Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2020-04-21 17:55:34

Description: محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫لن تبلغ هذه المحاولة المؤلفة من عشرة فصول (‪ 3‬ثم من ‪ 4‬إلى ‪ 6‬مضاعفة ثم هذا‬ ‫السابع) غايتها قبل أن أجيب عن سؤالين بقي الجواب فيهما مضمرا رغم أني أردد ما يوجبه‬ ‫كثيرا في محاولات فهم دور الإسلام في التاريخ الكوني وخاصة في مرحلة بلوغ الإنسانية إلى‬ ‫الكونية‪ .‬وهي قد بلغتها على الأقل في مستواها المادي المحكوم ببعدي دين العجل أو بما‬ ‫سميته بالابيسيوقراطيا‪.‬‬ ‫وهذا النظام هو البنية العميقة للحدين الأقصيين من تنظم الشأن الإنساني‪ .‬والحدان‬ ‫الاقصيان يترتبان على موقفين من علاقة عالمي الشهادة والغيب عندما ينحط الفكر‬ ‫الإنساني الى القول بالمطابقتين في نظرية المعرفة وفي نظرية القيمة فيتوهم علمه محيطا‬ ‫وعمله تاما‪ .‬والإسلام حرر الإنسان من الموقفين بتحريره من المطابقتين بمفهوم حد هو‬ ‫مفهوم الغيب‪.‬‬ ‫لكن علماء الملة بتأثير من الفلسفة اليونانية كما وصلتهم ومن الأديان التي تأثرت بها‬ ‫وذكرها القرآن في عرضه النقدي للأديان السابقة قبلوا بالمطابقتين فآل الأمر إلى تأسيس‬ ‫العلوم الغائية الخمسة (التفسير في المرجعيتين النصية والوجودية ويتفرع عنهما الفلسفة‬ ‫والكلام في النظر والعقد والتصوف والفقه في العمل الشرع وما يتولد من التواليف بينها)‬ ‫على القول بالمطابقتين ومن ثم امتناع التحرر من قلب العلاقة بين فصلت ‪ 53‬وآل عمران ‪7‬‬ ‫ظنا أن تأويل المتشابه ممكن بالخلط بين الغيب والغائب فقاسوه على الشاهد الذي ظنوا‬ ‫علمهم به وعملهم مطابقين‪.‬‬ ‫وسأحاول في غاية البحث الجواب عن سؤالين أحدهما يتعلق بالمبدأ العام الذي يترتب‬ ‫على التحرر من القول بالمطابقتين من امتناع الفصل بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب‬ ‫لأن الثاني هو الذي يمثل المفهوم الحد الذي‪:‬‬ ‫‪ .1‬يجعل مسعى الإنسان المعرفي في النظر والعقد مسارا لا يتوقف نحو المعادلة العادلة‬ ‫باجتهاد التواصي بالحق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪97‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬ويجعل مسعاه القيمي في العمل والشرع مسارا لا يتوقف نحو المعادلة العادلة بجهاد‬ ‫التواصي بالصبر‪.‬‬ ‫‪ .3‬إذا كان مومنا بالغيب ممثلا لما وراء عالم الشهادة وعلاقته به التي تمكنه من أن‬ ‫يدركه بالنظر ويعتقد حقيقة ما يدركه في حدود إدراكه له دون رده إليه‪.‬‬ ‫‪ .4‬وإذا كان عاملا صالحا ممثلا لما وراء عالم الشهادة وعلاقته به التي تمكنه من أن‬ ‫يقيمه بالعمل ويعتقد في صدق ما يقيمه في حدود تقييمه له دون رده إليه‪.‬‬ ‫‪ .5‬وتلك هي شروط الاستثناء من الخسر‪-‬في سورة العصر التي قال فيها الشافعي‬ ‫أنها ملخص التذكير القرآني كله‪-‬استثناء يترتب على التخلص من القول بالمطابقتين اللتين‬ ‫تمثلان علة تأله الإنسان وطغيانه في المعرفة والنظر والعقد وفي القيمة والعمل والشرع‪.‬‬ ‫وتلك هي علة وجود المعادلة الظالمة‪ :‬أعني تأله الإنسان وطغيانه معرفيا في النظر والعقد‬ ‫وقيميا في العمل والشرع‪.‬‬ ‫ولهذه العلة كان الإسلام أول دين يقبل بالتعدد الديني من حيث هو أمر واقع ويرجئ‬ ‫الحسم في ما يختلف فيه أهلها إلى يوم الدين (البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ 69‬وحتى الحج ‪ )17‬لما‬ ‫يصبح البصر حديدا فيعلم الإنسان أن الدين عند الله واحد‪ .‬والتعدد من حيث هو أمر‬ ‫واقع يعتبر شرطا في حصول أمرين‪:‬‬ ‫الأول هو الحرية الدينية التي تجعل الاختيار ممكنا من خلال الاجتهاد والجهاد‪.‬‬ ‫الثاني هو التسابق في الخيرات خلال عملية الاختيار التي تكون نتيجة تبين الرشد من‬ ‫الغي‪.‬‬ ‫‪ .1‬وعلي الآن الجواب علن السؤال الأول التالي‪ :‬ما مصدر القول بوحدة الديني‬ ‫والفلسفي هل هو بقية أدين بها لهيجل الذي يقول بما يشبه ذلك في كلامه على المسيحية‬ ‫التي وصلت حسب رأيه إلى مفهوم المصالحة بين الإلهي والطبيعي في الإنسان وفي التاريخ‬ ‫أم للأمر مصدر أعمق وأبعد غورا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪98‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬وعلي كذلك الجواب عن السؤال الثاني التالي‪ :‬ما مصدر القول إن الإسلام هو‬ ‫الدين الكوني الوحيد بدليل النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬في حين أن معنى كاثوليكية هو ادعاء‬ ‫المسيحية الكونية كذلك ‪-‬كاتالو تعني الكلية في اليونانية‪-‬ومن ثم ففي كلامي شبه تزييف‬ ‫للحقيقة التاريخية المتعلقة بتطور الفكر الديني‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة فإن الجواب عن السؤالين موجود في القرآن أولا وفي مقدمة ابن خلدون ثانيا‬ ‫رغم أني لم أتفطن إليه قبل شروعي في التفسير ورغم أن اهتمامي بابن خلدون سابق عليه‬ ‫دون أن أنتبه إلى جوابه الصريح والذي له علاقة مباشرة بهذا الفصل الأخير من‬ ‫المحاولة‪.‬‬ ‫وابدأ بالظاهرة القرآنية التي تفيد ذلك ولم أنتبه إليها إلا مؤخرا بعد أن شرعت في‬ ‫هذه المحاولة وقرأت التمييز الخلدوني بين نظام الخلافة في ملء خانات البنية المجردة‬ ‫للدولة ‪-‬نظام الملكية‪ -‬أو الحكم العقلي الطبيعي في ملئها‪ .‬وهو النص الذي ينبغي التذكير‬ ‫ببعضه إذ قد سبق فتكلمت على بعضه الآخر في الفصل السابق والذي مفاده أن هذا الملء‬ ‫يمكن أن يكون مقصورا على ما له صلة بعالم الشهادة فتتحدد شرعيته بتحقيق وظائف‬ ‫العمران ويمكن أن يتجاوزه إلى ما له صلة بعالم الغيب فتحدد شرعيته بها وبما يتعالى‬ ‫عليها ليضفي عليها معاني الاستخلاف إضافة إلى معاني الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫والمقابلة بين العولمتين المادية والروحية قابلة للفهم بالاستناد إلى هذه المقابلة إذا لم‬ ‫تكون مقابلة بين الثيوقراطيا والأنثروبوقراطيا اللتين تردان إلى مجرد تغطية على‬ ‫الأبيسوقراطيا بحيث لا يكون البعد الروحي المستمد من الله أو من الإنسان خدعة تهدف‬ ‫إلى إخفاء بعدي العجل أي ربا الأموال الذي يجعل رمز الأموال ليس أداة تبادل بل سلطان‬ ‫على المتبادلين وربا الأقوال الذي يجعل رمز الأفعال ليس أداة تواصل بل سلطان على‬ ‫المتواصلين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪99‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإليك نص ابن خلدون‪\" :‬وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه‬ ‫كذلك لئلا يفسد لو أهملت‪ .‬وقدمنا أن الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح (يعني‬ ‫الملك يغني عن الخلافة)‪.‬‬ ‫\"نعم إنها تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنه (الشارع) أعلم بهذه المصالح‬ ‫فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعها‪.‬‬ ‫\"وقد ينفرد (الملك) إذا كان من غير الملة‪ .‬وله (الملك) على كل حال مراتب خادمة‬ ‫ووظائف تابعة تتعين خططا وتتوزع على رجال الدولة وظائف فيقوم كل واحد بوظيفته‬ ‫حسبما يعينه الملك الذي تكون يده عالية عليهم فيتم بذلك أمره ويحسن قيامه بسلطانه‪.‬‬ ‫\"وأما المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه‬ ‫الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الإسلاميين\" (المقدمة الباب الثالث‬ ‫الفصل ‪.)31‬‬ ‫ورغم أن حكم ابن خلدون في المقابلة بين النظامين الخلافي والملكي فيه خطأ تاريخي لأن‬ ‫جعله خاصا بالمسلمين ليس عاما إلا عند الفصل بينهما لأن الجمع بينهما لا يخلو منه عمران‬ ‫حتى في عصره‪ .‬فالمسيحية كانت قد وصلت إلى ما يشبه ما كان عليه الإسلام في علاقة‬ ‫الخلافة بالسلطنة في عصر ابن خلدون بل وقبله وبعده‪.‬‬ ‫وحتى الأنظمة التي يتصورها ملكية فإنها تتضمن وظائف الخليفة عندما يكون في نفس‬ ‫الوقت جامعا بين السطلتين‪ .‬وأكثر من ذلك فحتى الأنظمة الطبيعية التي لم تصل إلى‬ ‫النوعين العقلي والديني فهي تتضمن بعض الوظائف الدينية البدائية وهي وظائف‬ ‫مشعرية في الغالب لا تخلو منها الوثينات‪.‬‬ ‫وإذن فكلام ابن خلدون يضمر أنه يقصر الدين على المنزل من الأديان ويظن أن‬ ‫السياسي في الدين شبه خاص بالإسلام وهو حكم غير مطابق للتاريخ حتى في الأنظمة التي‬ ‫وجدها الإسلام قبله في بيزنطة وفارس‪ .‬والغريب أنه لاحظ انتهاء دور الخلافة وتكفل‬ ‫الملكية بوظائف الخليفة ‪-‬رسوم‪-‬قبل أن تصبح السلطنة العثمانية خلافة‪ .‬وهو أمر حصل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪100‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بعد ابن خلدون بقرن ونيف أي بعد أن تغلبت على المماليك وأخذت رمز الخلافة الذي كان‬ ‫في مصر منذ سقوط الخلافة العباسية في منتصف القرن السابع‪-‬الثالث عشر (قبل تأليف‬ ‫المقدمة بقرن تقريبا)‪.‬‬ ‫لكن لا بأس من المحافظة على هذا المعنى الخلدوني لأنه بنى عليه المقابلة بين صنفي‬ ‫النظم المتقابلين الذي سماه عقليا والذي سماه دينيا ليؤلف منهما مع الصنف الأصلي الذي‬ ‫يتفرعان عنه أي الطبيعي ومنها ثلاثتها يتألف النظام الأتم أعني النظام الجامع بين العقلي‬ ‫والديني والطبيعي واعتبره النظام الجاري في المعمورة كلها وخاصة في دار الإسلام (المقدمة‬ ‫الباب الثالث الفصل ‪ 25‬في معنى الخلافة والإمامة والفصل ‪ 51‬في أن العمران البشري لا‬ ‫بد له من سياسة ينتظم بها أمره)‪.‬‬ ‫ومع ذلك فتمييزه بين المصالح العمرانية التي يمكن أن تكون ملكية وغنية عن الخلافة‬ ‫وحاجتها إلى الخلافة تعد حاجة كمالية وليست ضرورية أمر مهم ومهم جدا لأن المقابلة‬ ‫الحالية بين الثيوقراطيا والعلمانية تقرب منها حتى وإن كانت الخلافة بمعناها الإسلامي‬ ‫ليست ثيوقراطيا لأنها لا تعتمد على الوصاية أي الحق الإلهي في الحكم كما في الكاثوليكية‬ ‫أو في التشيع وليس فيها مبدئيا وساطة بين المؤمن وربه أو كنسية‪ .‬والملكية كذلك ليست‬ ‫علمانية رغم أنها انثروبوقراطيا لأنها لا تتضمن تعريفا لذاتها بنفي الوظائف الدينية بل‬ ‫بجعلها تابعة لإرادة الملك‪.‬‬ ‫وهما إذن نوعان مختلفان عن المقابلة الحديثة بين العلماني والديني‪ .‬فلا الديني فيها‬ ‫بديل من العقلي بالمعنى المستثني للمقدس‪ .‬ولا العقلي فيها بديل عن الديني المستثني لغير‬ ‫المقدس إذا لم يكن فيه شرع إلهي بالمعنى المنزل‪ .‬وهذا هو ما جعلني اتفطن لظاهرة في‬ ‫القرآن كثيرا ما ترددت ولم أنتبه إليها ولا أعتقد أن أحدا اولاها الأهمية التي هي جديرة‬ ‫بها‪ :‬وسأذكر منها ثلاثة أمثلة وردت القرآن الكريم ومثالان من السنة (ولعل مؤلف حي بن‬ ‫يقظان انطلق من هذه الفكرة)‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪101‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬الشاهد من أهلها‪ :‬فهو ليس نبيا ولا رسولا ومع ذلك فهو تمكن بعقله من معرفة‬ ‫الحقيقة ومعيار اثباتها‪.‬‬ ‫‪ .2‬الرجل الصالح وموسى‪ :‬ليس نبيا ولا رسولا ومع ذلك فهو يعلم الرسول‪.‬‬ ‫‪ .3‬الرجل الذي يسعى من أقصى المدينة والرسل في يس‪ :‬ليس نبيا ولا رسولا ومع‬ ‫ذلك ينصح أهل القرية باتباع الرسل‪..‬‬ ‫‪ .4‬أبو بكر الصديق والتصديق المطلق والصاحب الأول‪.‬‬ ‫‪ .5‬الفاروق ونزول بعض الآيات المؤيدة لرأيه في مسائل عدة‪.‬‬ ‫فهذه الحالات الخمس تثبت دون منازع بأن إدراك الحقيقة يمكن أن يكون بالوحي ويمكن‬ ‫أن يكون بغيره (والمعلوم أن الوحي في القرآن ليس خاصا بالرسل ولا حتى بالإنسان بل هو‬ ‫ظاهرة عامة تشمل الإنسان والحيوان والجماد لأنه يعني تلقي خطاب الخالق)‪ .‬وطبعا‬ ‫فليس للإنسان مصدر ثالث غير هذين على الأقل في مسألتنا لأن المشكل هو البحث عن‬ ‫الواحد المشترك بين الدين والفلسفة‪.‬‬ ‫فالوحي هو تلقي خطاب الله في الوجود وإدراك الحقيقة بالقدر الممكن إنسانيا ودون أن‬ ‫يكون بين المصدرين تفاوت إذا قبلنا بأن الوحي ليس فيه معرفة بالغيب الذي هو محجوب‬ ‫ولم نصدق من يزعمونه ممكن للرسل ليدعوا وراثة علم الغيبي من الحقيقة الدينية عنهم‬ ‫أو حتى للأيمة أو للأولياء من ذوي الدجل الصوفي‪ .‬فحتى على الرسل والانبياء ليس لهم‬ ‫ا طلاع على الغيب إلا إذا خلطنا بين الغيب والغائب‪.‬‬ ‫فإدراك الغائب ممكن عقلا بطرد الشاهد عليه ممكن وهو شرط كل توقع سواء في النظر‬ ‫والعقد (الفرضيات) أوفي العمل والشرع (الاستراتيجيات)‪ .‬لكن الغيب لا يقبل هذه‬ ‫القاعدة ومن ثم فكل ما ينسب إلى الرسل يرد إلى طرد الشاهد على الغائب وهو إذن من‬ ‫جنس الإدراك العقلي وليس الإدراك المتجاوز للعقل حتى لا يتوهم البعض أن كشف الغيب‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪102‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ممكن للرسل أو للمتصوفة والأولياء كما في كل محاولات التخريف الذي يدور حول الخضر‬ ‫والقطبية الصوفية‪.‬‬ ‫وقد بينت بالتحليل المنطقي العقلي أن كل ما ينسب إلى الخضر ليس فيه أدنى علم بالغيب‬ ‫لأنه لو كان ذلك كذلك لكان موسى أولى بعلمه منه لأن موسى نبي ورسول وهو مجرد رجل‬ ‫صالح لكنه ليس نبيا ولا رسولا‪ .‬والقضية كلها لو فهمت بالمقابلة التي يفاخر بها مؤولوه‬ ‫للدلالة على أن الخضر أعلم وأحكم من موسى لكان ذلك دليلا على تبرير ثلاثة جرائم‬ ‫وليس ِحكما‪:‬‬ ‫‪ .1‬قتل طفل بريء‬ ‫‪ .2‬وخرق سفينة فقراء هي مورد رزقهم‬ ‫‪ .3‬وحماية ثروة جماعة لا تحترم حاجة ابن السبيل‪ .‬وكلها إذا فهمت حرفيا كانت‬ ‫دالة على الحمق وليس على الحكمة‪.‬‬ ‫والمفتاح موجود في خرق السفينة‪ .‬فهل كان ذلك يحميها ويحمي مصدر رزق أصحابها لو‬ ‫كان الخرق مفسدا لها بحيث لا يمكن إصلاحها لاحقا؟ لو قسنا عليها قتل الطفل لصار يعني‬ ‫قتل نزعة الاجرام فيه وليس قتله هو‪ .‬ومن ثم فالقصد ضرورة إصلاحه تربويا‪ .‬والأخيرة‬ ‫هي ضرورة رد السيئة بالحسنة لتربية شعب لا يحترم وفادة الضيف‪.‬‬ ‫وذلك هو الدرس الذي يفهمنا الجمع بين احتجاج الرسول ورد الرجل الصالح ردا رمزيا‬ ‫فهم حرفيا فصار وكأن الصلاح هو علم الغيب الذي يبرر الجريمة‪ .‬والمعلوم أن فولتار قد‬ ‫استغل هذه القصة في أحد مؤلفاته بنفس الدلالة التي تسيء فهمها‪ .‬وحاشا أن يكون‬ ‫القرآن يبرر الجرائم التي اعتبروها حكمة لأنهم أساؤوا تأويلها (ربما بضمير خرافة اللبنة‬ ‫الذهبية فوق اللبنة الفضية)‪.‬‬ ‫لا فرق بين الرجل الصالح مع موسى والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى والرجل‬ ‫الذي شهد على التي أرادت اغواء يوسف واتهمته باطلا وتصديق الصديق لمحمد وسبق‬ ‫رؤى الفاروق لنزول بعض آيات القرآن المؤيدة لها‪ .‬وكل ذلك يعود إلى \"الواحد بين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪103‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الديني والفلسفي\" أو بين ما يتوصل إليه الإنسان بالتحليل العقلي ومات يتوصل إليه‬ ‫بالحدس الوجداني في تلقي خطاب الله بمعنى آياته في الآفاق وفي الانفس وهو المعنى العام‬ ‫للوحي‪.‬‬ ‫وفهم هذه القضية هو الذي جعلني أحسم في مسألة ختم الوحي الرسالي المسألة التي‬ ‫كانت تحيرني‪ .‬فإذا كنا نحتاج للرسل فكيف يمكن أن نصبح في غنى عن تواصل تلقي الوحي‬ ‫بالمعنى الرسالي؟ والجواب هو أن ذلك يصبح مفهوما إذا كانت الرسالة الاخيرة تسلم‬ ‫بالمبدأين الواردين في القرآن‪:‬‬ ‫الأول أن لكل أمة رسولا بلسانها وأن الامة التي لم تتلق رسالة توجد في وضعية البراءة‬ ‫الأصلية بمعنى أنها لا تتحمل مسؤولية مثل التي ليس لها حجة على عدم تطبيق التشريع‬ ‫السماوي‪ .‬وهو حكم ابن تيمية في اليونان أو ما يقرب منه‪.‬‬ ‫الثاني أن الرسالة الخاتمة كونية بمعنى أنها لم تستثن أحدا بعد أن اعتبرت البشر اخوة‬ ‫(النساء ‪ )1‬واعتبرتهم مدعوون للتعارف معرفة ومعروفا لأنهم متساوون ولا يتفاضلون لا‬ ‫بالعرق ولا بالطبقة ولا بالجنس بل هم متساوون ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى‪.‬‬ ‫وحتى أكون أكثر دقة فإن هذا اللقاء بين الديني والفلسفي واعتبار الوعي بمعناه العام‬ ‫والكوني هو تلقي خطاب الخالق ليس في النصوص بل في رؤية آيات الله في الآفاق وفي‬ ‫الانفس وخاصة بعد الرسالة الكونية والخاتمة وتلك هي حقيقة القرآن (فصلت ‪)53‬‬ ‫وليست نصوصه إلى التذكير بذلك‪.‬‬ ‫كل ذلك لم يكن مفهوما عندي قبل أن أكتشف سر التجهيز الإنساني لتحقيق مهمتيه في‬ ‫الوجود وشرطي قيامه‪ .‬وذلك هو معنى الفطرة التي يذكر بها القرآن بوصفها جهور‬ ‫الإسلامي الكوني وهو ليس مكتسبا بل المكتسب هو ما تضيفه إليه التجربة خلال رؤية آيات‬ ‫الله في الآفاق وفي الأنفس (فصلت ‪.)53‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪104‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أعني تجهيز الإنسان ليكون قادرا على سد حاجات المادية وتجهيزه ليكون قادرا على سد‬ ‫حاجاته الروحية‪ .‬وهذان التجهيزان متراتبان تراتب المهمتين وشرطي بقاء الإنسان أعني‬ ‫ما جعله ابن خلدون موضوع المقدمة كما هو بين في العنوان‪ :‬أي العمران البشري للأول وهو‬ ‫بالأساس علاقة بالطبيعة وعلاج لسد الحاجات المادية بالتبادل وشرطه والاجتماع الإنساني‬ ‫للثاني وهو بالأساس علاقة بالتاريخ وعلاج لسد الحاجات الروحية بالتواصل وشروطه‪:‬‬ ‫‪ .1‬والتجهيز الأول يعود إلى مفهوم المقدرات الذهنية النظرية التي ينبني عليها‬ ‫النظر والعقد أساسا لتحقيق شروط الاستعمار في الأرض أو لحل إشكالات العلاقة بالطبيعة‬ ‫من حيث هي مصدر الرزق المادي للإنسان لأنه شرط ترجمة التجربة الإنسانية مع الطبيعة‬ ‫إلى قوانين تمكن من التعامل معها بالعمل على علم‪.‬‬ ‫‪ .2‬والتجهيز الثاني يعود إلى مفهوم المقدرات الذهنية العملية التي أضفتها لما تفطن‬ ‫إليه ابن تيمية وهي التي ينبني عليها العمل والشرع أساسا لتحقيق شروط الاستخلاف في‬ ‫الأرض أو لحل إشكالات العلاقة بالتاريخ من حيث هو مصدر الرزق الروحي للإنسان لأنه‬ ‫شرط ترجمة التجربة الإنسانية مع التاريخ إلى سنن مستقرة تمكن من التعامل معه بالعمل‬ ‫على علم‪.‬‬ ‫والمشترك بين الفلسفي والديني هو ضرورة التجهيزين بسبب الحاجة على سد الحاجتين‬ ‫شرطين لقيام الإنسان وبقائه لكن الفرق بينهما هما التراتب بينهما‪ .‬فالفلسفي يقدم الأول‬ ‫على الثاني والديني يقدم الثاني على الأول‪ .‬وكلاهما يفسد إذا اقتصر على أحدهما دون‬ ‫الثاني فظنه كافيا ومغنيا عنه‪ .‬وذلك ما قصده ابن خلدون بكلامه على الملك والخلافة‪.‬‬ ‫ومثلما فضل النظام التام بكونه في آن جامعا بينهما بوصفهما فرعين من الأصل الطبيعي‬ ‫فإنه لم يتكلم على ما يمكن أن يحصل من الفصل بينهما فصلا يظن فيه أحدهما مغنيا عن‬ ‫الثاني وهو موضوع بحثي لأني اعتبر‪:‬‬ ‫‪ .1‬العولمة المادية هي التي تصورت الفلسفي مغنيا عن الديني والوجداني في سياسة‬ ‫العالم لقولها بالمطابقتين وتوهم معرفة العقل محيطة بالغيب‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪105‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬والعولمة الروحي هي التي تصورت الديني مغنيا عن الفلسفي والعقلي في سياسة‬ ‫العالم لقولها بالمطابقتين وتوهم معرفة الوحي محيطة بالغيب‪.‬‬ ‫ولأجب الآن عن السؤال الثاني‪ :‬ما مصدر الزعم بأن الإسلام هو الدين الكوني الوحيد‬ ‫ومن ثم فهو الذي يبشر بالعولمة التي تجمع بين بعديها المتعلق بالاستعمار في الأرض والمتعلق‬ ‫بالاستخلاف فيها أي بالشروط المادية لقيام الإنسان والشروط الروحية لقيامه بمنطق‬ ‫النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬وهو المنطق الذي ينعدم بمجرد أن نكتفي بأحدهما‪ .‬والاكتفاء‬ ‫بأحدهما يعطينا العولمتين‪:‬‬ ‫المادية الخالصة التي توهمها أصحابها مغنية عن الروحية وهي التي تمثلها الولايات‬ ‫المتحدة الأمريكية بعد أن حاولت إصلاح المسيحية فإذا فيها تنتهي إلى مضاعفة تحريفها‪:‬‬ ‫كانت شبه نفي للدنيا فصارت شبه نفيا للأخرى‪.‬‬ ‫الروحية الخالصة التي توهمها أصحابها مغنية عن المادية وهي التي تمثلها الأمة‬ ‫الإسلامية بعد أن حرفت القرآن بأن تخلى علماؤها عن دلالة فصلت ‪ 53‬وأدمنت على رفض‬ ‫ما نهت عنه آل عمران ‪ 7‬فصارت كل علومها دالة على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة‪.‬‬ ‫من يقرأ مرجعية المسيحية أي الأناجيل ‪-‬وهي أشبه بالحديث عندنا منها بالقرآن إذ هي‬ ‫رواية عن المسيح وليست كلام الله‪-‬قبل الإصلاح الأول التي أقدم عليه بولص‪-‬وذلك هو‬ ‫أصل معنى الكاثوليكية أي إضفاء الكونية على ما كان المسيح يعتبره تداركا خاصا باليهود‬ ‫‪-‬إنما بعثت للنعاج الضالة من بني إسرائيل‪-‬وذلك في رسائله للوثنيين أي لغير اليهود من‬ ‫شعوب الإمبراطورية الرومانية‪ .‬لكن ما لم ينتبه إليه المتكلمون في هذا الإصلاح الأول هو‬ ‫أن هذه الكونية مقصورة على المخاطبين بالرسالة التي تبقى من حيث الاتصال بالرب‬ ‫حصرية في اليهود دون سواهم حتى إن أحد أكبر مفكري العصر الكلاسيكي (باسكال) كان‬ ‫يعتبر كون محمدا ليس يهودا دليلا كافيا على أنه ليس رسولا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪106‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فاليهودية الرسالة خاصة باليهود رسولا ومرسلا إليه وهي لا تعترف بغير العالم‬ ‫الدنيوي ومن ثم فالرسول لا يمكن أن يكون من غير اليهود والرسالة لا يمكن أن تكون لغير‬ ‫اليهود والبقية عبيد لهم لأنهم هم شعب الله المختار في الدنيا التي ليس لها أخرى‪.‬‬ ‫بولص تخلى علن القسم الثاني من الخصوصية وجعل الرسالة موجهة للجميع من هنا‬ ‫\"كاتالو\" بمعنى الكونية أو الكلية باليونانية فصارت الرسالة شاملة للبشر‪ .‬لكن الشفيع يبقى‬ ‫ابن الله وهو يهودي‪ :‬المسيح ويمكن اعتبار القراءة التثليثية ذات صلة بتأثير الفلسفة‬ ‫اليونانية أكثر مما هي من جوهر الفكرة المسيحية لأنها قريبة جدا من نظرة التثليث‬ ‫الارسطية في تصور الله \"عقلا يعقل عقله أو وحبا يحب حبه\"‪.‬‬ ‫والإسلام يزيل التصورين ويعتبر الرسل أو ناقلي كلام الله ظاهرة كونية ويعتبر الرسالة‬ ‫للجميع أيضا‪ .‬والرسالة للجميع لها معنيان توزيعي وتجميعي‪ .‬فكل أمة لها رسول بلسانها‪.‬‬ ‫التي لم تتلق رسالة تبقى على النفي الأصلي أي إن عقلها كاف وليست مطالبة بأحكام الدين‬ ‫الكوني (الإسلام) وهي مطلقة البراءة الاصلية بلغة ابن خلدون‪ .‬وهذا هو حكم ابن تيمية‬ ‫في اليونان‪ .‬والرسالة الخاتمة لجميع البشر وشرط الإيمان بها الإيمان بكل الرسل وبكل‬ ‫الكتب السماوية وطبعا بالعقل معها أو حتى بمفرده في حالة غيابها‪.‬‬ ‫وقبل المرور إلى المقارنة بين المسعيين إلى المعادلة العادلة التامة أو الناقصة لا بد من‬ ‫التذكير بالمراحل التي بينتها في الفصل السابق حول مراحل تاريخ هذا المسعى في الحضارة‬ ‫الإسلامية‪:‬‬ ‫‪ .1‬النشأة حوالي ‪ 40‬سنة وهي مضاعفة أي لحظة الرسول ولحظة الراشدين‪ .‬وكلتا‬ ‫اللحظتين تمثلان المثال الأعلى في ملء خانات الدولة المجردة بأفضل تعيين ممكن للقيمين‬ ‫لأن التغير في التاريخ يتعلق بأنظمة تعيين القيمية وليس بالبنية ا لمجردة التي هي كونية‬ ‫دائما‪ .‬في حين أن نظام تعيين القيمين هو الذي يتدرج في السعي إلى الكونية‪.‬‬ ‫‪ .2‬الدولة الأموية الشرقية‪-‬ما يقرب من قرن‪ -‬ولم أتكلم على الغربية لأني اكتفيت‬ ‫بالكلام على المركز الأساسي الذي يعرف ما عداه بالقياس إليه‪ :‬وقد بدأ بالجمع فكانت‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪107‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الخلافة سلطنة في آن ثم صارت خلافة مع تعدد السلطنات التي بدأت تستقل بسبب شساعة‬ ‫الإمبراطورية الإسلامية وعسر فرض سلطة المركز‪.‬‬ ‫‪ .3‬الخلافة ا لعباسية ‪-‬ما يقرب من ستة قرون‪-‬نفس المسار رغم أنها كانت قد سقطت‬ ‫منها أجزاء كبيرة إلى أن كادت تقتصر على بغداد قبل سقوطها‬ ‫‪ .4‬زوال الخلافة ‪-‬حوالي قرنين‪-‬بين منتصف القرن السابع عشر وخمس القرن‬ ‫السادس عشر وتحول دار الإسلام إلى سلطنات لا يربطها رابط الخلافة إلى أن استردت‬ ‫السلطنة العثمانية رمز الخلافة من المماليك في مصر بعد افتكاكها من ا لممالك في الخمس ا‬ ‫لأول من ا لقرن السادس عشر‪.‬‬ ‫‪ .5‬الخلافة العثمانية – حوالي خمسة قرون‪-‬منذئذ إلى سقوط الخلافة العثمانية في‬ ‫الربع الأول من ال قرن العشرين‪ .‬وهي مثل المراحل السابقة تبدأ بوحدة السلطتين‬ ‫الخلافية والسلطانية ثم تنفصل عنها الولايات التي تصبح سلطنات شبه مستقلة ولا يبقى‬ ‫لها صلة مع الخلافة إلى في الشعائر والشريعة‪.‬‬ ‫‪ .6‬المقاومة للاستئناف ويمكن القول إن ذلك دام قرنا قرنين كاملين لأنه بدأ منذ أن‬ ‫صارت الخلافة مهددة بالسقوط ثم بعد سقوطها إلى احياء الأمل من جديد لإعادة بناء من‬ ‫نوع جديد قد يكون شبيها بالتجمعات الحضارية التي من جنس ما يحدث في أوروبا التي‬ ‫كانت شبيهة بالخلافة وهي اليوم أشبه بالفدرالية الامريكية وإن كانت ما تزال هشة‪ .‬وهو‬ ‫المأمول بالنسبة إلى المسلمين أو على الأقل بالنسبة على الإقليم الذي تلتقي فيه القارات‬ ‫الثلاث القديمة والذي سميته \"ولايات الوسط المتحدة\"‪.‬‬ ‫يمكنني الآن أن أمر إلى المقارنة السريعة بين المسعيين الإسلامي والمسيحي بعد الإصلاح‬ ‫الثاني في القرن السادس عشر والذي تعلق بمحاكاة حلين إسلاميين مع المبالغة في إطلاقيهما‬ ‫بسبب القول بالمطابقتين‪:‬‬ ‫الحد من الوساطة في التربية بتحجيم دور الكنيسة وجعل العلاقة بين الإنسان وربه‬ ‫مباشرة لكن نظرية الرب في المسيحية وفي اليهودية محرفة ما يجعل المآل في الهيجلية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪108‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والماركسية هو المآل الوحيد الممكن والأول يمكن اعتباره في التطبيق تأسيسا للرؤية‬ ‫الليبرالية والفاشية باسم رؤية للإنسان المتأله في والثاني تأسيسا للرؤية الاشتراكية‬ ‫والفاشية في آن باسم رؤية للإنسان المتأله‪.‬‬ ‫الحد من الوصاية في الحكم بتحجيم دور الحق الإلهي في الحكم وجعل العلاقة بين الإنسان‬ ‫وشأنه مباشرة لكن نظرية شأنه في المسيحية واليهودية محرفة ما يجل نفس المآل يتحول‬ ‫إلى الطبعانية في الهيجلية بمنطق صراع أرواح الشعوب أو في الماركسية بمنطق صراع‬ ‫الطبقات‪.‬‬ ‫وهو ما يؤدي في الحالتين إلى رد تاريخ الإنسانية إلى التاريخ الطبيعي إما برد ما يتعالى‬ ‫عليه إليه كما يفعل هيجل بمفهوم المصالحة أو بنفيه أصلا والاقتصار على التاريخ المادي ما‬ ‫دام مقصورا على التاريخ الطبيعي الذي ليس له ما وراء بمعنى أن مآل الهيجلية إلى‬ ‫الماركسية ليس إلا ترجمة للإصلاح الثاني الذي ليس هو إلى عودة المسيحية إلى اليهودية‬ ‫ولم يبق للديني في الحقيقة إلى ما يمكن رده إلى ظاهرة نفسية أو ابيفينومان من جنس ما‬ ‫فهمه فيورباخ أي إن الله نفسه من انتاج ظاهرة نفسية إنسانية هي حاجة الإنسان إلى ما‬ ‫يسد ما يدركه من عدم كمال في نفسه‪ .‬فيصبح التاريخ هو هذا الاستكمال الدنيوي ولا‬ ‫شيء وراءه‪.‬‬ ‫المقارنة هي إذن بين المسارين في طلب المعادلة الوجودية‬ ‫المسار الإسلامي في أنظمة القوامة أي ما آل إليه تحريف المسلمين لرؤية الإسلام وفيه‬ ‫تجلت الأبيسيوقراطيا التابعة لأنها نتجت عن وهم الاستخلاف من دون شرطه أي الاستعمار‬ ‫في الأرض‪.‬‬ ‫المسار الأميركي في أنظمة القوامة أي ما آل إليه تحريف المسيحيين لرؤية المسيحية وفيه‬ ‫تجلت الأبيسيوقراطيا المتبوعة لأنها نتجت عن وهم الاستعمار من دون شرطه أي الاستخلاف‬ ‫في الأرض‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪109‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبين أن الولايات المتحدة من أكثر شعوب الغرب تدينا شعبيا مع الرؤية الأبيسوقراطية‬ ‫مثلها مثل المسلمين الذين هم أكثر شعوب الشرق تدينا شعبويا مع الرؤية الأبيسيوقراطية‪.‬‬ ‫وإذن فالتدين الشعبي يمثل في الحالتين وبصورة لا لبس فيها البنية العميقة التي سميتها‬ ‫الابيسيوقراطيا التابعة في حالة العرب من المسلمين خاصة والمتبوعة في حالة الولايات‬ ‫المتحدة من المسيحيين خاصة‪.‬‬ ‫وسأكتفي بعرض مسالتين يستند إليهما ما ادعيته من تقارب شكلي بين نظام القوامة بين‬ ‫الولايات المتحدة الأمريكية غاية العولمة الفاعلة وهو غني عن الكلام الطويل لأن الأمر‬ ‫بين للجميع‪ .‬لكن ما يحتاج لطويل شرح هو ما حصل في نظام القوامة الإسلامية وما آل إليه‬ ‫في غاية العولمة المنفعلة‪ .‬والمعلوم أن نظام القوامة ليس هو الدولة من حيث البنية المجردة‬ ‫بل ما تملأ به الجماعات خانات البنية المجردة للدولة‪ .‬وهذه البنية المجردة هي كما بينت‬ ‫سابقا بنية كونية لا تتغير لا بحسب الزمان ولا بحسب المكان لأنها عين كون الجماعة جماعة‬ ‫ذات نظام ذاتي مرسوم في كيان الإنسان من حيث هو إنسان له الوعي بشروط بقائه التي‬ ‫هي ما يسمى بوظائف الجماعة والتي يكون الوعي بها شرط ملئيها ما يعينها لتصبح قوامة‬ ‫الذات لذاتها فردا وجماعة وإنسانية‪.‬‬ ‫لذلك فليست المقارنة بين الدول من حيث البنية ا لمجردة لأنها واحدة عند جميع البشر‬ ‫بل هي بين الأنظمة السياسية التي تملأ خانات البنية المجردة والتي تتقارب الشعوب فيها‬ ‫إذا قسنا ما حققته بما يقرب من المعادلة العادلة بتحقيق بعض شروطها التي تقبل الحصر‬ ‫في جنسين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول هو جنس الشروط التي تنتسب إلى الاستعمار في الأرض والتي سماها ابن‬ ‫خلدون مصالح العمران وهي قابلة للفصل عن النوع الثاني من أنظمة القوامة‪ .‬وقد سمى‬ ‫ابن خلدون هذا النوع من الأنظمة العقلية ويعتبرها على نوعين‪ :‬التي تراعي مصالح‬ ‫الحاكم وحده والتي تراعي مصالح الحاكم والمحكوم‪ .‬ويعتبر الفرس قد طبقوها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪110‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وطبعا فعلة هذا الخطأ الخلدوني هو ظنه أن الدين لا دخل له في سياسة الفرس ربما لأنه‬ ‫لا يعتبر دينيا إلا ما كان منزلا كما في اعتراضه على ابن سينا بحجة مفادها أن أكثر البشر‬ ‫لا دين لهم ‪-‬ويقصد ليس لهم رسل‪-‬ولعله يفكر في شعوب آسيا من غير المسلمين‪ .‬لكن‬ ‫المخرج هو أنه يعتبر الشوكة يمكن أن تكون كافية لأن نسبته الطاعة إلى تحقق المصلحة‬ ‫العمرانية أي أداء وظائف القوامة المصلحية‪.‬‬ ‫وقد رأينا في الفصل السابق أنه حتى في هذه الحالة وظائف القوامة تتأسس في مرجعية‬ ‫هي التي تعين المصلحة العمرانية حتى وإن لم تكن هي التي تحددها من حيث البنية الكونية‬ ‫المجردة للدولة‪ .‬فكل الوظائف من حيث البنية المجردة تتحدد في المرجعية لكن تعين‬ ‫القوامة فيها هي التي تختلف من جماعة إلى أخرى بحسب غلبة تأويل القوى السياسية‬ ‫للمرجعية مع المحافظة على الوظائف العشرة ورئاستها خمسة للرعاية وخمسة للحماية‪.‬‬ ‫‪ .2‬الثاني هو جنس الشروط التي تنتسب إلى الاستخلاف فيها والتي سماها ابن‬ ‫خلدون ما تضيفه الخلافة للملكية في أنظمة القوامة أي رعاية الشرع السماوي التي فيها‬ ‫ما لا يمكن للعقل أن يكفي لتأسيسه‪ .‬وهو يعتبر هذا الجنس ذا نوع واحد ولم ير فيه ما‬ ‫رآه في العقلي أي إن فيه ما يكون لصالح الحاكم وحده وفيه ما يكون لصالح الحاكم‬ ‫والمحكوم‪.‬‬ ‫ولو تناسق في بحثه لاعتبر ذلك كذلك أيضا لأن الدين يمكن أن يستغل مثل العقل إما‬ ‫لصالح الحاكم والمحكوم أو لصالح الحاكم وحده‪ .‬ولعل الدين أقرب إلى ذلك من العقل‬ ‫لأن الثاني لا يرجيء الجزاء والأول يفعل فيصبح مطابقا للرؤية الماركسية التي تعتبره‬ ‫عملية تعويضية للقبول بالظلم الموجود‪.‬‬ ‫وابن خلدون يعتبر الحالتين العقلية المضاعفة والدينية المضاعفة لا تمثل أنظمة فعلية‬ ‫لأن الأنظمة الفعلية لا بد أن تكون جامعة بينها أربعتها مع أصلها الذي تحاول السيطرة‬ ‫عليه وهي طبيعة العلاقة الطبيعية بين البشر وهي التظالم والعدوان المتبادل الذي لأجله‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪111‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫جعلت الجماعة أولا وبنيتها هي الدولة المجردة ثم جعلت الأنظمة لتأسيس القوامة فرض‬ ‫كفاية يصبح فيها ملء الخانات من الوظائف‪.‬‬ ‫والجماعة هي التي تكلف بها من يؤديها نيابة عنها إما بالأنظمة الملكية التي تعنى‬ ‫بالمصالح العمرانية كما عرفها أو التي تتجاوزها لتضيف إلى المصالح العمرانية أي مصالح‬ ‫الاستعمار في الأرض أو المصالح الاقتصادية (الاستعمال والتبادل) المصالح الاجتماعية أي‬ ‫مصالح الاستخلاف فيها (عنوان المقدمة)‪ .‬وهذه المصالح هي ما يتعلق بالقيم المتعالية على‬ ‫القيم الاقتصادية (الكرامة والحرية)‪ .‬وبذلك يمكن القول إن جعل هذه تابعة لتلك له‬ ‫شكلان متناظران بالسلب دائما وهو هذا هو التناظر بين العولمتين الأمريكية والإسلامية‪:‬‬ ‫‪ .1‬فالإسلام اكتشف قبل كل الأديان الأخرى كونية القيم الروحية أي الكرامة‬ ‫والحرية‪ .‬لكن المسلمين تصوروا الاستخلاف في الأرض كافيا ومغنيا عن الاستعمار فيها‬ ‫فأصبحت الكونية عزلاء ومن ثم فهي كونية تابعة للغير بالضرورة إذ أصبحت الكرامة‬ ‫والحرية تابعة للاستعمال والتبادل اللذين هما قيمتان يسيطر عليهما الغير فيصبح سيدا‬ ‫عليهم بدلا من ربهم‪.‬‬ ‫‪ .2‬والأمريكان اكتشفوا قبل الجماعات الأخرى كونية القيم المادية أي الاستعمال‬ ‫والتبادل‪ .‬لكنهم تصوروا الاستعمار في الأرض كافيا ومغنيا عن الاستخلاف فيها فأصبحت‬ ‫الكونية مسلحة ومن ثم فهي كونية مستتبعة للغير بالضرورة إذ أصبحت الكرامة والحرية‬ ‫تقتضي ما يشبه نظرية شعب الله المختار الذي يعتبر البقية جوهيم يستعبدهم بما له من‬ ‫قوة‪.‬‬ ‫وإذن فالتناظر المتعاكس هو في آن ترابط بين غايتين وصلت إليهما الإنسانية الأولى عندنا‬ ‫والثانية عند الامريكان‪ .‬والأولى وهم الاستخلاف من دون الاستعمار في الأرض‪ .‬والثانية‬ ‫وهم الاستعمار في الأرض من دون الاستخلاف‪ .‬وتلك هي إشكالية العولمة المادية الحالية‬ ‫والعولمة الروحية الحالية وتبعية الثانية للأولى‪ .‬والمطلوب تحرير الأولى من رؤية‬ ‫الاستتباع والثانية من رؤية التبعية‪ .‬ولا يكون ذلك ممكنا من دون أن يضيف المسلمون‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪112‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫شروط الاستعمار في الأرض والأمريكيون شروط الاستخلاف فيها فتتجاوز الإنسانية أزمتها‬ ‫الحالية بتطبيق النساء ‪ 1‬والحجرات ‪.13‬‬ ‫فالولايات المتحدة توجد حاليا وفي غاية ما وصل إليه نظام القوامة التي تملأ نفس‬ ‫الخانات في البنية المجردة للدولة الإسلامية كما وصفها ابن خلدون في المقدمة لكنها حققتها‬ ‫بمنطق متناقض النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬أي يمنطق استتباع بقية البشر بالعنف ولا أحتاج‬ ‫لبيان حصول العكس عند المسلمين ولكن في الأقوال لأن الامة عاجزة دون الأفعال التي‬ ‫تجعل النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬تكونان فعليتين وليستا قوليتين‪ .‬وهذا ما أريد اثباته‬ ‫بالاعتماد على معطيات عينية بعد أن اعتمدنا في الفصل السابق على المقومات الرؤيوية‬ ‫التي ينبغ منها التقارب بين المسعيين نحو المعادلة العادلة في تعيين البنية المجردة للدولة بما‬ ‫يملؤها ممن يكلفون بالقوامة نيابة عن الجماعة‬ ‫وقد جرت العادة في المقارنات التي يقوم بها المثقفون من المسلمين سواء كانوا من‬ ‫التأصيليين أو من التحديثيين محاولة تقييم أعمل الأمة بمعيار ما حققه الغرب وذلك في‬ ‫كل المجالات والغاية هي الفخر بالسبق‪ .‬وهذا النوع من المقارنة هو آخر ما يعنيني‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولا لأن جهد البشرية في تحقيق شروط بقائها واحد يتقاسمه المتساوقون‬ ‫والمتوالون ولا شيء مما يحقق شروط قيام الإنسان ليس حصيلة كل تاريخ الإنسانية ما‬ ‫مضى منه وما هو آت لأن ما هو آت هو دائما تحقيق لأحلام ما سبق‪.‬‬ ‫‪ .2‬وثانيا لأني في الغالب اثبت أن الكونية ثابتة في الوظائف مثل كل الوظائف الحية‬ ‫والحضاري منها لا يختلف عنها والخصوصيات أسلوبية وهي من جنس اللباس والعمران تؤدي‬ ‫نفس الوظيفة رغم الاختلاف في الأقمشة والخياطة للأول والمواد وأساليب العمارة في‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫وإذن فلا يمكن أ ن يكون اللاحق معيارا لتقييم السابق والسابق ليس معيارا لتقييم‬ ‫اللاحق إذ إن السبق في الزمان أو التلو فيه لا يعني السبق أو التلو في ما يتحقق خلاله بل‬ ‫إن كل نشاط له زمانيته الكونية التي تترتب على تراكم الأحداث والأحاديث المتعلقة بها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪113‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بنوعيهما المتعلقين بالماضي والمستقبل لأن التراث من المكتسبات وهو يمر حتما بنظام تكوين‬ ‫الأجيال بالاعتماد على الخبرة الحاصلة في الممارسة والحاصلة في النظرية‬ ‫والحاصل منهما يكون من الماضي إذا كان متعلقا بالأحداث الماضية لكنه يمكن أن يكون‬ ‫من المستقبل إذا كان متعلقا بالأحاديث‪ .‬فالأحداث سابقة في الماضي لكنها لاحقة في المستقبل‬ ‫والعكس بالنسبة إلى الأحاديث‪ .‬ولهذه العلة فقد اعتبرت الزمان التاريخي الإنساني‬ ‫مخمس الأبعاد والحاضر ليس بين الماضي والمستقبل بل هو محيط بهما وهما بينه تقدمه‬ ‫على ما مضى في فهمه وعلى ما سيأتي في توقعه‪.‬‬ ‫وإذن فالمعيار خارج الاثنين وهو مفهوم المعادلة العادلة الذي هو في آن من المقدرات‬ ‫الذهنية النظرية التي يحتكم إليها في النظر والعقد لتحقيق شروط الاستعمار في الأرض‬ ‫(ابن تيمية) ومن المقدرات الذهنية العملية التي قستها عليها والتي يحتكم إليها في العمل‬ ‫والشرع لتحقيق شروط الاستخلاف فيها‪ .‬فالتسابق إن وجد هو في السعي إليها والتراتب في‬ ‫القرب منها إذ لا أحد يمكن أن يطابقها‪.‬‬ ‫لكنها معلومة من حيث هي غاية وهو المعنى الذي أردت بيانه في كلامي على نظرية أرسطو‬ ‫في الفضيلة ونظرية القرآن في الوسطية والتي هي ليست وسطا بين رذيلتين أو تطرفين بل‬ ‫هي المعيار الذي يوصف ما يبتعد عنها بالرذيلة والتطرف فتكون هي المعيار للطرفين وليست‬ ‫ما يعير بهما‪.‬‬ ‫والفرق شاسع‪ :‬ذلك أن لو لم يكن الإنسان يعلم الزاوية القائمة مثلا لما كان لمعنى الحادة‬ ‫والمنفرجة معنى‪ .‬ولو لم يكن الإنسان يعلم العدل لاستحال عليه أن يحدد الظلم سواء ظلم‬ ‫الغير أو ظلم الذات وهو معنى التطرفين في كل القيم الخمس أي حرية الإرادة وصدق‬ ‫العلم وخير القدرة وجمال الذوق وجلال الرؤية وهي ما به يكون الإنسان أهلا‬ ‫للاستخلاف‪.‬‬ ‫وإذن فسأقوم بالمقارنة لبيان التناظر العكسي بين الوصول إلى الغاية في فساد العلاج‬ ‫الأمريكي والإسلامي رغم التماثل الشكلي مع التعاكس القيمي لكون الأمريكي اقتصر على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪114‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الاستعمار في الأرض ورد إليه الاستخلاف والمسلم اقتصر على الاستخلاف ورد إليه الاستعمار‬ ‫في الأرض‪ .‬والأول ممكن وهو شرط استتباع الغير‪ .‬والثاني ممكن وهو شرط التبعية‬ ‫للغير‪ .‬وإذن فنحن أمام عولمة الاستتباع الأميركية وعولمة التبعية الإسلامية‪.‬‬ ‫وفي مثالنا المسلم ظالم نفسه لأنه فقد حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة جمال‬ ‫الذوق وجلال الرؤية وأصبح يحلم بالنموذج الأمريكي متصورا أن ذلك هو الحرية والصدق‬ ‫والقدرة والجمال والجلال والأمريكي ظالم غيره لأنه يستمد ما يظنه تلك القيم بالحرب‬ ‫عليها عند الغير موهما نفسه أنه بذلك يكون ذا إرادة حرة وذا علم صادق وقدرة خيرة‬ ‫وذوق جميل ورؤية جليلة ولا يدري أنه لا يختلف عن المسلم إلا بكونه الوجه الثاني من‬ ‫نفس قطعة العملة التي هي فساد معاني الإنسانية بلغة ابن خلدون سواء كانت سيادة أو‬ ‫عبودية‪.‬‬ ‫فالإنسان لا يعرف بالسيادة ولا بالعبودية (هيجل وماركس) إذ هو \"رئيس بطبعه بمقتضى‬ ‫الاستخلاف الذي خلق له\" وهو التعريف الذي لا يستقيم من دون النساء ‪ 1‬والحجرات ‪13‬‬ ‫اللتين تخلى المسلمون عنهما فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وأكلة لكل آكل وصاروا مجرمين مثل‬ ‫الامريكان لأن المنفعل مسهم مع الفاعل في ما يسود العالم من شر بسبب تخليه عن فرض‬ ‫العين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الوسائل الخمس الشرعية لذلك‪ :‬القلب‬ ‫واللسان واليد وما بين القلب واللسان وما بين اللسان واليد‪:‬‬ ‫‪ .1‬المسالة الأولى هي مسألة تقسيم الخطط بين الخلافة والسلطة ولكن بعبارة ابن‬ ‫خلدون التي تفصل بين الملكية التي تعنى بمصالح العمران دون وصلها بالأمر الديني‬ ‫والخطط التي تضيفها الخلافة إليها بأن تضيف الامر الديني ما يعني أن الأولى علمانية‬ ‫أو كما يبين تصنيف ابن خلدون للأنظمة العقلية بصنفيها والدينية بصنفيها والأصل العام‬ ‫الذي لا بد فيها من العقلي والديني لتجاوز الطبيعي‪.‬‬ ‫‪ .2‬المسألة الثانية هي مسألة تعريف كتب الأحكام السلطانية للعناصر المقومة لنظام‬ ‫الخلافة وشروطه ومكوناته التي تتعلق بشروط الترشح لها التي تتعلق بالكفاءة العلمية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪115‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والخلقية شرطا في الاجتهاد والسلامة الصحية والقدرات البدنية شرطا في الجهاد ولجنة‬ ‫الترشيح وتنظيم البيعة والجرم الانتخابي المضيق والموسع ومعنى السيادة العامة وتوزيع‬ ‫السلطة على المكان ومعاييرها‪.‬‬ ‫يميز ابن خلدون إذن بين الخطط التي ينسبها إلى المصالح العمرانية والتي تتبع السلطان‬ ‫وهو صاحب السلطة التنفيذية والتشريع الذي ليس فيه نص من الشريعة أو اجتهادات‬ ‫اجتماعية في المذهب الذي تنتسب إليه السلطنة‪.‬‬ ‫والخطط التي ينسبها إلى الخلافة والتي تضاف إليها وهي تتعلق بالسلطة التشريعية‬ ‫التي تستثنى من تشريع السلطة التنفيذية وهي كما ذكرنا ما فيه نص من الشريعة أو‬ ‫اجتهادات اجتماعية في المذاهب الفقهية المعترف بها في الخلافة‪.‬‬ ‫وسأبدأ بهذه الثانية وهي تشمل وظائف القوامة في ‪-1‬التربية ‪-2‬والقضاء ‪-3‬والجهاد‬ ‫‪-4‬والضمان الاجتماعي أو الانفاق من الرزق المحددة شرعا وكل ما له علاقة بالأوقاف ‪-5‬‬ ‫والشعائر الدينية‪ .‬ومن ثم فللخلافة دور في مالية الدولة من وجه الانفاق من الرزق‬ ‫والأوقاف التي تستثنى من سلطة السلاطين‪ .‬ومعها سلطة ذات أهمية كبرى غالبا ما تهمل‬ ‫في الكلام على تنظيم القوامة وهي سلطة شروط التعاوض العادل أعني صك العملة‬ ‫والمكاييل والمقاييس والحسبة‪:‬‬ ‫يقول ابن خلدون‪\" :‬فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء‬ ‫والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة فكأنها الإمام الكبير‬ ‫والأصل الجامع وهذه كلها متفرعة عنها وداخلة فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر‬ ‫أحوال الملة الدينية والدنيوية وتنفيذ أحكام المشرع فيها على العموم\"‪.‬‬ ‫العدالة والحسبة السكة‬ ‫ويورد هنا ابن خلدون القانون الجنائي في المشتركات ثم صارت هي والتنفيذ تابعين‬ ‫للسلطان‪ .‬وهي تابعة لبعض الوظائف المشتركة بين الخلافة والسلطنة ‪-‬ولا يصح أن نعتبر‬ ‫المقابلة بينهما مقابلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لأن التشريع ليس للخليفة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪116‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بل هو لله والرسول والمجتهدين والاجماع‪-‬وسنعود إليها بعد أن نحدد سلطة السلاطين وهم‬ ‫كثرة لأنهم يشبهون الولايات في فدرالية الولايات المتحدة وسيادتها تبقى ضمن السيادة‬ ‫الكبرى للخلافة التي تشمل كل السلطنات‪.‬‬ ‫أما وظائف القوامة التي تعود إلى السلاطين‪ :‬الإمارة والوزارة والحجابة والحرب‬ ‫والخراج بعد أن خرجت من سلطة الخلافة التي صارت رمزية فأصبحت سلطانية أي تابعة‬ ‫للسلطة الفعلية‪ .‬وبعض الوظائف زالت والجهاد بطل أو أضيف إلى السلطانيات وذلك في‬ ‫الفاصلة بين نهاية الخلافة العباسية وبداية الخلافة العثمانية وهي فاصلة دامت ما يقرب‬ ‫من القرنين‪.‬‬ ‫وتسجيل ابن خلدون هذه التشكيلة كانت في منتصفها أي في أواخر القرن الثامن الرابع‬ ‫عشر‪ .‬و\"أهم ما بطل من وظائف الخلافة نقابة الانساب التي يتوصل بها للخلافة أو الحق‬ ‫من بيت المال بطلت لدثور الخلافة ورسومها وكلها صارت في عهد ابن خلدون تابعة لرسوم‬ ‫الملك والسياسة في سائر الدول لهذا العهد\"‪.‬‬ ‫وهذا الذي دثر لم يعد لأن العثمانيين لم يدعوا النسب القرشي ولأن علم ا لكلام منذ‬ ‫القرن الخامس تخلوا عن شرط القرشية (إمام الحرمين أول هذا الشرط كما صاغ ابن‬ ‫خلدون ذلك بأنه كان يعني العصبية وهو إذن يصبح من حق أي عصبية تحكم المسلمين وإمام‬ ‫الحرمين كان يشرع للسلاجقة (وهي بداية العثمانية بنحو ما لأنهم أتراك لكنهم حكموا في‬ ‫إطار الخلافة العباسية)‪ .‬وقد حكم قبلهم البويهيون في إطار الخلافة العباسية كذلك‪ .‬لكن‬ ‫الخلافة كما أسلفت تبدأ سلطانية خلافية أي جامعة بين الشرعية الخلافية (نسبة على‬ ‫الاستخلاف في الأرض) والشوكة الدنيوية أو العمرانية (نسبة إلى الاستعمار في الأرض)‬ ‫كما يسميها ابن خلدون‪.‬‬ ‫تجاوز الفصل ما قدرت لكني مضطر لمسك العنان فلأختم بملاحظتين في شكل تساؤلين‪:‬‬ ‫‪ .1‬هل استطاع المسلمون بعد أن فصلت الخلافة عن الملكية أو بعد أن صارت الخلافة‬ ‫سلطانا رمزيا لا أثر له في وظائف العمران عدا تبرير الموجود في من المفروض أن يكون‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪117‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫مسؤولا عنها بالملكية أن يحققوا وظائف العمران أم إن الملكية عادة إلى النظام الطبيعي‬ ‫الغفل الذي يحكمه العنف الذي يفسد معاني الإنسانية وتصبح التربية التي تتبع الخلافة‬ ‫ممثلة للعنف الرمزي في تربية وظيفتها تبرير العنف المادي للحكم؟‬ ‫‪ .2‬هل الأبيسوقراطيا التابعة أو المنفعلة هي شيء آخر غير الوجه الثاني‬ ‫للأبيسيوقراطيا المتبوعة أو الفاعلة بحيث إن وضع المسلمين عامة والعرب منهم خاصة في‬ ‫علاقتهم بالغربيين عامة والأميركان منهم خاصة ليس أمرا ناتجا عن الصدف بل هو غاية ما‬ ‫وصل إليه تاريخ الإنسانية الحالي بمعنى أن العولمة الإسلامية والعولمة الأمريكية وجهان‬ ‫لنفس الظاهرة واحد منفعلة والثانية فاعلة ولا يمكن تحرير الإنسانية إلى بفهم هذه‬ ‫العلاقة‪.‬‬ ‫وفهمها سيؤدي إما إلى إصلاحها ومن ثم إلى تحالف بين الأمريكان والمسلمين لتحرير‬ ‫الإنسانية من الاستعمار في الأرض فعال من دون استخلاف ودين صادق ومن الاستخلاف في‬ ‫الأرض صادق من دون استعمار في الأرض فعال أو إلى حرب مدمرة مثل الجارية منذ أن‬ ‫صارت العولمة الغربية الفاعلة ككل ممثلة بالولايات المتحدة والعولمة الإسلامية المنفعلة ككل‬ ‫ممثلة بالإقليم الذي تلتقي فيه القارات القديمة الثلاثة والذي هو مركز هذا الحرب التي‬ ‫آن أوان تجاوزها واعتقد أن كورونا يمكن اعتبارها العلامة الفاصلة في ذلك لأنها‪.‬‬ ‫‪ .1‬أثبتت كذبة المطابقتين‪ :‬أي إن التقدم ا لعلمي والقيمي مهما بلغا يبقيان دائما‬ ‫نسبيين ولا يمكن أن يكون العلم محيطا ولا العمل تاما‪.‬‬ ‫‪ .2‬أثبتت ضرر الأبيسيوقراطيا‪ :‬أي إن التقدم الاقتصادي والثقافي مهما بلغا يبقيان‬ ‫رهن ما يتعالى على ربا الأموال وحق التعاون مقدم على الربح وربا الاقوال وصدق‬ ‫التواصل مقدم على الخداع‪.‬‬ ‫وذلك القصد بوحدة الديني والفلسفي الذي أحاول بيانه ولا علاقة له بما يراه هيجل‬ ‫لأنه هو جوهر القرآن الذي يرجئ حتى الفصل بين الأديان إلى يوم الدين وشرطه وجود‬ ‫اليوم الآخر وهو ما يعتبر رفضا قاطعا لأساس فكر هيجل وماركس كله أي القول إن التاريخ‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪118‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هو الحكم النهائي وأن الإلهي حال في الطبيعي سواء كان ماديا جامدا (ماركس) أو حيا‬ ‫إنسانا (هيجل)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪119‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪120‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook