-- حكومة ظل بمعنى أنها تستعد للحكم إذا تغير رأي الشعب في الأغلبية الحاكمة وطلب بديلا منها. وأضيف أمرا سبقت إليه الأمة وله مثيل اليوم في انجلترا وفي ألمانيا وهو يتعلق برمز وحدة الجماعة لأن السلطتين التنفيذية والتشريعية محل تنافس وتسابق قد يحد من الوحدة :ففي الخلافة لما انفصل التنفيذ عن الرمزيات آلت هذه إلى الخليفة الذي صارت سلطته رمزية تعد وسطا بين ملكة انجلترا ورئيس ألمانيا .لا بد إذن من رئيس دولة يكون ذا سلطة رمزية يجمع عليه الحكم والمعارضة ويكون ممثلا لسلطة رمزية وخلقية يمكن أن نلحق به القضاء لأنه ينبغي الا يكون سلطة سياسية بل هو سلطة معرفية وخلقية :معرفية لأنه ينزل النصوص على النوازل وهي من ثم مسألة معرفية وينزلها بمعزل عن مفعول القوة والسياسية وهي من ثم سلطة خلقية .فيكون رئيس الدولة سلطة رمزية وخلقية يحمي وحدة الجماعة .ولا يوحد الجماعة غير الرموز والاخلاق لأن ما بقي من المصالح قد يكون سبب صراع يفتت الامة. يمكن أن نختم بملاحظتين: -1أولا ما كان ينقص هذه الرؤية في الإسلام هو ضبط نظام المكان أو وصل القوامة التي تتعلق بالرعاية والحماية بما يجعلها محايثة للمكان كله فلا تكون الدولة غير محيطة بحيز المكان وثمرته التي هي الثروة .ثم ضبط الزمان أو وصل القوامة بما يجعلها محددة بآجال تحكم التداول بتعيين المدد بحيث إن من ينتخب لا ينتخب مدى الحياة بل لا بد من أن يحصل ما يقرب من نظام الأجيال في الحياة ولكن بمدد أقصر تكون بالقياس إلى أعمار الأجيال ذات الفاعلية -بطرف الطفولة والشيخوخة -فتكون كسرا من أربعين سنة هي ما بين العشرين والستين من عمر الأنسان وليكن عشر الأربعين :وهو النظام الامريكي تقريبا وقبول المضاعفة بحق الترشح مدتين فيكون الخمس. -2التطبيق الصارم للآية 38من الشورى وفيها خمسة مبادئ هي التي جعلتني اعتبر الإسلام قد حدد بصورة دقيقة وصارمة نظام الحكم: أبو يعرب المرزوقي 98 الأسماء والبيان
-- -1الاستجابة إلى الربوبية تعني أمرين :المرجعية دينية لكنها كونية لأن الرب يشمل كل الأديان بخلاف الألوهية. -2وإقامة الصلاة لا تعني صلاة المسلمين وحدهم بل هي صلاة أي دين وهي بالأساس مناجاة المؤمن لربه وحتى الملحد لربه لأن المربوبية ليس خيارا بخلاف الآلهية .والدليل أن دفع الناس بعضهم ببعض في القرآن تعلق في أحد معانيه بحماية كل المعابد. -3طبيعة النظام\" :أمر +هم\"= \"أمر الجماعة\" .وهو ترجمة حرفية لمصطلح لاتيني هو \"راس (=أمر) +بوبليكا (الجماعة)\" أي جمهورية. -4أسلوب الحكم\" :شورى+بينهم\"=حكم الجماعة يكون بتشاورها .وهو ترجمة حرفية لمصطلح يوناني هو \"ديمو(شعب) كراصيا (سلطة) أي ديموقراطية. -5وإذن فالنظام السياسي يحكم بالشورى وهو بالأساس لحل مشكل اقتصادي اجتماعي: ومما رزقناهم ينفقون. ولهذه العلة اعتبرت أن القوة السياسة التي لها مرجعية إسلامية أو الإسلام السياسي لا يكون بحق ذا مرجعية إسلامية إلا إذا كان يمين اليسار .فهو يسار بمعنى أنه يقدم الاجتماعي على السياسي لأن الانفاق من الرزق يتعلق بتوزيع الثروة بالعدل بين المواطنين .لكن لا يمكن توزيع المعدوم ومن ثم فلا بد من تشجيع منتجي الثروة .ولذلك فالاجتماعي غاية والاقتصادي أداة .وهو من حيث الغاية يساري ومن حيث الاداة يميني فتكون سياسته يمين اليسار. والله أعلم وأحكم. أبو يعرب المرزوقي 99 الأسماء والبيان
- تعددت الأحزاب في تونس مباشرة بعد الثورة حتى فاق عددها المائتين .ولعل ذلك علامة رد فعل مؤقت على حرمان من المشاركة في الحياة السياسية دام طويلا .لكنه تبين بالتدريج فعلا يوصل أصحابه إلى مغنم ينتج عن المشاركة في ما صار يعتبر مصدر الجاه والوجاهة. تبين أن السياسة صارت صنعة من ليس له ما يصنع أو من اكتشف أقرب طريق للإثراء السريع كالحال في نظام ما قبل الثورة ورديفه النقابي بصنفيه. فحتى النيابة عن الشعب صارت تجارة وأصبح النواب يباعون في سوق النخاسة السياسية وكثرت الاختراقات من المافيات الداخلية والأنظمة الخارجية التي تمولها وتمول وجاهاتها السياسية التي هي العلة الأساسية لهذا التعدد العجيب واللامحمود في حياة الشعوب السوية وذات السيادة الفعلية أعني دور السياسيين الذين يمثلون إرادتها بحق. لكن هذا التمهيد لا يتعلق بموضوع بحثي بل بالمناسبة التي دفعت إلى البحث في مسألة تكوينية القوى السياسية -وشكلها الحالي هو الأحزاب-ومسألة تصنيفها باعتبار الأمرين يتعلقان: -1بمضمون الخانة الثانية في نظام الأدوات أو البنية المجردة لمفهوم الدولة كما بينته في فصول المحاولة المتعلقة بالدستور فصولها السبعة أعني خانة القوى السياسية -2مباشرة بعد مضمون خانة المرجعية التي هي أصل ما تكون عليه كل الخانات الأربع التي تليها والتي تحدد المعادلة السياسية في أي جماعة مؤلفة من مواطنين أحرار لا يعبدون العباد بل رب العباد حتى لو كانوا ملحدين. أبو يعرب المرزوقي 100 الأسماء والبيان
- -3ومباشرة قبل مضمون خانة الدستور الذي يعين ما توافقت عليه القوى السياسية من تأويل مشترك للمرجعية حول تحويل قيمها إلى قوى سياسية منها يستخرج مضمون الخانة الرابعة أي: -4مضمون خانة الحكم والمعارضة بوصفهما شرطي التداول على وظائف قوامة الوظائف التي من دونها لا يمكن للجماعة أن تصبح ذات نظام أداتي يحقق نظام الغايات الذي يجعل العيش المشترك بينها سلميا لكونها تحقق بها رعاية ذاتها وحمايتها. -5فتكون الغاية هي تعيين مضمون نظام الأدوات لملء خانات البنية المجردة وتلك هي الخانة أي وظائف الجماعة ومهام القوامة السياسية التي دور الحكم والتربية في شرطي السيادة في الرعاية والحماية. وصلت الآن إلى الغاية المضاعفة المتعلقة بموضوع البحث واعتذر إن كان الوصول قد تطلب الكثير من المقدمات-التي عرضت في محاولة الدستور السابقة والتي ستلي تعليل رفضي التصنيف الحالي المؤسس على صدفة تاريخية هي صدفة جلوس نواب الثورة الفرنسية في مجلس النواب. وينبغي في مثل هذه الحالات أن يتخلى الفكر العربي على توهم ناطحات السحاب الفكرية من جنس الخيام التي يعتمد عليها بادئ الرأي العامي .فالخيام يمكن بناؤها في لحظة لأنها لا تحتاج إلى تأسيس .يكفي غرز أوتاد في الرمل وشدها بحبال ثم رمي أي رداء عليها لتكون كنا بدائيا .لكن ناطحة السحاب يكون عمق أساسها متناسبا مع علو سنامها. والسنام في حالتنا هو مفهوم القوة السياسة التي تكون: .1قوة لا تعمل بالعنف كما يفهم عادة من مفهوم القوة لأنها ليست طبيعية بل هي متعالية على الطبيعي دون نفي له وهي قوة الشرعية التي لا تخلو من شوكة. أبو يعرب المرزوقي 101 الأسماء والبيان
- .2وهو معنى كونها سياسة لأنها تحقق أهدافها بنوعي الوزع بلغة ابن خلدون :الوزع بالتربية لتنمية الوزع الذاتي والوزع بالحكم لتدارك ما لا يكفي فيه الوزع الذاتي بالوزع القانون. وهذا هو تعريف القوة السياسية فهي تنفيذ القانون بقوة الدولة السياسية ذات الشرعية المستمدة مما تقتضيه كرامة الإنسان وحريته اللتين تجعلانه ذاتي التشريع (أوتونوم) يضع القانون الخلقي والسياسي لكونه يميز بين موجوده ومنشوده أي فيتجاوز الأول بفضل الثاني وذلك هو التعالي عن القوة العمياء التي ترده إلى قوى الحيوان الطبيعية لترفعه إلى قوة الإنسانية الخلقية كما تتبين من علاقة كيانه الروحي بكيانه العضوي: وإذن فالمطلوب فهم تخلق السياسي لدى الجماعات البشرية من منطلق هذه العلاقة في كيان الإنسان ببعديه وفي علاقة الجماعة بعالمها التاريخي كجماعة في علاقة بعالمها الطبيعي فنبحث في: -1تكوينية القوى السياسية ببيان البداية والغاية في المسعى للانتقال من القوة الطبيعية إلى القوة الخلقية أو من العيش المشترك العنيف إلى العيش المشترك اللطيف وهو معنى السلام في الإسلام. -2تصنيف القوى السياسية ببيان ما يدين به إلى صدفة هي مجالس النواب في مجلس النواب الذي أنشأته الثورة الفرنسية إلى تصنيف لا يستند إلى الصدف بل إلى ما تمثله القوة السياسة من دلالة على الكرامة والحرية. ولو كانت الأسماء التي تطلق على القوى السياسية التي تعتمد على الصدفة مطابقة لما يزعم لها لاكتفينا بها :يسار ويمين .لكنها صارت لا تعني شيئا لأن مدلول اليسار واليمين لم يعد لهما معنى لما فيهما من تناقض الدلالة كما أبين .فلا يمكن أن نفهم مثلا كيف يمكن أن نسمي يسارا القوة السياسية التي لا ترى التناقض بين ما تطلبه وما تعلل به طلبها فلسفيا. أبو يعرب المرزوقي 102 الأسماء والبيان
- فكيف يمكن أن يكون القانون هو المادية الجدلية والغاية هي ما يتعالى على المادية؟ أو كيف يمكن أن يكون القانون الخلقي غاية لتفسير يستند إلى القانون الطبيعي في رؤية تقول بصراع الطبقات وفاعلية البنية التحتية في البنية الفوقية؟ فإلام ينتسب الوعي الطبقي بعلاقة التحتية بالفوقية؟ والسعي إلى المساواة والحرية والكرامة هي هو مسار ضرورة أم مسار حرية؟ وبعبارة وجيزة كيف يكون \"الملحد\" رحيما بالعباد وثائرا من أجل العدل والحرية والكرامة (اليسار)؟ وكيف يكون \"المؤمن\" الذي يتردد على المساجد والكنائس والبيع شديدا على العباد لا عدل ولا رحمة ولا كرامة ولا حرية لغير طبقته (اليمين)؟ هذا هو التناقض في الحالتين وهو ما يتنافى مع التمييز بين: -1قانون الحرية الذي من المفروض أن يحدد القوى السياسية بكل أصنافها لأنها تتعلق بنوع من القوانين والتنظيم لا يمكن أن يكتفي بالقوى الطبيعية وقانونها الضرورة بل هي فعل للتحرر منها ليكون البديل قانون الحرية والأخلاق. -2ومن ثم فقانون الضرورة إذا صار هو المحدد الفعلي للقوى السياسية يكون عين التناقض مع دلالة القوة السياسية من حيث هي مشروطة بقانون الحرية غاية منشودة على الأقل إذا لم تكن حقيقة موجودة بالفعل لأن النظامين ينفيان أدنى مظاهرها. فاليمين لا حاجة لنا بالاستدلال على نفيه للحرية والكرامة لغير طبقته أو لغير جنسه: إذ سياسته عنصرية بالجوهر وهي من ثم أقرب إلى معنى الديموقراطية اليونانية أي الحكم المبني على التمييز بين السادة والعبيد. واليسار في سعيه لتحقيقهما لطبقته صار أشد عليها من اليمين لأنه عوض الكنسية وسيطرة الطبقة الغنية بالحزب الشيوعي وسيطرة الطبقة الحاكمة .ومن يتوهم أنه يوجد فرق بين اليسار واليمين يكتفي بالأقوال ولا ينظر إلى الأفعال. أبو يعرب المرزوقي 103 الأسماء والبيان
- وإذن فتعريف القوى السياسية باليسار واليمين لم يعد صالحا فضلا عن كونه نتج عن صدفة الجلوس لنواب الثورة الفرنسية .وكان يمكن القبول بالتسمية الاتفاقية لو لم تصبح غطاء على هذين العيبين وخاصة في اليسار .فاليسار يخفي طابعة الأكثر تناقضا من اليمين عندما ننظر في الأفعال ولا نكتفي بالأقوال. ويكفي وضعيتان دالتان على ما أقول :اليسار الذي وصل إلى الحكم في نظام مجانس للسوفيات واليسار المعارض لثقافة الشعوب التابعة .فهو في هذه أكثر عنصرية إزاء شعبه من اليمين الغربي الذي استعمرها لأنه يعاملها معاملته للأنديجان .والسوفيات لا أحتاج لبيان مآل الشعوب التي حكموها :صارت فاقدة لمعنى الحرية والكرامة. لذلك فليس القصد مجرد تغيير للأسماء بل هو تغيير لفهم المسميات وتحريرها من هذا الخداع .ينبغي أن يكون القصد هو التغيير من أجل محاولة الوصول إلى جعل الأصناف تعرف بوظيفتها لعلها تسعى إلى المطابقة بين الاسم والمسمى بعد أن نعلم حقيقة المسمى إذا أسسناه في قانون الحرية الذي ينطبق على الإنسان عندما يسعى للتعالي على الإخلاد إلى الأرض فلا يقبل بدين العجل وتحول السياسة مجرد أداة للتغطية على هذه البنية العميقة لأنظمة الحكم. التكوينية يمكن القول إن تكوينية القوى السياسية هي ما يحصل بين بداية وعي الإنسان فردا وجماعة بذاته وغاية هي الوعي بعلاقة الذات الإنسانية فردا وجماعة: -1بشروط قيامه العضوي أولا أي بما يسد حاجاته التي من دونها لا يمكن بقاؤه من دونه أي ما اصطلحت على تسميته بالمائدة والسرير. -2وبشروط قيامه العائد على كيانه العضوي وعيا به وبشروطه وبالوعي ولنسم ذلك كيانه الروحي .وقد اصطلحت على تسميته بفني المائدة والسرير. أبو يعرب المرزوقي 104 الأسماء والبيان
- فإذا اعتبرنا هذه العودة على الذات من حيث كيانها العضوي وعيا عائدا على الذات وسميناه كيان الذات الروحي كان للإنسان علاقتين شارطتين لبقائه فردا وجماعة: -1علاقة بالطبيعة بما هي مصدر القيام العضوي. -2وعلاقة بالتاريخ من حيث هو مصدر القيام الروحي. والثانية هي عين مسار الوعي بالكيان العضوي وبمسار علاقته بالطبيعة بوصفه تذكرا لما مضى منه وتوقعا لما هو آت منه: -1وتذكر الماضي مضاعف لأنه أحداث علاقته بالطبيعة .وهذه الأحداث هي موضوع أحاديث فعل التذكر .فيطلب الإنسان نظام الاحداث قياسا على نظام الأحاديث. -2وتوقع المستقبل مضاعف لأنه أحاديث حول أحداث علاقته بالطبيعة في المستقبل. فيطلب نظامها قيسا للمقبل على المدبر من علاقته بالطبيعة أحداثا وأحاديث. وليس حاضر للإنسان إلا لقاءا دائما بين أحاديث الماضي التي يتذكر بها أحداث موجوده وبين أحاديث المستقبل التي يتوقع بها أحداث منشوده .فيكون حاضر الإنسان محيطا بالماضي وبالمستقبل وليس محاطا بهما وفي هذه الإحاطة يكتشف الإنسان في شكل عقد أو في شكل فرض نظاما يضبط علاقته بالطبيعة وعلاقته بالتاريخ. ولما يدرك أن هذا النظام ليس من صنعه وخاصة في بداية تاريخه عندما لا يكون شبه تابع لما يستمده من الطبيعة فإنه يسقط عليه صورة عودته عليه فيتصور ما وراء الطبيعة وما وراء التاريخ مجانسين لطبيعته وتاريخه فيؤلههما بما يجده فيهما من فارق معه من حيث الكم والكيف ويعتبر ما فيهما من نظام يدين له ببقائه بداية الوعي بما وراء له إرادة وعلم وقدرة وحياة ورؤية مثله لكنها جميعا مطلقة إذا قيست بما لديه منها شديد النسبية. وقد أطلقت على هذه الرؤية مصطلح المعادلة الوجودية ولنوردها بترتيب معكوس: أبو يعرب المرزوقي 105 الأسماء والبيان
- -5فأصلها وقلبها هو الإنسان فردا وجماعة في علاقة مباشرة مع هذا الماوراء الذي يقيسه على نفسه مع اطلاق المقيس على المقياس ثم يضع على جانبي هذه العلاقة بالطبيعة وبما ورائيها والعلاقة بالتاريخ وبما ورائه. فتكون علاقة الإنسان فردا وجماعة بالإلهة في كل جماعة وكأنها جماعة تشبه البشر مع إطلاق الصفات وذلك هو مصدر الميثولوجيات لأنه الإنسان لا يستطيع تصورها إلا بالقياس إلى ذاته وحول هذه العلاقة المباشرة بالآلهة أربع علاقات هي: -4علاقته بالتاريخ أي ما يجري في الجماعة وهي متقدمة على العلاقة بالطبيعة لأن الجماعة في هذه الحالة متقدمة على الفرد إذ هي شرط انتقاله من اللاوعي إلى الوعي عضويا وروحيا. -3علاقته بما ورائه أي بما يجري في نظام السلطة فيها وهي العلاقة التي يسقطها على العالم فينتج الميوثولوجيات التي هي بداية الوعي الديني الطبيعي قبل الوصول إلى الأديان المنزلة. -2علاقته بالطبيعة تبدأ بإسقاط الرابعة عليها أي إن الطبيعة لا يمكن تصورها إنسانيا إلى مروحنة أي إن كل ظاهرات الطبيعة تعتبر كائنات حية ويتعامل الإنسان فردا وجماعة معها وكأنها كائنات حية وليس كما نراها نحن الآن مجرد كائنات طبيعية لا روح فيها. -1علاقته بما ورائها اسقاط نظام الثالثة على نظامها وتلك هي رؤية العالم التي لم يكن فيها الإنسان يميز بين الحي والجامد .كان العالم كله تجليات ربانية أو إلهية متحررة من اسقاط الرؤية الميكانيكية التي تعمل بها الفيزياء الحديثة. وهذا هو المسار الذي تتبعه نظرية القوى السياسية التي تكون أولى مراحلها تأليه أصحاب السلطة في التاريخ ثم تأليه السلطة في الطبيعة ثم يليها التحرر من تأليه السلطة في الطبيعة ثم من تأليه السلطة في التاريخ حتى نصل إلى الوحدانية إما المحايثة في العالم ككل (وحدة الوجود بكل أصنافها) أو المفارقة للعالم ككل (مفارقة الإلهي للعالمي) .وهذا أبو يعرب المرزوقي 106 الأسماء والبيان
- هو مضمون المرجعية التي تترتب عليها القوى السياسية الخمس انطلاقا من تعريف الإنسان بهذه المعاني الخمسة: -1القوة السياسية التي تستمد رؤاها من مفهوم الإنسان مستخلفا في الأرض أي من علاقته بالتاريخ :قوة سياسية مستمدة من الثقافة الروحية والتراث. -2القوة السياسية التي تستمد رؤاها من مفهوم الإنسان مستعمرا في الأرض أي من علاقته بالطبيعة :قوة سياسية مستمدة من الثقافة الاقتصادية والثروة. وهو ما يعني أن \"اليسار\" متقدم على اليمين تاريخيا لأنه يعود في الحقيقة إلى رؤية الجماعة وكأنه أسرة واحدة دون طبقية والاقتصاد أداة لحياة الجماعة ولا ينبغي أن يخضع للتنافس .والشيوعية تريد العودة إلى هذه المرحلة .وحتى الموقف من المرأة فهو مفهوم من هذه الناحية لأن المحارم لم تكن موجودة في البداية وهي اجراء متأخر لعلة اقتصادية (تبادل النساء لتوسيع الجماعة والسوق) وتبين لاحقا أنها صحية أيضا (ضرر التزاوج بين الاقرباء). -3القوة السياسية التي تتكون من أخذ الأولى من الثانية بعض مزيتها أو الاستعمار الاستخلافي. -4القوة السياسية التي تتكون من أخذ الثانية من الأولى بعض مزيتها أو الاستخلاف الاستعماري. -5القوة المحايدة أو التي تختار أيا منها بحسب الظرفية وهي القوة الوسطى. والأولى تختلف عن اليمن الملحد لأنها تسقط نظامها على ماوراء العالم وتعتبره محايثا أو مفارقا. والأولى تختلف إذن عن اليسار الملحد دينيا لأنها تسقط نظامها على ما وراء العالم وتعتبره محايثا أو مفارقا. أبو يعرب المرزوقي 107 الأسماء والبيان
- والثانية تختلف إذن عن اليمين المنافق دينيا لأنها تعامل الطبيعة كجماعة حية وليس كجهاز آلي جامد يعمل دون غائية. والثالثة تتكون من الأولى مع شيء من الثانية فيتكون الاستخلاف الاستعماري أو يمين اليسار. والرابعة تتكون من الثانية مع شيء من الأولى فيتكون الاستعمار الاستخلافي أو يسار اليمين. والخامسة فيها من الأربعة السابقة بحسب ظرفية تجعلها تنظم إليها بحسب توازن القوى السياسية في الجماعة. ويمكن القول إن الإسلام السياسي الحالي لا يفهم القائلون به معنى كونه ذا مرجعية إسلامية لأن ذلك يقتضي أن يكون يمين اليسار أو الاستخلاف الاستعماري بمعنى أن غايته الاستخلاف أو العدل الاجتماعي وأداته الاقتصاد غير الربوي أو الاقتصاد الذي تكون فيه العملة أداة تبادل وليس أداة سلطان على المتبادلين وتكون في الكلمة أداة تواصل وليس أداة سلطان على المتواصلين .لكنه لسوء الحظ يعيش على الرماية في عماية ويتدخل في العبادات ويقصر الاستخلاف عليها ويطبق على المعاملات ما يطبقه الاستعمار من دون استخلاف. وها قد آن أوان شرح هذه التكوينية وهذا التصنيف الذي ينبني على الواحد في الديني والفلسفي إذا كانا كونيين وغير محرفين .فلأشرح مسألة الواحد المشترك بين الديني والفلسفي والذي يتعالى على تقابلهما فيبرر ظاهرة ظلت عصية على الفهم في الإسلام وهي ظاهرة التمييز بين ضرورة التعدد الديني أمرا واقعا ووحدته أمرا واجبا ما يجعل ضم الملحدين إلى المؤمنين في دولته أمرا طبيعيا. ففي هذه القضية المتعلقة بخانات نظام الأدوات السياسية التي هي بنية الدولة المجردة لأنها هي السر في رؤية الإسلام للسياسة والحكم وهي تتأسس في سورة الحج .17ففيها أبو يعرب المرزوقي 108 الأسماء والبيان
- يرجيء القرآن الفصل بين الأديان المتعددة أمرا واقعا إلى يوم الدين لبيان الدين الواحد عند الله .فهو يعتبر التعدد من شروط أمرين تثبتهما البقرة والمائدة: -1فلا يمكن من دون التعدد الديني بوصفه أمرا واقعا -رغم أن الديني واحد بوصفه أمرا واجبا -تأسيس حرية المعتقد لأنها تحتاج إلى حرية الاختيار العقدي :الآية 256تفقد دلالتها من دون التعدد الديني. -2ولا يمكن أن يكون البحث عن الحقيقة غاية الدين إذا لم يحصل تدرج في الوعي الديني بوصفه وعيا بالحقيقة الواحدة على الأقل في الواجب إن لم تكن متعددة في الواقع: وتلك هي علة الآية 48من المائدة أي التسابق في الخيرات. ولذلك فحتى الشرك اعتبره القرآن دينا بمعنى الأمر الواقع (الحج .)17ومن ثم فالملحدون في هذه الحالة يمكن أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق في دولة الإسلام لأنهم في الحقيقة لا يخلون من جذع الإيمان الذي لا يخلو منه إنسان .ذلك أنه لا يكفي أن يكونوا دائنين بقوانين الطبيعة بل لا بد أن يكون ضمير تدينهم بها وضع معنى ما فيها مخالف لقانونها هو المبدأ المشترك بين الديني والفلسفي. فالطبيعة من حيث هو طبيعة خالصة لا تعرف إلا قانونا واحدا هو قانون القوة والضرورة .ومن ثم فهي لا يمكن أن تؤسس الحق والواجب اللذين لا معنى لهما من دون قانون الحق والحرية .ليس في الطبيعة معنى لحق ولا لواجب .ومن ثم فالملحدون وإن بغير وعي يؤمنون بـ\"شيء\" ما يتجاوز قانون الطبيعة :إنه القانون الخلقي الذي يؤسس القانون السياسي شرط العيش المشترك بين البشر وبينهم وبين غيرهم من الموجودات .وذلك هو جوهر الأساس المشترك بين الديني والفلسفي أعني الأساس الذي يستثني الإنسان من الضرورة وينسب إليه الحرية التي هي أصل الحق والواجب. وهذا الضمير اللاواعي عند الملحد يثبت أن إلحاده كفر بما يغلب على الأديان الوضعية من توظيف ينفي جوهرها وليس كفرا بأصل الديني والفلسفي في ما فطر عليه الإنسان من أبو يعرب المرزوقي 109 الأسماء والبيان
- وعي بهذا الأساس .ومن ثم فالإلحاد مستحيل لأن المشترك بين الديني والفلسفي هو جوهر الإسلام وهو يبقى في الشرك شبه بذرة لا بد لها من شرط التعدد شرطا في التسابق في الخيرات. ففي البقرة 62وفي المائدة 69وفي الحج 17ما يثبت بصورة لا جدال فيها أن البقرة 256 والمائدة 48يحددان ما لا يمكن ألا يكون أصلا لفهم دستور الرسول الذي لم يستثن اليهودي والجاهلي والمسلم من دستور المدينة بل جمع بينهم لأن مهام الدولة مستمدة الحاجة إلى توفير شرطي الحرية العقدية والتسابق في الخيرات للاختيار الحر .فمهمة الدولة من حيث هي نظام الأدوات هي تحقيق شروط إنجاز نظام ا الغايات من دورها الذي لا يتجاوز الرعاية والحماية المشتركة للجماعة التي هذه هي مرجعيتها. وإذن فحتى الأديان الطبيعية رغم كونها ليست منزلة يبقى عمادها هذه البذرة الإيمانية بأن الإنسان مستثنى من قانون الطبيعة أي من سلطان القوة والضرورة في منشوده حتى وإن كان ذلك عسيرا في موجوده .فمن الإيمان وليس من العلم بأن الإنسان يخضع لقوانين الحرية لا لقوانين الضرورة أي لما يتعالى على الطبيعي في الطبيعة وغايته ما يسمونه \"حقوق الإنسان\" مع الغفلة عن واجباته إزاء الغير بما في ذلك الطبيعة والتاريخ لأن مفهوم الواجبات أوسع :فحقوق الإنسان فرع عن واجباته إذ هي عين واجباته إزاء ذاته. وبذلك فقد تحررنا من تعريف القوى السياسية بالدين (في النظام الثيوقراطي) أو بالدنيا (في النظام الديموقراطي) وخاصة من بنيتهما العميقة المشتركة التي بينت في بحوث سابقة أنه نظام يستند إلى أداتي السلطان الفعلي فيهما وهما غير ما يعلنانه (النظام الأبيسيوقراطي) .فالسلطان فيهما هو سلطان بعدي العجل أي: -1رمز ربا الأموال (الذهب أو العملة عامة) أو تحريف الاقتصاد شرط قيام الإنسان المادي وتحويله إلى سلطان البعض على البعض ماديا. أبو يعرب المرزوقي 110 الأسماء والبيان
- -2ورمز ربا الأقوال (الخوار أو الكلمة عامة) او تحريف الثقافة شرط قيام الإنسان الروحي وتحوليه إلى سلطان البعض على البعض روحيا. وهذا هو الأساس المشترك للثيوقراطيا أو الحكم الكاذب باسم الله والديموقراطيا أو الحكم الكاذب باسم الإنسان .وكلاهما يدنس ما يدعي الحكم باسمه بجعله غطاء للحكم باسم بعدي العجل أي ربا الأموال وربا الأقوال. والقرآن يعتبر الله في حرب عليهما .وذلك بين بخصوص الأول لأنه جاء فيه نصا :ربا الأموال أو الذهب .والثاني قابل للاستنتاج من المقت الأشد لقول الإنسان ما لا يفعل بخصوص الثاني :ربا الاقوال أو الخوار .وهذه العملية التي تجعل الثيوقراطيا والديموقراطيا تشتركان في بنية مشتركة هي بعدا دين العجل تتألف من تحريفين: -1تحويل الأدوات إلى غايات :فالاقتصاد أداة لقيام الإنسان العضوي .والثقافة أداة لقيام الإنسان الروحي .لكن الغاية هي قيام الإنسان العضوي وقيامه الروحي .فإذا صارا أداتين لجعل القيام حطا من الإنسان وإرجاعه إلى قانون الطبيعة أي القوة والضرورة فهما يصبحان شرط لرده أسفل سافلين فيصبح مخلدا للأرض وليس متعاليا عليها :ولا فرق بين صاحب الأداة أو الخاضع لها. -2تحويل أداة التبادل إلى سلطان على المتبادلين (العملة الربوية) وتحويل أداة التواصل إلى سلطان على المتواصلين (الكلمة الربوية) فيصبح شرط العيش المشترك التبادل والتواصل نفيا لهما ونقلهما من أداتي تحرير إلى أداتي عبودية .فالتبادل علته التعاون وشرطه التعاوض ومن ثم فكل ما يتم تبادله له نفس المنزلة الخلقية حتى وإن لم تكن له نفس القيمة الاقتصادية .فإذا سويت الأولى بالثانية زال الفرق بين نوعي القيم: -1القيم الاقتصادية التي هي أداتية بصنفيها الاستعمال والتبادل. -2القيم الخلقية التي هي غائية بصنفيها الكرامة والحرية. أبو يعرب المرزوقي 111 الأسماء والبيان
- فالقيمة الاستعمالية أداة الكرامة لأن انتاج الثروة شرطه تقسيم العمل الذي ينتجها وهي خمسة شروط هي الإبداع العلمي والاستثمار الاقتصادي والعمل المنتج والتمويل الاقتصادي والاستهلاك .وكلها يتساوى فيها الناس لأنها سد لحاجات استعمالية. والقيمة التبادلية أداة الحرية لأن التراتب بين قيم الأشياء ليس إلا من علامات التحرر من سد الحاجات العضوية والسمو إلى سد الحاجات الروحية :ذلك أن ما تختلف به قيمة التبادل عن قيمة الاستعمال يتعلق بالجمالي والجلالي وليس بسد الحاجات العضوية. فإذا صارت الكرامة والحرية هما بدورهما قابلتين للبيع والشراء مثل ما يسد الحاجة العضوية وما يسد الحاجة الروحية نكص الإنسان إلى الحيوانية وفقد القيمتين اللتين تميزانه عن غيره من الحيوانات فيخلد إلى الأرض ولا يبقى له وعي بكرامته ولا بحريته فيصبح مستعدا لعبودية ربا الأموال ولعبودية ربا الأقوال. تلك هي ثورة الإسلام .وتلك هي علة كونه يمثل مستقبل الإنسانية لأنه سيحررها من النظام الأبيسيوقراطي فيحرر الإنسان من ربا الأموال وربا الأقوال بحيث تصبح العملة أداة تبادل لا سلطان لها على المتبادلين وتصبح الكلمة أداة تواصل لا سلطان لها على المتواصلين .وذلك ما كان علينا بيانه. أبو يعرب المرزوقي 112 الأسماء والبيان
- أبو يعرب المرزوقي 113 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116