Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore استراتيجية التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية - الجزء الثاني: المفهومات - أبو يعرب المرزوقي

استراتيجية التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية - الجزء الثاني: المفهومات - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-03-21 15:54:40

Description: جدول المواد
الفصل الأول: مفهومات الاستراتيجية التوحيدية 1
الفصل الثاني اللواحم والاحياز 13
الفصل الثالث: الصفات المقومة للذات ومقومات توحيد العالم 27
الفصل الرابع وحدة الوجود 39
الفصل الخامس: الفطرة والاكتساب التجريبي بين الفلسفة والدين 53

Search

Read the Text Version

‫لكن كونه لا يمكن من اكتشاف القوانين إلا بتأويل ينطلق من اكتشافها في البحث العلمي‬ ‫فيكون تأويلا لاحقا لا كشفا سابقا هو ما يجعلني أرفضه‪.‬‬ ‫ولرفضي حجة دينية كذلك فضلا عن الحجة العلمية‪:‬‬ ‫فعلميا لو صح ذلك لأغنانا عن البحث العلمي ولكان المسلمون سباقين في كل شيء‬ ‫وهو عكس الواقع‪.‬‬ ‫ودينيا لو صح ذلك لكانت فصلت ‪ 53‬غير صحيحة‬‫ولا يمكن أن يسعى المرء لإثبات منزلة القرآن بتكذيب واضح آياته بغامضها وبمتشابهها‪.‬‬ ‫فصلت ‪ 53‬فاصلة‪.‬‬ ‫ولنضرب مثالا آخر حول كروية الأرض‪.‬‬ ‫“فالأرض بعد ذلك دحاها\"‬ ‫أولوها ببسطها ثم بتكويرها‬ ‫والتأويلان لاحقان لاكتشاف ما كان يظن حقيقة علمية لا سابقان‪.‬‬‫لذلك كله ولتجنب التلاعب بمعاني القرآن الكريم فلا بد من التخلي نهائيا على خرافة‬ ‫الإعجاز العلمي والاقتصار على طبيعة القول القبلي ‪-‬الإيمان‪.-‬‬ ‫والقول القبلي ‪-‬الإيمان‪ -‬كما بينت ضروري للفلسفة والدين في آن‪:‬‬ ‫فالمنطلقات الإيمانية واحدة وهي ما بينت لأن العلم نفسه ينطلق منها مسلمات لبدئه‬‫وختاما فجوابي على الاعتراض يقتصر على بيان أن الدين ومثله الفلسفة يبحثان في‬ ‫الشروط الإيمانية للإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود ومعادلته‪.‬‬‫وهذه الشروط كونية وملازمة للإنسان من حيث هو مستخلف أي من حيث هو واصل بين‬ ‫القطبين (الله والإنسان) من خلال البحث في قوانين الطبيعة والتاريخ‪.‬‬‫وهذا الوصل يمكن أن يكون مبتورا فيقتصر على الطبيعة والتاريخ ويعتبر القطبين هما‬ ‫بدورهما من خيال الإنسان‪ :‬الإنسان هو خالق الله خلقه لذاته‪.‬‬ ‫‪45‬‬

‫ورغم أن هذه المعادلة المبتورة هي جوهر الإلحاد فإن أصحابها مع ذلك يخادعون أنفسهم‪:‬‬ ‫فهم أولا يضعون ما ينفونه فيما يشبه مرحلة من وحدة الوجود‪.‬‬‫ذلك أن الإنسان الذي يبدع نفسه ويبدع الله كيف يعجز عن إبداع الطبيعة والتاريخ؟‬ ‫فيكون كل شيء خيالا إنسانيا بما فيه الخيال المبدع للإنسان‪ :‬خلف‬‫وحدة الوجود المطلقة هي غاية الإلحاد لأن من ينفي القطب الإلهي مضطر لوضعه في‬ ‫الطبيعة أو في التاريخ ويرد الكل إلى خيال الإنسان إلا الإنسان‪.‬‬ ‫والإنسان المستثنى إله متنكر‬‫فيكون صاحب هذا الرأي مؤلها لنفسه بمرض تضخم الذات اللاواعي فلا يرى في الجبة‬ ‫غير الله‪.‬‬ ‫الإلحاد تصوف وحدة متنكر‪.‬‬ ‫لذلك قلت لو كان الإلحاد ممكنا لكنت أول الملحدين‪:‬‬‫هو مستحيل لأنه إيمان متخف في نفس مريضة تدعي أنها هي التي خلقت كل ما عداها‬ ‫بمقتضى هواها‪.‬‬ ‫أعتقد أني أجبت على الاعتراض بما يمكن اعتباره كافيا وشافيا‪:‬‬‫لست أطلب علوما بل شروط نسج الإنسان كالرتيلاء لشروط مقامه في عالم يلفه الغيب‪.‬‬‫فإذا لم يؤمن بكونه خليفة يتراءى على صفحة إدراكه ما يكفيه لينسج كالرتيلاء شروط‬ ‫مقامه في العالم الذي كلف برعايته صار وجوده عين الابسورد‪.‬‬ ‫الإنسان مخير بين الإيمان والعقل من جهة أولى والألحاد والابسورد من جهة ثانية‪.‬‬ ‫وفي الحالة الثانية يضطر لهروب أكثر خرافية مما يصف به الأديان‪.‬‬ ‫فيصبح من الواجب أن نميز بين نوعي المعارف التي يعلمها الإنسان‪:‬‬ ‫فالمعارف التي تتعلق بالموجود شيء‬ ‫والمعارف التي تتعلق بالماوراء شيء آخر‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫معارف الموجود تطلب القوانين التي تقبل الصياغة بالنماذج الرياضية في الطبائع والسنن‬ ‫التي تقبل الصياغة بالنماذج الخلقية في الشرائع وهي خبرية‬‫لكن معارف الماوراء هي معارف لشروط إمكان ما يقبل الصوغ بالقوانين الرياضية من‬ ‫الطبائع وشروط إمكان ما يقبل الصوغ بالسنن الخلقية من الشرائع‪.‬‬ ‫وهي ليست شروط إمكان وجودهما فحسب بل شروط إمكان علمهما‬ ‫ولذلك فالطابع الشرطي يغلب عليها‪:‬‬ ‫فلكأنها تتكلم في الشرط والأخرى تتكلم في جوابه‪.‬‬ ‫وجواب الشرط يمكن أن يكون لا متناهيا لأن الماوراء شبه شرط فرضي‬ ‫والجواب هو محاولات الجواب المستنتجة منها بوصفه شرط إمكان مفتوح للتعيين المتعدد‬ ‫فتكون الفرضية الماورائية شبه ثابتة‬‫وتكون الاستنتاجات متعددة بحسب الاحتمالات التي تفرضها ضرورة الوصف الأقرب‬ ‫للموضوع الذي نضع نموذجا لتفسيره‬ ‫وهذا الماوراء الذي هو شرط إمكان يمكن أن يكون فلسفيا أو دينيا‬ ‫وبينا أنهما لا يمكن أن يكونا مؤسسين عقلا إلا من حيث النسقية لا من حيث الوجود‬ ‫ذلك أن وجودهما إذا لم يسلم لا يمكن البدء في الصوغ لا فلسفيا ولا دينيا‬ ‫ومن ثم فالوجود إيماني حتما‪:‬‬ ‫الفيلسوف والشارع كلاهما يتسلمه حتما‪.‬‬ ‫كلاهما يتسلم وجود شيء هو موضوع إدراك لا يرد إليه‬ ‫وكلاهما يتسلم وجود الإدراك‬ ‫ويتسلم أن هذا الموضوع قابل للعلم إما نسبيا أو بإطلاق‪ :‬شرط بداية‬‫والمقابلة بين نسبية العلم وإطلاقه هي التي يمكن أن تحدث بين النوعين ‪-‬الفلسفي‬ ‫والديني‪ -‬خلافا‪:‬‬ ‫فالدين يسلم بأن علم الإنسان نسبي وأن العلم المطلق لله وحده‬ ‫‪47‬‬

‫والفلسفة لم تتخل عن نظرية المطابقة إلا في المدرسة النقدية عامة والعربية والألمانية‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫وكل تقازيح الفكر الفلسفي تعود إلى المواقف منها‪.‬‬‫ولأن الفلسفة وصلت في الأخير إلى سخافة نظرية المطابقة انتهت إلى موقف قريب جدا‬ ‫من الدين‬ ‫لكن الخلاف معه نزل إلى نوع نسقية الماوراء وابعاده‬‫فالماوراء يمكن أن يكون كما يتصوره الدين غير مقصور على شروط الإمكان المجردة‬ ‫للقوانين والسنن بل هو يضع وراءها شخصا يسميه إلها متعاليا ومؤثرا‬‫لكن الفلسفة يمكن أن تقف عند القوانين والسنن فتعتبرها محايثة للطبيعة والشريعة‬ ‫وليست متشخصة في ذات إلهية متعالية ومؤثرة بما يشبه فعل الإنسان‬‫وقد آل هذا التقارب بين الفلسفة والدين إلى تخلي الفلاسفة عن العنجهية العقلانية‬ ‫السطحية‪.‬‬ ‫لكن علماء الكلام يتشبثون بما مات منها ببلادة عقولهم‪.‬‬ ‫لم يفهموا بعد فساد أساسي علمهم المزعوم‪:‬‬ ‫قيس الغائب على الشاهد ضما للغيب إلى الغائب‬ ‫وتأويل ما لا يرد من النقل الذي يتوهمونه علما عقليا‪.‬‬ ‫فلو كان الغيب يقبل القيس على الشاهد لانتهى مفهوم الغيب من أصله‬ ‫ولو كان النقل يقبل الرد إلى علم العقل لكان الثاني مطلقا فكان مغنيا عن الوحي‬ ‫وهبنا تركنا الكلام في النقل والعقل وأخذنا الإبداع العلمي أو الفني‪.‬‬ ‫فهل يمكن أن نرد عبقرية الشاعر إلى المعلوم من قوانين النثر أو الشعر؟‬‫فإذا كان الابداع الإنساني هو بدوره فيه ما لا يرد إلى العقل فكيف بالإبداع الوجودي‬ ‫والديني؟‬ ‫الوجود والإبداع العلمي والفني لا يرد أي منها لأي تفسير‬ ‫‪48‬‬

‫طبعا هذا لا يعني ألا نقبل محاولة الفهم‪.‬‬‫محاولة الفهم ينبغي أن تكون متواضعة وأن تضع نموذجا تفسيريا من جنس ما يضع‬ ‫العلماء لتفسير أي ظاهرة‪.‬‬‫لكن لا أحد من العلماء المحترمين يدعي أن نموذجه هو عين حقيقة ما ينمذج له بل هو‬ ‫يقول كما قال الفراهيدي في وضع نظريات النحو العربي لأنه عالم‬ ‫قال قولته الشهيرة‪:‬‬‫\"افترضت اللسان العربي عمل مهندس بنى بيتا ووضعت نفسي محله لأتخيل ما أبدعه من‬ ‫خطة ليبنيها فوضعت بما اعتبره شبيها بها‪\".‬‬‫لم يدع أن ما وضعه هو حقيقة اللغة العربية بل هو نموذج يمكن أن يقرب مما بنيت عليه‬ ‫اللغة العربية لو افترضناها من وضع مهندس عالم بالألسن‪.‬‬‫فهبنا اعتقدنا اللسان من وضع الإنسان وزعمنا أن ما نتخيله بنية له مطابق ‪-‬وهو‬ ‫مستحيل من هنا الشواذ‪ -‬لكن هل العالم من وضع الإنسان فيطابقه علمنا؟‬ ‫كل موضوع مهما كان تافها لا يمكن أن يرد لإدراكه‪.‬‬ ‫ففيه دائما ما لا يتناهى من الوجوه والجزئيات التي لا يمكن إدراكها‬ ‫فكيف بالطبيعة والتاريخ؟‬‫وكيف بالوجود ككل ثم بما ورائه مما لا يتناهى من شروط الإمكان التي يشير إليها‬ ‫القرآن الكريم الذي أحاول تقديم نموذج فرضي لفهم استراتيجيته؟‬‫وهو قد نهى عن طلب الماوراء المطلق ‪-‬الذات والصفات‪ -‬ووجه الانتباه إلى الآيات التي‬ ‫تبين أنه الحق وحدد حيزها فجعلها في الآفاق والانفس‪ :‬فصلت ‪.53‬‬‫ذلك ما حاولت الوقوف عنده في سعيي لتحديد استراتيجية القرآن الكريم لتوحيد‬ ‫المخلوقات التي هي بنص القرآن زوجية ومتعددة وذلك آية لأن الوحدة لله وحده‪.‬‬ ‫‪49‬‬

‫ولهذه العلة اعتبرنا استراتيجية القرآن متعلقة بتوحيد كل الموجودات ذات الكيان المجزأ‬ ‫في ذاته والمتعدد في نوعه حتى يتحدد ببنية اللواحم بنوعيها‬ ‫ونوعا اللواحم كما بينا هما‪:‬‬ ‫▪ اللواحم الداخلية للنوع وهي ما ذكرت به سورة يوسف بالنسبة إلى البشر‬‫▪ واللواحم الخارجية هي ما سميناه بالأحياز (المكان الزمان والثورة والتراث‬ ‫والمرجعية)‪.‬‬‫ففي الأحياز يقتطع الإنسان قسطا منها لتكون مورد حياته المادية والروحية من المكان‬ ‫والزمان يستمد معين عيشه المادي والرمزي ويوحد ذلك مرجعية‪.‬‬‫فتتكون الوحدات الجماعية التي تمثل التنوع في أنظمة البشرية اجتهادات تنظيم قيمي‬ ‫وسياسي‬ ‫والرسالة الخاتمة تقدم خطة التوحيد الأسمى‪ :‬الإسلام‪.‬‬ ‫‪50‬‬







‫يقاسم الدين الخاتم مؤسسي الفلسفة لنشأتها الأولى (أفلاطون) ونشأتها‬ ‫الثانية(ديكارت) القول بالفطرة‬ ‫ويخالف الأخيرين القائل بالاكتساب التجريبي‪.‬‬‫وقد بينت في محاولة الأمس طبيعة المنطلقات التي تشترك فيها الفلسفة والدين وحتى‬ ‫في طبيعتها العقدية إذ من دونها لا يمكن للعقل والروح أن يعملا‬‫كلاهما مضطر لتسلم وجود موضوعه ولو فرضيا ووجود الإدراك وقابلية الموضوع لأن‬ ‫يعلم وقابلية المدرك لأن يدرك‬ ‫ومن ثم فشروط التواصل بينهما قائمة‪.‬‬‫وبينت ان الفلسفة في خطاها الأولى كانت مغترة بهذا التواصل فظنته مطلقا وتصورت‬ ‫أن الوجود شفاف والعقل نفاذ ومن ثم قالت بنظرية المعرفة المطابقة‬ ‫ثم بالتدريج تبين لها أنها أساءت التقدير‬‫وذلك هو جوهر النقد فأدركت أن شفافية الوجود نسبية جدا وأن ما نعمله من أي شيء‬ ‫قليل قياسا لما نجهله‪.‬‬ ‫فأتفه شيء في الوجود يمكن القول إن كل الوجود متعين فيه‬‫ومن ثم فهو في الحقيقة مهما كان تافها عينة من الوجود كله الحاضر فيه وكأنه هو بؤرته‪.‬‬‫وقد صغت ذلك بالنسبة إلى الإنسان ‪-‬وهوما لا يمكننا تجاوزه‪ -‬بمفهوم المعادلة الوجودية‬ ‫بقطبيها الله والإنسان ووسيطيها الطبيعة والتاريخ مع الوصل‬ ‫وفي الوصل يكمن الفرق الجوهري بين الدين والفلسفة عامة‪:‬‬ ‫فالوصل الصاعد من الإنسان متفق عليه بينهما‪.‬‬ ‫مناط الخلاف هو الوصل النازل من القطب الإلهي‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫قل أن تجد فلسفة تقبل بإمكانية مخاطبة الله للإنسانية عن طريق فرد منها يصطفيه‬ ‫ليكون مذكرا بالمعادلة الوجودية السوية فمبشرا للإنسانية ونذيرا‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة لم اختر مؤسسي النشأتين بالصدفة‪:‬‬ ‫▪ فأفلاطون على لسان سقراط‪.‬‬ ‫▪ وديكارت على لسان بطل محاورته المبتورة \"الحقيقة بالنور الطبيعي\"‬ ‫استثناء في سلسلة الفلاسفة‪.‬‬ ‫كلاهما يؤمن بأن مبادئ المعرفة ليست مكتسبة بل هي فطرية‬‫وكلاهما يعتبر العقل السليم ليس حصيلة التكوين المدرسي الذي هو منهجي ومضموني‬ ‫لا غير‪.‬‬ ‫وليس معنى ذلك أنهما ينكران دور التكوين المدرسي‬‫لكنهما يعتبرانه قابلا لأن يكون محييا للفطرة أو قاتلا لها ومن ثم فطبيعة التكوين هي‬ ‫المشكل‪.‬‬‫وكلاهما يقول بأن التكوين خلقي ومنهجي أو بلغة القرآن شرعة ومنهاجا وأداته منهج‬ ‫ومضمون في آن وهي الرياضيات وتعاون العقلاء على طلب الحقيقة‪.‬‬‫وقبل أن أعود لمفهوم الفطرة فلأبين أن القائلين بالاكتساب والتجربة ينبغي أن يقولوا‬ ‫بالفطرة في الغاية‪:‬‬ ‫فهل تساءلوا عن قابلية الاكتساب ما هي؟‬ ‫هل رأوا حمارا أصبح عالما أو فيلسوفا؟‬ ‫صحيح أن الكثير من حمير البشر يدعون التفلسف‬ ‫ولعل المقابلة بين الفطرة والاكتساب من بنات أفكارهم النيئة‬ ‫‪55‬‬

‫كل ما في الأمر أن القائلين بالاكتساب ركزوا على مضمون المعرفة العلمية وليس على‬ ‫شكلها ومبادئها الأولى التي تكلمنا على كونها عقدية بالضرورة‬ ‫وقد رد لايبنتس على زعيم المدرسة القائلة بالاكتساب والتجربة فقال قولته الشهيرة‪:‬‬ ‫\"لا شيء في العقل من غير التجربة إلا العقل نفسه‪ :‬ليس مكتسبا\"‪.‬‬‫وحاول كنط أن يوفق بين العقلانية والتجريبية فميز بين الفطري والمكتسب من المعرفة‪:‬‬ ‫▪ الصورة من فطرة العقل (قبلية)‬ ‫▪ والمضمون من التجربة (بعدية)‪.‬‬‫وقد غلطه ذلك فقال بالذاتية المطلقة للمعرفة لأنها نسبية إلى فطرة العقل من حيث‬ ‫الصورة ونسي أن العقل هو بدوره أحد الموضوعات التي نعلمها‪.‬‬‫فإذا كان كل ما نعلمه ذاتيا وليس فيه شيء من الموضوعية المتعلقة بحقيقة الوجود مهما‬ ‫كان علمنا نسبيا فإن ما يقوله عن العقل ليحدده لا معنى له‪.‬‬ ‫فعلمه بالعقل يكون هو بدوره علما بالظاهر منه وليس علما بحقيقته‬ ‫فلا يكون ما يقوله عن العلم صحيحا بل هو مجرد ما يظهر له وليس هو حقيقة العقل‪.‬‬ ‫وهذا هو الفرق الجوهري بين كنط والغزالي‪:‬‬‫فبذلك يتميز مفهوم \"طور ما وراء العقل\" عند الغزالي عن مفهوم الشيء في ذاته عند‬ ‫كنط‪.‬‬ ‫فمفهوم طور ما وراء العقل منفتح على الوجود‪.‬‬ ‫لكن الأخطر جاء من محاولات تجاوز مفهوم الشيء في ذاته الكنطي‪.‬‬‫ففشته وشلنج خاصة حاولا تجاوزه دون الوصول إلى النتائج الوخيمة المنجرة عن ذلك‪.‬‬ ‫والنتائج الوخيمة المنجرة عن ذلك هي ما يحول دونه حل الغزالي‬ ‫‪56‬‬

‫وتلك علة تفضيلي للمدرسة النقدية العربية على المدرسة النقدية الجرمانية‪.‬‬ ‫فلأذكر‪:‬‬ ‫فما بدأه فشته وشلنج لم تظهر نتائجه الوخيمة إلا عند هيجل وماركس‪:‬‬ ‫كلاهما رد المعادلة الوجودية إلى الوسيطين أي التاريخ ذي القوانين الطبيعية‪.‬‬‫كلاهما اغلق بتجاوز مفهوم الشيء في ذاته الحد الذي أطلق الذاتية (كنط) فاغلق نهائيا‬ ‫ما تركه مفهوم “طور ما وراء العقل\"(الغزالي) بدعوى العلمية‪.‬‬ ‫توهما أن معرفة الماوراء مثل معرفة ما دونه أي من جنس العلوم الجزئية‬ ‫فادعى كل منهما أن التاريخ علمي إما برده إلى علم النظر أو إلى علم العمل‬‫فكانت نهاية الفلسفة بمعناها التقليدي لأنها تبينت إيديولوجية كلما ادعت العلمية‪:‬‬ ‫ففلسفة هيجل وفلسفة ماركس كلتاهما إيديولوجيا تطبعن الإنساني‪.‬‬‫وطبعنة ماركس للإنساني برده إلى جدل المادي أكثر تناسقا من طبعنته الهيجيلية برده‬ ‫جدل الروحي‪:‬‬ ‫فالحتمية التاريخية أكثر تناسقا في المادية منها في الروحانية‪.‬‬‫ولأن دعوى علمية الفلسفة ‪-‬الهيجلة والماركسية‪ -‬وهمية بل هي أكبر كذبة فلسفية‬ ‫عرفها التاريخ فإنها كانت قاتلة‬ ‫ومن ثم فما بعد الحداثة هي تجاوزها‪.‬‬ ‫وكان من الطبيعي أن يغلب على ما بعد الحداثة توجهان‪:‬‬ ‫▪ إما نفي العلمية عامة واعتبار كل خطاب اسطوري‬ ‫▪ أو العودة إلى القسط والوصل بين نوعي الإدراك‬‫ولذلك فلا بد من تحذير الكثير من الفرحين بفكر ما بعد الحداثة ظنا أنه تحرر من‬ ‫أوهام الفلسفة في حين أنه يعوضها بوهم فلسفي أخطر‪ :‬أدلجة كل شيء‪.‬‬ ‫‪57‬‬

‫فشتان بين الريبية والنقدية‪.‬‬ ‫ففي علم الشاهد لا يمكن ألا نميز بين المعارف‪:‬‬ ‫فبعضها علمي وبعضها ليس علميا بصورة لا لبس فيها‬ ‫وهنا يكمن دور النقد‪.‬‬ ‫وفي الغيب كل ما يقال عن وجوده إثباتا أو نفيا إيماني حتما‬‫وخطأ النافي قيس الغيب على الشاهد وصواب الإيماني هو الريبية في تجاوز العلم للشاهد‬ ‫ارتاب في دعوى علمية الكلام وأومن بما جاء في القرآن‬‫ولا يمكن أن يتجاوز علمي به ما أعلم به الشاهد من الوجود لأنه هو ما أومن أنه الوصل‬ ‫النازل‪.‬‬‫وإذا كنت أومن أنه رسالة من العلام وأنه لا يمكن أن يكون قد عبر عما يريد بما يمكن‬ ‫أن يتجاوزه أحد بيانا ووضوحا فإني اكتفي بالشاهد منه لا أعدوه‬ ‫هل معنى ذلك أن أنفي الحاجة إلى التعليم الديني؟‬ ‫كلا‪.‬‬ ‫فلا بد من تعلم الأدوات التي تجعل القرآن في متناول الإنسان‪.‬‬ ‫وكذلك الشأن في كل علم‪.‬‬ ‫وطبعا ففي تعليم الأدوات ينبغي أن نميز بين أمرين‪:‬‬ ‫الادوات المساعدة‬ ‫وأمثلة من استعمالها ممن سبقنا لأن تعلم الأدوات لا يكون في خواء بل بأمثلة‬ ‫وليكن مثالنا التفسير‪:‬‬ ‫فلا بد من أدوات مثل اللغة والمنطق والتاريخ والرياضيات‬ ‫ثم من أمثلة تبين كيف استعملها علماء كبار قبلنا لنتعلم منهم‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫وأول المفسرين هو الرسول نفسه‪:‬‬ ‫وتلك هي السنة‪.‬‬‫فكل ما تصح نسبته إلى الرسول هو أفضل النماذج التفسيرية للقرآن من خمس وجوه‬ ‫بينة لكل ذي عقل سوي‪.‬‬ ‫فسواء آمن المرء بأن الرسول تلقى القرآن وحيا أو وضعه بنفسه‬ ‫فأولهما مضطر للتسليم بأنه اختص كمبلغ لقدرته على التبليغ‬ ‫والثاني كمؤلف عالم بقصده‪.‬‬ ‫نعود الآن إلى الفطرة‪:‬‬ ‫ما طبيعتها؟‬ ‫بينا أمرين‪:‬‬‫أولا القول بها ليس خاصا بالدين بل إن مؤسسي الفلسفة القديمة والحديثة يقولان بها‬ ‫في المعرفة العقلية‬‫ثم بينا ثانيا أن القائلين بالاكتساب والتجربة يؤخرون المشكل لأنهم في الحقيقة مضطرون‬ ‫للقول بها إذ الاستعداد للاكتساب بالتجربة على الأقل فطري‪.‬‬ ‫وحينئذ أصبح المدار ما الفطري وما المكتسب؟‬‫والحصيلة أن المكتسب هو مضمون المعرفة وليس شروطها الصورية أو قدرات الإنسان‬ ‫العقلية والإبداعية‪.‬‬‫فالاكتساب بالتجربة يمر حتما بالمدارك الحسية وهي جميعا فطرية لأنها من مكونات‬ ‫البدن أوهي نوافذ العقل على العالم الخارجي وحتى على البدن نفسه‪.‬‬ ‫‪59‬‬

‫وأكثر من ذلك فالمدارك الحسية هي أول تصنيف للظاهرات إلى ملموسة ومرئية‬ ‫ومسموعة ومشمومة ومذوقة‪.‬‬ ‫والملاحظ أنها تبدأ بالأقرب والأعقد وتنتهي بهما‪.‬‬‫وبين أن لكل هذه المدارك الحسية الخارجية نظائر داخلية يمكن تسميتها حوادس نظير‬ ‫تسمية الأولى حواس‪:‬‬ ‫فالبصر يناظره البصيرة‬ ‫والسمع السميعة‬ ‫والشم تناظره الشميمة‬ ‫واللمس اللميسة الخ‪.‬‬ ‫وهذه الحوادس هي التي تتجاوز مظاهر الأشياء إلى بواطنها‬ ‫وكلها متعينة في بدن الإنسان عينة من الوجود كله‪.‬‬ ‫وبذلك ندرك أن دلالة المنزلة التي للجنس في الإسلام هذه علتها‪:‬‬ ‫ففيه تعمل كل الحواس وكل الحوادس‬ ‫لذلك فلا يسمو عليه جزاء وسعادة إلا رؤية الله‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى يمكن القول إن البدن هو المعبد الاول الذي بناه الرب نفسه‬ ‫ومن ثم فهو أقدس من كل المعابد التي بناها البشر حتى لو كانوا أنبياء‪.‬‬ ‫البدن هو التعين الفعلي للفطرة التي فطر الله الناس عليها‪.‬‬ ‫فبدن آدم قرآنيا حصيلة للخلق بدرجاته المختلفة‪:‬‬ ‫صوره من الأديم وسواه ونفخ فيه وعلمه‪.‬‬‫فيكون القول بالاكتساب قولا بأن المضمون المعرفي يمر حتما عن طريق الحواس‬ ‫والحوادس‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن ينفيه القائلون بالفطرة لأنها مرسومة في البدن‪.‬‬ ‫‪60‬‬

‫ولذلك فكل كلام القرآن على المعرفة يعتمد على إحالة إلى أعضاء البدن أي الحواس‬ ‫وتناظرها الحوادس التي يرمز إليها القرآن بالقلب والفؤاد خاصة‪.‬‬‫وعندما يتكلم القرآن على فقدان العقل ‪-‬اي الفهم بالمصطلح القرآن‪ -‬فإنه يصف فاقده‬ ‫بالأصم والأبكم والأعمى فلا مقابلة فيه بين الفطرة والتجربة‪.‬‬ ‫المقابلة بينهما هي من التجريد والمعاندات بين الفرق الفلسفية‬‫وهي عديمة الدلالة الحقيقية عند تمحيص نظريات المعرفة تمحيصا يذهب إلى الغايات‪.‬‬‫لكن المعادلة الوجودية التي وضعتها تتجاوز المقابلة بين الشكل والمضمون لأن الشكل‬ ‫والمضمون كلاهما فطري بما فيه من كلي ومكتسب بما فيه من عيني‪.‬‬ ‫وليكن مثالنا أوضح مثال لأنه قابل للفهم من كل إنسان‪:‬‬ ‫فقوانين البايولوجيا كلية وفطرية (الوراثة)‬ ‫لكن تعين الإنسان في الأحياز يحدد المكتسب‪.‬‬‫فاختلاف الألوان والحجوم وسمات الأعضاء بين البشر يحدده المناخ والجغرافيا والغذاء‬ ‫إلخ‪ ...‬مما يؤثر فيما هو مكتسب من الصفات في الكائن الحي‪.‬‬ ‫كذلك في المعرفة والأخلاق‪.‬‬‫فما يكتسب بمفعول الجغرافيا والمناخ الطبيعي في كيان الإنسان العضوي يناظره ما‬ ‫يكتسب فيهما بمفعول التاريخ والثقافة‪.‬‬‫وبهذا المعنى فالعقل ليس قدرة متجاوزة لقدرة التلقي وهو في دلالته القرآنية أي الفهم‬ ‫المعرفي والخلقي المتلازمين أي الإدراك السوي لما يعدل الحواس‪.‬‬ ‫والحوادس تعدل الحواس‪:‬‬ ‫فالبصر تعدله البصيرة‬ ‫والسمع السميعة‬ ‫واللمس اللميسة‬ ‫والشم الشميمة‬ ‫‪61‬‬

‫والذوق الذويقة‬ ‫والتعديل هو امتحان الأولى بالثانية‪.‬‬ ‫والتعديل احتكام واع أو غير واع للفطرة‪.‬‬ ‫وهي التي تجعل بصرا حديدا بعد أن كان منفرجا يرى ولا يبصر‪.‬‬ ‫ومن ثم فالعقل والفهم تلق من الفطرة وهو وحي‪.‬‬‫الوحي قرآنيا ليس مقصورا على الأنبياء فحتى النحل يوحي لها الله عن طريق الفطرة‬ ‫التي فطرها عليها‪.‬‬ ‫وهنا لا بد من فهم معنى الخيال المبدع عامة‪.‬‬‫والمعلوم أن هذا المفهوم من أعقد مفهومات فلسفة كنط خاصة والفكر الإنساني عامة‪.‬‬ ‫والإشكال هو كيف نميز بين إبداع العقل الفعلي وإبداعه الوهمي‪.‬‬‫والمعلوم أن هذه الإشكالية من أهم تحيرات الغزالي حتى في أصول الفقه ‪-‬انظر‬ ‫المستصفى‪ -‬فكل تعقل تلق خيالي فيه ما يعير بالعلم وما يعير بالأخلاق‪.‬‬‫وما يعير بالعلم يحتكم فيه للحواس ‪-‬حتى بعد تزويدها بأدوات إدراك أدق من الحواس‬ ‫غير المجهزة‪-‬‬ ‫وما يعير بالأخلاق يحتكم فيه للحوادس‪ :‬بعدا الفطرة‪.‬‬ ‫والسؤال هو ما معين الخيال المبدع للعلم والقيم والأوهام المعرفية والقيمية؟‬ ‫إنه الدوار الوجودي‪:‬‬ ‫فالإنسان يقف على الحد بين المتناهي واللامتناهي‪.‬‬ ‫‪62‬‬

‫الوحي هو ما يتلقاه من وراء حد المتناهي أي ما ينعكس على مرآته المتناهية فيذهل بعكس‬ ‫المرضعة‪ 1‬لأنه راضع هنا مما يتجاوز المحدود والمتناهي‪.‬‬ ‫وليكن مثالنا في المعرفة العلمية المقارنة بين خيالين‪ :‬الخيال العلمي والعلم الخيالي‪.‬‬ ‫فالأول إبداع لما يقرب من الحقيقة‬ ‫والثاني إطلاق بلا سند‬‫ولما كان الثاني يصبح أحيانا ممكنا بعد أن كان يعتبر من الأوهام ‪-‬مثل محاولة ابن‬ ‫فرناس‪ -‬فإن العلم الخيالي فيه ما قد يتحول إلى خيال علمي‪.‬‬ ‫وهذه النسبة بين الخيال العلمي والعلم الخيالي توجد كذلك في الوحي‪:‬‬ ‫فالوحي الصادق من جنس الخيال العلمي هذا يبدع الحقيقة النظرية وذاك الخلقية‪.‬‬‫والكهانة من جنس العلم الخيالي الكاذب الذي لا يتحول إلى خيال علمي وهو إذن من‬ ‫جنس الخيال الأدبي مثل الشعر ويغلب عليه الدجل كمديح المتكدين‬‫والحصيلة أن ما لا يمكن رده إلى المكتسب بالتجربة يمكن رده إلى الصادر عن الخيال‬ ‫بوصفه معين ما نتلقاه من غير الحواس‪:‬‬ ‫فهل للحوادس تجربة أخرى؟‬‫ذلك ما ندعي تفسيره وضعيا بالخيال ‪-‬مجرد‪ -‬كلمة وما يفسره الدين بالوحي وذروته‬ ‫الوحي الذي يتلقاه الأنبياء والرسل‪.‬‬ ‫لكنه قرآنيا يشمل كل الكائنات‪.‬‬ ‫وإذا كان يشمل كل الكائنات فلا بد أن يكون أحد مقومات كيانها أو وعيها بكيانها‪.‬‬ ‫ورأيي أن الإنسان له منه في كيانه وفي وعيه بكيانه‪ :‬مضاعفة عنده‪.‬‬ ‫‪َ { 1‬ي ْو َم َت َرْو َنَها َت ْذ َه ُل ُك ُّل ُم ْر ِض َع ٍة َع َّما َأ ْر َض َع ْت َوَت َض ُع ُك ُّل َذا ِت َح ْم ٍل َح ْم َل َها َوَت َرى ال َّنا َس ُس َكا َر ٰى َو َما ُهم ِب ُس َكا َر ٰى َوَٰل ِك َّن َع َذا َب اَ َّّلِل َش ِديد} الحج ‪02‬‬ ‫‪63‬‬

‫وكلما كان له من الرهافة ما يجعل المستويين لديه يتناغمان كان مرآة أكثر صقالة لتلقي‬ ‫الوحي بدرجات مختلفة‬ ‫وهي بعد الخاتم تبقى دون النبوة دائما‪.‬‬‫فالوحي الذي تلقاه الخاتم هو الذي بين أن الفطرة هي الوحي في الكيان والوجدان أو‬ ‫هي الوعي بالمعادلة الوجودية وهي عين تبين الرشد من الغي‪.‬‬‫لذلك فالدين الخاتم لا يختلف فيه العقلي والنقلي إلا بما يدعيه العقلي مما يمتنع عليه‬ ‫بمقتضى وعيه بذاته‪ :‬فهو يدرك حدوده كما يبين الوحي الخاتم‬‫ولهذه العلة فعلم الكلام والتصوف اللذين يدعيان علما بالغيب أو يقيسانه على الشاهد‬ ‫هما من جنس الفلسفة غير النقدية القائلة بالمعرفة المطابقة‪.‬‬‫وهي معرفة من جنس معرفة الكهانة التي تدعي كذبا القدرة على تجاوز الشاهد إلى‬ ‫الغيب بقيسه عليه مع شيء من الدجل والكذب زعما لنفاذ عقلي أو لدني‬ ‫والشاهد عندي نوعان‪:‬‬ ‫▪ العالم الطبيعي‬ ‫▪ والعالم التاريخي‬‫ويصلهما بالقطبين الله والإنسان تراسل نازل من الله وصاعد من الإنسان‪ :‬الرسالة‬ ‫والحضارة‬‫ما دام القرآن دستور الرسالة الخاتمة فإذن هو معيار الحضارة السوية بوصفه محررا من‬ ‫الاستبدادين الروحي والمادي ومؤسسا لاستراتيجية التوحيد‪.‬‬‫وقد درسنا استراتيجية التوحيد لنبين أنها فرضية علمية تمكن من امتحان ما يقوله‬ ‫القرآن عن نفسه‪:‬‬ ‫وقد بينا أن كل ما فيه هو مصداق فرضيتنا لفهمه‪.‬‬ ‫‪64‬‬

‫واستراتيجية التوحيد القرآنية ومنطق السياسة المحمدية فرضيتنا لتفسير القرآن‬ ‫فلسفيا للتخلص من معارك فلاسفتنا ومتكلمينا وفقهائنا ومتصوفتنا‬‫ولست غافلا على أن الكثير من المتعالمين ‪-‬بمنطق التأصيل والتحديث‪ -‬لايزالون قائلين‬ ‫بالتنافي بين الديني والفلسفي خلطا بينهما وبين كاريكاتوريهما‬ ‫وهم معذورون إلى حد كبير‪:‬‬ ‫ذلك أن هذين الموقفين هما سر النجومية في المجالين‬ ‫فالحداثي يصبح نجما بمعاداة الدين‬ ‫والتأصيلي يصبح نجما بمعاداة الفلسفة‪.‬‬ ‫لكن ما يصدق عليهما هو أن المرء عدو لما يجهل‪:‬‬‫فكل من قرأ القرآن مهما كان ملحدا لا يمكن ألا يشده ما فيه من تناسق عجيب حول‬ ‫معادلة الوجود‪.‬‬‫وكل من درس كبار الفلاسفة يفهم ما قصده الغزالي بأن المشكل ليس معهم بل مع مقلديهم‬ ‫من البلداء‬ ‫وقولة ابن تيمية الشهيرة في الأنصاف الخمسة‪.‬‬‫وما لم تتحرر الأمة من استبداد النخب بأصنافها الخمسة السياسية والمعرفية والاقتصادية‬ ‫والفنية والوجودية فإن خروجنا من الانحطاطين شبه مستحيل‪.‬‬‫فالانحطاط الذاتي ما يزال مسيطرا على من كان من هذه النخب مدعيا التأصيل‬ ‫بكاريكاتور من الإسلام‬‫والانحطاط المستورد على من كان من هذه النخب مدعيا التحديث بكاريكاتور من‬ ‫الحداثة‪.‬‬ ‫الحرب الاهلية علتها الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي‬ ‫فلا أولئك تخلصوا من الانحطاط الذاتي بالقرآن‬ ‫‪65‬‬

‫ولا هؤلاء من الانحطاط المستورد بالفلسفة‪.‬‬‫آمل أن يكون ما أقدمه للشباب بجنسيه ‪-‬وخاصة للسيدات منهم بسبب دورهن في تربية‬ ‫الأجيال‪ -‬مسهما في علاج هذين المرضين العضالين في لحظتنا الحرجة‪.‬‬ ‫والإنسان هو أكبر الأدلة على المعجز في الخلق‪:‬‬ ‫فهو طبيعي وتاريخي لا ينفصل فيه الروحي عن المادي والمادي عن الروحي‪.‬‬ ‫والمقابلة بينهما صفر‪.‬‬‫نفترض له حدين طبيعي وتاريخي وأصلين مادي وروحي لتوهمنا أن الطبيعة مادة بلا‬ ‫روح والتاريخ روح بلا مادة‬ ‫وكل ذلك من التقابل المجرد غير المفهوم‪.‬‬‫ولما كان التجريد ضروريا للفهم مع ذلك فإننا يمكن أن نتصور الإنسان ذا حدين طبيعي‬ ‫وتاريخي مع فعل الأول في الثاني وفعل الثاني في الاول مع أصل‬ ‫والأصل هو الفطرة التي لها حدان‪:‬‬ ‫▪ الخلق في أحسن تقويم‬ ‫▪ والرد إلى أسفل سافلين‪.‬‬ ‫والوعي بهما هو محرك صعود الإنسان وهبوطه في المنازل الروحية‪.‬‬ ‫والقرآن حدد استراتيجية العلاج‪:‬‬ ‫فهي للفرد الإيمان والعمل الصالح‬ ‫وهي للجماعة التواصي بالحق والتواصي بالصبر‬ ‫وكلها صفات خلقية ومعرفية وذلك هو مفهوم المعروف‬‫والمسافة الفاصلة بين التقويم الأحسن والرد إلى أسفل سافلين هي المجال الذي يدل على‬ ‫حرية الإنسان وتكليفه بالاستعمار في الارض بقيم الخلافة‪.‬‬ ‫فإن كان استعمارا في الأرض بقيم الاستخلاف كان نجاحا في الامتحان‬ ‫‪66‬‬

‫وإذا كان بأولهما دون الثاني كان دنيا بلا روح‬ ‫أما الثاني من دون الأول فمستحيل‬ ‫يمكن للإنسان أن يكون مستعمرا في الأرض من دون الاستخلاف‬ ‫وتلك هي حال الانظمة المافوية في العولمة‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يكون مستخلفا إلا بعمارة الأرض‪.‬‬‫الأمة الإسلامية انحطت لما سيطر عليها فكر المحقرين من الدنيا متصورين أن الاستخلاف‬ ‫هروب منها غافلين على أن التكليف اختبار لأهلية الاستخلاف‪.‬‬‫فقص القرآن للمحاورة بين الله والملائكة مقصودها بيان أن الاستخلاف أهلية ممكنة لمن‬ ‫يعمر الدنيا بقيمه ومن لا يفعل يكون كما وصفته الملائكة‪.‬‬ ‫‪67‬‬



02 01 0102