Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore تكملة لحوار الدكتور أبو يعرب المرزوقي مع الأستاذ محمد الناصر - أبو يعرب المرزوقي

تكملة لحوار الدكتور أبو يعرب المرزوقي مع الأستاذ محمد الناصر - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2019-02-24 06:54:19

Description: تكملة لحوار الدكتور أبو يعرب المرزوقي مع الأستاذ محمد الناصر - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫تكملة لحوار الدكتور‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫مع الأستاذ محمد‬ ‫الناصر‬ ‫الأسماء والبيان‬





‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪9 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪16 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪22 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪27 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس ‪33 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل السابع ‪40 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫ما الاعتراضات الممكنة حول ما قلته في حواري مع الأستاذ محمد ناصر؟ وكان ‪-‬كما الحال‬ ‫في الحوارات التلفزية‪-‬موجزا ومبسطا حتى تصل المعاني العامة دون دخول في جزئيات‬ ‫تأسيسها أو جزئيات ثمراتها‪ .‬وهي من ثم اعتراضات مشروعة خاصة وكل المسائل التر‬ ‫تعرضنا لها خلافية وتهم الجميع‪.‬‬ ‫لذلك فلأذكر أهمها‪.‬‬ ‫وقد تقبل كلها الرد إلى أصل وحيد يجمع بين المسألة الفلسفية النظرية والمسألية السياسية‬ ‫العملية المترتبة عليها أصلين لفهم أزمة الأمة الروحية الحضارية التي لها صلة بعلاقة‬ ‫الفلسفة والدين وأزمتها المادية السياسية في علاقة بثمرات العلاقة الأولى على رعايتها‬ ‫لذاتها في التعمير والاستخلاف‪.‬‬ ‫وطبعا لا أنوي عرض كل المسار الذي أوصلني إلى ما بنيت عليه ما عرضته من حلول هي‬ ‫اجتهادات لا أدعي لها الكمال ولا أسعى إلى التعامل مع المخاطبين إلا بما يقتضي التحرر‬ ‫من سلطان الوساطة بين المتلقي وصلته الذاتية بمجال البحث ومن وصاية عليه في خياراته‬ ‫للحلول التي يصل إليها بفكره الشخصي‪.‬‬ ‫وأفهم جيدا أن يعتبر ما أقدمه مستفزا للمدرستين السائدتين خاصة‪ :‬مدرسة الفكر الديني‬ ‫التقليدي ومدرسة الفكر الفلسفي التقليدي‪ .‬وهما سائدتان لأنهما تمثلان الحلين الأقصيين‬ ‫اللذين يستثني كل منهما الثاني ويدعي ملكية الحقيقة إما باسم الوحي أو باسم العقل لكأن‬ ‫فهميهما لهما غنيان عن المراجعة‪ .‬ولكأن تشكيك كل منهما في ما يدعيه الثاني غني عن‬ ‫المراجعة كذلك‪ .‬فعندنا إذن خمس معان بحاجة إلى المراجعة‪:‬‬ ‫ففهم الوحي‪:‬‬ ‫‪ .1‬من ادعياء القائلين به‬ ‫‪ .2‬ومن خصومه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفهم العقل‬ ‫‪ .3‬من أدعياء القائلين به‬ ‫‪ .4‬ومن خصومه‬ ‫‪ .5‬والأصل تصور الامرين مختلفين بالجوهر وليس بسبب الخصومة بينهما عديمة الأساس‪.‬‬ ‫ولست أدعي أنها عديمة الأساس بصورة مطلقة بل في الإسلام إذا قبلنا بقراءة القرآن‬ ‫ونحن متحررون من هذه الخصومة التي باتت مسلمة وكأنها حقيقة تصدق على الفكرين‬ ‫الديني والفلسفي عامة وليس على ما آل إليه هذا الفكران عند كاريكاتور الديني‬ ‫وكاريكاتور الفلسفي في رؤى المعرفي والقيمي لديهما‪.‬‬ ‫والقرآن يعرف نفسه رسالة من الله إلى الإنسان والرسول الذي يبلغها لا يتجاوز دوره‬ ‫التبليغ التذكيري بطرق التبليغ المنطقية وليس بالمعجزات مع الإعلام بأن المضمون يتعلق‬ ‫بما يحقق به الإنسان مهمتين هما التعمير الذي هو عمل محدود على علم محدود لسد‬ ‫حاجاته المادية والروحية وبقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫وقد استنتجت من هذا التعريف الذي لا يجادل فيه أحد أمرين‪:‬‬ ‫‪ .1‬يتعلق بمحدودية العمل والعلم الإنسانيين وهو ما يترتب عنه وجود ما لا يستطيع‬ ‫الإنسان عمله ولا علمه ومن ثم فلا يمكن أن يتجاوز الإنسان كونه خليفة فيدعي العمل‬ ‫التام أو العمل المحيط‬ ‫‪ .2‬يتعلق بتجهيز الإنسان بشروط تحقيق المهمتين‪.‬‬ ‫لكن الجواب عن ذلك كله يقتضي التوجه مباشرة إلى الأصل‪ :‬هل الخصومة بين كلا‬ ‫الموقفين من أساس موقفه من أساس موقف خصمه لها أساس أصلا؟ حتى نقتلع الخصومة من‬ ‫الأصل فلنذكر كيف يصوغه أصحابها‪ .‬هم يصوغونه بعبارة المقابلة بين النقل والعقل لكان‬ ‫الأول نقل دون عقل والثاني عقل دون نقل‪.‬‬ ‫وحتى أحول دون المهرب بينت أن توهم النقل مدركا للغيب هو مزعم صاحب النقل المزعوم‬ ‫وتوهم العقل غنيا عن النقل هو مزعم صاحب المزعوم‪ .‬فإذا بينت أن النقل في الدين لا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يمكن أن يتضمن علم الغيب وإلا فالرسالة متناقضة لأن كونها رسالة بما لا يعلم لا معنى‬ ‫له‪ .‬هي رسالة بما يعلم لا غير‪.‬‬ ‫وما حدث ذلك إلا للخلط بين إعلامها لنا بأن علمنا محدود لوجود الغيب وبين علمنا‬ ‫بمضمون الغيب‪ .‬النبي نفسه يجهل الغيب‪ .‬فالرسالة إذن لا تتجاوز ما يفهمه العقل‪ .‬وهي‬ ‫إذن رسالة تنفي وهم رد الوجود إلى ما يعمله منه الإنسان بل يوجد ما لا يعلمه الإنسان‪.‬‬ ‫وهو ما لم يطقه الفلاسفة لتوهمهم العكس‪.‬‬ ‫وتوهم الفلاسفة والمتكلمون والمتصوفة أن العلم الإنسان محيط بدليل قولهم بنظرية‬ ‫المعرفة المطابقة سواء كانت عقلية أو لدنية هو ما يسميه ابن خلدون برد الوجود إلى‬ ‫الإدراك‪.‬‬ ‫كلا الصفين يتوهمان علم الوحي أو العقل بمضمون الغيب وهو مستحيل‪ .‬لا أحد‪-‬لا النبي‬ ‫ولا الفيلسوف ولا المتصوف‪-‬يعلم الغيب‪.‬‬ ‫وإذن فالقرآن وضع نظرية في المعرفة لا تقول بالمطابقة بل تميز بين الوجود وإدراكه‪.‬‬ ‫الثاني لا يحيط بالأول ويعلم أنه لا يحيط به وأن فيه غيبا يعلم وجوده ولا يعلم مضمونه‪.‬‬ ‫وهي نظرية نقدية في المعرفة تجعلها اجتهادا دائما وليست علما مطلقا ويترتب عليه أن‬ ‫العمل جهاد نسبي وليس عملا كاملا‪.‬‬ ‫بينا إذن وهم تجاوز الوحي ما يعلم بالعقل فتحررنا من خرافة الراسخين في العلم الذي‬ ‫يتوهمون أنهم يعلمون تأويل المتشابه ويدركون الغيب زاعمين ذلك ثمرة العلم الفلسفي‬ ‫فيردون إليه هذا الغيب عندما يتوهمون أنهم وجدوا ما يناقض ما توهموه علما عقليا‬ ‫مطلقا بنظرة في المعرفة تقول بالمطابقة‪.‬‬ ‫وبينا وهم العلم اللدني إذ لا يعقل أن يدعي المتصوف أنه مؤمن بالإسلام ثم يزعم أن‬ ‫يدرك الغيب الذي ينفي القرآن إمكان إدراك مضمونه متجاوزين إعلام القرآن لنا بوجوده‬ ‫مع نفي علم مضمونه حتى على الرسل فيكون العلم اللدني من أكاذيب أو توهمات‬ ‫المتصوفة‪ .‬وفحصها يثبت أنها خرافات وكرامات كاذبة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فينتج النقل الوحيد الممكن للإنسان هو ما يعلمه الإنسان من المعطيات الحسية أو من‬ ‫المعطيات الحدسية حول علمنا وعملنا وحدودهما والتي لم تتوصل إليها الفلسفة إلى في‬ ‫أواخر العصر الحديث عندما فهمت أن وهم المطابقة دليل سذاجة إبستمولوجية في النظر‬ ‫وسذاجة أكسيولوجية في العمل ارثا يونانيا‪.‬‬ ‫الابستمولوجيا والأكسيولوجيا المتحررتان من القول بالمطابق أو برد الوجود إلى الإدراك‬ ‫ثورة دينية وليست وليست فلسفية اكتشفتهما الفلسفة النقدية عندنا في القرآن وتبنتهما‪-‬‬ ‫عند ابن تيمية وابن خلدون في نهاية القرون الوسطى وتبنتها الفلسفة النقدية الغربية في‬ ‫نهاية عصر الحداثة (كنط خاصة)‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن الرؤية الابستمولوجية في المعرفة والأكسيولوجية في القيم والتي لا تقول‬ ‫بالمطابقة لم تدم طويلا لا عندنا ولا عند الغرب لأنها سرعان من توقفت‪ .‬وما يعنينا هو‬ ‫توقفها في الفلسفة الاوروبية الحديثة‪ :‬المثالية الألمانية برفض مفهوم \"الشيء في ذاته\"‬ ‫انهت النقد الكنطي‪.‬‬ ‫حدث إذن رفض فلسفي وديني للتمييز بين علمنا والموجود وعملنا والمنشود وتأسيس‬ ‫المطابقة بينهما في النظر (ابستمولوجيا المطابقة) وفي العمل (أكسيولوجيا المطابقة)‬ ‫مرتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأولى مع أفلاطون وأرسطو وبهما بدأت هذه الرؤية‪.‬‬ ‫‪ .2‬ثم استؤنفت هذه الرؤية مع هيجل وماركس‪ :‬علة الصراع بين المدرستين‪.‬‬ ‫فأفلاطون وأرسطو كلاهما تصور الموجود قابل للرد إلى علمه والمنشود إلى عمله وإذن‬ ‫فكلاهما قائل بالمطابقة معرفيا وقيميا‪ .‬ومعنى ذلك أن علم الإنسان محيط بالموجود وعمله‬ ‫بالمنشود‪ .‬وكلاهما مستحيل‪ .‬ومن ثم فالعلم والعمل كلاهما لهما نقل مضموني يستمدانه‬ ‫من الموضوع وليسا عقلا ولا إرادة خالصين‪.‬‬ ‫وليس صحيحا أن بينهما اختلافا جوهريا‪ .‬فما يسميه أفلاطون مثال المثل وعالمه وعالم‬ ‫الإله الصانع عن منواله والطبيعة التي يحل فيها المنوال يسميهما أرسطو عالم المحرك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأول والمحركات التي توجد في ما فوق القمر والطبيعة التي هي دونها وفيها شوق تصويري‬ ‫فيها نظير ما وضعه الإله الصانع الأفلاطوني وأحله في المادة التي صورها‪ .‬لكنهما يشتركان‬ ‫في الأمرين المهمين‪:‬‬ ‫‪ .1‬في وحدانية العالم الذي هذا نظامه والذي لا يوجد غيره وليس فيه شيء من الغيب‬ ‫الذي لا يعلم‪.‬‬ ‫‪ .2‬وفي نظرية العلم والعمل المطابقين بحيث إن علم الموجود وعمل المنشود مقياسه علم‬ ‫الإنسان وعمله‪.‬‬ ‫ونفس هذه الصورة الشفافة للعالم الواحد نجدها بعد محاولات تجاوز \"الشيء في ذاته‬ ‫\"الكنطي الذي له وظيفة الغيب في الدين لأنه يعني أن ما نعلمه من العالم لا يتجاوز ما هو‬ ‫اضافي لنا‪ .‬وهذا الإضافة لا تتجاوز حاجز الذاتية الإنسانية ومن ثم فلا يمكن أن تعتبر‬ ‫المقياس الذي يرد إليه الوجود في ذاته الذي يبقى مجهولا‪ .‬وحتى الأكسيولوجي فهو مبني‬ ‫على مسلمات عقدية وليس على حقائق علمية‪.‬‬ ‫لكن الرؤية القرآنية مختلفة تماما عن الرؤية الأفلاطونية الارسطية والهيجلية الماركسية‬ ‫وللرؤية الكنطية وجه شبه مع ما استنتجه منها الغزالي بمفهوم \"طور ما وراء العقل\" وابن‬ ‫تيمية بمفهوم التصور الذي لا يتناهى في التفاضل وابن خلدون بمفهوم استحالة رد الوجود‬ ‫إلى الإدراك‪.‬‬ ‫لكنها قرئت بهذا النموذج الأفلاطوني الارسطي عندنا علمائنا القدامى والهيجلي الماركسي‬ ‫عند \"علمائنا\" المحدثين ما جعل الفلسفة في الحالتين وتأثيرها في علوم الملة قد حالت دون‬ ‫قراءة القرآن قراءة متحررة من المنظور السفسطائي الذي يجعل الإنسان مقياس الوجود‬ ‫موجوده ومعدومه‪.‬‬ ‫فطبق رؤية وحدانية العالم بالمقياس الإنساني وهي حتى في عالم الشهادة لا ترد إليه‬ ‫وحده بل فيها ما لا ينطبق عليه المقياس الإنساني وهو الغيب المحجوب‪ .‬لذلك فالرسالة‬ ‫ليس فيها مضمون غيبي‪ .‬فيها دون شك إعلام بوجود الغيب مصحوب بإعلام ينفي جعله‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بمقياس الإنسان‪ .‬فالإعلام بوجود الغيب وباستحالة علمه انسانيا يناظر القول بأن العقل‬ ‫الإنسان ليس مقياس كل شيء وأنه‪:‬‬ ‫‪ .1‬بأن علم العقل ليس محيطا وهو معنى ابستمولوجيا نفي المطابقة‪.‬‬ ‫‪ .2‬وبأن عمل الإرادة ليس محيطا وهو معنى اكسيولوجيا نفي المطابقة‪.‬‬ ‫نفي المطابقة يعني أن الإنسان لا يحيط بالموجود والمنشود‪ .‬والمشكل أن المدرسة الدينية‬ ‫توهمت أن نفي العلم بالغيب يخص العقل ويستثني الوحي فتوهموا أن النبي يعلمه وأن‬ ‫الراسخين يعلمونه كذلك‪ .‬ومن ثم فهم لا يختلفون عن الفلاسفة في القبول بالراي الفلسفي‬ ‫اليوناني أفلاطونيا كان أو أرسطيا ولا يختلفون عنهم إلا بتوهم علم الغيب منفيا عن العقل‬ ‫وخاصا بالوحي‪.‬‬ ‫ولما كان الوحي معناه إدراك مباشر سواء توسط الاستدلال العقلي الذي غالبا ما يكون تاليا‬ ‫عن إدراك ما يستعمل الاستدلال للتعبير عنه وليس لإدراكه أو لم يستعمله فهو دال على‬ ‫التلقي وليس على شيء آخر وهو ليس خاصا بالإنسان ولا بالبشر بل حتى النحل والنمل‬ ‫يحصل لها‪ .‬فيكون ليس نوعا من المعرفة يقابل العقل بل ما يشبه البصيرة التي تتجاوز‬ ‫البصر والعقل بهذا المعنى بصيرة وليس شيئا آخر‪.‬‬ ‫ومن يتوهم أن العقل أمرا صناعيا يستمد من آليات المنطق كمن يتوهم الشعر هو استعمال‬ ‫فنيات النظم الشعري وأن الرسم محاكاة الاشكال ولا يرى ما وراء ذلك وما به نميز الشعر‬ ‫عن النظم والرسم عن محاكاة الأشكال وكل فن عن محاكاة الفنون‪.‬‬ ‫العقل المبدع للعلوم هو بدوره موهبة‪ .‬وطبعا فكل موهبة يثقفها التكوين والتدريب‬ ‫وفنيات تنميتها بالمنطق والاطلاع على الإبداع السابق وليس مجرد نظم منطقي كما يتوهم‬ ‫الكثير فيتصور الشعر مجرد استعمال لفنيات النظم الشعري كما في المنظومات التعلمية التي‬ ‫صيغ بها النحو مثلا لتسهيل حفظ القواعد‪.‬‬ ‫ومن يقرأ القرآن يعلم أن كل ما فيه وحي بمعنى كونه مراجعة نقدية لكل الرسالات التي‬ ‫يقصها ويقص معركتها التاريخية ومعيقاتها وما أدخل عليها من تحريفات افسدتها وجعلتها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تتحول إلى عكس ما نزلت لأجلها بسبب التوظيف في الوساطة التربوية والوصاية السياسية‪.‬‬ ‫والرسالة الأخيرة التي يمثلها القرآن جاءت لتصحيح ذلك بمنطق التصديق والهيمنة‬ ‫بوصفه البلاغ الأخير للإنسانية كلها التي يخاطبها بلغة الاستدلال العقلي‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن يكون القرآن رسالة للإنسان ثم يتضمن ما لا يستطيع الإنسان فهمه‪ .‬لا بد‬ ‫إذن أن تكتب الرسالة بصورة تجعلها قابلة للفهم وإلا فهي ليست رسالة‪ .‬والاعجاز الوحيد‬ ‫الذي يؤمر الرسول في القرآن بذكره هو هذه الصفات التي في القرآن بوصفه يدلنا‬ ‫بالاستدلال العقلي على ما علينا القيام بها حتى نحقق المهمتين اللتين كلفنا بهما واللتين‬ ‫سنحاسب عليهما يوم الدين‪:‬‬ ‫‪ .1‬تعمير الأرض بما جهزنا به من قدرة على النظر والعقد وفي العمل والشرع في علاقتنا‬ ‫بالطبيعة وبالتاريخ اللذين سخرا لنا وجهزنا حتى نستمد منهما مصدر بقائنا‪.‬‬ ‫‪ .2‬بقيم الاستخلاف التي علينا مراعاتها في التعمير حتى تكون علاقتنا بعضنا بالبعض‬ ‫علاقة الاخوة (النساء ‪ )1‬والمساواة دون تمييز عرقي أو ديني أو طبقي أو جنسي‬ ‫(الحجرات ‪.)13‬‬ ‫فإذا تبين ذلك تبين أن الخصومة بين الديني والفلسفي علتها الجهل بهذين الشرطين‪.‬‬ ‫فلو علم الديني أن زعمه الوحي يجعل الدين محيطا بعلم الغيب موجوده ومنشوده ولو علم‬ ‫الفلسفي أن زعمه العقل محيطا بالموجود وبالمنشود وفهم أن ذلك مستحيل على الإنسان‬ ‫لتواضعا وفهما علة تعصبهما وسبب صراعهما الأحمق‪.‬‬ ‫ولهذا نجد الخاصتين واضحتين في القرآن الكريم‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولذلك فكل حجاج القرآن يستند إلى نظام الخلق وسنن الامر‪ .‬والاول يتعلق بنظام العالم‬ ‫والثانية تتعلق بسننن التاريخ‪ .‬ولذلك اعتبرت فصلت ‪ 53‬هي المفتاح لما يعتبره القرآن‬ ‫الفيصل بين الغيب والشهادة‪ .‬فما يرينه الله من آياته في الآفاق والانفس نظام عالم‬ ‫الشهادة‪ .‬والبحث في غيره حكمه آل عمران ‪.7‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذكرت أن الابستمولوجيا ‪ Epistémologie‬والأكسيولوجيا ‪ Axiologie‬القائلتين بالمطابقة‬ ‫بين العلم والموجود وبين العمل والمنشود بدأت مع أفلاطون وأرسطو واستؤنفت مع هيجل‬ ‫وماركس‪ .‬ما يعني أن نسبة ماركس إلى هيجل هي عينها نسبة أرسطو إلى أفلاطون في‬ ‫الأبستمولوجيا والأكسيولوجيا المطابقتين للموجود‪ Être‬والمنشود‪.Devoir être‬‬ ‫وهذا يعني أن ما حدث بعد هيجل وماركس له ما يجانسه في ما حدث بعد أفلاطون‬ ‫وأرسطو‪.‬‬ ‫• فالأول من الحالتين كان مثاليا‬ ‫• والثاني منهما كان ماديا‪.‬‬ ‫لكن الانتقال مر من فلسفة الطبيعة منطلقا عند أفلاطون وأرسطو إلى فلسفة التاريخ‬ ‫منطلقا عند هيجل وماركس‪.‬‬ ‫والأربعة يعتقدون في المطابقة بين العلم والوجود في النظر والعقد وبين العمل والمنشود‬ ‫في العمل والشرع‪ .‬فأطلقوا علم الموجود وعمل المنشود‪.‬‬ ‫وهذا هو جوهر الموقف السفسطائي القائل إن الإنسان مقياس كل شيء موجوده‬ ‫ومعدومه‪.‬‬ ‫وقد وصف ذلك ابن خلدون قائلا‪:‬‬ ‫وهم الفلاسفة هو راد الوجود إلى الإدراك بمعنى أنهم يتصورون أمرين لا شيء يقتهما‬ ‫حقيقتين‪:‬‬ ‫• أن الوجود والمنشود شفافين للإنسان‬ ‫• أن عقل الإنسان وإرادته يحددان الموجود والمنشود‪.‬‬ ‫ولذلك عندما تسمع النخب العربية التي تدعي التنوير والحداثة زاعمة أن ابن رشد‬ ‫والمعتزلة عقلانيون فأفهم أنهم بلا وعي يقولون بالإنسان مقياس كل شيء مثل السفسطائية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا يعتبرون أن مطابقة العلم للموجود والعمل للمنشود كلاهما وهم لا شيء يثبته بدليل‬ ‫التطور في العلم وفي العمل‪.‬‬ ‫فلو كان علمي مطابق للوجود لكان تطور علمي يعني أن الوجود هو الذي تطور إما لأنه‬ ‫تابع لعلمي أو لأن علمي تابع للوجود‪.‬‬ ‫• فإذا كان الأول فينبغي أن تكون كل العلوم في كل الجماعات متعاصرة وهو ما يكذبه‬ ‫التاريخ‪.‬‬ ‫• وإذا كان الثاني دل ذلك أن الوجود ليس واحدا في الجماعات المختلفة ما تكذبه‬ ‫الطبيعة‪.‬‬ ‫وما يكذبه التاريخ وتكذبه الطبيعة فمن يصدقه غير الحمقى؟‬ ‫لكنهم بهذه الرؤية الساذجة للعلم وللعمل اعتبروا الموقف المقابل في الإسلام مخالفا للعقل‬ ‫وعلمهم مطابقا للموجود وعملهم مطابقا للمنشود‪.‬‬ ‫و لما يتكلم القرآن مثلا على أن العالم الطبيعي كلاما مطلق المنافاة مع عالم أرسطو‬ ‫يعتبرونه خرافة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة فقد أفهم من يلحد بسبب ما يبدو من عدم عدل إلهي في العالم الشاهد‬ ‫وليس هنا محل البحث فيه‪ .‬لكني لا أفهم من يزعم بناء إلحاده على العلم‪ .‬فالإسلام من‬ ‫هذه الناحية أبعد ما يكون على التناقض مع العلم‪ .‬ليس في القرآن علم كما يزعم مخرفو‬ ‫الإعجاز‪.‬‬ ‫لكنه لا يتضمن ما يناقض العلم بل هو لا يستدل بغير ما يتأسس عليه العلم أعني النظام‬ ‫في الطبيعة وفي التاريخ ويترك معرفتهما إلى الاجتهاد الإنساني الذي هو تاريخي بالجوهر‬ ‫ولا يمكن تقديم حقائق نهائية فيها أبدا‪.‬‬ ‫ولذلك فلا يمكن للقرآن الذي هو كتاب في الرؤى العامة الثابتة أن يتكلم في المضمون‬ ‫العملي المتغير أي في صيغ قانونية نهائية سواء تعلقت بالطبيعة أو بالتاريخ‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن القائلين بالمطابقة تجعلهم سذاجتهم يحاولون بالتأويل رد الدين أو ما يسمونه النقل‬ ‫وخرافة شعبية‪-‬كل فلاسفة العرب يرون ما يراه أفلاطون وأرسطو في الدين غير الفلسفي‬ ‫خرافة شعبية مصدرها الخيال وليس العقل والمتشيع والمتصوف المتصوف المتفلسف منهم جعل‬ ‫تحريف القرآن بالخرافة الشعبية أي بالقراءة الإمامية هو الحقيقة المطابقة لفلسفتهم‬ ‫العرفانية‪ -‬إلى ما كانوا يظنونه علما مطابقا للطبيعة ‪-‬وخاصة للفلك الأرسطي‪-‬لا نتمالك‬ ‫اليوم من العجب لأن تقدم العلم بين العكس‪ .‬فقد تبين أن العالم أوسع من عالم أرسطو‬ ‫بما لا يقدر وأن نظرية العقول التي تسير الأفلاك من السخافات التي لا يصدقها إلى‬ ‫المخرفون‪.‬‬ ‫ولما نحاول فهم نظرية التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة لا يمكن لأي عاقل أن‬ ‫يعتقد الآن أن القيم سوءا كانت خلقية أو جمالية صفات ذاتية للأشياء يدركها العقل وليس‬ ‫تقويمات إنسانية مختلفة بحسب الحضارات والمعتقدات‪.‬‬ ‫ومع ذلك تجد الأغبياء ما يزالون يعتقدون ابن رشد والمعتزلة عقلانيون‪ .‬لكن لا عجب‪.‬‬ ‫فأفلاطون وأرسطو مثلهما مثل هيجل وماركس وضعا مبدأين يحولان دون فهم الأديان حقا‪:‬‬ ‫‪ .1‬أولا مبدأ وجودي وهو أن العالم واحد وهو هذا المشهود سواء كان أفلاطونيا‬ ‫بمستوييه نسخا وأصولا مفارقة أو أرسطيا أصولا حالة في النسخ أو هيجليا بمستوييه‬ ‫الروحي الكلي والروحي الجزئي أو ماركسيا أصولا كونية ومراحل تاريخية كلها لا ترى‬ ‫تعدد العوالم واختلافها الجوهري بمعنى أن العالم الوحيد هو الذي على المقاس الإنساني‪.‬‬ ‫‪ .2‬وهو ما يؤدي إلى الحل الابستمولوجي والاكسيولوجي القائلين بالمطابقة كما‬ ‫أسلفت في النظر والعقد وفي العمل والشرع‪ .‬ومن ثم يصبح الإنسان في منزلة الكائن المطلق‬ ‫الذي يتحدد كل شيء بالإضافة إليه‪ .‬وتلك هي علة تحول الفلسفة والدين إلى مجرد‬ ‫إيديولوجيا تطلق الإنسان من حيث هو مقياس كل شيء‪ .‬لكن لا شيء يثبت‪:‬‬ ‫• أن العالم واحد ومن نفس الطبيعة التي مقياسها الإنسان ولا يوجد أي عالم آخر قد‬ ‫لا ينطبق عليه مقياس الإنسان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫• أنه حتى لو كان العالم واحد فلا شيء يثبت أن ما نعلمه من موجوده وما نعمله من‬ ‫منشوده مطابق لموجودة ولمنشوده‪.‬‬ ‫ومن ثم فنحن تسلمنا أمرين هما علة سذاجتنا الأبستمولوجية والأكسيولوجية وأساس‬ ‫تعصبنا وعنفنا وجرائمنا‪.‬‬ ‫فإذا لم نعتقد أن علمنا اجتهاد غير محيط وعملنا جهاد غير محيط فإننا نؤله أنفسنا‬ ‫فنصبح طغاة ومستبدين بعضنا بما يدعه من علم وبعضنا بما يدعيه من عمل ومن هنا‬ ‫جاءت الوساطة الروحية بين الإنسان وربه سواء كان كنسية دينية أو كنسية فلسفية‬ ‫والوصاية المادية على الإنسان مؤسسة عليهما في العمل‪.‬‬ ‫فينتج من ثم أن تحريف الديني في الأديان وتحريف الفلسفي في الفلسفات هو الانتقال‬ ‫من العلم النسبي إلى وهم العلم المطلق في العلم والعقد والانتقال من العمل النسبي إلى‬ ‫وهم العمل المحيط في العمل والشرع وذلك من أجل تأسيس الوساطة الروحية في التربية‬ ‫والوصاية المادية في الحكم‪ :‬الاستبدادان الروحي والمادي‪.‬‬ ‫والاستبدادان هما نوعا عبادة العباد بدل عبادة رب العباد‪.‬‬ ‫تلك هي الثورة القرآنية‪ .‬وكانت رمز الفتح‪\" .‬جئنا لتحريركم من عبادة العبادة حتى‬ ‫تعبدوا رب العباد فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا\" أي فنحقق الحجرات ‪ 13‬لأن ذلك هو‬ ‫مقتضى النساء ‪ :1‬البشر متساوون أمام الله لأنهم اخوة من نفس واحدة‪.‬‬ ‫واكتشافي هذه الحقائق القرآنية يجعلني لا أستطيع أن اعتبر لنفسي في ذلك فضلا لأن‬ ‫ثمرة هذا الاكتشاف تحررني من وهم الفضل للإنسان في كل ما يهديه إليه ربه من اكتشاف‬ ‫للحق خاصة إذا جاهد فعمل به‪ .‬ذلك أن هذه الحقائق هي ثمرة التواصي بالحق لعلمه الذي‬ ‫ينبغي أن يصبح تواصيا بالصبر للعمل به‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فالمعرفة الاجتهادية لا يمكن أن تدعي الوساطة بين الإنسان والحقيقة بل‬ ‫هي تعرض منظورا قد يوقظ المناظير لكنه لا يعوض أيا منها بل يدفع اصحاب النظر إليها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومن ثم فهو من جنس \"إنما أنت مذكر\" بالمعنى السقراطي‪ .‬والعمل الجهادي لا يمكن أن‬ ‫يدعي الوصاية بين الإنسان وتحقيق الحقيقة‪.‬‬ ‫بل العمل الجهادي دعوة للتواصي بالصبر أو للتسابق في الخيرات إذ فيه سعي لتحقيق‬ ‫الممكن من الحق دون الزعم بأن ذلك السعي مفروض على الآخرين‪ .‬وفي ذلك احترام لحق‬ ‫الغير باعتباره مكلفا هو بدوره‪ .‬فإذا أنت زعمت إلزامه برؤيتك دون أن يكون قد اقتنع‬ ‫فالتذكير وما يتطلبه من تدبير يصير تابعا لا حرا‪.‬‬ ‫وهو ما جعل ابن خلدون يعتبر العنف بهذا المعنى علة لفقدان معاني الإنسانية وذلك في‬ ‫التربية أولا وفي الحكم ثانيا‪ .‬وهو تاريخ يقيس عنف الحكم على عنف التربية وطورا عنف‬ ‫التربية على عنف الحكم في إفساد معاني الإنسانية في الإنسان فلا يبقى تعريفه \"رئيسا‬ ‫بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫وهنا نكتشف علة التقابل شبه المطلق بين رؤيتين للتكوين عند ابن خلدون وهيجل‪ .‬فهذا‬ ‫يعتبر التربية نقلا للإنسان من كيانه الطبيعي إلى كيانه الروحي نفيا للروحي في الاولى‬ ‫ونفيا للطبيعي في الثانية وذلك مفهوم في فلسفة هيجل القائلة بالخطيئة الموروثة والعكس‬ ‫تماما عند ابن خلدون لعدم وجودها‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فابن خلدون أقرب من هيجل إلى الرؤية اليونانية التي تعتبر الطبيعية‬ ‫على البراءة الأصلية (بلغة الغزالي أو النفي الاصلي أو على الإباحة) التي تقابل تماما‬ ‫الرؤية المسيحية التي تعتبر الروحي قاطعا مع الطبيعي والأصل في موقف ابن خلدون هو‬ ‫ما يقوله القرآن في الرهبنة (الحديد‪.)27‬‬ ‫وسأخصص إن شاء الله محاولة نسقية معقدة للنظر في هذه المقابلة بين المنظور المعتمد‬ ‫على الخطيئة الموروثة وتأثيم الطبيعة واعتبار التحرر منها يكون بالترهب أو التحول من‬ ‫الطبيعي إلى الروحي وكأنهما متنافيان والتعامل مع الطبيعي بوصفه أيضا روحيا وخاصة‬ ‫في قضية الجنس في الإسلام‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فبراءة الجنس وبراءة الطبيعة واعتبارها هي بدورها ذات بعد روحي وإلا لما كان فيها‬ ‫الجمالي والجلالي من أهم أبعاد ثورة الإسلام التي تحرر الإنسان من الموقف العدواني من‬ ‫الطبيعي وتحويل التربية إلى ترويض لكأن الإنسان حيوان يروض على وظائف تفرضها‬ ‫الثقافة فتكون العبودية في كيانه هي الأصل‪.‬‬ ‫ولو كانت العبودية لغير الله ‪-‬الحرية الحقيقية بمعنى أن الإنسان لا يكون تابعا لأي‬ ‫شيء إلا الحق ممثلا للقيم الخمس أي حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال‬ ‫الحياة وجلال الوجود التمثيل التام وهو مفهوم الله‪-‬لما كان الدين فطرة ولكان كما يتصوره‬ ‫الملحد حيلا لإخضاعه وليس حقيقة تحرره‪ .‬ولذلك فابن خلدون يقابل بين نوعين من‬ ‫الوزع‪:‬‬ ‫• الذاتي وهو النابع من الذات نفسها وهو عين الفطرة بمعناها القرآني وهذه الفطرة‬ ‫هي التي تذكر بها التربية بمعناها الديني في قوله تعالى \"إنما أنت مذكر\" للرسول‪.‬‬ ‫• والوازع الخارجي هو ما يفرض من الخارج بالوسيط في التربية وبالوصي في الحكم‪.‬‬ ‫والتحرر من الوسيط في التربية ومن الوصي في الحكم هو الذي يؤسس لشروط الاستثناء‬ ‫من الخسر وهو مضمون سورة العصر‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأصل هو الوعي بالخسر الناتج عن فقدان أحسن التقويم‪ .‬ويترتب عليه‪:‬‬ ‫فرديا‪:‬‬ ‫‪ .2‬الإيمان الصادق‪.‬‬ ‫‪ .3‬العمل الصالح‪.‬‬ ‫وجماعيا‬ ‫‪ .4‬التواصي بالحق بالاجتهاد المعرفي‪.‬‬ ‫‪ .5‬التواصي بالصبر بالجهاد القيمي‪.‬‬ ‫وذلك هو مضمون الرسالة والتذكير المحمدي بما في ما فطر عليه الإنسان بحيث إن‬ ‫الرسالة لا تقدم مضمونا يجهله الإنسان بل تذكر بمضمون مرسوم في كيانه لأنه هو عين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫شروط قيامه بوصفه كما عرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق‬ ‫له\" يرد أسفل سافلين إذ نسي هذه الحقائق بسبب إخلاده إلى الأرض وفساد معاني‬ ‫الإنسانية فيه‪.‬‬ ‫الرسالة تذكير بمعاني الإنسانية التي تفسدها التربية والحكم العنيفين أو تخلي‬ ‫الإنساني عن واجباته العينية في الاجتهاد المعرفي والجهاد القيمي بذاته دون تبعية لغيره‬ ‫وساطة بينه وبين ربه ووصاية بينه وبين أمره‪ .‬ولا يعني ذلك الاستغناء عن المعلمين ولا‬ ‫عن الحكام‪.‬‬ ‫لكن المعلمين نواب الجماعة في التكوين المعرفي بالتذكير الموصل إلى الاستغناء عنهم تماما‬ ‫كما يحصل في كل تكوين‪ .‬فلن أصبح قادرا على التفكير الرياضي إذا تصورت أن المعلم‬ ‫وظيفته أن يفكر رياضيا بدلا مني بل وظيفته أن يرشدني إلى طبيعة الفكر الرياضي‬ ‫لأصبح من دونه قادرا عليه ومن ثم فوظيفته أن يوقظ في ما به أكون رياضيا‪ .‬وكذلك في‬ ‫المعرفة كلها بما فيها المعرفة الدينية‪.‬‬ ‫والحكام كذلك نواب الجماعة في رعاية الشأن العام التي لي في دور بوصفي واحدا منها‬ ‫مكلف فرض عين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يتعلق بالرعاية والحماية‪.‬‬ ‫فالرعاية فرض عين على الجميع ولكل دوره فيها والحماية من باب أولى فرض عين على‬ ‫الجميع ولكل دوره فيها‪.‬‬ ‫الإسلام يدعو إلى ثورتين‪ :‬تجاوز المقابلة بين حام ومحمي في الجماعة وبين خاصة وعامة‬ ‫فيها‪ .‬فالكل حماة للكل والكل خاصة للكل‪ .‬ومعنى ذلك أن أمة الاحرار هي التي تتساوى‬ ‫فيها مهام الأفراد في تقاسم العمل سواء كان اجتهادا معرفيا أو جهادا قيميا‪.‬‬ ‫فيكون لكل فرد من الجماعة مجال معرفة تحتاج إليه الجماعة في رعايتها وحمايتها فلا‬ ‫يبقى أحد عاميا وأميا ليصبح البعض خاصة والبقية عامة ولا يبقى أحد عالة على غيره في‬ ‫الإيمان والعمل الصالح‪ .‬ويكون لكل فرد من الجماعة مجال قيمي تحتاج إليه الجماعة في‬ ‫رعاية وحمايتها فلا يبقى أحد عالة على غيره في التواصي بالحق والتواصي بالصبر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بعد تأمل ما استكملت به حواري مع الاستاذ محمد ناصر تبين ان الفصلين الأولين غير‬ ‫كافيين‪.‬‬ ‫فلا بد من بيان علة تعطل ما ختمت به الفصل الثاني‪ :‬ما الذي جعلنا نسقط في الخسر‬ ‫فلم نعد مؤمنين بحق ونعمل صالحا كأفراد ولم نعد نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر كجماعة‬ ‫ففشلنا في تعمير الارض وفي قيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫قد يعاب علي أني لما كنت طفلا لم أر في القرآن نظاما ولم أجد من يقدم لي تفسيرا‬ ‫لذلك معقولا ومقبولا‪ .‬ولعل ما يعاب علي أيضا أني لما كبرت لم أر في حياتنا ما يترتب على‬ ‫هذا النظام بعد أن تصورت أني قد بحثت عنه فوجدت ما اقتنعت أن الجهل به هو علة‬ ‫فقدان النظام في حياتنا‪.‬‬ ‫ففي الحقيقة ما وجدته هو أن علماءنا هم أكثر علماء الأديان في العالم كلاما على‬ ‫خصوصية علاقة الدنيا بالآخرة في الإسلام وأقلهم سعيا لاكتشاف هذه العلاقة‪ .‬لكنهم اقل‬ ‫علماء كل الأديان اهتماما بما يجعل هذه العلاقة الخصوصية للإسلام تتحقق لأنهم أهملوا‬ ‫كل ما يجعل العلاقة بالدنيا أولا والعلاقة بما وراءها ثانيا ثم العلاقة بين العلاقتين تتحقق‬ ‫فعلا لأن شروطها المتعلقة بالمعرفة وبالقيم وهما اساس العلاقتين والعلاقة بينهما ليست من‬ ‫مطالبهم‪.‬‬ ‫لذلك فلا شيء يخرجني عن طوري أكثر ممن جعلوا القرآن \"صندوق ماعون\" للوعظ‬ ‫والإرشاد أو للتفلسف اللفظي في الكلام في الأخلاق ولا يرون أن أخلاق المسلمين تتردى من‬ ‫سوء إلى أسوأ وأن الأخلاق لا تتعايش مع الفقر والظلم والحرمان وإلا لما اشترط القرآن‬ ‫جعلها من مجملات التعمير مجالا لامتحان أهلية آدم وأبنائه للاستخلاف‪ .‬أخلاق المسلمين‬ ‫تحولت إلى التكاذب الدائم في الجماعة لأنها لا تتجاوز الأقوال ولا وجود لها في الأفعال‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫حتى صار الدين قشور التعبد وليس ثمرته الخلقية المفقودة حتى لدى الدعاة لأن جلهم‬ ‫خدم للاستبداد والفساد‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن ما توهمته تخلصا من عدم النظام في نص القرآن الذي عشته طفلا‬ ‫وحاولت التخلص بالبصيرة من هذا الظن الناتج عن اكتفائي بالبصر جعلني أبصر ما كان‬ ‫غائبا في وجودنا التاريخي من قطائع تحول دون المسلمين وأن يكونوا بحق قائمين بما كلف به‬ ‫الإنسان في الدنيا معمرا ومستخلفا جوهرا للعبادة‪.‬‬ ‫تصورت أني خرجت من الفوضى النصية التي عذبتني طفلا فوقعت في الفوضى الآفاقية‬ ‫والنفسية شيخا‪ .‬ما كان لي من حيرة في الطفولة حول النص شفاني الله منها بما أعتقد أني‬ ‫قد اكتشفته فنفذت به إلى النظام المخلص منها‪ .‬لكن هذا النظام المخلص منها جعلني اكتشف‬ ‫عدم النظام الذي نتج عن غياب الاول في علوم الملة وفي تاريخها‪ .‬والعلة هي الكسور التي‬ ‫تحول دون الاستئناف‪:‬‬ ‫‪ .1‬في مستوى علوم الملة التي ليست قادرة فعلا على الجمع بين شروط تعمير الارض‬ ‫وشروط تعميرها بقيم الاستخلاف فبقيت مجرد كلام يبرر الموجود ويعجز عن تحقيق شروط‬ ‫المنشود‪.‬‬ ‫‪ .2‬في مستوى أعمال الأمة التي ليست قادرة على الرعاية والحماية فأخلدت إلى‬ ‫الأرض‪.‬‬ ‫فسرت فشل علوم الأمة بمعركتين زائفتين أولاهما قضت على المعرفة التي كان يمكن أن‬ ‫تجعل علوم الملة مبدعة وهي المعركة بين المتكلمين والفلاسفة حول علاقة الإيمان بالعلم‬ ‫والثانية قضت على العمل الذي كان يمكن أن يجعل أعمالها مبدعة وهي المعركة بين الفقهاء‬ ‫والمتصوفة حول علاقة القانون بالأخلاق‪.‬‬ ‫وفسرت أعمال الأمة بكسرين آخرين هما فشل نظام التربية المترتب على هذا الفشل‬ ‫بمستوييه في المعرفة وفي القيم وفشل نظام الحكم المترتب على فشل نظام التربية بهذه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫العلوم التي لم تستطع تحقيق شروط التعمير وشروط الاستخلاف فصرنا عبيدا لمن يفسد‬ ‫القيم الخمس التي تحقق مهمتي الإنسان هذين‪ .‬وهذه القيم هي كما نبين دلالتها‪:‬‬ ‫‪ .1‬الإرادة الحرة ونقيضها الإرادة المضطرة والعبودية لغير الله‪.‬‬ ‫‪ .2‬العلم الصادق ونقيضه الكذب والنفاق‪.‬‬ ‫‪ .3‬القدرة الخيرة ونقيضها الإرادة الشريرة‪.‬‬ ‫‪ .4‬الحياة الجميلة ونقيضها الحياة القبيحة‪.‬‬ ‫‪ .5‬الوجود الجليل ونقيضه الوجود الذليل‪.‬‬ ‫فغياب الأولى يفقدنا الحرية السياسية‪ .‬وغياب الثاني يفقدنا المعرفة المؤثرة‪ .‬وغياب‬ ‫الثالثة يفقدنا إنتاج التموين المادي والروحي شرطي الكرامة والسيادة‪ .‬وغياب الرابعة‬ ‫يفقدنا الذوق السليم وغياب الأخيرة يفقدنا العزة وكل ما تقدم من هذه القيم‪.‬‬ ‫ولا إسلام بدون عزة الجلال‪ .‬فالإنسان الذي ليس له الجلال يكون ذليلا والذي ليس له‬ ‫الجمال يكون قبيحا والذي ليس له القدرة يكون تابعا والذي ليس له العلم يكون أصم‬ ‫وأبكم وأعمى فلا يعقل والذي ليس له الإرادة يكون متصفا بكل ما سبق أي مخلدا إلى‬ ‫الأرض‪ :‬وتلك هي على حيرتي في مشيبي‪.‬‬ ‫وما يحيرني في مشيبي علته ما انتهيت اليه من المسعى الذي أخرجني من حيرتي في‬ ‫طفولتي‪ .‬اعتبرت تحرري مما كان علة حيرتي وعدم رؤيتي لنظام القرآن كافيا لاكتشاف‬ ‫علة الحيرة في رؤية عدم النظام في حياة المسلمين‪ :‬عدم النظام في حياتنا علته أننا لم نعلم‬ ‫نظام القرآن ولم نعمل به لتنظيم حياة الإنسان بل ما حصل هو عكسه تماما لمجرد إهمال‬ ‫شروط التعمير بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫علماء الملة قلبوا النظام القرآني‪:‬‬ ‫‪ .1‬أمرنا أن ندرس آيات الله في الآفاق والأنفس (فصلت ‪ )53‬فتركناها‪.‬‬ ‫‪ .2‬ونهانا أن نؤول الغيب (آل عمران ‪ )7‬فلم ننشغل إلا به‪.‬‬ ‫‪ .3‬وأمر بأن نعمر الدنيا بقيم الاستخلاف‪ .‬فلم نعمرها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .4‬واضطرنا لعكس قيم الاستخلاف‪ .‬لأن من لم يعمرها ليس خليفة‪.‬‬ ‫‪ .5‬فصرنا عبيدا لدنيا لم نعمرها أو لمن عمرها من دوننا‪.‬‬ ‫وإذا كانت هذه العناصر بينة حتى لفاقدي البصيرة فإن قيم الاستخلاف لم تكن بهذه‬ ‫البينونة لأنها في الحقيقة عين القبس من نور الله أو أخلاق القرآن وهي كالتالي‪:‬‬ ‫‪ .1‬حرية الإرادة حتى في الاعتقاد لاشتراطه تبين الرشد من الغي‪.‬‬ ‫‪ .2‬صدق العلم إذ حتى لما لا نصيب في الاجتهاد يجازينا الله على صدقنا‪.‬‬ ‫‪ .3‬خير القدرة بما نستطيع إذا حتى إذا لم نلفح فالله يقبل منا جهادنا بمقتضى‬ ‫نيتنا‪.‬‬ ‫‪ .4‬جمال الحياة إذ إن النظافة الذاتية ونظافة الهندام هي بداية كل جمال‪.‬‬ ‫‪ .5‬جلال الوجود إذ إن عزة المؤمن بالله من علامات إيمانه وذله لغير الله من دلالات‬ ‫كفرانه‪.‬‬ ‫وبدلا من أن نستعمر الدينا كخلفاء صرنا مستعمرين ممن عمرها واضطررنا للإخلاد إلى‬ ‫الأرض في الأفعال مع المبالغة في الاقوال بمظاهر العبادة لله‪ .‬وذلك فكل عبادتنا قولية‬ ‫وليست فعلية‪ .‬وما يتصف به أغلب المسلمين هو عين ما سماه ابن خلدون فساد معاني‬ ‫الإنسانية وهو الخسر ونقيض سورة العصر‪.‬‬ ‫لكن سيقال لي إن وصفك هذه حتى لو سلمناه فهو لا يصح إلا على وضعنا في الماضي أي‬ ‫قبل بداية النهضة منذ قرنين ونيف‪.‬‬ ‫أليست النهضة تسعى إلى تجاوز هذه العثرات التي تكلمت عليها خاصة والصراع بين‬ ‫الكلام والفلسفة في النظر والعقد وبين الفقه والتصوف في العمل والشرع تجاوزه فكر‬ ‫النهضة بصنفيه؟‬ ‫هل يمكنك أن تزعم أن علماء الملة النقلانيين ما يزالون على تقليديتهم التي كانت لهم‬ ‫في القرون الوسطى؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهل تزعم أن علماء الملة العقلانيين ما يزالون على عقلانيتهم التي كانت لهم في القرون‬ ‫الوسطى؟‬ ‫أليس أولئك يهتمون بما يسمونه فقه الواقع وهؤلاء بما يسمون فكر الحداثة؟ ألست‬ ‫تخالف لتعرف؟‬ ‫ولأبدا فأقول إني لو كنت أخالف لأعرف لانتهيت بعد أربعين سنة من المخالفة الى اليأس‬ ‫لأني لم أعرف‪ .‬لذلك فلا يمكن أن يكون إصراري على هذا الموقف طلبا لأن أعرف بدليل‬ ‫أن ذلك أدى إلى العزلة وليس إلى الشهرة‪ .‬فليترك القارئ هذا التفسير السهل وليبحث‬ ‫الآن في ما يجري لدى من سميتهم بالكاريكاتورين‪.‬‬ ‫هل فقه الواقع فقه فضلا عن أن يكون فقها للواقع؟ وهل فكر الحداثيين فكر فضلا عن‬ ‫أن يكون حديثا؟ أم هما كما وصفت كاريكاتور التأصيل وكاريكاتور التحديث؟ وحتى لا‬ ‫أكرر ما قلته فيهما سأكتفي بأهم قضية جعلت \"فكر\" الكاريكاتورين كاريكاتوري فعلا‪:‬‬ ‫الخلاف الحالي بين الثورة والثورة المضادة‪.‬‬ ‫فيمكن بشيء من الاختزال يصف ما به يحلل الموقفان موقفيهما المعرفين للذات وللخصم‪.‬‬ ‫فالثورة المضادة تعرف الثورة بكونها مؤامرة غربية أداتها الاسلام السياسي‪ .‬ويعرف نفسه‬ ‫بكونه ممثلا للإسلام والعروبة‪ .‬والإسلام السياسي يعكس فيعرف نفسه بما يعرف الصف‬ ‫الثاني نفسه ويعتبره أداة مؤامرة غربية‪.‬‬ ‫والأدهى من ذلك هو أن الثورة المضادة ممثلة بأكثر أنظمة الأمة الحاليين تبعية وعمالة‬ ‫تدعي في حربها على الإسلام السياسي أنها السهم الحاملة للتحديث والعلمنة ضد الانحطاط‬ ‫الإسلامي والإرهاب الذي تنسبه إلى ما تدعيه من صاروا وكأنهم رموز الثورة أي الإسلام‬ ‫السياسي الذي يدعي إحياء الإسلام‪.‬‬ ‫فتصبح الأنظمة القبلية الفاشية مدعية الحداثة ومعهم النخب التي تدعي كل أصناف‬ ‫الحداثة وتصبح الشعوب التي بدأت تفهم شيئا من الحداثة من قيم الحداثة مثل التعددية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والديموقراطية ومعهم النخب التي تدعي كل اصناف التأصيل يتصارعان على أسماء دون‬ ‫مسميات لأن الأصالة والحداثة أصبحا جوهر التقليد‪.‬‬ ‫كلاهما سجين الماضي الذاتي غير المفهوم والماضي الغربي غير المفهوم‪ .‬كلاهما موجوده‬ ‫من الماضي الذاتي ومنشوده من الماضي المستورد ولا علاقة لأي منهما بالتاريخ الفعلي للذات‬ ‫وللغرب‪ .‬فالتاريخ الفعلي ليس مقصورا على حديثه عن ذاته سواء كانت ماضينا أو ماضي‬ ‫الغرب بل هو كيفية إبداعه الفعلي لها‪.‬‬ ‫فلما تسمع أمير غبي مثل أمير أبو ظبي أو أمير السعودية يتكلمان على الحداثة وترى‬ ‫من صار من علمائهم وخبرائهم وحماتهم من المرتزقة تفهم أن الأقوال في واد والافعال في‬ ‫واد ثانية‪ .‬وحينها تدرك أن ما يجري من الاقوال غيمة تخفي ما يجري في الافعال‪ :‬تلك‬ ‫لهم أدوات وهذه للغرب وأذرعه غايات‪ .‬والذراعان هما‪:‬‬ ‫• إيران ذراع ذات مشروع ذاتي يتكئ على روسيا‬ ‫• وإسرائيل ذراع ذات مشروع ذاتي يتكئ على أمريكا‪.‬‬ ‫والأنظمة التي تقود الثورة المضادة وتدعي القومية والإسلام والتحديث مجرد أدوات‬ ‫في معركة ضد محاولات شعبية تقودها نخب ما تزال في فوضى الفكر والفعل لغياب شروط‬ ‫الفاعلية التاريخية‪ .‬ذلك أن المقاوم الوحيد للأنظمة التي هي أدوات الذراعين ومن‬ ‫وراءهما هم من يسمون بالإسلام السياسي سواء كان من الاخوان أو من السلفية الجهادية‬ ‫إذا ما استثنينا منها عملاء المخابرات التابعة للأنظمة والذراعين ومن ورائهما وهم من لم‬ ‫يتحرروا بعد من معركتي القرون الوسطى في النظر والعمل‪.‬‬ ‫وأهم معركة سأخصص لها الفصل الموالي هي معركة الحركة الإخوانية التي هي أكثر‬ ‫الحركات تنظيما والتي لا أمل للنهوض من دون إصلاحها الجذري الذي سأحاول بيان‬ ‫شروطه وطريقته لفهم العلاقة بين ما يمكن تسميته الانتقال في بناء الأمة ودولتها من‬ ‫المرحلة المكية إلى المرحلة المدنية جمعا بين دوري الإسلام في التربية وفي الحكم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا أعتقد أن أحدا من قادة الإخوان لا المؤسس (البنا) ولا أكبر مفكريهم بعده (قطب)‬ ‫قرأ فصل البيعة من مقدمة ابن خلدون وكلامه على الفتنة الكبرى والحروب التي تلتها‬ ‫وخاصة على كيفية الخروج مما يترتب عليها من تساؤل عن دور الصحابة‪ .‬ومن لم يتدبر‬ ‫نظريته \"عدم التأثيم\" الخلدونية لن يخرج من مأزق الإخوان‪.‬‬ ‫ولا أجزم بأنهما لم يقرآها إذ قد يكونا قرآها لكن الثابت أنهما لم يستفيدا منها‪ .‬إذ لو‬ ‫استفادا لما بقي عندهما وخاصة عند قطب القطيعة غير المفهومة بين الموقفين الحديين‬ ‫اصطفافا مع علي ضد معاوية بزعم الأول على حق مطلق والثاني على باطل مطلق ومن ثم‬ ‫اعتبار الأول ممثلا للخلق والثاني لعدم الخلق‪.‬‬ ‫ذلك أن هذا الموقف يفيد عدم فهم مضاعف‪ :‬فلا هم يفهمون المرحلة المكية ولا المرحلة‬ ‫المدنية‪ .‬إذ يجعلون الصحابة ملائكة ويجعلون ما بعد الفتنة عند السنة أصحابها شياطين‪.‬‬ ‫ويجعلون الإصلاح نكوصا إلى ماضي رفعوه إلى مثالية لم تكن حقيقية بل هي مرحلة لها ما‬ ‫لها وعليها ما عليها وليس كما توهموها‪.‬‬ ‫وعدم الفهم ليس تهمة ولست صاحب الوصف فابن خلدون ما كان ليكتب مقدمته لو لم‬ ‫يكن قد فهم عدم الفهم هذا‪ :‬تبين له أن تصور التاريخ يحصل بالمعجزات الخلقية والدينية‬ ‫دليل سذاجة وأن للتاريخ السياسي سننا لا بد من معرفتها لاستخراج قانونها الذي يحكم‬ ‫أفعاله شبه مطلق وهو قانون الشوكة والشرعية‪.‬‬ ‫وقد طبقه في تحليل الحرب بين يزيد والحسين‪ .‬فاعتبر الحسين له الشرعية دون الشوكة‬ ‫ويزيد له الشوكة دون الشرعية‪ .‬وعندما يتصارح الرمز والقوة تكون الغالبية للقوة‪.‬‬ ‫لكن هل كان الرمز يقوم ضد الشوكة لو لم يكن له قدر من القوة؟‬ ‫والشوكة هل كانت تقوم ضد الشرعية لو لم يكن لها قدر من الشرعية؟‬ ‫كل المشكل هو في هذا \"القدر\" من الشوكة ومن الشرعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والاستراتيجيات السياسية مبنية على تحديده‪ .‬ما لم يفهمه التنظير الذي يجعل علي‬ ‫ملاكا ومعاوية شيطانا هو سر الهزائم المتكررة للإخوان‪ .‬وهو سر القطيعة المطلقة إلى الآن‬ ‫بين عصر الراشدين وعصر ما بعد الفتنة الكبرى ووهم العودة إلى الراشدين‪.‬‬ ‫ثم خاصة توهم الراشدين من جنس ما يصفونهم عليه‪ .‬لو كانوا يستمدون قوتهم من‬ ‫كونهم ملائكة لما احتاج الرسول نفسه إلى قيادة أكثر من ستين حربا لتحقيق ما حققه في‬ ‫تأسيس دولة الاسلام‪ .‬لم تكن قوته مستمدة من الشرعية وحدها بل من الشوكة الشرعية‪.‬‬ ‫ولم يكن وسيطا ولا وصيا على الأمة‪.‬‬ ‫رؤية الإخوان تختلف تماما عن المرحلة المكية وعن المرحلة المدنية‪ .‬فلا يوجد في المرحلة‬ ‫المكية مرشدية ولا يوجد في المرحلة المدنية دولة فوقها ما يشبه نظام الملالي في التشيع‪ .‬لما‬ ‫توفي الرسول لم يكن بين الصحابة الذين استكملوا ما استطاعوا من أركان الدولة من كان‬ ‫مرشدا و\"ساكت\" فوق الجماعة‪.‬‬ ‫كان الجميع سواسية وكان الفعل السياسي خاضعا لـ\"أمرهم\" من حيث طبيعة الحكم‬ ‫ولـ\"شورى بينهم\" من حيث أسلوب الحكم‪ .‬لا شك أن بعض الشخصيات كان لهم وزن أكثر‬ ‫من غيرهم‪ .‬ولكن لم يكن لهم وظيفة تجعلهم وكأنهم في كنيسة تؤدي وظيفة الوساطة‬ ‫ليؤسسوا حكما يؤدي وظيفة الوصاية‪ :‬هذا تشيع وليس إسلام‪.‬‬ ‫لو كان معاوية فاقدا للشرعية بإطلاق لأن عليا حائز عليها بإطلاق ولو كان عليا فاقدا‬ ‫للشوكة بإطلاق لأن معاوية حائز عليها بإطلاق لما حصل الصدام أصلا‪ .‬وقس عليه الصدام‬ ‫بين يزيد والحسين‪ .‬الصدام حصل بسبب الاقدار المختلفة من الشرعية ومن الشوكة‪.‬‬ ‫وهذا هو التاريخ السياسي المتحرر من الفصام‪.‬‬ ‫مشكل الإسلام السياسي هو هذا الفصام‪ .‬القطيعة بين مرحلة الراشدين ومرحلة ما بعد‬ ‫الفتنة الكبرى علتها اعتبار الراشدين ملائكة واعتبار من تلاهم شياطين‪ .‬إنها رؤية شيعية‬ ‫مرضية‪-‬مقابلة يكررها مفكروهم وخاصة قطب‪ -‬وهي التي تعلل استحالة بناء سياسة يمكن‬ ‫أن تحقق شروط الاستئناف باستراتيجية مبنية على فهم سنن التربية والحكم القرآنية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولعل رمز هذا الفهم الساذج هو عبارة \" سلميتنا (=شرعيتنا) أقوى من الرصاص‬ ‫(الشوكة)\" التي سمعناها في رابعة‪ .‬لو كانت الشرعية أقوى من الرصاص لما خاض الرسول‬ ‫أكثر من ستين حربا إذ لا يمكن أن يكون الاخوان أكثر شرعية من الرسول‪ .‬لذلك فهذا‬ ‫دليل حمق سياسي وليس دليل حكمة‪ .‬والشوكة ليست سلاحا فحسب‪.‬‬ ‫الشوكة الشرعية هي إرادة الجماعة الحرة علمها الصادق وقدرتها الخيرة وحياتها‬ ‫الجميلة ووجودها الجليل وهذه تقتضي تربية يكون فيها الإنسان متحررا من الوسطاء‬ ‫والجماعة من الأوصياء‪ .‬والشرطان تحققا في المرحلة المكية والشوكة الشرعية تحققت في‬ ‫المرحلة المدنية‪ :‬ذلك ما فهم الإخوان عكسه‪.‬‬ ‫فالرسول أمره الله بألا يكون إلا مذكرا في التربية لا وسيطا (المرحلة المكية) وبأن لا‬ ‫يكون في الحكم إلا قائدا (المرحلة المدنية) دون أن يكون كنسية تتوسط بين المؤمنين وربهم‬ ‫هي المرشدية وطائفية تتوسط بين المؤمنين وأمرهم هي الجماعة التي لها شبه وصاية على‬ ‫الأمة‪ .‬فالصحابة لم يكن بينهم من له وساطة بينهم وبين ربهم أو وصاية بينهم وبين الشأن‬ ‫العام أي أمرهم‪.‬‬ ‫الدور السياسي فرض عين وليس فرض كفاية وهو شرط الإسلام (آل عمران ‪)104‬‬ ‫وشرط الانتساب إلى خيرية الامة (آل عمران ‪ )110‬ولا يمكن أن يصبح ذلك بحاجة إلى‬ ‫جماعة تمثله وتكون وكأنها من لهم الحق في الحكم بالحق الإلهي‪ .‬قد أكون بالغت في الوصف‬ ‫لكن الإخوان هكذا يراهم الناس في الأمة‪\" :‬ساكت\" فرقة طائفية‪.‬‬ ‫لكن جبر الكسر بين مرحلة الراشدين وما تلا الفتنة الكبرى أمكن تحقيقه بفهم العلاقة‬ ‫بين الحكم في الحالات العادية والحكم في حالات الطوارئ‪ .‬وقد حاول ابن خلدون جبره‬ ‫على مستويين‪ :‬مبدأ فلسفي سياسي ويتمثل في نظرية عدم التأثيم والتعددية في الحكم‬ ‫والمعارض ومبدأ روحي استثنائي في كل بداية‪.‬‬ ‫والمبدأ الروحي الاستثنائي في البداية قابل للرد هو بدوره للمبدأ الفلسفي السياسي‪:‬‬ ‫وهو المبدأ القائل لا يبعث رسول إلا في منعة في قومه أي إنه لا يمكن للدعوة الدينية أن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تنجح بالشرعية من دون الشوكة (العصبية)‪ .‬ولا يمكن للعصبية الأضعف أن تغلب الأقوى‬ ‫من دون ما تستمده من الشرعية‪.‬‬ ‫لذلك فهو يعتبر المرحلة الراشدة كانت قوسين فتحتا واغلقتا وعادت الأمور إلى المبدأ‬ ‫السياسي الذي ينبغي أن يجمع بين القوتين الروحية والخلقية مصدر الشرعية والمادية‬ ‫السياسية مصدر الشوكة‪ .‬وفي هذه لا تخرج الأمة من الإسلام بل هي تنتقل من حالة تتقدم‬ ‫فيها الشرعية على الشوكة إلى عكسها‪.‬‬ ‫والعكس هو بدوره مؤسس على شرعية الحد الأدنى أو شرعية الحكم في حالة الطوارئ‪:‬‬ ‫ومعنى ذلك أن الامة انتقلت من حالة عادية قبل الفتنة الكبرى إلى حالة مبدؤها الضرورة‬ ‫التي تبيح المحظور مع العلم بأنه محظور في الظرف العادي‪ .‬ولذلك صارت الشرعية أساسها‬ ‫الدستور والشوكة أساسها القوانين الاستثنائية‪.‬‬ ‫ما بعد الفتنة الكبرى لم تلغ الأمة الدستور (أي رؤية الإسلام للتربية من دون كنسية‬ ‫والحكم من دون الحق الإلهي لغير الأمة) لكنها لم تحكم به بل بالقوانين الاستثنائية فصار‬ ‫للتربية شبه كنسية وهي أصل المعركة بين المتكلمين والفلاسفة وبين الفقهاء والمتصوفة وشبه‬ ‫حق إلهي للمستبدين في الحكم‪.‬‬ ‫لكن حتى قبل الفتنة الكبرى لم تكن الشرعية غنية عن الشوكة ‪-‬الرسول نفسه قاد أكثر‬ ‫من ستين حربا‪-‬لكنها كانت مقدمة عليها‪ .‬ما حصل هو أن الشوكة صارت مقدمة على‬ ‫الشرعية‪ .‬والعلاج لا يعتمد على كذبة سلطان الشرعية وحدها في الصدر وسلطان الشوكة‬ ‫وحدها بعده‪ .‬كلتاهما ضرورية في السياسة‪.‬‬ ‫وإذن فمعاوية كان أقرب إلى الصواب من علي‪ .‬والاستئناف الإسلامي ينبغي أن يتجاوز‬ ‫هذا الكسر في فكر السنة السياسي وخاصة في فكرها الذي يريد الاستئناف ويواصل اتباع‬ ‫رؤية شيعية لا علاقة لها بالإسلام‪ .‬فلا توجد مرشدية في التربية ولا طائفة في الحكم كلاهما‬ ‫فرض عين‪ :‬الرسول إنما هو مذكر وليس عليهم بمسيطر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك أنه لا يمكن أن يكون من شاهد الانقلاب الفوضوي على الخليفة أن يكون أهلا‬ ‫للاستخلاف بعده فضلا عن كون القتلة بقوا أحرارا ولم يعاقب بعد أن صار خليفة‪.‬‬ ‫فالوضعية أشبه بالوضعية التي عاشتها مصر في انقلاب السيسي‪ .‬والفرق الوحيد هو أن‬ ‫صف الشرعية التي وقع عليها الانقلاب عديم الشوكة‪.‬‬ ‫وهو ليس عديم الشوكة بمعنى السلاح بل بمعنى الإرادة الحرة والعلم الصادق والقدرة‬ ‫الخيرة والحياة الجميلة والوجود الجليل‪ .‬فالشعب الذي قبل خدعة الجيش الذي أفشل‬ ‫الثورة لم يرب على عزة الإسلام بل على ذلة رؤية فيها نظام تربوي ذو وساطة ونظام حكم‬ ‫ذو وصاية فلم يكن قادرا على حماية الشرعية‪.‬‬ ‫لكن الشعب في الفتنة الكبرى قام قومة حمت الشرعية ومكنت من منع الدولة من السقوط‬ ‫بيد المؤامرة التي أرادت أن تعيد الأمة إلى نظام الوساطة والوصاية بالطريقة التي كانت‬ ‫موجودة قبل الإسلام أي الموروثة عن الكسروية والقيصرية‪ .‬والحل كان منع ذلك ولو‬ ‫بنظام الضرورة التي تبيح المحظور في الأمر الواقع دون المساس بالأمر الواجب‪ :‬وذلك هو‬ ‫حل معاوية‪.‬‬ ‫من كانوا وراء علي نرى حلهم نجده في نظام الملالي الذي يعتبر الوساطة والوصاية أمرا‬ ‫واجبا‪ .‬ومن كانوا وراء معاوية نرى حلهم في نظام يراهما أمرا واقعا اقتضته الضرورة‬ ‫لكنه ليس ذا شرعية في القرآن إلا بهذا الشرط أي إنه محظور اقتضته الضرورة ومن ثم‬ ‫فهو نظام مؤقت هدف الأمة السعي للتحرر منه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبدأ هذا الفصل بنظرية عدم التأثيم الخلدونية في المسالة السياسية باعتبارها اجتهادية‬ ‫لرعاية المصالح العامة وليست من العقائد كما يقول عنها في فصل علم الكلام مقابلا بينها‬ ‫وبين الرؤية الشيعية القائلة بالوساطة والوصاية‪\" :‬والأمر الثالث (الأول بيعة يزيد‬ ‫والثاني الوصية المزعومة لعلي) شأن الحروب الواقعة في الإسلام بين الصحابة والتابعين‪.‬‬ ‫فاعلم أن اختلافهم إنما يقع في الامور الدينية وينشأ عن الاجتهاد في الأدلة الصحيحة‬ ‫والمدارك المعتبرة‪ .‬والمجتهدون إذا اختلفوا‪:‬‬ ‫‪ \" .1‬فإن قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو‬ ‫مخطئ فإن جهته لا تتعين بـإجماع فيبقى الكل على احتمال الإصابة ولا يتعين المخطئ منها‪.‬‬ ‫والتأثيم مدفوع عن الكل أجماعا‪.‬‬ ‫‪\" .2‬وإن قلنا إن الكل على حق وإن كل مجتهد مصيب فأحرى أن ينفى الخطأ‬ ‫والتأثيم‪ .‬وغاية الخلاف بين الصحابة والتابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية‪.‬‬ ‫وهذا حكمه\"‪( .‬المقدمة ااا‪.)30.‬‬ ‫كيف نفهم؟‬ ‫إن اعتبار السياسي في الإسلام من مجال الاجتهاد في الظنيات وليس من مجال الاعتقاد في‬ ‫الثوابت بداية تأسيس للتعددية في ادارة الشأن العام وتحرر من سخافة اعتبار الفكر في‬ ‫العمل والشرع يخضعان لمبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع أو المنطق الذي يمكن ‪-‬وإن‬ ‫بحدود‪-‬القبول بحكمه في النظر والعقد‪.‬‬ ‫فهذه بداية لتأسيس فلسفة سياسية تعتبر تعدد الحلول والمسألة فيها ليست خيارا بين‬ ‫متناقضين بل بين عدة حلول ممكنة والامر كله متعلق بالمفاضلة بين الحلول وليس بين الحق‬ ‫والباطل‪ .‬اعتبار السياسية خيار بين حق وباطل فيه اتهام للنوايا وليس حكما على العلاقة‬ ‫بين الحلول المقترحة لقضية موضوعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪27‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا تطبيق حرفي لسورة العصر‪ :‬القضية المطروحة هي تجنب الوقوع في الخسر‪ .‬وهو‬ ‫المنطلق في والأصل في العمل والشرع‪ .‬والخسر هو الفشل في القيام بالمهمتين‪ :‬تعمير الارض‬ ‫بقيم الاستخلاف‪ .‬وتلك هي القضية التي تعنى بها السياسة في الجماعة باعتبارها رعاية‬ ‫أمرهم بالشورى بينهم فرض عين عليهم جميعا‪ .‬فتكون الفرضية إذن أن الجميع كان‬ ‫حريصا على تجنب الخسر والقيام بالمهمتين على أفضل وجه وللجميع الحق في الاجتهاد في‬ ‫ذلك‪ .‬وشرط ذلك أن يكون الجميع متصفا بالصفات الأربع التي تترتب على هذه الفرضية‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن يكونوا مؤمنين وليسوا منافقين‪.‬‬ ‫‪ .2‬أن يعملوا صالحا لا طالحا‪.‬‬ ‫‪ .3‬أن يتواصوا بالحق قد اجتهادهم مع البقية‪.‬‬ ‫‪ .4‬أن يتواصوا بالصبر بعضهم على البعض‪.‬‬ ‫وذلك خلال بذلهم الجهد في الجهاد الضروري الذي هو كل العمل الذي يتطلبه تحقيق‬ ‫ما اتفقوا عليه من حق باجتهادهم دون اتهام بعضهم لنوايا بعضهم‪ .‬وهو معنى الأمر أمرهم‬ ‫وليس أمر غيرهم ومعنى أن يتشاوروا فيه فرض عليهم جميعا‪ .‬وإذا حصل خلاف وتحاربوا‬ ‫عليه فالحل هو ما وضعه القرآن لعلاج بغي البعض على البعض في الجماعة (الحجرات ‪9‬‬ ‫و‪.)10‬‬ ‫وما يعنيني فلسفيا هو حل ابن خلدون الحاسم‪ :‬في العمل والشرع لا تنطبق مبادئ المنطق‬ ‫الثلاثة‪.‬‬ ‫وقد أثبت ذلك من وجهين‪ .‬فالاجتهاد إما فيه مصيب ومخطئ لكن حينها لا يمكن تحديد‬ ‫من المصيب ومن المخطئ أو الكل مصيب بدرجات مختلفة‪ .‬فلا يكون الأمر بين حق وباطل‬ ‫بين مفاضلة بين حلول ممكنة‪ .‬فكيف يعقل ذلك؟ افرض أن دعوى الوصية من الرسول‬ ‫كذبة وهي كذبة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن لنفترض أنها صحيحة فإنها تكون الحالة الوحيدة التي يمكن اعتبار الخلاف بين‬ ‫يزيد والحسين قابلا للحكم فيه وكأنه علاقة تناقض بين حق وباطل‪ .‬لكن في هذه الحالة‬ ‫فالأمر عندما ينظر إليه سياسيا لا يكفي لغياب العنصر الثاني‪.‬‬ ‫وذلك ما طبقه ابن خلدون للحسم بين يزيد والحسين‪ .‬أعطى الحق للحسين من حيث‬ ‫الشرعية بسبب ثبات فسق يزيد‪ .‬لكنه خطأ الحسين بسبب جهله بتوازن القوى‪ .‬ومن ثم‬ ‫فالعلة في عدم انطباق مبدأ عدم التناقض هو أن السياسي ليس مقصورا على الحق والباطل‬ ‫(اساس الشرعية) بل وأيضا على شروط الإمكان‪.‬‬ ‫فالأمر لا يتعلق بالشرعية وحدها بل بشروط إمكان نفاذها وهو مشكل الشوكة‪ .‬السياسة‬ ‫علاقة بين مبدأين وأساس قيامها وبقائها التناسب بينهما‪ :‬الشرعية والشوكة‪ .‬فلا الشرعية‬ ‫وحدها كافية ولا الشوكة وحدها كافية‪ .‬ولا يمكن أن يحصل صراع بين شرعية بلا شوكة‬ ‫وشوكة بلا شرعية‪ .‬وإذن فهو صراع بين نسب منهما في الصفين المتقابلين‪.‬‬ ‫وبهذا فقد خرجنا من علاقة بين حدين إلى علاقة بين أربعة حدود‪ :‬صف أول له مقدار‬ ‫من الشوكة ومقدار من الشرعية وصف ثان له مقدار منهما مختلف‪ .‬في حالتنا المعركة ليست‬ ‫بين يزيد والحسين بل بين شرعية كل منهما وشوكته‪ .‬فحجة الحسين هي فسق يزيد‪ .‬وهذه‬ ‫شرعية سلبية إلا إذا قبل التأسيس على الوصية‪.‬‬ ‫فتكون الحجة ليس فسق يزيد بل المقابلة بين شرعية البيعة حتى لو كانت مغشوشة‬ ‫وشرعية الوصية حتى لو كانت كاذبة‪ .‬وأعيد بأنها كاذبة لأن حكاية الغدير ليس وصية‬ ‫علي على الأمة بل وصية الأمة عليه حتى لا يستضعف باعتبار الرسول كان يعلم أن العرب‬ ‫لم تخرج بعد من عادات الجاهلية وأن عصبيته ضعيفة‪.‬‬ ‫الرسول وصى على آل بيته ولم يوصي لهم‪ .‬ذلك أن العرب عادت مباشرة إلى عادات‬ ‫الجاهلية وصارت العصبية القبلية هي الأساس وليس لقريش فضلا عن فرع الرسول منها‬ ‫عصبية قوية حتى إن ابن خلدون يفسر الفتنة الكبرى أساسا بهذا العامل لأن القبائل‬ ‫الكبرى لم تكن راضية بحكم قريش لهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فكون يزيد فاسقا قضية خلقية لا يحسمها شخص يعتبر نفسه فاضلا من دون مراعاة‬ ‫قوانين العمل والشرع وإلا فإنه لن تقوم دولة في أي جماعة‪ .‬إذا كان يحق لكل إنسان أن‬ ‫يحدث فتنة لمجرد اعطاء الحق لنفسه بأن يقوم بثورة لأن أحد الحكام فسق فإن الحياة‬ ‫ستصبح فوضى‪ .‬لا بد أن توجد مؤسسات لعلاج الأمر‪.‬‬ ‫ولذلك قلنا إن الدولة الإسلامية من الأصل كانت بصدد التمأسس ولم تصل إلى الشكل‬ ‫الذي يجعلها قادرة على الاصلاح الذاتي كما يحدث في الدول التي مثلا تضع طريقة للعزل‬ ‫من الحكم كما تضع طريقة للتعيين فيه‪ .‬في الدولة الإسلامية الراشدة يوجد نظام التعيين‬ ‫دون تحديد مدة ولا يوجد نظام عزل عندما تجمع الأمة على فقدان الحاكم شروط شرعيته‬ ‫قبل نهاية مدته‪.‬‬ ‫فعثمان حكم اثني عشر سنة وظن أنه معين إلى أن يموت‪ .‬لم يقبل أن يتنحى‪ .‬واعتبر‬ ‫أن الله البسه جبة الحكم‪ .‬وهذا ليس من القرآن في شيء بل هو سوء فهم لمعنى الخلافة‪.‬‬ ‫فمن عينه هم من بايعوه‪ .‬وطبيعي في البدايات ألا يفهم أن الذين بايعوه نيابة عن الامة‬ ‫يمكنهم أن يعزلوه نيابة عنها كذلك‪ .‬لم يكن الأجل مسمى‪.‬‬ ‫ما يحرك الحسين هو عين ما يحرك المتكلمين باسمه اليوم‪ .‬ليس ثائرا من أجل الفضيلة‬ ‫والحق بل من أجل كذبة الوصية‪ .‬وبهذا المعنى فالقاضي ابن العربي كان على صواب أكثر‬ ‫من ابن خلدون‪ .‬ومعنى ذلك أن الحسين لم يكن ممثلا للحق رغم فسق يزيد لأن الأمر لا‬ ‫يتعلق بالفسق وبعدمه بل ببقاء دولة لم تتوطد بعد وبالخروج عليها دون شرعية البيعة‬ ‫الحاصلة على الأغلبية‪.‬‬ ‫وهذا هو معنى الخروج أي المطالبة بالحكم مع عدم تمثيل الاغلبية بمعيار تحديدها في‬ ‫الإسلام كما عرفه الغزالي في فضائح الباطنية‪ :‬وهو الاغلبية التي تمثل ما يمكن تسميته‬ ‫الاجماع الذي يسكت الاقلية ويحول دون الخروج على الدولة أو ما يجعل الخروج في تلك‬ ‫الحالة يستحق ما سماه القاضي ابن العربي \"شرع جده\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فلو كان يحق لكل إنسان أن يخرج على الدولة بحجة خلقية لكان ذلك يعني امتناع قيام‬ ‫أي دولة‪ .‬والدولة هي الشرط الضروري للأخلاق وإن لم يكن كافيا‪ .‬لذلك فعندما قال‬ ‫القاضي ابن العربي \"إن الحسين قد قتل بشرع جده\" فهو يعني بالضبط ما قصده الغزالي‬ ‫في فضائح الباطنية معرفا البيعة موقفا للأغلبية لا ينفي حق وجود الأقلية التي لم تبايع‬ ‫لكن من حق الأغلبية أن تفرض النظام الذي ينبغي أن يخضع له الجميع ولو بالقوة وإلا‬ ‫فإنه لن تستقر أي دولة‪.‬‬ ‫والمعلوم أن الدولة الإسلامية كانت حينئذ في حالة الطوارئ لأنها لم تخرج بعد من حروب‬ ‫الفتنة الكبرى إذ حرب يزيد والحسين كانت الثالثة وستليها رابعة مع ابن الزبير‪ .‬وحتى‬ ‫بعد أن استتب النظام فإن ثورة الفرس عليها باستعمال العباسيين كلنا يعلم ما أدت إليه إذ‬ ‫توقف الفتح وتفتت الخلافة‪.‬‬ ‫فالدولة العباسية ليست عباسية إلا بالاسم مثل التشيع ليس مسلما إلا بالاسم لأن الإسلام‬ ‫لا يقول بالوساطة ولا بالوصاية ومن ثم فهي كسروية متنكرة‪ .‬وحتى ما يزعم من نكبة‬ ‫البرامكة فهو ككل افعال الحكام العرب الذي يتصورون السياسة ضربات مشتتة دون‬ ‫استراتيجية لم تحقق وحدة الدولة ولا الأمة‪.‬‬ ‫ومع ذلك فإن الكلام على الماضي ينبغي أن ينطلق من أن ما حدث لم يكن بالصدفة وأنه‬ ‫ما كان ليكون على غير ما كان عليه‪ .‬فالخيار لا يكون ممكنا إلا عند الكلام على المستقبل‬ ‫حيث نكون أمام عدة احتمالات هي مجال الاجتهاد العقلي في النظر والعقد وفي العمل‬ ‫والشرع‪ .‬كل ما حدث نقبله وننطلق منه‪.‬‬ ‫وهو قصدي بجبر الكسور لتيسير الاستئناف‪ .‬لكن الانطلاق من الماضي لا يكون منه دون‬ ‫إعادة النظر في فهومه لأن الأحداث الواحدة لها أحاديث متعددة‪ .‬وما لم نعد النظر في‬ ‫الأحاديث لا يمكن أن ننطلق من الأحداث‪ .‬وهذه هي وظيفة الفكر الإنساني سواء في‬ ‫الفلسفة أو في الدين نظريا أو عمليا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كان الحدث الذي هو في آن حديث هو القرآن وهو منطلق هذه الأمة واساس بنائها في‬ ‫وجودها الفعلي وفي رؤيتها لوجودها الذهنية فإن المنطلق هو القرآن وهو ما أسست عليه كل‬ ‫محاولتي فهم تاريخنا ليس لمجرد الفهم وإن كان ذلك بحد ذاته مطلوبا لذاته ولكن أيضا‬ ‫لمعرفة شروط الاستئناف مستقبلا‪.‬‬ ‫وأهم حصيلة انتهيت إليها في هذه العملية هي اكتشاف أن الإسلام ليس دينا من بين‬ ‫الأديان بل هو الديني في كل دين وأن القرآن ليس كتابا دينيا من بين الكتب بل هو رسالة‬ ‫إرشادية لتذكير الإنسان عامة بمهمتيه (التعمير بقيم الاستخلاف)‪.‬‬ ‫وهو يؤسس لخمس فلسفات‪ :‬الأصل من حيث هو ما بعد الأخلاق أو ما بعد التاريخ علما‬ ‫رئيسا للديني من حيث هو ديني وفروعه الأربعة هي التفسير علما العمل أي الفقه‬ ‫والتصوف وعلما النظر أي الكلام والفلسفة‪ .‬وهو بذلك مناظر تماما لفنون الفلسفة وعلمها‬ ‫الرئيس أو ما بعد الطبيعة وفروعها الأربعة أي الطبيعة والرياضيات والمنطق والفلسفة‬ ‫العملية ببعديها الخلقي والسياسي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وصلنا الآن إلى غاية هذه التكملة الأولى (أما الغاية الثانية فسنخصص لها الفصل‬ ‫السابع والأخير)‪ :‬ما معنى الإسلام ليس دينا من بين الأديان بل هو الديني في كل دين وأن‬ ‫كل ما ليس في أي دين مطابقا للإسلام هو تحريف الدين وأنه مؤسس لشروط تحقيق مهمتي‬ ‫الإنسان من حيث هو إنسان أي تعمير الارض بقيم الاستخلاف؟‬ ‫ألسنا نبالغ في ثورته؟‬ ‫طلبي من القارئ أن يعلم أني لا أتكلم على الإسلام من منطلق عقيدتي فهذه لي وحدي‬ ‫ولست بحاجة للكلام عليها لأنه لا أحد يعنيه ما أعتقد ولا يعنيني ما يراه غيري في ما‬ ‫أعتقده‪ .‬إنما كلامي مداره حول ما يقول القرآن عن نفسه‪ .‬فالقرآن جل كلامه على نفسه‬ ‫وعلى طبيعة دوره كرسالة لمن خلقوا للعبادة حصرا‪.‬‬ ‫فكل القرآن يدور حول المهمتين ومن ثم فيمكن القول هو الكلام على ما يترتب على‬ ‫المشهد الأول فيه أعني مشهد الاستخلاف الذي فيه كل ما تلاه باعتباره متوقعا فيه‪ .‬ومعنى‬ ‫ذلك أن إخراج آدم من الجنة مثلا لا يمكن أن يكون عقابا للعصيان الذي حدث فيها بدليل‬ ‫أن قرار الاستخلاف في الأرض سابق عليه‪.‬‬ ‫فلا يمكن أن يكون الله قد قرر استخلافه في الارض وأن يكون انزاله إليها ما كان ليحصل‬ ‫لولا أنه عصى فعوقب إلا إذا كان العصيان هو نفسه متوقعا والفرصة الثانية أيضا متوقفة‬ ‫والتوبة عليه متوقعة ومن ثم فكل ذلك كان ضروريا لتتحقق شروط التكليف والغاية التي‬ ‫من أجلها خلق الإنسان والجن‪ :‬للعبادة‬ ‫وإذن فالفرصة الثانية هي التي يتحقق فيها امتحان المكلف في أهلية الاستخلاف في التعمير‬ ‫بقيمه وفي العبادة وهما شيء واحد‪ .‬فالعبادة هي التعمير بقيم الاستخلاف‪ .‬والإنسان‬ ‫مجهز لذلك في مستوى النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة وفي مستوى العمل والشرع‬ ‫للمعرفة سنن التاريخ مجالي العبادة والتعمير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتلك هي موضوعات الفلسفات الخمس‪ .‬فالقرآن هو الأصل الذي يشير ولا يضمن ما‬ ‫يشير إليه بديلا منه‪ .‬لذلك سميته السبابة المشيرة‪ .‬وليس فيه الأمر المشار إليه بها لأنه‬ ‫يعتبره خارجه بوصفه الآيات التي في الآفاق وفي الأنفس والتي تبين أن القرآن حق‪ .‬لكن‬ ‫المسلمين وقعوا في ما يرمز إليه المثل الصيني‪ :‬يريك القمر فلا تراه بل ترى الاصبح المشيرة‬ ‫إليه‪ .‬وأكبر سخافة هي القول بـخرافة الاعجاز العلمي‪.‬‬ ‫لو كان القرآن فيه الاعجاز العلمي لأصبحت الفرصة الثانية لامتحان أهلية الإنسان‬ ‫للاستخلاف عبثا إذ لم يعد الإنسان بحاجة إلى البحث العلمي بل يكفيه أن يتعلم العربية‬ ‫وأن ينتظر الغرب لاكتشافه ثم هو يأتي فـ\"يتعسف\" على العربية ليؤول ألفاظ القرآن فيجد‬ ‫فيها بعديا ما وجدوه هم بعقولهم‪.‬‬ ‫الفلسفات الخمس ليست إذن مضمونا علميا بل تجهيز لشروط اختبار أهلية الإنسان‬ ‫للاستخلاف‪ .‬فالقرآن ليس علما بل هو ما بعد أخلاق في الدين بديل من ما بعد الطبيعة في‬ ‫الفلسفة‪ .‬وما بعد الأخلاق أوسع من ما بعد الطبيعة لأنها تتضمن الإشارة إلى ما تشير‬ ‫إليه مع ما بعد التاريخ في نفس الوقت‪ .‬لكنها لا تتضمن علوم الدين ولا علوم الفلسفة بل‬ ‫شروطهما في الذات وفي الموضوع وفي شروط لقائهما وصدور أحدهما عن الثاني في‬ ‫الاتجاهين‪.‬‬ ‫والشروط هي الفلسفات الأربع الأخرى التي تحدد مجال النظر والعقد ومجال العمل‬ ‫والشرع وهو تحديد يتطابق فيه الديني والفلسفي وإن بتقابل في التوجه‪ .‬فالديني يذهب‬ ‫من العمل والشرع إلى النظر والعقد في تكوين الإنسان والفلسفة تعكس تذهب من النظر‬ ‫والعقد في تكوينه نحو العمل والشرع‪ .‬والمضمون واحد‪ .‬وتلك هي الفلسفات القرآنية‬ ‫الخمس‪:‬‬ ‫‪ .1‬ما بعد الأخلاق رؤية رئيسية واصلا لبقية الرؤى التي تشير إلى شروط اختبار‬ ‫الأهلية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬فلسفة الطبيعة أو الخلق الذي هو بقدر لا يعلم قانونه إلا بالتجربة المعاينة‬ ‫الطبيعية في المشاهدة الفعلية‪.‬‬ ‫‪ .3‬فلسفة التاريخ أو الامر الذي هو بسنة لا تعلم إلا بالتجربة والمعاينة التاريخية في‬ ‫الممارسة الفعلية‪.‬‬ ‫‪ .4‬التجهيز المناسب للعلم أو النظر والعقد أو نظرية المعرفة غير القائلة بالمطابقة‪.‬‬ ‫‪ .5‬التجهيز المناسب للعمل والشرع أو العمل أو نظرية القيمة غير القائلة بالمطابقة‪.‬‬ ‫وكلها رؤى لهذه الشروط والوظائف تشير إلى فعلها ومجاله وقيمه‪ .‬والقرآن لا يتكلم‬ ‫عليها وكأنها ما سيعلمه الرسول للإنسان انطلاقا منه كـ\"تابولا رازا\" لوحة بيضاء ليس فيها‬ ‫ما يأتي الرسول ليخبره به بل هو يذكره بما هو موجود فيه ومنسي‪ .‬الرسول مذكر لا أكثر‬ ‫ولا أقل‪ .‬وإذن فالإنسان يصبح هو الحكم في صدق الرسول بعد أن يتذكر ما نسيه‪ :‬الرسول‬ ‫مثل سقراط ولكن من دون المطابقتين النظرية والعملية بفضل نظرية الغيب‪.‬‬ ‫هذا ما ينبه الله الرسول إليه‪\" :‬إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر\" لكن العلماء‬ ‫المزعومين كذبوا عليه فنسبوا إليه ما لم يدعه وما نفاه الله عنه حتى \"يرثوا\" منه ما‬ ‫يزعمونه من علم يتجاوز به سقراط في التذكير لكأنهم \"غاروا\" من المعجزات التي يقصها‬ ‫القرآن عن الرسل السابقين فأرادوا له مثلها‪.‬‬ ‫القرآن يستدل بالنظام في إشاراته‪:‬‬ ‫‪ .1‬هو ما بعد أخلاق‬ ‫‪ .2‬والطبيعة خلقت بقدر يعلم بالتجربة الطبيعية‬ ‫‪ .3‬والتاريخ بسنن تعلم بالتجربة التاريخية‬ ‫‪ .4‬والإنسان له القدرة على النظر في القوانين والعقائد‬ ‫‪ .5‬وله القدرة على العمل بالسنن والشرائع وذلك لاختبار أهليته في تعمير الارض‬ ‫بقيم الاستخلاف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أرادوا عكس ذلك فبحثوا عن خرق النظام‪ .‬وهو ما فعلوا هم لا القرآن ولا الرسول‪ .‬هم‬ ‫خرقوا النظام فزعموا بخلاف آل عمران ‪ 7‬أن رسوخهم في العلم يمكنهم من تأويل المتشابه‬ ‫ومعرفة الغيب‪ .‬فكانوا بذلك كما وصفهم القرآن مصابين بزيغ القلب وابتغاء الفتنة‬ ‫فابتدعوا الوساطة والوصاية على المؤمنين‪.‬‬ ‫ونفس هذه الدعوى وقع فيها الفلاسفة مثل المتكلمين‪ :‬زعموا أن عقولهم بلغت من‬ ‫الإحاطة ما جعلهم يظنون أن الوجود مطلق الشفافية لعقولهم وأن عقولهم مطلقة النفاذ‬ ‫إلى حقيقته في ذاتها ومن ثم وضعوا نظرية في المعرفة يتطابق فيها علمهم مع الموجود‬ ‫وعلمهم مع المنشود فادعوا المستحيل نفيا للغيب‪ .‬وهذا النفي هو ما أدى إليه الوهم‬ ‫الفلسفي في نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة مع الموجود ونظرية العمل القائلة بالمطابقة مع‬ ‫المنشود وحاكاهما الوهم الكلامي‪ .‬لكن القرآن حررنا من الوهمين‪ .‬فلا علمنا محيط‬ ‫بالموجود ولا عملنا محيط بالمنشود‪ .‬والقرآن يبين هذا الحد بأن‪:‬‬ ‫‪ .1‬أثبت وجود الغيب فجعله من شروط الإيمان ونفى قابليته للعلم الإنساني بمعنى‬ ‫أنه اخبار بوجود وبعدم قابليته للعلم في آن‪.‬‬ ‫‪ .2‬وذكر بمحدودية علمنا بالموجود وعملنا بالمنشود ونسبيتهما من شروط العلم‬ ‫والعمل الراسخين بمعنى الاجتهادي في الأول والجهادي في الثاني‪.‬‬ ‫وفي ذلك ثورتان ابستمولوجية تحرر من القول بالمطابقة في النظر والعقد وأكسيولوجية‬ ‫تحرر من المطابقة في العمل والشرع‪ .‬بل أكثر من ذلك فقد اعتبر الاجتهاد المعرفي \"ما بين‬ ‫ذاتي \"حتما \"التواصي بالحق\" والجهاد العملي \"ما بين ذاتي\" حتما \"التواصي بالصبر\"‪.‬‬ ‫فالمشاركة في الحالتين دليل على كون العلم والعمل كلاهما عمل شرطه التعاون بين الذوات‬ ‫الإنسانية اجتهاد في العلم وجهادا في العمل وليس مواقف ذاتية للأفراد‪.‬‬ ‫والأفراد المتواصين بالحق في طلب الحقيقة والمتواصين بالصبر في تحقيقها ليسوا أي افراد‬ ‫بل الأفراد المؤمنون أولا أي الذين تخلصوا من تصور أنفسهم ارباب العالم بل يعتقدون‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أنهم مستخلفون فيه لتعميره ومن فهم يعملون صالحا أي بعكس ما وصفت به الملائكة آدم‪.‬‬ ‫هذه كل القصة القرآنية‪.‬‬ ‫لكن هذه القصة جعلت يكون في آن‪-1 :‬كتاب في فلسفة الدين ونقد الأديان وبصورة أدق‬ ‫ونقد علل فشل الرسالات السابقة أي تحريف الدين وسلوك البشر الذين نسوا أنهم خلفاء‬ ‫فلم يعملوا بمضمون الاستثناء من الخسر أي بمضمون سورة العصر كما بينت قبل قليل‪:‬‬ ‫الإيمان والعمل الصالح والتواصيان بالحق وبالصبر‪.‬‬ ‫وهذا هو الوجه السلبي أو النقدي من القرآن وهو يحدث بمنهج سماه القرآن منهج‬ ‫التصديق والهيمنة (المائدة ‪ .)48‬ومن عجائب هذا النقد أن في آن نقد ذاتي‪ :‬ذلك أنه لم‬ ‫يدع أنه الحكم النهائي في الديني أو الحكم المطلق بين الأديان بل اعتبر الفصل بينها مرجأ‬ ‫إلى يوم الدين (البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ .)69‬ولو لم يتضمن القرآن هذا الاحتراز إزاء حكمه‬ ‫في الديني وتصرفه كحكم بين الأديان لتنسيب حكمه وتنزيه دوره كحكم لكان مجحفا‬ ‫ومتناقضا في آن‪:‬‬ ‫‪ .1‬فعدم الإكراه في الدين والحرية المعتقد شرطهما إرجاء الحكم في الحق إلى يوم‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫‪ .2‬والتسابق في الخيرات يقتضي التعدد الديني حتما لتكون الحقيقة بعد تبين‬ ‫الرشد‪.‬‬ ‫لكن الانتقال من الدستور إلى القوانين الاستثنائية بسبب حالة الطواري التي دخلتها‬ ‫الأمة بعد الفتنة الكبرى وتحول حالة الطوارئ إلى حالة دائمة جعلت الفقهاء يعتبرون‬ ‫البقرة ‪ 62‬والمائدة ‪ 69‬وحتى الحج ‪ 17‬آيات منسوخة هو الذي أسس لإفساد ثورة الإسلام‬ ‫وقلب أمر القرآن ونهيه علما وعملا‪ .‬وفي هذه الآيات الثلاث مبدآن ثوريان أهملهما الفقهاء‬ ‫بسبب هذه النقلة‪:‬‬ ‫‪ .1‬المبدأ الأول يوجد في البقرة ‪ 62‬وفي المائدة ‪ :69‬فالقرآن يعتبر المؤمنين بالأديان‬ ‫الأربعة التي ذكرتاها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلى حققوا ثلاثة شروط‪ :‬الإيمان بالله‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح‪ .‬وهذه المبادئ الثلاثة هي في الحقيقة خمسة لأن‬ ‫هذه الشروط الثلاثة لا تتحقق من دون شرطين ضمنيين وهما التواصي بالحق والتواصي‬ ‫بالصبر‪.‬‬ ‫‪ .2‬المبدأ الثاني لا يوجد إلا في الآية الثالثة أي الحج ‪ 17‬التي اضافت دينين آخرين‬ ‫هما المجوسية والشرك‪ .‬حينها لم تذكر الآية هذه الشروط ولم تعد بلا خوف عليهم ولا‬ ‫هم يحزنون لكنها وضعت مبدأ الإرجاء بخصوص معرفة من هو على حق إلى يوم الدين حتى‬ ‫لا تفقدهم أمل الدخول في التسابق في الخيرات الذي وضعته الآية ‪ 48‬من المائدة‪.‬‬ ‫ولما كنت أومن بأن استئناف دور الإسلام آت لا ريب فيه وأن ذلك الاستئناف مشروط‬ ‫بالخروج من حالة الطوارئ التي دامت ‪ 14‬قرنا فإني أقدمت على هذه المحاولة التي لا‬ ‫انتظر من أحد عليها جزاء ولا شكورا فقصدي هو استنتاج كل ما ينتج عن قراءتي للقرآن‬ ‫بما يقوله عن ذاته متحررا من خرافات القدامى‪ .‬وما اقصده بالقدامى خمسة أنواع‪:‬‬ ‫‪ .1‬اثنان من العصر الوسيط هم المتكلمون والفلاسفة‪.‬‬ ‫‪ .2‬واثنان من العصر الحديث وهم أيضا متكلمون وفلاسفة‬ ‫‪ .3‬الفقهاء في كل مرحل الفكر الديني والسياسي من أفلاطون وأرسطو إلى هيجل‬ ‫وماركس‪.‬‬ ‫‪ .4‬المتصوفة في كل مراحل تاريخ الفكر الديني الخلقي من أفلاطون وأرسطو إلى‬ ‫هيجل وماركس‪.‬‬ ‫‪ .5‬والأصل الواحد وهو القول بنظرية العلم وبنظرية العمل المطابقتين بين الموجود‬ ‫والعلم وبين المنشود والعمل‪.‬‬ ‫وإذن فهذا الأصل يمثله أربعة فلاسفة اثنان قدامى واثنان محدثون‪ .‬والإثنان الأولان‬ ‫بدأت بهما الفلسفة وتأثر بهما بقية الأنواع لأنهما أسسا الجنس الأدبي الذي يسمى فلسفة‬ ‫بالمعنى المتعارف والذي بات كل عمل الفكر متأثرا به حتى وإن كان بالسلب بمعنى معارضته‪.‬‬ ‫واثنان بهما ختمت الفلسفة لأنهما أنهيا هذا المعنى المتعارف بإيصاله إلى غايته الممكنة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪38‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتجاوزه إلى جعل الفلسفة إيديولوجيا إما روحانية (هيجل) أو مادية (ماركس) لكنها ذات‬ ‫نفس البنية والمنطق الملاصق للتاريخ السياسي الخلقي والاقتصادي الاجتماعي خاصة‪.‬‬ ‫فالأصل الأول هو أفلاطون وأرسطو اللذان أسسا للمطابقتين‪ .‬والأصل الثاني هما هيجل‬ ‫وماركس اللذان نكصا إلى المطابقتين \\والفرق بين الأولين والأخيرين هو الفرق بين‬ ‫الطبعانية التاريخانية‪ .‬وما يجمع بين الأربعة هو وهمان‪:‬‬ ‫‪ .1‬وحدة العالم دون ما وراء أخروي بدل كثرة العوالم‪.‬‬ ‫‪ .2‬الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه‪.‬‬ ‫وما حصل لفكرنا قبل العصر الحديث إذا ما استثنينا المدرسة النقدية منه لم يخرج قيد‬ ‫أنملة على التراث الأفلاطوني الأرسطي‪ .‬وما يحصل لفكرنا الحالي في نسبته إلى هيجل‬ ‫وماركس لا يختلف في شي عما حصل لفكرنا قبل الحديث في نسبته إلى أفلاطون وأرسطو‪.‬‬ ‫وعندما أحاول الرجوع للمدرسة النقدية لمحاولة بيان علل الخلاف بينها وبين المدرسية‬ ‫التقليدية التي بلغت ذروتها في مربع القرن السادس الهجير الثاني عشر الميلادي أفهم‬ ‫طبيعة الأزمة القديمة والحديثة في فكرنا‪.‬‬ ‫واقصد بالمربع المدرسي‪:‬‬ ‫• ابن رشد (فيلسوف متكلم)‬ ‫• والسهروردي المقتول (فيلسوف متصوف)‬ ‫• وابن عربي (متصوف متفلسف)‬ ‫• والرازي (متكلم متفلسف)‪.‬‬ ‫وقد درست هذا المربع باستفاضة في الجزء الثاني من رسالة دكتوراه الدولة وعنوانه‬ ‫إصلاح العقل في الفلسفة العربية (مركز دراسات الوحدة العربية طبعة ‪.)4‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪39‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عندما تكلمت على الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي اقتصرت على ما يتضادان به في‬ ‫الظاهر وأشرت إلى أنهما يشتكران في كونهما كاركاتورا مما يدعيان تمثيله‪ .‬لكن ذلك لم‬ ‫يبرز أعماق ما يجعلهما لا يختلفان حتى بما يؤسس حقيقتهما التي تجعلهما يتفقان في العمق‬ ‫رغم ما يبدو بينهما من صراع ديكة‪.‬‬ ‫فالكاريكاتور التأصيلي يدعي أن الوحي يعلم وأن ما جاء في القرآن فيه علم بالغيب ولا‬ ‫يدري أن ذلك يتنافى مع كونه رسالة موجهة إلى الإنسان الذي ينفي القرآن قدرته على‬ ‫علم الغيب ما يعني أن القرآن يبعث رسالة لمن لا يفهمها‪ .‬وهو ما ينفي معنى الرسالة من‬ ‫أصله وينفي خاصة كونها تذكيرا بما يعني أنه يعلم ما أتت به الرسالة ولا يجهله بل نساه‪.‬‬ ‫والكاريكاتور التحديثي ينفي وجود الغيب وليس علمه فحسب لكنه يجعل العقل قادرا‬ ‫على علم يطابق حقيقة الموجود وعلى عمل يطابق حقيقة المنشود‪ .‬ما يعني أنه يعتقد أن‬ ‫الوجود مطلق الشفافية وان العقل مطلق الإحاطة بالموجود والإرادة مطلقة القدرة على‬ ‫تحديد المنشود وتحقيقه‪ .‬فيصبح من حيث لا يدري أكثر وثوقية ودغمائية من الكاريكاتور‬ ‫التأصيلي‪.‬‬ ‫ويلتقي الكاريكاتوران في رفض ثورة الآية السابعة من آل عمران بالزعم أن الراسخين‬ ‫في العلم يستطيعون تأويل المتشابه (وهو متعلق بالغيب) تأويلا قابلا للعطف على تأويل‬ ‫الله‪ .‬ومن ثم فالآية صارت تفيد عكسها تماما‪ .‬وهو ما يجعل المتكلمين والفقهاء والمتصوفة‬ ‫لا يختلفون في شيء عن الفلاسفة القائلين بالمطابقة في النظر بدعوى شفافية الوجود‬ ‫وإحاطة العقل وبالمطابقة في العمل بدعوى قابلية المنشود للتحقيق المطلق الذي يتصورونه‬ ‫في متناول الإرادة‪.‬‬ ‫ما يتفقان عليه إذن هو أبستمولوجية المطابقة وأكسيولوجية المطابقة رغم أن التأصيلي‬ ‫يبنيهما على قدرة تأويل الوحي الذي يظنه عالما بالغيب والتحديثي يبنيهما على شفافية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪40‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الوجود أو خلوه من الغيب وقدرة العقل على النفاذ لحقيقة الموجود وقدرة الإرادة على‬ ‫النفاذ لحقيقة المنشود‪.‬‬ ‫لذلك فسواء كان المتكلمون من جنس المعتزلة أو حتى من جنس الأشاعرة فإنهم في النهاية‬ ‫كان ينبغي أن يصبحوا تابعين لما أسسته الفلسفة من إبستمولوجيا تقول بمطابقة العلم‬ ‫للموجود ومن أكسيولوحية تقول بمطابقة العمل للمنشود‪ .‬كما يتبين من كلامهم عن الذات‬ ‫والصفات في النظر والعقد وكلامهم عن أفعال العباد في العمل والشرع بمنطق التأويل الذي‬ ‫يرد ما يعتبرونه غير موافق للعقل إلى ما يعتبرونه علم العقل وعمله‪.‬‬ ‫وسواء قبلوا ما يقول القرآن عن الذات والصفات وعن أفعال العباد بتأويل (المعتزلة)‬ ‫أو بتفويض (الأشاعرة) ويتبعهم الفقهاء والمتصوفة فإن اعتبار العبارة القرآنية بالتناسب‬ ‫تدل على وجوب أحدهما رغم أن الله يقول إنه ليس كمثله شيء ومن ثم فكل التمثيل لا‬ ‫يمكن أن يؤخذ لا إيجابا مع التفويض ولا سلبا مع التأويل بل هو يفيد بالتناسب لا غير لأن‬ ‫التشابه ليس بين طرفي المقارنة بل بين علاقة النظامين الحاكمين للحياتين الدنيوية‬ ‫والأخروية‪.‬‬ ‫وحتى أشرح هذا المعنى الدقيق فلا بد من عدم نسيان أن الدنيا اعتبرت في القرآن‬ ‫وحدة قيس بالتناسب معها يتم الكلام على ما ليس منها‪ .‬وليكن ذلك في المجال الكمي لتقدير‬ ‫المكان والزمان‪ .‬فعندما يقيس الزمان بزمان الدنيا يأخذ مثلا السنة الأرضية وحدة يقيس‬ ‫بها أزمة عوالم أخرى وحركات أخرى كما في مثال قيس حركة الروح التي تحصل في يوم‬ ‫مقداره خمسين ألف سنة من سنوات الأرض‪.‬‬ ‫أما في المجال الكيفي فنظام حياة البشر الخلقية والسياسية تؤدي في قيس عالم الغيب‬ ‫الكيفي وظيفة الأرض في مجال الشهادة الكمي لقيس العوالم‪ .‬ومثلما أن العوالم تبدو شبه‬ ‫لامتناهية بالقياس إلى عالم الأرض فكذلك يكون عالم الغيب ولا يبدو فحسب لا متناهي‬ ‫كيفيا بالمقارنة مع أنظمة الإنسان وعالمه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪41‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فعندما يتكلم الله في القرآن عن ذاته في رسالة موجهة إلى الإنسان مع إعلامه بأن ما‬ ‫يتكلم فيها عن الغيب يخبر بوجوده دون مضمونه فالقصد أن هذا المضمون هو المتشابه وهو‬ ‫ما لا يقبل التأويل بمعنى أن المتلقي عليه ألا يتجاوز التناسب أي إن ما يقال عن الله من‬ ‫حيث هو حاكم مثلا تكون صفاته في عالم الغيب من جنسه ولا علاقة لها من حيث ما هي‬ ‫بصفات الحاكم في عالم الشهادة رغم التناسب يجعل الحكم هناك صفاته مناسبة لعالمه مناسبة‬ ‫صفات الحاكم الأرض لعالمه مع فرق الكمال الكيفي المتوفر المطلق هنا والنسبي هنا لأن‬ ‫الأول مثال أعلى والثاني نشدان لما فيه‪.‬‬ ‫ومن ثم فلا وجود لأي شبه مع صفات الحاكم الإنساني إلا في نسبة الحكم إلى المحكوم فيه‬ ‫عندما يكون الحاكم ذا علم محيط والمحكوم فيه مطلق الشفافية لصاحب العلم المحيط‪.‬‬ ‫وإذن فكل حاكم إنساني لا يمكن أن يدعي أنه صاحب علم محيط بالحكم والمحكوم ولا يمكن‬ ‫أن يكون ذا عقل بحق إذا توهم ذلك ممكنا‪ .‬ومن ثم فكل ما يقال عن الله وعن أفعال‬ ‫العباد يقال بمعنى الغيب من حيث هو الحد الذي لا يمكن الوصول إليه فضلا عن تجاوزه‪.‬‬ ‫وعلى هذا المنوال ينبغي فهم الأحكام النموذجية التي وردت في القرآن الكريم‪ .‬فهي لا‬ ‫تقبل المحاكاة وهي من ثم نموذج حكم الأحكام وليست نموذج الأحكام‪ .‬ولا يمكن أخذها‬ ‫فرادى بل باعتبارها مجموعة محددة لشروط الحكم الذي يحاول الوصل بين الموجود‬ ‫والمنشود‪.‬‬ ‫فإذا طبقت هذا المعنى أصبح بوسعي أن اغير الأبستمولوجيا والاكسيولوجيا فأنفي‬ ‫المطابقة في الحالتين‪ .‬فلا النظر ولا العقد مطابقان لقوانين الموجود ولا العمل والشرع‬ ‫مطابقان لسنن المنشود سواء في المعرفة الدينية أو في المعرفة الفلسفية‪ .‬ذلك أن‬ ‫الكاريكاتورين يشتركان في الحقيقة في هذين التصورين الخاطئين حول النظر والعقد لعلم‬ ‫الموجود توهما لقدرة للعقل ليست موجودة وفي العمل والشرع لتحقيق المنشود توهما لقدرة‬ ‫في الإرادة ليست موجودة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪42‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومن ثم فكل العلوم والأعمال المبنية على المطابقتين اللتين هما أساس فلسفة أفلاطون‬ ‫وأرسطو في الماضي القديم والوسيط ويمثلها عندنا كاريكاتور التأصيل الذي يريد محاكاتها‬ ‫وكل العلوم والأعمال المبنية عليهما واللتين هما أساس فلسفة هيجل وماركس في الحاضر‬ ‫الحديث وما بعد الحديث يمثلها عندنا كاريكاتور التحديث الذي يريد محاكاتها كلاهما‬ ‫موقف مناف لإبستمولوجيا وأكسيولوجيا اللامطابقة أو الفرق بين الوجود وعلمه وبين‬ ‫المنشود وعمله‪.‬‬ ‫فلا يبقى إذن إلا الاجتهاد أو التواصي بالحق والتعاون على علم الممكن للإنسان من‬ ‫الوجود دون ادعاء المطابقة المعرفية أبدا والجهاد أو التواصي بالصبر والتعاون على عمل‬ ‫الممكن للإنسان من المنشود دون ادعاء المطابقة القيمية أبدا‪ .‬وهذان هما ثورتا القرآن‬ ‫الابستمولوجية والأكسيولوجية‪ .‬ولهذه العلة فهو يقدم الصدق في الإيمان والإخلاص في‬ ‫العمل الصالح ولا يعتبر النتيجة هي الحكم بل هذا الصدق والإخلاص‪ .‬وينتج عن ذلك‬ ‫أمران هما جوهر الغاية من الديني والفلسفي‪:‬‬ ‫‪ .1‬أن البشر يتحررون من الإطلاق في العلم وفي العمل فيصبحون أكثر تواضعا‬ ‫وتعارفا وهو معنى المساواة في كل شيء ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى (الحجرات ‪ .)13‬ومن‬ ‫هنا فالتعارف يعني الأمرين فهو معرفة واعتراف ينتج عنهما المعروف الذي يعبر عن كون‬ ‫البشر أخوة (النساء ‪.)1‬‬ ‫‪ .2‬أن كل ما يتحقق من النتائج المتعلقة بتعمير الارض بقيم الاستخلاف في التاريخ‬ ‫ليس عملا فرديا بل هو عمل جماعي بمعنيين‪:‬‬ ‫• فهو جماعي بالتساوق ‪-‬من هنا الكلام على التواصي بالحق في الاجتهاد والتواصي‬ ‫بالصبر في الجهاد‪-‬‬ ‫• وهو جماعي بالتوالي بمعنى أن كل جيل من تاريخ البشرية هو حصيلة يتدخل فيها‬ ‫كل ما أنجزته البشرية في أجيالها السابقة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪43‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪44‬‬ ‫الأسماء والبيان‬