Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2020-01-22 14:53:20

Description: الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫حكومة ظل بمعنى أنها تستعد للحكم إذا تغير رأي الشعب في الأغلبية الحاكمة وطلب بديلا‬ ‫منها‪.‬‬ ‫وأضيف أمرا سبقت إليه الأمة وله مثيل اليوم في انجلترا وفي ألمانيا وهو يتعلق برمز‬ ‫وحدة الجماعة لأن السلطتين التنفيذية والتشريعية محل تنافس وتسابق قد يحد من‬ ‫الوحدة‪ :‬ففي الخلافة لما انفصل التنفيذ عن الرمزيات آلت هذه إلى الخليفة الذي صارت‬ ‫سلطته رمزية تعد وسطا بين ملكة انجلترا ورئيس ألمانيا‪ .‬لا بد إذن من رئيس دولة يكون‬ ‫ذا سلطة رمزية يجمع عليه الحكم والمعارضة ويكون ممثلا لسلطة رمزية وخلقية يمكن أن‬ ‫نلحق به القضاء لأنه ينبغي الا يكون سلطة سياسية بل هو سلطة معرفية وخلقية‪ :‬معرفية‬ ‫لأنه ينزل النصوص على النوازل وهي من ثم مسألة معرفية وينزلها بمعزل عن مفعول‬ ‫القوة والسياسية وهي من ثم سلطة خلقية‪ .‬فيكون رئيس الدولة سلطة رمزية وخلقية يحمي‬ ‫وحدة الجماعة‪ .‬ولا يوحد الجماعة غير الرموز والاخلاق لأن ما بقي من المصالح قد يكون‬ ‫سبب صراع يفتت الامة‪.‬‬ ‫يمكن أن نختم بملاحظتين‪:‬‬ ‫‪-1‬أولا ما كان ينقص هذه الرؤية في الإسلام هو ضبط نظام المكان أو وصل القوامة التي‬ ‫تتعلق بالرعاية والحماية بما يجعلها محايثة للمكان كله فلا تكون الدولة غير محيطة بحيز‬ ‫المكان وثمرته التي هي الثروة‪ .‬ثم ضبط الزمان أو وصل القوامة بما يجعلها محددة بآجال‬ ‫تحكم التداول بتعيين المدد بحيث إن من ينتخب لا ينتخب مدى الحياة بل لا بد من أن يحصل‬ ‫ما يقرب من نظام الأجيال في الحياة ولكن بمدد أقصر تكون بالقياس إلى أعمار الأجيال‬ ‫ذات الفاعلية ‪-‬بطرف الطفولة والشيخوخة‪ -‬فتكون كسرا من أربعين سنة هي ما بين‬ ‫العشرين والستين من عمر الأنسان وليكن عشر الأربعين‪ :‬وهو النظام الامريكي تقريبا‬ ‫وقبول المضاعفة بحق الترشح مدتين فيكون الخمس‪.‬‬ ‫‪-2‬التطبيق الصارم للآية ‪ 38‬من الشورى وفيها خمسة مبادئ هي التي جعلتني اعتبر‬ ‫الإسلام قد حدد بصورة دقيقة وصارمة نظام الحكم‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪98‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬الاستجابة إلى الربوبية تعني أمرين‪ :‬المرجعية دينية لكنها كونية لأن الرب يشمل كل‬ ‫الأديان بخلاف الألوهية‪.‬‬ ‫‪-2‬وإقامة الصلاة لا تعني صلاة المسلمين وحدهم بل هي صلاة أي دين وهي بالأساس‬ ‫مناجاة المؤمن لربه وحتى الملحد لربه لأن المربوبية ليس خيارا بخلاف الآلهية‪ .‬والدليل أن‬ ‫دفع الناس بعضهم ببعض في القرآن تعلق في أحد معانيه بحماية كل المعابد‪.‬‬ ‫‪ -3‬طبيعة النظام‪\" :‬أمر ‪ +‬هم\"= \"أمر الجماعة\"‪ .‬وهو ترجمة حرفية لمصطلح لاتيني هو‬ ‫\"راس (=أمر) ‪+‬بوبليكا (الجماعة)\" أي جمهورية‪.‬‬ ‫‪-4‬أسلوب الحكم‪\" :‬شورى‪+‬بينهم\"=حكم الجماعة يكون بتشاورها‪ .‬وهو ترجمة حرفية‬ ‫لمصطلح يوناني هو \"ديمو(شعب) كراصيا (سلطة) أي ديموقراطية‪.‬‬ ‫‪-5‬وإذن فالنظام السياسي يحكم بالشورى وهو بالأساس لحل مشكل اقتصادي اجتماعي‪:‬‬ ‫ومما رزقناهم ينفقون‪.‬‬ ‫ولهذه العلة اعتبرت أن القوة السياسة التي لها مرجعية إسلامية أو الإسلام السياسي لا‬ ‫يكون بحق ذا مرجعية إسلامية إلا إذا كان يمين اليسار‪ .‬فهو يسار بمعنى أنه يقدم‬ ‫الاجتماعي على السياسي لأن الانفاق من الرزق يتعلق بتوزيع الثروة بالعدل بين‬ ‫المواطنين‪ .‬لكن لا يمكن توزيع المعدوم ومن ثم فلا بد من تشجيع منتجي الثروة‪ .‬ولذلك‬ ‫فالاجتماعي غاية والاقتصادي أداة‪ .‬وهو من حيث الغاية يساري ومن حيث الاداة يميني‬ ‫فتكون سياسته يمين اليسار‪.‬‬ ‫والله أعلم وأحكم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪99‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫تعددت الأحزاب في تونس مباشرة بعد الثورة حتى فاق عددها المائتين‪ .‬ولعل ذلك علامة‬ ‫رد فعل مؤقت على حرمان من المشاركة في الحياة السياسية دام طويلا‪ .‬لكنه تبين بالتدريج‬ ‫فعلا يوصل أصحابه إلى مغنم ينتج عن المشاركة في ما صار يعتبر مصدر الجاه والوجاهة‪.‬‬ ‫تبين أن السياسة صارت صنعة من ليس له ما يصنع أو من اكتشف أقرب طريق للإثراء‬ ‫السريع كالحال في نظام ما قبل الثورة ورديفه النقابي بصنفيه‪.‬‬ ‫فحتى النيابة عن الشعب صارت تجارة وأصبح النواب يباعون في سوق النخاسة السياسية‬ ‫وكثرت الاختراقات من المافيات الداخلية والأنظمة الخارجية التي تمولها وتمول وجاهاتها‬ ‫السياسية التي هي العلة الأساسية لهذا التعدد العجيب واللامحمود في حياة الشعوب السوية‬ ‫وذات السيادة الفعلية أعني دور السياسيين الذين يمثلون إرادتها بحق‪.‬‬ ‫لكن هذا التمهيد لا يتعلق بموضوع بحثي بل بالمناسبة التي دفعت إلى البحث في مسألة‬ ‫تكوينية القوى السياسية ‪-‬وشكلها الحالي هو الأحزاب‪-‬ومسألة تصنيفها باعتبار الأمرين‬ ‫يتعلقان‪:‬‬ ‫‪-1‬بمضمون الخانة الثانية في نظام الأدوات أو البنية المجردة لمفهوم الدولة كما بينته في‬ ‫فصول المحاولة المتعلقة بالدستور فصولها السبعة أعني خانة القوى السياسية‬ ‫‪-2‬مباشرة بعد مضمون خانة المرجعية التي هي أصل ما تكون عليه كل الخانات الأربع‬ ‫التي تليها والتي تحدد المعادلة السياسية في أي جماعة مؤلفة من مواطنين أحرار لا يعبدون‬ ‫العباد بل رب العباد حتى لو كانوا ملحدين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪100‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-3‬ومباشرة قبل مضمون خانة الدستور الذي يعين ما توافقت عليه القوى السياسية من‬ ‫تأويل مشترك للمرجعية حول تحويل قيمها إلى قوى سياسية منها يستخرج مضمون الخانة‬ ‫الرابعة أي‪:‬‬ ‫‪ -4‬مضمون خانة الحكم والمعارضة بوصفهما شرطي التداول على وظائف قوامة الوظائف‬ ‫التي من دونها لا يمكن للجماعة أن تصبح ذات نظام أداتي يحقق نظام الغايات الذي يجعل‬ ‫العيش المشترك بينها سلميا لكونها تحقق بها رعاية ذاتها وحمايتها‪.‬‬ ‫‪-5‬فتكون الغاية هي تعيين مضمون نظام الأدوات لملء خانات البنية المجردة وتلك هي‬ ‫الخانة أي وظائف الجماعة ومهام القوامة السياسية التي دور الحكم والتربية في شرطي‬ ‫السيادة في الرعاية والحماية‪.‬‬ ‫وصلت الآن إلى الغاية المضاعفة المتعلقة بموضوع البحث واعتذر إن كان الوصول قد‬ ‫تطلب الكثير من المقدمات‪-‬التي عرضت في محاولة الدستور السابقة والتي ستلي تعليل‬ ‫رفضي التصنيف الحالي المؤسس على صدفة تاريخية هي صدفة جلوس نواب الثورة‬ ‫الفرنسية في مجلس النواب‪.‬‬ ‫وينبغي في مثل هذه الحالات أن يتخلى الفكر العربي على توهم ناطحات السحاب الفكرية‬ ‫من جنس الخيام التي يعتمد عليها بادئ الرأي العامي‪ .‬فالخيام يمكن بناؤها في لحظة لأنها‬ ‫لا تحتاج إلى تأسيس‪ .‬يكفي غرز أوتاد في الرمل وشدها بحبال ثم رمي أي رداء عليها لتكون‬ ‫كنا بدائيا‪ .‬لكن ناطحة السحاب يكون عمق أساسها متناسبا مع علو سنامها‪.‬‬ ‫والسنام في حالتنا هو مفهوم القوة السياسة التي تكون‪:‬‬ ‫‪ .1‬قوة لا تعمل بالعنف كما يفهم عادة من مفهوم القوة لأنها ليست طبيعية بل هي‬ ‫متعالية على الطبيعي دون نفي له وهي قوة الشرعية التي لا تخلو من شوكة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪101‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪ .2‬وهو معنى كونها سياسة لأنها تحقق أهدافها بنوعي الوزع بلغة ابن خلدون‪ :‬الوزع‬ ‫بالتربية لتنمية الوزع الذاتي والوزع بالحكم لتدارك ما لا يكفي فيه الوزع الذاتي بالوزع‬ ‫القانون‪.‬‬ ‫وهذا هو تعريف القوة السياسية فهي تنفيذ القانون بقوة الدولة السياسية ذات الشرعية‬ ‫المستمدة مما تقتضيه كرامة الإنسان وحريته اللتين تجعلانه ذاتي التشريع (أوتونوم)‬ ‫يضع القانون الخلقي والسياسي لكونه يميز بين موجوده ومنشوده أي فيتجاوز الأول بفضل‬ ‫الثاني وذلك هو التعالي عن القوة العمياء التي ترده إلى قوى الحيوان الطبيعية لترفعه‬ ‫إلى قوة الإنسانية الخلقية كما تتبين من علاقة كيانه الروحي بكيانه العضوي‪:‬‬ ‫وإذن فالمطلوب فهم تخلق السياسي لدى الجماعات البشرية من منطلق هذه العلاقة في‬ ‫كيان الإنسان ببعديه وفي علاقة الجماعة بعالمها التاريخي كجماعة في علاقة بعالمها الطبيعي‬ ‫فنبحث في‪:‬‬ ‫‪-1‬تكوينية القوى السياسية ببيان البداية والغاية في المسعى للانتقال من القوة الطبيعية‬ ‫إلى القوة الخلقية أو من العيش المشترك العنيف إلى العيش المشترك اللطيف وهو معنى‬ ‫السلام في الإسلام‪.‬‬ ‫‪-2‬تصنيف القوى السياسية ببيان ما يدين به إلى صدفة هي مجالس النواب في مجلس‬ ‫النواب الذي أنشأته الثورة الفرنسية إلى تصنيف لا يستند إلى الصدف بل إلى ما تمثله‬ ‫القوة السياسة من دلالة على الكرامة والحرية‪.‬‬ ‫ولو كانت الأسماء التي تطلق على القوى السياسية التي تعتمد على الصدفة مطابقة لما‬ ‫يزعم لها لاكتفينا بها‪ :‬يسار ويمين‪ .‬لكنها صارت لا تعني شيئا لأن مدلول اليسار واليمين‬ ‫لم يعد لهما معنى لما فيهما من تناقض الدلالة كما أبين‪ .‬فلا يمكن أن نفهم مثلا كيف يمكن‬ ‫أن نسمي يسارا القوة السياسية التي لا ترى التناقض بين ما تطلبه وما تعلل به طلبها‬ ‫فلسفيا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪102‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫فكيف يمكن أن يكون القانون هو المادية الجدلية والغاية هي ما يتعالى على المادية؟ أو‬ ‫كيف يمكن أن يكون القانون الخلقي غاية لتفسير يستند إلى القانون الطبيعي في رؤية‬ ‫تقول بصراع الطبقات وفاعلية البنية التحتية في البنية الفوقية؟‬ ‫فإلام ينتسب الوعي الطبقي بعلاقة التحتية بالفوقية؟‬ ‫والسعي إلى المساواة والحرية والكرامة هي هو مسار ضرورة أم مسار حرية؟‬ ‫وبعبارة وجيزة كيف يكون \"الملحد\" رحيما بالعباد وثائرا من أجل العدل والحرية‬ ‫والكرامة (اليسار)؟‬ ‫وكيف يكون \"المؤمن\" الذي يتردد على المساجد والكنائس والبيع شديدا على العباد لا‬ ‫عدل ولا رحمة ولا كرامة ولا حرية لغير طبقته (اليمين)؟‬ ‫هذا هو التناقض في الحالتين وهو ما يتنافى مع التمييز بين‪:‬‬ ‫‪-1‬قانون الحرية الذي من المفروض أن يحدد القوى السياسية بكل أصنافها لأنها تتعلق‬ ‫بنوع من القوانين والتنظيم لا يمكن أن يكتفي بالقوى الطبيعية وقانونها الضرورة بل هي‬ ‫فعل للتحرر منها ليكون البديل قانون الحرية والأخلاق‪.‬‬ ‫‪-2‬ومن ثم فقانون الضرورة إذا صار هو المحدد الفعلي للقوى السياسية يكون عين‬ ‫التناقض مع دلالة القوة السياسية من حيث هي مشروطة بقانون الحرية غاية منشودة على‬ ‫الأقل إذا لم تكن حقيقة موجودة بالفعل لأن النظامين ينفيان أدنى مظاهرها‪.‬‬ ‫فاليمين لا حاجة لنا بالاستدلال على نفيه للحرية والكرامة لغير طبقته أو لغير جنسه‪:‬‬ ‫إذ سياسته عنصرية بالجوهر وهي من ثم أقرب إلى معنى الديموقراطية اليونانية أي الحكم‬ ‫المبني على التمييز بين السادة والعبيد‪.‬‬ ‫واليسار في سعيه لتحقيقهما لطبقته صار أشد عليها من اليمين لأنه عوض الكنسية‬ ‫وسيطرة الطبقة الغنية بالحزب الشيوعي وسيطرة الطبقة الحاكمة‪ .‬ومن يتوهم أنه يوجد‬ ‫فرق بين اليسار واليمين يكتفي بالأقوال ولا ينظر إلى الأفعال‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪103‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫وإذن فتعريف القوى السياسية باليسار واليمين لم يعد صالحا فضلا عن كونه نتج عن‬ ‫صدفة الجلوس لنواب الثورة الفرنسية‪ .‬وكان يمكن القبول بالتسمية الاتفاقية لو لم تصبح‬ ‫غطاء على هذين العيبين وخاصة في اليسار‪ .‬فاليسار يخفي طابعة الأكثر تناقضا من اليمين‬ ‫عندما ننظر في الأفعال ولا نكتفي بالأقوال‪.‬‬ ‫ويكفي وضعيتان دالتان على ما أقول‪ :‬اليسار الذي وصل إلى الحكم في نظام مجانس‬ ‫للسوفيات واليسار المعارض لثقافة الشعوب التابعة‪ .‬فهو في هذه أكثر عنصرية إزاء شعبه‬ ‫من اليمين الغربي الذي استعمرها لأنه يعاملها معاملته للأنديجان‪ .‬والسوفيات لا أحتاج‬ ‫لبيان مآل الشعوب التي حكموها‪ :‬صارت فاقدة لمعنى الحرية والكرامة‪.‬‬ ‫لذلك فليس القصد مجرد تغيير للأسماء بل هو تغيير لفهم المسميات وتحريرها من هذا‬ ‫الخداع‪ .‬ينبغي أن يكون القصد هو التغيير من أجل محاولة الوصول إلى جعل الأصناف‬ ‫تعرف بوظيفتها لعلها تسعى إلى المطابقة بين الاسم والمسمى بعد أن نعلم حقيقة المسمى إذا‬ ‫أسسناه في قانون الحرية الذي ينطبق على الإنسان عندما يسعى للتعالي على الإخلاد إلى‬ ‫الأرض فلا يقبل بدين العجل وتحول السياسة مجرد أداة للتغطية على هذه البنية العميقة‬ ‫لأنظمة الحكم‪.‬‬ ‫التكوينية‬ ‫يمكن القول إن تكوينية القوى السياسية هي ما يحصل بين بداية وعي الإنسان فردا‬ ‫وجماعة بذاته وغاية هي الوعي بعلاقة الذات الإنسانية فردا وجماعة‪:‬‬ ‫‪-1‬بشروط قيامه العضوي أولا أي بما يسد حاجاته التي من دونها لا يمكن بقاؤه من‬ ‫دونه أي ما اصطلحت على تسميته بالمائدة والسرير‪.‬‬ ‫‪-2‬وبشروط قيامه العائد على كيانه العضوي وعيا به وبشروطه وبالوعي ولنسم ذلك‬ ‫كيانه الروحي‪ .‬وقد اصطلحت على تسميته بفني المائدة والسرير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪104‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫فإذا اعتبرنا هذه العودة على الذات من حيث كيانها العضوي وعيا عائدا على الذات‬ ‫وسميناه كيان الذات الروحي كان للإنسان علاقتين شارطتين لبقائه فردا وجماعة‪:‬‬ ‫‪-1‬علاقة بالطبيعة بما هي مصدر القيام العضوي‪.‬‬ ‫‪-2‬وعلاقة بالتاريخ من حيث هو مصدر القيام الروحي‪.‬‬ ‫والثانية هي عين مسار الوعي بالكيان العضوي وبمسار علاقته بالطبيعة بوصفه تذكرا‬ ‫لما مضى منه وتوقعا لما هو آت منه‪:‬‬ ‫‪-1‬وتذكر الماضي مضاعف لأنه أحداث علاقته بالطبيعة‪ .‬وهذه الأحداث هي موضوع‬ ‫أحاديث فعل التذكر‪ .‬فيطلب الإنسان نظام الاحداث قياسا على نظام الأحاديث‪.‬‬ ‫‪-2‬وتوقع المستقبل مضاعف لأنه أحاديث حول أحداث علاقته بالطبيعة في المستقبل‪.‬‬ ‫فيطلب نظامها قيسا للمقبل على المدبر من علاقته بالطبيعة أحداثا وأحاديث‪.‬‬ ‫وليس حاضر للإنسان إلا لقاءا دائما بين أحاديث الماضي التي يتذكر بها أحداث موجوده‬ ‫وبين أحاديث المستقبل التي يتوقع بها أحداث منشوده‪ .‬فيكون حاضر الإنسان محيطا‬ ‫بالماضي وبالمستقبل وليس محاطا بهما وفي هذه الإحاطة يكتشف الإنسان في شكل عقد أو‬ ‫في شكل فرض نظاما يضبط علاقته بالطبيعة وعلاقته بالتاريخ‪.‬‬ ‫ولما يدرك أن هذا النظام ليس من صنعه وخاصة في بداية تاريخه عندما لا يكون شبه‬ ‫تابع لما يستمده من الطبيعة فإنه يسقط عليه صورة عودته عليه فيتصور ما وراء الطبيعة‬ ‫وما وراء التاريخ مجانسين لطبيعته وتاريخه فيؤلههما بما يجده فيهما من فارق معه من حيث‬ ‫الكم والكيف ويعتبر ما فيهما من نظام يدين له ببقائه بداية الوعي بما وراء له إرادة‬ ‫وعلم وقدرة وحياة ورؤية مثله لكنها جميعا مطلقة إذا قيست بما لديه منها شديد النسبية‪.‬‬ ‫وقد أطلقت على هذه الرؤية مصطلح المعادلة الوجودية ولنوردها بترتيب معكوس‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪105‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-5‬فأصلها وقلبها هو الإنسان فردا وجماعة في علاقة مباشرة مع هذا الماوراء الذي يقيسه‬ ‫على نفسه مع اطلاق المقيس على المقياس ثم يضع على جانبي هذه العلاقة بالطبيعة وبما‬ ‫ورائيها والعلاقة بالتاريخ وبما ورائه‪.‬‬ ‫فتكون علاقة الإنسان فردا وجماعة بالإلهة في كل جماعة وكأنها جماعة تشبه البشر مع‬ ‫إطلاق الصفات وذلك هو مصدر الميثولوجيات لأنه الإنسان لا يستطيع تصورها إلا بالقياس‬ ‫إلى ذاته وحول هذه العلاقة المباشرة بالآلهة أربع علاقات هي‪:‬‬ ‫‪-4‬علاقته بالتاريخ أي ما يجري في الجماعة وهي متقدمة على العلاقة بالطبيعة لأن‬ ‫الجماعة في هذه الحالة متقدمة على الفرد إذ هي شرط انتقاله من اللاوعي إلى الوعي‬ ‫عضويا وروحيا‪.‬‬ ‫‪-3‬علاقته بما ورائه أي بما يجري في نظام السلطة فيها وهي العلاقة التي يسقطها على‬ ‫العالم فينتج الميوثولوجيات التي هي بداية الوعي الديني الطبيعي قبل الوصول إلى‬ ‫الأديان المنزلة‪.‬‬ ‫‪-2‬علاقته بالطبيعة تبدأ بإسقاط الرابعة عليها أي إن الطبيعة لا يمكن تصورها إنسانيا‬ ‫إلى مروحنة أي إن كل ظاهرات الطبيعة تعتبر كائنات حية ويتعامل الإنسان فردا وجماعة‬ ‫معها وكأنها كائنات حية وليس كما نراها نحن الآن مجرد كائنات طبيعية لا روح فيها‪.‬‬ ‫‪-1‬علاقته بما ورائها اسقاط نظام الثالثة على نظامها وتلك هي رؤية العالم التي لم يكن‬ ‫فيها الإنسان يميز بين الحي والجامد‪ .‬كان العالم كله تجليات ربانية أو إلهية متحررة من‬ ‫اسقاط الرؤية الميكانيكية التي تعمل بها الفيزياء الحديثة‪.‬‬ ‫وهذا هو المسار الذي تتبعه نظرية القوى السياسية التي تكون أولى مراحلها تأليه‬ ‫أصحاب السلطة في التاريخ ثم تأليه السلطة في الطبيعة ثم يليها التحرر من تأليه السلطة‬ ‫في الطبيعة ثم من تأليه السلطة في التاريخ حتى نصل إلى الوحدانية إما المحايثة في العالم‬ ‫ككل (وحدة الوجود بكل أصنافها) أو المفارقة للعالم ككل (مفارقة الإلهي للعالمي)‪ .‬وهذا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪106‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫هو مضمون المرجعية التي تترتب عليها القوى السياسية الخمس انطلاقا من تعريف الإنسان‬ ‫بهذه المعاني الخمسة‪:‬‬ ‫‪-1‬القوة السياسية التي تستمد رؤاها من مفهوم الإنسان مستخلفا في الأرض أي من‬ ‫علاقته بالتاريخ ‪ :‬قوة سياسية مستمدة من الثقافة الروحية والتراث‪.‬‬ ‫‪-2‬القوة السياسية التي تستمد رؤاها من مفهوم الإنسان مستعمرا في الأرض أي من‬ ‫علاقته بالطبيعة‪ :‬قوة سياسية مستمدة من الثقافة الاقتصادية والثروة‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن \"اليسار\" متقدم على اليمين تاريخيا لأنه يعود في الحقيقة إلى رؤية‬ ‫الجماعة وكأنه أسرة واحدة دون طبقية والاقتصاد أداة لحياة الجماعة ولا ينبغي أن يخضع‬ ‫للتنافس‪ .‬والشيوعية تريد العودة إلى هذه المرحلة‪ .‬وحتى الموقف من المرأة فهو مفهوم من‬ ‫هذه الناحية لأن المحارم لم تكن موجودة في البداية وهي اجراء متأخر لعلة اقتصادية‬ ‫(تبادل النساء لتوسيع الجماعة والسوق) وتبين لاحقا أنها صحية أيضا (ضرر التزاوج بين‬ ‫الاقرباء)‪.‬‬ ‫‪-3‬القوة السياسية التي تتكون من أخذ الأولى من الثانية بعض مزيتها أو الاستعمار‬ ‫الاستخلافي‪.‬‬ ‫‪-4‬القوة السياسية التي تتكون من أخذ الثانية من الأولى بعض مزيتها أو الاستخلاف‬ ‫الاستعماري‪.‬‬ ‫‪-5‬القوة المحايدة أو التي تختار أيا منها بحسب الظرفية وهي القوة الوسطى‪.‬‬ ‫والأولى تختلف عن اليمن الملحد لأنها تسقط نظامها على ماوراء العالم وتعتبره محايثا‬ ‫أو مفارقا‪.‬‬ ‫والأولى تختلف إذن عن اليسار الملحد دينيا لأنها تسقط نظامها على ما وراء العالم‬ ‫وتعتبره محايثا أو مفارقا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪107‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫والثانية تختلف إذن عن اليمين المنافق دينيا لأنها تعامل الطبيعة كجماعة حية وليس‬ ‫كجهاز آلي جامد يعمل دون غائية‪.‬‬ ‫والثالثة تتكون من الأولى مع شيء من الثانية فيتكون الاستخلاف الاستعماري أو يمين‬ ‫اليسار‪.‬‬ ‫والرابعة تتكون من الثانية مع شيء من الأولى فيتكون الاستعمار الاستخلافي أو يسار‬ ‫اليمين‪.‬‬ ‫والخامسة فيها من الأربعة السابقة بحسب ظرفية تجعلها تنظم إليها بحسب توازن القوى‬ ‫السياسية في الجماعة‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن الإسلام السياسي الحالي لا يفهم القائلون به معنى كونه ذا مرجعية‬ ‫إسلامية لأن ذلك يقتضي أن يكون يمين اليسار أو الاستخلاف الاستعماري بمعنى أن غايته‬ ‫الاستخلاف أو العدل الاجتماعي وأداته الاقتصاد غير الربوي أو الاقتصاد الذي تكون فيه‬ ‫العملة أداة تبادل وليس أداة سلطان على المتبادلين وتكون في الكلمة أداة تواصل وليس‬ ‫أداة سلطان على المتواصلين‪ .‬لكنه لسوء الحظ يعيش على الرماية في عماية ويتدخل في‬ ‫العبادات ويقصر الاستخلاف عليها ويطبق على المعاملات ما يطبقه الاستعمار من دون‬ ‫استخلاف‪.‬‬ ‫وها قد آن أوان شرح هذه التكوينية وهذا التصنيف الذي ينبني على الواحد في الديني‬ ‫والفلسفي إذا كانا كونيين وغير محرفين‪ .‬فلأشرح مسألة الواحد المشترك بين الديني‬ ‫والفلسفي والذي يتعالى على تقابلهما فيبرر ظاهرة ظلت عصية على الفهم في الإسلام وهي‬ ‫ظاهرة التمييز بين ضرورة التعدد الديني أمرا واقعا ووحدته أمرا واجبا ما يجعل ضم‬ ‫الملحدين إلى المؤمنين في دولته أمرا طبيعيا‪.‬‬ ‫ففي هذه القضية المتعلقة بخانات نظام الأدوات السياسية التي هي بنية الدولة المجردة‬ ‫لأنها هي السر في رؤية الإسلام للسياسة والحكم وهي تتأسس في سورة الحج ‪ .17‬ففيها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪108‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫يرجيء القرآن الفصل بين الأديان المتعددة أمرا واقعا إلى يوم الدين لبيان الدين الواحد‬ ‫عند الله‪ .‬فهو يعتبر التعدد من شروط أمرين تثبتهما البقرة والمائدة‪:‬‬ ‫‪-1‬فلا يمكن من دون التعدد الديني بوصفه أمرا واقعا‪ -‬رغم أن الديني واحد بوصفه‬ ‫أمرا واجبا‪ -‬تأسيس حرية المعتقد لأنها تحتاج إلى حرية الاختيار العقدي‪ :‬الآية ‪ 256‬تفقد‬ ‫دلالتها من دون التعدد الديني‪.‬‬ ‫‪-2‬ولا يمكن أن يكون البحث عن الحقيقة غاية الدين إذا لم يحصل تدرج في الوعي‬ ‫الديني بوصفه وعيا بالحقيقة الواحدة على الأقل في الواجب إن لم تكن متعددة في الواقع‪:‬‬ ‫وتلك هي علة الآية ‪ 48‬من المائدة أي التسابق في الخيرات‪.‬‬ ‫ولذلك فحتى الشرك اعتبره القرآن دينا بمعنى الأمر الواقع (الحج ‪ .)17‬ومن ثم‬ ‫فالملحدون في هذه الحالة يمكن أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق في دولة الإسلام لأنهم في‬ ‫الحقيقة لا يخلون من جذع الإيمان الذي لا يخلو منه إنسان‪ .‬ذلك أنه لا يكفي أن يكونوا‬ ‫دائنين بقوانين الطبيعة بل لا بد أن يكون ضمير تدينهم بها وضع معنى ما فيها مخالف‬ ‫لقانونها هو المبدأ المشترك بين الديني والفلسفي‪.‬‬ ‫فالطبيعة من حيث هو طبيعة خالصة لا تعرف إلا قانونا واحدا هو قانون القوة‬ ‫والضرورة‪ .‬ومن ثم فهي لا يمكن أن تؤسس الحق والواجب اللذين لا معنى لهما من دون‬ ‫قانون الحق والحرية‪ .‬ليس في الطبيعة معنى لحق ولا لواجب‪ .‬ومن ثم فالملحدون وإن بغير‬ ‫وعي يؤمنون بـ\"شيء\" ما يتجاوز قانون الطبيعة‪ :‬إنه القانون الخلقي الذي يؤسس القانون‬ ‫السياسي شرط العيش المشترك بين البشر وبينهم وبين غيرهم من الموجودات‪ .‬وذلك هو‬ ‫جوهر الأساس المشترك بين الديني والفلسفي أعني الأساس الذي يستثني الإنسان من‬ ‫الضرورة وينسب إليه الحرية التي هي أصل الحق والواجب‪.‬‬ ‫وهذا الضمير اللاواعي عند الملحد يثبت أن إلحاده كفر بما يغلب على الأديان الوضعية‬ ‫من توظيف ينفي جوهرها وليس كفرا بأصل الديني والفلسفي في ما فطر عليه الإنسان من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪109‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫وعي بهذا الأساس‪ .‬ومن ثم فالإلحاد مستحيل لأن المشترك بين الديني والفلسفي هو جوهر‬ ‫الإسلام وهو يبقى في الشرك شبه بذرة لا بد لها من شرط التعدد شرطا في التسابق في‬ ‫الخيرات‪.‬‬ ‫ففي البقرة ‪ 62‬وفي المائدة ‪ 69‬وفي الحج ‪ 17‬ما يثبت بصورة لا جدال فيها أن البقرة ‪256‬‬ ‫والمائدة ‪ 48‬يحددان ما لا يمكن ألا يكون أصلا لفهم دستور الرسول الذي لم يستثن اليهودي‬ ‫والجاهلي والمسلم من دستور المدينة بل جمع بينهم لأن مهام الدولة مستمدة الحاجة إلى‬ ‫توفير شرطي الحرية العقدية والتسابق في الخيرات للاختيار الحر‪ .‬فمهمة الدولة من حيث‬ ‫هي نظام الأدوات هي تحقيق شروط إنجاز نظام ا الغايات من دورها الذي لا يتجاوز‬ ‫الرعاية والحماية المشتركة للجماعة التي هذه هي مرجعيتها‪.‬‬ ‫وإذن فحتى الأديان الطبيعية رغم كونها ليست منزلة يبقى عمادها هذه البذرة الإيمانية‬ ‫بأن الإنسان مستثنى من قانون الطبيعة أي من سلطان القوة والضرورة في منشوده حتى‬ ‫وإن كان ذلك عسيرا في موجوده‪ .‬فمن الإيمان وليس من العلم بأن الإنسان يخضع لقوانين‬ ‫الحرية لا لقوانين الضرورة أي لما يتعالى على الطبيعي في الطبيعة وغايته ما يسمونه‬ ‫\"حقوق الإنسان\" مع الغفلة عن واجباته إزاء الغير بما في ذلك الطبيعة والتاريخ لأن مفهوم‬ ‫الواجبات أوسع‪ :‬فحقوق الإنسان فرع عن واجباته إذ هي عين واجباته إزاء ذاته‪.‬‬ ‫وبذلك فقد تحررنا من تعريف القوى السياسية بالدين (في النظام الثيوقراطي) أو‬ ‫بالدنيا (في النظام الديموقراطي) وخاصة من بنيتهما العميقة المشتركة التي بينت في بحوث‬ ‫سابقة أنه نظام يستند إلى أداتي السلطان الفعلي فيهما وهما غير ما يعلنانه (النظام‬ ‫الأبيسيوقراطي)‪ .‬فالسلطان فيهما هو سلطان بعدي العجل أي‪:‬‬ ‫‪-1‬رمز ربا الأموال (الذهب أو العملة عامة) أو تحريف الاقتصاد شرط قيام الإنسان‬ ‫المادي وتحويله إلى سلطان البعض على البعض ماديا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪110‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-2‬ورمز ربا الأقوال (الخوار أو الكلمة عامة) او تحريف الثقافة شرط قيام الإنسان‬ ‫الروحي وتحوليه إلى سلطان البعض على البعض روحيا‪.‬‬ ‫وهذا هو الأساس المشترك للثيوقراطيا أو الحكم الكاذب باسم الله والديموقراطيا أو‬ ‫الحكم الكاذب باسم الإنسان‪ .‬وكلاهما يدنس ما يدعي الحكم باسمه بجعله غطاء للحكم‬ ‫باسم بعدي العجل أي ربا الأموال وربا الأقوال‪.‬‬ ‫والقرآن يعتبر الله في حرب عليهما‪ .‬وذلك بين بخصوص الأول لأنه جاء فيه نصا‪ :‬ربا‬ ‫الأموال أو الذهب‪ .‬والثاني قابل للاستنتاج من المقت الأشد لقول الإنسان ما لا يفعل‬ ‫بخصوص الثاني‪ :‬ربا الاقوال أو الخوار‪ .‬وهذه العملية التي تجعل الثيوقراطيا‬ ‫والديموقراطيا تشتركان في بنية مشتركة هي بعدا دين العجل تتألف من تحريفين‪:‬‬ ‫‪-1‬تحويل الأدوات إلى غايات‪ :‬فالاقتصاد أداة لقيام الإنسان العضوي‪ .‬والثقافة أداة‬ ‫لقيام الإنسان الروحي‪ .‬لكن الغاية هي قيام الإنسان العضوي وقيامه الروحي‪ .‬فإذا صارا‬ ‫أداتين لجعل القيام حطا من الإنسان وإرجاعه إلى قانون الطبيعة أي القوة والضرورة‬ ‫فهما يصبحان شرط لرده أسفل سافلين فيصبح مخلدا للأرض وليس متعاليا عليها‪ :‬ولا فرق‬ ‫بين صاحب الأداة أو الخاضع لها‪.‬‬ ‫‪-2‬تحويل أداة التبادل إلى سلطان على المتبادلين (العملة الربوية) وتحويل أداة‬ ‫التواصل إلى سلطان على المتواصلين (الكلمة الربوية) فيصبح شرط العيش المشترك‬ ‫التبادل والتواصل نفيا لهما ونقلهما من أداتي تحرير إلى أداتي عبودية‪ .‬فالتبادل علته‬ ‫التعاون وشرطه التعاوض ومن ثم فكل ما يتم تبادله له نفس المنزلة الخلقية حتى وإن لم‬ ‫تكن له نفس القيمة الاقتصادية‪ .‬فإذا سويت الأولى بالثانية زال الفرق بين نوعي القيم‪:‬‬ ‫‪-1‬القيم الاقتصادية التي هي أداتية بصنفيها الاستعمال والتبادل‪.‬‬ ‫‪-2‬القيم الخلقية التي هي غائية بصنفيها الكرامة والحرية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪111‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫فالقيمة الاستعمالية أداة الكرامة لأن انتاج الثروة شرطه تقسيم العمل الذي ينتجها‬ ‫وهي خمسة شروط هي الإبداع العلمي والاستثمار الاقتصادي والعمل المنتج والتمويل‬ ‫الاقتصادي والاستهلاك‪ .‬وكلها يتساوى فيها الناس لأنها سد لحاجات استعمالية‪.‬‬ ‫والقيمة التبادلية أداة الحرية لأن التراتب بين قيم الأشياء ليس إلا من علامات التحرر‬ ‫من سد الحاجات العضوية والسمو إلى سد الحاجات الروحية‪ :‬ذلك أن ما تختلف به قيمة‬ ‫التبادل عن قيمة الاستعمال يتعلق بالجمالي والجلالي وليس بسد الحاجات العضوية‪.‬‬ ‫فإذا صارت الكرامة والحرية هما بدورهما قابلتين للبيع والشراء مثل ما يسد الحاجة‬ ‫العضوية وما يسد الحاجة الروحية نكص الإنسان إلى الحيوانية وفقد القيمتين اللتين‬ ‫تميزانه عن غيره من الحيوانات فيخلد إلى الأرض ولا يبقى له وعي بكرامته ولا بحريته‬ ‫فيصبح مستعدا لعبودية ربا الأموال ولعبودية ربا الأقوال‪.‬‬ ‫تلك هي ثورة الإسلام‪ .‬وتلك هي علة كونه يمثل مستقبل الإنسانية لأنه سيحررها من‬ ‫النظام الأبيسيوقراطي فيحرر الإنسان من ربا الأموال وربا الأقوال بحيث تصبح العملة‬ ‫أداة تبادل لا سلطان لها على المتبادلين وتصبح الكلمة أداة تواصل لا سلطان لها على‬ ‫المتواصلين‪ .‬وذلك ما كان علينا بيانه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪112‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪113‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook