-- فليست الفيروسات وحدها هي التي لا تعرف الحدود بين الدول ولا بين الأفراد بل الهواء والمناخ وتأثير التلوث الطبيعي والتلوث الثقافي وهو معنى وحدة المعمورة ووحدة الإنسانية. وطبيعي أن يكون الدين الخاتم ذا نزعة كونية فيعتبر غايته جعل المعمورة دولة واحدة. وذلك هو معنى كونية الإسلام حتى وإن لم يحقق ذلك في ماضيه رغم السعي إليه بنظرية الفتح سلما أو حربا :هو كونية شروط العيش السلمي بين البشر بالمعادلة العادلة. وهذه المعادلة العادلة تتعين في الدولة العادلة وذلك هو موضوع الفصل الخامس مكرر القادم وهو الأخير في المحاولة كلها. أعلم أن الكثير سيتوهم أني بهذا الكلام المتفائل حول مستقبل الإسلام انطق من العقد وليس من العقل .وينسون أني أصل بين النظر والعقد شرطين في نظرية المعرفة العمل والشرع شرطين في نظرية القيمة. فالنظر والعقد أساس المعرفة سواء كان دينية أو علمية والعمل والشرع اساس القيمة سواء كانت دينية أو علمية .وهذان الأساسان إذا اعتبرا مطابقين طغى الإنسان بعلمه وعمله فتأله. والمقابلة بينهما كانت ناتجة عن خطأ فلسفي توهم أصحابه الإحاطة في العلم والتمام في العمل مدعاة للقول بالمطابقتين وبوحدة العالم المردود إلى ما يدركه منه الإنسان ويعمله. وقلدهم علماء الملة فصار علم الكلام -كما بين ابن خلدون مجرد نسخة من الفلسفة التي وضعها أفلاطون وارسطو القائلين بالمطابقتين .فعلوم الملة أصبحت كلها تقول بالمطابقتين مثل الفلسفة. أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
-- واليوم حداثيونا يقولون بنفس المطابقتين القديمتين والوسيطتين وأضافوا إليهما اللتين وضعهما هيجل وماركس .فصارت الفلسفة عند الحداثيين خرافية أكثر من علم الكلام عند القدامى. ما يجري حاليا في العالم يثبت أن العلم والعمل شديدا النسبية وأن الغيب لا يريد إلى الغائب لأن هذا ممكن العلم والعمل وذاك من المحال علمه أو عمله. وإذن فهو مفهوم حد يحرر الإنسان من مرض حب التأله فيشده إلى ما يتعلى عليه :وذلك هو أصل ما أكته هنا وليس مجرد العقد بل هو اللأدرية المؤسسة لحرية الفكر الذي يصل بين النظر والعقد والعمل والشرع. وذلك هو جوهر الإسلام شرط السلام في الجماعة وبين الجماعات ليشمل الإنسانية كلها فلا تفسد في الارض ولا تسفك الدماء فتتحرر مما وسمتها به الملائكة في أمثولة الحوار حول أهلية آدم للاستخلاف. القسم الثان في ختام هذه المحاولة-قبل بلوغ المعادلة السياسية العادلة تربية وحكما -لا بد من تعريج سريع يجيب عن سؤالين قد يبدوان متعلقين بالترجمة الذاتية .لكنهما في الحقيقة يساعدان على فهم ما استعملته من علاج يتمازج فيه الفلسفي والديني وبصورة أدق الإسلامي بصورة لا يكاد القارئ المتسرع معرفة أي المنظورين محددا للثاني للظن أنهما منظوران مختلفان بسبب ما يسيطر في الفكر من مقابلة بين الديني الفلسفي. أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- لذلك فلا بد من تعليل هذا المنظور وبيان أنه ليس جمعا بين منظورين مختلفين بل هو تجاوز للمقابلة السطحية بينهما وفهم للمنظور الواحد الذي يرد إليه المنظوران اللذان يصبحان مختلفين لما يحرفان. فعندما يعتبر الدين نقلا بلا عقل والفلسفة عقلا بلا نقل يظن من يخلط بين العقل والخيال فيحرف الفلسفة ويظن من يخلط بين بين النقل والوحي فيحرف الدين .فالنقل هو المضمون التجريبي سواء كان فلسفيا أو دينيا والعقل هو الشكل المنطقي سواء كان فلسفيا أو دينيا. والغيب محجوب على الرسل حجبه على الفلاسفة :من يدعي أن الرسل يعلمون الغيب يكذب القرآن .ومن يدعي أن العقل مطابق للوجود يكذب العلم .كلاهما له مفهوم حد هو الغيب الذي يلغي القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية. كل رجل دين يدعي عكس ذلك يصبح وسيطا بين المؤمن وربه فيؤسس للطغيان المعرفي ويشرع للطغيان القيمي والاستبداد .وكل فيلسوف يزعم المطابقة يؤسس لنفس الشيء :لذلك فالأفلاطونية والأرسطية والهيجلية والماركسية كلها تقول بالمطابقة ورؤاها أديان وفلسفات محرفة. وإذن فلا علم من دون مضمون تجريبي وشكل منطقي .ولا دين كذلك .وعلى كل فذلك عين ما يفيده القرآن إذا ميزنا بين ما يقدمه من رؤى بين ما يرد فيه مادة للنقد من منظور فلسفة الدين ومن منظور فلسفة التاريخ .وبذلك يتحدد الحواب عن السؤالين: أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- .1من أي موقع أتكلم في هذه المحاولة يمكن اعتباره محددا لمنظوري؟ .2وكيف انتهيت إلى تحديد هذا المنظور الذي سميته المشترك بين الديني والفلسفي؟ فأما الموقع فقد بدأ يبرز منذ انتقلت من تخصص الرياضيات إلى تخصص الفلسفة وكان ذلك لعلة خارجية لا علاقة لها بالاختيار الواعي .فلعلة خارجية لها علاقة بظروف السكن والأسرة اضطررت للذهاب إلى قسم الفلسفة رغم توجيهي على قسم الرياضيات. وقد كان يمكن ألا يكون لي علاقة بمثل هذا الإشكالية لولا هذه الصدفة .وطبعا ففي تلك المرحلة لم يكن الذهاب إلى الآداب المعاصرة يلغي دراسة الرياضيات والعلوم الطبيعية كما عليه الحال الآن .لأنها كانت تجمع بين الآداب والعلوم .وإذن فما ربحته أكثر مما خسرته. لكن الموقع تحدد عندما دخلت إلى الجامعة .كانت الموضة الطلابية هي فلسفة ماركس .ولست أدري -ربما لأني من البادية وابن مزارع-لم تمل نفسي إلى فلسفة ماركس ولعل غرامي بأفلاطون وارسطو وخاصة بهيجل كان من علل احتقاري للماركسية ولرؤيتها المتخلفة للظاهرات الإنسانية وما يتعالى على محدداتها في ردها إلى رؤية لا تفهم إلى برد الإنسان إلى التاريخ الطبيعي بوصفه حيوانا أكثر من كونه إنسانا لا يقتصر على الدوافع المادية حتى وإن علل ذلك بغايات تبدو روحية مثل الحرية والعدل والمساواة بين البشر. لكن لذلك كله يعتبر من الصدف ولا يمكن أن يعلل فلسفيا المنظور الذي سميته منظور المشترك بين الديني والفلسفي .ذلك أن هذا المنظور لم يكتف برفض الماركسية بل هو تجاوزها إلى رفض أفلاطون وارسطو وهيجل إضافة إلى ماركس. أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- فقد تبين لي أن نسبة ماركس إلى هيجل هي عين نسبة أرسطو إلى افلاطون وأن الموضة الحالية بين زملائي في الجامعة هي عين الموضة التي حكمت فلسفتنا الوسيطة :القول بالمطابقتين والقول بوحدانية العالم المردود إلى الشاهد منه ومن ثم إلى العالم المحسوس حتى في صورته المعقولة. وإذن فالمنظور متعلق إذن بأمرين: .1الأول نظرية المعرفة التي لم تقنعني أي إني أرفض القول بالمطابقة بين ما يعلمه الإنسان من الوجود والوجود .وهنا يلتقي مفعول التربية الإسلامية وفهمي الأولي لفلسفة كنط وبينهما فلسفة الغزالي وابن ابن خلدون خاصة وذلك قبل أن اكتشف ابن تيمية. .2الثاني نظرية القيمة التي لم تقنعني أي إني أرفض القول بالمطابقة بين ما يعمله الإنسان من المنشود والمنشود .وهنا يلتقي كذلك الرؤية الأشعرية في التربية الإسلامية ونفس الفهم الأولي الذي أثر في خياري في نظرية المعرفة. وكان لا بد من تعريف هذا الحد الذي يحول دون المطابقة فلسفيا ودينيا .فهو فلسفيا تقدم المعرفة الإنسانية في العصر الحديث واكتشاف الرؤية المحدودة للقائلين بالمطابقتين .وهو دينيا مفهوم الغيب الذي يعني أن عالم الشهادة لا يكتفي بنفسه وأن الإنسان مهما علم لن يحيط بالموجود ومهما عمل لن يبلغ الكمال في تحقيق المنشود .وهذا هو المشترك بين الديني والفلسفي: حدود الإنسان في النظر والعقد وحدوده في العمل والشرع. ولذلك فإني بخلاف الموضة السارية حاليا بين النخب العربية لا أستحي من الدفاع عن هذا الموقف بل إني اعتبره جوهر ما يؤمن به كل الفلاسفة بحق ممن لم يكن ساذجا فيخلط بين الميل العملي إلى القول بالمطابقة في المعرفة وفي القيمة مع التسليم بإمكان ما يتعالى على ذلك لكنه ممتنع على أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- الإنسان وهو الموقف السفسطائي الشكاكي حتى وإن لم يعترفوا بذلك صراحة كما فعل أفلاطون بخلاف أرسطو وهيجل بخلاف ماركس. ومعنى ذلك أن أفلاطون وهيجل يعترفان بأن \"واقع\" الإنسان لا يتجاوز القول بالمطابقتين لكنه يدرك أن ذلك هو الممكن الفعلي للإنسان الذي هو دون الممكن المطلق .ويمكن اعتبارهما قائلين بالموقف الصوفي بمعنى أن الإنسان يدرك أن ما يدركه ليس كل الممكن .لكنه موقف صوفي سلبي بمعنى أنهما لا يقولان بالوصول إلى كل الممكن بكذبة الكشف. ولذلك فأفلاطون وهيجل يمثلان حقيقة السفسطائية إذا حررناها من تشويههما لها وخاصة من تشويه أرسطو وماركس لها إذ يطلقان المطابقتين بسذاجة ليس لها نظير إلا عند حداثيي العرب ومقلديهم من التأصيليين الذين يدعون التحديث. لكني أعتقد أن الأكبر منهم هم من تجرأوا بنفي المطابقتين صراحة -المدرسة النقدية العربية وكل الشكاكين بمن فيهم السفسطائيين لأنهم لم ينفوا ما يتجاوز العلم والعمل الإنسانيين بل هم اعتبروه من الممكن الذي يبقى خارج علم الإنسان وعمله-ومن ثم من لم يزعموا وحدة العالم لأنهم رفضوا المطابقتين. وما أعجب له حقا هو أن علوم الملة كلها انحرفت عن هذا الموقف وصارت مثل الفلسفة القديمة تقول بالمطابقتين مع قلب أمر القرآن نهيا في المعرفة والقيمة (فصلت )53ونهيه أمرا (آل عمران )7وتجاهل الآيات التي تقول بإرجاء الحسم في ما يختلف فيه اهل الأديان إلى يوم الدين وقلبها بإرادة الحسم فيها في عالم الشهادة في حين أنها مبنية على علم السرائر الذي هو من الغيب الذي لا يحيط به إلا علم الله. أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- وأعتقد أن القول بأننا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر في العمل والشرع وحتى في النظر والعقد عند الفقهاء لا تعني أن الحكم بالظاهر يلغي احترام ما يقتضيه اعتبار السرائر وتوهم قاضي الأرض مثل قاضي السماء لها القدرة على معرفة مطابقة وتقييم مطابق فيطبق حدود الله كما هي في علم الله وعمله الجامعين بين الحكم بعمل الظاهر وتقييمه والحكم بعلم السرائر وتقييمها. فاعتبار السرائر المجهولة للإنسان الحد من الحسم بمقتضاها يؤدي إلى تواضع القضاة والفقهاء وتجنب الذهاب إلى الغاية في الأحكام التي هي اجتهادية وليست محيطة وذلك بالبحث عن المخففات في الأحكام الفقهية وعدم الخلط بين الحكم ومقدار العقوبة وذلك بالبحث عما يحول دون الاقتراب من حدود الله في حكم القاضي كما في فعل المتهم الذي يقضي في شأنه. بعد هذا التوضيح في خاتمة المحاولة أذهب مباشرة إلى غايتها .فما المعادلة العادلة التي تكون في نسبة الزاوية القائمة إلى الحادة والمنفرجة في مثال أرسطو لتحديد الفضيلة بخلاف ما يفهم عادة من الوسط عند من أساء تأويل نظرية الإسلام في الوسط ونظرية ارسطو في الفضيلة. فالمعيار سابق على التطرفين وليس هو حلا وسطا بينهما .هما يعرفان به وليس هو بهما .كذلك المعادلة العادلة هي في القرآن وفي الفلسفة النموذج المثالي لبنية الإنسان فردا وجماعة ورعاية وحماية للذات وللغير ليس حبا فيه فحسب بل لأن حماية الذات شرطها حماية الغير بسبب وحدة الأحياز الخمسة: أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- .1فحيز المكان واحد ولا يتوقف عند مكان كيان الفرد ولا عند مكان كيان الجماعة بل يشمل الإنسانية كلها وكل الحدود الفاصلة اعتبارية وهي لا تمنع انتشار المؤثرات في الإنسان إلا في حدود ما يشهده الإنسان بحواسه لكنها من الدقة والسيلان ما يجعل ما يحصل في أي نقطة من المكان شاملة لكل المكان .وهذا لان يمنع تعدد المناخات مثلا لكنها كلها متفاعلة ومتبادلة التأثير والتأثر. .2وحير الزمان واحد ولا يتوقف عند زمان الفرد ولا عند زمان الجماعة بل يشمل الإنسانية كلها ماضيها ومستقبلها لأن حاضرها يحيط بهما احاطتهما به إذ إن أثر الماضي ماثل فيه بما حصل منه وأثر المستقبل حاصل فيه بما هو بصدد الحصول منه وهو لحظة التلاقي والتفاعل بينهما بأحداثهما وبالحديث الدائر حولهما. .3والحيز الثالث الناتج عن تفاعل الإنسان مع الحيزين الطبيعيين بتقديم ما يستمد من الطبيعة هو الحصيلة من تفاعل المكان والزمان في استمداد شروط قيام كيان الإنسان العضوي من الطبيعة .إنها ثروة الفرد والجماعة والإنسانية وهي الزاد أو الرزق المادي (الاقتصاد بضائع وخدمات) الذي يحققه الإنسان بعلمه وتطبيقاته وبعمله وتطبيقاته وفيه يتحيز الإنسان فردا وجماعة تحيزه في المكان وفي الزمان .فالناس يرتبون بمقتضى الثروة كما يرتبون بمقتضى المكان والزمان. .4والحيز الرابع الناتج عن تفاعل الإنسان مع الحيزين بتقديم ما يستمد من التاريخ هو الحصيلة من تفاعل الزمان والمكان في استمداد شروط قيام الإنسان الروحي من التاريخ. إنها تراث الفرد والجماعة والإنسانية .وهي الزاد او الرزق الروحي (الثقافة علوما وفنونا) الذي يحققه الإنسان بتنظيم علمه وتطبيقاته وعمله وتطبيقاته وفيه يتحيز أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- الإنسان فردا وجماعا تحيزه في المكان وفي الزمان .فالناس يرتبون بمقتضى التراث كما يرتبون بمقتضى الثروة والمكان والزمان. لكن الحيز الأصل والغاية هو المرجعية التي تؤسس لسلم سلالم الترتيب الأربعة السابقة وهي دائما نظام يتحد فيه الفلسفي والديني باعتباره التأسيس الرؤيوي للقيم ا لتي تحكم هذه الأحياز وسلم المراتب فيها ومنها يمكن تحديد المعادلة وشروط عدلها أو ظلمها وهي مرجعية السياسة باعتبارها فن رعاية الأجيال تكوينا وتموينا وحماية الفرد والجماعة داخليا وخارجيا. أي بكلمة واحدة هي المرجعية وقد تعينت دولة أو عودة الجماعة على ذاتها لتكون قيمة عليها إما بمنطق تعريف الإنسان من حيث هو رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له فتكون معادلة عادلة أو بعكس ذلك فتكون معادلة ظالمة .وحتى نفهم جيدا دور هذه الأحياز فينبغي أن نعلم أنها مضاعفة: .1فهي في كيان الفرد :بدنه هو مكانه وروحه زمانه وما في بدنه من شروط بقاء ثروته ومافي روحه من شروط بقاء تراثه وذاته هي وحدة كيانه وهو مع فرديته متناظر مع كيان الجماعة. .2وهي خارج كيان الفرد تلك الخمسة التي ذكرنا مع الجماعة التي تشغلها وما يتجاوزها للإنسانية كلها. .3وهي في كيان الجماعة :ديموغرافيتها هو مكانها وتاريخها هو زمانها وتقوم به ديموغرافيتها هو ثروتها وما يقوم به تاريخها هو تراثها وذاتها هي وحدة كيانها وهي مع كونها تلك الجماعة متناظرة مع كيان الفرد ومع كيان الإنسانية كلها. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- .4وهي خارج كيان الجماعة تلك الخمسة التي ذكرنا وما يتجاوزها إلى الإنسانية كلها فوقها وإلى الفرد دونها.. .5وهي شاملة للإنسانية والعالم المعلوم والمجهول في كيان الإنسانية وفي العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب :وهذا هو السر في المؤثرات الكونية المرئية مثل الهواء والمناخ أو اللامرئية مثل الفيروسات والجراثيم وما قد لا يخطر على بالنا من الموجودات التي لم نكتشفها بعد. ولا يمكننا أن نحدد المعادلة العادلة والظالمة ما لم يتحدد هذه البنية المجردة التي تؤسس للتناظرات التي أشرت إليها .ولهذه العلة وضعت معادلات سابقة عن المعادلة العادلة التي أتكلم عليها وهي التالية وكلها لا تكتفي بذاتها فتقتضي ما وراء لها يحيل على التي تليها: .1المعادلة الفردية وما وراءها :فالفرد إرادة ذات رؤية تتحقق بالمعرفة علة فاعلة بالقيمة علة غائية فتكون له قدرة .لكنها جميعا مستحيلة من دون إطار جماعي عضويا وروحيا. ولهذه المعادلة الفردية ما وراء هو المعادلة الجمعية. .2المعادلة الجمعية وما وراءها :والجماعة لها إرادة ذات رؤية تتحقق بتعينها في الافراد وما بينهم من تقاسم العمل في النظر والعقد أداتين للتعامل مع الطبائع وفي العمل والشرع أداتين للتعامل في ما بين الأفراد .ولهذه المعادلة الجمعية ما وراء هي المعادلة التاريخية. .3المعادلة التاريخية وما وراءها :ولا يمكن لـ 1ولـ 2أن يحصلا انطلاقا من الصفر بل لا بد أن يكون لهما ماض فعلي وقولي ولهما مستقبل قولي وفعلي وبينهما ومحيط بهما حاضر هو بؤرة التاريخ .ولهذه المعادلة ماوراء هو ا لمعادلة الطبيعية. أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
-- .4المعادلة الطبيعية وما وراءها :والمعادلة الطبيعية هي التي تمد الإنسان بشروط البقاء العضوي فردا وجماعة فتكون الحيز الأصلي للإنسان من حيث هو كيان عضوي خاصة. ولهذه المعادلة ما وراء وهو الماوراء المطلق وكل محاولات الفهم والتفسير تعود إلى السؤال الوجودي حول العالم الطبيعي وأبرز مظاهره هو الأنواء والفلك .وجل آلهة الأساطير مستمدة من تأليهها. -5المعادلة الوجودية وما وراءها .وبذلك نصل إلى معادلة المعادلات وهي الجامعة بين الماوراءات كلها وبصورة أدق إلى تسلسلها الكوني بمعنى أنه عين التسلسل الواحد في كل الحضارات ولا يهم بأيها يبدأ .وتلك هي المعادلة التي وضعتها والتي بها يمكن فهم المعادلات السابقة كلها وخاصة تسلسلها. فلأذكر بها أولا ثم أحاول بيان تعينها في البنية المجردة للدولة أو لقوامة الجماعات الإنسانية لذاتها فردا وجماعة جزئية وجماعة كلية أي الإنسانية كلها كما يصورها القرآن والفلسفة .وقبل أن أتكلم في هذه المعادلة الوجودية الجامعة فلا بد من الإشارة إلى أن المعادلات لا تتعلق بقيمها أو بمضمونها لأنها تنطبق على أي فرد واي جماعة وأي تاريخ وأي طبيعة وأي وجود. ومعنى ذلك أن التعين لا يكون إلى بعد أن نحدد مضمونا يعتبر قيما معينة لمتغيرات تصدق على كل فرد وعلى كل جماعة وعلى كل تاريخ وعلى كل طبيعة وعلى كل وجود إذا اعتبرنا كلامنا شاملا للعالم الشاهد ولم ندع إطلاق ما نتكلم عله بدعوى المطابقتين اللتين بدأنا بنفيهما .ومعنى ذلك أن الخصوصيات تتعلق بقيم المتغيرات وليس بالمتغيرات. أبو يعرب المرزوقي 57 الأسماء والبيان
-- فعندما استعمل في القياس الحروف أ وب وج فإن أ وب وج متغيرات وهي كونية ولا تصبح متعينة إلى عندما أعوضها بموجودات هي قيم تلك المتغيرات سواء كان مطابقة أو غير مطابقة حقيقية أو فرضية .وهو ما يعني أني لا أتكلم على الخصوصيات التي لا تتعلق بمتغيرات المعادلة بل بقيمها. ولأضرب مثالا شهيرا :فعندما يتكلم فان آس عن المتكلمين وينشغل بحيواتهم وبتاريخهم فإنه لا يتكلم على علم الكلام بل على من قام بدور المتكلم .وهذا الذي يشير إليه لا يعنيني كثيرا لأنه يمكن أن يكون زيدا أو عمروا ويمكن أن يكون عربيا أو فارسيا أو هنديا أو تركيا أو أمازيغيا .فان آس مؤرخ لأعيان المتكلمين ولا علاقة لذلك بالكلام نفسه لأنه يكون كما كان بصرف النظر عن أعيان المتكلمين إذ يمكن لغيرهم أن يكون محلهم. لكن ما يعنيني في بحثي هو أن الكلام هو بحث في ما وراء الشاهد قيسا له عليه على أساس الخلط الابستمولوجي بين الغيب والغائب واستعمال التأويل برد عالم الغيب إلى عالم الشهادة كما يرد الغائب إلى الشاهد .وتلك هي نظرية المطابقة في نظرية النظر والعقد ومثلها نظرية المطابقة في نظرية العمل والشرع .وإذن فبحثي لا يتعلق بالمضامين العينية بل بالبنى المجردة التي تتعين عندما نأخذ المضامين العينية فنعتبرها قيما لها ونفكر في القيم وليس في المعادلات المجردة وشروط عدالتها. وطبعا فالبحث في محافظتها على عدالتها البنيوية أو فقدانها له علاقة بالقيم أي بمن تتعين فيه: وذلك هو المستوى الثاني من البحث وهو متعلق بالقوامة :من يملأ خانات البنية المجردة أو من يصبح ممثلا للبنية المجردة ليجعلها تصبح فاعلة حيث تكون الذات الطبيعية ممثلة للذات المعنوية وهو معنى القوامة في وظائف الجماعة العشرة التي تكلمت عليها في الفصل الخامس السابق. أبو يعرب المرزوقي 58 الأسماء والبيان
-- ولنشرع في تعريف المعادلة الوجودية التي لا يمكن ألا تكون عادلة لأنها عين العدل .فلنأخذ أي فرد إنساني فإنه يمكن أن يعتبر في علاقة بالطبيعة بتوسط الجماعة عضويا لأنه يدين بوجوده العضوي إلى أبويه وهذا يعطينا أنه حصيلة متوالية هندسية قبله لأن أباه من أب وأم وأمه من أب وأم وهكذا دواليك فيكون ما قبل الفرد تسلسل في متوالية هندسية تصل إليه وبعده تسلسل في متوالية هندسية تصل إلى أخلاف الاسلاف. ويمكن اعتبار بقاءه العضوي مدين للجماعة لأن ما يستمده من شروط البقاء العضوي هو ما أسلفنا وما يستمده من شروط البقاء الذي يأتيه من الطبيعة أي من خارج الوراثة العضوية يستمده من الوراثة الحضارية أعني ثمرة العمل الإنساني على علم أو بالصدفة من التعاون على سد الحاجات التي تبقى على حياة الفرد والجماعة والنوع. وفيه مشاركة لكل الأجيال السالفة في الجماعة وكل الجماعات السالفة في الإنسانية .ويكفي أن ننظر في الزراعة مثلا .فأدوات حرب الأرض موروثة عن الحضارات السابقة كما نراها خاصة في الزراعة البدائية التي ما تزال تدين للحضارات القديمة بفنيات الزراعة. فيكون الإرث الحضاري هو بدوره من جنس الإرث العضوي لا بد فيه من انتقال \"شيء\" من جيل إلى جيل ومن سلف إلى خلف وهو الذي يجعل علاقة الفرد بالطبيعة مدينة للعلاقة بين البشر من حيث إن الجماعات تمثل كيان متحد في سد حاجات الرعاية وحاجات الحماية في ما بينها ثم في ما بينها وبين غيرها من الجماعات وفي ما بين البشر وغيرهم من الكائنات الحية والجامدة في العالم. ومثالنا الحالي في الحرب مع كورونا مثال بين للعين المجردة .فهي معركة كونية لا تعرف الحدود لا المكانية ولا الزمانية حتى وإن ظل حمق البشر يعاملها بإخضاعها للأنانيات التي حددتها الحدود أبو يعرب المرزوقي 59 الأسماء والبيان
-- السياسية والثقافية .والجميع لا يجعل أنه إذ فرضناه قد نجح في بلده فتغلب على الجائحة فإن بقاءها عند جاره غيره يعني أنها لم تنقرض وهي قد تعود إليه بعد أن تكون قد تطورت فصارت أكثر خطرا عليه وهو يتجاهل طابعها الكوني لحمق ولعدم فهم ما أحاول بيانه. فيكون الفرد إذن في قلب معادلة يمكن أن نعتبره بين التاريخ والطبيعة. لكن التاريخ له ما وراء والطبيعة لها ما وراء .ويمكن أن نعتبر أن ما وراء الطبيعة هو ما يفسرها من قوانين علمية وأن ما وراء التاريخ هو ما يفسره من سنن سياسية. لكن لا القوانين ولا السنن يمكنهما أن تكتفيا بنفسيهما لأن كونها موجودة أولا وكونها على ما هي عليه كما تبدو لنا ليست من الضرورات التي تعلل ذاتها بل هي تبدو لنا وكأنها بفعل فاعل أي أنها ليست محض صدفة. ذلك أننا لو حاولنا تصورها بالصدفة لأصبح وجودها شبه مستحيل بحساب الاحتمالات إذا اخذنا بعين الاعتبار التواليف الممكنة للمحددات التي تتحكم في وجودها أولا وفي كونها على ما تبدو عليه لنا. فينتج من ثم نوع من إدخال شبه تعليل غائي للوجود ولكونه على ما يبدو عليه لنا مع اعتبار كل الممكن الذي أخير من بينه ما نراه حاصلا وكأنه دليل على أن هذا الفاعل فاعل مختار. وإذن فهو ذو تدبير هادف أو عمل غائي .وطبعا يمكن للإنسان من حيث هو ساذج أن يتصور ذلك قد جعل كذلك من اجله. وهو في الأساس أول رؤية انبنت عليها الأساطير الأولى في تفسير ما يجري في الكون وقيس هذا المبدأ الأول على الإنسان وتصور العالم كله من جنس ما نطلبه أي دولة لها ملك خالق وآمر. أبو يعرب المرزوقي 60 الأسماء والبيان
-- ثم عكست العلاقة قيس نظام العالم على نظام الوجود الإنساني ثم صار نظام الوجود الإنساني يقاس على نظام وجود العالم وكلاهما يمثل المعادلة التي تكون عادلة إذا كان نظام الوجود الإنساني البعيد عن المثال مطابقا لنظام وجود العالم المثالي .وهنا نصل إلى مشكل المشاكل: القول بالمطابقتين .فالإنسان يزعم الإنسان في رؤيته أنه يعلم ذاته وصفاتها وما يترتب عليهما من نظام للوجود الإنساني في عالم الشهادة. ثم يقيس عليها ذات الله وصفاته وما يترتب عليهما من نظام الوجود الإلهي في عالم الغيب يتأله فيتصور نفسه هو الذي صنع صورة المثال وهو الرب الحقيقي والأديان من جنس أساطير الاولين الذين ألهو الطبيعة والتاريخ في شكل دولتين دولة العالم الأسطوري ودولة العالم الشاهد: وبذلك نجد الأديان الطبيعية التي من جنس الفرعونية وكل الأديان الشرقية في الصين والهند أو الأديان غير المنزلة. ما نسميه الأديان المنزلة إذا لم تكن محرفة -أو على الأقل كما يعرضها القرآن وكما يعرف ذاته- هي التحرر من هذه الصورة التي تجعل الأديان من صنع الأنسان والتي تنتهي إلى القول بالمطابقتين اللتين تعنيان في الجوهر تأله الإنسان سواء كان تألها بالمعرفة والقيمة في النظر والعقد أو تألفه بالقوة والحكم في العمل والشرع .فيترتب عن ذلك سؤال جوهري يغفل عنه أصحاب هذه الرؤى :إذا كان ذلك كذلك فمن أين تأتي المقابلة بين الامر الواقع والأمر الواجب أو بين الموجود والمنشود في فكر الإنسان بحيث يصنع بمقتضاهما \"وثنا\" يسميه ربا فيعبده؟ ما الذي يجعل الإنسان يعتبر الموجود ناقصا ويحتاج إلى منشود قبل أن يصل إلى الحل الذي يزعم أصلا لخلق هذا الوثن أي ما يفترضه فيورباخ فيجعل الإنسان هو الذي خلق الله وليس العكس؟ أبو يعرب المرزوقي 61 الأسماء والبيان
-- إذا كان لا بد أن يوجد في الإنسان الوعي بهذا الفرق بين الأمر الواقع والأمر الواجب أو بين الموجود والمنشود قبل أن يترتب عليه علاجه بخلق الوثن. فلا بد من فهم هذه العلة السابقة عن المعلول وإلا فالتفسير ليس تفسيرا والكلام مع من يفسر بالعلة وليس عامة .لأني عامة لا أفسر بالعلة أي إني لا اعتقد أن وجود مبدأ متعال على الإنسان في المعادلة قابل للفصل عن وجود الإنسان بحيث أطلب له تعليلا غير بنية المعادلة نفسها. وعندئذ تصبح المعادلة الوجودية هي الإنسان قلبها وفوقه ما يشعر أنه متعال عليه لا بد أن يفترض وجوده بينه وبين التاريخ بوصفه أصلا لما وراءه من سنن سياسية تربية وحكما في كيانه وخارجه به يتنظم أمر الجماعة وأن يفترض وجوده بينه وبين الطبيعة بوصفه أصلا لما وراءها تغذية وحكما في كيانه وخارجه وأن يعتبر هذا الماوراء في الحالتين متجاوزا ذاته وجماعته ويشمل الإنسانية كلها. فهو يشمل عالمه وغيره من العوالم التي هي بعدة الموجودات فيجد نفسه في حضرة اللامتناهي والمطلق وتلك هي حقيقة الحقائق وقيمة القيم وهما المشترك بين الديني والفلسفي ومنه يستمد مفهوم المعادلة العادلة وهي جوهر القرآن الذي هو في آن رؤية دينية وفلسفية ذات وجهين: .1فلسفة الدين النقدية للمطابقتين بمنطق التصديق والهيمنة وما يترتب عليهما من تأليه للإنسان وهو مبدأ حب التأله الذي ينسب إليه ابن خلدون فساد التربية والحكم بسبب العنف المترتب عليه. أبو يعرب المرزوقي 62 الأسماء والبيان
-- وفلسفة التاريخ النقدية التي تقدم الأدلة على ذلك من تاريخ الإنسانية الذي ينحرف عن المعادلة العادلة فيؤدي إلى ما يتنافى مع النساء 1والحجرات .13 أبو يعرب المرزوقي 63 الأسماء والبيان
-- القسم الأول مثلت الفصول السابقة (من 1و 2و 3و 4و4م و 5و5م) محاولة للوصول إلى تحديد المرجعية المشتركة بين الديني والفلسفي التي تمثل المعادلة الوجودية العادلة والتي تقاس عليها المعادلة السياسية العادلة الممكنة لدولة الإنسانية الشاملة التي تجعل الإنسان يحقق مهمتيه بوصفه مستعمرا في الأرض (يستمد منها شروط بقائه بنظام التبادل) ومستخلفا فيها (ينظم شروط قيامه بنظام التواصل). وهذه المرجعية هي التي تمكن الإنسان من تحقيق أفضل معادلة سياسية ممكنة للإنسان تحقق السلم بين الفرد وذاته ثم بين الأفراد في نفس الجماعة ثم بين الجماعات بصورة تحفظ الأحياز التي هي أصل شروط البقاء وعلة الصراع عليها إذا لم تكن السياسة تربية وحكما عادلة .وقد بينت في الفصل السابق سلسلة المعادلات التي تنتهي إلى المعادلة الوجودية على النحو التالي: فـ\"ـالمرجعية وقد تعينت دولة أو عودة الجماعة على ذاتها لتكون قيمة عليها إما بمنطق تعريف الإنسان من حيث هو رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له فتكون معادلة عادلة أو بعكس ذلك فتكون معادلة ظالمة .وحتى نفهم جيدا دور هذه الأحياز فينبغي أن نعلم أنها مضاعفة: .1فهي في كيان الفرد :بدنه هو مكانه وروحه زمانه وما في بدنه من شروط بقاء ثروته ومافي روحه من شروط بقاء تراثه وذاته هي وحدة كيانه وهو مع فرديته متناظر مع كيان الجماعة. أبو يعرب المرزوقي 64 الأسماء والبيان
-- .2وهي خارج كيان الفرد تلك الخمسة التي ذكرنا مع الجماعة التي تشغلها وما يتجاوزها للإنسانية كلها. .3وهي في كيان الجماعة :ديموغرافيتها هو مكانها وتاريخها هو زمانها وتقوم به ديموغرافيتها هو ثروتها وما يقوم به تاريخها هو تراثها وذاتها هي وحدة كيانها وهي مع كونها تلك الجماعة متناظرة مع كيان الفرد ومع كيان الإنسانية كلها. .4وهي خارج كيان الجماعة تلك الخمسة التي ذكرنا وما يتجاوزها إلى الإنسانية كلها فوقها وإلى الفرد دونها.. .5وهي شاملة للإنسانية والعالم المعلوم والمجهول في كيان الإنسانية وفي العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب :وهذا هو السر في المؤثرات الكونية المرئية مثل الهواء والمناخ أو اللامرئية مثل الفيروسات والجراثيم وما قد لا يخطر على بالنا من الموجودات التي لم نكتشفها بعد\". حصلنا على عدة نتائج تمثل دعامات التأسيس الذي نسعى إليه: .1تحررنا من المطابقة في نظرية المعرفة. .2فصار النظر والعقد اجتهادا وليس علما مطلقا. .3تحررنا من المطابقة في نظرية القيمة. .4فصار العمل والشرع جهادا وليس عملا تاما. أبو يعرب المرزوقي 65 الأسماء والبيان
-- وبذلك تأكدنا بأن المقابلة بين الديني والفلسفي لم يعد لها أدنى معنى لأن ما يختلفان به ليس هو المهم لأنه أسلوبي في عرض رؤية المعرفة والقيمة وتقديمهما للبشر لتنظيم التربية والحكم وما يترتب عليه في الانتقال من تعصب في النظر والعقد المطلقين إلى النظر والعقد الاجتهاديين و في الانتقال من تعصب في العمل والشرع المطلقين إلى العمل والشرع الجهاديين. ولا يمكن حصول ذلك من دون تصور كل اجتهاد يقتضي على مستوى الفرد الإيمان وتصور كل جهاد يقتضي في مستوى الفرد العمل الصالح ولا يمكن تحديد الإيمان في مجال النظر والعقد وتحديد العمل الصالح في مجال العمل والشرع من دون تواص بالحق في الاجتهاد وتواص بالصبر في الجهاد في مستوى الجماعة. وإذا كان ذلك حصل نتيجة لتجاوز القول بالمطابقتين في الفكر الفلسفي القديم والوسيط وفي الفكر الديني الذي حاكاه فإن تجاوزهما في الفكر الحديث ينتهي إلى تجاوز الرؤية الصراعية بين الافراد (سيد عبد في الرؤية الهيجلية والماركسية) وبين أرواح الشعوب والجماعات (هيجل) وبين طبقاتها (ماركس) وذلك في الجماعة الواحدة وفي البشرية كلها. وإذا زال الصراعان وزالت المطابقتان يكتشف الإنسان أن استعماره في الأرض واستخلافه فيها شاملان للإنسانية كلها وأن شرط الأول حماية الأرض مع حماية الإنسان وشرط الثاني التسليم بأن للإنسانية ربا واحدا وأن الخلافات في المسائل الدينية لا تحسم في عالم الشهادة وهي إذن مرجأة إلى عالم الغيب فيصبح التعايش بين الأديان شرط السلم بينهم والمشترك بينها يحدده الدين الخاتم الذي يعتبر الخروج عن هذا المبادئ هو التحريف المشترك كذلك للدين والفلسفة في آن. أبو يعرب المرزوقي 66 الأسماء والبيان
-- وهذه العناصر هي المرجعية الكونية المشتركة بين البشر والتي على أساسها تتعايش الفهوم المتعددة ليس للمبادئ التي هي المشترك بين الديني والفلسفي ومن ثم ما يتعالى على ما يختلف فيه الناس وأرجأه القرآن إلى يوم الدين لأنه من الغيب (البقرة 62والمائدة 69وحتى الحج 17الذي أضاف الشرك) بل لطرق تحقيقها وأدواته وإذن فالخلاف يتعلق بما سماه ابن خلدون مجال عدم التأثيم أو الاجتهاد السياسي (المقدمة الباب الثالث فصل ولاية العهد). وذلك هو معنى تنوع القوى السياسية التي تحسم الخلافات في الاجتهاد السياسي بمنطق عدم التأثيم للمفاضلة بين الطرق والأدوات التي تحقق بها وظائف الجماعة وقوامة الدولة عليها فيتأسس التعاون السياسي بين القوى السياسية التي تحتكم للجماعة (الشورى )38التي تختار من ينوبها في القوامة. والقوامة كما أسلفنا تتعلق بنظام التبادل والتواصل لتحقيق شروط الرعاية والحماية بالاجتهاد في النظر والعقد وبالجهاد في العمل والشرع .وهذه المهام الأربع هي التي تمثل مدار الخلافات بين البشر في نفس الجماعة وبين الجماعات وهي مادة فلسفة التاريخ وأهم مجالات البحث في فلسفة السياسة. وتلك هي مهمة السياسة من حيث هي تعمل بأجهزة تتعين في البنية المجردة للدولة وتصبح فاعلة بمن تكلفهم الجماعة لتحقيق شروط المعادلة العادلة كما تحددها المرجعية التي تميز بين ما هو من مجال الاختلاف الذي يحسم سياسيا والاختلاف الذي يرجأ إلى يوم الدين لما له مصلة بالغيب. وبذلك تتحدد خطة الكلام على المعادلة العادلة السياسية أو البنية المجردة للدولة من حيث هي بنية القوامة التي تتعلق بالرعاية والحماية اللتين وصفنا في الفصول السابقة أي الرعاية بمستويي أبو يعرب المرزوقي 67 الأسماء والبيان
-- التكوين والتموين والبحث والأعلام العلميين والحماية بمستويي الحماية الداخلية والحماية الخارجية والاستعلام والإعلام السياسيين. وتلك هي وظائف الجماعة التي ترعى نفسها وتحميها بمنظومة القوامة أو الدولة التي هي نظام من ا المؤسسات المجردة التي تتعين بمن تختارهم الجماعة ليكونوا ذوات طبيعية تنوب الذات المعنوية في القوامة وهو المستوى الثاني من كيان الدولة التي هي نظام القوامة لوظائف الجماعة: المستوى الأول :وهو كوني ولا يتغير لا في المكان ولا في الزمان إلا في تعينه وليس في بنيته المجردة: البنية المجردة وهي المستويات الخمسة التالية: .1منظومة المرجعية .2منظومة الوظائف التي تتربت عليها. .3منظومة القوى السياسية التي تمثلها الاجتهادات المتعلقة بمناهج تحقيقها وأدواتها وهي معنى السياسة. .4منظومة الحكم والمعارضة أو تقاسم ا لعمل بين القوى السياسية الحاكمة بالفعل والحاكمة بالقوة. .5وأخيرا منظومة العمل والشرع أو الدستور الذي هو العقد العرفي أو المكتوب بين الجماعة وذاتها لجعل الدولة بمستوييها المجرد والمعين أداة قوامة هذه العناصر الخمسة أي بما فيها العقد أو الدستور الذي يحدد كل هذه العناصر ومنها ذاته. المستوى الثاني وهو خصوصي وينحو إلى الاقتراب منه كونية المجرد لكنه يبقى دائما خصوصيا بحسب الثقافات والتقاليد المختلفة .تعين البنية التي هي نفس تلك المستويات التي هي أشخاص اعتباريين بعد أن تملأ بأشخاص طبيعيين فتصبح قوامة متعينة في من تختارهم الجماعة ليقوموا أبو يعرب المرزوقي 68 الأسماء والبيان
-- نيابة عنها بمهمة القوامة على الوظائف العشر (خمسة للرعاية وخمسة للحماية) ورأس القوامة وهي الوظيفة الحادية عشرة. ويمكن أن نعتبرها رئيس السلطة التنفيذية لأن التشريعية تابعة للتنفيذية باعتبارها أداة تحقيق شروط مطابقة التنفيذ للشرعية وهي عملية تأويل الدستور والقوانين ومن ثم فهي عمل علمي وفني وليست فعلا سياسيا مثل التنفيذ. ولا بد هنا من فتح قوس قبل مواصلة الكلام على العناصر الثلاثة الباقية وهو معركة الأنظمة الثيوقراطية والأنظمة الديموقراطية أو معركة السياسة تربية وحكما باسم الله (الثيوقراطيا) والسياسة والحكم باسم الإنسان (الانثروبوقراطيا). فهما يبدوان متضادين بل ومتناقضين .لكن ذلك ليس إلا ظاهرا من الأمر .فهما وجهان لعملة واحدة .وقد سميتهما الحكم باسم العجل أو الأبيسيوقراطيا. كيف أبين أن الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا وجهان لعملة واحدة رغم ظاهر التناقض بينهما أي بين الدولة الدينية والدولة العلمانية؟ وقد اضطررت لوضع هذه النظرية لما تعذر علي شرح قولي إن رؤية القرآن للدولة لا تقبل الوصف بالثيوقراطية (مثل الكاثوليكية) ولا بالعلمانية (مثل اليعقوبية). وقد تحيرت في الاسم الممكن لهذا النوع من النظام الذي ليس ثيوقراطي ولا علماني وليس مزيجا منهما كما يزعم من يتكلم عن علمانية مخففة أو ثيوقراطيا مخففة عودة إلى خرافة التعريف أبو يعرب المرزوقي 69 الأسماء والبيان
-- بمفهوم الوسط الذي عرف بكون \"لا كذا\" ولا \"ضد كذا\" أو الوسط بين شرين أو الفضيلة بوصفها وسطا بين رذيلتين. فأولا الثيوقراطيا هي حكم الإنسان للإنسان وكأن الحاكم يعبر عن إرادة الله .وهذا يعني أن بعض البشر يدعون تمثيل إرادة الله ويزعمون فهم مقاصده .وهو أمر ينفيه القرآن نفيا قاطعا. وذلك هو معنى مفهوم الغيب بوصفه مفهوما حدا واعتبار علم الإنسان اجتهادا وعمله جهادا. فيكون الحكم الثيوقراطي مبنيا على خطأ فلسفي وديني :فلسفيا القول بالمطابقتين ودينيا نفي الغيب. وثانيا الأنثروبوقراطيا هي حكم الإنسان للإنسان وكأن من ينوب الإنسان في حكمه يمثل العلم المطابق لما يصلح للإنسان بمعيار الاختصاص الفني أو بمعيار الأغلبية وهو ما يعني القول بالمطابقتين فيعود الأمر إلى ثيوقراطيا معلمنة أو مدعية العلم المحيط والعمل التام. فهي بذلك تستثني كل ما يتجاوز الاجتهاد وتلغيه من الحياة العامة معتبرة إياه مسألة شخصية فيصبح ما يتجاوز الاجتهاد والجهاد غير معتبر في حياة البشر وهو ما يعني نفس الخطأين الفلسفي والديني. وفي الحالتين يتأله الإنسان الذي بيده السلطة السياسية مباشرة أو بتأليه الطبيعة الإنسانية التي تصبح أساس ما يسمى بحقوق الإنسان الطبيعية فتكون الواجبات هي بدورها طبيعية والفرق الوحيد هو بين الإله المتعالي على الطبيعة والإله المحايث للطبيعة وكلاهما يحل في من بيده السلطة السياسية. أبو يعرب المرزوقي 70 الأسماء والبيان
-- ولما حللت هذه السلطة السياسية وجدتها في الحالتين تعود إلى غاية أداتيها في شكليهما أي: .1رمز الفعل أو العملة التي تنتقل من أداة تبادل إلى أداة سلطان على المتبادلين وتتحكم بقوة الحكم فتجمع بين رمز الفعل (ربا الأموال) والفعل (بقوة الحكم). .2فعل الرمز أو الكلمة التي تنتقل من أداة تواصل إلى أداة سلطان على المتواصلين وتتحكم بقوة التربية فتجمع بين فعل الرمز (ربا الأقوال) والرمز (بقوة التربية). وبذلك فقد اكتشفت البنية العميقة للنظامين اللذين يبدوان متضادين بل ومتنافيين إنها الجمع بين هذين التحريفين للسياسة ومن ثم للمعادلة العادلة المتعينة في الدولة من حيث هي قوامة وظائف الجماعة أي ربا الأموال وقوة الحكم للسيطرة على كيان الإنسان العضوي وربا الاقوال وقوة التربية للسيطرة على كيان الإنسان الروحي. وتلك هي علة ما يسميه ابن خلدون فساد معاني الإنسانية بحيث لن يبقى الإنسان كما عرفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" فيصبح عبدا لوصاية الحكم ولوساطة التربية ممن يقصرون الإنسانية فيهم فتصبح الإنسانية منقسمة إلى سادة وعبيد لأن البعض يصبحون بديلا من رب العباد بهذه الحيل الأربع التي ذكرناها. وهذه الحيل الأربعة لها اسم محدد في القرآن إنه \"دين العجل\" :فسميت البنية العميقة للنظامين الثيوقراطي والانثروبوقراطي الابيسيوقراطية (نظام العجل :معدنه وخواره). أبو يعرب المرزوقي 71 الأسماء والبيان
-- هل يوجد الآن اسم للنظام الذي ليس ثيوقراطيا وليس انثروبوقراطيا وليس مزيجا بتغليب الأول أو مزيجا بتغليب الثاني وليس وسطا بينهما كما يزعم من يتكلم على العلمانية المخففة .نعم وأبدأ بتعريفه السلبي :فهو يلغي ربا الأموال ويلغي ربا الاقوال. ويلغي الوساطة بين المؤمن وربه ويلغي الوصاية بين المؤمن وشأنه فيكون الإنسان \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" .والتعريف الموجب هو المقصود بالمعادلة العادلة وهي: .1العلاقة بين جزئي النساء :1ففيها قسمان .القسم الأول هو النسب الكوني (كل البشر اخوة لأنهم من نفس واحدة) ولهم رب واحد .لكن القسم الثاني هو ا لنسب الجزئي (الارحام) ولهم آلهة ما يجعلهم في واقع الامر مختلفين في المسألة الدينية :وحدة الرب وتعدد الآلهة. وهذه مسألة لا تحسم في عالم الشهادة بل القرآن يرجئها إلى يوم الدين مع الإعلان بان الدين عند الله واحد .وهو الإسلام الفطري وليس الإسلام الذي قد يعتبر أحد الاديان وليس الديني في الأديان كما هي حقيقته. .2والعلاقة بين جزئي الحجرات .13ففيها قسمان :رغم أن جميع البشر من ذكر وأنثى فإنهم شعوب وقبائل .ذلك فالتصنيف الذي يسيطر هو الشعوب والقبائل وللتغلب عليه يتضمن القرآن دعوة للتعارف معرفة ومعروفا للتحرر من التجاهل والتناكر بين الشعوب والقبائل وينفي أن يكون التفاضل بينهم بهما كما في الدنيا بل هو ينبغي أن يكون بالتقوى كما هو عند الله. أبو يعرب المرزوقي 72 الأسماء والبيان
-- .3والعلاقة بين جزئي الشورى . 38وبهذا المعنى فإن المعادلة العادلة في الترجمة السياسية لهذه المعادلة الوجودية للبشرية هي ما يترتب على المسألتين السابقتين أي على وحدة الإنسانية ووحدة الرب وعلاقة التعارف وعلاقة التقوى. فتكون المعادلة أن الذين يستجيبون للرب يكون أمر التربية والحكم أمر الجماعة تديره بالشورى بينها من أجل جعل الرزق شرط العيش السلمي المشترك بالإنفاق منه واعتباره هبة من الرب. .4والعلاقة بين جزئي فصلت 53وجزئي آل عمران . 7لكن ذلك مشروط بتحقيق ما تطلبه فصلت 53والتخلص مما يحرفها كما ذكرت آل عمران .7فلا يمكن للإنسان أن يعمر الأرض إذا لم يقم بالبحث العلمي ليرى آيات الله في الآفاق وفي الانفس ولم يتخلص مما نهت عنه آل عمران 7أي مما يؤدي مرض القلوب وابتغاء الفتنة. وذلك باعتماد تأويل الآيات القولية دون إحالة إلى عالم الشهادة أو بإحالة ترد عالم الغيب إليه بمنطق قيس الغائب على الشاهد وخلطا بين الغيب والغائب بدلا من البحث في الآيات الوجودية التي حددتها فصلت 53أي الطبيعة والتاريخ وكيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي. وذلك من حيث هي من عالم الشهادة دون وهم الوصول إلى عالم الغيب الذي هو ما تسميه آل عمران 7بعالم المتشابه باعتبار تأويله يعتمد على التشبيه بعالم الشهادة ورده إليه خلطا بين الغيب والغائب. .5وكل ذلك على أساس مضمون سورة العصر والتمييز بين ما يقبل الاجتهاد والجهاد وما لا يقبله أي التمييز بين مهمتي الإنسان في عالم الشهادة وما يرجأ إلى عالم الغيب ويتعلق بما أبو يعرب المرزوقي 73 الأسماء والبيان
-- في سريرة الإنسان وراء أفعاله الظاهرة .فسورة العصر تعتبر الجزء الثاني من كل هذه الأبعاد الخمسة هو الخسر والاستثناء منه. فيكون الاستثناء منه بالنسبة إلى الفرد بالإيمان (الاجتهاد في النظر والعقد) والعمل الصالح (الجهاد في العمل والشرع) ويكون بالنسبة إلى الجماعة بالتواصي بالحق (الاجتهاد في النظر والعقد) وبالتواصي بالصبر (الجهاد في العمل والشرع) .وتلك هي المعادلة العادلة أو السياسة الإسلامية في التربية تكوينا وتموينا والحكم قوامة للرعاية والحماية. ولا يوجد اسم آخر غير الإسلام بدلالتيه أي السلام الكوني في التعمير والاستخلاف في عالم الشهادة ترك عالم الغيب حسم الخلاف فيه إلى يوم الدين .فيترتب على ذلك تحديد البنية الكونية للقوى السياسية التي تعمل بهذا المنطق سواء غلبت الوجه الأول من هذه المستويات الخمسة. أي الكونية الإنسانية والتعارف ورئاسة الإنسان وقوامته على نفسه تربية وحكما ورؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس والعمل بشروط التحرر من الخسر .وتلك المبادئ لا يوجد من ينكر أنها صريحة في القرآن. فيكون عملها بمقتضى المعادلة العادلة أو السلم الكونية بين البشر وبينهم وبين عالم الشهادة الذي يبقى مشرئبا لعالم الغيب فلا يطغى فيه أحد على أحد بل الكل تبقى فيهم معاني الإنسانية سليمة. لكن ذلك لا يلغي وجود المستوى الثاني منها بمعنى الخصوصية الإنسانية والتناكر وسيادة الإنسان القيم على غيره تربية وحكما وتأويلا لآيات النصوص بدل رؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس. أبو يعرب المرزوقي 74 الأسماء والبيان
-- وهو ما يؤدي إلى عدم العمل بشروط التحرر من الخسر فتفسد معاني الإنسانية فيكون العمل بالمعادلة الظالمة وتصبح الإنسانية في حرب أهلية كونية بينهم ثم بينهم وبين عالم الشهادة لأنهم فقدوا الاشرئباب لعالم الغيب فيطغى المألهون في المعرفة وفي القيم ويخلد الإنسان إلى الأرض. وبذلك تتألف القوى السياسية من حديين أقصيين كلاهم ينتهي إلى نوعي المعادلة الظالمة التي تفصل بين بعدي الإنسان كما بينا في كلامنا على المعادلة الوجودية أي كونه مستعمرا في الأرض وفي علاقة بالطبيعة وما بعدها ومستخلفا فيها وفي علاقة بالتاريخ وما بعده والمابعدان هما ما يحيل إلى المابعد المطلق أو الربوبية وعلاقة عالم الشهادة بعالم الغيب: .1أعني من لا يعترف إلا بالاستعمار في الأرض من دون الاستخلاف فيها :الرؤية الدهرية الخالصة. .2ومن لا يعترف إلا بالاستخلاف فيها من دون الاستعمار في الأرض :الرؤية الصوفية الخالصة. لكن الجمع بين البعدين له وجهان كذلك: .1من يقدم الاستعمار في الأرض ويجعل الاستخلاف تابعا له ليكون الثاني في خدمة الأول وهي الرؤية تجعل القيم المتعالية تابعة للقيم المتدانية أو التي تقصدن ا لروحي فتكون الكرامة والحرية تابعتين للاستعمال والتبادل. أبو يعرب المرزوقي 75 الأسماء والبيان
-- وتلك هي الرأسمالية المعدلة لعلة اقتصادية سياسية :الحاجة إلى توسيع رقعة المستهلكين والحاجة إلى توسيع قاعدة الناخبين للقوة السياسية التي تريد الحكم. .2من يقدم الاستخلاف ويعدل الاستعمار في الأرض تابعا له ليكون الثاني في خدمة الأول وهي الرؤية التي تعكس فتجعل القيم المتدانية تابعة للقيم المتعالية والتي تروحن الاقتصادي فيكون الاستعمال والتبادل تابعين للكرامة والحرية. .3وتلك هي الاشتراكية المعدلة لعلة خلقية وسياسية :الحاجة إلى توسيع رقعة المتآخين والمتعارفين والحاجة إلى توسيع قاعدة الناخبين للقوة السياسية التي تريد الحكم. .4ويوجد بين هذه القوى الأربعة قوة مترددة بينها جميعا وفيها من هو أميل لواحدة منها لكنه انتهازي يتبع الغالبة في كل الحالات ومن ثم فالقوى السياسية التي تتألف من الجماعات المعبرة عن إرادة شعب من الشعوب. تلك هي هذه التأويلات الخمسة الممكنة عقلا ودينا للتعبير عن تأويلات المرجعية السائدة في الجماعات البشرية كلها والتي بمقتضاها تتكون نظرية الدولة وبوصفها التجسد الفعلي للمعادلة. سواء كانت عادلة كانت أو ظالمة وضمنها تتعين نظرية نظام الحكم الذي يعين كيفية ملء خانات المعادلة أو تعيين القيمين الذين ينوبون ا لجماعة في نقل البنية المجردة للدولة إلى بنية معينة. أبو يعرب المرزوقي 76 الأسماء والبيان
-- فتكون فيها البنية المجردة نظام المؤسسات الكونية التي هي عين ما يكلف بقوامة وظائف الجماعة العشرة والسلطة التنفيذية التي ترأسها وهي مؤلفة من ذوات طبيعية تكلف فرض كفاية نيابة عن كل الذوات الطبيعية. أي أفراد الجماعة بتوسط انتخابهم لتمثيل الذوات الاعتبارية التي هي كل مؤسسات الدولة. وبذلك نصل إلى آخر عناصر المعادلة العادلة أو الظالمة وهي الدستور الذي له خمسة موضوعات هي: .1المرجعية وقد تكلمنا فيها وهي أهم شيء لأنها تحدد شروط العيش السلمي المشترك. .2وظائف الجماعة وما يناظرها من قوامة الدولة وفيها مجلة الحقوق والواجبات .3القوى السياسية وفيها تنظيم الأحزاب التي تمثل إرادة الجماعة ورؤاها وقيمها. .4أنظمة الحكم وتمثل القوى السياسية التي تنوبها الجماعة للحكم والمعارضة باسمها. .5الدستور يحدد بشكل ذاته تعاقدي بين الجماعة في ما بينها ثم بينها وبين الدولة في بنيتها المجردة وفي تعينها النظامي ويحدد بقية الأبعاد وهي اثنان قبله (المرجعية والقوى السياسية) واثنان بعده (الوظائف وأنظمة الحكم). أبو يعرب المرزوقي 77 الأسماء والبيان
-- أنهينا البحث النظري الخالص من منطلق المشترك بين الفلسفي والديني -في الإسلام -بعد تحريرهما من القول بالمطابقتين وبوحدة العالم حصرا في عالم الشهادة وتسلمينا بأن عالم الشهادة متضايف دائما مع عالم الغيب أو ما لأجله يمتنع القول بالمطابقتين في المعادلة العادلة. ولم يبق إلا البحث في تاريخ المعادلة العادلة وسنن الانتقال إليها من المعادلة التي تكون في أدنى حدود العدل ثم ترتقي إلى أن تصل إلى الممكن منه للإنسان المجتهد في النظر والعقد والمجاهد في العمل والشرع باعتباره مستعمرا في الأرض ومستخلفا فيها. وسأدرس تطور المعادلة في الإسلام من خلال تعينها في الدولة التي اعتبرها قريبة جدا من الشكل الأمريكي الحالي في مستويي ترجمتها السياسية التي تصبح دولة وفي ذلك علاقة تاريخية تعود إلى تكوين أمريكا الحالية أولا وإلى طبيعة الإصلاح الديني الذي فيه الكثير مما يدين به إلى محاكاة الإسلام: من حيث نظام البنية المجردة أو معادلة المؤسسات التي تمثل عودة الجماعة على نفسها لتكون صاحبة القوامة عليها .ومن حيث نظام تعيين البنية المجردة أو معادلة اختيار من يقوم بفرض الكفاية السياسية أعني نظام القوى السياسية ونظام سياسة الشأن العام حكما ومعارضة للقوامة. والقوامة غير الوظائف التي لا تكون بيد الدولة بل بيد الجماعة بمعنى رفض الدولة الحاضنة التي تمثل عين الاستبداد بالأرزاق المادية والروحية .لكن هذه القرابة بين المسار المؤدي إلى الممكن من المعادلة العادلة في النظام الأمريكي وفي النظام الإسلامي فيها اختلاف جوهري يتعلق بأمرين: أبو يعرب المرزوقي 78 الأسماء والبيان
-- بالتراتب بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها بمعنى أن النظام الأمريكي دون المطلوب في تعديل الرأسمالية ولم يفهم بعد التراتب المقابل الذي يقول به الإسلام حتى وإن لم يطبقه المسلمون. وقد ازدادوا تخليا عنه بمحاكاة ما يسمى بالدولة الحديثة الحاضنة التي لا تختلف عن الاستبداد بالأرزاق المادية والروحية .لكنه ينحو إلى التعديل رغم المحافظة على تقديم الاستعمار على الاستخلاف بمعنى أن القيمتين المتعاليتين تابعتان للقيم المتدانية. والعلة هي المرجعية التي ما تزال لا تقول بما يترتب على النساء 1والحجرات 13والتي ما تزال تقول بالمطابقتين بمعنى أنها لا تعترف بما يتعالى على سلطان الإنسان فتتوهم أن العلم والتقنية يمكن أن يجعلا الإنسان ربا وهو ما أدى إلى التلويثين تلويث الطبيعة وتلويث الثقافة. ولعل كورونا مناسبة للمراجعة في أمريكا. أكاد أجزم أن الإنسانية بعد هذه الجائحة ستكتشف بخلاف \"سخرية الحمقى\" من نخب العرب الحداثية أن الإسلام هو الحل للعولمة التي تفهم طبيعة التضايف بين الوجودين في عالم الشهادة وفي عالم الغيب في كيان الإنسان وأن أي اخلال به اخلال بالمعادلة العادلة التي هي شرط صلاح معاني الإنسانية. صحيح أن بداية الجائحة تبدو مؤدية إلى عكس ما أتوقع أعني أن الانغلاق والانانيات الوطنية تسيطر في البداية. أبو يعرب المرزوقي 79 الأسماء والبيان
-- لكنها ستفشل لأنها ستدرك أن غلق الحدود لن يقدم الحل لأن الكوني ينبغي أن يكون في الحل كما هو في المشكل. فمثلما أن الجائحة لا تعترف بالحدود السياسية والعرقية والثقافية والطبقية فإن الحل ينبغي أن يتخلص منها جميعا مثلها ليكون العلاج في مستوى الداء وعندما يصبح اخلاق الجماعة الإنسانية كلها فإنه يتحول إلى وقاية وذلك هو الحل القرآني. وهذا ما أنا متأكد منه وأتوقعه قريب التحقق :عودة الإسلام إلى التاريخ ستكون كونية وعولمة جامعة بين شروط الاستعمار في الأرض وقيم الاستخلاف فيها كما حددهما القرآن .وقد لا يحصل في حياتي .لكنه سيحصل حتما لأنه هو معنى شهادتنا على العالمين. القسم الثان اخترت أن تكون المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية لعلتين: أولا لأنها صارت رمز العولمة المادية المتوحشة .ومن ثم فهي غاية ما يمكن أن تبلغه هذه العولمة أو قمة الفساد في الأرض وسفك الدماء .وكل تغير بعد الكارثة سيعير بالقياس إليها. وفي مقابل ذلك يمكن اعتبار ما وصلت إليه الأمة من ترد هو الوجه الثاني من العولمة أو وجهها السالب بمعنى أنها رهان صراع المتحكمين في العولمة الموجبة الذين يعتبرونها مجال الاستباحة التامة والغنيمة الأساسية لمن يريد أن يبقى سيد العالم بنفس العولمة المتوحشة. أبو يعرب المرزوقي 80 الأسماء والبيان
-- فالسلطان على العالم يكون لمن يتمكن من السيطرة عليها والاستفراد بها بسبب ما فيها من شروط لا توجد في غيرها من النواحي المتعلقة بالثروات وبالتراث وخاصة بالمنزلة الجيواستراتيجية بين العالمين الغربي والشرقي. ويمكن القول إن الصين لن تستطيع منافسة أمريكا ما لم تتمكن من إخراجها من دار الإسلام التي تمتد من اندونيسيا إلى المغرب وما لم تصل إلى العالم القديم وهو المغزى من طريق الحرير. وكل من يفرح بصعود الصين شماتة في أمريكا اعتبره لا يفهم الاخطار التي تتهدد الإنسانية لو لا قدر الله حصل ذلك .فالإنسانية ستنكص إلى ما قبل أساسي الحضارة الإنسانية ذات الطابع المتعالى على الحيوانية ببعديها الفلسفي والديني وهما نبعا الفكر الإنساني الذي يسعى إلى المعادلة العادلة حتى وإن لم يصل إليها بعد. أما العلة الثانية فقد أشرت إليها في خاتمة الفصل السابق وهي وجوه الشبه الشكلية الكثيرة الناتجة عن مقومات النظام السياسي الذي يملأ خانات البنية المجردة للدولة .ولكن مع الهدف الضديد الذي لا يمكن فهمه من دون وصله بالإصلاح المسيحي في علاقة بتأثير الصراع بين الحضارتين العربية الإسلامية واللاتينية المسيحية التي أدت إلى أخذ الثانية من الأولى مع تحريف ما استوحي منه ليتماشى مع تحريفها الذاتي أي: .1دين العجل الذي هو البنية المشتركة بين ما كانت عليه الأنظمة الثيوقراطية الغربية الوسيطة وما صارت عليه الأنظمة الانثروبوقراطية الغربية الحديثة. أبو يعرب المرزوقي 81 الأسماء والبيان
-- .2والمطابقتين كما تعينا في الايديولوجيتين الناتجتين عن غاية الفلسفة الوسيطة الموروثة عن الفلسفة القديم ثم الناتجتين عن غاية الفلسفة الحديثة بقراءة هيجلية أو بقراءة ماركسية. ويمكن أن نعتبر النقاش الذي دار حول ما يسمى بالمسالة السبينوزية وخاصة بداية من لاسنج إلى نهاية النقاش بين كنط وابن مندل ويعقوبي في سياق المثالية الألمانية اللحظة الفاصلة بين محاولات التخلص من دين العجل والمطابقتين بمعناهما القديم (الافلاطوني الارسطي) التي بلغت ذروتها في محاولة كنط والعودة إليهما في نقد المثالية الألمانية للحلين الكنطيين المتعلقين برفض المطابقتين ودين العجل إذ هو وضع ولو في شكل اعتبره هيجل يتوبيا نظرية السلم العالمية. ولذلك فكل من يتصور ما يجري حاليا بين المسلمين والولايات المتحدة وبين هذه والصين في علاقة بهدف السيطرة على شروط التحكم في نظام العالم ومنزلة دار الإسلام في هذه المعركة كل من يتصور ذلك من الصدف لم يدرك هذين الأمرين اللذين لهما أبعاد جوهرية. وذلك في المرحلة الفاصلة بين نهاية العصر الأوسط وبداية العصر الحديث تاريخيا في النظر والعقد وفي العمل والشرع (المطابقتان) وفي الاستعمار في الأرض وفي الاستخلاف فيها لا يمكن أن يعتبر مدركا لما بين هذين المهمتين وتلكما الأداتين. وإذا غابت عنه أهمية المهمتين وأهمية الأداتين فإنه لا يمكن أن يفهم هذا الفصل الذي يقارن بين مسار السعي إلى المعادلة العادلة فيهما والقصد من الكلام على أن الإسلام سيكون الحل الكوني لإخراج البشرية من العولمة التي تقدم الاستعمار في الأرض على الاستخلاف أبو يعرب المرزوقي 82 الأسماء والبيان
-- وذلك باعتبار الأداة غاية والغاية أداة وتفهم أن النظام الإنساني لن يصل إلى المعادلة العادلة من دون النظام المقابل الذي يجعل الاستعمار في الأرض تابعا للاستخلاف فيها حتى يتحرر الإنسان من الفساد في الأرض وسفك الدماء برمزية القصة المتعلقة بأهليته. ولهذه الإشكالية علاقة متينة بالمرحلة التي حسمت فيها المعركة التاريخية لصالح الغرب بسبب ما حل بأمة الاسلام من انكماش سأحاول شرحه .فقد حكم أهم تغيير غربي بتأثير واضح من الحضارة الإسلامية في ما قبل الإصلاح الديني (النظام الثيوقراطي تربية وحكما) وخلاله (التخلص من النظام الثيوقراطي). فكانت حروب دينية وتحديثية غيرت أهم مؤسستين انبنت عليها الحضارة الغربية التي نتج عن تغييرها النظام الاقتصادي والنظام الثقافي ومن ثم كل الثورات التي عرفها الغرب :والنتيجة هي الانتقال من الثيوقراطي إلى الانثروبوقراطي نقلة كان لا بد أن تتم بفضل دور البنية العميقة المشتركة بينهما والتي هي النظام الابيسوقرطي. فالإصلاح من حيث هو معركة بين إرادة الكنيسة مواصلة حكم أوروبا ومحاولة شارل الخامس استعادة قيصرية جديدة تصلح الكنيسة وتحيد دورها السياسي في صراعه مع الخلافة العثمانية التي كان يقود ضدها حرب الاسترداد في البحر الأبيض المتوسط وحرب الصمود في أوروبا الشرقية. وذلك لكونه ممثلا للغرب الكاثوليكي وممثلا لبداية أوروبا البروتسنتينة (لجمعه للنسبين الاسباني والألماني) بدأ الصلح بين المسيحية واليهودية وجعل الرؤية التوراتية مقدمة على رؤية أبو يعرب المرزوقي 83 الأسماء والبيان
-- الأناجيل التي أعيدت قراءتها في ضوء الأدبيات اليهودية والتي وقع فيها الانتقال من النزعة الدفاعية إلى نزعة الغزو في العلاقة بالعالم. لكن ذلك لم يجعل ألمانيا تصبح مركزا متقدما في عملية التحديث السياسي والعلمي والفلسفي بل ظلت ألمانيا متخلفة عن فرنسا وانجلترا وحتى اسبانيا إلى بدايات القرن الثامن عشر لأن الحروب الدينية انهكتها وحصول هجرة الإصلاحيين إلى أمريكا خاصة بحثا عما يسمونه الأرض الموعودة الجديدة .ولما كان الإصلاح متأثرا بالإسلام من حيث الحد من سلطان الكنيسة في الوساطة بين المؤمن وربه في التربية والحد من الحكم بالحق الإلهي في الوصاية على المؤمن وشأنه. وذلك مع التأثر بالتوراة وعقيدة شعب الله المختار واعتبار بقية البشر جوهيم وخدم للشعب المختار فإنه قد جمع بين الشكل الإسلامي في التنظيم السياسي والمضمون اليهودي في المرجعية فكان جمعا بين تحريف المسيحية باليهودية وتحريف الإسلام بهما معا في آن بحيث إن المآل كان ينبغي أن ينعكس الأمر بين الاستخلاف والاستعمار في الأرض فيكون الأول في خدمة الثاني. وذلك هو معنى توسط دين العجل بين أوروبا التي كانت شعوبها تربى وتحكم بالثيوقراطيا على أوروبا التي ستصبح تربى شعوبها وتحكم بالانثروبوقراطيا .وما بنيت عليه أمريكا هو دين العجل الذي يتجلى فيه التدين الشعبي والاخلاد إلى الأرض في آن مع تحول الفتح الإسلامي إلى غزو استئصالي بمنطق إيديولوجيا الغزو العبري. غزو أرض فلسطين كما في ما تقصه التواره من ضرورة افناء الشعوب شيبا وشبابا ذكورا وإناثا وأطفالا ورضعا .ولعل الفرق بين أمريكا التي سيطر عليها من مروا بالإصلاح الديني وأمريكا أبو يعرب المرزوقي 84 الأسماء والبيان
-- التي سيطر عليها الكاثوليك بين في هذه السياسة :الغزو الكاثوليكي كان أقل استئصالا من الغزو البروتستانتي. ولما كان الإسلام هو النقيض المطلق لدين العجل كما بينا وكان ضد عقيدة شعب الله المختار وكان الفتح لا يتضمن استئصالا للشعوب التي تفتح بلادها بل هي إن لم تسلم تبقى تحت حماية الدولة الإسلامية مع دفع الجزية وإذا أسلمت تصبح هي التي تحكم بلادها كما هو بين من تاريخ الإسلام بل وتصبح من أهم بناة حضارته والفاتحين لغيرهم من الشعوب مبشرين بالإسلام بنفس الرؤية. لكن سأنشغل به هنا ليس هذا الوجه رغم أهيمته لتأصيل العلاقة بين ما يجري حاليا وما جرى في غاية العصر الوسيط الأوروبي وبداية العصر الحديث. ما يعنيني هو الوجه الثاني الذي يتعلق بالمعادلة العادلة وتكوينيتها خلال التطور التاريخي لتعين البنية المجردة التي بينت أنها فوق التاريخ لأنها من جوهر وجود الجماعات الإنسانية .وإذن فالمشكل هو تطور الشكل السياسي لنظام تعيين القيمين على وظائف الجماعة بملء الخانات التي تتألف منها البنية المجردة الكونية للدولة. فتحديد مضمون المرجعية ومضمون وظائف الجماعة العشرة والقوى السياسية ونظام الحكم والدستور هو المقصود بملء بنية الدولة المجردة بالقوامة التي هي نظام الحكم والذي يشبه الشكل الإسلامي من شبه النقيض للنقيض. أي إنه يقلب العلاقة بين الاستخلاف والاستعمار في الأرض حتى لا يكاد يبقي إلا على الاستعمار في الأرض في حين أن ما حصل في الإسلام كان لا يبقي إلا على الاستخلاف في الأرض .ولما كان ذلك يعني أن مطلق الحدين الأقصيين فهما متقابلان تقابل الفاعل والمنفعل. أبو يعرب المرزوقي 85 الأسماء والبيان
-- فمن يفقد شروط الاستعمار في الأرض يصبح تابعا للمتمكن منها فيصبح الاستخلاف عنده شبه تخل عن الدنيا وشبه خلط بين الفقرين الفقر إلى الله والفقر إلى من يعوضه في الدنيا وهي العبودية للقوة لقوة محتلة سواء كانت مباشرة أو بتوسط عملاء من الجماعة. ولا يمكن أن أتكلم على تكوينية هذه المضمونات من دون أن أشرح العناصر التي تحدد هذا التعيين :فمن يملأ خانات هذه البنية المجردة أو مؤسساتها الخمسة (المرجعية والوظائف والقوى السياسية والحكم والدستور) لا بد له من أن يعتمد على مقومي الفعل السياسي اللذين ردهما الفكر السياسي الإسلامي في المدرسة النقدية إلى عاملين متلازمين لا بد من قدر منهما مع تغالب بين دوريهما: الأول هو الشوكة وهو علة الحاجة إلى الحكم :لأن الوازع الذاتي لا يكفي لتحقيق السلم بين البشر بتحقيق القدر الممكن من العدل أو للتقليل من الظلم. الثاني هو الشرعية وهو علة بقاء الحكم :لأن الوازع الأجنبي لا يكفي إذا لم يستند إلى الوازع الذاتي الذي يعترف بشرعية استعمال القوة إما من أجل العدل أو من أجل التقليل من الظلم. والمقابلة بين الشرعية والشوكة في السياسة تنطبق على اصناف القيم الخمسة: فهي في الإرادة تميز بين شرعية الحرية وشوكة الضرورة في سلوك الإنسان الناقل من الموجود إلى المنشود .وتميز بين المعرفة الصادقة والمعرفة الكاذبة ليس في المطابقة مع الموضوع بل مع ولاء الذات للحقيقة ورفضه الباطل. أبو يعرب المرزوقي 86 الأسماء والبيان
-- ثم هي تقابل الخير والشر في القدرة لأن القادر على تحقيق إرادة على علم يمكن أن يريد بها الخير أو الشر .ثم هي تميز بين الحسن والقبح في الذوق فتميز بين ما ينمي روح الإنسان وما يضعفها وهو المعيار الاساسي في تحديد الفنون الجميلة .وهي أخيرا تميز بين الرؤية الساعية إلى الكرامة والجلال والرؤية التي تحط من الكرامة وتنمي الإذلال. وهذه القيم بمقابلاتها تتعين في السياسة التي تحرر القيم المتعالية من ردها إلى قيمتي الاقتصاد أي الاستعمال والتبادل لأن الإنسان عندئذ يتحول إلى أداة ولا يبقى غاية وذلك هو داء العولمة التي تتبع دين العجل وهو ما يتنافى مع المعادلة العادلة التي نبحث عن شروط تحقيقها .وذلك هو المشترك بين الفلسفي والديني وهو جوهر القرآن الكريم. وقد استعمل ابن خلدون هذين المعيارين-الشرعية والشوكة -لتحديد أصناف الدول ويقصد أنظمة الحكم وأعمارها لكنه لم يستعمله معيارا واضحا للتاريخ حتى وإن جاز لنا اعتبار تحديد الاعمار به فيه شيء من استعماله معيارا للتاريخ .لكن لما كان ابن خلدون لا يميز بين الدولة من حيث هي بنية مجردة وبين أنظمة الحكم من حيث هي ضروب تعيين القوامة فيها بتعيين القيمين عليها فإن عدم توضيح ذلك في المقدمة كان أمرا طبيعيا. ونحن هنا نستكمل ذلك فنحاول بيان التكوينية من خلال استعمال ما بين هذه العاملين من دور بالترتيب وخاصة بالوصل والفصل بينهما في مراحل تطور نظام ملء البنية المجردة للدولة التي هي كما أسلفت ثابتة لا تتغير لأنها عين وظائف الجماعة الخمسة أي المرجعية والوظائف والقوى السياسة والحكم والدستور. أبو يعرب المرزوقي 87 الأسماء والبيان
-- سأبدأ بالقول إن تاريخ هذا التطور لا يمكن أن يكون شاملا لدار الإسلام إلا ما بين تكون دولة الإسلام الواحدة ونهاية وحدتها بعد سقوط دولة بني أمية أي قرن وخمس القرن .لكن حتى اتخلص من هذه الصعوبة ساقصر التاريخ الذي أقدمه بهذين المعيارين على ما يمكن اعتباره المركز أي أطول خلافتين بعد الدولة الواحدة أعني الخلافة ا لعباسية والخلافة العثمانية .وطبعا فهذا فيه الكثير من التحكم. لكن إذا كان القصد الكلام بالعينة على التعيين فإن العينة في هذه الحالة كافية لأن الخلافتين العباسية والعثمانية تمثلان ما يعدل 12قرنا من 13قرنا باعتبار القرن الأخير لم تبق فيه خلافة وما يزيد عن 14قرنا هو ما يعدل عهد الراشدين وعهد الرسول الخاتم .وإذن فالعينة كافية وهي تشمل أطراف المركز .فتكون المراحل بهذه الصورة قابلة للتحديد على النحو التالي: مرحلتا النشأة الأولى :الجمع بين الشرعية والشوكة مع خضوع الثانية للأولى :حكم الرسول ثم الخلفاء الراشدين وبدأ تآكل الشرعية الأمر الذي انتهى باغتيال عثمان. .1مرحلتا الخلافة الأموية :محاولة الجمع بين الشوكة والشرعية مع خضوع الثانية للأولى ثم فقدان الشوكة وبقاء شرعية عزلاء (الدولة الاموية) :سقوط الدولة الاموية الشرقية التي كانت تمثل المركز والتي كل ما أتى بعدها يفيد التفتت المتدرج لدولة الإسلام. ولعل محاولات هارون الرشيد التواصل مع شارلمانيو كان أول خيانة للإسلام لأنه لم يتواصل معه إلى بنية الحلف ضد الدولة الأموية الغربية .وكل من يفاخر بهدايا الرشيد لشارلمانيو يتغافل عن هذا الدور الخياني الخطير. أبو يعرب المرزوقي 88 الأسماء والبيان
-- .2مرحلتا الخلافة العباسية :نفس ما حدث للأموية لكن التفتت بلغ الذروة وخاصة بعد تولي أبناء هارون الرشيد وسيطرة الأمهات العربية والفارسية والتركية وتحول الخلافة إلى مجرد سلطة رمزية يحكمها العربي ثم الفارسي ثم التركي. ويكون ذلك إما عن طريق العصبية أو الإدارة أو الجيش إلى أن صارت شبه كنفدرالية رمزية عديمة الوحدة الفعلية لأن كل ولاية صارت سلطنة لا تدين للخليفة إلا ببعض الرموز وخاصة الشعائر مثل دعاء الجمعة .لكن الشريعة بقيت واحدة في الكثير من تنظيم الجماعة. وقد مرت بين النشأة الأولى وهذين المرحلتين والمرحلتين اللتين ستليانها قبل البداية الثانية أو الاستئناف مرحلة تمثل الفوضى العارمة في المركز الذي سقط وتعدد الخلافات فيه (السنية والشيعية) من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الحروب المغولية ونشأة الخلافة العثمانية التي بدأت مع أخذ الرمز من المماليك أي في نفس اللحظة التي بدأ فيها الإصلاح في أوروبا. .3مرحلتا الخلافة العثمانية :محاولة الجمع بين الشوكة والشرعية (السلطان صار خليفة) ثم شرعية عزلاء لما صارت الولايات شبه مستقلة ولم تبق للخليفة إلا الشرعية لما أصبحت الرجل المريض .وهي أيضا مرت بما مرت به الخلافة الاموية ثم العباسية وتم تهديمها تقريبا بنفس العوامل أي الصراعات الداخلية والغزو الخارجي. .4فقدان الشوكة والشرعية وهي المرحلة الحالية في تاريخ الأمة والتي دامت منذ سقوط الخلافة العثمانية إلى الآن .لكن هذه الحالة على سلبيتها تمثل أملا كبيرا للمستقبل لأنها مصحوبة بالوعي بفقدانهما نوعين من الوعي فعلي ورمزي: أبو يعرب المرزوقي 89 الأسماء والبيان
-- فرمزيا اغلب المسلمين يعتبرون المرحلة الأولى هي المثال الأعلى. وفعليا كل المسلمين يشعرون فعلا بأنهم لا حول لهم ولا قوة من حيث الشوكة. وأهم شيء يؤلم المسلمين هو البحث عمن يمكن أن يوحد المسلمين اليوم. ولعل الكثير من المسلمين يأملون أن تستعيد تركيا دورها لكن ذلك يبدو صعب المنال إذ رغم أن تركيا تبدو تعيش هذا الطموح لكن الشعب التركي نفسه ليس بعد مقتنعا بذلك. .5مرحلتا الاستئناف أو النشأة الثانية :وهي ما أتوقعه .فالعولمة الإسلامية التي تكون فيها مهمة الاستعمار في الأرض تابعة لمهمة الاستخلاف هي العولمة التي تحتاج إليها الإنسانية والتي يمكن أن تصلح العولمة الأمريكية لأن أمريكا من دوننا ستنتصر عليها الصين. ولا يمكن أن تنجو الإنسانية من دون حلف بين المسلمين وأمريكا لتجنيب الإنسانية العولمة الصينية التي لو تمت لكانت أفسد ألف مرة من العولمة الأمريكية لأنها لا تعترف لا بالإنسان ولا بالله :لا من منطلق المنبع الفلسفي ولا من منطلق منبع الأديان المنزلة. وسأنطلق من تحليل ابن خلدون لنظام القوامة الذي ملأ خانات الدولة في غاية المرحلة الوسطى التي عاصر بدايات نهايتها (في الثلث الأخير من القرن الرابع عشر وقبيل نهاية حروب المغول في موجتها الثانية) بشكلها الذي قلت إنه الشكل الذي بني على علاقة الشوكة والشرعية بالفصل بينهما فصلا جعل هذه للخليفة وتلك للسلاطين مع تحديد المشترك وغير المشترك منهما. والعرض الخلدوني للخطط هو الذي جعلني اعتبر ما بين الشكلين الإسلامي والأمريكي من وجه شبه شكلي يبين أن تكوينية القوامة ليس وليد الصدف بل إنه له بنية كونية هو بدوره دون نفي أبو يعرب المرزوقي 90 الأسماء والبيان
-- الخصوصيات .فنظام القوامة الإسلامية له عدة وجوه شبه بنظام الولايات المتحدة الأمريكية مع بعض الفروق علتها كما بينت دور العلاقة المطابقتين. وكذلك دور علاقة الاستعمار بالاستخلاف في الأرض العلاقة التي جعلت الثاني تابعا للأول بسبب ما بينت حول دور دين العجل .وقد خصص ابن خلدون الفصل الحادي والثلاثين من الباب الثالث بعنوان في الخطط الدينية الخلافية وميز بين الدورين نيابة عن صاحب الشرع: .1حفظ الدين بمقتضى التكاليف الشرعية التي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها (التكاليف الشرعية هي ما يأمر به الدين في القرآن والسنة وما يترتب عليها من مكملات في التصور والتنفيذ). .2سياسة الدنيا بمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري (مع ملاحظة أنه لم يذكر الاجتماع الإنساني والسكوت عن ذلك له دلالة عميقة سنعود إليها). وعلق بخصوص سياسة الدنيا بمقتضى رعاية مصالح الناس في العمران البشري بالقول: \"وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت وقدمنا أن الملك وسطوته كاف في حصول هذا المصالح .نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالأحكام الشرعية لأنه أعلم بهذه المصالح .فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعها. وقد ينفرد إذا كان في غير الملة .وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة. وهي تتعين خططا وتتوزع على رجال الدولة ويحسن قيامه بسلطانه .وأما المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا أبو يعرب المرزوقي 91 الأسماء والبيان
-- للخلفاء الإسلاميين .فلنذكر الآن الخطط الدينية المختصة بالخلافة ونرجع إلى الخطط الملوكية السلطانية\". النوع الأول من التمييز بين الخطط القابلة للفصل بين الشرعية والشوكة. .1الخطط الدينية الخالصة وهي تابعة للخليفة. .2الخطط السياسية الخالصة وهي تابعة للسلطان. النوع الثاني من الخطط المشتركة لأن الفصل بين الديني والسياسي ممتنع. .3وفيها الشوكة المحتاجة إلى الشرعية: .4وفيها الشرعية المحتاجة إلى الشوكة: .5أصل وحدة هذا التعدد :كيان الإنسان الفرد والعلاقة بين الأفراد في نفس الجماعة ثم بين الجماعات في المعمورة .وإذن فيمكن الكلام على شرعية ذات شوكة وشرعية عديمة الشوكة وشوكة ذات شرعية وشوكة عديمة الشرعية. ولا بد كذلك من التمييز بين نوعين من الشرعية لئلا نتصورها دينية فحسب إذ إن ابن خلدون في تصنيفه للأنظمة تكلم على الشرعية الناتجة عن أداء النظام وظائف القيامة وهو ما سماه مصالح العمران والتي ينسب إليها طاعة المواطنين بخلاف الشرعية الدينية التي تضيف إلى طاعة المواطنين للحاكم شرط طاعته هو لحاكم الحاكمين أي الشرعية الدينية. وهو يعتبر الملك قابلا لأن يكتفي بشرعية مصالح العمران لكنه يصبح أتم إذا أضاف شرعية مصالح الآخرة .ونفس الشيء بالنسبة إلى الشوكة .فيمكن أن تستمد الشوكة شرعيتها من مصالح العمران وحدها أو منها مع شرعية ما يتعالى عليها. أبو يعرب المرزوقي 92 الأسماء والبيان
-- وتلك العلة في ما حصل عندما أصبح الفصل بينهما في المراحل التي تكلمنا عليها أمرا مفهوما ما جعل القوامة ذات مستويين أولهما فيه الفصل والثاني لا فصل فيه .وهذا هو معنى التمييز بين خطط الخلافة وخطط السلطة. ووجه الشبه الشكلي مع الولايات المتحدة مع عكس الترتيب بين أساسي الشرعية هو عندما يقع الوصل بين الشوكة والشرعية مع عكس الترتيب في القوامة الإسلامية :أي بتقديم مصالح العمران على مصالح الآخرة أو الاستعمار في الأرض على الاستخلاف قد يصبح مطلقا عندما يلغي ما لا يتطابق مع ما يرد إلى الطبائع بمنطق حقوق الإنسان الطبيعية بسبب القول بالمطابقتين توهما بأن الإنسان يعلم هذه المصالح علما مطابقا ولا يعتقد في ما هو غيبي منها. في تلك الحالة لا يبقى إلا السلطان وحقوق الإنسان الطبيعية وهو الانثروقراطيا التي تنتهي إلى الأبيسيوقراطيا بمعنى أن القيمتين المتعاليتين -الكرامة والحرية -تصبحان مردودتين إلى قيمتي التبادل والاستعمال الاقتصاديتين عند الجميع لأن الأغنياء يجعلون الثروة معيار الكرامة والحرية والفقراء يتنازلون عنهما بسبب التبعية في شروط البقاء التي يتحكم فيها الأغنياء فيصبحوا هم الارباب الفعليين :وتلك هي حقيقة نظام الولايات المتحدة الأمريكية. والمسلمون لم يتحرروا من البنية العميقة أي الأبيسيوقراطيا التي تتنكر في وسط بين الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا لأن الأنظمة في البلاد الإسلامية سواء كانت شيعية ثيوقراطية صراحة أو سنية وسطا بين الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا غير الصريحتين لأن الحكم يعتمد على تقديم الشوكة غير الشرعية مع تخف بشرعية عديمة الشوكة. أبو يعرب المرزوقي 93 الأسماء والبيان
-- وهو النظام الذي يسميه المسلمون الملك العضوض .ومع ذلك فالسنة على الأقل في النصوص النظرية التي تنظم الحكم تعتمد على الخطط التي ذكرها ابن خلدون في غاية ما توصلت إليه القوامة التي تملأ خانات البنية المجردة للدولة. وإذا اعتبرنا النوع الثاني من الشرعية التي تعود إلى القيام بوظائف مصالح العمران بلغة ابن خلدون دون حاجة إلى شرعية متعالية عليها أمكن أن نعتبر ذلك وكأنه ضمنا يفترض أن شرعية الحكم مستمدة من رضا الجماعة بدليل الطاعة مقابل المصلحة وهو أصل الديموقراطية أو أصل الأنثروبوقراطيا حتى لو أنها ليست بالضرورة حاصلة على ما يثبتها أعني الانتخابات. فالرضا هو ما تثبته الانتخابات وما يثبته بقاء النظام حتى عندما يكون التغيير بغيرها أي بالصراع والتغالب .ولذلك فعمر الدول بالمعنى الخلدوني يقاس بهذا الشرط أي بعجز من يريد تغيير العصبية الحاكمة التي ضعفت بعصبية أقوى بالمطاولة حتى تفقد العصبية الحاكمة القدرة على مقاومة المطاول لها أي حتى لا يبقى ما لها من رصيد الرضا عليها القدر الكافي لإبقاء عليها. فإذا كان الحكم جامعا للشرعية التي من هذا النوع والشوكة فإن النظام يسمى بلغة ابن خلدون ملكيا ولا يحتاج إلى شرعية الدين لكنه يستعملها ليمدد في عمره لأن الشرعية الدينية تزيد العصبية قوة لكنها لا تعوضها .والشرعية الدينية في حالة الفصل تكون عديمة الشوكة المعينة. لكن شوكتها سلبية وهي عدم تبعية العامة للثورات التي تريد الإطاحة بالملكية حتى عندما لا قوم بمصالح العمران .ولهذه العلة فإنه لا يوجد نظام مهما ادعى من العلمانية لا يلجأ إلى الدين على الأقل في الازمات الكبرى مثل الحروب أو الجوائح لأن ذلك يمكنه من الحصول على رضا العامة التي تمثل الأغلبية دائما. أبو يعرب المرزوقي 94 الأسماء والبيان
-- نقف عند هذا الحد في الاعداد للمقارنة بعد تحديد وظائف الخليفة وظائف السلطان عند الفصل بينهما حيث تكون العلاقة بينهما من علاقة تشبه علاقة النظام الذي يفصل بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة في الأنظمة التي يكون فيها رئيس الدولة ذا سلطة رمزية. وقد لا تكون دينية (ألمانيا) أو دينية (إنجلترا) وحيث تكون شبيهة بالولايات المتحدة عندما لا نفصل بينهما بشرط وجود ما يمثل جملة من القيود تمثل إرادة الجماعة التي تحركها قيم الجماعة. وفيها طبعا القيم الدينية التي تؤدي دورا كبيرا في انتخابهم ليكون ممثلين للإرادة الشعبية (النواب والشيوخ) رغم أن الترتيب بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها يبقى من جنس مصالح العمران أي إن الثاني تابع للأول في الولايات المتحدة حتى في سلطة ا لنواب والشيوخ لأن من بيده السلطان الفعلي هو اللوبيات وهي محكومة بالأبيسيوقراطيا. والهدف من هذه المقارنات هو بيان التكوينية الكونية حتى للتعيين الخصوصي للبنية الكونية للدولة من حيث هي بنية مجردة .فحتى تكوينية القوامة التي تملأ خاناتها المجردة فتعينها أي طبيعة الأنظمة فإنها تبقى في العمق تابعة للكوني وليس خصوصيا فيها إلى أساليب التعيين وليس التعيين ذاته. وأساليب التعيين كما سنرى منها مثلا مفهوم أهل الحل والعقد أو معتبري الزمان بلغة الغزالي وعلاقة ذلك باستتباع الرأي العام وهما مستويان اعتبرهما الدستور الأمريكي. أبو يعرب المرزوقي 95 الأسماء والبيان
-- فهو يميز بين مؤسسة كبار الناخبين والناخبين العاديين والفرق الوحيد هو أن التعيين الأول أسلوبه مؤسسة تعمل بالضمير والثاني مؤسسة تعمل بالوجود الصريح إلى الحد الذي قد تلغي أغلبية الناخبين الكبار أغلبية بقية الناخبين .وهو ما يحصل في ما سماه الغزالي بمعتبري الزمان الذين يغلبون الأقلية على الأغلبية في النهاية. وهو ما حصل مثلا في السقيفة حسم الفاروق الخلاف حول تعيين الخليفة قبل أن ينفرط عقد الجماعة التي ترددت بين حلين قبلي (منا أمير ومنكم أمير) أو وراثي مثل الامبراطوريات المحيطة (اختيار علي لقرابته). أبو يعرب المرزوقي 96 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124