-- لن تبلغ هذه المحاولة المؤلفة من عشرة فصول ( 3ثم من 4إلى 6مضاعفة ثم هذا السابع) غايتها قبل أن أجيب عن سؤالين بقي الجواب فيهما مضمرا رغم أني أردد ما يوجبه كثيرا في محاولات فهم دور الإسلام في التاريخ الكوني وخاصة في مرحلة بلوغ الإنسانية إلى الكونية .وهي قد بلغتها على الأقل في مستواها المادي المحكوم ببعدي دين العجل أو بما سميته بالابيسيوقراطيا. وهذا النظام هو البنية العميقة للحدين الأقصيين من تنظم الشأن الإنساني .والحدان الاقصيان يترتبان على موقفين من علاقة عالمي الشهادة والغيب عندما ينحط الفكر الإنساني الى القول بالمطابقتين في نظرية المعرفة وفي نظرية القيمة فيتوهم علمه محيطا وعمله تاما .والإسلام حرر الإنسان من الموقفين بتحريره من المطابقتين بمفهوم حد هو مفهوم الغيب. لكن علماء الملة بتأثير من الفلسفة اليونانية كما وصلتهم ومن الأديان التي تأثرت بها وذكرها القرآن في عرضه النقدي للأديان السابقة قبلوا بالمطابقتين فآل الأمر إلى تأسيس العلوم الغائية الخمسة (التفسير في المرجعيتين النصية والوجودية ويتفرع عنهما الفلسفة والكلام في النظر والعقد والتصوف والفقه في العمل الشرع وما يتولد من التواليف بينها) على القول بالمطابقتين ومن ثم امتناع التحرر من قلب العلاقة بين فصلت 53وآل عمران 7 ظنا أن تأويل المتشابه ممكن بالخلط بين الغيب والغائب فقاسوه على الشاهد الذي ظنوا علمهم به وعملهم مطابقين. وسأحاول في غاية البحث الجواب عن سؤالين أحدهما يتعلق بالمبدأ العام الذي يترتب على التحرر من القول بالمطابقتين من امتناع الفصل بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب لأن الثاني هو الذي يمثل المفهوم الحد الذي: .1يجعل مسعى الإنسان المعرفي في النظر والعقد مسارا لا يتوقف نحو المعادلة العادلة باجتهاد التواصي بالحق. أبو يعرب المرزوقي 97 الأسماء والبيان
-- .2ويجعل مسعاه القيمي في العمل والشرع مسارا لا يتوقف نحو المعادلة العادلة بجهاد التواصي بالصبر. .3إذا كان مومنا بالغيب ممثلا لما وراء عالم الشهادة وعلاقته به التي تمكنه من أن يدركه بالنظر ويعتقد حقيقة ما يدركه في حدود إدراكه له دون رده إليه. .4وإذا كان عاملا صالحا ممثلا لما وراء عالم الشهادة وعلاقته به التي تمكنه من أن يقيمه بالعمل ويعتقد في صدق ما يقيمه في حدود تقييمه له دون رده إليه. .5وتلك هي شروط الاستثناء من الخسر-في سورة العصر التي قال فيها الشافعي أنها ملخص التذكير القرآني كله-استثناء يترتب على التخلص من القول بالمطابقتين اللتين تمثلان علة تأله الإنسان وطغيانه في المعرفة والنظر والعقد وفي القيمة والعمل والشرع. وتلك هي علة وجود المعادلة الظالمة :أعني تأله الإنسان وطغيانه معرفيا في النظر والعقد وقيميا في العمل والشرع. ولهذه العلة كان الإسلام أول دين يقبل بالتعدد الديني من حيث هو أمر واقع ويرجئ الحسم في ما يختلف فيه أهلها إلى يوم الدين (البقرة 62والمائدة 69وحتى الحج )17لما يصبح البصر حديدا فيعلم الإنسان أن الدين عند الله واحد .والتعدد من حيث هو أمر واقع يعتبر شرطا في حصول أمرين: الأول هو الحرية الدينية التي تجعل الاختيار ممكنا من خلال الاجتهاد والجهاد. الثاني هو التسابق في الخيرات خلال عملية الاختيار التي تكون نتيجة تبين الرشد من الغي. .1وعلي الآن الجواب علن السؤال الأول التالي :ما مصدر القول بوحدة الديني والفلسفي هل هو بقية أدين بها لهيجل الذي يقول بما يشبه ذلك في كلامه على المسيحية التي وصلت حسب رأيه إلى مفهوم المصالحة بين الإلهي والطبيعي في الإنسان وفي التاريخ أم للأمر مصدر أعمق وأبعد غورا. أبو يعرب المرزوقي 98 الأسماء والبيان
-- .2وعلي كذلك الجواب عن السؤال الثاني التالي :ما مصدر القول إن الإسلام هو الدين الكوني الوحيد بدليل النساء 1والحجرات 13في حين أن معنى كاثوليكية هو ادعاء المسيحية الكونية كذلك -كاتالو تعني الكلية في اليونانية-ومن ثم ففي كلامي شبه تزييف للحقيقة التاريخية المتعلقة بتطور الفكر الديني. وفي الحقيقة فإن الجواب عن السؤالين موجود في القرآن أولا وفي مقدمة ابن خلدون ثانيا رغم أني لم أتفطن إليه قبل شروعي في التفسير ورغم أن اهتمامي بابن خلدون سابق عليه دون أن أنتبه إلى جوابه الصريح والذي له علاقة مباشرة بهذا الفصل الأخير من المحاولة. وابدأ بالظاهرة القرآنية التي تفيد ذلك ولم أنتبه إليها إلا مؤخرا بعد أن شرعت في هذه المحاولة وقرأت التمييز الخلدوني بين نظام الخلافة في ملء خانات البنية المجردة للدولة -نظام الملكية -أو الحكم العقلي الطبيعي في ملئها .وهو النص الذي ينبغي التذكير ببعضه إذ قد سبق فتكلمت على بعضه الآخر في الفصل السابق والذي مفاده أن هذا الملء يمكن أن يكون مقصورا على ما له صلة بعالم الشهادة فتتحدد شرعيته بتحقيق وظائف العمران ويمكن أن يتجاوزه إلى ما له صلة بعالم الغيب فتحدد شرعيته بها وبما يتعالى عليها ليضفي عليها معاني الاستخلاف إضافة إلى معاني الاستعمار في الأرض. والمقابلة بين العولمتين المادية والروحية قابلة للفهم بالاستناد إلى هذه المقابلة إذا لم تكون مقابلة بين الثيوقراطيا والأنثروبوقراطيا اللتين تردان إلى مجرد تغطية على الأبيسوقراطيا بحيث لا يكون البعد الروحي المستمد من الله أو من الإنسان خدعة تهدف إلى إخفاء بعدي العجل أي ربا الأموال الذي يجعل رمز الأموال ليس أداة تبادل بل سلطان على المتبادلين وربا الأقوال الذي يجعل رمز الأفعال ليس أداة تواصل بل سلطان على المتواصلين: أبو يعرب المرزوقي 99 الأسماء والبيان
-- وإليك نص ابن خلدون\" :وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد لو أهملت .وقدمنا أن الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح (يعني الملك يغني عن الخلافة). \"نعم إنها تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنه (الشارع) أعلم بهذه المصالح فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعها. \"وقد ينفرد (الملك) إذا كان من غير الملة .وله (الملك) على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعين خططا وتتوزع على رجال الدولة وظائف فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعينه الملك الذي تكون يده عالية عليهم فيتم بذلك أمره ويحسن قيامه بسلطانه. \"وأما المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإسلاميين\" (المقدمة الباب الثالث الفصل .)31 ورغم أن حكم ابن خلدون في المقابلة بين النظامين الخلافي والملكي فيه خطأ تاريخي لأن جعله خاصا بالمسلمين ليس عاما إلا عند الفصل بينهما لأن الجمع بينهما لا يخلو منه عمران حتى في عصره .فالمسيحية كانت قد وصلت إلى ما يشبه ما كان عليه الإسلام في علاقة الخلافة بالسلطنة في عصر ابن خلدون بل وقبله وبعده. وحتى الأنظمة التي يتصورها ملكية فإنها تتضمن وظائف الخليفة عندما يكون في نفس الوقت جامعا بين السطلتين .وأكثر من ذلك فحتى الأنظمة الطبيعية التي لم تصل إلى النوعين العقلي والديني فهي تتضمن بعض الوظائف الدينية البدائية وهي وظائف مشعرية في الغالب لا تخلو منها الوثينات. وإذن فكلام ابن خلدون يضمر أنه يقصر الدين على المنزل من الأديان ويظن أن السياسي في الدين شبه خاص بالإسلام وهو حكم غير مطابق للتاريخ حتى في الأنظمة التي وجدها الإسلام قبله في بيزنطة وفارس .والغريب أنه لاحظ انتهاء دور الخلافة وتكفل الملكية بوظائف الخليفة -رسوم-قبل أن تصبح السلطنة العثمانية خلافة .وهو أمر حصل أبو يعرب المرزوقي 100 الأسماء والبيان
-- بعد ابن خلدون بقرن ونيف أي بعد أن تغلبت على المماليك وأخذت رمز الخلافة الذي كان في مصر منذ سقوط الخلافة العباسية في منتصف القرن السابع-الثالث عشر (قبل تأليف المقدمة بقرن تقريبا). لكن لا بأس من المحافظة على هذا المعنى الخلدوني لأنه بنى عليه المقابلة بين صنفي النظم المتقابلين الذي سماه عقليا والذي سماه دينيا ليؤلف منهما مع الصنف الأصلي الذي يتفرعان عنه أي الطبيعي ومنها ثلاثتها يتألف النظام الأتم أعني النظام الجامع بين العقلي والديني والطبيعي واعتبره النظام الجاري في المعمورة كلها وخاصة في دار الإسلام (المقدمة الباب الثالث الفصل 25في معنى الخلافة والإمامة والفصل 51في أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره). ومع ذلك فتمييزه بين المصالح العمرانية التي يمكن أن تكون ملكية وغنية عن الخلافة وحاجتها إلى الخلافة تعد حاجة كمالية وليست ضرورية أمر مهم ومهم جدا لأن المقابلة الحالية بين الثيوقراطيا والعلمانية تقرب منها حتى وإن كانت الخلافة بمعناها الإسلامي ليست ثيوقراطيا لأنها لا تعتمد على الوصاية أي الحق الإلهي في الحكم كما في الكاثوليكية أو في التشيع وليس فيها مبدئيا وساطة بين المؤمن وربه أو كنسية .والملكية كذلك ليست علمانية رغم أنها انثروبوقراطيا لأنها لا تتضمن تعريفا لذاتها بنفي الوظائف الدينية بل بجعلها تابعة لإرادة الملك. وهما إذن نوعان مختلفان عن المقابلة الحديثة بين العلماني والديني .فلا الديني فيها بديل من العقلي بالمعنى المستثني للمقدس .ولا العقلي فيها بديل عن الديني المستثني لغير المقدس إذا لم يكن فيه شرع إلهي بالمعنى المنزل .وهذا هو ما جعلني اتفطن لظاهرة في القرآن كثيرا ما ترددت ولم أنتبه إليها ولا أعتقد أن أحدا اولاها الأهمية التي هي جديرة بها :وسأذكر منها ثلاثة أمثلة وردت القرآن الكريم ومثالان من السنة (ولعل مؤلف حي بن يقظان انطلق من هذه الفكرة): أبو يعرب المرزوقي 101 الأسماء والبيان
-- .1الشاهد من أهلها :فهو ليس نبيا ولا رسولا ومع ذلك فهو تمكن بعقله من معرفة الحقيقة ومعيار اثباتها. .2الرجل الصالح وموسى :ليس نبيا ولا رسولا ومع ذلك فهو يعلم الرسول. .3الرجل الذي يسعى من أقصى المدينة والرسل في يس :ليس نبيا ولا رسولا ومع ذلك ينصح أهل القرية باتباع الرسل.. .4أبو بكر الصديق والتصديق المطلق والصاحب الأول. .5الفاروق ونزول بعض الآيات المؤيدة لرأيه في مسائل عدة. فهذه الحالات الخمس تثبت دون منازع بأن إدراك الحقيقة يمكن أن يكون بالوحي ويمكن أن يكون بغيره (والمعلوم أن الوحي في القرآن ليس خاصا بالرسل ولا حتى بالإنسان بل هو ظاهرة عامة تشمل الإنسان والحيوان والجماد لأنه يعني تلقي خطاب الخالق) .وطبعا فليس للإنسان مصدر ثالث غير هذين على الأقل في مسألتنا لأن المشكل هو البحث عن الواحد المشترك بين الدين والفلسفة. فالوحي هو تلقي خطاب الله في الوجود وإدراك الحقيقة بالقدر الممكن إنسانيا ودون أن يكون بين المصدرين تفاوت إذا قبلنا بأن الوحي ليس فيه معرفة بالغيب الذي هو محجوب ولم نصدق من يزعمونه ممكن للرسل ليدعوا وراثة علم الغيبي من الحقيقة الدينية عنهم أو حتى للأيمة أو للأولياء من ذوي الدجل الصوفي .فحتى على الرسل والانبياء ليس لهم ا طلاع على الغيب إلا إذا خلطنا بين الغيب والغائب. فإدراك الغائب ممكن عقلا بطرد الشاهد عليه ممكن وهو شرط كل توقع سواء في النظر والعقد (الفرضيات) أوفي العمل والشرع (الاستراتيجيات) .لكن الغيب لا يقبل هذه القاعدة ومن ثم فكل ما ينسب إلى الرسل يرد إلى طرد الشاهد على الغائب وهو إذن من جنس الإدراك العقلي وليس الإدراك المتجاوز للعقل حتى لا يتوهم البعض أن كشف الغيب أبو يعرب المرزوقي 102 الأسماء والبيان
-- ممكن للرسل أو للمتصوفة والأولياء كما في كل محاولات التخريف الذي يدور حول الخضر والقطبية الصوفية. وقد بينت بالتحليل المنطقي العقلي أن كل ما ينسب إلى الخضر ليس فيه أدنى علم بالغيب لأنه لو كان ذلك كذلك لكان موسى أولى بعلمه منه لأن موسى نبي ورسول وهو مجرد رجل صالح لكنه ليس نبيا ولا رسولا .والقضية كلها لو فهمت بالمقابلة التي يفاخر بها مؤولوه للدلالة على أن الخضر أعلم وأحكم من موسى لكان ذلك دليلا على تبرير ثلاثة جرائم وليس ِحكما: .1قتل طفل بريء .2وخرق سفينة فقراء هي مورد رزقهم .3وحماية ثروة جماعة لا تحترم حاجة ابن السبيل .وكلها إذا فهمت حرفيا كانت دالة على الحمق وليس على الحكمة. والمفتاح موجود في خرق السفينة .فهل كان ذلك يحميها ويحمي مصدر رزق أصحابها لو كان الخرق مفسدا لها بحيث لا يمكن إصلاحها لاحقا؟ لو قسنا عليها قتل الطفل لصار يعني قتل نزعة الاجرام فيه وليس قتله هو .ومن ثم فالقصد ضرورة إصلاحه تربويا .والأخيرة هي ضرورة رد السيئة بالحسنة لتربية شعب لا يحترم وفادة الضيف. وذلك هو الدرس الذي يفهمنا الجمع بين احتجاج الرسول ورد الرجل الصالح ردا رمزيا فهم حرفيا فصار وكأن الصلاح هو علم الغيب الذي يبرر الجريمة .والمعلوم أن فولتار قد استغل هذه القصة في أحد مؤلفاته بنفس الدلالة التي تسيء فهمها .وحاشا أن يكون القرآن يبرر الجرائم التي اعتبروها حكمة لأنهم أساؤوا تأويلها (ربما بضمير خرافة اللبنة الذهبية فوق اللبنة الفضية). لا فرق بين الرجل الصالح مع موسى والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى والرجل الذي شهد على التي أرادت اغواء يوسف واتهمته باطلا وتصديق الصديق لمحمد وسبق رؤى الفاروق لنزول بعض آيات القرآن المؤيدة لها .وكل ذلك يعود إلى \"الواحد بين أبو يعرب المرزوقي 103 الأسماء والبيان
-- الديني والفلسفي\" أو بين ما يتوصل إليه الإنسان بالتحليل العقلي ومات يتوصل إليه بالحدس الوجداني في تلقي خطاب الله بمعنى آياته في الآفاق وفي الانفس وهو المعنى العام للوحي. وفهم هذه القضية هو الذي جعلني أحسم في مسألة ختم الوحي الرسالي المسألة التي كانت تحيرني .فإذا كنا نحتاج للرسل فكيف يمكن أن نصبح في غنى عن تواصل تلقي الوحي بالمعنى الرسالي؟ والجواب هو أن ذلك يصبح مفهوما إذا كانت الرسالة الاخيرة تسلم بالمبدأين الواردين في القرآن: الأول أن لكل أمة رسولا بلسانها وأن الامة التي لم تتلق رسالة توجد في وضعية البراءة الأصلية بمعنى أنها لا تتحمل مسؤولية مثل التي ليس لها حجة على عدم تطبيق التشريع السماوي .وهو حكم ابن تيمية في اليونان أو ما يقرب منه. الثاني أن الرسالة الخاتمة كونية بمعنى أنها لم تستثن أحدا بعد أن اعتبرت البشر اخوة (النساء )1واعتبرتهم مدعوون للتعارف معرفة ومعروفا لأنهم متساوون ولا يتفاضلون لا بالعرق ولا بالطبقة ولا بالجنس بل هم متساوون ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى. وحتى أكون أكثر دقة فإن هذا اللقاء بين الديني والفلسفي واعتبار الوعي بمعناه العام والكوني هو تلقي خطاب الخالق ليس في النصوص بل في رؤية آيات الله في الآفاق وفي الانفس وخاصة بعد الرسالة الكونية والخاتمة وتلك هي حقيقة القرآن (فصلت )53 وليست نصوصه إلى التذكير بذلك. كل ذلك لم يكن مفهوما عندي قبل أن أكتشف سر التجهيز الإنساني لتحقيق مهمتيه في الوجود وشرطي قيامه .وذلك هو معنى الفطرة التي يذكر بها القرآن بوصفها جهور الإسلامي الكوني وهو ليس مكتسبا بل المكتسب هو ما تضيفه إليه التجربة خلال رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس (فصلت .)53 أبو يعرب المرزوقي 104 الأسماء والبيان
-- أعني تجهيز الإنسان ليكون قادرا على سد حاجات المادية وتجهيزه ليكون قادرا على سد حاجاته الروحية .وهذان التجهيزان متراتبان تراتب المهمتين وشرطي بقاء الإنسان أعني ما جعله ابن خلدون موضوع المقدمة كما هو بين في العنوان :أي العمران البشري للأول وهو بالأساس علاقة بالطبيعة وعلاج لسد الحاجات المادية بالتبادل وشرطه والاجتماع الإنساني للثاني وهو بالأساس علاقة بالتاريخ وعلاج لسد الحاجات الروحية بالتواصل وشروطه: .1والتجهيز الأول يعود إلى مفهوم المقدرات الذهنية النظرية التي ينبني عليها النظر والعقد أساسا لتحقيق شروط الاستعمار في الأرض أو لحل إشكالات العلاقة بالطبيعة من حيث هي مصدر الرزق المادي للإنسان لأنه شرط ترجمة التجربة الإنسانية مع الطبيعة إلى قوانين تمكن من التعامل معها بالعمل على علم. .2والتجهيز الثاني يعود إلى مفهوم المقدرات الذهنية العملية التي أضفتها لما تفطن إليه ابن تيمية وهي التي ينبني عليها العمل والشرع أساسا لتحقيق شروط الاستخلاف في الأرض أو لحل إشكالات العلاقة بالتاريخ من حيث هو مصدر الرزق الروحي للإنسان لأنه شرط ترجمة التجربة الإنسانية مع التاريخ إلى سنن مستقرة تمكن من التعامل معه بالعمل على علم. والمشترك بين الفلسفي والديني هو ضرورة التجهيزين بسبب الحاجة على سد الحاجتين شرطين لقيام الإنسان وبقائه لكن الفرق بينهما هما التراتب بينهما .فالفلسفي يقدم الأول على الثاني والديني يقدم الثاني على الأول .وكلاهما يفسد إذا اقتصر على أحدهما دون الثاني فظنه كافيا ومغنيا عنه .وذلك ما قصده ابن خلدون بكلامه على الملك والخلافة. ومثلما فضل النظام التام بكونه في آن جامعا بينهما بوصفهما فرعين من الأصل الطبيعي فإنه لم يتكلم على ما يمكن أن يحصل من الفصل بينهما فصلا يظن فيه أحدهما مغنيا عن الثاني وهو موضوع بحثي لأني اعتبر: .1العولمة المادية هي التي تصورت الفلسفي مغنيا عن الديني والوجداني في سياسة العالم لقولها بالمطابقتين وتوهم معرفة العقل محيطة بالغيب. أبو يعرب المرزوقي 105 الأسماء والبيان
-- .2والعولمة الروحي هي التي تصورت الديني مغنيا عن الفلسفي والعقلي في سياسة العالم لقولها بالمطابقتين وتوهم معرفة الوحي محيطة بالغيب. ولأجب الآن عن السؤال الثاني :ما مصدر الزعم بأن الإسلام هو الدين الكوني الوحيد ومن ثم فهو الذي يبشر بالعولمة التي تجمع بين بعديها المتعلق بالاستعمار في الأرض والمتعلق بالاستخلاف فيها أي بالشروط المادية لقيام الإنسان والشروط الروحية لقيامه بمنطق النساء 1والحجرات 13وهو المنطق الذي ينعدم بمجرد أن نكتفي بأحدهما .والاكتفاء بأحدهما يعطينا العولمتين: المادية الخالصة التي توهمها أصحابها مغنية عن الروحية وهي التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن حاولت إصلاح المسيحية فإذا فيها تنتهي إلى مضاعفة تحريفها: كانت شبه نفي للدنيا فصارت شبه نفيا للأخرى. الروحية الخالصة التي توهمها أصحابها مغنية عن المادية وهي التي تمثلها الأمة الإسلامية بعد أن حرفت القرآن بأن تخلى علماؤها عن دلالة فصلت 53وأدمنت على رفض ما نهت عنه آل عمران 7فصارت كل علومها دالة على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة. من يقرأ مرجعية المسيحية أي الأناجيل -وهي أشبه بالحديث عندنا منها بالقرآن إذ هي رواية عن المسيح وليست كلام الله-قبل الإصلاح الأول التي أقدم عليه بولص-وذلك هو أصل معنى الكاثوليكية أي إضفاء الكونية على ما كان المسيح يعتبره تداركا خاصا باليهود -إنما بعثت للنعاج الضالة من بني إسرائيل-وذلك في رسائله للوثنيين أي لغير اليهود من شعوب الإمبراطورية الرومانية .لكن ما لم ينتبه إليه المتكلمون في هذا الإصلاح الأول هو أن هذه الكونية مقصورة على المخاطبين بالرسالة التي تبقى من حيث الاتصال بالرب حصرية في اليهود دون سواهم حتى إن أحد أكبر مفكري العصر الكلاسيكي (باسكال) كان يعتبر كون محمدا ليس يهودا دليلا كافيا على أنه ليس رسولا. أبو يعرب المرزوقي 106 الأسماء والبيان
-- وإذن فاليهودية الرسالة خاصة باليهود رسولا ومرسلا إليه وهي لا تعترف بغير العالم الدنيوي ومن ثم فالرسول لا يمكن أن يكون من غير اليهود والرسالة لا يمكن أن تكون لغير اليهود والبقية عبيد لهم لأنهم هم شعب الله المختار في الدنيا التي ليس لها أخرى. بولص تخلى علن القسم الثاني من الخصوصية وجعل الرسالة موجهة للجميع من هنا \"كاتالو\" بمعنى الكونية أو الكلية باليونانية فصارت الرسالة شاملة للبشر .لكن الشفيع يبقى ابن الله وهو يهودي :المسيح ويمكن اعتبار القراءة التثليثية ذات صلة بتأثير الفلسفة اليونانية أكثر مما هي من جوهر الفكرة المسيحية لأنها قريبة جدا من نظرة التثليث الارسطية في تصور الله \"عقلا يعقل عقله أو وحبا يحب حبه\". والإسلام يزيل التصورين ويعتبر الرسل أو ناقلي كلام الله ظاهرة كونية ويعتبر الرسالة للجميع أيضا .والرسالة للجميع لها معنيان توزيعي وتجميعي .فكل أمة لها رسول بلسانها. التي لم تتلق رسالة تبقى على النفي الأصلي أي إن عقلها كاف وليست مطالبة بأحكام الدين الكوني (الإسلام) وهي مطلقة البراءة الاصلية بلغة ابن خلدون .وهذا هو حكم ابن تيمية في اليونان .والرسالة الخاتمة لجميع البشر وشرط الإيمان بها الإيمان بكل الرسل وبكل الكتب السماوية وطبعا بالعقل معها أو حتى بمفرده في حالة غيابها. وقبل المرور إلى المقارنة بين المسعيين إلى المعادلة العادلة التامة أو الناقصة لا بد من التذكير بالمراحل التي بينتها في الفصل السابق حول مراحل تاريخ هذا المسعى في الحضارة الإسلامية: .1النشأة حوالي 40سنة وهي مضاعفة أي لحظة الرسول ولحظة الراشدين .وكلتا اللحظتين تمثلان المثال الأعلى في ملء خانات الدولة المجردة بأفضل تعيين ممكن للقيمين لأن التغير في التاريخ يتعلق بأنظمة تعيين القيمية وليس بالبنية ا لمجردة التي هي كونية دائما .في حين أن نظام تعيين القيمين هو الذي يتدرج في السعي إلى الكونية. .2الدولة الأموية الشرقية-ما يقرب من قرن -ولم أتكلم على الغربية لأني اكتفيت بالكلام على المركز الأساسي الذي يعرف ما عداه بالقياس إليه :وقد بدأ بالجمع فكانت أبو يعرب المرزوقي 107 الأسماء والبيان
-- الخلافة سلطنة في آن ثم صارت خلافة مع تعدد السلطنات التي بدأت تستقل بسبب شساعة الإمبراطورية الإسلامية وعسر فرض سلطة المركز. .3الخلافة ا لعباسية -ما يقرب من ستة قرون-نفس المسار رغم أنها كانت قد سقطت منها أجزاء كبيرة إلى أن كادت تقتصر على بغداد قبل سقوطها .4زوال الخلافة -حوالي قرنين-بين منتصف القرن السابع عشر وخمس القرن السادس عشر وتحول دار الإسلام إلى سلطنات لا يربطها رابط الخلافة إلى أن استردت السلطنة العثمانية رمز الخلافة من المماليك في مصر بعد افتكاكها من ا لممالك في الخمس ا لأول من ا لقرن السادس عشر. .5الخلافة العثمانية – حوالي خمسة قرون-منذئذ إلى سقوط الخلافة العثمانية في الربع الأول من ال قرن العشرين .وهي مثل المراحل السابقة تبدأ بوحدة السلطتين الخلافية والسلطانية ثم تنفصل عنها الولايات التي تصبح سلطنات شبه مستقلة ولا يبقى لها صلة مع الخلافة إلى في الشعائر والشريعة. .6المقاومة للاستئناف ويمكن القول إن ذلك دام قرنا قرنين كاملين لأنه بدأ منذ أن صارت الخلافة مهددة بالسقوط ثم بعد سقوطها إلى احياء الأمل من جديد لإعادة بناء من نوع جديد قد يكون شبيها بالتجمعات الحضارية التي من جنس ما يحدث في أوروبا التي كانت شبيهة بالخلافة وهي اليوم أشبه بالفدرالية الامريكية وإن كانت ما تزال هشة .وهو المأمول بالنسبة إلى المسلمين أو على الأقل بالنسبة على الإقليم الذي تلتقي فيه القارات الثلاث القديمة والذي سميته \"ولايات الوسط المتحدة\". يمكنني الآن أن أمر إلى المقارنة السريعة بين المسعيين الإسلامي والمسيحي بعد الإصلاح الثاني في القرن السادس عشر والذي تعلق بمحاكاة حلين إسلاميين مع المبالغة في إطلاقيهما بسبب القول بالمطابقتين: الحد من الوساطة في التربية بتحجيم دور الكنيسة وجعل العلاقة بين الإنسان وربه مباشرة لكن نظرية الرب في المسيحية وفي اليهودية محرفة ما يجعل المآل في الهيجلية أبو يعرب المرزوقي 108 الأسماء والبيان
-- والماركسية هو المآل الوحيد الممكن والأول يمكن اعتباره في التطبيق تأسيسا للرؤية الليبرالية والفاشية باسم رؤية للإنسان المتأله في والثاني تأسيسا للرؤية الاشتراكية والفاشية في آن باسم رؤية للإنسان المتأله. الحد من الوصاية في الحكم بتحجيم دور الحق الإلهي في الحكم وجعل العلاقة بين الإنسان وشأنه مباشرة لكن نظرية شأنه في المسيحية واليهودية محرفة ما يجل نفس المآل يتحول إلى الطبعانية في الهيجلية بمنطق صراع أرواح الشعوب أو في الماركسية بمنطق صراع الطبقات. وهو ما يؤدي في الحالتين إلى رد تاريخ الإنسانية إلى التاريخ الطبيعي إما برد ما يتعالى عليه إليه كما يفعل هيجل بمفهوم المصالحة أو بنفيه أصلا والاقتصار على التاريخ المادي ما دام مقصورا على التاريخ الطبيعي الذي ليس له ما وراء بمعنى أن مآل الهيجلية إلى الماركسية ليس إلا ترجمة للإصلاح الثاني الذي ليس هو إلى عودة المسيحية إلى اليهودية ولم يبق للديني في الحقيقة إلى ما يمكن رده إلى ظاهرة نفسية أو ابيفينومان من جنس ما فهمه فيورباخ أي إن الله نفسه من انتاج ظاهرة نفسية إنسانية هي حاجة الإنسان إلى ما يسد ما يدركه من عدم كمال في نفسه .فيصبح التاريخ هو هذا الاستكمال الدنيوي ولا شيء وراءه. المقارنة هي إذن بين المسارين في طلب المعادلة الوجودية المسار الإسلامي في أنظمة القوامة أي ما آل إليه تحريف المسلمين لرؤية الإسلام وفيه تجلت الأبيسيوقراطيا التابعة لأنها نتجت عن وهم الاستخلاف من دون شرطه أي الاستعمار في الأرض. المسار الأميركي في أنظمة القوامة أي ما آل إليه تحريف المسيحيين لرؤية المسيحية وفيه تجلت الأبيسيوقراطيا المتبوعة لأنها نتجت عن وهم الاستعمار من دون شرطه أي الاستخلاف في الأرض. أبو يعرب المرزوقي 109 الأسماء والبيان
-- وبين أن الولايات المتحدة من أكثر شعوب الغرب تدينا شعبيا مع الرؤية الأبيسوقراطية مثلها مثل المسلمين الذين هم أكثر شعوب الشرق تدينا شعبويا مع الرؤية الأبيسيوقراطية. وإذن فالتدين الشعبي يمثل في الحالتين وبصورة لا لبس فيها البنية العميقة التي سميتها الابيسيوقراطيا التابعة في حالة العرب من المسلمين خاصة والمتبوعة في حالة الولايات المتحدة من المسيحيين خاصة. وسأكتفي بعرض مسالتين يستند إليهما ما ادعيته من تقارب شكلي بين نظام القوامة بين الولايات المتحدة الأمريكية غاية العولمة الفاعلة وهو غني عن الكلام الطويل لأن الأمر بين للجميع .لكن ما يحتاج لطويل شرح هو ما حصل في نظام القوامة الإسلامية وما آل إليه في غاية العولمة المنفعلة .والمعلوم أن نظام القوامة ليس هو الدولة من حيث البنية المجردة بل ما تملأ به الجماعات خانات البنية المجردة للدولة .وهذه البنية المجردة هي كما بينت سابقا بنية كونية لا تتغير لا بحسب الزمان ولا بحسب المكان لأنها عين كون الجماعة جماعة ذات نظام ذاتي مرسوم في كيان الإنسان من حيث هو إنسان له الوعي بشروط بقائه التي هي ما يسمى بوظائف الجماعة والتي يكون الوعي بها شرط ملئيها ما يعينها لتصبح قوامة الذات لذاتها فردا وجماعة وإنسانية. لذلك فليست المقارنة بين الدول من حيث البنية ا لمجردة لأنها واحدة عند جميع البشر بل هي بين الأنظمة السياسية التي تملأ خانات البنية المجردة والتي تتقارب الشعوب فيها إذا قسنا ما حققته بما يقرب من المعادلة العادلة بتحقيق بعض شروطها التي تقبل الحصر في جنسين: .1الأول هو جنس الشروط التي تنتسب إلى الاستعمار في الأرض والتي سماها ابن خلدون مصالح العمران وهي قابلة للفصل عن النوع الثاني من أنظمة القوامة .وقد سمى ابن خلدون هذا النوع من الأنظمة العقلية ويعتبرها على نوعين :التي تراعي مصالح الحاكم وحده والتي تراعي مصالح الحاكم والمحكوم .ويعتبر الفرس قد طبقوها. أبو يعرب المرزوقي 110 الأسماء والبيان
-- وطبعا فعلة هذا الخطأ الخلدوني هو ظنه أن الدين لا دخل له في سياسة الفرس ربما لأنه لا يعتبر دينيا إلا ما كان منزلا كما في اعتراضه على ابن سينا بحجة مفادها أن أكثر البشر لا دين لهم -ويقصد ليس لهم رسل-ولعله يفكر في شعوب آسيا من غير المسلمين .لكن المخرج هو أنه يعتبر الشوكة يمكن أن تكون كافية لأن نسبته الطاعة إلى تحقق المصلحة العمرانية أي أداء وظائف القوامة المصلحية. وقد رأينا في الفصل السابق أنه حتى في هذه الحالة وظائف القوامة تتأسس في مرجعية هي التي تعين المصلحة العمرانية حتى وإن لم تكن هي التي تحددها من حيث البنية الكونية المجردة للدولة .فكل الوظائف من حيث البنية المجردة تتحدد في المرجعية لكن تعين القوامة فيها هي التي تختلف من جماعة إلى أخرى بحسب غلبة تأويل القوى السياسية للمرجعية مع المحافظة على الوظائف العشرة ورئاستها خمسة للرعاية وخمسة للحماية. .2الثاني هو جنس الشروط التي تنتسب إلى الاستخلاف فيها والتي سماها ابن خلدون ما تضيفه الخلافة للملكية في أنظمة القوامة أي رعاية الشرع السماوي التي فيها ما لا يمكن للعقل أن يكفي لتأسيسه .وهو يعتبر هذا الجنس ذا نوع واحد ولم ير فيه ما رآه في العقلي أي إن فيه ما يكون لصالح الحاكم وحده وفيه ما يكون لصالح الحاكم والمحكوم. ولو تناسق في بحثه لاعتبر ذلك كذلك أيضا لأن الدين يمكن أن يستغل مثل العقل إما لصالح الحاكم والمحكوم أو لصالح الحاكم وحده .ولعل الدين أقرب إلى ذلك من العقل لأن الثاني لا يرجيء الجزاء والأول يفعل فيصبح مطابقا للرؤية الماركسية التي تعتبره عملية تعويضية للقبول بالظلم الموجود. وابن خلدون يعتبر الحالتين العقلية المضاعفة والدينية المضاعفة لا تمثل أنظمة فعلية لأن الأنظمة الفعلية لا بد أن تكون جامعة بينها أربعتها مع أصلها الذي تحاول السيطرة عليه وهي طبيعة العلاقة الطبيعية بين البشر وهي التظالم والعدوان المتبادل الذي لأجله أبو يعرب المرزوقي 111 الأسماء والبيان
-- جعلت الجماعة أولا وبنيتها هي الدولة المجردة ثم جعلت الأنظمة لتأسيس القوامة فرض كفاية يصبح فيها ملء الخانات من الوظائف. والجماعة هي التي تكلف بها من يؤديها نيابة عنها إما بالأنظمة الملكية التي تعنى بالمصالح العمرانية كما عرفها أو التي تتجاوزها لتضيف إلى المصالح العمرانية أي مصالح الاستعمار في الأرض أو المصالح الاقتصادية (الاستعمال والتبادل) المصالح الاجتماعية أي مصالح الاستخلاف فيها (عنوان المقدمة) .وهذه المصالح هي ما يتعلق بالقيم المتعالية على القيم الاقتصادية (الكرامة والحرية) .وبذلك يمكن القول إن جعل هذه تابعة لتلك له شكلان متناظران بالسلب دائما وهو هذا هو التناظر بين العولمتين الأمريكية والإسلامية: .1فالإسلام اكتشف قبل كل الأديان الأخرى كونية القيم الروحية أي الكرامة والحرية .لكن المسلمين تصوروا الاستخلاف في الأرض كافيا ومغنيا عن الاستعمار فيها فأصبحت الكونية عزلاء ومن ثم فهي كونية تابعة للغير بالضرورة إذ أصبحت الكرامة والحرية تابعة للاستعمال والتبادل اللذين هما قيمتان يسيطر عليهما الغير فيصبح سيدا عليهم بدلا من ربهم. .2والأمريكان اكتشفوا قبل الجماعات الأخرى كونية القيم المادية أي الاستعمال والتبادل .لكنهم تصوروا الاستعمار في الأرض كافيا ومغنيا عن الاستخلاف فيها فأصبحت الكونية مسلحة ومن ثم فهي كونية مستتبعة للغير بالضرورة إذ أصبحت الكرامة والحرية تقتضي ما يشبه نظرية شعب الله المختار الذي يعتبر البقية جوهيم يستعبدهم بما له من قوة. وإذن فالتناظر المتعاكس هو في آن ترابط بين غايتين وصلت إليهما الإنسانية الأولى عندنا والثانية عند الامريكان .والأولى وهم الاستخلاف من دون الاستعمار في الأرض .والثانية وهم الاستعمار في الأرض من دون الاستخلاف .وتلك هي إشكالية العولمة المادية الحالية والعولمة الروحية الحالية وتبعية الثانية للأولى .والمطلوب تحرير الأولى من رؤية الاستتباع والثانية من رؤية التبعية .ولا يكون ذلك ممكنا من دون أن يضيف المسلمون أبو يعرب المرزوقي 112 الأسماء والبيان
-- شروط الاستعمار في الأرض والأمريكيون شروط الاستخلاف فيها فتتجاوز الإنسانية أزمتها الحالية بتطبيق النساء 1والحجرات .13 فالولايات المتحدة توجد حاليا وفي غاية ما وصل إليه نظام القوامة التي تملأ نفس الخانات في البنية المجردة للدولة الإسلامية كما وصفها ابن خلدون في المقدمة لكنها حققتها بمنطق متناقض النساء 1والحجرات 13أي يمنطق استتباع بقية البشر بالعنف ولا أحتاج لبيان حصول العكس عند المسلمين ولكن في الأقوال لأن الامة عاجزة دون الأفعال التي تجعل النساء 1والحجرات 13تكونان فعليتين وليستا قوليتين .وهذا ما أريد اثباته بالاعتماد على معطيات عينية بعد أن اعتمدنا في الفصل السابق على المقومات الرؤيوية التي ينبغ منها التقارب بين المسعيين نحو المعادلة العادلة في تعيين البنية المجردة للدولة بما يملؤها ممن يكلفون بالقوامة نيابة عن الجماعة وقد جرت العادة في المقارنات التي يقوم بها المثقفون من المسلمين سواء كانوا من التأصيليين أو من التحديثيين محاولة تقييم أعمل الأمة بمعيار ما حققه الغرب وذلك في كل المجالات والغاية هي الفخر بالسبق .وهذا النوع من المقارنة هو آخر ما يعنيني: .1أولا لأن جهد البشرية في تحقيق شروط بقائها واحد يتقاسمه المتساوقون والمتوالون ولا شيء مما يحقق شروط قيام الإنسان ليس حصيلة كل تاريخ الإنسانية ما مضى منه وما هو آت لأن ما هو آت هو دائما تحقيق لأحلام ما سبق. .2وثانيا لأني في الغالب اثبت أن الكونية ثابتة في الوظائف مثل كل الوظائف الحية والحضاري منها لا يختلف عنها والخصوصيات أسلوبية وهي من جنس اللباس والعمران تؤدي نفس الوظيفة رغم الاختلاف في الأقمشة والخياطة للأول والمواد وأساليب العمارة في الثاني. وإذن فلا يمكن أ ن يكون اللاحق معيارا لتقييم السابق والسابق ليس معيارا لتقييم اللاحق إذ إن السبق في الزمان أو التلو فيه لا يعني السبق أو التلو في ما يتحقق خلاله بل إن كل نشاط له زمانيته الكونية التي تترتب على تراكم الأحداث والأحاديث المتعلقة بها أبو يعرب المرزوقي 113 الأسماء والبيان
-- بنوعيهما المتعلقين بالماضي والمستقبل لأن التراث من المكتسبات وهو يمر حتما بنظام تكوين الأجيال بالاعتماد على الخبرة الحاصلة في الممارسة والحاصلة في النظرية والحاصل منهما يكون من الماضي إذا كان متعلقا بالأحداث الماضية لكنه يمكن أن يكون من المستقبل إذا كان متعلقا بالأحاديث .فالأحداث سابقة في الماضي لكنها لاحقة في المستقبل والعكس بالنسبة إلى الأحاديث .ولهذه العلة فقد اعتبرت الزمان التاريخي الإنساني مخمس الأبعاد والحاضر ليس بين الماضي والمستقبل بل هو محيط بهما وهما بينه تقدمه على ما مضى في فهمه وعلى ما سيأتي في توقعه. وإذن فالمعيار خارج الاثنين وهو مفهوم المعادلة العادلة الذي هو في آن من المقدرات الذهنية النظرية التي يحتكم إليها في النظر والعقد لتحقيق شروط الاستعمار في الأرض (ابن تيمية) ومن المقدرات الذهنية العملية التي قستها عليها والتي يحتكم إليها في العمل والشرع لتحقيق شروط الاستخلاف فيها .فالتسابق إن وجد هو في السعي إليها والتراتب في القرب منها إذ لا أحد يمكن أن يطابقها. لكنها معلومة من حيث هي غاية وهو المعنى الذي أردت بيانه في كلامي على نظرية أرسطو في الفضيلة ونظرية القرآن في الوسطية والتي هي ليست وسطا بين رذيلتين أو تطرفين بل هي المعيار الذي يوصف ما يبتعد عنها بالرذيلة والتطرف فتكون هي المعيار للطرفين وليست ما يعير بهما. والفرق شاسع :ذلك أن لو لم يكن الإنسان يعلم الزاوية القائمة مثلا لما كان لمعنى الحادة والمنفرجة معنى .ولو لم يكن الإنسان يعلم العدل لاستحال عليه أن يحدد الظلم سواء ظلم الغير أو ظلم الذات وهو معنى التطرفين في كل القيم الخمس أي حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال الذوق وجلال الرؤية وهي ما به يكون الإنسان أهلا للاستخلاف. وإذن فسأقوم بالمقارنة لبيان التناظر العكسي بين الوصول إلى الغاية في فساد العلاج الأمريكي والإسلامي رغم التماثل الشكلي مع التعاكس القيمي لكون الأمريكي اقتصر على أبو يعرب المرزوقي 114 الأسماء والبيان
-- الاستعمار في الأرض ورد إليه الاستخلاف والمسلم اقتصر على الاستخلاف ورد إليه الاستعمار في الأرض .والأول ممكن وهو شرط استتباع الغير .والثاني ممكن وهو شرط التبعية للغير .وإذن فنحن أمام عولمة الاستتباع الأميركية وعولمة التبعية الإسلامية. وفي مثالنا المسلم ظالم نفسه لأنه فقد حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة جمال الذوق وجلال الرؤية وأصبح يحلم بالنموذج الأمريكي متصورا أن ذلك هو الحرية والصدق والقدرة والجمال والجلال والأمريكي ظالم غيره لأنه يستمد ما يظنه تلك القيم بالحرب عليها عند الغير موهما نفسه أنه بذلك يكون ذا إرادة حرة وذا علم صادق وقدرة خيرة وذوق جميل ورؤية جليلة ولا يدري أنه لا يختلف عن المسلم إلا بكونه الوجه الثاني من نفس قطعة العملة التي هي فساد معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون سواء كانت سيادة أو عبودية. فالإنسان لا يعرف بالسيادة ولا بالعبودية (هيجل وماركس) إذ هو \"رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" وهو التعريف الذي لا يستقيم من دون النساء 1والحجرات 13 اللتين تخلى المسلمون عنهما فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وأكلة لكل آكل وصاروا مجرمين مثل الامريكان لأن المنفعل مسهم مع الفاعل في ما يسود العالم من شر بسبب تخليه عن فرض العين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الوسائل الخمس الشرعية لذلك :القلب واللسان واليد وما بين القلب واللسان وما بين اللسان واليد: .1المسالة الأولى هي مسألة تقسيم الخطط بين الخلافة والسلطة ولكن بعبارة ابن خلدون التي تفصل بين الملكية التي تعنى بمصالح العمران دون وصلها بالأمر الديني والخطط التي تضيفها الخلافة إليها بأن تضيف الامر الديني ما يعني أن الأولى علمانية أو كما يبين تصنيف ابن خلدون للأنظمة العقلية بصنفيها والدينية بصنفيها والأصل العام الذي لا بد فيها من العقلي والديني لتجاوز الطبيعي. .2المسألة الثانية هي مسألة تعريف كتب الأحكام السلطانية للعناصر المقومة لنظام الخلافة وشروطه ومكوناته التي تتعلق بشروط الترشح لها التي تتعلق بالكفاءة العلمية أبو يعرب المرزوقي 115 الأسماء والبيان
-- والخلقية شرطا في الاجتهاد والسلامة الصحية والقدرات البدنية شرطا في الجهاد ولجنة الترشيح وتنظيم البيعة والجرم الانتخابي المضيق والموسع ومعنى السيادة العامة وتوزيع السلطة على المكان ومعاييرها. يميز ابن خلدون إذن بين الخطط التي ينسبها إلى المصالح العمرانية والتي تتبع السلطان وهو صاحب السلطة التنفيذية والتشريع الذي ليس فيه نص من الشريعة أو اجتهادات اجتماعية في المذهب الذي تنتسب إليه السلطنة. والخطط التي ينسبها إلى الخلافة والتي تضاف إليها وهي تتعلق بالسلطة التشريعية التي تستثنى من تشريع السلطة التنفيذية وهي كما ذكرنا ما فيه نص من الشريعة أو اجتهادات اجتماعية في المذاهب الفقهية المعترف بها في الخلافة. وسأبدأ بهذه الثانية وهي تشمل وظائف القوامة في -1التربية -2والقضاء -3والجهاد -4والضمان الاجتماعي أو الانفاق من الرزق المحددة شرعا وكل ما له علاقة بالأوقاف -5 والشعائر الدينية .ومن ثم فللخلافة دور في مالية الدولة من وجه الانفاق من الرزق والأوقاف التي تستثنى من سلطة السلاطين .ومعها سلطة ذات أهمية كبرى غالبا ما تهمل في الكلام على تنظيم القوامة وهي سلطة شروط التعاوض العادل أعني صك العملة والمكاييل والمقاييس والحسبة: يقول ابن خلدون\" :فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة فكأنها الإمام الكبير والأصل الجامع وهذه كلها متفرعة عنها وداخلة فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية وتنفيذ أحكام المشرع فيها على العموم\". العدالة والحسبة السكة ويورد هنا ابن خلدون القانون الجنائي في المشتركات ثم صارت هي والتنفيذ تابعين للسلطان .وهي تابعة لبعض الوظائف المشتركة بين الخلافة والسلطنة -ولا يصح أن نعتبر المقابلة بينهما مقابلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لأن التشريع ليس للخليفة أبو يعرب المرزوقي 116 الأسماء والبيان
-- بل هو لله والرسول والمجتهدين والاجماع-وسنعود إليها بعد أن نحدد سلطة السلاطين وهم كثرة لأنهم يشبهون الولايات في فدرالية الولايات المتحدة وسيادتها تبقى ضمن السيادة الكبرى للخلافة التي تشمل كل السلطنات. أما وظائف القوامة التي تعود إلى السلاطين :الإمارة والوزارة والحجابة والحرب والخراج بعد أن خرجت من سلطة الخلافة التي صارت رمزية فأصبحت سلطانية أي تابعة للسلطة الفعلية .وبعض الوظائف زالت والجهاد بطل أو أضيف إلى السلطانيات وذلك في الفاصلة بين نهاية الخلافة العباسية وبداية الخلافة العثمانية وهي فاصلة دامت ما يقرب من القرنين. وتسجيل ابن خلدون هذه التشكيلة كانت في منتصفها أي في أواخر القرن الثامن الرابع عشر .و\"أهم ما بطل من وظائف الخلافة نقابة الانساب التي يتوصل بها للخلافة أو الحق من بيت المال بطلت لدثور الخلافة ورسومها وكلها صارت في عهد ابن خلدون تابعة لرسوم الملك والسياسة في سائر الدول لهذا العهد\". وهذا الذي دثر لم يعد لأن العثمانيين لم يدعوا النسب القرشي ولأن علم ا لكلام منذ القرن الخامس تخلوا عن شرط القرشية (إمام الحرمين أول هذا الشرط كما صاغ ابن خلدون ذلك بأنه كان يعني العصبية وهو إذن يصبح من حق أي عصبية تحكم المسلمين وإمام الحرمين كان يشرع للسلاجقة (وهي بداية العثمانية بنحو ما لأنهم أتراك لكنهم حكموا في إطار الخلافة العباسية) .وقد حكم قبلهم البويهيون في إطار الخلافة العباسية كذلك .لكن الخلافة كما أسلفت تبدأ سلطانية خلافية أي جامعة بين الشرعية الخلافية (نسبة على الاستخلاف في الأرض) والشوكة الدنيوية أو العمرانية (نسبة إلى الاستعمار في الأرض) كما يسميها ابن خلدون. تجاوز الفصل ما قدرت لكني مضطر لمسك العنان فلأختم بملاحظتين في شكل تساؤلين: .1هل استطاع المسلمون بعد أن فصلت الخلافة عن الملكية أو بعد أن صارت الخلافة سلطانا رمزيا لا أثر له في وظائف العمران عدا تبرير الموجود في من المفروض أن يكون أبو يعرب المرزوقي 117 الأسماء والبيان
-- مسؤولا عنها بالملكية أن يحققوا وظائف العمران أم إن الملكية عادة إلى النظام الطبيعي الغفل الذي يحكمه العنف الذي يفسد معاني الإنسانية وتصبح التربية التي تتبع الخلافة ممثلة للعنف الرمزي في تربية وظيفتها تبرير العنف المادي للحكم؟ .2هل الأبيسوقراطيا التابعة أو المنفعلة هي شيء آخر غير الوجه الثاني للأبيسيوقراطيا المتبوعة أو الفاعلة بحيث إن وضع المسلمين عامة والعرب منهم خاصة في علاقتهم بالغربيين عامة والأميركان منهم خاصة ليس أمرا ناتجا عن الصدف بل هو غاية ما وصل إليه تاريخ الإنسانية الحالي بمعنى أن العولمة الإسلامية والعولمة الأمريكية وجهان لنفس الظاهرة واحد منفعلة والثانية فاعلة ولا يمكن تحرير الإنسانية إلى بفهم هذه العلاقة. وفهمها سيؤدي إما إلى إصلاحها ومن ثم إلى تحالف بين الأمريكان والمسلمين لتحرير الإنسانية من الاستعمار في الأرض فعال من دون استخلاف ودين صادق ومن الاستخلاف في الأرض صادق من دون استعمار في الأرض فعال أو إلى حرب مدمرة مثل الجارية منذ أن صارت العولمة الغربية الفاعلة ككل ممثلة بالولايات المتحدة والعولمة الإسلامية المنفعلة ككل ممثلة بالإقليم الذي تلتقي فيه القارات القديمة الثلاثة والذي هو مركز هذا الحرب التي آن أوان تجاوزها واعتقد أن كورونا يمكن اعتبارها العلامة الفاصلة في ذلك لأنها. .1أثبتت كذبة المطابقتين :أي إن التقدم ا لعلمي والقيمي مهما بلغا يبقيان دائما نسبيين ولا يمكن أن يكون العلم محيطا ولا العمل تاما. .2أثبتت ضرر الأبيسيوقراطيا :أي إن التقدم الاقتصادي والثقافي مهما بلغا يبقيان رهن ما يتعالى على ربا الأموال وحق التعاون مقدم على الربح وربا الاقوال وصدق التواصل مقدم على الخداع. وذلك القصد بوحدة الديني والفلسفي الذي أحاول بيانه ولا علاقة له بما يراه هيجل لأنه هو جوهر القرآن الذي يرجئ حتى الفصل بين الأديان إلى يوم الدين وشرطه وجود اليوم الآخر وهو ما يعتبر رفضا قاطعا لأساس فكر هيجل وماركس كله أي القول إن التاريخ أبو يعرب المرزوقي 118 الأسماء والبيان
-- هو الحكم النهائي وأن الإلهي حال في الطبيعي سواء كان ماديا جامدا (ماركس) أو حيا إنسانا (هيجل). أبو يعرب المرزوقي 119 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 120 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124