قنبلة وبرتقالة (مجموعة قصصية) حمزة البحيصي إصدإرإت دإر \"إي-كتب\" لندن ،كانون إلثاني – يناير 2019
A Grenade and an Orange ()Story Collection By: Hamza Elbuhaisi © All Rights Reserved to the author Published by e-Kutub Ltd Distribution: Amazon (Paperback). Kindle, Google Books, )Play Store (Electronic) & e-Kutub (Hardback ISBN: 9781780584348 First Edition London, Jan. 2019 ** * ** الطبعة الأولى، لندن ،كانون الثاني – يناير 2019 قنبلة وبرتقالة (مجموعة قصصية) المؤلف :حمزة البحيصي الناشر ،e-Kutub Ltd :شركة بريطانية مسجلة في انجلترا برقم7513024 : © جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الموزعون الحصريون :أمازون (للنسخة الورقية) ،كيندل وغوغل بوكس وبلاي- ستور (للنسخة الإلكترونية) و \"إي-كتب\" (للنسخة الفاخرة). لا يجوز الاقتباس من دون الإشارة الى المصدر. أي محاولة للنسخ أو إعادة النشر تعرض صاحبها الى المسؤولية القانونية. إذا عثرت على نسخة عبر أي وسيلة اخرى غير موقع الناشر (إي -كتب) أو غوغل بوكس أو أمازون ،نرجو إشعارنا بوجود نسخة غير مشروعة ،وذلك بالكتابة إلينا: [email protected] يمكنك الكتابة الى المؤلف على العنوان التالي: [email protected] 2
الفهرس وداد 5 ................................................................................................. قلب ينبض في علبة 12 .......................................................................... الشيخ زكي 23 ...................................................................................... قرن بازيلاء 31 ...................................................................................... وجع الذباب 37 ...................................................................................... الكلب جيمي51 ..................................................................................... قنبلة وبرتقالة 57 ................................................................................. ذاكرة مليئة بالملح 70 ........................................................................... بقية الحلم73 ....................................................................................... أبو الحساسين82 .................................................................................. الصبار الأحمر 91 .................................................................................... على شفا الجرف 100 .............................................................................. سينما النصر 108 ................................................................................... ليلة في كراج 112 ................................................................................. 3
إهداء إلى ظل الألم 4
وداد لم أشعر بالتعب لكن الهواء كان يدور ويختنق داخل رأسي ،فمشهد الجنازة ضبابي بينما أجري على حافة النعش حافي القدمين بعدما انقطع حذائي.. الناس كلها تكبّر بعالي الصوت وأنا صامت بطيء ،يطلقون النار في الهواء فأزيح وجهي نحو الجثمان وأتذكر لحظة سهر معه قال فيها: لو بتعرف تعزف كان غنيتلك “يما مويل الهوا يما مويليا” لكن لازم تضبط الدوزان.. ثمة شيء جعلني أركض في الجنازة على إيقاع منتظم ثابت ،قلت، إنه يريد الإيقاع بالضبط ،هذه وصيته. كان الجو حاراً خلال التشييع ،فتع ّرقت وصرت أغني في عقلي: “ومشيت تحت الشتا والشتا ر ّواني” وينقطع غنائي وألهث بحرارة وأنظر إلى أعلى فأجده مس ّجى على النعش فأته ّدج وأتعثّر في أقدام المشيعين. ساعة من الصمت تلت إغلاق القبر ،كان الدم ما يزال ساخناً يسيل من الظفر الصغير الذي قفز فوقه أحد المشيعين ،ثم تح ّسست يدي على أخراها حتى وقفت متألماً ورأسي هائج يعصر فيه رغبة في الجنون.. عدت من المقبرة حافياً ،لا أتحدث مع أحد ،فقط كانت الذكريات والصفحات تتلاقح مع بعضها وترتد إلى قلبي فتجده في حالة بلوغ 5
مل ّطخ بالدماء ،حينها كان مروان يه ّزني في الفصل بعد أن شرد ذهني لذاك اليوم ،وهو يرسم في دفتره ويقول لي: انظر هذا القلم لا يخون صاحبه. نظرت إليه بوجه متخم من الذبول وهززت رأسي موافقاً بدون أن ألتفت لما كان يرسمه. دخل مد ّرس الأحياء غاضباً إلى الفصل ،قميصه خارج بنطاله، والطباشير على كتفه الأيسر ،قلت: يا أستاذ امسح عن كتفك. مسحه ثم جلس بعد أن طلب من الجميع فتح الكتب وم ّرر لي ورقة. استغربت فعلته ،لكني أخذتها بخفة وقلبتها ،فوجدت خرابيش ومربعات تبدو كأن طالباً في فصل آخر رسم شكلاً لشيك نقدي وكتب عليه: “إن التط ّور التاريخي للخيانة هو أن أصبح الراتب الشهري ثمن الاتجار بالأرض المق ّدسة” مع إمضاء الطالب في أسفل الورقة. نظرت إليه بعد قراءة الورقة دون أن يعرف أحد في الفصل ما يحدث بيننا ،وسألني: أيهما تف ّضل درس الدين أم الأحياء؟ بقيت صامتاً أدار ظهره وكتب تاريخ اليوم على السبورة وهو يقول: غسل وجهك وعد للدرس بسرعة 6
عاد الهواء يختنق في رأسي ،حيث انهالت التفاصيل مرة تلو الأخرى بعد شهور من الجنازة ،داهمتني نوبات من الشرود الذهني ولاحقتني في الشارع بعد انتهاء الدوام الدراسي .غادرت مع كتبي ووقفت في نفس المكان الذي نلتقي فيه دائماً .هدأت قليلاً وأسندت ظهري على نصب تذكاري في حي المسيح وسط المدينة ،فيه روح لا يفهمها أحد ،حتى أن تصرفات سكان الحي غريبة ،يشعر بعضهم بالنب ّوة ،وبعضهم لا يبالي ،والبعض الآخر ،إما يبتسم ،أو في حالة عزلة ،أو آلام لا تنقطع.. في هذا الحي يلتقي الصمت والشغف ،وهو ليس بعيداً عن ضريح نائم في المدينة منذ عام 371ميلادي ،ضريح القديس هيلاريوس، على مقربة من النصب التذكاري حيث أقف ،وتبدو السطور باهتة، وإن بدا اسم الشهيد جاداً في البقاء. بعض الحروف الصامدة على لوح الرخام ت ّذكر بشخصيته ،كان لها هيبة غروب الشمس ،ولونها تماماً كأبيه اسماعيل ،مدرس مادة الجغرافيا ،رجل غامض وهادئ ،يمشي ببطء ملحوظ ،وفي رأسه خرائط العالم وطوبوغرافيا الأرض ،وتشعر أن سايكس بيكو تجرح حركة عقله بشكل يومي. د ّرسني إسماعيل في الإعدادية ،ولم يكن يضرب أو يعاقب أحداً، لكنه كان كثير الحزن ،وفي بعض الأحيان ،كان يترك الفصل دون أن يتف ّوه حتى بكلمة ،كنا نشعر جميعاً بذات الألم. في أحد الم ّرات ،كتب عنوان الدرس: “المعرفة مسؤولية” كنت أدقق في كلماته وأشعر أن شرحه يميل إلى الفلسفة الطبيعية أكثر من الجغرافيا .يقول لنا دائماً: 7
يجب أن نتخطى مرحلة الألم ،ويؤكد بشكل يومي أنه يكره رقم ،1967ثم يذهب إلى باب الفصل فيقفله ويكمل درسه: الإساءة يمحوها الزمن ،أما الخسارة فهي أبدية ،الإساءة لها علاقة بالمشاعر أما الخسارة فلها علاقة بالروح ،لقد فقدنا أرواحنا في فلسطين التاريخية ،وأنتم الآن بلا روح ،ثم ينظر إل ّي بدقة متناهية، يتبعها لحظة صمت ويشير بإصبعه: النضال حالة استعادة للروح. بين كل درس وآخر كانت هناك فسحة ،أقول لأصدقائي: صحيح أن المعلم إسماعيل طيب ولا يغضب كباقي المدرسين ولكنه كل شيء ،هو الجغرافيا والفلسفة والهدوء والألم ،ونردد سؤال إسماعيل في عموم المدرسة: هل تخطيت مرحلة الألم؟ ثم نضحك بشكل سوريالي والمشقة تتعلق في تفاصيل وجوهنا. صديقي بسام في الفصل المجاور ،فقد خمسة طلاب مقربين إليه، وشارك في جنازات خمسة جثامين ،كلما سمع سؤال الألم هرب من المدرسة ،فهو لم يكن خائفاً ولكنه كان يشعر بالوحدة.. أما سعدي فكان على عكسه تماماً ،قلبه قاس وكلامه مرتجل ،قلت له: بسام سمع سؤال الألم وهرب من المدرسة. قال :خليه يهرب ،بدنا نعمل إضراب ضد سؤال الألم على الأقل تضامناً مع الأسرى والمنفيين. 8
اقتربت الامتحانات ولكن ذهني ظل دائم الفوضى ،يهرب في الفصل ،ينام أو يتذكر ذاك المشهد اليومي ،كله غبار ودخان وأصوات رصاص وزغاريد ،كنت أراقب جثمانه من فوق السطح ،ولا أعرف ما الذي جرى بالضبط ،لكني صرخت في منتصف الدرس ،لمحني المعلم إسماعيل من فوق كتف سعدي ،حذف إصبع الطباشير على رأسي وأعلن انتهاء الدرس! كنا نفتعل أي حركة حتى نشارك في المسيرات. كان مشهد الجنازة يرهقني ويذكرني في ذاك اليوم الذي أصبت فيه بالصدمة حين وجدت طريقي أنا وعمر إلى أحد المستوطنات خلال مسيرة غاضبة ،كانت الجدران مليئة بأسماء الشهداء وصورهم وأشعار معين بسيسو وتوفيق زياد ،حملته على كتفي وأخذنا نردد: علا يا بلادي علا ..الموت ولا المذلة.. اقتحم تفكيري إحساس غريب في المسيرة ،لا أعرف كيف بدا لي للحظة أني في زفة عريس ،إذ لا معنى لأي صخب في حياتي ،لا الموت ولا الحجارة ولا السلاح ،لا شيء ،فقط أردت المشاركة وفاءاً للجثامين التي رقصت معها في الأفراح ،كانت جثامين تحب الحياة. وصلنا إلى المستوطنة ،كان عمر على مقربة مني ،دار حوار بيننا نصفه خوف ونصفه الآخر بطولة ،كنّا نتصارع على رمي الحجر بالمقلاع: من يبدأ أولاً؟ استغرقنا وقتاً طويلاً.. من يبدأ أولاً؟ 9
كلانا يعاين درجة القلق عند الآخر ،يضايقه البطء في حياتي ،كان محقاً ليس لأن روحه كانت أسرع ،بل لأن أثره ظل بطيئاً يجرح في ذاكرتي منذ 18عشر عاماً ..انفعل غاضباً وهز رأسه: سأبدأ ،ولكن يجب أن تفصل بيننا مسافة حتى يتحرك المقلاع جيداً. جرى بالمقلاع في منتصف المدرسة التي كنا نلقي من داخلها الحجارة على المستوطنة ،ورحت أعد خطواته وأقيس قوة حركة المقلاع ،وقلت: إن الروح في المقلاع ،وتذكرت درس إسماعيل ،النضال حالة استعادة للروح.. كانت قوة عمر ومقلاعه صادقة إلى هذا الحد القاتل ..كان التوحش ينتقم من الروح في مشهد سريع يسقط فيه عمر أمامي ،مجنّدة إسرائيلية أصابت قلبه في مقتل.. كانت لحظة إسعافه سريعة الخطى ،لا أذكر منه إلا إغلاق باب الإسعاف وانسحابي من المدرسة وكلّي خوف أتلبّد بين أزقة المخيم. م ّرت شهور خضعت فيها لما يشبه الحصار ،أهرب من أمه وداد، وأتفقد الشارع من شرفة البيت كي لا أصادفها ،فكلما ألقت القبض عل ّي في الشارع ،تقول: يا حبيبي عندك أخبار عمر؟ قل لي كيف كان لما استشهد؟ لا أرفع رأسي مطلقاً ،بل أنكمش في ذاتي وأراها تفرك بيدها لكني لا أجيب ،وأسأل نفسي: هل يجب عل ّي المغادرة الآن على وجه السرعة؟ أغادر وأقول في نفسي: 10
ياااه لو تعرفي يا وداد ،ترك عمر بضع كلمات ،قالها في حالة استعادة للروح ،وقد مر عليها 18عاماً ،كالهواء الذي يدور في رأسي ،تخنقني وتب ّرر صمتي ،سأظل هارباً بها كي لا أضل الطريق. 11
قلب ينبض في علبة استيقظ يعقوب بمزاج سيئ بعد قيلولة استغرقت ثلاث ساعات، كان الليل يحيط به ،قام ومشى بكل نكد ثم وقف أمام المغسلة وسعل حتى صار يزبد ،صوت غريب ومؤلم لسعاله ،غليظ م ّرة وناعم م ّرات.. دقّق في المرآة وهو يعاين تجاعيد وجهه ،وتراقبه ابنته الصغيرة التي تق ّرفت من رذاذه المتطاير وهو يقول: صرت بليد ،بليد كثير بعد ما صار عمرك خمسة وأربعين! ثم راح إلى غرفته ،وأخذ لفحته ورماها على رقبته ونزل إلي سهرته حيث يجلس يومياً على كانون النار. أهلاً وسهلاً يعقوب ،فيه قهوة ،صب واشرب. أمسك منفاخ النار ،لا يبالي بالحساسيّة التي تأكل من صدره ،وراح يهري في رئتيه حتى يتج ّمر الحطب وتسخن دلة القهوة. انفخ آه ،أيوة انفخ.. شجعوه حتى فلقت ذاكرته نكتة قالها كارم في السجن ،فاستشاط صدره من الضحك والسعال: كان كارم أعز أصدقائي وللأسف أصيب بعدة أمراض وغزا جسمه نوبات ألم ،كانت تستدعي تدخلي ،وقضيت معه نحو سبع سنوات في نفس الزنزانة ،أسعفه م ّرة ويسعفني م ّرات ،حتى أفرج عنّي بهذا الحال ،سعال وقحة ودم ،وظل كارم في السجن ،حاله أسوأ 12
من حالي ،ولكنه على الأقل نجح في تهريب نطفته من السجن لإنجاب طفل. كان الجميع يتل ّحف بملابسه من البرد ،شرب يعقوب قهوته وقام من الجلسة يشعر بالاختناق: السعال لم يفارقني اليوم والدخان ذبح صدري ،جئت أشرب فنجان قهوة وأغادر ،ليلة سعيدة. كان الألم يضرب رأسه ويخرق صدره من البرد ،فخبأ وجهه داخل معطفه وجرى على نفس واحد حتى وصل غرفته ،وارتمى على سريره دون أن يغيّر ملابسه ،نام كتلة واحدة ،بدون أي حركة. في الصباح ،أيقظه المطر فوق ألواح الأسبست من نومه ،قام ينهج من الدخان ،رفع رأسه فكانت بقعة دم على الوسادة من سعاله طول الليل ،خرج يجري بشعره الأجعد ورائحة فمه الكريهة يحمل جروح حنجرته ويبصق في الشوارع. وصل إلى المستشفى المجاور لبيته ،وقابلته طبيبة عند الباب، تدعى ابتسام ،قال لها فوراً: أرجو الكشف عنّي ،سال دمي على الوسادة هذا الصباح ،ويبدو أني بحاجة إلى عناية سريعة ،ثم تفقد جيوبه ،فأخرج أوراقاَ مطويّة، وأخذ يشرح لها: أجريت أكثر من ثلاثة فحوص طبيّة ،وتصورت بالأشعة وغير الأشعة ،ولم تتضح النتيجة. ظلّت تسمع وتخفي اشمئزازها من لعابه الذي سال على ذقنه. وأكمل شكواه: 13
الآن وأنا أمامك ،أشعر أن في جوفي كهف بحاجة إلى استكشاف، لا أعرف ما الذي يلعب في صدري ،ممكن تدخلي عليه بأي منظار، بأي مقص! م ّدت يدها مع ابتسامة رقيقة وهي تبدأ يومها: أعطني كل الأوراق ،واسترح على المقعد لدقائق حتى أستشير لجنة الأطباء وأوافيك بالتفاصيل وبعدها ربما ترتاح. صار يتحسس حنجرته بنعومة مشفقاً على نفسه ،فقالت: ربما تحتاج إلى فحوص أخرى! الح ّمام على يسارك ،اذهب واغسل وجهك من القذى. كان يعقوب رقيقاً ،لكن بقعة الدم جعلت رقته كومة من ذعر المراهقين ،حتى أنه صار محتاراً وبطيئاً في كل شيء. غادرت الطبيبة ،ومشى يحمل سعاله وهو يتمتم: غ ّسل وجهك ..اشرب ينسون ..دفّي حالك ..حتى دخل الح ّمام يفكر في الفحوص والعلاج المجاني.. داهمته خشخشة في صدره وصار يبصق ثم خرج يتحسس نمنمة في حنجرته ،وجلس ينتظر الطبيبة ،فاجتاحته نوبة سعال أخرى، سمعها زائرو المستشفى ،واستمر الأمر نحو ساعتين ،كلما م ّر طبيب سمع رشقة سعال. كان أحد الأطباء يعمل في قسم الأنف والأذن والحنجرة ،جاءه على هيئة قابض الأرواح: ماذا تنتظر هنا؟ سعالك خلخل آذان المرضى ،وأشار إلى امرأة عجوز في الغرفة المقابلة: 14
قبل قليل أجرينا لهذه المسكينة عملية في طبلة الأذن ،وما زالت تحت تأثير المخدر ،هل تعرف أنها صحصحت من ضربات سعالك؟ لا أعرف يجب أن تعرف ،وربما تنفجر طبلة الأذن إذا بقيت تسعل على مقربة منها بهذه الطريقة! وقف يعقوب بعصبية: إذن أرجو أن تتصل بالطبيبة وتستعجل في أمري. اصطحبه الطبيب من يده إلى قسم الصدر ،وفي الطريق ظل يسعل ويميل نحو الطبيب ويرشق عليه رذاذ سعاله عمداً ،فيزيد من غضبه، حتى وصلا إلى إحدى الممرضات. قال الطبيب :تفضلي ،أصوات رعد وليس سعالاً كالذي نعرفه، أرجو أن تعطيه بعض المس ّكنات. تركه يسعل ويرميه بنظرات الشر حتى غادر. كانت مجموعة من الأوراق وعلبتي دواء جاهزتين تحملان اسم يعقوب في القسم. قالت له الممرضة سحر: تركت لك ابتسام هذا الدواء ،تناوله بشكل مؤقت ،وسأعتني بك حسب التوصية ،كما طلبت الطبيبة إجراء فحص طبي دقيق لصدرك، وسأرفع لها تقريراً بهذا الخصوص. مشى يعقوب وسحر إلى الغرفة ،فتحت الباب على مجموعة أجهزة طبية ،أربكته فأطبق عليه الصمت. 15
وقفت سحر عند السرير الجانبي ،وطلبت منه وهي تلبس السماعات: لو سمحت اكشف عن صدرك. رفع قميصه ،وظل متيبساً في وسط الغرفة. قالت :تعال لو سمحت ،اجلس على السرير ،قلت لك اكشف عن صدرك أو انزع قميصك بالكامل أحسن ،لازم أحط السماعات على ظهرك. جلس وهو يشهق أنفاسه بهدوء وخفّة حتى يخفي كرشه دون أن تلاحظه. تب ّسمت سحر ،فعرف أنها كشفته ،وقام بتفجير سعاله فعاد كرشه إلى طبيعته وهو يعتذر: آسف على الكرش ،كنت أجري على البحر أمس ،منفوخ من الهواء ،وأكلي ضعيف جداً ،نصحوني بالبيض بدون خبز ولكني لا أحب الصفار. قالت :لا عليك ،أعطني حالك ،ثم وضعت السماعة على صدره وطلبت منه التنفس. شهيق زفير ..شهيق زفير.. تنفس يعقوب أكثر من عشرين مرة حتى أصيب بالدوار ،وظلت سحر في صمت مريب ،لا تبدي أي قلق أو حتى سعادة تدل على سلامته. 16
انتهى الفحص وكان الإحباط بادياً عليه ،فأنزل ملابسه ومشى خلف الممرضة ،يح ّدث نفسه :مش فاهم كيف تستهلك كل أنفاسي ،ثم رفع صوته: المشكلة تجاوزت حدود الس ّماعة يا سحر ،أنفاسي خلصت والوجع ذبحني ،كيف ممكن ينتهي؟ قالت وهي تعطيه ثلاث علب فارغة: الطبيبة تحتاج لعابك في الصباح ،وهذه التعليمات كما ترى على الورقة. نظر يعقوب إلى العلب وتفقدها وهو يتحسس على اسمه ويفكر في التعليمات: جيد ..جيد.. ظل واقفاً يتمتم ثم غلب عليه الصمت واستقر نظره في الممر الفارغ ،وبدأت سحر تج ّهز عربة صغيرة لبدء جولة تفقدية على المرضى ،وأمسكت أوراقه ترتبها وتر ّدد اسمه ،فتلفّت إليها وهي تمسك أغراضه وتنتظر انتباهته بعد أن زادت من أحمر الشفاه! أخذ العلب مع ابتسامة ومشى وهو يأخذ شهيقاً من رائحة العطر التي فاحت في المكان. كتبت الطبيبة اسمها في أعلى وأسفل الأوراق المصاحبة للعلب، واسم الممرضة أيضاً موجود أكثر من أربع مرات في كل مكان. أخرج يعقوب الورق في الطريق وقرأ: ثلاثة أنواع من الفحوص يجب إجراؤها على التوالي ،فحص دم، وفحص رئتين ،ولعاب.. 17
أوف ،كيف ممكن يصير لعابي محور منطقة تعيش على العتمة والمياه الملوثة والطرق المك ّسرة ،أما منطقة وأما لعاب! ضاع نهاره في المستشفى ،وفي المساء انتهى بصداع نصفي على إثر السعال والجروح في حنجرته ،ولكن الأدوية طرحته أرضاً حتى الصباح. في اليوم التالي ،قام مفزوعاً يتفقد وسادته ،رفعها بقرف وكان لعابه الأصفر في كل ناحية ،فأمسك الوسادة وفتح الشبّاك ورماها في قطعة أرض مهجورة خلف البيت ،وقام يتصل ويسأل عن موعد تسليم النتائج. قالت ابتسام على الهاتف: تعال ومعك كل الأوراق ،المستشفى قريب منك ،لا تتأخر لأن طبيباً متطوعاً وأخصائياً لأمراض الصدر جاء من الخارج لإجراء عدد من العمليات ،وسوف ي ّطلع على حالتك ولكنه طلب فحوصك، واعذرني لأني انشغلت ولم أبلغك بالأمر ،وأيضاً هناك فحص طبي لصدرك يجب أن أجريه بنفسي. قال :أجرته الممرضة سحر أمس. ولعت شرارة ابتسام :هذا ليس من تخصصها ،وأغلقت الهاتف! شعر يعقوب أن الأوجاع تزيد والعلاج يتأخر واختلطت أفكاره في بعضها: فحص لهذه وفحص لتلك! ما هذا الهبل؟ ولماذا أحتمل المزيد من الوجع؟ ق ّرر أن يذهب م ّرة أخيرة لفحوصه ،استيقظ من الفجر على وقع قصف عنيف ،قتلت فيه أم وطفلها ابن الخمسة أعوام ،فذهب مباشرة 18
إلى العلب وهو ير ّدد ،فعلاً هذه فرصة للتعبير عن الضجر وخيبات الأمل ،ثم بصق ثلاث مرات في كل علبة وأغلقها ،ولفّها في كيس من النايلون ،ورماها في جيب معطفه ،ومشى إلى المستشفى. مرحباً ،معي العلب والأوراق على أكمل وجه ،أين الطبيبة ابتسام؟ متأخرة بسبب ظروف طارئة ،أعطني العلب الثلاثة ،هل بصقت فيها على مدار ثلاثة أيام؟ طبعاً لا ،لأنك لم تخبريني بذلك! بلعت سحر ريقها وهي تمسك بأعصابها: ستكون النتيجة طبيعية لعدم التزامك بالتعليمات ،وهذا الأمر ،إن كنت لا تعلم ،سيتسبب لي بمشكلة كبيرة مع ابتسام ،وربما تعنّفني، رغم أنه من وظيفتها إشعارك بآلية إجراء الفحوص ،حتى أنها وبّختني قبل يومين لأني أجريت لك اختبار الصدر ،فهي مزعجة إلى حد الشفقة ،ولا تبلغ المرضى بما يجب أن يفعلوه ،وعندما أخبرهم بالتفاصيل ،تتهمني بالتدخل في عملها ،هي فقط تستمتع بالإزعاج الذي تسببه لي لاعتنائي بالتفاصيل ،ثم وقفت ممتعضة: عموماً ،أعطني العلب الثلاثة ،وخذ هذه الفارغة ،وابصق م ّرة واحدة في كل علبة ،وك ّرر الأمر يومياً لمدة ثلاثة أيام. غادر يعقوب المستشفى متململاً ،ودخلت من بعده ابتسام متأخرة، تركض وهي تحمل معطفها وعلبة طعام وأوراق سقطت منها وتناثرت في الممر ،فجاءت سحر ترفعها واحدة تلو الأخرى ،وتبلغها بشأن يعقوب: غادر قبل دخولك بدقائق ،ترك بعض التقارير ،أما العلب ،فهذا ما حدث بخصوص التعليمات. 19
كانت الطبيبة غاضبة: هذا ليس من مهامك ،وسيتم فتح تحقيق فوري ،فأنت لا تقومي بعملك بشكل جيد ،كان يجب أن تطلبي منه الانتظار حتى أراه ،طالما أن الموضوع كله تأخير دقائق. ارتبكت سحر ،واستغربت وهي تجمع أوراقها: هذه مجرد تعليمات ،وهذا دورك كطبيبة. لأنه دوري ،فأنا بحاجة لرؤيته اليوم كي أجري له فحص الصدر. حاولت سحر السيطرة على الموقف وأخبرتها أنه ترك العلب القديمة ،فذهبت ابتسام إلى المختبر ،لبست مريولها الأبيض وأخذت العلب الثلاثة وتوجهت إلى المعمل لاختبارها ،أما سحر فاستأذنت الممرضات بوجه عابس ،وخرجت في استراحة غذاء وبدأت التمتمة بين طاقم العمل حول ما حدث. رفعت ابتسام الكمامات في المختبر وتع ّرقت وهي تدقق في التفاصيل ،وصارت تقرأ أول نتيجة ليعقوب ظهرت سليمة ،ور ّجحت لأنه لم يتبع التعليمات ،فأرجعت العلب إلي مكانها وهي تشتم سحر وتداري قلقها إلى أن غادرت المستشفى بعد التحليل. عبأ يعقوب العلب الجديدة بصاقاً وجاء بها إلى المستشفى يتلبد ويخفيها في ثلاثة أكياس بعد يومين من البصق ،كان منهكاً بوجه شاحب مائل إلى الاصفرار وعظام بارزة. أخذت سحر العلب الجديدة بجديّة: الأمر طارئ ،أرجو أن تعود للبيت إلى حين انتهاء الفحوص وصدور النتائج ،فأنا مشغولة الآن.. 20
أمسكت سحر العلب ودخلت متسللة إلى المختبر ،وضعتها على الرف ،ثم راحت تتفقد باب المختبر ،فلم تجد أحداً ،فعادت وفتحت شنطتها وم ّدت يدها بسرعة ،وأخذت العلب القديمة ووضعتها في الشنطة وراحت تكمل تفقدها للمرضى. تهالك يعقوب بسبب زياراته المتكررة إلي المستشفى حتى أنه عاد إلى البيت هزيلاً ،وبدون أي رغبة في الكلام ،فاستلقى في غفوة خفيفة كعادته ،وبدأ يتقلب يميناً ويساراً ،وشعر بانهيار تدريجي في جسده، ولم يستطع النهوض من الفراش ،غزاه الوجع أكثر فأكثر ،وبدأ ينهك عظمه ،وارتفعت حرارته ،وأشبع الذبول عينيه ،حدث ذلك في دقائق حتى شعر بالاختناق وأنه يفقد حياته ،قبل صدور نتيجة الفحص الطبي. لا أحد يعرف في البيت ،كيف فقد يعقوب إحساسه في كل شيء م ّرة واحدة ،هكذا تلقت ابتسام الخبر في منزلها القروي البعيد. لم تكن درجة الخطورة تحتمل ،فأخذت أغراضها وركبت سيارتها وانطلقت متخبّطة في حالة استغراب للاجتماع بلجنة الأطباء ،كي تضعهم أمام نتيجة الفحوص المتناقضة والمحيّرة بالنسبة لها ،فمجمل النتائج لا تدل على انهيار في وظائف الجسم وهذا عكس حالة يعقوب التي تدهورت فجأة! أصيبت ابتسام بإعياء في الطريق وهي تعصر تجربتها وتستذكر مرضى قابلتهم في حياتها وهم يواجهون نفس الأعراض ،لعلها تجد حلاً يسعف حالته ،وأح ّست بضيق في صدرها وهي تستذكر قَ َسم الشرف والأمانة الذي أ ّدته بعد انتهاء دراستها ،وكادت تفقد السيطرة على قيادة السيارة. 21
أسعفها خلو الطريق ،فوصلت إلى المستشفى ،صفّت سيارتها عند المدخل مباشرة ،وتو ّجهت إلى المختبر ،فتحت الباب بعصبية ومشت نحو خزانة العلب وأخذت تنظر إليها وتتفحصها. العلب الثلاثة صارت فارغة من اللعاب وألواح الزجاج مكسورة، وقد كتبت بضع كلمات باللغة العبرية لم تفهمها الطبيبة! استدارت وهي تضيء باقي رفوف المختبر. ثلاثة ألواح مكسورة ،وكتابات في كل مكان ،حتى على باب المختبر من الخلف! فتحت باب الخزانة التي توجد فيها العلب ،وتفحصتها مرة أخرى وتلفّتت حولها ودموعها تتساقط بهدوء ،وألقى الخوف ستائره على المكان حتى كاد الهواء يختنق لأن ابتسام لا تعرف العبرية ،ولا السبب وراء ما يجري! أما الممرضة سحر ،فقد وصلت إلى بيتها ليلاً بعد انتهاء الدوام، لا تعرف شيئاً عن حالة يعقوب ولا إعلان الطوارئ عند ابتسام. خلعت حذاءها بعد يوم شاق ومنازعات ،ورقدت في غرفتها بحاجة إلى هدوء تام ،فأشعلت ضوءاً خافتاً ،ثم أخرجت العلب القديمة، وضعت علبة على مكتبها بجوار أدوية سرطان الثدي ،والعلبة الثانية، وضعتها في أحد أدراج ملابس ابنها الصغير الذي مات بمرض نادر منذ نحو ثلاث سنوات وقبل أن يفرج عن زوجها من السجن ،وظلت العلبة الثالثة في يدها ،أخذتها إلى السرير ،وضعتها على صدرها ونامت. 22
الشيخ زكي التفت عماد إلى ضوء الشمعة بجواره ،ونفخ عليه بقهر ،ثم أسند رأسه على ظهر الكرسي وظل بلا حراك في الظلام لمدة طويلة. أمسك ولاّعته ،ولف كرسيّه بحذر وهو يمد يده نحو الشمعة وأشعلها مرة أخرى ،ثم أمسك قلم رصاص خشبي لونه أصفر ،وم ّده نحو اللهب كأنه يقتله فأطفأه! هذا واحد من تمارين عماد المفضلة للانتقام من اليأس عبر تذويبه باللعب مع الشمع. كل أسبوع يشتري أكثر من خمسين شمعة كي ينتقم منها ،يعجنها في شمعة واحدة ،ويص ّمم لها أكثر من فتيل ،أو يصنع منها مج ّسماً شمعيّاً ،ثم يرشه بالوقود ويحرقه احتجاجاً على الأخبار التي يسمعها. كان آخرها موت طفلين في حريق بسبب شمعة. كان يوماً مملاً فاختنق عماد من عزلته ،فخرج من بيته أمام عيون أبو شفيق الذي يتربص به ،مشى دون أن يعبّره ،وقبل أن يغيب في نهاية الشارع ،رفع صوته موجهاً الكلام لعماد دون أن ينظر إليه: خ ّزن الشمع واحرق كمان وكمان. ثم نادى على أحد الشباب وسأله ،شو آخر أخباره؟ مين قصدك يا ختيار؟ قصدي عماد ،والكاميرا اللي معه؟ ما بعرف ،ليش بتسأل؟ 23
خشي أبو شفيق أن يُتهم فرفع صوته رغبة في افتعال مشكلة ،لكن الشاب هرب خشية اتهامه بمضايقة العجوز. رجع عماد بعد شراء بعض الأغراض واكتفى أبو شفيق بالتمتمة حتى دخل البيت بأغراضه ،كان يشعر أن روحه الستينية محفوظة في روح عماد ،ويشاهد من بعيد أطراف صوره واللوحات التي يحتفظ بها في غرفته ويراقبه ليل نهار. ج ّهز عماد القهوة ونزل على باب البيت وجلس أمامه فصار يرتب ملابسه لعله يلتقط له صورة ،لكن عماد نظر إليه وتابع حركاته دون أي نية تصوير ولا ما يحزنون ،وقابل حماسته ببرود أعصاب. وقف أبو شفيق يجاري روحه المتعبة من أثر اللجوء ،وألقى بنفسه في غيظ اللحظة ،وصار يقذف كلماته ويبحث عن فرصة لضربه بالعصا بحجة أنه من أسفل الشباب وأكثرهم افتعالاً للمشاكل. سكب عماد كاسة القهوة وغادر الشارع بانزعاج.. كانت غرفته تشفي غليله ،ويشغله مشاركته في العمل الحزبي، مثل كتابته بيانات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في أحد الم ّرات انحشر في البيت بسبب اجتياح الجيش للمخيم ومنع التج ّول مع انقطاع الكهرباء لمدة أسبوع. جاء إليه أبو رمزي فور انتهاء الاجتياح: ب ّدي تكتب بيان سريع. قال جملته وسكت مثل عماد الذي يوصف بقلة الكلام ،ينطق جملة إلى جملتين كل نصف ساعة ،هكذا اعتاد عليه الناس وخصوصاً أبو رمزي الذي أضاء له الورقة بكشاف صغير. 24
بدأ يكتب ،وبعد لحظات من الصمت التفت إلى أبو رمزي وهو يشعر بالضيق واقترح عليه: ممكن نختم البيان كالتالي: الجبهة الشعبية لتحرير البشر ..الإنسان مثلاً ..شو رأيك؟ هذه مسؤولية درب التبانة ،يعني لو سمع أبو توفيق هذا الكلام، أكيد سمعت رده؟ خلي دربنا على مقياسنا ،أفقي من النهر للبحر والعمودي عندك! عاد إلى البيان بعد أن رمقه بنظرة مشغولة بألم معنوي ثم فتح قوسين في ورقة جانبية وكتب فيها: كلامي عن البشر خارج سياق الأفقي والعمودي ،عموماً البيان جاهز يا أبو رمزي ،خذني على البحر ورجعني عطشان ،بالتوفيق. أخذ البيان وغادر وظل عماد في غرفته يفرغ شحنات غضبه في لوحاته ويعاقب الشمع ،ولكن حوارهما صار حديث الناس وأثار غضب جهات مسؤولة ،وفي اليوم التالي ،نزل أبو رمزي وأبو توفيق إلى الشارع للإمساك به لأنه اعتاد إقفال هاتفه لأيام ،وعلى ناصية الشارع ،طل يحمل شنطته ويتمتم من بعيد: هذه التمتمة مسبّات علينا يا أبو رمزي. وصل ومعه امتعاضته :يا صباح يا فتاح. وبعدين فيك يا عماد ،شو قصة تحرير البشر؟ قال وهو يشعر بملل شديد ،البشر أو التحرير كله واحد ،قصدي مع بعض ،وبدل الحكي في المكتب ،كتبت لك من عقلي! مشى أبو توفيق وهو يردد بارتباك: 25
يلا يلا عندي موعد ضروري ..أ ّجل الكلام.. غادروا المكان ،وقضى عماد ساعات شاقة في إنجاز بعض اللوحات الفنية في بيت صديق قريب من المكان ،ثم عاد إلى البيت مباشرة ،وجهز المنشفة والملابس ودخل للاستحمام. نزع ملابسه وهو يتفقد الصابونة والليفة ،ثم فتح الدش ونزل الماء على وقع ضربات خارجية. هاجمت قوة من جيش الاحتلال البيت.. جرت شقيقته مروة إلى الح ّمام وأخذت تدق الباب: بسرعة ..بسرعة ..اطلع ..اجري ..اهرب ..اجري ..الجيش على الباب. لبس عماد قطعة واحدة من ملابسه الداخلية وخرج يهرول ،فلحقت به ورمت عليه المنشفة ولكنه لم يلتقطها ،فظلت توجهه: اهرب من الباب الخلفي ،اجري يلا ،ثم توجهت بخطوات سريعة وفتحت الباب للجنود وهي تب ّرر تأخيرها: الله يلعن الساعة اللي وصلتوا فيها ،قولوا يا إحم يا دستور ،خلي البنات تلبس ،عيب عليكوا تدقوا على الباب والناس نايمة. استمع أحد الجنود إلى صوت في الخلف فانتبه للأمر ومشى لاستكشاف ما يجري .كان عماد يهرول في آخر الشارع ،فأعطى الجندي الإشارة ،وانطلقت الدورية لمطاردته من عدة جهات ،فقالت مروة: ينصر ربك أيوة طير منهم ،مش ناقصنا سجون. 26
أقفلت الباب بغضب ودخلت تخبر أمها ،ثم عادت بعد دقائق وفتحت الباب لإشعار شباب المخيم بضرورة رجم الحجارة على الجيبات التي تمركزت عند دوار المخيم: اعملوا أي حركة تلهي الجنود عن مطاردة عماد. جاء سعدي يسأل عن سبب المطاردة: يعني عماد مطلوب لإسرائيل؟ احم ّر وجه مروة وتهامس الشباب وغلت الأفكار في رأسها، فاقتربت نحوه وقالت بلغة حا ّدة: إنت المطلوب للجيش مش عماد ،وعموماً عماد مطارد مش مطلوب ،والمطلوب إنك تخرس ،وإنت بتعرف شو يعني عماد. انسحب سعدي من المكان ،كأن طيراً تب ّول على رأسه ،ومشت مروة تتحدث مع باقي الشباب عن مصير عماد وعن دوريات الجيش المنتشرة في كل مكان حتى لاحظت الحجارة وهي تنزل كالمطر على تجمع للجيبات ،وبعد دقائق جاء مدحت يلهث كأنه س ّدد ضربة حظ: مطاردة عماد ما تزال مستمرة ،د ّوخ الجنود ،هيك وصل الخبر من شارع النصر ،وفيه ثلاث دوريات بتطارد فيه. شعرت مروة بنشوة الشجاعة: يسلم تمك ،يا هيك رجال بتجيب أخبار يا بلاش ،احكي هذا الكلام للصرصور سعدي ،ثم رفعت صوتها في الشارع: يا ريت يا شباب بزيادة حجار وتخلصونا من الجيش التافه وقلة الحيلة ،ثم أح ّست بالتعب حيث اجتاح رأسها صورة عماد وهو يجري، فجلست على عتبة الباب وصارت تبكي ،وعلى وقع حزنها اشتدت 27
ه ّمة الشباب وصارت قنابل المولوتوف تتطاير وتعالت الهتافات ،حتى خرج أحد الصغار يحمل لوحة زيتية لمدينة أريحا وهي من لوحات عماد القديمة والمف ّضلةُ ،كتب عليها “هذه المدينة أقدم من عمر أميركا”. أمسكت مروة الل ّوحة ووضعتها خلف الباب وصارت تقبّله ثم سمعت صوت سحب أجزاء من قطعة سلاح ،فقامت بسرعة وأدخلت الطفل في البيت وعادت فوجدت أبو النايف في وجهها يحمل كارلو صناعة محليّة ،ويقول لها: آسف على الأخبار المفاجئة. شو آسف ومش آسف ،يسعد هالطلة ،عنجد بتفتحوا النفس يا أبو النايف. خلي سعدي يشوف ،ويا ريت ترفعوا هالظلم ،والجيبات تغور عن وجهنا ،الجيش قرفنا حياتنا ،كل أسبوع اجتياح ودقدقة عالباب ،مش عارفين نقعد ولا ننام ،وبعدين فيهم؟ كان على لسان أبو النايف كلام ،لكن مروة لم تعطه فرصة ،حتى شعر بخجل ،ودفعها قلقها إلى الجزم بأن طلقات أبو النايف هي المخلّص لعماد في هذه اللحظة. رفع أبو النايف يده مرة أخرى للحديث ،لكنها لم تسمح له: يا ريت تكتب بيان بالنيابة عن عماد وتحكي فيه ،كل واحد أجا علينا من هولندا يحتل أراضينا يرجع على هولندا وكل واحد أجا من بولندا يرجع على بولندا ،واللي أجا من أميركا يرجع على أميركا، وأي واحد ما بيعرف من وين أجا أنا ممكن أخليه يعرف ،وقتها لكل حادث حديث. 28
تشقق وجه أبو النايف من الابتسام ،واختفت تفاصيل وجهه في زحمة الموقف ،حتى أنه تلفت في المكان على استحياء ،فانتبه إلى وجود فاتن صديقة عماد على عتبة الباب المجاور فغمزته بخفة وقالت: الكارلو حلو يا أبو النايف الله يحميك. شعر الرجل بلحظات انفجر فيها قلبه ،فقالت مروة وهي تتعالى على احراج الموقف واستدعاء لحظة أمل: لأجل خاطر فاتن يا ريت تلحق تساعد عماد ،يمكن مسكوه وأخذوه هالوقت ،يلا قهرتني. غادر الرجل المكان واتجه إلى طرف الشارع وسحب أجزاء الكارلو وأطلق عدة رصاصات باتجاه أحد الجيبات ثم انسحب بسرعة وقال: بدي شاب يساعد على تمشيط الشوارع قبل ما أدخلها. قرر أن يمشي من طريق مختصرة للوصول إلى مكان قريب من الجنود الذين يطاردون عماد. استمرت المطاردة بين شوارع وزواريب المخيم ،وسلك عماد طريقاً نحو مسجد الرحمن في طرف المخيم على أمل أن تتوقف ملاحقة الجنود أو يختفي عن الأنظار في الشارع الذي يقع فيه بيت الشيخ زكي المعروف كمؤذن للمسجد لعدة سنوات. شعر عماد بالعطش والتعب الشديدين ،فاسترق نظرة خاطفة إلى الخلف ولم يكن الجنود وراءه ،فأبطأ في الجري واستغل اللحظة ،وأخذ يدق على باب الشيخ زكي ،كانت الفرصة مناسبة للاختباء ،فصار ينادي: 29
افتح يا زكي ..افتح يا زكي.. ثم تلفت يميناً ويساراً… افتح يا زكي ..بحكي معك ..افتح بسرعة.. تهالك عماد من كثرة النداءات حتى لف الخوف المكان ،ولم تمر دقيقة حتى أطل الجنود من رأس الشارع وهم يص ّوبون سلاحهم، وطلب منه جندي أن يرفع كلتا يديه ،عندها فتح الشيخ زكي الباب، فانتبه عماد إلى الس ّماعات خلف أذنيه ،وتذ ّكر أنه أصم لا يسمع. 30
قرن بازيلاء كانت زوجته سلوى تغط في نوم عميق دون أي شخير أو حركة، فالمدينة التي يسكنها تع ّرضت قبل أيام لفوضى بسبب نزاع على ملكية أوراق طابو وتطلّب الليل بعض الهدوء. غالب النعاس أبو معين وهو يدقق النظر في وجهها ،عينان مرصوفتان باللؤلؤ وشعر مثل ريش النعام ،وخدود كحبات الفراولة، يعرف أنها تحبها فشغل نفسه بالسؤال: لماذا لا تأكل الأوراق الخضراء الرقيقة التي تحيط بحبات الفراولة؟ تقول له سلوى باستمرار: أكل الورق حيوانية ليس فيها نقاش ،وتعترف بحب اللحم البقري. جادلها م ّرة فقال: تشبيه أي شيء بالحيوانية كتهمة مع الاعتراف بحبك للحيوانات ولحومها ،فيه شيء من التناقض ،ثم اقترب نحوها أكثر وهو يضع يده على بطنها: هذه المعدة تشبه في تر ّهلها ،أزداغ كلب البولدوغ ،وهذا الفم يدل على قسوة ،ينبع منه رغبات دفينة بالتدمير. وأخذ يتوسلها: بحق الأرض والسماء أن توقفي هذه القسوة ضد الجماد ،لأن فيه منفعة ،نحتمي به يا سلوى ،ك ّسر ِت كل خشب البيت ،لا تمشي بثقل 31
دبابة ميركافاه ،كوني أكثر نضجاً في التعامل مع الجماد ،هذا الخشب يتحول من الطبيعة إلى السرير الذي تنامي عليه. فتحت سلوى عينيها فأمسكته يتمتم على مقربة منها ويدقق في التفاصيل: ماذا تفعل عند وجهي؟ قال بخوف وهو يتثاءب: كنت أنظر في عينيك وأراقب غزالاً يركض في البريّة ،وأتأ ّمل الصحراء في الخدود وهي تبدو رقيقة تسرج فيها أشعة الشمس ،ثم ابتسم بكامل رقته ،فأغمضت عينيها ونامت دون أي شعور سوى رغبتها أن يطيّر قبلة على جبينها. ع ّم السكون الغرفة ،وحدث شيء غريب لم يتوقعه ،انفعلت سلوى على غير العادة ،ونهضت من سريرها ،فتنحى وأفسح الممر لغضبتها. ذهبت إلى الح ّمام ،وأسند نفسه ينتظرها حتى عادت تلقي ابتسامة ناعمة ،وما يزال النعاس يغلب عليها ،فنامت وش ّدته نحوها ،تعال، لكنه ابتعد إلى الوراء وهو يقول: قبلة واحدة قد تح ّولنا إلى عصفورين في بحر لازج ،هذا شيء جميل ،ولكن السيارة تنتظر في الخارج ،والعمل في الأرض يبدأ باكراً ،سنكون معاً في المساء وأعدك بسهرة جميلة. أدارت ظهرها ،لا يعرف إن كانت غاضبة أم تنتظره حين يعود! غادر الغرفة بمزاج سيء ،تركت فيه رغبة عارمة لاحتضانها طوال النهار ،وظلت هي تشعر بغرابة تص ّرفه وحاجتها إليه. 32
سيطر سوء الفهم على هشاشة اللحظة وشعرت أنه ك ّسر أفكارها الحالمة ،ولكن ثمة شيء كان يدعو إلى استعادة الكثير من الذكريات، شيء آخر لا يعرفان ما هو بالضبط. نزل أبو معين إلى السيارة وقبل مغادرته نهضت من السرير وربطت شعرها ثم ج َرت مسرعة وأشعلت ضوء باب المنزل. التفت إليها وهي تلقي ابتسامة ،ثم عادت إلى الوراء واختبأت في محاولة لتبديد لحظة الرغبة. خرج من السيارة ورجع يحكي لها شيئاً ،فتح الباب ،ولكنه لم يجدها ،صعدت سلوى إلى الطابق العلوي ،فقال في سره ،كما لو أن أيام الشباب عادت إليه: هذه الرغبة تتقادم بالزمن ،تذبل فتدل على الأصالة ،ولكنها تدل على الحزن ،وهذا الاشتياق يا سلوى سيظل يتسم بنضج لانهائي محاط بحنين يضرب في أطراف النخيل وبداية السحاب. كانت سلسلة الأحلام تتوارد في ذهنه وهو يركز بيده على باب السيارة وتطارد أفكاره بعضها ،فأخرج أبو ربيع يده من النافذة ودفشه على جيبه ،فتنبه ثم ركب. كانت السيارة تتسع لستة أشخاص ،ثلاثة في الخلف وثلاثة في المنتصف ،وراكب واحد في الأمام ،هكذا ُص ّممت السيارات حول العالم وهكذا يتصرف الناس حين يركبوا السيارات المص ّممة لسبعة ركاب ،لكن في هذه المدينة كان المقعد الخلفي يستوعب أربعة أشخاص وفي المنتصف أربعة وفي الأمام اثنان إلى جانب السائق. لقد ظل باب أبو معين بجوار السائق مفتوحاً لمسافة تتجاوز الثمانية وثلاثين كيلو متر .استمرت الرحلة حوالي ساعة ونصف إلى أن 33
وصلوا حاجز تفتيش ،فنزلوا لفحص الهويات رغم شعورهم باللامبالاة تجاه هذا الروتين ،فهم متفقون بأن أوراقهم الثبوتية هي مجرد وهم وفراغ ،لكنهم مجبرون على الاصطفاف في طابور طويل ممل، يكشف كل واحد عن جسده الخربان لإثبات صلاحيته للعمل. كافة العمال لا يأكلون بشكل جيد ،يعاني نصفهم من سوء التغذية، ويدخن أكثرهم علبتين إلى ثلاثة في اليوم ،ويتشاركون في كاسة قهوة على نفس الحاجز ،تع ّودوا على النمط.. كانت أسئلة كثيرة تتدلى من فم أبو معين دون أن يبوح بها ،وهكذا ظل الرجل لأكثر من سبع سنوات بلا إجابات. انتهى التفتيش ثم ركبوا السيارة وانطلقوا إلى الأرض الزراعية التي يعملون فيها ،يشتركون جميعهم بالصمت في المسافة بين الحاجز ومكان العمل ،ويستجمعون أفكارهم في جوف السيارة من المزارع المنبسطة على امتداد البصر ويدخنون. وصلوا إلى المزرعة عند السابعة صباحاً ،كانت شتى أنواع الخضروات والفاكهة تفرش الأرض ،حوالي أحد عشر عاملاً في المكان ،لبسوا رداءهم الأسود وانتشروا بين الزرع وبدأوا الفلاحة. كان أبو معين شارد الذهن ،أخذه جهده إلي آخر المزرعة وهو يفكر حتى بدا في حالة تعب ،فهو رقيق القلب ويُعرف عنه الكرم، لكنه كان على تماس مع الألم. بعد حوالي ثلاث ساعات من العمل المتواصل في المزرعة ،جاء دافيد وصار يراقب الجميع من بعيد في حين كان أبو معين يتابع شروق الشمس وتتفجر في ذهنه أسئلة حول الزمن والطبيعة والأرض ،ويترنح بين الأمل واليأس ويحاور ذاته بشكل غريب، ويسأل نفسه: 34
لماذا ينتاب الناس شعور الذل؟ ويكلم روحه عن حاجاته هامساً بين الزرع: لا يشعر أحد بالألم إلا هذا الطين وزرقة السماء ،وأخذ يتلمس الندى الذي يبلل أوراق البازيلاء ،وأمسك ببعض قرونها وتبسم ،ثم صار يأكل واحداً تلو الآخر ،يأكل خمسة قرون ويضع خمسة في السطل ،واستمر هكذا ،يأكل خمسة ويضع خمسة في السطل ،حتى أمسك أبو معين بقرن ثخين محشو بعدد كبير من الحبات وتلمع قشرته الخارجية ،فصار يفركه ويتأمل فيه ويحدث نفسه عن بهجة الزرع وضعفه في الطبيعة: استغرق هذا القرن شهوراً حتى ينضج ،بينما أقطفه في ثانية وآكله في ثانية أخرى ،إنها الحياة ،ويمسك قرناً آخر وهو يقول: هذا شغف في روح الطبيعة ،ولكنه شغف بطيء ،فالطبيعة تتجلى وهي تنبت الخضروات ،هي بالفعل دورة حياة كاملة تدعو للتأمل. يضعف أبو معين أكثر فأكثر ويمسك قرناً ثالثاً من البازيلاء ويرفعه أمام عينيه بين وجهه وشروق الشمس ويدقق أكثر في عروقه، لكن دافيد الذي راقبه طويلاً صار يصرخ به من بعيد ويحذره من أكل القرن ،ثم تعالى صوته وهو يجري نحو أبو معين حتى وصله وهو يقول باستكبار: هل جئت للعمل في الأرض أم للأكل؟ ألقى أبو معين ابتسامة محشوة بالغيظ ولم يرد عليه ،فك ّرر دافيد سؤاله: هل جئت للعمل في الأرض أم للأكل؟ ومضى يقول: 35
أراقبك منذ نصف ساعة ،وأنت تأكل خمسة قرون وتضع خمسة في السطل ،وهذا غير مسموح به. أمسك أبو معين قرن بازيلاء ثم فتحه وأخرج الحبات وم ّدها إلى دافيد وهو يطلب منه :تذ ّوق هذا من خير الأرض. ضرب دافيد يده من الأسفل ونثر الحبات في المكان. كان أبو ربيع ينظر إليهم عن قرب وقال في س ّره: ما أوقحك وأنت تهز يده بهذا الحقد. رفع دافيد صوته ونظر إلى العمال في المزرعة وهو يشير إلى أبو معين: هذا الرجل دنيء يحب الأكل ،قرفني وهو يأكل. انكمش أبو معين في ذاته واحتار في استفزاز دافيد ثم قال غاضباً: ليس هناك أكثر جشعاً ودناءة منك ،فالذي طاب لي من الأرض أقل مما أنبتت لك من ثمار ،وأنت تعرف من تكون بالنسبة لي. قال دافيد :أنت تأكل ولا تعمل ،ولم ترد على سؤالي! لقد شاهدتك بعيني ،فلماذا أكلت قرون البازيلاء؟ سأوقفك عن العمل وأطردك من الأرض! يضحك أبو معين ملئ السماء وتسخن كل جوارحه ،ولكنه يضبط كف يده ويغلي جسده وهو يقول :هذه الأرض محتلة .هكذا ستطردني من أرضي مرتين يا دافيد. 36
وجع الذباب استغرق أبو سليم سنوات طويلة يحاول التأقلم مع مزرعته ولكن كان ثمة شيء غريب وناقص ،فلا هو انسجم مع أجوائها ولا هي اتّحدت مع مزاجه. كان هذا الرجل طارئاً على الخفة ،لا تعرف الأجواء الرقيقة له سبيل ،ولكنه بريء من هذا الالتباس ،فليس بيده ما جنت شخصيته عليه ،فهو ترعرع في بيئة منفعلة طارئة لا تتماهى مع سكون الطبيعة. كان يوماً حاراً ،جلس أبو سليم في مزرعته يتج ّمل في هواء المساء ،وراح يفكر في رائحة الخشب وأنفاس الجدران وحركة الأزهار ،ولكن شيئاً ما كان يشد أعصابه ،ويثير أفكاره ،فقرر دعوة زوجته لمناقشة الأمر. جلسا على الطاولة ،كان يلبس سروالاً بحبوحاً وينفث من غليونه وهي تراقب حركاته وتستمع إليه بملل ،ثم قال بدون أي تمهيد: هذا الذباب صار يخنقني من ثقل دمه ،ألا تشعري أنه يستولي على المكان؟ كأنها قاعدته للإقلاع والهبوط ،وتحديداً في النهار ،لولا أني متقرف من الوضع لأسميت المزرعة “مطار الذباب”! الفكرة خطرت لي ،وهذا الحال يؤرقني. عندك حل؟ كيف ممكن التخلص منه؟ وقفت وبدأت تهشه وهي تتظاهر بأنها تستكشف قدراته ،فتركها تهشهش ،وقام إلى النوم ،وبينما هو في الطريق إلى غرفته ،لاحقه الذباب من كل الجوانب فاقشعر بدنه وأسرع في المشي منزعجاً. 37
ظلت تراقبه وتضحك ،وتقول في نفسها :يكفيه أن يعذب بالذباب! في اليوم التالي ،اتصل أبو سليم بمكتبه وطلب تأجيل كل المواعيد، ولبس ملابس الرياضة وخرج يبحث عن حل. أول ما صدف أمامه ،محلاً لبيع مواد البناء ،أمسك علبة صمغ: كم سعرها؟ هل تصلح لصيد الذباب؟ قال صاحب المحل :نعم؟ لم أسمع! رفع صوته: أقول لك هل تنفع لصيد الذباب؟ قطب صاحب المحل حاجبيه وسأله :هل تمزح؟ هذا الصمغ خاص بخزانات الملابس وهو مفقود في السوق ،اتركه لو سمحت ،ليس للبيع. عربد أبو سليم بكتفيه ونطز في مشيته وهو ينتقل للمحل التالي والثالث والرابع ،حتى دخل محل لبيع العطور. راقت له الفكرة ،أخذ علبة عن الرف وبدأ يرش على صدره ،فلمحه صاحب المحل وجاء مسرعاً: العطر الذي استخدمته معطر جو ،وليس للاستخدام الشخصي. قال أبو سليم ممازحاً: أنا والجو واحد ،أعطني مائة علبة وكمية أخرى من أنواع مختلفة. اشترى الكمية حتى يستدعي أقرباءه وجيرانه بمشاركة أولاده، لرشها في أنحاء المزرعة والمنزل. وصل نحو عشرين منهم وانتظروه على الباب حتى عاد يحمل نحو مائتي علبة ،وباشروا بالعمل. 38
واحد يفك الأغطية ،والثاني يرش ،وبعض الملاعين يرشون على ثيابهم ،يج ّربون أنواعه ويتش ّممون ويخبئون بعض العلب. في الصباح امتلأت المنطقة برائحة العطور ،وعرف الناس عن مكافحة أبو سليم للذباب باستخدام العطر. كان في الحي رجل يكنى أبو زهير ،نحيف وأبرص ،يناكف أبو سليم باستمرار ويقول للناس :صدقوني السبب ليس له علاقة بالثروة، كل ما في الموضوع إني ما قدرت أهضمه ،دمه مثل صحن الفول. عرف أبو زهير بموضوع العطر ومشى بين جيرانه يردد ساخراً: بدي سمسار يعقد صفقة تصدير ذباب من بيت أبو سليم إلى بيتي والعلاج مجاني. كان أبو زهير يسكن في بيت خشبي محاط بأكياس نايلون سميكة على مقربة من ميناء صغير فيه بعض المراكب لصيد الأسماك ،وينال نصيبه من السمك من خلال علاقته مع الصيادين الذين يفهمون احتياجه. في مساء يقظ ،وصل إلى مسامع أبو سليم أن الذباب ربما يكون انتقل من مراكب الصيادين إلى بيته بسبب تكاثره فوق زفر السمك ورائحته على الشاطئ ،فتنبه للأمر وصدقه ،ثم لبس ملابس الصيادين مقلداً ،ونزل إلى الشاطئ فوجد أحدهم ينسج في الشبك استعداداً لرحلة صيد ليلية ،اقترب منه وظن أنه سيرحب به ويتحدث معه ،ولكن الصياد ظل يخيّط في الشبك دون أن يرفع رأسه حتى تبين لأبو سليم أنه لا يسمع ،فمشى وهو يحاول العثور على صياد آخر ،ولكنه فشل فعاد إلى البيت وطلب من أحد عماله الاتصال بأحد الصيادين ودعوته إلى البيت لوضع حل للذباب ،ولكن غالبية الصيادين أجابوا بنفس الجملة: 39
اللي محتاج الثاني يروح عنده. كان للصيادين مكانة جيدة في الحي ،من فرط حب الناس للسمك ومعرفتهم بالمخاطر التي يتعرضون لها. نقل العامل ما قاله الصيادون إلى أبو سليم ،فطلب منه أن يحمل لهم مكافأة مالية وأن يسلمها لكل فرد فيهم على أن يأتوا في نفس الليلة إلى بيته ،لكن أبو كايد كبير الصيادين قال: هذه المسافة لها تكلفة مادية وتكلفة معنوية ،فأولها المال وآخرها ضياع الكرامة. اقتنع الصيادون بكلامه باستثناء عدد قليل منهم ،ومع ذلك اتفق الجميع بعدم الذهاب إليه ،فعاد العامل إلى أبو سليم مرة أخرى وأبلغه الرسالة ،فسأله: من الذين وافقوا ومن الذين رفضوا؟ خذ هذه أسماءهم. قام أبو سليم وزاد على المال وهو يعطيه التعليمات: اذهب إلى بيوتهم مباشرة بدون أي بلبلة وأعطهم المظاريف على أن يحضروا مساء الغد إلى بيتي. تم الأمر كما أراد أبو سليم. كان مساء اليوم التالي ضاجاً بالتربص ،جهز الطاولات بكل أنواع الفاكهة والحلويات وملأ الذباب المكان ،فاستدعى أحد العمال: هات لوحة بيضاء واكتب عليها “لدينا مشكلة وحيدة مع الذباب وهي الذباب” ثم علقها في الزاوية بين مدخل المزرعة وحجرة الضيافة. 40
وصل الصيادون على الموعد ،ودخلوا وهم يتدافعون بالضحك فور قراءة اللوحة: عليه أن يجرب حظه مع ذبابنا ويأخذ من نصيبه ،فيتعلم لغة العيش في الميناء ثم يعود إلى بيته. تناولوا الطعام وتبادلوا أطراف الحديث حتى تململوا وغلب عليهم النعاس بعد التهام صحون الفاكهة والحلويات ،فقال لهم: دعوتكم لهذا الموضوع المكتوب على اللوحة ،فالذباب أرقني ون ّكل عيشتي ،فيكم الخير لو كان لديكم حل. قال صياد: بدون لف ودوران ،إحراق الميناء والمراكب هو الحل ،وأبو سليم كفيل بالتفاصيل ،شو رأيك يا ملك؟ تنحنح أبو سليم وهو يقول: هذا كلام صريح وشفاف ،إذن ،أوقفوا الصيد في المنطقة وعطلوا الميناء ،وأنا كفيل بمبلغ شهري أصرفه لكل واحد. وافقوا بعد أن تلقوا أول راتب شهري مقابل وصول خبر إحراق المراكب في نفس الليلة. طلب أبو سليم من عماله إطفاء الإنارة المحيطة ببيته وعلى الباب، ثم خرجوا بخفة ،لكن نبيل شعر بتوتر ،وبعد ابتعاده حوالي خمسين متراً من البيت ،اعتذر عن تنفيذ الخطة مباشرة وطلب تأجيلها بسبب آلام في بطنه ،فتركهم واستعجل المشي باتجاه بيته حتى وصل إلى نهاية الشارع ثم ح ّول مساره إلى بيت أبو كايد ،دق على الباب وطلب منه الخروج إلى مكان بعيد لمناقشة أمر هام. 41
رفض أبو كايد الخروج ،فدخل نبيل إلى بيته وأبلغه بكل ما حدث دون أن يأتي على ذكر الذباب وزاد عليه: لدى أبو سليم رغبة في الاستحواذ على الميناء لبناء آخر مكانه من خلال استغلال الحادث بعد حرق مراكب الصيادين وشراء مراكب أخرى جديدة وتشغيلها بإرادته. لم يكمل نبيل كل ما أراد قوله ،حتى جاء خبر إحراق ثلاثة مراكب. قام أبو كايد يجري ،وارتبك نبيل لأنه لم يخبره بالراتب الشهري الذي تلقاه ،لكن خبر إحراق المراكب ساعده على الهرب من المنطقة بعد أن ضمن تفهم أبو كايد للأمر ،وهو يبلغه: سأختبئ ولن أعود إلا بانتهاء الموضوع حتى لا يكشف أمري. قال: يلا اختفي من المكان ،وتناول أبو كايد سلاحه الشخصي ،وصار يضع الرصاصة تلو الأخرى ،ويمسح خثر القهوة عن شواربه حتى وصل إلى بيت الصيادين المشاركين في عملية الحرق: يا ملاعين يا خونة ،اطلعوا يا قطاعين الرزق ،بدي أحرق حياتكوا بدل حرق السفن. ظل يصرخ عليهم واحد تلو الآخر ،لكنه لم يعثر على أحد منهم، فبدأ يطلق النار في ساحة الحي حتى خرج الناس إلى الشارع ،فأبلغهم بالأمر: أبو سليم يتحمل المسؤولية من أولها إلى آخرها ،وسيكون له ومن أحرق المراكب حساب عسير. 42
وصل الخبر إلى أبو سليم الذي ارتبك وصار يلعن الذباب حتى تمنى أن يأكله ويموت به على ألا يواجه أبو كايد لمعرفته بخشونة تصرفه وغلاظة صوته وقوة حضوره بين الناس ،حتى أن أحد العمال الدواهي جاء له بفكرة: بإمكاني الذهاب إلي أبو كايد وإقناعه أنك تبحث عنه لمناقشة قضية حرق المراكب وأن ليس لك علاقة بالأمر لا من قريب ولا من بعيد. اقتنع أبو سليم ،ولكن العامل طلب مبلغاً من المال لإتمام المهمة ومواجهة غضب أبو كايد في هذه اللحظات ،فأعطاه النصيب. لبس ملابس الصيادين وطاقية تشبه تلك التي يلبسها أبو كايد وذهب يتحدث معه ،وأول ما وصله وذكر اسم أبو سليم تطايرت الكلمات كالشرر ،وظل يلعنه ويتوعد له. تلقى العامل الضربة وبلع كافة الشتائم ولكنه قال: سترى بعينك انشغال أبو سليم من رأسه حتى أخمص قدميه في مشكلة مستمرة مع الذباب منذ أسابيع ،وليس لديه وقت لحرق مراكب أو غيره. توسوس أبو كايد ،لاسيما أن نبيل لم يخبره بموضوع الذباب، فسأله: كيف يعني مشكلة مع الذباب؟ قال بمكر :لهذا السبب قلت لك إنه بريء كبراءة الذئب من دم يعقوب ،وسيكون من الأفضل الالتقاء به والحديث معه ،يا ريت. قام أبو كايد غاضباً وسار مع العامل وهو يشير إليه: 43
اسبقني وأبلغه أن مزاجي متعكر ولازم يحتمل كلامي إذا عرفت الحقيقة. بينما هو في الطريق انتشرت الأقاويل والمشاكل بين عائلات الصيادين وصار الحي كتلة لهب. وصل أبو كايد وبعد الترحاب والمجاملات سأله: ما سبب وحقيقة ما وقع في الميناء؟ وقف أبو سليم: أول شيء كيف حالك؟ وثاني شيء ،وحياة رأسك الغالي ما عندي حس ولا خبر. لم يصدقه أبو كايد ،وأشار إلى عمال أبو سليم وهو يقول: يعرفون دبة النملة وأنا بحار وأعرف طبع عمالي ،خليها بدون تخفي واصطناع البراءة. تغيرت نبرة أبو سليم واختلف لونه ،فطلب مغادرة الجلسة لإحضار بعض الأوراق بحجة مناقشة بعض الأمور ،فأوقفه أبو كايد وقال باستفزاز: أي شخص مراوغ وواقف في المنطقة الرمادية ممكن نشك فيه. عموماً لنا كلام ثاني إذا كانت لعبتك بتتمركز في إتقان الإجابة وإدارة النزاع ،وإنت عندك خبرة في تدبير الأمور. مشى أبو سليم دون أن يعطي أي ملامح أو جهة نظر فيما قاله أبو كايد واكتفى بالقول: أنت تسابق الأحداث ،انتظر على الخباز حتى يح ّمر خبزه. 44
وقف أبو كايد الذي يكره هذا الأسلوب وقد باغته شعور بالدناءة والمس بكرامته فقال: اسمع قبل إحضار أي ورق ،أنت لا تريد الحق وليس لديك أي التزام في سياق أدبي بسبب أنانيتك ،ومن صفات الأناني التخلي بسرعة ،ومن طبعه التسلق ،لأنه يميل باتجاه مصالحه وليس باتجاه قيمه ،ثم طلب منه بكل حزم دعم الصيادين الذين أحرقت مراكبهم. التفت أبو سليم وقال فوراً: ليس لدي مشكلة بالدعم ،أنا جاهز في أي وقت. ظل التوتر يسيطر على حديثهما لدقائق حتى انتهى الحوار إلى صفقة. طلب منه أبو كايد أن يبني منارة في وسط المدينة حتى يشاهدها الصيادون في عمق البحر ومضى يقول: ستكون دليلاً لهم وإشارة إلى مكان وجود الحي عندما يسرحون ليلاً للصيد في عمق البحر. لم يقل أبو سليم كلمة لا ،أراد استرضاء أبو كايد الذي باغته شعور غريب مع ضيق نفس ،فغادر البيت بدون سلام ولا كلام ،وفور خروجه من عتبة الباب قابله صياد بخبر إطلاق النار على نبيل واندلاع احتجاجات بين العائلات في الحي. استمر الأمر حوالي أسبوع حتى هدأ الناس نسبياً بعد التوصل إلى حلول على إثر انكشاف بعض التفاصيل ،ولكن أبو سليم لم يهدأ ،فقد دفع الملايين من أجل إنهاء قضية الذباب التي لم تنته. حاول أبو سليم أن يعود إلى روتينه اليومي ،فاستيقظ في بداية الأسبوع وتوجه إلى عمله دون مبالاة بما يجري من مشاكل بين 45
الصيادين ،وطلب من أحد الموظفين نشر إعلان في الجريدة تحت عنوان“ :أبو سليم يريد حلاً لإعدام الذباب” وبعد ساعات من النشر بدأت تصل الرسائل إلى مكتب أبو سليم ويفتحها أولاً بأول. على إثر الاقتراحات التي أجمعت غالبيتها على حل مشابه ،قرر أن يستأجر عمالاً يسهرون ليل نهار على كش الذباب ،فاستعجل الأمر وبدأ بثلاثة عمال حتى زادوا إلى سبعة ثم عشرة عمال واظبوا على حمل مطارق الذباب للكش والضرب ،وبعد حوالي أسبوع من العمل أصيب غالبيتهم بآلام في أيديهم وزغولة في عيونهم من دقة مراقبة الذباب في النهار ،حتى أن بعضهم هرب وتخلى عن أجرته. مر أبو سليم بفترات ذبول وإحباط ،وصار يقضي ساعات في الأكل لينسف كل غضبه أو لا يفعل شيئاً ،حتى أن استراحاته صارت تثير الشفقة ،فذبابة مولودة للتو تتعلم الطيران ،تستطيع إشعال حقده الدفين. أما زوجته فتعتبره أكثر الرجال مللاً في العالم لأنه يقضي ساعات في حراسة فمه خشية أن ينام فيفتح لاإرادياً وتدخل فيه ذبابة ،حتى أنه سأل أحد العمال: كيف يمكن ملاعبة الذباب كي لا يحط على فمي؟ أنصحك بوضع سلة زبل في طرف المزرعة ،فيهرب عنك ويتلهى في الزبل. أمره أبو سليم أن يذهب ويرمي ثلاث سلات في زوايا المزرعة، وراح بنفسه يكب فيها من بقايا طعامه حتى شعر بخلو طرف من الذباب ،وعاد منتشياً ثم غط في النوم. 46
كان شخيره بمثابة مارش عسكري للذباب الذي هلهل أفواجاً لرائحة فمه واستراح على وجهه وصار يلاعب في مناخيره ويلعق في شفته. صرخ أبو سليم صرخة مدوية هزت أركان البيت ،ثم وقع على الأرض مغشياً عليه ،فنزلت زوجته وأولاده وجرى العمال يتفقدونه. أبو سليم ،أنت بخير؟ قل لنا أرجوك؟ هل تسمعنا؟ ر ّشوا عليه المياه وتفقدوا أعضاءه فبدأ يستوعب ما جرى. كانت ذبابة قد ماتت بجواره بعد اقتحام أنفه ،وأصابته بحالة هلع وسخونة جعلته مريضاً في الفراش لعدة أيام. أمضى أبو سليم تلك الفترة في قراءة صحف علمية حول مكافحة الذباب دون جدوى ،ثم قام من فراشه يبحث عن حل جذري وانتقامي، فقال له عامل: يمكن أن تستعين بخبراء في الحشرات للسهر على راحتك ليل نهار وتقديم تقارير حول حركة الذباب وكيفية تكاثره ،ومن ثم يمكن إيجاد طريقة المعالجة! راقت له الفكرة ،وفي اليوم التالي ،كان في المزرعة ثلاثة خبراء يلاحقون الذباب وينصبون له الصناديق ،فيجمعون عينات منه ويرشون عليه الدواء لقياس درجة التأثير عليه ،ثم يقدمون تقاريرهم له ،فقال أحدهم لأبو سليم: الذباب يطير بهدوء ويشعر بالانسجام عندما تنسدح في قيلولة ،ولا أرى سبباً لضجرك منه ،فقام وطرده من العمل فوراً. جاء خبير آخر بعد ساعات من متابعة الذباب ،وقال بشيخوخة رجل عتيق في مجال مكافحة الحشرات: 47
اختبأت ذبابة داخل أحد المواسير بعد مطاردة شاقة ،وتبين لي وجود أعداد مهولة من الذباب في الداخل ،والحل الأمثل لهذا التخفي الذباني هو تشغيل الموسيقى حتى يخرج الذباب للرقص فيتم اصطياده. ثم ألقى بصره على امتداد المزرعة وهو يشرح باستيعاب فلاح: كما أن الموسيقى ستجعل مزاجك جيداً كمزاج الذباب. قام غاضباً وطرده هو الآخر ،ومع ذلك طلب من أحد العمال تنفيذ الفكرة. نقل العامل السماعات على امتداد المزرعة ومد الكوابل ثم شغل الموسيقى وبالفعل اختفى الذباب تماماً! قام أبو سليم يرقص ويشد شعره من الفرح ويهلل حتى أمسك بالخبير الثالث وأغرقه عناق وقبلات ،ومد يده إلى جيبه ورمى عليه حزمة من المال ،ثم هدأ قليلاً وطلب إحضار أحد السباكين لتغيير كل مواسير المزرعة والبيت ،وتحضير العشاء وشراء الورود والهدايا والإعداد جيداً لاحتفالية ليس لها مثيل ،وراح يتحمم وهو بكامل سعادته ،كان البيت ينتشي من شعوره بالراحة ،ثم لبس بدلته وتعطر ونزل إلى المزرعة يتنهد بمزاج جيد ،فلمح ذبابة تلعب في أشعة الشمس وتجري بشكل خاطف أمام عينيه ،وتقدمت نحوه ثم داهمت مجموعة من الذباب أذنيه بصوت ثخين رجرج الهواء ،وتبعتها مجموعة ذبانية أخرى توجهت نحو الطاولة بشكل عنيف ،وتم استدعاء وحدات ذبانية لها ظهر أزرق لامع وعيون بنية ضخمة، وظيفتها الردع السريع ،فقام يجري ويلعن المزرعة والعمال وينظر خلفه فتعثر في أحد الكوابل وضربت رأسه في طرف الممر الحجري فوقع وسالت دماءه. 48
جرى العمال باتجاهه وهبطوا على رأسه الذي صار ينزف ،وجاء أحدهم بسطل مياه ورشه عليه ،وطلب آخر الإسعاف ،ثم تعالت الأصوات في البيت وخارجه حتى دخل طاقم المسعفين إلي المزرعة، وضعوا له الأوكسجين وخلعوا بدلته وتفقدوا الجرح ،وبعد دقائق تبين أنه مصاب بنزيف حاد مات على إثره في المكان. عم الخبر في الحي ،وعلق بعض الناس: مسكين مات بوجع الذباب. غمر الحزن الميناء وجيرانه ،لاسيما هؤلاء الذين استفادوا من أموال التخلص من الذباب ،وفي اليوم التالي ،تجمعوا للصلاة عليه ورافقوا جثمانه إلى المقبرة في جنازة صامته خالية من الذباب. شارك أكثر من نصف الحي في تشييع الجثمان ،ورش أحدهم العطر ،ووقف أحدهم حارساً خشية ملاحقة الذباب الجنازة ،وترحم أحد العمال عليه: سيفرح الذباب ويحتل المكان من بعدك ويقول الناس: لن تدفن على القمر بل في المكان المخصص لكل الناس ،ولو اختلفت أشكال القبور سيبقى صمتها واحد ،اسمه صمت القبور. وصلوا إلى المقبرة وشاءت الأقدار أن يكون قبره بجوار قبر صياد يدعى صبحي ،كان حظه عاثراً ،مات لا يملك إلا صنارة صيد مكسورة ،أصابته الجلطة بعد نحو شهر من السعي لإصلاحها ،لم يكن لديه حيلة حتى قيل :مات صبحي فقراً. كان أبو زهير من بين المشاركين في الجنازة ،وتقدم بالقرب من فتحة قبر أبو سليم وابتسم ،لكنه سرعان ما أخفى وجهه ،ثم استدار 49
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120