Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore حقيقة السلطة أو معضلة العلاقة بين الشرائع والطبائع - الفصل الاول - ابو يعرب المرزوقي

حقيقة السلطة أو معضلة العلاقة بين الشرائع والطبائع - الفصل الاول - ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-05-24 04:35:44

Description: أكثر معضلات الأنظمة التي يبدعها الإنسان، للسلطان على حياته فردية كانت أو جماعية، تتمثل في طبيعة هذا السلطان ما هي، وإلى من يمكن أن ننسبها؟
أعلم أن لأستاذي ميشال فوكو اجتهادات في المسألة، وأنه يؤمن بكونها ظاهرة متفشية في كل شيء وفي كل سلوك، وأنها عسيرة التحديد. ومع ذلك سأحاول الفهم.
وسأبدأ بما اعتبره سر السلطة: فلأسم سلطان الإنسان على شؤونه بنظام الشرائع، ولأسأل عن علاقته بسلطان الطبائع. ما طبيعة علاقتهما وصلتها بالسر؟

Search

Read the Text Version

‫أو معضلة العلاقة بين الشرائع والطبائع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫أو معضلة العلاقة بين الشرائع والطبائع‬



‫أكثر معضلات الأنظمة التي يبدعها الإنسان‪ ،‬للسلطان على حياته فردية كانت أو‬ ‫جماعية‪ ،‬تتمثل في طبيعة هذا السلطان ما هي‪ ،‬وإلى من يمكن أن ننسبها؟‬‫أعلم أن لأستاذي ميشال فوكو اجتهادات في المسألة‪ ،‬وأنه يؤمن بكونها ظاهرة متفشية في‬ ‫كل شيء وفي كل سلوك‪ ،‬وأنها عسيرة التحديد‪ .‬ومع ذلك سأحاول الفهم‪.‬‬‫وسأبدأ بما اعتبره سر السلطة‪ :‬فلأسم سلطان الإنسان على شؤونه بنظام الشرائع‪،‬‬ ‫ولأسأل عن علاقته بسلطان الطبائع‪ .‬ما طبيعة علاقتهما وصلتها بالسر؟‬‫فعلاج هذا السر‪ ،‬يشبه عندي علاج العائق دون فهم طبيعة السلطة وطبيعة من تنسب‬ ‫إليه فعلا‪ ،‬لنفهم سر الفرق بين ما تحدده النصوص‪ ،‬وما يتعين في الممارسات‪.‬‬‫وبصورة شبه عامية‪ :‬من يحكم في الشؤون البشرية بمستوياتها الخمسة‪ ،‬أي أصناف‬ ‫النخب‪ ،‬أنظمة سلطوية‪ :‬مستوى الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود؟‬‫بعبارة وجيزة‪ :‬ما طبيعة السلطة في مجالات الإرادة (السياسة) والعلم (المعرفة)‬ ‫والقدرة (الاقتصاد) والحياة (الفنون) والوجود (الرؤى دينية وفلسفية)؟‬‫ما طبيعة السلطة السياسية؟ وهل هي كما تحددها الدساتير؟ والسلطة العلمية؟ وهل‬ ‫هي كما تعرضها التواريخ؟ والسلطة الاقتصادية؟ وهل هي كظاهرها؟‬‫السؤال الأهم‪ :‬لعلها كلها من طبيعة واحدة وخاضعة لنفس القوانين‪ ،‬فتكون الشرائع‬ ‫(أنظمة السلطة الوضعية) ذات صلة بالطبائع (أنظمة السلطة الطبيعية)‪.‬‬‫لكن إذا صدقت فرضيتي‪ ،‬ألا يعني ذلك أن الشرائع خدائع‪ ،‬وأنها في الحقيقة مبينة على‬ ‫أن ما يحكم البشر لا يختلف عما يحكم الكائنات الحية الأخرى؟‬ ‫‪51‬‬

‫أيكون الإنسان ‪-‬الذي يتوهم أن له ما به يسود على التاريخ الطبيعي لحيوانيته‪-‬قد‬ ‫ابتدع حيلا يبرر بها إخفاءه لخضوعه في الحقيقة للتاريخ الطبيعي؟‬‫وحينئذ يصبح سؤال دور الأديان محيرا‪ :‬هل هي من نفس الجنس المخادع‪ ،‬الذي يزعم‬ ‫به الإنسان تجاوز حيوانيته إلى ما يسمو به عليها‪ ،‬نحو إنسانية فعلية؟‬‫ومعنى ذلك أني لو لم تكن مسألة الدين تعترضني‪ ،‬لرضيت بالجواب البسيط الذي يرد‬ ‫الشرائع للطبائع‪ ،‬معتبرا ما يتجاوز الأخيرة وهما إنسانيا بلا حقيقة‪.‬‬‫لولا الدين لكان الامر هينا ولقبلت بأن ما يتجاوز به الإنسان الحيوان‪ ،‬وهم إنسان‪.‬‬ ‫فعندي أن الإنسان لا يتجاوز الطبيعة إلا بالشريعة القرآنية‪.‬‬‫لكن الشريعة القرآنية ليست ما يفهمه الفقهاء بهذا المفهوم‪ ،‬أي إنها ليست الأحكام‪ ،‬بل‬‫ما يجعل الأحكام تكون بعض تطبيقاتها‪ :‬إنها الماوراء المطلق‪ ،‬فلولاها‪ ،‬لكانت الإرادة مجرد‬‫غريزة‪ ،‬والمعرفة مجرد انفعال‪ ،‬والقدرة مجرد قوة طبيعية‪ ،‬والحياة مجرد نوازع‪ ،‬والوجود‬ ‫حصيلة لمفعول الطبائع في الإنسان‪.‬‬‫إنها ما به يكون الإنسان أهلا للاستخلاف‪ ،‬أو ما لأجله كرم الله الإنسان فجعله أسمى من‬ ‫الملائكة‪ ،‬رغم أنه يفسد ويسفك الدماء بسلطان الطبيعة عليه‪.‬‬‫الوعي بهذه المنزلة الوجودية للإنسان‪ ،‬هي الدين ولا شيء سواها‪ ،‬وهي شرط الحرية‪،‬‬ ‫أي السمو على قانون الطبيعة (الضرورة)‪ ،‬من ثم فهي اساس الأخلاق‪.‬‬‫ويكذب من يزعم أن كنط يفصل بين الدين والأخلاق‪ ،‬بمعنى الفصل الذي يجعل الإنسان‬‫يمكن أن يكون حرا مستثنى من قانون الطبيعة‪ ،‬من دون مسلماته الدينية‪ ،‬فمن دون مسلمة‬‫الحرية (أي الاستثناء من الضرورة الطبيعية) وخلود النفس ووجود الله‪ ،‬لا يمكن أن نفهم‬ ‫الحاجة إلى التمييز بين الفينومان والنومان‪.‬‬‫فكل ما يرد لقانون الضرورة الطبيعية‪ ،‬من الفينومان‪ ،‬وكل ما يتجاوزه للحرية الخلقية‪،‬‬ ‫من النومان‪ .‬فقانون الطبائع أو الضرورة لا يقبل أي استثناء‪.‬‬‫والخلقي شرطه يقتضي الاستثناء من قانون الطبيعة‪ :‬الحرية‪ ،‬وعلاقة القانون الطبيعي‬ ‫والخلقي هي القضية الام في الفلسفة عامة‪ ،‬وفي نظرية المعرفة خاصة‪.‬‬ ‫‪52‬‬

‫الفصل بين مجالين من مجالات البحث الفلسفي (الدين والأخلاق) لا يعني الفصل بين‬‫الديني والخلقي‪ :‬فشرطهما الحرية أو التعالي على قانون الضرورة‪ .‬والحرية أو التعالي‬‫على قانون الضرورة هو جوهر الديني في كل دين‪ ،‬وهو عين التكريم الذي يؤسس‬ ‫للاستخلاف أو للتحرر من كل معبود سوى الله‪ :‬مطلق الحق‪.‬‬‫والأهم من ذلك‪ ،‬هو أن الضرورة لا يمكن أن تتحمل الاستثناء‪ ،‬والحرية تتحمله‪ ،‬ما‬ ‫يعني أنه علينا ليكون للحرية مكان أن تكون متقدمة على الضرورة‪.‬‬‫ومن هنا يصبح نظام الوجود شرائع متقدمة وطبائع تالية‪ ،‬بوصفها استثناء أو خيارات‬ ‫ثابتة من لدن حرية مطلقة متقدمة الوجود عليها‪ ،‬تضعها حدودا للكيان‪.‬‬‫وهذا هو مفهوم التشريع بمعنى السنن التي لا تتبدل ولا تتحول‪ ،‬لأنها من وضع حكيم‪،‬‬ ‫أوهي خيارات منتخبة من الإمكان المطلق إلى الإمكان الأفضل للكائن‪.‬‬‫وهذا هو مبدأ الترجيح‪ ،‬فمن بين عدة امكانات عقلية مجردة‪ ،‬يقع انتخاب أحدها بوصفه‬ ‫الأفضل للكيان وللغرض من إيجاده‪ ،‬تماما كما نفعل في التكنولوجيا‪.‬‬‫ودون قيس على عملنا على علم‪ ،‬يؤمن المتدين أن الله خالق الموجودات والوجود على‬‫هذا النحو من الانتخاب الحر لأفضل الحلول‪ ،‬ويجعلها ذاتية التعديل‪ ،‬فيجعل الحرية‬‫الإلهية التي تعني الخلق عملا على علم‪ ،‬متقدمة على الطبائع بوصفها خيارات خاضعة‬ ‫لانتخاب حل أفضل‪ ،‬يبرمج ليكون ذاتي التعديل‪ :‬طبيعة‪.‬‬‫ولما كان مفهوم \"طبيعة\" يعني فعلا يبدو لنا مضطرا‪ ،‬فيعسر الجمع بينه وبين الحرية‪،‬‬ ‫فلنسمه كما يفعل الغزالي \"خلقة\"‪ ،‬ففعل الخلق الحر هو الأصل فيه‪.‬‬‫وتلك هي العلة التي جعلت لايبنتز يميز بين الضرورة الرياضية والضرورة الطبيعية‪،‬‬ ‫وحتى أرسطو فإنه قد ميز قبله بين الضرورة والضرورة الشرطية‪.‬‬‫افترض لايبنتز النقلة من الرياضي إلى الطبيعي‪ ،‬مشروطا بتدخل عناية إلهية تنتخب‬ ‫الأفضل من بين الممكنات العقلية‪ ،‬لتكون طبيعة ذاتية التعديل‪.‬‬‫لكن أرسطو اعتبر هذه النقلة هي الفرق بين الضرورة العمياء‪ ،‬غير المشروطة بانتخاب‬ ‫آلة طبيعية تحقق غاية متقدمة‪ ،‬والضرورة المشروطة بها لتحقق غاية‪.‬‬ ‫‪53‬‬

‫وذلك هو قصده بالعلة الرابعة أو العلة الغائية في كل كائن‪ .‬فلكأن كل طبيعة هي جهاز‬‫من الأعضاء‪ ،‬وظيفتها تحقيق غاية‪ ،‬هي ما به تكون الطبيعة كائنا‪ ،‬ومنظومة كل الكائنات‬‫أو العالم الطبيعي‪ ،‬هي بدورها من هذا الجنس أو طبيعة الطبائع‪ ،‬التي تجعلها هي بدورها‬ ‫جهازا من الآليات غايتها نظام العالم‪.‬‬‫وهذا الجهاز الكلي الذي ينتظم به العالم كله‪ ،‬هو نظام حركات الأفلاك التي تحرك‬ ‫الكائنات الجزئية‪ ،‬في عملية تخلق شبه ذاتي لكنه رهن النظام العام‪.‬‬‫وفي الخطاب الفلسفي‪ ،‬تبدو الفلسفة العملية (نظرية الشرائع) وكأنها تقاس على‬ ‫الفلسفة النظرية(نظرية الطبائع)‪ ،‬لكن الحقيقة هي العكس تماما‪ :‬العالم دولة‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن الرؤية الدينية التي تقدم الشرائع على الطبائع‪ ،‬هي التي أصبحت رؤية‬ ‫فلسفية بمجرد أن قالت بأن الطبائع حصيلة خيارات من الممكن العام‪.‬‬‫فبفضل هذا التمييز بين الضرورة العمياء والضرورة التي تحقق غاية أو المشروطة‬ ‫بغاية‪ ،‬ننتقل من عالم فوضوي إلى عالم عمل على علم‪ ،‬بغائية سابقة‪.‬‬‫ولذلك‪ ،‬فكل أدلة الفلسفة على وجود الله ‪-‬والكلام‪-‬تعود إلى هذا الدليل الوحيد في‬ ‫الحقيقة‪ :‬فالنظام في العالم لا يعلل بالصدفة‪ ،‬بل بعمل على علم‪.‬‬‫لكن الغريب في الأمر هو أن العامي الذي لا يدرك ذلك‪ ،‬قد جعل الشرائع المشروطة في‬‫الطبائع تحت مسمى القضاء والقدر‪ ،‬اساسا للجبرية بدلا من الحرية‪ .‬وأقول العامي ولست‬‫غافلا عن القائلين بالجبر من كبار الفلاسفة والمتكلمين‪ ،‬فهؤلاء ايضا هم عامة لأنهم الغوا‬‫الحرية بحجة رفض الاستثناء في الطبيعة‪ ،‬ورمز هذا الرفض قولة سبينوزا الشهيرة‪:‬‬‫الإنسان ليس دولة (حريته) في الدولة (ضرورة الطبائع)‪ .‬والرؤية الاسلم تجعل الطبائع‬ ‫شرائع ثابتة في نظام تام‪.‬‬ ‫وفي تلك الحالة تصبح الحرية‪ ،‬التي هي أوسع‪ ،‬قابلة لأن توجد نوعين من الكائنات‪:‬‬ ‫‪ -‬طبائع هي شرائع ثابتة‬ ‫‪ -‬وشرائع هي طبائع متغيرة‪.‬‬ ‫وهذه ضمن تلك‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫فيكون لدينا نوعين من الحرية مطلقة‪ ،‬هي حرية الخالق‪ ،‬ونسبية‪ ،‬هي حرية خليفته‪.‬‬ ‫ونوعين من الطبائع هي‪ :‬طبيعة الطبيعة‪ ،‬وطبيعة هي سنن التاريخ الإنساني‪.‬‬‫ولهذا فلا يوجد من هو أغبى من نفاة نظرية الدولة في الإسلام‪ :‬فالقرآن كله مبني على‬ ‫أن العالم مؤلف من دولتين‪ :‬غاية هي الآخرة‪ ،‬وبداية هي الدنيا‪.‬‬‫ودولة الآخرة هي دولة الشفافية المطلقة‪ ،‬حيث إن كل الكائنات يكون ظاهرها مطابقا‬ ‫لباطنها‪ ،‬حتى إن الأعضاء تشهد في أخرى الكائن على فعله في دنياه‪.‬‬‫وهذا شرط حرية الإنسان‪ :‬فلو كان ظاهره مطابقا لباطنه في دنياه‪ ،‬لما كان مكلفا بالصدق‬ ‫تكليفا تقاس به مجاهدته‪ ،‬ليسهم في كماله تحريرا من الضرورة‪.‬‬‫لكأن الله بمفهوم الاستخلاف‪ ،‬أبقى للإنسان مجالا ليكون \"مبدع\" نفسه فيما يمكن اعتباره‬ ‫مساحة حريته‪ ،‬التي بمجرد إمكانها نال التكريم والتكليف‪.‬‬‫هذه تأملات فلسفية ودينية يمكن أن تسهم في إخراج بعض الشباب مما تردى إليه‬ ‫الخطاب الذي جمّد مفهوم المجاهدة غاية من التربية الدينية على الحرية‪.‬‬ ‫‪55‬‬





‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬