجة الجهل بما في فطرته من تجهيز يمكنه‬ ‫من التعمير الاستخلافي‪.‬‬ ‫والخطيئة الموروثة هي التي بنى عليها الفكر الديني المسيحي قصة المسيح ابنا للرب (آل‬ ‫عمران ‪ )79‬حتى يؤسسوا عليها نظرية الشفيع الذي قبل الموت من أجل البشرية والذي‬ ‫تمثله الوساطة الكنسية والوصاية السياسية (الحكم باسم الله أو المسيح بتشريع كنسي)‪.‬‬ ‫وهذان التصوران هما علة العنفين‪.‬‬ ‫وهذه القصة تلطيف دون تغيير جوهري لنظرية شعب الله المختار‪ .‬من ذلك أن أحد‬ ‫كبار العلماء في الرياضيات وكبار المنظرين للمسيحية ‪-‬باسكال‪-‬زعم أن محمدا لا يمكن أن‬ ‫يكون رسولا لأنه ليس يهوديا‪ .‬وهو ما يعني أن الله لا يتصل بالبشر إلى بتوسط اليهود‬ ‫بخلاف نظرية القرآن في الرسالات‪.‬‬ ‫فالقرآن يعتبر أن لكل أمة رسولا بلسانها وأن الرسالة الخاتمة تذكير الديني في كل دين‬ ‫وهي الإسلام الذي هو دين الله المرسوم في ما فطر عليه الإنسان من حيث هو إنسان بصرف‬ ‫النظر عن عرقه ولونه ودينه وجنسه وعصره بل الإنسان من حيث هو إنسان شهد بذلك‬ ‫وهو في ظهر أبويه (الأعراف ‪.)173-172‬‬ ‫ولهذه العلة تكلمت على تواز تام بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ في القرآن‪ .‬والدليل‬ ‫القاطع في ذلك هو أن القرآن يعالج الامر في مستويين فضلا عن المسائل المتعلقة بالرسالة‬ ‫نفسها من حيث أبعادها الخمسة أي المرسل والمرسل اليه والرسول ومضمون الرسالة ومنهج‬ ‫التبليغ وهما العرض النقدي والبديل المحرر‪.‬‬ ‫فأما العرض النقدي فلا أحد يشكك في وجوده في القرآن إذ هو يستعرض كل الرسالات‬ ‫المتقدمة عليه ويحلل علل ما حال دونها والتحقق في التاريخ الفعلي للأمم التي تلقتها‪ .‬وأما‬ ‫البديل فلا أحد يشكك في وجوده كذلك إذ القرآن لم يكتف بهذا النقد للأمم بل بين علل‬ ‫ما حصل واقترح تربية وحكما يتجنباها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والتربية والحكم اللذان يتجنبان ما حصل في التجارب السابقة من عوائق حالت دون نجاح‬ ‫الرسالات السابقة بتخليصهما مما جعلهما محرفين للرسالات وعنيفين‪ .‬فالتحريف علته‬ ‫الأولى التربية بوجود الوساطة بين المؤمن وربه (الكنسية) فألغاها وعلته الثانية الحكم‬ ‫بوجود الوصاية بين المؤمن وأمره (أجهزة الدولة المتعالية على الجماعة) فألغاها‪.‬‬ ‫ولآخذ مثالا حيا من راهن تاريخنا‪ :‬من ينظر إلى ما يفعله أي حاكم عربي يفهم ما أقصده‬ ‫بالعنف المادي المؤسس على العنف الروحي‪ .‬لو أخذنا مثال أمير السعودية الحالي‪ .‬فهو‬ ‫يبدو ساعيا للتخلص من وساطة كنسية وهابية ليعوضها بكنسية ليبرالية للانتقال من حكم‬ ‫باسم الله إلى حكم باسم الإنسان‪.‬‬ ‫فيبدو الأمر للجاهل وكأنه تطور كبير لأنه يحاكي ما ينسب إلى الغرب من انتقال حصل‬ ‫في القرنين السادس عشر والسابع عشر حيث حد من سلطان الكنيسة بالإصلاح الديني ومن‬ ‫سلطان الحكم باسم الله بالديموقراطية‪ .‬لكنه في الحقيقة لم يصلح دينا ولم يحقق‬ ‫ديموقراطية بل ألغى اسم الله وأوهم أنه يعوضه باسم الإنسان‪.‬‬ ‫والعلة أنه جاهل بما يفعل‪ .‬ذلك أن الإسلام ليس فيه سلطة كنسية للتربية ولا يحكم‬ ‫باسم الله للسياسة‪ .‬فالتربية قانونها الإسلامي \"إنما أنت مذكر\" والحكم قانونه الإسلامي‬ ‫\"لست عليهم بمسيطر\"‪ .‬ما فعله هو أنه صار \"بابا\" يفكر بدلا من الأمة وطاغية يحكم بدلا‬ ‫من الأمة‪ :‬فلا هو أصيل ولا هو حديث‪.‬‬ ‫وقس عليه كل الحكام العرب ونخبهم التي تدعي الحداثة‪ .‬لكنهم فضحوا طبيعة ما‬ ‫يجري‪ .‬فهم لم يأخذوا من الغرب إلا البنية الخفية لنظامه والدعاية الكاذبة لجلي سطحها‪.‬‬ ‫فنظامه بخلاف ما يدعي ليس الحكم باسم الإنسان بديلا من الحكم باسم الله بل هو يحكم‬ ‫باسم دين العجل أي باسم المال الفاسد (معدن العجل) والاعلام الكاذب (خواره)‪.‬‬ ‫وأفضل مثال على ذلك ما نراه بالعين المجردة في الولايات المتحدة عامة وفي انتخاب‬ ‫ترومب (وفي انتخاب فرنسا في عهد ساركوزي مثلا)‪ .‬ولذلك فلا يمكن تصور انتخابات في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الغرب لا تعتمد على الأداتين الممثلتين لدين العجل‪ :‬المال الفاسد (الذهب مسروق في عجل‬ ‫بني إسرائيل) والإعلام الافسد منه (خوار عجل بني إسرائيل)‪.‬‬ ‫وكما أسلفت فالإسلام ألغى الوساطة في التربية سواء كان ذلك باسم النقل أو باسم العقل‬ ‫لأن ذلك هو أصل العنف التربوي المفسد لمعاني الإنسانية في الأذهان والوجدان‪.‬‬ ‫كما ألغى الوصاية في الحكم سواء كان ذلك بالحق الإلهي أو بالحق الإنساني المزعومين‬ ‫لأن ذلك هو أصل العنف السياسي المفسد لمعاني الإنسانية في الأعيان طبيعية كانت أو‬ ‫تاريخية‪ .‬وهذان العاملان المفسدان لمعاني الإنسانية يتبين مفعولهما في الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫كما يتبين عسر تحقيق ما سعى إليه الإسلام لتحقيق هذين الثورتين المحررتين من‬ ‫الوساطة والوصاية‪ .‬فإبداع البديلين منهما هما عين السعي لتقيق مفهوم الإنسان كما عرفه‬ ‫ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لولا إيماني بمبدأين لا حياة للفكر من دونهما لكان ما أكتبه فاقدا لكل معنى‪ .‬ولولا‬ ‫إيماني بضرورة تحرير ثقافتنا من الآفتين اللتين تنافيان هذين المبدأين لتركت الكلام في‬ ‫أعمال غيري ‪-‬دون ذكر الأسماء لكن المطلعين على ما يحري في ساحة الفكر المليئة بدعوى‬ ‫المشروعات الفكرية يعلمون من المقصودين‪-‬واكتفيت بما يفيد مما أقوم به لأعداد أرضية‬ ‫تساعد على تحرير حضارتنا من كسورها الإضافية إلى مسارها التاريخي الذاتي والإضافية‬ ‫إلى مسار غيرها من الحضارات التي ظهرت عليها بإبداعها الذي بقينا دونه بسبب فساد‬ ‫الرؤي التي أفسدت التربية والحكم فأفسدت في أجيال كثير منا معاني الإنسانية بلغة ابن‬ ‫خلدون‪:‬‬ ‫‪ .1‬لا يمكن لأي فكر حي أن يبدع شيئا إذا لم يكن حائزا على ما به ظهر عليه فكر‬ ‫منافس بمعنى أن الحضارة الإسلامية لن تبدع شيئا ما ظلت عاجزة عن استيعاب ما به ظهر‬ ‫عليها فكر الغرب الذي بزها في ما سبقته إليه وانحطت دونه‪.‬‬ ‫‪ .2‬لا يمكن لفكر أمة أن يستأنف الإبداع ما لم يجبر الكسر بين ماضيه المزدهر‬ ‫وحاضرة المكفهر‪ .‬فالحاضر الإسلامي عامة والعربي خاصة فاقد للوصلين بين ذاته الحاضرة‬ ‫وذاته الماضية ثم بين كيانه الخاص والكيان الكوني الذي تتحدد به حياة الحضارات أيا كان‬ ‫تنوعها واختلافها‪.‬‬ ‫فما به تحيا الحضارات ليس بما تكون به خصوصية بل ما به تكون كونية في نوعي علاقتها‬ ‫بالطبيعة وبالتاريخ أعني بالنظر والعقد في الإبستمولوجي وبالعمل والشرع في‬ ‫الأكسيولوجي لأن الحضارة تكون حية بعلاقتها العمودية بالطبيعة لأساسها العضوي‬ ‫وبعلاقتها الأفقية بالتاريخ لأساسها الروحي‪.‬‬ ‫ليكن مثالي اللسان‪ .‬فاللسان الحي ليس بخصوصيته التي هي كون اللسان عربيا مثلا بل‬ ‫بكونية الحيوية اللسانية وهي كون اللسان صار حاملا للكوني من المعاني في الابستمولوجي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نظرا وعقدا أو في التعبير عن العلاقة بقوانين الطبيعة وفي الأكسيولوجي عملا وشرعا أو‬ ‫في التعبير عن العلاقة بسنن التاريخ‪.‬‬ ‫والعلاقة بسنن التاريخ قيمية لأنها تتعلق بحرية الإرادة وبصدق العلم وبخير القدرة‬ ‫وبجمال الحياة وبجلال الرؤية الوجودية‪ .‬وتلك هي القيم التي تجعل الإنسان استنادا إلى‬ ‫النظر والعقد يستطيع أن يحدد العمل والشرع نظامين (التربية والحكم) يجعل بهما هذه‬ ‫القيم عين محددات فعله التاريخي بوصفه حرا‪.‬‬ ‫فلا يكون خصوصيا في اللسان حينها إلى الأصوات التي لا تختلف عن أي مادة تشكيلية‬ ‫للفنون‪ .‬وهي بهذا المعنى مادة تشكيلية للغة الأدبية التي هي كونية من حيث هي أدبية‬ ‫وربما قومية من حيث مادة القول إذ حتى فنون البلاغة فهي كونية ولا تختلف لغة عن لغة‬ ‫إلا كميا في استعمال الفنيات البلاغية التي هي آليات كونية تعود إلى تنسابات رياضية بين‬ ‫عناصر الخطاب وأدوات التواصل الواحدة في كل الألسن سواء كانت بالعبارة أو بالإشارة‬ ‫المصاحبة للعبارة حالة فيها أو حالة في المعبر بالإشارة البدنية (في الخطاب الحي لا في‬ ‫المكتوب)‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فابن خلدون يتكلم على العمران البشري وليس الإسلامي والاجتماع‬ ‫الإنساني وليس الإسلامي رغم أن جل أمثلته مستمدة من الحضارة الإسلامية لأن المهم في‬ ‫الأمثلة ليس تعينها بل ما فيها من تعين للكوني في المجالات الخمسة التي تتعلق بالإرادة‬ ‫والعلم والقدرة والحياة والوجود كما بينت‪.‬‬ ‫فالإرادة من حيث هي جماعية هي السياسة‪ .‬والعلم من حيث هو جماعي هو النظر‬ ‫والعقد‪ .‬والقدرة من حيث هي جماعية هي الانتاج الاقتصادي والثقافي‪ .‬والحياة من حيث‬ ‫هي جماعية هي \"الأنس بالعشير\" (خلدونيا) أو الذوق‪ .‬والوجود من حيث هو جماعي هو‬ ‫الرؤية الدينية والفلسفية التي تمثل مرجعية كل ما تقدم هنا‪.‬‬ ‫والرؤية الدينية والفلسفية هي العمل والشرع بمعنى أن عمل الجماعة وشرعها هما‬ ‫زبدة إرادتها الجماعية ونظرها وعقدها الجماعيين واقتصادها وثقافتها الجماعيين وانسها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بالعشر الجماعي ورؤيتها الوجودية التي هي المرجعية الجماعية والتي من وظيفة الفلسفة‬ ‫والدين العبارة عنها اساسا للتربية والحكم‪ .‬وبهذا المعنى فكل المبالغين في طلب الخصوصية‬ ‫لا يمكن أن يسهموا حقا في جبر الكسر المضاعف‪:‬‬ ‫‪ .1‬لن يسهموا في استيعاب ما به ظهر على الحضارة الإسلامية منافسوها وهو شرط إذ‬ ‫فهمنا أن التجاوز علته غياب مشترك كلي لم نتمكن من المشاركة فيه‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولن يسهموا في جبر الكسر الذاتي بين ماضينا وحاضرنا لأن صورتهم عنهما زائفة‬ ‫لا علاقة لها بما فيهما حقا لحصرهما في ما يعتبرونه خاصا بهما‪.‬‬ ‫وهنا يأتي دور الأساسين اللذين وضعت نظريتهما لانتقال من الخلدونية إلى الخلدونية‬ ‫المحدثة ومن التيمية إلى التيمية المحدثة استنادا إلى ضمير ما في عملهما من شروط تجعله‬ ‫يتجاوز نفسه في فهم العلاقة بين الفلسفي والديني أو إن صح التعبير بين الواحد فيهما‬ ‫والذي هو جوهر ما يتميز به الإسلام‪ :‬الجمع بين اللب الواحد أو الفلسفي المتعين في‬ ‫الفلسفات التاريخية والديني المتعين في الأديان التاريخية‪.‬‬ ‫فما يتميز به الإسلام هو الكوني في الديني أي ما لكونه كونيا لا يمكن أن يكون مخالفا لما‬ ‫يمكن أن يكون كونيا في الفلسفي‪ :‬ولذلك فكل استدلاله بخلاف ما يقصه عن الاديان التي‬ ‫يستعرضها في النقد التاريخي لمجرات تحريفها لا يعتمد على الخوارق للإقناع بل على نظام‬ ‫الطبيعة ونظام التاريخ‪.‬‬ ‫وكلما عاجز العرب الرسول الخاتم رد بأن المعجزات ليست ضرورية للتبليغ وأنها تستعمل‬ ‫للتخويف وليس للإقناع واكتفي بالقول إن معجزته هي القرآن من حيث هو خطاب تذكيري‬ ‫بما في الإنسان من فطرة هي التي بالاحتكام إليها يكتشف أن ما يقوله القرآن يمكنه تبين‬ ‫حقيقته من آيات الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫وبذلك يتبين أن الآفاق والانفس هي الطبيعة والتاريخ وأن الآيات التي يرينها الله‬ ‫فيهما هي قوانين الطبيعة وسنن التاريخ وهما النظامان اللذان يستدل بهما القرآن على ما‬ ‫يذكرنا به ويطلب منها أن نبحث فيهما حتى نتبين أن القرآن حق‪ .‬فالقرآن معجز بذلك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وليس باللغة أو بالأسلوب أو بالإعجاز العلمي حتى لو وجد فيه ما يمكن أن يكون شبه توقع‬ ‫لما سيكتشفه الإنسان لكنه ليس إعجازا علميا بمعنى علم الغيب بل بمعنى توقع الغائب‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من إضافة مفهوم قد يكون علة القول بالأعجاز العلمي عند الكثير ممن‬ ‫يقدمون عليه بحسن نية وليسوا دجالين‪ .‬ففي القرآن فعلا توقعات تطابق الكثير مما هو‬ ‫من الغائب وليس من الغيب‪ .‬فكل ما يتعلق بالمستقبل من المآلات قابل للتوقع عقليا‪ -‬ودون‬ ‫حاجة لعلم الغيب الذي هو بنص القرآن محجوب حتى على الأنبياء‪-‬إذا توفرت للمتوقع‬ ‫مقدماته‪.‬‬ ‫لذلك فكل ما في القرآن من توقعات لمستقبل القيم الخمس ليس من الاعجاز العلمي بل‬ ‫من صواب التوقع الذي يمثل أهم ما يذكر به القرآن حتى ينقل الإنسان من الإدراك‬ ‫الحسي إلى الإدراك المتجاوز للحواس كما في المقابلة بين البصر والبصيرة لأن هذه التوقعات‬ ‫هي التي تجعل الإنسان يكون على {بل الإنسان على نفسه بصيرة*ولو ألقى معاذيره}‬ ‫(القيامة ‪:)15-14‬‬ ‫‪ .1‬توقع مآلات الإرادة الإنسانية وتطبيقاتها السياسية بمجرد معرفة ما فطر عليه‬ ‫الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .2‬توقع مآلات المعرفة الإنسانية وتطبيقاتها التقنية بمجرد معرفة ما يخضع له نظام‬ ‫العالم الطبيعي القانوني ونظام التاريخي ونظامه السنني‪.‬‬ ‫‪ .3‬توقع مآلات القدرة الإنسانية المادية والروحية بمجرد معرفة ما يحدد سلوك‬ ‫البشر في التبادل والتواصل‪.‬‬ ‫‪ .4‬توقع مآلات الذوق الإنساني الجمالي والروحي بمجرد معرفة ما يحدد تمحض‬ ‫الإدراك الإنساني للذوقيات الجمالية والروحية‪.‬‬ ‫‪ .5‬وأخيرا توقع مآلات الرؤى الإنسانية سواء بشكل منظم منطقيا (الفلسفة) أو‬ ‫مخوطر وجدانيا (كما في الإبداع الأدبي) بمجرد معرفة سبل تأمل ما تقدم في هذه الأصناف‬ ‫الخمسة من القيم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولم أقل إن الدين والفلسفة متطابقان بل قلت إن الديني والفلسفي متطابقان‪ .‬ذلك‬ ‫أنه ليس كل دين ديني وليس كل فلسفة فلسفية‪ .‬وكل اعمال الإنسان فيها ما يطابق‬ ‫حقيقتها وفيها ما لا يطابقه‪ .‬ولولا ذلك لما وجد فرق بين المثال من حيث هو غاية كمال‬ ‫الشيء والحاصل منه بوصفه الاشرئباب لتحصيل المثال‪.‬‬ ‫وهذا هو جوهر الخلاف الاساسي مع رؤية هيجل التي نكصت إلى القول بالمطابقة‬ ‫الابستمولوجية والأكسيولوجية لمجرد اعتباره أن هذا الفرق بين المثال والحاصل منه أو بين‬ ‫الموجود والمنشود علامة نقص إنساني وليست علامة كمال حقيقي يحرر من وهم المطابقة‬ ‫الله والإنسان فيؤسس لوحدة الوجود والذاتوية‪.‬‬ ‫فكل الخدعة الهيجلية تمثلت في خلط غريب بين سلب العلم بالمنشود وسلب المنشود‬ ‫بالقياس إلى الموجود لظنه أن الموجود يقبل الرد إلى المعلوم بسب قوله بنظرية المعرفة‬ ‫المطابقة سعيا منه للتحرر من المفهوم الحد الكنطي \"الشيء في ذاته\" مقابل الظاهر الذي‬ ‫نعلمه منه‪ .‬فلان هيجل يخلط بين المعلوم والموجود‪-‬نكوصا منه إلى نظرية المعرفة القائلة‬ ‫بالمطابقة‪ -‬يتصور المعدوم في العلم هو المنشود وثم يوحد بينه وبين المعدوم في الوجود‪ .‬ما‬ ‫ينشده الإنسان ليس معدوما في الوجود بل في علمه به‪ .‬نقص العلم بالموجود ليس نقصا في‬ ‫الموجود الذي لا نحيط به علما يستنفد لا تناهيه‪.‬‬ ‫فلو كان علمنا محيطا لما كان المنشود في اشرئبابنا للكمال موجودا ولكان الإنسان إلها غنيا‬ ‫عن الاشرئباب إلى ما يعلم وجدانه لأنه لا يعيش فقدانه‪ .‬المنشود ليس تعويضيا بالمعنى‬ ‫الذي فهمه تلميذه فيورباخ بل هو الوعي بموجود لا نحيط به فيكون السلب في علمنا به‬ ‫رغم إيماننا بوجوده وليس في المشرأب إليه‪ .‬ومن ثم فلا سلب في وجوده بل في كونه منشودا‬ ‫عند فاقده‪.‬‬ ‫وبذلك فكل القضية في النكوص الهيجلي إلى ما قبل كنط علتها أنه نكص إلى القول‬ ‫بالمطابقة في العلم وفي العمل معتبرا عدمها ليس دليلا على طابعها الاستكمالي بل على وعي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بنقص علته الخيال فيكون الفرق بين علمنا بالشيء والشيء في ذاته وهما بل الشيء يرد‬ ‫إلى إدراكه وذلك هو الوهم حسب ابن خلدون‪.‬‬ ‫كل التعصب والدغمائية في الكلام والفلسفة علتهما هذا الوهم‪ :‬فمن يعتبـر موضوع علمه‬ ‫لا يختلف عن علمه ويصدق أن علمه محيط وأنه مالك للحقيقة لن يفهم أن غيره إذا كان‬ ‫هذا موقفه لن يبقى لهما ما يستند إليه التواصل بينهما فيصبح اللقاء الوحيد بينهما هو‬ ‫الحرب التي يصفها هيجل بصراع السيد والعبد‪ .‬فإما قاتل ومقتول أو سيد وعبد‪.‬‬ ‫لا يمكن بمنطق هيجل وماركس أن يتوقف الصراع لتحصل الغاية ‪-‬الاعتراف عند الأول‬ ‫والمساواة عند الثاني‪-‬لأن ذلك ينافي الآلية الجدلية المؤسسة على الصارع الهادف لإلغاء‬ ‫الفرق بين الموجود والمنشود والمعتبر مجرد خيال ناتـج عن نقص في الإنسان قابل للتجاوز‬ ‫وليس علاقة بين موجودين‪.‬‬ ‫فمن دون الفرق بين الإلهي والإنساني والأول موجوده عين منشوده والثاني منشوده‬ ‫غير وجوده لكنه ليس معدوما حتى في كيانه لأنه عين ما فيه نشدان وهو معنى فطرة الله‬ ‫التي فطره عليها لا يمكن لا تحقيق الاعتراف بين البشر ولا المساواة‪ .‬فالاعتراف والمساواة‬ ‫بينهم يعنيان التحرر من وهم التأله‪.‬‬ ‫وهذا التحرر من وهم التأله هو الذي يؤسس عليه ابن خلدون شروط العمارة بقيم‬ ‫الاستخلاف في التربية روحيا وفي الحكم سياسيا‪ .‬وهما ما بمقتضاه يكون الإنسان \"رئيسا‬ ‫بطبعه وبمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" وهو ما يعني أن البشر لا يتعارفون ولا يتساوون‬ ‫من دون العبادية لله وحده دون وساطة ووصاية‪.‬‬ ‫وما أن يوجد وسطاء وأوصياء تفسد معاني الإنسانية فلا يبقى الإنسان رئيسا لا بطبعه‬ ‫ولا بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له لأنه يخلد إلى الأرض فيصبح كالكلب لا يتوقف عن‬ ‫اللهيث‪ .‬والوساطة والوصاية تبدو على نوعين متضادين في الثيوقراطيا (الحكم باسم الله)‬ ‫والانثروبوقرطيا (الحكم باسم الإنسان) وتبدو الثانية وكأنها نتيجة لثورة على الاولى‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكنهما في الحقيقة من طبيعة واحدة ولا تختلفان إلا بنوع الوساطة والوصاية‪ .‬وهي بنيتهما‬ ‫العميقة‪ :‬الأبيسيوقراطيا أو دين العجل‪.‬‬ ‫فالثيوقراطيا (كما في إيران) والأنثروبوقراطيا (كما في إسرائيل) وكما عند سنديهما‬ ‫الخارجيين (روسيا وأمريكا) بنيتهما العمقية هي دين العجل‪ .‬فالوصاية فيها لصاحب المال‬ ‫المافياوي‪ .‬والوساطة فيها لصاحب الإعلام الكاذب في خدمة إيديولوجيا كل خطابها مبني‬ ‫على الكلمات الأضداد‪ :‬فالحرية هي العبودية لمعدن العجل وخواره والكرامة هي فخامة‬ ‫الإخلاد إلى الأرض ومظاهر القوة البهيمية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهكذا إذن فحبر الكسرين ممكن أن يحصل بعملية واحدة هي ما حاولنا بيانه في هذا‬ ‫البحث وغيره مما بدأ منذ أن تبين لي في محاولة فهم نظام القرآن ما طرأ على فهمه من‬ ‫تحريفات أفسدت كل علوم الملة وجعلتها طلبا للسلطان على الإنسان وليس لمساعدته على‬ ‫تحقيق مهمتيه أعني تعمير الأرض بقيم الاستخلاف‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولا بيان أن ما يمكن من الانتقال إلى التيمية والخلدونية المحدثتين يمكن من جبر‬ ‫الكسر الذاتي بين ماضينا وحاضرنا‪.‬‬ ‫‪ .2‬ثانيا بيان أن ما ظهر به علينا من لا يمكن تجاوزه من دون استيعاب ما أبدعه هو ثمرة‬ ‫النظر والعقد في الإبستمولوجيا وثمرة العمل والشرع في الأكسيولوجيا‪.‬‬ ‫والجامع بين الكسرين هو أن ابن تيمية وابن خلدون وقبلهما الغزالي لم يكن لدورهما‬ ‫النقدي ما كان ينبغي أن يترتب عليه إيجابا بتقديم البديل الفعلي بل اكتفوا في غالب‬ ‫الأحيان بالحل السهل وهو سد الذرائع واعتبار الفكر الفلسفي غير ضروري بل وضار‪.‬‬ ‫فنقد اعتماد فكر المسلمين على ميتافيزيقا أرسطو لم يمكن من تجاوزها إلى بديل يمكن أن‬ ‫يخرج الإنسانية من ابستمولوجيا وأكسيولوجيا القائلتين بالمطابقة ومن القول بوحدة العالم‬ ‫واستغنائه عما ورائه غير علم الإنسان وعمله‪.‬‬ ‫ورغم تقدم هذا النقد الأبستمولوجي عند ابن تيمية الذي اكتشف القول بعدم المطابقة‬ ‫المعرفية وتقدم هذا النقد الأكسيولوجي عند ابن خلدون الذي اكتشف القول بعدم‬ ‫المطابقة القيمية فإن الموقف بقي من جنس سد الذرائع فكان ما يشبه تحريم الفلسفة سدا‬ ‫للذرائع بدلا من تأسيس فلسفة عدم المطابقة‪ .‬والنتيجة هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬قتل الموجود من الفكر الفلسفي دون إبداع المنشود منه بديلا كان يمكن أن يكون ثورة‬ ‫فلسفية متصالحة مع الثورة الدينية التي يمثلها القرآن والتي عكسها \"علماء\" الملة بأن جعلوا‬ ‫الأمر نهيا (فصلت ‪ )53‬والنهي أمرا (آل عمران ‪.)7‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬وذلك ما تمكن من تحقيقه الغرب وبات بفضله ظاهرا علينا وأعني أنه هو الذي عمل‬ ‫بأن الخلق قانونه رياضي تجريبي والأمر سنته سياسية خلقية حتى وإن أهمل قيم‬ ‫الاستخلاف وبدأ يشعر بضرورتها بعدما خرب كل شيء‪.‬‬ ‫ولما كان قد عمل بذلك في إطار الابستمولوجيا والاكسيولوجيا القائلتين بالمطابقة اي قبل‬ ‫النقد الكنطي فإنه قد جعل ذلك وكأنه ملغيا لما يترتب على الوعي بعدم المطابقة فتتغير‬ ‫الأبستمولوجيا والاكسيولوجيا بصورة تلغي ما ينتج من وهم رد الوجود إلى الإدراك من‬ ‫مادية صرفة تهدد العالم والإنسان‪.‬‬ ‫بحيث إن ما يبدو نجاحا في عمارة الارض تحول إلى تهديم نسقي للأرض نباتها وحيوانها‬ ‫وإنسانها ومناخها وبصورة عامة كل شروط الحياة السوية وخاصة كل القيم التي تجعل‬ ‫الإنسان جديرا بالاستخلاف‪ .‬فنكون نحن قد خسرنا مرتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فلا حصلنا على التعمير حتى بمجرده بل صرنا متروكين للتدمير النسقي‪.‬‬ ‫‪ .2‬ولا على الاستخلاف بسبب التبعية لأصحاب التدمير‪.‬‬ ‫فيكون جبر الكسرين بغاية الاستئناف هادفا إلى تحقيق التعمير بقيم الاستخلاف بمعنى‬ ‫أن ما ظهر به علينا منافسنا الحضاري منذ نهاية القرون الوسطى وبداية القرون الحديثة‬ ‫هو التعمير التهديمي وعلينا أن نتدارك التعمير المحرر من التدمير وذلك بجعله يحدث‬ ‫بقيم الاستخلاف للبشرية‪ :‬دور الإسلام‪.‬‬ ‫فالرؤية القرآنية الابستمولوجية تعتبر الطبيعة ‪-‬الخلق‪-‬بقدر أي بقوانين رياضية ثابتة‬ ‫تبدع ويكتشف ما يخضع لها فيها بالتجربة الطبيعية(الكلام على المدارك الحسية) وتعتبر‬ ‫التاريخ‪-‬الأمر‪-‬بسنن ثابتة لا تتحول ولا تتبدل تبدع ويكتشف ما يخضع لها فيه بالتجربة‬ ‫التاريخية‪ :‬وبنظاميهما يستدل القرآن‪.‬‬ ‫والعقد في علاقته بالنظر والشرع في علاقته بالعمل هما ما يحدد القيم التي تجعل التعمير‬ ‫يجري بمقتضى الاستخلاف أي إن الإنسان ليس معمرا للأرض من أجل شروط بقائه كيفما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اتفق بل واجب احترام هذا المصدر الذي يستمد منه حياته واحترام شروط العيش‬ ‫المشترك الذي يجعل للجميع حقا في المصدر‪.‬‬ ‫وبذلك نحقق جبر الكسرين‪ :‬نصل حاضرنا بماضينا أي بالفهم الأول للقرآن فنتحرر من‬ ‫تحريفه الذي حصل في مستوى التربية والحكم ونستوعب ما ظهر به علينا منافسنا دون أن‬ ‫نحاكيه في القول بالمطابقة التي تنفي ما يتعالى على الإنسان في نظره وعقده علاقة‬ ‫بالطبيعة وفي عمله وشرعه علاقة بالتاريخ‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن نحقق جبر الكسرين بالبحث عن الخصوصيات إلى الحد الذي يجعلنا وكأننا‬ ‫خارج القوانين الكلية في الطبيعة والسنن الكلية في التاريخ‪ .‬وأعجب ما في امر الباحثين‬ ‫عن الخصوصية أنهم لا يعون ما في ذلك من تناف مع القول إن الإسلام دين الإنسانية كلها‬ ‫وأن الله رب العالمين كلهم بلا استثناء‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة لا تفسير لمطالب أصحاب الخصوصية إلا بتبعيتهم اللاواعية لما يسمى بما بعد‬ ‫الحداثة التي هي في الحقيقة عودة إلى نظرية أرواح الشعوب بصورة تؤدي إلى أخطر‬ ‫موقفين عرفهما العقل الإنساني‪:‬‬ ‫‪ .1‬التفاضل بين الشعوب ومن ثم فهو قول بأرواح الشعوب بمعناها الهيجلي أو بالطبقات‬ ‫بمعناها الماركسي حتى وإن زعم الأول والثاني الوصول إلى الاعتراف والمساواة‪.‬‬ ‫‪ .2‬التلاغي بين الحضارات والثقافات أو اللاتواصل المطلق بينها وينتج عنه صدام‬ ‫الحضارات وهو ما حصل فعلا وليس الوصول إلى الاعتراف والمساواة‪.‬‬ ‫وهذا هو الجذر العميق للفاشيات كلها وهي بدأت بنظرية أرواح الشعوب الهيجلية وانتهت‬ ‫إما بنظرية الصراع الطبقي أو بنظرية صدام الحضارات‪ .‬ذلك أن الحضارات التي تتساوق‬ ‫ولا تتواصل سلما تنتهي إلى أن التواصل الوحيد هو الصراع والحروب بمنطق العولمة ولا‬ ‫وجود لتعارف معرفة ومعروفا بين البشر‪.‬‬ ‫وإذا كان ما تتميز به حضارة عن حضارة أو الخصوصية أهم من المشترك بين الحضارات‬ ‫فإن النتيجة الوحيدة الممكنة هي أن لا يوجد مشتركا بين البشر إلى ما يفرضه الاقوى على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الاضعف ويصبح التاريخ مبنيا على الاستضعاف ولا يكون لـ\"انما أنت مذكر\" و\"لست عليهم‬ ‫بمسيطر\" معنى في الرسالة الخاتمة‪.‬‬ ‫ولا يمكن كذلك أن نجعل الكلي والكوني خاصا بالإسلام وإلا لكذبنا القرآن الذي يجعل‬ ‫كونية الإسلام ليست خاصة به بل هي فطرة الإنسان بداية وغاية وهي من ثم حاصلة في‬ ‫كل الرسالات السابقة وتلك علة تسميته المؤمنين بها مسلمين لأن الديني في جميع الأديان‬ ‫واحد وما ليس بواحد هو التحريفات التي طرأت على الديني في التعين التاريخي للديني‬ ‫الذي هو واحد بالجوهر‪.‬‬ ‫صحيح أن الشرعة والمنهاج متعددان‪ .‬لكن الأمر حينها لا يتعلق بجوهر الديني بل‬ ‫بظرفيات تحققه في التاريخ إذ إن الشرعة والمنهاج كلاهما متعلق بتقنيات التربية والحكم‬ ‫وهي طبعا متطورة لأنها بالذات الخصوصي الذي لا يغير من الكوني باعتباره متعلقا بفنيات‬ ‫تعينه في التاريخ وظرفياته‪.‬‬ ‫ولهذه العلة تكلمت الأية ‪ 48‬على تعدد الشرعة والمنهاج معتبرة إياها من شروط التسابق‬ ‫في الخيرات وهي إذن من باب الاجتهاد‪ .‬وقد اعتمد ابن خلدون على ذلك في نظرية \"عدم‬ ‫التأثيم\" لينزه الصحابة من التجريم الذي يتبادله المسلمون للجهل بضرورة التعدد شرعة‬ ‫ومنهاجا في السياسي والتربوي‪.‬‬ ‫لكن الخلط جعل المسلمين يعتبرون هذه الشكليات من جوهر الدين في حين أن القرآن‬ ‫جعلها \"لكل منكم\" شرعة ومنهاجا بمعنى أن الشرعة والمنهاج من باب الاجتهاد العملي وليس‬ ‫من باب العقائد النظرية‪ .‬وهي من ثم خصوصيات غير معينة للكوني في الديني وللجوهري‬ ‫في الخلقي والسياسي والاجتماعي‪.‬‬ ‫فعادات الأكل خصوصية لكن ما يحتاج إليه البدن من سعرات كوني‪ .‬وسواء استمد الإنسان‬ ‫السعرات من مواد لا توجد إلى في تونس مثلا أو إلا ما يوجد في بلد آخر فهذا قد يصبح‬ ‫خصوصيا لفن المائدة في تلك البلدان لكنه لا يدل على شيء مهم في ما نحتاج إليه في التربية‬ ‫الغذائية بل في جغرافية النبات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وعندما نرد المسألة إلى جغرافية النبات فإن الامر حينها يصبح أكثر كلية لأن تنوعها علته‬ ‫علاقة النبات بالشروط المناخية وهي كلية وليست خصوصية‪ .‬الخصوصي فيها هو المحل‬ ‫الجغرافي أو موقعه بالقياس إلى شروط نمو النباتات وتكيفها مع المناخ وحركات الشمس‬ ‫والماء والهواء وهي كلها قوانين طبيعية‪.‬‬ ‫وحتى حجة اختلاف امزجة الشعوب بحسب نظامها الغذائي فهي بصدد الزوال (حجة‬ ‫خلدونية) لأن المعمورة صارت قرية أولا ولأن نفس المواد تقريبا توجد في كل الاسواق ولم‬ ‫تعد المواد مقصورة على بلادها ليس في الاغتذاء بها فحسب بل في توطين النباتات رغم‬ ‫اختلاف المناخات بما توفره الزراعة الحديثة‪.‬‬ ‫وما نراه قد أصبح موجودا بالفعل كان على الاقل في الاذهان موجودا بالقوة‪ .‬ومعنى ذلك‬ ‫أن الإنسان كان يعلم أن ما يعد خصوصيا في بلده ليس هو المهم بل المهم هو ما فيه من‬ ‫مشترك بين البشر أعني مثلا فائدته الغذائية‪ .‬ولو طبقنا ذلك على الألسن لفهمنا أن‬ ‫الكوني في التواصل هو الذي أساس الترجمة‪.‬‬ ‫وأكذب كذبة حكاية الترجمة خيانة‪ .‬ذلك أنه من دون ترجمة لا يمكن حتى في نفس اللغة‬ ‫التواصل حتى مع النفس ناهيك عن التواصل مع الغير‪ .‬وهي الحجة الأساسية التي تبين‬ ‫دجل نفاة الترادف في القرآن‪ .‬لو كانت ألفاظ القرآن خالية من الترادف لاستحال أن يفهم‬ ‫فشرحه يستعمل بعض ألفاظه لفهم بعضها الآخر‪ .‬وهذا ترجمة داخلية في نفس اللغة‪.‬‬ ‫ومن دون ذلك يحصل أمران مستحيلان‪ .‬لكن حصولهما ينفيه لأن الحصول يثبت الإمكان‬ ‫فيدحض الامتناع‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول أن يكون عدد الالفاظ لا متناهيا أو على الأقل بعدد دلالاتها خارج اللسان‬ ‫فيكون كل لفظ اسما علما وتكون مفردات اللغة عاجزة عن الإحالة إلى دلالات ومعان‬ ‫العامة وخالية من الكليات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬والثاني أن يصبح تعليم اللغة مستحيلا لأني لا أستطيع أن أشرح أي كلمة جديدة بكلمة‬ ‫قديمة علمتها لابني في بداية تكلمه فصلا عن امتناع الترجمة في نفس اللغة (شرح كلمة‬ ‫بأخرى) وبين اللغات‪.‬‬ ‫وهذا وحده كاف لبيان دجل شحرور وجهله بما يتصوره عمدة فكره‪ :‬علوم اللسان‪.‬‬ ‫فالقرآن نص مثل النصوص الأخرى بصرف النظر عن جنسه الأدبي وعن مرسله لا يتحدد‬ ‫معناه إلى بالمرسل إليه حتى عند مرسله لأنه يرسله بقصد إبلاغ ما يريده للمرسل إليه‪.‬‬ ‫فالله لا يخاطب نفسه بالقرآن بل يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان‪ .‬ولما كان المرسل إليه‬ ‫إنسان فهو لا يفهم النصوص إلا من حيث هو إنسان ككل إنسان‪.‬‬ ‫فلا يفهم مفرداته إلا بسياقته فيه وبمحالها في منظومة اللسان الذي قيل به حاولا‬ ‫للخطاب‪ .‬فكل مفردة تفيد بمحلها من المعجم العربي وبسياقها من النص الذي ترد فيه‬ ‫وبسياقه الذي يحدده النص باعتباره ما يتعلق به الخطاب موضوعا له‪ .‬ومن ثم فالمفردات‬ ‫ليست مجرد علامات من جنس ما يوضع على المواد في المغازات حيث يكون لكل بضاعة علامة‬ ‫لا علاقة لها ببقية العلامات بل هي رموز في نظام رمزي له بنية تحدد بالتضامن والتقابل‬ ‫دلالاتها ومعانيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬