أبو يعرب المرزوقي أو ما طبيعة \"الضرورة التي تبيح المحظور\"؟ الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - تمهيد1 : الفصل الأول 1 -الفصل الثاني 9 - -الفصل الثالث 15 - -الفصل الرابع 21 - -الفصل الخامس 28 - -الفصل السادس35 - -الفصل السابع 41 -
-- هذه محاولة لها وظيفتان: .1نظرية خالصة لفهم العلاقة بين السياسي والخلقي عامة حتى نتحرر من مرضين كلاهما مضر بالأمرين :اتهام السياسي بالدناسة لتعليل الفصل الوهمي بينها وبين الديني أعني جوهر الرؤية القرآنية للسياسي والخلقي في آن. .2قراءة ما حصل في تاريخ الإسلام من تعارض بينهما بسبب عدم فيهم هذه العلاقة وما قد تضطر إليه السياسة مما يظن مؤيدا لموقف المذكور في الوظيفة الأولى للمحاولة :وذلك هو مدلول \"الضرورة التي تبيح المحظور\". ولعل في هذه المحاولة دفاعا عن السياسي عامة حتى عندما يكون منحرفا والسياسي عندما يكون سليما أعني مؤديا وظائفه التي لا يمكن أن تخلو منها حياة الجماعات بسبب دوره في الحماية ودور الحماية في الرعاية وهما شرطا قيام الحياة الإنسانية فردية كانت أو جماعية .لكن المحاولة هي كذلك تحديد دقيق لحقيقة الأخلاق وظيفتها كما تقتضيها شروط العيش المشترك بين البشر لأنها لا تقاس إلى بما يجعل هذا العيش سلميا ما أمكن ذلك لأنها في النهاية تعود إلى ما يسميه ابن خلدون الوازع الذاتي الذي يحد من دور الوازع الأجنبي في ما يحصل بين البشر من علاقات ومعاملات وتواصل حولهما. مسألة في علاقة السياسة بالأخلاق تحيرني سواء كانت القيم عقلية دون استثناء الدين (بالتشريع العقلي بفرض القيم صفات ذاتية للأشياء والأفعال شرط التحسين والتقبيح العقليين) أو دينية دون استثناء العقل (أو بالتشريع الديني بفرض البراءة الأصلية أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- للأشياء والأفعال) :ما الموقف من مسألة \"الضروة التي تبيح المحظور \" سواء أخذناها بمفهومها الفقهي المستمد من الدين الإسلامي أو بمفهومها \"الحيوي\" أعني الموقف في الاختيارات التي قد تفرضها ضرورات الحياة بصرف النظر عن المعتقدات الدينية. فهل السياسة بمعزل عن الأخلاق -Amorale-أم هي لا أخلاقية Immoraleفي ما تفرضه \"الضرورة التي تبيح المحظور\" في السياسة عامة إما بمقتضى أشنع حالاتها أي مصلحة الدولة العليا -Raison d'Etat-أو في الحالات التي تتعرض فيها الأمة لخطر وجودي :فيجتمع المعنيان عند ثبوت الضرورة الوجودية لبقاء الأمة؟ ولا يمكن فصل الدور الخلقي في الحياة العامة عن الشكل الأول وأساسي في تعينها الروحي الغالب أعني المعتقدات الدينية المؤسسة لها سواء في الأديان أو حتى في الفلسفات وخاصة بعد أن تبين أن القانون الطبيعي لو عمم لآل إلى القول بنفي الحرية ومن ثم لأزال الأساس الأول والأخير للمسؤولية وهي جوهر الأخلاق. لو كانت القضية بهذا اليسر لكان الجواب إما أنها بمعزل عن الأخلاق أو أنها لا أخلاقية. لكن الأمر أكثر تعقيدا إذ لا يمكن فصل السياسي عن الخلقي لأن الثاني غاية والاول أداة .وتحقيق الغاية مشروط بالأداة .والأداة السياسية مضاعفة :فهي تربية أو فعل يتقدم فيه الروحي على المادي وحكم عكسها. كل الذين يبسطون هذه العلاقة ولا يراعون طبيعة الصلة بين السياسي والخلقي ينتهون إلى اعتبارهما لا يلتقيان :السياسة بالطبع غير خلقية والأخلاق غير سياسية .وهذا لعمري المصدر الأول والاخير لدعاة الفصل بين الديني والسياسي أو دعاة العلمانية وخاصة اليعقوبية من أنواعها المتعددة .وما كنت لاقف ضد العلمانية عامة واليعقوبية خاصة لو لم أكن قد توصلت إلى نتيجتين: .1الفصل بين الديني والسياسي مستحيلة وخاصة في نظام ديموقراطي لا يمكن لمن يصل إلى الحكم بصورة شرعية أن يقول بها لتنافيه مع ثقافة أي شعب لا يمكن أن تخلو من الدين :كذبة لم يعد يصدفها إلا الـحمقى من النخب العربية وما أكثرهم. أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- .2ما حصل بعد الثورة الفرنسية ليس فصلا حتى بين الكنيسة والدولة فضلا عن الفصل بين الدين والسياسة .فالثورة الفرنسية لم تفصل بين الكنيسة والدولة بل أخذت وظائف الكنيسة واعطتها للدولة (التربية والرعاية الاجتماعية والصحة) .ولم تفصل بين الدين والسياسة بل وضعت دينين بديلين من الكاثوليكية. فروباس بيار وضع دين الموجود الأسمى حتى يعوض الكاثوليكية وأوغست كونت وضع دين الإنسانية أو أعلام البشر من المبدعين حتى يعوض الكاثوليكية كذلك .ومعنى ذلك أن فيلسوف الحكم في الثورة السياسية (روباس بيار) وفيلسوف الحكمة في الثورة العلمية (كونت) كلاهما أدرك هذه الاستحالة. لكن الحمقى من النخب العربية-السياسية أمية والفكرية دغمائية-ما زالوا يصدقون أنه يمكن تصور سياسة في وظيفتي التربية والحكم من دون تأسيس خلقي يمكن بتياسر عملي اعتبار الثقافة الدينية شكلها العامي والثقافة الفلسفية شكلها الخاصي كما كان يتصور ذلك فلاسفة القرون الوسطى عندنا وفي الغرب تصورا موروثا عن الفلسفة اليونانية التي كان الدين عندها مرحلة ميثولوجية وثقافة شعبية يغلب عليها قيس الآلهة على البشر في التربية السوفسطائية (أفلاطون المقالة العاشرة من الشرائع والقانون الجنائي في مسألة العقد الديني بمستوياتها الثلاثة التي عالجها). ومن عجائب الدهر أن الذي تصورها ضرورية للعامة المحتاجين للشعائر-روباس بيار-جعل اساسها غاية في التجريد -الموجود الأسمى Etre suprêmeوأن الذي تصورها ضرورية للخاصة المحتاجين للمعاني المجردة متعينة في مبدعيها -Panthéon des savantsأوغست كونت-جعل أساسها غاية في التعيين. لكن أشباه المثقفين الذين لا يدركون أنه لا إبداع ممكن من دون ثراء روحي بسبب عقمهم الروحي والإبداعي واعتمادا على الدكتاتورية العسكرية أو القبلية يريدون محو دور عقائد الشعوب وعقائد زبدة النخب المبدعة يعتقدون أنه يمكن تصور تربية الأحرار وحكمهم من دون عقائد روحية وخلقية. أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- ولذلك تسمع نفاقهم الدال على الامية الفعلية مدعين أنهم يريدون فصل الدين عن السياسة خوفا منهم على المقدس-ولا معنى مرة أخرى للمقدس اسم مفعول من قدس لأن قدس فعل متعد بالحرف ومن ثم فليس له مفعول به بل يمكن تسميته ما لأجله يكون الفعل دون أن يقعل عليه .فنحن نقدس لله والله ليس مقدسا بل مقدس له. وحتى \"قدوس \"كاسم من الأسماء الحسنى فهو دليل فعل من أفعال الله مثل عالم وكريم ورحمن إلخ ...فهو يمكن أن يعتبر الله مفعولا به فنسميه مرحوما ومكرما ومعلوما ومقدوسا؟ كثرة الكلام على المقدس كصفة دليل جهل بدلالة الكلام العربي وآداب الكلام على الله .اسم الفاعل موجود لكن اسم \"المفعول لأجله\" وليس اسم مفعول به هو المقدس له وليس المقدس إذ الفعل لا يتعدى من دون حرف .فالملائكة في القرآن الكريم تقول نقدس لك ولم تقل نقدسك .وإذن فالتقديس لله نوع من العبادة .وكل ما يعبد يقدس له أي يخضع العابد له بوصفه المتعالي الذي يمثل رمز الكمال في الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود .ومن دون رمز الكمال -وهو عند روباس بيار الموجود الأسمى وعند أوغست كونت المبدعون الكبار-وعند أي إنسان ما يمثل لديه كل القيم السامية. وأي إنسان ذو عقل إذا كان ذا طموح سياسي ويريد أن يستمد شرعيته من إرادة شعبه فلا يستطيع أن يخاطبهم بما يتنافى مع معتقداتهم .لذلك فلا يفعل إلا من يريد أن يحكم بالعنف والاستبداد والفساد ولا يعتقد أن الشعب هو مصدر الشرعية السياسية ببعديها تربية وحكما :شرط العلمانية عندنا الدكتاتورية. وهي ليست دكتاتورية حكم فحسب بل دكتاتورية تربية أيضا .لذلك ففي فرنسا وظيفة المدرسة العلمانية الأولى تبشيرية سلبية أعني تعويض وظيفة الكنيسة الكاثوليكية بكنيسة عملانية مضمون خطابها دحض المعتقدات الكاثوليكية .وهو ما يسمونه نظام التعليم العلماني. وهو ما صار عندنا نظام التحديث العنيف بسلطان الدولة ذات الأنظمة المستبدة والفاسدة والمعممة لثقافة المستعمر بمنطق المهمة التحضيرية المزعومة .فجميعهم سواء ما كان منهم أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- قائلا بالرؤية الفاشية اليسارية أو الفاشية اليمينية أو حتى الليبرالية لا يختلفون على أمرين يعتبران عندهم من العقائد العلمانية ومن أهم مقومات المشترك بين الهيجلية والماركسية خاصة وتشتكر فيها معهما علمانية اليعقوبية الفرنسية خاصة وهي التي ابتلينا بها في كل بلاد العرب لأن ثقافة مصر ولبنان وسوريا والمغرب كله فرنسية بالأساس في هذا المجال: .1في فلسفة التاريخ :أن الحضارات متفاضلة خطيا أي إن اللحاق في الغلبة هو الممثل للحقيقة الحضارية التي على البقية أن ينسلخوا عن حضارتهم ويلتحقوا بها. .2في فلسفية الحكم :أن هذه الفلسفة ينبغي أن تفرضها النخبة المستبدة سياسية واقتصاديا وثقافيا بكل الطرق العنيفة وخاصة في التربية والحكم. ويسمون ذلك تنويرا ولا يرون أن القائمين بوظيفة التعليم كانوا رجال كنيسة كاثوليكية وصاروا رجال كنسية إما ماركسية أو يعقوبية .فالتنوير يعني أن يفكر الإنسان بفنسه دون وسيط روحي أو عقلي .والديموقراطية تعني أن يحكم الإنسان نفسه دون وصي حداثي يتعامل معه تعامل المستعمر مع الأنديجان. الآن وقد عرضت المسألة في أبعادها العملية والفعلية أو ما يسميه حمقى الحداثة - الواقع-فلأمر إلى الإشكالية التي انطلقت منها :هل اللقاء شبه الملازم للفعل السياسي مع المسألة الخلقية التي تخضع لمنطق الضرورة التي تبيح الحضور يعني أن السياسة بمعزل عن الاخلاق أو لا أخلاقية؟ هل الغزالي الذي ينصح بالابتعاد عن الحكام يفعل ذلك بمقتضى طبيعة الحكم أم لأن حكام عصره لم يكونوا حكاما بالمعنى السياسي للكلمة بل كانوا مستبدين وفاسدين بمقتضى ثقافة العصر الذي كان الحكم فيها من الغنائم في الصراع بين القوى العنيفة التي تملك البشر والحجر؟ هل أدعياء الكلام في الأخلاق والرافضين للالتزام بقضايا مجتمعاتهم السياسية محقون عندما يعتبرون من الأخلاق أن يبتعد من يطلب الحقيقة عن السياسة لأنها بالجوهر لا أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- أخلاقية وفي أدنى الحالات بمعزل عن الحكم الخلقي فتكون قذرة ولا أخلاقية بمقتضى طبيعتها المزعومة مدنسة؟ أليسوا هم بذلك من يبقى الأمر على ما هو عليه فجعل الغزالي يقضي بذلك الحكم؟ جوابي هو أن هؤلاء بسبب التبسيط يفسدون وضع المشكل من أصله :فأولا كما بينت الفصل بين السياسي والخلقي وبين السياسي والدين كلاهما مستحيل حتى عند من يزعون الفصل بينهما. فحتى عندما يكون سلوكهم مطلق اللاأخلاقية فهم يحتاجون لتبريره بمسحة قيمية هي غايات فعلهم السياسي. لم أسمع أحدا من الساسة مهما كان قذرا و\"خامجا\" وكذابا يقول عن نفسه خلال مغازلته للناخبين حتى في الانتخابات المزيفة عندنا أنه يؤسس سياسته على القذارة والخمج والكذب بل هو يشعر بضرورة تبرير سياسته وبرنامجه بقيم خلقية أو دينية أو حتى بقيم مصلحية يدعيها غير الأنانية بل خدمة للشعب. ولا يهم إن كان ذلك في الأقوال :لأنه لو كان دور الأقوال عديم التأثير لاستغنت عنها الأفعال .فلو لم تكن لتبرير الأفعال وتزيينها ومخادعة الخصوم لفقدت ما لأجله تحتاج إليها الأفعال بوصفها صلاحها اللطيف .ومن ثم فحتى الكذب والتزييف يعتبران في السياسة من تجليات حاجتها إلى الأخلاق .سيقال هذه لا أخلاق وليست أخلاقا. والجواب أن ما هو لا أخلاق هو ادعاء أن الأخلاق توجب الحياد في المعارك السياسية بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين العدل والظلم وبين الحرية والعبودية وبين السيادة والتبعية وبين الكرامة والمذلة وبين كل ما به يكون الإنسان مكلفا أي فروض العين في الجماعة المؤلفة من الأحرار. فالناس لا يكتفون في تقييم من يقوم بوظيفة التربية أو بوظيفة الحكم على فنياتـهما من حيث شكلهما ومضمونهما بل هم يضيفون إليهما حكما خلقيا في مستويين بهما تكون الوظيفة مطابقها لعلاقة غايتها وأداتها وفي ذلك تكمن خلقيتها والمستويان حددتهما النساء :58 أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- .1الأمانة في أداء الوظيفة بشروطها وأولها خدمة الجماعة سواء كان مربيا أو حاكما وليس ذا سلطان عليها لأن الأمر أمر الجماعة فيهما كليهما. .2والعدل في معاملة المحتاجين إلى الخدمتين أو بصورة أدق إلى ما هما به شرط كل الخدمات الأخرى. من يتصور الأخلاق قيما تتعين في الأحكام القولية يلغي ثمرتها ويخلط بينها وبين الكلام عليها دون الفعل بمقتضاها .فالمربي يمكن أن عملاقا فنيا ومقدوح الأمانة والعدل .وكلا الشرطين ضروري ليكون المربي أهلا لأداء تلك الوظيفة ولا يمكن الاستغناء عن أي من الشرطين. ومثله الحاكم .فقد يكون عملاقا في فنياته المناورة السياسية لكنه مع ذلك هابط خلقيا في أمانته لوظيفته وفي عدالته مع المحتاجين إليها .فالمستبد والفاسد يمكن أن يكون جيد في الفنيات السياسية لكنه مستبد وفاسد في استعمالها لغير ما أهلت له :الحكم للمربي أو عليه لا تكفي فيه الفنيات. وهنا نكتشف ما غاب عمن يعتبر السياسية بمعزل عن الأخلاق أو لا أخلاقية .هي ليست بمعزل عن الأخلاق للتلازم بين الغاية والأداة .السياسة جمع بين غاية خلقية وأداة تحقيقها وهي الوجه التقني والخلقي من تحقيق الغاية .فالنجار الذي يغش لعله كفء فنيا لكنه غير أمين لمهنته وظالم لحريفه. وكل من يدعي التفلسف في الأخلاق أو البحث في علاقتها وصلا أو فصلا بينها وبين الدين في مستوى الخطاب قد يعتبر باحثا في طبيعة الحكم الخلقي من حيث هي تصورات .فإذا أغفل أنها من الفلسفة العملية وليست من الفلسفة النظرية حتى تقتصر على طبيعة الخطاب المعياري ولا تصل إلى تعينه في العمل بوصفها حكما على كيفية فعل وليس على كيفية قول إلا من حيث هو سلاح لطيف في علاقات البشر بعضهم بالبعض (مثل التنابز أو عدم احترام المنازل من آداب السلوك في الخطاب فيكون التقييم الخلقي للخطاب من حيث أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- هو فعل تواصل وهو عمل إلخ )...فهو ليس عالم أخلاق بل واصف للشكل الخطابي للقول الخلقي الذي هو أقل أجزاء الفعل الخلقي سهما في الخلقي. وهنا نصل إلى التعقيد الذي يحيرني والذي يجعل السؤال يطرح بمصطلح يستعمل في الفقه وأريد أن أبين أنه ضروري خاصة في الفقه السياسي عامة سواء كان دينيا أو وضعيا: ما الضرورات التي تبيح المحظورات في السياسي قياسا على الضرورات التي تبيح المحظورات (كأكل الميتة) في الأحكام الفقيه التعبدية مثلا وهي مختلفة عن الرخص أو التيسير في العبادات (مثل الجمع في الصلاة أو التأجيل والتعويض في الصوم)؟ ذلك ما سنحاول فهمه. أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- بدأنا البحث في هذه الإشكالية المحيرة-الفصل الأول -بمفهومين هما-1:ما تبيحه الضرورة و-2من محظورات .وهما مفهومان فقهيان في الإسلام يطبقان في الديني من حيث هو ديني يصورة تجعل ما حكمه الحرام يصبح حكمه الحلال في حالات الضرورة فينتقل الحرام إلى المباح وهي نقلة بين حكمين متباعدين ومفادهما محير. فالنقلة من الحرام إلى المباح فيها أمر محير لأني أتساءل عن هذا الانتقال العجيب الذي كنت أنتظر أن يصحبه مثلا القول إنه مكروه وليس مباحا .وعدم هذه المصاحبة تعني أن الإنسان يصبح في حل ليقدر بحرية تامة وكـأن حكم التحريم لم يعد موجودا ما يعني أن وجوده مشروط بالحرية أو بعدم الضرورة .وهذا حسب رأيي بداية الحل للإشكالية المحيرة. لماذا لم تكن النقلة من الحرام إلى المباح بالتدريج مرورا بالمكروه ولماذا لم تتجه إلى القيمتين الموجبتين ندبا ووجوبا واكتفت الاجتهاد المطلق إذ هي وصلت إلى الإباحة بمعنى يجعل الإنسان وكأن هذا المبدأ يؤول إلى القول بـ\"النفي الأصلي\" أو بـ\"البراءة الأصلية\" بلغة الغزالي بمعنى يجعل الشرع السماوي وكأنه يتوقف ويترك الحرية المطلقة لصاحب الفعل في تقدير الضرورة التي تبيح المحظور؟ ذلك أن من يوجد في وضعية الضرورة يحاول أولا حلولا تخلصه من الحرام ما أمكن فإن لم يستطع فإنه يصبح أمام الإقدام على المكروه وإن لم ينفعه ذلك للخروج من الضرورة يضطر إلى ما كان حراما فيجعله حلالا بمقتضى هذا المبدأ الذي يتعامل مع سلطة تشريعية ذاتية تحدد منزلة ما سيقدم عليه من خلال هذا التقدير الذي يصبح هو موضوع التقييم الخلقي رغم أن تأسيسه ديني وهو مبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\". كيف يصبح ما كان حراما -اكل الميتة مثلا-يصبح مباحا دون صفة الكراهة إذا لم يكن ذالا دالا إحالة الحكم للمعني بالوضعية حتى يقدر بنفسه \"مقدار\" الضرورة التي تمكنه أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- من الانتقال من الحرام إلى الإباحة التي تصبح كلها مؤسسة على اجتهاده في تقدير الضرورة وقدرته على تحملها والتحرر من سلطانها على فعله .من هنا علاقة المسألة بالسياسة والأخلاق. وتلك هي علة أضافة مفهومين آخرين يغلب عليهما الوضعيات التي قد تكون محكومة بهذه العلاقة بين الضرورة والإباحة بهذه المعنى .ولما أضفت هذين المفهومين الجديد وجدت نفسي أمام مفهومين أخرين هما العلاقة بين الخلقي غاية والسياسي أداة أو وسيلة لتحقيقه :صرنا أمام ستة مفهومات. لكن الأزواج المفهومية لا تتوقف عند هذا الحد .فهذا الانتقال يعض الإنسان أمام وزوجين آخرين يضعان الإنسان أمام التشريع المناسب للوضع العادي والتشريع المناسب للوضع الشبيه بالطوارئ في وضعيات فعل الإنسان الأنسان وأحواله فيكون اختيار الحكم رهن التقدير العقلي الخلقي في آن لقرار الانتقال. فيكون زوجا المفهوم هنا هما الضرورة والحرية أو حرية تقدير ما يمكن الإنسان من الحكم بأنه أمام ضرورة تبيح له حرية الإقدام على المحظور واعتباره مباحا في تلك الحالة ما يعني أنه يكون قد استنفد كل الحلول التي يقدر عليها لتجنب الإقدام على المحظور واعتباره مباحا دون تساهل مع نفسه. نحن إذن إمام امتحان الإرادة الحرة بالظرف المضطر .وهذا الامتحان هو حقيقة الوضعية الخلقة في سلوك الإنسان أو طبيعة الالتزام الخلقي .وحتى يكون الكلام واضحا: فما يسميه الساسة إكراها سياسيا قد يكون من الضروري الذي يبيح المحظور وقد يكون من التساهل الذي يبرر السلوك غير الخلقي والخيانة. ويظهر ذلك خاصة في التفاوض دبلوماسيا وفي الحروب عسكريا وفي التنافس اقتصاديا وهو في الغالب نوعان: • إما لنقص حقيقي أو متوهم في المعلومات حول ميزان القوى بين الخصمين أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- • أو لجبن وهو قد يكون حقيقيا وقد يكون مبررا للخيانة والجبن في حالات القيادة بداية الخيانة. وهنا نصل إلى الزوجين الأخيرين :ففي هذه المواقف الثمانية أو الأزواج الأربعة يكون المرء قبالة ذاته ورقيب يعتبر نفسه شفافا أمامه بمعنى أنه لا يستطيع أن يخفي عنه شيئا وهو لقاء مباشر بينه معبرا عن ذاته بذاته وبين ما يقوله لذاته ترجمانا عن سلطة متعالية حتى لو كانت من ذاته يعتقد أنها تراقبه إذ هو يميز بين فعله وهو صاح وفعله وهو نائم حتى لوكان ملحدا. وهبنا سميناه ضميرا أو كما سماه ابن خلدون \"الوازع الذاتي\" بالمقابل مع الوازع الأجنبي (سلطة الحكم الخارجي) فإن هذين الزوجين الذات الفاعلة والذات المراقبة لذاتها في فعلها يعنيان أن حضور الفعل وتقييمه يكون في سلوك الإنسان من جنس حضور السياسة وتقييمها الخلقي في مسألتنا. وبذلك ننتهي إلى مسألة الالتزام الخلقي في علاقة بالمراقبة الأسمى أو الدين :كيف يحسم الإنسان هذه الأزواج الخمسة أو كيف تجتمع هذه المقومات العشرة التي يبسطها حمقى المثقفين فيدعون أن السياسة قابلة للفصل عن الدين لأن هذا ثابت وتلك متغيرة مع مقابلة سطحية بين مقدس ومدنس. ولما كان الجميع يعلم أنهم لا مقدس لديهم وأنهم بنفاق يريدون تمرير إطلاق \"المدنس\" بفصله عما يسمونه \"مقدس\" ينتهون إلى نفي الزوجين الأخيرين :لا معنى للمقابلة بين الضرورة والحرية فينتهون إلى القانون الطبيعي الذي سره الوحيد هو سلطان القوة والضرورة .ولا معنى فيه لسلطان القيمة والحرية. وهذا هو المشكل الذي عالجه ابن تيمية في ردوده على المتصوفة الذين هم أكثر الناس كلاما على الأخلاق وأقلهم تسليما بمبدئها الأساسي أعني التمييز بين الضرورة والحرية لأن مقالتهم التي سيطرت بعد إضفاء الطابع المزعوم فلسفيا على التصوف تجعل القانون الوحيد أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- هو قانون الطبيعة حتى وإن زينوه بنسبته إلى القضاء والقدر المحرفين لإفادة عكسهما تماما. وهو عين المشكل الذي عالجه كنط عندما أسس التمييز بين الضرورة الطبيعية موضوع النظر والحرية الخلقية التي لا تصبح موضوع نظر إلا بشرط المسلمات الثلاث وما تتضمنه من مسلمتين اخريين لجعل استعمال العقل النظري ممكنا في العقل العملي .والثلاثة هي الحرية والخلود ووجود الله. أما المسلمتان الضمنيتان في هذه الثلاث فهما :وجود البعث وحساب اليوم الآخر .ومن ثم فلا يمكن تصور الأخلاق والمسؤولية الإنسانية إذا اقتصرنا على الضرورة الطبيعية من دون تجاوزها إلى مجال هو جوهر الدين بأبعاده الخمسة: .1حرية الإنسان .2خلود النفس .3وجود الله .4البعث الأخروي .5الحساب العادل للإنسان المكلف والحر. وما ما عبر عنه ابن تيمية بالمقابلة بين قانون الموجود (مجال الطبائع) وقانون المنشود (مجال الشرائع) لدحض القول الصوفي بوحدة الوجود لتأسيس الحرية الإنسانية والمسؤولية الخلقية عبر عنه كنط بالمقابلة بين قانون الضرورة الطبيعي وقانون الحرية الخلقي .وفي الحالتين نحن أمام مفهوم المعقول من الدين. والقصد بالمعقول من الدين هو ما يجعل الدين يعترف للإنسان بأن عقله له وظيفة تقدير الضروري الذي يحرره من الأحكام الجازمة ومن فهو يفتح مجال الاجتهاد بمقتضى تقدير ما يستطيع وما لا يستطيع في تحمل مسؤوليته الخلقية بحسب الوضعيات التي يتعامل معها بشروط لا تتنافى مع غاية القيم الخلقية بضميره :وهو ما يسميه ابن خلدون بالوازع الذاتي (الوزع الخلقي) في مقابل الوازع الأجنبي (الوزع القانوني). أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- وهذا الوضع الذي تكون الذات فيه هي القاضي وهي المتقاضي هي التي تجعل الضرورة التي تبيح المحظور الوضعية المثلى لتحديد الاجتهاد في التقدير المعرفي والجهاد في التقدير العملي حتى يكون الإنسان حرا في حدود قدرته وفي هذا التقدير المضاعف يتمازج المعرفي والخلقي وذلك هو جوهر المسؤولية. فإذا كان المرء صادقا في التقدير المعرفي وشجاعا في التقدير العملي جمع بين الاجتهاد والجهاد فأصبح بوسعه أن يعمل السياسة دون إخلال بالأخلاق لأنه في الوضعيات التي يقدر بصدق أنها من الضروري الذي يبيح المحظور يكون في مجال المباح الذي يصبح فيه مشرعا لنفسه بمراعاة ضميره في التقديرين. وذلك هو جوهر الحرية التي تليق بمن يعتبر مسؤولا خلقيا سواء كان في التربية أو في الحكم وهما بعدا الفعل السياسي .ولهذه العلة فالفعل السياسي وخاصة القيادي منه هو من اعسر الأفعال .ولذلك فغالب المتكالبين عليه إما غير واعين بشروطه أو غير مبالين بها لأن غرضهم لا يتجاوز منافع السلطة. وبذلك نعود إلى المنطلق :فالضرورة التي تبيح المحظور هي بالطبع مؤقتة -مثلا إنسان في الصحراء فقد الماء ووجد الخمر-يمكنه لئلا يموت ضمأ أن يشرب الخمر ويكون ذلك مباحا لأن الضرورة حررته من الحكم وأباحت له شربه مثل أكل الميتة في حالة المجاعة. أما إذا قرر حاكم عربي أن يفرض حالة الطواري وهي من الضرورة التي تبيح المحظور القانوني بتعطيل بعض أحكام الدستور وبعض حقوق الإنسان فهو عندئذ خرج عن هذا المبدأ الذي وضعه الدين وأصبح هو المشرع المطلق بلا أخلاق ولا سياسة :وهذا ما حدث للامة منذ 14قرنا :حالة طواري دائمة .وازدادت حالة الطوارئ في بلاد العرب لأن لها مستويين: .1المستوى الذي يرضي حكامنا في المحميات التي يسمونها دولا. .2المستوى الذي يرضي من نصبهم علينا ويحقق مصالحه. أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- ومعنى ذلك أننا لسنا في حالة طوارئ تعطل ما يمكن أن يكون دستورا من وضعنا بل هي تعطل حتى الدستور الذي يؤمن الشعب أنه من وضع الله. فحالة الطوارئ مفروضة على ما تضمنه الدساتير الوضعية من حقوق وتفرضه من واجبات في العالم وهي مفروضة على ما تضمنه الدساتير الدينية من حقوق وتفرضه من واجبات في الدنيا والآخرة .بات الحكام بتعسف القوة والجبروت والتحكم في الأرزاق مشرعين في الدينا والدين. واعتقد أن ما شرحته كاف ومغن عن الكلام في الأزواج المفهومية الخمسة أو في المفهومات العشرة التي تبين أنها مترابطة وأن المتكلمين على السياسة والاخلاق بسطحية يهملون الأبعاد المعقدة للإشكالية فيدعون الفصل بين الخلقي والسياسي وبين الديني والدنيوي وهم غير دارين بجهلهم وجاهليتهم. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- ظننت أني استوفيت البحث في مسألة \"السياسة والأخلاق\" أو ما طبيعة \"الضرورة التي تبيح المحظور؟\" .لكني شعرت بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث الأكثر تعميقا .فعندما ننتقل من المحظور إلى المباح مباشرة تكون هذه النقلة وكأنها غنية عن تقدير الضرورة التي تعلل هذا الانتقال السريع دون ترو فننسى مثلا أن النصر في الحرب يمكن أن يكون رهن صبر ساعة. وصبر الساعة يكون فيه قائد المعركة أمام حالة من الضرورة التي قد تبيح المحظور الذي هو أن يولي الأدبار أو أن يستسلم\" .النصر صبر ساعة\" يوجد مواصلة الجهاد رغم ما يبدو ضرورة تبيح المحظور أو القيام بأقل المحظور في ينسحب تكتيكيا مثلا .وإذا كان الأمر في المرحلة الدبلوماسية ولم يصل إلى الحرب فقد تكون المناورة والمخادعة ملجأ مضطرا والحرب خدعة. فالدلالة الفقهية في الأحكام التعبدية والدلالة القانوني في الأحكام السياسة لا تتغير بمقتضى الضرورة في الحالة الأولى وما يسمى إكراهات في الحالة الثانية بصورة آلية بل لا بد في ذلك من تقدير للضرورة التي تجعل الانتقال مقبولا عبادة في الأولى وسياسة في الثانية. وللتقدير مراحل ودرجات. وسأبدأ بدرجات الأحكام التعبدية التي وضع هذا المبدأ بخصوصها :فمن المفروض أن نستعمل سلم الأحكام في الفقه لتحديد هذه المراحل والدرجات .فبين الحرام والمباح يوجد المكروه فكان يمكن أن ينتقل المرء إلى مكروه بمعنى ما يستحب عدم فعله لكن من يفعله لا يعاقب عليه شرعا. ما الحكمة في عدم اعتبار هذه الدرجة؟ ولماذا لم يمر الأمر إلى ما فيه حكم المندوب مثلا: يعني كما في الحرب التحرف من أجل مخادعة العدو؟ ولماذا لم يمر إلى ما فيه حكم الواجب أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- كما في الأمر بالانسحاب التكتيكي في المعارك عندما يكون عدم القيام به خسرانا مؤكدا للجيش بكامله فضلا عن المعركة؟ نلاحظ إذن أن هذا المبدأ-النقلة المباشرة إلى المباح في الأحكام التعبدية لا بد أن يعني الإذن باختيار المرحلة المناسبة للخروج من الضرورة وهي التصرف بمقتضى ما يوجبه تقدير الضرورة للتعامل معها بأقل ما يمكن من التضحية بالمبادي بحجة الضرورة .فيمكن أن تكون من المكروه فالمندوب فالواجب. وحتى نفهم ذلك فليكن مثالنا من الحالات المعتادة في الحياة الإنسانية .ففي التعامل مع الصيام مثلا يمكن للمسلم أن يحتج بالكثير من الحجج لتجنب القيام بفريضة الصيام. فيكون الافطار إما مكروها أو مندوبا إليه أو واجبا بحسب نوع المرض مثلا فالاسترخاص فعل اجتهاد في التحلل من فعل جهاد. المشكل ليس في المرحلية بل في التقدير الذي بمقتضاه تحدد المراحل المشروعة والمراحل غير المشروعة .والأمر في ذلك مثيل لمثال الصوم .فشتان بين المراحل التي تتحدد بالعلاقة بين القوتين المخلصتين لقضيتهما وذاتي استراتيجية فاعلة في الصراع السياسي والمراحل التي تتحدد لتبرير الخيانة والعمالة. وهذا هو لب المشكل :نريد أن نحدد الاجتهاد الذي يحدد الجهاد بتقدير الضرورة وما قد تقتضيه من الإباحة التي قد تصبح استباحة للأحكام في التعبد وللقوانين في السياسة. وليكن مثالنا ما يسمى بسياسة المراحل البورقيبية .فهذه كذبة تونسية :كل سياسة هي بالضرورة سياسة مراحل وليست خاصية بورقيبية. الحصول على استقلال منقوص أفضل من عدم الاستقلال بشرط أن يتضمن ذلك شروط مواصلة استكماله .أما إذا كانت المراحل التي اختيرت تلغي شروط الاستكمال فهي ليست مراحل مشروعة بل خدعة لتبرير خيانة إما غير واعية أو بقصد كحال كل الذين كانوا عملاء سايكس بيكو ومثيلاتها في دار الإسلام. أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- ولأضرب أقرب مثال ما زلنا نعيشه :اتفاقية منظمة التحرير للعودة إلى فلسطين .كان يمكن أن تكون مرحلة جيدة لو كان فيها ما يمكن من مواصلة المقاومة .لكنها صيغت بطريقة جعلت الفلسطينيين مقيدين والإسرائيليين طليقي اليدين في الاستيطان .والنتيجة أوسلو لم تكن مرحلية سياسية مفيدة للقضية. ومثلها اتفاقية كامب داود أو ما يسمى بالمقترح العربي الذي أقرته قمة 2002في بيروت والتي تسمى مقترح الملك عبد الله .ذلك أنها من أغبى المرحليات السياسية وهي مخالفة تماما للمرحلية التي اقترحها بورقيبة قبل حرب 67والتي كان يمكن أن تكون منطلقا حقيقيا لمقاومة ذات شرعية لا غبار عليها. وكل هذه الامثلة تجعل المسألة متعلقة بسلطة التقدير العقلية لطبيعة الضرورة وما تتطلبه من تعامل معها بقوانين التصدي للضرورة أي بمنطق الحرية المتعاملة مع الضرورة ليس مباشرة بل بعد تحليل ما لدى المتصدي والمتصدى له من وسائل التصدي الاستراتيجية في مقابلة بمطاولة الضعيف ومناجزة القوي. استراتيجية المطاولة هي ما به يستفيد الأضعف من استعمال الإمكانات بالبطء الذي يحول دون ما به يستفيد القوي من استعمال الإمكانات بسرعة .فيكون الأول يعمل بمنطق الربح بالنقاط والثاني بمنطق الربح بالضربة القاضية .وكل المقاومات الشعبية تداوم لتربح بالنقاط :جهل ذلك هو سر نكبة الثورة في سوريا. نعود إلى مشكلنا :الانتقال المباشر من التحريم إلى الإباحة لا يتعلق بهذه حكما بل بها أساسا للحكم الذي يمكن أن يكون كراهة أو ندبا أو وجوبا .وقد أخذت مثال الحرب. فالقائد المباشر للمعركة-وليكن خالد بن الوليد-يتحرف (مكروه) أو يهادن (مندوب إليه) أو حتى ينسحب (واجب) في المعارك .فلماذا اعتبر تقديره للضرورة كافيا للانتقال مباشرة إلى إباحة ما كان خاضعا لأحد الأحكام الأربعة الباقية؟ أليس في ذلك توسيعا للاجتهاد في قيادة الجهاد؟ أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- والمعلوم أن الحرب سياسة مسلحة وعكسها صحيح السياسة حرب بغير سلاح .وفي الحقيقة السياسة هي الوجهان معا .فكل فعل سياسي يكون حربا بغير سلاح بالدبلوماسية التي تسعى إلى الاستغناء عن استعمال السلاح وهي تكون مؤثرة بقدر ما لصاحبها من قدرة ردعية يعلمها الخصم فيرهب صاحبها أي عملا بـالأنفال 60ولا يتجرأ عليه. وطبعا كلامي يتعلق بالدول ذات السيادة وبالقيادات المدركة لهذه القوانين والتي تميز بين الأقوال التي يمكن أن تؤيدها الافعال والتي لا تميز فتعتبر العنتريات القولية أفعالا. فعندما يتكلم زعيم عربي أو إيراني على إسرائيل لا أحد يجهل أن كلامه عنتريات للاستهلاك المحلي وأنه يعلم أنه يكذب. لم أنتظر الوضع الحالي لأعلم أن إيران تكذب في حربها الكلامية على إسرائيل وأن ما يسمى بالممانعة كذبة كبرى هدفها القضاء على العامل الأساسي الذي يمكن أن يمثل ردعا لإسرائيل وأمريكا .ومن ثم فهم بالأقوال ألد أعدائهما لكنهمـا بالأفعال أكثر الناس خدمة لهما :نعلم الآن من يحميهم حقا. لكن من علامات \"ذكاء\" النخب العربية القومية والتقدمية يكفيها الكلام حتى وإن كان الإيرانيون لا يخفون أنهم مثل الإسرائيليين يسعون لاسترداد امبراطوريتهم المتقدمة على الإسلام في الإقليم بل يفاخرون باسترجاع أربع عواصم من أرض العرب فضلا عن الأحواز أو الضفة الشرقية من الخليج التي \"فرسوها\" من قرن ويكادون \"يفرسون\" الضفة الغربية منه. وكل هذه النخب تحتج بالضرورة التي تبيح المحظور :الفلسطيني بدعوى الحاجة الضرورية لحماية المقاومة ولا يهمهم أنها تحولت إلى مجرد ورقة في الملف الإيراني مع إسرائيل والغرب .والسوري واليمني وكل الطبالين للممانعة المزعومة :نفس المنطق لكأنه مكتوب على العرب أن يختاروا بين محتلين. ولما حاولت أن أبين لهم أن إيران أخطر من إسرائيل بسبب كونها لا تكتفي باحتلال الأرض بل تسعى كذلك لاحتلال الروح (التشييع) وهو امر مستحيل على إسرائيل ظن أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- الكثير منهم أني ادعو للحلف مع إسرائيل لظنهم أن العرب محكوم عليهم بمنطق هيكل الخيار بين تبعيتين لهذه أو لتلك بدلا من مشروع مستقل. ومن المآسي أن العرب بعد أن كانوا يستعملون نفس المنطق بين السوفيات والأمريكان نزلوا إلى الحضيض فسار بين ذراعيهما إيران وإسرائيل في حين أنهم موضوعيا لو كان لهم عقول وطموح غالبية أهل الإقليم واغناهم وأقواهم وأكثرهم شرعية في أن يكونوا سادته وأن يصبحوا قوة عظمى في عالم اليوم. تنازلوا عن شروط القوة الفعلية-قبلوا بتفتيت الجغرافيا فخسروا القوة المادية وأضافوا تمزيق التاريخ فخسروا القوة الروحية ثم أصبحوا يحاربون سر قيامهم المادي والروحي (الإسلام) خلال حروب أهلية قومية وطائفية ومقابلة غبية بين الأصالة والحداثة ليكونوا لقمة سائغة لكل من يحاول استئصالهم. والجميع يتذرع بالضرورة التي تبيح المحظور :فانقسموا بمقتضى هذا المبدأ غير المفهوم إلى توابع لإيران أو لإسرائيل وصارت نخبهم أغبى نخبة عرفتها البشرية .فبين كاريكاتور التحديث الشقي وكاريكاتور التأصيل الغبي ضاع كل ما أبي وأصبح العرب أضحوكة كل دني من أعداء الإسلام السوي. ذلك ما كان ينبغي أن أضيفه للفصلين الاولين حتى يكتمل توضيح منطق هذه القاعدة الجليلة التي وضعها القرآن في الأحكام التعبدية وهي قابلة للتعميم على الأحكام السياسية لأن السياسة عبادة في الإسلام إذ إن القيم لا تتحقق من دون بعديها :التربية والحكم وكلاهما علاج لعلاقة الضرورة والحرية. القاعدة ليست علاقة مباشرة بين الحرام والمباح بل هي تحرير من التحريم المطلق وتأسيس للإباحة المطلقة لجعل الإنسان بالاجتهاد يحدد شروط الجهاد الذي يحقق حرية الإنسان الكريم والذي عرفه ابن خلدون بكونه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" :ذلك ما أردت التذكير به .ولا يعني تحرير أفعال العباد من الحكم الفقهي ببعديه أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- السالبين (مكروه وحرام) والموجبين (مندوب وواجب) التخلي عن البعد الخلقي من الديني. إنما هو يعني أمرا أعمق ضمني حتى في حالة وجود الحكم بالمعاني الأربع المشار إليها أن مناطه انتقل من الاجتهاد في اتباع حكم سابق التقرير إلى الاجتهاد في الحكم نفسه الذي يتحدد بتقدير مفعول الضرورة وهو المعنى الحقيقي للحرية الخلقية :الانتقال مناط الجزاء على الطاعة أو العصيان إلى مناط أعمق هو مناط تقدير الاستطاعة والعجز الصادقين. وقد يتوهم البعض أن ذلك من التيسير للظن أن الأمر يتعلق باي ضرورة وليس بالضرورة التي تلغي الاستطاعة .وتقدير الضرورة التي تلغي الاستطاعة تجعل الديني يصبح اختبار الاجتهاد والجهاد في آن وهو جوهر الخلقي في السلوك الإنساني وخاصة إذا كان مسؤولا على جماعة لأن الاستطاعة حينها هي التي تحول دون الإلقاء بها إلى التهلكة: وتلك هي القدرة القيادية في السلم وفي الحرب خاصة. ولهذه العلة وضع ابن خلدون مفهوم \"عدم التأثيم\" في الاجتهاد السياسي إذا كان صاحبه صادقا واجتهد في جهاده فيكون مثابا سواء أصاب أو لم يصب (المقدمة الباب الثالث فصل ولاية العهد والكلام في الخلافات بين الصحابة والحروب التي دارت بينهم) .وهو مفهوم ثوري لأنه يحلل التعدد في الاجتهادات السياسية والاعتراف بحق المعارضة للحاكم بشرط التقدير المناسب ليس للبعد الخلقي وحده بل وكذلك لشروط تحقيقه السياسية أي لمقومات الاستطاعة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف. أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- مرة أخرى أشعر بأني لم أف مسألة المبدأ \"الضرورة تبيح المحظور\" حقها من البحث. ذلك أنه كان علي أن أجيب عن سؤالين سكت عنهما في علاجي خلال الفصول الثلاثة الأولى: .1الأول كيف يمكن في هذه الحالة أن ننزل الأخلاق في حياة البشر وأغلب ما يعترضه الإنسان خاضع للضرورة؟ .2والثاني هل نستنتج من ذلك أن الشرائع رسوم بالمعنى الصوفي وهي ليست محل الخلقي ومن ثم فالسياسة بمعزل عن الخلقي Amoraleأو لا خلقي أصلاImmorale؟ والنتيجة الحتمية لا تكون الأديان إلا تقديسا لرسوم شكلية يستطيع الفيلسوف تجاوزها برؤيته الابستمولوجية القائلة بالمطابقة أو العلم المحيط بحقيقة الوجود كما هو عليه في ذاته والمتصوف تجاوزها برؤيته الكشفية التي تعتبر علمه اللدني محيطا بالحقيقة التي يقابل بها الرسوم الشرعية والأديان؟ هذه المسألة الأولى إذن تتعلق بما يترتب على العلاقة بين الضرورة واباحة المحظور في هذا المبدأ .والمترتب أبستمولوجي فلسفيا وصوفيا وما يترتب عليه أكسيولوجيا. لكن المسألة الثانية أخطر: عندما تقرأ دستور الرسول تكتشف أن السياسي وضع فوق الديني أو بصورة أدق فوق حصرها في دين واحد بل هي تتجاوز حتى الأديان إلى المشركين كما في الحج .17 ولو كان الأمر متعلقا بالدستور الذي وضعه الرسول لقلنا إنه ربما كان إجراء ظرفيا يعلل بما علل به بابا الكاثوليكية في خطابه الشهير على الإسلام والعقل -وقد رددت عليه حينها وترجمت محاضرته التي ألقاها في الجامعة التي كان فيها أستاذا-الذي ادعى أن حرية المعتقد ليست مبدئية في الإسلام (البقرة )256بل كان حلا ظرفيا لضعف محمد في البداية. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- وكل ادعياء الفكر الحداثي من أرباع المثقفين العرب يدعون أن الإسلام دين تسلط ينفي الحرية الدينية لأنه اعتبار الإسلام دين الله الوحيد ونفى كل ما عداه من الأديان واعتبر من لم يقل بالإسلام كافرا وأن ربطه السياسة به يوجب تحرير السياسة منه والقول بالعلمانية .تلك هي أهمية المسألة وخطرها .وكل ادعياء الفكر الحداثي من أرباع المثقفين العرب يدعون أن الإسلام دين تسلط ينفي الحرية الدينية لأنه اعتبار الإسلام دين الله الوحيد ونفى كل ما عداه من الأديان واعتبر من لم يقل بالإسلام كافرا وأن ربطه السياسة به يوجب تحرير السياسة منه والقول بالعلمانية .تلك هي أهمية المسألة وخطرها. مسألتان سكت عنهما وكدت أقف عند الفصل الثالث من هذه المحاولة .لكني في النهاية عزمت على التصدي لهما من منطلق هذا المبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\" حتى نفهم علاقة السياسي بالديني وما يبدو من تعاليه عليه لما يغلب عليه من علاج الضروري في الغالب بسبب علاقة الأمر الواجب بـالأمر الواقع. علاقة الأمر الواجب بالأمر الواقع قضية ابستمولوجية في النظر وأكسيولوجية في العمل. ففي النظر الأمر الواجب ابستمولوجيا هو صرامة الرياضيات النظرية والأمر الواقع هو نسبية الطبيعيات التجريبية .فكل \"الكائنات الرياضية\" تبدو مطلقة الكمال وكل \"الكائنات الطبيعية\" تبدو نسبية الكمال. ومن غرائب المعرفة العلمية هي أن الرياضيات تتقدم بقدر ما تحاول اكتشاف حيل رياضية تمكن من تجاوز كمالها المطلق إلى ما به النسبي يأبى الخضوع للمطلق فتكتشف \"كائنات\" رياضية قادرة على تتبع ما في النسبي الكمال في الظاهر من تعقيد يجري الكمال في الظاهر لاهثا ورائه للإمساك به. وهو ما يطرح مشكل حقيقي بين ما تدركه الحواس وما يدركه العقل .فالعقل يبدو أتم من الحس .لكن سعينا للحقيقة العلمية لو اكتفت بالعقل لكانت عاجزة عن الإمساك بتعقيد ما الموجودات وما يتجلى منها للحواس .فتكون التجربة شبه شهادة بأن النظر من دون الحواس يبقى دائما قولا عاما لا يلتصق بحقائق لا تدرك إلى بتعاون العقل والحس بما أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- يصنعه الأول من تجهيز للثاني حتى ينفذ لما لا يدركه مباشرة لكنه ضروري ليكون ما يدركه العلم يجري وراء المطابقة المستحيلة :لكن الحسي ولو بتوسط الأدوات التي يبدعها النظر هو الذي يمثل اللاتناهي في الموجود أو هو المنشود الخفي في الموجود. فلا يمكن مقارنة أي كائن طبيعي بالمفهوم الذي نصوغه به حتى نتمكن من رده إلى أحد عناصر نظرية .فالعلم يخضع لنظامين أحدهما \"أمر مثالي\" يعالج كائنات نظرية ليس لها وجود في العالم الخارجي والثاني \"أمر واقع\" نعتبرها هي الموجودة في العالم الخارجي لا ترد إلى مفهومها وهي أكثر منه تعقيدا .وأبسط مثال يفهمه حتى من لم يزر مدرسة ولم يفتح كتابا هو أن الكلام على كروية الأرض له دلالتان: .1ففي المفهوم الكرة ليس فيها تضاريس بل هي مفهوم مجرد كل نقاط سطحه لها نفس البعد هو شعاع ينطلق من نقطة في وسطه هي مركزه. .2والمستقيم له سمك والنقطة لها عظم إلخ ..بخلاف ما تقوله الهندسة التي تنفي السمك على الاول والعظم على الثانية. ونفس هذا الفرق بين الأمر المثالي والأمر الوجودي في النظر وهو أكثر بروزا في العمل بين الأمر الواجب والأمر الواقع .فالقيم الخلقية من حيث مفهوماتها في نسبتها إلى وقوعاتها مناظرة للنسبة بين الأمر المثالي والأمر الوجودي في النظر .وهذه المسافة بين الأمرين معضلة ابستمولوجية في النظر ومعضلة أكسيولوجية في العمل. إذن مسألتان خطيرتان لا بد من علاجهما لفهم مبدأ \"الضرورة التي تبيح المحظور\" في القرآن الكريم والتي يطبقها على المحرمات التي تصبح مباحات في الأحكام الدينية والتي تنطبق في السياسة ببعديها تربية وحكما لأن هذين البعدين يعتبران من الواجبات الدينية في الإسلام الجامع بين الديني والسياسي. ومعنى ذلك أن إبراهيم لم ينجز من الرسالة إلا بعدها الرمزي والمسيح لم ينجز من رسالته إلا الجزء الأول لأن دعوته كانت تحت استعمار روماني ولم يستطيع تكوين دولة لما حصل له من خيانة حالت دونه والانتقال مما يشبه المرحلة المكية في الإسلام ولم يصل إلى أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- المرحلة المدنية فرفعه الله لئلا يقتله الرومان .ومن هنا يعتبر القرآن أنبياء بني إسرائيل قادة دولة وأولهم موسى الذي هو أكثر الرسول ذكرا في القرآن بوصفه ممثلا للسياسة التي حررت بني إسرائيل من العبودية والاستبداد الفرعونيين. وإذا لم نفهم طبيعة العلاقة بين السياسي والخلقي استحال علينا أن نفهم كيف يمكن لرسول أن يخوض الحروب وأن يقود الدول بل وكيف لا يتصور الإسلام الرسل إلا بوصفهم أصحاب رسالة واستراتيجية لتحقيقها الفعلي في التاريخ بوسائل الفعل التاريخية أعني بأداتي السياسة أي الشرعية والشوكة. والمسألة الأولى مشروطة في تأسيس الأخلاق وقد عالجها كنط بصورة تفصل بين العلمي والخلقي بالفصل بين عالمين: .1أحدهما مشروط في العلم وهو عالم الضرورة. .2والثاني مشروط في الأخلاق وهو عالم الحرية. وبين العالمين لا بد من حل العلاقة بين الإبستمولوجي والأكسيولوجي في النظر والعقد. والمسألة الثانية أكسيولوجية ومعرفية كذلك -مع ملاحظة التقديم والتأخير بين المفهومين إذ الفلسفي يقدم الأبستمولوجي على الأكسيولوجي والديني يعكس فيقدم الأكسيولوجي على الأبتسمولوجي-وهي مسألة علاقة السياسي بالدين في الدستور المحمدي .وقد يعد ظرفيا لكنه في القرآن الكريم بنيوي حتما. وسأبدأ بالمسألة الثانية أولا لأنها هي موضوعنا بالقصد الأول إذ إن قضية الضرورة التي تبيح المحظور تنطبق في المقام الأول على ما يسمى عادة بالاكراهات السياسية .وهي تكاد تكون الظاهرة المسيطرة على العمل عامة لما بينا من العلل وعلى العمل السياسي خاصة لتضمنه كل أصناف العمل الإنساني .ومن ثم فبعدها الأكسيولوجي مقدم على بعدها الأبستمولوجي. وحتى يكون السؤال شديد الوضوح :هل كان الرسول في وضع دستوره الذي يمكن من بناء دولة متعددة الأديان -إذ الشرك نفسه دين كما في الآية 17من الحج-ما يجعل أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- السياسي فوق الديني أو بصورة أدق فوق وحدانية الدين يعمل بهذا المبدأ الذي يجعل الضرورة تبيح المحظور أي تعدد الدين بتعدد تصورات الألوهية (البعد الحر من الاعتقاد) رغم وحدة الربوبية (البعد المضطر من الاعتقاد)؟ فأساس الوحدانية الدينية هي الوحدانية الإلهية .وتعدد الأديان يعني حتما تعدد تصور الإنساني لله .ولا يمكن القول بالحرية الدينية إذا كان تعدد تصور الله وتعدد الأديان محظورا وكان ناتجا عن هذا المبدأ الذي يعلل الإباحة بالضرورة أعني على الفرق بين الأمر الواجب والأمر الواقع؟ هل الاعتراف بتعدد الأديان في الدستور المحمدي تعليله هو إباحة المحظور بمقتضى الضرورة أم إن له تعليلا آخر .وبصورة أدق لماذا يقدم القرآن الكريم في ثلاثة مواضع حكما فقهيا ارجائيا في الفصل بين الأديان ويؤجل ذلك إلى يوم الدين (البقرة والمائدة والحج) مع أن الإسلام هو دين الله الوحيد ورغم القول إن الدين عند الله هو الإسلام ولا يقبل عداه لديه؟ أليس معنى ذلك أن العلة هي التمييز بين الأمر الواجب والأمر الواقع أو بين مستويين من الدين: .1مستوى الأمر الواجب والمثال وهو دين الله الوحيد أي اسلام البداية (الفطرة) وإسلام الغاية (الختم). .2ومستوى الأمر الواقع والموجود وهو الأديان الخمسة الباقية التي وردت في الحج 17؟ الجواب حددته المائدة :48فالتعدد الديني ليس مجرد أمر واقع ناتج عن فضل الأمر الواجب على الأمر الواقع أو المثال المنشود عن الواقع الموجود بل هو مقصود من الله لأنه شرط التسابق في الخيرات .فلا يمكن تأسيس الحرية الدينية إذا لم يكن للإنسان خيار بين المستويات والترقي بالتسابق فيها. فتكون النتيجة تعريفا ثوريا للسياسة بوصفها تربية وحكما: فهي شرط مضاعف أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- .1لوجود مجال التسابق .2ولتنظيمه بصورة تجعل الانتقال من مستوى إلى آخر في الحرية الدينية واختيار الخير الافضل في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية من دون أن توجد الأديان المتعددة وحرية الترقي في التسابق نحو أفضلها. وهو ما يعني أن الدولة من حيث هي حماية للجماعة والفرد ورعاية لهما وظيفتها أولا إيجاد الجماعة بوصفها عيشا مشتركا بتربية وحكم يجعلان الإنسان يعيش معنى الأخوة والربوبية كونيا كغاية والأخوة والألوهية جزئيا كبداية (النساء )1بقيم المساواة التي لا تفاضل فيها إلا بالتقوى (الحجرات .)13وبهذا المعنى فليست السياسة فوق الدين بمعنى كونه خاضعا لها بل هي أداته التي تكون في خدمة شرطي حريته: .1فهي التي توجد الفضاء الممكن من التسابق في الخيرات بالترقي الحر في الرؤية الدينية وشرط ذلك التعدد الديني. .2وهي تحميه بمبدأ الفصل بين الأديان المرجأ إلى يوم الدين وليس في الدنيا. والمعلوم أن الأديان التي أرجأ القرآن الفصل بينها إلى يوم الدين خمسة مختلفة عن الإسلام :اثنان منزلان هما اليهودية والنصرانية واثنان طبيعيان هما الصابئية والمجوسية وواحد يمثل الوثنية المطلقة أو الشرك (الحج .)17لكن الإرجاء مختلف وله ثلاث درجات :درجة أولى فيها وعد شامل ودرجة ثانية فيها وعد جزئي والأخيرة خالية منهما مع الإرجاء. كل ذلك في الأمر الواجب -أي في نص القرآن-لكن الأمر الواقع -اي في سلوك المسلمين وتبريره الفقهي-صار القول بالنسخ ملغيا لأحكام هذه النصوص الثلاثة (البقرة 62المائدة 69والحج )17بصورة عامة ليس بمعنى الحكم على غاية التسابق في الخيرات أو السعي إلى الإسلام بوصفه هذه الغاية. وإذن فالرسول جعل السياسة في دستوره وكأنها فوق الأديان سياسة تكون في خدمة ضرورات الدنيا (الحماية والرعاية) بغايات الآخرة (التسابق في الخيرات) من خلال أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- توفير الفضاء الذي يمكن من الحرية الدينية المشروطة في الأخوة البشرية (النساء )1 بحصر التفاضل في التقوى (الحجرات .)13 أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- الفصل الخامس من مسألة \"الضرورة التي تبيح المحظور\" أخصصه للمسألة الأولى :وهي الفلسفية بل ولب الفلسفي في تاريخه المعاصر أعني علاج كنط لتأسيس الأخلاق وهو علاج لا يختلف عن محاولات المدرسة النقدية العربية إلا بكونه وجد في لحظة الازدهار في حضار الغرب مقابل ثورتها التي وجدت في لحظة احتضار حضارتنا .وأبدا بإشارة يغفلها المتكلمون في المسالة خاصة وفي فلسفة كنط عامة .فـ\"عقل عملي\" عبارة كنطية موجزة لاستعمال عملي للعقل النظري .لا وجود لعقل عملي ما يوجد هو الاستعمال العملي للعقل النظري. شاع عند المثقفين العرب أن كنط فصل بين الدين والأخلاق وأنه \"علمنها\" بتفسير ينسب إلى الشيخ طه عبد الرحمن .وهذا منه تياسر وتبسيط مخل وهو دال إما على سوء فهم لثورة كنط الفلسفية أو على محاولة للاستحواذ على ثورته بنفي دوره في الوصل بين الأخلاق والدين تقتضي الأمانة الاعتراف له به ولمن سبقه إليه في فكرنا الذي ختم العصر الوسيط .فلو كان ذلك كما يزعم لما قال كنط ما سأحاول بيانه الآن بعد أن أشير إلى الأساس الوارد مقدمة الطبعة الثانية من نقد العقل الأول. \" Ich musste also das Wissen aufheben, zum Glauben Platz zu bebommen,und der Dogmatism der Metaphysik,d.i.das Vorteil, in ihr ohne Kritik der reinen Vernunft fortzukommen, ist die wahre Quelle alles der Moralität widerstreitden Unglaubens, der jederzeit gar zehr dogmatisch ist هذا موقف كنط وتعليله للاستعمال العملي ثمرة لنقد العقل النظري الخالص .كل ما يقال عن كنط مهملا هذا النص الصريح في دعوى عملنة فكر كنط الإيديولوجية لا يحترم عقول قارئ كنط .فدعوى الحاجة إلى رؤيته التنويرية تعليلا للعملنة لا معنى لها لأن محاولة نفي اساس الأخلاق الديني عند كنط يلغي هذا القول الصريح وتعليله الذي سيلي باعتباره الثمرة الموجبة الأساسية للنقد الذي يبدو سلبيا .فالتنوير من دون المسلمات أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- الكنطية الثلاث لتأسيس الأخلاق على رؤية دينية صريحة يكون هو بدوره مستحيلا لأنه مبني على استثناء الأخلاق من القانون الطبيعي وهو من أهم ثمرات الأخلاق. فلنترجم نص كنط قبل الكلام في المسلمات التي هي ثلاثة صريحة واثنتان ضمنيتان كما سنبين .يقول كنط \":وهكذا فقد اضطررت أن ألغي العلم حتى أحصل على محل للعقد (الإيمان) والتخلص من وثوقية ما بعد الطبيعة أعني الحكم المسبق من دون نقد العقل الخالص والذي هو معين كل عدم الإيمان الذي يجادل في الأخلاق والخصيم المضاد لها وهو دائما وفي كل عصر كثير الوثوقية\". الحد من العلم -العقد أو الإيمان -الوثوقية الميتافيزيقية من دون نقد -واللاإيمان- المجادل في الأخلاق في كل عصر .كل هذه المعاني لا يمكن أن يلغيها من يريد أن يكون أمينا في الكلام على رؤية كنط لعلاقة الدين بالأخلاق .لكني لن أكتفي بهذا سأضيف المسلمات الثلاث المعلنة صراحة وما تتضمنه من مسلمتين حتما لم يذكرهما كنط لكنهما مشروطان في كلامه :يقول كنطGott, Freiheit und Unsterblichkeit zum Behuf des \": notwendigen praktischen Gebrauchs meiner Venunft nicht eimal annehmen, wenn ich nicht der spekulativen Vernunft zugleich ihre Anmassung überschwenglicher Einsichten beneme, weil sie sich , um zu diesen zu glangen, solcher Grudsätze bedienen muss, dien indem sie in der Tat bloss auf Gegenstände möglicher Erfahrung reichen, wenn sie gleichwohl auf das angewandt werden was nich ein Gegenstand der Erfahrung sein kann, wirklich dieses jedrzeit in Erscheinung verwandeln, un so alle praktische Erweiterugn .\"der rienen Vernunft für unmöglich erkärenوهذا هو النص الحاسم وهو قبل النص السابق مباشرة وهو تعليل الحد من العلم من أجل إيجاد محل للعقد أو الإيمان بنص كنط الصريح والذي لا يقبل الجدل .ويمكن للقارئ أن يبحث عن الترجمة -نقد العقل الخالص مترجم إلى العربية-وحتى لا أطيل البحث إذ أنوي ختمه فقد طال أكثر من اللازم :المهم هو أن المسلمات الثلاث هي: أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- .1وجود الله .2وحرية الإنسان .3وخلود النفس. وهي الثلاث الصريحة .فالحرية هي لتأسيس الأخلاق .فما الحاجة لله والخلود؟ فالحاجة هي لتأسيس المسلمتين الضمنيتين :فمن دون الإيمان بوجود الله لا يمكن تصور أساسا للحرية لأن الطبيعة قانونها الضرورة وليس الحرية .فمن أين أتت الحرية التي بمقتضاها يكون الإنسان متعاليا على الضرورة الطبيعية فيؤسس الاستعمال الخلقي للعقل النظري رغم أن علمه أساسه الضرورة السببية. وما الحاجة إلى خلود النفس؟ طبعا لا يعتقد كنط أن النفس خالدة في الدنيا :وإذن فالمسلمتان الضمنيتان هما البعث والحساب يوم الدين .فتكون مسلمات كنط خمسا: .1وجود الله. .2حرية الإنسان ليكون مكلفا. .3خلود النفس لتنال الجزاء. .4البعث ليحصل الجزاء الأتم. .5الحساب الذي يتحقق فيه العدل المطلق بعكس الظلم في حساب الدنيا. إذا لم يكن هذا تأسيسا دينيا للأخلاق فليت شعري ما التأسيس الديني إذن؟ وإذا لم يكن للأخلاق هذا التأسيس فما البديل إذن؟ كل من يتكلم على الفصل بين الدين والاخلاق عند كنط إما لم يدرس كنط بحق أو درسه ولم يفهمه أو يحاول أن يثبت أنه هو الذي سيؤسسها على الدين فيكون أدرى بسر ثورة كنط في تأسيس الأخلاق من كنط نفسه. سيقال هذا كنط الطبعة الثانية لنقد العقل النظري وهو غير الطبعة الأولى التي يفضلها صاحب العالم من حيث هو تصور وإرادة .لكن ذلك قد يصح على أدلجته كنط ومحاولة رده إلى رؤية أديان الشرق الأقصى .لكن النص صريح وهو لا يختلف ما في الثانية عن الأولى إلا بالإضمار والاشهار. أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- ولا أنوي إطالة الجدل مع التفلسف الشعاراتي والتبسيطي الذي ليس هدفه طلب الحقيقة بل إبراز الدور الشخصي .وهذا أمر ليس مما يغريني .يكفيني أن أكون أمينا لذوي الفضل أيا كانت ملتهم أو قومهم أو مرحلة التاريخ والحضارة التي انتسبوا إليها. فعندي أن النساء 1والحجرات 13هما الحكم. كنط عالج المسألة الفلسفية أي من منطلق ثورة أبستمولوجية تمثلت في نفي نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة التي ترد الوجود إلى الإدراك -وهو الرد الذي اعتبره ابن خلدون وقبله ابن تيمية وهم المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة-واعتبار الوجود فيه ما لا نحيط به علما .وذلك هو مفهوم الغيب بالمصطلح الديني. وهذا يعني أن العقل النظري لا يمكن أن يصبح أداة الاستعمال العملي أي لا يستطيع أن يشرع -المسألة الأكسيولوجية-إلا بعد أن يسلم بهذه المسلمات الخمسة في عالم متعال على الضرورة الطبيعية وهو معنى عالم الواجب فوق الواقع أعني الرؤية الدينية للوجود المتحرر من الضرورة الطبيعية :الدين. والنتيجة التي توصل إليها كنط فلسفيا من منطلق ثورة أبستمولوجية في العرض لا بد أن يكون ذا تكوينية معاكسة .ومعنى ذلك أن الثورة الأبستمولوجية علتها الوعي بشروط الثورة الأكسيولوجية التي صارت عنده مسلمات تمكن من استعمال العقل النظري في العمل. فالانتقال من العقل النظري إلى استعماله العملي مشروط بتغيير المبدأ الذي يؤسس للاستنتاج العقلي :الانتقال من قانون الضرورة الطبيعية إلى قانون الحرية الخلقية. وهي مسلمات لأن محاولات الفلاسفة تأسيسها عقليا لم يعد مقبولا عند كنط الذي تحرر بالنقد من أبعاد الميتافيزيقا الأربعة (تحرر من الأنطولوجيا العامة ومن الثيولوجيا والكسمولوجيا والانثروبولوجيا أو أقسام الانطولوجيا الخاصة الثلاثة) .فلو لم يكن كنط أمام معضلة خلقية هي معضلة العلاقة بين الحرية والضرورة في عمل الإنسان لما وضع هذا الحل. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- ولذلك فأكبر فلاسفة المثالية الألمانية بعده أي فشت وشلنج وهيجل ثلاثتهم جعلوا القضية العملية هي الأساس في الإشكال الفلسفي المحرر من الفاتاليسم أو ما تؤدي إليه فلسفة وحدة الوجود الطبعانية التي كانت أهم إشكالات الفكر الألماني في القرن الثامن عشر :كيف الخروج من فاتاليسم سبينوزا. ففشت صريح في تقديم العمل على النظر وشيلنج أهم كتبه بعد نضوجه كان في الحرية ( )1809وهيجل يعتبر أهم عمله كله هو محاولة تذويت طبعانية سبينوزا لتحرير الإنسان من \"الفاتاليسم\" (الجبرية) وجعل التاريخ كله مسألة التحررمن الضرورة الطبيعية في الفلسفة وفي الدين وفي السياسة .ولعل لسنج أولا وهولدرلن ثانيا ترجمان ذلك. ومن ليس له دراية بهذه القضايا ولم يدرس خصومات ابن مندل ويعقوبي وهيجل لا يمكنه أن يفهم الحل الكنطي في تأسيس الأخلاق على رؤية دينية للوجود هي ثمرة ثورتين ابستمولوجية تنفي المطابقة التي تقتضي الإحاطة وأكسيولوجية تنفي موضوعية القيم التي تقتضي أن تكون صفات ذاتية .وكلتا الثورتين ذات أصل ديني تماما كما حدث في المدرسة النقدية العربية قبل كنط بأربعة قرون. والمدرسة النقدية العربية أعني -الغزالي وابن تيمية وابن خلدون-كانت الخصيم الأكبر للأبستمولوجيا والأكسيولوجيا التي كانت سائدة عند فلاسفة المدرسة المشائية المزيجة مع الأفلاطونية ووريثة الأفلوطينية: .1ابستمولوجية نظرية المعرفة القائلة بـالمطابقة بمعنى أن ما في الذهن من علم مطابق لما في الموجود من موضوع للعلم. .2أكسيولوجية التحسين والتقبيح العقليين :القيمة صفة موضوعية للشيء وليست حكما لكائن حر يقيمه. وهذه الرؤية منافية تماما للإسلام .فإبستمولوجيا القول بالمطابقة تنفي الغيب وتعتبر الوجود قابلا للرد إلى الإدراك وهو ما يفاد بقولهم \"العلم بالشيء على ما هو عليه\" .وفي ذلك زعم بأن الوجود شفاف والعلم العقلي محيط به .ومن ثم ففيه نفي للغيب للخلط بين أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- الغائب الذي يمكن أن يصبح شاهدا والغيب الذي لا يصبح شاهدا إلى لما يصبح البصر حديدا. فالغائب من التجربة الممكنة حتى وإن لم تحصل بعد والغيب لا يمكن أن يكون من التجربة لأن بلغة كنط \"الشيء في ذاته\" الذي لا يمكن أن نعلمه لأننا ليس لنا العلم المحيط أو الحدس المطلق بلغة كنط (الحدس المطلق هو الذي يبدع الموضوع وإدراك الموضوع) في آن. وهو خلط يفهمنا الأكسيولوجيا الفاسدة. ولهذه العلة عنون ابن خلدون فصله في النقد بـ\"إبطال الفلسفة وبيان فساد منتحلها\" (المقدمة الباب 6الفصل .)31وهو لا يقصد الفلسفة بالمعنى الذي يقصده عندما يتكلم على العلوم العقلية في مقابل العلوم النقلية بل معنى آخر هو الذي كان سائدا في عصره أو ما يشبه ما هو سائد في عصرنا لما أصبحت الفلسفة مجرد إيديولوجيا عند حداثيينا المزعومين منفصلة تماما على العلوم عقلية كانت أو نقلية. فما يعنيه أبن خلدون هنا هو الفلسفة كما سادت في عصره .وهي الفلسفة القائلة بنظرية المطابقة في النظر وتنفي الغيب وبالتحسين والتقبيح العقليين في العمل وتنفي التشريع المتجاوز للطبيعة والمبنية على وهم الفارابي الذي زعم أن العلم اكتمل ولم يبق إلا أن يعلم ويتعلم (كتاب الحروف) .ومنه يستمد ما يسميه بالملة الصحيحة .إنها الفلسفة التي ترد الدين إلى العقل النظري لظنها أنه محيط بالوجود ولاعتبارها القيم صفات ذاتية للشيء وليست فعلا خلقيا حرا إما للرب في المعتقد الديني أو للإنسان عندما لا يسلم بشرع سماوي. وذانك هما النوعان الممكنان للتشريع الذي يتعالى على الضرورة الطبيعية بشرط حرية الشارع سواء كان ربا أو إنسانا .فإذا لم يكن ناتجا عن الشارع السماوي فهو ناتج عن الشارع الإنسان بمنطق النفعية تمييزا بين المفيد والضار في حياة الإنسان اعتمادا على الوصف القيمي للأشياء التي تكون في تلك الحالة على النفي الأصلي أو على البراءة الأصلية باصطلاح الغزالي (المستصفى). أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- وهذا الفعل الخلقي الحر في الحالتين -سواء كان المشرع الحر ربا أو إنسانا -شرطه كما بين كنط المسلمات الثلاث الصريحة والمسلمتين الضمنيتين حتى لو لم يكن للتسليم بالشرع السماوي بل بشرط حرية الإنسان أو استثناؤه من قانون الضرورة الطبيعية ليكون قادرا على التشريع الخلقي .وهي مسلمات عقدية وليست من جنس المسلمات الرياضية التي هي فرضية بمعنى أنها تعتمد على العقد والإيمان وليس على الدليل والبرهان .وهو ما قاله كنط في النصين اللذين أوردنا هاهنا. وختاما فلو عكسنا المسار لوجدنا أن الإسلام قد قام بنفس هذين الثورتين ولكن انطلاقا من الأكسيولوجي نحو الابستمولوجي :فتنظيم الدولة والسياسة بالطريقة الموصوفة علته أن القيم أفعال الحرية لإيجاد فضاء يمكن للأخلاق أن تتحقق في التربية والحكم بمعرفة بعلم اجتهادي وعمل جهادي. أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- ختم الكلام في المسألتين اللتين سكت عنهما تجنبا للتعقيد ثم قررت علاجهما لا يعني أن المبدأ ألأكبر المتعلق بالضرورة التي تبيح المحظور ختمت لأن الجمع بين هذين المسألتين هو في الحقيقة ما أسميه ثورة الإسلام الاكسيولوجية والأبستمولوجية التي تحرر الإنسان من الوساطة تربية ومن الوصاية حكما. والمعلوم أن مشكلي الوساطة في التربية والوصاية في الحكم هما سر الفتنتين الكبرى (الثيوقراطيا) والصغرى (الأنثروبوقراطي) اللتين تبدوان متنافيتين وهما في الحقيقة من طبيعة واحدة في العمق رغم تقابلهما في السطح :دعوى الوساطة والوصاية (التشيع) ودعوى الثورة عليهما (العلمانية). وقد كتبت في التقابل السطحي والتطابق العميق بين الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا في التربية والحكم من خلال ما يتحدان فيه وهو ما سميته الأبيسيوقراطية (دين العجل). ومشكل الإسلام في أصله بين الفتنتين أنه جعل أفعاله من جنس الاولى واقواله من جنس الثانية :وهو يقبل التسمية الفيزيوقراطيا. ثلاث مفهومات متعلقة بطبيعة النظام السياسي تربية وحكما تم شرحها سابقا فلأشرح المفهوم الرابع أي الفيزيوقراطيا .فبعد الفتنة الكبرى واغتيال الخليفة الثالث صارما يحكم السياسي عند السنة في موقفها من الثيوقراطيا-أي الوساطة والوصاية-هو الفيزيوقراطيا أي القوة الطبيعية أو العصبية القبلية. وبقي العالم السني محكوما بالعصبية القبلية والعسكرية وهما وجها القوة اساس للسلطان الخاضع للقانون الطبيعي في التغالب والتوارث بين البشر المردودين إلى الحيوانية بمنطق جامع بين رفض الثيوقراطيا في الأقوال والقول بالانثروبوقرطيا في الافعال بداية من يزيد إلى اليوم في كل الإسلام السني. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- ومن ثم فالأنظمة الثلاثة الشيعي أصل الفتنة الكبرى والعلماني أصل الفتنة الصغرى والمحصور بين فكي كماشة يمثلانها لكونه يرفضهما بالاقوال ويجمع بينهما بالافعال التي هي في فقهه كلها أمر واقع يعلل بشرعنة المتغلب لتجنب الفوضى وكلها تدين ببعدي دين العجل: معدنه المال وخواره الإيديولوجيا. وقد لا يشكك أحد في اعتبار التشيع الصفوي فيه وساطة روحية للتربية ووصاية سياسية للحكم .وقد لا يشكك في اعتبار الديموقراطية الامريكية أساسها المال والأيديولوجيا الإعلامية والتلهوية .ويكفي أن أبين أن الاولى فيها ما في الثانية وأن الثانية فيها ما في الأولى حتى يصح وصفهما بالأبيسيوقراطيا. هل يشك أحد في أن التشيع الصفوي أصله وفصله العميقين ليس علما لدنيا يتوسط به الملالي بين الإنسان وربه ولا عملا منزها يقوم به الأيمة من آل البيت بل هما إيديولوجيا للملالي في التربية وفي الحكم لنهب ثروات الشعوب التي يشيعونها من أجل الخمس ولا شيء غير ذلك؟ والتشيع العربي هو تشيع العامة التي فقدت أدنى مستويات الكرامة والحرية وليس. ذلك بالأمر الجديد .فمنذ بداية التشيع عادت مستعمرات إيران المتقدمة على تحريرها الإسلامي على ما كانت عليه لا تقبل العيش إلا تحت نير الاستعمار الفارسي الذي كان ساسانيا وأتخذ شكل الإسلام المسوسن بعبادة العباد بدل عبادة رب العباد. والتغرب العلماني عند نخب المغرب الكبير له نفس التعليل .ذلك أن الأمازيغي الذي يحارب كل تراث جنسه في السياسة والعلم اللذين أصبحا من منجزات جدودهم يريدون العودة إلى الاستعمار الغربي (كان رومانيا فبيزنطيا) الذي حررهم الإسلام منه ليصبحوا ذو تاريخ عظيم اختلط بتاريخ الأندلس ودام على الأقل أكثر من عشرة قرون بعد أن صارت دول المغرب كلها أمازيغية مسلمة تسهم في الحضارة الكونية. لكن علمانييهم اليوم يريدون العودة إلى الاستعمار الفرنسي وتغليب لغته لعلمهم أن عامياتهم لن تصمد أمام الاستعمار الفرنسي الذي يدغدغ فيهم العرقيات حتى يستعيد أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- استعبادهم كما كانت روما وبيزنطة تفعل بهم .وهم بذلك لا يختلفون عن عرب المستعمر الفارسي الذين تشيعوا يرغبون في العودة إلى نير الاستعمار الفارسي. وهل يشك أحد أن اللوبيات في أمريكا يؤمنون بحقوق الإنسان وبحكم الإنسان لنفسه أم هم يتحكمون في تربيتهم بما يناظر خدع الملالي ويحكمون نظامهم بما يناظر خدع الأيمة إذ ما نراه في المسرح السياسي الأمريكي يخفي ما وراءه من أصحاب السلطة الحقيقية وهي البنوك واعلام الملاهي. وإذن فما يوجد في الثيوقراطيا وما يوجد في الانثروبوقراطيا (أو الديموقراطية وأرقاها الامريكية والإسرائيلية) لا يختلفان إلى بالسطح لكن العمق واحد لأن المحرك الفعلي في الحالتين هو إيديولوجيا الخداع إما بوعود السماء الزائفة أو بوعود الأرض الزائفة للشعوب من نفس مافية دين العجل. نأتي الآن إلى الفيزيوقرطيا السنية :فلأنها عديمة الأول والثاني لم يبق لها إلا ما به يستخدم الناس بما يستحوذ به على بعدي دين العجل :فغياب شرعية الثيوقراطيا الرمزية (الوساطة والوصاية) وغياب شرعية الانثروبوقراطيا الرمزية تربي السنة وتحكم بالاستبداد بالثروة والتراث :معدن العجل وخواره. لذلك فلا يمكن أن يكون النظام السني بين الفتنتين إلا جامعا في الأقوال بين رفضين للتشيع وللعلمانية ومعتمدا في الافعال بشكل مخفف من التشيع ومن العلمانية .فالقوة البدائية أكثر السلوكات كفرا بالروحي والقيمي لكنها بحاجة للدجل الديني الذي أقصاه الجامية :الحاكم عندهم كالإمام الشيعي. وهم يعتمدون في ذلك تأويلا محرفا لأحاديث الرسول التي يمكن اعتبارها متعلقة بالضرورة التي تبيح المحظور فجعلوا الضرورة دائمة واعتبروا تجنب الفوضى (غياب الحكم) علة كافية لشرعنة حكم المتغلب .فجعلوا الفوضى القانون العام وليس للظرفيات لأن التغلب يعني توالي الانقلابات إلى يوم الدين. أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
-- وهذا هو النظام الفيزيوقراطي :له من الثيوقراطيا أضفاء القدسية على الحكام ومن العلمانية الإلغاء الفعلي لسلطان القيم المتعالية وردها إلى إرادة الأقوياء في الجماعة. ذلك أن العلمانية تحكمها إرادة الأقوياء في المال وفي الخوار بخدعة المسرحيات الانتخابية التي يزيفها المال والإعلام. والنظام الفيزيوقراطي تغنيه القوة البداية التي يستعملها المتغلب عسكريا كان أو قبليا مع استعمال المال لمرتزقته -التي يتغلب بها وهي القوة العنيفة والقوة اللطيفة-فيبقي الشعب خائفا من فقدان أدنى شروط الحياة من القوة المادية والنخب طامعة في القوة اللطيفة من فتات مائدة المتغلبين. والحصيلة الأنظمة الثلاثة يحكمها دين العجل :الذهب أو معدن العجل والإيديولوجيا أو خوار العجل .وبهذا المعنى فإن الثورة الإسلامية التي حرفت كان هدفها تحرير الإنسان من الوساطة في التربية (التي تصدر عن سلطان الخوار) ومن الوصاية (التي تصدر عن سلطان المعدن). فكيف نفهم ذلك؟ الجواب نجده عند ابن تيمية في السياسة الشرعية وعند ابن خلدون في المقدمة .والجامع بينهما نظرية الإنسان ونظرية الحكم القرآنيتين .قبل شرح جوابهما فلنذكر بأن القرآن حرم الوساطة بين الله والإنسان لأن الاجتهاد فيه فرض عين مثله مثل الجهاد وحرم الوصاية فالجماعة تسير أمرها بالشورى بينها. لكن التحريف أرجع الوساطة فصار الاجتهاد فرض كفاية استحوذت عليه مافيات العلماء وأرجع الوصاية فصار الجهاد فرض كفاية استحوذت عليه مافيات الأمراء ولم يبق الشعب. والمافيات الأولى جعلت الشعب عامة من الأميين الفقراء روحيا والمافيات الثانية جعلته دهماء من المستعبدين الفقراء ماديا. ولنأت الآن إلى ابن خلدون وكيف يفسر ذلك :فهو أولا يعرف الإنسان بكونه \"رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .ومعنى ذلك أن الإنسان بطبعه فلسفيا وبخلقته أبو يعرب المرزوقي 38 الأسماء والبيان
-- دينيا لا يمكن أن يبقى إنسانا إذا صار تابعا لغير العلاقة المباشرة بالله فيكون له سيدا بينه وبين الله في تربيته أو في حكمه. وينتج عن هذا التعريف أن الإنسان ينبغي أن يكون فكره اجتهادا شخصيا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين وليس فرض كفاية ( 104آل عمران) والقيام به هو شرط الانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس (آل عمران .)110ومعنى ذلك أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مسلما من دونهما. وهما جامعان لمضمون سورة العصر بشروطها الخمسة :أولا الوعي بشروط الاستثناء من الخسر .وهذا الوعي تتفرع عنه أربعة شروط-2 :للفرد :الإيمان غاية النظر والعقد والعمل الصالح غاية العمل والشرع -2للجماعة :التواصي بالحق للاجتهاد والتواصي بالصر للجهاد وهما بعدا التربية والحكم. وهذه الشروط الخمسة فرض عين ولا يمكن أن يكون أي منها فرض كفاية فيعوض العلماء المسلم في الاجتهاد إلى كمعلمين يختارهم المسلم ويعوض الأمراء المسلمين في الجهاد إلى كمعلمين يختارهم المسلم .فرض الكفاية فيهما للتعليم في النظر والعقد وفي العمل والشرع دون سلطان وساطة أو وصاية. ولا حاجة للوقوف عند السياسة الشرعية عند ابن تيمية :يكفي أنها تتأسس خاصة على الآية 58من النساء أي على الأمانة والعدل بمعنى أن العلماء كحكم في الاجتهاد والامراء كحكم في الجهاد كلاهما مؤتمن على شيء ليس هو صاحبه بل هو مكلف من الأمة بالقيام بما فيه من كفاية مع بقاء الأمر فرض عين. والجمع بين وجهي الفرض الكفاية والعين يعني أن العلماء والامراء مجرد موظفين يديرون عملية التربية وعملة الحكم لكن ذلك كله تحت رقابة الجماعة .الإدارة فرض كفاية لكن قيمها وشروطها ووظائفها ومراقبتها كلها فرض عين والدليل هو مفهوم الحسبة: كل مواطن مراقب للإدارتين في التربية وفي الحكم. أبو يعرب المرزوقي 39 الأسماء والبيان
-- الحسبة هي مراقبة الجماعة لنوعي الموظفين في السياسة :العلماء في التربية والامراء في الحكم .ومراقبتهما تمتد إلى كل الخدمات في المجتمع والتي من وظيفة إدارة التربية والحكم حسن تنظيمهما لتميكن الجميع من الاجتهاد (التربية) ومن الجهاد (الحكم) بمعيار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا المعيار ليس إدارة بيد الدولة بل هو رقابة بيد الجماعة أو بلغتنا الحديثة بيد المجتمع الاهلي .تلك هي القيم التي كان الهدف من الاقدام على هذه المحاولة العسيرة لعلاجها انطلاقا مما نحن عليه وخاصة نحن السنة لأن النظامين الآخرين مصدر الفتنتين يعاديان بالجوهر الإسلام عامة والسنة خاصة. أبو يعرب المرزوقي 40 الأسماء والبيان
-- ونصل أخيرا إلى زبدة المحاولة وغايتها .كيف تكون التربية والحكم فرض عين في شكل اجتهاد وجهاد كلاهما فرض عين وليس فيه فرض كفاية إلا وظيفة إدارتهما نيابة عن الجماعة باختيارها الحر لمن ينوبها في ذلك وبشرطي الأمانة والعدل (النساء )58دون سلطان وساطة في التربية ولا سلطان وصاية في الحكم وكل ذلك تحت رقابة الجماعة فرض عين؟ ذلك ما نختم به هذه المحاولة ذات الفصول السبعة. قدمت الدليل السلبي أي نفي الإسلام الوساطة الروحية في التربية والوصاية السياسية في الحكم .لكن ذلك لا يكفي أولا لأنها نتيجة أسس موجبة لم نذكرها بعد وثانيا لأن الإسلام لا يمكن أن يكون ثوريا بصورة إضافية إلى ما ينفيه من تحريفات بل هو الأصل والتحريفات لحقيقته في بدايتها (الفطرة) وكغاية (الختم) هي التي تعتبر سلوبا لإيجابه الأصلي. ما إيجابه الأصلي؟ له عدة مستويات: .1الاستخلاف متقدم على ما يعتبر عصيانا خصل في قصة الأكل من الشجرة. .2الاجتباء والعفو بعدها يعني أن آدم وحواء لم يطردا من الجنة عقابا بل انزلا امتحانا لقدرتهما على تحمل الأمانة التي عرضت عليهما فقبلاها رغم ثقلها :التكليف بمهمتين كبريين. والمهمة الأولى غاية وهي الاستخلاف والمهمة الثانية أداة وهي تعمير الأرض شرطا في وجود الإنسان الخليفة وفي امتحان اهليته للمهمتين .فإذا حقق المهمة الأداة -تعمير الأرض -بالمهمة الغاية -الاستخلاف أي تحقيق القيم الخمس قيم الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود-أثبت جدارته بالخلافة .وهذان المستويان يقتضيان مستويين آخرين أولهما له بعدان: أبو يعرب المرزوقي 41 الأسماء والبيان
-- .1استعمال ما جهز به لمهمة تعمير الارض أي النظر والعقد حتى يعلم قوانين الطبيعة التي يستمد منها شروط قيامه العضوي. .2استعمال ما جهز به لمهمة الاستخلاف أي العمل والشرع حتى يعمل بسنن التاريخ الذي يستمد منه شروط قيامه الروحي. أما الثاني وله بعدان كذلك وهو ما يجعل ما جهز به قابلا لتحقيق وظيفته: .1اعلامه أن نظام الخلق أو العالم الطبيعي يخضع للرياضيات والتجربة إذ كل شيء خلق بعدد ويدرك بالملاحظة والاعتبار التجريبيين. .2اعلامه أن نظام الأمر أو العالم التاريخي يخضع مثل النظام الطبيعي مع سنن سياسية وخلقية هي ما يترتب على حرية الإنسان ومسؤوليته كمكلف ومستخلف. وكل حجاج القرآن واستدلالاته تعتمد على هذين النظامين وليس على خرقهما بمعنى أن المعجز في القرآن ليس خرق العادات بل ثبوت العادات أو ما يسميه الغزالي وابن خلدون \"مستقر العادات\" .فالإسلام هو أول دين في تاريخ الأديان لا يستمد أدوات الاقناع والدعوة من السحر وخرق النظام بل من العلم والنظام. ومن الجهل الخلط بين تقديم القرآن لرؤية تخضع للعلم والنظام وبين وهم ما يسمى بالإعجاز العلمي .القرآن يقول إن العالم الطبيعي ذو نظام رياضي يعلم بالتجربة ويقول إن العالم التاريخي ذو سنن سياسية وخلقية تعلم بنفس الطريقة لكنه لا يعطينا قوانين العالم الطبيعي ولا سنن العالم التاريخي. هو يعطينا رؤية تؤمن بالنظامين الطبيعي والتاريخي وأولهما يعلم بالرياضيات والتجربة والثاني بالممارسة والاعتبار ويطلب منا أن نبحث لنعلم قوانين الأول وسنن الثاني مما حددته فصلت في آيتها :53ليس من آيات النص بل مما يرينه الله من آياته في الأفاق وفي الأنفس وفيهما نتبين حقيقة القرآن. وهو يحذرنا من ترك ذلك والذهاب إلى ما القيام به يدل على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة أي تأويل المتشابه .لكن علماءنا الذين حرفوا القرآن فأحدثوا الوساطة وشرعنوا الوصاية أبو يعرب المرزوقي 42 الأسماء والبيان
-- تركوا أمر فصلت 53وتحدوا نهي آل عمران 7فلم ينشغلوا إلا بما يفيد زيغ قلوبهم وابتغاءهم الفتنة :كلاما وفلسفة وتصوفا. فـ\"و\" العطف بدل الاستئناف في آل عمران 7تعني انهم جعلوا من يسمونه الراسخين في العلم تأويلهم من جنس تأويل الله للمتشابه ومن ثم فهم يتوهمون أن علمهم محيط وهو معنى القول بإبستمولوجية المطابقة في النظر التي يترتب عليها أكسيولوجية المطابقة في العمل .وهذا يعني أن الموقف باطني وإن بغير وعي. والقول بالمطابقة في العلم وفي العمل تعني أن ما جاء في القرآن مما يبدو مناقضا لما يتصورونه علما مطابقا لحقيقة الوجود ينبغي أن يرفض أو يؤول ليكون ظاهره مطابقا لباطن يزعمونه له ويتوهمون أنه يعلم بالعقل فلسفيا وبالكشف صوفيا ثم عم ذلك بعد أن صار الفقه والكلام متفلسفين كذلك. ولما كان القول بالمطابقة المعرفية (النظر والعقد) والمطابقة القيمية (العمل والشرع) يعودان إلى فلسفة أرسطو في اعتبار الله عقلا أو محركا أولا وله آلهة توابع محركة للأفلاك التي هي محركة لما دون القمر أو لعالم الكون والفساد فأقل ما يقال فيهم أنهم إن لم يكونوا باطنيين فهم صابئة. فالأرسطية هي في الحقيقة رؤية صابئية .فما فوق القمر هو «الجهاز» الصانع السرمدي لما هو موجود ما دون القمر أو هو واهب الصور للقوى الكامنة في المادة الأولى التي هي حبلى بالصور والساعية بجاذبية الغاية السماوية إلى «إنضاج» ما فيها من صور بالقوة لجعلها بالفعل بنظام الكون والفساد السرمدي :هي وحدة وجود طبعانية رغم تسمية الغاية التي تحرك دون أن تتحرك والمنطوية على نفسها وعديمة الصلة بالعالم الطبيعي لأنها لا تعلم إلا ذاتها وكمالاتها باسم الله أو العقل (مقالة اللام من الميتافيزيقا). فتأليه نظام السماء أو ما فوق القمر خلقا وأمرا مردودين إلى التحريك بمعانيه الأربعة: الجوهري (كون وفساد) والمكاني (الحركة في المكان) والكمي (الربو والنقصان) والكيفي أبو يعرب المرزوقي 43 الأسماء والبيان
-- (تبدل اللون أو الهيأة) فيكون العالم بهذا المعنى هو عالم الميثولوجيا اليونانية طبيعيا كان أو تاريخيا وغالبا ما يكون الأول مقيسا على الثاني. وبهذا المعنى يمكن القول للتقريب إن نسبة أفلاطون وأرسطو لفلاسفتنا القدامى ومن تبعهم من المتكلمين والمتصوفة لا تخلف في شيء عن نسبة هيجل وماركس إلى فلاسفتنا المحدثين دون تمكن من فلسفتهما يضاهي تمكن القدامى وعلمهم من فلسفة أفلاطون وأرسطو ولا خاصة حذقهم للعلوم الأدوات في المشروطة في فلسفتهما. وليس معنى رفضي لهذه الصورة أني اقبل الصورة التي يستخرجها الفقهاء والمفسرون من القرآن والسنة .فالقرآن يقدم صورة عن العالم وعلاقته بالله لا ريب في ذلك .لكنه يقول إن ذلك للتقريب الذهني بدليل أنه يضيف \"ليس كمثله شيء\" .ومعنى ذلك أن المماثلة مع هذه الصورة المعروضة في القرآن إذا قبلناها شرك .ومن هنا نفهم معنى الغيب ورفض نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة. يمكننا أن نتصور الله كما نقدر على ذلك بالمماثلة -وهذا التصور بعدد الأنفس وكل متكلم يدعي تقديم التصور المطابق وثني وهو يريد تأسيس كنيسة وليس عالم .فكل تصور هو عبارة تقريبية عن صلة صاحبه بربه وليس هو الحقيقة .وذلك هو مدلول الإسراء \"110قُلِ ادْ ُعواْ ال َّل َه أَوِ ا ْد ُعو ْا الرَّحْمَنَ َأيًّا َّما َت ْدعُو ْا َف َل ُه الأَ ْس َماء ا ْل ُح ْس َنى وَل َا تَجْهَرْ بِ َصلاتِكَ وَلاَ تُ َخا ِفتْ بِ َها وَابْتَغِ َب ْينَ ذَ ِل َك سَبِيلاً\". فالله وعلاقاته بالعالم ليس كمثلهما شيء وتصوراتنا هي لدعوته في علاقتنا المباشرة به وقد رمز إليها القرآن بأسمائه الحسنى التي ندعوه بها بحسب الوضع الروحي للداعي في لحظات حياته سرائها وضرائها .هما من الغيب المحجوب حتى على الرسل ناهيك عمن ليس رسولا .الصورة الواردة في القرآن إذا اعتبرناها هي الحقيقة التي عليها الله وعلاقاته بالمخلوقات نكون وثنيين ولسنا مؤمنين بمن ليس كمثله شيء. ولولا هذين الأمرين لما كان بيني وبين الكثير من فلاسفتنا المحدثين إشكال .فهم لم يصلوا حتى لمستوى فلاسفتنا القدامى في معرفة مصدر علم مصادرهم القديمة فضلا عن علم أبو يعرب المرزوقي 44 الأسماء والبيان
-- المصادر الحديثة .وطبعا حتى لو علموها رواية فهم يجهلونها دراية .فمن يسرد معلومات حول الفكر لا يعتبر داريا بل راويا .وما أكثرهم وخاصة بين من تسكرهم زبيبة. والرواية شرط ضروري غير كاف في التعليم فضلا عنه في الإبداع الفلسفي .لذلك فيعسر أن نتكلم على فلاسفة عرب محدثين .قد يوجد معلمون يـحسنون الرواية عن الفلاسفة الغربيين .لكن قل أن يوجد من يدرك حقيقة فعل التفلسف في صلة بهذه المعضلات التي تفهمنا مسار الحضارة فيعسـر أن تجد أمثلة. وكثيرا ما كنت أتردد في الإصداع بهذه الأمور لأني أعلم أنها ستكون مصدر الإكثار من العداوات في المدرستين التقليدية بصنفي كل منهما :فالمدرسة التقليدية بشقيها السلفي والحداثي والمدرسة الحداثية بصنفيها الماركسي والليبرالي كلتاهما تعيش على الرواية الإيدلوجية دون الدراية الفلسفية. لكن السيل بلغ الزبى لم يعد بد من أن أقدم شهادتي دون أن أدعي عصمة لما أراه بل هو شهادة .وعلى التاريخ أن يحكم .ذلك أن نجوم الفكر العربي والأسماء المشهورة ليس فيها ما يمكن أن يرضي من يريد حقا للأمة أن تستأنف دورها الكوني من دون أن تتعلق بكاريكاتور التأصيل والتحديث الشكليين. فكاريكاتور الأصالة لا يمكن أن يمثل استئناف لحضارتنا لأنه لم يتجاوز رواية قشورها ولم يغص إلى روحها الفلسفية والدينية وعلل ما أصابها من عقم .ومثله كاريكاتور الحداثة لن يحقق ما يعد به لأنه لم يتجاوز قشورها ولم يغص إلى روحها الفلسفية والدينية ليسهم فيها فضلا عن أن يتجاوزها. ومثلما أن المدرسة النقدية العربية إذا ما استثنينا بدايات لم تكتمل عندهم -الغزالي وابن تيمية وابن خلدون-بقيت دون أثر كبير على تفعيل ثورتي الإسلام اللتين حاولت وصفهما فقد لا نستطيع استكمال ما شرعا فيه إذا لم ندرك خطر الكاريكاتورين اللذين يسيطران على شللية ساحة الفكر المتكلس. أبو يعرب المرزوقي 45 الأسماء والبيان
-- وقد لا يصدق القارئ لو سمعني أقول إن ساحة الفكر سواء كان فلسفيا أو دينيا عندنا لا يقل تخلفا واستبدادا وفسادا من ساحة السياسة وكل الوظائف التي من دونها لا تقوم قائمة للأمم :ساحة الإرادة الحرة وساحة العلم الصادق وساحة القدرة الخيرة وساحة الذوق الجميل وساحة الوجود الجليل. آمل أن تكون شهادتي بداية للاستئناف المناسب لثورة الشباب الذي بدأ في المطالبة بالغايات المباشرة التي تضفي معنى على هذه الساحات الخمس .وتعثر الثورة مكن من أن يكتشفوا أن هذه الغايات المباشرة مستحيلة من دون الغايات غير المباشرة أعني شروط السيادة في الحماية وفي الرعاية كما حاولت بيانها. أبو يعرب المرزوقي 46 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 50
Pages: