أبو يعرب المرزوقي أو علاقة المائدة والسرير بفنيهما وتعدد العوالم الأسماء والبيان
المحتويات 1 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 7 - -الفصل الثالث 13 - -الفصل الرابع 20 - -الفصل الخامس 26 -
-- أعود اليوم إلى أعوص قضية عالجتها من وجهين مختلفين دون الوصل بينهما عودة أحاول فيها تحقيق هذا الوصل الذي يبين بصورة جلية ما حاولت الوصول إليه في \"الجلي في التفسير\" لأنه أصل تجاول المقابلة بين الدنيا والآخرة أو بين حبس الإنسان في عالم محدود وتحريره منه بعالم لا حد له. فقد اعتبرت الوصل بين المقدرات الذهنية الرياضية (التي يعتبرها ابن تيمية الوحيدة التي يمكن أن تكون علوما كلية ومحضة وبرهانية) والمعرفة التي تطبقها على التجربة الطبيعية لتحصيل ما يسمى علوم الطبيعة وصلا بين عالمين مختلفي الطبيعة لكنهما لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآخر. وقست عليها الوصل بين المقدرات الذهنية التي سمتها أدبية أو ميثولوجية (واعتبرها الوحيدة التي يمكن أن تكون أعمالا كلية ومحضة ويقينية) والعمل الذي يطبقها على التجربة التاريخية لتحصيل ما يسمى علم الطبيعة والتاريخ وصلا بين عالمين مختلفي الطبيعة لكنهما لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآخر. وهذان الوصلان يحرران من المقابلة السطحية بين العالمين اللذين يسميان الآخرة والدنيا أو الآخرة والأولى .فالآخرة تفترض أمرين هما سر التجاوز الوجودي لحبس الإنسان في عالم المدارك الحسية سواء كانت طبيعية أو تاريخية وهو العالم الذي يعتبره الكثير العالم الحقيقي الوحيد وما عداه من الخيال. ولو صح ذلك ،لاستحال أن نفهم المقدرات الذهنية الرياضية وما تبدعه من عوالم تختلف تماما عن عالم المدارك الحسية ولاستحال أن نفهم ما قسته عليه وسميته بعالم الآداب او عالم المقدرات الميثولوجية .فمن يعتبر الإبداعات الرياضية والإبداعية الأدبية أو الميثولوجية من الخيال هو من يعتبر عالم الإدراك الحسي العالم الحقيقي الوحيد في حين أن الإنسان عندما يحكم عقله -إذا كان ذا عقل مدرك لحدوده-يكتشف أن العكس يمكن أن يكون أصح بمعنى أن المقدرات الذهنية الرياضية والميثولوجية هي \"الواقع\". أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- وهنا نكتشف الجسر الواصل بين عالمي التقدير الذهني الرياضي والتقدير الذهني الأدبي من جهة وعالمي الإدراك الحسي والإدراك العلمي (المطبق على العالم الحسي الطبيعي والتاريخي المظنون واقعا وحيدا) هو بالذات عين الوجود الإنساني العميق متعينا في قيامه العضوي أو بدنه وقيامه الروحي الذي هو يعني انفتاحه على العالمين بما نسميه الأخروي والدنيوي أولهما متلفت إلى المطلق واللامتناهي والثاني إلى النسبي والتناهي من كيانه. ويمكن لتيسير فهم هذا الدور الجاسر بين أربعة عوالم: اثنان من التقدير الذهني يجعلانه مبدعا للعوالم المادية والروحية واثنان يجعلانه خاضعا للتقدير التجريبي يجعلانه يتعامل مع عالمين طبيعي وتاريخي أن نقرأ \"رواية\" المحاسبي بعنوان \"التوهم\" الذي يكون عليه الإنسان عندما يصبح البصر حديدا. موضوعي اليوم هو الوصل بين نظرية القيم ممثلة للمنشود التي يستكمل به الموجود ونظرية المائدة والسرير ممثلة للموجود الذي يتجلى فيه طلب المنشود. وهذه الإشكالية شديدة الغموض لأن فيها سر أغرب ظاهرة في حياة البشر :كيف يكون ما يبدو عديم الفائدة دائما أغلى ثمنا وأرفع قيمة مما يبدو مفيدا؟ وذلك جلي خاصة في الاقتصاد :فالتمييز بين القيمتين الاستعمالية والتبادلية أمر معلوم حتى لمن ليس له معرفة بالنظريات الاقتصادية .فأدوات الزينة أغلى من أدوات العيش العادي .ولا شيء مما هو مفيد للحياة مثلا يمكن أن يعتبر أغلى مما هو مزين لها .ففي الغذاء والجنس فنهما أغلى منهما. وكلنا يعلم أنه في حالة الحرب أو في حالة المجاعات أو في حالة فقدان أحد الجنسين يصبح الغذاء والجنس بذاته أغلى من زينته .عندئذ تنعكس العلاقة بين القيمتين فتصبح أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- الاستعمالية مقدمة على التبادلية والتبادل بالمعنى القيمي مختلف عن التبادل بالمعنى الموضوعي لأن هذا يجمع بين ذينك. ونفس الشيء يقال عن التواصل .فالنفعي منه أقل قيمة من اللانفعي أي من التواصل للتواصل بمعنى أن: • الأول غايته غيره فيكون أداة • والثاني غايته في ذاته فيكون هو الغاية. ومن ثم فهذه النسبة بين الأداة والغاية هي التي تحدد نوعي القيمة في التبادل وفي التواصل ولهما معا علاقة بالمائدة والسرير وفنيهما. وهذا المستوى الثاني من القيمة سواء في التبادل أو في التواصل ،تجعل المادي منهما دائما دون الروحي حتى في الاقتصادي فضلا عما سنراه من أنواع القيم الأخرى .فالتقابل بين القيميتين الاستعمالية والتبادلية في الاقتصاد دليل على أن الاقتصاد ليس ماديا خالصا إلا في الضروري وليس في الكمالي. ويصح ذلك بالنسبة إلى المائدة وخاصة إلى السرير .فلما يوجد الإنسان في وضعية لا يوجد أمامه إلا أردأ غذاء فهو يستلذه ليس لأنه جميل ولذيذ بل لأنه جائع ولما يوجد الإنسان في وضعية لا يوجد أمامه إلا أقبح ما يوجد من الجنس الثاني رجلا كان أو امرأة فهو يستطيبه ليس لأنه جميل بل لأنه \"جائع\". وإذن ،فاعتبار عالم المدارك الحسية هو الحقيقة الوجودية أو الواقع وما عداها من المقدرات الذهنية رياضية كانت أو ميثولوجية له نفس الدلالة بمعنى أننا في عالم الضرورة المطلقة وغياب عالم الحرية المطلقة يكون الموجود بديلا من المنشود :نرضى بالموجود أو ننكحه لغياب المنشود في الحالتين. لكن مثلما أن البدن يرضى بالموجود ويستغني عن المنشود الذوقي في حالة الضرورة الغذائية والجنسية مع توقه الدائم إلى منشوده فيهما فإن الروح يرضى بالموجود في حالة أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- الضرورة المعرفية والخلقية مع توقه الدائم إلى منشوده فيهما .ومن ثم يدرك هذه العلاقة لا فائدة من مواصلته متابعة المحاولة. فلنقارن الآن وضع المنشود في حالة استحالته بسبب وضعية الضرورة سواء في المائدة أو في السرير أي العجز عن تحقيق المنشود ووضع الموجود في حالة امكانية تجازوه بسبب وضعية الحرية سواء في المائدة او في السرير -أي القدرة على تحقيق المنشود مع الموجود. فماذا نستنتج في الحالتين؟ في الحالة الأولى لا يمكن لمن يوجد في حالة الضرورة لأكل الموجود في المائدة ولنكح الموجود في السرير ألا يحصل له ما يشيه المعجزة تجعله يجد في الموجود على رداءته وقبحه شيئا من اللذة الغذائية واللذة الجنسية لكأن شيئا من المنشود صار له حصول ذهني رغم الغياب العيني. فما السر في ذلك؟ وفي الحالة الثانية لا يمكن لمن يوجد في حالة الحرية التي تمكنه من اختيار الموجود في المائدة وفي السرير ألا يحصل له ما يشبه المعجزة المقابلة للمعجزة السابقة تجعله لا يجد في الموجود مهما كان طيبا وجميلا شيئا من عدم اللذة الغذائية والجنسية فيطلب أكثر فيصبح المنشود معدما للموجود. فما علة هذا التعاكس :الضرورة تجعل الموجود وكأنه يفرز منشودا يجعل الموجود وكأنه منشود فيقبل الموجود وكأنه مكتف بذاته والحرية تجعل المنشود يفرز موجودا يكاد يقتصر على المنشود فيرفض كل موجود لكأن الموجود صار عين المعدوم فلا يرضى به ويطلب مطلق اللذة والجمال. وهنا يأتي المأزق :فطلب مطلق اللذة والجمال في العالم الحسي يعني في الحقيقة بداية التحرر منه لأن كل لذيذ وراءه الألذ وكل جميل وراءه الاجمل وذلك بلا حد فيكون التحرر من العالم الحسي جاريا في العالم الحسي ويصبح الإنسان في هذه الحالة من جنس متوهم المحاسبي في العالم الآخر أو في الجنة. أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- لكنها هذه هي وهم \"جنة الدنيا\" أو الترف الذي يتكلم عليه ابن خلدون والقرآن .فالترف هو محاولة العيش الجناني في الدنيا .وهو طلب المستحيل مرتين أعني الهروب من شهادة القرين في قلب المعادلة الوجودية حتى بالمذهلات الوجودية مثل المخدرات والملاهي: .1تصور أن اللذائذ الدنيوية وأهمها المائدة والسرير وفنيهما يمكنها بمقتضى حقيقتها المعيشة في الدنيا أن تكون مهربا منه مما في كيان الإنسان من اشرئباب إلى المطلق وبديلا بسعادة مغنية عنه حتى في الدنيا. .2تصورها من الجنس في الآخرة لتوهم تعبير القرآن عنها باستعارات منها لها نفس الدلالة دون انتباه إلى دلالة جعلها دون رؤية الله أولا ودون أن تكون مما رأته عين أو سمعته أذن ولا خطر على بال بشر. وبهذا فمن يبدع الدين التعويضي عن العدم أو الخواء الوجودي ليس الفقير المادي عامة بل الغني المادي الذي يغرق في الدنيا متصورا أنها مغنية عما عداها مثله مثل المدقع المادي الذي يصبح ضحية سد الضروري. فالفقير وجوديا يتصور دنياه جنته بما يبثه توهما في الموجود مهما قل كل ما يحتاج إليه من المنشود :لكأنه يكتفي بقيمة الاستعمال .ولا يعني أنه يتخلى عن قيمة المنشود لكونه يرضى بقيمة الموجود بل يميز بين الموجود الأدنى وما فيه من عالم المنشود الأدنى أي اللذة والجمال في الموجود أيا كان وعالم آخر يكون موجوده هو عين المنشود المطلق إذا تحرر الإنسان من الوثن الأكبر في الدنيا :وهم المنشود الأسمى في الموجود الأدنى. فما العلة؟ رأينا أن الترف يعدم كل موجود لتوهمه أنه يطلب المنشود الأسمى في المائدة والسرير فيصبح الطلب فعلا عدميا يفقد العالم الدنيوي قيمته لأن كل لذيذ يرفض باسم الألذ وكل جميل يرفض باسم الأجمل. أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- ولما كان ذلك لامتناهيا في الحالتين أصبح المترف هداما للعالمين الدنيا والآخرة. ولهذه العلة فلا يمكن تصور الترف من دون المخدرات التي تعبر بلا وعي عن هذا المأزق الوجود الذي يلغي الموجود باسم المنشود الذي ليس فيه بل في ما يلغيه .وبذلك ففي الحقيقة من يعيش على العدم ليس من ليس له من الموجود إلا القليل بل من لا يرضي بأي موجود مهما كثر قتلا لبدنه بروحه. لكن روحه التي يقتل بها بدنه هي عدم روحه إذ الروح لا يطلب عالم الكمال القيمي في العالم الحسي بل في قدرته على إبداع عوالم لا محسوسة من جنس توهم المحاسبي لما يصبح البصر حديدا .والروح يعلم أن هذه العوالم أكثر كثافة وجودية وقيمية من العالم الحسي وهو يمثلها بمقومات وجوده الروحي .وهذه المقومات هي: .1إرادته الحرة .2وعلمه الصادق .3وقدرته الخيرة .4وحياته الجميلة .5ووجوده الجليل. وهي عين منزلته الوجودية من حيث هي استخلاف يعترف به لكل إنسان لأن البشر اخوة من نفس واحدة (النساء )1ومتساوون لا يتفاضلون عند مستخلفهم إلا بالتقوى (الحجرات .)13 اكتفينا في هذا الفصل الأول باستعمال جسر هو كيان الإنسان للوصل المباشر بين القيم بمعناها الاقتصادي (الاستعمال والتبادل) ولم نتجاوز إلى القيم بالمعنى الأسمى من الاقتصادي رغم أن الاقتصادي يستمد المعنى التبادلي مما في المعنى الاستعمالي الخالص من إيحاء بفني المائدة والسرير. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- نعود فنذكر بهدف هذه المحاولة: كيف يكون الإنسان ببدنه وبروحه دون أن نعلم طبيعة العلاقة بين هذين الوجهين من كيان الإنسان ،وأقول وجهين لأن القرآن لا يميز بينهما من حيث القيمة الوجودية إذ إن البدن من صنع الله خلقا والروح من صنعه أمرا ولهما إذن نفس القيمة بخلاف ما يتوهم الفلاسفة والمتصوفة -جسرا؟ كيف يكون جسرا بين عالمين يبدعهما هما عالم المقدرات الذهنية الرياضية أصلا لكل العلوم وعالم المقدرات الميثولوجية أصلا لكل الفنون (هذه إضافتي لنظرية ابن تيمية) وعالمين بعده هما عالم الطبائع وعالم الشرائع في ما يكاد يحصل حوله إجماع بأنه العالم الوحيد أي عالم المدارك الحسية؟ الجواب يقتضي أن نسأل سؤالا أعمق :ما شروط إمكان القيم التي لا ترد إلى القيمتين الاقتصاديتين أي قيمة الاستعمال وقيمة التبادل بالمعنى الاقتصادي وما بينهما من تبادل المواقع في ظرفي الضرورة أو الاقتصار على الاستعمالي والعجز عن التبادلي والحرية أو القدرة على التبادلي فوق الاستعمالي؟ وقبل ذلك هل توجد قيم أخرى غير قيمتي الاستعمال والتبادل أي غير قيمتي الاقتصادي المعروفتين؟ أذكر أني قبل أكثر من ثلاثة عقود رددت على المرحوم سمير أمين الذي تكلم على الوحدة العربية مقتصرا في تحليله الماركسي على القيمتين وحاولت اثبات قيم أخرى تتجاوزنهما وهو ما سأحاول بيانه الآن. وقد صدرت المقالة في مجلة مركز دراسات الوحدة العربية وكان ذلك أول اتصال بيني وبين المركز إذ كنت ولا أزال بعيدا عن التعامل مع المؤسسات لأن لها معايير لا أقبلها حتى وإن كنت لا أشكك في أهميتها وحتى في صدق البعض من أصحابها وحسن نواياهم .لكن الجنة كما هو معلوم بلاطها حسن النوايا. أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- والسؤال عن شروط إمكان قيم من جنس آخر غير جنس القيمتين الاقتصاديتين يعتبر من الأسئلة التي يراها القائلون بواقعية العالم المحسوس وانحصار الحقيقة فيه دالة على سذاجة أصحابها لأن الجواب يؤدي حتما إلى أن القيم الأخرى مستحيلة من دون الدين سواء كان صدر عن الوحي أو عن الفلسفة. ولا توجد فلسفة ليست ذروتها دين سواء تكلمنا على الفلسفة اليونانية أو العربية أو اللاتينية أو الفلسفة الحديثة .فلا يمكن تصور القيم متجاوزة للقيمتين الاقتصاديتين من دون هذا البعد المؤمن بتعدد العوالم وبأن العالم المحسوس هو أقل العوالم الممكنة كثافة وجودية لأنه أقلها دلالة قيمية. وغالبا ما يوهم الكثير من سجناء وحدانية العالم -عالم المدارك الحسية -ما يعتبرون ما عدا القيم التي ليس منه إما أوهام يعزي بها أصحابها فقدانهم لها ولا يرون أن الاكتفاء بها نوع من الأفيون يطلقه من يتصوره الوحيد الممكن مثل كل المدمنين على أي مخدر أو مله :فالملاهي والمخدرات هي غاية ما يؤول إليه من يسجن نفسه في عالم وحيد هو عالم المدارك الحسية. ولذلك فلا يمكن أن تعتبر الماركسية فلسفة فضل عن أن تكون علما .فالهيجلية بنظرية الروحانية الجدلية حاولت أن تدمج ما لا يرد إلى القيمتين الاقتصاديتين في العالم الذي ظنه ماركس قابلا للاستغناء عنه في نظرية المادية الجدلية .ومعنى ذلك أن إطلاق العالم الطبيعي والتاريخي يغني عن التجاوز. وإذا وجد كلام على قيم متجاوز للقيمتين الاقتصاديتين في ماركسي فاعلم أن الأمر خداع إيديولوجي لأن حصر الوجود في العالم الطبيعي والتاريخي إذا صار وحيدا فهو ملغ لتصور قيم من جنس آخر .فالقيم متضايفة مع عالم هو شرط إمكانها .والحصر نفي لإيماض عالم آخر لا يرد إليه أساسا لمتعالي القيم. ولا حاجة للكلام على العوالم الأخرى لفهم هذه الظاهرة :فالجميع يميز بين الأكل دون ذوق والجنس دون حب والاكل مع الذوق والجنس مع الحب .وما يضيفه الذوق للأكل أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- والحب للجنس غير ما تنتظره البايولوجيا منهما .والسؤال هو ما طبيعة هذه الإضافة بالقياس إلى البايولوجي :قيام البدن وبقاء النوع؟ والسؤال :هل يقدر ذوق الأكل وذوق الحب في الجنس بقيمتي الاقتصاد رغم أن التبادلية ذات علاقة بالفني في المائدة والسرير؟ فهل يمكن أن نعتبر القيمة التبادلية في الأكل التي تميز بين المطاعم وأسعارها تضمن كثافة الذوق الغذائي والجنسي وإن دلت على ظاهرهما. هل الجنس مع أشهر \"فاجرة\" دون حب يعبر عن ذوق أم عن شهرة مضاعفة بها وبالمال الذي مكن منها؟ وكيف نفهم ظاهرة الأكل دون ذوق والجنس دون حب؟ يمكن أن نعتبرها ظاهرة عضوية غاب فيها حضور ما يتعالى على العضوي في الإنسان رغم أن \"المقدار\" الذي يضيفه الذوق والحب للأكل والجنس يدرك نوعا من الإدراك له أثر على الإدراك الحسي إذ هو يضفي قيمة ومقدارا من كثافتهما المتجاوزة للعضوي فيهما. وهذا المقدار والكثافة التي تدرك وتدرك تجاوزها للعضوي فيهما لا بيع فيهما ولا شراء حتى وإن بدوا قابلين للشراء والبيع الأول بمستويات المطاعم والثاني بمستويات الجنس المطلوب من الرجل بين النساء ومن المرأة بين الرجال وغالبا ما يكون الوصل إلى ذلك الكلمة والعملة مع تقديم وتأخير. لكن لا بد منهما معا :فسعر المطاعم والشهرة يمثلان دور العملة والكلمة وكذلك سعر \"الجنس المقابل\" وشهرته .فيصبحان محل تقويم اقتصادي بالمعنيين .لكن هل المقوم في الحالتين هو ما يحققه الذوق والحب أو هو مجرد ظاهر التعبير عن كون فاعلهما صاحب ذوق وحب وهما مزيفان في الغالب؟ وهنا يطرح السؤال :ما الذي يجعلنا نميز بين صادق الذوق والحب الذي لا يعنيه المظهر بل الحقيقة وكاذب الذوق وظاهر الحب الذي لا تعنيه الحقيقة بل المظهر؟ ما الذي يجعل ما يشترى ويباع من هذين القيمتين هو مظاهر حيازتهما وليس حيازتهما الفعلية؟ أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- ما علة تقديم ما يقال عن الذات على حقيقة ما فيها؟ ما علة تقديم الظهور Le paraîtreعلى الوجود L'êtreبحيث يمتنع فهم طبيعة الإضافة التي تنتج عن الذوق في الاكل وعن الحب في الجنس أم إن هذه الإضافة غير موجودة وراء الظهور الذي يدل عليه اختبار المطعم في الأكل والقرين في الجنس .وبعبارة حاسمة :هل المقابلة من أصلها عديمة المعنى؟ ومعنى تساؤلي :هل يمكن تصور قيم متعالية على الاقتصادي من دون دين أي من دون تصور العالم الدنيوي ليس هو العالم الوحيد الذي يمكن أن يتحقق فيه ما يوجد في كيان الإنسان المتحد بنا وروحا بين التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي صادرين منه والعالمين الطبيعي والتاريخ مفروضين عليه؟ وهنا تتكشف لنا مفارقة عجيبة :ما يتوهمه أدعياء الحداثة حرية هو العبودية وما يتوهمونه عبودية هو الحرية .فعندما يعتبرون لا يرون أن القيم هي أيضا من جنس المقدرات الرياضية والمقدرات الميثولوجية ثمرة لفتح آفاق وعوالم يبدعها ما في الإنسان من تعالم على ما يسمونه واقعا فهم عبيد المظاهر. فالإنسان الذي يمثل الجسر بين العالمين اللذين يظنهما الحداثي \"افتراضيين\" أي تقدير ذهني في الرياضي والميثولوجي من ناحية والعالمين الطبيعي والتاريخي \"الفعليين\" اللذين يظنهما \"حقيقيين\" لأنهما مفروضان عليه من خارج \"موضوعيين\" حسب رأيهم هو اللغز الوجودي الذي يفهمنا معنى القيم المتعالية. وما كان يمكن أن يمثل هذا الجسر لو لم يكن بالجوهر ذا كيان هو عين \"الديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات\" وعين الإسلام أو هو الحقيقة الفعلية للقرآن بوصفه رسالة فاتحة وخاتمة بمعنى أنه ليس له من مضمون إلا هذا الجسر الواصل بين عالمين محدود للقيم الاقتصادية ولامحدود للقيم المتعالية عليها والمحررة منها بالانتقال من سلطانها على الإنسان إلى سلطانه عليها. أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- والرسالة الخاتمة هي الرسالة المذكر بالرسالة الفاتحة .والفاتحة مرسومة في كيان الإنسان والخاتمة هي التي تذكر الإنسان بما هو مرسوم في كيانه من حيث هو واحد ذو وجهين: بدني يصله بالعالم المحدود ذي القيمتين الاقتصاديتين وروحي يصله بالعالم اللامحدود ذي القيمتين المعالتين عليهما. ويمكن اعتبار فنا المائدة والسرير ممثلين للوصل عن طريق البدن واعتبار هذا الوصل مكتفيا بذاته وليس رمزا للمتعاليات يحوله إلى نفي مضاعف :ذلك أنه في مسعاه إلى الترف: .1يلغي ما يرمز إليه البدن من حقيقة .2وينفي حقيقة ما يرمز إليه الروحي في آن. فيكون المناط الفن بـمتدانيه ومتعاليه .والتداني في فن المائدة وفي فن السرير نفي اضافة الذوق والحب للوظيفة العضوية في المائدة والسرير .ويكون التعالي في الفنين رفع المائدة والسرير إلى اعتبار الاضافة جاعلة المائدة والسرير بداية العبادتين في الدورين المقيمين للكيان العضوي للفرد وللجماعة ووعيا بحضور اللامتناهي في المتناهي فيهما وفي ما حولهما من العالمين الطبيعي والتاريخي وفي العلاقة بين العالمين في الاتجاهين. فالديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات الذي هو واحد من حيث الطبيعة وإن كان ذا وجهين من حيث أسلوب إدراك ذاته مثل وجهي كيان الإنسان البدني (الفلسفي) والروحي (الديني) هو الفطرة وهو جوهر العبادة التي يعي الإنسان بفضلها أنه هذا الجسر الواصل بين العالمين المتناهي واللامتناهي. فكيان الإنسان وجدان يبدع العبارة عن الديني في فطرته وفرقان يبدعها عن الفلسفي. والتقديران الذهنيان متقدمين على تطبيقات الإنسان لهما في علم الطبيعة وعمل التاريخ لكونهما نابعين من كيانه ووجوداه الطبيعي والتاريخي تاليين عن كيانه وذانك هما أصل الديني وأصل الفلسفي المتقدمين على كل المبدعات الحضارية للإنسانية والمؤسسين أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- لها وهما ليسا مكتسبين إلا بسبب حاجتهما لشروط تحققهما خلال العلاقة بسد الحاجات في العلاقة بالطبيعة وفي العلاقة بالتاريخ. فالمكتسب ليس القدرة على إبداعهما بل إبداع العبارة عنهما بمعنيين رمزي خالص وآلي خالص والأول متقدم لكونه شرطا في الثاني .وكلا النوعين يمكنان من قولهما وفعلهما بل هما الإبداع القادر رمزيا وتقنيا على تنظيم علاقتيه بالطبيعة أي النظر والعقد وبالتاريخ أي العمل والعشر .وذلك هو معنى التربية التوليدية أو التذكير المحمدي والسقراطي لإخراج هذين الإبداعين بشكليهما الرمزي والآلي الضروريين في هذين العلاقتين بالطبيعة والتاريخ الخارجيين (حول كيان الإنسان) والداخليين (في كيان الإنسان). أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- ولأمر الآن في هذا الفصل الثالث إلى وصل أسمى :فبعد الوصل بين نظرية القيم ونظرية المائدة والسرير واكتشاف صلة الوصل بينهما بدور العلاقة بين نوعي التقدير الذهني الرياضي والميثولوجي قبل الإنسان ونظرية الطبيعي والتاريخي بعده تبين ان المحاولة تؤدي إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالإنسان جسرا بين الطرفين المضاعفين. والعلة أن التوحيد بين العالمين مستحيل من دون استكمال الوساطة ولكن هذه المرة دون توحيد :فالجسر مستحيل بالإنسان وحده لأن ما فيه من حرية خلقه \"للعالمين الاولين\" المتبوعين (الرياضيات والميوثولوجيات) وضرورة تبعيته للعالمين الثانيين (الطبيعة والتاريخ) لهما علة أسمى منه تلازمه. وهكذا نكتشف الوصل الأسمى :الوصل بما سميته المعادلة الوجودية .فما كان يمكن للإنسان أن يتشوف لعالم اللامتناهي من دون العلاقة المباشرة بالله في قلب المعادلة الوجودية .فإذا استكملنا الجسر بين التقديرين والعالمين أمكن أن نفهم التطابق بين الجسر وشرطه مع توزيع جديد لما تقدم عليه ولما تأخر عنه. فتحقق المعادلة الوجودية بهذه الصورة الوصل الأسمى :نضع في القلب التلازم بين الله والإنسان في علاقة مباشرة لا يخلو منها وعي إنساني .ثم نقسم عالمي الضرورة والحرية المفروضين على الإنسان قبل القلب وبعده فتكون الطبيعة قبل القلب والتاريخ بعده .ثم نضع التقدير الرياضي قبل الطبيعة والميثولوجي بعد التاريخ. وهذه هي المعادلة الوجودية الواصلة بين العوالم: .1التقدير الرياضي .2الطبيعة ( .3الله والإنسان) .4التاريخ التقدير الميثولوجي. أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- والتقدير الرياضي هو ما بعد الطبيعة والتقدير الميثولوجي هو ما بعد التاريخ .وهما العلاقة غير المباشرة بالله ترجمانا إبداعيا للعلاقة المباشرة أي الخلاقة والحرية .ولست أعني بما بعد الطبيعة الميتافيزيقا ولا أعني بما بعد التاريخ الميتاتاريخ بل القصد بالأول الشرط الابستيموجي لعلم الطبيعة وبالثاني الشرط الاكسيولوجي لعمل التاريخ .وهما شرطا ما سميته نظرية النظر والعقد للأول ونظرية العمل والشرع للثاني. • والأول بداية الفلسفي وغاية الديني • والثاني عكسه أي إنه بداية الديني وغاية الفلسفي. فيكون العالم الطبيعي عالما متناهيا هو أحد العوالم الرياضية الممكنة واللامتناهية ويكون العالم التاريخي عالما متناهيا هو أحد العوالم الميثولوجية الممكنة واللامتناهية. والعالمان الرياضي والميثولوجي هما ما يبدعه الإنسان لحدسه اللاتناهي الذي ينسبه إلى قدرة الله المعرفية والقيمية. وتعاكس الاتجاه بين الفلسفي والديني في قطع نفس المسار الواحد يعيشه الإنسان في كيانه الذاتي مراوحة بين بدنه مدخلا لروحه وروحه مدخلا لبدنه: .1فمن الابستمولوجي علما للطبيعي إلى الأكسيولوجي عملا للتاريخي وما بعدهما (فلسفي). .2ومن الأكسيولوجي عملا للتاريخي إلى الابستمولوجي علما للطبيعي وما بعهدهما (ديني). يراوح الإنسان بين وجهي كيانه في اشرئبابه إلى رؤية الله :فببدنه يرى الطبيعة وما وراءها وبروحه يرى التاريخ وما ورائه .وبهما معا يرى في كيانه قلب المعادلة الوجودية أو العلاقة المباشرة بينه وبين الله فيمتد بحدسه إلى الماورائين في المعادلة .وتلك هي العلاقة اللامباشرة بينه وبين ربه. ولهذه العلة سميت الديني حكمة الحب والفلسفي كما هو معلوم يسمى حب الحكمة .وحب الحكمة الفلسفي ينتهي إلى حكمة الحب الدينية .وحكمة الحب الدينية تنتهي إلى حب أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- الحكمة الفلسفية .فتتحرر العلوم من ضرورة الطبيعة بتجاوزها الرياضي وتتحرر القيم من ضرورة التاريخ بتجاوزه الميثولوجي .ويتحرر الإٌنسان من وحدة العالم الطبيعي والتاريخي سجنا لاشرئبابه فيتعالى عليهما إلى عوالم لا متناهية. ولا يمكن تصور الوجود الإنسان من دون الرياضيات والميثولوجيات شرطين لإخراج ذاته من السجن في الطبيعيات والتاريخيات .وهو في الاولين يسهم في فعل الخلق الوجودي وفي الثانيين يحاول التحرر من الموجود بما في كيانه من آثار المنشود :والمنشود قيم معرفية وقيم خلقية تصلان المتناهي باللامتناهي. وقد سمى القرآن القيم المعرفية فحدد تقوم الخلق بالقدر .وهو قيمة رياضية .وسمى القرآن القيم الخلقية فحدد تقوم الأمر .وهو قيمة خلقية. • والأول هو شرط النظر والعقد. • والثاني هو شرط العمل والشرع. وعندئذ نستطيع أن نفهم طبيعة ما يضيفه الذوق والحب للمائدة والسرير في حياة الإنسان المستنير. وعندي مبدأ لم أتخل عنه أبدا سواء لما كنت أقدم دروسا لطلبتي أو بعد ذلك لما صرت اكتفي بالكتابة :لا اعتبر الفكرة أو النظرية التي لا تقبل العرض في شكل رسم هندسي فكرة أو نظرية أصلا .ذلك أن النظرية هي ما يقبل أن يكون موضوع بصر وبصيرة. والبصيرة تلي البصر بنقله من المحسوس إلى المحدوس. والمحسوس بهذا المعنى رمز للمحدوس .فمن لم يدرك العلاقة التي يرمز بها المحسوس للمحدوس لا يفهم ما نقصده بأن الذوق يضيف للمائدة شيئا هو أصل فنها وأن الحب يضيف للجنس شيئا هو أصل فنه .والفنان هما المحدوس في المحسوس من المائدة والسرير .وهو من ثم موضوع البصيرة الروحية ذوقا وحبا. والحمير من ادعياء التحديث وأدعياء التأصيل صم بكم عمي فهم لا يعقلون لأنهم يتصورون أن المحسوس هو المرموز وهو المدلول في حين أنه رامز ودال في نسبة البصر إلى أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- البصيرة .ولذلك اعتبرت هذه النسبة موجودة في الحواس الخمسة :سميعة وشميمة وذويقة ولميسة قيسا على بصيرة حادسة وراء الحاسة. ومثلما أن البصر لا يكفي لرؤية الجمالي في الرسمي (أو إظهار الوعي بالوجود المكاني وهو دائما انعكاس المكان البدني أو حيز المكان الداخلي على حيز المكان الخارجي) فكذلك السمع لا يكفي لسماع الجمالي في الموسيقي (أو إظهار بالوجود بالزماني وهو دائما انعكاس الزمان الروحي أو حيز الزمان الداخلي على حيز الزمان الخارجي). ويمكن القول إن هذين الحاستين بالحادستين اللتين تهديانهما هما الواصلتان بين التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي وتطبيقاتهما على الطبيعة والتاريخ بمعنى غلبتهما على النظر والعقد والعمل والشرع في التشكيل الصوري للمعاني الوجودية والقيمية أو لموضوع نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) ولموضوع نظرية القيم (الأكسيولوجيا). لكن بقية الحواس متعلقة بالمضمون الوجودي الذي هو بخلاف الشكل الوجودي لا شركة فيه لكونه المتعين المتميز بكونه مطلق الفردية أو ما يسميه ابن خلدون بالوجدانيات التي لا تنقال رغم أنها هي بدورها علاقة بين الأحياز الذاتية في كيان الإنسان والأحياز الأجنبية في كيان العالم .فالشم لا يكفي لشم الطيب الذاتي في العطر الخارجي والطعم لا يكفي الذوق الذاتي لذوق المذوق الخارجي واللمس لا يكفي لمس الحي الذاتي للمس الحي الخارجـي .وأقصى ما في هذه الحواس المضمونية اجتماعها واكتمالها بضم الحاستين الأوليين في إحدى علامات الحوادس وارس الحواس المطلقين في اللذة الجنسية التامة في الحب إذا جمع كل الحوادس بين ذاتين كلاهما يتطابق فيه الحس والحدس إذ يتطابق الذاتي والخارجي بالحضورين المتماعيين. ولذلك تجد دعي التحديث يسخر من دور الأكل والجنس في الجنة لأنه يقيسهما على رؤيته لهما حتى في الدنيا دون ذوق أو حب ودعي التأصيل يراهما مثله فلا يفقه الدلالة أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- لأنه في الدنيا أيضا لا يرى الحوادس وراء الحواس فيكون الصفان كلاهما من الصم البكم والعمي الذين لا يعقلون بأتم معنى الكلمة. والعلة في الحالتين هي نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة بين الفكر والوجود ونظرية العمل القائلة بالمطابقة بين الإرادة والقيم والمطابقة تعني عندهم ان العالم الوحيد الذي يستحق اسم الحقيقة هو العالم المحسوس وما عداه من الخيال سواء كان في التقديرين الذهنين فيرد الديني والفلسفي إلى ظاهر الاديان والفلسفات :فالدعيان يتصوران الوجود الطبيعي قابلا للرد إلى إدراكهما متوهمين عقلهما محيطا ولا يرون أن الطبيعي غائبه أكثر من شاهده فضلا عن غيبه ويتصوران عملهما مطلقا فيعمون في التاريخ عماءهم في الطبيعة. لكنهم مع ذلك يبقى فيهم بصيص نور مهما خفت وهو أثر البصيرة التي تومض في لحظات الصفاء الروحي الذي يشبه لحظات التيقظ خلال سنات الغفو. فما نعلمه من الطبيعة بالقياس إلى ما نجهله في نسبة الصفر للامتناهي وما نعمله في التاريخ بالقياس إلى ما يجري هو في نفس النسبة علما وأننا ما نعمله هو ثمرة اجتهاد الإنسانية كلها المتراكم لاستكشاف الطبيعة وما نعمله هو جهاد الإنسانية كلها المتراكم لعمل التاريخ. فإذا تحررنا من الفصل بين العالمين الطبيعي والتاريخي وتصورهما الوجود الحقيقي المطلق من جهة أولى وعالمي التقدير الذهني الرياضي والتقدير الذهني الميثولوجي وتصورهما من أوهام الخيال الإنساني فهمنا أن الإنسان هو الحد الأوسط بين الوجين الأولين والزوجين الثانيين فنتحرر من الاطلاقين. فلا الطبيعة ولا التاريخ بممثلين للحقيقة المطلقة ولا التقديران الذهنيان الرياضي والميثولوجي بممثلين للخيالي الإنساني .إنما هما وجهتا كيان الإنسان إلى ما دونه وإلى ما فوقه دون أن يرد كيانه العضوي والروحي إلى ما دونه ولا إلى ما فوقه .فليس الإنسان كائنا طبيعيا ببدنه ولا هو تاريخي بروحه بل هو كلاهما بهما كليهما دون أن يكون ما يشرئب إليه منهما أي ما فوق الطبيعي وما فوق التاريخي بل كيانه هو عين شهوده لعلاقتهما بهما أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- يشدهما إلى ما يقيمهما .وشهادة علاقتهما هي عين المعين الذي تتقوم به مقوماته كيانه الخمسة: .1الإرادة الحرة .2والعلم الصادق .3والقدرة الخيرة .4والحياة الجميلة .5والوجود الجليل. وهو لا ينفك عن ذلك .فحتى عندما تصبح إرادته مستعبدة وعلمه كاذب وقدرته شريرة وحياته قبيحة ووجوده ذليل فهو مدرك ذلك بدليل تغطيته موهما بحيازة عكوسها. وذلك يعني أن جوهر وجود الإنسان كما حدده ابن خلدون هو كونه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" أي إن الإنسان قبل أن يكون حيوانا عاقلا هو حيوانا عابدا أو متدينا بما يتعالى عليه وهو معنى الوعي بكون خليفة محققا لشروط الجدارة بالخلافة أو مقصرا دونها. فالمرء لا يكذب دون وعي بأنه يكذب .لذلك تراه يحاول التظاهر بالصدق ويطالب بتصديقه .وقس عليه بقية المقومات إرادة وقدرة وحياة ووجودا .ولهذا كان النفاق من الكبائر لأنه جرم مضاعف :ففيه الكذب وفيه الغش بإظهار صاحبه عكس ما يضمر .وكل القيم التي حللناها علة فسادها هي غلبة الظاهر على الباطن. وهكذا بالتدريج نصل إلى المفهوم الخلدوني الثوري الذي سماه \"فساد معاني الإنسانية\" واعتبره ناتجا عن تدخلين عنيفين في التربية والحكم كلاهما يؤدي إلى ما يشبه مفهوم الخسر في سورة العصر التي تصرح بشروط الاستثناء منه وتضمر أن هذه الشروط هي ما أصابه الفساد الذي سمته خسرا. فالوعي بفساد معاني الإنسانية بسبب عنف التربية والحكم (المقدمة الباب السادس الفصل )40هو الخسر وشروط الخروج منه لا علاج له في سورة العصر وكذلك في رؤية أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- ابن خلدون نظرية في التربية ونظرية في الحكم مبينتان على مقومي تحرر الفرد ومقومي تحرر الجماعة من علل فساد معاني الإنسانية. والوعي بالخسر فعل موجب وهو عين تبين الرشد من الغي الذي يجعل الإنسان يكفر بالطاغوت أعني أنه يتحرر من علة \"فساد معاني الإنسانية\"(ابن خلدون) فيؤمن بالله .إذ لا يوجد علاج يحرر من كل سلطان غير سلطان الله .فالفرد الفرد يتحرر بالإيمان (نظر وعقد) وبالعمل الصالح (عمل وشرع) والجماعة تتحرر بالتواصي بالحق (الاجتهاد الجمعي لمعرفة الحقيقة) والتواصي بالصبر (الجهاد الجمعي للعمل بها) (الشورى .)38 أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- فرغنا الآن من الكلام على الوصل بين العوالم الأربعة (الطبيعي وما بعده أو التقدير الرياضي والتاريخي وما بعده أو التقدير الميثولوجي) بتوسط الجسر النواة في المعادلة الوجودية (علاقة الله والإنسان المباشرة التي تجعل الأول أقرب إلى الثاني من حبل الوريد) بين كلى الزوجين منها أي عالم التقدير الرياضي وابستمولوجية الطبيعي وعالم التقدير الميثولوجي وأكسيولوجية التاريخ. فالوصل الأول بين التقدير الذهني الرياضي والطبيعي وصلا ابستمولوجيا يجعل العلم في العالم الطبيعي علاقة بين التقدير الذهني وتجريب العيني الطبيعي .والوصل الثاني بين التقدير الميثولوجي وتجريب العيني التاريخي وصلا أكسيولوجيا يجعل العمل في العالم التاريخي علاقة بين التقدير الذهني وتـجربة العيني التاريخية. وما نكتشفه بالبحث العلمي خلال الوصل الأول هو آيات الله في الآفاق الطبيعية. وما نكتشفه في الوصل الثاني في الآفاق التاريخية .لكننا لا نكتشف الآيات في الآفاق بمعنييهما إلا من خلال اكتشافهما في الأنفس بوصفهما حالتين خاصتين من العوالم الممكنة التي نبدعها في ذينك التقديرين الذهنيين. ومعنى ذلك أن التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي اللذين يبدعهما الإنسان مرسومان في فطرة الإنسان والآفاق والأنفس تذكير طبيعي وتاريخي يوقظ فينا ما يجعل دور القرآن الذي يستدل بهما تذكيرا من مستوى ثان ومضاعف :فهو تذكير يشبه السبابة التي تشير إلى ما في الآفاق والانفس من آيات الله. وآيات الله في الآفاق والانفس التي تبين أن القرآن حق (فصلت )53لا تدركها الحواس وحدها بل هي تحرك الحواس التي تحرك الحوادس فينقل الإنسان من البصر إلى البصيرة وحينها لا يبقى الإنسان أصم وأبكم وأعمى فلا يعقل بل يصبح عاقلا بمعنى مسهما في ابداع التقديرين فتكون حياته كـ\"توهم\" المحاسبي .وقد اقتربنا الآن من القيم الأسمى وهي مضاعفة وتبدو عكس القيم الاقتصادية: أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- .1قيم التبادل اللانفعي أي تبادل بدون مقابل مادي وشرطها التحرر من سلطان العملة ليصبح المتبادل صاحب السلطان عليها وهي الانفاق من الرزق. .2القيم الاستعمال اللانفعي أي تواصل بدون انتظار جزاء ولا شكورا وهي التواصي بالحق والتواصي الصبر. وقد بينا أن رمز الفعل (العملة) أو رمز الثروة بدلا من أن تكون أداة تبادل تتحول إلى سلطان على المتبادلين (الربا المادي) وأن فعل الرمز (الكلمة) أو رمز التراث بدلا من أن تكون أداة تواصل تتحول إلى سلطان على المتواصلين (الربا الروحي) .وهما بعدا التحريف أو دين العجل :الذهب والخوار. ولذلك كان التحرر من هذا الانقلاب من أداة التبادل إلى سلطان على المتبادلين ومن أداة التواصل إلى سلطان على المتواصلين هما الجرمان الأكبران في القرآن ولا يعد أكبر منهما إلى أصلهما أي الشرك الذي هو عدم التحرر من الطاغوتين الاقتصادي والثقافي اللذين هما جوهر فساد السياسي تربية وحكما. وكون الإنسان خليفة بالقوة يعني أن جميع البشر لهم هذه الامكانات لكن الانتقال من الحواس إلى الحوادس ليس يسيرا ولا هو في متناول الجميع فالانتقال من البصر إلى البصيرة ومن السمع إلى السميعة ومن الشم إلى الشميمة ومن الذوق إلى الذويقة ومن اللمس إلى اللميسة هي الاستخلاف بالفعل. وهذا الاستخلاف بالفعل هو الذي سماه القرآن الكريم تبين الرشد من الغي (البقرة )256الذي يؤدي إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله فيكون العروة الوثقى التي لا انفصام لها .ولأن ذلك كذلك فلا يمكن أن يوجد الإكراه في الدين لأنه لن يحقق شيئا وإذا بدا محققا شيا فهو يحقق النفاق الديني. ومعنى ذلك أن الإكراه بخلاف التسابق في الخيرات (المائدة )48الذي من شرطه التعدد الديني حتى يتدرج الإنسان في تبين الرشد من الغي يؤدي إلى عبادة العجل الذي هو أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- تدين المنافقين لأنه يجعلهم يتسلطون على الدين ويعبدون بعدي العجل معدنه وخواره فيحرفونه بهما لسلب رزق العامة المادي والروحي. وقد استعملت امثولة العجل القرآنية لفك ألغاز ما يحدث في الخداع الذي يمكن من السيطرة على الإنسان وجعله عبدا روحيا وماديا بديلا أبلغ وأكثر قدرة تفسيرية من استعمال الأدب والميثولوجيا اليونانيين لفك الغاز ما يحدث فعلا في علم النفس (فرويد) أو في التاريخ (هيجل) .فتحريف تعاليم موسى في أمثولة العجل القرآنية أكثر مطابقة للأمرين معا :للتحريف ولغلبة ما يجري فعلا في البنية العميقة للنظاميين السياسيين اللذين يحكمان الإنسانية بالخداع الذي يغطي على التحريف. فتحريف الديني يكون سلطة روحية وسيطة بين المؤمن وربه (الكنسية في الكاثوليكية والتشيع مثلا) وسلطة زمانية بين المؤمن وأمره (الحكم بالحق الإلهي فيهما) .وتحريف الفلسفي يكون له نظائر منهما كما في الماركسية صراحة بالحزب وفي الرأسمالية بالبنك والملهيات الإعلامية والتنويمية. وقد سميت ذلك بالبنية العميقة للثيوقراطيا (الحكم المخادع باسم الله :الدولة الدينية) والأنثروبوقراطيا (الحكم المخادع باسم الإنسان :الدولة العلمانية) .وهذه البنية العميقة هي الأبيسيوقرطيا أو الحكم باسم العجل الذي يمثل العلة الغائية للنوعين اللذين يمثلان غطاء عليه محركا فعليا. وبين أن الثيوقراطيا تأخذ من نواة المعادلة الوجودية \"الله\" غطاء ليخفي حكمها الظاهر باسمه لكن حكمها الفعلي يكون باسم بعدي العجل أي معدنه (العملة) وخواره (الكلمة). وبين كذلك أن الأنثروبوقراطيا تأخذ منها \"الإنسان\" غطاء يخفي حكمها الظاهر باسمه لكن حكمها الفعلي يكون باسم العجل ببعديه كذلك .والفرق مقصور على أسلوب الخداع: وهو في الأول الكلام على الواجب إزاء الله وفي الثاني الكلام على حق الإنسان. وأهم فنون الخداع هي المعركة الزائفة بينهما إذ يتبادلان التهم حربا خداعية بين الثيوقراطيا أو الحكم الديني والأنثروبوقراطيا أو الحكم العلماني في حين أنهما كليهما لا أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- يحكمان باسم ما يدعيانه بل باسم بعدي العجل تحريفا لأداة التبادل وأداة التواصل بجعلهما أداتي السلطان على الإنسان. فيصبح فرعا السياسة فنين للخداع في التربية بنقل الكلمة من أداة تواصل إلى أداة سلطان روحي مغشوش على المتواصلين وفي الحكم بنقل العملة من أداة تبادل إلى أداة سلطان مادي مغشوش على المتبادلين .والاول هو الربا الروحي المهيمن على الأرواح والثاني هو الربا المادي المهيمن على الأبدان. وذانك هما الطاغوتان اللذان لا يمكن أن يؤمن الإنسان بالله ما لم يكفر بهما أي ما لم يتحرر من سلطانهما على ذاته أولا وعلى استعمالها للسيطرة على الغير .فيعود الإنسان بذلك إلى حصر دور العملة في دور أداة التبادل وحصر الكلمة في دور أداة التواصل وحينها تبدأ مرحلة القيم الأسمى. وحينئذ يكون سؤال القيم :هل يمكن تخيل مجرى التبادل والتواصل كيف يكون من دون تحويل العلمة إلى أداة سلطان على أبدان الآخرين والكلمة إلى سلطان على أرواحهم. والسلطان على الأرواح مقدم لأنه هو الذي ييسر السلطان على الأبدان بحيث إن تحريف الكلمة والتربية يؤسسان لتحريف العملة والحكم .وهو ما يعني أن النواة (الله-الإنسان) التي في قلب المعادلة الوجودية لا يحرف أحد مقوميها من دون تحريف الثاني: .1فإذا حرف مفهوم الله حرف مفهوم الإنسان. .2وإذا حرف مفهوم الإنسان حرف مفهوم الله. فالثيوقراطيا تحرف مفهوم الله ويترتب عليه تحريف مفهوم الإنسان والعلمانية تعكس فتحرف مفهوم الإنسان ويترتب عليه تحريف مفهوم الله .وهما جوهر القول بالمنطق الجدلي .ذلك أن الثيوقراطيا تجعل السلطة الأرضية ربا والأنثروبوقراطيا تجعل الرب إنسانا .فلا تختلفان لأن السلطة في الحالتين هي تؤدي إلى القول بحلول الرب في الإنسان أو حلول الإنسان في الرب .وذلك هو مفهوم الواحد ذي الهوية المتناقضة والملغية للتعالي لحصر الوجود في سجن صراعات التنافي. أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- فالثيوقراطيا تنطلق من دعوى تمثيل الله في التربية (الوساطة الروحية) وفي الحكم (الوصاية) .وتنتهي إلى الثالوث أو التجاوز التوليفي بالمعنى الهيجلي الذي يجعل الحلف بين وساطة التربية باسم الله ووصاية الحكم باسمه تأليف صاحبي السلطانين الروحي (الكنيسة) والزماني (الدولة) ولا يكون الله إلا غطاء مخادعا لتأليه بعض البشر المتسلطين. والأنثروبوقراطيا تنطلق من دعوى تمثيل الإنسان في التربية (الوساطة العلمانية) وفي الحكم (الوصاية العلمانية) وتنتهي إلى الثالوث أو التجاوز التوليفي بين صاحبي الوساطة (الإعلام والملاهي) والوصاية (الدولة والبنك) ولا يكون الإنسان إلى غطاء مخادعا لتأنيس الله في شكل كهنوت العجل. وهكذا فالثيوقراطيا أو النظام الديني والأنثروبوقراطيا أو النظام العلماني كلاهما نظام له كهنوت وساطة في التربية وجبروت وصاية في الحكم ليس الله والإنسان فيهما إلا غطاءين لتحويل الكلمة (فعل الرمز) والعملة (رمز الفعل) إلى أداتي سلطان على المتبادلين والمتواصلين بدلا من أن يكونا كما هما أداتي تبادل وتواصل. وينتج عن الفصل نوعا وحدة الوجود الطبعانية والتاريخانية .فعندما نفتت وحدة النواة بين الخليفة والمستخلف بالوساطة في التربية وبالوصاية في الحكم سواء كان ذلك بصورة ثيوقراطية أو بصورة انثروبوقراطية يحيف الله في الطبيعة ويحيث الإنسان في التاريخ فلا يبقى خليفة ومستخلف ولا قيم أسمى. فتحييث الله في الطبيعة ينفي تعاليه عليها فتصبح العالم الوحيد الممكن -سبينوزا-ويكون الإنسان ريشة تتقاذفها موجاتها-التلمساني .وتحييث الإنسان في التاريخ ينفي تعاليه عليه فيصبح العالم الوحيد الممكن -هيجل-ويكون الله ريشة تتقاذفها أحداثه -ابن عربي: وذلك هو تحريف المعادلة الوجودية. ومن هذين التحييثين المؤسسين لوحدة الوجود الطبعانية ووحدته التاريخانية يستمد ابن تيمية أهم حججه في دحض الرؤية الفلسفية والكلامية في النظر والعقد والفقهية أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- والصوفية في العمل والشرع .فنظرية المعرفة ونظرية العمل القائلة بالمطابقة هما السر في التحييثن ونفي الفرق بين الموجود والمنشود ومن ثم سجن الإنسان في المحدود لحرمانه من الأفق اللاحدود. أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- اعتبار العلاقة المباشرة بين الله والإنسان في قلب المعادلة الوجودية محكومة بالتمانع هي علة المنطق الجدلي الذي يعالجه القرآن بنظرية الاستخلاف الذي يجعلها نواة تؤسس لتعالي القيم التي تمثل جوهر القلب في وجهي المستخلف والخليفة بمفهوم الأقرب من حبل الوريد وجوهر المحيطين بمفهوم الماوراء .فما وراء الطبيعة هو ما ننسبه إلى المستخلف وما وراء التاريخ هو ما ننسبه إلى الخليفة .كذلك يرى القرآن الأمرين: .1فهو يحمل الإنسان مسؤولية أفعاله التي هي لب التاريخ التكليفي. .2وما ليس من التكليفي في التاريخ يعود إلى الطبيعي فيه. والإنسان ليس مسؤولا عنه فعلمه اجتهاد وعمله جهاد نسبيان .وقد تبدو هذه الرؤية بسيطة إلى حد اعتبارها راجعة إلى الرؤية العامية في حين أنها الوحيدة التي يمكن أن تعلل الفرق بين المنشود والموجود ولا تدعي إطلاق الموجود فتعتبر العالم الذي يرد إلى مداركنا الحسية والعلمية هي عين الوجود في ذاته في النظر وتطلق أعمالنا فتهمل ما لا سلطان لنا عليه. ورد الوجود الطبيعي إلى العقل الإنساني في النظر والعقد والوجود التاريخي إلى الإرادة الإنسانية في العمل والشرع هو العامي في الحقيقة لأن النظر والعقد نفسه لو كان مطابقا لاستحال أن يتطور علمنا والعمل والشرع نفسه لو كان مطلقا لاستحال أن يتجود عملنا أو لكانا كلاهما محدودين قبليا. وإذن فالرؤية الجدلية بالتناقض والتنافي بين بعدي نواة المعادلة الوجودية \"الخليفة والمستخلف\" في الرؤية القرآنية واسقاط ذلك على وحدة الوجود الطبعانية ووحدة الوجود التاريخانية علته إطلاق ابستمولوجية النظر والعقد بالمطابقة المعرفية وإطلاق أكسيولوجية العمل والشرع بالمطابقة الخلقية. لكن الوصل بمفهوم \"الاقرب إلى حبل الوريد بعلاقة الخليفة والمستخلف\" دون حلول الإلهي في الإنساني تضفي النسبية على النظر والعقد فيصبح اجتهادا والنسبية على العمل أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- والشرع فيصبح جهادا والمناط فيهما ليس النتيجة بل القصد الصادق في طلب الحقيقة والعمل بها أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر .وهو ما يعني أمرين: .1فكل المشكل يكمن في الوساطة بين بعدي النواة فلا تبقى العلاقة مباشرة بين الله والإنسان بل يتوسط بينهما من يدعي علما لدنيا وهو ما نفاه قوله تعالى \"إنما أنت مذكر\" بمعنى أن الرسول ليس وسيطا بين الله والإنسان بل مذكر بهذه العلاقة المباشرة المرسومة في كيانه. .2وكل المشكل في الوصاية على الإنسان في علاقته بأمره في صلته بالطبيعة لسد حاجاته المادية وفي صلته بالتاريخ لسد حاجاته الروحية فلا تبقى العلاقة بين الإنسان وشروط بقائه فرض عين بل تتحول إلى فرض كفاية يكون فيها الحاكم ليس نائبا عن الأمة بل مستبدا بأمرها ومؤلها نفسه. وتلك هي علة تذكير الله رسوله الخاتم بالقول \"لست عليهم بمسيطر\" .لكن \"العلماء\" و\"الأمراء\" صاروا يعتبرون أنفسهم هم أولو الامر وليس الجماعة التي استجابت لربها (الشورى )38والتي قالت الآية إن الامر أمرها وأنها هي التي تديره بالشورى وليس العلماء ولا الأمراء. وقد بينت آل عمران أن التحريف لا يمكن أن يحصل من دون حلف ضمني أو صريح بين الوسطاء والأوصياء أي بين المستبدين بالتربية والمستبدين بالحكم حتى بلغ الأمر إلى تأليه عيسى عليه السلام وهو بريء من ذلك (آل عمران )79لتأسيس الوساطة في التربية والوصاية في الحكم وشرطهما حب التأله. وقد خصص ابن خلدون لمسألة \"حب التأله\" فصولا للكلام عليه صفة إنسانية بنوعيها المؤسس للاستبداد الحكم والمؤسس للاستبداد في التربية .فالأول يفسر به ميل الحكام إلى التأليه الذاتي للاستفراد بالحكم عملا وشرعا والثاني يفسر به ميل \"المربين\" إلى التأليه الذاتي للاستفراد بالتربية نظرا وعقدا. أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- وقد قدمت في ذلك مداخلة في ندوة بيت الحكمة الختامية حول علم الكلام القديم وستنشر إن شاء الله .وكالعادة فالنظرية الخلدونية يمكن اعتبار المقدمة قد عرضت منها صيغة أولية كان لا بد من تطويرها وهو ما حاولت بيان شروطه في كلامي على الخلدونية المحدثة ووصله بعلل \"فساد معاني الإنسانية\". فمعاني الإنسانية تفسدها السياسة المستندة إلى العنف في التربية وإلى العنف في الحكم. والعنفان علتهما حب التأله عند المربين وحب التأله عند الحاكمين .فحتى يتألهوا لا بد أن يعتبر المربون نظرهم وعقدهم حقائق مطلقا لا اجتهادا وأن يعتبر الحكام عملهم وشرعهم قيما مطلقة لا جهادا. الاجتهاد في النظر والعقد اعتبره القرآن تواصيا بالحق وهو فرض عين على الجماعة كلها لا فرض كفاية والجهاد في العمل والشرع اعتبره القرآن تواصيا بالصبر وهو فرض عين على الجماعة كلها لا فرض كفاية .والتربية تذكير والحكم تدبير وكلاهما مرسوم في كيان الإنسان من حيث هو إنسان. وإدخال النسبية على النظر والعقد وعلى العمل والشرع مشروط باعتبار الإنسان نفسه في علاقة بمن له العلم المحيط والعمل المطلق وهو مناط العلاقة المباشرة بين الله والإنسان. فيكون المدار كله بين سورتي العصر بآياتها كلها والشورى بالآية 38منها ويتوسط بينهما أمرا ونهيا آل عمران بـ 104و.110 والمرسوم في كيان الإنسان بوجهيه البدني والروحي ما يتم التذكير به في التربية بالنظر والعقد وفي الحكم بالعمل والشرع دون توهم البلوغ إلى المطابقة معه لأنه هو المنشود الذي فيه مسافة فاصلة مطلقة بين الاطلاق في المقومات التي هي القيم أي الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود. ومعنى ذلك أن الوعي بالاستخلاف هو إدراك هذه المسافة بين الإرادة المطلقة والإرادة النسبية والعلم المحيط والاجتهاد والقدرة المطلقة والجهاد والحياة المطلقة وكل نفس ذائقة أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- الموت والوجود المطلق والوجود الإضافي .وفي هذه الحالات كلها نحن أمام العلاقة بين صفات المستخلف وصفات الخليفة. مضمون النواة التي يكون فيها الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد هي الوعي بهذه النسبة بين الإرادتين والعلمين والقدرتين والحياتين والوجودين .وهذه المسافة تمثل علاقة بين الموجود والمنشود في كيان الإنسان .ومعنى ذلك أن المنشود هو ما يجعل الإنسان مشدودا لما يتعالى عليه دائما. وهو ما يعني أن جوهر الوجدان نشدان .والإنسان مشدود بالوجدان إلى النشدان فلا يكون أبدا مطابقا لما يسمى \"واقعه\" بل هو متعال على كل واقع لأنه ذو سهم في إيقاعه بما له من اشرئباب لهذا المطلق الذي يجعله متعاليا على ذاته في كل لحظة فلا يتطابق معها ويشعر أنها منفتحة على عوالم لا متناهية. وهذا الشعور يحرره من الإخلاد إلى الأرض فيتحرر من اللهيث الذي يجعله يتصور المطلق في موجوده سواء كان متعينا في الثروة والعملة أصلا لسلطان مادي موهوم أو في التراث والكلمة أصلا لسلطان روحي موهوم .وتلك هي الحرية التي تجعله يسمو على الموجود الفاني لانشداده إلى المنشود الباقي. وحينها سيكون هو سيد الثروة لا مسودها وسيد التراث لا مسوده .وتلك الحرية هي التي تجعله مبدعا لنماذج النظر والعقد (التقدير الذهني الرياضي) ولنماذج العمل والشرع (التقدير الذهني الميثولوجي) فيسد بهما ما يحتاج إليه لسد حاجاته المادية معمرا للأرض ولسد حاجاته الروحية مستخلفا فيها. فيتحرر من ابستمولوجية المطابقة ولا يتوهم أن نظره وعقده هما الحقيقة المطلقة فيدعي علم الأشياء على ما هي عليه ومن أكسيولويجية المطابقة ولا يتوهم أن عمله وشرعه هما القيمة المطلقة فيدعي التحسين والتقبيح العقليين ويتذكر معنى الاجتهاد في التواصي بالحق والجهاد في التواصي بالصبر حيث لا يدعي علما مطلقا بالطبيعة وعملا مطلقا في التاريخ فينفتح وجدانه على ما يشده لنشدانه. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- والتحرر من رمز الفعل (العملة) وفعل الرمز (الكلمة) لا يعني الاستغناء عنهما بل هو يعني حصرهما في وظيفتيهما أي جعلهما كما هما أداتين للتبادل والتواصل وليس أداتين للسيطرة على المتبادلين والمتواصلين .وأول من يصبح سيدا عليهما صاحبهما لأنهما أول من يستعبداه هو صاحبهما .فالمتأله برمز لفعل عبد له والمتأله بفعل الرمز عبد له. لن يبقى الإنسان عبدا لرمز الفعل أو العملة التي هي تكثف الثروة المادية وعبد فعل الرمز أو الكلمة التي هي تكثف التراث الروحي بل يصبح سيدا عليهما لأن وجدانه انفتح على نشدانه فآمن بالمتعاليات التي تقوم وجوده بجاذبيتها إلى الأسمى (إرادة وعلما وقدرة وحياة ووجودا) وأصلها (الله) مثال المثل كلها. وذلك يعني أن من يستعبد غيره بأي منهما لا يفعل إلا لأنه صار عبدا له :عابد رمز الفعل هو الذي يستبعد به غيره وعابد فعل الرمز هو الذي يستعبد غيره به .وهنا نفهم تمييز ابن خلدون بين الرئاسة التي هي صفة للإنسان من حيث هو إنسان مستخلف والسيادة التي هي سيطرة العنف على السيد قبل المسود. وتلك براءة المسيح\" :مَا َكا َن لِبَ َش ٍر أَن ُي ْؤتِ َي ُه اللَّ ُه الْكِتَابَ وَا ْلحُ ْك َم وَال َُّنبُ َّوةَ ثُمَّ يَقُو َل لِل ّنَاسِ ُكو ُنوا عِ َبا ًدا لَِّي ِمن دُو ِن ال ّلَهِ وَ ٰلَكِن ُكونُوا َربَّا ِن ِيَّي َن ِبمَا ُكنتُ ْم ُتعَ َلِّ ُمونَ الْ ِكتَابَ وَبِ َما كُنتُمْ تَ ْدرُسُونَ\" (آل عمران .)79 أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 34
Pages: