Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore طبيعة القيم - أو علاقة المائدة والسرير بفنيهما وتعدد العوالم - أبو يعرب المرزوقي

طبيعة القيم - أو علاقة المائدة والسرير بفنيهما وتعدد العوالم - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-03-27 18:26:01

Description: طبيعة القيم - أو علاقة المائدة والسرير بفنيهما وتعدد العوالم - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫أو علاقة المائدة والسرير بفنيهما‬ ‫وتعدد العوالم‬ ‫الأسماء والبيان‬



‫المحتويات ‪1‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪7 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪13 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪20 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪26 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫أعود اليوم إلى أعوص قضية عالجتها من وجهين مختلفين دون الوصل بينهما عودة أحاول‬ ‫فيها تحقيق هذا الوصل الذي يبين بصورة جلية ما حاولت الوصول إليه في \"الجلي في‬ ‫التفسير\" لأنه أصل تجاول المقابلة بين الدنيا والآخرة أو بين حبس الإنسان في عالم محدود‬ ‫وتحريره منه بعالم لا حد له‪.‬‬ ‫فقد اعتبرت الوصل بين المقدرات الذهنية الرياضية (التي يعتبرها ابن تيمية الوحيدة‬ ‫التي يمكن أن تكون علوما كلية ومحضة وبرهانية) والمعرفة التي تطبقها على التجربة‬ ‫الطبيعية لتحصيل ما يسمى علوم الطبيعة وصلا بين عالمين مختلفي الطبيعة لكنهما لا يقبلان‬ ‫الفصل أحدهما عن الآخر‪.‬‬ ‫وقست عليها الوصل بين المقدرات الذهنية التي سمتها أدبية أو ميثولوجية (واعتبرها‬ ‫الوحيدة التي يمكن أن تكون أعمالا كلية ومحضة ويقينية) والعمل الذي يطبقها على‬ ‫التجربة التاريخية لتحصيل ما يسمى علم الطبيعة والتاريخ وصلا بين عالمين مختلفي‬ ‫الطبيعة لكنهما لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآخر‪.‬‬ ‫وهذان الوصلان يحرران من المقابلة السطحية بين العالمين اللذين يسميان الآخرة والدنيا‬ ‫أو الآخرة والأولى‪ .‬فالآخرة تفترض أمرين هما سر التجاوز الوجودي لحبس الإنسان في‬ ‫عالم المدارك الحسية سواء كانت طبيعية أو تاريخية وهو العالم الذي يعتبره الكثير العالم‬ ‫الحقيقي الوحيد وما عداه من الخيال‪.‬‬ ‫ولو صح ذلك‪ ،‬لاستحال أن نفهم المقدرات الذهنية الرياضية وما تبدعه من عوالم تختلف‬ ‫تماما عن عالم المدارك الحسية ولاستحال أن نفهم ما قسته عليه وسميته بعالم الآداب او‬ ‫عالم المقدرات الميثولوجية‪ .‬فمن يعتبر الإبداعات الرياضية والإبداعية الأدبية أو‬ ‫الميثولوجية من الخيال هو من يعتبر عالم الإدراك الحسي العالم الحقيقي الوحيد في حين‬ ‫أن الإنسان عندما يحكم عقله ‪-‬إذا كان ذا عقل مدرك لحدوده‪-‬يكتشف أن العكس يمكن‬ ‫أن يكون أصح بمعنى أن المقدرات الذهنية الرياضية والميثولوجية هي \"الواقع\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهنا نكتشف الجسر الواصل بين عالمي التقدير الذهني الرياضي والتقدير الذهني‬ ‫الأدبي من جهة وعالمي الإدراك الحسي والإدراك العلمي (المطبق على العالم الحسي‬ ‫الطبيعي والتاريخي المظنون واقعا وحيدا) هو بالذات عين الوجود الإنساني العميق متعينا‬ ‫في قيامه العضوي أو بدنه وقيامه الروحي الذي هو يعني انفتاحه على العالمين بما نسميه‬ ‫الأخروي والدنيوي أولهما متلفت إلى المطلق واللامتناهي والثاني إلى النسبي والتناهي‬ ‫من كيانه‪.‬‬ ‫ويمكن لتيسير فهم هذا الدور الجاسر بين أربعة عوالم‪:‬‬ ‫اثنان من التقدير الذهني يجعلانه مبدعا للعوالم المادية والروحية‬ ‫واثنان يجعلانه خاضعا للتقدير التجريبي يجعلانه يتعامل مع عالمين طبيعي وتاريخي أن‬ ‫نقرأ \"رواية\" المحاسبي بعنوان \"التوهم\" الذي يكون عليه الإنسان عندما يصبح البصر‬ ‫حديدا‪.‬‬ ‫موضوعي اليوم هو الوصل بين نظرية القيم ممثلة للمنشود التي يستكمل به الموجود‬ ‫ونظرية المائدة والسرير ممثلة للموجود الذي يتجلى فيه طلب المنشود‪.‬‬ ‫وهذه الإشكالية شديدة الغموض لأن فيها سر أغرب ظاهرة في حياة البشر‪ :‬كيف يكون‬ ‫ما يبدو عديم الفائدة دائما أغلى ثمنا وأرفع قيمة مما يبدو مفيدا؟‬ ‫وذلك جلي خاصة في الاقتصاد‪ :‬فالتمييز بين القيمتين الاستعمالية والتبادلية أمر معلوم‬ ‫حتى لمن ليس له معرفة بالنظريات الاقتصادية‪ .‬فأدوات الزينة أغلى من أدوات العيش‬ ‫العادي‪ .‬ولا شيء مما هو مفيد للحياة مثلا يمكن أن يعتبر أغلى مما هو مزين لها‪ .‬ففي‬ ‫الغذاء والجنس فنهما أغلى منهما‪.‬‬ ‫وكلنا يعلم أنه في حالة الحرب أو في حالة المجاعات أو في حالة فقدان أحد الجنسين يصبح‬ ‫الغذاء والجنس بذاته أغلى من زينته‪ .‬عندئذ تنعكس العلاقة بين القيمتين فتصبح‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الاستعمالية مقدمة على التبادلية والتبادل بالمعنى القيمي مختلف عن التبادل بالمعنى‬ ‫الموضوعي لأن هذا يجمع بين ذينك‪.‬‬ ‫ونفس الشيء يقال عن التواصل‪ .‬فالنفعي منه أقل قيمة من اللانفعي أي من التواصل‬ ‫للتواصل بمعنى أن‪:‬‬ ‫• الأول غايته غيره فيكون أداة‬ ‫• والثاني غايته في ذاته فيكون هو الغاية‪.‬‬ ‫ومن ثم فهذه النسبة بين الأداة والغاية هي التي تحدد نوعي القيمة في التبادل وفي‬ ‫التواصل ولهما معا علاقة بالمائدة والسرير وفنيهما‪.‬‬ ‫وهذا المستوى الثاني من القيمة سواء في التبادل أو في التواصل‪ ،‬تجعل المادي منهما دائما‬ ‫دون الروحي حتى في الاقتصادي فضلا عما سنراه من أنواع القيم الأخرى‪ .‬فالتقابل بين‬ ‫القيميتين الاستعمالية والتبادلية في الاقتصاد دليل على أن الاقتصاد ليس ماديا خالصا إلا‬ ‫في الضروري وليس في الكمالي‪.‬‬ ‫ويصح ذلك بالنسبة إلى المائدة وخاصة إلى السرير‪ .‬فلما يوجد الإنسان في وضعية لا‬ ‫يوجد أمامه إلا أردأ غذاء فهو يستلذه ليس لأنه جميل ولذيذ بل لأنه جائع ولما يوجد‬ ‫الإنسان في وضعية لا يوجد أمامه إلا أقبح ما يوجد من الجنس الثاني رجلا كان أو امرأة‬ ‫فهو يستطيبه ليس لأنه جميل بل لأنه \"جائع\"‪.‬‬ ‫وإذن‪ ،‬فاعتبار عالم المدارك الحسية هو الحقيقة الوجودية أو الواقع وما عداها من‬ ‫المقدرات الذهنية رياضية كانت أو ميثولوجية له نفس الدلالة بمعنى أننا في عالم الضرورة‬ ‫المطلقة وغياب عالم الحرية المطلقة يكون الموجود بديلا من المنشود‪ :‬نرضى بالموجود أو‬ ‫ننكحه لغياب المنشود في الحالتين‪.‬‬ ‫لكن مثلما أن البدن يرضى بالموجود ويستغني عن المنشود الذوقي في حالة الضرورة‬ ‫الغذائية والجنسية مع توقه الدائم إلى منشوده فيهما فإن الروح يرضى بالموجود في حالة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الضرورة المعرفية والخلقية مع توقه الدائم إلى منشوده فيهما‪ .‬ومن ثم يدرك هذه العلاقة‬ ‫لا فائدة من مواصلته متابعة المحاولة‪.‬‬ ‫فلنقارن الآن وضع المنشود في حالة استحالته بسبب وضعية الضرورة سواء في المائدة أو في‬ ‫السرير أي العجز عن تحقيق المنشود ووضع الموجود في حالة امكانية تجازوه بسبب وضعية‬ ‫الحرية سواء في المائدة او في السرير ‪-‬أي القدرة على تحقيق المنشود مع الموجود‪.‬‬ ‫فماذا نستنتج في الحالتين؟‬ ‫في الحالة الأولى لا يمكن لمن يوجد في حالة الضرورة لأكل الموجود في المائدة ولنكح الموجود‬ ‫في السرير ألا يحصل له ما يشيه المعجزة تجعله يجد في الموجود على رداءته وقبحه شيئا من‬ ‫اللذة الغذائية واللذة الجنسية لكأن شيئا من المنشود صار له حصول ذهني رغم الغياب‬ ‫العيني‪.‬‬ ‫فما السر في ذلك؟‬ ‫وفي الحالة الثانية لا يمكن لمن يوجد في حالة الحرية التي تمكنه من اختيار الموجود في‬ ‫المائدة وفي السرير ألا يحصل له ما يشبه المعجزة المقابلة للمعجزة السابقة تجعله لا يجد في‬ ‫الموجود مهما كان طيبا وجميلا شيئا من عدم اللذة الغذائية والجنسية فيطلب أكثر فيصبح‬ ‫المنشود معدما للموجود‪.‬‬ ‫فما علة هذا التعاكس‪ :‬الضرورة تجعل الموجود وكأنه يفرز منشودا يجعل الموجود وكأنه‬ ‫منشود فيقبل الموجود وكأنه مكتف بذاته والحرية تجعل المنشود يفرز موجودا يكاد يقتصر‬ ‫على المنشود فيرفض كل موجود لكأن الموجود صار عين المعدوم فلا يرضى به ويطلب مطلق‬ ‫اللذة والجمال‪.‬‬ ‫وهنا يأتي المأزق‪ :‬فطلب مطلق اللذة والجمال في العالم الحسي يعني في الحقيقة بداية‬ ‫التحرر منه لأن كل لذيذ وراءه الألذ وكل جميل وراءه الاجمل وذلك بلا حد فيكون‬ ‫التحرر من العالم الحسي جاريا في العالم الحسي ويصبح الإنسان في هذه الحالة من جنس‬ ‫متوهم المحاسبي في العالم الآخر أو في الجنة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكنها هذه هي وهم \"جنة الدنيا\" أو الترف الذي يتكلم عليه ابن خلدون والقرآن‪ .‬فالترف‬ ‫هو محاولة العيش الجناني في الدنيا‪ .‬وهو طلب المستحيل مرتين أعني الهروب من شهادة‬ ‫القرين في قلب المعادلة الوجودية حتى بالمذهلات الوجودية مثل المخدرات والملاهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬تصور أن اللذائذ الدنيوية وأهمها المائدة والسرير وفنيهما يمكنها بمقتضى حقيقتها‬ ‫المعيشة في الدنيا أن تكون مهربا منه مما في كيان الإنسان من اشرئباب إلى المطلق وبديلا‬ ‫بسعادة مغنية عنه حتى في الدنيا‪.‬‬ ‫‪ .2‬تصورها من الجنس في الآخرة لتوهم تعبير القرآن عنها باستعارات منها لها نفس‬ ‫الدلالة دون انتباه إلى دلالة جعلها دون رؤية الله أولا ودون أن تكون مما رأته عين أو‬ ‫سمعته أذن ولا خطر على بال بشر‪.‬‬ ‫وبهذا فمن يبدع الدين التعويضي عن العدم أو الخواء الوجودي ليس الفقير المادي عامة‬ ‫بل الغني المادي الذي يغرق في الدنيا متصورا أنها مغنية عما عداها مثله مثل المدقع المادي‬ ‫الذي يصبح ضحية سد الضروري‪.‬‬ ‫فالفقير وجوديا يتصور دنياه جنته بما يبثه توهما في الموجود مهما قل كل ما يحتاج إليه‬ ‫من المنشود‪ :‬لكأنه يكتفي بقيمة الاستعمال‪ .‬ولا يعني أنه يتخلى عن قيمة المنشود لكونه‬ ‫يرضى بقيمة الموجود بل يميز بين الموجود الأدنى وما فيه من عالم المنشود الأدنى أي اللذة‬ ‫والجمال في الموجود أيا كان وعالم آخر يكون موجوده هو عين المنشود المطلق إذا تحرر‬ ‫الإنسان من الوثن الأكبر في الدنيا‪ :‬وهم المنشود الأسمى في الموجود الأدنى‪.‬‬ ‫فما العلة؟‬ ‫رأينا أن الترف يعدم كل موجود لتوهمه أنه يطلب المنشود الأسمى في المائدة والسرير‬ ‫فيصبح الطلب فعلا عدميا يفقد العالم الدنيوي قيمته لأن كل لذيذ يرفض باسم الألذ‬ ‫وكل جميل يرفض باسم الأجمل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كان ذلك لامتناهيا في الحالتين أصبح المترف هداما للعالمين الدنيا والآخرة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فلا يمكن تصور الترف من دون المخدرات التي تعبر بلا وعي عن هذا المأزق‬ ‫الوجود الذي يلغي الموجود باسم المنشود الذي ليس فيه بل في ما يلغيه‪ .‬وبذلك ففي‬ ‫الحقيقة من يعيش على العدم ليس من ليس له من الموجود إلا القليل بل من لا يرضي بأي‬ ‫موجود مهما كثر قتلا لبدنه بروحه‪.‬‬ ‫لكن روحه التي يقتل بها بدنه هي عدم روحه إذ الروح لا يطلب عالم الكمال القيمي في‬ ‫العالم الحسي بل في قدرته على إبداع عوالم لا محسوسة من جنس توهم المحاسبي لما يصبح‬ ‫البصر حديدا‪ .‬والروح يعلم أن هذه العوالم أكثر كثافة وجودية وقيمية من العالم الحسي‬ ‫وهو يمثلها بمقومات وجوده الروحي‪ .‬وهذه المقومات هي‪:‬‬ ‫‪ .1‬إرادته الحرة‬ ‫‪ .2‬وعلمه الصادق‬ ‫‪ .3‬وقدرته الخيرة‬ ‫‪ .4‬وحياته الجميلة‬ ‫‪ .5‬ووجوده الجليل‪.‬‬ ‫وهي عين منزلته الوجودية من حيث هي استخلاف يعترف به لكل إنسان لأن البشر اخوة‬ ‫من نفس واحدة (النساء ‪ )1‬ومتساوون لا يتفاضلون عند مستخلفهم إلا بالتقوى (الحجرات‬ ‫‪.)13‬‬ ‫اكتفينا في هذا الفصل الأول باستعمال جسر هو كيان الإنسان للوصل المباشر بين القيم‬ ‫بمعناها الاقتصادي (الاستعمال والتبادل) ولم نتجاوز إلى القيم بالمعنى الأسمى من‬ ‫الاقتصادي رغم أن الاقتصادي يستمد المعنى التبادلي مما في المعنى الاستعمالي الخالص من‬ ‫إيحاء بفني المائدة والسرير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نعود فنذكر بهدف هذه المحاولة‪:‬‬ ‫كيف يكون الإنسان ببدنه وبروحه دون أن نعلم طبيعة العلاقة بين هذين الوجهين من‬ ‫كيان الإنسان‪ ،‬وأقول وجهين لأن القرآن لا يميز بينهما من حيث القيمة الوجودية إذ إن‬ ‫البدن من صنع الله خلقا والروح من صنعه أمرا ولهما إذن نفس القيمة بخلاف ما يتوهم‬ ‫الفلاسفة والمتصوفة‪ -‬جسرا؟‬ ‫كيف يكون جسرا بين عالمين يبدعهما هما عالم المقدرات الذهنية الرياضية أصلا لكل‬ ‫العلوم وعالم المقدرات الميثولوجية أصلا لكل الفنون (هذه إضافتي لنظرية ابن تيمية)‬ ‫وعالمين بعده هما عالم الطبائع وعالم الشرائع في ما يكاد يحصل حوله إجماع بأنه العالم‬ ‫الوحيد أي عالم المدارك الحسية؟‬ ‫الجواب يقتضي أن نسأل سؤالا أعمق‪ :‬ما شروط إمكان القيم التي لا ترد إلى القيمتين‬ ‫الاقتصاديتين أي قيمة الاستعمال وقيمة التبادل بالمعنى الاقتصادي وما بينهما من تبادل‬ ‫المواقع في ظرفي الضرورة أو الاقتصار على الاستعمالي والعجز عن التبادلي والحرية أو‬ ‫القدرة على التبادلي فوق الاستعمالي؟‬ ‫وقبل ذلك هل توجد قيم أخرى غير قيمتي الاستعمال والتبادل أي غير قيمتي‬ ‫الاقتصادي المعروفتين؟ أذكر أني قبل أكثر من ثلاثة عقود رددت على المرحوم سمير أمين‬ ‫الذي تكلم على الوحدة العربية مقتصرا في تحليله الماركسي على القيمتين وحاولت اثبات‬ ‫قيم أخرى تتجاوزنهما وهو ما سأحاول بيانه الآن‪.‬‬ ‫وقد صدرت المقالة في مجلة مركز دراسات الوحدة العربية وكان ذلك أول اتصال بيني‬ ‫وبين المركز إذ كنت ولا أزال بعيدا عن التعامل مع المؤسسات لأن لها معايير لا أقبلها حتى‬ ‫وإن كنت لا أشكك في أهميتها وحتى في صدق البعض من أصحابها وحسن نواياهم‪ .‬لكن‬ ‫الجنة كما هو معلوم بلاطها حسن النوايا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والسؤال عن شروط إمكان قيم من جنس آخر غير جنس القيمتين الاقتصاديتين يعتبر‬ ‫من الأسئلة التي يراها القائلون بواقعية العالم المحسوس وانحصار الحقيقة فيه دالة على‬ ‫سذاجة أصحابها لأن الجواب يؤدي حتما إلى أن القيم الأخرى مستحيلة من دون الدين‬ ‫سواء كان صدر عن الوحي أو عن الفلسفة‪.‬‬ ‫ولا توجد فلسفة ليست ذروتها دين سواء تكلمنا على الفلسفة اليونانية أو العربية أو‬ ‫اللاتينية أو الفلسفة الحديثة‪ .‬فلا يمكن تصور القيم متجاوزة للقيمتين الاقتصاديتين من‬ ‫دون هذا البعد المؤمن بتعدد العوالم وبأن العالم المحسوس هو أقل العوالم الممكنة كثافة‬ ‫وجودية لأنه أقلها دلالة قيمية‪.‬‬ ‫وغالبا ما يوهم الكثير من سجناء وحدانية العالم ‪-‬عالم المدارك الحسية‪ -‬ما يعتبرون‬ ‫ما عدا القيم التي ليس منه إما أوهام يعزي بها أصحابها فقدانهم لها ولا يرون أن الاكتفاء‬ ‫بها نوع من الأفيون يطلقه من يتصوره الوحيد الممكن مثل كل المدمنين على أي مخدر أو‬ ‫مله‪ :‬فالملاهي والمخدرات هي غاية ما يؤول إليه من يسجن نفسه في عالم وحيد هو عالم‬ ‫المدارك الحسية‪.‬‬ ‫ولذلك فلا يمكن أن تعتبر الماركسية فلسفة فضل عن أن تكون علما‪ .‬فالهيجلية بنظرية‬ ‫الروحانية الجدلية حاولت أن تدمج ما لا يرد إلى القيمتين الاقتصاديتين في العالم الذي‬ ‫ظنه ماركس قابلا للاستغناء عنه في نظرية المادية الجدلية‪ .‬ومعنى ذلك أن إطلاق العالم‬ ‫الطبيعي والتاريخي يغني عن التجاوز‪.‬‬ ‫وإذا وجد كلام على قيم متجاوز للقيمتين الاقتصاديتين في ماركسي فاعلم أن الأمر خداع‬ ‫إيديولوجي لأن حصر الوجود في العالم الطبيعي والتاريخي إذا صار وحيدا فهو ملغ لتصور‬ ‫قيم من جنس آخر‪ .‬فالقيم متضايفة مع عالم هو شرط إمكانها‪ .‬والحصر نفي لإيماض عالم‬ ‫آخر لا يرد إليه أساسا لمتعالي القيم‪.‬‬ ‫ولا حاجة للكلام على العوالم الأخرى لفهم هذه الظاهرة‪ :‬فالجميع يميز بين الأكل دون‬ ‫ذوق والجنس دون حب والاكل مع الذوق والجنس مع الحب‪ .‬وما يضيفه الذوق للأكل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والحب للجنس غير ما تنتظره البايولوجيا منهما‪ .‬والسؤال هو ما طبيعة هذه الإضافة‬ ‫بالقياس إلى البايولوجي‪ :‬قيام البدن وبقاء النوع؟‬ ‫والسؤال‪ :‬هل يقدر ذوق الأكل وذوق الحب في الجنس بقيمتي الاقتصاد رغم أن التبادلية‬ ‫ذات علاقة بالفني في المائدة والسرير؟ فهل يمكن أن نعتبر القيمة التبادلية في الأكل التي‬ ‫تميز بين المطاعم وأسعارها تضمن كثافة الذوق الغذائي والجنسي وإن دلت على ظاهرهما‪.‬‬ ‫هل الجنس مع أشهر \"فاجرة\" دون حب يعبر عن ذوق أم عن شهرة مضاعفة بها وبالمال‬ ‫الذي مكن منها؟‬ ‫وكيف نفهم ظاهرة الأكل دون ذوق والجنس دون حب؟‬ ‫يمكن أن نعتبرها ظاهرة عضوية غاب فيها حضور ما يتعالى على العضوي في الإنسان‬ ‫رغم أن \"المقدار\" الذي يضيفه الذوق والحب للأكل والجنس يدرك نوعا من الإدراك له‬ ‫أثر على الإدراك الحسي إذ هو يضفي قيمة ومقدارا من كثافتهما المتجاوزة للعضوي فيهما‪.‬‬ ‫وهذا المقدار والكثافة التي تدرك وتدرك تجاوزها للعضوي فيهما لا بيع فيهما ولا شراء‬ ‫حتى وإن بدوا قابلين للشراء والبيع الأول بمستويات المطاعم والثاني بمستويات الجنس‬ ‫المطلوب من الرجل بين النساء ومن المرأة بين الرجال وغالبا ما يكون الوصل إلى ذلك‬ ‫الكلمة والعملة مع تقديم وتأخير‪.‬‬ ‫لكن لا بد منهما معا‪ :‬فسعر المطاعم والشهرة يمثلان دور العملة والكلمة وكذلك سعر‬ ‫\"الجنس المقابل\" وشهرته‪ .‬فيصبحان محل تقويم اقتصادي بالمعنيين‪ .‬لكن هل المقوم في‬ ‫الحالتين هو ما يحققه الذوق والحب أو هو مجرد ظاهر التعبير عن كون فاعلهما صاحب‬ ‫ذوق وحب وهما مزيفان في الغالب؟‬ ‫وهنا يطرح السؤال‪ :‬ما الذي يجعلنا نميز بين صادق الذوق والحب الذي لا يعنيه المظهر‬ ‫بل الحقيقة وكاذب الذوق وظاهر الحب الذي لا تعنيه الحقيقة بل المظهر؟‬ ‫ما الذي يجعل ما يشترى ويباع من هذين القيمتين هو مظاهر حيازتهما وليس حيازتهما‬ ‫الفعلية؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما علة تقديم ما يقال عن الذات على حقيقة ما فيها؟‬ ‫ما علة تقديم الظهور ‪ Le paraître‬على الوجود ‪ L'être‬بحيث يمتنع فهم طبيعة الإضافة‬ ‫التي تنتج عن الذوق في الاكل وعن الحب في الجنس أم إن هذه الإضافة غير موجودة وراء‬ ‫الظهور الذي يدل عليه اختبار المطعم في الأكل والقرين في الجنس‪ .‬وبعبارة حاسمة‪ :‬هل‬ ‫المقابلة من أصلها عديمة المعنى؟‬ ‫ومعنى تساؤلي‪ :‬هل يمكن تصور قيم متعالية على الاقتصادي من دون دين أي من دون‬ ‫تصور العالم الدنيوي ليس هو العالم الوحيد الذي يمكن أن يتحقق فيه ما يوجد في كيان‬ ‫الإنسان المتحد بنا وروحا بين التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي صادرين منه‬ ‫والعالمين الطبيعي والتاريخ مفروضين عليه؟‬ ‫وهنا تتكشف لنا مفارقة عجيبة‪ :‬ما يتوهمه أدعياء الحداثة حرية هو العبودية وما‬ ‫يتوهمونه عبودية هو الحرية‪ .‬فعندما يعتبرون لا يرون أن القيم هي أيضا من جنس‬ ‫المقدرات الرياضية والمقدرات الميثولوجية ثمرة لفتح آفاق وعوالم يبدعها ما في الإنسان‬ ‫من تعالم على ما يسمونه واقعا فهم عبيد المظاهر‪.‬‬ ‫فالإنسان الذي يمثل الجسر بين العالمين اللذين يظنهما الحداثي \"افتراضيين\" أي تقدير‬ ‫ذهني في الرياضي والميثولوجي من ناحية والعالمين الطبيعي والتاريخي \"الفعليين\" اللذين‬ ‫يظنهما \"حقيقيين\" لأنهما مفروضان عليه من خارج \"موضوعيين\" حسب رأيهم هو اللغز‬ ‫الوجودي الذي يفهمنا معنى القيم المتعالية‪.‬‬ ‫وما كان يمكن أن يمثل هذا الجسر لو لم يكن بالجوهر ذا كيان هو عين \"الديني في الأديان‬ ‫والفلسفي في الفلسفات\" وعين الإسلام أو هو الحقيقة الفعلية للقرآن بوصفه رسالة فاتحة‬ ‫وخاتمة بمعنى أنه ليس له من مضمون إلا هذا الجسر الواصل بين عالمين محدود للقيم‬ ‫الاقتصادية ولامحدود للقيم المتعالية عليها والمحررة منها بالانتقال من سلطانها على‬ ‫الإنسان إلى سلطانه عليها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والرسالة الخاتمة هي الرسالة المذكر بالرسالة الفاتحة‪ .‬والفاتحة مرسومة في كيان الإنسان‬ ‫والخاتمة هي التي تذكر الإنسان بما هو مرسوم في كيانه من حيث هو واحد ذو وجهين‪:‬‬ ‫بدني يصله بالعالم المحدود ذي القيمتين الاقتصاديتين وروحي يصله بالعالم اللامحدود‬ ‫ذي القيمتين المعالتين عليهما‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار فنا المائدة والسرير ممثلين للوصل عن طريق البدن واعتبار هذا الوصل‬ ‫مكتفيا بذاته وليس رمزا للمتعاليات يحوله إلى نفي مضاعف‪ :‬ذلك أنه في مسعاه إلى‬ ‫الترف‪:‬‬ ‫‪ .1‬يلغي ما يرمز إليه البدن من حقيقة‬ ‫‪ .2‬وينفي حقيقة ما يرمز إليه الروحي في آن‪.‬‬ ‫فيكون المناط الفن بـمتدانيه ومتعاليه‪ .‬والتداني في فن المائدة وفي فن السرير نفي‬ ‫اضافة الذوق والحب للوظيفة العضوية في المائدة والسرير‪ .‬ويكون التعالي في الفنين رفع‬ ‫المائدة والسرير إلى اعتبار الاضافة جاعلة المائدة والسرير بداية العبادتين في الدورين‬ ‫المقيمين للكيان العضوي للفرد وللجماعة ووعيا بحضور اللامتناهي في المتناهي فيهما وفي ما‬ ‫حولهما من العالمين الطبيعي والتاريخي وفي العلاقة بين العالمين في الاتجاهين‪.‬‬ ‫فالديني في الأديان والفلسفي في الفلسفات الذي هو واحد من حيث الطبيعة وإن كان ذا‬ ‫وجهين من حيث أسلوب إدراك ذاته مثل وجهي كيان الإنسان البدني (الفلسفي) والروحي‬ ‫(الديني) هو الفطرة وهو جوهر العبادة التي يعي الإنسان بفضلها أنه هذا الجسر الواصل‬ ‫بين العالمين المتناهي واللامتناهي‪.‬‬ ‫فكيان الإنسان وجدان يبدع العبارة عن الديني في فطرته وفرقان يبدعها عن الفلسفي‪.‬‬ ‫والتقديران الذهنيان متقدمين على تطبيقات الإنسان لهما في علم الطبيعة وعمل‬ ‫التاريخ لكونهما نابعين من كيانه ووجوداه الطبيعي والتاريخي تاليين عن كيانه وذانك هما‬ ‫أصل الديني وأصل الفلسفي المتقدمين على كل المبدعات الحضارية للإنسانية والمؤسسين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لها وهما ليسا مكتسبين إلا بسبب حاجتهما لشروط تحققهما خلال العلاقة بسد الحاجات في‬ ‫العلاقة بالطبيعة وفي العلاقة بالتاريخ‪.‬‬ ‫فالمكتسب ليس القدرة على إبداعهما بل إبداع العبارة عنهما بمعنيين رمزي خالص وآلي‬ ‫خالص والأول متقدم لكونه شرطا في الثاني‪ .‬وكلا النوعين يمكنان من قولهما وفعلهما بل‬ ‫هما الإبداع القادر رمزيا وتقنيا على تنظيم علاقتيه بالطبيعة أي النظر والعقد وبالتاريخ‬ ‫أي العمل والعشر‪ .‬وذلك هو معنى التربية التوليدية أو التذكير المحمدي والسقراطي‬ ‫لإخراج هذين الإبداعين بشكليهما الرمزي والآلي الضروريين في هذين العلاقتين بالطبيعة‬ ‫والتاريخ الخارجيين (حول كيان الإنسان) والداخليين (في كيان الإنسان)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولأمر الآن في هذا الفصل الثالث إلى وصل أسمى‪ :‬فبعد الوصل بين نظرية القيم‬ ‫ونظرية المائدة والسرير واكتشاف صلة الوصل بينهما بدور العلاقة بين نوعي التقدير‬ ‫الذهني الرياضي والميثولوجي قبل الإنسان ونظرية الطبيعي والتاريخي بعده تبين ان‬ ‫المحاولة تؤدي إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالإنسان جسرا بين الطرفين المضاعفين‪.‬‬ ‫والعلة أن التوحيد بين العالمين مستحيل من دون استكمال الوساطة ولكن هذه المرة دون‬ ‫توحيد‪ :‬فالجسر مستحيل بالإنسان وحده لأن ما فيه من حرية خلقه \"للعالمين الاولين\"‬ ‫المتبوعين (الرياضيات والميوثولوجيات) وضرورة تبعيته للعالمين الثانيين (الطبيعة‬ ‫والتاريخ) لهما علة أسمى منه تلازمه‪.‬‬ ‫وهكذا نكتشف الوصل الأسمى‪ :‬الوصل بما سميته المعادلة الوجودية‪ .‬فما كان يمكن‬ ‫للإنسان أن يتشوف لعالم اللامتناهي من دون العلاقة المباشرة بالله في قلب المعادلة‬ ‫الوجودية‪ .‬فإذا استكملنا الجسر بين التقديرين والعالمين أمكن أن نفهم التطابق بين الجسر‬ ‫وشرطه مع توزيع جديد لما تقدم عليه ولما تأخر عنه‪.‬‬ ‫فتحقق المعادلة الوجودية بهذه الصورة الوصل الأسمى‪ :‬نضع في القلب التلازم بين الله‬ ‫والإنسان في علاقة مباشرة لا يخلو منها وعي إنساني‪ .‬ثم نقسم عالمي الضرورة والحرية‬ ‫المفروضين على الإنسان قبل القلب وبعده فتكون الطبيعة قبل القلب والتاريخ بعده‪ .‬ثم‬ ‫نضع التقدير الرياضي قبل الطبيعة والميثولوجي بعد التاريخ‪.‬‬ ‫وهذه هي المعادلة الوجودية الواصلة بين العوالم‪:‬‬ ‫‪ .1‬التقدير الرياضي‬ ‫‪ .2‬الطبيعة‬ ‫‪( .3‬الله والإنسان)‬ ‫‪ .4‬التاريخ التقدير الميثولوجي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والتقدير الرياضي هو ما بعد الطبيعة والتقدير الميثولوجي هو ما بعد التاريخ‪ .‬وهما‬ ‫العلاقة غير المباشرة بالله ترجمانا إبداعيا للعلاقة المباشرة أي الخلاقة والحرية‪ .‬ولست‬ ‫أعني بما بعد الطبيعة الميتافيزيقا ولا أعني بما بعد التاريخ الميتاتاريخ بل القصد بالأول‬ ‫الشرط الابستيموجي لعلم الطبيعة وبالثاني الشرط الاكسيولوجي لعمل التاريخ‪ .‬وهما‬ ‫شرطا ما سميته نظرية النظر والعقد للأول ونظرية العمل والشرع للثاني‪.‬‬ ‫• والأول بداية الفلسفي وغاية الديني‬ ‫• والثاني عكسه أي إنه بداية الديني وغاية الفلسفي‪.‬‬ ‫فيكون العالم الطبيعي عالما متناهيا هو أحد العوالم الرياضية الممكنة واللامتناهية‬ ‫ويكون العالم التاريخي عالما متناهيا هو أحد العوالم الميثولوجية الممكنة واللامتناهية‪.‬‬ ‫والعالمان الرياضي والميثولوجي هما ما يبدعه الإنسان لحدسه اللاتناهي الذي ينسبه إلى‬ ‫قدرة الله المعرفية والقيمية‪.‬‬ ‫وتعاكس الاتجاه بين الفلسفي والديني في قطع نفس المسار الواحد يعيشه الإنسان في‬ ‫كيانه الذاتي مراوحة بين بدنه مدخلا لروحه وروحه مدخلا لبدنه‪:‬‬ ‫‪ .1‬فمن الابستمولوجي علما للطبيعي إلى الأكسيولوجي عملا للتاريخي وما بعدهما‬ ‫(فلسفي)‪.‬‬ ‫‪ .2‬ومن الأكسيولوجي عملا للتاريخي إلى الابستمولوجي علما للطبيعي وما بعهدهما‬ ‫(ديني)‪.‬‬ ‫يراوح الإنسان بين وجهي كيانه في اشرئبابه إلى رؤية الله‪ :‬فببدنه يرى الطبيعة وما‬ ‫وراءها وبروحه يرى التاريخ وما ورائه‪ .‬وبهما معا يرى في كيانه قلب المعادلة الوجودية أو‬ ‫العلاقة المباشرة بينه وبين الله فيمتد بحدسه إلى الماورائين في المعادلة‪ .‬وتلك هي العلاقة‬ ‫اللامباشرة بينه وبين ربه‪.‬‬ ‫ولهذه العلة سميت الديني حكمة الحب والفلسفي كما هو معلوم يسمى حب الحكمة‪ .‬وحب‬ ‫الحكمة الفلسفي ينتهي إلى حكمة الحب الدينية‪ .‬وحكمة الحب الدينية تنتهي إلى حب‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الحكمة الفلسفية‪ .‬فتتحرر العلوم من ضرورة الطبيعة بتجاوزها الرياضي وتتحرر القيم‬ ‫من ضرورة التاريخ بتجاوزه الميثولوجي‪ .‬ويتحرر الإٌنسان من وحدة العالم الطبيعي‬ ‫والتاريخي سجنا لاشرئبابه فيتعالى عليهما إلى عوالم لا متناهية‪.‬‬ ‫ولا يمكن تصور الوجود الإنسان من دون الرياضيات والميثولوجيات شرطين لإخراج ذاته‬ ‫من السجن في الطبيعيات والتاريخيات‪ .‬وهو في الاولين يسهم في فعل الخلق الوجودي وفي‬ ‫الثانيين يحاول التحرر من الموجود بما في كيانه من آثار المنشود‪ :‬والمنشود قيم معرفية وقيم‬ ‫خلقية تصلان المتناهي باللامتناهي‪.‬‬ ‫وقد سمى القرآن القيم المعرفية فحدد تقوم الخلق بالقدر‪ .‬وهو قيمة رياضية‪ .‬وسمى‬ ‫القرآن القيم الخلقية فحدد تقوم الأمر‪ .‬وهو قيمة خلقية‪.‬‬ ‫• والأول هو شرط النظر والعقد‪.‬‬ ‫• والثاني هو شرط العمل والشرع‪.‬‬ ‫وعندئذ نستطيع أن نفهم طبيعة ما يضيفه الذوق والحب للمائدة والسرير في حياة‬ ‫الإنسان المستنير‪.‬‬ ‫وعندي مبدأ لم أتخل عنه أبدا سواء لما كنت أقدم دروسا لطلبتي أو بعد ذلك لما صرت‬ ‫اكتفي بالكتابة‪ :‬لا اعتبر الفكرة أو النظرية التي لا تقبل العرض في شكل رسم هندسي‬ ‫فكرة أو نظرية أصلا‪ .‬ذلك أن النظرية هي ما يقبل أن يكون موضوع بصر وبصيرة‪.‬‬ ‫والبصيرة تلي البصر بنقله من المحسوس إلى المحدوس‪.‬‬ ‫والمحسوس بهذا المعنى رمز للمحدوس‪ .‬فمن لم يدرك العلاقة التي يرمز بها المحسوس‬ ‫للمحدوس لا يفهم ما نقصده بأن الذوق يضيف للمائدة شيئا هو أصل فنها وأن الحب يضيف‬ ‫للجنس شيئا هو أصل فنه‪ .‬والفنان هما المحدوس في المحسوس من المائدة والسرير‪ .‬وهو من‬ ‫ثم موضوع البصيرة الروحية ذوقا وحبا‪.‬‬ ‫والحمير من ادعياء التحديث وأدعياء التأصيل صم بكم عمي فهم لا يعقلون لأنهم‬ ‫يتصورون أن المحسوس هو المرموز وهو المدلول في حين أنه رامز ودال في نسبة البصر إلى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫البصيرة‪ .‬ولذلك اعتبرت هذه النسبة موجودة في الحواس الخمسة‪ :‬سميعة وشميمة‬ ‫وذويقة ولميسة قيسا على بصيرة حادسة وراء الحاسة‪.‬‬ ‫ومثلما أن البصر لا يكفي لرؤية الجمالي في الرسمي (أو إظهار الوعي بالوجود المكاني‬ ‫وهو دائما انعكاس المكان البدني أو حيز المكان الداخلي على حيز المكان الخارجي) فكذلك‬ ‫السمع لا يكفي لسماع الجمالي في الموسيقي (أو إظهار بالوجود بالزماني وهو دائما انعكاس‬ ‫الزمان الروحي أو حيز الزمان الداخلي على حيز الزمان الخارجي)‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن هذين الحاستين بالحادستين اللتين تهديانهما هما الواصلتان بين‬ ‫التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي وتطبيقاتهما على الطبيعة والتاريخ بمعنى‬ ‫غلبتهما على النظر والعقد والعمل والشرع في التشكيل الصوري للمعاني الوجودية‬ ‫والقيمية أو لموضوع نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) ولموضوع نظرية القيم‬ ‫(الأكسيولوجيا)‪.‬‬ ‫لكن بقية الحواس متعلقة بالمضمون الوجودي الذي هو بخلاف الشكل الوجودي لا شركة‬ ‫فيه لكونه المتعين المتميز بكونه مطلق الفردية أو ما يسميه ابن خلدون بالوجدانيات التي‬ ‫لا تنقال رغم أنها هي بدورها علاقة بين الأحياز الذاتية في كيان الإنسان والأحياز‬ ‫الأجنبية في كيان العالم‪ .‬فالشم لا يكفي لشم الطيب الذاتي في العطر الخارجي والطعم لا‬ ‫يكفي الذوق الذاتي لذوق المذوق الخارجي واللمس لا يكفي لمس الحي الذاتي للمس الحي‬ ‫الخارجـي‪ .‬وأقصى ما في هذه الحواس المضمونية اجتماعها واكتمالها بضم الحاستين الأوليين‬ ‫في إحدى علامات الحوادس وارس الحواس المطلقين في اللذة الجنسية التامة في الحب إذا‬ ‫جمع كل الحوادس بين ذاتين كلاهما يتطابق فيه الحس والحدس إذ يتطابق الذاتي‬ ‫والخارجي بالحضورين المتماعيين‪.‬‬ ‫ولذلك تجد دعي التحديث يسخر من دور الأكل والجنس في الجنة لأنه يقيسهما على‬ ‫رؤيته لهما حتى في الدنيا دون ذوق أو حب ودعي التأصيل يراهما مثله فلا يفقه الدلالة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لأنه في الدنيا أيضا لا يرى الحوادس وراء الحواس فيكون الصفان كلاهما من الصم البكم‬ ‫والعمي الذين لا يعقلون بأتم معنى الكلمة‪.‬‬ ‫والعلة في الحالتين هي نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة بين الفكر والوجود ونظرية العمل‬ ‫القائلة بالمطابقة بين الإرادة والقيم والمطابقة تعني عندهم ان العالم الوحيد الذي يستحق‬ ‫اسم الحقيقة هو العالم المحسوس وما عداه من الخيال سواء كان في التقديرين الذهنين‬ ‫فيرد الديني والفلسفي إلى ظاهر الاديان والفلسفات‪ :‬فالدعيان يتصوران الوجود‬ ‫الطبيعي قابلا للرد إلى إدراكهما متوهمين عقلهما محيطا ولا يرون أن الطبيعي غائبه أكثر‬ ‫من شاهده فضلا عن غيبه ويتصوران عملهما مطلقا فيعمون في التاريخ عماءهم في الطبيعة‪.‬‬ ‫لكنهم مع ذلك يبقى فيهم بصيص نور مهما خفت وهو أثر البصيرة التي تومض في لحظات‬ ‫الصفاء الروحي الذي يشبه لحظات التيقظ خلال سنات الغفو‪.‬‬ ‫فما نعلمه من الطبيعة بالقياس إلى ما نجهله في نسبة الصفر للامتناهي وما نعمله في‬ ‫التاريخ بالقياس إلى ما يجري هو في نفس النسبة علما وأننا ما نعمله هو ثمرة اجتهاد‬ ‫الإنسانية كلها المتراكم لاستكشاف الطبيعة وما نعمله هو جهاد الإنسانية كلها المتراكم لعمل‬ ‫التاريخ‪.‬‬ ‫فإذا تحررنا من الفصل بين العالمين الطبيعي والتاريخي وتصورهما الوجود الحقيقي‬ ‫المطلق من جهة أولى وعالمي التقدير الذهني الرياضي والتقدير الذهني الميثولوجي‬ ‫وتصورهما من أوهام الخيال الإنساني فهمنا أن الإنسان هو الحد الأوسط بين الوجين‬ ‫الأولين والزوجين الثانيين فنتحرر من الاطلاقين‪.‬‬ ‫فلا الطبيعة ولا التاريخ بممثلين للحقيقة المطلقة ولا التقديران الذهنيان الرياضي‬ ‫والميثولوجي بممثلين للخيالي الإنساني‪ .‬إنما هما وجهتا كيان الإنسان إلى ما دونه وإلى ما‬ ‫فوقه دون أن يرد كيانه العضوي والروحي إلى ما دونه ولا إلى ما فوقه‪ .‬فليس الإنسان‬ ‫كائنا طبيعيا ببدنه ولا هو تاريخي بروحه بل هو كلاهما بهما كليهما دون أن يكون ما يشرئب‬ ‫إليه منهما أي ما فوق الطبيعي وما فوق التاريخي بل كيانه هو عين شهوده لعلاقتهما بهما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يشدهما إلى ما يقيمهما‪ .‬وشهادة علاقتهما هي عين المعين الذي تتقوم به مقوماته كيانه‬ ‫الخمسة‪:‬‬ ‫‪ .1‬الإرادة الحرة‬ ‫‪ .2‬والعلم الصادق‬ ‫‪ .3‬والقدرة الخيرة‬ ‫‪ .4‬والحياة الجميلة‬ ‫‪ .5‬والوجود الجليل‪.‬‬ ‫وهو لا ينفك عن ذلك‪ .‬فحتى عندما تصبح إرادته مستعبدة وعلمه كاذب وقدرته‬ ‫شريرة وحياته قبيحة ووجوده ذليل فهو مدرك ذلك بدليل تغطيته موهما بحيازة عكوسها‪.‬‬ ‫وذلك يعني أن جوهر وجود الإنسان كما حدده ابن خلدون هو كونه \"رئيسا بطبعه بمقتضى‬ ‫الاستخلاف الذي خلق له\" أي إن الإنسان قبل أن يكون حيوانا عاقلا هو حيوانا عابدا أو‬ ‫متدينا بما يتعالى عليه وهو معنى الوعي بكون خليفة محققا لشروط الجدارة بالخلافة أو‬ ‫مقصرا دونها‪.‬‬ ‫فالمرء لا يكذب دون وعي بأنه يكذب‪ .‬لذلك تراه يحاول التظاهر بالصدق ويطالب‬ ‫بتصديقه‪ .‬وقس عليه بقية المقومات إرادة وقدرة وحياة ووجودا‪ .‬ولهذا كان النفاق من‬ ‫الكبائر لأنه جرم مضاعف‪ :‬ففيه الكذب وفيه الغش بإظهار صاحبه عكس ما يضمر‪ .‬وكل‬ ‫القيم التي حللناها علة فسادها هي غلبة الظاهر على الباطن‪.‬‬ ‫وهكذا بالتدريج نصل إلى المفهوم الخلدوني الثوري الذي سماه \"فساد معاني الإنسانية\"‬ ‫واعتبره ناتجا عن تدخلين عنيفين في التربية والحكم كلاهما يؤدي إلى ما يشبه مفهوم‬ ‫الخسر في سورة العصر التي تصرح بشروط الاستثناء منه وتضمر أن هذه الشروط هي ما‬ ‫أصابه الفساد الذي سمته خسرا‪.‬‬ ‫فالوعي بفساد معاني الإنسانية بسبب عنف التربية والحكم (المقدمة الباب السادس‬ ‫الفصل ‪ )40‬هو الخسر وشروط الخروج منه لا علاج له في سورة العصر وكذلك في رؤية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ابن خلدون نظرية في التربية ونظرية في الحكم مبينتان على مقومي تحرر الفرد ومقومي‬ ‫تحرر الجماعة من علل فساد معاني الإنسانية‪.‬‬ ‫والوعي بالخسر فعل موجب وهو عين تبين الرشد من الغي الذي يجعل الإنسان يكفر‬ ‫بالطاغوت أعني أنه يتحرر من علة \"فساد معاني الإنسانية\"(ابن خلدون) فيؤمن بالله‪ .‬إذ‬ ‫لا يوجد علاج يحرر من كل سلطان غير سلطان الله‪ .‬فالفرد الفرد يتحرر بالإيمان (نظر‬ ‫وعقد) وبالعمل الصالح (عمل وشرع) والجماعة تتحرر بالتواصي بالحق (الاجتهاد الجمعي‬ ‫لمعرفة الحقيقة) والتواصي بالصبر (الجهاد الجمعي للعمل بها) (الشورى ‪.)38‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فرغنا الآن من الكلام على الوصل بين العوالم الأربعة (الطبيعي وما بعده أو التقدير‬ ‫الرياضي والتاريخي وما بعده أو التقدير الميثولوجي) بتوسط الجسر النواة في المعادلة‬ ‫الوجودية (علاقة الله والإنسان المباشرة التي تجعل الأول أقرب إلى الثاني من حبل‬ ‫الوريد) بين كلى الزوجين منها أي عالم التقدير الرياضي وابستمولوجية الطبيعي وعالم‬ ‫التقدير الميثولوجي وأكسيولوجية التاريخ‪.‬‬ ‫فالوصل الأول بين التقدير الذهني الرياضي والطبيعي وصلا ابستمولوجيا يجعل العلم‬ ‫في العالم الطبيعي علاقة بين التقدير الذهني وتجريب العيني الطبيعي‪ .‬والوصل الثاني‬ ‫بين التقدير الميثولوجي وتجريب العيني التاريخي وصلا أكسيولوجيا يجعل العمل في العالم‬ ‫التاريخي علاقة بين التقدير الذهني وتـجربة العيني التاريخية‪.‬‬ ‫وما نكتشفه بالبحث العلمي خلال الوصل الأول هو آيات الله في الآفاق الطبيعية‪.‬‬ ‫وما نكتشفه في الوصل الثاني في الآفاق التاريخية‪ .‬لكننا لا نكتشف الآيات في الآفاق‬ ‫بمعنييهما إلا من خلال اكتشافهما في الأنفس بوصفهما حالتين خاصتين من العوالم الممكنة‬ ‫التي نبدعها في ذينك التقديرين الذهنيين‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن التقديرين الذهنيين الرياضي والميثولوجي اللذين يبدعهما الإنسان‬ ‫مرسومان في فطرة الإنسان والآفاق والأنفس تذكير طبيعي وتاريخي يوقظ فينا ما يجعل‬ ‫دور القرآن الذي يستدل بهما تذكيرا من مستوى ثان ومضاعف‪ :‬فهو تذكير يشبه السبابة‬ ‫التي تشير إلى ما في الآفاق والانفس من آيات الله‪.‬‬ ‫وآيات الله في الآفاق والانفس التي تبين أن القرآن حق (فصلت ‪ )53‬لا تدركها الحواس‬ ‫وحدها بل هي تحرك الحواس التي تحرك الحوادس فينقل الإنسان من البصر إلى البصيرة‬ ‫وحينها لا يبقى الإنسان أصم وأبكم وأعمى فلا يعقل بل يصبح عاقلا بمعنى مسهما في ابداع‬ ‫التقديرين فتكون حياته كـ\"توهم\" المحاسبي‪ .‬وقد اقتربنا الآن من القيم الأسمى وهي‬ ‫مضاعفة وتبدو عكس القيم الاقتصادية‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬قيم التبادل اللانفعي أي تبادل بدون مقابل مادي وشرطها التحرر من سلطان‬ ‫العملة ليصبح المتبادل صاحب السلطان عليها وهي الانفاق من الرزق‪.‬‬ ‫‪ .2‬القيم الاستعمال اللانفعي أي تواصل بدون انتظار جزاء ولا شكورا وهي‬ ‫التواصي بالحق والتواصي الصبر‪.‬‬ ‫وقد بينا أن رمز الفعل (العملة) أو رمز الثروة بدلا من أن تكون أداة تبادل تتحول إلى‬ ‫سلطان على المتبادلين (الربا المادي) وأن فعل الرمز (الكلمة) أو رمز التراث بدلا من أن‬ ‫تكون أداة تواصل تتحول إلى سلطان على المتواصلين (الربا الروحي)‪ .‬وهما بعدا التحريف‬ ‫أو دين العجل‪ :‬الذهب والخوار‪.‬‬ ‫ولذلك كان التحرر من هذا الانقلاب من أداة التبادل إلى سلطان على المتبادلين ومن‬ ‫أداة التواصل إلى سلطان على المتواصلين هما الجرمان الأكبران في القرآن ولا يعد أكبر‬ ‫منهما إلى أصلهما أي الشرك الذي هو عدم التحرر من الطاغوتين الاقتصادي والثقافي‬ ‫اللذين هما جوهر فساد السياسي تربية وحكما‪.‬‬ ‫وكون الإنسان خليفة بالقوة يعني أن جميع البشر لهم هذه الامكانات لكن الانتقال من‬ ‫الحواس إلى الحوادس ليس يسيرا ولا هو في متناول الجميع فالانتقال من البصر إلى‬ ‫البصيرة ومن السمع إلى السميعة ومن الشم إلى الشميمة ومن الذوق إلى الذويقة ومن‬ ‫اللمس إلى اللميسة هي الاستخلاف بالفعل‪.‬‬ ‫وهذا الاستخلاف بالفعل هو الذي سماه القرآن الكريم تبين الرشد من الغي (البقرة‬ ‫‪ )256‬الذي يؤدي إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله فيكون العروة الوثقى التي لا انفصام‬ ‫لها‪ .‬ولأن ذلك كذلك فلا يمكن أن يوجد الإكراه في الدين لأنه لن يحقق شيئا وإذا بدا‬ ‫محققا شيا فهو يحقق النفاق الديني‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن الإكراه بخلاف التسابق في الخيرات (المائدة ‪ )48‬الذي من شرطه التعدد‬ ‫الديني حتى يتدرج الإنسان في تبين الرشد من الغي يؤدي إلى عبادة العجل الذي هو‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تدين المنافقين لأنه يجعلهم يتسلطون على الدين ويعبدون بعدي العجل معدنه وخواره‬ ‫فيحرفونه بهما لسلب رزق العامة المادي والروحي‪.‬‬ ‫وقد استعملت امثولة العجل القرآنية لفك ألغاز ما يحدث في الخداع الذي يمكن من‬ ‫السيطرة على الإنسان وجعله عبدا روحيا وماديا بديلا أبلغ وأكثر قدرة تفسيرية من‬ ‫استعمال الأدب والميثولوجيا اليونانيين لفك الغاز ما يحدث فعلا في علم النفس (فرويد) أو‬ ‫في التاريخ (هيجل)‪ .‬فتحريف تعاليم موسى في أمثولة العجل القرآنية أكثر مطابقة‬ ‫للأمرين معا‪ :‬للتحريف ولغلبة ما يجري فعلا في البنية العميقة للنظاميين السياسيين اللذين‬ ‫يحكمان الإنسانية بالخداع الذي يغطي على التحريف‪.‬‬ ‫فتحريف الديني يكون سلطة روحية وسيطة بين المؤمن وربه (الكنسية في الكاثوليكية‬ ‫والتشيع مثلا) وسلطة زمانية بين المؤمن وأمره (الحكم بالحق الإلهي فيهما)‪ .‬وتحريف‬ ‫الفلسفي يكون له نظائر منهما كما في الماركسية صراحة بالحزب وفي الرأسمالية بالبنك‬ ‫والملهيات الإعلامية والتنويمية‪.‬‬ ‫وقد سميت ذلك بالبنية العميقة للثيوقراطيا (الحكم المخادع باسم الله‪ :‬الدولة الدينية)‬ ‫والأنثروبوقراطيا (الحكم المخادع باسم الإنسان‪ :‬الدولة العلمانية)‪ .‬وهذه البنية العميقة‬ ‫هي الأبيسيوقرطيا أو الحكم باسم العجل الذي يمثل العلة الغائية للنوعين اللذين يمثلان‬ ‫غطاء عليه محركا فعليا‪.‬‬ ‫وبين أن الثيوقراطيا تأخذ من نواة المعادلة الوجودية \"الله\" غطاء ليخفي حكمها الظاهر‬ ‫باسمه لكن حكمها الفعلي يكون باسم بعدي العجل أي معدنه (العملة) وخواره (الكلمة)‪.‬‬ ‫وبين كذلك أن الأنثروبوقراطيا تأخذ منها \"الإنسان\" غطاء يخفي حكمها الظاهر باسمه‬ ‫لكن حكمها الفعلي يكون باسم العجل ببعديه كذلك‪ .‬والفرق مقصور على أسلوب الخداع‪:‬‬ ‫وهو في الأول الكلام على الواجب إزاء الله وفي الثاني الكلام على حق الإنسان‪.‬‬ ‫وأهم فنون الخداع هي المعركة الزائفة بينهما إذ يتبادلان التهم حربا خداعية بين‬ ‫الثيوقراطيا أو الحكم الديني والأنثروبوقراطيا أو الحكم العلماني في حين أنهما كليهما لا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يحكمان باسم ما يدعيانه بل باسم بعدي العجل تحريفا لأداة التبادل وأداة التواصل بجعلهما‬ ‫أداتي السلطان على الإنسان‪.‬‬ ‫فيصبح فرعا السياسة فنين للخداع في التربية بنقل الكلمة من أداة تواصل إلى أداة‬ ‫سلطان روحي مغشوش على المتواصلين وفي الحكم بنقل العملة من أداة تبادل إلى أداة‬ ‫سلطان مادي مغشوش على المتبادلين‪ .‬والاول هو الربا الروحي المهيمن على الأرواح والثاني‬ ‫هو الربا المادي المهيمن على الأبدان‪.‬‬ ‫وذانك هما الطاغوتان اللذان لا يمكن أن يؤمن الإنسان بالله ما لم يكفر بهما أي ما لم‬ ‫يتحرر من سلطانهما على ذاته أولا وعلى استعمالها للسيطرة على الغير‪ .‬فيعود الإنسان‬ ‫بذلك إلى حصر دور العملة في دور أداة التبادل وحصر الكلمة في دور أداة التواصل وحينها‬ ‫تبدأ مرحلة القيم الأسمى‪.‬‬ ‫وحينئذ يكون سؤال القيم‪ :‬هل يمكن تخيل مجرى التبادل والتواصل كيف يكون من دون‬ ‫تحويل العلمة إلى أداة سلطان على أبدان الآخرين والكلمة إلى سلطان على أرواحهم‪.‬‬ ‫والسلطان على الأرواح مقدم لأنه هو الذي ييسر السلطان على الأبدان بحيث إن تحريف‬ ‫الكلمة والتربية يؤسسان لتحريف العملة والحكم‪ .‬وهو ما يعني أن النواة (الله‪-‬الإنسان)‬ ‫التي في قلب المعادلة الوجودية لا يحرف أحد مقوميها من دون تحريف الثاني‪:‬‬ ‫‪ .1‬فإذا حرف مفهوم الله حرف مفهوم الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .2‬وإذا حرف مفهوم الإنسان حرف مفهوم الله‪.‬‬ ‫فالثيوقراطيا تحرف مفهوم الله ويترتب عليه تحريف مفهوم الإنسان والعلمانية تعكس‬ ‫فتحرف مفهوم الإنسان ويترتب عليه تحريف مفهوم الله‪ .‬وهما جوهر القول بالمنطق‬ ‫الجدلي‪ .‬ذلك أن الثيوقراطيا تجعل السلطة الأرضية ربا والأنثروبوقراطيا تجعل الرب‬ ‫إنسانا‪ .‬فلا تختلفان لأن السلطة في الحالتين هي تؤدي إلى القول بحلول الرب في الإنسان‬ ‫أو حلول الإنسان في الرب‪ .‬وذلك هو مفهوم الواحد ذي الهوية المتناقضة والملغية للتعالي‬ ‫لحصر الوجود في سجن صراعات التنافي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فالثيوقراطيا تنطلق من دعوى تمثيل الله في التربية (الوساطة الروحية) وفي الحكم‬ ‫(الوصاية)‪ .‬وتنتهي إلى الثالوث أو التجاوز التوليفي بالمعنى الهيجلي الذي يجعل الحلف‬ ‫بين وساطة التربية باسم الله ووصاية الحكم باسمه تأليف صاحبي السلطانين الروحي‬ ‫(الكنيسة) والزماني (الدولة) ولا يكون الله إلا غطاء مخادعا لتأليه بعض البشر‬ ‫المتسلطين‪.‬‬ ‫والأنثروبوقراطيا تنطلق من دعوى تمثيل الإنسان في التربية (الوساطة العلمانية) وفي‬ ‫الحكم (الوصاية العلمانية) وتنتهي إلى الثالوث أو التجاوز التوليفي بين صاحبي الوساطة‬ ‫(الإعلام والملاهي) والوصاية (الدولة والبنك) ولا يكون الإنسان إلى غطاء مخادعا‬ ‫لتأنيس الله في شكل كهنوت العجل‪.‬‬ ‫وهكذا فالثيوقراطيا أو النظام الديني والأنثروبوقراطيا أو النظام العلماني كلاهما‬ ‫نظام له كهنوت وساطة في التربية وجبروت وصاية في الحكم ليس الله والإنسان فيهما إلا‬ ‫غطاءين لتحويل الكلمة (فعل الرمز) والعملة (رمز الفعل) إلى أداتي سلطان على‬ ‫المتبادلين والمتواصلين بدلا من أن يكونا كما هما أداتي تبادل وتواصل‪.‬‬ ‫وينتج عن الفصل نوعا وحدة الوجود الطبعانية والتاريخانية‪ .‬فعندما نفتت وحدة‬ ‫النواة بين الخليفة والمستخلف بالوساطة في التربية وبالوصاية في الحكم سواء كان ذلك‬ ‫بصورة ثيوقراطية أو بصورة انثروبوقراطية يحيف الله في الطبيعة ويحيث الإنسان في‬ ‫التاريخ فلا يبقى خليفة ومستخلف ولا قيم أسمى‪.‬‬ ‫فتحييث الله في الطبيعة ينفي تعاليه عليها فتصبح العالم الوحيد الممكن ‪-‬سبينوزا‪-‬ويكون‬ ‫الإنسان ريشة تتقاذفها موجاتها‪-‬التلمساني‪ .‬وتحييث الإنسان في التاريخ ينفي تعاليه عليه‬ ‫فيصبح العالم الوحيد الممكن ‪-‬هيجل‪-‬ويكون الله ريشة تتقاذفها أحداثه ‪-‬ابن عربي‪:‬‬ ‫وذلك هو تحريف المعادلة الوجودية‪.‬‬ ‫ومن هذين التحييثين المؤسسين لوحدة الوجود الطبعانية ووحدته التاريخانية يستمد‬ ‫ابن تيمية أهم حججه في دحض الرؤية الفلسفية والكلامية في النظر والعقد والفقهية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والصوفية في العمل والشرع‪ .‬فنظرية المعرفة ونظرية العمل القائلة بالمطابقة هما السر في‬ ‫التحييثن ونفي الفرق بين الموجود والمنشود ومن ثم سجن الإنسان في المحدود لحرمانه من‬ ‫الأفق اللاحدود‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اعتبار العلاقة المباشرة بين الله والإنسان في قلب المعادلة الوجودية محكومة بالتمانع هي‬ ‫علة المنطق الجدلي الذي يعالجه القرآن بنظرية الاستخلاف الذي يجعلها نواة تؤسس‬ ‫لتعالي القيم التي تمثل جوهر القلب في وجهي المستخلف والخليفة بمفهوم الأقرب من حبل‬ ‫الوريد وجوهر المحيطين بمفهوم الماوراء‪ .‬فما وراء الطبيعة هو ما ننسبه إلى المستخلف وما‬ ‫وراء التاريخ هو ما ننسبه إلى الخليفة‪ .‬كذلك يرى القرآن الأمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فهو يحمل الإنسان مسؤولية أفعاله التي هي لب التاريخ التكليفي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وما ليس من التكليفي في التاريخ يعود إلى الطبيعي فيه‪.‬‬ ‫والإنسان ليس مسؤولا عنه فعلمه اجتهاد وعمله جهاد نسبيان‪ .‬وقد تبدو هذه الرؤية‬ ‫بسيطة إلى حد اعتبارها راجعة إلى الرؤية العامية في حين أنها الوحيدة التي يمكن أن‬ ‫تعلل الفرق بين المنشود والموجود ولا تدعي إطلاق الموجود فتعتبر العالم الذي يرد إلى‬ ‫مداركنا الحسية والعلمية هي عين الوجود في ذاته في النظر وتطلق أعمالنا فتهمل ما لا‬ ‫سلطان لنا عليه‪.‬‬ ‫ورد الوجود الطبيعي إلى العقل الإنساني في النظر والعقد والوجود التاريخي إلى الإرادة‬ ‫الإنسانية في العمل والشرع هو العامي في الحقيقة لأن النظر والعقد نفسه لو كان مطابقا‬ ‫لاستحال أن يتطور علمنا والعمل والشرع نفسه لو كان مطلقا لاستحال أن يتجود عملنا أو‬ ‫لكانا كلاهما محدودين قبليا‪.‬‬ ‫وإذن فالرؤية الجدلية بالتناقض والتنافي بين بعدي نواة المعادلة الوجودية \"الخليفة‬ ‫والمستخلف\" في الرؤية القرآنية واسقاط ذلك على وحدة الوجود الطبعانية ووحدة الوجود‬ ‫التاريخانية علته إطلاق ابستمولوجية النظر والعقد بالمطابقة المعرفية وإطلاق‬ ‫أكسيولوجية العمل والشرع بالمطابقة الخلقية‪.‬‬ ‫لكن الوصل بمفهوم \"الاقرب إلى حبل الوريد بعلاقة الخليفة والمستخلف\" دون حلول‬ ‫الإلهي في الإنساني تضفي النسبية على النظر والعقد فيصبح اجتهادا والنسبية على العمل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والشرع فيصبح جهادا والمناط فيهما ليس النتيجة بل القصد الصادق في طلب الحقيقة‬ ‫والعمل بها أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر‪ .‬وهو ما يعني أمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬فكل المشكل يكمن في الوساطة بين بعدي النواة فلا تبقى العلاقة مباشرة بين الله‬ ‫والإنسان بل يتوسط بينهما من يدعي علما لدنيا وهو ما نفاه قوله تعالى \"إنما أنت مذكر\"‬ ‫بمعنى أن الرسول ليس وسيطا بين الله والإنسان بل مذكر بهذه العلاقة المباشرة المرسومة‬ ‫في كيانه‪.‬‬ ‫‪ .2‬وكل المشكل في الوصاية على الإنسان في علاقته بأمره في صلته بالطبيعة لسد حاجاته‬ ‫المادية وفي صلته بالتاريخ لسد حاجاته الروحية فلا تبقى العلاقة بين الإنسان وشروط‬ ‫بقائه فرض عين بل تتحول إلى فرض كفاية يكون فيها الحاكم ليس نائبا عن الأمة بل‬ ‫مستبدا بأمرها ومؤلها نفسه‪.‬‬ ‫وتلك هي علة تذكير الله رسوله الخاتم بالقول \"لست عليهم بمسيطر\"‪ .‬لكن \"العلماء\"‬ ‫و\"الأمراء\" صاروا يعتبرون أنفسهم هم أولو الامر وليس الجماعة التي استجابت لربها‬ ‫(الشورى ‪ )38‬والتي قالت الآية إن الامر أمرها وأنها هي التي تديره بالشورى وليس‬ ‫العلماء ولا الأمراء‪.‬‬ ‫وقد بينت آل عمران أن التحريف لا يمكن أن يحصل من دون حلف ضمني أو صريح بين‬ ‫الوسطاء والأوصياء أي بين المستبدين بالتربية والمستبدين بالحكم حتى بلغ الأمر إلى تأليه‬ ‫عيسى عليه السلام وهو بريء من ذلك (آل عمران‪ )79‬لتأسيس الوساطة في التربية‬ ‫والوصاية في الحكم وشرطهما حب التأله‪.‬‬ ‫وقد خصص ابن خلدون لمسألة \"حب التأله\" فصولا للكلام عليه صفة إنسانية بنوعيها‬ ‫المؤسس للاستبداد الحكم والمؤسس للاستبداد في التربية‪ .‬فالأول يفسر به ميل الحكام إلى‬ ‫التأليه الذاتي للاستفراد بالحكم عملا وشرعا والثاني يفسر به ميل \"المربين\" إلى التأليه‬ ‫الذاتي للاستفراد بالتربية نظرا وعقدا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وقد قدمت في ذلك مداخلة في ندوة بيت الحكمة الختامية حول علم الكلام القديم وستنشر‬ ‫إن شاء الله‪ .‬وكالعادة فالنظرية الخلدونية يمكن اعتبار المقدمة قد عرضت منها صيغة‬ ‫أولية كان لا بد من تطويرها وهو ما حاولت بيان شروطه في كلامي على الخلدونية المحدثة‬ ‫ووصله بعلل \"فساد معاني الإنسانية\"‪.‬‬ ‫فمعاني الإنسانية تفسدها السياسة المستندة إلى العنف في التربية وإلى العنف في الحكم‪.‬‬ ‫والعنفان علتهما حب التأله عند المربين وحب التأله عند الحاكمين‪ .‬فحتى يتألهوا لا بد أن‬ ‫يعتبر المربون نظرهم وعقدهم حقائق مطلقا لا اجتهادا وأن يعتبر الحكام عملهم وشرعهم‬ ‫قيما مطلقة لا جهادا‪.‬‬ ‫الاجتهاد في النظر والعقد اعتبره القرآن تواصيا بالحق وهو فرض عين على الجماعة كلها‬ ‫لا فرض كفاية والجهاد في العمل والشرع اعتبره القرآن تواصيا بالصبر وهو فرض عين‬ ‫على الجماعة كلها لا فرض كفاية‪ .‬والتربية تذكير والحكم تدبير وكلاهما مرسوم في كيان‬ ‫الإنسان من حيث هو إنسان‪.‬‬ ‫وإدخال النسبية على النظر والعقد وعلى العمل والشرع مشروط باعتبار الإنسان نفسه‬ ‫في علاقة بمن له العلم المحيط والعمل المطلق وهو مناط العلاقة المباشرة بين الله والإنسان‪.‬‬ ‫فيكون المدار كله بين سورتي العصر بآياتها كلها والشورى بالآية ‪ 38‬منها ويتوسط بينهما‬ ‫أمرا ونهيا آل عمران بـ‪ 104‬و‪.110‬‬ ‫والمرسوم في كيان الإنسان بوجهيه البدني والروحي ما يتم التذكير به في التربية بالنظر‬ ‫والعقد وفي الحكم بالعمل والشرع دون توهم البلوغ إلى المطابقة معه لأنه هو المنشود الذي‬ ‫فيه مسافة فاصلة مطلقة بين الاطلاق في المقومات التي هي القيم أي الإرادة والعلم‬ ‫والقدرة والحياة والوجود‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن الوعي بالاستخلاف هو إدراك هذه المسافة بين الإرادة المطلقة والإرادة‬ ‫النسبية والعلم المحيط والاجتهاد والقدرة المطلقة والجهاد والحياة المطلقة وكل نفس ذائقة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الموت والوجود المطلق والوجود الإضافي‪ .‬وفي هذه الحالات كلها نحن أمام العلاقة بين صفات‬ ‫المستخلف وصفات الخليفة‪.‬‬ ‫مضمون النواة التي يكون فيها الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد هي الوعي بهذه‬ ‫النسبة بين الإرادتين والعلمين والقدرتين والحياتين والوجودين‪ .‬وهذه المسافة تمثل‬ ‫علاقة بين الموجود والمنشود في كيان الإنسان‪ .‬ومعنى ذلك أن المنشود هو ما يجعل الإنسان‬ ‫مشدودا لما يتعالى عليه دائما‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن جوهر الوجدان نشدان‪ .‬والإنسان مشدود بالوجدان إلى النشدان فلا‬ ‫يكون أبدا مطابقا لما يسمى \"واقعه\" بل هو متعال على كل واقع لأنه ذو سهم في إيقاعه بما‬ ‫له من اشرئباب لهذا المطلق الذي يجعله متعاليا على ذاته في كل لحظة فلا يتطابق معها‬ ‫ويشعر أنها منفتحة على عوالم لا متناهية‪.‬‬ ‫وهذا الشعور يحرره من الإخلاد إلى الأرض فيتحرر من اللهيث الذي يجعله يتصور المطلق‬ ‫في موجوده سواء كان متعينا في الثروة والعملة أصلا لسلطان مادي موهوم أو في التراث‬ ‫والكلمة أصلا لسلطان روحي موهوم‪ .‬وتلك هي الحرية التي تجعله يسمو على الموجود‬ ‫الفاني لانشداده إلى المنشود الباقي‪.‬‬ ‫وحينها سيكون هو سيد الثروة لا مسودها وسيد التراث لا مسوده‪ .‬وتلك الحرية هي التي‬ ‫تجعله مبدعا لنماذج النظر والعقد (التقدير الذهني الرياضي) ولنماذج العمل والشرع‬ ‫(التقدير الذهني الميثولوجي) فيسد بهما ما يحتاج إليه لسد حاجاته المادية معمرا للأرض‬ ‫ولسد حاجاته الروحية مستخلفا فيها‪.‬‬ ‫فيتحرر من ابستمولوجية المطابقة ولا يتوهم أن نظره وعقده هما الحقيقة المطلقة فيدعي‬ ‫علم الأشياء على ما هي عليه ومن أكسيولويجية المطابقة ولا يتوهم أن عمله وشرعه هما‬ ‫القيمة المطلقة فيدعي التحسين والتقبيح العقليين ويتذكر معنى الاجتهاد في التواصي‬ ‫بالحق والجهاد في التواصي بالصبر حيث لا يدعي علما مطلقا بالطبيعة وعملا مطلقا في‬ ‫التاريخ فينفتح وجدانه على ما يشده لنشدانه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والتحرر من رمز الفعل (العملة) وفعل الرمز (الكلمة) لا يعني الاستغناء عنهما بل هو‬ ‫يعني حصرهما في وظيفتيهما أي جعلهما كما هما أداتين للتبادل والتواصل وليس أداتين‬ ‫للسيطرة على المتبادلين والمتواصلين‪ .‬وأول من يصبح سيدا عليهما صاحبهما لأنهما أول من‬ ‫يستعبداه هو صاحبهما‪ .‬فالمتأله برمز لفعل عبد له والمتأله بفعل الرمز عبد له‪.‬‬ ‫لن يبقى الإنسان عبدا لرمز الفعل أو العملة التي هي تكثف الثروة المادية وعبد فعل‬ ‫الرمز أو الكلمة التي هي تكثف التراث الروحي بل يصبح سيدا عليهما لأن وجدانه انفتح‬ ‫على نشدانه فآمن بالمتعاليات التي تقوم وجوده بجاذبيتها إلى الأسمى (إرادة وعلما وقدرة‬ ‫وحياة ووجودا) وأصلها (الله) مثال المثل كلها‪.‬‬ ‫وذلك يعني أن من يستعبد غيره بأي منهما لا يفعل إلا لأنه صار عبدا له‪ :‬عابد رمز الفعل‬ ‫هو الذي يستبعد به غيره وعابد فعل الرمز هو الذي يستعبد غيره به‪ .‬وهنا نفهم تمييز‬ ‫ابن خلدون بين الرئاسة التي هي صفة للإنسان من حيث هو إنسان مستخلف والسيادة التي‬ ‫هي سيطرة العنف على السيد قبل المسود‪.‬‬ ‫وتلك براءة المسيح‪\" :‬مَا َكا َن لِبَ َش ٍر أَن ُي ْؤتِ َي ُه اللَّ ُه الْكِتَابَ وَا ْلحُ ْك َم وَال َُّنبُ َّوةَ ثُمَّ يَقُو َل لِل ّنَاسِ‬ ‫ُكو ُنوا عِ َبا ًدا لَِّي ِمن دُو ِن ال ّلَهِ وَ ٰلَكِن ُكونُوا َربَّا ِن ِيَّي َن ِبمَا ُكنتُ ْم ُتعَ َلِّ ُمونَ الْ ِكتَابَ وَبِ َما كُنتُمْ‬ ‫تَ ْدرُسُونَ\" (آل عمران ‪.)79‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬