Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore قانون ابن خلدون في الانحطاط - في التاله او في استبداد السياسي والمثقف - الفصل الرابع - ابو يعرب المرزوقي

قانون ابن خلدون في الانحطاط - في التاله او في استبداد السياسي والمثقف - الفصل الرابع - ابو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2017-05-14 16:04:46

Description: بينا في الفصل الثالث أن توهم الأمر خاضعا لقانون الضرورة الطبيعية ومنطق الصراع الجدلي علته إغفال ما يتعالى على ظاهره، وفصله عن معية الترابط، وبمجرد الشروع في تجاوز الفصل عن معية الترابط، يتسع الأمر إلى مبدا أسمى يؤول في الغاية إلى تحديد المقومات التي غايتها المعادلة الوجودية كلها.

Search

Read the Text Version

‫في \"التأله\" أو في استبداد السياسي والمثقف‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫في \"التأله\" أو في استبداد السياسي والمثقف‬



‫بينا في الفصل الثالث أن توهم الأمر خاضعا لقانون الضرورة الطبيعية ومنطق الصراع‬‫الجدلي علته إغفال ما يتعالى على ظاهره‪ ،‬وفصله عن معية الترابط‪ ،‬وبمجرد الشروع في‬‫تجاوز الفصل عن معية الترابط‪ ،‬يتسع الأمر إلى مبدا أسمى يؤول في الغاية إلى تحديد‬ ‫المقومات التي غايتها المعادلة الوجودية كلها‪.‬‬‫لذلك فكل حجج القرآن الكريم لتوجيه الإنسان إلى الوعي بالمعادلة الوجودية‪ ،‬تعود إلى‬ ‫إدراك الترابط بين عناصر كل مجال وبينها وبين الأبعاد الخمسة‪.‬‬‫أفضل مثال‪ ،‬عملية إخراج الإنسان من الغفلة عن البعث في سورة القيامة‪ ،‬ففيها نجد‬ ‫التوعية بسلوكه الذي يغفله‪ ،‬وبتكوينه العضوي الذي ينبغي أن يذكره‪.‬‬‫فبهذين الأمرين‪ ،‬يتبين الإنسان معية الترابط بين البعث والسلوك المغفل والمسار الكياني‬ ‫المذكر‪ ،‬فيتحدد الوعي بالترابط‪ ،‬إلى إدراك معادلة الوجود‪.‬‬‫وحينها نفهم مبدأ السعي لمعرفة حقيقة القرآن‪ :‬فهي ليست في نصه‪ ،‬بل فيما يوجه إليه‬ ‫عقل الإنسان لمعرفتها بما يتجلى فيه من آيات الله‪ :‬فصلت ‪.53‬‬‫ففيما يرينه الله من آيات الآفاق والأنفس‪ ،‬تترابط المقومات فنرتقي في سلم الوعي بالمعادلة‬ ‫الوجودية التي تحررنا من التأله الزائف لنكون ربانيين‪.‬‬‫ومسار الترقي هو الواحد في الدين والفلسفة‪ ،‬او هو الديني والفلسفي في آن‪ .‬فآيات الله‬‫في الطبيعة والتاريخ (الآفاق) وما في الوعي(الأنفس) مصعد روحي‪ ،‬وبداية الصعود‬‫فطرة‪ ،‬وغايته تذكير بها‪ ،‬وذلك هو الديني والفلسفي الذي يجمع بين الوجدان (الدين)‬‫والفرقان (الفلسفة)‪ ،‬فيدرك الإنسان حدوده فلا يطغى‪ ،‬وحينئذ يتحرر من القانون‬ ‫‪51‬‬

‫الطبيعي غير المفهوم‪ ،‬بسبب ظنه مطلقا‪ ،‬ليصل إلى القانون الخلقي الذي يضفي المعنى‬ ‫حتى على الطبيعة بما يتجلى فيها من آيات‪.‬‬‫والآيات هي معية الترابط التي تحقق التناغم بين الموجودات‪ :‬فنراها في حكمة عمل الإرادة‬ ‫والمعرفة والقدرة والحياة والوجود كما بينا في الفصل الثالث‪.‬‬‫وعندما أقول إن حقيقة القرآن لا توجد فيه بل فيما يوجه إليه وجدان الإنسان وعقله‬‫من آيات الآفاق والأنفس‪ ،‬فليس معنى ذلك أني استثني وجودها فيه‪ ،‬بل هي توجد فيه‬‫بوصفه ما بعد الآفاق والأنفس‪ ،‬أي إنها هي التي تردنا إليه منطقا محررا من الاقتصار‬ ‫على القانون الطبيعي‪ ،‬مفصولا عما يتعالى عليه‪.‬‬‫ومعنى ذلك أن تدبر القرآن ‪ -‬كما يفعل ابن خلدون مثلا‪-‬لا يكون مباشرة‪ ،‬بل يكون بتدبر‬ ‫آيات الآفاق والأنفس التي تبين أنه الحق‪ ،‬فنتأكد من هذه الصفة‪.‬‬‫ومن هذه العلاقة تستمد كل الأدلة التي يستعملها القرآن لتحقيق الوعي بالحق‪ ،‬وتذكير‬ ‫الإنسان به‪ ،‬مرسوما في الأنفس وفي الآفاق‪ ،‬كنا عنه غافلين‪.‬‬‫فالقرآن بداية وغاية‪ :‬يتبين بداية بوصفه المنبه الذي يوجه البصيرة نذيرا وبشيرا‪،‬‬ ‫ويتبين غاية عندما يجعلنا علم الآفاق والأنفس قادرين على تدبره‪.‬‬‫ودور البداية في متناول كل البشر‪ ،‬لكن الغاية لا يكاد يدركها إلا القلة‪ ،‬وليس لحاجتها إلى‬ ‫الاصطفاء‪ ،‬بل لاجتهاد معرفي وجهاد خلقي دائمين فرض عين‪.‬‬‫ولهذه العلة‪ ،‬كان الإسلام‪ ،‬بوصفه تذكيرا بما يوجد في الفطرة‪ ،‬غنيا عن الوسطاء‬ ‫والكنسية لتتحقق الحرية الروحية بوصفها علاقة مباشرة بين المؤمن وربه‪.‬‬‫مثال سورة القيامة‪ :‬دفع المكذب بيوم الدين لفهم سلوكه الذي ينسيه منزلته المتعالية على‬‫الفاني‪ ،‬ولفهم حكمة تكونه العضوي‪ ،‬يحررانه من نكران البعث‪ ،‬فيكون الدليل ليس‬‫معتمدا على منطق الإفحام‪ ،‬بل على منطق الإرشاد إلى محل التأمل الذي يجعل الإنسان‬ ‫يتذكر بما به يتجاوز الغرق في مجرى الطبيعة‪.‬‬‫وهذا التذكر يكون بإدراك ترابط المعية في الوجود الشاهد‪ ،‬الذي يصبح مصعدا لئلا‬‫يقتصر عليه حتى في الشاهد‪ ،‬حتى يتدبر الإنسان فلا ينكر ما في فطرته‪ ،‬فالقانون الذي‬ ‫‪52‬‬

‫يفسر به ابن خلدون انحطاط الأمم والدول‪ ،‬بما يجري في السياسي وفي المعرفي من تأله‬ ‫زائف‪ ،‬نتيجة الغفلة والاقتصار على ضرورة الطبيعة‪.‬‬‫والغفلة عما يتجاوز الضرورة إلى الحرية‪ ،‬علتها الجهل بآيات الآفاق والأنفس التي تثبت‬ ‫حقيقة القرآن‪ :‬علوم الطبيعة والتاريخ سلم للتعالي عليهما‪.‬‬‫ويمكن القول إن ابن خلدون يفسر الانحطاط الحضاري والسياسي والمعرفي بعلل روحية‬‫(الديني‪ :‬غايات الاستخلاف) وعقلية (الفلسفي‪ :‬أدوات تعمير الأرض)‪ ،‬والحائل دون‬‫ذلك هو استبداد سياسي لدى الحكام‪ ،‬واستبداد معرفي لدى العلماء‪ :‬وكلاهما تأله زائف‪،‬‬ ‫بدل عبادة الله‪ ،‬غفلة عن الترابط والمعادلة الوجودية‪.‬‬‫الاستبداد السياسي يفسد الحكم‪ ،‬والاستبداد المعرفي يفسد التربية‪ .‬الأول يقضي على‬ ‫الحياة السياسية‪ ،‬والثاني يقضي على الحياة الفكرية‪ :‬علة الانحطاط‪.‬‬‫والبديع في رؤية ابن خلدون‪ ،‬أنه يحمّل كلى الصفين مسؤولية الانحطاط الناتج عن التأله‬ ‫الزائف‪ ،‬وهو مرض نفسي خلقي يصيب الذات فتقلب مفهوم الاستخلاف‪.‬‬‫ومفهوم الاستخلاف السوي‪ ،‬يسميه ابن خلدون رئاسة الإنسان بالطبع‪ ،‬أي ما حاولنا وصف‬ ‫بعديه بالحريتين الروحية والسياسية‪ ،‬ثورتي الإسلام الكبريين‪.‬‬‫فالحرية الروحية هي تجاوز الوساطة بين الإنسان وربه‪ ،‬فلا يكون عبدا لغيره‪ ،‬والحرية‬‫السياسة هي تعينها الفعلي‪ ،‬تحررا من حكم الجماعة بالحق الإلهي‪ ،‬وقد تنحرف الحريتان‪،‬‬‫فتنحط أولاهما بتأله زائف يقع فيه المستبد المعرفي‪ ،‬وتنحط ثانيتهما بتأله زائف يقع فيه‬ ‫المستبد السياسي‪ :‬عنف رمزي ومادي‪.‬‬‫ونذكر أن ابن خلدون اعتبر عنف التربية وعنف الحكم يفسدان معاني الإنسانية في الفرد‬‫والجماعة‪ ،‬فيصبحون عالة عاجزين عن حماية أنفسهم ورعايتها‪ ،‬والعاجز عن حماية نفسه‬‫ورعايتها‪ ،‬لا يعبد الله بل يعبد من يحميه ويرعاه‪ ،‬ومن ثم فالجماعة تصبح عبيدا‬ ‫فيصبحون مستعمرين من غيرهم لا معمرين للأرض‪.‬‬‫والعاجز عن التعمير ينحط ضرورة‪ ،‬فتغلب عليه أخلاق العبيد‪ ،‬وتلك هي بداية فقدان‬ ‫الحرية الروحية والحرية السياسة وغايتهما الانحطاط الحضاري الحتمي‪.‬‬ ‫‪53‬‬

‫ولن أعود إلى تحليل الترابط الذي بينته في الفصل السابق‪ ،‬بل سأكتفي ببيان نتائج عدم‬ ‫الوعي به ضمن كل اختصاص‪ ،‬ثم بين الاختصاصات الـخمسة التي وصفت‪.‬‬‫فنخبة الإرادة لا ترى الترابط‪ ،‬فتنعزل عما سواها‪ ،‬فتصبح خاضعة لمنطق الصراع الجدلي‪،‬‬ ‫ويحكم اللعبة السياسة‪ ،‬العنف ضرورة‪ ،‬ويعوض التناكر التعارف بينهم‪.‬‬‫وكذلك في النخب الأربعة الأخرى‪ ،‬نخبة المعرفة (العلماء)‪ ،‬ونخبة القدرة‬ ‫(الاقتصاديون)‪ ،‬ونخبة الحياة (الفنانون)‪ ،‬ونخبة الوجود (الدين والفلسفة)‪.‬‬‫لكن الاخطر هو عدم الوعي بالترابط بين النخب الخمسة ومجالاتها‪ ،‬فتستبد كل واحدة‬ ‫منها بمجالها‪ ،‬وكأنه عديم الترابط بالمجالات الأخرى‪ :‬اقطاعيات‪.‬‬‫ولما كان ذلك منافيا لحقيقة الامر‪ ،‬فإن منظومة من التبعيات بينها تصبح بديلا من الترابط‬ ‫الذي يحقق شروط التعاون والتكامل بينها‪ ،‬فيسيطر صاحب العجل‪.‬‬‫وسيطرة صاحب العجل تستتبع نخبة الإرادة ونخبة الرؤى‪ ،‬اللتين تصبحان أداتين له‬ ‫تستتبعان نخبتي المعرفة والحياة‪ ،‬ليخدم العلماء والفنانين الاستبداد‪.‬‬‫وذلك هو الانحطاط‪ :‬فنخبة الرؤى تصبح إيديولوجية‪ ،‬ونخبة الإرادة تصبح منفذة‬‫لإيديولوجيا‪ ،‬فتكون نخبة العلم ونخبة الحياة في خدمة الإيديولوجيا‪ ،‬والإيديولوجيا هي‬‫عبادة العجل الذهبي‪ ،‬ويمثلها أصحاب القدرة‪ ،‬مستعملين بقية النخب أدوات لخدمة مصالح‬ ‫لا تؤمن بالتعالي‪ ،‬فتنكص البشرية للحيوانية‪.‬‬‫وذلك كله نتيجة الغفلة عن الترابط التي تؤدي إلى نقيض الوعي بالمعادلة الوجودية‪:‬‬ ‫عدم الوعي بالقطب الإلهي يؤدي إلى عدم الوعي بتعالي الإنسان‪.‬‬‫فإذا فقد القطبان الله والإنسان‪ ،‬لم يبق إلى الوسيطان الطبيعة والتاريخ‪ ،‬وكأنهما قوتان‬ ‫ذاتيتا الفاعلية التي تلغي ما عداها‪ ،‬فيعم سلطان الفاني‪.‬‬‫ولا يمكن تصور ذلك ممكنا من دون أن تعوض إيديولوجيا العجل الذهبي الديني‬ ‫والفلسفي‪ ،‬طريقي الوعي بالتعالي وجدانيا (الدين) وعقلانيا (الفلسفة)‪.‬‬‫تلك هي أبعاد نظرية ابن خلدون‪ ،‬التي يمكن الوصول إليها باستخراج ضمائرها إذا حررنا‬ ‫مفهوم التأله المزيف‪ ،‬الذي هو مرض الرئاسة‪ ،‬التي للإنسان بالطبع‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫فأنثروبولوجيا ابن خلدون فلسفية (رئاسة بالطبع)‪ ،‬ودينية(استخلاف)‪ ،‬وكلاهما يعني‬ ‫الحرية والكرامة اللتين يوحد بينهما مفهوم مسؤولية الإنسان أو تكليفه‪.‬‬‫وطبعا لن يدرك نظرية ابن خلدون من يبحث فيه عن كونت أو ماركس‪ ،‬ويتجاهل كلامه‬ ‫في الديني والفلسفي‪ ،‬فيهمل نظرية العلاقة بين فلسفة التاريخ وفلسفة الدين‪.‬‬‫وعندما استعمل \"فلسفة\" في كلامي على ابن خلدون‪ ،‬لابد أن يفهم القارئ الفلسفة كما‬‫يراها‪ ،‬بعكس الغافلين الذين يتصورون المعتزلة وابن رشد عقلانيين‪ ،‬فالفلسفة عنده تماما‬‫كما هي عند الغزالي وابن تيمية‪ ،‬ليست قولا بنظرية المعرفة المطابقة‪ ،‬بل هي قول بالمعرفة‬ ‫النسبية فلا ترد الوجود إلى الإدراك‪.‬‬‫سذاجة القول بالمطابقة علتها عدم الوعي بالترابط‪ :‬فالفصل بين الموضوعات شرط‬ ‫للمعرفة‪ ،‬وعلة استحالة رد الوجود إلى الإدراك‪ .‬ترابط الكل ينسب العلم‪.‬‬‫وهذا هو المبدأ الأول في الفلسفة النقدية‪ :‬نفي الغزالي لعلمية الميتافيزيقا‪ ،‬وقول ابن‬ ‫تيمية بلا تناهي تكامل التصور (ابن تيمية)‪ ،‬صار ثورة خلدونية‪.‬‬‫لذلك فالمقدمة ليست نقدا لعلم التاريخ إلا لأنها نقد للميتافيزيقا التي استثنته‪ ،‬بسبب‬ ‫نظرية المعرفة المطابقة بالكليات‪ ،‬فصارت عنده تاريخية‪.‬‬‫لن يصبح التاريخ علما إلا بشرط أن يصبح العلم تاريخيا‪ ،‬وليس علما مطابقا بالكليات‪ :‬هي‬ ‫علم تاريخي بما بعد العلم العقلي‪ ،‬تجريبي للطبيعة والتاريخ‪.‬‬‫ومن ثم فالاستبداد السياسي والاستبداد المعرفي كلاهما ينتجان عن حصر المعلوم في الشاهد‪،‬‬‫وتصور الوجود كله شاهدا‪ ،‬وفيه نفي لجوهر الديني والفلسفي‪ ،‬فجورهما هو ما بعد‬‫الشاهد ليس بوصفه علما‪ ،‬بل بوصفه الوعي بحدود العلم‪ ،‬ومن ثم بعدم حبس الإنسان في‬ ‫الفاني بتجاوزه إلى اللامتناهي‪ :‬معادلة الوجود‪.‬‬‫ومعادلة الوجود تنفي التأله الزائف فتؤسس للاستخلاف‪ :‬القطبان الله والإنسان‪ ،‬وبينهما‬ ‫الطبيعة والتاريخ‪ ،‬يصلهما جوهر الديني والفلسفي وعيا بالتعالي‪.‬‬ ‫‪55‬‬





‫‪02 01‬‬ ‫‪01‬‬ ‫‪02‬‬‫تصميم الأسماء والبيان – المدير التنفيذي‪ :‬محمد مراس المرزوقي‬