أبو يعرب المرزوقي تكملة لحوار الدكتور أبو يعرب المرزوقي مع الأستاذ محمد الناصر الأسماء والبيان
-الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 9 - -الفصل الثالث 16 - -الفصل الرابع 22 - -الفصل الخامس 27 - -الفصل السادس 33 - -الفصل السابع 40 -
-- ما الاعتراضات الممكنة حول ما قلته في حواري مع الأستاذ محمد ناصر؟ وكان -كما الحال في الحوارات التلفزية-موجزا ومبسطا حتى تصل المعاني العامة دون دخول في جزئيات تأسيسها أو جزئيات ثمراتها .وهي من ثم اعتراضات مشروعة خاصة وكل المسائل التر تعرضنا لها خلافية وتهم الجميع. لذلك فلأذكر أهمها. وقد تقبل كلها الرد إلى أصل وحيد يجمع بين المسألة الفلسفية النظرية والمسألية السياسية العملية المترتبة عليها أصلين لفهم أزمة الأمة الروحية الحضارية التي لها صلة بعلاقة الفلسفة والدين وأزمتها المادية السياسية في علاقة بثمرات العلاقة الأولى على رعايتها لذاتها في التعمير والاستخلاف. وطبعا لا أنوي عرض كل المسار الذي أوصلني إلى ما بنيت عليه ما عرضته من حلول هي اجتهادات لا أدعي لها الكمال ولا أسعى إلى التعامل مع المخاطبين إلا بما يقتضي التحرر من سلطان الوساطة بين المتلقي وصلته الذاتية بمجال البحث ومن وصاية عليه في خياراته للحلول التي يصل إليها بفكره الشخصي. وأفهم جيدا أن يعتبر ما أقدمه مستفزا للمدرستين السائدتين خاصة :مدرسة الفكر الديني التقليدي ومدرسة الفكر الفلسفي التقليدي .وهما سائدتان لأنهما تمثلان الحلين الأقصيين اللذين يستثني كل منهما الثاني ويدعي ملكية الحقيقة إما باسم الوحي أو باسم العقل لكأن فهميهما لهما غنيان عن المراجعة .ولكأن تشكيك كل منهما في ما يدعيه الثاني غني عن المراجعة كذلك .فعندنا إذن خمس معان بحاجة إلى المراجعة: ففهم الوحي: .1من ادعياء القائلين به .2ومن خصومه. أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- وفهم العقل .3من أدعياء القائلين به .4ومن خصومه .5والأصل تصور الامرين مختلفين بالجوهر وليس بسبب الخصومة بينهما عديمة الأساس. ولست أدعي أنها عديمة الأساس بصورة مطلقة بل في الإسلام إذا قبلنا بقراءة القرآن ونحن متحررون من هذه الخصومة التي باتت مسلمة وكأنها حقيقة تصدق على الفكرين الديني والفلسفي عامة وليس على ما آل إليه هذا الفكران عند كاريكاتور الديني وكاريكاتور الفلسفي في رؤى المعرفي والقيمي لديهما. والقرآن يعرف نفسه رسالة من الله إلى الإنسان والرسول الذي يبلغها لا يتجاوز دوره التبليغ التذكيري بطرق التبليغ المنطقية وليس بالمعجزات مع الإعلام بأن المضمون يتعلق بما يحقق به الإنسان مهمتين هما التعمير الذي هو عمل محدود على علم محدود لسد حاجاته المادية والروحية وبقيم الاستخلاف. وقد استنتجت من هذا التعريف الذي لا يجادل فيه أحد أمرين: .1يتعلق بمحدودية العمل والعلم الإنسانيين وهو ما يترتب عنه وجود ما لا يستطيع الإنسان عمله ولا علمه ومن ثم فلا يمكن أن يتجاوز الإنسان كونه خليفة فيدعي العمل التام أو العمل المحيط .2يتعلق بتجهيز الإنسان بشروط تحقيق المهمتين. لكن الجواب عن ذلك كله يقتضي التوجه مباشرة إلى الأصل :هل الخصومة بين كلا الموقفين من أساس موقفه من أساس موقف خصمه لها أساس أصلا؟ حتى نقتلع الخصومة من الأصل فلنذكر كيف يصوغه أصحابها .هم يصوغونه بعبارة المقابلة بين النقل والعقل لكان الأول نقل دون عقل والثاني عقل دون نقل. وحتى أحول دون المهرب بينت أن توهم النقل مدركا للغيب هو مزعم صاحب النقل المزعوم وتوهم العقل غنيا عن النقل هو مزعم صاحب المزعوم .فإذا بينت أن النقل في الدين لا أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- يمكن أن يتضمن علم الغيب وإلا فالرسالة متناقضة لأن كونها رسالة بما لا يعلم لا معنى له .هي رسالة بما يعلم لا غير. وما حدث ذلك إلا للخلط بين إعلامها لنا بأن علمنا محدود لوجود الغيب وبين علمنا بمضمون الغيب .النبي نفسه يجهل الغيب .فالرسالة إذن لا تتجاوز ما يفهمه العقل .وهي إذن رسالة تنفي وهم رد الوجود إلى ما يعمله منه الإنسان بل يوجد ما لا يعلمه الإنسان. وهو ما لم يطقه الفلاسفة لتوهمهم العكس. وتوهم الفلاسفة والمتكلمون والمتصوفة أن العلم الإنسان محيط بدليل قولهم بنظرية المعرفة المطابقة سواء كانت عقلية أو لدنية هو ما يسميه ابن خلدون برد الوجود إلى الإدراك. كلا الصفين يتوهمان علم الوحي أو العقل بمضمون الغيب وهو مستحيل .لا أحد-لا النبي ولا الفيلسوف ولا المتصوف-يعلم الغيب. وإذن فالقرآن وضع نظرية في المعرفة لا تقول بالمطابقة بل تميز بين الوجود وإدراكه. الثاني لا يحيط بالأول ويعلم أنه لا يحيط به وأن فيه غيبا يعلم وجوده ولا يعلم مضمونه. وهي نظرية نقدية في المعرفة تجعلها اجتهادا دائما وليست علما مطلقا ويترتب عليه أن العمل جهاد نسبي وليس عملا كاملا. بينا إذن وهم تجاوز الوحي ما يعلم بالعقل فتحررنا من خرافة الراسخين في العلم الذي يتوهمون أنهم يعلمون تأويل المتشابه ويدركون الغيب زاعمين ذلك ثمرة العلم الفلسفي فيردون إليه هذا الغيب عندما يتوهمون أنهم وجدوا ما يناقض ما توهموه علما عقليا مطلقا بنظرة في المعرفة تقول بالمطابقة. وبينا وهم العلم اللدني إذ لا يعقل أن يدعي المتصوف أنه مؤمن بالإسلام ثم يزعم أن يدرك الغيب الذي ينفي القرآن إمكان إدراك مضمونه متجاوزين إعلام القرآن لنا بوجوده مع نفي علم مضمونه حتى على الرسل فيكون العلم اللدني من أكاذيب أو توهمات المتصوفة .وفحصها يثبت أنها خرافات وكرامات كاذبة. أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- فينتج النقل الوحيد الممكن للإنسان هو ما يعلمه الإنسان من المعطيات الحسية أو من المعطيات الحدسية حول علمنا وعملنا وحدودهما والتي لم تتوصل إليها الفلسفة إلى في أواخر العصر الحديث عندما فهمت أن وهم المطابقة دليل سذاجة إبستمولوجية في النظر وسذاجة أكسيولوجية في العمل ارثا يونانيا. الابستمولوجيا والأكسيولوجيا المتحررتان من القول بالمطابق أو برد الوجود إلى الإدراك ثورة دينية وليست وليست فلسفية اكتشفتهما الفلسفة النقدية عندنا في القرآن وتبنتهما- عند ابن تيمية وابن خلدون في نهاية القرون الوسطى وتبنتها الفلسفة النقدية الغربية في نهاية عصر الحداثة (كنط خاصة). وهو ما يعني أن الرؤية الابستمولوجية في المعرفة والأكسيولوجية في القيم والتي لا تقول بالمطابقة لم تدم طويلا لا عندنا ولا عند الغرب لأنها سرعان من توقفت .وما يعنينا هو توقفها في الفلسفة الاوروبية الحديثة :المثالية الألمانية برفض مفهوم \"الشيء في ذاته\" انهت النقد الكنطي. حدث إذن رفض فلسفي وديني للتمييز بين علمنا والموجود وعملنا والمنشود وتأسيس المطابقة بينهما في النظر (ابستمولوجيا المطابقة) وفي العمل (أكسيولوجيا المطابقة) مرتين: .1الأولى مع أفلاطون وأرسطو وبهما بدأت هذه الرؤية. .2ثم استؤنفت هذه الرؤية مع هيجل وماركس :علة الصراع بين المدرستين. فأفلاطون وأرسطو كلاهما تصور الموجود قابل للرد إلى علمه والمنشود إلى عمله وإذن فكلاهما قائل بالمطابقة معرفيا وقيميا .ومعنى ذلك أن علم الإنسان محيط بالموجود وعمله بالمنشود .وكلاهما مستحيل .ومن ثم فالعلم والعمل كلاهما لهما نقل مضموني يستمدانه من الموضوع وليسا عقلا ولا إرادة خالصين. وليس صحيحا أن بينهما اختلافا جوهريا .فما يسميه أفلاطون مثال المثل وعالمه وعالم الإله الصانع عن منواله والطبيعة التي يحل فيها المنوال يسميهما أرسطو عالم المحرك أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- الأول والمحركات التي توجد في ما فوق القمر والطبيعة التي هي دونها وفيها شوق تصويري فيها نظير ما وضعه الإله الصانع الأفلاطوني وأحله في المادة التي صورها .لكنهما يشتركان في الأمرين المهمين: .1في وحدانية العالم الذي هذا نظامه والذي لا يوجد غيره وليس فيه شيء من الغيب الذي لا يعلم. .2وفي نظرية العلم والعمل المطابقين بحيث إن علم الموجود وعمل المنشود مقياسه علم الإنسان وعمله. ونفس هذه الصورة الشفافة للعالم الواحد نجدها بعد محاولات تجاوز \"الشيء في ذاته \"الكنطي الذي له وظيفة الغيب في الدين لأنه يعني أن ما نعلمه من العالم لا يتجاوز ما هو اضافي لنا .وهذا الإضافة لا تتجاوز حاجز الذاتية الإنسانية ومن ثم فلا يمكن أن تعتبر المقياس الذي يرد إليه الوجود في ذاته الذي يبقى مجهولا .وحتى الأكسيولوجي فهو مبني على مسلمات عقدية وليس على حقائق علمية. لكن الرؤية القرآنية مختلفة تماما عن الرؤية الأفلاطونية الارسطية والهيجلية الماركسية وللرؤية الكنطية وجه شبه مع ما استنتجه منها الغزالي بمفهوم \"طور ما وراء العقل\" وابن تيمية بمفهوم التصور الذي لا يتناهى في التفاضل وابن خلدون بمفهوم استحالة رد الوجود إلى الإدراك. لكنها قرئت بهذا النموذج الأفلاطوني الارسطي عندنا علمائنا القدامى والهيجلي الماركسي عند \"علمائنا\" المحدثين ما جعل الفلسفة في الحالتين وتأثيرها في علوم الملة قد حالت دون قراءة القرآن قراءة متحررة من المنظور السفسطائي الذي يجعل الإنسان مقياس الوجود موجوده ومعدومه. فطبق رؤية وحدانية العالم بالمقياس الإنساني وهي حتى في عالم الشهادة لا ترد إليه وحده بل فيها ما لا ينطبق عليه المقياس الإنساني وهو الغيب المحجوب .لذلك فالرسالة ليس فيها مضمون غيبي .فيها دون شك إعلام بوجود الغيب مصحوب بإعلام ينفي جعله أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- بمقياس الإنسان .فالإعلام بوجود الغيب وباستحالة علمه انسانيا يناظر القول بأن العقل الإنسان ليس مقياس كل شيء وأنه: .1بأن علم العقل ليس محيطا وهو معنى ابستمولوجيا نفي المطابقة. .2وبأن عمل الإرادة ليس محيطا وهو معنى اكسيولوجيا نفي المطابقة. نفي المطابقة يعني أن الإنسان لا يحيط بالموجود والمنشود .والمشكل أن المدرسة الدينية توهمت أن نفي العلم بالغيب يخص العقل ويستثني الوحي فتوهموا أن النبي يعلمه وأن الراسخين يعلمونه كذلك .ومن ثم فهم لا يختلفون عن الفلاسفة في القبول بالراي الفلسفي اليوناني أفلاطونيا كان أو أرسطيا ولا يختلفون عنهم إلا بتوهم علم الغيب منفيا عن العقل وخاصا بالوحي. ولما كان الوحي معناه إدراك مباشر سواء توسط الاستدلال العقلي الذي غالبا ما يكون تاليا عن إدراك ما يستعمل الاستدلال للتعبير عنه وليس لإدراكه أو لم يستعمله فهو دال على التلقي وليس على شيء آخر وهو ليس خاصا بالإنسان ولا بالبشر بل حتى النحل والنمل يحصل لها .فيكون ليس نوعا من المعرفة يقابل العقل بل ما يشبه البصيرة التي تتجاوز البصر والعقل بهذا المعنى بصيرة وليس شيئا آخر. ومن يتوهم أن العقل أمرا صناعيا يستمد من آليات المنطق كمن يتوهم الشعر هو استعمال فنيات النظم الشعري وأن الرسم محاكاة الاشكال ولا يرى ما وراء ذلك وما به نميز الشعر عن النظم والرسم عن محاكاة الأشكال وكل فن عن محاكاة الفنون. العقل المبدع للعلوم هو بدوره موهبة .وطبعا فكل موهبة يثقفها التكوين والتدريب وفنيات تنميتها بالمنطق والاطلاع على الإبداع السابق وليس مجرد نظم منطقي كما يتوهم الكثير فيتصور الشعر مجرد استعمال لفنيات النظم الشعري كما في المنظومات التعلمية التي صيغ بها النحو مثلا لتسهيل حفظ القواعد. ومن يقرأ القرآن يعلم أن كل ما فيه وحي بمعنى كونه مراجعة نقدية لكل الرسالات التي يقصها ويقص معركتها التاريخية ومعيقاتها وما أدخل عليها من تحريفات افسدتها وجعلتها أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- تتحول إلى عكس ما نزلت لأجلها بسبب التوظيف في الوساطة التربوية والوصاية السياسية. والرسالة الأخيرة التي يمثلها القرآن جاءت لتصحيح ذلك بمنطق التصديق والهيمنة بوصفه البلاغ الأخير للإنسانية كلها التي يخاطبها بلغة الاستدلال العقلي. ولا يمكن أن يكون القرآن رسالة للإنسان ثم يتضمن ما لا يستطيع الإنسان فهمه .لا بد إذن أن تكتب الرسالة بصورة تجعلها قابلة للفهم وإلا فهي ليست رسالة .والاعجاز الوحيد الذي يؤمر الرسول في القرآن بذكره هو هذه الصفات التي في القرآن بوصفه يدلنا بالاستدلال العقلي على ما علينا القيام بها حتى نحقق المهمتين اللتين كلفنا بهما واللتين سنحاسب عليهما يوم الدين: .1تعمير الأرض بما جهزنا به من قدرة على النظر والعقد وفي العمل والشرع في علاقتنا بالطبيعة وبالتاريخ اللذين سخرا لنا وجهزنا حتى نستمد منهما مصدر بقائنا. .2بقيم الاستخلاف التي علينا مراعاتها في التعمير حتى تكون علاقتنا بعضنا بالبعض علاقة الاخوة (النساء )1والمساواة دون تمييز عرقي أو ديني أو طبقي أو جنسي (الحجرات .)13 فإذا تبين ذلك تبين أن الخصومة بين الديني والفلسفي علتها الجهل بهذين الشرطين. فلو علم الديني أن زعمه الوحي يجعل الدين محيطا بعلم الغيب موجوده ومنشوده ولو علم الفلسفي أن زعمه العقل محيطا بالموجود وبالمنشود وفهم أن ذلك مستحيل على الإنسان لتواضعا وفهما علة تعصبهما وسبب صراعهما الأحمق. ولهذا نجد الخاصتين واضحتين في القرآن الكريم: أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- ولذلك فكل حجاج القرآن يستند إلى نظام الخلق وسنن الامر .والاول يتعلق بنظام العالم والثانية تتعلق بسننن التاريخ .ولذلك اعتبرت فصلت 53هي المفتاح لما يعتبره القرآن الفيصل بين الغيب والشهادة .فما يرينه الله من آياته في الآفاق والانفس نظام عالم الشهادة .والبحث في غيره حكمه آل عمران .7 أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- ذكرت أن الابستمولوجيا Epistémologieوالأكسيولوجيا Axiologieالقائلتين بالمطابقة بين العلم والموجود وبين العمل والمنشود بدأت مع أفلاطون وأرسطو واستؤنفت مع هيجل وماركس .ما يعني أن نسبة ماركس إلى هيجل هي عينها نسبة أرسطو إلى أفلاطون في الأبستمولوجيا والأكسيولوجيا المطابقتين للموجود Êtreوالمنشود.Devoir être وهذا يعني أن ما حدث بعد هيجل وماركس له ما يجانسه في ما حدث بعد أفلاطون وأرسطو. • فالأول من الحالتين كان مثاليا • والثاني منهما كان ماديا. لكن الانتقال مر من فلسفة الطبيعة منطلقا عند أفلاطون وأرسطو إلى فلسفة التاريخ منطلقا عند هيجل وماركس. والأربعة يعتقدون في المطابقة بين العلم والوجود في النظر والعقد وبين العمل والمنشود في العمل والشرع .فأطلقوا علم الموجود وعمل المنشود. وهذا هو جوهر الموقف السفسطائي القائل إن الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه. وقد وصف ذلك ابن خلدون قائلا: وهم الفلاسفة هو راد الوجود إلى الإدراك بمعنى أنهم يتصورون أمرين لا شيء يقتهما حقيقتين: • أن الوجود والمنشود شفافين للإنسان • أن عقل الإنسان وإرادته يحددان الموجود والمنشود. ولذلك عندما تسمع النخب العربية التي تدعي التنوير والحداثة زاعمة أن ابن رشد والمعتزلة عقلانيون فأفهم أنهم بلا وعي يقولون بالإنسان مقياس كل شيء مثل السفسطائية أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- ولا يعتبرون أن مطابقة العلم للموجود والعمل للمنشود كلاهما وهم لا شيء يثبته بدليل التطور في العلم وفي العمل. فلو كان علمي مطابق للوجود لكان تطور علمي يعني أن الوجود هو الذي تطور إما لأنه تابع لعلمي أو لأن علمي تابع للوجود. • فإذا كان الأول فينبغي أن تكون كل العلوم في كل الجماعات متعاصرة وهو ما يكذبه التاريخ. • وإذا كان الثاني دل ذلك أن الوجود ليس واحدا في الجماعات المختلفة ما تكذبه الطبيعة. وما يكذبه التاريخ وتكذبه الطبيعة فمن يصدقه غير الحمقى؟ لكنهم بهذه الرؤية الساذجة للعلم وللعمل اعتبروا الموقف المقابل في الإسلام مخالفا للعقل وعلمهم مطابقا للموجود وعملهم مطابقا للمنشود. و لما يتكلم القرآن مثلا على أن العالم الطبيعي كلاما مطلق المنافاة مع عالم أرسطو يعتبرونه خرافة. ولهذه العلة فقد أفهم من يلحد بسبب ما يبدو من عدم عدل إلهي في العالم الشاهد وليس هنا محل البحث فيه .لكني لا أفهم من يزعم بناء إلحاده على العلم .فالإسلام من هذه الناحية أبعد ما يكون على التناقض مع العلم .ليس في القرآن علم كما يزعم مخرفو الإعجاز. لكنه لا يتضمن ما يناقض العلم بل هو لا يستدل بغير ما يتأسس عليه العلم أعني النظام في الطبيعة وفي التاريخ ويترك معرفتهما إلى الاجتهاد الإنساني الذي هو تاريخي بالجوهر ولا يمكن تقديم حقائق نهائية فيها أبدا. ولذلك فلا يمكن للقرآن الذي هو كتاب في الرؤى العامة الثابتة أن يتكلم في المضمون العملي المتغير أي في صيغ قانونية نهائية سواء تعلقت بالطبيعة أو بالتاريخ. أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- لكن القائلين بالمطابقة تجعلهم سذاجتهم يحاولون بالتأويل رد الدين أو ما يسمونه النقل وخرافة شعبية-كل فلاسفة العرب يرون ما يراه أفلاطون وأرسطو في الدين غير الفلسفي خرافة شعبية مصدرها الخيال وليس العقل والمتشيع والمتصوف المتصوف المتفلسف منهم جعل تحريف القرآن بالخرافة الشعبية أي بالقراءة الإمامية هو الحقيقة المطابقة لفلسفتهم العرفانية -إلى ما كانوا يظنونه علما مطابقا للطبيعة -وخاصة للفلك الأرسطي-لا نتمالك اليوم من العجب لأن تقدم العلم بين العكس .فقد تبين أن العالم أوسع من عالم أرسطو بما لا يقدر وأن نظرية العقول التي تسير الأفلاك من السخافات التي لا يصدقها إلى المخرفون. ولما نحاول فهم نظرية التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة لا يمكن لأي عاقل أن يعتقد الآن أن القيم سوءا كانت خلقية أو جمالية صفات ذاتية للأشياء يدركها العقل وليس تقويمات إنسانية مختلفة بحسب الحضارات والمعتقدات. ومع ذلك تجد الأغبياء ما يزالون يعتقدون ابن رشد والمعتزلة عقلانيون .لكن لا عجب. فأفلاطون وأرسطو مثلهما مثل هيجل وماركس وضعا مبدأين يحولان دون فهم الأديان حقا: .1أولا مبدأ وجودي وهو أن العالم واحد وهو هذا المشهود سواء كان أفلاطونيا بمستوييه نسخا وأصولا مفارقة أو أرسطيا أصولا حالة في النسخ أو هيجليا بمستوييه الروحي الكلي والروحي الجزئي أو ماركسيا أصولا كونية ومراحل تاريخية كلها لا ترى تعدد العوالم واختلافها الجوهري بمعنى أن العالم الوحيد هو الذي على المقاس الإنساني. .2وهو ما يؤدي إلى الحل الابستمولوجي والاكسيولوجي القائلين بالمطابقة كما أسلفت في النظر والعقد وفي العمل والشرع .ومن ثم يصبح الإنسان في منزلة الكائن المطلق الذي يتحدد كل شيء بالإضافة إليه .وتلك هي علة تحول الفلسفة والدين إلى مجرد إيديولوجيا تطلق الإنسان من حيث هو مقياس كل شيء .لكن لا شيء يثبت: • أن العالم واحد ومن نفس الطبيعة التي مقياسها الإنسان ولا يوجد أي عالم آخر قد لا ينطبق عليه مقياس الإنسان. أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- • أنه حتى لو كان العالم واحد فلا شيء يثبت أن ما نعلمه من موجوده وما نعمله من منشوده مطابق لموجودة ولمنشوده. ومن ثم فنحن تسلمنا أمرين هما علة سذاجتنا الأبستمولوجية والأكسيولوجية وأساس تعصبنا وعنفنا وجرائمنا. فإذا لم نعتقد أن علمنا اجتهاد غير محيط وعملنا جهاد غير محيط فإننا نؤله أنفسنا فنصبح طغاة ومستبدين بعضنا بما يدعه من علم وبعضنا بما يدعيه من عمل ومن هنا جاءت الوساطة الروحية بين الإنسان وربه سواء كان كنسية دينية أو كنسية فلسفية والوصاية المادية على الإنسان مؤسسة عليهما في العمل. فينتج من ثم أن تحريف الديني في الأديان وتحريف الفلسفي في الفلسفات هو الانتقال من العلم النسبي إلى وهم العلم المطلق في العلم والعقد والانتقال من العمل النسبي إلى وهم العمل المحيط في العمل والشرع وذلك من أجل تأسيس الوساطة الروحية في التربية والوصاية المادية في الحكم :الاستبدادان الروحي والمادي. والاستبدادان هما نوعا عبادة العباد بدل عبادة رب العباد. تلك هي الثورة القرآنية .وكانت رمز الفتح\" .جئنا لتحريركم من عبادة العبادة حتى تعبدوا رب العباد فيكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا\" أي فنحقق الحجرات 13لأن ذلك هو مقتضى النساء :1البشر متساوون أمام الله لأنهم اخوة من نفس واحدة. واكتشافي هذه الحقائق القرآنية يجعلني لا أستطيع أن اعتبر لنفسي في ذلك فضلا لأن ثمرة هذا الاكتشاف تحررني من وهم الفضل للإنسان في كل ما يهديه إليه ربه من اكتشاف للحق خاصة إذا جاهد فعمل به .ذلك أن هذه الحقائق هي ثمرة التواصي بالحق لعلمه الذي ينبغي أن يصبح تواصيا بالصبر للعمل به. وبهذا المعنى فالمعرفة الاجتهادية لا يمكن أن تدعي الوساطة بين الإنسان والحقيقة بل هي تعرض منظورا قد يوقظ المناظير لكنه لا يعوض أيا منها بل يدفع اصحاب النظر إليها أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- ومن ثم فهو من جنس \"إنما أنت مذكر\" بالمعنى السقراطي .والعمل الجهادي لا يمكن أن يدعي الوصاية بين الإنسان وتحقيق الحقيقة. بل العمل الجهادي دعوة للتواصي بالصبر أو للتسابق في الخيرات إذ فيه سعي لتحقيق الممكن من الحق دون الزعم بأن ذلك السعي مفروض على الآخرين .وفي ذلك احترام لحق الغير باعتباره مكلفا هو بدوره .فإذا أنت زعمت إلزامه برؤيتك دون أن يكون قد اقتنع فالتذكير وما يتطلبه من تدبير يصير تابعا لا حرا. وهو ما جعل ابن خلدون يعتبر العنف بهذا المعنى علة لفقدان معاني الإنسانية وذلك في التربية أولا وفي الحكم ثانيا .وهو تاريخ يقيس عنف الحكم على عنف التربية وطورا عنف التربية على عنف الحكم في إفساد معاني الإنسانية في الإنسان فلا يبقى تعريفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\". وهنا نكتشف علة التقابل شبه المطلق بين رؤيتين للتكوين عند ابن خلدون وهيجل .فهذا يعتبر التربية نقلا للإنسان من كيانه الطبيعي إلى كيانه الروحي نفيا للروحي في الاولى ونفيا للطبيعي في الثانية وذلك مفهوم في فلسفة هيجل القائلة بالخطيئة الموروثة والعكس تماما عند ابن خلدون لعدم وجودها. وبهذا المعنى فابن خلدون أقرب من هيجل إلى الرؤية اليونانية التي تعتبر الطبيعية على البراءة الأصلية (بلغة الغزالي أو النفي الاصلي أو على الإباحة) التي تقابل تماما الرؤية المسيحية التي تعتبر الروحي قاطعا مع الطبيعي والأصل في موقف ابن خلدون هو ما يقوله القرآن في الرهبنة (الحديد.)27 وسأخصص إن شاء الله محاولة نسقية معقدة للنظر في هذه المقابلة بين المنظور المعتمد على الخطيئة الموروثة وتأثيم الطبيعة واعتبار التحرر منها يكون بالترهب أو التحول من الطبيعي إلى الروحي وكأنهما متنافيان والتعامل مع الطبيعي بوصفه أيضا روحيا وخاصة في قضية الجنس في الإسلام. أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- فبراءة الجنس وبراءة الطبيعة واعتبارها هي بدورها ذات بعد روحي وإلا لما كان فيها الجمالي والجلالي من أهم أبعاد ثورة الإسلام التي تحرر الإنسان من الموقف العدواني من الطبيعي وتحويل التربية إلى ترويض لكأن الإنسان حيوان يروض على وظائف تفرضها الثقافة فتكون العبودية في كيانه هي الأصل. ولو كانت العبودية لغير الله -الحرية الحقيقية بمعنى أن الإنسان لا يكون تابعا لأي شيء إلا الحق ممثلا للقيم الخمس أي حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال الحياة وجلال الوجود التمثيل التام وهو مفهوم الله-لما كان الدين فطرة ولكان كما يتصوره الملحد حيلا لإخضاعه وليس حقيقة تحرره .ولذلك فابن خلدون يقابل بين نوعين من الوزع: • الذاتي وهو النابع من الذات نفسها وهو عين الفطرة بمعناها القرآني وهذه الفطرة هي التي تذكر بها التربية بمعناها الديني في قوله تعالى \"إنما أنت مذكر\" للرسول. • والوازع الخارجي هو ما يفرض من الخارج بالوسيط في التربية وبالوصي في الحكم. والتحرر من الوسيط في التربية ومن الوصي في الحكم هو الذي يؤسس لشروط الاستثناء من الخسر وهو مضمون سورة العصر: .1الأصل هو الوعي بالخسر الناتج عن فقدان أحسن التقويم .ويترتب عليه: فرديا: .2الإيمان الصادق. .3العمل الصالح. وجماعيا .4التواصي بالحق بالاجتهاد المعرفي. .5التواصي بالصبر بالجهاد القيمي. وذلك هو مضمون الرسالة والتذكير المحمدي بما في ما فطر عليه الإنسان بحيث إن الرسالة لا تقدم مضمونا يجهله الإنسان بل تذكر بمضمون مرسوم في كيانه لأنه هو عين أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- شروط قيامه بوصفه كما عرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" يرد أسفل سافلين إذ نسي هذه الحقائق بسبب إخلاده إلى الأرض وفساد معاني الإنسانية فيه. الرسالة تذكير بمعاني الإنسانية التي تفسدها التربية والحكم العنيفين أو تخلي الإنساني عن واجباته العينية في الاجتهاد المعرفي والجهاد القيمي بذاته دون تبعية لغيره وساطة بينه وبين ربه ووصاية بينه وبين أمره .ولا يعني ذلك الاستغناء عن المعلمين ولا عن الحكام. لكن المعلمين نواب الجماعة في التكوين المعرفي بالتذكير الموصل إلى الاستغناء عنهم تماما كما يحصل في كل تكوين .فلن أصبح قادرا على التفكير الرياضي إذا تصورت أن المعلم وظيفته أن يفكر رياضيا بدلا مني بل وظيفته أن يرشدني إلى طبيعة الفكر الرياضي لأصبح من دونه قادرا عليه ومن ثم فوظيفته أن يوقظ في ما به أكون رياضيا .وكذلك في المعرفة كلها بما فيها المعرفة الدينية. والحكام كذلك نواب الجماعة في رعاية الشأن العام التي لي في دور بوصفي واحدا منها مكلف فرض عين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يتعلق بالرعاية والحماية. فالرعاية فرض عين على الجميع ولكل دوره فيها والحماية من باب أولى فرض عين على الجميع ولكل دوره فيها. الإسلام يدعو إلى ثورتين :تجاوز المقابلة بين حام ومحمي في الجماعة وبين خاصة وعامة فيها .فالكل حماة للكل والكل خاصة للكل .ومعنى ذلك أن أمة الاحرار هي التي تتساوى فيها مهام الأفراد في تقاسم العمل سواء كان اجتهادا معرفيا أو جهادا قيميا. فيكون لكل فرد من الجماعة مجال معرفة تحتاج إليه الجماعة في رعايتها وحمايتها فلا يبقى أحد عاميا وأميا ليصبح البعض خاصة والبقية عامة ولا يبقى أحد عالة على غيره في الإيمان والعمل الصالح .ويكون لكل فرد من الجماعة مجال قيمي تحتاج إليه الجماعة في رعاية وحمايتها فلا يبقى أحد عالة على غيره في التواصي بالحق والتواصي بالصبر. أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- بعد تأمل ما استكملت به حواري مع الاستاذ محمد ناصر تبين ان الفصلين الأولين غير كافيين. فلا بد من بيان علة تعطل ما ختمت به الفصل الثاني :ما الذي جعلنا نسقط في الخسر فلم نعد مؤمنين بحق ونعمل صالحا كأفراد ولم نعد نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر كجماعة ففشلنا في تعمير الارض وفي قيم الاستخلاف. قد يعاب علي أني لما كنت طفلا لم أر في القرآن نظاما ولم أجد من يقدم لي تفسيرا لذلك معقولا ومقبولا .ولعل ما يعاب علي أيضا أني لما كبرت لم أر في حياتنا ما يترتب على هذا النظام بعد أن تصورت أني قد بحثت عنه فوجدت ما اقتنعت أن الجهل به هو علة فقدان النظام في حياتنا. ففي الحقيقة ما وجدته هو أن علماءنا هم أكثر علماء الأديان في العالم كلاما على خصوصية علاقة الدنيا بالآخرة في الإسلام وأقلهم سعيا لاكتشاف هذه العلاقة .لكنهم اقل علماء كل الأديان اهتماما بما يجعل هذه العلاقة الخصوصية للإسلام تتحقق لأنهم أهملوا كل ما يجعل العلاقة بالدنيا أولا والعلاقة بما وراءها ثانيا ثم العلاقة بين العلاقتين تتحقق فعلا لأن شروطها المتعلقة بالمعرفة وبالقيم وهما اساس العلاقتين والعلاقة بينهما ليست من مطالبهم. لذلك فلا شيء يخرجني عن طوري أكثر ممن جعلوا القرآن \"صندوق ماعون\" للوعظ والإرشاد أو للتفلسف اللفظي في الكلام في الأخلاق ولا يرون أن أخلاق المسلمين تتردى من سوء إلى أسوأ وأن الأخلاق لا تتعايش مع الفقر والظلم والحرمان وإلا لما اشترط القرآن جعلها من مجملات التعمير مجالا لامتحان أهلية آدم وأبنائه للاستخلاف .أخلاق المسلمين تحولت إلى التكاذب الدائم في الجماعة لأنها لا تتجاوز الأقوال ولا وجود لها في الأفعال أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- حتى صار الدين قشور التعبد وليس ثمرته الخلقية المفقودة حتى لدى الدعاة لأن جلهم خدم للاستبداد والفساد. ومعنى ذلك أن ما توهمته تخلصا من عدم النظام في نص القرآن الذي عشته طفلا وحاولت التخلص بالبصيرة من هذا الظن الناتج عن اكتفائي بالبصر جعلني أبصر ما كان غائبا في وجودنا التاريخي من قطائع تحول دون المسلمين وأن يكونوا بحق قائمين بما كلف به الإنسان في الدنيا معمرا ومستخلفا جوهرا للعبادة. تصورت أني خرجت من الفوضى النصية التي عذبتني طفلا فوقعت في الفوضى الآفاقية والنفسية شيخا .ما كان لي من حيرة في الطفولة حول النص شفاني الله منها بما أعتقد أني قد اكتشفته فنفذت به إلى النظام المخلص منها .لكن هذا النظام المخلص منها جعلني اكتشف عدم النظام الذي نتج عن غياب الاول في علوم الملة وفي تاريخها .والعلة هي الكسور التي تحول دون الاستئناف: .1في مستوى علوم الملة التي ليست قادرة فعلا على الجمع بين شروط تعمير الارض وشروط تعميرها بقيم الاستخلاف فبقيت مجرد كلام يبرر الموجود ويعجز عن تحقيق شروط المنشود. .2في مستوى أعمال الأمة التي ليست قادرة على الرعاية والحماية فأخلدت إلى الأرض. فسرت فشل علوم الأمة بمعركتين زائفتين أولاهما قضت على المعرفة التي كان يمكن أن تجعل علوم الملة مبدعة وهي المعركة بين المتكلمين والفلاسفة حول علاقة الإيمان بالعلم والثانية قضت على العمل الذي كان يمكن أن يجعل أعمالها مبدعة وهي المعركة بين الفقهاء والمتصوفة حول علاقة القانون بالأخلاق. وفسرت أعمال الأمة بكسرين آخرين هما فشل نظام التربية المترتب على هذا الفشل بمستوييه في المعرفة وفي القيم وفشل نظام الحكم المترتب على فشل نظام التربية بهذه أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- العلوم التي لم تستطع تحقيق شروط التعمير وشروط الاستخلاف فصرنا عبيدا لمن يفسد القيم الخمس التي تحقق مهمتي الإنسان هذين .وهذه القيم هي كما نبين دلالتها: .1الإرادة الحرة ونقيضها الإرادة المضطرة والعبودية لغير الله. .2العلم الصادق ونقيضه الكذب والنفاق. .3القدرة الخيرة ونقيضها الإرادة الشريرة. .4الحياة الجميلة ونقيضها الحياة القبيحة. .5الوجود الجليل ونقيضه الوجود الذليل. فغياب الأولى يفقدنا الحرية السياسية .وغياب الثاني يفقدنا المعرفة المؤثرة .وغياب الثالثة يفقدنا إنتاج التموين المادي والروحي شرطي الكرامة والسيادة .وغياب الرابعة يفقدنا الذوق السليم وغياب الأخيرة يفقدنا العزة وكل ما تقدم من هذه القيم. ولا إسلام بدون عزة الجلال .فالإنسان الذي ليس له الجلال يكون ذليلا والذي ليس له الجمال يكون قبيحا والذي ليس له القدرة يكون تابعا والذي ليس له العلم يكون أصم وأبكم وأعمى فلا يعقل والذي ليس له الإرادة يكون متصفا بكل ما سبق أي مخلدا إلى الأرض :وتلك هي على حيرتي في مشيبي. وما يحيرني في مشيبي علته ما انتهيت اليه من المسعى الذي أخرجني من حيرتي في طفولتي .اعتبرت تحرري مما كان علة حيرتي وعدم رؤيتي لنظام القرآن كافيا لاكتشاف علة الحيرة في رؤية عدم النظام في حياة المسلمين :عدم النظام في حياتنا علته أننا لم نعلم نظام القرآن ولم نعمل به لتنظيم حياة الإنسان بل ما حصل هو عكسه تماما لمجرد إهمال شروط التعمير بقيم الاستخلاف. علماء الملة قلبوا النظام القرآني: .1أمرنا أن ندرس آيات الله في الآفاق والأنفس (فصلت )53فتركناها. .2ونهانا أن نؤول الغيب (آل عمران )7فلم ننشغل إلا به. .3وأمر بأن نعمر الدنيا بقيم الاستخلاف .فلم نعمرها. أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- .4واضطرنا لعكس قيم الاستخلاف .لأن من لم يعمرها ليس خليفة. .5فصرنا عبيدا لدنيا لم نعمرها أو لمن عمرها من دوننا. وإذا كانت هذه العناصر بينة حتى لفاقدي البصيرة فإن قيم الاستخلاف لم تكن بهذه البينونة لأنها في الحقيقة عين القبس من نور الله أو أخلاق القرآن وهي كالتالي: .1حرية الإرادة حتى في الاعتقاد لاشتراطه تبين الرشد من الغي. .2صدق العلم إذ حتى لما لا نصيب في الاجتهاد يجازينا الله على صدقنا. .3خير القدرة بما نستطيع إذا حتى إذا لم نلفح فالله يقبل منا جهادنا بمقتضى نيتنا. .4جمال الحياة إذ إن النظافة الذاتية ونظافة الهندام هي بداية كل جمال. .5جلال الوجود إذ إن عزة المؤمن بالله من علامات إيمانه وذله لغير الله من دلالات كفرانه. وبدلا من أن نستعمر الدينا كخلفاء صرنا مستعمرين ممن عمرها واضطررنا للإخلاد إلى الأرض في الأفعال مع المبالغة في الاقوال بمظاهر العبادة لله .وذلك فكل عبادتنا قولية وليست فعلية .وما يتصف به أغلب المسلمين هو عين ما سماه ابن خلدون فساد معاني الإنسانية وهو الخسر ونقيض سورة العصر. لكن سيقال لي إن وصفك هذه حتى لو سلمناه فهو لا يصح إلا على وضعنا في الماضي أي قبل بداية النهضة منذ قرنين ونيف. أليست النهضة تسعى إلى تجاوز هذه العثرات التي تكلمت عليها خاصة والصراع بين الكلام والفلسفة في النظر والعقد وبين الفقه والتصوف في العمل والشرع تجاوزه فكر النهضة بصنفيه؟ هل يمكنك أن تزعم أن علماء الملة النقلانيين ما يزالون على تقليديتهم التي كانت لهم في القرون الوسطى؟ أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- وهل تزعم أن علماء الملة العقلانيين ما يزالون على عقلانيتهم التي كانت لهم في القرون الوسطى؟ أليس أولئك يهتمون بما يسمونه فقه الواقع وهؤلاء بما يسمون فكر الحداثة؟ ألست تخالف لتعرف؟ ولأبدا فأقول إني لو كنت أخالف لأعرف لانتهيت بعد أربعين سنة من المخالفة الى اليأس لأني لم أعرف .لذلك فلا يمكن أن يكون إصراري على هذا الموقف طلبا لأن أعرف بدليل أن ذلك أدى إلى العزلة وليس إلى الشهرة .فليترك القارئ هذا التفسير السهل وليبحث الآن في ما يجري لدى من سميتهم بالكاريكاتورين. هل فقه الواقع فقه فضلا عن أن يكون فقها للواقع؟ وهل فكر الحداثيين فكر فضلا عن أن يكون حديثا؟ أم هما كما وصفت كاريكاتور التأصيل وكاريكاتور التحديث؟ وحتى لا أكرر ما قلته فيهما سأكتفي بأهم قضية جعلت \"فكر\" الكاريكاتورين كاريكاتوري فعلا: الخلاف الحالي بين الثورة والثورة المضادة. فيمكن بشيء من الاختزال يصف ما به يحلل الموقفان موقفيهما المعرفين للذات وللخصم. فالثورة المضادة تعرف الثورة بكونها مؤامرة غربية أداتها الاسلام السياسي .ويعرف نفسه بكونه ممثلا للإسلام والعروبة .والإسلام السياسي يعكس فيعرف نفسه بما يعرف الصف الثاني نفسه ويعتبره أداة مؤامرة غربية. والأدهى من ذلك هو أن الثورة المضادة ممثلة بأكثر أنظمة الأمة الحاليين تبعية وعمالة تدعي في حربها على الإسلام السياسي أنها السهم الحاملة للتحديث والعلمنة ضد الانحطاط الإسلامي والإرهاب الذي تنسبه إلى ما تدعيه من صاروا وكأنهم رموز الثورة أي الإسلام السياسي الذي يدعي إحياء الإسلام. فتصبح الأنظمة القبلية الفاشية مدعية الحداثة ومعهم النخب التي تدعي كل أصناف الحداثة وتصبح الشعوب التي بدأت تفهم شيئا من الحداثة من قيم الحداثة مثل التعددية أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- والديموقراطية ومعهم النخب التي تدعي كل اصناف التأصيل يتصارعان على أسماء دون مسميات لأن الأصالة والحداثة أصبحا جوهر التقليد. كلاهما سجين الماضي الذاتي غير المفهوم والماضي الغربي غير المفهوم .كلاهما موجوده من الماضي الذاتي ومنشوده من الماضي المستورد ولا علاقة لأي منهما بالتاريخ الفعلي للذات وللغرب .فالتاريخ الفعلي ليس مقصورا على حديثه عن ذاته سواء كانت ماضينا أو ماضي الغرب بل هو كيفية إبداعه الفعلي لها. فلما تسمع أمير غبي مثل أمير أبو ظبي أو أمير السعودية يتكلمان على الحداثة وترى من صار من علمائهم وخبرائهم وحماتهم من المرتزقة تفهم أن الأقوال في واد والافعال في واد ثانية .وحينها تدرك أن ما يجري من الاقوال غيمة تخفي ما يجري في الافعال :تلك لهم أدوات وهذه للغرب وأذرعه غايات .والذراعان هما: • إيران ذراع ذات مشروع ذاتي يتكئ على روسيا • وإسرائيل ذراع ذات مشروع ذاتي يتكئ على أمريكا. والأنظمة التي تقود الثورة المضادة وتدعي القومية والإسلام والتحديث مجرد أدوات في معركة ضد محاولات شعبية تقودها نخب ما تزال في فوضى الفكر والفعل لغياب شروط الفاعلية التاريخية .ذلك أن المقاوم الوحيد للأنظمة التي هي أدوات الذراعين ومن وراءهما هم من يسمون بالإسلام السياسي سواء كان من الاخوان أو من السلفية الجهادية إذا ما استثنينا منها عملاء المخابرات التابعة للأنظمة والذراعين ومن ورائهما وهم من لم يتحرروا بعد من معركتي القرون الوسطى في النظر والعمل. وأهم معركة سأخصص لها الفصل الموالي هي معركة الحركة الإخوانية التي هي أكثر الحركات تنظيما والتي لا أمل للنهوض من دون إصلاحها الجذري الذي سأحاول بيان شروطه وطريقته لفهم العلاقة بين ما يمكن تسميته الانتقال في بناء الأمة ودولتها من المرحلة المكية إلى المرحلة المدنية جمعا بين دوري الإسلام في التربية وفي الحكم. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- لا أعتقد أن أحدا من قادة الإخوان لا المؤسس (البنا) ولا أكبر مفكريهم بعده (قطب) قرأ فصل البيعة من مقدمة ابن خلدون وكلامه على الفتنة الكبرى والحروب التي تلتها وخاصة على كيفية الخروج مما يترتب عليها من تساؤل عن دور الصحابة .ومن لم يتدبر نظريته \"عدم التأثيم\" الخلدونية لن يخرج من مأزق الإخوان. ولا أجزم بأنهما لم يقرآها إذ قد يكونا قرآها لكن الثابت أنهما لم يستفيدا منها .إذ لو استفادا لما بقي عندهما وخاصة عند قطب القطيعة غير المفهومة بين الموقفين الحديين اصطفافا مع علي ضد معاوية بزعم الأول على حق مطلق والثاني على باطل مطلق ومن ثم اعتبار الأول ممثلا للخلق والثاني لعدم الخلق. ذلك أن هذا الموقف يفيد عدم فهم مضاعف :فلا هم يفهمون المرحلة المكية ولا المرحلة المدنية .إذ يجعلون الصحابة ملائكة ويجعلون ما بعد الفتنة عند السنة أصحابها شياطين. ويجعلون الإصلاح نكوصا إلى ماضي رفعوه إلى مثالية لم تكن حقيقية بل هي مرحلة لها ما لها وعليها ما عليها وليس كما توهموها. وعدم الفهم ليس تهمة ولست صاحب الوصف فابن خلدون ما كان ليكتب مقدمته لو لم يكن قد فهم عدم الفهم هذا :تبين له أن تصور التاريخ يحصل بالمعجزات الخلقية والدينية دليل سذاجة وأن للتاريخ السياسي سننا لا بد من معرفتها لاستخراج قانونها الذي يحكم أفعاله شبه مطلق وهو قانون الشوكة والشرعية. وقد طبقه في تحليل الحرب بين يزيد والحسين .فاعتبر الحسين له الشرعية دون الشوكة ويزيد له الشوكة دون الشرعية .وعندما يتصارح الرمز والقوة تكون الغالبية للقوة. لكن هل كان الرمز يقوم ضد الشوكة لو لم يكن له قدر من القوة؟ والشوكة هل كانت تقوم ضد الشرعية لو لم يكن لها قدر من الشرعية؟ كل المشكل هو في هذا \"القدر\" من الشوكة ومن الشرعية. أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- والاستراتيجيات السياسية مبنية على تحديده .ما لم يفهمه التنظير الذي يجعل علي ملاكا ومعاوية شيطانا هو سر الهزائم المتكررة للإخوان .وهو سر القطيعة المطلقة إلى الآن بين عصر الراشدين وعصر ما بعد الفتنة الكبرى ووهم العودة إلى الراشدين. ثم خاصة توهم الراشدين من جنس ما يصفونهم عليه .لو كانوا يستمدون قوتهم من كونهم ملائكة لما احتاج الرسول نفسه إلى قيادة أكثر من ستين حربا لتحقيق ما حققه في تأسيس دولة الاسلام .لم تكن قوته مستمدة من الشرعية وحدها بل من الشوكة الشرعية. ولم يكن وسيطا ولا وصيا على الأمة. رؤية الإخوان تختلف تماما عن المرحلة المكية وعن المرحلة المدنية .فلا يوجد في المرحلة المكية مرشدية ولا يوجد في المرحلة المدنية دولة فوقها ما يشبه نظام الملالي في التشيع .لما توفي الرسول لم يكن بين الصحابة الذين استكملوا ما استطاعوا من أركان الدولة من كان مرشدا و\"ساكت\" فوق الجماعة. كان الجميع سواسية وكان الفعل السياسي خاضعا لـ\"أمرهم\" من حيث طبيعة الحكم ولـ\"شورى بينهم\" من حيث أسلوب الحكم .لا شك أن بعض الشخصيات كان لهم وزن أكثر من غيرهم .ولكن لم يكن لهم وظيفة تجعلهم وكأنهم في كنيسة تؤدي وظيفة الوساطة ليؤسسوا حكما يؤدي وظيفة الوصاية :هذا تشيع وليس إسلام. لو كان معاوية فاقدا للشرعية بإطلاق لأن عليا حائز عليها بإطلاق ولو كان عليا فاقدا للشوكة بإطلاق لأن معاوية حائز عليها بإطلاق لما حصل الصدام أصلا .وقس عليه الصدام بين يزيد والحسين .الصدام حصل بسبب الاقدار المختلفة من الشرعية ومن الشوكة. وهذا هو التاريخ السياسي المتحرر من الفصام. مشكل الإسلام السياسي هو هذا الفصام .القطيعة بين مرحلة الراشدين ومرحلة ما بعد الفتنة الكبرى علتها اعتبار الراشدين ملائكة واعتبار من تلاهم شياطين .إنها رؤية شيعية مرضية-مقابلة يكررها مفكروهم وخاصة قطب -وهي التي تعلل استحالة بناء سياسة يمكن أن تحقق شروط الاستئناف باستراتيجية مبنية على فهم سنن التربية والحكم القرآنية. أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- ولعل رمز هذا الفهم الساذج هو عبارة \" سلميتنا (=شرعيتنا) أقوى من الرصاص (الشوكة)\" التي سمعناها في رابعة .لو كانت الشرعية أقوى من الرصاص لما خاض الرسول أكثر من ستين حربا إذ لا يمكن أن يكون الاخوان أكثر شرعية من الرسول .لذلك فهذا دليل حمق سياسي وليس دليل حكمة .والشوكة ليست سلاحا فحسب. الشوكة الشرعية هي إرادة الجماعة الحرة علمها الصادق وقدرتها الخيرة وحياتها الجميلة ووجودها الجليل وهذه تقتضي تربية يكون فيها الإنسان متحررا من الوسطاء والجماعة من الأوصياء .والشرطان تحققا في المرحلة المكية والشوكة الشرعية تحققت في المرحلة المدنية :ذلك ما فهم الإخوان عكسه. فالرسول أمره الله بألا يكون إلا مذكرا في التربية لا وسيطا (المرحلة المكية) وبأن لا يكون في الحكم إلا قائدا (المرحلة المدنية) دون أن يكون كنسية تتوسط بين المؤمنين وربهم هي المرشدية وطائفية تتوسط بين المؤمنين وأمرهم هي الجماعة التي لها شبه وصاية على الأمة .فالصحابة لم يكن بينهم من له وساطة بينهم وبين ربهم أو وصاية بينهم وبين الشأن العام أي أمرهم. الدور السياسي فرض عين وليس فرض كفاية وهو شرط الإسلام (آل عمران )104 وشرط الانتساب إلى خيرية الامة (آل عمران )110ولا يمكن أن يصبح ذلك بحاجة إلى جماعة تمثله وتكون وكأنها من لهم الحق في الحكم بالحق الإلهي .قد أكون بالغت في الوصف لكن الإخوان هكذا يراهم الناس في الأمة\" :ساكت\" فرقة طائفية. لكن جبر الكسر بين مرحلة الراشدين وما تلا الفتنة الكبرى أمكن تحقيقه بفهم العلاقة بين الحكم في الحالات العادية والحكم في حالات الطوارئ .وقد حاول ابن خلدون جبره على مستويين :مبدأ فلسفي سياسي ويتمثل في نظرية عدم التأثيم والتعددية في الحكم والمعارض ومبدأ روحي استثنائي في كل بداية. والمبدأ الروحي الاستثنائي في البداية قابل للرد هو بدوره للمبدأ الفلسفي السياسي: وهو المبدأ القائل لا يبعث رسول إلا في منعة في قومه أي إنه لا يمكن للدعوة الدينية أن أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- تنجح بالشرعية من دون الشوكة (العصبية) .ولا يمكن للعصبية الأضعف أن تغلب الأقوى من دون ما تستمده من الشرعية. لذلك فهو يعتبر المرحلة الراشدة كانت قوسين فتحتا واغلقتا وعادت الأمور إلى المبدأ السياسي الذي ينبغي أن يجمع بين القوتين الروحية والخلقية مصدر الشرعية والمادية السياسية مصدر الشوكة .وفي هذه لا تخرج الأمة من الإسلام بل هي تنتقل من حالة تتقدم فيها الشرعية على الشوكة إلى عكسها. والعكس هو بدوره مؤسس على شرعية الحد الأدنى أو شرعية الحكم في حالة الطوارئ: ومعنى ذلك أن الامة انتقلت من حالة عادية قبل الفتنة الكبرى إلى حالة مبدؤها الضرورة التي تبيح المحظور مع العلم بأنه محظور في الظرف العادي .ولذلك صارت الشرعية أساسها الدستور والشوكة أساسها القوانين الاستثنائية. ما بعد الفتنة الكبرى لم تلغ الأمة الدستور (أي رؤية الإسلام للتربية من دون كنسية والحكم من دون الحق الإلهي لغير الأمة) لكنها لم تحكم به بل بالقوانين الاستثنائية فصار للتربية شبه كنسية وهي أصل المعركة بين المتكلمين والفلاسفة وبين الفقهاء والمتصوفة وشبه حق إلهي للمستبدين في الحكم. لكن حتى قبل الفتنة الكبرى لم تكن الشرعية غنية عن الشوكة -الرسول نفسه قاد أكثر من ستين حربا-لكنها كانت مقدمة عليها .ما حصل هو أن الشوكة صارت مقدمة على الشرعية .والعلاج لا يعتمد على كذبة سلطان الشرعية وحدها في الصدر وسلطان الشوكة وحدها بعده .كلتاهما ضرورية في السياسة. وإذن فمعاوية كان أقرب إلى الصواب من علي .والاستئناف الإسلامي ينبغي أن يتجاوز هذا الكسر في فكر السنة السياسي وخاصة في فكرها الذي يريد الاستئناف ويواصل اتباع رؤية شيعية لا علاقة لها بالإسلام .فلا توجد مرشدية في التربية ولا طائفة في الحكم كلاهما فرض عين :الرسول إنما هو مذكر وليس عليهم بمسيطر. أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- ذلك أنه لا يمكن أن يكون من شاهد الانقلاب الفوضوي على الخليفة أن يكون أهلا للاستخلاف بعده فضلا عن كون القتلة بقوا أحرارا ولم يعاقب بعد أن صار خليفة. فالوضعية أشبه بالوضعية التي عاشتها مصر في انقلاب السيسي .والفرق الوحيد هو أن صف الشرعية التي وقع عليها الانقلاب عديم الشوكة. وهو ليس عديم الشوكة بمعنى السلاح بل بمعنى الإرادة الحرة والعلم الصادق والقدرة الخيرة والحياة الجميلة والوجود الجليل .فالشعب الذي قبل خدعة الجيش الذي أفشل الثورة لم يرب على عزة الإسلام بل على ذلة رؤية فيها نظام تربوي ذو وساطة ونظام حكم ذو وصاية فلم يكن قادرا على حماية الشرعية. لكن الشعب في الفتنة الكبرى قام قومة حمت الشرعية ومكنت من منع الدولة من السقوط بيد المؤامرة التي أرادت أن تعيد الأمة إلى نظام الوساطة والوصاية بالطريقة التي كانت موجودة قبل الإسلام أي الموروثة عن الكسروية والقيصرية .والحل كان منع ذلك ولو بنظام الضرورة التي تبيح المحظور في الأمر الواقع دون المساس بالأمر الواجب :وذلك هو حل معاوية. من كانوا وراء علي نرى حلهم نجده في نظام الملالي الذي يعتبر الوساطة والوصاية أمرا واجبا .ومن كانوا وراء معاوية نرى حلهم في نظام يراهما أمرا واقعا اقتضته الضرورة لكنه ليس ذا شرعية في القرآن إلا بهذا الشرط أي إنه محظور اقتضته الضرورة ومن ثم فهو نظام مؤقت هدف الأمة السعي للتحرر منه. أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- أبدأ هذا الفصل بنظرية عدم التأثيم الخلدونية في المسالة السياسية باعتبارها اجتهادية لرعاية المصالح العامة وليست من العقائد كما يقول عنها في فصل علم الكلام مقابلا بينها وبين الرؤية الشيعية القائلة بالوساطة والوصاية\" :والأمر الثالث (الأول بيعة يزيد والثاني الوصية المزعومة لعلي) شأن الحروب الواقعة في الإسلام بين الصحابة والتابعين. فاعلم أن اختلافهم إنما يقع في الامور الدينية وينشأ عن الاجتهاد في الأدلة الصحيحة والمدارك المعتبرة .والمجتهدون إذا اختلفوا: \" .1فإن قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو مخطئ فإن جهته لا تتعين بـإجماع فيبقى الكل على احتمال الإصابة ولا يتعين المخطئ منها. والتأثيم مدفوع عن الكل أجماعا. \" .2وإن قلنا إن الكل على حق وإن كل مجتهد مصيب فأحرى أن ينفى الخطأ والتأثيم .وغاية الخلاف بين الصحابة والتابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية. وهذا حكمه\"( .المقدمة ااا.)30. كيف نفهم؟ إن اعتبار السياسي في الإسلام من مجال الاجتهاد في الظنيات وليس من مجال الاعتقاد في الثوابت بداية تأسيس للتعددية في ادارة الشأن العام وتحرر من سخافة اعتبار الفكر في العمل والشرع يخضعان لمبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع أو المنطق الذي يمكن -وإن بحدود-القبول بحكمه في النظر والعقد. فهذه بداية لتأسيس فلسفة سياسية تعتبر تعدد الحلول والمسألة فيها ليست خيارا بين متناقضين بل بين عدة حلول ممكنة والامر كله متعلق بالمفاضلة بين الحلول وليس بين الحق والباطل .اعتبار السياسية خيار بين حق وباطل فيه اتهام للنوايا وليس حكما على العلاقة بين الحلول المقترحة لقضية موضوعة. أبو يعرب المرزوقي 27 الأسماء والبيان
-- وهذا تطبيق حرفي لسورة العصر :القضية المطروحة هي تجنب الوقوع في الخسر .وهو المنطلق في والأصل في العمل والشرع .والخسر هو الفشل في القيام بالمهمتين :تعمير الارض بقيم الاستخلاف .وتلك هي القضية التي تعنى بها السياسة في الجماعة باعتبارها رعاية أمرهم بالشورى بينهم فرض عين عليهم جميعا .فتكون الفرضية إذن أن الجميع كان حريصا على تجنب الخسر والقيام بالمهمتين على أفضل وجه وللجميع الحق في الاجتهاد في ذلك .وشرط ذلك أن يكون الجميع متصفا بالصفات الأربع التي تترتب على هذه الفرضية: .1أن يكونوا مؤمنين وليسوا منافقين. .2أن يعملوا صالحا لا طالحا. .3أن يتواصوا بالحق قد اجتهادهم مع البقية. .4أن يتواصوا بالصبر بعضهم على البعض. وذلك خلال بذلهم الجهد في الجهاد الضروري الذي هو كل العمل الذي يتطلبه تحقيق ما اتفقوا عليه من حق باجتهادهم دون اتهام بعضهم لنوايا بعضهم .وهو معنى الأمر أمرهم وليس أمر غيرهم ومعنى أن يتشاوروا فيه فرض عليهم جميعا .وإذا حصل خلاف وتحاربوا عليه فالحل هو ما وضعه القرآن لعلاج بغي البعض على البعض في الجماعة (الحجرات 9 و.)10 وما يعنيني فلسفيا هو حل ابن خلدون الحاسم :في العمل والشرع لا تنطبق مبادئ المنطق الثلاثة. وقد أثبت ذلك من وجهين .فالاجتهاد إما فيه مصيب ومخطئ لكن حينها لا يمكن تحديد من المصيب ومن المخطئ أو الكل مصيب بدرجات مختلفة .فلا يكون الأمر بين حق وباطل بين مفاضلة بين حلول ممكنة .فكيف يعقل ذلك؟ افرض أن دعوى الوصية من الرسول كذبة وهي كذبة. أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- لكن لنفترض أنها صحيحة فإنها تكون الحالة الوحيدة التي يمكن اعتبار الخلاف بين يزيد والحسين قابلا للحكم فيه وكأنه علاقة تناقض بين حق وباطل .لكن في هذه الحالة فالأمر عندما ينظر إليه سياسيا لا يكفي لغياب العنصر الثاني. وذلك ما طبقه ابن خلدون للحسم بين يزيد والحسين .أعطى الحق للحسين من حيث الشرعية بسبب ثبات فسق يزيد .لكنه خطأ الحسين بسبب جهله بتوازن القوى .ومن ثم فالعلة في عدم انطباق مبدأ عدم التناقض هو أن السياسي ليس مقصورا على الحق والباطل (اساس الشرعية) بل وأيضا على شروط الإمكان. فالأمر لا يتعلق بالشرعية وحدها بل بشروط إمكان نفاذها وهو مشكل الشوكة .السياسة علاقة بين مبدأين وأساس قيامها وبقائها التناسب بينهما :الشرعية والشوكة .فلا الشرعية وحدها كافية ولا الشوكة وحدها كافية .ولا يمكن أن يحصل صراع بين شرعية بلا شوكة وشوكة بلا شرعية .وإذن فهو صراع بين نسب منهما في الصفين المتقابلين. وبهذا فقد خرجنا من علاقة بين حدين إلى علاقة بين أربعة حدود :صف أول له مقدار من الشوكة ومقدار من الشرعية وصف ثان له مقدار منهما مختلف .في حالتنا المعركة ليست بين يزيد والحسين بل بين شرعية كل منهما وشوكته .فحجة الحسين هي فسق يزيد .وهذه شرعية سلبية إلا إذا قبل التأسيس على الوصية. فتكون الحجة ليس فسق يزيد بل المقابلة بين شرعية البيعة حتى لو كانت مغشوشة وشرعية الوصية حتى لو كانت كاذبة .وأعيد بأنها كاذبة لأن حكاية الغدير ليس وصية علي على الأمة بل وصية الأمة عليه حتى لا يستضعف باعتبار الرسول كان يعلم أن العرب لم تخرج بعد من عادات الجاهلية وأن عصبيته ضعيفة. الرسول وصى على آل بيته ولم يوصي لهم .ذلك أن العرب عادت مباشرة إلى عادات الجاهلية وصارت العصبية القبلية هي الأساس وليس لقريش فضلا عن فرع الرسول منها عصبية قوية حتى إن ابن خلدون يفسر الفتنة الكبرى أساسا بهذا العامل لأن القبائل الكبرى لم تكن راضية بحكم قريش لهم. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- فكون يزيد فاسقا قضية خلقية لا يحسمها شخص يعتبر نفسه فاضلا من دون مراعاة قوانين العمل والشرع وإلا فإنه لن تقوم دولة في أي جماعة .إذا كان يحق لكل إنسان أن يحدث فتنة لمجرد اعطاء الحق لنفسه بأن يقوم بثورة لأن أحد الحكام فسق فإن الحياة ستصبح فوضى .لا بد أن توجد مؤسسات لعلاج الأمر. ولذلك قلنا إن الدولة الإسلامية من الأصل كانت بصدد التمأسس ولم تصل إلى الشكل الذي يجعلها قادرة على الاصلاح الذاتي كما يحدث في الدول التي مثلا تضع طريقة للعزل من الحكم كما تضع طريقة للتعيين فيه .في الدولة الإسلامية الراشدة يوجد نظام التعيين دون تحديد مدة ولا يوجد نظام عزل عندما تجمع الأمة على فقدان الحاكم شروط شرعيته قبل نهاية مدته. فعثمان حكم اثني عشر سنة وظن أنه معين إلى أن يموت .لم يقبل أن يتنحى .واعتبر أن الله البسه جبة الحكم .وهذا ليس من القرآن في شيء بل هو سوء فهم لمعنى الخلافة. فمن عينه هم من بايعوه .وطبيعي في البدايات ألا يفهم أن الذين بايعوه نيابة عن الامة يمكنهم أن يعزلوه نيابة عنها كذلك .لم يكن الأجل مسمى. ما يحرك الحسين هو عين ما يحرك المتكلمين باسمه اليوم .ليس ثائرا من أجل الفضيلة والحق بل من أجل كذبة الوصية .وبهذا المعنى فالقاضي ابن العربي كان على صواب أكثر من ابن خلدون .ومعنى ذلك أن الحسين لم يكن ممثلا للحق رغم فسق يزيد لأن الأمر لا يتعلق بالفسق وبعدمه بل ببقاء دولة لم تتوطد بعد وبالخروج عليها دون شرعية البيعة الحاصلة على الأغلبية. وهذا هو معنى الخروج أي المطالبة بالحكم مع عدم تمثيل الاغلبية بمعيار تحديدها في الإسلام كما عرفه الغزالي في فضائح الباطنية :وهو الاغلبية التي تمثل ما يمكن تسميته الاجماع الذي يسكت الاقلية ويحول دون الخروج على الدولة أو ما يجعل الخروج في تلك الحالة يستحق ما سماه القاضي ابن العربي \"شرع جده\". أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- فلو كان يحق لكل إنسان أن يخرج على الدولة بحجة خلقية لكان ذلك يعني امتناع قيام أي دولة .والدولة هي الشرط الضروري للأخلاق وإن لم يكن كافيا .لذلك فعندما قال القاضي ابن العربي \"إن الحسين قد قتل بشرع جده\" فهو يعني بالضبط ما قصده الغزالي في فضائح الباطنية معرفا البيعة موقفا للأغلبية لا ينفي حق وجود الأقلية التي لم تبايع لكن من حق الأغلبية أن تفرض النظام الذي ينبغي أن يخضع له الجميع ولو بالقوة وإلا فإنه لن تستقر أي دولة. والمعلوم أن الدولة الإسلامية كانت حينئذ في حالة الطوارئ لأنها لم تخرج بعد من حروب الفتنة الكبرى إذ حرب يزيد والحسين كانت الثالثة وستليها رابعة مع ابن الزبير .وحتى بعد أن استتب النظام فإن ثورة الفرس عليها باستعمال العباسيين كلنا يعلم ما أدت إليه إذ توقف الفتح وتفتت الخلافة. فالدولة العباسية ليست عباسية إلا بالاسم مثل التشيع ليس مسلما إلا بالاسم لأن الإسلام لا يقول بالوساطة ولا بالوصاية ومن ثم فهي كسروية متنكرة .وحتى ما يزعم من نكبة البرامكة فهو ككل افعال الحكام العرب الذي يتصورون السياسة ضربات مشتتة دون استراتيجية لم تحقق وحدة الدولة ولا الأمة. ومع ذلك فإن الكلام على الماضي ينبغي أن ينطلق من أن ما حدث لم يكن بالصدفة وأنه ما كان ليكون على غير ما كان عليه .فالخيار لا يكون ممكنا إلا عند الكلام على المستقبل حيث نكون أمام عدة احتمالات هي مجال الاجتهاد العقلي في النظر والعقد وفي العمل والشرع .كل ما حدث نقبله وننطلق منه. وهو قصدي بجبر الكسور لتيسير الاستئناف .لكن الانطلاق من الماضي لا يكون منه دون إعادة النظر في فهومه لأن الأحداث الواحدة لها أحاديث متعددة .وما لم نعد النظر في الأحاديث لا يمكن أن ننطلق من الأحداث .وهذه هي وظيفة الفكر الإنساني سواء في الفلسفة أو في الدين نظريا أو عمليا. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- ولما كان الحدث الذي هو في آن حديث هو القرآن وهو منطلق هذه الأمة واساس بنائها في وجودها الفعلي وفي رؤيتها لوجودها الذهنية فإن المنطلق هو القرآن وهو ما أسست عليه كل محاولتي فهم تاريخنا ليس لمجرد الفهم وإن كان ذلك بحد ذاته مطلوبا لذاته ولكن أيضا لمعرفة شروط الاستئناف مستقبلا. وأهم حصيلة انتهيت إليها في هذه العملية هي اكتشاف أن الإسلام ليس دينا من بين الأديان بل هو الديني في كل دين وأن القرآن ليس كتابا دينيا من بين الكتب بل هو رسالة إرشادية لتذكير الإنسان عامة بمهمتيه (التعمير بقيم الاستخلاف). وهو يؤسس لخمس فلسفات :الأصل من حيث هو ما بعد الأخلاق أو ما بعد التاريخ علما رئيسا للديني من حيث هو ديني وفروعه الأربعة هي التفسير علما العمل أي الفقه والتصوف وعلما النظر أي الكلام والفلسفة .وهو بذلك مناظر تماما لفنون الفلسفة وعلمها الرئيس أو ما بعد الطبيعة وفروعها الأربعة أي الطبيعة والرياضيات والمنطق والفلسفة العملية ببعديها الخلقي والسياسي. أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- وصلنا الآن إلى غاية هذه التكملة الأولى (أما الغاية الثانية فسنخصص لها الفصل السابع والأخير) :ما معنى الإسلام ليس دينا من بين الأديان بل هو الديني في كل دين وأن كل ما ليس في أي دين مطابقا للإسلام هو تحريف الدين وأنه مؤسس لشروط تحقيق مهمتي الإنسان من حيث هو إنسان أي تعمير الارض بقيم الاستخلاف؟ ألسنا نبالغ في ثورته؟ طلبي من القارئ أن يعلم أني لا أتكلم على الإسلام من منطلق عقيدتي فهذه لي وحدي ولست بحاجة للكلام عليها لأنه لا أحد يعنيه ما أعتقد ولا يعنيني ما يراه غيري في ما أعتقده .إنما كلامي مداره حول ما يقول القرآن عن نفسه .فالقرآن جل كلامه على نفسه وعلى طبيعة دوره كرسالة لمن خلقوا للعبادة حصرا. فكل القرآن يدور حول المهمتين ومن ثم فيمكن القول هو الكلام على ما يترتب على المشهد الأول فيه أعني مشهد الاستخلاف الذي فيه كل ما تلاه باعتباره متوقعا فيه .ومعنى ذلك أن إخراج آدم من الجنة مثلا لا يمكن أن يكون عقابا للعصيان الذي حدث فيها بدليل أن قرار الاستخلاف في الأرض سابق عليه. فلا يمكن أن يكون الله قد قرر استخلافه في الارض وأن يكون انزاله إليها ما كان ليحصل لولا أنه عصى فعوقب إلا إذا كان العصيان هو نفسه متوقعا والفرصة الثانية أيضا متوقفة والتوبة عليه متوقعة ومن ثم فكل ذلك كان ضروريا لتتحقق شروط التكليف والغاية التي من أجلها خلق الإنسان والجن :للعبادة وإذن فالفرصة الثانية هي التي يتحقق فيها امتحان المكلف في أهلية الاستخلاف في التعمير بقيمه وفي العبادة وهما شيء واحد .فالعبادة هي التعمير بقيم الاستخلاف .والإنسان مجهز لذلك في مستوى النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة وفي مستوى العمل والشرع للمعرفة سنن التاريخ مجالي العبادة والتعمير. أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- وتلك هي موضوعات الفلسفات الخمس .فالقرآن هو الأصل الذي يشير ولا يضمن ما يشير إليه بديلا منه .لذلك سميته السبابة المشيرة .وليس فيه الأمر المشار إليه بها لأنه يعتبره خارجه بوصفه الآيات التي في الآفاق وفي الأنفس والتي تبين أن القرآن حق .لكن المسلمين وقعوا في ما يرمز إليه المثل الصيني :يريك القمر فلا تراه بل ترى الاصبح المشيرة إليه .وأكبر سخافة هي القول بـخرافة الاعجاز العلمي. لو كان القرآن فيه الاعجاز العلمي لأصبحت الفرصة الثانية لامتحان أهلية الإنسان للاستخلاف عبثا إذ لم يعد الإنسان بحاجة إلى البحث العلمي بل يكفيه أن يتعلم العربية وأن ينتظر الغرب لاكتشافه ثم هو يأتي فـ\"يتعسف\" على العربية ليؤول ألفاظ القرآن فيجد فيها بعديا ما وجدوه هم بعقولهم. الفلسفات الخمس ليست إذن مضمونا علميا بل تجهيز لشروط اختبار أهلية الإنسان للاستخلاف .فالقرآن ليس علما بل هو ما بعد أخلاق في الدين بديل من ما بعد الطبيعة في الفلسفة .وما بعد الأخلاق أوسع من ما بعد الطبيعة لأنها تتضمن الإشارة إلى ما تشير إليه مع ما بعد التاريخ في نفس الوقت .لكنها لا تتضمن علوم الدين ولا علوم الفلسفة بل شروطهما في الذات وفي الموضوع وفي شروط لقائهما وصدور أحدهما عن الثاني في الاتجاهين. والشروط هي الفلسفات الأربع الأخرى التي تحدد مجال النظر والعقد ومجال العمل والشرع وهو تحديد يتطابق فيه الديني والفلسفي وإن بتقابل في التوجه .فالديني يذهب من العمل والشرع إلى النظر والعقد في تكوين الإنسان والفلسفة تعكس تذهب من النظر والعقد في تكوينه نحو العمل والشرع .والمضمون واحد .وتلك هي الفلسفات القرآنية الخمس: .1ما بعد الأخلاق رؤية رئيسية واصلا لبقية الرؤى التي تشير إلى شروط اختبار الأهلية. أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- .2فلسفة الطبيعة أو الخلق الذي هو بقدر لا يعلم قانونه إلا بالتجربة المعاينة الطبيعية في المشاهدة الفعلية. .3فلسفة التاريخ أو الامر الذي هو بسنة لا تعلم إلا بالتجربة والمعاينة التاريخية في الممارسة الفعلية. .4التجهيز المناسب للعلم أو النظر والعقد أو نظرية المعرفة غير القائلة بالمطابقة. .5التجهيز المناسب للعمل والشرع أو العمل أو نظرية القيمة غير القائلة بالمطابقة. وكلها رؤى لهذه الشروط والوظائف تشير إلى فعلها ومجاله وقيمه .والقرآن لا يتكلم عليها وكأنها ما سيعلمه الرسول للإنسان انطلاقا منه كـ\"تابولا رازا\" لوحة بيضاء ليس فيها ما يأتي الرسول ليخبره به بل هو يذكره بما هو موجود فيه ومنسي .الرسول مذكر لا أكثر ولا أقل .وإذن فالإنسان يصبح هو الحكم في صدق الرسول بعد أن يتذكر ما نسيه :الرسول مثل سقراط ولكن من دون المطابقتين النظرية والعملية بفضل نظرية الغيب. هذا ما ينبه الله الرسول إليه\" :إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر\" لكن العلماء المزعومين كذبوا عليه فنسبوا إليه ما لم يدعه وما نفاه الله عنه حتى \"يرثوا\" منه ما يزعمونه من علم يتجاوز به سقراط في التذكير لكأنهم \"غاروا\" من المعجزات التي يقصها القرآن عن الرسل السابقين فأرادوا له مثلها. القرآن يستدل بالنظام في إشاراته: .1هو ما بعد أخلاق .2والطبيعة خلقت بقدر يعلم بالتجربة الطبيعية .3والتاريخ بسنن تعلم بالتجربة التاريخية .4والإنسان له القدرة على النظر في القوانين والعقائد .5وله القدرة على العمل بالسنن والشرائع وذلك لاختبار أهليته في تعمير الارض بقيم الاستخلاف. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- أرادوا عكس ذلك فبحثوا عن خرق النظام .وهو ما فعلوا هم لا القرآن ولا الرسول .هم خرقوا النظام فزعموا بخلاف آل عمران 7أن رسوخهم في العلم يمكنهم من تأويل المتشابه ومعرفة الغيب .فكانوا بذلك كما وصفهم القرآن مصابين بزيغ القلب وابتغاء الفتنة فابتدعوا الوساطة والوصاية على المؤمنين. ونفس هذه الدعوى وقع فيها الفلاسفة مثل المتكلمين :زعموا أن عقولهم بلغت من الإحاطة ما جعلهم يظنون أن الوجود مطلق الشفافية لعقولهم وأن عقولهم مطلقة النفاذ إلى حقيقته في ذاتها ومن ثم وضعوا نظرية في المعرفة يتطابق فيها علمهم مع الموجود وعلمهم مع المنشود فادعوا المستحيل نفيا للغيب .وهذا النفي هو ما أدى إليه الوهم الفلسفي في نظرية المعرفة القائلة بالمطابقة مع الموجود ونظرية العمل القائلة بالمطابقة مع المنشود وحاكاهما الوهم الكلامي .لكن القرآن حررنا من الوهمين .فلا علمنا محيط بالموجود ولا عملنا محيط بالمنشود .والقرآن يبين هذا الحد بأن: .1أثبت وجود الغيب فجعله من شروط الإيمان ونفى قابليته للعلم الإنساني بمعنى أنه اخبار بوجود وبعدم قابليته للعلم في آن. .2وذكر بمحدودية علمنا بالموجود وعملنا بالمنشود ونسبيتهما من شروط العلم والعمل الراسخين بمعنى الاجتهادي في الأول والجهادي في الثاني. وفي ذلك ثورتان ابستمولوجية تحرر من القول بالمطابقة في النظر والعقد وأكسيولوجية تحرر من المطابقة في العمل والشرع .بل أكثر من ذلك فقد اعتبر الاجتهاد المعرفي \"ما بين ذاتي \"حتما \"التواصي بالحق\" والجهاد العملي \"ما بين ذاتي\" حتما \"التواصي بالصبر\". فالمشاركة في الحالتين دليل على كون العلم والعمل كلاهما عمل شرطه التعاون بين الذوات الإنسانية اجتهاد في العلم وجهادا في العمل وليس مواقف ذاتية للأفراد. والأفراد المتواصين بالحق في طلب الحقيقة والمتواصين بالصبر في تحقيقها ليسوا أي افراد بل الأفراد المؤمنون أولا أي الذين تخلصوا من تصور أنفسهم ارباب العالم بل يعتقدون أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- أنهم مستخلفون فيه لتعميره ومن فهم يعملون صالحا أي بعكس ما وصفت به الملائكة آدم. هذه كل القصة القرآنية. لكن هذه القصة جعلت يكون في آن-1 :كتاب في فلسفة الدين ونقد الأديان وبصورة أدق ونقد علل فشل الرسالات السابقة أي تحريف الدين وسلوك البشر الذين نسوا أنهم خلفاء فلم يعملوا بمضمون الاستثناء من الخسر أي بمضمون سورة العصر كما بينت قبل قليل: الإيمان والعمل الصالح والتواصيان بالحق وبالصبر. وهذا هو الوجه السلبي أو النقدي من القرآن وهو يحدث بمنهج سماه القرآن منهج التصديق والهيمنة (المائدة .)48ومن عجائب هذا النقد أن في آن نقد ذاتي :ذلك أنه لم يدع أنه الحكم النهائي في الديني أو الحكم المطلق بين الأديان بل اعتبر الفصل بينها مرجأ إلى يوم الدين (البقرة 62والمائدة .)69ولو لم يتضمن القرآن هذا الاحتراز إزاء حكمه في الديني وتصرفه كحكم بين الأديان لتنسيب حكمه وتنزيه دوره كحكم لكان مجحفا ومتناقضا في آن: .1فعدم الإكراه في الدين والحرية المعتقد شرطهما إرجاء الحكم في الحق إلى يوم الدين. .2والتسابق في الخيرات يقتضي التعدد الديني حتما لتكون الحقيقة بعد تبين الرشد. لكن الانتقال من الدستور إلى القوانين الاستثنائية بسبب حالة الطواري التي دخلتها الأمة بعد الفتنة الكبرى وتحول حالة الطوارئ إلى حالة دائمة جعلت الفقهاء يعتبرون البقرة 62والمائدة 69وحتى الحج 17آيات منسوخة هو الذي أسس لإفساد ثورة الإسلام وقلب أمر القرآن ونهيه علما وعملا .وفي هذه الآيات الثلاث مبدآن ثوريان أهملهما الفقهاء بسبب هذه النقلة: .1المبدأ الأول يوجد في البقرة 62وفي المائدة :69فالقرآن يعتبر المؤمنين بالأديان الأربعة التي ذكرتاها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون إلى حققوا ثلاثة شروط :الإيمان بالله أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
-- والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح .وهذه المبادئ الثلاثة هي في الحقيقة خمسة لأن هذه الشروط الثلاثة لا تتحقق من دون شرطين ضمنيين وهما التواصي بالحق والتواصي بالصبر. .2المبدأ الثاني لا يوجد إلا في الآية الثالثة أي الحج 17التي اضافت دينين آخرين هما المجوسية والشرك .حينها لم تذكر الآية هذه الشروط ولم تعد بلا خوف عليهم ولا هم يحزنون لكنها وضعت مبدأ الإرجاء بخصوص معرفة من هو على حق إلى يوم الدين حتى لا تفقدهم أمل الدخول في التسابق في الخيرات الذي وضعته الآية 48من المائدة. ولما كنت أومن بأن استئناف دور الإسلام آت لا ريب فيه وأن ذلك الاستئناف مشروط بالخروج من حالة الطوارئ التي دامت 14قرنا فإني أقدمت على هذه المحاولة التي لا انتظر من أحد عليها جزاء ولا شكورا فقصدي هو استنتاج كل ما ينتج عن قراءتي للقرآن بما يقوله عن ذاته متحررا من خرافات القدامى .وما اقصده بالقدامى خمسة أنواع: .1اثنان من العصر الوسيط هم المتكلمون والفلاسفة. .2واثنان من العصر الحديث وهم أيضا متكلمون وفلاسفة .3الفقهاء في كل مرحل الفكر الديني والسياسي من أفلاطون وأرسطو إلى هيجل وماركس. .4المتصوفة في كل مراحل تاريخ الفكر الديني الخلقي من أفلاطون وأرسطو إلى هيجل وماركس. .5والأصل الواحد وهو القول بنظرية العلم وبنظرية العمل المطابقتين بين الموجود والعلم وبين المنشود والعمل. وإذن فهذا الأصل يمثله أربعة فلاسفة اثنان قدامى واثنان محدثون .والإثنان الأولان بدأت بهما الفلسفة وتأثر بهما بقية الأنواع لأنهما أسسا الجنس الأدبي الذي يسمى فلسفة بالمعنى المتعارف والذي بات كل عمل الفكر متأثرا به حتى وإن كان بالسلب بمعنى معارضته. واثنان بهما ختمت الفلسفة لأنهما أنهيا هذا المعنى المتعارف بإيصاله إلى غايته الممكنة أبو يعرب المرزوقي 38 الأسماء والبيان
-- وتجاوزه إلى جعل الفلسفة إيديولوجيا إما روحانية (هيجل) أو مادية (ماركس) لكنها ذات نفس البنية والمنطق الملاصق للتاريخ السياسي الخلقي والاقتصادي الاجتماعي خاصة. فالأصل الأول هو أفلاطون وأرسطو اللذان أسسا للمطابقتين .والأصل الثاني هما هيجل وماركس اللذان نكصا إلى المطابقتين \\والفرق بين الأولين والأخيرين هو الفرق بين الطبعانية التاريخانية .وما يجمع بين الأربعة هو وهمان: .1وحدة العالم دون ما وراء أخروي بدل كثرة العوالم. .2الإنسان مقياس كل شيء موجوده ومعدومه. وما حصل لفكرنا قبل العصر الحديث إذا ما استثنينا المدرسة النقدية منه لم يخرج قيد أنملة على التراث الأفلاطوني الأرسطي .وما يحصل لفكرنا الحالي في نسبته إلى هيجل وماركس لا يختلف في شي عما حصل لفكرنا قبل الحديث في نسبته إلى أفلاطون وأرسطو. وعندما أحاول الرجوع للمدرسة النقدية لمحاولة بيان علل الخلاف بينها وبين المدرسية التقليدية التي بلغت ذروتها في مربع القرن السادس الهجير الثاني عشر الميلادي أفهم طبيعة الأزمة القديمة والحديثة في فكرنا. واقصد بالمربع المدرسي: • ابن رشد (فيلسوف متكلم) • والسهروردي المقتول (فيلسوف متصوف) • وابن عربي (متصوف متفلسف) • والرازي (متكلم متفلسف). وقد درست هذا المربع باستفاضة في الجزء الثاني من رسالة دكتوراه الدولة وعنوانه إصلاح العقل في الفلسفة العربية (مركز دراسات الوحدة العربية طبعة .)4 أبو يعرب المرزوقي 39 الأسماء والبيان
-- عندما تكلمت على الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي اقتصرت على ما يتضادان به في الظاهر وأشرت إلى أنهما يشتكران في كونهما كاركاتورا مما يدعيان تمثيله .لكن ذلك لم يبرز أعماق ما يجعلهما لا يختلفان حتى بما يؤسس حقيقتهما التي تجعلهما يتفقان في العمق رغم ما يبدو بينهما من صراع ديكة. فالكاريكاتور التأصيلي يدعي أن الوحي يعلم وأن ما جاء في القرآن فيه علم بالغيب ولا يدري أن ذلك يتنافى مع كونه رسالة موجهة إلى الإنسان الذي ينفي القرآن قدرته على علم الغيب ما يعني أن القرآن يبعث رسالة لمن لا يفهمها .وهو ما ينفي معنى الرسالة من أصله وينفي خاصة كونها تذكيرا بما يعني أنه يعلم ما أتت به الرسالة ولا يجهله بل نساه. والكاريكاتور التحديثي ينفي وجود الغيب وليس علمه فحسب لكنه يجعل العقل قادرا على علم يطابق حقيقة الموجود وعلى عمل يطابق حقيقة المنشود .ما يعني أنه يعتقد أن الوجود مطلق الشفافية وان العقل مطلق الإحاطة بالموجود والإرادة مطلقة القدرة على تحديد المنشود وتحقيقه .فيصبح من حيث لا يدري أكثر وثوقية ودغمائية من الكاريكاتور التأصيلي. ويلتقي الكاريكاتوران في رفض ثورة الآية السابعة من آل عمران بالزعم أن الراسخين في العلم يستطيعون تأويل المتشابه (وهو متعلق بالغيب) تأويلا قابلا للعطف على تأويل الله .ومن ثم فالآية صارت تفيد عكسها تماما .وهو ما يجعل المتكلمين والفقهاء والمتصوفة لا يختلفون في شيء عن الفلاسفة القائلين بالمطابقة في النظر بدعوى شفافية الوجود وإحاطة العقل وبالمطابقة في العمل بدعوى قابلية المنشود للتحقيق المطلق الذي يتصورونه في متناول الإرادة. ما يتفقان عليه إذن هو أبستمولوجية المطابقة وأكسيولوجية المطابقة رغم أن التأصيلي يبنيهما على قدرة تأويل الوحي الذي يظنه عالما بالغيب والتحديثي يبنيهما على شفافية أبو يعرب المرزوقي 40 الأسماء والبيان
-- الوجود أو خلوه من الغيب وقدرة العقل على النفاذ لحقيقة الموجود وقدرة الإرادة على النفاذ لحقيقة المنشود. لذلك فسواء كان المتكلمون من جنس المعتزلة أو حتى من جنس الأشاعرة فإنهم في النهاية كان ينبغي أن يصبحوا تابعين لما أسسته الفلسفة من إبستمولوجيا تقول بمطابقة العلم للموجود ومن أكسيولوحية تقول بمطابقة العمل للمنشود .كما يتبين من كلامهم عن الذات والصفات في النظر والعقد وكلامهم عن أفعال العباد في العمل والشرع بمنطق التأويل الذي يرد ما يعتبرونه غير موافق للعقل إلى ما يعتبرونه علم العقل وعمله. وسواء قبلوا ما يقول القرآن عن الذات والصفات وعن أفعال العباد بتأويل (المعتزلة) أو بتفويض (الأشاعرة) ويتبعهم الفقهاء والمتصوفة فإن اعتبار العبارة القرآنية بالتناسب تدل على وجوب أحدهما رغم أن الله يقول إنه ليس كمثله شيء ومن ثم فكل التمثيل لا يمكن أن يؤخذ لا إيجابا مع التفويض ولا سلبا مع التأويل بل هو يفيد بالتناسب لا غير لأن التشابه ليس بين طرفي المقارنة بل بين علاقة النظامين الحاكمين للحياتين الدنيوية والأخروية. وحتى أشرح هذا المعنى الدقيق فلا بد من عدم نسيان أن الدنيا اعتبرت في القرآن وحدة قيس بالتناسب معها يتم الكلام على ما ليس منها .وليكن ذلك في المجال الكمي لتقدير المكان والزمان .فعندما يقيس الزمان بزمان الدنيا يأخذ مثلا السنة الأرضية وحدة يقيس بها أزمة عوالم أخرى وحركات أخرى كما في مثال قيس حركة الروح التي تحصل في يوم مقداره خمسين ألف سنة من سنوات الأرض. أما في المجال الكيفي فنظام حياة البشر الخلقية والسياسية تؤدي في قيس عالم الغيب الكيفي وظيفة الأرض في مجال الشهادة الكمي لقيس العوالم .ومثلما أن العوالم تبدو شبه لامتناهية بالقياس إلى عالم الأرض فكذلك يكون عالم الغيب ولا يبدو فحسب لا متناهي كيفيا بالمقارنة مع أنظمة الإنسان وعالمه. أبو يعرب المرزوقي 41 الأسماء والبيان
-- فعندما يتكلم الله في القرآن عن ذاته في رسالة موجهة إلى الإنسان مع إعلامه بأن ما يتكلم فيها عن الغيب يخبر بوجوده دون مضمونه فالقصد أن هذا المضمون هو المتشابه وهو ما لا يقبل التأويل بمعنى أن المتلقي عليه ألا يتجاوز التناسب أي إن ما يقال عن الله من حيث هو حاكم مثلا تكون صفاته في عالم الغيب من جنسه ولا علاقة لها من حيث ما هي بصفات الحاكم في عالم الشهادة رغم التناسب يجعل الحكم هناك صفاته مناسبة لعالمه مناسبة صفات الحاكم الأرض لعالمه مع فرق الكمال الكيفي المتوفر المطلق هنا والنسبي هنا لأن الأول مثال أعلى والثاني نشدان لما فيه. ومن ثم فلا وجود لأي شبه مع صفات الحاكم الإنساني إلا في نسبة الحكم إلى المحكوم فيه عندما يكون الحاكم ذا علم محيط والمحكوم فيه مطلق الشفافية لصاحب العلم المحيط. وإذن فكل حاكم إنساني لا يمكن أن يدعي أنه صاحب علم محيط بالحكم والمحكوم ولا يمكن أن يكون ذا عقل بحق إذا توهم ذلك ممكنا .ومن ثم فكل ما يقال عن الله وعن أفعال العباد يقال بمعنى الغيب من حيث هو الحد الذي لا يمكن الوصول إليه فضلا عن تجاوزه. وعلى هذا المنوال ينبغي فهم الأحكام النموذجية التي وردت في القرآن الكريم .فهي لا تقبل المحاكاة وهي من ثم نموذج حكم الأحكام وليست نموذج الأحكام .ولا يمكن أخذها فرادى بل باعتبارها مجموعة محددة لشروط الحكم الذي يحاول الوصل بين الموجود والمنشود. فإذا طبقت هذا المعنى أصبح بوسعي أن اغير الأبستمولوجيا والاكسيولوجيا فأنفي المطابقة في الحالتين .فلا النظر ولا العقد مطابقان لقوانين الموجود ولا العمل والشرع مطابقان لسنن المنشود سواء في المعرفة الدينية أو في المعرفة الفلسفية .ذلك أن الكاريكاتورين يشتركان في الحقيقة في هذين التصورين الخاطئين حول النظر والعقد لعلم الموجود توهما لقدرة للعقل ليست موجودة وفي العمل والشرع لتحقيق المنشود توهما لقدرة في الإرادة ليست موجودة. أبو يعرب المرزوقي 42 الأسماء والبيان
-- ومن ثم فكل العلوم والأعمال المبنية على المطابقتين اللتين هما أساس فلسفة أفلاطون وأرسطو في الماضي القديم والوسيط ويمثلها عندنا كاريكاتور التأصيل الذي يريد محاكاتها وكل العلوم والأعمال المبنية عليهما واللتين هما أساس فلسفة هيجل وماركس في الحاضر الحديث وما بعد الحديث يمثلها عندنا كاريكاتور التحديث الذي يريد محاكاتها كلاهما موقف مناف لإبستمولوجيا وأكسيولوجيا اللامطابقة أو الفرق بين الوجود وعلمه وبين المنشود وعمله. فلا يبقى إذن إلا الاجتهاد أو التواصي بالحق والتعاون على علم الممكن للإنسان من الوجود دون ادعاء المطابقة المعرفية أبدا والجهاد أو التواصي بالصبر والتعاون على عمل الممكن للإنسان من المنشود دون ادعاء المطابقة القيمية أبدا .وهذان هما ثورتا القرآن الابستمولوجية والأكسيولوجية .ولهذه العلة فهو يقدم الصدق في الإيمان والإخلاص في العمل الصالح ولا يعتبر النتيجة هي الحكم بل هذا الصدق والإخلاص .وينتج عن ذلك أمران هما جوهر الغاية من الديني والفلسفي: .1أن البشر يتحررون من الإطلاق في العلم وفي العمل فيصبحون أكثر تواضعا وتعارفا وهو معنى المساواة في كل شيء ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى (الحجرات .)13ومن هنا فالتعارف يعني الأمرين فهو معرفة واعتراف ينتج عنهما المعروف الذي يعبر عن كون البشر أخوة (النساء .)1 .2أن كل ما يتحقق من النتائج المتعلقة بتعمير الارض بقيم الاستخلاف في التاريخ ليس عملا فرديا بل هو عمل جماعي بمعنيين: • فهو جماعي بالتساوق -من هنا الكلام على التواصي بالحق في الاجتهاد والتواصي بالصبر في الجهاد- • وهو جماعي بالتوالي بمعنى أن كل جيل من تاريخ البشرية هو حصيلة يتدخل فيها كل ما أنجزته البشرية في أجيالها السابقة. أبو يعرب المرزوقي 43 الأسماء والبيان
-- أبو يعرب المرزوقي 44 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1 - 48
Pages: