أبو يعرب المرزوقي أو في ال كوني والخصوصي من السنن الحضار ية الأسماء والبيان
المحتويات 2 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 6 - -الفصل الثالث 13 - -الفصل الرابع 19 - -الفصل الخامس 26 -
-- من الكلمات المشهورة التي صارت تضرب كالأمثال كلمة هيجل \"البومة رمزا للفلسفة (رمزها عند اليونان) تحلق دائما عند الغروب\" ما ينطبق على دور السياسة عندما يقتصر عملها على دورها الوحيد أعني قوامة النظامين الراعي والحامي للجماعة داخليا وخارجيا. لكن بمراجعتين يقتضيهما المقام والمقال. ويمكن أن نعتبر ما سأقوله اليوم مواصلا لما قلته أمس في مسألة فساد معاني الإنسانية وعلة انطباقه علينا بمعناه الخلدوني .والمعلوم أن المعنى الخلدوني استنتج هذا الوصف مما يترتب على التربية والحكم العنيفين اللذين يعلل بهما ما سماه بفساد معاني الإنساني وعلاماته الخمس (المقدمة .)VI.40 وقد أطلت القول في إشكالية فساد معاني الإنسانية بمعناه الخلدوني في مواضع كثيرة لذلك فلن أعود إليها بل سأمر مباشرة إلى ما يقتضيه المقام والمقال من مراجعات لقولة هيجل بسبب ما نتج عنه من حط لدور الفكر والفلسفة في ثقافة العرب خاصة والمسلمين عامة فاقتصرت على العمل المباشر على غير علم. فلو صحت قولة هيجل لكانت نتائجها حقا ما يحصل للعرب المسلمين أي لكان الفكر والفلسفة مدبرة دائما لا يلتفت إلا إلى الماضي ولكانا كما قال هيجل يأتيان في آخر النهار بعد أن يفوت الفوت .لكن الشعوب الحية-وقد كنا منهم ونعمل على أن نستأنف دورنا-لا تتعامل مع التاريخ بمنطق الارتجال والمباشر. كان من المفروض أن أقول لو صح فهم قولة هيجل سطحيا لكان ما حل بالعرب والمسلمين. لكنها تفيد عكس ذلك تماما .فهي تعني أن الفلسفة شبه كشف حساب للماضي يعد إلى المستقبل بخلاف ما يتوهم من يتصورها مجرد كلام فات أوانه .واختيار الغروب مقصود إذ إن المستقبل تصوره من جنس الأحلام في هجعة الليل وسكينته. لما حلم العرب بالمستقبل بدأ تاريخ الأمة كله فصار المسلمون أمة كونية أسهمت في كل ما به يتحدد الإنسان كما حدده القرآن :مستعمر في الأرض بقيم الاستخلاف .لكن المسلمين اليوم أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- لا هم مستعمرون في الأرض ولا لهم قيم الاستخلاف .مستقبلهم ليس أحلامهم بل أضغاث أحلام غيرهم أي ماضيه يكتفون بتقليدها. وهذا التقليد الذي يجعل منشود الذات الذي صار مطلوبا موجود الغير بعد أن صار مرفوضا نراه يتكرر في بلاد العرب والمسلمين .وآخر التكريرات ما نراه في الخليج .فاقل الناس دراية بالموجود المنبوذ هم الذين يجعلونه المنشود المطلوب بعنف الجهاز السياسي الذي ينصبهم عليه عدو الأمة ومستقبلها. ولما كان ذلك منافيا لدور السياسي عامة-لا علاقة للسياسي بالتغير القيمي في حصوله الفعلي وتحوله إلى نظام من العادات السلوكية-فإنه يصبح \"هندسة\" تدميرية للجماعة للجهل بأن التحولات الحضارية ذات طبيعة ذاتية لها يفسدها التدخل السياسي عندما يكون عملا عنيف بسبب الجهل فتفسد معاني الإنسانية. وقد رأينا كيف أن تركيا وتونس مثلا قضتا أكثر من نصف قرن للشروع في التعافي من مثل ما نراه يجري حاليا في محميتي الثورة المضادة (السعودية والإمارات) بحمق أشد من حمق أتاتورك وبورقيبة لأن هذين الرجلين على الأقل كانا حاصلين على ثقافة عصرهما ولهما عمل يذكر فيشكر قبل هوسهما بالتحديث العنيف. بينت الأمس أن السياسي من حيث هو سياسي لا ينشغل إلا بقوامة نظامي وظائف الدولة أي نظام وظائف الرعاية الخمس ونظام وظائف الحماية الخمس نيابة فرض كفاية عن إرادة الامة بالشروط التي ذكرت وتحت مراقبتها فرض عين على الجميع .فإمامة النظامين مثل إمامة العبادات خلقيا ومعرفيا نظريا وعمليا. وهو ما يعني أن السياسي لا يتدخل في كل ما يتعلق بالوظائف العشر لاقتصاره على قوامة نظامها الذي ارتضته الجماعة حتى تحققها .فالتكوين بوظيفتيه والتموين بوظيفتيه وأصل الوظائف الأربع كلها غير سياسية بل هي أعمال الجماعة ككل والسياسي منها هو مراقبة العمل بنظامها الذي اختارته الجماعة. أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- كما أن الحماية الداخلية بوظيفتيها والحماية الخارجية بوظيفتيها وأصل هذه الوظائف الأربع كلها غير سياسية بل هي أعمال الجماعة ككل والسياسي منها هو مراقبة العمل بنظمها الذي اختارته الجماعة وهي التي تنجزه بحسب ما أنشأته من مؤسسات وقوانين من أجل قيامها بعملها على أحسن ما يرام. وما أن يصبح السياسي هو الذي ينجز هذه الأعمال فتصبح الدولة بديلا من الجماعة في حين أنها من جنس حارس قيام الجماعة بتلك الوظائف بمقتضى ما ارتضته من أنظمة وقيم تموت الجماعة ويصبح القيمون على هذين لنظامين الراعي والحامي أوصياء عليها فتفسد فيها معاني الإنسانية لتخليها عن فروض العين. أعتقد أني قد أشبعت هذه المسائل درسا وعلي الآن أن أمر إلى مطلوبي في هذه المحاولة للجواب عن السؤال التالي :كيف يحصل التغير في الحضارات الإنسانية المبدعة حقا فيكون تجاوزا دائما للموجود طلبا للمنشود الذي لا يكون بحق منشودا إلا إذا كان غير مسبوق لأن كونه مسبوقا يجعله تقليدا لموجود؟ وهذا المعنى يضعنا أمام قضيتين عويصتين في البحث الفلسفي: .1العلاقة بين الكلي والجزئي وجوديا. .2العلاقة بين الكوني والخصوصي حضاريا. والمعلوم أني كانت ولا زلت مهموما بالمسألتين .فالأولى جعلتها موضوع رسالتي في دكتوراه الدولة -وهي غير البي أيتش دي-التي تشبه الحلقة الثالثة في نظامها .والقضية الثانية هي مصدر كل الخصومات بيني وبين المتكلمين على الخصوصية الذين أخرجوا الأمة من سنن التاريخ الكوني أو كادوا فاعتبـروها ملزمة بأن تحافظ على الخصوصية وتنفي الكلية لكأن الأمرين متقابلان في حين أنه لا يمكن الفصل بينهما حضاريا إلا إذا أمكن تصور الجزئي من دون الكلي وجوديا. وقد بدا تنديدي بالخصوصيين وكأنه نفي لها وقول بالكوني دون الخصوصي .ولكن الحقيقة هي أني أردت أن اثبت امتناع الفصل بين الخصوصي والكوني لأن الأول متعلق أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- بالمضمون والثاني بالشكل إن صح التعبير .ولعل افضل مثال بايولوجي .فلا أحد رغم فرديته له قوانين خصوصية لكن كيانه الفردي خصوصي بإطلاق. فكل فرد يتعين بذاته ولا يشاركه أحد في كلي ما هو ذاتي له لكن التعين الذاتي يحدث بمحددات لا أحد يتميز بشيء منها .ومن ثم فالتلازم بين الكلي والجزئي وجوديا هو الذي يحدد التلازم بين الكوني والخصوصي حضاريا مثلما يحصل ذلك في العضوي إذ إن لون البشرة مثلا خصوصي وقانون التلون كوني .وهو الجامع بينهما بدوره كوني. ومعنى ذلك أن لون بشرتي وتلون البشرة يجمع بينهما علاقة البشرة بالمناخ ومن ثم الحيزان المحددان لهذه العلاقة أي المكان والزمان .فكوني في افريقيا في عصر من عصور تبدل المناخ يجعل بشرتي باللون الذي لها وهو خصوصية وكونية في آن .ونفس الامر يقال عن الحضارات. فيمكن قياسا على ذلك أن نقول إن الظاهرات الإنسانية تتحدد بنوعين من \"المناخ\" أحدهما هو المحدد للطبيعي أو العضوي في الإنسان والثاني هو المحدد للثقافي أو الروحي في الإنسان .فالأول هو عصور المناخ الطبيعي وتوزع شروط العيش والثاني هو عصور المناخ الحضاري وتوزع طرق تحصيلها وأدواته. وواضح أن المناخ الطبيعي ليس للإنسان عليه سلطان كبير وأن المناخ الحضاري يكاد يكون كله تحت سلطانه .والأول يمكن اعتباره ممثلا للضرورة الطبيعية والثاني للحرية ٌالإنسانية أو بعبارة أوجز الأول هو الطبيعي والثاني هو الثقافي والتفاعل بينهما هو التاريخ الإنسان أو الحضارات الإنسانية .وهذا التفاعل في الاتجاهين يجعل العامل مخمس الأبعاد: .1الطبيعي .2الثقافي .3فعل الطبيعي في الثقافي .4فعل الثقافي في الطبيعي أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- .5القانون الذي ينتج من هذه العناصر الأربعة وحدة هي التاريخ الإنساني فيكون التاريخ الإنسان أصلا وغاية .هو أصل كعلة غائية نسميها حضارة إنسانية. وهذا هو موضوع الباب الأول من مقدمة ابن خلدون ومنه تشتق الأبواب الخمسة الباقية وهي درس لعملية التفاعل بين العاملين اللذين يحددان دور العضوي والروحي في الإنساني أو دور الطبيعي والثقافي في التاريخ بعلاقة متعاكسة في اتجاهي الأبواب من الثاني إلى السادس ومن السادس إلى الثاني. وهذا المستوى من العلاج الخلدوني ينقصه شرطان ليكون كافيا في افهامنا سنن التغير في التاريخ الإنساني فيصبح ما وصفه ابن خلدون بالانتقال من البداوة إلى الحضارة مفهوما في الاتجاهين ذهابا من الأولى إلى الثانية نكوصا من الثانية إلى الأولى أو من سيطرة الطبيعي إلى سيطرة الثقافي والعكس .وهما الشرطان اللذان يمكنان بتحققها من الانتقال إلى خلدونية محدثة هدفي جعلها تصبح ممكنة: • فأما الشرط الأول فهو نظرية الأبعاد الخمسة في التاريخ الإنساني الماضي حدثا وحديثا والمستقبل حديثا وحدثا والحاضر المحيط والمحاط بها أربعتها. • وأما الثاني فهو نظرية التواصل الحضاري الكوني للحد من نظرية موت الحضارات الذي قد يستشف من الخلط التاريخين السياسي والحضاري. ولا أنفي أن الشرط الثاني نجد بذرته عند ابن خلدون .ولعل ذلك من أهم إضافاته إذ هو يؤكد على تخاصب الحضارات لمنجزات بعضها البعض سواء بتبادل التأثير بين المتعاصرين أو بإرث اللاحق للسابق منها .وهذا التخاصب والتوارث اللذان يمثلان عصب الحضاري الكوني لم ينالا حظهما من الدرس عنده وهما موضوعنا. أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- تكلم ابن خلدون في تخاصب الحضارات المتعاصرة وتوارث المتوالية منها تلميحا دون أن يؤسس لذلك نظريا وتكلم على نوعين من التاريخ القصير والمديد دون أن يعلل ذلك أيضا وما أسميه خلدونية محدثة وأسعى لبيان معالمها تحقيقا لما طلبه في خاتمة المقدمة باعتبارها حجر أساس لبناء سيتواصل بلا حد. وفي الحقيقة فإن دعواي \"دون أن يؤسس لذلك\" ليست دقيقة .ذلك أن عنوان المقدمة فيه ما يشير إلى أن الرجل لم يخل ذهنه من المنطلق إلى التأسيس :فعندما يقابل بين العمران والاجتماع ومعهما بين وصف الأول بالبشري والثاني بالإنساني لا بد أن يكون وراء ذلك إشارة ما لمبدأ التأسيس الذي أطلبه .وهذا الأساس الذي جاء في شكل إشارة بدل العبارة هو دلالة هذين المقابلتين: فما الفرق بين العمراني والاجتماعي؟ وما الفرق بين البشري والإنساني؟ وما علاقة العمراني البشري والاجتماعي الإنساني أحدهما بالآخر؟ وهنا نجد مفهومين خلدونيين أهملهما قراؤه العجلون في المقارنات السطحية .فأما المفهوم الأول فهو مفهوم \"معاني الإنسانية\" صالحها وفاسدها .وأما المفهوم الثاني فهو تعريف الإنسان فريد النوع لجمعه بين الفلسفي والديني \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .فهو تعريف فلسفي لوجود \"بطبعه\" وهو تعريف ديني لوجود \"الاستخلاف الذي خلق له\" .وكل ذلك عجيب وغريب. ثم \"معاني الإنسانية\" نسبت إلى \"حيثية\" أعجب واغرب\" :وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزلة وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل سافلين\". ما الذي يوحد بين هذه الملاحظات الثلاث؟ أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- كيف يؤسس ابن خلدون \"معاني الإنسانية\" على حيثية كون الإنسان له \"الاجتماع والتمدن\"؟ وكيف يوحد بين \"الاجتماع والتمدن\" والحمية والمدافعة عن النفس والمنزل فيعتبر غياب هذين دليلا على غياب ذينك ويسمى ذلك فساد معاني الإنسانية؟ لنصل ذلك بتعريف الإنسان. فنجد أن معاني الإنسانية التي للإنسان من حيث الاجتماع والتمدن والتي تتعين في الحمية والمدافعة عن الذات المنزل علتها كون الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .فيكون معنى \"فارتكس وعاد في أسفل سافلين\" المعنى القرآني في سورة العصر \"إن الإنسان لفي خسر\" لفقدان أحسن التقويم. وإذن فابن خلدون يتكلم على نكوص يحصل بسبب فساد التربية والحكم فلا يكون الأمر متعلقا بفساد وجودي في كيان الإنسان لأن ذلك في الرؤية القرآنية لم يعد موجودا لأن الإسلام ألغى ما يسمى في المسيحية بالخطيئة الموروث Die Εrbsündeالتي تحتاج إلى شفيع هو المسيح ووساطة كنسية ووصاية سياسية. وهكذا فقد اكتشفنا معنى \"العنف\" الذي يعلل به ابن خلدون فساد معاني الإنسانية ويرده إلى عنف التربية وعنف الحكم .فعنف التربية هو إذن الوساطة التي تنقل المربي من كونه مذكرا (إنما أنت مذكر) إلى كونه ملقنا باعتباره وسيطا بين المتعلم وبين ربه وعنف الحكم هو الوصاية السياسية باسم حق إلهي. فيكون الحاصل من الجمع بين هذه المعاني الثلاثة الخلدونية أن العودة أسفل سافلين تعني من حيث الأساس العودة إلى ما حررت الإنسان منه الكلمات التي تلقاها آدم فأتمهن فعفا عنه ربه وهو ما اقتضى الرسالة الخاتمة لتحرير الإنسان من علة هذه العودة وهي عقيدة الخطيئة الموروثة وما يترتب عليها .والتحرير مما ترتب عليها هو: .1إلغاء عقيدة الخطيئة الموروثة. .2الغاء الحاجة إلى عقيدة ابن الله الشفيع. أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- .3ألغاء نائبته أو الوساطة الروحية (الكنسية). .4والغاء الحكم باسم الحق الإلهي بشرعية مستمدة من الكنيسة. .5ومن ثم تحديد شروط التحرر من الخسر في سورة العصر. وهذه الشروط خمسة هي بدورها لأنها هي التي تحرر من هذه المعوقات التي ابتدعها الإنسان ليؤسس عليها سلطانه الروحي والمادي على غيره من البشر وهو معنى عبادة العباد للعباد التي أراد الإسلام تحرير البشرية منها بعبادة رب العباد .وهذه أكبر ثورة في تاريخ الإنسانية ولذلك فهي أعسرها تحقيقا واكثرها تعثرا. ولعل أكثر معثريها علومها المغشوشة التي بينت أنها جمعيها حرفت المطلوب لتحقيق مهمتي الإنسان قلبا لفصلت 53ولآل عمران 7قلبا جعل أمر الأولى نهيا ونهي الثانية أمرا .لذلك فـ 14قرنا من تاريخنا لم تكن كافية لفهمها والسعي إليها بوعي واستراتيجية محددة الأهداف والطرق. ولم يكن ذلك مقصورا على العلوم المتفرعة عن الدين بل هو يشمل العلوم المتفرعة عن الفلسفة .ذلك أن المدرستين الفلسفيتين (الأأفلاطونية الأرسطية) اللتين أثرتا في كاريكاتور التأصيل والمدرستين الفلسفيتين (الهيجلية والماركسية) اللتين أثرتا في كاريكاتور التحديث أربعتها هي المسؤولة على هذا التعثر الذي وإن لم يؤثر كثيرا في تعمير الأرض في الغرب فإنه مع ذلك قد جعله تدميرا أكثر منه تعميرا بسبب وهم ابستمولوجيا المطابقة لعلم الموجود وأكسيولوجيا المطابقة لعمل المنشود. وذلك ما أسعى إلى المشاركة في إجلائه إن لم أقل إلى البدء فيه لأن كل المحاولات التي قدمت خلال القرنين الاخيرين آلت إلى ما فكر من سميتهم بالكاريكاتورين .ومحاولتي تعتمد على إعادة النظر في تفسير القرآن الكريم بما يحدده هو نفسه من شروطه فهمه وفهم تاريخ الأمة بسنن التاريخ الإنساني أولا وبومضات فكر المدرسة النقدية (الغزالي وابن تيمية وابن خلدون) ثانيا بعد أن أصل فكرهما بأولا وبيان ما يخفيه وراء عدم النسقية التي تسيطر على محاولاتهم: أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- .1الوعي بالخسر وعلله التي هي العناصر التي تكلمنا على إلغائها. .2الإيمان (الصادق لأن القصد الإيمان الحقيقي أو ما لا نفاق فيه). .3العمل الصالح وهو في آن واجب بذاته وبوصفه علامة صدق الإيمان. .4التواصي بالحق هو اجتهاد من يتصفون بالثلاثة السابقة في معرفة الحقيقة. .5التواصي بالصبر وهو جهاد من يتصفون بالأربعة السابقة في العمل بالحقيقة. والثاني والثالث هما علة الغاء الوساطة الروحية والرابع والخامس هما علة الغاء الوصاية السياسية في الجماعة الحرة .أما الأول فهو حقيقة وعي الإنسان بأن الاخلاد إلى الأرض هو الخسر بمعنى عدم الاشرئباب إلى ما يتعالى على الامر الواقع ويحرر منه بالأمر الواجب. وتلك هي فلسفة التاريخ القرآنية فتكون فلسفة التاريخ الضمنية في المقدمة هي عين هذه الفلسفة عندما نبحث وراء كلام ابن خلدون عن تعليله المسكوت عنه عبارة والمحال عليه إشارة :فالعنف في التربية ليس مجرد استعمال الضرب مثلا بل هو تحول المعلم إلى سلطة روحية بدلا من أن يكون مجرد مذكر. فعندما يقول الله للرسول الخاتم \"إنما أنت مذكر\" ثم يضيف \"لست عليهم بمسيطر\" فمعنى ذلك أن ما يعلمه المعلم ليس المضمون المعرفي إذ هو مطالب بالتذكير هذا المضمون ما يعني أنه موجود لدى المتعلم وهي القدرة على العلاقة المباشرة بالحقيقة التي فطر عليها بدلا من رؤية وسيط لهذه الحقيقة. ولو لم يذكر القرآن أن الرسول نفسه قد حدث له أن كاد أن يقع في ما لأجله جاء هذا التذكير وعصمه الله قبل أن يتورط بما يفسد دوره لما كنت واثقا من أن الرسول منزه عن ذلك وأنه سلك بما يقتضيه القرآن من واجبات المعلم والحاكم بالطريقة القرآنية ولذلك لعلتين ذكرهما القرآن وما كان ذلك ليحدث أولا وليذكر به القرآن لو لم يكن القصد بيان العقبتين أمام الديني والفلسفي وضرورة الحذر الدائم منهما: أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- .1إما بسبب نزغ الشيطان الذي لا أحد معصوم منه بمن في ذلك الأنبياء بدليل حصوله للرسول ونجاه ربه من خبثه. .2واغراء اصحاب القوة في الجماعة وهو من جنس نزغ الشيطان على الأقل بسبب حاجة السياسة للمداراة. وما كان المعلم يحتاج إلى العنف المادي لو لم يكن بسبب فشل هذا العنف الروحي لأن الحاجة إلى الضرب علتها توهم نقص الفهم أو الجهد للفهم عند المتعلم للظن أنه عليه أن يرى ما يراه المعلم وليس ما يراه هو بنفسه وأن المعلم \"إنما هو مذكر\" و\"ليس على المتعلم بمسيطر\" .الوساطة هي العنف الحقيقي. ذلك أن الوساطة هي التي تقضي على أهم مقومات ذات الفرد :الاستقلال الروحي والفكري أي ما هو به إنسان ولذلك اعتبر ابن خلدون نظام التعليم العنيف مفسدا بالجوهر لمعاني الإنسانية .ثم قاس عليها الحكم باعتباره بنحو ما نظاما يواصل تربية الإنسان إما على الحرية والكرامة أو على العبودية واللاكرامة .وهما الداءان اللذان له الفضل في اكتشاف دورهما هذا. وهي عنف لأنها قتل للاجتهاد الذاتي :فالتواصي بالحق يعني أن الجميع مفروض عليه عينيا أن يجتهد لتصح المشاركة في الفعل \"تواص\" وليس وصاية .وقياسا على التربية قاس ابن خلدون الحكم .فالعنف هنا ليس الاضطهاد المادي فحسب بل علته الوصاية :وهي \"لا أريكم إلا ما أرى \"نفيا لـ\"لست عليهم بمسيطر\". الوساطة التربوية تلغي اجتهاد التواصي بالحق فرض عين على المؤمن الذي يريد أن يعمل صالحا في رعاية والجماعة وحمايتها والوصاية السياسية تلغي جهاد التواصي بالصبر فرض عين على المؤمن الذي يريد أن يعمل عملا صالحا في رعاية الجماعة وحمايتها أي إلغاء للاستثناء من الخسر وعودة لأسفل سافلين. تلك هي علة استعمال ابن خلدون \"عاد\" بدل \"رد\" الواردة في القرآن .ذلك أن الرد أسفل سافلين متقدم على \"الفرصة الثانية\" التي أعطيت لآدم في القصة القرآنية حتي يثبت أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- جدارته بالاستخلاف التي من أجلها استخلف والتي شكك الملائكة في أهليته لها .فيتبين أن المقدمة تتأسس على تواز بين فلسفتين. فلسفة تاريخ متناظرة تماما مع فلسفة دين كلتاهما وردت في القرآن كما هو بين من البنية النسقية الواردة في سورة هود :فمن علاقة الإنسان بسلطان الطبيعة بداية (نوح والطوفان وصلة الجماعة بالرسالة الدينية) إلى علاقته بسلطان الدولة (موسى وفرعون وعلاقة الجماعة بالرسالة الدينية) يتم الانتقال المتدرج من استبداد الطبيعة وتكليف نوح بالتحرير منها إلى استبداد الفرعونية وتكليف موسى بالتحرير منها. والتحرير من استبداد الطبيعة تم بالتقنية والزراعة هو موضوع رسالة نوح (صنع الفلك وأخذ زوجين اثنين من كل شيء لاستنباته) والتحرير من استبداد السياسة هو موضوع رسالة موسى وقد شرع فيه بالشريعة والتحرر من الدولة الفرعونية .لكن شعبه نكص إلى دين العجل .وبين التحريرين نجد القضايا الخمس التي تحقق التحريرين أفضل تحقيق عند علاجها بما تتطابق فيه الديني وفلسفته والتاريخي وفلسفته القرآنيتين: .1مشكل توزيع الثروة (هود). .2مشكل توزيع الماء (صالح). .3مشكل فساد الجنس (لوط). .4مشكل شروط عدل التبادل (شعيب). فـ\"رسالة هود\" وضعت مشكل استبداد المافية الاقتصادية .ورسالة \"صالح\" وضعت مشكل توزيع الماء مصدر الحياة الأول .ورسالة \"لوط\" وضعت مشكل الجنس مصدر الحياة الثاني. ورسالة \"شعيب\" وضعت مشكل شروط العدل في التبادل بالموازين والتعويض العادل .وهذه هي المشاكل التي يعالجها ابن خلدون في المقدمة مع الانتقال من التحرير من سلطان الطبيعة (رسالة نوح) إلى التحرير من سلطان السياسة (رسالة موسى). لكن ذلك لا يمكن أن يفهم من دون الوصل مع تعريف الإنسان بوصفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .فيكون مضمون فلسفة الدين هو بيان تاريخ الرسالات أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- التي سعت إلى تحقيق هذا التعريف وتكون هذا الرسالات ممثلة لمراحل التحرير في التاريخ الفعلي وتلك هي فلسفة التاريخ المطابقة لها. من هنا نفهم القصد بأن معاني الإنسانية عند ابن خلدون تتحدد بوصفها \"الحمية والمدافعة من حيث الاجتماع والتمدن\" بمعنى أن معاني الإنسانية (مفهوم من فلسفة الدين أو من تعريف الإنسان فيها) هي ما يترتب على الاجتماع والتمدن من صفات تجعل الإنسان حريصا على تحقيق حد حقيقة الإنسان رئيسا بقيم الاستخلاف. فكون الإنسان رئيسا بطبعه يعني أنه متحرر من الوساطة والوصاية سلطانين إنسانيين عليه يلغيان حريته الروحية والسياسية .وكونه \"خليفة بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" يعني أنه متحرر من سلطان الطبيعة والتاريخ لأنه مجهز بما يجعله قادرا على تعمير الدنيا واستخراج شروط بقائه بعلمه وتطبيقاته وبعمله وتشريعاته. أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- قد يسارع القاري المتعجل فيظن أني بما قلت عن مقدمة ابن خلدون قد نكصت إلى القول بالإعجاز العلمي ما دمت أبدو وكأني اعتبر علمه موجودا في القرآن أو على الأقل مستمد منه .وهذه فرصة لتوضيح طبيعة معارضتي للقول بالإعجاز العلمي وقولي في آن إن القرآن يمثل الرؤية التي تحرر مما كان سائدا في الابستمولوجيا والاكسيولوجيا التي ورثها فكر المسلمين من ثقافة عصرهم التي هي يونانية مختلطة بالثقافة الدينية المتقدمة على الإسلام. ولكن قبل ذلك أسأل: أليس ما أبدعه ابن خلدون سابق على ما بينت دلالته القرآنية التي اكتشفتها بالانطلاق مما أمرت به الرؤية القرآنية في فصلت 53؟ وهل ادعيت أن هذا التأويل لمصادر فكر ابن خلدون كان بمعنى المضمون المعرفي وليس بمعنى المناخ الرؤيوي المحرر من الموروث السائد أو الرؤية التي جعلته يكتشف ما اكتشف في فلسفة التاريخ بالانطلاق من مفهوم الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" ومفهوم معاني الإنسانية القرآنيين؟ أفي هذا تقول على القرآن؟ وما الصلة بين اكتشاف ابن خلدون لفلسفة التاريخ الذي كما بينت ما يزال ناقصا وإلا لما احتجنا لتجاوزه والتفكير في خلدونية جديدة -وهو أمر طلبه هو نفسه في خاتمة المقدمة- والرؤية التي تفسر بحثي في منطلقاته وفي الرؤية التي جعلته يرى ما لم يره غيره: فرضيتي رؤية القرآن للإنسان والتاريخ. وفرضيتي ليست تحكمية .فابن خلدون بنفسه هو الذي عينها :ألم يقل إنه يريد أن يدرس العمران البشري والاجتماع الإنساني ليس من منطلق الأحكام السلطانية ولا من منطلق المدن المثالية بل من منطلق طبائع الأشياء وما فيها من قوانين وسنن؟ إنه تطبيق حرفي لفصلت 53أي آيات الله في الآفاق والأنفس وتجنب واع لتحريف آل عمران .7 أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- وآيات الله في الآفاق وفي الأنفس هل يمكن طلبها من شرح كلمات القرآن؟ ما يسمى بالإعجاز العلمي هو توهم اكتشاف قوانين بالاعتماد على شرح آيات القرآن أو شرح آيات القرآن في ضوء ما يكتشفه غيرنا للدلالة على سبق علمي لم نكتشفه ونتوهم أنه المقصود في ما ندعيه بالتحكم اللساني لتأويل النص. فلا أنا قلت إن ابن خلدون استخرج قوانين التاريخ وسننه من شرح ألفاظ القرآن ولا هو زعم ذلك .ما قلته هو أن ما توصل إليه ابن خلدون لا يمكن فهمه من دون وصله بالرؤية القرآنية للتاريخ إذا اعتبرنا هذه الرؤية لا تتبين حقيقتها-كما قالت فصلت -53إلا من خلال ما يرينه الله من آيات الآفاق والأنفس التي توجه إليها ابن خلدون في عمله الفكري وتحرر من تخريف المتكلمين والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة الذين لم يتجاوزوا التعامل المقلوب معها ومع آل عمران ..7 لو كان علم ابن خلدون مستمدا من شرح الفاظ القرآن مثلهم لكان ما اكتشفه قد كان موجودا قبل اكتشافه وادعى أنه موجود في شرح هذه ألفاظ القرآن كما يفعل دعاة الاعجاز العلمي في خرافاتهم .لم نسمع بأحد منهم اكتشف قانونا علميا واحدا أو فلسفة ما انطلاقا من شرح الألفاظ بل كلهم يأخذون قانونا اكتشفه غيرهم بالبحث العلمي الجدي بعد ثم يتعسفوا على شرح ألفاظ القرآن حتى يجدوا فيها ما يشبهه توهما. وقد بينت أن هذا الوهم علته الظن أن القرآن فيه علم بالغيب في حين أن ما فيه هو إعلام بوجود الغيب واعلام بعجز الإنسان عن علمه وأن القرآن لا يمكن من ثم أن يكون رسالة موجهة إلى الإنسان ويتضمن ما هو نفسه يعلمه باستحالة علمه .فهذا يعني أن الرسالة لو كان فيها علم بالغيب لما بقيت رسالة إلى الإنسان .وما خرافة الراسخين في العلم سواء العقلي أو اللدني تمثل أكبر أكاذيب علمائنا :الآية السابقة من آل عمران تعني بالرسوخ في العلم النقيض التام لما تحايلوا لتأويلها حتى تكون أساسا لسلطانهم في التربية المؤسس لسلطان الطغاة في الحكم. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- وهذا التحيل جريمة في حق القرآن وفي حق الأمة .ففي حق القرآن هو ادعاء أن القرآن لم يأت لكي يجعلنا نجتهد لتعمير الأرض ولجعل ذلك التعمير بقيم الاستخلاف بل أمدنا بما يغنينا عن الاجتهاد في المعرفة (التواصي بالحق) والجهاد في العمل بها (التواصي بالصبر). بهذا الموقف الخاطئ يلغى التكليف من أصله. أما الجريمة في حق الأمة فلست بحاجة لشرحها :يكفي رؤية حالها منذ قرون .فلا هي قادرة على تعمير الارض ولا هي قادرة على اثبات جدارتها بالاستخلاف .فهي تابعة في العمارة .وهي كما بين ابن خلدون فاسدة معاني الإنسانية لأن تربيتها وحكمها يعتمدان على العنف ولا شيء غير العنف الأعمى والأصم .والمعلوم أن لجوء الإنسان إلى العنف مصدره أمران: • الأول هو الجهل بحقيقة القوانين والسنن التي تغني عنه سواء تعلق بالتعامل مع الطبيعة أو مع البشر لأنها تحقق التعمير بقيم الاستخلاف كما يحددها القرآن الكريم. • والثاني الارتجال الناتج على انتظار حدوث الأشياء والوقوف منها موقف من يرد الفعل العاجز عن \"الحيل\" التي تبدعها المعرفة لاستباقها واعداد شروط علاجها. وهذا هو ما يسمى العمل على جهل وكل عمل ليس على علم اضطراب وليس فعلا إنسانيا خاضعا لتفكير سابق ومساوق ولاحق للفعل .فالسابق يعد له استراتيجية والمساوق يعدلها خلال استعمالها واللاحق ينقدها لتغيير جذري إن لزم الأمر وبذلك يتقدم العلم والعمل في كل الحضارات الحية فرديا كان أو جماعيا. وذلك هو معنى التواصي بالحق اجتهادا لمعرفته ومعنى التواصي بالصبر جهادا لتحقيقه. وشرط ذلك أن يكون الإنسان مؤمنا وعاملا صالحا .ولا يمكن لذلك أن يحصل ما لم يكن الإنسان واعيا بأنه من دونه يكون في \"الخسر\" .والخسر هو معنى الرد أسفل سافلين أي ما دون أهلية الاستخلاف الذي خلق له الإنسان. ونحن المسلمين يعلمنا القرآن أن هذا الرد تجاوزه الإنسان بما تقصه علينا قصة اتمام آدم للكلمات التي تلقاها فعفا عنه ربه ومن ثم فليس عندنا ما عند المسيحيين من خطيئة موروثة أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- بل الإنسان فطريا خير وما الشر في حياته إلى نتيجة الجهل بما في فطرته من تجهيز يمكنه من التعمير الاستخلافي. والخطيئة الموروثة هي التي بنى عليها الفكر الديني المسيحي قصة المسيح ابنا للرب (آل عمران )79حتى يؤسسوا عليها نظرية الشفيع الذي قبل الموت من أجل البشرية والذي تمثله الوساطة الكنسية والوصاية السياسية (الحكم باسم الله أو المسيح بتشريع كنسي). وهذان التصوران هما علة العنفين. وهذه القصة تلطيف دون تغيير جوهري لنظرية شعب الله المختار .من ذلك أن أحد كبار العلماء في الرياضيات وكبار المنظرين للمسيحية -باسكال-زعم أن محمدا لا يمكن أن يكون رسولا لأنه ليس يهوديا .وهو ما يعني أن الله لا يتصل بالبشر إلى بتوسط اليهود بخلاف نظرية القرآن في الرسالات. فالقرآن يعتبر أن لكل أمة رسولا بلسانها وأن الرسالة الخاتمة تذكير الديني في كل دين وهي الإسلام الذي هو دين الله المرسوم في ما فطر عليه الإنسان من حيث هو إنسان بصرف النظر عن عرقه ولونه ودينه وجنسه وعصره بل الإنسان من حيث هو إنسان شهد بذلك وهو في ظهر أبويه (الأعراف .)173-172 ولهذه العلة تكلمت على تواز تام بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ في القرآن .والدليل القاطع في ذلك هو أن القرآن يعالج الامر في مستويين فضلا عن المسائل المتعلقة بالرسالة نفسها من حيث أبعادها الخمسة أي المرسل والمرسل اليه والرسول ومضمون الرسالة ومنهج التبليغ وهما العرض النقدي والبديل المحرر. فأما العرض النقدي فلا أحد يشكك في وجوده في القرآن إذ هو يستعرض كل الرسالات المتقدمة عليه ويحلل علل ما حال دونها والتحقق في التاريخ الفعلي للأمم التي تلقتها .وأما البديل فلا أحد يشكك في وجوده كذلك إذ القرآن لم يكتف بهذا النقد للأمم بل بين علل ما حصل واقترح تربية وحكما يتجنباها. أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- والتربية والحكم اللذان يتجنبان ما حصل في التجارب السابقة من عوائق حالت دون نجاح الرسالات السابقة بتخليصهما مما جعلهما محرفين للرسالات وعنيفين .فالتحريف علته الأولى التربية بوجود الوساطة بين المؤمن وربه (الكنسية) فألغاها وعلته الثانية الحكم بوجود الوصاية بين المؤمن وأمره (أجهزة الدولة المتعالية على الجماعة) فألغاها. ولآخذ مثالا حيا من راهن تاريخنا :من ينظر إلى ما يفعله أي حاكم عربي يفهم ما أقصده بالعنف المادي المؤسس على العنف الروحي .لو أخذنا مثال أمير السعودية الحالي .فهو يبدو ساعيا للتخلص من وساطة كنسية وهابية ليعوضها بكنسية ليبرالية للانتقال من حكم باسم الله إلى حكم باسم الإنسان. فيبدو الأمر للجاهل وكأنه تطور كبير لأنه يحاكي ما ينسب إلى الغرب من انتقال حصل في القرنين السادس عشر والسابع عشر حيث حد من سلطان الكنيسة بالإصلاح الديني ومن سلطان الحكم باسم الله بالديموقراطية .لكنه في الحقيقة لم يصلح دينا ولم يحقق ديموقراطية بل ألغى اسم الله وأوهم أنه يعوضه باسم الإنسان. والعلة أنه جاهل بما يفعل .ذلك أن الإسلام ليس فيه سلطة كنسية للتربية ولا يحكم باسم الله للسياسة .فالتربية قانونها الإسلامي \"إنما أنت مذكر\" والحكم قانونه الإسلامي \"لست عليهم بمسيطر\" .ما فعله هو أنه صار \"بابا\" يفكر بدلا من الأمة وطاغية يحكم بدلا من الأمة :فلا هو أصيل ولا هو حديث. وقس عليه كل الحكام العرب ونخبهم التي تدعي الحداثة .لكنهم فضحوا طبيعة ما يجري .فهم لم يأخذوا من الغرب إلا البنية الخفية لنظامه والدعاية الكاذبة لجلي سطحها. فنظامه بخلاف ما يدعي ليس الحكم باسم الإنسان بديلا من الحكم باسم الله بل هو يحكم باسم دين العجل أي باسم المال الفاسد (معدن العجل) والاعلام الكاذب (خواره). وأفضل مثال على ذلك ما نراه بالعين المجردة في الولايات المتحدة عامة وفي انتخاب ترومب (وفي انتخاب فرنسا في عهد ساركوزي مثلا) .ولذلك فلا يمكن تصور انتخابات في أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- الغرب لا تعتمد على الأداتين الممثلتين لدين العجل :المال الفاسد (الذهب مسروق في عجل بني إسرائيل) والإعلام الافسد منه (خوار عجل بني إسرائيل). وكما أسلفت فالإسلام ألغى الوساطة في التربية سواء كان ذلك باسم النقل أو باسم العقل لأن ذلك هو أصل العنف التربوي المفسد لمعاني الإنسانية في الأذهان والوجدان. كما ألغى الوصاية في الحكم سواء كان ذلك بالحق الإلهي أو بالحق الإنساني المزعومين لأن ذلك هو أصل العنف السياسي المفسد لمعاني الإنسانية في الأعيان طبيعية كانت أو تاريخية .وهذان العاملان المفسدان لمعاني الإنسانية يتبين مفعولهما في الآفاق وفي الأنفس. كما يتبين عسر تحقيق ما سعى إليه الإسلام لتحقيق هذين الثورتين المحررتين من الوساطة والوصاية .فإبداع البديلين منهما هما عين السعي لتقيق مفهوم الإنسان كما عرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\". أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- لولا إيماني بمبدأين لا حياة للفكر من دونهما لكان ما أكتبه فاقدا لكل معنى .ولولا إيماني بضرورة تحرير ثقافتنا من الآفتين اللتين تنافيان هذين المبدأين لتركت الكلام في أعمال غيري -دون ذكر الأسماء لكن المطلعين على ما يحري في ساحة الفكر المليئة بدعوى المشروعات الفكرية يعلمون من المقصودين-واكتفيت بما يفيد مما أقوم به لأعداد أرضية تساعد على تحرير حضارتنا من كسورها الإضافية إلى مسارها التاريخي الذاتي والإضافية إلى مسار غيرها من الحضارات التي ظهرت عليها بإبداعها الذي بقينا دونه بسبب فساد الرؤي التي أفسدت التربية والحكم فأفسدت في أجيال كثير منا معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون: .1لا يمكن لأي فكر حي أن يبدع شيئا إذا لم يكن حائزا على ما به ظهر عليه فكر منافس بمعنى أن الحضارة الإسلامية لن تبدع شيئا ما ظلت عاجزة عن استيعاب ما به ظهر عليها فكر الغرب الذي بزها في ما سبقته إليه وانحطت دونه. .2لا يمكن لفكر أمة أن يستأنف الإبداع ما لم يجبر الكسر بين ماضيه المزدهر وحاضرة المكفهر .فالحاضر الإسلامي عامة والعربي خاصة فاقد للوصلين بين ذاته الحاضرة وذاته الماضية ثم بين كيانه الخاص والكيان الكوني الذي تتحدد به حياة الحضارات أيا كان تنوعها واختلافها. فما به تحيا الحضارات ليس بما تكون به خصوصية بل ما به تكون كونية في نوعي علاقتها بالطبيعة وبالتاريخ أعني بالنظر والعقد في الإبستمولوجي وبالعمل والشرع في الأكسيولوجي لأن الحضارة تكون حية بعلاقتها العمودية بالطبيعة لأساسها العضوي وبعلاقتها الأفقية بالتاريخ لأساسها الروحي. ليكن مثالي اللسان .فاللسان الحي ليس بخصوصيته التي هي كون اللسان عربيا مثلا بل بكونية الحيوية اللسانية وهي كون اللسان صار حاملا للكوني من المعاني في الابستمولوجي أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- نظرا وعقدا أو في التعبير عن العلاقة بقوانين الطبيعة وفي الأكسيولوجي عملا وشرعا أو في التعبير عن العلاقة بسنن التاريخ. والعلاقة بسنن التاريخ قيمية لأنها تتعلق بحرية الإرادة وبصدق العلم وبخير القدرة وبجمال الحياة وبجلال الرؤية الوجودية .وتلك هي القيم التي تجعل الإنسان استنادا إلى النظر والعقد يستطيع أن يحدد العمل والشرع نظامين (التربية والحكم) يجعل بهما هذه القيم عين محددات فعله التاريخي بوصفه حرا. فلا يكون خصوصيا في اللسان حينها إلى الأصوات التي لا تختلف عن أي مادة تشكيلية للفنون .وهي بهذا المعنى مادة تشكيلية للغة الأدبية التي هي كونية من حيث هي أدبية وربما قومية من حيث مادة القول إذ حتى فنون البلاغة فهي كونية ولا تختلف لغة عن لغة إلا كميا في استعمال الفنيات البلاغية التي هي آليات كونية تعود إلى تنسابات رياضية بين عناصر الخطاب وأدوات التواصل الواحدة في كل الألسن سواء كانت بالعبارة أو بالإشارة المصاحبة للعبارة حالة فيها أو حالة في المعبر بالإشارة البدنية (في الخطاب الحي لا في المكتوب). وبهذا المعنى فابن خلدون يتكلم على العمران البشري وليس الإسلامي والاجتماع الإنساني وليس الإسلامي رغم أن جل أمثلته مستمدة من الحضارة الإسلامية لأن المهم في الأمثلة ليس تعينها بل ما فيها من تعين للكوني في المجالات الخمسة التي تتعلق بالإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود كما بينت. فالإرادة من حيث هي جماعية هي السياسة .والعلم من حيث هو جماعي هو النظر والعقد .والقدرة من حيث هي جماعية هي الانتاج الاقتصادي والثقافي .والحياة من حيث هي جماعية هي \"الأنس بالعشير\" (خلدونيا) أو الذوق .والوجود من حيث هو جماعي هو الرؤية الدينية والفلسفية التي تمثل مرجعية كل ما تقدم هنا. والرؤية الدينية والفلسفية هي العمل والشرع بمعنى أن عمل الجماعة وشرعها هما زبدة إرادتها الجماعية ونظرها وعقدها الجماعيين واقتصادها وثقافتها الجماعيين وانسها أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- بالعشر الجماعي ورؤيتها الوجودية التي هي المرجعية الجماعية والتي من وظيفة الفلسفة والدين العبارة عنها اساسا للتربية والحكم .وبهذا المعنى فكل المبالغين في طلب الخصوصية لا يمكن أن يسهموا حقا في جبر الكسر المضاعف: .1لن يسهموا في استيعاب ما به ظهر على الحضارة الإسلامية منافسوها وهو شرط إذ فهمنا أن التجاوز علته غياب مشترك كلي لم نتمكن من المشاركة فيه. .2ولن يسهموا في جبر الكسر الذاتي بين ماضينا وحاضرنا لأن صورتهم عنهما زائفة لا علاقة لها بما فيهما حقا لحصرهما في ما يعتبرونه خاصا بهما. وهنا يأتي دور الأساسين اللذين وضعت نظريتهما لانتقال من الخلدونية إلى الخلدونية المحدثة ومن التيمية إلى التيمية المحدثة استنادا إلى ضمير ما في عملهما من شروط تجعله يتجاوز نفسه في فهم العلاقة بين الفلسفي والديني أو إن صح التعبير بين الواحد فيهما والذي هو جوهر ما يتميز به الإسلام :الجمع بين اللب الواحد أو الفلسفي المتعين في الفلسفات التاريخية والديني المتعين في الأديان التاريخية. فما يتميز به الإسلام هو الكوني في الديني أي ما لكونه كونيا لا يمكن أن يكون مخالفا لما يمكن أن يكون كونيا في الفلسفي :ولذلك فكل استدلاله بخلاف ما يقصه عن الاديان التي يستعرضها في النقد التاريخي لمجرات تحريفها لا يعتمد على الخوارق للإقناع بل على نظام الطبيعة ونظام التاريخ. وكلما عاجز العرب الرسول الخاتم رد بأن المعجزات ليست ضرورية للتبليغ وأنها تستعمل للتخويف وليس للإقناع واكتفي بالقول إن معجزته هي القرآن من حيث هو خطاب تذكيري بما في الإنسان من فطرة هي التي بالاحتكام إليها يكتشف أن ما يقوله القرآن يمكنه تبين حقيقته من آيات الآفاق وفي الأنفس. وبذلك يتبين أن الآفاق والانفس هي الطبيعة والتاريخ وأن الآيات التي يرينها الله فيهما هي قوانين الطبيعة وسنن التاريخ وهما النظامان اللذان يستدل بهما القرآن على ما يذكرنا به ويطلب منها أن نبحث فيهما حتى نتبين أن القرآن حق .فالقرآن معجز بذلك أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- وليس باللغة أو بالأسلوب أو بالإعجاز العلمي حتى لو وجد فيه ما يمكن أن يكون شبه توقع لما سيكتشفه الإنسان لكنه ليس إعجازا علميا بمعنى علم الغيب بل بمعنى توقع الغائب. ولا بد هنا من إضافة مفهوم قد يكون علة القول بالأعجاز العلمي عند الكثير ممن يقدمون عليه بحسن نية وليسوا دجالين .ففي القرآن فعلا توقعات تطابق الكثير مما هو من الغائب وليس من الغيب .فكل ما يتعلق بالمستقبل من المآلات قابل للتوقع عقليا -ودون حاجة لعلم الغيب الذي هو بنص القرآن محجوب حتى على الأنبياء-إذا توفرت للمتوقع مقدماته. لذلك فكل ما في القرآن من توقعات لمستقبل القيم الخمس ليس من الاعجاز العلمي بل من صواب التوقع الذي يمثل أهم ما يذكر به القرآن حتى ينقل الإنسان من الإدراك الحسي إلى الإدراك المتجاوز للحواس كما في المقابلة بين البصر والبصيرة لأن هذه التوقعات هي التي تجعل الإنسان يكون على {بل الإنسان على نفسه بصيرة*ولو ألقى معاذيره} (القيامة :)15-14 .1توقع مآلات الإرادة الإنسانية وتطبيقاتها السياسية بمجرد معرفة ما فطر عليه الإنسان. .2توقع مآلات المعرفة الإنسانية وتطبيقاتها التقنية بمجرد معرفة ما يخضع له نظام العالم الطبيعي القانوني ونظام التاريخي ونظامه السنني. .3توقع مآلات القدرة الإنسانية المادية والروحية بمجرد معرفة ما يحدد سلوك البشر في التبادل والتواصل. .4توقع مآلات الذوق الإنساني الجمالي والروحي بمجرد معرفة ما يحدد تمحض الإدراك الإنساني للذوقيات الجمالية والروحية. .5وأخيرا توقع مآلات الرؤى الإنسانية سواء بشكل منظم منطقيا (الفلسفة) أو مخوطر وجدانيا (كما في الإبداع الأدبي) بمجرد معرفة سبل تأمل ما تقدم في هذه الأصناف الخمسة من القيم. أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- ولم أقل إن الدين والفلسفة متطابقان بل قلت إن الديني والفلسفي متطابقان .ذلك أنه ليس كل دين ديني وليس كل فلسفة فلسفية .وكل اعمال الإنسان فيها ما يطابق حقيقتها وفيها ما لا يطابقه .ولولا ذلك لما وجد فرق بين المثال من حيث هو غاية كمال الشيء والحاصل منه بوصفه الاشرئباب لتحصيل المثال. وهذا هو جوهر الخلاف الاساسي مع رؤية هيجل التي نكصت إلى القول بالمطابقة الابستمولوجية والأكسيولوجية لمجرد اعتباره أن هذا الفرق بين المثال والحاصل منه أو بين الموجود والمنشود علامة نقص إنساني وليست علامة كمال حقيقي يحرر من وهم المطابقة الله والإنسان فيؤسس لوحدة الوجود والذاتوية. فكل الخدعة الهيجلية تمثلت في خلط غريب بين سلب العلم بالمنشود وسلب المنشود بالقياس إلى الموجود لظنه أن الموجود يقبل الرد إلى المعلوم بسب قوله بنظرية المعرفة المطابقة سعيا منه للتحرر من المفهوم الحد الكنطي \"الشيء في ذاته\" مقابل الظاهر الذي نعلمه منه .فلان هيجل يخلط بين المعلوم والموجود-نكوصا منه إلى نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة -يتصور المعدوم في العلم هو المنشود وثم يوحد بينه وبين المعدوم في الوجود .ما ينشده الإنسان ليس معدوما في الوجود بل في علمه به .نقص العلم بالموجود ليس نقصا في الموجود الذي لا نحيط به علما يستنفد لا تناهيه. فلو كان علمنا محيطا لما كان المنشود في اشرئبابنا للكمال موجودا ولكان الإنسان إلها غنيا عن الاشرئباب إلى ما يعلم وجدانه لأنه لا يعيش فقدانه .المنشود ليس تعويضيا بالمعنى الذي فهمه تلميذه فيورباخ بل هو الوعي بموجود لا نحيط به فيكون السلب في علمنا به رغم إيماننا بوجوده وليس في المشرأب إليه .ومن ثم فلا سلب في وجوده بل في كونه منشودا عند فاقده. وبذلك فكل القضية في النكوص الهيجلي إلى ما قبل كنط علتها أنه نكص إلى القول بالمطابقة في العلم وفي العمل معتبرا عدمها ليس دليلا على طابعها الاستكمالي بل على وعي أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- بنقص علته الخيال فيكون الفرق بين علمنا بالشيء والشيء في ذاته وهما بل الشيء يرد إلى إدراكه وذلك هو الوهم حسب ابن خلدون. كل التعصب والدغمائية في الكلام والفلسفة علتهما هذا الوهم :فمن يعتبـر موضوع علمه لا يختلف عن علمه ويصدق أن علمه محيط وأنه مالك للحقيقة لن يفهم أن غيره إذا كان هذا موقفه لن يبقى لهما ما يستند إليه التواصل بينهما فيصبح اللقاء الوحيد بينهما هو الحرب التي يصفها هيجل بصراع السيد والعبد .فإما قاتل ومقتول أو سيد وعبد. لا يمكن بمنطق هيجل وماركس أن يتوقف الصراع لتحصل الغاية -الاعتراف عند الأول والمساواة عند الثاني-لأن ذلك ينافي الآلية الجدلية المؤسسة على الصارع الهادف لإلغاء الفرق بين الموجود والمنشود والمعتبر مجرد خيال ناتـج عن نقص في الإنسان قابل للتجاوز وليس علاقة بين موجودين. فمن دون الفرق بين الإلهي والإنساني والأول موجوده عين منشوده والثاني منشوده غير وجوده لكنه ليس معدوما حتى في كيانه لأنه عين ما فيه نشدان وهو معنى فطرة الله التي فطره عليها لا يمكن لا تحقيق الاعتراف بين البشر ولا المساواة .فالاعتراف والمساواة بينهم يعنيان التحرر من وهم التأله. وهذا التحرر من وهم التأله هو الذي يؤسس عليه ابن خلدون شروط العمارة بقيم الاستخلاف في التربية روحيا وفي الحكم سياسيا .وهما ما بمقتضاه يكون الإنسان \"رئيسا بطبعه وبمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" وهو ما يعني أن البشر لا يتعارفون ولا يتساوون من دون العبادية لله وحده دون وساطة ووصاية. وما أن يوجد وسطاء وأوصياء تفسد معاني الإنسانية فلا يبقى الإنسان رئيسا لا بطبعه ولا بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له لأنه يخلد إلى الأرض فيصبح كالكلب لا يتوقف عن اللهيث .والوساطة والوصاية تبدو على نوعين متضادين في الثيوقراطيا (الحكم باسم الله) والانثروبوقرطيا (الحكم باسم الإنسان) وتبدو الثانية وكأنها نتيجة لثورة على الاولى. أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- لكنهما في الحقيقة من طبيعة واحدة ولا تختلفان إلا بنوع الوساطة والوصاية .وهي بنيتهما العميقة :الأبيسيوقراطيا أو دين العجل. فالثيوقراطيا (كما في إيران) والأنثروبوقراطيا (كما في إسرائيل) وكما عند سنديهما الخارجيين (روسيا وأمريكا) بنيتهما العمقية هي دين العجل .فالوصاية فيها لصاحب المال المافياوي .والوساطة فيها لصاحب الإعلام الكاذب في خدمة إيديولوجيا كل خطابها مبني على الكلمات الأضداد :فالحرية هي العبودية لمعدن العجل وخواره والكرامة هي فخامة الإخلاد إلى الأرض ومظاهر القوة البهيمية. أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- وهكذا إذن فحبر الكسرين ممكن أن يحصل بعملية واحدة هي ما حاولنا بيانه في هذا البحث وغيره مما بدأ منذ أن تبين لي في محاولة فهم نظام القرآن ما طرأ على فهمه من تحريفات أفسدت كل علوم الملة وجعلتها طلبا للسلطان على الإنسان وليس لمساعدته على تحقيق مهمتيه أعني تعمير الأرض بقيم الاستخلاف: .1أولا بيان أن ما يمكن من الانتقال إلى التيمية والخلدونية المحدثتين يمكن من جبر الكسر الذاتي بين ماضينا وحاضرنا. .2ثانيا بيان أن ما ظهر به علينا من لا يمكن تجاوزه من دون استيعاب ما أبدعه هو ثمرة النظر والعقد في الإبستمولوجيا وثمرة العمل والشرع في الأكسيولوجيا. والجامع بين الكسرين هو أن ابن تيمية وابن خلدون وقبلهما الغزالي لم يكن لدورهما النقدي ما كان ينبغي أن يترتب عليه إيجابا بتقديم البديل الفعلي بل اكتفوا في غالب الأحيان بالحل السهل وهو سد الذرائع واعتبار الفكر الفلسفي غير ضروري بل وضار. فنقد اعتماد فكر المسلمين على ميتافيزيقا أرسطو لم يمكن من تجاوزها إلى بديل يمكن أن يخرج الإنسانية من ابستمولوجيا وأكسيولوجيا القائلتين بالمطابقة ومن القول بوحدة العالم واستغنائه عما ورائه غير علم الإنسان وعمله. ورغم تقدم هذا النقد الأبستمولوجي عند ابن تيمية الذي اكتشف القول بعدم المطابقة المعرفية وتقدم هذا النقد الأكسيولوجي عند ابن خلدون الذي اكتشف القول بعدم المطابقة القيمية فإن الموقف بقي من جنس سد الذرائع فكان ما يشبه تحريم الفلسفة سدا للذرائع بدلا من تأسيس فلسفة عدم المطابقة .والنتيجة هي: .1قتل الموجود من الفكر الفلسفي دون إبداع المنشود منه بديلا كان يمكن أن يكون ثورة فلسفية متصالحة مع الثورة الدينية التي يمثلها القرآن والتي عكسها \"علماء\" الملة بأن جعلوا الأمر نهيا (فصلت )53والنهي أمرا (آل عمران .)7 أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- .2وذلك ما تمكن من تحقيقه الغرب وبات بفضله ظاهرا علينا وأعني أنه هو الذي عمل بأن الخلق قانونه رياضي تجريبي والأمر سنته سياسية خلقية حتى وإن أهمل قيم الاستخلاف وبدأ يشعر بضرورتها بعدما خرب كل شيء. ولما كان قد عمل بذلك في إطار الابستمولوجيا والاكسيولوجيا القائلتين بالمطابقة اي قبل النقد الكنطي فإنه قد جعل ذلك وكأنه ملغيا لما يترتب على الوعي بعدم المطابقة فتتغير الأبستمولوجيا والاكسيولوجيا بصورة تلغي ما ينتج من وهم رد الوجود إلى الإدراك من مادية صرفة تهدد العالم والإنسان. بحيث إن ما يبدو نجاحا في عمارة الارض تحول إلى تهديم نسقي للأرض نباتها وحيوانها وإنسانها ومناخها وبصورة عامة كل شروط الحياة السوية وخاصة كل القيم التي تجعل الإنسان جديرا بالاستخلاف .فنكون نحن قد خسرنا مرتين: .1فلا حصلنا على التعمير حتى بمجرده بل صرنا متروكين للتدمير النسقي. .2ولا على الاستخلاف بسبب التبعية لأصحاب التدمير. فيكون جبر الكسرين بغاية الاستئناف هادفا إلى تحقيق التعمير بقيم الاستخلاف بمعنى أن ما ظهر به علينا منافسنا الحضاري منذ نهاية القرون الوسطى وبداية القرون الحديثة هو التعمير التهديمي وعلينا أن نتدارك التعمير المحرر من التدمير وذلك بجعله يحدث بقيم الاستخلاف للبشرية :دور الإسلام. فالرؤية القرآنية الابستمولوجية تعتبر الطبيعة -الخلق-بقدر أي بقوانين رياضية ثابتة تبدع ويكتشف ما يخضع لها فيها بالتجربة الطبيعية(الكلام على المدارك الحسية) وتعتبر التاريخ-الأمر-بسنن ثابتة لا تتحول ولا تتبدل تبدع ويكتشف ما يخضع لها فيه بالتجربة التاريخية :وبنظاميهما يستدل القرآن. والعقد في علاقته بالنظر والشرع في علاقته بالعمل هما ما يحدد القيم التي تجعل التعمير يجري بمقتضى الاستخلاف أي إن الإنسان ليس معمرا للأرض من أجل شروط بقائه كيفما أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- اتفق بل واجب احترام هذا المصدر الذي يستمد منه حياته واحترام شروط العيش المشترك الذي يجعل للجميع حقا في المصدر. وبذلك نحقق جبر الكسرين :نصل حاضرنا بماضينا أي بالفهم الأول للقرآن فنتحرر من تحريفه الذي حصل في مستوى التربية والحكم ونستوعب ما ظهر به علينا منافسنا دون أن نحاكيه في القول بالمطابقة التي تنفي ما يتعالى على الإنسان في نظره وعقده علاقة بالطبيعة وفي عمله وشرعه علاقة بالتاريخ. ولا يمكن أن نحقق جبر الكسرين بالبحث عن الخصوصيات إلى الحد الذي يجعلنا وكأننا خارج القوانين الكلية في الطبيعة والسنن الكلية في التاريخ .وأعجب ما في امر الباحثين عن الخصوصية أنهم لا يعون ما في ذلك من تناف مع القول إن الإسلام دين الإنسانية كلها وأن الله رب العالمين كلهم بلا استثناء. وفي الحقيقة لا تفسير لمطالب أصحاب الخصوصية إلا بتبعيتهم اللاواعية لما يسمى بما بعد الحداثة التي هي في الحقيقة عودة إلى نظرية أرواح الشعوب بصورة تؤدي إلى أخطر موقفين عرفهما العقل الإنساني: .1التفاضل بين الشعوب ومن ثم فهو قول بأرواح الشعوب بمعناها الهيجلي أو بالطبقات بمعناها الماركسي حتى وإن زعم الأول والثاني الوصول إلى الاعتراف والمساواة. .2التلاغي بين الحضارات والثقافات أو اللاتواصل المطلق بينها وينتج عنه صدام الحضارات وهو ما حصل فعلا وليس الوصول إلى الاعتراف والمساواة. وهذا هو الجذر العميق للفاشيات كلها وهي بدأت بنظرية أرواح الشعوب الهيجلية وانتهت إما بنظرية الصراع الطبقي أو بنظرية صدام الحضارات .ذلك أن الحضارات التي تتساوق ولا تتواصل سلما تنتهي إلى أن التواصل الوحيد هو الصراع والحروب بمنطق العولمة ولا وجود لتعارف معرفة ومعروفا بين البشر. وإذا كان ما تتميز به حضارة عن حضارة أو الخصوصية أهم من المشترك بين الحضارات فإن النتيجة الوحيدة الممكنة هي أن لا يوجد مشتركا بين البشر إلى ما يفرضه الاقوى على أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- الاضعف ويصبح التاريخ مبنيا على الاستضعاف ولا يكون لـ\"انما أنت مذكر\" و\"لست عليهم بمسيطر\" معنى في الرسالة الخاتمة. ولا يمكن كذلك أن نجعل الكلي والكوني خاصا بالإسلام وإلا لكذبنا القرآن الذي يجعل كونية الإسلام ليست خاصة به بل هي فطرة الإنسان بداية وغاية وهي من ثم حاصلة في كل الرسالات السابقة وتلك علة تسميته المؤمنين بها مسلمين لأن الديني في جميع الأديان واحد وما ليس بواحد هو التحريفات التي طرأت على الديني في التعين التاريخي للديني الذي هو واحد بالجوهر. صحيح أن الشرعة والمنهاج متعددان .لكن الأمر حينها لا يتعلق بجوهر الديني بل بظرفيات تحققه في التاريخ إذ إن الشرعة والمنهاج كلاهما متعلق بتقنيات التربية والحكم وهي طبعا متطورة لأنها بالذات الخصوصي الذي لا يغير من الكوني باعتباره متعلقا بفنيات تعينه في التاريخ وظرفياته. ولهذه العلة تكلمت الأية 48على تعدد الشرعة والمنهاج معتبرة إياها من شروط التسابق في الخيرات وهي إذن من باب الاجتهاد .وقد اعتمد ابن خلدون على ذلك في نظرية \"عدم التأثيم\" لينزه الصحابة من التجريم الذي يتبادله المسلمون للجهل بضرورة التعدد شرعة ومنهاجا في السياسي والتربوي. لكن الخلط جعل المسلمين يعتبرون هذه الشكليات من جوهر الدين في حين أن القرآن جعلها \"لكل منكم\" شرعة ومنهاجا بمعنى أن الشرعة والمنهاج من باب الاجتهاد العملي وليس من باب العقائد النظرية .وهي من ثم خصوصيات غير معينة للكوني في الديني وللجوهري في الخلقي والسياسي والاجتماعي. فعادات الأكل خصوصية لكن ما يحتاج إليه البدن من سعرات كوني .وسواء استمد الإنسان السعرات من مواد لا توجد إلى في تونس مثلا أو إلا ما يوجد في بلد آخر فهذا قد يصبح خصوصيا لفن المائدة في تلك البلدان لكنه لا يدل على شيء مهم في ما نحتاج إليه في التربية الغذائية بل في جغرافية النبات. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- وعندما نرد المسألة إلى جغرافية النبات فإن الامر حينها يصبح أكثر كلية لأن تنوعها علته علاقة النبات بالشروط المناخية وهي كلية وليست خصوصية .الخصوصي فيها هو المحل الجغرافي أو موقعه بالقياس إلى شروط نمو النباتات وتكيفها مع المناخ وحركات الشمس والماء والهواء وهي كلها قوانين طبيعية. وحتى حجة اختلاف امزجة الشعوب بحسب نظامها الغذائي فهي بصدد الزوال (حجة خلدونية) لأن المعمورة صارت قرية أولا ولأن نفس المواد تقريبا توجد في كل الاسواق ولم تعد المواد مقصورة على بلادها ليس في الاغتذاء بها فحسب بل في توطين النباتات رغم اختلاف المناخات بما توفره الزراعة الحديثة. وما نراه قد أصبح موجودا بالفعل كان على الاقل في الاذهان موجودا بالقوة .ومعنى ذلك أن الإنسان كان يعلم أن ما يعد خصوصيا في بلده ليس هو المهم بل المهم هو ما فيه من مشترك بين البشر أعني مثلا فائدته الغذائية .ولو طبقنا ذلك على الألسن لفهمنا أن الكوني في التواصل هو الذي أساس الترجمة. وأكذب كذبة حكاية الترجمة خيانة .ذلك أنه من دون ترجمة لا يمكن حتى في نفس اللغة التواصل حتى مع النفس ناهيك عن التواصل مع الغير .وهي الحجة الأساسية التي تبين دجل نفاة الترادف في القرآن .لو كانت ألفاظ القرآن خالية من الترادف لاستحال أن يفهم فشرحه يستعمل بعض ألفاظه لفهم بعضها الآخر .وهذا ترجمة داخلية في نفس اللغة. ومن دون ذلك يحصل أمران مستحيلان .لكن حصولهما ينفيه لأن الحصول يثبت الإمكان فيدحض الامتناع: .1الأول أن يكون عدد الالفاظ لا متناهيا أو على الأقل بعدد دلالاتها خارج اللسان فيكون كل لفظ اسما علما وتكون مفردات اللغة عاجزة عن الإحالة إلى دلالات ومعان العامة وخالية من الكليات. أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- .2والثاني أن يصبح تعليم اللغة مستحيلا لأني لا أستطيع أن أشرح أي كلمة جديدة بكلمة قديمة علمتها لابني في بداية تكلمه فصلا عن امتناع الترجمة في نفس اللغة (شرح كلمة بأخرى) وبين اللغات. وهذا وحده كاف لبيان دجل شحرور وجهله بما يتصوره عمدة فكره :علوم اللسان. فالقرآن نص مثل النصوص الأخرى بصرف النظر عن جنسه الأدبي وعن مرسله لا يتحدد معناه إلى بالمرسل إليه حتى عند مرسله لأنه يرسله بقصد إبلاغ ما يريده للمرسل إليه. فالله لا يخاطب نفسه بالقرآن بل يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان .ولما كان المرسل إليه إنسان فهو لا يفهم النصوص إلا من حيث هو إنسان ككل إنسان. فلا يفهم مفرداته إلا بسياقته فيه وبمحالها في منظومة اللسان الذي قيل به حاولا للخطاب .فكل مفردة تفيد بمحلها من المعجم العربي وبسياقها من النص الذي ترد فيه وبسياقه الذي يحدده النص باعتباره ما يتعلق به الخطاب موضوعا له .ومن ثم فالمفردات ليست مجرد علامات من جنس ما يوضع على المواد في المغازات حيث يكون لكل بضاعة علامة لا علاقة لها ببقية العلامات بل هي رموز في نظام رمزي له بنية تحدد بالتضامن والتقابل دلالاتها ومعانيها. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 36
Pages: