Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2020-04-21 17:55:34

Description: محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫فليست الفيروسات وحدها هي التي لا تعرف الحدود بين الدول ولا بين الأفراد بل الهواء والمناخ‬ ‫وتأثير التلوث الطبيعي والتلوث الثقافي وهو معنى وحدة المعمورة ووحدة الإنسانية‪.‬‬ ‫وطبيعي أن يكون الدين الخاتم ذا نزعة كونية فيعتبر غايته جعل المعمورة دولة واحدة‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى كونية الإسلام حتى وإن لم يحقق ذلك في ماضيه رغم السعي إليه بنظرية الفتح‬ ‫سلما أو حربا‪ :‬هو كونية شروط العيش السلمي بين البشر بالمعادلة العادلة‪.‬‬ ‫وهذه المعادلة العادلة تتعين في الدولة العادلة وذلك هو موضوع الفصل الخامس مكرر القادم وهو‬ ‫الأخير في المحاولة كلها‪.‬‬ ‫أعلم أن الكثير سيتوهم أني بهذا الكلام المتفائل حول مستقبل الإسلام انطق من العقد وليس من‬ ‫العقل‪ .‬وينسون أني أصل بين النظر والعقد شرطين في نظرية المعرفة العمل والشرع شرطين في‬ ‫نظرية القيمة‪.‬‬ ‫فالنظر والعقد أساس المعرفة سواء كان دينية أو علمية والعمل والشرع اساس القيمة سواء كانت‬ ‫دينية أو علمية‪ .‬وهذان الأساسان إذا اعتبرا مطابقين طغى الإنسان بعلمه وعمله فتأله‪.‬‬ ‫والمقابلة بينهما كانت ناتجة عن خطأ فلسفي توهم أصحابه الإحاطة في العلم والتمام في العمل‬ ‫مدعاة للقول بالمطابقتين وبوحدة العالم المردود إلى ما يدركه منه الإنسان ويعمله‪.‬‬ ‫وقلدهم علماء الملة فصار علم الكلام ‪-‬كما بين ابن خلدون مجرد نسخة من الفلسفة التي وضعها‬ ‫أفلاطون وارسطو القائلين بالمطابقتين‪ .‬فعلوم الملة أصبحت كلها تقول بالمطابقتين مثل الفلسفة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫واليوم حداثيونا يقولون بنفس المطابقتين القديمتين والوسيطتين وأضافوا إليهما اللتين وضعهما‬ ‫هيجل وماركس‪ .‬فصارت الفلسفة عند الحداثيين خرافية أكثر من علم الكلام عند القدامى‪.‬‬ ‫ما يجري حاليا في العالم يثبت أن العلم والعمل شديدا النسبية وأن الغيب لا يريد إلى الغائب لأن‬ ‫هذا ممكن العلم والعمل وذاك من المحال علمه أو عمله‪.‬‬ ‫وإذن فهو مفهوم حد يحرر الإنسان من مرض حب التأله فيشده إلى ما يتعلى عليه‪ :‬وذلك هو أصل‬ ‫ما أكته هنا وليس مجرد العقد بل هو اللأدرية المؤسسة لحرية الفكر الذي يصل بين النظر والعقد‬ ‫والعمل والشرع‪.‬‬ ‫وذلك هو جوهر الإسلام شرط السلام في الجماعة وبين الجماعات ليشمل الإنسانية كلها فلا تفسد‬ ‫في الارض ولا تسفك الدماء فتتحرر مما وسمتها به الملائكة في أمثولة الحوار حول أهلية آدم‬ ‫للاستخلاف‪.‬‬ ‫القسم الثان‬ ‫في ختام هذه المحاولة‪-‬قبل بلوغ المعادلة السياسية العادلة تربية وحكما‪ -‬لا بد من تعريج سريع‬ ‫يجيب عن سؤالين قد يبدوان متعلقين بالترجمة الذاتية‪ .‬لكنهما في الحقيقة يساعدان على فهم ما‬ ‫استعملته من علاج يتمازج فيه الفلسفي والديني وبصورة أدق الإسلامي بصورة لا يكاد القارئ‬ ‫المتسرع معرفة أي المنظورين محددا للثاني للظن أنهما منظوران مختلفان بسبب ما يسيطر في‬ ‫الفكر من مقابلة بين الديني الفلسفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لذلك فلا بد من تعليل هذا المنظور وبيان أنه ليس جمعا بين منظورين مختلفين بل هو تجاوز‬ ‫للمقابلة السطحية بينهما وفهم للمنظور الواحد الذي يرد إليه المنظوران اللذان يصبحان مختلفين‬ ‫لما يحرفان‪.‬‬ ‫فعندما يعتبر الدين نقلا بلا عقل والفلسفة عقلا بلا نقل يظن من يخلط بين العقل والخيال‬ ‫فيحرف الفلسفة ويظن من يخلط بين بين النقل والوحي فيحرف الدين‪ .‬فالنقل هو المضمون‬ ‫التجريبي سواء كان فلسفيا أو دينيا والعقل هو الشكل المنطقي سواء كان فلسفيا أو دينيا‪.‬‬ ‫والغيب محجوب على الرسل حجبه على الفلاسفة‪ :‬من يدعي أن الرسل يعلمون الغيب يكذب‬ ‫القرآن‪ .‬ومن يدعي أن العقل مطابق للوجود يكذب العلم‪ .‬كلاهما له مفهوم حد هو الغيب الذي‬ ‫يلغي القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية‪.‬‬ ‫كل رجل دين يدعي عكس ذلك يصبح وسيطا بين المؤمن وربه فيؤسس للطغيان المعرفي ويشرع‬ ‫للطغيان القيمي والاستبداد‪ .‬وكل فيلسوف يزعم المطابقة يؤسس لنفس الشيء‪ :‬لذلك‬ ‫فالأفلاطونية والأرسطية والهيجلية والماركسية كلها تقول بالمطابقة ورؤاها أديان وفلسفات‬ ‫محرفة‪.‬‬ ‫وإذن فلا علم من دون مضمون تجريبي وشكل منطقي‪ .‬ولا دين كذلك‪ .‬وعلى كل فذلك عين ما‬ ‫يفيده القرآن إذا ميزنا بين ما يقدمه من رؤى بين ما يرد فيه مادة للنقد من منظور فلسفة الدين‬ ‫ومن منظور فلسفة التاريخ‪ .‬وبذلك يتحدد الحواب عن السؤالين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬من أي موقع أتكلم في هذه المحاولة يمكن اعتباره محددا لمنظوري؟‬ ‫‪ .2‬وكيف انتهيت إلى تحديد هذا المنظور الذي سميته المشترك بين الديني والفلسفي؟‬ ‫فأما الموقع فقد بدأ يبرز منذ انتقلت من تخصص الرياضيات إلى تخصص الفلسفة وكان ذلك لعلة‬ ‫خارجية لا علاقة لها بالاختيار الواعي‪ .‬فلعلة خارجية لها علاقة بظروف السكن والأسرة‬ ‫اضطررت للذهاب إلى قسم الفلسفة رغم توجيهي على قسم الرياضيات‪.‬‬ ‫وقد كان يمكن ألا يكون لي علاقة بمثل هذا الإشكالية لولا هذه الصدفة‪ .‬وطبعا ففي تلك المرحلة‬ ‫لم يكن الذهاب إلى الآداب المعاصرة يلغي دراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية كما عليه الحال‬ ‫الآن‪ .‬لأنها كانت تجمع بين الآداب والعلوم‪ .‬وإذن فما ربحته أكثر مما خسرته‪.‬‬ ‫لكن الموقع تحدد عندما دخلت إلى الجامعة‪ .‬كانت الموضة الطلابية هي فلسفة ماركس‪ .‬ولست‬ ‫أدري ‪-‬ربما لأني من البادية وابن مزارع‪-‬لم تمل نفسي إلى فلسفة ماركس ولعل غرامي بأفلاطون‬ ‫وارسطو وخاصة بهيجل كان من علل احتقاري للماركسية ولرؤيتها المتخلفة للظاهرات الإنسانية وما‬ ‫يتعالى على محدداتها في ردها إلى رؤية لا تفهم إلى برد الإنسان إلى التاريخ الطبيعي بوصفه‬ ‫حيوانا أكثر من كونه إنسانا لا يقتصر على الدوافع المادية حتى وإن علل ذلك بغايات تبدو‬ ‫روحية مثل الحرية والعدل والمساواة بين البشر‪.‬‬ ‫لكن لذلك كله يعتبر من الصدف ولا يمكن أن يعلل فلسفيا المنظور الذي سميته منظور المشترك‬ ‫بين الديني والفلسفي‪ .‬ذلك أن هذا المنظور لم يكتف برفض الماركسية بل هو تجاوزها إلى رفض‬ ‫أفلاطون وارسطو وهيجل إضافة إلى ماركس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فقد تبين لي أن نسبة ماركس إلى هيجل هي عين نسبة أرسطو إلى افلاطون وأن الموضة الحالية‬ ‫بين زملائي في الجامعة هي عين الموضة التي حكمت فلسفتنا الوسيطة‪ :‬القول بالمطابقتين والقول‬ ‫بوحدانية العالم المردود إلى الشاهد منه ومن ثم إلى العالم المحسوس حتى في صورته المعقولة‪.‬‬ ‫وإذن فالمنظور متعلق إذن بأمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول نظرية المعرفة التي لم تقنعني أي إني أرفض القول بالمطابقة بين ما يعلمه الإنسان‬ ‫من الوجود والوجود‪ .‬وهنا يلتقي مفعول التربية الإسلامية وفهمي الأولي لفلسفة كنط‬ ‫وبينهما فلسفة الغزالي وابن ابن خلدون خاصة وذلك قبل أن اكتشف ابن تيمية‪.‬‬ ‫‪ .2‬الثاني نظرية القيمة التي لم تقنعني أي إني أرفض القول بالمطابقة بين ما يعمله الإنسان‬ ‫من المنشود والمنشود‪ .‬وهنا يلتقي كذلك الرؤية الأشعرية في التربية الإسلامية ونفس الفهم‬ ‫الأولي الذي أثر في خياري في نظرية المعرفة‪.‬‬ ‫وكان لا بد من تعريف هذا الحد الذي يحول دون المطابقة فلسفيا ودينيا‪ .‬فهو فلسفيا تقدم‬ ‫المعرفة الإنسانية في العصر الحديث واكتشاف الرؤية المحدودة للقائلين بالمطابقتين‪ .‬وهو دينيا‬ ‫مفهوم الغيب الذي يعني أن عالم الشهادة لا يكتفي بنفسه وأن الإنسان مهما علم لن يحيط‬ ‫بالموجود ومهما عمل لن يبلغ الكمال في تحقيق المنشود‪ .‬وهذا هو المشترك بين الديني والفلسفي‪:‬‬ ‫حدود الإنسان في النظر والعقد وحدوده في العمل والشرع‪.‬‬ ‫ولذلك فإني بخلاف الموضة السارية حاليا بين النخب العربية لا أستحي من الدفاع عن هذا الموقف‬ ‫بل إني اعتبره جوهر ما يؤمن به كل الفلاسفة بحق ممن لم يكن ساذجا فيخلط بين الميل العملي‬ ‫إلى القول بالمطابقة في المعرفة وفي القيمة مع التسليم بإمكان ما يتعالى على ذلك لكنه ممتنع على‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان وهو الموقف السفسطائي الشكاكي حتى وإن لم يعترفوا بذلك صراحة كما فعل أفلاطون‬ ‫بخلاف أرسطو وهيجل بخلاف ماركس‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن أفلاطون وهيجل يعترفان بأن \"واقع\" الإنسان لا يتجاوز القول بالمطابقتين لكنه‬ ‫يدرك أن ذلك هو الممكن الفعلي للإنسان الذي هو دون الممكن المطلق‪ .‬ويمكن اعتبارهما قائلين‬ ‫بالموقف الصوفي بمعنى أن الإنسان يدرك أن ما يدركه ليس كل الممكن‪ .‬لكنه موقف صوفي سلبي‬ ‫بمعنى أنهما لا يقولان بالوصول إلى كل الممكن بكذبة الكشف‪.‬‬ ‫ولذلك فأفلاطون وهيجل يمثلان حقيقة السفسطائية إذا حررناها من تشويههما لها وخاصة من‬ ‫تشويه أرسطو وماركس لها إذ يطلقان المطابقتين بسذاجة ليس لها نظير إلا عند حداثيي العرب‬ ‫ومقلديهم من التأصيليين الذين يدعون التحديث‪.‬‬ ‫لكني أعتقد أن الأكبر منهم هم من تجرأوا بنفي المطابقتين صراحة ‪-‬المدرسة النقدية العربية‬ ‫وكل الشكاكين بمن فيهم السفسطائيين لأنهم لم ينفوا ما يتجاوز العلم والعمل الإنسانيين بل هم‬ ‫اعتبروه من الممكن الذي يبقى خارج علم الإنسان وعمله‪-‬ومن ثم من لم يزعموا وحدة العالم‬ ‫لأنهم رفضوا المطابقتين‪.‬‬ ‫وما أعجب له حقا هو أن علوم الملة كلها انحرفت عن هذا الموقف وصارت مثل الفلسفة القديمة‬ ‫تقول بالمطابقتين مع قلب أمر القرآن نهيا في المعرفة والقيمة (فصلت ‪ )53‬ونهيه أمرا (آل‬ ‫عمران‪ )7‬وتجاهل الآيات التي تقول بإرجاء الحسم في ما يختلف فيه اهل الأديان إلى يوم الدين‬ ‫وقلبها بإرادة الحسم فيها في عالم الشهادة في حين أنها مبنية على علم السرائر الذي هو من الغيب‬ ‫الذي لا يحيط به إلا علم الله‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وأعتقد أن القول بأننا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر في العمل والشرع وحتى في النظر‬ ‫والعقد عند الفقهاء لا تعني أن الحكم بالظاهر يلغي احترام ما يقتضيه اعتبار السرائر وتوهم‬ ‫قاضي الأرض مثل قاضي السماء لها القدرة على معرفة مطابقة وتقييم مطابق فيطبق حدود الله‬ ‫كما هي في علم الله وعمله الجامعين بين الحكم بعمل الظاهر وتقييمه والحكم بعلم السرائر‬ ‫وتقييمها‪.‬‬ ‫فاعتبار السرائر المجهولة للإنسان الحد من الحسم بمقتضاها يؤدي إلى تواضع القضاة والفقهاء‬ ‫وتجنب الذهاب إلى الغاية في الأحكام التي هي اجتهادية وليست محيطة وذلك بالبحث عن‬ ‫المخففات في الأحكام الفقهية وعدم الخلط بين الحكم ومقدار العقوبة وذلك بالبحث عما يحول دون‬ ‫الاقتراب من حدود الله في حكم القاضي كما في فعل المتهم الذي يقضي في شأنه‪.‬‬ ‫بعد هذا التوضيح في خاتمة المحاولة أذهب مباشرة إلى غايتها‪ .‬فما المعادلة العادلة التي تكون في‬ ‫نسبة الزاوية القائمة إلى الحادة والمنفرجة في مثال أرسطو لتحديد الفضيلة بخلاف ما يفهم عادة‬ ‫من الوسط عند من أساء تأويل نظرية الإسلام في الوسط ونظرية ارسطو في الفضيلة‪.‬‬ ‫فالمعيار سابق على التطرفين وليس هو حلا وسطا بينهما‪ .‬هما يعرفان به وليس هو بهما‪ .‬كذلك‬ ‫المعادلة العادلة هي في القرآن وفي الفلسفة النموذج المثالي لبنية الإنسان فردا وجماعة ورعاية‬ ‫وحماية للذات وللغير ليس حبا فيه فحسب بل لأن حماية الذات شرطها حماية الغير بسبب وحدة‬ ‫الأحياز الخمسة‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬فحيز المكان واحد ولا يتوقف عند مكان كيان الفرد ولا عند مكان كيان الجماعة بل يشمل‬ ‫الإنسانية كلها وكل الحدود الفاصلة اعتبارية وهي لا تمنع انتشار المؤثرات في الإنسان إلا في‬ ‫حدود ما يشهده الإنسان بحواسه لكنها من الدقة والسيلان ما يجعل ما يحصل في أي نقطة‬ ‫من المكان شاملة لكل المكان‪ .‬وهذا لان يمنع تعدد المناخات مثلا لكنها كلها متفاعلة ومتبادلة‬ ‫التأثير والتأثر‪.‬‬ ‫‪ .2‬وحير الزمان واحد ولا يتوقف عند زمان الفرد ولا عند زمان الجماعة بل يشمل الإنسانية‬ ‫كلها ماضيها ومستقبلها لأن حاضرها يحيط بهما احاطتهما به إذ إن أثر الماضي ماثل فيه بما‬ ‫حصل منه وأثر المستقبل حاصل فيه بما هو بصدد الحصول منه وهو لحظة التلاقي والتفاعل‬ ‫بينهما بأحداثهما وبالحديث الدائر حولهما‪.‬‬ ‫‪ .3‬والحيز الثالث الناتج عن تفاعل الإنسان مع الحيزين الطبيعيين بتقديم ما يستمد من‬ ‫الطبيعة هو الحصيلة من تفاعل المكان والزمان في استمداد شروط قيام كيان الإنسان‬ ‫العضوي من الطبيعة‪ .‬إنها ثروة الفرد والجماعة والإنسانية وهي الزاد أو الرزق المادي‬ ‫(الاقتصاد بضائع وخدمات) الذي يحققه الإنسان بعلمه وتطبيقاته وبعمله وتطبيقاته وفيه‬ ‫يتحيز الإنسان فردا وجماعة تحيزه في المكان وفي الزمان‪ .‬فالناس يرتبون بمقتضى الثروة‬ ‫كما يرتبون بمقتضى المكان والزمان‪.‬‬ ‫‪ .4‬والحيز الرابع الناتج عن تفاعل الإنسان مع الحيزين بتقديم ما يستمد من التاريخ هو‬ ‫الحصيلة من تفاعل الزمان والمكان في استمداد شروط قيام الإنسان الروحي من التاريخ‪.‬‬ ‫إنها تراث الفرد والجماعة والإنسانية‪ .‬وهي الزاد او الرزق الروحي (الثقافة علوما‬ ‫وفنونا) الذي يحققه الإنسان بتنظيم علمه وتطبيقاته وعمله وتطبيقاته وفيه يتحيز‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان فردا وجماعا تحيزه في المكان وفي الزمان‪ .‬فالناس يرتبون بمقتضى التراث كما‬ ‫يرتبون بمقتضى الثروة والمكان والزمان‪.‬‬ ‫لكن الحيز الأصل والغاية هو المرجعية التي تؤسس لسلم سلالم الترتيب الأربعة السابقة وهي‬ ‫دائما نظام يتحد فيه الفلسفي والديني باعتباره التأسيس الرؤيوي للقيم ا لتي تحكم هذه الأحياز‬ ‫وسلم المراتب فيها ومنها يمكن تحديد المعادلة وشروط عدلها أو ظلمها وهي مرجعية السياسة‬ ‫باعتبارها فن رعاية الأجيال تكوينا وتموينا وحماية الفرد والجماعة داخليا وخارجيا‪.‬‬ ‫أي بكلمة واحدة هي المرجعية وقد تعينت دولة أو عودة الجماعة على ذاتها لتكون قيمة عليها إما‬ ‫بمنطق تعريف الإنسان من حيث هو رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له فتكون معادلة‬ ‫عادلة أو بعكس ذلك فتكون معادلة ظالمة‪ .‬وحتى نفهم جيدا دور هذه الأحياز فينبغي أن نعلم أنها‬ ‫مضاعفة‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهي في كيان الفرد‪ :‬بدنه هو مكانه وروحه زمانه وما في بدنه من شروط بقاء ثروته ومافي‬ ‫روحه من شروط بقاء تراثه وذاته هي وحدة كيانه وهو مع فرديته متناظر مع كيان‬ ‫الجماعة‪.‬‬ ‫‪ .2‬وهي خارج كيان الفرد تلك الخمسة التي ذكرنا مع الجماعة التي تشغلها وما يتجاوزها‬ ‫للإنسانية كلها‪.‬‬ ‫‪ .3‬وهي في كيان الجماعة‪ :‬ديموغرافيتها هو مكانها وتاريخها هو زمانها وتقوم به ديموغرافيتها‬ ‫هو ثروتها وما يقوم به تاريخها هو تراثها وذاتها هي وحدة كيانها وهي مع كونها تلك‬ ‫الجماعة متناظرة مع كيان الفرد ومع كيان الإنسانية كلها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .4‬وهي خارج كيان الجماعة تلك الخمسة التي ذكرنا وما يتجاوزها إلى الإنسانية كلها فوقها‬ ‫وإلى الفرد دونها‪..‬‬ ‫‪ .5‬وهي شاملة للإنسانية والعالم المعلوم والمجهول في كيان الإنسانية وفي العالمين عالم الشهادة‬ ‫وعالم الغيب‪ :‬وهذا هو السر في المؤثرات الكونية المرئية مثل الهواء والمناخ أو اللامرئية‬ ‫مثل الفيروسات والجراثيم وما قد لا يخطر على بالنا من الموجودات التي لم نكتشفها بعد‪.‬‬ ‫ولا يمكننا أن نحدد المعادلة العادلة والظالمة ما لم يتحدد هذه البنية المجردة التي تؤسس‬ ‫للتناظرات التي أشرت إليها‪ .‬ولهذه العلة وضعت معادلات سابقة عن المعادلة العادلة التي أتكلم‬ ‫عليها وهي التالية وكلها لا تكتفي بذاتها فتقتضي ما وراء لها يحيل على التي تليها‪:‬‬ ‫‪ .1‬المعادلة الفردية وما وراءها‪ :‬فالفرد إرادة ذات رؤية تتحقق بالمعرفة علة فاعلة بالقيمة‬ ‫علة غائية فتكون له قدرة‪ .‬لكنها جميعا مستحيلة من دون إطار جماعي عضويا وروحيا‪.‬‬ ‫ولهذه المعادلة الفردية ما وراء هو المعادلة الجمعية‪.‬‬ ‫‪ .2‬المعادلة الجمعية وما وراءها‪ :‬والجماعة لها إرادة ذات رؤية تتحقق بتعينها في الافراد وما‬ ‫بينهم من تقاسم العمل في النظر والعقد أداتين للتعامل مع الطبائع وفي العمل والشرع‬ ‫أداتين للتعامل في ما بين الأفراد‪ .‬ولهذه المعادلة الجمعية ما وراء هي المعادلة التاريخية‪.‬‬ ‫‪ .3‬المعادلة التاريخية وما وراءها‪ :‬ولا يمكن لـ‪ 1‬ولـ‪ 2‬أن يحصلا انطلاقا من الصفر بل لا بد أن‬ ‫يكون لهما ماض فعلي وقولي ولهما مستقبل قولي وفعلي وبينهما ومحيط بهما حاضر هو‬ ‫بؤرة التاريخ‪ .‬ولهذه المعادلة ماوراء هو ا لمعادلة الطبيعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .4‬المعادلة الطبيعية وما وراءها‪ :‬والمعادلة الطبيعية هي التي تمد الإنسان بشروط البقاء‬ ‫العضوي فردا وجماعة فتكون الحيز الأصلي للإنسان من حيث هو كيان عضوي خاصة‪.‬‬ ‫ولهذه المعادلة ما وراء وهو الماوراء المطلق وكل محاولات الفهم والتفسير تعود إلى السؤال‬ ‫الوجودي حول العالم الطبيعي وأبرز مظاهره هو الأنواء والفلك‪ .‬وجل آلهة الأساطير‬ ‫مستمدة من تأليهها‪.‬‬ ‫‪-5‬المعادلة الوجودية وما وراءها‪ .‬وبذلك نصل إلى معادلة المعادلات وهي الجامعة بين الماوراءات‬ ‫كلها وبصورة أدق إلى تسلسلها الكوني بمعنى أنه عين التسلسل الواحد في كل الحضارات ولا يهم‬ ‫بأيها يبدأ‪ .‬وتلك هي المعادلة التي وضعتها والتي بها يمكن فهم المعادلات السابقة كلها وخاصة‬ ‫تسلسلها‪.‬‬ ‫فلأذكر بها أولا ثم أحاول بيان تعينها في البنية المجردة للدولة أو لقوامة الجماعات الإنسانية‬ ‫لذاتها فردا وجماعة جزئية وجماعة كلية أي الإنسانية كلها كما يصورها القرآن والفلسفة‪ .‬وقبل‬ ‫أن أتكلم في هذه المعادلة الوجودية الجامعة فلا بد من الإشارة إلى أن المعادلات لا تتعلق بقيمها أو‬ ‫بمضمونها لأنها تنطبق على أي فرد واي جماعة وأي تاريخ وأي طبيعة وأي وجود‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن التعين لا يكون إلى بعد أن نحدد مضمونا يعتبر قيما معينة لمتغيرات تصدق على‬ ‫كل فرد وعلى كل جماعة وعلى كل تاريخ وعلى كل طبيعة وعلى كل وجود إذا اعتبرنا كلامنا‬ ‫شاملا للعالم الشاهد ولم ندع إطلاق ما نتكلم عله بدعوى المطابقتين اللتين بدأنا بنفيهما‪ .‬ومعنى‬ ‫ذلك أن الخصوصيات تتعلق بقيم المتغيرات وليس بالمتغيرات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فعندما استعمل في القياس الحروف أ وب وج فإن أ وب وج متغيرات وهي كونية ولا تصبح متعينة‬ ‫إلى عندما أعوضها بموجودات هي قيم تلك المتغيرات سواء كان مطابقة أو غير مطابقة حقيقية أو‬ ‫فرضية‪ .‬وهو ما يعني أني لا أتكلم على الخصوصيات التي لا تتعلق بمتغيرات المعادلة بل بقيمها‪.‬‬ ‫ولأضرب مثالا شهيرا‪ :‬فعندما يتكلم فان آس عن المتكلمين وينشغل بحيواتهم وبتاريخهم فإنه لا‬ ‫يتكلم على علم الكلام بل على من قام بدور المتكلم‪ .‬وهذا الذي يشير إليه لا يعنيني كثيرا لأنه‬ ‫يمكن أن يكون زيدا أو عمروا ويمكن أن يكون عربيا أو فارسيا أو هنديا أو تركيا أو أمازيغيا‪ .‬فان‬ ‫آس مؤرخ لأعيان المتكلمين ولا علاقة لذلك بالكلام نفسه لأنه يكون كما كان بصرف النظر عن‬ ‫أعيان المتكلمين إذ يمكن لغيرهم أن يكون محلهم‪.‬‬ ‫لكن ما يعنيني في بحثي هو أن الكلام هو بحث في ما وراء الشاهد قيسا له عليه على أساس الخلط‬ ‫الابستمولوجي بين الغيب والغائب واستعمال التأويل برد عالم الغيب إلى عالم الشهادة كما يرد‬ ‫الغائب إلى الشاهد‪ .‬وتلك هي نظرية المطابقة في نظرية النظر والعقد ومثلها نظرية المطابقة في‬ ‫نظرية العمل والشرع‪ .‬وإذن فبحثي لا يتعلق بالمضامين العينية بل بالبنى المجردة التي تتعين‬ ‫عندما نأخذ المضامين العينية فنعتبرها قيما لها ونفكر في القيم وليس في المعادلات المجردة وشروط‬ ‫عدالتها‪.‬‬ ‫وطبعا فالبحث في محافظتها على عدالتها البنيوية أو فقدانها له علاقة بالقيم أي بمن تتعين فيه‪:‬‬ ‫وذلك هو المستوى الثاني من البحث وهو متعلق بالقوامة‪ :‬من يملأ خانات البنية المجردة أو من‬ ‫يصبح ممثلا للبنية المجردة ليجعلها تصبح فاعلة حيث تكون الذات الطبيعية ممثلة للذات المعنوية‬ ‫وهو معنى القوامة في وظائف الجماعة العشرة التي تكلمت عليها في الفصل الخامس السابق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولنشرع في تعريف المعادلة الوجودية التي لا يمكن ألا تكون عادلة لأنها عين العدل‪ .‬فلنأخذ أي‬ ‫فرد إنساني فإنه يمكن أن يعتبر في علاقة بالطبيعة بتوسط الجماعة عضويا لأنه يدين بوجوده‬ ‫العضوي إلى أبويه وهذا يعطينا أنه حصيلة متوالية هندسية قبله لأن أباه من أب وأم وأمه من أب‬ ‫وأم وهكذا دواليك فيكون ما قبل الفرد تسلسل في متوالية هندسية تصل إليه وبعده تسلسل في‬ ‫متوالية هندسية تصل إلى أخلاف الاسلاف‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار بقاءه العضوي مدين للجماعة لأن ما يستمده من شروط البقاء العضوي هو ما أسلفنا‬ ‫وما يستمده من شروط البقاء الذي يأتيه من الطبيعة أي من خارج الوراثة العضوية يستمده من‬ ‫الوراثة الحضارية أعني ثمرة العمل الإنساني على علم أو بالصدفة من التعاون على سد الحاجات‬ ‫التي تبقى على حياة الفرد والجماعة والنوع‪.‬‬ ‫وفيه مشاركة لكل الأجيال السالفة في الجماعة وكل الجماعات السالفة في الإنسانية‪ .‬ويكفي أن‬ ‫ننظر في الزراعة مثلا‪ .‬فأدوات حرب الأرض موروثة عن الحضارات السابقة كما نراها خاصة في‬ ‫الزراعة البدائية التي ما تزال تدين للحضارات القديمة بفنيات الزراعة‪.‬‬ ‫فيكون الإرث الحضاري هو بدوره من جنس الإرث العضوي لا بد فيه من انتقال \"شيء\" من جيل‬ ‫إلى جيل ومن سلف إلى خلف وهو الذي يجعل علاقة الفرد بالطبيعة مدينة للعلاقة بين البشر من‬ ‫حيث إن الجماعات تمثل كيان متحد في سد حاجات الرعاية وحاجات الحماية في ما بينها ثم في ما‬ ‫بينها وبين غيرها من الجماعات وفي ما بين البشر وغيرهم من الكائنات الحية والجامدة في العالم‪.‬‬ ‫ومثالنا الحالي في الحرب مع كورونا مثال بين للعين المجردة‪ .‬فهي معركة كونية لا تعرف الحدود لا‬ ‫المكانية ولا الزمانية حتى وإن ظل حمق البشر يعاملها بإخضاعها للأنانيات التي حددتها الحدود‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫السياسية والثقافية‪ .‬والجميع لا يجعل أنه إذ فرضناه قد نجح في بلده فتغلب على الجائحة فإن‬ ‫بقاءها عند جاره غيره يعني أنها لم تنقرض وهي قد تعود إليه بعد أن تكون قد تطورت فصارت‬ ‫أكثر خطرا عليه وهو يتجاهل طابعها الكوني لحمق ولعدم فهم ما أحاول بيانه‪.‬‬ ‫فيكون الفرد إذن في قلب معادلة يمكن أن نعتبره بين التاريخ والطبيعة‪.‬‬ ‫لكن التاريخ له ما وراء والطبيعة لها ما وراء‪ .‬ويمكن أن نعتبر أن ما وراء الطبيعة هو ما يفسرها‬ ‫من قوانين علمية وأن ما وراء التاريخ هو ما يفسره من سنن سياسية‪.‬‬ ‫لكن لا القوانين ولا السنن يمكنهما أن تكتفيا بنفسيهما لأن كونها موجودة أولا وكونها على ما هي‬ ‫عليه كما تبدو لنا ليست من الضرورات التي تعلل ذاتها بل هي تبدو لنا وكأنها بفعل فاعل أي أنها‬ ‫ليست محض صدفة‪.‬‬ ‫ذلك أننا لو حاولنا تصورها بالصدفة لأصبح وجودها شبه مستحيل بحساب الاحتمالات إذا اخذنا‬ ‫بعين الاعتبار التواليف الممكنة للمحددات التي تتحكم في وجودها أولا وفي كونها على ما تبدو عليه‬ ‫لنا‪.‬‬ ‫فينتج من ثم نوع من إدخال شبه تعليل غائي للوجود ولكونه على ما يبدو عليه لنا مع اعتبار كل‬ ‫الممكن الذي أخير من بينه ما نراه حاصلا وكأنه دليل على أن هذا الفاعل فاعل مختار‪.‬‬ ‫وإذن فهو ذو تدبير هادف أو عمل غائي‪ .‬وطبعا يمكن للإنسان من حيث هو ساذج أن يتصور ذلك‬ ‫قد جعل كذلك من اجله‪.‬‬ ‫وهو في الأساس أول رؤية انبنت عليها الأساطير الأولى في تفسير ما يجري في الكون وقيس هذا‬ ‫المبدأ الأول على الإنسان وتصور العالم كله من جنس ما نطلبه أي دولة لها ملك خالق وآمر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ثم عكست العلاقة قيس نظام العالم على نظام الوجود الإنساني ثم صار نظام الوجود الإنساني‬ ‫يقاس على نظام وجود العالم وكلاهما يمثل المعادلة التي تكون عادلة إذا كان نظام الوجود‬ ‫الإنساني البعيد عن المثال مطابقا لنظام وجود العالم المثالي‪ .‬وهنا نصل إلى مشكل المشاكل‪:‬‬ ‫القول بالمطابقتين‪ .‬فالإنسان يزعم الإنسان في رؤيته أنه يعلم ذاته وصفاتها وما يترتب عليهما من‬ ‫نظام للوجود الإنساني في عالم الشهادة‪.‬‬ ‫ثم يقيس عليها ذات الله وصفاته وما يترتب عليهما من نظام الوجود الإلهي في عالم الغيب يتأله‬ ‫فيتصور نفسه هو الذي صنع صورة المثال وهو الرب الحقيقي والأديان من جنس أساطير الاولين‬ ‫الذين ألهو الطبيعة والتاريخ في شكل دولتين دولة العالم الأسطوري ودولة العالم الشاهد‪:‬‬ ‫وبذلك نجد الأديان الطبيعية التي من جنس الفرعونية وكل الأديان الشرقية في الصين والهند أو‬ ‫الأديان غير المنزلة‪.‬‬ ‫ما نسميه الأديان المنزلة إذا لم تكن محرفة‪ -‬أو على الأقل كما يعرضها القرآن وكما يعرف ذاته‪-‬‬ ‫هي التحرر من هذه الصورة التي تجعل الأديان من صنع الأنسان والتي تنتهي إلى القول‬ ‫بالمطابقتين اللتين تعنيان في الجوهر تأله الإنسان سواء كان تألها بالمعرفة والقيمة في النظر والعقد‬ ‫أو تألفه بالقوة والحكم في العمل والشرع‪ .‬فيترتب عن ذلك سؤال جوهري يغفل عنه أصحاب هذه‬ ‫الرؤى‪ :‬إذا كان ذلك كذلك فمن أين تأتي المقابلة بين الامر الواقع والأمر الواجب أو بين الموجود‬ ‫والمنشود في فكر الإنسان بحيث يصنع بمقتضاهما \"وثنا\" يسميه ربا فيعبده؟‬ ‫ما الذي يجعل الإنسان يعتبر الموجود ناقصا ويحتاج إلى منشود قبل أن يصل إلى الحل الذي يزعم‬ ‫أصلا لخلق هذا الوثن أي ما يفترضه فيورباخ فيجعل الإنسان هو الذي خلق الله وليس العكس؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إذا كان لا بد أن يوجد في الإنسان الوعي بهذا الفرق بين الأمر الواقع والأمر الواجب أو بين‬ ‫الموجود والمنشود قبل أن يترتب عليه علاجه بخلق الوثن‪.‬‬ ‫فلا بد من فهم هذه العلة السابقة عن المعلول وإلا فالتفسير ليس تفسيرا والكلام مع من يفسر‬ ‫بالعلة وليس عامة‪ .‬لأني عامة لا أفسر بالعلة أي إني لا اعتقد أن وجود مبدأ متعال على الإنسان‬ ‫في المعادلة قابل للفصل عن وجود الإنسان بحيث أطلب له تعليلا غير بنية المعادلة نفسها‪.‬‬ ‫وعندئذ تصبح المعادلة الوجودية هي الإنسان قلبها وفوقه ما يشعر أنه متعال عليه لا بد أن‬ ‫يفترض وجوده بينه وبين التاريخ بوصفه أصلا لما وراءه من سنن سياسية تربية وحكما في كيانه‬ ‫وخارجه به يتنظم أمر الجماعة وأن يفترض وجوده بينه وبين الطبيعة بوصفه أصلا لما وراءها‬ ‫تغذية وحكما في كيانه وخارجه وأن يعتبر هذا الماوراء في الحالتين متجاوزا ذاته وجماعته ويشمل‬ ‫الإنسانية كلها‪.‬‬ ‫فهو يشمل عالمه وغيره من العوالم التي هي بعدة الموجودات فيجد نفسه في حضرة اللامتناهي‬ ‫والمطلق وتلك هي حقيقة الحقائق وقيمة القيم وهما المشترك بين الديني والفلسفي ومنه يستمد‬ ‫مفهوم المعادلة العادلة وهي جوهر القرآن الذي هو في آن رؤية دينية وفلسفية ذات وجهين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فلسفة الدين النقدية للمطابقتين بمنطق التصديق والهيمنة وما يترتب عليهما من تأليه‬ ‫للإنسان وهو مبدأ حب التأله الذي ينسب إليه ابن خلدون فساد التربية والحكم بسبب‬ ‫العنف المترتب عليه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفلسفة التاريخ النقدية التي تقدم الأدلة على ذلك من تاريخ الإنسانية الذي ينحرف عن‬ ‫المعادلة العادلة فيؤدي إلى ما يتنافى مع النساء ‪ 1‬والحجرات ‪.13‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القسم الأول‬ ‫مثلت الفصول السابقة (من ‪ 1‬و ‪ 2‬و‪ 3‬و‪ 4‬و‪4‬م و ‪ 5‬و‪5‬م) محاولة للوصول إلى تحديد المرجعية‬ ‫المشتركة بين الديني والفلسفي التي تمثل المعادلة الوجودية العادلة والتي تقاس عليها المعادلة‬ ‫السياسية العادلة الممكنة لدولة الإنسانية الشاملة التي تجعل الإنسان يحقق مهمتيه بوصفه‬ ‫مستعمرا في الأرض (يستمد منها شروط بقائه بنظام التبادل) ومستخلفا فيها (ينظم شروط قيامه‬ ‫بنظام التواصل)‪.‬‬ ‫وهذه المرجعية هي التي تمكن الإنسان من تحقيق أفضل معادلة سياسية ممكنة للإنسان تحقق‬ ‫السلم بين الفرد وذاته ثم بين الأفراد في نفس الجماعة ثم بين الجماعات بصورة تحفظ الأحياز‬ ‫التي هي أصل شروط البقاء وعلة الصراع عليها إذا لم تكن السياسة تربية وحكما عادلة‪ .‬وقد‬ ‫بينت في الفصل السابق سلسلة المعادلات التي تنتهي إلى المعادلة الوجودية على النحو التالي‪:‬‬ ‫فـ\"ـالمرجعية وقد تعينت دولة أو عودة الجماعة على ذاتها لتكون قيمة عليها إما بمنطق تعريف‬ ‫الإنسان من حيث هو رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له فتكون معادلة عادلة أو بعكس‬ ‫ذلك فتكون معادلة ظالمة‪ .‬وحتى نفهم جيدا دور هذه الأحياز فينبغي أن نعلم أنها مضاعفة‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهي في كيان الفرد‪ :‬بدنه هو مكانه وروحه زمانه وما في بدنه من شروط بقاء ثروته ومافي‬ ‫روحه من شروط بقاء تراثه وذاته هي وحدة كيانه وهو مع فرديته متناظر مع كيان‬ ‫الجماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬وهي خارج كيان الفرد تلك الخمسة التي ذكرنا مع الجماعة التي تشغلها وما يتجاوزها‬ ‫للإنسانية كلها‪.‬‬ ‫‪ .3‬وهي في كيان الجماعة‪ :‬ديموغرافيتها هو مكانها وتاريخها هو زمانها وتقوم به ديموغرافيتها‬ ‫هو ثروتها وما يقوم به تاريخها هو تراثها وذاتها هي وحدة كيانها وهي مع كونها تلك‬ ‫الجماعة متناظرة مع كيان الفرد ومع كيان الإنسانية كلها‪.‬‬ ‫‪ .4‬وهي خارج كيان الجماعة تلك الخمسة التي ذكرنا وما يتجاوزها إلى الإنسانية كلها فوقها‬ ‫وإلى الفرد دونها‪..‬‬ ‫‪ .5‬وهي شاملة للإنسانية والعالم المعلوم والمجهول في كيان الإنسانية وفي العالمين عالم الشهادة‬ ‫وعالم الغيب‪ :‬وهذا هو السر في المؤثرات الكونية المرئية مثل الهواء والمناخ أو اللامرئية‬ ‫مثل الفيروسات والجراثيم وما قد لا يخطر على بالنا من الموجودات التي لم نكتشفها بعد\"‪.‬‬ ‫حصلنا على عدة نتائج تمثل دعامات التأسيس الذي نسعى إليه‪:‬‬ ‫‪ .1‬تحررنا من المطابقة في نظرية المعرفة‪.‬‬ ‫‪ .2‬فصار النظر والعقد اجتهادا وليس علما مطلقا‪.‬‬ ‫‪ .3‬تحررنا من المطابقة في نظرية القيمة‪.‬‬ ‫‪ .4‬فصار العمل والشرع جهادا وليس عملا تاما‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبذلك تأكدنا بأن المقابلة بين الديني والفلسفي لم يعد لها أدنى معنى لأن ما يختلفان به ليس هو‬ ‫المهم لأنه أسلوبي في عرض رؤية المعرفة والقيمة وتقديمهما للبشر لتنظيم التربية والحكم وما‬ ‫يترتب عليه في الانتقال من تعصب في النظر والعقد المطلقين إلى النظر والعقد الاجتهاديين و في‬ ‫الانتقال من تعصب في العمل والشرع المطلقين إلى العمل والشرع الجهاديين‪.‬‬ ‫ولا يمكن حصول ذلك من دون تصور كل اجتهاد يقتضي على مستوى الفرد الإيمان وتصور كل‬ ‫جهاد يقتضي في مستوى الفرد العمل الصالح ولا يمكن تحديد الإيمان في مجال النظر والعقد‬ ‫وتحديد العمل الصالح في مجال العمل والشرع من دون تواص بالحق في الاجتهاد وتواص بالصبر في‬ ‫الجهاد في مستوى الجماعة‪.‬‬ ‫وإذا كان ذلك حصل نتيجة لتجاوز القول بالمطابقتين في الفكر الفلسفي القديم والوسيط وفي الفكر‬ ‫الديني الذي حاكاه فإن تجاوزهما في الفكر الحديث ينتهي إلى تجاوز الرؤية الصراعية بين‬ ‫الافراد (سيد عبد في الرؤية الهيجلية والماركسية) وبين أرواح الشعوب والجماعات (هيجل) وبين‬ ‫طبقاتها (ماركس) وذلك في الجماعة الواحدة وفي البشرية كلها‪.‬‬ ‫وإذا زال الصراعان وزالت المطابقتان يكتشف الإنسان أن استعماره في الأرض واستخلافه فيها‬ ‫شاملان للإنسانية كلها وأن شرط الأول حماية الأرض مع حماية الإنسان وشرط الثاني التسليم‬ ‫بأن للإنسانية ربا واحدا وأن الخلافات في المسائل الدينية لا تحسم في عالم الشهادة وهي إذن‬ ‫مرجأة إلى عالم الغيب فيصبح التعايش بين الأديان شرط السلم بينهم والمشترك بينها يحدده‬ ‫الدين الخاتم الذي يعتبر الخروج عن هذا المبادئ هو التحريف المشترك كذلك للدين والفلسفة‬ ‫في آن‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه العناصر هي المرجعية الكونية المشتركة بين البشر والتي على أساسها تتعايش الفهوم‬ ‫المتعددة ليس للمبادئ التي هي المشترك بين الديني والفلسفي ومن ثم ما يتعالى على ما يختلف‬ ‫فيه الناس وأرجأه القرآن إلى يوم الدين لأنه من الغيب (البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ 69‬وحتى الحج‬ ‫‪ 17‬الذي أضاف الشرك) بل لطرق تحقيقها وأدواته وإذن فالخلاف يتعلق بما سماه ابن خلدون‬ ‫مجال عدم التأثيم أو الاجتهاد السياسي (المقدمة الباب الثالث فصل ولاية العهد)‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى تنوع القوى السياسية التي تحسم الخلافات في الاجتهاد السياسي بمنطق عدم‬ ‫التأثيم للمفاضلة بين الطرق والأدوات التي تحقق بها وظائف الجماعة وقوامة الدولة عليها‬ ‫فيتأسس التعاون السياسي بين القوى السياسية التي تحتكم للجماعة (الشورى ‪ )38‬التي تختار من‬ ‫ينوبها في القوامة‪.‬‬ ‫والقوامة كما أسلفنا تتعلق بنظام التبادل والتواصل لتحقيق شروط الرعاية والحماية بالاجتهاد في‬ ‫النظر والعقد وبالجهاد في العمل والشرع‪ .‬وهذه المهام الأربع هي التي تمثل مدار الخلافات بين‬ ‫البشر في نفس الجماعة وبين الجماعات وهي مادة فلسفة التاريخ وأهم مجالات البحث في فلسفة‬ ‫السياسة‪.‬‬ ‫وتلك هي مهمة السياسة من حيث هي تعمل بأجهزة تتعين في البنية المجردة للدولة وتصبح فاعلة‬ ‫بمن تكلفهم الجماعة لتحقيق شروط المعادلة العادلة كما تحددها المرجعية التي تميز بين ما هو من‬ ‫مجال الاختلاف الذي يحسم سياسيا والاختلاف الذي يرجأ إلى يوم الدين لما له مصلة بالغيب‪.‬‬ ‫وبذلك تتحدد خطة الكلام على المعادلة العادلة السياسية أو البنية المجردة للدولة من حيث هي‬ ‫بنية القوامة التي تتعلق بالرعاية والحماية اللتين وصفنا في الفصول السابقة أي الرعاية بمستويي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫التكوين والتموين والبحث والأعلام العلميين والحماية بمستويي الحماية الداخلية والحماية‬ ‫الخارجية والاستعلام والإعلام السياسيين‪.‬‬ ‫وتلك هي وظائف الجماعة التي ترعى نفسها وتحميها بمنظومة القوامة أو الدولة التي هي نظام‬ ‫من ا المؤسسات المجردة التي تتعين بمن تختارهم الجماعة ليكونوا ذوات طبيعية تنوب الذات‬ ‫المعنوية في القوامة وهو المستوى الثاني من كيان الدولة التي هي نظام القوامة لوظائف الجماعة‪:‬‬ ‫المستوى الأول‪ :‬وهو كوني ولا يتغير لا في المكان ولا في الزمان إلا في تعينه وليس في بنيته المجردة‪:‬‬ ‫البنية المجردة وهي المستويات الخمسة التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬منظومة المرجعية‬ ‫‪ .2‬منظومة الوظائف التي تتربت عليها‪.‬‬ ‫‪ .3‬منظومة القوى السياسية التي تمثلها الاجتهادات المتعلقة بمناهج تحقيقها وأدواتها وهي‬ ‫معنى السياسة‪.‬‬ ‫‪ .4‬منظومة الحكم والمعارضة أو تقاسم ا لعمل بين القوى السياسية الحاكمة بالفعل والحاكمة‬ ‫بالقوة‪.‬‬ ‫‪ .5‬وأخيرا منظومة العمل والشرع أو الدستور الذي هو العقد العرفي أو المكتوب بين الجماعة‬ ‫وذاتها لجعل الدولة بمستوييها المجرد والمعين أداة قوامة هذه العناصر الخمسة أي بما فيها‬ ‫العقد أو الدستور الذي يحدد كل هذه العناصر ومنها ذاته‪.‬‬ ‫المستوى الثاني وهو خصوصي وينحو إلى الاقتراب منه كونية المجرد لكنه يبقى دائما خصوصيا‬ ‫بحسب الثقافات والتقاليد المختلفة‪ .‬تعين البنية التي هي نفس تلك المستويات التي هي أشخاص‬ ‫اعتباريين بعد أن تملأ بأشخاص طبيعيين فتصبح قوامة متعينة في من تختارهم الجماعة ليقوموا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نيابة عنها بمهمة القوامة على الوظائف العشر (خمسة للرعاية وخمسة للحماية) ورأس القوامة‬ ‫وهي الوظيفة الحادية عشرة‪.‬‬ ‫ويمكن أن نعتبرها رئيس السلطة التنفيذية لأن التشريعية تابعة للتنفيذية باعتبارها أداة تحقيق‬ ‫شروط مطابقة التنفيذ للشرعية وهي عملية تأويل الدستور والقوانين ومن ثم فهي عمل علمي‬ ‫وفني وليست فعلا سياسيا مثل التنفيذ‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من فتح قوس قبل مواصلة الكلام على العناصر الثلاثة الباقية وهو معركة الأنظمة‬ ‫الثيوقراطية والأنظمة الديموقراطية أو معركة السياسة تربية وحكما باسم الله (الثيوقراطيا)‬ ‫والسياسة والحكم باسم الإنسان (الانثروبوقراطيا)‪.‬‬ ‫فهما يبدوان متضادين بل ومتناقضين‪ .‬لكن ذلك ليس إلا ظاهرا من الأمر‪ .‬فهما وجهان لعملة‬ ‫واحدة‪ .‬وقد سميتهما الحكم باسم العجل أو الأبيسيوقراطيا‪.‬‬ ‫كيف أبين أن الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا وجهان لعملة واحدة رغم ظاهر التناقض بينهما أي‬ ‫بين الدولة الدينية والدولة العلمانية؟ وقد اضطررت لوضع هذه النظرية لما تعذر علي شرح‬ ‫قولي إن رؤية القرآن للدولة لا تقبل الوصف بالثيوقراطية (مثل الكاثوليكية) ولا بالعلمانية‬ ‫(مثل اليعقوبية)‪.‬‬ ‫وقد تحيرت في الاسم الممكن لهذا النوع من النظام الذي ليس ثيوقراطي ولا علماني وليس مزيجا‬ ‫منهما كما يزعم من يتكلم عن علمانية مخففة أو ثيوقراطيا مخففة عودة إلى خرافة التعريف‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بمفهوم الوسط الذي عرف بكون \"لا كذا\" ولا \"ضد كذا\" أو الوسط بين شرين أو الفضيلة بوصفها‬ ‫وسطا بين رذيلتين‪.‬‬ ‫فأولا الثيوقراطيا هي حكم الإنسان للإنسان وكأن الحاكم يعبر عن إرادة الله‪ .‬وهذا يعني أن‬ ‫بعض البشر يدعون تمثيل إرادة الله ويزعمون فهم مقاصده‪ .‬وهو أمر ينفيه القرآن نفيا قاطعا‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى مفهوم الغيب بوصفه مفهوما حدا واعتبار علم الإنسان اجتهادا وعمله جهادا‪.‬‬ ‫فيكون الحكم الثيوقراطي مبنيا على خطأ فلسفي وديني‪ :‬فلسفيا القول بالمطابقتين ودينيا نفي‬ ‫الغيب‪.‬‬ ‫وثانيا الأنثروبوقراطيا هي حكم الإنسان للإنسان وكأن من ينوب الإنسان في حكمه يمثل العلم‬ ‫المطابق لما يصلح للإنسان بمعيار الاختصاص الفني أو بمعيار الأغلبية وهو ما يعني القول‬ ‫بالمطابقتين فيعود الأمر إلى ثيوقراطيا معلمنة أو مدعية العلم المحيط والعمل التام‪.‬‬ ‫فهي بذلك تستثني كل ما يتجاوز الاجتهاد وتلغيه من الحياة العامة معتبرة إياه مسألة شخصية‬ ‫فيصبح ما يتجاوز الاجتهاد والجهاد غير معتبر في حياة البشر وهو ما يعني نفس الخطأين الفلسفي‬ ‫والديني‪.‬‬ ‫وفي الحالتين يتأله الإنسان الذي بيده السلطة السياسية مباشرة أو بتأليه الطبيعة الإنسانية التي‬ ‫تصبح أساس ما يسمى بحقوق الإنسان الطبيعية فتكون الواجبات هي بدورها طبيعية والفرق‬ ‫الوحيد هو بين الإله المتعالي على الطبيعة والإله المحايث للطبيعة وكلاهما يحل في من بيده‬ ‫السلطة السياسية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما حللت هذه السلطة السياسية وجدتها في الحالتين تعود إلى غاية أداتيها في شكليهما أي‪:‬‬ ‫‪ .1‬رمز الفعل أو العملة التي تنتقل من أداة تبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين وتتحكم‬ ‫بقوة الحكم فتجمع بين رمز الفعل (ربا الأموال) والفعل (بقوة الحكم)‪.‬‬ ‫‪ .2‬فعل الرمز أو الكلمة التي تنتقل من أداة تواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين وتتحكم‬ ‫بقوة التربية فتجمع بين فعل الرمز (ربا الأقوال) والرمز (بقوة التربية)‪.‬‬ ‫وبذلك فقد اكتشفت البنية العميقة للنظامين اللذين يبدوان متضادين بل ومتنافيين إنها الجمع‬ ‫بين هذين التحريفين للسياسة ومن ثم للمعادلة العادلة المتعينة في الدولة من حيث هي قوامة‬ ‫وظائف الجماعة أي ربا الأموال وقوة الحكم للسيطرة على كيان الإنسان العضوي وربا الاقوال‬ ‫وقوة التربية للسيطرة على كيان الإنسان الروحي‪.‬‬ ‫وتلك هي علة ما يسميه ابن خلدون فساد معاني الإنسانية بحيث لن يبقى الإنسان كما عرفه‬ ‫\"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" فيصبح عبدا لوصاية الحكم ولوساطة التربية‬ ‫ممن يقصرون الإنسانية فيهم فتصبح الإنسانية منقسمة إلى سادة وعبيد لأن البعض يصبحون‬ ‫بديلا من رب العباد بهذه الحيل الأربع التي ذكرناها‪.‬‬ ‫وهذه الحيل الأربعة لها اسم محدد في القرآن إنه \"دين العجل\"‪ :‬فسميت البنية العميقة للنظامين‬ ‫الثيوقراطي والانثروبوقراطي الابيسيوقراطية (نظام العجل‪ :‬معدنه وخواره)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هل يوجد الآن اسم للنظام الذي ليس ثيوقراطيا وليس انثروبوقراطيا وليس مزيجا بتغليب الأول‬ ‫أو مزيجا بتغليب الثاني وليس وسطا بينهما كما يزعم من يتكلم على العلمانية المخففة‪ .‬نعم وأبدأ‬ ‫بتعريفه السلبي‪ :‬فهو يلغي ربا الأموال ويلغي ربا الاقوال‪.‬‬ ‫ويلغي الوساطة بين المؤمن وربه ويلغي الوصاية بين المؤمن وشأنه فيكون الإنسان \"رئيسا بطبعه‬ ‫بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪ .‬والتعريف الموجب هو المقصود بالمعادلة العادلة وهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬العلاقة بين جزئي النساء ‪ :1‬ففيها قسمان‪ .‬القسم الأول هو النسب الكوني (كل البشر‬ ‫اخوة لأنهم من نفس واحدة) ولهم رب واحد‪ .‬لكن القسم الثاني هو ا لنسب الجزئي‬ ‫(الارحام) ولهم آلهة ما يجعلهم في واقع الامر مختلفين في المسألة الدينية‪ :‬وحدة الرب‬ ‫وتعدد الآلهة‪.‬‬ ‫وهذه مسألة لا تحسم في عالم الشهادة بل القرآن يرجئها إلى يوم الدين مع الإعلان بان الدين‬ ‫عند الله واحد‪ .‬وهو الإسلام الفطري وليس الإسلام الذي قد يعتبر أحد الاديان وليس الديني‬ ‫في الأديان كما هي حقيقته‪.‬‬ ‫‪ .2‬والعلاقة بين جزئي الحجرات ‪ .13‬ففيها قسمان‪ :‬رغم أن جميع البشر من ذكر وأنثى فإنهم‬ ‫شعوب وقبائل‪ .‬ذلك فالتصنيف الذي يسيطر هو الشعوب والقبائل وللتغلب عليه يتضمن‬ ‫القرآن دعوة للتعارف معرفة ومعروفا للتحرر من التجاهل والتناكر بين الشعوب والقبائل‬ ‫وينفي أن يكون التفاضل بينهم بهما كما في الدنيا بل هو ينبغي أن يكون بالتقوى كما هو‬ ‫عند الله‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .3‬والعلاقة بين جزئي الشورى ‪ . 38‬وبهذا المعنى فإن المعادلة العادلة في الترجمة السياسية‬ ‫لهذه المعادلة الوجودية للبشرية هي ما يترتب على المسألتين السابقتين أي على وحدة‬ ‫الإنسانية ووحدة الرب وعلاقة التعارف وعلاقة التقوى‪.‬‬ ‫فتكون المعادلة أن الذين يستجيبون للرب يكون أمر التربية والحكم أمر الجماعة تديره بالشورى‬ ‫بينها من أجل جعل الرزق شرط العيش السلمي المشترك بالإنفاق منه واعتباره هبة من الرب‪.‬‬ ‫‪ .4‬والعلاقة بين جزئي فصلت‪ 53‬وجزئي آل عمران ‪ . 7‬لكن ذلك مشروط بتحقيق ما تطلبه‬ ‫فصلت ‪ 53‬والتخلص مما يحرفها كما ذكرت آل عمران ‪ .7‬فلا يمكن للإنسان أن يعمر الأرض‬ ‫إذا لم يقم بالبحث العلمي ليرى آيات الله في الآفاق وفي الانفس ولم يتخلص مما نهت عنه‬ ‫آل عمران ‪ 7‬أي مما يؤدي مرض القلوب وابتغاء الفتنة‪.‬‬ ‫وذلك باعتماد تأويل الآيات القولية دون إحالة إلى عالم الشهادة أو بإحالة ترد عالم الغيب إليه‬ ‫بمنطق قيس الغائب على الشاهد وخلطا بين الغيب والغائب بدلا من البحث في الآيات الوجودية‬ ‫التي حددتها فصلت ‪ 53‬أي الطبيعة والتاريخ وكيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي‪.‬‬ ‫وذلك من حيث هي من عالم الشهادة دون وهم الوصول إلى عالم الغيب الذي هو ما تسميه آل‬ ‫عمران ‪ 7‬بعالم المتشابه باعتبار تأويله يعتمد على التشبيه بعالم الشهادة ورده إليه خلطا بين‬ ‫الغيب والغائب‪.‬‬ ‫‪ .5‬وكل ذلك على أساس مضمون سورة العصر والتمييز بين ما يقبل الاجتهاد والجهاد وما لا‬ ‫يقبله أي التمييز بين مهمتي الإنسان في عالم الشهادة وما يرجأ إلى عالم الغيب ويتعلق بما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫في سريرة الإنسان وراء أفعاله الظاهرة‪ .‬فسورة العصر تعتبر الجزء الثاني من كل هذه‬ ‫الأبعاد الخمسة هو الخسر والاستثناء منه‪.‬‬ ‫فيكون الاستثناء منه بالنسبة إلى الفرد بالإيمان (الاجتهاد في النظر والعقد) والعمل الصالح‬ ‫(الجهاد في العمل والشرع) ويكون بالنسبة إلى الجماعة بالتواصي بالحق (الاجتهاد في النظر‬ ‫والعقد) وبالتواصي بالصبر (الجهاد في العمل والشرع)‪ .‬وتلك هي المعادلة العادلة أو السياسة‬ ‫الإسلامية في التربية تكوينا وتموينا والحكم قوامة للرعاية والحماية‪.‬‬ ‫ولا يوجد اسم آخر غير الإسلام بدلالتيه أي السلام الكوني في التعمير والاستخلاف في عالم‬ ‫الشهادة ترك عالم الغيب حسم الخلاف فيه إلى يوم الدين‪ .‬فيترتب على ذلك تحديد البنية‬ ‫الكونية للقوى السياسية التي تعمل بهذا المنطق سواء غلبت الوجه الأول من هذه المستويات‬ ‫الخمسة‪.‬‬ ‫أي الكونية الإنسانية والتعارف ورئاسة الإنسان وقوامته على نفسه تربية وحكما ورؤية آيات الله‬ ‫في الآفاق وفي الأنفس والعمل بشروط التحرر من الخسر‪ .‬وتلك المبادئ لا يوجد من ينكر أنها‬ ‫صريحة في القرآن‪.‬‬ ‫فيكون عملها بمقتضى المعادلة العادلة أو السلم الكونية بين البشر وبينهم وبين عالم الشهادة الذي‬ ‫يبقى مشرئبا لعالم الغيب فلا يطغى فيه أحد على أحد بل الكل تبقى فيهم معاني الإنسانية‬ ‫سليمة‪.‬‬ ‫لكن ذلك لا يلغي وجود المستوى الثاني منها بمعنى الخصوصية الإنسانية والتناكر وسيادة الإنسان‬ ‫القيم على غيره تربية وحكما وتأويلا لآيات النصوص بدل رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهو ما يؤدي إلى عدم العمل بشروط التحرر من الخسر فتفسد معاني الإنسانية فيكون العمل‬ ‫بالمعادلة الظالمة وتصبح الإنسانية في حرب أهلية كونية بينهم ثم بينهم وبين عالم الشهادة لأنهم‬ ‫فقدوا الاشرئباب لعالم الغيب فيطغى المألهون في المعرفة وفي القيم ويخلد الإنسان إلى الأرض‪.‬‬ ‫وبذلك تتألف القوى السياسية من حديين أقصيين كلاهم ينتهي إلى نوعي المعادلة الظالمة التي‬ ‫تفصل بين بعدي الإنسان كما بينا في كلامنا على المعادلة الوجودية أي كونه مستعمرا في الأرض وفي‬ ‫علاقة بالطبيعة وما بعدها ومستخلفا فيها وفي علاقة بالتاريخ وما بعده والمابعدان هما ما يحيل إلى‬ ‫المابعد المطلق أو الربوبية وعلاقة عالم الشهادة بعالم الغيب‪:‬‬ ‫‪ .1‬أعني من لا يعترف إلا بالاستعمار في الأرض من دون الاستخلاف فيها‪ :‬الرؤية الدهرية‬ ‫الخالصة‪.‬‬ ‫‪ .2‬ومن لا يعترف إلا بالاستخلاف فيها من دون الاستعمار في الأرض‪ :‬الرؤية الصوفية‬ ‫الخالصة‪.‬‬ ‫لكن الجمع بين البعدين له وجهان كذلك‪:‬‬ ‫‪ .1‬من يقدم الاستعمار في الأرض ويجعل الاستخلاف تابعا له ليكون الثاني في خدمة الأول وهي‬ ‫الرؤية تجعل القيم المتعالية تابعة للقيم المتدانية أو التي تقصدن ا لروحي فتكون الكرامة‬ ‫والحرية تابعتين للاستعمال والتبادل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتلك هي الرأسمالية المعدلة لعلة اقتصادية سياسية‪ :‬الحاجة إلى توسيع رقعة المستهلكين والحاجة‬ ‫إلى توسيع قاعدة الناخبين للقوة السياسية التي تريد الحكم‪.‬‬ ‫‪ .2‬من يقدم الاستخلاف ويعدل الاستعمار في الأرض تابعا له ليكون الثاني في خدمة الأول‬ ‫وهي الرؤية التي تعكس فتجعل القيم المتدانية تابعة للقيم المتعالية والتي تروحن‬ ‫الاقتصادي فيكون الاستعمال والتبادل تابعين للكرامة والحرية‪.‬‬ ‫‪ .3‬وتلك هي الاشتراكية المعدلة لعلة خلقية وسياسية‪ :‬الحاجة إلى توسيع رقعة المتآخين‬ ‫والمتعارفين والحاجة إلى توسيع قاعدة الناخبين للقوة السياسية التي تريد الحكم‪.‬‬ ‫‪ .4‬ويوجد بين هذه القوى الأربعة قوة مترددة بينها جميعا وفيها من هو أميل لواحدة منها لكنه‬ ‫انتهازي يتبع الغالبة في كل الحالات ومن ثم فالقوى السياسية التي تتألف من الجماعات‬ ‫المعبرة عن إرادة شعب من الشعوب‪.‬‬ ‫تلك هي هذه التأويلات الخمسة الممكنة عقلا ودينا للتعبير عن تأويلات المرجعية السائدة في‬ ‫الجماعات البشرية كلها والتي بمقتضاها تتكون نظرية الدولة وبوصفها التجسد الفعلي للمعادلة‪.‬‬ ‫سواء كانت عادلة كانت أو ظالمة وضمنها تتعين نظرية نظام الحكم الذي يعين كيفية ملء خانات‬ ‫المعادلة أو تعيين القيمين الذين ينوبون ا لجماعة في نقل البنية المجردة للدولة إلى بنية معينة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فتكون فيها البنية المجردة نظام المؤسسات الكونية التي هي عين ما يكلف بقوامة وظائف الجماعة‬ ‫العشرة والسلطة التنفيذية التي ترأسها وهي مؤلفة من ذوات طبيعية تكلف فرض كفاية نيابة‬ ‫عن كل الذوات الطبيعية‪.‬‬ ‫أي أفراد الجماعة بتوسط انتخابهم لتمثيل الذوات الاعتبارية التي هي كل مؤسسات الدولة‪.‬‬ ‫وبذلك نصل إلى آخر عناصر المعادلة العادلة أو الظالمة وهي الدستور الذي له خمسة موضوعات‬ ‫هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬المرجعية وقد تكلمنا فيها وهي أهم شيء لأنها تحدد شروط العيش السلمي المشترك‪.‬‬ ‫‪ .2‬وظائف الجماعة وما يناظرها من قوامة الدولة وفيها مجلة الحقوق والواجبات‬ ‫‪ .3‬القوى السياسية وفيها تنظيم الأحزاب التي تمثل إرادة الجماعة ورؤاها وقيمها‪.‬‬ ‫‪ .4‬أنظمة الحكم وتمثل القوى السياسية التي تنوبها الجماعة للحكم والمعارضة باسمها‪.‬‬ ‫‪ .5‬الدستور يحدد بشكل ذاته تعاقدي بين الجماعة في ما بينها ثم بينها وبين الدولة في بنيتها‬ ‫المجردة وفي تعينها النظامي ويحدد بقية الأبعاد وهي اثنان قبله (المرجعية والقوى‬ ‫السياسية) واثنان بعده (الوظائف وأنظمة الحكم)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أنهينا البحث النظري الخالص من منطلق المشترك بين الفلسفي والديني ‪-‬في الإسلام‪ -‬بعد‬ ‫تحريرهما من القول بالمطابقتين وبوحدة العالم حصرا في عالم الشهادة وتسلمينا بأن عالم الشهادة‬ ‫متضايف دائما مع عالم الغيب أو ما لأجله يمتنع القول بالمطابقتين في المعادلة العادلة‪.‬‬ ‫ولم يبق إلا البحث في تاريخ المعادلة العادلة وسنن الانتقال إليها من المعادلة التي تكون في أدنى‬ ‫حدود العدل ثم ترتقي إلى أن تصل إلى الممكن منه للإنسان المجتهد في النظر والعقد والمجاهد في‬ ‫العمل والشرع باعتباره مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها‪.‬‬ ‫وسأدرس تطور المعادلة في الإسلام من خلال تعينها في الدولة التي اعتبرها قريبة جدا من الشكل‬ ‫الأمريكي الحالي في مستويي ترجمتها السياسية التي تصبح دولة وفي ذلك علاقة تاريخية تعود إلى‬ ‫تكوين أمريكا الحالية أولا وإلى طبيعة الإصلاح الديني الذي فيه الكثير مما يدين به إلى محاكاة‬ ‫الإسلام‪:‬‬ ‫من حيث نظام البنية المجردة أو معادلة المؤسسات التي تمثل عودة الجماعة على نفسها لتكون‬ ‫صاحبة القوامة عليها‪ .‬ومن حيث نظام تعيين البنية المجردة أو معادلة اختيار من يقوم بفرض‬ ‫الكفاية السياسية أعني نظام القوى السياسية ونظام سياسة الشأن العام حكما ومعارضة للقوامة‪.‬‬ ‫والقوامة غير الوظائف التي لا تكون بيد الدولة بل بيد الجماعة بمعنى رفض الدولة الحاضنة‬ ‫التي تمثل عين الاستبداد بالأرزاق المادية والروحية‪ .‬لكن هذه القرابة بين المسار المؤدي إلى‬ ‫الممكن من المعادلة العادلة في النظام الأمريكي وفي النظام الإسلامي فيها اختلاف جوهري يتعلق‬ ‫بأمرين‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بالتراتب بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها بمعنى أن النظام الأمريكي دون المطلوب في‬ ‫تعديل الرأسمالية ولم يفهم بعد التراتب المقابل الذي يقول به الإسلام حتى وإن لم يطبقه‬ ‫المسلمون‪.‬‬ ‫وقد ازدادوا تخليا عنه بمحاكاة ما يسمى بالدولة الحديثة الحاضنة التي لا تختلف عن الاستبداد‬ ‫بالأرزاق المادية والروحية‪ .‬لكنه ينحو إلى التعديل رغم المحافظة على تقديم الاستعمار على‬ ‫الاستخلاف بمعنى أن القيمتين المتعاليتين تابعتان للقيم المتدانية‪.‬‬ ‫والعلة هي المرجعية التي ما تزال لا تقول بما يترتب على النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬والتي ما تزال‬ ‫تقول بالمطابقتين بمعنى أنها لا تعترف بما يتعالى على سلطان الإنسان فتتوهم أن العلم والتقنية‬ ‫يمكن أن يجعلا الإنسان ربا وهو ما أدى إلى التلويثين تلويث الطبيعة وتلويث الثقافة‪.‬‬ ‫ولعل كورونا مناسبة للمراجعة في أمريكا‪.‬‬ ‫أكاد أجزم أن الإنسانية بعد هذه الجائحة ستكتشف بخلاف \"سخرية الحمقى\" من نخب العرب‬ ‫الحداثية أن الإسلام هو الحل للعولمة التي تفهم طبيعة التضايف بين الوجودين في عالم الشهادة‬ ‫وفي عالم الغيب في كيان الإنسان وأن أي اخلال به اخلال بالمعادلة العادلة التي هي شرط صلاح‬ ‫معاني الإنسانية‪.‬‬ ‫صحيح أن بداية الجائحة تبدو مؤدية إلى عكس ما أتوقع أعني أن الانغلاق والانانيات الوطنية‬ ‫تسيطر في البداية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكنها ستفشل لأنها ستدرك أن غلق الحدود لن يقدم الحل لأن الكوني ينبغي أن يكون في الحل كما‬ ‫هو في المشكل‪.‬‬ ‫فمثلما أن الجائحة لا تعترف بالحدود السياسية والعرقية والثقافية والطبقية فإن الحل ينبغي أن‬ ‫يتخلص منها جميعا مثلها ليكون العلاج في مستوى الداء وعندما يصبح اخلاق الجماعة الإنسانية‬ ‫كلها فإنه يتحول إلى وقاية وذلك هو الحل القرآني‪.‬‬ ‫وهذا ما أنا متأكد منه وأتوقعه قريب التحقق‪ :‬عودة الإسلام إلى التاريخ ستكون كونية وعولمة‬ ‫جامعة بين شروط الاستعمار في الأرض وقيم الاستخلاف فيها كما حددهما القرآن‪ .‬وقد لا يحصل‬ ‫في حياتي‪ .‬لكنه سيحصل حتما لأنه هو معنى شهادتنا على العالمين‪.‬‬ ‫القسم الثان‬ ‫اخترت أن تكون المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية لعلتين‪:‬‬ ‫أولا لأنها صارت رمز العولمة المادية المتوحشة‪ .‬ومن ثم فهي غاية ما يمكن أن تبلغه هذه العولمة أو‬ ‫قمة الفساد في الأرض وسفك الدماء‪ .‬وكل تغير بعد الكارثة سيعير بالقياس إليها‪.‬‬ ‫وفي مقابل ذلك يمكن اعتبار ما وصلت إليه الأمة من ترد هو الوجه الثاني من العولمة أو وجهها‬ ‫السالب بمعنى أنها رهان صراع المتحكمين في العولمة الموجبة الذين يعتبرونها مجال الاستباحة‬ ‫التامة والغنيمة الأساسية لمن يريد أن يبقى سيد العالم بنفس العولمة المتوحشة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪80‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فالسلطان على العالم يكون لمن يتمكن من السيطرة عليها والاستفراد بها بسبب ما فيها من شروط‬ ‫لا توجد في غيرها من النواحي المتعلقة بالثروات وبالتراث وخاصة بالمنزلة الجيواستراتيجية بين‬ ‫العالمين الغربي والشرقي‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن الصين لن تستطيع منافسة أمريكا ما لم تتمكن من إخراجها من دار الإسلام التي‬ ‫تمتد من اندونيسيا إلى المغرب وما لم تصل إلى العالم القديم وهو المغزى من طريق الحرير‪.‬‬ ‫وكل من يفرح بصعود الصين شماتة في أمريكا اعتبره لا يفهم الاخطار التي تتهدد الإنسانية لو لا‬ ‫قدر الله حصل ذلك‪ .‬فالإنسانية ستنكص إلى ما قبل أساسي الحضارة الإنسانية ذات الطابع‬ ‫المتعالى على الحيوانية ببعديها الفلسفي والديني وهما نبعا الفكر الإنساني الذي يسعى إلى‬ ‫المعادلة العادلة حتى وإن لم يصل إليها بعد‪.‬‬ ‫أما العلة الثانية فقد أشرت إليها في خاتمة الفصل السابق وهي وجوه الشبه الشكلية الكثيرة‬ ‫الناتجة عن مقومات النظام السياسي الذي يملأ خانات البنية المجردة للدولة‪ .‬ولكن مع الهدف‬ ‫الضديد الذي لا يمكن فهمه من دون وصله بالإصلاح المسيحي في علاقة بتأثير الصراع بين‬ ‫الحضارتين العربية الإسلامية واللاتينية المسيحية التي أدت إلى أخذ الثانية من الأولى مع‬ ‫تحريف ما استوحي منه ليتماشى مع تحريفها الذاتي أي‪:‬‬ ‫‪ .1‬دين العجل الذي هو البنية المشتركة بين ما كانت عليه الأنظمة الثيوقراطية الغربية‬ ‫الوسيطة وما صارت عليه الأنظمة الانثروبوقراطية الغربية الحديثة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪81‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬والمطابقتين كما تعينا في الايديولوجيتين الناتجتين عن غاية الفلسفة الوسيطة الموروثة عن‬ ‫الفلسفة القديم ثم الناتجتين عن غاية الفلسفة الحديثة بقراءة هيجلية أو بقراءة‬ ‫ماركسية‪.‬‬ ‫ويمكن أن نعتبر النقاش الذي دار حول ما يسمى بالمسالة السبينوزية وخاصة بداية من لاسنج إلى‬ ‫نهاية النقاش بين كنط وابن مندل ويعقوبي في سياق المثالية الألمانية اللحظة الفاصلة بين محاولات‬ ‫التخلص من دين العجل والمطابقتين بمعناهما القديم (الافلاطوني الارسطي) التي بلغت ذروتها في‬ ‫محاولة كنط والعودة إليهما في نقد المثالية الألمانية للحلين الكنطيين المتعلقين برفض المطابقتين‬ ‫ودين العجل إذ هو وضع ولو في شكل اعتبره هيجل يتوبيا نظرية السلم العالمية‪.‬‬ ‫ولذلك فكل من يتصور ما يجري حاليا بين المسلمين والولايات المتحدة وبين هذه والصين في علاقة‬ ‫بهدف السيطرة على شروط التحكم في نظام العالم ومنزلة دار الإسلام في هذه المعركة كل من‬ ‫يتصور ذلك من الصدف لم يدرك هذين الأمرين اللذين لهما أبعاد جوهرية‪.‬‬ ‫وذلك في المرحلة الفاصلة بين نهاية العصر الأوسط وبداية العصر الحديث تاريخيا في النظر‬ ‫والعقد وفي العمل والشرع (المطابقتان) وفي الاستعمار في الأرض وفي الاستخلاف فيها لا يمكن أن‬ ‫يعتبر مدركا لما بين هذين المهمتين وتلكما الأداتين‪.‬‬ ‫وإذا غابت عنه أهمية المهمتين وأهمية الأداتين فإنه لا يمكن أن يفهم هذا الفصل الذي يقارن بين‬ ‫مسار السعي إلى المعادلة العادلة فيهما والقصد من الكلام على أن الإسلام سيكون الحل الكوني‬ ‫لإخراج البشرية من العولمة التي تقدم الاستعمار في الأرض على الاستخلاف‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪82‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وذلك باعتبار الأداة غاية والغاية أداة وتفهم أن النظام الإنساني لن يصل إلى المعادلة العادلة‬ ‫من دون النظام المقابل الذي يجعل الاستعمار في الأرض تابعا للاستخلاف فيها حتى يتحرر الإنسان‬ ‫من الفساد في الأرض وسفك الدماء برمزية القصة المتعلقة بأهليته‪.‬‬ ‫ولهذه الإشكالية علاقة متينة بالمرحلة التي حسمت فيها المعركة التاريخية لصالح الغرب بسبب ما‬ ‫حل بأمة الاسلام من انكماش سأحاول شرحه‪ .‬فقد حكم أهم تغيير غربي بتأثير واضح من‬ ‫الحضارة الإسلامية في ما قبل الإصلاح الديني (النظام الثيوقراطي تربية وحكما) وخلاله‬ ‫(التخلص من النظام الثيوقراطي)‪.‬‬ ‫فكانت حروب دينية وتحديثية غيرت أهم مؤسستين انبنت عليها الحضارة الغربية التي نتج عن‬ ‫تغييرها النظام الاقتصادي والنظام الثقافي ومن ثم كل الثورات التي عرفها الغرب‪ :‬والنتيجة هي‬ ‫الانتقال من الثيوقراطي إلى الانثروبوقراطي نقلة كان لا بد أن تتم بفضل دور البنية العميقة‬ ‫المشتركة بينهما والتي هي النظام الابيسوقرطي‪.‬‬ ‫فالإصلاح من حيث هو معركة بين إرادة الكنيسة مواصلة حكم أوروبا ومحاولة شارل الخامس‬ ‫استعادة قيصرية جديدة تصلح الكنيسة وتحيد دورها السياسي في صراعه مع الخلافة العثمانية‬ ‫التي كان يقود ضدها حرب الاسترداد في البحر الأبيض المتوسط وحرب الصمود في أوروبا‬ ‫الشرقية‪.‬‬ ‫وذلك لكونه ممثلا للغرب الكاثوليكي وممثلا لبداية أوروبا البروتسنتينة (لجمعه للنسبين‬ ‫الاسباني والألماني) بدأ الصلح بين المسيحية واليهودية وجعل الرؤية التوراتية مقدمة على رؤية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪83‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأناجيل التي أعيدت قراءتها في ضوء الأدبيات اليهودية والتي وقع فيها الانتقال من النزعة‬ ‫الدفاعية إلى نزعة الغزو في العلاقة بالعالم‪.‬‬ ‫لكن ذلك لم يجعل ألمانيا تصبح مركزا متقدما في عملية التحديث السياسي والعلمي والفلسفي بل‬ ‫ظلت ألمانيا متخلفة عن فرنسا وانجلترا وحتى اسبانيا إلى بدايات القرن الثامن عشر لأن الحروب‬ ‫الدينية انهكتها وحصول هجرة الإصلاحيين إلى أمريكا خاصة بحثا عما يسمونه الأرض الموعودة‬ ‫الجديدة‪ .‬ولما كان الإصلاح متأثرا بالإسلام من حيث الحد من سلطان الكنيسة في الوساطة بين‬ ‫المؤمن وربه في التربية والحد من الحكم بالحق الإلهي في الوصاية على المؤمن وشأنه‪.‬‬ ‫وذلك مع التأثر بالتوراة وعقيدة شعب الله المختار واعتبار بقية البشر جوهيم وخدم للشعب‬ ‫المختار فإنه قد جمع بين الشكل الإسلامي في التنظيم السياسي والمضمون اليهودي في المرجعية فكان‬ ‫جمعا بين تحريف المسيحية باليهودية وتحريف الإسلام بهما معا في آن بحيث إن المآل كان ينبغي أن‬ ‫ينعكس الأمر بين الاستخلاف والاستعمار في الأرض فيكون الأول في خدمة الثاني‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى توسط دين العجل بين أوروبا التي كانت شعوبها تربى وتحكم بالثيوقراطيا على‬ ‫أوروبا التي ستصبح تربى شعوبها وتحكم بالانثروبوقراطيا‪ .‬وما بنيت عليه أمريكا هو دين العجل‬ ‫الذي يتجلى فيه التدين الشعبي والاخلاد إلى الأرض في آن مع تحول الفتح الإسلامي إلى غزو‬ ‫استئصالي بمنطق إيديولوجيا الغزو العبري‪.‬‬ ‫غزو أرض فلسطين كما في ما تقصه التواره من ضرورة افناء الشعوب شيبا وشبابا ذكورا وإناثا‬ ‫وأطفالا ورضعا‪ .‬ولعل الفرق بين أمريكا التي سيطر عليها من مروا بالإصلاح الديني وأمريكا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪84‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫التي سيطر عليها الكاثوليك بين في هذه السياسة‪ :‬الغزو الكاثوليكي كان أقل استئصالا من الغزو‬ ‫البروتستانتي‪.‬‬ ‫ولما كان الإسلام هو النقيض المطلق لدين العجل كما بينا وكان ضد عقيدة شعب الله المختار وكان‬ ‫الفتح لا يتضمن استئصالا للشعوب التي تفتح بلادها بل هي إن لم تسلم تبقى تحت حماية الدولة‬ ‫الإسلامية مع دفع الجزية وإذا أسلمت تصبح هي التي تحكم بلادها كما هو بين من تاريخ الإسلام‬ ‫بل وتصبح من أهم بناة حضارته والفاتحين لغيرهم من الشعوب مبشرين بالإسلام بنفس الرؤية‪.‬‬ ‫لكن سأنشغل به هنا ليس هذا الوجه رغم أهيمته لتأصيل العلاقة بين ما يجري حاليا وما جرى في‬ ‫غاية العصر الوسيط الأوروبي وبداية العصر الحديث‪.‬‬ ‫ما يعنيني هو الوجه الثاني الذي يتعلق بالمعادلة العادلة وتكوينيتها خلال التطور التاريخي لتعين‬ ‫البنية المجردة التي بينت أنها فوق التاريخ لأنها من جوهر وجود الجماعات الإنسانية‪ .‬وإذن‬ ‫فالمشكل هو تطور الشكل السياسي لنظام تعيين القيمين على وظائف الجماعة بملء الخانات التي‬ ‫تتألف منها البنية المجردة الكونية للدولة‪.‬‬ ‫فتحديد مضمون المرجعية ومضمون وظائف الجماعة العشرة والقوى السياسية ونظام الحكم‬ ‫والدستور هو المقصود بملء بنية الدولة المجردة بالقوامة التي هي نظام الحكم والذي يشبه‬ ‫الشكل الإسلامي من شبه النقيض للنقيض‪.‬‬ ‫أي إنه يقلب العلاقة بين الاستخلاف والاستعمار في الأرض حتى لا يكاد يبقي إلا على الاستعمار في‬ ‫الأرض في حين أن ما حصل في الإسلام كان لا يبقي إلا على الاستخلاف في الأرض‪ .‬ولما كان ذلك‬ ‫يعني أن مطلق الحدين الأقصيين فهما متقابلان تقابل الفاعل والمنفعل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪85‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فمن يفقد شروط الاستعمار في الأرض يصبح تابعا للمتمكن منها فيصبح الاستخلاف عنده شبه تخل‬ ‫عن الدنيا وشبه خلط بين الفقرين الفقر إلى الله والفقر إلى من يعوضه في الدنيا وهي العبودية‬ ‫للقوة لقوة محتلة سواء كانت مباشرة أو بتوسط عملاء من الجماعة‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن أتكلم على تكوينية هذه المضمونات من دون أن أشرح العناصر التي تحدد هذا‬ ‫التعيين‪ :‬فمن يملأ خانات هذه البنية المجردة أو مؤسساتها الخمسة (المرجعية والوظائف والقوى‬ ‫السياسية والحكم والدستور) لا بد له من أن يعتمد على مقومي الفعل السياسي اللذين ردهما‬ ‫الفكر السياسي الإسلامي في المدرسة النقدية إلى عاملين متلازمين لا بد من قدر منهما مع تغالب‬ ‫بين دوريهما‪:‬‬ ‫الأول هو الشوكة وهو علة الحاجة إلى الحكم‪ :‬لأن الوازع الذاتي لا يكفي لتحقيق السلم بين‬ ‫البشر بتحقيق القدر الممكن من العدل أو للتقليل من الظلم‪.‬‬ ‫الثاني هو الشرعية وهو علة بقاء الحكم‪ :‬لأن الوازع الأجنبي لا يكفي إذا لم يستند إلى الوازع‬ ‫الذاتي الذي يعترف بشرعية استعمال القوة إما من أجل العدل أو من أجل التقليل من الظلم‪.‬‬ ‫والمقابلة بين الشرعية والشوكة في السياسة تنطبق على اصناف القيم الخمسة‪:‬‬ ‫فهي في الإرادة تميز بين شرعية الحرية وشوكة الضرورة في سلوك الإنسان الناقل من الموجود إلى‬ ‫المنشود‪ .‬وتميز بين المعرفة الصادقة والمعرفة الكاذبة ليس في المطابقة مع الموضوع بل مع ولاء‬ ‫الذات للحقيقة ورفضه الباطل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪86‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ثم هي تقابل الخير والشر في القدرة لأن القادر على تحقيق إرادة على علم يمكن أن يريد بها‬ ‫الخير أو الشر‪ .‬ثم هي تميز بين الحسن والقبح في الذوق فتميز بين ما ينمي روح الإنسان وما‬ ‫يضعفها وهو المعيار الاساسي في تحديد الفنون الجميلة‪ .‬وهي أخيرا تميز بين الرؤية الساعية إلى‬ ‫الكرامة والجلال والرؤية التي تحط من الكرامة وتنمي الإذلال‪.‬‬ ‫وهذه القيم بمقابلاتها تتعين في السياسة التي تحرر القيم المتعالية من ردها إلى قيمتي الاقتصاد‬ ‫أي الاستعمال والتبادل لأن الإنسان عندئذ يتحول إلى أداة ولا يبقى غاية وذلك هو داء العولمة‬ ‫التي تتبع دين العجل وهو ما يتنافى مع المعادلة العادلة التي نبحث عن شروط تحقيقها‪ .‬وذلك هو‬ ‫المشترك بين الفلسفي والديني وهو جوهر القرآن الكريم‪.‬‬ ‫وقد استعمل ابن خلدون هذين المعيارين‪-‬الشرعية والشوكة‪ -‬لتحديد أصناف الدول ويقصد‬ ‫أنظمة الحكم وأعمارها لكنه لم يستعمله معيارا واضحا للتاريخ حتى وإن جاز لنا اعتبار تحديد‬ ‫الاعمار به فيه شيء من استعماله معيارا للتاريخ‪ .‬لكن لما كان ابن خلدون لا يميز بين الدولة من‬ ‫حيث هي بنية مجردة وبين أنظمة الحكم من حيث هي ضروب تعيين القوامة فيها بتعيين القيمين‬ ‫عليها فإن عدم توضيح ذلك في المقدمة كان أمرا طبيعيا‪.‬‬ ‫ونحن هنا نستكمل ذلك فنحاول بيان التكوينية من خلال استعمال ما بين هذه العاملين من دور‬ ‫بالترتيب وخاصة بالوصل والفصل بينهما في مراحل تطور نظام ملء البنية المجردة للدولة التي‬ ‫هي كما أسلفت ثابتة لا تتغير لأنها عين وظائف الجماعة الخمسة أي المرجعية والوظائف والقوى‬ ‫السياسة والحكم والدستور‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪87‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫سأبدأ بالقول إن تاريخ هذا التطور لا يمكن أن يكون شاملا لدار الإسلام إلا ما بين تكون دولة‬ ‫الإسلام الواحدة ونهاية وحدتها بعد سقوط دولة بني أمية أي قرن وخمس القرن‪ .‬لكن حتى‬ ‫اتخلص من هذه الصعوبة ساقصر التاريخ الذي أقدمه بهذين المعيارين على ما يمكن اعتباره المركز‬ ‫أي أطول خلافتين بعد الدولة الواحدة أعني الخلافة ا لعباسية والخلافة العثمانية‪ .‬وطبعا فهذا‬ ‫فيه الكثير من التحكم‪.‬‬ ‫لكن إذا كان القصد الكلام بالعينة على التعيين فإن العينة في هذه الحالة كافية لأن الخلافتين‬ ‫العباسية والعثمانية تمثلان ما يعدل ‪ 12‬قرنا من ‪ 13‬قرنا باعتبار القرن الأخير لم تبق فيه‬ ‫خلافة وما يزيد عن ‪ 14‬قرنا هو ما يعدل عهد الراشدين وعهد الرسول الخاتم‪ .‬وإذن فالعينة‬ ‫كافية وهي تشمل أطراف المركز‪ .‬فتكون المراحل بهذه الصورة قابلة للتحديد على النحو التالي‪:‬‬ ‫مرحلتا النشأة الأولى‪ :‬الجمع بين الشرعية والشوكة مع خضوع الثانية للأولى‪ :‬حكم الرسول ثم‬ ‫الخلفاء الراشدين وبدأ تآكل الشرعية الأمر الذي انتهى باغتيال عثمان‪.‬‬ ‫‪ .1‬مرحلتا الخلافة الأموية‪ :‬محاولة الجمع بين الشوكة والشرعية مع خضوع الثانية للأولى ثم‬ ‫فقدان الشوكة وبقاء شرعية عزلاء (الدولة الاموية)‪ :‬سقوط الدولة الاموية الشرقية‬ ‫التي كانت تمثل المركز والتي كل ما أتى بعدها يفيد التفتت المتدرج لدولة الإسلام‪.‬‬ ‫ولعل محاولات هارون الرشيد التواصل مع شارلمانيو كان أول خيانة للإسلام لأنه لم يتواصل معه‬ ‫إلى بنية الحلف ضد الدولة الأموية الغربية‪ .‬وكل من يفاخر بهدايا الرشيد لشارلمانيو يتغافل عن‬ ‫هذا الدور الخياني الخطير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪88‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬مرحلتا الخلافة العباسية‪ :‬نفس ما حدث للأموية لكن التفتت بلغ الذروة وخاصة بعد تولي‬ ‫أبناء هارون الرشيد وسيطرة الأمهات العربية والفارسية والتركية وتحول الخلافة إلى‬ ‫مجرد سلطة رمزية يحكمها العربي ثم الفارسي ثم التركي‪.‬‬ ‫ويكون ذلك إما عن طريق العصبية أو الإدارة أو الجيش إلى أن صارت شبه كنفدرالية رمزية‬ ‫عديمة الوحدة الفعلية لأن كل ولاية صارت سلطنة لا تدين للخليفة إلا ببعض الرموز وخاصة‬ ‫الشعائر مثل دعاء الجمعة‪ .‬لكن الشريعة بقيت واحدة في الكثير من تنظيم الجماعة‪.‬‬ ‫وقد مرت بين النشأة الأولى وهذين المرحلتين والمرحلتين اللتين ستليانها قبل البداية الثانية أو‬ ‫الاستئناف مرحلة تمثل الفوضى العارمة في المركز الذي سقط وتعدد الخلافات فيه (السنية‬ ‫والشيعية) من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الحروب المغولية ونشأة الخلافة العثمانية التي‬ ‫بدأت مع أخذ الرمز من المماليك أي في نفس اللحظة التي بدأ فيها الإصلاح في أوروبا‪.‬‬ ‫‪ .3‬مرحلتا الخلافة العثمانية‪ :‬محاولة الجمع بين الشوكة والشرعية (السلطان صار خليفة) ثم‬ ‫شرعية عزلاء لما صارت الولايات شبه مستقلة ولم تبق للخليفة إلا الشرعية لما أصبحت‬ ‫الرجل المريض‪ .‬وهي أيضا مرت بما مرت به الخلافة الاموية ثم العباسية وتم تهديمها‬ ‫تقريبا بنفس العوامل أي الصراعات الداخلية والغزو الخارجي‪.‬‬ ‫‪ .4‬فقدان الشوكة والشرعية وهي المرحلة الحالية في تاريخ الأمة والتي دامت منذ سقوط‬ ‫الخلافة العثمانية إلى الآن‪ .‬لكن هذه الحالة على سلبيتها تمثل أملا كبيرا للمستقبل لأنها‬ ‫مصحوبة بالوعي بفقدانهما نوعين من الوعي فعلي ورمزي‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪89‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فرمزيا اغلب المسلمين يعتبرون المرحلة الأولى هي المثال الأعلى‪.‬‬ ‫وفعليا كل المسلمين يشعرون فعلا بأنهم لا حول لهم ولا قوة من حيث الشوكة‪.‬‬ ‫وأهم شيء يؤلم المسلمين هو البحث عمن يمكن أن يوحد المسلمين اليوم‪.‬‬ ‫ولعل الكثير من المسلمين يأملون أن تستعيد تركيا دورها لكن ذلك يبدو صعب المنال‬ ‫إذ رغم أن تركيا تبدو تعيش هذا الطموح لكن الشعب التركي نفسه ليس بعد مقتنعا بذلك‪.‬‬ ‫‪ .5‬مرحلتا الاستئناف أو النشأة الثانية‪ :‬وهي ما أتوقعه‪ .‬فالعولمة الإسلامية التي تكون فيها‬ ‫مهمة الاستعمار في الأرض تابعة لمهمة الاستخلاف هي العولمة التي تحتاج إليها الإنسانية‬ ‫والتي يمكن أن تصلح العولمة الأمريكية لأن أمريكا من دوننا ستنتصر عليها الصين‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن تنجو الإنسانية من دون حلف بين المسلمين وأمريكا لتجنيب الإنسانية العولمة الصينية‬ ‫التي لو تمت لكانت أفسد ألف مرة من العولمة الأمريكية لأنها لا تعترف لا بالإنسان ولا بالله‪ :‬لا‬ ‫من منطلق المنبع الفلسفي ولا من منطلق منبع الأديان المنزلة‪.‬‬ ‫وسأنطلق من تحليل ابن خلدون لنظام القوامة الذي ملأ خانات الدولة في غاية المرحلة الوسطى‬ ‫التي عاصر بدايات نهايتها (في الثلث الأخير من القرن الرابع عشر وقبيل نهاية حروب المغول في‬ ‫موجتها الثانية) بشكلها الذي قلت إنه الشكل الذي بني على علاقة الشوكة والشرعية بالفصل‬ ‫بينهما فصلا جعل هذه للخليفة وتلك للسلاطين مع تحديد المشترك وغير المشترك منهما‪.‬‬ ‫والعرض الخلدوني للخطط هو الذي جعلني اعتبر ما بين الشكلين الإسلامي والأمريكي من وجه‬ ‫شبه شكلي يبين أن تكوينية القوامة ليس وليد الصدف بل إنه له بنية كونية هو بدوره دون نفي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪90‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الخصوصيات‪ .‬فنظام القوامة الإسلامية له عدة وجوه شبه بنظام الولايات المتحدة الأمريكية مع‬ ‫بعض الفروق علتها كما بينت دور العلاقة المطابقتين‪.‬‬ ‫وكذلك دور علاقة الاستعمار بالاستخلاف في الأرض العلاقة التي جعلت الثاني تابعا للأول بسبب‬ ‫ما بينت حول دور دين العجل‪ .‬وقد خصص ابن خلدون الفصل الحادي والثلاثين من الباب الثالث‬ ‫بعنوان في الخطط الدينية الخلافية وميز بين الدورين نيابة عن صاحب الشرع‪:‬‬ ‫‪ .1‬حفظ الدين بمقتضى التكاليف الشرعية التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها‬ ‫(التكاليف الشرعية هي ما يأمر به الدين في القرآن والسنة وما يترتب عليها من مكملات في‬ ‫التصور والتنفيذ)‪.‬‬ ‫‪ .2‬سياسة الدنيا بمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري (مع ملاحظة أنه لم يذكر‬ ‫الاجتماع الإنساني والسكوت عن ذلك له دلالة عميقة سنعود إليها)‪.‬‬ ‫وعلق بخصوص سياسة الدنيا بمقتضى رعاية مصالح الناس في العمران البشري بالقول‪:‬‬ ‫\"وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت وقدمنا‬ ‫أن الملك وسطوته كاف في حصول هذا المصالح‪ .‬نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية‬ ‫لأنه أعلم بهذه المصالح‪ .‬فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعها‪.‬‬ ‫وقد ينفرد إذا كان في غير الملة‪ .‬وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة‪.‬‬ ‫وهي تتعين خططا وتتوزع على رجال الدولة ويحسن قيامه بسلطانه‪ .‬وأما المنصب الخلافي وإن كان‬ ‫الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪91‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫للخلفاء الإسلاميين‪ .‬فلنذكر الآن الخطط الدينية المختصة بالخلافة ونرجع إلى الخطط الملوكية‬ ‫السلطانية\"‪.‬‬ ‫النوع الأول من التمييز بين الخطط القابلة للفصل بين الشرعية والشوكة‪.‬‬ ‫‪ .1‬الخطط الدينية الخالصة وهي تابعة للخليفة‪.‬‬ ‫‪ .2‬الخطط السياسية الخالصة وهي تابعة للسلطان‪.‬‬ ‫النوع الثاني من الخطط المشتركة لأن الفصل بين الديني والسياسي ممتنع‪.‬‬ ‫‪ .3‬وفيها الشوكة المحتاجة إلى الشرعية‪:‬‬ ‫‪ .4‬وفيها الشرعية المحتاجة إلى الشوكة‪:‬‬ ‫‪ .5‬أصل وحدة هذا التعدد‪ :‬كيان الإنسان الفرد والعلاقة بين الأفراد في نفس الجماعة ثم بين‬ ‫الجماعات في المعمورة‪ .‬وإذن فيمكن الكلام على شرعية ذات شوكة وشرعية عديمة الشوكة‬ ‫وشوكة ذات شرعية وشوكة عديمة الشرعية‪.‬‬ ‫ولا بد كذلك من التمييز بين نوعين من الشرعية لئلا نتصورها دينية فحسب إذ إن ابن خلدون في‬ ‫تصنيفه للأنظمة تكلم على الشرعية الناتجة عن أداء النظام وظائف القيامة وهو ما سماه مصالح‬ ‫العمران والتي ينسب إليها طاعة المواطنين بخلاف الشرعية الدينية التي تضيف إلى طاعة‬ ‫المواطنين للحاكم شرط طاعته هو لحاكم الحاكمين أي الشرعية الدينية‪.‬‬ ‫وهو يعتبر الملك قابلا لأن يكتفي بشرعية مصالح العمران لكنه يصبح أتم إذا أضاف شرعية‬ ‫مصالح الآخرة‪ .‬ونفس الشيء بالنسبة إلى الشوكة‪ .‬فيمكن أن تستمد الشوكة شرعيتها من مصالح‬ ‫العمران وحدها أو منها مع شرعية ما يتعالى عليها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪92‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتلك العلة في ما حصل عندما أصبح الفصل بينهما في المراحل التي تكلمنا عليها أمرا مفهوما ما‬ ‫جعل القوامة ذات مستويين أولهما فيه الفصل والثاني لا فصل فيه‪ .‬وهذا هو معنى التمييز بين‬ ‫خطط الخلافة وخطط السلطة‪.‬‬ ‫ووجه الشبه الشكلي مع الولايات المتحدة مع عكس الترتيب بين أساسي الشرعية هو عندما يقع‬ ‫الوصل بين الشوكة والشرعية مع عكس الترتيب في القوامة الإسلامية‪ :‬أي بتقديم مصالح العمران‬ ‫على مصالح الآخرة أو الاستعمار في الأرض على الاستخلاف قد يصبح مطلقا عندما يلغي ما لا‬ ‫يتطابق مع ما يرد إلى الطبائع بمنطق حقوق الإنسان الطبيعية بسبب القول بالمطابقتين توهما بأن‬ ‫الإنسان يعلم هذه المصالح علما مطابقا ولا يعتقد في ما هو غيبي منها‪.‬‬ ‫في تلك الحالة لا يبقى إلا السلطان وحقوق الإنسان الطبيعية وهو الانثروقراطيا التي تنتهي إلى‬ ‫الأبيسيوقراطيا بمعنى أن القيمتين المتعاليتين ‪-‬الكرامة والحرية‪ -‬تصبحان مردودتين إلى قيمتي‬ ‫التبادل والاستعمال الاقتصاديتين عند الجميع لأن الأغنياء يجعلون الثروة معيار الكرامة والحرية‬ ‫والفقراء يتنازلون عنهما بسبب التبعية في شروط البقاء التي يتحكم فيها الأغنياء فيصبحوا هم‬ ‫الارباب الفعليين‪ :‬وتلك هي حقيقة نظام الولايات المتحدة الأمريكية‪.‬‬ ‫والمسلمون لم يتحرروا من البنية العميقة أي الأبيسيوقراطيا التي تتنكر في وسط بين الثيوقراطيا‬ ‫والانثروبوقراطيا لأن الأنظمة في البلاد الإسلامية سواء كانت شيعية ثيوقراطية صراحة أو سنية‬ ‫وسطا بين الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا غير الصريحتين لأن الحكم يعتمد على تقديم الشوكة‬ ‫غير الشرعية مع تخف بشرعية عديمة الشوكة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪93‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهو النظام الذي يسميه المسلمون الملك العضوض‪ .‬ومع ذلك فالسنة على الأقل في النصوص‬ ‫النظرية التي تنظم الحكم تعتمد على الخطط التي ذكرها ابن خلدون في غاية ما توصلت إليه‬ ‫القوامة التي تملأ خانات البنية المجردة للدولة‪.‬‬ ‫وإذا اعتبرنا النوع الثاني من الشرعية التي تعود إلى القيام بوظائف مصالح العمران بلغة ابن‬ ‫خلدون دون حاجة إلى شرعية متعالية عليها أمكن أن نعتبر ذلك وكأنه ضمنا يفترض أن شرعية‬ ‫الحكم مستمدة من رضا الجماعة بدليل الطاعة مقابل المصلحة وهو أصل الديموقراطية أو أصل‬ ‫الأنثروبوقراطيا حتى لو أنها ليست بالضرورة حاصلة على ما يثبتها أعني الانتخابات‪.‬‬ ‫فالرضا هو ما تثبته الانتخابات وما يثبته بقاء النظام حتى عندما يكون التغيير بغيرها أي‬ ‫بالصراع والتغالب‪ .‬ولذلك فعمر الدول بالمعنى الخلدوني يقاس بهذا الشرط أي بعجز من يريد‬ ‫تغيير العصبية الحاكمة التي ضعفت بعصبية أقوى بالمطاولة حتى تفقد العصبية الحاكمة القدرة‬ ‫على مقاومة المطاول لها أي حتى لا يبقى ما لها من رصيد الرضا عليها القدر الكافي لإبقاء عليها‪.‬‬ ‫فإذا كان الحكم جامعا للشرعية التي من هذا النوع والشوكة فإن النظام يسمى بلغة ابن خلدون‬ ‫ملكيا ولا يحتاج إلى شرعية الدين لكنه يستعملها ليمدد في عمره لأن الشرعية الدينية تزيد‬ ‫العصبية قوة لكنها لا تعوضها‪ .‬والشرعية الدينية في حالة الفصل تكون عديمة الشوكة المعينة‪.‬‬ ‫لكن شوكتها سلبية وهي عدم تبعية العامة للثورات التي تريد الإطاحة بالملكية حتى عندما لا قوم‬ ‫بمصالح العمران‪ .‬ولهذه العلة فإنه لا يوجد نظام مهما ادعى من العلمانية لا يلجأ إلى الدين على‬ ‫الأقل في الازمات الكبرى مثل الحروب أو الجوائح لأن ذلك يمكنه من الحصول على رضا العامة‬ ‫التي تمثل الأغلبية دائما‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪94‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نقف عند هذا الحد في الاعداد للمقارنة بعد تحديد وظائف الخليفة وظائف السلطان عند الفصل‬ ‫بينهما حيث تكون العلاقة بينهما من علاقة تشبه علاقة النظام الذي يفصل بين رئاسة الحكومة‬ ‫ورئاسة الدولة في الأنظمة التي يكون فيها رئيس الدولة ذا سلطة رمزية‪.‬‬ ‫وقد لا تكون دينية (ألمانيا) أو دينية (إنجلترا) وحيث تكون شبيهة بالولايات المتحدة عندما لا‬ ‫نفصل بينهما بشرط وجود ما يمثل جملة من القيود تمثل إرادة الجماعة التي تحركها قيم‬ ‫الجماعة‪.‬‬ ‫وفيها طبعا القيم الدينية التي تؤدي دورا كبيرا في انتخابهم ليكون ممثلين للإرادة الشعبية‬ ‫(النواب والشيوخ) رغم أن الترتيب بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها يبقى من جنس‬ ‫مصالح العمران أي إن الثاني تابع للأول في الولايات المتحدة حتى في سلطة ا لنواب والشيوخ لأن‬ ‫من بيده السلطان الفعلي هو اللوبيات وهي محكومة بالأبيسيوقراطيا‪.‬‬ ‫والهدف من هذه المقارنات هو بيان التكوينية الكونية حتى للتعيين الخصوصي للبنية الكونية‬ ‫للدولة من حيث هي بنية مجردة‪ .‬فحتى تكوينية القوامة التي تملأ خاناتها المجردة فتعينها أي‬ ‫طبيعة الأنظمة فإنها تبقى في العمق تابعة للكوني وليس خصوصيا فيها إلى أساليب التعيين وليس‬ ‫التعيين ذاته‪.‬‬ ‫وأساليب التعيين كما سنرى منها مثلا مفهوم أهل الحل والعقد أو معتبري الزمان بلغة الغزالي‬ ‫وعلاقة ذلك باستتباع الرأي العام وهما مستويان اعتبرهما الدستور الأمريكي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪95‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهو يميز بين مؤسسة كبار الناخبين والناخبين العاديين والفرق الوحيد هو أن التعيين الأول أسلوبه‬ ‫مؤسسة تعمل بالضمير والثاني مؤسسة تعمل بالوجود الصريح إلى الحد الذي قد تلغي أغلبية‬ ‫الناخبين الكبار أغلبية بقية الناخبين‪ .‬وهو ما يحصل في ما سماه الغزالي بمعتبري الزمان الذين‬ ‫يغلبون الأقلية على الأغلبية في النهاية‪.‬‬ ‫وهو ما حصل مثلا في السقيفة حسم الفاروق الخلاف حول تعيين الخليفة قبل أن ينفرط عقد‬ ‫الجماعة التي ترددت بين حلين قبلي (منا أمير ومنكم أمير) أو وراثي مثل الامبراطوريات المحيطة‬ ‫(اختيار علي لقرابته)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪96‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook