Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore السياسة والأخلاق، أو ما طبيعة الضرورة التي تبيح المحظور – أبو يعرب المرزوقي

السياسة والأخلاق، أو ما طبيعة الضرورة التي تبيح المحظور – أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-02-01 14:59:58

Description: السياسة والأخلاق، أو ما طبيعة الضرورة التي تبيح المحظور – أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫أو ما طبيعة \"الضرورة التي‬ ‫تبيح المحظور\"؟‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫تمهيد‪1 :‬‬ ‫الفصل الأول ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪9 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪15 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪21 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪28 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس‪35 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السابع ‪41 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫هذه محاولة لها وظيفتان‪:‬‬ ‫‪ .1‬نظرية خالصة لفهم العلاقة بين السياسي والخلقي عامة حتى نتحرر من مرضين كلاهما‬ ‫مضر بالأمرين‪ :‬اتهام السياسي بالدناسة لتعليل الفصل الوهمي بينها وبين الديني أعني‬ ‫جوهر الرؤية القرآنية للسياسي والخلقي في آن‪.‬‬ ‫‪ .2‬قراءة ما حصل في تاريخ الإسلام من تعارض بينهما بسبب عدم فيهم هذه العلاقة وما‬ ‫قد تضطر إليه السياسة مما يظن مؤيدا لموقف المذكور في الوظيفة الأولى للمحاولة‪ :‬وذلك‬ ‫هو مدلول \"الضرورة التي تبيح المحظور\"‪.‬‬ ‫ولعل في هذه المحاولة دفاعا عن السياسي عامة حتى عندما يكون منحرفا والسياسي عندما‬ ‫يكون سليما أعني مؤديا وظائفه التي لا يمكن أن تخلو منها حياة الجماعات بسبب دوره في‬ ‫الحماية ودور الحماية في الرعاية وهما شرطا قيام الحياة الإنسانية فردية كانت أو‬ ‫جماعية‪ .‬لكن المحاولة هي كذلك تحديد دقيق لحقيقة الأخلاق وظيفتها كما تقتضيها‬ ‫شروط العيش المشترك بين البشر لأنها لا تقاس إلى بما يجعل هذا العيش سلميا ما أمكن‬ ‫ذلك لأنها في النهاية تعود إلى ما يسميه ابن خلدون الوازع الذاتي الذي يحد من دور‬ ‫الوازع الأجنبي في ما يحصل بين البشر من علاقات ومعاملات وتواصل حولهما‪.‬‬ ‫مسألة في علاقة السياسة بالأخلاق تحيرني سواء كانت القيم عقلية دون استثناء الدين‬ ‫(بالتشريع العقلي بفرض القيم صفات ذاتية للأشياء والأفعال شرط التحسين والتقبيح‬ ‫العقليين) أو دينية دون استثناء العقل (أو بالتشريع الديني بفرض البراءة الأصلية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫للأشياء والأفعال)‪ :‬ما الموقف من مسألة \"الضروة التي تبيح المحظور \" سواء أخذناها‬ ‫بمفهومها الفقهي المستمد من الدين الإسلامي أو بمفهومها \"الحيوي\" أعني الموقف في‬ ‫الاختيارات التي قد تفرضها ضرورات الحياة بصرف النظر عن المعتقدات الدينية‪.‬‬ ‫فهل السياسة بمعزل عن الأخلاق ‪-Amorale-‬أم هي لا أخلاقية ‪ Immorale‬في ما تفرضه‬ ‫\"الضرورة التي تبيح المحظور\" في السياسة عامة إما بمقتضى أشنع حالاتها أي مصلحة الدولة‬ ‫العليا ‪-Raison d'Etat-‬أو في الحالات التي تتعرض فيها الأمة لخطر وجودي‪ :‬فيجتمع‬ ‫المعنيان عند ثبوت الضرورة الوجودية لبقاء الأمة؟‬ ‫ولا يمكن فصل الدور الخلقي في الحياة العامة عن الشكل الأول وأساسي في تعينها الروحي‬ ‫الغالب أعني المعتقدات الدينية المؤسسة لها سواء في الأديان أو حتى في الفلسفات وخاصة‬ ‫بعد أن تبين أن القانون الطبيعي لو عمم لآل إلى القول بنفي الحرية ومن ثم لأزال الأساس‬ ‫الأول والأخير للمسؤولية وهي جوهر الأخلاق‪.‬‬ ‫لو كانت القضية بهذا اليسر لكان الجواب إما أنها بمعزل عن الأخلاق أو أنها لا أخلاقية‪.‬‬ ‫لكن الأمر أكثر تعقيدا إذ لا يمكن فصل السياسي عن الخلقي لأن الثاني غاية والاول‬ ‫أداة‪ .‬وتحقيق الغاية مشروط بالأداة‪ .‬والأداة السياسية مضاعفة‪ :‬فهي تربية أو فعل‬ ‫يتقدم فيه الروحي على المادي وحكم عكسها‪.‬‬ ‫كل الذين يبسطون هذه العلاقة ولا يراعون طبيعة الصلة بين السياسي والخلقي ينتهون‬ ‫إلى اعتبارهما لا يلتقيان‪ :‬السياسة بالطبع غير خلقية والأخلاق غير سياسية‪ .‬وهذا لعمري‬ ‫المصدر الأول والاخير لدعاة الفصل بين الديني والسياسي أو دعاة العلمانية وخاصة‬ ‫اليعقوبية من أنواعها المتعددة‪ .‬وما كنت لاقف ضد العلمانية عامة واليعقوبية خاصة لو لم‬ ‫أكن قد توصلت إلى نتيجتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الفصل بين الديني والسياسي مستحيلة وخاصة في نظام ديموقراطي لا يمكن لمن يصل‬ ‫إلى الحكم بصورة شرعية أن يقول بها لتنافيه مع ثقافة أي شعب لا يمكن أن تخلو من‬ ‫الدين‪ :‬كذبة لم يعد يصدفها إلا الـحمقى من النخب العربية وما أكثرهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬ما حصل بعد الثورة الفرنسية ليس فصلا حتى بين الكنيسة والدولة فضلا عن الفصل‬ ‫بين الدين والسياسة‪ .‬فالثورة الفرنسية لم تفصل بين الكنيسة والدولة بل أخذت وظائف‬ ‫الكنيسة واعطتها للدولة (التربية والرعاية الاجتماعية والصحة)‪ .‬ولم تفصل بين الدين‬ ‫والسياسة بل وضعت دينين بديلين من الكاثوليكية‪.‬‬ ‫فروباس بيار وضع دين الموجود الأسمى حتى يعوض الكاثوليكية وأوغست كونت وضع‬ ‫دين الإنسانية أو أعلام البشر من المبدعين حتى يعوض الكاثوليكية كذلك‪ .‬ومعنى ذلك‬ ‫أن فيلسوف الحكم في الثورة السياسية (روباس بيار) وفيلسوف الحكمة في الثورة العلمية‬ ‫(كونت) كلاهما أدرك هذه الاستحالة‪.‬‬ ‫لكن الحمقى من النخب العربية‪-‬السياسية أمية والفكرية دغمائية‪-‬ما زالوا يصدقون أنه‬ ‫يمكن تصور سياسة في وظيفتي التربية والحكم من دون تأسيس خلقي يمكن بتياسر عملي‬ ‫اعتبار الثقافة الدينية شكلها العامي والثقافة الفلسفية شكلها الخاصي كما كان يتصور ذلك‬ ‫فلاسفة القرون الوسطى عندنا وفي الغرب تصورا موروثا عن الفلسفة اليونانية التي كان‬ ‫الدين عندها مرحلة ميثولوجية وثقافة شعبية يغلب عليها قيس الآلهة على البشر في‬ ‫التربية السوفسطائية (أفلاطون المقالة العاشرة من الشرائع والقانون الجنائي في مسألة‬ ‫العقد الديني بمستوياتها الثلاثة التي عالجها)‪.‬‬ ‫ومن عجائب الدهر أن الذي تصورها ضرورية للعامة المحتاجين للشعائر‪-‬روباس بيار‪-‬جعل‬ ‫اساسها غاية في التجريد ‪-‬الموجود الأسمى‪ Etre suprême‬وأن الذي تصورها ضرورية‬ ‫للخاصة المحتاجين للمعاني المجردة متعينة في مبدعيها ‪-Panthéon des savants‬أوغست‬ ‫كونت‪-‬جعل أساسها غاية في التعيين‪.‬‬ ‫لكن أشباه المثقفين الذين لا يدركون أنه لا إبداع ممكن من دون ثراء روحي بسبب عقمهم‬ ‫الروحي والإبداعي واعتمادا على الدكتاتورية العسكرية أو القبلية يريدون محو دور‬ ‫عقائد الشعوب وعقائد زبدة النخب المبدعة يعتقدون أنه يمكن تصور تربية الأحرار‬ ‫وحكمهم من دون عقائد روحية وخلقية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولذلك تسمع نفاقهم الدال على الامية الفعلية مدعين أنهم يريدون فصل الدين عن‬ ‫السياسة خوفا منهم على المقدس‪-‬ولا معنى مرة أخرى للمقدس اسم مفعول من قدس لأن‬ ‫قدس فعل متعد بالحرف ومن ثم فليس له مفعول به بل يمكن تسميته ما لأجله يكون الفعل‬ ‫دون أن يقعل عليه‪ .‬فنحن نقدس لله والله ليس مقدسا بل مقدس له‪.‬‬ ‫وحتى \"قدوس \"كاسم من الأسماء الحسنى فهو دليل فعل من أفعال الله مثل عالم وكريم‬ ‫ورحمن إلخ‪ ...‬فهو يمكن أن يعتبر الله مفعولا به فنسميه مرحوما ومكرما ومعلوما‬ ‫ومقدوسا؟ كثرة الكلام على المقدس كصفة دليل جهل بدلالة الكلام العربي وآداب الكلام‬ ‫على الله‪ .‬اسم الفاعل موجود لكن اسم \"المفعول لأجله\" وليس اسم مفعول به هو المقدس له‬ ‫وليس المقدس إذ الفعل لا يتعدى من دون حرف‪ .‬فالملائكة في القرآن الكريم تقول نقدس‬ ‫لك ولم تقل نقدسك‪ .‬وإذن فالتقديس لله نوع من العبادة‪ .‬وكل ما يعبد يقدس له أي‬ ‫يخضع العابد له بوصفه المتعالي الذي يمثل رمز الكمال في الإرادة والعلم والقدرة والحياة‬ ‫والوجود‪ .‬ومن دون رمز الكمال ‪-‬وهو عند روباس بيار الموجود الأسمى وعند أوغست كونت‬ ‫المبدعون الكبار‪-‬وعند أي إنسان ما يمثل لديه كل القيم السامية‪.‬‬ ‫وأي إنسان ذو عقل إذا كان ذا طموح سياسي ويريد أن يستمد شرعيته من إرادة شعبه‬ ‫فلا يستطيع أن يخاطبهم بما يتنافى مع معتقداتهم‪ .‬لذلك فلا يفعل إلا من يريد أن يحكم‬ ‫بالعنف والاستبداد والفساد ولا يعتقد أن الشعب هو مصدر الشرعية السياسية ببعديها‬ ‫تربية وحكما‪ :‬شرط العلمانية عندنا الدكتاتورية‪.‬‬ ‫وهي ليست دكتاتورية حكم فحسب بل دكتاتورية تربية أيضا‪ .‬لذلك ففي فرنسا وظيفة‬ ‫المدرسة العلمانية الأولى تبشيرية سلبية أعني تعويض وظيفة الكنيسة الكاثوليكية بكنيسة‬ ‫عملانية مضمون خطابها دحض المعتقدات الكاثوليكية‪ .‬وهو ما يسمونه نظام التعليم‬ ‫العلماني‪.‬‬ ‫وهو ما صار عندنا نظام التحديث العنيف بسلطان الدولة ذات الأنظمة المستبدة والفاسدة‬ ‫والمعممة لثقافة المستعمر بمنطق المهمة التحضيرية المزعومة‪ .‬فجميعهم سواء ما كان منهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫قائلا بالرؤية الفاشية اليسارية أو الفاشية اليمينية أو حتى الليبرالية لا يختلفون على‬ ‫أمرين يعتبران عندهم من العقائد العلمانية ومن أهم مقومات المشترك بين الهيجلية‬ ‫والماركسية خاصة وتشتكر فيها معهما علمانية اليعقوبية الفرنسية خاصة وهي التي ابتلينا‬ ‫بها في كل بلاد العرب لأن ثقافة مصر ولبنان وسوريا والمغرب كله فرنسية بالأساس في هذا‬ ‫المجال‪:‬‬ ‫‪ .1‬في فلسفة التاريخ‪ :‬أن الحضارات متفاضلة خطيا أي إن اللحاق في الغلبة هو الممثل‬ ‫للحقيقة الحضارية التي على البقية أن ينسلخوا عن حضارتهم ويلتحقوا بها‪.‬‬ ‫‪ .2‬في فلسفية الحكم‪ :‬أن هذه الفلسفة ينبغي أن تفرضها النخبة المستبدة سياسية‬ ‫واقتصاديا وثقافيا بكل الطرق العنيفة وخاصة في التربية والحكم‪.‬‬ ‫ويسمون ذلك تنويرا ولا يرون أن القائمين بوظيفة التعليم كانوا رجال كنيسة كاثوليكية‬ ‫وصاروا رجال كنسية إما ماركسية أو يعقوبية‪ .‬فالتنوير يعني أن يفكر الإنسان بفنسه دون‬ ‫وسيط روحي أو عقلي‪ .‬والديموقراطية تعني أن يحكم الإنسان نفسه دون وصي حداثي‬ ‫يتعامل معه تعامل المستعمر مع الأنديجان‪.‬‬ ‫الآن وقد عرضت المسألة في أبعادها العملية والفعلية أو ما يسميه حمقى الحداثة ‪-‬‬ ‫الواقع‪-‬فلأمر إلى الإشكالية التي انطلقت منها‪ :‬هل اللقاء شبه الملازم للفعل السياسي مع‬ ‫المسألة الخلقية التي تخضع لمنطق الضرورة التي تبيح الحضور يعني أن السياسة بمعزل عن‬ ‫الاخلاق أو لا أخلاقية؟‬ ‫هل الغزالي الذي ينصح بالابتعاد عن الحكام يفعل ذلك بمقتضى طبيعة الحكم أم لأن‬ ‫حكام عصره لم يكونوا حكاما بالمعنى السياسي للكلمة بل كانوا مستبدين وفاسدين بمقتضى‬ ‫ثقافة العصر الذي كان الحكم فيها من الغنائم في الصراع بين القوى العنيفة التي تملك‬ ‫البشر والحجر؟‬ ‫هل أدعياء الكلام في الأخلاق والرافضين للالتزام بقضايا مجتمعاتهم السياسية محقون‬ ‫عندما يعتبرون من الأخلاق أن يبتعد من يطلب الحقيقة عن السياسة لأنها بالجوهر لا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أخلاقية وفي أدنى الحالات بمعزل عن الحكم الخلقي فتكون قذرة ولا أخلاقية بمقتضى‬ ‫طبيعتها المزعومة مدنسة؟‬ ‫أليسوا هم بذلك من يبقى الأمر على ما هو عليه فجعل الغزالي يقضي بذلك الحكم؟‬ ‫جوابي هو أن هؤلاء بسبب التبسيط يفسدون وضع المشكل من أصله‪ :‬فأولا كما بينت‬ ‫الفصل بين السياسي والخلقي وبين السياسي والدين كلاهما مستحيل حتى عند من يزعون‬ ‫الفصل بينهما‪.‬‬ ‫فحتى عندما يكون سلوكهم مطلق اللاأخلاقية فهم يحتاجون لتبريره بمسحة قيمية هي‬ ‫غايات فعلهم السياسي‪.‬‬ ‫لم أسمع أحدا من الساسة مهما كان قذرا و\"خامجا\" وكذابا يقول عن نفسه خلال مغازلته‬ ‫للناخبين حتى في الانتخابات المزيفة عندنا أنه يؤسس سياسته على القذارة والخمج والكذب‬ ‫بل هو يشعر بضرورة تبرير سياسته وبرنامجه بقيم خلقية أو دينية أو حتى بقيم مصلحية‬ ‫يدعيها غير الأنانية بل خدمة للشعب‪.‬‬ ‫ولا يهم إن كان ذلك في الأقوال‪ :‬لأنه لو كان دور الأقوال عديم التأثير لاستغنت عنها‬ ‫الأفعال‪ .‬فلو لم تكن لتبرير الأفعال وتزيينها ومخادعة الخصوم لفقدت ما لأجله تحتاج‬ ‫إليها الأفعال بوصفها صلاحها اللطيف‪ .‬ومن ثم فحتى الكذب والتزييف يعتبران في السياسة‬ ‫من تجليات حاجتها إلى الأخلاق‪ .‬سيقال هذه لا أخلاق وليست أخلاقا‪.‬‬ ‫والجواب أن ما هو لا أخلاق هو ادعاء أن الأخلاق توجب الحياد في المعارك السياسية بين‬ ‫الحق والباطل وبين الخير والشر وبين العدل والظلم وبين الحرية والعبودية وبين السيادة‬ ‫والتبعية وبين الكرامة والمذلة وبين كل ما به يكون الإنسان مكلفا أي فروض العين في‬ ‫الجماعة المؤلفة من الأحرار‪.‬‬ ‫فالناس لا يكتفون في تقييم من يقوم بوظيفة التربية أو بوظيفة الحكم على فنياتـهما من‬ ‫حيث شكلهما ومضمونهما بل هم يضيفون إليهما حكما خلقيا في مستويين بهما تكون الوظيفة‬ ‫مطابقها لعلاقة غايتها وأداتها وفي ذلك تكمن خلقيتها والمستويان حددتهما النساء ‪:58‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬الأمانة في أداء الوظيفة بشروطها وأولها خدمة الجماعة سواء كان مربيا أو حاكما‬ ‫وليس ذا سلطان عليها لأن الأمر أمر الجماعة فيهما كليهما‪.‬‬ ‫‪ .2‬والعدل في معاملة المحتاجين إلى الخدمتين أو بصورة أدق إلى ما هما به شرط كل‬ ‫الخدمات الأخرى‪.‬‬ ‫من يتصور الأخلاق قيما تتعين في الأحكام القولية يلغي ثمرتها ويخلط بينها وبين الكلام‬ ‫عليها دون الفعل بمقتضاها‪ .‬فالمربي يمكن أن عملاقا فنيا ومقدوح الأمانة والعدل‪ .‬وكلا‬ ‫الشرطين ضروري ليكون المربي أهلا لأداء تلك الوظيفة ولا يمكن الاستغناء عن أي من‬ ‫الشرطين‪.‬‬ ‫ومثله الحاكم‪ .‬فقد يكون عملاقا في فنياته المناورة السياسية لكنه مع ذلك هابط خلقيا في‬ ‫أمانته لوظيفته وفي عدالته مع المحتاجين إليها‪ .‬فالمستبد والفاسد يمكن أن يكون جيد في‬ ‫الفنيات السياسية لكنه مستبد وفاسد في استعمالها لغير ما أهلت له‪ :‬الحكم للمربي أو عليه‬ ‫لا تكفي فيه الفنيات‪.‬‬ ‫وهنا نكتشف ما غاب عمن يعتبر السياسية بمعزل عن الأخلاق أو لا أخلاقية‪ .‬هي ليست‬ ‫بمعزل عن الأخلاق للتلازم بين الغاية والأداة‪ .‬السياسة جمع بين غاية خلقية وأداة‬ ‫تحقيقها وهي الوجه التقني والخلقي من تحقيق الغاية‪ .‬فالنجار الذي يغش لعله كفء فنيا‬ ‫لكنه غير أمين لمهنته وظالم لحريفه‪.‬‬ ‫وكل من يدعي التفلسف في الأخلاق أو البحث في علاقتها وصلا أو فصلا بينها وبين الدين‬ ‫في مستوى الخطاب قد يعتبر باحثا في طبيعة الحكم الخلقي من حيث هي تصورات‪ .‬فإذا‬ ‫أغفل أنها من الفلسفة العملية وليست من الفلسفة النظرية حتى تقتصر على طبيعة‬ ‫الخطاب المعياري ولا تصل إلى تعينه في العمل بوصفها حكما على كيفية فعل وليس على‬ ‫كيفية قول إلا من حيث هو سلاح لطيف في علاقات البشر بعضهم بالبعض (مثل التنابز أو‬ ‫عدم احترام المنازل من آداب السلوك في الخطاب فيكون التقييم الخلقي للخطاب من حيث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هو فعل تواصل وهو عمل إلخ‪ )...‬فهو ليس عالم أخلاق بل واصف للشكل الخطابي للقول‬ ‫الخلقي الذي هو أقل أجزاء الفعل الخلقي سهما في الخلقي‪.‬‬ ‫وهنا نصل إلى التعقيد الذي يحيرني والذي يجعل السؤال يطرح بمصطلح يستعمل في‬ ‫الفقه وأريد أن أبين أنه ضروري خاصة في الفقه السياسي عامة سواء كان دينيا أو وضعيا‪:‬‬ ‫ما الضرورات التي تبيح المحظورات في السياسي قياسا على الضرورات التي تبيح المحظورات‬ ‫(كأكل الميتة) في الأحكام الفقيه التعبدية مثلا وهي مختلفة عن الرخص أو التيسير في‬ ‫العبادات (مثل الجمع في الصلاة أو التأجيل والتعويض في الصوم)؟ ذلك ما سنحاول فهمه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بدأنا البحث في هذه الإشكالية المحيرة‪-‬الفصل الأول‪ -‬بمفهومين هما‪-1:‬ما تبيحه‬ ‫الضرورة و‪-2‬من محظورات‪ .‬وهما مفهومان فقهيان في الإسلام يطبقان في الديني من حيث‬ ‫هو ديني يصورة تجعل ما حكمه الحرام يصبح حكمه الحلال في حالات الضرورة فينتقل‬ ‫الحرام إلى المباح وهي نقلة بين حكمين متباعدين ومفادهما محير‪.‬‬ ‫فالنقلة من الحرام إلى المباح فيها أمر محير لأني أتساءل عن هذا الانتقال العجيب الذي‬ ‫كنت أنتظر أن يصحبه مثلا القول إنه مكروه وليس مباحا‪ .‬وعدم هذه المصاحبة تعني أن‬ ‫الإنسان يصبح في حل ليقدر بحرية تامة وكـأن حكم التحريم لم يعد موجودا ما يعني أن‬ ‫وجوده مشروط بالحرية أو بعدم الضرورة‪ .‬وهذا حسب رأيي بداية الحل للإشكالية‬ ‫المحيرة‪.‬‬ ‫لماذا لم تكن النقلة من الحرام إلى المباح بالتدريج مرورا بالمكروه ولماذا لم تتجه إلى‬ ‫القيمتين الموجبتين ندبا ووجوبا واكتفت الاجتهاد المطلق إذ هي وصلت إلى الإباحة بمعنى‬ ‫يجعل الإنسان وكأن هذا المبدأ يؤول إلى القول بـ\"النفي الأصلي\" أو بـ\"البراءة الأصلية\"‬ ‫بلغة الغزالي بمعنى يجعل الشرع السماوي وكأنه يتوقف ويترك الحرية المطلقة لصاحب‬ ‫الفعل في تقدير الضرورة التي تبيح المحظور؟‬ ‫ذلك أن من يوجد في وضعية الضرورة يحاول أولا حلولا تخلصه من الحرام ما أمكن فإن‬ ‫لم يستطع فإنه يصبح أمام الإقدام على المكروه وإن لم ينفعه ذلك للخروج من الضرورة‬ ‫يضطر إلى ما كان حراما فيجعله حلالا بمقتضى هذا المبدأ الذي يتعامل مع سلطة تشريعية‬ ‫ذاتية تحدد منزلة ما سيقدم عليه من خلال هذا التقدير الذي يصبح هو موضوع التقييم‬ ‫الخلقي رغم أن تأسيسه ديني وهو مبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\"‪.‬‬ ‫كيف يصبح ما كان حراما ‪-‬اكل الميتة مثلا‪-‬يصبح مباحا دون صفة الكراهة إذا لم يكن‬ ‫ذالا دالا إحالة الحكم للمعني بالوضعية حتى يقدر بنفسه \"مقدار\" الضرورة التي تمكنه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من الانتقال من الحرام إلى الإباحة التي تصبح كلها مؤسسة على اجتهاده في تقدير‬ ‫الضرورة وقدرته على تحملها والتحرر من سلطانها على فعله‪ .‬من هنا علاقة المسألة‬ ‫بالسياسة والأخلاق‪.‬‬ ‫وتلك هي علة أضافة مفهومين آخرين يغلب عليهما الوضعيات التي قد تكون محكومة‬ ‫بهذه العلاقة بين الضرورة والإباحة بهذه المعنى‪ .‬ولما أضفت هذين المفهومين الجديد‬ ‫وجدت نفسي أمام مفهومين أخرين هما العلاقة بين الخلقي غاية والسياسي أداة أو وسيلة‬ ‫لتحقيقه‪ :‬صرنا أمام ستة مفهومات‪.‬‬ ‫لكن الأزواج المفهومية لا تتوقف عند هذا الحد‪ .‬فهذا الانتقال يعض الإنسان أمام‬ ‫وزوجين آخرين يضعان الإنسان أمام التشريع المناسب للوضع العادي والتشريع المناسب‬ ‫للوضع الشبيه بالطوارئ في وضعيات فعل الإنسان الأنسان وأحواله فيكون اختيار الحكم‬ ‫رهن التقدير العقلي الخلقي في آن لقرار الانتقال‪.‬‬ ‫فيكون زوجا المفهوم هنا هما الضرورة والحرية أو حرية تقدير ما يمكن الإنسان من‬ ‫الحكم بأنه أمام ضرورة تبيح له حرية الإقدام على المحظور واعتباره مباحا في تلك الحالة‬ ‫ما يعني أنه يكون قد استنفد كل الحلول التي يقدر عليها لتجنب الإقدام على المحظور‬ ‫واعتباره مباحا دون تساهل مع نفسه‪.‬‬ ‫نحن إذن إمام امتحان الإرادة الحرة بالظرف المضطر‪ .‬وهذا الامتحان هو حقيقة‬ ‫الوضعية الخلقة في سلوك الإنسان أو طبيعة الالتزام الخلقي‪ .‬وحتى يكون الكلام واضحا‪:‬‬ ‫فما يسميه الساسة إكراها سياسيا قد يكون من الضروري الذي يبيح المحظور وقد يكون من‬ ‫التساهل الذي يبرر السلوك غير الخلقي والخيانة‪.‬‬ ‫ويظهر ذلك خاصة في التفاوض دبلوماسيا وفي الحروب عسكريا وفي التنافس اقتصاديا‬ ‫وهو في الغالب نوعان‪:‬‬ ‫• إما لنقص حقيقي أو متوهم في المعلومات حول ميزان القوى بين الخصمين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫• أو لجبن وهو قد يكون حقيقيا وقد يكون مبررا للخيانة والجبن في حالات القيادة بداية‬ ‫الخيانة‪.‬‬ ‫وهنا نصل إلى الزوجين الأخيرين‪ :‬ففي هذه المواقف الثمانية أو الأزواج الأربعة يكون‬ ‫المرء قبالة ذاته ورقيب يعتبر نفسه شفافا أمامه بمعنى أنه لا يستطيع أن يخفي عنه شيئا‬ ‫وهو لقاء مباشر بينه معبرا عن ذاته بذاته وبين ما يقوله لذاته ترجمانا عن سلطة متعالية‬ ‫حتى لو كانت من ذاته يعتقد أنها تراقبه إذ هو يميز بين فعله وهو صاح وفعله وهو نائم‬ ‫حتى لوكان ملحدا‪.‬‬ ‫وهبنا سميناه ضميرا أو كما سماه ابن خلدون \"الوازع الذاتي\" بالمقابل مع الوازع الأجنبي‬ ‫(سلطة الحكم الخارجي) فإن هذين الزوجين الذات الفاعلة والذات المراقبة لذاتها في فعلها‬ ‫يعنيان أن حضور الفعل وتقييمه يكون في سلوك الإنسان من جنس حضور السياسة وتقييمها‬ ‫الخلقي في مسألتنا‪.‬‬ ‫وبذلك ننتهي إلى مسألة الالتزام الخلقي في علاقة بالمراقبة الأسمى أو الدين‪ :‬كيف‬ ‫يحسم الإنسان هذه الأزواج الخمسة أو كيف تجتمع هذه المقومات العشرة التي يبسطها‬ ‫حمقى المثقفين فيدعون أن السياسة قابلة للفصل عن الدين لأن هذا ثابت وتلك متغيرة‬ ‫مع مقابلة سطحية بين مقدس ومدنس‪.‬‬ ‫ولما كان الجميع يعلم أنهم لا مقدس لديهم وأنهم بنفاق يريدون تمرير إطلاق \"المدنس\"‬ ‫بفصله عما يسمونه \"مقدس\" ينتهون إلى نفي الزوجين الأخيرين‪ :‬لا معنى للمقابلة بين‬ ‫الضرورة والحرية فينتهون إلى القانون الطبيعي الذي سره الوحيد هو سلطان القوة‬ ‫والضرورة‪ .‬ولا معنى فيه لسلطان القيمة والحرية‪.‬‬ ‫وهذا هو المشكل الذي عالجه ابن تيمية في ردوده على المتصوفة الذين هم أكثر الناس‬ ‫كلاما على الأخلاق وأقلهم تسليما بمبدئها الأساسي أعني التمييز بين الضرورة والحرية لأن‬ ‫مقالتهم التي سيطرت بعد إضفاء الطابع المزعوم فلسفيا على التصوف تجعل القانون الوحيد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هو قانون الطبيعة حتى وإن زينوه بنسبته إلى القضاء والقدر المحرفين لإفادة عكسهما‬ ‫تماما‪.‬‬ ‫وهو عين المشكل الذي عالجه كنط عندما أسس التمييز بين الضرورة الطبيعية موضوع‬ ‫النظر والحرية الخلقية التي لا تصبح موضوع نظر إلا بشرط المسلمات الثلاث وما تتضمنه‬ ‫من مسلمتين اخريين لجعل استعمال العقل النظري ممكنا في العقل العملي‪ .‬والثلاثة هي‬ ‫الحرية والخلود ووجود الله‪.‬‬ ‫أما المسلمتان الضمنيتان في هذه الثلاث فهما‪ :‬وجود البعث وحساب اليوم الآخر‪ .‬ومن ثم‬ ‫فلا يمكن تصور الأخلاق والمسؤولية الإنسانية إذا اقتصرنا على الضرورة الطبيعية من دون‬ ‫تجاوزها إلى مجال هو جوهر الدين بأبعاده الخمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬حرية الإنسان‬ ‫‪ .2‬خلود النفس‬ ‫‪ .3‬وجود الله‬ ‫‪ .4‬البعث الأخروي‬ ‫‪ .5‬الحساب العادل للإنسان المكلف والحر‪.‬‬ ‫وما ما عبر عنه ابن تيمية بالمقابلة بين قانون الموجود (مجال الطبائع) وقانون المنشود‬ ‫(مجال الشرائع) لدحض القول الصوفي بوحدة الوجود لتأسيس الحرية الإنسانية‬ ‫والمسؤولية الخلقية عبر عنه كنط بالمقابلة بين قانون الضرورة الطبيعي وقانون الحرية‬ ‫الخلقي‪ .‬وفي الحالتين نحن أمام مفهوم المعقول من الدين‪.‬‬ ‫والقصد بالمعقول من الدين هو ما يجعل الدين يعترف للإنسان بأن عقله له وظيفة تقدير‬ ‫الضروري الذي يحرره من الأحكام الجازمة ومن فهو يفتح مجال الاجتهاد بمقتضى تقدير‬ ‫ما يستطيع وما لا يستطيع في تحمل مسؤوليته الخلقية بحسب الوضعيات التي يتعامل معها‬ ‫بشروط لا تتنافى مع غاية القيم الخلقية بضميره‪ :‬وهو ما يسميه ابن خلدون بالوازع‬ ‫الذاتي (الوزع الخلقي) في مقابل الوازع الأجنبي (الوزع القانوني)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا الوضع الذي تكون الذات فيه هي القاضي وهي المتقاضي هي التي تجعل الضرورة‬ ‫التي تبيح المحظور الوضعية المثلى لتحديد الاجتهاد في التقدير المعرفي والجهاد في التقدير‬ ‫العملي حتى يكون الإنسان حرا في حدود قدرته وفي هذا التقدير المضاعف يتمازج المعرفي‬ ‫والخلقي وذلك هو جوهر المسؤولية‪.‬‬ ‫فإذا كان المرء صادقا في التقدير المعرفي وشجاعا في التقدير العملي جمع بين الاجتهاد‬ ‫والجهاد فأصبح بوسعه أن يعمل السياسة دون إخلال بالأخلاق لأنه في الوضعيات التي يقدر‬ ‫بصدق أنها من الضروري الذي يبيح المحظور يكون في مجال المباح الذي يصبح فيه مشرعا‬ ‫لنفسه بمراعاة ضميره في التقديرين‪.‬‬ ‫وذلك هو جوهر الحرية التي تليق بمن يعتبر مسؤولا خلقيا سواء كان في التربية أو في‬ ‫الحكم وهما بعدا الفعل السياسي‪ .‬ولهذه العلة فالفعل السياسي وخاصة القيادي منه هو‬ ‫من اعسر الأفعال‪ .‬ولذلك فغالب المتكالبين عليه إما غير واعين بشروطه أو غير مبالين‬ ‫بها لأن غرضهم لا يتجاوز منافع السلطة‪.‬‬ ‫وبذلك نعود إلى المنطلق‪ :‬فالضرورة التي تبيح المحظور هي بالطبع مؤقتة ‪-‬مثلا إنسان‬ ‫في الصحراء فقد الماء ووجد الخمر‪-‬يمكنه لئلا يموت ضمأ أن يشرب الخمر ويكون ذلك‬ ‫مباحا لأن الضرورة حررته من الحكم وأباحت له شربه مثل أكل الميتة في حالة المجاعة‪.‬‬ ‫أما إذا قرر حاكم عربي أن يفرض حالة الطواري وهي من الضرورة التي تبيح المحظور‬ ‫القانوني بتعطيل بعض أحكام الدستور وبعض حقوق الإنسان فهو عندئذ خرج عن هذا‬ ‫المبدأ الذي وضعه الدين وأصبح هو المشرع المطلق بلا أخلاق ولا سياسة‪ :‬وهذا ما حدث‬ ‫للامة منذ ‪ 14‬قرنا‪ :‬حالة طواري دائمة‪ .‬وازدادت حالة الطوارئ في بلاد العرب لأن لها‬ ‫مستويين‪:‬‬ ‫‪ .1‬المستوى الذي يرضي حكامنا في المحميات التي يسمونها دولا‪.‬‬ ‫‪ .2‬المستوى الذي يرضي من نصبهم علينا ويحقق مصالحه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومعنى ذلك أننا لسنا في حالة طوارئ تعطل ما يمكن أن يكون دستورا من وضعنا بل هي‬ ‫تعطل حتى الدستور الذي يؤمن الشعب أنه من وضع الله‪.‬‬ ‫فحالة الطوارئ مفروضة على ما تضمنه الدساتير الوضعية من حقوق وتفرضه من‬ ‫واجبات في العالم وهي مفروضة على ما تضمنه الدساتير الدينية من حقوق وتفرضه من‬ ‫واجبات في الدنيا والآخرة‪ .‬بات الحكام بتعسف القوة والجبروت والتحكم في الأرزاق‬ ‫مشرعين في الدينا والدين‪.‬‬ ‫واعتقد أن ما شرحته كاف ومغن عن الكلام في الأزواج المفهومية الخمسة أو في المفهومات‬ ‫العشرة التي تبين أنها مترابطة وأن المتكلمين على السياسة والاخلاق بسطحية يهملون‬ ‫الأبعاد المعقدة للإشكالية فيدعون الفصل بين الخلقي والسياسي وبين الديني والدنيوي‬ ‫وهم غير دارين بجهلهم وجاهليتهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ظننت أني استوفيت البحث في مسألة \"السياسة والأخلاق\" أو ما طبيعة \"الضرورة التي‬ ‫تبيح المحظور؟\"‪ .‬لكني شعرت بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث الأكثر تعميقا‪ .‬فعندما‬ ‫ننتقل من المحظور إلى المباح مباشرة تكون هذه النقلة وكأنها غنية عن تقدير الضرورة‬ ‫التي تعلل هذا الانتقال السريع دون ترو فننسى مثلا أن النصر في الحرب يمكن أن يكون‬ ‫رهن صبر ساعة‪.‬‬ ‫وصبر الساعة يكون فيه قائد المعركة أمام حالة من الضرورة التي قد تبيح المحظور الذي‬ ‫هو أن يولي الأدبار أو أن يستسلم‪\" .‬النصر صبر ساعة\" يوجد مواصلة الجهاد رغم ما يبدو‬ ‫ضرورة تبيح المحظور أو القيام بأقل المحظور في ينسحب تكتيكيا مثلا‪ .‬وإذا كان الأمر في‬ ‫المرحلة الدبلوماسية ولم يصل إلى الحرب فقد تكون المناورة والمخادعة ملجأ مضطرا‬ ‫والحرب خدعة‪.‬‬ ‫فالدلالة الفقهية في الأحكام التعبدية والدلالة القانوني في الأحكام السياسة لا تتغير‬ ‫بمقتضى الضرورة في الحالة الأولى وما يسمى إكراهات في الحالة الثانية بصورة آلية بل لا‬ ‫بد في ذلك من تقدير للضرورة التي تجعل الانتقال مقبولا عبادة في الأولى وسياسة في‬ ‫الثانية‪.‬‬ ‫وللتقدير مراحل ودرجات‪.‬‬ ‫وسأبدأ بدرجات الأحكام التعبدية التي وضع هذا المبدأ بخصوصها‪ :‬فمن المفروض أن‬ ‫نستعمل سلم الأحكام في الفقه لتحديد هذه المراحل والدرجات‪ .‬فبين الحرام والمباح يوجد‬ ‫المكروه فكان يمكن أن ينتقل المرء إلى مكروه بمعنى ما يستحب عدم فعله لكن من يفعله لا‬ ‫يعاقب عليه شرعا‪.‬‬ ‫ما الحكمة في عدم اعتبار هذه الدرجة؟ ولماذا لم يمر الأمر إلى ما فيه حكم المندوب مثلا‪:‬‬ ‫يعني كما في الحرب التحرف من أجل مخادعة العدو؟ ولماذا لم يمر إلى ما فيه حكم الواجب‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كما في الأمر بالانسحاب التكتيكي في المعارك عندما يكون عدم القيام به خسرانا مؤكدا‬ ‫للجيش بكامله فضلا عن المعركة؟‬ ‫نلاحظ إذن أن هذا المبدأ‪-‬النقلة المباشرة إلى المباح في الأحكام التعبدية لا بد أن يعني‬ ‫الإذن باختيار المرحلة المناسبة للخروج من الضرورة وهي التصرف بمقتضى ما يوجبه تقدير‬ ‫الضرورة للتعامل معها بأقل ما يمكن من التضحية بالمبادي بحجة الضرورة‪ .‬فيمكن أن تكون‬ ‫من المكروه فالمندوب فالواجب‪.‬‬ ‫وحتى نفهم ذلك فليكن مثالنا من الحالات المعتادة في الحياة الإنسانية‪ .‬ففي التعامل مع‬ ‫الصيام مثلا يمكن للمسلم أن يحتج بالكثير من الحجج لتجنب القيام بفريضة الصيام‪.‬‬ ‫فيكون الافطار إما مكروها أو مندوبا إليه أو واجبا بحسب نوع المرض مثلا فالاسترخاص‬ ‫فعل اجتهاد في التحلل من فعل جهاد‪.‬‬ ‫المشكل ليس في المرحلية بل في التقدير الذي بمقتضاه تحدد المراحل المشروعة والمراحل‬ ‫غير المشروعة‪ .‬والأمر في ذلك مثيل لمثال الصوم‪ .‬فشتان بين المراحل التي تتحدد بالعلاقة‬ ‫بين القوتين المخلصتين لقضيتهما وذاتي استراتيجية فاعلة في الصراع السياسي والمراحل‬ ‫التي تتحدد لتبرير الخيانة والعمالة‪.‬‬ ‫وهذا هو لب المشكل‪ :‬نريد أن نحدد الاجتهاد الذي يحدد الجهاد بتقدير الضرورة وما‬ ‫قد تقتضيه من الإباحة التي قد تصبح استباحة للأحكام في التعبد وللقوانين في السياسة‪.‬‬ ‫وليكن مثالنا ما يسمى بسياسة المراحل البورقيبية‪ .‬فهذه كذبة تونسية‪ :‬كل سياسة هي‬ ‫بالضرورة سياسة مراحل وليست خاصية بورقيبية‪.‬‬ ‫الحصول على استقلال منقوص أفضل من عدم الاستقلال بشرط أن يتضمن ذلك شروط‬ ‫مواصلة استكماله‪ .‬أما إذا كانت المراحل التي اختيرت تلغي شروط الاستكمال فهي ليست‬ ‫مراحل مشروعة بل خدعة لتبرير خيانة إما غير واعية أو بقصد كحال كل الذين كانوا‬ ‫عملاء سايكس بيكو ومثيلاتها في دار الإسلام‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولأضرب أقرب مثال ما زلنا نعيشه‪ :‬اتفاقية منظمة التحرير للعودة إلى فلسطين‪ .‬كان‬ ‫يمكن أن تكون مرحلة جيدة لو كان فيها ما يمكن من مواصلة المقاومة‪ .‬لكنها صيغت بطريقة‬ ‫جعلت الفلسطينيين مقيدين والإسرائيليين طليقي اليدين في الاستيطان‪ .‬والنتيجة أوسلو‬ ‫لم تكن مرحلية سياسية مفيدة للقضية‪.‬‬ ‫ومثلها اتفاقية كامب داود أو ما يسمى بالمقترح العربي الذي أقرته قمة ‪ 2002‬في بيروت‬ ‫والتي تسمى مقترح الملك عبد الله‪ .‬ذلك أنها من أغبى المرحليات السياسية وهي مخالفة‬ ‫تماما للمرحلية التي اقترحها بورقيبة قبل حرب ‪ 67‬والتي كان يمكن أن تكون منطلقا حقيقيا‬ ‫لمقاومة ذات شرعية لا غبار عليها‪.‬‬ ‫وكل هذه الامثلة تجعل المسألة متعلقة بسلطة التقدير العقلية لطبيعة الضرورة وما‬ ‫تتطلبه من تعامل معها بقوانين التصدي للضرورة أي بمنطق الحرية المتعاملة مع الضرورة‬ ‫ليس مباشرة بل بعد تحليل ما لدى المتصدي والمتصدى له من وسائل التصدي الاستراتيجية‬ ‫في مقابلة بمطاولة الضعيف ومناجزة القوي‪.‬‬ ‫استراتيجية المطاولة هي ما به يستفيد الأضعف من استعمال الإمكانات بالبطء الذي‬ ‫يحول دون ما به يستفيد القوي من استعمال الإمكانات بسرعة‪ .‬فيكون الأول يعمل بمنطق‬ ‫الربح بالنقاط والثاني بمنطق الربح بالضربة القاضية‪ .‬وكل المقاومات الشعبية تداوم‬ ‫لتربح بالنقاط‪ :‬جهل ذلك هو سر نكبة الثورة في سوريا‪.‬‬ ‫نعود إلى مشكلنا‪ :‬الانتقال المباشر من التحريم إلى الإباحة لا يتعلق بهذه حكما بل بها‬ ‫أساسا للحكم الذي يمكن أن يكون كراهة أو ندبا أو وجوبا‪ .‬وقد أخذت مثال الحرب‪.‬‬ ‫فالقائد المباشر للمعركة‪-‬وليكن خالد بن الوليد‪-‬يتحرف (مكروه) أو يهادن (مندوب إليه)‬ ‫أو حتى ينسحب (واجب) في المعارك‪ .‬فلماذا اعتبر تقديره للضرورة كافيا للانتقال مباشرة‬ ‫إلى إباحة ما كان خاضعا لأحد الأحكام الأربعة الباقية؟‬ ‫أليس في ذلك توسيعا للاجتهاد في قيادة الجهاد؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والمعلوم أن الحرب سياسة مسلحة وعكسها صحيح السياسة حرب بغير سلاح‪ .‬وفي الحقيقة‬ ‫السياسة هي الوجهان معا‪ .‬فكل فعل سياسي يكون حربا بغير سلاح بالدبلوماسية التي تسعى‬ ‫إلى الاستغناء عن استعمال السلاح وهي تكون مؤثرة بقدر ما لصاحبها من قدرة ردعية‬ ‫يعلمها الخصم فيرهب صاحبها أي عملا بـالأنفال ‪ 60‬ولا يتجرأ عليه‪.‬‬ ‫وطبعا كلامي يتعلق بالدول ذات السيادة وبالقيادات المدركة لهذه القوانين والتي تميز‬ ‫بين الأقوال التي يمكن أن تؤيدها الافعال والتي لا تميز فتعتبر العنتريات القولية أفعالا‪.‬‬ ‫فعندما يتكلم زعيم عربي أو إيراني على إسرائيل لا أحد يجهل أن كلامه عنتريات‬ ‫للاستهلاك المحلي وأنه يعلم أنه يكذب‪.‬‬ ‫لم أنتظر الوضع الحالي لأعلم أن إيران تكذب في حربها الكلامية على إسرائيل وأن ما‬ ‫يسمى بالممانعة كذبة كبرى هدفها القضاء على العامل الأساسي الذي يمكن أن يمثل ردعا‬ ‫لإسرائيل وأمريكا‪ .‬ومن ثم فهم بالأقوال ألد أعدائهما لكنهمـا بالأفعال أكثر الناس خدمة‬ ‫لهما‪ :‬نعلم الآن من يحميهم حقا‪.‬‬ ‫لكن من علامات \"ذكاء\" النخب العربية القومية والتقدمية يكفيها الكلام حتى وإن كان‬ ‫الإيرانيون لا يخفون أنهم مثل الإسرائيليين يسعون لاسترداد امبراطوريتهم المتقدمة على‬ ‫الإسلام في الإقليم بل يفاخرون باسترجاع أربع عواصم من أرض العرب فضلا عن الأحواز‬ ‫أو الضفة الشرقية من الخليج التي \"فرسوها\" من قرن ويكادون \"يفرسون\" الضفة الغربية‬ ‫منه‪.‬‬ ‫وكل هذه النخب تحتج بالضرورة التي تبيح المحظور‪ :‬الفلسطيني بدعوى الحاجة‬ ‫الضرورية لحماية المقاومة ولا يهمهم أنها تحولت إلى مجرد ورقة في الملف الإيراني مع‬ ‫إسرائيل والغرب‪ .‬والسوري واليمني وكل الطبالين للممانعة المزعومة‪ :‬نفس المنطق لكأنه‬ ‫مكتوب على العرب أن يختاروا بين محتلين‪.‬‬ ‫ولما حاولت أن أبين لهم أن إيران أخطر من إسرائيل بسبب كونها لا تكتفي باحتلال‬ ‫الأرض بل تسعى كذلك لاحتلال الروح (التشييع) وهو امر مستحيل على إسرائيل ظن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الكثير منهم أني ادعو للحلف مع إسرائيل لظنهم أن العرب محكوم عليهم بمنطق هيكل‬ ‫الخيار بين تبعيتين لهذه أو لتلك بدلا من مشروع مستقل‪.‬‬ ‫ومن المآسي أن العرب بعد أن كانوا يستعملون نفس المنطق بين السوفيات والأمريكان‬ ‫نزلوا إلى الحضيض فسار بين ذراعيهما إيران وإسرائيل في حين أنهم موضوعيا لو كان لهم‬ ‫عقول وطموح غالبية أهل الإقليم واغناهم وأقواهم وأكثرهم شرعية في أن يكونوا سادته‬ ‫وأن يصبحوا قوة عظمى في عالم اليوم‪.‬‬ ‫تنازلوا عن شروط القوة الفعلية‪-‬قبلوا بتفتيت الجغرافيا فخسروا القوة المادية وأضافوا‬ ‫تمزيق التاريخ فخسروا القوة الروحية ثم أصبحوا يحاربون سر قيامهم المادي والروحي‬ ‫(الإسلام) خلال حروب أهلية قومية وطائفية ومقابلة غبية بين الأصالة والحداثة ليكونوا‬ ‫لقمة سائغة لكل من يحاول استئصالهم‪.‬‬ ‫والجميع يتذرع بالضرورة التي تبيح المحظور‪ :‬فانقسموا بمقتضى هذا المبدأ غير المفهوم‬ ‫إلى توابع لإيران أو لإسرائيل وصارت نخبهم أغبى نخبة عرفتها البشرية‪ .‬فبين كاريكاتور‬ ‫التحديث الشقي وكاريكاتور التأصيل الغبي ضاع كل ما أبي وأصبح العرب أضحوكة كل‬ ‫دني من أعداء الإسلام السوي‪.‬‬ ‫ذلك ما كان ينبغي أن أضيفه للفصلين الاولين حتى يكتمل توضيح منطق هذه القاعدة‬ ‫الجليلة التي وضعها القرآن في الأحكام التعبدية وهي قابلة للتعميم على الأحكام السياسية‬ ‫لأن السياسة عبادة في الإسلام إذ إن القيم لا تتحقق من دون بعديها‪ :‬التربية والحكم‬ ‫وكلاهما علاج لعلاقة الضرورة والحرية‪.‬‬ ‫القاعدة ليست علاقة مباشرة بين الحرام والمباح بل هي تحرير من التحريم المطلق‬ ‫وتأسيس للإباحة المطلقة لجعل الإنسان بالاجتهاد يحدد شروط الجهاد الذي يحقق حرية‬ ‫الإنسان الكريم والذي عرفه ابن خلدون بكونه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له\"‪ :‬ذلك ما أردت التذكير به‪ .‬ولا يعني تحرير أفعال العباد من الحكم الفقهي ببعديه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫السالبين (مكروه وحرام) والموجبين (مندوب وواجب) التخلي عن البعد الخلقي من‬ ‫الديني‪.‬‬ ‫إنما هو يعني أمرا أعمق ضمني حتى في حالة وجود الحكم بالمعاني الأربع المشار إليها أن‬ ‫مناطه انتقل من الاجتهاد في اتباع حكم سابق التقرير إلى الاجتهاد في الحكم نفسه الذي‬ ‫يتحدد بتقدير مفعول الضرورة وهو المعنى الحقيقي للحرية الخلقية‪ :‬الانتقال مناط‬ ‫الجزاء على الطاعة أو العصيان إلى مناط أعمق هو مناط تقدير الاستطاعة والعجز‬ ‫الصادقين‪.‬‬ ‫وقد يتوهم البعض أن ذلك من التيسير للظن أن الأمر يتعلق باي ضرورة وليس‬ ‫بالضرورة التي تلغي الاستطاعة‪ .‬وتقدير الضرورة التي تلغي الاستطاعة تجعل الديني‬ ‫يصبح اختبار الاجتهاد والجهاد في آن وهو جوهر الخلقي في السلوك الإنساني وخاصة إذا‬ ‫كان مسؤولا على جماعة لأن الاستطاعة حينها هي التي تحول دون الإلقاء بها إلى التهلكة‪:‬‬ ‫وتلك هي القدرة القيادية في السلم وفي الحرب خاصة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة وضع ابن خلدون مفهوم \"عدم التأثيم\" في الاجتهاد السياسي إذا كان صاحبه‬ ‫صادقا واجتهد في جهاده فيكون مثابا سواء أصاب أو لم يصب (المقدمة الباب الثالث فصل‬ ‫ولاية العهد والكلام في الخلافات بين الصحابة والحروب التي دارت بينهم)‪ .‬وهو مفهوم‬ ‫ثوري لأنه يحلل التعدد في الاجتهادات السياسية والاعتراف بحق المعارضة للحاكم بشرط‬ ‫التقدير المناسب ليس للبعد الخلقي وحده بل وكذلك لشروط تحقيقه السياسية أي لمقومات‬ ‫الاستطاعة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫مرة أخرى أشعر بأني لم أف مسألة المبدأ \"الضرورة تبيح المحظور\" حقها من البحث‪.‬‬ ‫ذلك أنه كان علي أن أجيب عن سؤالين سكت عنهما في علاجي خلال الفصول الثلاثة‬ ‫الأولى‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول كيف يمكن في هذه الحالة أن ننزل الأخلاق في حياة البشر وأغلب ما‬ ‫يعترضه الإنسان خاضع للضرورة؟‬ ‫‪ .2‬والثاني هل نستنتج من ذلك أن الشرائع رسوم بالمعنى الصوفي وهي ليست محل‬ ‫الخلقي ومن ثم فالسياسة بمعزل عن الخلقي ‪ Amorale‬أو لا خلقي أصلا‪Immorale‬؟‬ ‫والنتيجة الحتمية لا تكون الأديان إلا تقديسا لرسوم شكلية يستطيع الفيلسوف تجاوزها‬ ‫برؤيته الابستمولوجية القائلة بالمطابقة أو العلم المحيط بحقيقة الوجود كما هو عليه في‬ ‫ذاته والمتصوف تجاوزها برؤيته الكشفية التي تعتبر علمه اللدني محيطا بالحقيقة التي‬ ‫يقابل بها الرسوم الشرعية والأديان؟‬ ‫هذه المسألة الأولى إذن تتعلق بما يترتب على العلاقة بين الضرورة واباحة المحظور في‬ ‫هذا المبدأ‪ .‬والمترتب أبستمولوجي فلسفيا وصوفيا وما يترتب عليه أكسيولوجيا‪.‬‬ ‫لكن المسألة الثانية أخطر‪:‬‬ ‫عندما تقرأ دستور الرسول تكتشف أن السياسي وضع فوق الديني أو بصورة أدق فوق‬ ‫حصرها في دين واحد بل هي تتجاوز حتى الأديان إلى المشركين كما في الحج ‪.17‬‬ ‫ولو كان الأمر متعلقا بالدستور الذي وضعه الرسول لقلنا إنه ربما كان إجراء ظرفيا يعلل‬ ‫بما علل به بابا الكاثوليكية في خطابه الشهير على الإسلام والعقل ‪-‬وقد رددت عليه حينها‬ ‫وترجمت محاضرته التي ألقاها في الجامعة التي كان فيها أستاذا‪-‬الذي ادعى أن حرية‬ ‫المعتقد ليست مبدئية في الإسلام (البقرة ‪ )256‬بل كان حلا ظرفيا لضعف محمد في البداية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وكل ادعياء الفكر الحداثي من أرباع المثقفين العرب يدعون أن الإسلام دين تسلط‬ ‫ينفي الحرية الدينية لأنه اعتبار الإسلام دين الله الوحيد ونفى كل ما عداه من الأديان‬ ‫واعتبر من لم يقل بالإسلام كافرا وأن ربطه السياسة به يوجب تحرير السياسة منه والقول‬ ‫بالعلمانية‪ .‬تلك هي أهمية المسألة وخطرها‪ .‬وكل ادعياء الفكر الحداثي من أرباع المثقفين‬ ‫العرب يدعون أن الإسلام دين تسلط ينفي الحرية الدينية لأنه اعتبار الإسلام دين الله‬ ‫الوحيد ونفى كل ما عداه من الأديان واعتبر من لم يقل بالإسلام كافرا وأن ربطه السياسة‬ ‫به يوجب تحرير السياسة منه والقول بالعلمانية‪ .‬تلك هي أهمية المسألة وخطرها‪.‬‬ ‫مسألتان سكت عنهما وكدت أقف عند الفصل الثالث من هذه المحاولة‪ .‬لكني في النهاية‬ ‫عزمت على التصدي لهما من منطلق هذا المبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\" حتى نفهم‬ ‫علاقة السياسي بالديني وما يبدو من تعاليه عليه لما يغلب عليه من علاج الضروري في‬ ‫الغالب بسبب علاقة الأمر الواجب بـالأمر الواقع‪.‬‬ ‫علاقة الأمر الواجب بالأمر الواقع قضية ابستمولوجية في النظر وأكسيولوجية في العمل‪.‬‬ ‫ففي النظر الأمر الواجب ابستمولوجيا هو صرامة الرياضيات النظرية والأمر الواقع هو‬ ‫نسبية الطبيعيات التجريبية‪ .‬فكل \"الكائنات الرياضية\" تبدو مطلقة الكمال وكل \"الكائنات‬ ‫الطبيعية\" تبدو نسبية الكمال‪.‬‬ ‫ومن غرائب المعرفة العلمية هي أن الرياضيات تتقدم بقدر ما تحاول اكتشاف حيل‬ ‫رياضية تمكن من تجاوز كمالها المطلق إلى ما به النسبي يأبى الخضوع للمطلق فتكتشف‬ ‫\"كائنات\" رياضية قادرة على تتبع ما في النسبي الكمال في الظاهر من تعقيد يجري الكمال‬ ‫في الظاهر لاهثا ورائه للإمساك به‪.‬‬ ‫وهو ما يطرح مشكل حقيقي بين ما تدركه الحواس وما يدركه العقل‪ .‬فالعقل يبدو أتم‬ ‫من الحس‪ .‬لكن سعينا للحقيقة العلمية لو اكتفت بالعقل لكانت عاجزة عن الإمساك بتعقيد‬ ‫ما الموجودات وما يتجلى منها للحواس‪ .‬فتكون التجربة شبه شهادة بأن النظر من دون‬ ‫الحواس يبقى دائما قولا عاما لا يلتصق بحقائق لا تدرك إلى بتعاون العقل والحس بما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يصنعه الأول من تجهيز للثاني حتى ينفذ لما لا يدركه مباشرة لكنه ضروري ليكون ما يدركه‬ ‫العلم يجري وراء المطابقة المستحيلة‪ :‬لكن الحسي ولو بتوسط الأدوات التي يبدعها النظر‬ ‫هو الذي يمثل اللاتناهي في الموجود أو هو المنشود الخفي في الموجود‪.‬‬ ‫فلا يمكن مقارنة أي كائن طبيعي بالمفهوم الذي نصوغه به حتى نتمكن من رده إلى أحد‬ ‫عناصر نظرية‪ .‬فالعلم يخضع لنظامين أحدهما \"أمر مثالي\" يعالج كائنات نظرية ليس لها‬ ‫وجود في العالم الخارجي والثاني \"أمر واقع\" نعتبرها هي الموجودة في العالم الخارجي لا‬ ‫ترد إلى مفهومها وهي أكثر منه تعقيدا‪ .‬وأبسط مثال يفهمه حتى من لم يزر مدرسة ولم‬ ‫يفتح كتابا هو أن الكلام على كروية الأرض له دلالتان‪:‬‬ ‫‪ .1‬ففي المفهوم الكرة ليس فيها تضاريس بل هي مفهوم مجرد كل نقاط سطحه لها‬ ‫نفس البعد هو شعاع ينطلق من نقطة في وسطه هي مركزه‪.‬‬ ‫‪ .2‬والمستقيم له سمك والنقطة لها عظم إلخ‪ ..‬بخلاف ما تقوله الهندسة التي تنفي‬ ‫السمك على الاول والعظم على الثانية‪.‬‬ ‫ونفس هذا الفرق بين الأمر المثالي والأمر الوجودي في النظر وهو أكثر بروزا في العمل‬ ‫بين الأمر الواجب والأمر الواقع‪ .‬فالقيم الخلقية من حيث مفهوماتها في نسبتها إلى وقوعاتها‬ ‫مناظرة للنسبة بين الأمر المثالي والأمر الوجودي في النظر‪ .‬وهذه المسافة بين الأمرين‬ ‫معضلة ابستمولوجية في النظر ومعضلة أكسيولوجية في العمل‪.‬‬ ‫إذن مسألتان خطيرتان لا بد من علاجهما لفهم مبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\" في‬ ‫القرآن الكريم والتي يطبقها على المحرمات التي تصبح مباحات في الأحكام الدينية والتي‬ ‫تنطبق في السياسة ببعديها تربية وحكما لأن هذين البعدين يعتبران من الواجبات الدينية‬ ‫في الإسلام الجامع بين الديني والسياسي‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن إبراهيم لم ينجز من الرسالة إلا بعدها الرمزي والمسيح لم ينجز من‬ ‫رسالته إلا الجزء الأول لأن دعوته كانت تحت استعمار روماني ولم يستطيع تكوين دولة لما‬ ‫حصل له من خيانة حالت دونه والانتقال مما يشبه المرحلة المكية في الإسلام ولم يصل إلى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المرحلة المدنية فرفعه الله لئلا يقتله الرومان‪ .‬ومن هنا يعتبر القرآن أنبياء بني إسرائيل‬ ‫قادة دولة وأولهم موسى الذي هو أكثر الرسول ذكرا في القرآن بوصفه ممثلا للسياسة التي‬ ‫حررت بني إسرائيل من العبودية والاستبداد الفرعونيين‪.‬‬ ‫وإذا لم نفهم طبيعة العلاقة بين السياسي والخلقي استحال علينا أن نفهم كيف يمكن‬ ‫لرسول أن يخوض الحروب وأن يقود الدول بل وكيف لا يتصور الإسلام الرسل إلا بوصفهم‬ ‫أصحاب رسالة واستراتيجية لتحقيقها الفعلي في التاريخ بوسائل الفعل التاريخية أعني‬ ‫بأداتي السياسة أي الشرعية والشوكة‪.‬‬ ‫والمسألة الأولى مشروطة في تأسيس الأخلاق وقد عالجها كنط بصورة تفصل بين العلمي‬ ‫والخلقي بالفصل بين عالمين‪:‬‬ ‫‪ .1‬أحدهما مشروط في العلم وهو عالم الضرورة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والثاني مشروط في الأخلاق وهو عالم الحرية‪.‬‬ ‫وبين العالمين لا بد من حل العلاقة بين الإبستمولوجي والأكسيولوجي في النظر والعقد‪.‬‬ ‫والمسألة الثانية أكسيولوجية ومعرفية كذلك ‪-‬مع ملاحظة التقديم والتأخير بين‬ ‫المفهومين إذ الفلسفي يقدم الأبستمولوجي على الأكسيولوجي والديني يعكس فيقدم‬ ‫الأكسيولوجي على الأبتسمولوجي‪-‬وهي مسألة علاقة السياسي بالدين في الدستور‬ ‫المحمدي‪ .‬وقد يعد ظرفيا لكنه في القرآن الكريم بنيوي حتما‪.‬‬ ‫وسأبدأ بالمسألة الثانية أولا لأنها هي موضوعنا بالقصد الأول إذ إن قضية الضرورة التي‬ ‫تبيح المحظور تنطبق في المقام الأول على ما يسمى عادة بالاكراهات السياسية‪ .‬وهي تكاد‬ ‫تكون الظاهرة المسيطرة على العمل عامة لما بينا من العلل وعلى العمل السياسي خاصة‬ ‫لتضمنه كل أصناف العمل الإنساني‪ .‬ومن ثم فبعدها الأكسيولوجي مقدم على بعدها‬ ‫الأبستمولوجي‪.‬‬ ‫وحتى يكون السؤال شديد الوضوح‪ :‬هل كان الرسول في وضع دستوره الذي يمكن من‬ ‫بناء دولة متعددة الأديان ‪-‬إذ الشرك نفسه دين كما في الآية ‪ 17‬من الحج‪-‬ما يجعل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫السياسي فوق الديني أو بصورة أدق فوق وحدانية الدين يعمل بهذا المبدأ الذي يجعل‬ ‫الضرورة تبيح المحظور أي تعدد الدين بتعدد تصورات الألوهية (البعد الحر من‬ ‫الاعتقاد) رغم وحدة الربوبية (البعد المضطر من الاعتقاد)؟‬ ‫فأساس الوحدانية الدينية هي الوحدانية الإلهية‪ .‬وتعدد الأديان يعني حتما تعدد‬ ‫تصور الإنساني لله‪ .‬ولا يمكن القول بالحرية الدينية إذا كان تعدد تصور الله وتعدد‬ ‫الأديان محظورا وكان ناتجا عن هذا المبدأ الذي يعلل الإباحة بالضرورة أعني على الفرق‬ ‫بين الأمر الواجب والأمر الواقع؟‬ ‫هل الاعتراف بتعدد الأديان في الدستور المحمدي تعليله هو إباحة المحظور بمقتضى‬ ‫الضرورة أم إن له تعليلا آخر‪ .‬وبصورة أدق لماذا يقدم القرآن الكريم في ثلاثة مواضع‬ ‫حكما فقهيا ارجائيا في الفصل بين الأديان ويؤجل ذلك إلى يوم الدين (البقرة والمائدة‬ ‫والحج) مع أن الإسلام هو دين الله الوحيد ورغم القول إن الدين عند الله هو الإسلام‬ ‫ولا يقبل عداه لديه؟ أليس معنى ذلك أن العلة هي التمييز بين الأمر الواجب والأمر‬ ‫الواقع أو بين مستويين من الدين‪:‬‬ ‫‪ .1‬مستوى الأمر الواجب والمثال وهو دين الله الوحيد أي اسلام البداية (الفطرة)‬ ‫وإسلام الغاية (الختم)‪.‬‬ ‫‪ .2‬ومستوى الأمر الواقع والموجود وهو الأديان الخمسة الباقية التي وردت في الحج‬ ‫‪17‬؟‬ ‫الجواب حددته المائدة ‪ :48‬فالتعدد الديني ليس مجرد أمر واقع ناتج عن فضل الأمر‬ ‫الواجب على الأمر الواقع أو المثال المنشود عن الواقع الموجود بل هو مقصود من الله لأنه‬ ‫شرط التسابق في الخيرات‪ .‬فلا يمكن تأسيس الحرية الدينية إذا لم يكن للإنسان خيار بين‬ ‫المستويات والترقي بالتسابق فيها‪.‬‬ ‫فتكون النتيجة تعريفا ثوريا للسياسة بوصفها تربية وحكما‪:‬‬ ‫فهي شرط مضاعف‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬لوجود مجال التسابق‬ ‫‪ .2‬ولتنظيمه بصورة تجعل الانتقال من مستوى إلى آخر في الحرية الدينية واختيار‬ ‫الخير الافضل في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية من دون أن توجد الأديان المتعددة‬ ‫وحرية الترقي في التسابق نحو أفضلها‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن الدولة من حيث هي حماية للجماعة والفرد ورعاية لهما وظيفتها أولا‬ ‫إيجاد الجماعة بوصفها عيشا مشتركا بتربية وحكم يجعلان الإنسان يعيش معنى الأخوة‬ ‫والربوبية كونيا كغاية والأخوة والألوهية جزئيا كبداية (النساء ‪ )1‬بقيم المساواة التي لا‬ ‫تفاضل فيها إلا بالتقوى (الحجرات ‪ .)13‬وبهذا المعنى فليست السياسة فوق الدين بمعنى‬ ‫كونه خاضعا لها بل هي أداته التي تكون في خدمة شرطي حريته‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهي التي توجد الفضاء الممكن من التسابق في الخيرات بالترقي الحر في الرؤية‬ ‫الدينية وشرط ذلك التعدد الديني‪.‬‬ ‫‪ .2‬وهي تحميه بمبدأ الفصل بين الأديان المرجأ إلى يوم الدين وليس في الدنيا‪.‬‬ ‫والمعلوم أن الأديان التي أرجأ القرآن الفصل بينها إلى يوم الدين خمسة مختلفة عن‬ ‫الإسلام‪ :‬اثنان منزلان هما اليهودية والنصرانية واثنان طبيعيان هما الصابئية والمجوسية‬ ‫وواحد يمثل الوثنية المطلقة أو الشرك (الحج ‪ .)17‬لكن الإرجاء مختلف وله ثلاث‬ ‫درجات‪ :‬درجة أولى فيها وعد شامل ودرجة ثانية فيها وعد جزئي والأخيرة خالية منهما‬ ‫مع الإرجاء‪.‬‬ ‫كل ذلك في الأمر الواجب ‪-‬أي في نص القرآن‪-‬لكن الأمر الواقع ‪-‬اي في سلوك المسلمين‬ ‫وتبريره الفقهي‪-‬صار القول بالنسخ ملغيا لأحكام هذه النصوص الثلاثة (البقرة ‪ 62‬المائدة‬ ‫‪ 69‬والحج ‪ )17‬بصورة عامة ليس بمعنى الحكم على غاية التسابق في الخيرات أو السعي‬ ‫إلى الإسلام بوصفه هذه الغاية‪.‬‬ ‫وإذن فالرسول جعل السياسة في دستوره وكأنها فوق الأديان سياسة تكون في خدمة‬ ‫ضرورات الدنيا (الحماية والرعاية) بغايات الآخرة (التسابق في الخيرات) من خلال‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫توفير الفضاء الذي يمكن من الحرية الدينية المشروطة في الأخوة البشرية (النساء ‪)1‬‬ ‫بحصر التفاضل في التقوى (الحجرات ‪.)13‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الفصل الخامس من مسألة \"الضرورة التي تبيح المحظور\" أخصصه للمسألة الأولى‪ :‬وهي‬ ‫الفلسفية بل ولب الفلسفي في تاريخه المعاصر أعني علاج كنط لتأسيس الأخلاق وهو علاج‬ ‫لا يختلف عن محاولات المدرسة النقدية العربية إلا بكونه وجد في لحظة الازدهار في حضار‬ ‫الغرب مقابل ثورتها التي وجدت في لحظة احتضار حضارتنا‪ .‬وأبدا بإشارة يغفلها المتكلمون‬ ‫في المسالة خاصة وفي فلسفة كنط عامة‪ .‬فـ\"عقل عملي\" عبارة كنطية موجزة لاستعمال عملي‬ ‫للعقل النظري‪ .‬لا وجود لعقل عملي ما يوجد هو الاستعمال العملي للعقل النظري‪.‬‬ ‫شاع عند المثقفين العرب أن كنط فصل بين الدين والأخلاق وأنه \"علمنها\" بتفسير ينسب‬ ‫إلى الشيخ طه عبد الرحمن‪ .‬وهذا منه تياسر وتبسيط مخل وهو دال إما على سوء فهم‬ ‫لثورة كنط الفلسفية أو على محاولة للاستحواذ على ثورته بنفي دوره في الوصل بين‬ ‫الأخلاق والدين تقتضي الأمانة الاعتراف له به ولمن سبقه إليه في فكرنا الذي ختم العصر‬ ‫الوسيط‪ .‬فلو كان ذلك كما يزعم لما قال كنط ما سأحاول بيانه الآن بعد أن أشير إلى الأساس‬ ‫الوارد مقدمة الطبعة الثانية من نقد العقل الأول‪.‬‬ ‫\" ‪Ich musste also das Wissen aufheben, zum Glauben Platz zu‬‬ ‫‪bebommen,und der Dogmatism der Metaphysik,d.i.das Vorteil, in ihr ohne‬‬ ‫‪Kritik der reinen Vernunft fortzukommen, ist die wahre Quelle alles der‬‬ ‫‪Moralität widerstreitden Unglaubens, der jederzeit gar zehr dogmatisch ist‬‬ ‫هذا موقف كنط وتعليله للاستعمال العملي ثمرة لنقد العقل النظري الخالص‪ .‬كل ما‬ ‫يقال عن كنط مهملا هذا النص الصريح في دعوى عملنة فكر كنط الإيديولوجية لا يحترم‬ ‫عقول قارئ كنط‪ .‬فدعوى الحاجة إلى رؤيته التنويرية تعليلا للعملنة لا معنى لها لأن‬ ‫محاولة نفي اساس الأخلاق الديني عند كنط يلغي هذا القول الصريح وتعليله الذي سيلي‬ ‫باعتباره الثمرة الموجبة الأساسية للنقد الذي يبدو سلبيا‪ .‬فالتنوير من دون المسلمات‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الكنطية الثلاث لتأسيس الأخلاق على رؤية دينية صريحة يكون هو بدوره مستحيلا لأنه‬ ‫مبني على استثناء الأخلاق من القانون الطبيعي وهو من أهم ثمرات الأخلاق‪.‬‬ ‫فلنترجم نص كنط قبل الكلام في المسلمات التي هي ثلاثة صريحة واثنتان ضمنيتان كما‬ ‫سنبين‪ .‬يقول كنط‪ \":‬وهكذا فقد اضطررت أن ألغي العلم حتى أحصل على محل للعقد‬ ‫(الإيمان) والتخلص من وثوقية ما بعد الطبيعة أعني الحكم المسبق من دون نقد العقل‬ ‫الخالص والذي هو معين كل عدم الإيمان الذي يجادل في الأخلاق والخصيم المضاد لها وهو‬ ‫دائما وفي كل عصر كثير الوثوقية\"‪.‬‬ ‫الحد من العلم ‪-‬العقد أو الإيمان ‪-‬الوثوقية الميتافيزيقية من دون نقد‪ -‬واللاإيمان‪-‬‬ ‫المجادل في الأخلاق في كل عصر‪ .‬كل هذه المعاني لا يمكن أن يلغيها من يريد أن يكون أمينا‬ ‫في الكلام على رؤية كنط لعلاقة الدين بالأخلاق‪ .‬لكني لن أكتفي بهذا سأضيف المسلمات‬ ‫الثلاث المعلنة صراحة وما تتضمنه من مسلمتين حتما لم يذكرهما كنط لكنهما مشروطان في‬ ‫كلامه‪ :‬يقول كنط‪Gott, Freiheit und Unsterblichkeit zum Behuf des \":‬‬ ‫‪notwendigen praktischen Gebrauchs meiner Venunft nicht eimal annehmen,‬‬ ‫‪wenn ich nicht der spekulativen Vernunft zugleich ihre Anmassung‬‬ ‫‪überschwenglicher Einsichten beneme, weil sie sich , um zu diesen zu‬‬ ‫‪glangen, solcher Grudsätze bedienen muss, dien indem sie in der Tat bloss‬‬ ‫‪auf Gegenstände möglicher Erfahrung reichen, wenn sie gleichwohl auf das‬‬ ‫‪angewandt werden was nich ein Gegenstand der Erfahrung sein kann, wirklich‬‬ ‫‪dieses jedrzeit in Erscheinung verwandeln, un so alle praktische Erweiterugn‬‬ ‫‪ .\"der rienen Vernunft für unmöglich erkären‬وهذا هو النص الحاسم وهو قبل النص‬ ‫السابق مباشرة وهو تعليل الحد من العلم من أجل إيجاد محل للعقد أو الإيمان بنص كنط‬ ‫الصريح والذي لا يقبل الجدل‪ .‬ويمكن للقارئ أن يبحث عن الترجمة ‪-‬نقد العقل الخالص‬ ‫مترجم إلى العربية‪-‬وحتى لا أطيل البحث إذ أنوي ختمه فقد طال أكثر من اللازم‪ :‬المهم‬ ‫هو أن المسلمات الثلاث هي‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬وجود الله‬ ‫‪ .2‬وحرية الإنسان‬ ‫‪ .3‬وخلود النفس‪.‬‬ ‫وهي الثلاث الصريحة‪ .‬فالحرية هي لتأسيس الأخلاق‪ .‬فما الحاجة لله والخلود؟‬ ‫فالحاجة هي لتأسيس المسلمتين الضمنيتين‪ :‬فمن دون الإيمان بوجود الله لا يمكن تصور‬ ‫أساسا للحرية لأن الطبيعة قانونها الضرورة وليس الحرية‪ .‬فمن أين أتت الحرية التي‬ ‫بمقتضاها يكون الإنسان متعاليا على الضرورة الطبيعية فيؤسس الاستعمال الخلقي للعقل‬ ‫النظري رغم أن علمه أساسه الضرورة السببية‪.‬‬ ‫وما الحاجة إلى خلود النفس؟ طبعا لا يعتقد كنط أن النفس خالدة في الدنيا‪ :‬وإذن‬ ‫فالمسلمتان الضمنيتان هما البعث والحساب يوم الدين‪ .‬فتكون مسلمات كنط خمسا‪:‬‬ ‫‪ .1‬وجود الله‪.‬‬ ‫‪ .2‬حرية الإنسان ليكون مكلفا‪.‬‬ ‫‪ .3‬خلود النفس لتنال الجزاء‪.‬‬ ‫‪ .4‬البعث ليحصل الجزاء الأتم‪.‬‬ ‫‪ .5‬الحساب الذي يتحقق فيه العدل المطلق بعكس الظلم في حساب الدنيا‪.‬‬ ‫إذا لم يكن هذا تأسيسا دينيا للأخلاق فليت شعري ما التأسيس الديني إذن؟ وإذا لم‬ ‫يكن للأخلاق هذا التأسيس فما البديل إذن؟ كل من يتكلم على الفصل بين الدين والاخلاق‬ ‫عند كنط إما لم يدرس كنط بحق أو درسه ولم يفهمه أو يحاول أن يثبت أنه هو الذي‬ ‫سيؤسسها على الدين فيكون أدرى بسر ثورة كنط في تأسيس الأخلاق من كنط نفسه‪.‬‬ ‫سيقال هذا كنط الطبعة الثانية لنقد العقل النظري وهو غير الطبعة الأولى التي‬ ‫يفضلها صاحب العالم من حيث هو تصور وإرادة‪ .‬لكن ذلك قد يصح على أدلجته كنط‬ ‫ومحاولة رده إلى رؤية أديان الشرق الأقصى‪ .‬لكن النص صريح وهو لا يختلف ما في الثانية‬ ‫عن الأولى إلا بالإضمار والاشهار‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا أنوي إطالة الجدل مع التفلسف الشعاراتي والتبسيطي الذي ليس هدفه طلب‬ ‫الحقيقة بل إبراز الدور الشخصي‪ .‬وهذا أمر ليس مما يغريني‪ .‬يكفيني أن أكون أمينا‬ ‫لذوي الفضل أيا كانت ملتهم أو قومهم أو مرحلة التاريخ والحضارة التي انتسبوا إليها‪.‬‬ ‫فعندي أن النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬هما الحكم‪.‬‬ ‫كنط عالج المسألة الفلسفية أي من منطلق ثورة أبستمولوجية تمثلت في نفي نظرية‬ ‫المعرفة القائلة بالمطابقة التي ترد الوجود إلى الإدراك ‪-‬وهو الرد الذي اعتبره ابن‬ ‫خلدون وقبله ابن تيمية وهم المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة‪-‬واعتبار الوجود فيه ما لا‬ ‫نحيط به علما‪ .‬وذلك هو مفهوم الغيب بالمصطلح الديني‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن العقل النظري لا يمكن أن يصبح أداة الاستعمال العملي أي لا يستطيع‬ ‫أن يشرع ‪-‬المسألة الأكسيولوجية‪-‬إلا بعد أن يسلم بهذه المسلمات الخمسة في عالم متعال‬ ‫على الضرورة الطبيعية وهو معنى عالم الواجب فوق الواقع أعني الرؤية الدينية للوجود‬ ‫المتحرر من الضرورة الطبيعية‪ :‬الدين‪.‬‬ ‫والنتيجة التي توصل إليها كنط فلسفيا من منطلق ثورة أبستمولوجية في العرض لا بد‬ ‫أن يكون ذا تكوينية معاكسة‪ .‬ومعنى ذلك أن الثورة الأبستمولوجية علتها الوعي بشروط‬ ‫الثورة الأكسيولوجية التي صارت عنده مسلمات تمكن من استعمال العقل النظري في العمل‪.‬‬ ‫فالانتقال من العقل النظري إلى استعماله العملي مشروط بتغيير المبدأ الذي يؤسس‬ ‫للاستنتاج العقلي‪ :‬الانتقال من قانون الضرورة الطبيعية إلى قانون الحرية الخلقية‪.‬‬ ‫وهي مسلمات لأن محاولات الفلاسفة تأسيسها عقليا لم يعد مقبولا عند كنط الذي تحرر‬ ‫بالنقد من أبعاد الميتافيزيقا الأربعة (تحرر من الأنطولوجيا العامة ومن الثيولوجيا‬ ‫والكسمولوجيا والانثروبولوجيا أو أقسام الانطولوجيا الخاصة الثلاثة)‪ .‬فلو لم يكن كنط‬ ‫أمام معضلة خلقية هي معضلة العلاقة بين الحرية والضرورة في عمل الإنسان لما وضع هذا‬ ‫الحل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولذلك فأكبر فلاسفة المثالية الألمانية بعده أي فشت وشلنج وهيجل ثلاثتهم جعلوا‬ ‫القضية العملية هي الأساس في الإشكال الفلسفي المحرر من الفاتاليسم أو ما تؤدي إليه‬ ‫فلسفة وحدة الوجود الطبعانية التي كانت أهم إشكالات الفكر الألماني في القرن الثامن‬ ‫عشر‪ :‬كيف الخروج من فاتاليسم سبينوزا‪.‬‬ ‫ففشت صريح في تقديم العمل على النظر وشيلنج أهم كتبه بعد نضوجه كان في الحرية‬ ‫(‪ )1809‬وهيجل يعتبر أهم عمله كله هو محاولة تذويت طبعانية سبينوزا لتحرير الإنسان‬ ‫من \"الفاتاليسم\" (الجبرية) وجعل التاريخ كله مسألة التحررمن الضرورة الطبيعية في‬ ‫الفلسفة وفي الدين وفي السياسة‪ .‬ولعل لسنج أولا وهولدرلن ثانيا ترجمان ذلك‪.‬‬ ‫ومن ليس له دراية بهذه القضايا ولم يدرس خصومات ابن مندل ويعقوبي وهيجل لا‬ ‫يمكنه أن يفهم الحل الكنطي في تأسيس الأخلاق على رؤية دينية للوجود هي ثمرة ثورتين‬ ‫ابستمولوجية تنفي المطابقة التي تقتضي الإحاطة وأكسيولوجية تنفي موضوعية القيم‬ ‫التي تقتضي أن تكون صفات ذاتية‪ .‬وكلتا الثورتين ذات أصل ديني تماما كما حدث في‬ ‫المدرسة النقدية العربية قبل كنط بأربعة قرون‪.‬‬ ‫والمدرسة النقدية العربية أعني ‪-‬الغزالي وابن تيمية وابن خلدون‪-‬كانت الخصيم‬ ‫الأكبر للأبستمولوجيا والأكسيولوجيا التي كانت سائدة عند فلاسفة المدرسة المشائية المزيجة‬ ‫مع الأفلاطونية ووريثة الأفلوطينية‪:‬‬ ‫‪ .1‬ابستمولوجية نظرية المعرفة القائلة بـالمطابقة بمعنى أن ما في الذهن من علم‬ ‫مطابق لما في الموجود من موضوع للعلم‪.‬‬ ‫‪ .2‬أكسيولوجية التحسين والتقبيح العقليين‪ :‬القيمة صفة موضوعية للشيء وليست‬ ‫حكما لكائن حر يقيمه‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية منافية تماما للإسلام‪ .‬فإبستمولوجيا القول بالمطابقة تنفي الغيب وتعتبر‬ ‫الوجود قابلا للرد إلى الإدراك وهو ما يفاد بقولهم \"العلم بالشيء على ما هو عليه\"‪ .‬وفي‬ ‫ذلك زعم بأن الوجود شفاف والعلم العقلي محيط به‪ .‬ومن ثم ففيه نفي للغيب للخلط بين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الغائب الذي يمكن أن يصبح شاهدا والغيب الذي لا يصبح شاهدا إلى لما يصبح البصر‬ ‫حديدا‪.‬‬ ‫فالغائب من التجربة الممكنة حتى وإن لم تحصل بعد والغيب لا يمكن أن يكون من التجربة‬ ‫لأن بلغة كنط \"الشيء في ذاته\" الذي لا يمكن أن نعلمه لأننا ليس لنا العلم المحيط أو‬ ‫الحدس المطلق بلغة كنط (الحدس المطلق هو الذي يبدع الموضوع وإدراك الموضوع) في آن‪.‬‬ ‫وهو خلط يفهمنا الأكسيولوجيا الفاسدة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة عنون ابن خلدون فصله في النقد بـ\"إبطال الفلسفة وبيان فساد منتحلها\"‬ ‫(المقدمة الباب ‪ 6‬الفصل ‪ .)31‬وهو لا يقصد الفلسفة بالمعنى الذي يقصده عندما يتكلم‬ ‫على العلوم العقلية في مقابل العلوم النقلية بل معنى آخر هو الذي كان سائدا في عصره أو‬ ‫ما يشبه ما هو سائد في عصرنا لما أصبحت الفلسفة مجرد إيديولوجيا عند حداثيينا المزعومين‬ ‫منفصلة تماما على العلوم عقلية كانت أو نقلية‪.‬‬ ‫فما يعنيه أبن خلدون هنا هو الفلسفة كما سادت في عصره‪ .‬وهي الفلسفة القائلة بنظرية‬ ‫المطابقة في النظر وتنفي الغيب وبالتحسين والتقبيح العقليين في العمل وتنفي التشريع‬ ‫المتجاوز للطبيعة والمبنية على وهم الفارابي الذي زعم أن العلم اكتمل ولم يبق إلا أن يعلم‬ ‫ويتعلم (كتاب الحروف)‪ .‬ومنه يستمد ما يسميه بالملة الصحيحة‪ .‬إنها الفلسفة التي ترد‬ ‫الدين إلى العقل النظري لظنها أنه محيط بالوجود ولاعتبارها القيم صفات ذاتية للشيء‬ ‫وليست فعلا خلقيا حرا إما للرب في المعتقد الديني أو للإنسان عندما لا يسلم بشرع سماوي‪.‬‬ ‫وذانك هما النوعان الممكنان للتشريع الذي يتعالى على الضرورة الطبيعية بشرط حرية‬ ‫الشارع سواء كان ربا أو إنسانا‪ .‬فإذا لم يكن ناتجا عن الشارع السماوي فهو ناتج عن‬ ‫الشارع الإنسان بمنطق النفعية تمييزا بين المفيد والضار في حياة الإنسان اعتمادا على‬ ‫الوصف القيمي للأشياء التي تكون في تلك الحالة على النفي الأصلي أو على البراءة‬ ‫الأصلية باصطلاح الغزالي (المستصفى)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا الفعل الخلقي الحر في الحالتين ‪-‬سواء كان المشرع الحر ربا أو إنسانا‪ -‬شرطه كما‬ ‫بين كنط المسلمات الثلاث الصريحة والمسلمتين الضمنيتين حتى لو لم يكن للتسليم بالشرع‬ ‫السماوي بل بشرط حرية الإنسان أو استثناؤه من قانون الضرورة الطبيعية ليكون قادرا‬ ‫على التشريع الخلقي‪ .‬وهي مسلمات عقدية وليست من جنس المسلمات الرياضية التي هي‬ ‫فرضية بمعنى أنها تعتمد على العقد والإيمان وليس على الدليل والبرهان‪ .‬وهو ما قاله‬ ‫كنط في النصين اللذين أوردنا هاهنا‪.‬‬ ‫وختاما فلو عكسنا المسار لوجدنا أن الإسلام قد قام بنفس هذين الثورتين ولكن انطلاقا‬ ‫من الأكسيولوجي نحو الابستمولوجي‪ :‬فتنظيم الدولة والسياسة بالطريقة الموصوفة علته‬ ‫أن القيم أفعال الحرية لإيجاد فضاء يمكن للأخلاق أن تتحقق في التربية والحكم بمعرفة‬ ‫بعلم اجتهادي وعمل جهادي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ختم الكلام في المسألتين اللتين سكت عنهما تجنبا للتعقيد ثم قررت علاجهما لا يعني أن‬ ‫المبدأ ألأكبر المتعلق بالضرورة التي تبيح المحظور ختمت لأن الجمع بين هذين المسألتين هو‬ ‫في الحقيقة ما أسميه ثورة الإسلام الاكسيولوجية والأبستمولوجية التي تحرر الإنسان من‬ ‫الوساطة تربية ومن الوصاية حكما‪.‬‬ ‫والمعلوم أن مشكلي الوساطة في التربية والوصاية في الحكم هما سر الفتنتين الكبرى‬ ‫(الثيوقراطيا) والصغرى (الأنثروبوقراطي) اللتين تبدوان متنافيتين وهما في الحقيقة‬ ‫من طبيعة واحدة في العمق رغم تقابلهما في السطح‪ :‬دعوى الوساطة والوصاية (التشيع)‬ ‫ودعوى الثورة عليهما (العلمانية)‪.‬‬ ‫وقد كتبت في التقابل السطحي والتطابق العميق بين الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا في‬ ‫التربية والحكم من خلال ما يتحدان فيه وهو ما سميته الأبيسيوقراطية (دين العجل)‪.‬‬ ‫ومشكل الإسلام في أصله بين الفتنتين أنه جعل أفعاله من جنس الاولى واقواله من جنس‬ ‫الثانية‪ :‬وهو يقبل التسمية الفيزيوقراطيا‪.‬‬ ‫ثلاث مفهومات متعلقة بطبيعة النظام السياسي تربية وحكما تم شرحها سابقا فلأشرح‬ ‫المفهوم الرابع أي الفيزيوقراطيا‪ .‬فبعد الفتنة الكبرى واغتيال الخليفة الثالث صارما يحكم‬ ‫السياسي عند السنة في موقفها من الثيوقراطيا‪-‬أي الوساطة والوصاية‪-‬هو الفيزيوقراطيا‬ ‫أي القوة الطبيعية أو العصبية القبلية‪.‬‬ ‫وبقي العالم السني محكوما بالعصبية القبلية والعسكرية وهما وجها القوة اساس للسلطان‬ ‫الخاضع للقانون الطبيعي في التغالب والتوارث بين البشر المردودين إلى الحيوانية بمنطق‬ ‫جامع بين رفض الثيوقراطيا في الأقوال والقول بالانثروبوقرطيا في الافعال بداية من‬ ‫يزيد إلى اليوم في كل الإسلام السني‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومن ثم فالأنظمة الثلاثة الشيعي أصل الفتنة الكبرى والعلماني أصل الفتنة الصغرى‬ ‫والمحصور بين فكي كماشة يمثلانها لكونه يرفضهما بالاقوال ويجمع بينهما بالافعال التي هي‬ ‫في فقهه كلها أمر واقع يعلل بشرعنة المتغلب لتجنب الفوضى وكلها تدين ببعدي دين العجل‪:‬‬ ‫معدنه المال وخواره الإيديولوجيا‪.‬‬ ‫وقد لا يشكك أحد في اعتبار التشيع الصفوي فيه وساطة روحية للتربية ووصاية سياسية‬ ‫للحكم‪ .‬وقد لا يشكك في اعتبار الديموقراطية الامريكية أساسها المال والأيديولوجيا‬ ‫الإعلامية والتلهوية‪ .‬ويكفي أن أبين أن الاولى فيها ما في الثانية وأن الثانية فيها ما في‬ ‫الأولى حتى يصح وصفهما بالأبيسيوقراطيا‪.‬‬ ‫هل يشك أحد في أن التشيع الصفوي أصله وفصله العميقين ليس علما لدنيا يتوسط به‬ ‫الملالي بين الإنسان وربه ولا عملا منزها يقوم به الأيمة من آل البيت بل هما إيديولوجيا‬ ‫للملالي في التربية وفي الحكم لنهب ثروات الشعوب التي يشيعونها من أجل الخمس ولا‬ ‫شيء غير ذلك؟‬ ‫والتشيع العربي هو تشيع العامة التي فقدت أدنى مستويات الكرامة والحرية وليس‪.‬‬ ‫ذلك بالأمر الجديد‪ .‬فمنذ بداية التشيع عادت مستعمرات إيران المتقدمة على تحريرها‬ ‫الإسلامي على ما كانت عليه لا تقبل العيش إلا تحت نير الاستعمار الفارسي الذي كان‬ ‫ساسانيا وأتخذ شكل الإسلام المسوسن بعبادة العباد بدل عبادة رب العباد‪.‬‬ ‫والتغرب العلماني عند نخب المغرب الكبير له نفس التعليل‪ .‬ذلك أن الأمازيغي الذي‬ ‫يحارب كل تراث جنسه في السياسة والعلم اللذين أصبحا من منجزات جدودهم يريدون‬ ‫العودة إلى الاستعمار الغربي (كان رومانيا فبيزنطيا) الذي حررهم الإسلام منه ليصبحوا‬ ‫ذو تاريخ عظيم اختلط بتاريخ الأندلس ودام على الأقل أكثر من عشرة قرون بعد أن‬ ‫صارت دول المغرب كلها أمازيغية مسلمة تسهم في الحضارة الكونية‪.‬‬ ‫لكن علمانييهم اليوم يريدون العودة إلى الاستعمار الفرنسي وتغليب لغته لعلمهم أن‬ ‫عامياتهم لن تصمد أمام الاستعمار الفرنسي الذي يدغدغ فيهم العرقيات حتى يستعيد‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫استعبادهم كما كانت روما وبيزنطة تفعل بهم‪ .‬وهم بذلك لا يختلفون عن عرب المستعمر‬ ‫الفارسي الذين تشيعوا يرغبون في العودة إلى نير الاستعمار الفارسي‪.‬‬ ‫وهل يشك أحد أن اللوبيات في أمريكا يؤمنون بحقوق الإنسان وبحكم الإنسان لنفسه أم‬ ‫هم يتحكمون في تربيتهم بما يناظر خدع الملالي ويحكمون نظامهم بما يناظر خدع الأيمة إذ‬ ‫ما نراه في المسرح السياسي الأمريكي يخفي ما وراءه من أصحاب السلطة الحقيقية وهي‬ ‫البنوك واعلام الملاهي‪.‬‬ ‫وإذن فما يوجد في الثيوقراطيا وما يوجد في الانثروبوقراطيا (أو الديموقراطية وأرقاها‬ ‫الامريكية والإسرائيلية) لا يختلفان إلى بالسطح لكن العمق واحد لأن المحرك الفعلي في‬ ‫الحالتين هو إيديولوجيا الخداع إما بوعود السماء الزائفة أو بوعود الأرض الزائفة‬ ‫للشعوب من نفس مافية دين العجل‪.‬‬ ‫نأتي الآن إلى الفيزيوقرطيا السنية‪ :‬فلأنها عديمة الأول والثاني لم يبق لها إلا ما به‬ ‫يستخدم الناس بما يستحوذ به على بعدي دين العجل‪ :‬فغياب شرعية الثيوقراطيا الرمزية‬ ‫(الوساطة والوصاية) وغياب شرعية الانثروبوقراطيا الرمزية تربي السنة وتحكم‬ ‫بالاستبداد بالثروة والتراث‪ :‬معدن العجل وخواره‪.‬‬ ‫لذلك فلا يمكن أن يكون النظام السني بين الفتنتين إلا جامعا في الأقوال بين رفضين‬ ‫للتشيع وللعلمانية ومعتمدا في الافعال بشكل مخفف من التشيع ومن العلمانية‪ .‬فالقوة‬ ‫البدائية أكثر السلوكات كفرا بالروحي والقيمي لكنها بحاجة للدجل الديني الذي أقصاه‬ ‫الجامية‪ :‬الحاكم عندهم كالإمام الشيعي‪.‬‬ ‫وهم يعتمدون في ذلك تأويلا محرفا لأحاديث الرسول التي يمكن اعتبارها متعلقة‬ ‫بالضرورة التي تبيح المحظور فجعلوا الضرورة دائمة واعتبروا تجنب الفوضى (غياب‬ ‫الحكم) علة كافية لشرعنة حكم المتغلب‪ .‬فجعلوا الفوضى القانون العام وليس للظرفيات‬ ‫لأن التغلب يعني توالي الانقلابات إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا هو النظام الفيزيوقراطي‪ :‬له من الثيوقراطيا أضفاء القدسية على الحكام ومن‬ ‫العلمانية الإلغاء الفعلي لسلطان القيم المتعالية وردها إلى إرادة الأقوياء في الجماعة‪.‬‬ ‫ذلك أن العلمانية تحكمها إرادة الأقوياء في المال وفي الخوار بخدعة المسرحيات الانتخابية‬ ‫التي يزيفها المال والإعلام‪.‬‬ ‫والنظام الفيزيوقراطي تغنيه القوة البداية التي يستعملها المتغلب عسكريا كان أو قبليا‬ ‫مع استعمال المال لمرتزقته ‪-‬التي يتغلب بها وهي القوة العنيفة والقوة اللطيفة‪-‬فيبقي‬ ‫الشعب خائفا من فقدان أدنى شروط الحياة من القوة المادية والنخب طامعة في القوة‬ ‫اللطيفة من فتات مائدة المتغلبين‪.‬‬ ‫والحصيلة الأنظمة الثلاثة يحكمها دين العجل‪ :‬الذهب أو معدن العجل والإيديولوجيا‬ ‫أو خوار العجل‪ .‬وبهذا المعنى فإن الثورة الإسلامية التي حرفت كان هدفها تحرير الإنسان‬ ‫من الوساطة في التربية (التي تصدر عن سلطان الخوار) ومن الوصاية (التي تصدر عن‬ ‫سلطان المعدن)‪.‬‬ ‫فكيف نفهم ذلك؟‬ ‫الجواب نجده عند ابن تيمية في السياسة الشرعية وعند ابن خلدون في المقدمة‪ .‬والجامع‬ ‫بينهما نظرية الإنسان ونظرية الحكم القرآنيتين‪ .‬قبل شرح جوابهما فلنذكر بأن القرآن‬ ‫حرم الوساطة بين الله والإنسان لأن الاجتهاد فيه فرض عين مثله مثل الجهاد وحرم‬ ‫الوصاية فالجماعة تسير أمرها بالشورى بينها‪.‬‬ ‫لكن التحريف أرجع الوساطة فصار الاجتهاد فرض كفاية استحوذت عليه مافيات العلماء‬ ‫وأرجع الوصاية فصار الجهاد فرض كفاية استحوذت عليه مافيات الأمراء ولم يبق الشعب‪.‬‬ ‫والمافيات الأولى جعلت الشعب عامة من الأميين الفقراء روحيا والمافيات الثانية جعلته‬ ‫دهماء من المستعبدين الفقراء ماديا‪.‬‬ ‫ولنأت الآن إلى ابن خلدون وكيف يفسر ذلك‪ :‬فهو أولا يعرف الإنسان بكونه \"رئيسا‬ ‫بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪ .‬ومعنى ذلك أن الإنسان بطبعه فلسفيا وبخلقته‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪38‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫دينيا لا يمكن أن يبقى إنسانا إذا صار تابعا لغير العلاقة المباشرة بالله فيكون له سيدا بينه‬ ‫وبين الله في تربيته أو في حكمه‪.‬‬ ‫وينتج عن هذا التعريف أن الإنسان ينبغي أن يكون فكره اجتهادا شخصيا لأن الأمر‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وليس فرض كفاية (‪ 104‬آل عمران) والقيام به هو‬ ‫شرط الانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس (آل عمران ‪ .)110‬ومعنى ذلك أنه لا يمكن أن‬ ‫يكون الإنسان مسلما من دونهما‪.‬‬ ‫وهما جامعان لمضمون سورة العصر بشروطها الخمسة‪ :‬أولا الوعي بشروط الاستثناء من‬ ‫الخسر‪ .‬وهذا الوعي تتفرع عنه أربعة شروط‪-2 :‬للفرد‪ :‬الإيمان غاية النظر والعقد‬ ‫والعمل الصالح غاية العمل والشرع ‪-2‬للجماعة‪ :‬التواصي بالحق للاجتهاد والتواصي بالصر‬ ‫للجهاد وهما بعدا التربية والحكم‪.‬‬ ‫وهذه الشروط الخمسة فرض عين ولا يمكن أن يكون أي منها فرض كفاية فيعوض‬ ‫العلماء المسلم في الاجتهاد إلى كمعلمين يختارهم المسلم ويعوض الأمراء المسلمين في الجهاد‬ ‫إلى كمعلمين يختارهم المسلم‪ .‬فرض الكفاية فيهما للتعليم في النظر والعقد وفي العمل‬ ‫والشرع دون سلطان وساطة أو وصاية‪.‬‬ ‫ولا حاجة للوقوف عند السياسة الشرعية عند ابن تيمية‪ :‬يكفي أنها تتأسس خاصة على‬ ‫الآية ‪ 58‬من النساء أي على الأمانة والعدل بمعنى أن العلماء كحكم في الاجتهاد والامراء‬ ‫كحكم في الجهاد كلاهما مؤتمن على شيء ليس هو صاحبه بل هو مكلف من الأمة بالقيام بما‬ ‫فيه من كفاية مع بقاء الأمر فرض عين‪.‬‬ ‫والجمع بين وجهي الفرض الكفاية والعين يعني أن العلماء والامراء مجرد موظفين‬ ‫يديرون عملية التربية وعملة الحكم لكن ذلك كله تحت رقابة الجماعة‪ .‬الإدارة فرض‬ ‫كفاية لكن قيمها وشروطها ووظائفها ومراقبتها كلها فرض عين والدليل هو مفهوم الحسبة‪:‬‬ ‫كل مواطن مراقب للإدارتين في التربية وفي الحكم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪39‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الحسبة هي مراقبة الجماعة لنوعي الموظفين في السياسة‪ :‬العلماء في التربية والامراء في‬ ‫الحكم‪ .‬ومراقبتهما تمتد إلى كل الخدمات في المجتمع والتي من وظيفة إدارة التربية‬ ‫والحكم حسن تنظيمهما لتميكن الجميع من الاجتهاد (التربية) ومن الجهاد (الحكم) بمعيار‬ ‫الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬ ‫وهذا المعيار ليس إدارة بيد الدولة بل هو رقابة بيد الجماعة أو بلغتنا الحديثة بيد‬ ‫المجتمع الاهلي‪ .‬تلك هي القيم التي كان الهدف من الاقدام على هذه المحاولة العسيرة‬ ‫لعلاجها انطلاقا مما نحن عليه وخاصة نحن السنة لأن النظامين الآخرين مصدر الفتنتين‬ ‫يعاديان بالجوهر الإسلام عامة والسنة خاصة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪40‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ونصل أخيرا إلى زبدة المحاولة وغايتها‪ .‬كيف تكون التربية والحكم فرض عين في شكل‬ ‫اجتهاد وجهاد كلاهما فرض عين وليس فيه فرض كفاية إلا وظيفة إدارتهما نيابة عن‬ ‫الجماعة باختيارها الحر لمن ينوبها في ذلك وبشرطي الأمانة والعدل (النساء ‪ )58‬دون‬ ‫سلطان وساطة في التربية ولا سلطان وصاية في الحكم وكل ذلك تحت رقابة الجماعة فرض‬ ‫عين؟ ذلك ما نختم به هذه المحاولة ذات الفصول السبعة‪.‬‬ ‫قدمت الدليل السلبي أي نفي الإسلام الوساطة الروحية في التربية والوصاية السياسية‬ ‫في الحكم‪ .‬لكن ذلك لا يكفي أولا لأنها نتيجة أسس موجبة لم نذكرها بعد وثانيا لأن‬ ‫الإسلام لا يمكن أن يكون ثوريا بصورة إضافية إلى ما ينفيه من تحريفات بل هو الأصل‬ ‫والتحريفات لحقيقته في بدايتها (الفطرة) وكغاية (الختم) هي التي تعتبر سلوبا لإيجابه‬ ‫الأصلي‪.‬‬ ‫ما إيجابه الأصلي؟‬ ‫له عدة مستويات‪:‬‬ ‫‪ .1‬الاستخلاف متقدم على ما يعتبر عصيانا خصل في قصة الأكل من الشجرة‪.‬‬ ‫‪ .2‬الاجتباء والعفو بعدها يعني أن آدم وحواء لم يطردا من الجنة عقابا بل انزلا‬ ‫امتحانا لقدرتهما على تحمل الأمانة التي عرضت عليهما فقبلاها رغم ثقلها‪ :‬التكليف‬ ‫بمهمتين كبريين‪.‬‬ ‫والمهمة الأولى غاية وهي الاستخلاف والمهمة الثانية أداة وهي تعمير الأرض شرطا في‬ ‫وجود الإنسان الخليفة وفي امتحان اهليته للمهمتين‪ .‬فإذا حقق المهمة الأداة ‪-‬تعمير‬ ‫الأرض‪ -‬بالمهمة الغاية ‪-‬الاستخلاف أي تحقيق القيم الخمس قيم الإرادة والعلم والقدرة‬ ‫والحياة والوجود‪-‬أثبت جدارته بالخلافة‪ .‬وهذان المستويان يقتضيان مستويين آخرين‬ ‫أولهما له بعدان‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪41‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬استعمال ما جهز به لمهمة تعمير الارض أي النظر والعقد حتى يعلم قوانين الطبيعة‬ ‫التي يستمد منها شروط قيامه العضوي‪.‬‬ ‫‪ .2‬استعمال ما جهز به لمهمة الاستخلاف أي العمل والشرع حتى يعمل بسنن التاريخ‬ ‫الذي يستمد منه شروط قيامه الروحي‪.‬‬ ‫أما الثاني وله بعدان كذلك وهو ما يجعل ما جهز به قابلا لتحقيق وظيفته‪:‬‬ ‫‪ .1‬اعلامه أن نظام الخلق أو العالم الطبيعي يخضع للرياضيات والتجربة إذ كل شيء‬ ‫خلق بعدد ويدرك بالملاحظة والاعتبار التجريبيين‪.‬‬ ‫‪ .2‬اعلامه أن نظام الأمر أو العالم التاريخي يخضع مثل النظام الطبيعي مع سنن‬ ‫سياسية وخلقية هي ما يترتب على حرية الإنسان ومسؤوليته كمكلف ومستخلف‪.‬‬ ‫وكل حجاج القرآن واستدلالاته تعتمد على هذين النظامين وليس على خرقهما بمعنى‬ ‫أن المعجز في القرآن ليس خرق العادات بل ثبوت العادات أو ما يسميه الغزالي وابن خلدون‬ ‫\"مستقر العادات\"‪ .‬فالإسلام هو أول دين في تاريخ الأديان لا يستمد أدوات الاقناع‬ ‫والدعوة من السحر وخرق النظام بل من العلم والنظام‪.‬‬ ‫ومن الجهل الخلط بين تقديم القرآن لرؤية تخضع للعلم والنظام وبين وهم ما يسمى‬ ‫بالإعجاز العلمي‪ .‬القرآن يقول إن العالم الطبيعي ذو نظام رياضي يعلم بالتجربة ويقول‬ ‫إن العالم التاريخي ذو سنن سياسية وخلقية تعلم بنفس الطريقة لكنه لا يعطينا قوانين‬ ‫العالم الطبيعي ولا سنن العالم التاريخي‪.‬‬ ‫هو يعطينا رؤية تؤمن بالنظامين الطبيعي والتاريخي وأولهما يعلم بالرياضيات والتجربة‬ ‫والثاني بالممارسة والاعتبار ويطلب منا أن نبحث لنعلم قوانين الأول وسنن الثاني مما‬ ‫حددته فصلت في آيتها ‪ :53‬ليس من آيات النص بل مما يرينه الله من آياته في الأفاق وفي‬ ‫الأنفس وفيهما نتبين حقيقة القرآن‪.‬‬ ‫وهو يحذرنا من ترك ذلك والذهاب إلى ما القيام به يدل على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة‬ ‫أي تأويل المتشابه‪ .‬لكن علماءنا الذين حرفوا القرآن فأحدثوا الوساطة وشرعنوا الوصاية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪42‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تركوا أمر فصلت ‪ 53‬وتحدوا نهي آل عمران ‪ 7‬فلم ينشغلوا إلا بما يفيد زيغ قلوبهم‬ ‫وابتغاءهم الفتنة‪ :‬كلاما وفلسفة وتصوفا‪.‬‬ ‫فـ\"و\" العطف بدل الاستئناف في آل عمران ‪ 7‬تعني انهم جعلوا من يسمونه الراسخين في‬ ‫العلم تأويلهم من جنس تأويل الله للمتشابه ومن ثم فهم يتوهمون أن علمهم محيط وهو‬ ‫معنى القول بإبستمولوجية المطابقة في النظر التي يترتب عليها أكسيولوجية المطابقة في‬ ‫العمل‪ .‬وهذا يعني أن الموقف باطني وإن بغير وعي‪.‬‬ ‫والقول بالمطابقة في العلم وفي العمل تعني أن ما جاء في القرآن مما يبدو مناقضا لما‬ ‫يتصورونه علما مطابقا لحقيقة الوجود ينبغي أن يرفض أو يؤول ليكون ظاهره مطابقا‬ ‫لباطن يزعمونه له ويتوهمون أنه يعلم بالعقل فلسفيا وبالكشف صوفيا ثم عم ذلك بعد أن‬ ‫صار الفقه والكلام متفلسفين كذلك‪.‬‬ ‫ولما كان القول بالمطابقة المعرفية (النظر والعقد) والمطابقة القيمية (العمل والشرع)‬ ‫يعودان إلى فلسفة أرسطو في اعتبار الله عقلا أو محركا أولا وله آلهة توابع محركة للأفلاك‬ ‫التي هي محركة لما دون القمر أو لعالم الكون والفساد فأقل ما يقال فيهم أنهم إن لم يكونوا‬ ‫باطنيين فهم صابئة‪.‬‬ ‫فالأرسطية هي في الحقيقة رؤية صابئية‪ .‬فما فوق القمر هو «الجهاز» الصانع السرمدي‬ ‫لما هو موجود ما دون القمر أو هو واهب الصور للقوى الكامنة في المادة الأولى التي هي حبلى‬ ‫بالصور والساعية بجاذبية الغاية السماوية إلى «إنضاج» ما فيها من صور بالقوة لجعلها‬ ‫بالفعل بنظام الكون والفساد السرمدي‪ :‬هي وحدة وجود طبعانية رغم تسمية الغاية التي‬ ‫تحرك دون أن تتحرك والمنطوية على نفسها وعديمة الصلة بالعالم الطبيعي لأنها لا تعلم‬ ‫إلا ذاتها وكمالاتها باسم الله أو العقل (مقالة اللام من الميتافيزيقا)‪.‬‬ ‫فتأليه نظام السماء أو ما فوق القمر خلقا وأمرا مردودين إلى التحريك بمعانيه الأربعة‪:‬‬ ‫الجوهري (كون وفساد) والمكاني (الحركة في المكان) والكمي (الربو والنقصان) والكيفي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪43‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫(تبدل اللون أو الهيأة) فيكون العالم بهذا المعنى هو عالم الميثولوجيا اليونانية طبيعيا كان‬ ‫أو تاريخيا وغالبا ما يكون الأول مقيسا على الثاني‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى يمكن القول للتقريب إن نسبة أفلاطون وأرسطو لفلاسفتنا القدامى ومن‬ ‫تبعهم من المتكلمين والمتصوفة لا تخلف في شيء عن نسبة هيجل وماركس إلى فلاسفتنا‬ ‫المحدثين دون تمكن من فلسفتهما يضاهي تمكن القدامى وعلمهم من فلسفة أفلاطون‬ ‫وأرسطو ولا خاصة حذقهم للعلوم الأدوات في المشروطة في فلسفتهما‪.‬‬ ‫وليس معنى رفضي لهذه الصورة أني اقبل الصورة التي يستخرجها الفقهاء والمفسرون‬ ‫من القرآن والسنة‪ .‬فالقرآن يقدم صورة عن العالم وعلاقته بالله لا ريب في ذلك‪ .‬لكنه‬ ‫يقول إن ذلك للتقريب الذهني بدليل أنه يضيف \"ليس كمثله شيء\"‪ .‬ومعنى ذلك أن‬ ‫المماثلة مع هذه الصورة المعروضة في القرآن إذا قبلناها شرك‪ .‬ومن هنا نفهم معنى الغيب‬ ‫ورفض نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة‪.‬‬ ‫يمكننا أن نتصور الله كما نقدر على ذلك بالمماثلة ‪-‬وهذا التصور بعدد الأنفس وكل متكلم‬ ‫يدعي تقديم التصور المطابق وثني وهو يريد تأسيس كنيسة وليس عالم‪ .‬فكل تصور هو‬ ‫عبارة تقريبية عن صلة صاحبه بربه وليس هو الحقيقة‪ .‬وذلك هو مدلول الإسراء ‪\"110‬قُلِ‬ ‫ادْ ُعواْ ال َّل َه أَوِ ا ْد ُعو ْا الرَّحْمَنَ َأيًّا َّما َت ْدعُو ْا َف َل ُه الأَ ْس َماء ا ْل ُح ْس َنى وَل َا تَجْهَرْ بِ َصلاتِكَ وَلاَ‬ ‫تُ َخا ِفتْ بِ َها وَابْتَغِ َب ْينَ ذَ ِل َك سَبِيلاً\"‪.‬‬ ‫فالله وعلاقاته بالعالم ليس كمثلهما شيء وتصوراتنا هي لدعوته في علاقتنا المباشرة به‬ ‫وقد رمز إليها القرآن بأسمائه الحسنى التي ندعوه بها بحسب الوضع الروحي للداعي في‬ ‫لحظات حياته سرائها وضرائها‪ .‬هما من الغيب المحجوب حتى على الرسل ناهيك عمن ليس‬ ‫رسولا‪ .‬الصورة الواردة في القرآن إذا اعتبرناها هي الحقيقة التي عليها الله وعلاقاته‬ ‫بالمخلوقات نكون وثنيين ولسنا مؤمنين بمن ليس كمثله شيء‪.‬‬ ‫ولولا هذين الأمرين لما كان بيني وبين الكثير من فلاسفتنا المحدثين إشكال‪ .‬فهم لم‬ ‫يصلوا حتى لمستوى فلاسفتنا القدامى في معرفة مصدر علم مصادرهم القديمة فضلا عن علم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪44‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المصادر الحديثة‪ .‬وطبعا حتى لو علموها رواية فهم يجهلونها دراية‪ .‬فمن يسرد معلومات‬ ‫حول الفكر لا يعتبر داريا بل راويا‪ .‬وما أكثرهم وخاصة بين من تسكرهم زبيبة‪.‬‬ ‫والرواية شرط ضروري غير كاف في التعليم فضلا عنه في الإبداع الفلسفي‪ .‬لذلك‬ ‫فيعسر أن نتكلم على فلاسفة عرب محدثين‪ .‬قد يوجد معلمون يـحسنون الرواية عن‬ ‫الفلاسفة الغربيين‪ .‬لكن قل أن يوجد من يدرك حقيقة فعل التفلسف في صلة بهذه‬ ‫المعضلات التي تفهمنا مسار الحضارة فيعسـر أن تجد أمثلة‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أتردد في الإصداع بهذه الأمور لأني أعلم أنها ستكون مصدر الإكثار من‬ ‫العداوات في المدرستين التقليدية بصنفي كل منهما‪ :‬فالمدرسة التقليدية بشقيها السلفي‬ ‫والحداثي والمدرسة الحداثية بصنفيها الماركسي والليبرالي كلتاهما تعيش على الرواية‬ ‫الإيدلوجية دون الدراية الفلسفية‪.‬‬ ‫لكن السيل بلغ الزبى لم يعد بد من أن أقدم شهادتي دون أن أدعي عصمة لما أراه بل‬ ‫هو شهادة‪ .‬وعلى التاريخ أن يحكم‪ .‬ذلك أن نجوم الفكر العربي والأسماء المشهورة ليس‬ ‫فيها ما يمكن أن يرضي من يريد حقا للأمة أن تستأنف دورها الكوني من دون أن تتعلق‬ ‫بكاريكاتور التأصيل والتحديث الشكليين‪.‬‬ ‫فكاريكاتور الأصالة لا يمكن أن يمثل استئناف لحضارتنا لأنه لم يتجاوز رواية قشورها‬ ‫ولم يغص إلى روحها الفلسفية والدينية وعلل ما أصابها من عقم‪ .‬ومثله كاريكاتور الحداثة‬ ‫لن يحقق ما يعد به لأنه لم يتجاوز قشورها ولم يغص إلى روحها الفلسفية والدينية ليسهم‬ ‫فيها فضلا عن أن يتجاوزها‪.‬‬ ‫ومثلما أن المدرسة النقدية العربية إذا ما استثنينا بدايات لم تكتمل عندهم ‪-‬الغزالي‬ ‫وابن تيمية وابن خلدون‪-‬بقيت دون أثر كبير على تفعيل ثورتي الإسلام اللتين حاولت‬ ‫وصفهما فقد لا نستطيع استكمال ما شرعا فيه إذا لم ندرك خطر الكاريكاتورين اللذين‬ ‫يسيطران على شللية ساحة الفكر المتكلس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪45‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد لا يصدق القارئ لو سمعني أقول إن ساحة الفكر سواء كان فلسفيا أو دينيا عندنا لا‬ ‫يقل تخلفا واستبدادا وفسادا من ساحة السياسة وكل الوظائف التي من دونها لا تقوم قائمة‬ ‫للأمم‪ :‬ساحة الإرادة الحرة وساحة العلم الصادق وساحة القدرة الخيرة وساحة الذوق‬ ‫الجميل وساحة الوجود الجليل‪.‬‬ ‫آمل أن تكون شهادتي بداية للاستئناف المناسب لثورة الشباب الذي بدأ في المطالبة‬ ‫بالغايات المباشرة التي تضفي معنى على هذه الساحات الخمس‪ .‬وتعثر الثورة مكن من أن‬ ‫يكتشفوا أن هذه الغايات المباشرة مستحيلة من دون الغايات غير المباشرة أعني شروط‬ ‫السيادة في الحماية وفي الرعاية كما حاولت بيانها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪46‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬