أبو يعرب المرزوقيالفصل السادس الأسماء والبيان
كيف حل ابن تيمية أزمة الأداتين؟ -1ما بعد التاريخ -2وما بعد المنطقتدرجنا صعدا من الأيسر إلى الأعسر .وها نحن قد وصلنا إلى مباحث قد لا يستطيع متابعتها إلاالصبور الذي يجمع بين تكوين فلسفي متين يمكن من تاريخ الفكر وفنيات العلاج الفلسفيين وما لهمامن صلة بالممارسات الفكرية الأخرى التي تتبادل معهما التأثير والتأثر .لذلك فالحاجة ماسة إلىشيء من التذكير بالأساسيات التي تساعد القارئ بما لا ننشغل به عادة في التلاخيص .فقد وضعابن تيمية حلا عسير الفهم والتطبيق للخروج من المآزق الكلامية التي نتجت عن مبدأي علم الكلام:-1قياس الشاهد على الغائب لمعرفة ما وراء الشاهد دون تمييز بين ما يقبل الشهادة (الغائب) وما لا يقبلها (الغيب).-2ومعيار التأويل لرد ما لا يتفق فيه الوحي مع العقل بمعنى ما يحصل عليه من معرفة بالمبدأ الأول الخالي من التمييز المشار إليه.وهذا الحل هو ما نريد بيان عسره الذي كان مناسبة لفتح أفق جديد ليس للفكر الإسلامي وحدهبل للفكر الإنساني كله .وعلة العسر لعلها تتمثل خاصة في أن ابن تيمية يبدو عند أخذ فكره بفهمأولي وكأنه يقر المبدئين الكلامين ويبحث في شروط استعمالهما السوي وليس في كيفية تحرير الفكرمنهما انطلاقا من اعتقاده باستحالة المعرفة الكلامية والميتافيزيقية التي لو كانت ممكنة لأغنت عن الوحي.لكن تعميق البحث في مسعاه يبين أنه في الحقيقة قد تمكن من تعيين المأزق الذي لا يمكن علاجهفضلا عن الخروج منه وتجاوزه كلاميا ما يعد لثورة قد لا يكون مدركا لها بصورة تامة الوضوح لكنهبمجرد تحديده لشرط الموقف البديل من الموقف الذي يرد المنقول للمعقول في حالة عدم التطابق: نفي التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول ,مع نفي مبدأي الكلام كله المشار إليهما. 51
ولا ننفي أن هذه العبارة السحرية التي يستعملها ابن تيمية يمكن أن تقرأ قراءة تقليدية فلاتغير شيئا بخصوص أساسي أطروحات علم الكلام فيكون معناها :إذا صححنا الأخبار ومحصنا الحقائقالعقلية ،فإننا لن نجد تناقضا بين النقل والعقل .لكن عندئذ يكون ابن تيمية مواصلا الاندراج فيالموقف الكلامي الفلسفي وإن طلب مزيدا من التمحيص لا غير :ويكون قصاراه في ذلك أنه قد وقفالموقف الرشدي من الكلام وليس من الإشكالية التأويلية .كذلك قرئت حلوله فظن متكلما أبرع منغيره لكنه يبقى متكلما .تلك أماني بعض المتكلمين الجدد من ذوي الثقافة الفلسفية الصحفية رغمعنترياتهم السخيفة والعناوين الرنانة تضحك حتى المبتدئين في الفكر الفلسفي وخاصة وأغلبهم منذوي التكوين التقليدي الذي لا يتجاوز ثقافة معلمي الكُ ّتَاب أي مدارس تحفيظ القرآن الكريم للأطفال.وهذه القراءة لو قبلت لكان معناها أن ابن تيمية لا يطالب إلى بالتأكد من صحة النقل وصراحةالعقل ليوافق على المطابقة بين العقل والنقل .فيكون من ثم قائلا مثل المتكلمين بأن العقل هو الحكمالنهائي في دلالات الوحي :وهذا وحده كان يمكن أن يكون كافيا للشك في هذا الفهم لو كان منتحلوهذوي فطنة .فعندئذ يكون الأمر وكأنه لا فرق بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين :أي أنه لا يقول بتعاليبعض ما في النقل على ما في العقل .فلكأنه يسلم بأن الوحي يقاس بالعقل بمجرد أن نكون قد صححناالأول وصرحنا الثاني .وقد انخدعت أنا نفسي بهذا الفهم الأولي لولا ثورة ابن خلدون رحمه الله وما لها من صلة بأحد عنصري معيار ابن تيمية في الظاهر وبهما معا في الباطن.فبعد فهم الشروط التي وضعها ابن خلدون لمفهوم تصحيح المنقول عند تطبيقها على شروطتصريح المعقول وبيانه علل امتناع الميتافيزيقا أي المعرفة العقلية المتجاوزة للتجربة الحاصلة أوممكنة الحصول أصبح بالوسع الولوج إلى فكر ابن تيمية ولمح عناصر ثورته الفكرية المكملة لثورةابن خلدون وإذ هي متقدمة عليها فهي إذن شارطة لها ليس بعلاقة بين المفكرين بل بتغير في مناخ الفكر العام الذي كان من ثمراته ثورتاهما.ومعنى ذلك أن ترميم المدارس الأربعة في القرنين السادس والسابع وما تعرضت إليه من نقد هوالذي مكن الفكر الإسلامي عامة وذروته العربية خاصة من تحقيق هذا الانقلاب الثوري في الفكرين النظري والعملي.ولا بد هنا من تذكير سريع بهذا المناخ الفكري الذي وصفناه بمفهوم الترميم وعالجنا مقدماتهونتائجه بصورة معمقة في الجزء الأول من رسالتنا الذي نشر بعنوان تجليات الفلسفة العربية.فالمقصود هو إعادة بناء صرح الفلسفة والكلام والفقه والتصوف مباشرة بعد الزلزال الذي ضربها 52
جميعا بسبب ثورة الغزالي ترميما مثله في الكلام والفقه كما هو معلوم الرازي ومثله في الكلاموالتصوف ابن عربي ومثله في الفلسفة والكلام ابن رشد ومثله في الفلسفة والتصوف السهرورديالمقتول :كل ذلك في القرن السادس القرن الذي يمكن ان نسميه قرن بناء المدرسية الإسلامية في هذا المجالات من منطلق ما بينها من صلات هي التي أشرنا إليها عند ممثليها.فهؤلاء المفكرون الكبار كلهم يردون على زلزال الغزالي مباشرة أو بصورة غير مباشرة :سعيالترميم الفلسفة والكلام والفقه والتصوف وأصلها جميعا أعني العلاقة المتبادلة بين النص المؤسسوالوجود .فمحاولة الترميم الفلسفي الكلامي النقدي للتجربة الإسلامية التي نقدها الغزالي فيهاعودة إلى أرسطو (ابن رشد وابن عربي) وإلى أفلاطون (السهروردي والرازي) .وهو ما يسرالعلاقة المباشرة بين الاستئناف النقدي الجذري ممثلا بابن تيمية في النظر خاصة (تجاوز ميتافيزيقاارسطو) وفي العمل ممثلا بابن خلدون خاصة (تجاوز ميتاتاريخ أفلاطون) العلاقة المباشرة معالمصدرين الأفلاطوني والأرسطي :وتلك هي علة تسمية الجزء الثاني من رسالتي بالإشارة إلى هذهالأسماء الأربعة :أرسطو وأفلاطون مصدرين وابن تيمية وابن خلدون تجاوزين للمصدرين بثورة نظرية وثورة عملية كانت موضوع الرسالة في مسألة الكليات العقلية.وطبعا لم يكن الترتيب المعكوس في المدرسة اليونانية بالقياس إليه في المدرسة العربية تحكميا أوحبا في السجع ،بل هو بسبب كون العلاج في التجربة العربية كان بعكس ما كان عليه في المدرسةاليونانية :فهم أفلاطون عملي لأنه سقراطي حتى وإن اشتهر بالمثاليات وهم أرسطو نظري ما أسسلنقده لأفلاطون .وهذه العلاقة بين النظر والعمل من حيث الترتيب هي عينها العلاقة بينهما فيالأزمة التي نعالجها رغم ترابط الحلين الأفلاطوني الأرسطي والحلين التيمي الخلدوني :فهَم الأولنظري لكونه يقدم العقدي على الشرعي وهم ابن خلدون العكس .فهو يعتبر الشرعي والسياسيمثل أفلاطون متقدمين في الفاعلية وحتى في تكوين الإنسان التربوي .لكن علاقة الترابط بينهماتبقى هي هي :عند الزوجين اليونانين والزوجين الإسلاميين لا يمكن تغيير أحدهما من دون تغيير الثاني التغيير المناسب له.ومعنى ذلك أن ابن خلدون هو الذي فتح لي الطريق لفهم ابن تيمية .فعندما يتكلم المرء علىصحيح المنقول يضع نفسه بوعي أو بغير وعي أمام مفارقة يعسر حلها :فالمنقول خبر عن حدث.والحدث قد يكون مما بقي له أثر موضوعي يمكن الاحتكام إليه للتأكد من صحة الخبر .لكن أغلبالمنقول حتى عندما لا يكون متعلقا بالعالم الآخر لا يكون له أثر موضوعي يمكن الاحتكام إليه للتأكد 53
من صحة الخبر .وفي الحالتين فإن مطابقة الخبر المنقول للحدث الحاصل سواء من حيث الوقوع أو من حيث المعنى يضعنا أما قضية يبدو حلها شبه مستحيل.لكن ابن تيمية لم يعالجها وبقي ظاهر تعامله معها مقصورا في الأغلب على منهج المحدثين بالتجريحوالتعديل مع معيار وضعه صراحة تلميذه ابن القيم هو معيار الاحتكام إلى القرآن قبولا ورداللأحاديث مبدأ تمحيص الحديث الذي رد إليه كل المبادئ وقدمه عليها .لكن هذا الاحتكام غيرصالح في مشكله الثاني أعني مشكل صريح المعقول :فالقرآن في هذه الحالة لا يمكن أن يكون قاضياومتقاضيا في آن .لا يمكن لابن تيمية أن يعتبر صريح المعقول ما يطابق القرآن دون أن يتهمبالمصادرة على المطلوب لأن ذلك يعني أن المشكل محسوم من البداية ولم يعد مجال للبحث أصلا. مأزق ابن تيمية كان يعني أحد أمرين كلاهما ذي صلة بثورة ابن خلدون:ومعنى ذلك أن ابن تيمية ما كان بوسعه أن يقدم مفهوم \"صحيح المنقول\" بمعنى غير المعنى الذييستعمل به في علم الحديث إلا في إحدى هاتين الحالتين :إما أن يكون حل ابن خلدون قد حصل أوأن يكون قد توقع حصول ما من جنسه .فيكون ابن تيمية وكأنه اشترط لمعياره وضع علم جديد هو ما حققه ابن خلدون .وتلك هي فرضيتنا .واساس الفرضية مضاعف ويتمثل في: -1الحل الذي قدمه ابن تيمية للعنصر الثاني من مأزقه في علاج المسألة الكلامية التي رفض حلها الكلامي :صريح المعقول.-2اضطرار ابن خلدون إلى ما هو من جنسه لعلاج مسألته التي هي شروط علم صحيح المنقول. واستنتاجنا يعتمد المسار المنطقي التالي .وله فرعان:-1فإذا كان ابن تيمية قد عالج مسألة صريح المعقول علاجا كان يمكن أن يستغني عنه لو كانفهمه لصحيح المنقول يعتمد معايير علم الحديث التقليدية .فإذن لا بد وأنه كان يفكر في معاييرأخرى لصحيح المنقول تتأسس على فهمه الجديد لصريح المعقول الذي حقق فيه ثورة بينة المعالم وغنية عن الإثبات إلا لجاهل بأعماله.-2وإذا كان ابن خلدون قد اضطر إلى ما هو من جنس حل ابن تيمية لصريح المعقول حتى يتمكنمن وضع علم صحيح المنقول فمعنى ذلك أنه قد أدرك العلاقة التي ظلت خفية في عمل ابن تيمية:لا يمكن بناء علم صحيح المنقول من دون بناء علم صريح المعقول .وهذا كذلك بين ولا يحتاج إلى 54
إثبات إلا لجاهل بأعماله :فهو أول من بين استحالة الميتافيزيقا واثبت تاريخية الفكر الفلسفي حتى يؤسس فلسفية التاريخ.وهذا التلازم بين العلمين هو عينه التلازم بين الفلسفة النظرية والطبيعية والفلسفة العمليةوالسياسية فلسفيا وبين العقيدة والشريعة دينيا .تلك هي فرضية العمل التي تمكن من الوصل بينثورة ابن تيمية في فلسفة النظر لحل المشكل الذي بين امتناع حله كلاميا وفلسفيا :معيار التأويلالكلامي والفلسفي علته فساد الفلسفة النظرية كلها وعدم فهم معنى \"المعقول\" ما هو .فهل المعقولمضموني على أساس وهم المعيار الذي يعرف العلم بكونه معرفة الأشياء على ما هي عليه؟ وماذايلزم عن هذا الوهم؟ جعل العقل الإنساني معيار الوجود وهو ما سماه ابن خلدونه برد الوجودللإدراك وسماه ابن تيمية بجعل الإنسان مقياس كل شيء واصفا إياه بالسفسطة في النظريات والزندقة في العمليات.وبهذه النتيجة نصل إلى المدخل الذي يوصلنا إلى غاية هذه المحاولة :الجواب عن السؤال العاشروالأخير في الحلقة الموالية :فيم يتمثل تجاوز الميتافيزيقا والميتاتاريخ القديمين؟ أي ما طبيعة الثورةالتيمية الخلدونية التي جعلتنا نعتبرها تجاوزا للثورة الأرسطية الأفلاطونية وانتقالا من العصرالفلسفي القديم والوسيط الذي هو أرسطي أفلاطوني إلى الحصر الحديث وما بعده الذي هو تيميخلدوني حتى وإن بدا للكثير ممن يحتقرون ذواتهم أن ذلك فيه الكثير من تمجيد الفكر الإسلامي: فمن الصعب على المعقدين فهم مثل هذه الحقيقة.فكل الفكر الإنساني بعد هذين الرجلين صار فكرا أساسه ما بعد التاريخ والروح وليس ما بعدالطبيعة والعقل وصار مداره الفنون الخمسة التي مثلت بؤرة الإشكال والحلول في فكرنا الإسلامي:الفنين العلميين (الفقه والتصوف) والفنين النظريين (الكلام والفلسف) والفن المؤسس أي علاقةالنص المؤسس بالوجود في الاتجاهين .وقد كتبنا في ذلك مقالا بالفرنسية بينا فيه هذه الحقيقةبالنسبة إلى من يعتبره الكثير مؤسس الفلسفة الحديثة قصدت ديكارت بعنوان :ما بعد طبيعة أومابعد أخلاق؟ خلال ندوة نظمتها الجامعة التونسية سنة 2000ونشرتها في كتيب بالتعاون مع معهد جوته في تونس.Métahphyssique ou Méta-éthique? : 55
02 01 01 02تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي :محمد مراس المرزوقي
Search
Read the Text Version
- 1 - 12
Pages: