Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2020-01-22 14:53:20

Description: الدستور الأحمق_كيف التخلص منه لتأسيس الديموقراطية

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪--‬‬ ‫عندما يتوهم صاحبهما أن الدين‬ ‫عقد غني عن النظر‬ ‫وشرع غني عن العمل‪.‬‬ ‫لكني بينت أن الفلسفي‬ ‫لا يمكن أن يكون نظرا دون عقد‬ ‫ولا عملا دون شرع‪.‬‬ ‫وبينت كذلك أن الديني‬ ‫لا يمكن أن يكون عقدا دون نظر‬ ‫ولا شرعا دون عمل‪.‬‬ ‫ومن ثم فهما لا يختلفان إلا بترتيب‬ ‫عنصري المعرفة‬ ‫وعنصري القيمة‪.‬‬ ‫ولذلك فالقرآن لم يستعمل‬ ‫العقد من دون النظر‬ ‫والشرع من دون العمل‬ ‫ولم يحتج إلى معجزات لأثبات العقد ولا الشرع‬ ‫بل أثبت الأول بالنظر والثاني بالعمل‪.‬‬ ‫وبذلك يتبين أن تحريف الفلسفي والديني‬ ‫هو الذي يفقدهما وحدتهما العميقة‬ ‫بسبب الزعم أن العقل والوحي يتقابلان تقابل‬ ‫الأسماء والبيان ‪48‬‬

‫‪--‬‬ ‫ما يعلم الموجود والمنشود على ما هما عليه‬ ‫وما لا يعلمهما على ما هما عليه‪.‬‬ ‫فكلاهما لا يعلمان الاول ولا يعملان الثاني على ما هما عليهما‬ ‫بل علمهما وعملهما‬ ‫لا يتجاوزان الشاهد من الموجود والمنشود‬ ‫ولا ينفذان حتى إلى ما فيهما من الغيب‬ ‫فضلا عن الغيب المطلق وراء كونهما على ما هما عليه‪.‬‬ ‫فيكون كل الداء في القول بالمطابقتين‬ ‫وما يترتب عليهما‬ ‫من جعل العالم الشاهد هو الوحيد الممكن‬ ‫وإليه يرد الموجود والمنشود في ذاتهما‬ ‫وهما معنى الزعم بان‬ ‫العقل أو الوحي يعلم الموجود ويعمل المنشود‬ ‫على ما هما عليه‬ ‫ما يغني عن عالم آخر وراء عالم الشهادة‬ ‫ويؤدي إلى أبرز أشكال الإلحاد‬ ‫أي وحدة الوجود سواء كانت طبعانية أو روحانية‪.‬‬ ‫لم أحسم بعد في تسمية هذه النتيجة التي توصلت إليها لأني لم أنه محاولة التفسير‬ ‫الفلسفي للقرآن الكريم‬ ‫والتي لا أدري متى سأفرغ منها‬ ‫بل ولا أدري هل الفراغ منها ممكن للإنسان‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪--‬‬ ‫لكن من حققته من مشروع التفسير الفلسفي للقرآن‬ ‫يمكنني من الإشارة إلى ما يترتب عليه‬ ‫من تنظيم للعلاقة بين عالمين هما‬ ‫عالم الخليفة وعالم المستخلف‬ ‫تنظيما يأخذ بعين الاعتبار كون الخليفة والمستخلف‬ ‫كلاهما ذو‬ ‫إرادة حرة‬ ‫وعلم واع‬ ‫وقدرة منجزة‬ ‫وذوق حيوي‬ ‫ورؤية وجودية‪.‬‬ ‫وما كان منها للإنسان‬ ‫ينتسب إلى عالم الشهادة‬ ‫ويعلم علمنا لعالم الشهادة دون إحاطة لما فيه من غيب‪.‬‬ ‫وما كان منها للإله‬ ‫لا نرى منه في عالم الشهادة‬ ‫إلا ما نفترضه شرطا في بقائه‬ ‫وهو ما وراؤه الذي ننسبه إلى‬ ‫عالم الغيب‬ ‫ورب الموجود والمنشود‬ ‫وكل ما نقوله فيه مجرد قياس على الإنسان‪.‬‬ ‫الأسماء والبيان ‪50‬‬

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪--‬‬ ‫وبخلاف وهم فيورباخ‬ ‫فما هو من صنع الإنسان ليس الله‬ ‫بل صورة الإنسان عنه‪.‬‬ ‫وصورة الإنسان عن الله ليست الله‬ ‫وإلا لكان الموجود مدينا بوجوده والمنشود لمنشوديته‬ ‫لهذه الصورة‬ ‫ولكانت هذه الرؤية دالة على حمق فيورباخ‬ ‫وليس على حقيقة أو قيمة حتى لهذا العالم المشهود‬ ‫الذي يرد إليه‬ ‫بالمطابقتين الهيجليتين‬ ‫وحدة الوجود ال ُم َروْحَنة‬ ‫في محاولة لتعديل‬ ‫وحدته المُ َط ْبعنة‬ ‫التي تقدمت عند سبينوزا‬ ‫ونكص إليها ماركس لاحقا‪.‬‬ ‫فما توصلت إليه في فلسفة القرآن‬ ‫لعلاقة العالمين الضروريين لفهم نفي المطابقتين‬ ‫مع قابلية التناسب بين علم الإنسان وعمله اللامطابقين‬ ‫أن يكونا كافيين للتعامل مع الطبيعيات ومع التاريخيات‬ ‫تعاملا يكون تقييم جدارته بالخلافة ليس رهن‬ ‫معرفة الحقيقة معرفة محيطة‬ ‫ولا إدراك القيمة إدراكا محيطا‬ ‫الأسماء والبيان ‪51‬‬

‫‪--‬‬ ‫بل السعي الدائم إلى‬ ‫التحرر من عطالة ما يحول دون الاشرئباب إليهما‬ ‫ويسميه القرآن بالاخلاد إلى الأرض‬ ‫الذي هو النفي الفعلي لمعنى‬ ‫حرية الإنسان‬ ‫وتكريمه الإلهي بالتكليف الاستخلافي‬ ‫الذي هو علاقة بين سياستين‬ ‫وهي جوهر العبادة‪:‬‬ ‫‪-1‬سياسة عالم الشهادة‬ ‫سياسة لا ينسى الإنسان فيها علاقته بعالم الغيب‪.‬‬ ‫‪-2‬سياسة عالم الغيب‬ ‫سياسة لا ينسى الله فيها علاقته بعالم الشهادة‪.‬‬ ‫والعلة هي غياب المبدئين اللذين حددتهما الآية الأولى من النساء والآية الثالثة عشرة‬ ‫من الحجرات والاعتقاد في التمايز العنصري والطبقي والجنسي بين البشر دون تمييز بين‬ ‫الأمر الواقع والأمر الواجب هي علة الاخلاد إلى الارض وثمرته وذلك للاعتقاد الساذج‬ ‫في‪:‬‬ ‫‪-1‬المطابقتين المعرفية في الموجود والقيمية في المنشود‪.‬‬ ‫‪-2‬ووحدة العالم برد غيبه وما وارائه إليه وقيس الرب بالمربوب‪.‬‬ ‫وقد قبلت علوم الملة ذلك في الأفعال حتى وإن بدت وكأنها ترفضه بالاقوال احتراما لما‬ ‫جاء في القرآن من القول بمحجوبيته‪ .‬والقبول كان ذا مستويين‪:‬‬ ‫‪-1‬الزعم بأن الوحي يمكن الأنبياء من علم غيب الموجود ومن قيمة المنشود‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬والزعم الفعلي رغم النفي القولي بأن الرسوخ في العلم أو الكشف يمكنان منهما‪.‬‬ ‫وكان العقل الإنسان فعلا لا يستطيع تفسير العلم بوجود الغيب دون العلم بمضمونه أو‬ ‫العلم بوجود الحقيقة دون التمكن من الوصول إليها والوعي بالقيم دون التمكن من إداركها‬ ‫على ما هي عليه‪ .‬ولم أستطع تجاوز هذين العقبتين إلا بفضل النقلة الثورية التي حصلت‬ ‫في النقد التيمي النافية لكل إمكانية معرفية أو قيمية ومع ذلك فالحقيقة والقيمة‬ ‫موجودتان والاقتراب منها متفاوت لكن المطابقة مستحيلة‪.‬‬ ‫ولولا نظريته القائلة إن المعاني الكلية ليست مقومة للأشياء التي نطبقها عليها لأنها من‬ ‫جنس الرموز اللسانية والكتابية لاستحال ان أفهم كيف يمكن أن يكون الإنسان مدركا لما‬ ‫يمكن له من حقيقة الموجود ومقيما لما يمكن له من تقييمه من المنشود دون أن يصل إلى‬ ‫المطابقة المستحيلة رغم أنها الغاية القصوى ورغم أن التراتب بين البشر في العلاقة بها‬ ‫أشبه بالسعي إلى غاية لا متناهية البعد في ما يشبه علاقة \"الاسمبتوت\" الناحي إلى التماس‬ ‫مع الاحداثيات التي ترسم في إطارها في أحد أشكال القطوع المخروطية بين بداية هي‬ ‫اللاوعي بالموجود وبالمنشود والوعي المطلق بهما غاية لا تدرك‪.‬‬ ‫وهكذا فيمكن القول إن تحديد المعاني الكلية المقدرة ذهنيا في النظر والعقد عند ابن‬ ‫تيمية وفي العمل والشرع عندي يمكنان من تجاوز المفارقة التي قد يتخيلها من يرى تناقضا‬ ‫في القول إن الإنسان يؤمن بوجود الحقيقة المطلقة ولا يعلمها ويؤمن بالقيمة المطلقة ولا‬ ‫يعملها ومع ذلك فالتراتب بين العلوم ودرجات المعرفة وبين الاعمال ودرجات القيمة أمرين‬ ‫ممكنين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فقد ضربت مثال بناء أي شكل هندسي وهو من المقدرات الذهنية النظرية بلغة ابن‬ ‫تيمية‪ .‬فلا يوجد أي شكل هندسي يمكن أن يرسم فيكون مطابقا لمفهوم ذلك الشكل كما هو‬ ‫في حده الرياضي‪ .‬لكن اقتراب الرسم من تعريف الشكل متفاوت من الأقل قربا إلى الأكثر‬ ‫قربا بتدرج من الأقرب فالاقرب بحسب تقدم المعرفة وصنع أدواة الرسم متزايدة الدقة‬ ‫أدق فأدق حتى وصلنا إلى الرسم باللازار الذي يمكن أن يرسم لنا دائرة مثلا في أي معدن‬ ‫ويقطعها بصورة تكاد تكون ما يصح عليه المعيار الأساسي وهو أن يكون المماس للدائرة يكاد‬ ‫لا يمسها إلا في نقطة واحدة من الدائرة‪.‬‬ ‫لكننا نعلم أن ذلك مستحيل مهما دققنا أداة الرسم والقطع‪ .‬وما قلناه على التعامل قيس‬ ‫المكان يمكن قوله على قيس الزمان إذ صار بوسعنا أن نصل إلى واحد في المليون واكثر من‬ ‫الدقيقة الزمانية لكننا نعلم أن الوصول إلى ما هو أدق ممكن لكن لا يمكن أن نصل إلى ما‬ ‫لا ينقسم منه‪ .‬ونفس الشيء في كل الأعداد الصماء‪ .‬فلا يوجد حد في محاولة تقديرها‪.‬‬ ‫ويمكن أن نضرب نفس المثال في تحقيق أي قيمة خلقية أو جمالية أو أي قيمة وهي كلها‬ ‫من المقدرات الذهنية العملية بلغتي الشخصية قياسا على المقدرات الذهنية النظرية‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن البشر يمكن أن يتفاوتوا في العدل تصورا وفعلا أو في الصدق تصورا وفعلا‬ ‫وأن نستطيع ترتيب هذا التفاوت دون أن يوجد من يمكن أن يصل إلى العدل المطلق‪.‬‬ ‫وكذلك في معرفة الحقيقة أو في عمل الخير أو رسم الجمال أو في تصور الجلال‪.‬‬ ‫فيمكن فيها جميعا أن نرى تراتبا في القرب والبعد منها دون أن يصل أحد إليها بإطلاق‬ ‫ومن ثم فالمطابقة بين إدراك القيمة والقيمة مستحيل تماما كما أن المطابقة بين بناء الدائرة‬ ‫والدائرة كما هي في تعريفها مستحيل‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذه الاستحالة في المعرفة وفي القيمة ليست من طبيعة استحالة علم غيب الموجود‬ ‫واستحالة قيمة المنشود بل هي من علاماتها أو من آيات الدلالة عليها‪ .‬وهي بإطلاقها تنتقل‬ ‫من جنسها في عالم الشهادة إلى ما تجعله عقلا قابلا للتصديق في عالم الغيب‪ .‬ولما كانت‬ ‫السياسة الإنسانية معتمدة‪:‬‬ ‫‪-1‬على المقدرات الذهنية النظرية مطبقة على علم الطبيعيات الضروري للاستعمار في‬ ‫الأرض الذي يستمد منه الإنسان شروط بقائه العضوي‪.‬‬ ‫‪ -2‬وعلى المقدرات الذهنية العملية مطبقة على عمل الشرائع الضروري للاستخلاف في‬ ‫الأرض الذي يستمد منه الإنسان شروط بقائه الروحي‪.‬‬ ‫كانت سياسة عالم الشهادة الذي فيه علامتي الغيب اللتين من هذا الجنس وهي من ثم‬ ‫مشدودة إلى مرجعية هي عين الإيمان بسياسة عالم الغيب‪ .‬وذلك هو حضور الأمر الواحد‬ ‫المشترك بين الديني والفلسفي‪ .‬وبذلك نكون قد اسسنا المبدأ الأول لمعنى الدستور‪:‬‬ ‫‪-1‬فهو في الدين ما يسمى فطرة الإنسان ومنها واجبات الإنسان وحقوقه‪.‬‬ ‫‪-2‬وهو في الفلسفة ما يسمى طبيعة الإنسان ومنها حقوق الإنسان وواجباته‪.‬‬ ‫فلا يكون الفرق بين أسلوبي المرجعية إلا في الترتيب بين الواجبات والحقوق‪ .‬ففي‬ ‫الأسلوب الديني الواجبات مقدمة على الحقوق ليس تحكميا بل لأن الحقوق هي واجبات‬ ‫الذات إزاء نفسها وهي إذن جزء من كل هو الواجبات‪ .‬وفي الأسلوب الفلسفي الحقوق‬ ‫مقدمة على الواجبات وهو خطأ علته الاعتقاد في المطابقة‪.‬‬ ‫ذلك أن وهم المطابقة يجعل نصف المتفلسف يتوهم أن حقوق الإنسان هي ما يراها عليه‬ ‫من منطلق ذاته وأنانيته وليست ما يصل إليها من منطلق اعتباره من واجبات الذات إزاء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذاتها إذا لم تؤلهها فتعتبرها مكتفية بذاتها وتنسى أنها عضويا وروحيا تدين بحقوقها‬ ‫لواجباتها إزاء النوع والعالم والوجود والمنشود‪.‬‬ ‫والآن اصبح بالوسع أن نمر إلى تحديد مضمون الدساتير عامة من حيث هي محددة‬ ‫للدولة من حيث هي نظام الأدوات في السياسة وليس نظام الغايات فيها‪ .‬فالغايات تحددها‬ ‫الجماعة بالنظر والعقد في علاقتها بالطبيعة وبالعمل والشرع في علاقتها بالتاريخ وفيها لا‬ ‫يوجد فرق بين عامة وخاصة ولا بين عالم وجاهل ولا بين مختص وغير مختص‪ .‬وذلك هو‬ ‫علة نظام الحكم القرآني لا يمكن ألا يكون جمهوري الطبيعة (أمر‪+‬الجماعة= راس بوبليكا)‬ ‫وديموقراطي الأسلوب (شورى‪+‬بينهم=ديموقراطي) كما حددته الآية الثامنة والثلاثون‬ ‫من الشورى‪.‬‬ ‫فالغايات الإنسانية التي هي المحدد الأساسي للسياسي ومن ثم المحدد لعناصر الدولة‬ ‫الخادمة لتحقيقها التربوي والحكمي أي وظيفتي القيمة على رعاية الجماعة لنفسها‬ ‫وحمايتها من حيث هي نظام الأدوات هي عين ما به يقوم كيان الإنسان العضوي وكيانه‬ ‫الروحي وهي كلها فطرية إذا عبرنا عنها بالاسلوب الديني وطبيعية إذا عبرنا عنها‬ ‫بالاسلوب الفلسفي‪.‬‬ ‫والطبيعي فلسفيا‬ ‫والفطري دينيا‬ ‫متطابقان إذا تخلى المتفلسف والمتكلم عن وهم المطابقتين وحدة العالمين التي هي عين‬ ‫الإلحاد حتى وإن تدثر بوحدة الوجود طبعانية كانت أو روحانية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بعد ان حسمنا إشكالية دور الدين والفلسفة في السياسة وفصلنا السياسة عن الدولة لأن‬ ‫هذه هي نظام أدوات تلك التي تحقق التناسب بين الأدوات والغايات فتكون ذات صلة‬ ‫بالدولة من حيث الأدوات وذات صلة بالجماعة من حيث الغايات بات بوسعنا أن نتكلم على‬ ‫العناصر التي لا بد منها في نظام الأدوات ليكون دولة معبرة عن إرادة الجماعة‪:‬‬ ‫‪-1‬لا بد أولا من أن تكون الدولة من المقدرات الذهنية بمعنى أنها من جنس البنية العامة‬ ‫أو الماتريس الرياضية المجردة التي تعمل بنظام مؤسسات تشبه الخانات الخالية حدها هو‬ ‫تعريفها القانوني المحدد لدورها وشروط قيامها به‪.‬‬ ‫‪-2‬ولا بد ثانيا ممن تختارهم الأمة لملء هذه الخانات ليضخ فيها ما يشبه القيم التي‬ ‫تعينها وهم من تختارهم الأمة ليكونوا ‪-‬فرض كفاية‪-‬معبرين عن إرادة الأمة في استعمال‬ ‫الجهاز الآلي في تحقيق الغايات التي حددتها الجماعة‪.‬‬ ‫وإذن فالدولة كائن مركب من جهاز آلي هو منظومة المؤسسات التي تحقق بها الجماعة‬ ‫قوامة رعايتها وحمايتها لذاتها في الداخل والخارج وهي إذن أداة سياسية وليس هي‬ ‫السياسة‪.‬‬ ‫ومن ثم فالجهل هو الذي يجعل البعض يخلطون بين الامرين فيرون أن فصل الدولة عن‬ ‫الدين يقتضي فضل السياسة عن الدين خلطا بين السياسي المتعلق بالأدوات أو الدولة من‬ ‫حيث هي جهاز أداتي والسياسي المتعلق بالغايات أو السياسة من حيث هي فعل جماعي لكل‬ ‫فرد فيه دور فرض عين لتحقيق غايات الجماعة وهي بالضرورة متعلقة بالاستعمار في‬ ‫الأرض والاستخلاف فيها وكلها تستمد من خيارات إرادية للجماعة المؤلفة من الأحرار‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫يمكنني الآن أن أحدد نظام الأدوات التي تتألف منها الدولة من حيث هي ما به يحقق‬ ‫الناس غاياتهم الجماعية التي اعتبرها ابن خلدون قوامة سد النوعين من الحاجات‪.‬‬ ‫والقوامة ليست هي التي تسد الحاجات بنوعيها بل هي التي تنظم العمل الإنساني الفكري‬ ‫واليدوي الجماعي بتقسيمهما والتخصص فيها فرض كفاية أي إن كل واحد يكون في خدمة‬ ‫البقية شرطا في تمكين الجماعة من تحقيق ذلك بالتبادل والتواصل‪:‬‬ ‫‪-1‬سد الحاجات العضوية أو النظام الاقتصادي‪ :‬موضوع العمران البشري‪.‬‬ ‫‪-2‬سد الحاجات الروحية أو النظام الثقافي‪ :‬موضوع الاجتماع الإنساني‪.‬‬ ‫وذانك هما عنصرا عنوان كتاب المقدمة‪:‬‬ ‫‪-1‬فالعمران البشري يعتبره ابن خلدون نظام التعاون بالتبادل والتعاوض المادي لسد‬ ‫الحاجات العضوية للإنسان من حيث هو مستعمر في الأرض‪ :‬التنازل أي السكن معا من أجل‬ ‫سد الحاجات بلغته‬ ‫‪-2‬والاجتماع الإنساني يعتبره ابن خلدون نظام التآنس بالتواصل والتعاوض الروحي‬ ‫لسد الحاجات الروحية للإنسان من حيث هو مستخلف في الأرض‪ :‬التنازل أي التساكن‬ ‫للأنس بالعشير بلغته‪.‬‬ ‫وما قد يجهله الكثير هو العلاقة بين نظام الأدوات أو جهاز الدولة ونظام ملئيها أو تعيين‬ ‫نظام الأدوات وجهاز الدولة بأنظمة الحكم‪ .‬وتلك علة خلافي مع خرافات من يتكلم على‬ ‫تاريخانية الدولة دون تمييز الثابت فيها والمتغير منها مثل صاحب الدولة المستحيلة متوهما‬ ‫أن الدولة هي أنظمة الحكم‪ .‬وذلك بسبب الخلط بين بعديها‪:‬‬ ‫‪-1‬فمن حيث هي نظام الأدوات الدولة بنية ثابتة في كل مجتمع إنساني‪.‬‬ ‫‪-2‬ومن حيث نظام العمل بواسطتها هو المتغير تاريخيا في أدائها الظرفي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهذا المعنى الثاني هو نظام الحكم الذي هو نظام تعيين مالئي الخانات الخالية التي يمثلها‬ ‫جهاز الدولة أو نظام الأدوات‪ .‬وهذا الخلط يشبه تماما خلط الأميين بين مفهوم الدائرة‬ ‫في حدها الرياضي ورسم الدائرة أو أي معادلة يعبر بصورة مجردة على شكل هندسي واي‬ ‫بناء للشكل في الأعيان‪ .‬فلا يمكن أبدا تحقيق المفهوم الرياضي المجرد في الاعيان بصورة‬ ‫مطابقة له أبدا وهو ما بينته في الفصول السابقة ويصح على المقدرات الذهنية العملية‬ ‫صحته على المقدرات الذهنية النظرية‪.‬‬ ‫ولأذكر الآن هذه العناصر المقومة للجهاز المجرد أو لحد الدولة من حيث هي نظام أدوات‬ ‫لا يخلو منها مجتمع إنساني‪ .‬فلا بد فيها من الخانات التالية‪:‬‬ ‫‪-1‬خانة المرجعية التي يستمد منها معنى الأدوات التي تحقق الغايات المشتركة التي من‬ ‫دونها لا معنى لوجود جماعة أعني أدوات العيش المشترك لسد الحاجات العضوية ولسد‬ ‫الحاجات الروحية‪ .‬وإذن فالخانة الأولى تتعلق بمرجعية الأدوات التي تحقق هذين‬ ‫النوعين من الغايات‪ .‬وهي خانة خالية لأن تعيين مضمون المرجعية هو بمقدار الوعي‬ ‫بالمبادئ الأربعة التي ذكرتها في الفصول الثلاثة الأولى‪.‬‬ ‫‪-2‬خانة الفهوم المختلفة للمرجعية والأدوات التي تحققها أو تأويلاتها للمرجعية ولما‬ ‫يترتب عليها من موقف يحدد الأدوات المناسبة لتحقيق الغايات وهي ما يمكن أن نسميه‬ ‫القوى السياسية‪ .‬وهذه القوى متنوعة تبدأ بشكل قبائل وتنتهي بشكل أحزاب‪.‬‬ ‫‪-3‬خانة العقد الذي يحدد المشتركات في ما يحتكم إليه من فهوم مشتركة سواء كان ذلك‬ ‫العقد مكتوبا أو عرفيا وهو ما يسمى عادة بالدستور‪ .‬وهو خانة خالية تملأ بهذا المشترك‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المحدد لقواعد يحتكم إليها لحسم الخلافات بين الرؤى المتنوعة التي تعاقدت على المشترك‬ ‫بينها بخصوص الخانتين الأوليين من أجل تحقيق مضمون الخانتين الإنتجازيتين التاليتين‪.‬‬ ‫‪-4‬خانة نظام الحكم وفيه من يحكم بالفعل ومن يحكم بالقوة أو المعارضة التي هي من‬ ‫يستعد للحكم بما تعده القوة السياسية المؤهلة لنيل الاغلبية في الانتخابات المقبلة من حكومة‬ ‫ظل لتكون الحاكمة بالفعل‪ .‬وذلك هو معنى التداول الديموقراطي السلمي‪ .‬لكننا ما زلنا‬ ‫في التداول الدامي ويكون إما بموت الحاكم طبيعيا أو بقتله والانقلاب عليه‪ .‬ونظام‬ ‫التواصل في القوامة هو الذي قد يخلط مع الدولة في حين أنه نظام الحكم وليس الدولة‪.‬‬ ‫‪-5‬خانة وظائف القوامة التي هي بعدد وظائف الجماعة في تحقيق قيمها ورؤاها خلال سد‬ ‫حاجاتها العضوية والروحية بالرعاية والحماية‪ .‬وهي أحد عشر وظيفة وهذه هي المناظرة‬ ‫لما تقتضيه المرجعية أو الخانة الأولى بحيث إن الخانة الأخيرة هي الجواب عما يترتب على‬ ‫الخانة الأولى ويكون مطابقا لرؤيتها كما سنرى مثلما أن الرابعة مناظرة للثانية ويكون‬ ‫قلب الخانات هو الخانة الوسطى التي هي الدستور أو العقد كما تصوره الرسول في دستور‬ ‫المدينة وفيه تمييز واضح بين الدولة الأداة والجماعة الغاية‪:‬‬ ‫خمسة منها لقوامة رعاية الجماعة لنفسها‪:.‬‬ ‫وخمسة لقوامة حماية الجماعة لنفسها‪.‬‬ ‫والأخيرة هي رئاسة السلطة التنفيذية وما يتبعها من سلطة تشريعية‪.‬‬ ‫وقد قلبت هنا العلاقة بين التشريعي والتنفيذي أو بالأحرى أرجعتها إلى حقيقتها‪:‬‬ ‫فالتشريع تابع للتنفيذ وليس العكس‪ .‬والقصد أن القوة السياسة التي يختارها الشعب‬ ‫للحكم بالفعل هي التي اختيرت في ضوء برنامج تكون مطالبة بتحقيقه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولا تستطيع تحقيقه من دون صوغه بصورة تجعله ذا شرعية وهو معنى السلطة‬ ‫التشريعية فيكون البرنامج هو الذي يحدد القوانين التي تحتاج إليها القوة السياسة التي‬ ‫فازت في الانتخابات حتى يكون عملها مستندا إلى الدستور بما تصوغه من قوانين تشرع‬ ‫لعملها في إطاره الذي يضمن عدم الخروج على العقد المشترك الذي يحول دون نفي القيم‬ ‫والغايات المشتركة بين القوى السياسية المتعاقدة‪.‬‬ ‫• المسألة الأولى‪ :‬وظائف الرعاية وقوامة الدولة عليها‬ ‫والبداية بوظائف الرعاية وقوامة الدولة عليها‪ .‬فالدولة من حيث هي جهاز قوامه نظام‬ ‫أدوات القوامة على تحقيق الجماعة رعايتها لذاتها هي ما يمكن أن نطلق عليه اسم‬ ‫الوزارات الخمسة التالية لكنها تنقسم إلى مرحلتين تكوينية مضاعفة وتموينية مضاعفة‬ ‫وأصل لها خمستها وهي جميعها لا يمكن أن يخلو منها مجتمع بدائيا كان أو في التحضر ومن‬ ‫ثم فهي من الثوابت في نظام الأدوات الضروري لتحقيق الغايات وهي توجد حتى في مستوى‬ ‫نظام الجماعات القبلية التي فيها جهاز الدولة الجنيني‪:‬‬ ‫قوامة الرعاية التكوينية المضاعفة‪:‬‬ ‫‪-1‬وزارة التربية النظامية بمستوياتها الخمسة وهي القيمة على التكوين النظامي في‬ ‫المدرسة من ما قبل الابتدائي فالابتدائي فالثانوي فالعالي إلى ما بعد العالي أو التكوين‬ ‫المستمر‪ .‬ووظيفتها تكوين الإنسان والمواطن والمختص في أحد الأعمال التي ينوب فيها‬ ‫الجماعة فرض كفاية بمنطق تقسيم العمل الجماعي لسد الحاجات المادية والروحية‬ ‫للجماعة‪.‬‬ ‫‪-2‬وزارة التربية اللانظامية أو الاجتماعية وهي القيمة على التربية التي تحصل في سوق‬ ‫العمل وهي التربية التي تستكمل فيها التربية السابقة من خلال الممارسة في تقسيم العمل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لأن الممارسة في أي اختصاص هي التعلم الحقيقي الذي يكون التكوين الأول أعدادي ولا‬ ‫يتأكد التمكن منه إلا خلال الممارسة في التخصص الذي تخرج فيه المتعلم والذي يبقى حياته‬ ‫كلها يتعلم لأن تطور المعرفة وتطبيقاتها شبه لا محدود‪.‬‬ ‫قوامة الرعاية التموينية المضاعفة‪:‬‬ ‫‪-3‬وزارة الثقافة وهي القيمة على الإنتاج الثقافي الذي هو تطبيق التكوين النظري في‬ ‫العلوم الطبيعية والإنسانية لانتاج ما يسد حاجة الجماعة بمنتجات وخدمات معرفية وقيمية‬ ‫لا يمكن من دونها بقاء الجماعة فضلا عن تكوين الأجيال المتوالية بواسطة هذه المنتجات‬ ‫التي هي ما يغتذون به روحيا وما يتدربون به على الإنتاج الذي يواصلونه ويجودونه‪.‬‬ ‫‪-4‬وزارة الاقتصاد وهي القيمة على الإنتاج الاقتصادي الذي هو تطبيق التكوين النظري‬ ‫في العلوم الطبيعية والإنسانية كذلك لسد حاجة الجماعة بمنتجات وخدمات مادية وعضوية‬ ‫لا يمكن من دون بقاء الجماعة فضلا عن تكوين الأجيال المتوالية بواسطة تلك المنتجات‬ ‫التي هي ما يغتذون به عضويا وما يتدربون به على الإنتاج الذي يواصلونه ويجودونه‪.‬‬ ‫أصل هذه الوظائف الأربعة التكوينية والتموينية‪:‬‬ ‫‪-5‬وزارة العلوم وهي القيمة على البحث العلمي الأساسي والمطبق على أمثلة تعد لمروره‬ ‫إلى ما تقدم من الوظائف الأربعة أو عليها لاستمداد ما تحقق فيها من خبرة لما بين الممارسة‬ ‫والنظر من تخاصب متبادل والإعلام العلمي الذي ينشر الثقافة العلمية والعملية التي تكون‬ ‫على علم في الجماعة التي تحقق شروط الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها‪ .‬وتلك هي‬ ‫الرعاية الذاتية للجماعة بقوامة هي التي تملأ خانة الدولة المتعلقة بقوامة وظائف الرعاية‬ ‫وهي وزارات العناية الخمسة التي ذكرت‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وطبعا فالدولة ليست هي التي تقوم بهذه الوظائف بل هي الساهرة على شروط حصولها‬ ‫بالشروط التي تحققها أفضل تحقيق من خلال ما تمكن منه وظائف الحماية التي سيأتي‬ ‫درسها لأن كل القوامة هي بالأساس من الحماية بالقانون للحقوق والواجبات في التبادل‬ ‫والتواصل في الجماعة‪.‬‬ ‫• المسألة الثانية‪ :‬وظائف الحماية وقوامة الدولة عليها‬ ‫والحماية مثل الرعاية من وظائف الجماعة وليس من وظائف الدولة‪ .‬دور الدولة هو‬ ‫قوامة الحماية مثل قوامة الرعاية‪ .‬وللحماية خمس فروع اثنان لقوامة الحماية الداخلية‬ ‫واثنان لقوامة الحماية الخارجية والأخيرة هي الأصل وهي لقوامة العمل على علم في نوعي‬ ‫الحماية بالاستعلام والإعلام المتعلقين بما يجري في أحوال الجماعة داخليا وخارجيا ذلك أن‬ ‫كل جماعة ومثلها دولتها لها وجهان أو التفاتان للداخل وللخارج لأنها متقاسمة للمكان‬ ‫وللزمان مع غيرها من الجماعات والدول في المعمورة‪.‬‬ ‫قوامة الحماية الداخلية المضاعفة‪:‬‬ ‫‪-1‬وزارة العدل وهي قيمة على القضاء وليست سلطة سياسية كما يعقد من يتكلمون عن‬ ‫الفصل بين السلط السياسية‪ .‬لا توجد إلا سلطتان سياسيتان مباشرتان هما التنفيذ‬ ‫والتشريع‪ .‬أما القضاء فهو سلطة \"معرفية\" وظيفتها تنزيل القوانين على النوازل العينية‬ ‫في النزاعات الحاصلة بين الموطنين ولا سلطان لها على القوانين التي تطبقها ولا على تنفيذ‬ ‫الأحكام التي تصدرها‪.‬‬ ‫‪-2‬وزارة الأمن الداخلي أو وزارة الداخلية وهي قيمة تنفيذ القانون في الجماعة‪.‬‬ ‫وتنفيذ القانون من شروط العدل لأن القانون الذي لا ينفذ يعني أنه توجد سلطة فوق‬ ‫القانون‪ .‬وكل فساد في أي دولة يبدأ بهذا الاستثناء‪ .‬وتوجد حالات استثناء يمكن اعتبارها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫متعلقة بقانون القانون أي ما يسمى المحافظة على النظام العام عندما يتعارض القانون من‬ ‫حيث هو شرعية مع إرادة الجماعة من حيث هي مصدر مشروعية الشرعية‪ .‬وهذا نادر‬ ‫الحصول لكن من مهام السياسة العناية به لأنه يعبر على تغير في \"روحانية الجماعة وقيمها\"‬ ‫يمكن أن يكون تقدما في المزيد من تحقيق الغايات الأسمى من الموجود لتعلقها الامتن‬ ‫بالمنشود‪.‬‬ ‫قوامة الحماية الخارجية المضاعفة‪:‬‬ ‫‪-3‬وزارة الخارجية أو الدبلوماسية وهي في نسبة وزارة العدل في الحماية الداخلية لأن‬ ‫تلك تعمل بالقانون الدولي عمل هذه بالقانون الوطني وهي أداة التعبير عن حماية‬ ‫الجماعة لحقوقها بالقانون الدولي سلميا قبل اللجوء إلى حمايتها بالقوة المسلحة‪.‬‬ ‫‪-4‬وزارة الدفاع أو القوة العسكرية وهي في نسبة وزارة الداخلية في الحماية الداخلية‬ ‫لأنها تنفذ القانون الدولي عندما لا ينصاع الخصم مثلما تنفذ الداخلية القانون الوطني‬ ‫عندما لا ينصاع المحكوم ضده به لتطبيق الحكم طوعا‪.‬‬ ‫الأصل في قوامة هذه الوظائف الأربع‪:‬‬ ‫وهو فرع من البحث العلمي إذا كان مطابقا لوظيفته وهو الاستعلام والإعلام السياسي‬ ‫الذي من دون لا يمكن للقيمين على وظائف الجماعة في رعاية نفسها وحمايتها أن يكون‬ ‫عملهم عملا على علم‪ .‬فهذا الجهاز هو الذي يمكن القيمين من أن يكون مطلعين على حال‬ ‫الامة في الداخل وفي الخارج وقادرين على قوامة الوظائف العشر ومن ثم فهو ا لجهاز الذي‬ ‫يجعل رئاسة التنفيذ في الدولة قادرة على متابعة الأمور وجعل القانون سيدا على الجميع‬ ‫بمن فيهم القيمون على الوظائف العشر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والمثال الأعلى في ذلك وهو ما كان يستغربه المسيحيون عندما اطلعوا على القرآن هو أن‬ ‫الله في الإسلام خاضع هو بدوره لتشريعاته بمعنى أنه يطبق على نفسه ما يطبقه على‬ ‫البشر من التشريعات وخاصة الأمانة والعدل شرطي الحكم لأنه هو الحكم في كل النزاعات‬ ‫بين البشر وحتى بينهم وبينه إذ هو يقبل أن يحتكم مثلهم على تشريعاته وهو يقول إنه قد‬ ‫كتب على نفسه ألا يظلم أحدا وأن يكون رحيما بجميع مخلوقاته‪.‬‬ ‫وأختم هذا الفصل بملاحظتين وأرجئ المسألتين الاخريين للفصل الأخير لأنهما‬ ‫مترابطتان أي تحديد طبيعة النظام واسلوبه اللذين اختارهما الإسلام ثم طبيعة البنية‬ ‫العميقة الواحدة للنظامين اللذين يرفضهما الإسلام أعني الثيوقراطيا وهي علة الفتنة‬ ‫الكبرى والأنثروبوقراطيا وهي علة الفتنة الصغرى وبينتهما العميقة هي الأبيسيوقراطيا‬ ‫أو دين العجل كما سنرى‪.‬‬ ‫الملاحظة الأولى‪:‬‬ ‫الفرق بين إنجاز الوظائف والقوامة عليها والأول للجماعة والثانية لمن تختاره الجماعة‬ ‫ليكون من يملأ خانات الدولة التي هي بنية مجردة لنظام الأدوات التي تتحقق بها وظيفة‬ ‫القوامة‪:‬‬ ‫فالدولة في الحالتين ‪-‬الرعاية والحماية‪-‬قيمة على هذه الوظائف وليست هي التي‬ ‫تحققهما بل الجماعة هي التي تحققها بالتبادل والتواصل والدولة هي التي تمكن الجماعة‬ ‫من فصل وظيفة القوامة بالتنويب المتداول بين القوى السياسية التي تقوم على ذلك‬ ‫وتنظمه بفعل القوى السياسية الممثلة لإرادة الجماعة والناطقة باسمها بتنويب صامت يمثله‬ ‫كونها هي التي تنتخب من تقدمه لهم القوى السياسية أو الأحزاب أو حتى القبائل قبل‬ ‫تكون مفهوم القوى السياسية في شكل أحزاب لا تكون الرابطة فيها العلاقة الدموية بل‬ ‫الولاء لمنظومة قيم هي ما يستخرج من تأويل معين للمرجعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الملاحظة الثانية‪:‬‬ ‫القوى السياسية الممكنة أو الأحزاب وعلة كونها كذلك بمقتضى تأويل المرجعية المشتركة‬ ‫اعتمادا على عاملين هما عين تعريف كيان الإنسان‪.‬‬ ‫فتأويل المرجعية بهذا المعنى لا يتجاوز خمس تأويلات بسبب التوليف بين عاملين هما‪:‬‬ ‫‪-1‬عامل الاستعمار في الأرض وسد الحجات العضوية أي الاقتصاد أي قيم الوحدة المادية‬ ‫للجماعة‪ .‬وهي وحدة تحكمها العلاقة بـ\"مكان\" واحد هو سهم الجماعة من الأرض التي‬ ‫يستمدون منها رزقهم المادي أو الثروة بوصفهم كائنات حية تدين بحياتها لما في الطبيعة وما‬ ‫بعدها من شروط بقاء الإنسان العضوي‪.‬‬ ‫‪-2‬وعامل الاستخلاف في الأرض وسد الحاجات الروحية أي الاجتماع أو قيم الوحدة‬ ‫الروحية للجماعة‪ .‬وما يترتب عليها من تضامن اخوي في السراء والضراء‪ .‬وهي وحدة‬ ‫تحكمها العلاقة بـ\"زمان\" واحد هو سهم الجماعة من البقاء الذي يستمدون منه رزقهم‬ ‫الروحي أو التراث بوصفهم كائنات واعية تدين بوعيها بذاتها لما في التاريخ وما بعده من‬ ‫شروط بقاء الإنسان الروحي‪.‬‬ ‫وتلك هي الاحياز الأربعة التي تستمد وجودها من المرجعية الإنسانية التي هي كون‬ ‫الإنسان مستعمر في الأرض ومستخلف فيها مهما اختلفت الرؤى والفهوم للوجود والعالم‪.‬‬ ‫وفي ذلك لا فرق بين الأديان والفلسفات رغم ما يبدو من تعارض بينهما موقفين يبدوان‬ ‫متضادين عند السطحيين من المتكلمين والفلاسفة لأنهم \"انصاف\" بلغة ابن تيمية‪ :‬المكان‬ ‫والثروة والزمان والتراث والمرجعية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما نظام القوى السياسية أو الأحزاب الفعلية إلى حصيلة التأويلات الممكنة بالتفاعل بين‬ ‫العاملين المحددين لكيان الإنسان مستعمرا ومستخلفا في الأرض وهذه التأويلات عندما‬ ‫تترجم إلى قوى سياسية أو حزبية لها أسماء اصطلاحية مستمدة من صدفة الجلوس في‬ ‫مجلس النواب الفرنسي بعد الثورة الفرنسية أي اليمين واليسار وما ترتب عليهما من‬ ‫تفاعل بمقتضى منطق الديموقراطية‪:‬‬ ‫‪-1‬حزب يقدم التنافس على سد الحاجات المادية فيقدم عامل التحالف الاقتصادي دون‬ ‫سواه‪ :‬ويسمى بالمصطلح الحالي حزب اليمين‪.‬‬ ‫‪-2‬حزب يقدم التنافس على سد الحاجات الروحية فيقدم عامل التضامن الاجتماعي دون‬ ‫سواه‪.‬‬ ‫‪-3‬والديموقراطية فرضت على تنافس اليميني مع اليساري لنيل رضا القاعدة الشعبية‬ ‫أخد شيء من مبدأ اليساري في الاعتبار فيتكون الحزب الثالث حزب يسار اليمين‪ .‬وله في‬ ‫ذلك فائدة اقتصادية كذلك وهي توسيع سوق الاستهلاك لأن العمال عندما تتحسن‬ ‫أوضاعهم يصبحون مستهلكين فيستفيد الرأسمالي‪.‬‬ ‫‪-4‬والديموقراطية فرضت على تنافس اليساري مع اليمين على الزيادة في الإنتاج‬ ‫بالحصول على رضا أرباب العمل اخذ شيء من اليميني في الاعتبار فيتكون الحزب الرابع‬ ‫حزب يمين اليسار‪.‬‬ ‫‪-5‬ويبقى مجال خامس لمن لا يختار أي واحد من هذه الخيارات الأربعة فيكون مترددا‬ ‫بينها انتهازيا بالجوهر ينحاز لمن ينجح من الأربعة السابقة لينضم إليه عندما يكون محتاجا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لمكمل له حتى يحصل على الأغلبية للحكم بقاء فيه أو عودة إليه بعد مروره بالمعارضة‪.‬‬ ‫وبذلك لم يبق علينا إلا البحث فيه إلى مسألتين أخيرتين قبل فهم الحل القرآني لطبيعة‬ ‫النظام السياسي الذي يحول دون الفتنتين الكبرى والصغرى‪:‬‬ ‫المسألة الثالثة‪ :‬النظام الذي اختاره الإسلام محرر من الفتنتين‪.‬‬ ‫المسألة الرابعة‪ :‬في دلالة المقابلة ثيوقراطي وانثروبوقراطي‪.‬‬ ‫لتكون المسألة الأخيرة‪ :‬رئاسة القوامة ونظامها أو نظام الحكم في الإسلام وهو الحل‬ ‫الوحيد الذي يحرر الإنسانية من البنية العميقة الواحدة في النظامين الثيوقراطي‬ ‫والانثروبوقراطي أعني بنية النظام الأبيسيوقراطي الذي كانت ثورة الإسلام في متمثلة‬ ‫في اكتشافه سره ووضع نظام يخلص منه باعتباره البنية العميقة للثيوقراطيا‬ ‫والأنثروبوقراطيا‪ :‬دين العجل ونظام الحكم العجلي بربا الأموال وربا الاقوال‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نستأنف القول في هذه العلاقة التي خفيت على الكثير ممن يتكلمون على الفصل بين‬ ‫الديني والسياسي‪ .‬فهم يخلطون بين فصل الديني عن الدولة بوصفها نظام الأدوات‬ ‫السياسية وفصل الديني عن الجماعة بوصفها نظام الغايات السياسية‪ .‬والفصل الأول ممكن‬ ‫بل وضروري‪ .‬والفصل الثاني غير ممكن بل ومستحيل‪:‬‬ ‫‪-1‬فالدولة هي نظام من الأدوات يصنعه الإنسان في الأعيان تحقيقا للممكن من معان كلية‬ ‫مقدرة في الأذهان وظيفته تنظيم قوامة الجماعة لذاتها في الرعاية والحماية‪ .‬وهي علاقة‬ ‫لا تختلف عن علاقة مفهوم الدائرة بمحاولات رسمها وهي إذن من المقدرات الذهنية‬ ‫النظرية لنظام الأدوات التي نسميها مؤسسات يتألف منها نظام الأدوات التي تحقق بها‬ ‫الجماعة نظام الغايات وذلك كوني لأنه مناسب للإنسان من حيث هو إنسان وعلاقته‬ ‫بالديني والفلسفي هي عين علاقته بالإنساني‪.‬‬ ‫‪-2‬ونظام الغايات لا يصنعه الإنسان بل هو عين كيانه كما يتعين كيانه في الأذهان في شكل‬ ‫مقدرات ذهنية عملية وفي الأعيان في شكل أقوال تعبر عما يدركه منها وفي شكل أفعال‬ ‫تحقق الممكن منها في الموجود المشدود للمنشود من كيانه من حيث علاقته بالطبيعة للعضوي‬ ‫منه وبالتاريخ للروحي منه‪.‬‬ ‫وكلا الأمرين يوجدان في أقواله المعبرة عن إرادته ومعرفته وقدرته وحياته ورؤيته وفي‬ ‫أفعاله الساعية لتحقيقهما في نظام يجمع بين نوعي المقدرات الذهنية النظرية والعملية‬ ‫اللذين لا يمكن من دونهما صنع نظام الأدوات ولا تحقيق نظام الغايات لأن المقدرات‬ ‫الذهنية النظرية هي شرط صنع الإنسان للأدوات والمقدرات الذهنية العملية هي شرط‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫\"كون\" الإنسان بمقتضى الغايات وتلك هي علة وضعي لفرضية المقدرات الذهنية العملية‬ ‫التي أضفتها إلى المقدرات الذهنية النظرية‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن الإنسان يعيش كيانه نوعين من العيش من حيث موجوده المشدود إلى‬ ‫منشوده ويتعامل مع العالم الطبيعي والعالم التاريخي بمقتضى ما يعلم من ضرورات‬ ‫موجوده وما يقيم من ضرورات منشوده لاستكمال موجوده وله في علاقة نوعي العيش في‬ ‫كيانه صورة مما ينسبه إلى الكون ككل فيعتبره هو بدوره ذا كيان مؤلف من الموجودي‬ ‫والمنشودي هو غيبه الذي يمثل ما وراءه‪ .‬وتلك هي العلاقة بين السياسي والديني سواء‬ ‫كان بأسلوب الاديان أو بأسلوب الفلسفات و يحددها الإنسان بمقتضى منزلته الوجودية ذات‬ ‫المستويين وما يترتب عن تفاعلهما في الاتجاهين‪:‬‬ ‫‪-1‬فالإنسان مستعمر في الأرض سواء قلنا ذلك بالأسلوب الديني او بالأسلوب الفلسفي‬ ‫ورمزها حصته من المكان لسد حاجاته‪ .‬ويمكن اعتبار ذلك أساس كل اقتصاد إنساني‪ .‬وهو‬ ‫معنى علاقة الإنسان بالطبيعة وثمرتها الثروة‪.‬‬ ‫‪-2‬والإنسان مستخلف في الأرض سواء قلنا ذلك بالأسلوب الديني أو بالأسلوب الفلسفي‬ ‫ورمزها حصته من الزمان لسد حاجاته الروحية‪ .‬ويمكن اعتبار ذلك أساس كل ثقافة‬ ‫إنسانية‪ .‬وهو معنى علاقة الإنسان بالتاريخ وثمرتها التراث‪.‬‬ ‫‪-3‬وبين أن للاستعمار في الأرض أثرا في الاستخلاف فيها‪ .‬وهذا الاثر قد يحول الثروة‬ ‫التي تنتج عنه إلى سلطان مادي على الناس بسبب نسيان المستخلف وعلاقة الطبيعة بما‬ ‫ورائها أي معنى الاستخلاف‪ .‬وذلك هو الإخلاد إلى الأرض دينيا أو فلسفيا بأحد المعنيين‬ ‫المتقابلين التاليين‪ :‬فهو يكون إما اخلاد الفاعل الذي يستقوي صاحبه بسلطانه على الأرزاق‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيصبح وصيا على الاستعمار في الأرض أو اخلاد المنفعل الذي يخضع صاحبه للفاعل ويصبح‬ ‫عبدا للمستقوي بالثروة‪.‬‬ ‫‪-4‬وبين كذلك أن للاستخلاف في الأرض أثرا في الاستعمار فيها‪ .‬وهذا الاثر قد يحول‬ ‫التراث الذي ينتج عنه إلى سلطان روحي على الناس بسبب نسيان الخليفة وعلاقة التاريخ‬ ‫بما ورائه أي معنى الخليفة‪ .‬وذلك هو الإخلاد إلى السماء دينيا وفلسفيا بأحد المعنيين‬ ‫المتقابلين‪ :‬فهو يكون إما وعيا بالتكليف فاعلا فيتحرر من الوساطة بينه وبين الخليفة‬ ‫والوصاية بينه وبين شأنه أو وعيا بالتكليف منفعلا فيخضع للوصي ومن يحرف الاستخلاف‬ ‫من الوسطاء الذين يضفون الشرعية على الأوصياء‪.‬‬ ‫‪-5‬فيكون أصل ذلك كله هو تحريف ما أطلقت عليه اسم المعادلة الوجودية التي تصل‬ ‫الإنسان بالطبيعة لأن كيانه العضوي يستمد شروط قيامه منها وبالتاريخ لأن شروط كيانه‬ ‫الروحي يستمد شروط قيامه منه لكنه بفضل هذا الوعي بالمدد يضع وراء الطبيعة‬ ‫والتاريخ ما وراء هو الذي يجعل الدين والفلسفة يتحدان في هذا المعنى الذي يعيد الإنسان‬ ‫إلى العلاقة المباشرة مع عالم الغيب وعلاقته بمستعمره في الأرض ومستخلفه فيها وهو معنى‬ ‫الربوبية والألوهية أي الخالق والآمر‪.‬‬ ‫وهذه المعاني الأربعة مع أصلها هي التي تصبح أحياز الوجود الإنساني التي تترتب على‬ ‫منزلته الوجودية المتعينة في كيانه العضوي وفي كيانه الروحي‪ .‬وهي معان يوحد بينها‬ ‫مفهوم المرجعية التي هي الأصل والتي لا يمكن تصور السياسة من دونها والتي يمكن تصور‬ ‫الدولة من حيث هي نظام أدوات السياسة بمعزل عنها بل وهي تستمد فاعليتها بهذه الصفة‬ ‫لأنها تجعل نظام الأدوات تقنيا بحتا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويمكن أن نعبر عن هذه المعاني بالأسلوب الديني أو بالأسلوب الفلسفي والاختلاف‬ ‫الاسلوبي للعبارة لا يغير وحدة المضمون‪ .‬وهو المعنى الذي يؤسس للجماعات المتعاونة‬ ‫اقتصاديا والمتواصلة ثقافيا لأن‪:‬‬ ‫العلاقة بالطبيعة فردية من حيث الدور في الكيان العضوي لكنها جماعية من حيث إنتاج‬ ‫الثروة التي تسد هذه الحاجة‪.‬‬ ‫والعلاقة بالتاريخ فردية من حيث الدور في الكيان الروحي لكنها جماعية من حيث إنتاج‬ ‫التراث الذي يسد الحاجة‪.‬‬ ‫ولما كان التواصل شرط التبادل والتعاوض والتعايش فإن البعد الثاني مقدم على البعد‬ ‫الأول في الآجل حتى وإن بدا العكس في العاجل‪ .‬ذلك أن إلحاج الحاجة العضوية قد يقدمها‬ ‫على تراخي الحاجة الروحية‪ .‬لكن صنع نظام الأدوات التي تحقق قوامة الجماعة لإنتاجها‬ ‫شروط بقائها المادي والروحي لا يحصل إلا في التاريخ المديد وليس في التاريخ القصير‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن شروط الاستخلاف المثلى أعسر تحقيقا من شروط الاستعمار المثلى‪.‬‬ ‫فالإنسان يمكن أن يعيش عضويا كيفما اتفق فيخلد إلى الأرض‪ .‬لكن العيش الروحي لا‬ ‫يكون كيفما اتفق‪ .‬إنه مشروط بالكرامة والحرية‪ .‬وشرط هذين المعنيين عبادة رب العباد‬ ‫بدل العباد‪ .‬وإذن فلا يمكن معهما الاخلاد إلى الارض والقبول بالتبعية للوسطاء‬ ‫والأوصياء‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى الاستخلاف أو مفهوم الإنسان الخليفة الذي عرفه ابن خلدون تعريفا‬ ‫جامعا مانعا بالقول إن \"الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" (المقدمة‬ ‫الباب الثالث فصل ‪.)24‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وعلى هذا المفهوم أسس علمه في العمران البشري (شرط كيان الإنسان العضوي)‬ ‫والاجتماع الإنساني (شرط كيان الإنسان الروحي)‪ .‬والسياسة ذات بعدين‪:‬‬ ‫أحدهما هو نظام الأدوات وذلك هو جوهر الدولة من حيث كيانها المجرد الذي هو مصفوفة‬ ‫مؤسسات خالية تملأ بالقيمين عليها لتكون ذات فاعلية سياسية بالمعنى الثاني‪.‬‬ ‫والثاني هو نظام الغايات وذلك هو جوهر الجماعة من حيث كيانها المجرد الذي هو‬ ‫مصفومة قيم تتعين تاريخيا في جماعة تحققها لتكون ذات فاعلية سياسية لا يمكن فصلها عن‬ ‫القيم وأولها قيمة الإنسان من حيث هو مريد وعاقل وقادر وذائق وذو رؤية‪.‬‬ ‫ويجمع بينهما نظام القوامة الذي هو المفعل لنظام الأدوات لتحقيق الغايات بملء خانات‬ ‫مصفوفة الأدوات أو الدولة التي تسهر بها الجماعة على تعاونها وتبادلها وتعاوضها العادل‬ ‫وتواصلها في كل ذلك لضمان شروط التعايش السلمي في نفس الجماعة في المعمورة التي‬ ‫يتقاسمون جغرافيتها وتاريخها‪ .‬لكن نظام الأدوات قد يلغي نظام الغايات فتصبح بديلا‬ ‫منه ويلغي دور النظام الذي يجعل الجماعة هي صاحبة الدورين التاليين‪:‬‬ ‫‪-1‬هي التي تختار القيمين على نظام الأدوات والمفعلين له‪ :‬الدولة المستبدة والفاسدة‪.‬‬ ‫‪-2‬هي التي تنتج ما يسد حاجاتها المادية والروحية بنفسها وليس نظام الأدوات الذي‬ ‫يعوضها‪ :‬الدولة الحاضنة‪.‬‬ ‫وقد جمعت الآية ‪ 38‬من الشورى هذه المعاني‪َ \":‬وا َّلذِينَ ا ْستَجَابُوا ِلرَ ِّبهِ ْم وَ َأقَا ُموا ال ّصَ َلا َة‬ ‫َوأَ ْم ُرهُمْ شُورَ َٰى بَيْ َنهُ ْم َومِ ّمَا رَزَقْنَا ُهمْ يُنفِ ُقونَ\"‪ .‬وهذه المباديء الأربعة ليست مقصورة على‬ ‫الجماعة الواحدة بل هي تشمل كل البشرية لأن تقاسم المكان والزمان يجعل كل جماعة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذات سهم منهما‪ .‬فيحدث بين البشر التنازع عليهما وعلى ثمرتهما‪ .‬وحينها يكون البشر‬ ‫بحاجة إلى نوعين من الوزع‪:‬‬ ‫‪-1‬الذاتي وهو الضمير‪.‬‬ ‫‪-2‬الأجنبي وهو القانون‪.‬‬ ‫وكلاهما لا يخلو منهما نظام الأدوات أو الدولة ومن نظام ملء الخانات المجردة التي تكون‬ ‫مصفوفتها بمن يقوم عليها فرض كفاية بانتخاب الجماعة وإنابة ينظمها ما يمكن تسميته‬ ‫بنظام الحكم‪ .‬وكل ذلك يستند إلى مبدأين تتأصل فيهما المرجعية بفروعها لأن ذلك كله‬ ‫مركوز في كيان الإنسان وهو جوهر العضوي ذي العلاقة بالطبيعة والروحي ذي العلاقة‬ ‫بالتاريخي وهما مشتركان بين البشر في الجماعة الواحدة وبين الجماعات البشرية كلها‪:‬‬ ‫‪-1‬المبدأ الأول هو الوحدة البشرية الجوهرية رغم التعدد العرقي وذلك بالكلام على‬ ‫الرحم الكوني‪ .‬وهذا المبدأ هو مبدأ الوحدة النوعية أو الأخوة الإنسانية‪ :‬كلهم من نفس‬ ‫واحدة وكلهم من آدم وآدم من تراب‪.‬‬ ‫‪-2‬المبدأ الثاني التعارف بين البشر بمعنى المعرفة والمعروف رغم التنوع العرقي والطبقي‬ ‫والجنسي بحيث يتساوون في المنزلة الوجودية ولا يتفاضلون عند الله إلا بالتقوى‪ :‬الآية‬ ‫الثالثة عشرة من الحجرات‪.‬‬ ‫ولما كانت المنزلة الوجودية بعناصرها الخمسة التي هي الأحياز (المكان والثروة الزمان‬ ‫والتراث والمرجعية) وما يؤسسها من وحدة إنسانية تتجاوز الحصص من المكان ومن الزمان‬ ‫فإن المشكل كله يدور حول ما يحول دون المبدأين والعمل بصورة تحرر الإنسان من العداوة‬ ‫(مشكل الأخوة‪ :‬من هنا قصة قابيل وهابيل) ومن التناكر (عدم التعارف معرفة ومعروفا‬ ‫مشكل المساواة)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا يمكن الحسم في ذلك قبل تعريف ما يترتب على ذلك من ضرورة إعادة النظر في تعريف‬ ‫القوى السياسية ليس بالاصطلاح الذي نتج عن جلوس نواب الثورة الفرنسية لأن ذلك‬ ‫مجرد صدفة لا تساعد في فهم طبيعة المبادئ التي تمكن من فهم العلاقة بين هذه القوى‬ ‫وأساس تأويل المرجعية التي يمكن من التصنيف‪.‬‬ ‫فالمرجعية سواء كانت دينية أو فلسفية تعود إلى ما به يعرف الإنسان نفسه فردا وجماعة‬ ‫منطلقا من العقد الديني أو من التسليم الفلسفي بأن كيانه هو المحدد الأساسي لخياراته‬ ‫القيمية التي من دونها لن تتحقق العلاقة بالطبيعة ولا بالتاريخ علاقتين أولاهما تنتج‬ ‫الثروة والثانية التراث وبهما يكون الإنسان منتجا لما يقيم حياته ويرفعها فوق الحيوانية‪:‬‬ ‫‪-1‬فكيانه هو العضوي فيه المتصل بمصدر قيامه الطبيعي ويسميه القرآن الاستعمار في‬ ‫الأرض أو تسخير مصادر الرزق المادي للتعاون والتبادل من أجل قيامه إذا استغلها‬ ‫واحترمها‪.‬‬ ‫‪-2‬وهو الروحي فيه المتصل بمصدر قيامه الروحي ويسميه القرآن الاستخلاف في الأرض‬ ‫بمعنى القيم التي تجعل وجود الجماعة يحقق ما بينها من تواصل ينظم التعاون والتبادل‬ ‫والتعاوض العادل‪.‬‬ ‫فينتج من ثم أن القوى السياسية تصدر عن هذين الأمرين بالقسمة شبه الخلوية إلى‪:‬‬ ‫‪-1‬قوة يغلب عليها الهم الأول وما يترتب عليه من الاقتصار على معيار سد الحاجة المادية‬ ‫وتصنيف الناس بمقتضاه‪ .‬وهو إذن المعيار الاقتصادي‪.‬‬ ‫‪-2‬وقوة يغلب عليها الهم الثاني وما يترتب عليه من الاقتصار على معيار سد الحاجة‬ ‫الروحية وتصنيف الناس بمقتضاه‪ .‬وهو إذن المعيار الاجتماعي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكن يتبين لن يؤدي لا إلى النجاح الاقتصادي ولا إلى النجاح الاجتماعي لأن الأول وحده‬ ‫يؤدي إلى الحرب على الرزق والثروة والثاني وهده يزيدها قوة لأنه لا ينتج رزقا ولا‬ ‫ثروة‪ .‬فيحصل نوع ثان من القسمة الخلوية‪:‬‬ ‫‪-1‬الاقتصادي يدرك أصحابه أن شرط انتاج الثروة يقتضي الاعتراف بالاجتماعي لعلتين‬ ‫أولاهما اقتصادية والثانية خلقية‪ .‬فاقتصاديا لا بد من توسيع سوق الاستهلاك حتى يزداد‬ ‫الربح بالنسبة إلى المنتج‪ .‬وأفقيا لا بد من حد أدنى يمكن من تحقيق شروط العيش السلمي‬ ‫المشترك‪.‬‬ ‫‪-2‬والاجتماعي يدرك أصحابه أن شرط التوزيع العادل يقتضي قبل ذلك إنتاج ما سيتم‬ ‫توزيعه‪ .‬ومن ثم فلا بد من الاعتراف بحقيقتين‪ :‬حقيقة أن البشر لهم نفس الحاجات‬ ‫العضوية والروحية بفروق كمية وليست كيفية في الرزق المادي والروحي وحقيقة أن إنتاج‬ ‫ما يسدهما ليس في متناول الجميع وهو علة تقسيم العمل والتعاون على انتاج الرزقين‬ ‫والتبادل والتعاوض في الجماعة الواحدة وبين الجماعات‪.‬‬ ‫فينتج عن ذلك انقسام الخيار الأول بإضافة شيء من الخيار الثاني وانقسام الخيار الثاني‬ ‫بإضافة شيء من الخيار الأول‪ .‬فتصبح القوى السياسية أربعة مع قوة خامسة فيها شيء من‬ ‫الأربعة وكلها يمكن أن تكون ذات مرجعية دينية أو فلسفية لأن الأصل هو مقوما الإنسان‬ ‫وما بينهما من علاقة بالطبيعة وما فيها وما بعدها وبالتاريخ وما فيه وما بعده‪:‬‬ ‫‪-1‬القوة التي تعتمد المعيار الاقتصادي وحده‪.‬‬ ‫‪-2‬القوة التي تعتمد المعيار الاجتماعي وحده‪.‬‬ ‫‪-3‬القوة التي تعتمد المعيار الاقتصادي مع شيء من المعيار الاجتماعي‪.‬‬ ‫‪-4‬القوة التي تعتمد المعيار الاجتماعي مع شيء من المعيار الاقتصادي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬أخيرا القوة المترددة بينها جميعا وهي قوة الوسط وهي مكملة لأي من الأربعة بحسب‬ ‫الظرفية السياسية إذا كنا في نظام ديموقراطي‪.‬‬ ‫وما يعني هنا هو أن الإسلام يكون قوة مرجعية لقوة سياسة من طبيعة الرابعة أي باللغة‬ ‫الحديثة قوته السياسية أو حزبه لا يكون إلا يمين اليسار بمعنى أن الاجتماعي فيه مقدم‬ ‫على الاقتصادي الذي هو المكمل لخياره بمعنى أنه يعترف بدور الاقتصادي في إطار وظيفته‬ ‫الاجتماعية ويشجعه في حدود أدائه لهذه الوظيفة‪.‬‬ ‫حسمنا أهم قضيتين في نظام الأدوات المجرد أي من حيث هو نظام معان مقدرة ذهنيا‬ ‫أعني‪:‬‬ ‫قضية المرجعية الواحدة في كل المجتمعات البشرية والتي هي عين المعادلة الوجودية‪.‬‬ ‫وقضية القوى السياسية التي تؤولها بعد أن تبين أنها واحدة تقال بأسلوبين ديني‬ ‫وفلسفي‪.‬‬ ‫وهما المضمون المؤسس لكل دستور لأن هذه تتفق على تلك لتحدد شروط العيش المشترك‬ ‫الذي يمكن من ملء خانات نظام الأدوات لتحقيق الغايات‪ .‬فيأتي العنصران المواليان‬ ‫للدستور أي نظام تحقيق الغايات وهو نظام الحكم ببعده الحاكم بالفعل والحاكم بالقوة أو‬ ‫المعارض ونظام الوظائف التي تحققها الجماعة بقوامة ذاتية هي التي يقوم بها نظام الحكم‬ ‫نيابة عن الجماعة وتحت رقابتها‪.‬‬ ‫وتلك هي العناصر الخمسة التي يتكون منها كل دستور‪:‬‬ ‫‪-1‬القلب هو العقد الدستوري الذي تتفق عليه الجماعة ممثلة بقواها السياسية ولا يحصل‬ ‫ذلك إلى بالتوفيق بين تأويلاتها للمرجعية‪ .‬وهي في حالتنا وحدة أسس الدولة التي تحقق‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫شروط التعايش السلمي للرعاية والحماية التي يمكن تسميتها بالأسلوب الديني الواجبات‬ ‫الفطرية للإنسان وبالأسلوب الفلسفي الحقوق الطبيعية للإنسان‪ .‬لهما نفس المضمون‪:‬‬ ‫فما يسميه الأسلوب الثاني حقوقا طبيعية للإنسان‪.‬‬ ‫يسميه الأول واجبات فطرية على الإنسان‪.‬‬ ‫وقد جمع ابن خلدون بينهما في تعريفه للإنسان الذي أوردناه‪ .‬والمعنى الثاني يحتوي على‬ ‫المعنى الأول لأن حقوق الإنسان هي واجباته إزاء نفسه وهي جزء من واجباته إزاء كل‬ ‫الموجودات وهو أحدها‪ .‬وسأقف عند هذا الحد في الفصل الخامس وسأستأنف العمل في‬ ‫فصلين آخرين لعلاج المسألتين الأخيرتين وما بينهما من ترابط سلبا وإيجابا‪:‬‬ ‫‪-1‬مسألة النظام الذي اختاره الإسلام وكيف هو يحرر الإنسان مما أدى إلى الفتنتين‬ ‫الكبرى والصغرى وهي عين مسألة المقابلة بين الثيوقراطية والانثروبوقراطية وبنيتهما‬ ‫العميقة التي اصطلحت على تسميتيها بالابيسيوقراطية‪.‬‬ ‫‪-2‬ومسألة نظام الحكم الذي اختاره الإسلام والذي حاول الغزالي وابن تيمية وابن‬ ‫خلدون تجسيده في عملية النقد ‪ .‬لكنهم ثلاثتهم فشلوا في ذلك وتلك هي علة ما يجعل تجاوز‬ ‫محاولاتهم ضرورية‪ .‬وكل ما أحاول بيناه هو العقبات التي حالت دون نجاحهم‪.‬‬ ‫وسأختم هذه المحاولة ببيان أهمية الاختيار القرآني لنظام الحكم أو لنظام يمكن من ملء‬ ‫المصفوفة المجردة التي يمثلها نظام الأدوات أو الدولة لتحقيق نظام الغايات أو الجماعة‪:‬‬ ‫رئاسة القوامة ونظامها أو نظام الحكم في الإسلام وهو حسب رايي الحل الوحيد الذي يحرر‬ ‫الإنسانية من البنية العميقة الواحدة في النظامين الثيوقراطي والانثروبوقراطي أعني‬ ‫بنية النظام الأبيسيوقراطي الذي كانت ثورة الإسلام في متمثلة في اكتشافه سره ووضع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نظام يخلص منه باعتباره البنية العميقة للثيوقراطيا والأنثروبوقراطيا‪ :‬دين العجل ونظام‬ ‫الحكم الأبيسيوقراطي المعتمد على ربا الأموال (معدن العجل) وربا الأقوال (خوار‬ ‫العجل)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫قبل ختم المحاولة لا بد من بيان القصد ببنية الدولة المجردة بوصفها نظام الأدوات والمعاني الكلية‬ ‫التي تعين صوريا مضمونها الذي يصبح نظام حكم يحدد كيفية ملئها بالقيمين عليها‪ .‬فنظام الحكم‬ ‫هو الذي يتوسط بالمعاني الكلية المضمونية بينها وبين من يتولون القوامة على الوظائف التي لا تخلو‬ ‫منها جماعة حتى لو لم تتخلق فيها بعد البنية المجردة التخلق الصريح‪.‬‬ ‫وستكون فرصة لبيان ما أقتصده بالوحدة العميقة بين الدين والفلسفة عندما يتحرران من‬ ‫التحريف وحينها سنفهم أهمية الاختيار القرآني لنظام الحكم الذي يحدد نظام تعيين القيمين‬ ‫ودلالة القوامة من حيث هي حكم الجماعة لنفسها بأسلوب الشورى العامة الملزمة‪ .‬ولذلك فإني‬ ‫أسمي نظام الحكم النظام الذي يحدد بما به تتحدد قيم الخانات الخالية تحديدا صوريا‪.‬‬ ‫فهو يحدد طبيعتها ونظامها الذي يحدد قواعد ملء المصفوفة المجردة التي يمثلها نظام الأدوات أو‬ ‫الدولة لتحقيق نظام الغايات التي هي عين تعيين الجماعة لنفسها بمقتضى رؤاها التي هي فهمها‬ ‫لمرجعيتها سواء صيغت دينيا أو فلسفيا وتتعين في وظائفها التي هي عين غاياتها لأن وظائفها هي في‬ ‫نسبة وظائف الأعضاء لتشريح البدن إذ صح لنا أن نقيس الجماعة بكيان الفرد الإنساني‪.‬‬ ‫ونظام القوامة أو نظام الحكم في الإسلام هو حسب رايي أفضل حل يحرر الإنسانية من البنية‬ ‫العميقة الواحدة التي هي بنية النظام الابيسيوقراطي المحكوم ببعد العجل أي بربا الأموال‬ ‫(معدن العجل) وربا الأقوال (خوار العجل)‪ .‬وهي البنية المشتركة بين النظام الذي برجعية‬ ‫تؤسس للحكم باسم الله (الثيوقراطيا) والذي يحكم بمرجعية تؤسس للحكم باسم الإنسان‬ ‫(الانثروبوقراطيا أو الديموقراطيا)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪80‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وسأبين في دراسة لاحقة أن الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا مآلهما هو الانقلاب التام إلى نقيضيهما‬ ‫عندما تصبح بنيتهما العمقية الابيسيوقراطية مطلقة الصراعة ومعتبرة طبيعية وهو التحريف‬ ‫الكامن في الثيوقراطيا والأنثروبوقراطيا والذي يجعلهما بداية لدولة المافية الدينية والمافية‬ ‫العلمانية كالحال في الأنظمة الاستبدادية والفاسدة التي تحكم تجعل جزاء السماء وجزاء الأرض‬ ‫أفيونا يلغي حرية الإنسان وكرامته فلا يبقى كما عرفه ابن خلدون \"رئيسا بطبعه بمقتضى‬ ‫الاستخلاف الذي خلق له\"‪.‬‬ ‫وإذن فالكلام على الدولة ينبغي أن يميز بين الصورة الكونية التي يحددها نظام الأدوات المجردة‬ ‫الخالية من تعيين نظام الحكم بوصفه النظام الذي يحدد المعاني الكلية المعرفة لكيفيات ملء هذه‬ ‫الخانات الخالية تعيينا يكون ثيوقرطيا أو أنثروبوقراطيا زائفين لأنهما يخفيان النظم‬ ‫الابيسيوقراطي وينتهيان إلى مافية دينية ومافية علمانية في الغاية‪ .‬ولذلك فالإسلام في كلامه‬ ‫على السياسية ينذر من هذه بوصفها غاية تلك ويبشر بالبديل المحرر منهما نظاما مختلفا يحررنا‬ ‫منهما بالكشف عن بنيتهما العميقة هذه في بدايتها وفي مآلها‪.‬‬ ‫فبنية النظام الأبيسيوقراطي تمثلت ثورة الإسلام في اكتشاف سره وفي وضع نظام يخلص منه‬ ‫باعتباره ناتجا عن تحريف نظرية الله ونظرية الإنسان تحريفا يتخفى بما هو البنية العميقة‬ ‫للثيوقراطيا والأنثروبوقراطيا‪:‬‬ ‫‪-1‬دين العجل هو المرجعية العميقة لهذين التحريفين لسياسة الإنسان للدنيا بمحاكاة سياسة ما‬ ‫يتعالى عليها كما هي وظيفة المرجعية الدينية والفلسفية المشتركة والتي تتحول إلى عكس‬ ‫وظيفتها وهو معنى التحريف الديني والفلسفي للقيم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪81‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬ونظام الحكم الأبيسيوقراطي حيث يكون السيطرة على الإنسان بالربا المادي تحريفا لمعنى‬ ‫الاستعمار في الأرض (معدن العجل) ليصبح المسيطرون عليه أربابا بتحالف مع من يضفون‬ ‫الشرعية عليهم بالربا الرمزي تحريفا لمعنى الاستخلاف فيها (خوار العجل) هي ربا الأقوال‪.‬‬ ‫وهذه هي المصفوفة المجردة التي تتألف من خمس خانات خالية هي متغيرات تملأ بمعان كليه هي‬ ‫المرجعية والقوة السياسية والدستور والحكم (حكما ومعارضة) بوصفه قوامة على وظائف‬ ‫الجماعة‪.‬‬ ‫الخانة الأولى تحتوي على المرجعية وفيها خمسة معان كلية‪:‬‬ ‫وهذه المعاني واحدة في الدين وفي الفلسفة ولا يختلف بينهما إلا أسلوب التعبير عنه‪ .‬وأفضل‬ ‫الأسلوب الديني كما في مثال \"مستعمر في الأرض\" أوضح من الكلام على أن الإنسان لا يمكن أن‬ ‫يقيم في الأرض من دون أن يرعاها لأنه يستمد منها شروط بقائه العضوي‪.‬‬ ‫أو كما في مثال مستخلف فيها بمعنى أنه مهما تمكن من السيطرة على الطبيعة التاريخ فهو يعلم أنه‬ ‫ليس هو واضع ما فيهما من نظام به له عليهما بعض سلطان حتى لو كان ملحدا ولا يؤمن بكوهما‬ ‫مخلوقين لإله حكيم بل حصيلة الصدفة‪ .‬ومعنى ذلك أن هذه المعاني سواء قبلها الإنسان أو نفاها‬ ‫في مستوى النظر فهو لا يعيش إلا بها في مستوى العمل‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪82‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المعنى الأول‪ :‬الإنسان مستعمر في الأرض‬ ‫المعنى الثاني‪ :‬الإنسان مستخلف فيها‪.‬‬ ‫المعنى الثالث‪ :‬البشر اخوة الآية الأولى من النساء‬ ‫المعنى الرابع‪ :‬البشر متساوون الآية الثالثة عشرة من النساء‪.‬‬ ‫المعنى الأصل‪ :‬الإنسان مكرم يعيش في عالمين يتحدد بما سبق وبما ورائه‪ :‬ولذلك فمنشوده يكون‬ ‫دائما تجاوز موجوده‪.‬‬ ‫الخانة الثانية تحتوي على قوى سياسية تؤولها وفيها خمسة معان كلية صورية‪:‬‬ ‫المعنى الأول‪ :‬قوة الاستعمار ورمزها المنشغلون بالدنيا‪.‬‬ ‫المعنى الثاني‪ :‬قوة الاستخلاف ورمزها المنشغلون بتعمير بالآخرة‪.‬‬ ‫المعنى الثالث‪ :‬قوة التعمير الاستخلافي مقدم الدنيوي على الأخروي‪.‬‬ ‫المعنى الرابع‪ :‬قوة الاستخلاف التعميري مقدم الأخروي على الدنيوي‪.‬‬ ‫الأصل‪ :‬الإنسان من حيث هو علاقة دائمة بين موجوده ومنشوده‪.‬‬ ‫ولو عبرنا عن هذه القوى لقلنا‪:‬‬ ‫‪-1‬قوة أصحاب الأعمال المتعلقة بالبعد الاستعماري في الأرض من حياة الجماعة وتسمى‬ ‫بالاصطلاح السياسي العادي‪ :‬اليمين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪83‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-2‬وقوة أصحاب الأعمال المتعلقة بالبعد الاستخلافي في الراضي من حياة الجماعة وتسمى‬ ‫بالاصطلاح السياسي العادي‪ :‬اليسار‪.‬‬ ‫‪-3‬ثم القوة الأولى معدلة بالقوة الثانية أو يسار اليمين وتقدم الدنيوي على الاخروي لكنها‬ ‫تعدل هذا التقديم بما يساعد الاقتصاد ويحقق السلم الاجتماعية‪.‬‬ ‫‪ -4‬والقوة الثانية معدلة بالبعد المادي أو يمين اليسار وتقدم الأخروي على الدنيوي لكنها تعدل‬ ‫هذا التقديم بما يساعد الاجتماع ويحقق التنمية المادية‪.‬‬ ‫‪ -5‬والأصل هو الجماعة عامة وقوة الوسط خاصة وهي في الغالب مراوحة بين كل هذه المعاني‬ ‫الأربعة وميالة للانتهازية بحسب المصالح المباشرة والاهتمام بالعاجل بدل اللامبشارة للجهل بدور‬ ‫الآجل في العاجل‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن النظام المناسب للرؤية الإسلامية هو إذن النظام الذي يطابق يمين اليسار بمعنى‬ ‫أن البعد الاستخلافي (القيمي الأخروي) مقدم على البعد الاستعماري (القيمي الدنيوي)‪.‬‬ ‫الخانة الخامسة تحتوي على قوامة الدولة ووظائف الجماعة وفيها عشر معاني كلية‬ ‫وفيها جنسان كل منهما فيه خمسة أنواع‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪84‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الجنس الأول فيه خمسة أنواع وهي للرعاية بصنفيها‪.‬‬ ‫الجنس الثاني فيه خمسة أنواع وهي للحماية بصنفيها‪.‬‬ ‫ويوجد تناظر عام بين الخانتين المتقدمتين على الوسطى المتعلقة بخانة الدستور والخانتين‬ ‫المتأخرتين عنه‪ .‬فتكون الخانة الأولى مناظري للخانة الأخيرة والثانية للرابعة والثالثة هي القلب‬ ‫الذي يستمد من الأوليين صوغا لما يحصل حولها نظاما التعايش في الجماعة ويستمد منه الأخيرتان‬ ‫نظاما لتحقيق التعايش‪.‬‬ ‫وإذن فخانة الجنس الأول من الوظائف تملأ بما يترتب على المعاني التي تحتوي عليها خانة‬ ‫المرجعية لتحقيق ما بين الموجود والمنشود من صلة دائمة هي علة الانتقال من الموجود إلى المنشود‬ ‫ومن المنشود إلى الموجود‪.‬‬ ‫الرعاية التكوينية وقوامتها بالوزارات والإدارة وفيها‪:‬‬ ‫‪-1‬الأولى التربية النظامية أي التي تجري في النظام الدراسي مما قبل الابتدائي إلى ما بعد‬ ‫العالي وهي مراحل التكوين الخمسة‪.‬‬ ‫‪-2‬الثانية التربية الاجتماعية أي التي تتحقق في تقسيم العمل واستعمال الخريجين من النظام‬ ‫السابق‪ .‬وهي التربية التي تثبت جدية الأولى وتستكملها لكأن الأولى تركز على النظري والثانية‬ ‫على التطبيقي‪.‬‬ ‫الرعاية التموينية وقوامتها بالوزارات والإدارة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪85‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-3‬الثالثة التموين الثقافي‪ :‬وهو كل ما يحتاج إليه الإنسان لتحقيق التربية الأولى والثانية فنيا‬ ‫وخلقيا وذوقيا وسياسيا أي لتكوين الإنسان من حيث كيانه الروحي والعقلي ليكون أهلا‬ ‫للاستخلاف‪.‬‬ ‫‪-4‬الرابعة التموين الاقتصادي‪ :‬وهو كل ما ذكرناه في الثالثة ولكن في كيانه العضوي ليكون أهلا‬ ‫للاستعمار في الأرض ويمكن القول إنه ما هو ضروري للانتقال من النظر إلى التطبيق في الثالثة‬ ‫وضروري لنموه العضوي وقدرته على العمل المنتج‪.‬‬ ‫‪-5‬الأصل البحث العلمي‪ .‬وهو أصل الرعاية كلها إذ من دونه لا يمكن حل أي مشكل من المشاكل‬ ‫الأربعة السابقة‪ .‬والبحث العلمي ليس بالضرورة ما نعرفه الآن بل هو كل ما به اكتشف الإنسان‬ ‫طرق حل مشكلي المائدة والسرير وشروطهم وفنيهما وأغلب الاختراعات كانت عندئذ مجهولة‬ ‫المؤلف لأنها في الغالب تقع بالصدفة وتتراكم كما يتراكم القصص والأدب الشعبيين‪.‬‬ ‫جنس الحماية بنوعيه وفروعه الأربعة وأصله‪:‬‬ ‫الحماية الداخلية‪ :‬أي حماية الأفراد والجماعات الصغرى بعضهم من البعض من القيمين على‬ ‫الدولة‪.‬‬ ‫القضاء (وقوامته وزارة العدل)‬ ‫الأمن (وقوامته وزارة الداخلية)‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫الحماية الخارجية‪ :‬أي حماية الأفراد والجماعة من الجماعات الأخرى‪.‬‬ ‫الأسماء والبيان ‪86‬‬

‫‪--‬‬ ‫الدبلوماسية (وقوامته وزارة الخارجية)‬ ‫الدفاع (وقوامته وزارة الدفاع)‬ ‫الأصل (وقوامته وزارة الاستعلامات والإعلام)‪.‬‬ ‫والأصل فرع من البحث العلمي موضوعه حال الجماعة ليكون عمل القيمين عليها وكل فرد من‬ ‫الجماعة عملا على علم‪ .‬إنه الاستعلام والاعلام السياسي الذي يتعلق بمتابعة حال الجماعة في‬ ‫الداخل والخارج حتى يكون عملها على علم بالرعاية والحماية‪.‬‬ ‫وهذا أيضا من جنس البحث العلمي كان في البداية مجرد استعلامات بدائية يمثلها ما يسمى‬ ‫بالبريد في الثقافة العربية‪ .‬لكنه الآن تطور ويشمل الوظائف العشر التي تتعلق بالرعاية‬ ‫والحماية‪ .‬ولا يمكن تصور دولة حقيقة من دونه‪.‬‬ ‫الخانة الرابعة وتحتوي على الحكم بمعنييه الذي بالفعل والذي بالقوة أو المعارضة‪:‬‬ ‫وهي تناظر الخانة الثانية أي خانة القوى السياسية من حيث القوامة ومن حيث تمثيل الجماعة في‬ ‫ما حددته من تأويل للمرجعية ما ترجمتها إليه من وظائف للدولة وللجماعة في حدود ما تم‬ ‫التوافق عليه في الدستور مكتوبا كان أو عرفيا‪ .‬وسأكتفي بالكلام على عناصر القوامة لأن موضوعها‬ ‫هو مصدر عنوان القوامة أعني الخدمات التي تقوم بها الجماعة لنفسها وتنظمها وتراقبها بالقوامة‬ ‫أولا وبدايتها ثانيا لأنها هي التي تختار من يكلف بالقوامة فرض كفاية يتداول عليها من تنوبهم‬ ‫القوة السياسية التي تحكم بالفعل والتي تحكم بالقوة أو المعارضة‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪87‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬رئاسة السلطة التنفيذية الحاكمة والمعارضة‪:‬‬ ‫‪-2‬الوزراء‪ :‬وزراء الحكومة الفعلية ووزراء حكومة الظل‪.‬‬ ‫‪-3‬رئاسة السلطة التشريعية‪.‬‬ ‫‪-4‬النواب التابعين للحكومة بالفعل والتابعين للمعارضة‪.‬‬ ‫‪-5‬وأصل ذلك كله هو نظام القوامة أي نظام الحكم ورئاسته رمزية ويمثلها رئيس الدولة (وعندنا‬ ‫هو الخليفة)‪.‬‬ ‫وهو المشرف والموحد رمزيا للجماعة على وظائف الجماعة المتداولة على قوامة الوظائف التي تملأ‬ ‫خانات الدولة كلها‪ .‬وتناسب القوى السياسية التي تتداول على الحكم أي الخانية الثانية‪.‬‬ ‫أخيرا الخانة الوسطى خانة الدستور وتتألف من خمسة معان كلية‪:‬‬ ‫قبلها خانتان هما خانة القوى السياسية (الأحزاب) وخانة المرجعية نظام قيم الجماعة سواء صيغت‬ ‫ديينا أو فلسفيا‪.‬‬ ‫وبعدها خانتان هما خانة الحكم بفرعيه حكما ومعارضة وخانة الوظائف العشر‪.‬‬ ‫وبذلك فالدستور يحتوي على خمسة أبواب بحسب هذا الترتيب أوسطها الباب الثالث الذي يعالج‬ ‫إذن خمس مسائل هي‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪88‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬المرجعية التي هي نظام القيم سواء كانت دينية أو فلسفية‪ .‬فإذا كانت دينية كما في الإسلام في‬ ‫الفطرة وتحدد هذه القيم بوصفها واجبات الإنسان الخليفة إزاء الله ومنها واجباته إزاء نفسه‬ ‫وغيره من المخلوقات وهي الحقوق‪ .‬وإذا كانت فلسفية فهي حقوق الإنسان وهي بهذا المعنى دون‬ ‫الواجبات الإنسان الخليفة لأنها تهمل حقوق الطبيعة مثلا‪ .‬وقد بدأت الفلسفة حاليا الانتباه إلى‬ ‫ذلك فأصبح الإنسان واعيا بأن حقوقه فيها إهمال لواجباته إزاء غيره من المخلوقات‪ .‬ولا يمكن‬ ‫تأسيس الحقوق بوصفها كونية من دون أن تكون واجبات‪.‬‬ ‫‪-2‬القوى السياسية وهي تتكون كما سنرى بمقتضى قانون أساسه التوليف بين بعدي الإنسان تقديما‬ ‫وتأخيرا في التراتب بينهما أعني الإنسان المستعمر في الأرض والإنسان المستخلف فيها‪.‬‬ ‫‪-3‬الدستور نفسه أي إن الدستور يتكلم على ذاته فيعين دوره في علاقة بما قبله بوصفه حصيلة‬ ‫التوافق بين القوى السياسية في تأويلها للمرجعية القيمية‪.‬‬ ‫‪-4‬نظام الحكم بفرعيه أي الحاكم بالفعل والحاكم بالقوة أو المعارضة‪ .‬وهو ما يعني أنه لا توجد‬ ‫جماعة مجمعة بصورة مطلقة على فهم قيمها وعلى استراتيجية تحقيقها ومن ثم فلا بد من التداول‬ ‫حربا أو سلما‪ .‬والأنظمة التي تجعل التداول سلميا أرقى بالطبع من التي تجعله يخضع للقوة‬ ‫والعنف فلا يتم التداول إلا بالصورة البايولوجية أي بموت الجيل السالف أو قتله ليلوه الجيل‬ ‫الخالف‪.‬‬ ‫‪-5‬ووظائف الجماعة بقوامة نظام الحكم الذي يعين من يملأ خانات نظام الأدوات أو المؤسسات‬ ‫التي تعمل الدولة من حيث هي نائبة الجماعة في قوامتها على نفسها بالتناوب في الممثل للقوى‬ ‫السياسية التي تدير المرحلة مع ثبات التقنيين في الإدارة الذين ينبغي أن يكونوا مستقلين عن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪89‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القوى السياسية الحاكمة الممثلة للإرادة الجماعية في القوامة وخاصة السيادية وهي الوزارات‬ ‫العشر ورئاسة السلطة التنفيذية‪.‬‬ ‫وهكذا فقد وصلنا إلى غاية البحث الذي يمكننا من عرض الدستور الأمثل والذي يتطابق فيه‬ ‫الرؤية الدينية والرؤية الفلسفية ويكون متخلصا من الثيوقراطيا ومن الأنثروبوقراطيا ومن‬ ‫بنيتهما العميقة الخفية ثم خاصة منهما عندما تصبح البنية الأبيسيوقراطية علنية فيهما إذ‬ ‫يصبحان مطلقي الاستبداد والفساد مآلا حتميا‪.‬‬ ‫وهذا هو الوجه النقدي في القرآن الكريم للأديان والفلسفات التي تمثل تحريف للواحد في الديني‬ ‫وفي الفلسفي المتحررين من القول بالمطابقة المعرفية والمطابقة القيمية بوهم رد الوجود إلى الإدراك‬ ‫الإنساني والمنشود إلى الإرادة الإنسانية إما تأليها لاواعيا للإنسان أو تأنيسا لا واعيا للإله وهما‬ ‫نوعا التحريف اللذين مرت بهما الإنسانية في رؤاها الدينية والفلسفية المحرفة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪90‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا بد من حسم إشكالية الثبات والتغير في الموجود وفي المنشود قبل الشروع في تنزيل ما‬ ‫قدمناه في المسألتين الرئيسيتين اللتين تتعلقان بما يتجاوز الواحد الديني والفلسفي مصدر‬ ‫المقابلات السطحية بين الدين والفلسفة أو بين ما يسمى عادة بالنقل والعقل خلطا بينهما‬ ‫وبين تحريفيهم‬ ‫‪-1‬المسألة الأولى تترتب على المقابلة الزائفة بين العقلي والنقلي‪:‬‬ ‫بينا سابقا أن المقابلة نقل وعقل لا معنى لها فلسفيا‪ .‬فلا يوجد علم عقلي من دون مضمون‬ ‫نقلي هو ما يحاول به تعريف موضوعه‪ .‬ولا عمل نقلي من دون شكل عقلي هو ما يحاول به‬ ‫صوغ موضوعه‪ .‬فإذا قصدنا بالنقل ما يستمده العقل من مضمون علمه وبالعقل ما يستمده‬ ‫النقل من شكل عمله سواء كان نظريا في العقد أو عمليا في الشرع‪.‬‬ ‫فالعقل ينطلق حتما من النقلي بمعنيين‪ .‬فهو أولا عين وجوده الذي لا يدين به لفعله بل‬ ‫فعله مدين لوجوده‪ .‬ووجوده يجده نقلا حتى وإن صاغه عقلا‪ .‬للعقل إذن وجود منقول‬ ‫وصوغ معقول هو تنظيم وعيه بذاته تماما كما يفعل مع أي معطى موضوعي لا يستمده من‬ ‫فعله بل فعله مستمد منه‪.‬‬ ‫إن وجود العقل من حيث هو قدرة وعي الذات بذاته بوصفها مدركة شارك لفعل التعقل‬ ‫الذي هو تنظيم لهذا الوعي بوصفه قدرة على المعرفة بالذات وبغيرها من الموجودات‪.‬‬ ‫فالقدرة العقلية معطى وليست من صنع صاحبها الذي يكتشفها كما يكتشف غيرها من‬ ‫الموجودات فيعي ذاته العاقلة كما يعي غيرها من الموجودات‪.‬‬ ‫وهذه القدرة العقلية معطى نقلي متقدم على فعل التعقل الذي يصوغ ذاته ومن هنا‬ ‫يأتي دور تنظيم فعل التعقل من حيث هو علاقة معرفة وعلاقة قيمة بالوجودين الطبيعي‬ ‫والتاريخي خارج الذات وفي الذات‪ .‬ومنها ينطلق انطلاقه من أي موجود يعلمه بما في ذلك‬ ‫ذاته‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪91‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والقدرة العقلية هي ثانيا قدرة على صوغ ما يعيه من ذاته تماما كما هي قدرة على صوغ‬ ‫ما يعيه من غيره من الموجودات التي من دون تسليم الإنسان بوجودها واعتباره متجليا في‬ ‫تعيناته التي تأتي من خارج الذات العاقلة لا يمكنه أن يدرك شيئا إدراكا يكون دائما‬ ‫مصحوبا بالوعي بالذات هو إدراك يصحب ما تدركه الذات من الأمور الخارجية أو الباطنية‬ ‫الصادرة عن الذات نفسها سواء من كيانها العضوي أو من كيانها الذي من جنس الإدراك‪.‬‬ ‫وهذه كلها أمور مجهولة الطبيعة إذ يمكن اعتبارها من أفعال البدن أو من أفعال شيئ‬ ‫آخر غيره من ذاته وعلى كل فالحسم في الأمر ليس في متناولنا لأن العلاقة بينهما من الغيب‬ ‫المحجوب وما ندعيه من تأويل لهذه العلاقة ليس هو بالضرورة حقيقتها التي لا ينبغي‬ ‫الخلط بينها وبين الصور التي لنا عنها والتي قد تعبر عنها دون مطابقة تعبر عنها‪.‬‬ ‫فالمعاني الكلية كما أسلفنا اعتمادا على رؤية ابن تيمية ونتيجة لعدم المطابقة المعرفية‬ ‫والقيمية هي بدروها \"لغة\" مثلها مثل ألفاظ اللسان ورسوم الكتابة تشير إلى الأشياء التي‬ ‫تعبر عنها لكنها ليست مقومة لها ولا عناصر من هويتها وكيانها إلا لأن نظرية المعرفة‬ ‫ونظرية القيمة البدائيتين كان أصحابهما يتصورونها مطابقتين لحقائق الأشياء في حين أنها‬ ‫معبرة عن صورة للإنسان عنها لأن الفكر الإنساني ليس مرآة عاكسة للأشياء على ما هي‬ ‫عليه بل معبرة عما يدركه الإنسان من أعراضها أو تجلياتها لعقله ووجدانه‪.‬‬ ‫وما قلناه عن العقلي نقول مثله عن النقلي‪ .‬فالنقلي الذي يظن مقابلا للعقلي لا معنى‬ ‫له‪ .‬فاعتباره شيء ما \"غير عقلي\" معنى عقلي بالتضايف‪ .‬فعندما أقابل عقليا شيئا بشيء‬ ‫تكون المقابلة ح‪4‬كما على علاقة بين شيئين بمعيار يحدده الحَكم بينهما‪ .‬فمن الذي يقابل‬ ‫بين العقلي والنقلي؟ إذا اعتبرنا القصد بالعقلي فلسفيا والقصد بالنقلي دينيا وجدنا‬ ‫للمقابلة دلالتين‪:‬‬ ‫فالأولى مقابلة دينية تعني مقابلة العلم بالرأي‪ .‬وتلك هي علقة اعتبار علماء الدين‬ ‫تجاوز ما يسمونه معرفة دينية والاكتفاء بالعقل رأيا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪92‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والثانية فلسفية تعني مقابلة ما يدركه العقل من التجربة الطبيعية بما يتوهمه الحدس‬ ‫من تجربة غير طبيعية‪ .‬وتلك هي علة اعتبار الفلاسفة تجاوز ما يسمونه معرفة عقلية وهما‬ ‫أو خيالا‪...‬‬ ‫وإذن فالمقابلة بين الديني والعقلي في بادئ الرأي لها وجهان فلسفي بين ما يحتكم فيه‬ ‫للتجربة الطبيعية وديني هي ما يحتكم فيه لتجربة ليس من جنس التجربة الطبيعية‪ .‬لكنها‬ ‫في الحالتين حكم عقلي سواء تأسس على عقل لا يحصر نفسه في الطبيعي أو على \"عقل\"‬ ‫يعتبر تجاوز الطبيعي تجاوزا ممكنا للإنسان‪ .‬والمشكل هو في هذا التجاوز وفي دلالة إمكانه‪.‬‬ ‫فهو يسمى في الفلسفة خيالا أو لا عقل ونفيه يسمى في الدين غلوا في قدرات العقل‪ .‬و‬ ‫هو عندهم كبر واعتداد بالرأي يسميه الغزالي \"ضيق حوصلة\" حتى في علم الطبيعة لأن‬ ‫ما علمناه منها لا يحيط بما لم نعلمه منها وقد يغير عمله الممكن مستقبل علمنا الحاصل‬ ‫ماضيا‪ .‬لكن محاولة علماء الدين أن تجاوز \"ضيق الحوصلة\" هي أيضا غلو في قدرات تلق‬ ‫بديل من العقل بمعنى أنه توجد معرفة قادرة على معرفة الوجود على ما هو عليه أي كما‬ ‫هو في العلم المحيط‪.‬‬ ‫والعلم المحيط حتى بمجرد إمكانه عقلا حتى عند الملحد ينفي ذلك حتى عن الرسل عند‬ ‫المؤمنين حقا بوجود الله وبالغيب‪ .‬ذلك ان الإيمان بالثاني يعني حصر علمه في صاحب العلم‬ ‫المحيط ويستني منه الرسل ومن ثم فلا يمكن علم الأشياء على ما هي عليه لغير الله‪.‬‬ ‫والوحي ليس فيه علم بالغيب بل كل ما يعلمه هو ما هو ممكن للإنسان ولذلك فالرسالة‬ ‫تذكير بمعلوم معني وليست تبليغا لمجهول من البشر لأنه مرسوم في ما فطروا عليه يذكرهم‬ ‫به الرسول‪.‬‬ ‫‪-2‬المسالة الثانية تترتب على إطلاق المقابلة بين الثابت والمتغير‪:‬‬ ‫وهذه المسالة الثانية هي بيت القصيد في نظرية الدولة أعني بالذات تمييز بين البنية‬ ‫الثابتة والمضمون المتغير‪ .‬فقد يظن أني أعتبر الثبات مطلقا والتغير مطلقا‪ .‬وليس هذا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪93‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫هو القصد‪ .‬فالثبات درجات وهو ما أريد بيانه ومثله التغير‪ .‬وما اخترت هذا المقابلة إلا‬ ‫بهدف التمييز بين البنية ومضمونها في مفهوم الدولة‪.‬‬ ‫ذلك أن كل المتكلمين عليها في إطار الحضارة الإسلامية‪-‬وخاصة عبد الرازق في فجر‬ ‫القرن الماضي وحلاق في فجر القرن الحالي‪-‬يخلطون بين أنظمة الحكم التي هي درجة من‬ ‫درجات مضمون البنية المجردة التي هي المعنى المفهومي للدولة‪ .‬فالدولة بمجرد أن يجعلوا‬ ‫بنيتها تاريخية ومتغيرة مثل مضمونها تصبح احكامهم كلها مبنية على تاريخانية دالة على‬ ‫عدم فهم العلاقة بين الثابت والمتغير في نظام الأدوات وفي نظام الغايات وما يصلهما من‬ ‫ملاءمة بينهما ناتجة عن التفاعل في الاتجاهين‪.‬‬ ‫فإذا اعتبرنا البنية المجردة حدا أولا هو نظام الأدوات والمضمون حدا ثانيا هو نظام‬ ‫الغايات صار فعل الأدوات في الغايات وفعل الغايات في الأدوات عنصرين اضافيين يتوسطان‬ ‫بين نظام الادوات ونظام الغايات أصبح لدينا أربع عناصر يوحدها ما يصل بينها وهو أصلها‬ ‫أربعتها أعني كيان الإنسان الكلي من حيث هو عضوي وروحي في آن ذو علاقة بشرط قيامه‬ ‫العضوي وبشرط قيامه الروحي وبعلاقته بالعالم الطبيعي وبالعالم التاريخي وهما شرطا‬ ‫بقائه المناسبين لعنصري كيانه العضوي والروحي‪.‬‬ ‫فصلة الإنسان بما في العالم الخارجي من شروط محددة لقيام بعدي كيانه هي عين ما‬ ‫يصل ما فيه من طبيعي وما فيه متجاوز للطبيعي أو من روحي بما في العالمين من شروط‬ ‫بقائه ومن دوافع تشوفه إلى ما يتجاوزهما أو إلى ما بعدهما وهو ما يجعل الإنسان‬ ‫بالضرورة مشرئبا إلى ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ وأصل ذلك كله هو الإيمان بمبدأ‬ ‫موحد هو أصل كل دين وتأسيس للعمل بداية للنظر وكل فلسفة أصلا للنظر بداية للعمل‪:‬‬ ‫‪-1‬والعلاقة الأولى بالطبيعة وبما بعدها يسميها القرآن الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫‪-2‬والعلاقة الثانية بالتاريخ وبما بعده يسميها القرآن الاستخلاف‪.‬‬ ‫‪-3‬وفعل الاستعمار في الاستخلاف سلبا وإيجابا‪.‬‬ ‫‪ -4‬وفعل الاستخلاف في الاستعمار إيجابا وسلبا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪94‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬وأصلها أربعتها هو مفهوم الأمانة التي لم يقبلها إلا الإنسان لما عرضت على الموجودات‬ ‫كلها فلم تعتبر نفسها قادرة عليها‪.‬‬ ‫وتلك هي علة تعريف ابن خلدون الإنسان‪\" :‬رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق‬ ‫له\"( المقدمة الباب الثالث الفصل الرابع والعشرون)‪:‬‬ ‫‪-1‬فيكون نظام الأدوات ثابتا ثبات هذه العناصر الخمسة بوصفه بنية مجردة لا بد منها‬ ‫لإبداع التعيين الذي يجعلها قادرة على تحقيق شروط قيام الإنسان فردا وجماعة‪.‬‬ ‫‪ -2‬لذلك فأعيان الأدوات متغيرة لأنها متطور بتطور علاقة الإنسان بالطبيعة وما بعدها‬ ‫وبالتاريخ وما بعده وبما يوحد بين هذه التطورات الأربعة‪ .‬وتلك هي على التداخل بين‬ ‫فلسفة الدين وفلسفة التاريخ‪.‬‬ ‫‪-3‬وبذلك فلا بد أن يكون نظام الغايات القصوى ثابتا لأن التطورات تسعى إلى تحقيق‬ ‫هذه الغايات من حيث هي المنشود من محاولة تطوير الموجود‪.‬‬ ‫‪-4‬ولما كانت أعيان الغايات دائمة التطور لأن الأعيان مهما كانت كاملة تبقى دائما‬ ‫وجودها دون منشودها‪ .‬ومن ثم فالإنسان مشدود المطلق في كل شيء وذلك هو المنشود‬ ‫الذي يعتبر من جنس الجاذبية في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ وهو دائما ما وراء كل‬ ‫موجود‪.‬‬ ‫‪-5‬وهكذا تكون العلاقة بين الإنسان والعالم متغيرة في الموجود حاصل الموجود وثابتة في‬ ‫ممكن المنشود‪ .‬ومن ثم فعلاقة الإنسان بالعالم الطبيعي وبالعالم التاريخي متغيرة لأن لهما‬ ‫كلاهما مابعد يصلهما بالمبدأ الموحد المطلق الذي هو مفهوم الله أو مفهوم الرب‪ .‬والثابت‬ ‫إذن هو ما أطلقت عليه اسم المعادلة الوجودية في بحوث سابقة‪.‬‬ ‫والحضارة الإنسانية هي عين هذه التطورات والتغيرات التي تنتج عن انشداد الموجود‬ ‫إلى المنشود والسعي الدائم من الاول إلى الثاني‪ .‬ذلك هو جوهر فاعلية الإنسان من حيث‬ ‫هو مستعمر ومستخلف في الأرض ومبدع الحضارة الإنسانية بفضل جاذبية ما وراء الطبيعة‬ ‫وما وراء التاريخ أي علاقتها بالمنشود وهي علاقة ثابتة حتى وإن كانت تعيناتها متغيرة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪95‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وتلك هي القدرة الإنسانية على التعالي على كل موجود نحو المنشود الذي يمكن تسميته‬ ‫دينيا بوجه الله أي ما لا يمكن تصوره قابلا للفناء لأنه عين البقاء‪.‬‬ ‫ومن هنا فلا بد من بيان القصد بالثبات والتغير في كلامي على ثبات بنية الدولة وتغير‬ ‫انظمة الحكم‪:‬‬ ‫‪-1‬الثابت المطلق هو السرمدي وهو الواحد الأحد وهو أصل ما بعد الطبيعة وما بعد‬ ‫التاريخ وهو لا زماني ولا مكاني ويمكن اعتبره القوة الخامسة إذا تكلمنا على القوى‬ ‫الطبيعية الأربعة المعلومة‪ :‬الجاذبية والذرية الكبرى والذرية الصغرى‬ ‫والكهرومغناطيسية‪.‬‬ ‫‪-2‬الثوابت النسبية هي أيضا خمسة‪:‬‬ ‫• الثابت المادي النسبي‬ ‫• الثابت الحيوي النسبي‬ ‫• الثابت التاريخي الإنساني النسبي‬ ‫• الثابت الأداتي الإنساني النسبي‬ ‫• الثابت الغائي الإنساني النسبي‪.‬‬ ‫وإذن فكل عنصر سابق يعتبر ثابتا إذا قيس بالذي يليه الذي يعتبر متغيرا‪ .‬وإذن‬ ‫فالقصد بثبات بنية الدولة المجردة أو نظام الأدوات لا يعني أنه ليس متغيرا بل يعني أن‬ ‫تغيره أبدأ من تغير المضمون‪ .‬ويمكن أن أزعم أن نظام الأدوات المجرد لم يتغير من دولة‬ ‫فرعون إلى اليوم رغم تغير اعيان الأدوات عديد المرات أعني نظام ملء خانات البنية‬ ‫المجردة أو الانظمة السياسية التي هي أيضا أدوات أقل تغير من الأشخاص الذي يكلفون‬ ‫بالقوامة في النظام السياسي‪ .‬إلخ‪...‬‬ ‫كيف صاغ الإسلام نظام الحكم؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪96‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫أي كيف صاغ الإسلام الدستور الذي يمكن من ضبط شروط ملء خانات البنية المجردة‬ ‫للدولة‪:‬‬ ‫‪-1‬المرجعية‪ :‬دينية لا تقول بالمعيار الديني لتنظيم الحكم لأنها تجعل التعدد الديني أمرا‬ ‫واقعا وتؤجل الفصل بين الأديان من حيث هي امر واقع إلى يوم الدين رغم أنها تقول‬ ‫بوحدة الديني عند الله‪.‬‬ ‫‪-2‬القوى السياسة‪ :‬تقبل إذن بتعدد التأويلات لهذه العلاقة بين الوحدة المبدئية والتعدد‬ ‫من حيث هو أمر واقع فتحيد دورها في السياسي مثلما تحيد الفصل في ما فيه يختلفون وتضع‬ ‫مبدأ آخر للتعايش وهو حصر وظيفة القوامة السياسة في شروط الرعاية والحماية كما هو‬ ‫بين من دستور الرسول‪.‬‬ ‫‪-3‬الدستور‪ :‬يفصل بين وظيفة السياسي من حيث هو حكم ومعارضة لا يتجاوز الرعاية‬ ‫(الاستعمار في الأرض وشرطه التعاون والتبادل والتعاوض العادل) والحماية (الاستخلاف‬ ‫في الارض وشرطه لا تفاضل بغير التقوى نفيا للتفاضل العرقي أو الديني أو الطبقي أو‬ ‫الجنسي)‪.‬‬ ‫‪-4‬الحكم (حكما ومعارضة)‪ :‬البيعة فرض عين على الجميع والحاكم هو الذي يحقق‬ ‫شرطا حدده الغزالي في فضائح الباطنية هو الجمع بين الشرعية والشوكة مع تقديم الأولى‬ ‫على الثانية وهو ما وصفه بتحقيق الاغلبية التي تحول دون التنازع على الحكم‪ .‬لكن‬ ‫الأغلبية لا تنفي وجود الأقلية فيكون لها حق التعبير عن البديل الذي قد يجعلها اغلبية‪.‬‬ ‫وذلك هو شرط التداول السلمي‪ .‬وإذا حيل دون ذلك كان مصدرا للتداول العنيف‪.‬‬ ‫‪-5‬وظائف القوامة على وظائف الجماعة‪ :‬وقد عرفنا ذلك في الفصول السابقة‪ .‬فالقوامة‬ ‫عشر وزارات ورئيس وزارة للسلطة التنفيذية‪ .‬والسلطة التشريعية هي النواب الذين‬ ‫اختارهم الشعب ليكونوا مشرعين باسم ومؤولين لعلاقة التشريع بالمرجعية بالأغلبية حكما‬ ‫علما وأن التشريع يتألف مثل الحكم من أغلبية وأقلية والأولى تشرع بالفعل للـأغلبية‬ ‫الحاكمة والثانية تشرع بالقوة للأقلية المعارضة‪ .‬لأن الأقلية المعارضة ينبغي أن يكون لها‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪97‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook