Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore قنبلة وبرتقالة - مجموعة قصصية

قنبلة وبرتقالة - مجموعة قصصية

Published by hamza.elbuhaisi, 2019-10-24 18:58:29

Description: قنبلة وبرتقالة - مجموعة قصصية

Search

Read the Text Version

‫قنبلة وبرتقالة‬ ‫(مجموعة قصصية)‬ ‫حمزة البحيصي‬ ‫إصدإرإت دإر \"إي‪-‬كتب\"‬ ‫لندن‪ ،‬كانون إلثاني – يناير ‪2019‬‬

‫‪A Grenade and an Orange‬‬ ‫(‪)Story Collection‬‬ ‫‪By: Hamza Elbuhaisi‬‬ ‫‪© All Rights Reserved to the author‬‬ ‫‪Published by e-Kutub Ltd‬‬ ‫‪Distribution: Amazon (Paperback). Kindle, Google Books,‬‬ ‫)‪Play Store (Electronic) & e-Kutub (Hardback‬‬ ‫‪ISBN: 9781780584348‬‬ ‫‪First Edition‬‬ ‫‪London, Jan. 2019‬‬ ‫** * **‬ ‫الطبعة الأولى‪،‬‬ ‫لندن‪ ،‬كانون الثاني – يناير ‪2019‬‬ ‫قنبلة وبرتقالة (مجموعة قصصية)‬ ‫المؤلف‪ :‬حمزة البحيصي‬ ‫الناشر‪ ،e-Kutub Ltd :‬شركة بريطانية مسجلة في انجلترا برقم‪7513024 :‬‬ ‫© جميع الحقوق محفوظة للمؤلف‬ ‫الموزعون الحصريون‪ :‬أمازون (للنسخة الورقية)‪ ،‬كيندل وغوغل بوكس وبلاي‪-‬‬ ‫ستور (للنسخة الإلكترونية) و \"إي‪-‬كتب\" (للنسخة الفاخرة)‪.‬‬ ‫لا يجوز الاقتباس من دون الإشارة الى المصدر‪.‬‬ ‫أي محاولة للنسخ أو إعادة النشر تعرض صاحبها الى المسؤولية القانونية‪.‬‬ ‫إذا عثرت على نسخة عبر أي وسيلة اخرى غير موقع الناشر (إي‪ -‬كتب) أو‬ ‫غوغل بوكس أو أمازون‪ ،‬نرجو إشعارنا بوجود نسخة غير مشروعة‪ ،‬وذلك‬ ‫بالكتابة إلينا‪:‬‬ ‫‪[email protected]‬‬ ‫يمكنك الكتابة الى المؤلف على العنوان التالي‪:‬‬ ‫‪[email protected]‬‬ ‫‪2‬‬

‫الفهرس‬ ‫وداد ‪5 .................................................................................................‬‬ ‫قلب ينبض في علبة ‪12 ..........................................................................‬‬ ‫الشيخ زكي ‪23 ......................................................................................‬‬ ‫قرن بازيلاء ‪31 ......................................................................................‬‬ ‫وجع الذباب ‪37 ......................................................................................‬‬ ‫الكلب جيمي‪51 .....................................................................................‬‬ ‫قنبلة وبرتقالة ‪57 .................................................................................‬‬ ‫ذاكرة مليئة بالملح ‪70 ...........................................................................‬‬ ‫بقية الحلم‪73 .......................................................................................‬‬ ‫أبو الحساسين‪82 ..................................................................................‬‬ ‫الصبار الأحمر ‪91 ....................................................................................‬‬ ‫على شفا الجرف ‪100 ..............................................................................‬‬ ‫سينما النصر ‪108 ...................................................................................‬‬ ‫ليلة في كراج ‪112 .................................................................................‬‬ ‫‪3‬‬

‫إهداء‬ ‫إلى ظل الألم‬ ‫‪4‬‬

‫وداد‬ ‫لم أشعر بالتعب لكن الهواء كان يدور ويختنق داخل رأسي‪ ،‬فمشهد‬ ‫الجنازة ضبابي بينما أجري على حافة النعش حافي القدمين بعدما‬ ‫انقطع حذائي‪..‬‬ ‫الناس كلها تكبّر بعالي الصوت وأنا صامت بطيء‪ ،‬يطلقون النار‬ ‫في الهواء فأزيح وجهي نحو الجثمان وأتذكر لحظة سهر معه قال‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫لو بتعرف تعزف كان غنيتلك “يما مويل الهوا يما مويليا” لكن لازم‬ ‫تضبط الدوزان‪..‬‬ ‫ثمة شيء جعلني أركض في الجنازة على إيقاع منتظم ثابت‪ ،‬قلت‪،‬‬ ‫إنه يريد الإيقاع بالضبط‪ ،‬هذه وصيته‪.‬‬ ‫كان الجو حاراً خلال التشييع‪ ،‬فتع ّرقت وصرت أغني في عقلي‪:‬‬ ‫“ومشيت تحت الشتا والشتا ر ّواني” وينقطع غنائي وألهث بحرارة‬ ‫وأنظر إلى أعلى فأجده مس ّجى على النعش فأته ّدج وأتعثّر في أقدام‬ ‫المشيعين‪.‬‬ ‫ساعة من الصمت تلت إغلاق القبر‪ ،‬كان الدم ما يزال ساخناً يسيل‬ ‫من الظفر الصغير الذي قفز فوقه أحد المشيعين‪ ،‬ثم تح ّسست يدي‬ ‫على أخراها حتى وقفت متألماً ورأسي هائج يعصر فيه رغبة في‬ ‫الجنون‪..‬‬ ‫عدت من المقبرة حافياً‪ ،‬لا أتحدث مع أحد‪ ،‬فقط كانت الذكريات‬ ‫والصفحات تتلاقح مع بعضها وترتد إلى قلبي فتجده في حالة بلوغ‬ ‫‪5‬‬

‫مل ّطخ بالدماء‪ ،‬حينها كان مروان يه ّزني في الفصل بعد أن شرد ذهني‬ ‫لذاك اليوم‪ ،‬وهو يرسم في دفتره ويقول لي‪:‬‬ ‫انظر هذا القلم لا يخون صاحبه‪.‬‬ ‫نظرت إليه بوجه متخم من الذبول وهززت رأسي موافقاً بدون أن‬ ‫ألتفت لما كان يرسمه‪.‬‬ ‫دخل مد ّرس الأحياء غاضباً إلى الفصل‪ ،‬قميصه خارج بنطاله‪،‬‬ ‫والطباشير على كتفه الأيسر‪ ،‬قلت‪:‬‬ ‫يا أستاذ امسح عن كتفك‪.‬‬ ‫مسحه ثم جلس بعد أن طلب من الجميع فتح الكتب وم ّرر لي ورقة‪.‬‬ ‫استغربت فعلته‪ ،‬لكني أخذتها بخفة وقلبتها‪ ،‬فوجدت خرابيش‬ ‫ومربعات تبدو كأن طالباً في فصل آخر رسم شكلاً لشيك نقدي وكتب‬ ‫عليه‪:‬‬ ‫“إن التط ّور التاريخي للخيانة هو أن أصبح الراتب الشهري ثمن‬ ‫الاتجار بالأرض المق ّدسة” مع إمضاء الطالب في أسفل الورقة‪.‬‬ ‫نظرت إليه بعد قراءة الورقة دون أن يعرف أحد في الفصل ما‬ ‫يحدث بيننا‪ ،‬وسألني‪:‬‬ ‫أيهما تف ّضل درس الدين أم الأحياء؟‬ ‫بقيت صامتاً‬ ‫أدار ظهره وكتب تاريخ اليوم على السبورة وهو يقول‪:‬‬ ‫غسل وجهك وعد للدرس بسرعة‬ ‫‪6‬‬

‫عاد الهواء يختنق في رأسي‪ ،‬حيث انهالت التفاصيل مرة تلو‬ ‫الأخرى بعد شهور من الجنازة‪ ،‬داهمتني نوبات من الشرود الذهني‬ ‫ولاحقتني في الشارع بعد انتهاء الدوام الدراسي‪ .‬غادرت مع كتبي‬ ‫ووقفت في نفس المكان الذي نلتقي فيه دائماً‪ .‬هدأت قليلاً وأسندت‬ ‫ظهري على نصب تذكاري في حي المسيح وسط المدينة‪ ،‬فيه روح‬ ‫لا يفهمها أحد‪ ،‬حتى أن تصرفات سكان الحي غريبة‪ ،‬يشعر بعضهم‬ ‫بالنب ّوة‪ ،‬وبعضهم لا يبالي‪ ،‬والبعض الآخر‪ ،‬إما يبتسم‪ ،‬أو في حالة‬ ‫عزلة‪ ،‬أو آلام لا تنقطع‪..‬‬ ‫في هذا الحي يلتقي الصمت والشغف‪ ،‬وهو ليس بعيداً عن ضريح‬ ‫نائم في المدينة منذ عام ‪ 371‬ميلادي‪ ،‬ضريح القديس هيلاريوس‪،‬‬ ‫على مقربة من النصب التذكاري حيث أقف‪ ،‬وتبدو السطور باهتة‪،‬‬ ‫وإن بدا اسم الشهيد جاداً في البقاء‪.‬‬ ‫بعض الحروف الصامدة على لوح الرخام ت ّذكر بشخصيته‪ ،‬كان‬ ‫لها هيبة غروب الشمس‪ ،‬ولونها تماماً كأبيه اسماعيل‪ ،‬مدرس مادة‬ ‫الجغرافيا‪ ،‬رجل غامض وهادئ‪ ،‬يمشي ببطء ملحوظ‪ ،‬وفي رأسه‬ ‫خرائط العالم وطوبوغرافيا الأرض‪ ،‬وتشعر أن سايكس بيكو تجرح‬ ‫حركة عقله بشكل يومي‪.‬‬ ‫د ّرسني إسماعيل في الإعدادية‪ ،‬ولم يكن يضرب أو يعاقب أحداً‪،‬‬ ‫لكنه كان كثير الحزن‪ ،‬وفي بعض الأحيان‪ ،‬كان يترك الفصل دون‬ ‫أن يتف ّوه حتى بكلمة‪ ،‬كنا نشعر جميعاً بذات الألم‪.‬‬ ‫في أحد الم ّرات‪ ،‬كتب عنوان الدرس‪:‬‬ ‫“المعرفة مسؤولية”‬ ‫كنت أدقق في كلماته وأشعر أن شرحه يميل إلى الفلسفة الطبيعية‬ ‫أكثر من الجغرافيا‪ .‬يقول لنا دائماً‪:‬‬ ‫‪7‬‬

‫يجب أن نتخطى مرحلة الألم‪ ،‬ويؤكد بشكل يومي أنه يكره رقم‬ ‫‪ ،1967‬ثم يذهب إلى باب الفصل فيقفله ويكمل درسه‪:‬‬ ‫الإساءة يمحوها الزمن‪ ،‬أما الخسارة فهي أبدية‪ ،‬الإساءة لها علاقة‬ ‫بالمشاعر أما الخسارة فلها علاقة بالروح‪ ،‬لقد فقدنا أرواحنا في‬ ‫فلسطين التاريخية‪ ،‬وأنتم الآن بلا روح‪ ،‬ثم ينظر إل ّي بدقة متناهية‪،‬‬ ‫يتبعها لحظة صمت ويشير بإصبعه‪:‬‬ ‫النضال حالة استعادة للروح‪.‬‬ ‫بين كل درس وآخر كانت هناك فسحة‪ ،‬أقول لأصدقائي‪:‬‬ ‫صحيح أن المعلم إسماعيل طيب ولا يغضب كباقي المدرسين‬ ‫ولكنه كل شيء‪ ،‬هو الجغرافيا والفلسفة والهدوء والألم‪ ،‬ونردد سؤال‬ ‫إسماعيل في عموم المدرسة‪:‬‬ ‫هل تخطيت مرحلة الألم؟ ثم نضحك بشكل سوريالي والمشقة تتعلق‬ ‫في تفاصيل وجوهنا‪.‬‬ ‫صديقي بسام في الفصل المجاور‪ ،‬فقد خمسة طلاب مقربين إليه‪،‬‬ ‫وشارك في جنازات خمسة جثامين‪ ،‬كلما سمع سؤال الألم هرب من‬ ‫المدرسة‪ ،‬فهو لم يكن خائفاً ولكنه كان يشعر بالوحدة‪..‬‬ ‫أما سعدي فكان على عكسه تماماً‪ ،‬قلبه قاس وكلامه مرتجل‪ ،‬قلت‬ ‫له‪:‬‬ ‫بسام سمع سؤال الألم وهرب من المدرسة‪.‬‬ ‫قال‪ :‬خليه يهرب‪ ،‬بدنا نعمل إضراب ضد سؤال الألم على الأقل‬ ‫تضامناً مع الأسرى والمنفيين‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫اقتربت الامتحانات ولكن ذهني ظل دائم الفوضى‪ ،‬يهرب في‬ ‫الفصل‪ ،‬ينام أو يتذكر ذاك المشهد اليومي‪ ،‬كله غبار ودخان وأصوات‬ ‫رصاص وزغاريد‪ ،‬كنت أراقب جثمانه من فوق السطح‪ ،‬ولا أعرف‬ ‫ما الذي جرى بالضبط‪ ،‬لكني صرخت في منتصف الدرس‪ ،‬لمحني‬ ‫المعلم إسماعيل من فوق كتف سعدي‪ ،‬حذف إصبع الطباشير على‬ ‫رأسي وأعلن انتهاء الدرس!‬ ‫كنا نفتعل أي حركة حتى نشارك في المسيرات‪.‬‬ ‫كان مشهد الجنازة يرهقني ويذكرني في ذاك اليوم الذي أصبت فيه‬ ‫بالصدمة حين وجدت طريقي أنا وعمر إلى أحد المستوطنات خلال‬ ‫مسيرة غاضبة‪ ،‬كانت الجدران مليئة بأسماء الشهداء وصورهم‬ ‫وأشعار معين بسيسو وتوفيق زياد‪ ،‬حملته على كتفي وأخذنا نردد‪:‬‬ ‫علا يا بلادي علا‪ ..‬الموت ولا المذلة‪..‬‬ ‫اقتحم تفكيري إحساس غريب في المسيرة‪ ،‬لا أعرف كيف بدا لي‬ ‫للحظة أني في زفة عريس‪ ،‬إذ لا معنى لأي صخب في حياتي‪ ،‬لا‬ ‫الموت ولا الحجارة ولا السلاح‪ ،‬لا شيء‪ ،‬فقط أردت المشاركة وفاءاً‬ ‫للجثامين التي رقصت معها في الأفراح‪ ،‬كانت جثامين تحب الحياة‪.‬‬ ‫وصلنا إلى المستوطنة‪ ،‬كان عمر على مقربة مني‪ ،‬دار حوار بيننا‬ ‫نصفه خوف ونصفه الآخر بطولة‪ ،‬كنّا نتصارع على رمي الحجر‬ ‫بالمقلاع‪:‬‬ ‫من يبدأ أولاً؟‬ ‫استغرقنا وقتاً طويلاً‪..‬‬ ‫من يبدأ أولاً؟‬ ‫‪9‬‬

‫كلانا يعاين درجة القلق عند الآخر‪ ،‬يضايقه البطء في حياتي‪ ،‬كان‬ ‫محقاً ليس لأن روحه كانت أسرع‪ ،‬بل لأن أثره ظل بطيئاً يجرح في‬ ‫ذاكرتي منذ ‪ 18‬عشر عاماً‪ ..‬انفعل غاضباً وهز رأسه‪:‬‬ ‫سأبدأ‪ ،‬ولكن يجب أن تفصل بيننا مسافة حتى يتحرك المقلاع جيداً‪.‬‬ ‫جرى بالمقلاع في منتصف المدرسة التي كنا نلقي من داخلها‬ ‫الحجارة على المستوطنة‪ ،‬ورحت أعد خطواته وأقيس قوة حركة‬ ‫المقلاع‪ ،‬وقلت‪:‬‬ ‫إن الروح في المقلاع‪ ،‬وتذكرت درس إسماعيل‪ ،‬النضال حالة‬ ‫استعادة للروح‪..‬‬ ‫كانت قوة عمر ومقلاعه صادقة إلى هذا الحد القاتل‪ ..‬كان التوحش‬ ‫ينتقم من الروح في مشهد سريع يسقط فيه عمر أمامي‪ ،‬مجنّدة‬ ‫إسرائيلية أصابت قلبه في مقتل‪..‬‬ ‫كانت لحظة إسعافه سريعة الخطى‪ ،‬لا أذكر منه إلا إغلاق باب‬ ‫الإسعاف وانسحابي من المدرسة وكلّي خوف أتلبّد بين أزقة المخيم‪.‬‬ ‫م ّرت شهور خضعت فيها لما يشبه الحصار‪ ،‬أهرب من أمه وداد‪،‬‬ ‫وأتفقد الشارع من شرفة البيت كي لا أصادفها‪ ،‬فكلما ألقت القبض‬ ‫عل ّي في الشارع‪ ،‬تقول‪:‬‬ ‫يا حبيبي عندك أخبار عمر؟ قل لي كيف كان لما استشهد؟‬ ‫لا أرفع رأسي مطلقاً‪ ،‬بل أنكمش في ذاتي وأراها تفرك بيدها لكني‬ ‫لا أجيب‪ ،‬وأسأل نفسي‪:‬‬ ‫هل يجب عل ّي المغادرة الآن على وجه السرعة؟‬ ‫أغادر وأقول في نفسي‪:‬‬ ‫‪10‬‬

‫ياااه لو تعرفي يا وداد‪ ،‬ترك عمر بضع كلمات‪ ،‬قالها في حالة‬ ‫استعادة للروح‪ ،‬وقد مر عليها ‪ 18‬عاماً‪ ،‬كالهواء الذي يدور في‬ ‫رأسي‪ ،‬تخنقني وتب ّرر صمتي‪ ،‬سأظل هارباً بها كي لا أضل الطريق‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫قلب ينبض في علبة‬ ‫استيقظ يعقوب بمزاج سيئ بعد قيلولة استغرقت ثلاث ساعات‪،‬‬ ‫كان الليل يحيط به‪ ،‬قام ومشى بكل نكد ثم وقف أمام المغسلة وسعل‬ ‫حتى صار يزبد‪ ،‬صوت غريب ومؤلم لسعاله‪ ،‬غليظ م ّرة وناعم‬ ‫م ّرات‪..‬‬ ‫دقّق في المرآة وهو يعاين تجاعيد وجهه‪ ،‬وتراقبه ابنته الصغيرة‬ ‫التي تق ّرفت من رذاذه المتطاير وهو يقول‪:‬‬ ‫صرت بليد‪ ،‬بليد كثير بعد ما صار عمرك خمسة وأربعين! ثم راح‬ ‫إلى غرفته‪ ،‬وأخذ لفحته ورماها على رقبته ونزل إلي سهرته حيث‬ ‫يجلس يومياً على كانون النار‪.‬‬ ‫أهلاً وسهلاً يعقوب‪ ،‬فيه قهوة‪ ،‬صب واشرب‪.‬‬ ‫أمسك منفاخ النار‪ ،‬لا يبالي بالحساسيّة التي تأكل من صدره‪ ،‬وراح‬ ‫يهري في رئتيه حتى يتج ّمر الحطب وتسخن دلة القهوة‪.‬‬ ‫انفخ آه‪ ،‬أيوة انفخ‪..‬‬ ‫شجعوه حتى فلقت ذاكرته نكتة قالها كارم في السجن‪ ،‬فاستشاط‬ ‫صدره من الضحك والسعال‪:‬‬ ‫كان كارم أعز أصدقائي وللأسف أصيب بعدة أمراض وغزا‬ ‫جسمه نوبات ألم‪ ،‬كانت تستدعي تدخلي‪ ،‬وقضيت معه نحو سبع‬ ‫سنوات في نفس الزنزانة‪ ،‬أسعفه م ّرة ويسعفني م ّرات‪ ،‬حتى أفرج‬ ‫عنّي بهذا الحال‪ ،‬سعال وقحة ودم‪ ،‬وظل كارم في السجن‪ ،‬حاله أسوأ‬ ‫‪12‬‬

‫من حالي‪ ،‬ولكنه على الأقل نجح في تهريب نطفته من السجن لإنجاب‬ ‫طفل‪.‬‬ ‫كان الجميع يتل ّحف بملابسه من البرد‪ ،‬شرب يعقوب قهوته وقام‬ ‫من الجلسة يشعر بالاختناق‪:‬‬ ‫السعال لم يفارقني اليوم والدخان ذبح صدري‪ ،‬جئت أشرب فنجان‬ ‫قهوة وأغادر‪ ،‬ليلة سعيدة‪.‬‬ ‫كان الألم يضرب رأسه ويخرق صدره من البرد‪ ،‬فخبأ وجهه داخل‬ ‫معطفه وجرى على نفس واحد حتى وصل غرفته‪ ،‬وارتمى على‬ ‫سريره دون أن يغيّر ملابسه‪ ،‬نام كتلة واحدة‪ ،‬بدون أي حركة‪.‬‬ ‫في الصباح‪ ،‬أيقظه المطر فوق ألواح الأسبست من نومه‪ ،‬قام ينهج‬ ‫من الدخان‪ ،‬رفع رأسه فكانت بقعة دم على الوسادة من سعاله طول‬ ‫الليل‪ ،‬خرج يجري بشعره الأجعد ورائحة فمه الكريهة يحمل جروح‬ ‫حنجرته ويبصق في الشوارع‪.‬‬ ‫وصل إلى المستشفى المجاور لبيته‪ ،‬وقابلته طبيبة عند الباب‪،‬‬ ‫تدعى ابتسام‪ ،‬قال لها فوراً‪:‬‬ ‫أرجو الكشف عنّي‪ ،‬سال دمي على الوسادة هذا الصباح‪ ،‬ويبدو‬ ‫أني بحاجة إلى عناية سريعة‪ ،‬ثم تفقد جيوبه‪ ،‬فأخرج أوراقاَ مطويّة‪،‬‬ ‫وأخذ يشرح لها‪:‬‬ ‫أجريت أكثر من ثلاثة فحوص طبيّة‪ ،‬وتصورت بالأشعة وغير‬ ‫الأشعة‪ ،‬ولم تتضح النتيجة‪.‬‬ ‫ظلّت تسمع وتخفي اشمئزازها من لعابه الذي سال على ذقنه‪.‬‬ ‫وأكمل شكواه‪:‬‬ ‫‪13‬‬

‫الآن وأنا أمامك‪ ،‬أشعر أن في جوفي كهف بحاجة إلى استكشاف‪،‬‬ ‫لا أعرف ما الذي يلعب في صدري‪ ،‬ممكن تدخلي عليه بأي منظار‪،‬‬ ‫بأي مقص!‬ ‫م ّدت يدها مع ابتسامة رقيقة وهي تبدأ يومها‪:‬‬ ‫أعطني كل الأوراق‪ ،‬واسترح على المقعد لدقائق حتى أستشير‬ ‫لجنة الأطباء وأوافيك بالتفاصيل وبعدها ربما ترتاح‪.‬‬ ‫صار يتحسس حنجرته بنعومة مشفقاً على نفسه‪ ،‬فقالت‪:‬‬ ‫ربما تحتاج إلى فحوص أخرى! الح ّمام على يسارك‪ ،‬اذهب واغسل‬ ‫وجهك من القذى‪.‬‬ ‫كان يعقوب رقيقاً‪ ،‬لكن بقعة الدم جعلت رقته كومة من ذعر‬ ‫المراهقين‪ ،‬حتى أنه صار محتاراً وبطيئاً في كل شيء‪.‬‬ ‫غادرت الطبيبة‪ ،‬ومشى يحمل سعاله وهو يتمتم‪:‬‬ ‫غ ّسل وجهك‪ ..‬اشرب ينسون‪ ..‬دفّي حالك‪ ..‬حتى دخل الح ّمام يفكر‬ ‫في الفحوص والعلاج المجاني‪..‬‬ ‫داهمته خشخشة في صدره وصار يبصق ثم خرج يتحسس نمنمة‬ ‫في حنجرته‪ ،‬وجلس ينتظر الطبيبة‪ ،‬فاجتاحته نوبة سعال أخرى‪،‬‬ ‫سمعها زائرو المستشفى‪ ،‬واستمر الأمر نحو ساعتين‪ ،‬كلما م ّر طبيب‬ ‫سمع رشقة سعال‪.‬‬ ‫كان أحد الأطباء يعمل في قسم الأنف والأذن والحنجرة‪ ،‬جاءه على‬ ‫هيئة قابض الأرواح‪:‬‬ ‫ماذا تنتظر هنا؟ سعالك خلخل آذان المرضى‪ ،‬وأشار إلى امرأة‬ ‫عجوز في الغرفة المقابلة‪:‬‬ ‫‪14‬‬

‫قبل قليل أجرينا لهذه المسكينة عملية في طبلة الأذن‪ ،‬وما زالت‬ ‫تحت تأثير المخدر‪ ،‬هل تعرف أنها صحصحت من ضربات سعالك؟‬ ‫لا أعرف‬ ‫يجب أن تعرف‪ ،‬وربما تنفجر طبلة الأذن إذا بقيت تسعل على‬ ‫مقربة منها بهذه الطريقة!‬ ‫وقف يعقوب بعصبية‪:‬‬ ‫إذن أرجو أن تتصل بالطبيبة وتستعجل في أمري‪.‬‬ ‫اصطحبه الطبيب من يده إلى قسم الصدر‪ ،‬وفي الطريق ظل يسعل‬ ‫ويميل نحو الطبيب ويرشق عليه رذاذ سعاله عمداً‪ ،‬فيزيد من غضبه‪،‬‬ ‫حتى وصلا إلى إحدى الممرضات‪.‬‬ ‫قال الطبيب‪ :‬تفضلي‪ ،‬أصوات رعد وليس سعالاً كالذي نعرفه‪،‬‬ ‫أرجو أن تعطيه بعض المس ّكنات‪.‬‬ ‫تركه يسعل ويرميه بنظرات الشر حتى غادر‪.‬‬ ‫كانت مجموعة من الأوراق وعلبتي دواء جاهزتين تحملان اسم‬ ‫يعقوب في القسم‪.‬‬ ‫قالت له الممرضة سحر‪:‬‬ ‫تركت لك ابتسام هذا الدواء‪ ،‬تناوله بشكل مؤقت‪ ،‬وسأعتني بك‬ ‫حسب التوصية‪ ،‬كما طلبت الطبيبة إجراء فحص طبي دقيق لصدرك‪،‬‬ ‫وسأرفع لها تقريراً بهذا الخصوص‪.‬‬ ‫مشى يعقوب وسحر إلى الغرفة‪ ،‬فتحت الباب على مجموعة أجهزة‬ ‫طبية‪ ،‬أربكته فأطبق عليه الصمت‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫وقفت سحر عند السرير الجانبي‪ ،‬وطلبت منه وهي تلبس‬ ‫السماعات‪:‬‬ ‫لو سمحت اكشف عن صدرك‪.‬‬ ‫رفع قميصه‪ ،‬وظل متيبساً في وسط الغرفة‪.‬‬ ‫قالت‪ :‬تعال لو سمحت‪ ،‬اجلس على السرير‪ ،‬قلت لك اكشف عن‬ ‫صدرك أو انزع قميصك بالكامل أحسن‪ ،‬لازم أحط السماعات على‬ ‫ظهرك‪.‬‬ ‫جلس وهو يشهق أنفاسه بهدوء وخفّة حتى يخفي كرشه دون أن‬ ‫تلاحظه‪.‬‬ ‫تب ّسمت سحر‪ ،‬فعرف أنها كشفته‪ ،‬وقام بتفجير سعاله فعاد كرشه‬ ‫إلى طبيعته وهو يعتذر‪:‬‬ ‫آسف على الكرش‪ ،‬كنت أجري على البحر أمس‪ ،‬منفوخ من‬ ‫الهواء‪ ،‬وأكلي ضعيف جداً‪ ،‬نصحوني بالبيض بدون خبز ولكني لا‬ ‫أحب الصفار‪.‬‬ ‫قالت‪ :‬لا عليك‪ ،‬أعطني حالك‪ ،‬ثم وضعت السماعة على صدره‬ ‫وطلبت منه التنفس‪.‬‬ ‫شهيق زفير‪ ..‬شهيق زفير‪..‬‬ ‫تنفس يعقوب أكثر من عشرين مرة حتى أصيب بالدوار‪ ،‬وظلت‬ ‫سحر في صمت مريب‪ ،‬لا تبدي أي قلق أو حتى سعادة تدل على‬ ‫سلامته‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫انتهى الفحص وكان الإحباط بادياً عليه‪ ،‬فأنزل ملابسه ومشى خلف‬ ‫الممرضة‪ ،‬يح ّدث نفسه‪ :‬مش فاهم كيف تستهلك كل أنفاسي‪ ،‬ثم رفع‬ ‫صوته‪:‬‬ ‫المشكلة تجاوزت حدود الس ّماعة يا سحر‪ ،‬أنفاسي خلصت والوجع‬ ‫ذبحني‪ ،‬كيف ممكن ينتهي؟‬ ‫قالت وهي تعطيه ثلاث علب فارغة‪:‬‬ ‫الطبيبة تحتاج لعابك في الصباح‪ ،‬وهذه التعليمات كما ترى على‬ ‫الورقة‪.‬‬ ‫نظر يعقوب إلى العلب وتفقدها وهو يتحسس على اسمه ويفكر في‬ ‫التعليمات‪:‬‬ ‫جيد‪ ..‬جيد‪..‬‬ ‫ظل واقفاً يتمتم ثم غلب عليه الصمت واستقر نظره في الممر‬ ‫الفارغ‪ ،‬وبدأت سحر تج ّهز عربة صغيرة لبدء جولة تفقدية على‬ ‫المرضى‪ ،‬وأمسكت أوراقه ترتبها وتر ّدد اسمه‪ ،‬فتلفّت إليها وهي‬ ‫تمسك أغراضه وتنتظر انتباهته بعد أن زادت من أحمر الشفاه!‬ ‫أخذ العلب مع ابتسامة ومشى وهو يأخذ شهيقاً من رائحة العطر‬ ‫التي فاحت في المكان‪.‬‬ ‫كتبت الطبيبة اسمها في أعلى وأسفل الأوراق المصاحبة للعلب‪،‬‬ ‫واسم الممرضة أيضاً موجود أكثر من أربع مرات في كل مكان‪.‬‬ ‫أخرج يعقوب الورق في الطريق وقرأ‪:‬‬ ‫ثلاثة أنواع من الفحوص يجب إجراؤها على التوالي‪ ،‬فحص دم‪،‬‬ ‫وفحص رئتين‪ ،‬ولعاب‪..‬‬ ‫‪17‬‬

‫أوف‪ ،‬كيف ممكن يصير لعابي محور منطقة تعيش على العتمة‬ ‫والمياه الملوثة والطرق المك ّسرة‪ ،‬أما منطقة وأما لعاب!‬ ‫ضاع نهاره في المستشفى‪ ،‬وفي المساء انتهى بصداع نصفي على‬ ‫إثر السعال والجروح في حنجرته‪ ،‬ولكن الأدوية طرحته أرضاً حتى‬ ‫الصباح‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬قام مفزوعاً يتفقد وسادته‪ ،‬رفعها بقرف وكان لعابه‬ ‫الأصفر في كل ناحية‪ ،‬فأمسك الوسادة وفتح الشبّاك ورماها في قطعة‬ ‫أرض مهجورة خلف البيت‪ ،‬وقام يتصل ويسأل عن موعد تسليم‬ ‫النتائج‪.‬‬ ‫قالت ابتسام على الهاتف‪:‬‬ ‫تعال ومعك كل الأوراق‪ ،‬المستشفى قريب منك‪ ،‬لا تتأخر لأن‬ ‫طبيباً متطوعاً وأخصائياً لأمراض الصدر جاء من الخارج لإجراء‬ ‫عدد من العمليات‪ ،‬وسوف ي ّطلع على حالتك ولكنه طلب فحوصك‪،‬‬ ‫واعذرني لأني انشغلت ولم أبلغك بالأمر‪ ،‬وأيضاً هناك فحص طبي‬ ‫لصدرك يجب أن أجريه بنفسي‪.‬‬ ‫قال‪ :‬أجرته الممرضة سحر أمس‪.‬‬ ‫ولعت شرارة ابتسام‪ :‬هذا ليس من تخصصها‪ ،‬وأغلقت الهاتف!‬ ‫شعر يعقوب أن الأوجاع تزيد والعلاج يتأخر واختلطت أفكاره في‬ ‫بعضها‪:‬‬ ‫فحص لهذه وفحص لتلك! ما هذا الهبل؟ ولماذا أحتمل المزيد من‬ ‫الوجع؟‬ ‫ق ّرر أن يذهب م ّرة أخيرة لفحوصه‪ ،‬استيقظ من الفجر على وقع‬ ‫قصف عنيف‪ ،‬قتلت فيه أم وطفلها ابن الخمسة أعوام‪ ،‬فذهب مباشرة‬ ‫‪18‬‬

‫إلى العلب وهو ير ّدد‪ ،‬فعلاً هذه فرصة للتعبير عن الضجر وخيبات‬ ‫الأمل‪ ،‬ثم بصق ثلاث مرات في كل علبة وأغلقها‪ ،‬ولفّها في كيس من‬ ‫النايلون‪ ،‬ورماها في جيب معطفه‪ ،‬ومشى إلى المستشفى‪.‬‬ ‫مرحباً‪ ،‬معي العلب والأوراق على أكمل وجه‪ ،‬أين الطبيبة ابتسام؟‬ ‫متأخرة بسبب ظروف طارئة‪ ،‬أعطني العلب الثلاثة‪ ،‬هل بصقت‬ ‫فيها على مدار ثلاثة أيام؟‬ ‫طبعاً لا‪ ،‬لأنك لم تخبريني بذلك!‬ ‫بلعت سحر ريقها وهي تمسك بأعصابها‪:‬‬ ‫ستكون النتيجة طبيعية لعدم التزامك بالتعليمات‪ ،‬وهذا الأمر‪ ،‬إن‬ ‫كنت لا تعلم‪ ،‬سيتسبب لي بمشكلة كبيرة مع ابتسام‪ ،‬وربما تعنّفني‪،‬‬ ‫رغم أنه من وظيفتها إشعارك بآلية إجراء الفحوص‪ ،‬حتى أنها وبّختني‬ ‫قبل يومين لأني أجريت لك اختبار الصدر‪ ،‬فهي مزعجة إلى حد‬ ‫الشفقة‪ ،‬ولا تبلغ المرضى بما يجب أن يفعلوه‪ ،‬وعندما أخبرهم‬ ‫بالتفاصيل‪ ،‬تتهمني بالتدخل في عملها‪ ،‬هي فقط تستمتع بالإزعاج الذي‬ ‫تسببه لي لاعتنائي بالتفاصيل‪ ،‬ثم وقفت ممتعضة‪:‬‬ ‫عموماً‪ ،‬أعطني العلب الثلاثة‪ ،‬وخذ هذه الفارغة‪ ،‬وابصق م ّرة‬ ‫واحدة في كل علبة‪ ،‬وك ّرر الأمر يومياً لمدة ثلاثة أيام‪.‬‬ ‫غادر يعقوب المستشفى متململاً‪ ،‬ودخلت من بعده ابتسام متأخرة‪،‬‬ ‫تركض وهي تحمل معطفها وعلبة طعام وأوراق سقطت منها‬ ‫وتناثرت في الممر‪ ،‬فجاءت سحر ترفعها واحدة تلو الأخرى‪ ،‬وتبلغها‬ ‫بشأن يعقوب‪:‬‬ ‫غادر قبل دخولك بدقائق‪ ،‬ترك بعض التقارير‪ ،‬أما العلب‪ ،‬فهذا ما‬ ‫حدث بخصوص التعليمات‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫كانت الطبيبة غاضبة‪:‬‬ ‫هذا ليس من مهامك‪ ،‬وسيتم فتح تحقيق فوري‪ ،‬فأنت لا تقومي‬ ‫بعملك بشكل جيد‪ ،‬كان يجب أن تطلبي منه الانتظار حتى أراه‪ ،‬طالما‬ ‫أن الموضوع كله تأخير دقائق‪.‬‬ ‫ارتبكت سحر‪ ،‬واستغربت وهي تجمع أوراقها‪:‬‬ ‫هذه مجرد تعليمات‪ ،‬وهذا دورك كطبيبة‪.‬‬ ‫لأنه دوري‪ ،‬فأنا بحاجة لرؤيته اليوم كي أجري له فحص الصدر‪.‬‬ ‫حاولت سحر السيطرة على الموقف وأخبرتها أنه ترك العلب‬ ‫القديمة‪ ،‬فذهبت ابتسام إلى المختبر‪ ،‬لبست مريولها الأبيض وأخذت‬ ‫العلب الثلاثة وتوجهت إلى المعمل لاختبارها‪ ،‬أما سحر فاستأذنت‬ ‫الممرضات بوجه عابس‪ ،‬وخرجت في استراحة غذاء وبدأت التمتمة‬ ‫بين طاقم العمل حول ما حدث‪.‬‬ ‫رفعت ابتسام الكمامات في المختبر وتع ّرقت وهي تدقق في‬ ‫التفاصيل‪ ،‬وصارت تقرأ أول نتيجة ليعقوب ظهرت سليمة‪ ،‬ور ّجحت‬ ‫لأنه لم يتبع التعليمات‪ ،‬فأرجعت العلب إلي مكانها وهي تشتم سحر‬ ‫وتداري قلقها إلى أن غادرت المستشفى بعد التحليل‪.‬‬ ‫عبأ يعقوب العلب الجديدة بصاقاً وجاء بها إلى المستشفى يتلبد‬ ‫ويخفيها في ثلاثة أكياس بعد يومين من البصق‪ ،‬كان منهكاً بوجه‬ ‫شاحب مائل إلى الاصفرار وعظام بارزة‪.‬‬ ‫أخذت سحر العلب الجديدة بجديّة‪:‬‬ ‫الأمر طارئ‪ ،‬أرجو أن تعود للبيت إلى حين انتهاء الفحوص‬ ‫وصدور النتائج‪ ،‬فأنا مشغولة الآن‪..‬‬ ‫‪20‬‬

‫أمسكت سحر العلب ودخلت متسللة إلى المختبر‪ ،‬وضعتها على‬ ‫الرف‪ ،‬ثم راحت تتفقد باب المختبر‪ ،‬فلم تجد أحداً‪ ،‬فعادت وفتحت‬ ‫شنطتها وم ّدت يدها بسرعة‪ ،‬وأخذت العلب القديمة ووضعتها في‬ ‫الشنطة وراحت تكمل تفقدها للمرضى‪.‬‬ ‫تهالك يعقوب بسبب زياراته المتكررة إلي المستشفى حتى أنه عاد‬ ‫إلى البيت هزيلاً‪ ،‬وبدون أي رغبة في الكلام‪ ،‬فاستلقى في غفوة خفيفة‬ ‫كعادته‪ ،‬وبدأ يتقلب يميناً ويساراً‪ ،‬وشعر بانهيار تدريجي في جسده‪،‬‬ ‫ولم يستطع النهوض من الفراش‪ ،‬غزاه الوجع أكثر فأكثر‪ ،‬وبدأ ينهك‬ ‫عظمه‪ ،‬وارتفعت حرارته‪ ،‬وأشبع الذبول عينيه‪ ،‬حدث ذلك في دقائق‬ ‫حتى شعر بالاختناق وأنه يفقد حياته‪ ،‬قبل صدور نتيجة الفحص‬ ‫الطبي‪.‬‬ ‫لا أحد يعرف في البيت‪ ،‬كيف فقد يعقوب إحساسه في كل شيء‬ ‫م ّرة واحدة‪ ،‬هكذا تلقت ابتسام الخبر في منزلها القروي البعيد‪.‬‬ ‫لم تكن درجة الخطورة تحتمل‪ ،‬فأخذت أغراضها وركبت سيارتها‬ ‫وانطلقت متخبّطة في حالة استغراب للاجتماع بلجنة الأطباء‪ ،‬كي‬ ‫تضعهم أمام نتيجة الفحوص المتناقضة والمحيّرة بالنسبة لها‪ ،‬فمجمل‬ ‫النتائج لا تدل على انهيار في وظائف الجسم وهذا عكس حالة يعقوب‬ ‫التي تدهورت فجأة!‬ ‫أصيبت ابتسام بإعياء في الطريق وهي تعصر تجربتها وتستذكر‬ ‫مرضى قابلتهم في حياتها وهم يواجهون نفس الأعراض‪ ،‬لعلها تجد‬ ‫حلاً يسعف حالته‪ ،‬وأح ّست بضيق في صدرها وهي تستذكر قَ َسم‬ ‫الشرف والأمانة الذي أ ّدته بعد انتهاء دراستها‪ ،‬وكادت تفقد السيطرة‬ ‫على قيادة السيارة‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫أسعفها خلو الطريق‪ ،‬فوصلت إلى المستشفى‪ ،‬صفّت سيارتها عند‬ ‫المدخل مباشرة‪ ،‬وتو ّجهت إلى المختبر‪ ،‬فتحت الباب بعصبية ومشت‬ ‫نحو خزانة العلب وأخذت تنظر إليها وتتفحصها‪.‬‬ ‫العلب الثلاثة صارت فارغة من اللعاب وألواح الزجاج مكسورة‪،‬‬ ‫وقد كتبت بضع كلمات باللغة العبرية لم تفهمها الطبيبة!‬ ‫استدارت وهي تضيء باقي رفوف المختبر‪.‬‬ ‫ثلاثة ألواح مكسورة‪ ،‬وكتابات في كل مكان‪ ،‬حتى على باب‬ ‫المختبر من الخلف!‬ ‫فتحت باب الخزانة التي توجد فيها العلب‪ ،‬وتفحصتها مرة أخرى‬ ‫وتلفّتت حولها ودموعها تتساقط بهدوء‪ ،‬وألقى الخوف ستائره على‬ ‫المكان حتى كاد الهواء يختنق لأن ابتسام لا تعرف العبرية‪ ،‬ولا السبب‬ ‫وراء ما يجري!‬ ‫أما الممرضة سحر‪ ،‬فقد وصلت إلى بيتها ليلاً بعد انتهاء الدوام‪،‬‬ ‫لا تعرف شيئاً عن حالة يعقوب ولا إعلان الطوارئ عند ابتسام‪.‬‬ ‫خلعت حذاءها بعد يوم شاق ومنازعات‪ ،‬ورقدت في غرفتها بحاجة‬ ‫إلى هدوء تام‪ ،‬فأشعلت ضوءاً خافتاً‪ ،‬ثم أخرجت العلب القديمة‪،‬‬ ‫وضعت علبة على مكتبها بجوار أدوية سرطان الثدي‪ ،‬والعلبة الثانية‪،‬‬ ‫وضعتها في أحد أدراج ملابس ابنها الصغير الذي مات بمرض نادر‬ ‫منذ نحو ثلاث سنوات وقبل أن يفرج عن زوجها من السجن‪ ،‬وظلت‬ ‫العلبة الثالثة في يدها‪ ،‬أخذتها إلى السرير‪ ،‬وضعتها على صدرها‬ ‫ونامت‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫الشيخ زكي‬ ‫التفت عماد إلى ضوء الشمعة بجواره‪ ،‬ونفخ عليه بقهر‪ ،‬ثم أسند‬ ‫رأسه على ظهر الكرسي وظل بلا حراك في الظلام لمدة طويلة‪.‬‬ ‫أمسك ولاّعته‪ ،‬ولف كرسيّه بحذر وهو يمد يده نحو الشمعة‬ ‫وأشعلها مرة أخرى‪ ،‬ثم أمسك قلم رصاص خشبي لونه أصفر‪ ،‬وم ّده‬ ‫نحو اللهب كأنه يقتله فأطفأه!‬ ‫هذا واحد من تمارين عماد المفضلة للانتقام من اليأس عبر تذويبه‬ ‫باللعب مع الشمع‪.‬‬ ‫كل أسبوع يشتري أكثر من خمسين شمعة كي ينتقم منها‪ ،‬يعجنها‬ ‫في شمعة واحدة‪ ،‬ويص ّمم لها أكثر من فتيل‪ ،‬أو يصنع منها مج ّسماً‬ ‫شمعيّاً‪ ،‬ثم يرشه بالوقود ويحرقه احتجاجاً على الأخبار التي يسمعها‪.‬‬ ‫كان آخرها موت طفلين في حريق بسبب شمعة‪.‬‬ ‫كان يوماً مملاً فاختنق عماد من عزلته‪ ،‬فخرج من بيته أمام عيون‬ ‫أبو شفيق الذي يتربص به‪ ،‬مشى دون أن يعبّره‪ ،‬وقبل أن يغيب في‬ ‫نهاية الشارع‪ ،‬رفع صوته موجهاً الكلام لعماد دون أن ينظر إليه‪:‬‬ ‫خ ّزن الشمع واحرق كمان وكمان‪.‬‬ ‫ثم نادى على أحد الشباب وسأله‪ ،‬شو آخر أخباره؟‬ ‫مين قصدك يا ختيار؟‬ ‫قصدي عماد‪ ،‬والكاميرا اللي معه؟‬ ‫ما بعرف‪ ،‬ليش بتسأل؟‬ ‫‪23‬‬

‫خشي أبو شفيق أن يُتهم فرفع صوته رغبة في افتعال مشكلة‪ ،‬لكن‬ ‫الشاب هرب خشية اتهامه بمضايقة العجوز‪.‬‬ ‫رجع عماد بعد شراء بعض الأغراض واكتفى أبو شفيق بالتمتمة‬ ‫حتى دخل البيت بأغراضه‪ ،‬كان يشعر أن روحه الستينية محفوظة في‬ ‫روح عماد‪ ،‬ويشاهد من بعيد أطراف صوره واللوحات التي يحتفظ‬ ‫بها في غرفته ويراقبه ليل نهار‪.‬‬ ‫ج ّهز عماد القهوة ونزل على باب البيت وجلس أمامه فصار يرتب‬ ‫ملابسه لعله يلتقط له صورة‪ ،‬لكن عماد نظر إليه وتابع حركاته دون‬ ‫أي نية تصوير ولا ما يحزنون‪ ،‬وقابل حماسته ببرود أعصاب‪.‬‬ ‫وقف أبو شفيق يجاري روحه المتعبة من أثر اللجوء‪ ،‬وألقى بنفسه‬ ‫في غيظ اللحظة‪ ،‬وصار يقذف كلماته ويبحث عن فرصة لضربه‬ ‫بالعصا بحجة أنه من أسفل الشباب وأكثرهم افتعالاً للمشاكل‪.‬‬ ‫سكب عماد كاسة القهوة وغادر الشارع بانزعاج‪..‬‬ ‫كانت غرفته تشفي غليله‪ ،‬ويشغله مشاركته في العمل الحزبي‪،‬‬ ‫مثل كتابته بيانات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين‪.‬‬ ‫في أحد الم ّرات انحشر في البيت بسبب اجتياح الجيش للمخيم ومنع‬ ‫التج ّول مع انقطاع الكهرباء لمدة أسبوع‪.‬‬ ‫جاء إليه أبو رمزي فور انتهاء الاجتياح‪:‬‬ ‫ب ّدي تكتب بيان سريع‪.‬‬ ‫قال جملته وسكت مثل عماد الذي يوصف بقلة الكلام‪ ،‬ينطق جملة‬ ‫إلى جملتين كل نصف ساعة‪ ،‬هكذا اعتاد عليه الناس وخصوصاً أبو‬ ‫رمزي الذي أضاء له الورقة بكشاف صغير‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫بدأ يكتب‪ ،‬وبعد لحظات من الصمت التفت إلى أبو رمزي وهو‬ ‫يشعر بالضيق واقترح عليه‪:‬‬ ‫ممكن نختم البيان كالتالي‪:‬‬ ‫الجبهة الشعبية لتحرير البشر‪ ..‬الإنسان مثلاً‪ ..‬شو رأيك؟‬ ‫هذه مسؤولية درب التبانة‪ ،‬يعني لو سمع أبو توفيق هذا الكلام‪،‬‬ ‫أكيد سمعت رده؟ خلي دربنا على مقياسنا‪ ،‬أفقي من النهر للبحر‬ ‫والعمودي عندك!‬ ‫عاد إلى البيان بعد أن رمقه بنظرة مشغولة بألم معنوي ثم فتح‬ ‫قوسين في ورقة جانبية وكتب فيها‪:‬‬ ‫كلامي عن البشر خارج سياق الأفقي والعمودي‪ ،‬عموماً البيان‬ ‫جاهز يا أبو رمزي‪ ،‬خذني على البحر ورجعني عطشان‪ ،‬بالتوفيق‪.‬‬ ‫أخذ البيان وغادر وظل عماد في غرفته يفرغ شحنات غضبه في‬ ‫لوحاته ويعاقب الشمع‪ ،‬ولكن حوارهما صار حديث الناس وأثار‬ ‫غضب جهات مسؤولة‪ ،‬وفي اليوم التالي‪ ،‬نزل أبو رمزي وأبو توفيق‬ ‫إلى الشارع للإمساك به لأنه اعتاد إقفال هاتفه لأيام‪ ،‬وعلى ناصية‬ ‫الشارع‪ ،‬طل يحمل شنطته ويتمتم من بعيد‪:‬‬ ‫هذه التمتمة مسبّات علينا يا أبو رمزي‪.‬‬ ‫وصل ومعه امتعاضته‪ :‬يا صباح يا فتاح‪.‬‬ ‫وبعدين فيك يا عماد‪ ،‬شو قصة تحرير البشر؟‬ ‫قال وهو يشعر بملل شديد‪ ،‬البشر أو التحرير كله واحد‪ ،‬قصدي‬ ‫مع بعض‪ ،‬وبدل الحكي في المكتب‪ ،‬كتبت لك من عقلي!‬ ‫مشى أبو توفيق وهو يردد بارتباك‪:‬‬ ‫‪25‬‬

‫يلا يلا عندي موعد ضروري‪ ..‬أ ّجل الكلام‪..‬‬ ‫غادروا المكان‪ ،‬وقضى عماد ساعات شاقة في إنجاز بعض‬ ‫اللوحات الفنية في بيت صديق قريب من المكان‪ ،‬ثم عاد إلى البيت‬ ‫مباشرة‪ ،‬وجهز المنشفة والملابس ودخل للاستحمام‪.‬‬ ‫نزع ملابسه وهو يتفقد الصابونة والليفة‪ ،‬ثم فتح الدش ونزل الماء‬ ‫على وقع ضربات خارجية‪.‬‬ ‫هاجمت قوة من جيش الاحتلال البيت‪..‬‬ ‫جرت شقيقته مروة إلى الح ّمام وأخذت تدق الباب‪:‬‬ ‫بسرعة‪ ..‬بسرعة‪ ..‬اطلع‪ ..‬اجري‪ ..‬اهرب‪ ..‬اجري‪ ..‬الجيش على‬ ‫الباب‪.‬‬ ‫لبس عماد قطعة واحدة من ملابسه الداخلية وخرج يهرول‪ ،‬فلحقت‬ ‫به ورمت عليه المنشفة ولكنه لم يلتقطها‪ ،‬فظلت توجهه‪:‬‬ ‫اهرب من الباب الخلفي‪ ،‬اجري يلا‪ ،‬ثم توجهت بخطوات سريعة‬ ‫وفتحت الباب للجنود وهي تب ّرر تأخيرها‪:‬‬ ‫الله يلعن الساعة اللي وصلتوا فيها‪ ،‬قولوا يا إحم يا دستور‪ ،‬خلي‬ ‫البنات تلبس‪ ،‬عيب عليكوا تدقوا على الباب والناس نايمة‪.‬‬ ‫استمع أحد الجنود إلى صوت في الخلف فانتبه للأمر ومشى‬ ‫لاستكشاف ما يجري‪ .‬كان عماد يهرول في آخر الشارع‪ ،‬فأعطى‬ ‫الجندي الإشارة‪ ،‬وانطلقت الدورية لمطاردته من عدة جهات‪ ،‬فقالت‬ ‫مروة‪:‬‬ ‫ينصر ربك أيوة طير منهم‪ ،‬مش ناقصنا سجون‪.‬‬ ‫‪26‬‬

‫أقفلت الباب بغضب ودخلت تخبر أمها‪ ،‬ثم عادت بعد دقائق وفتحت‬ ‫الباب لإشعار شباب المخيم بضرورة رجم الحجارة على الجيبات التي‬ ‫تمركزت عند دوار المخيم‪:‬‬ ‫اعملوا أي حركة تلهي الجنود عن مطاردة عماد‪.‬‬ ‫جاء سعدي يسأل عن سبب المطاردة‪:‬‬ ‫يعني عماد مطلوب لإسرائيل؟‬ ‫احم ّر وجه مروة وتهامس الشباب وغلت الأفكار في رأسها‪،‬‬ ‫فاقتربت نحوه وقالت بلغة حا ّدة‪:‬‬ ‫إنت المطلوب للجيش مش عماد‪ ،‬وعموماً عماد مطارد مش‬ ‫مطلوب‪ ،‬والمطلوب إنك تخرس‪ ،‬وإنت بتعرف شو يعني عماد‪.‬‬ ‫انسحب سعدي من المكان‪ ،‬كأن طيراً تب ّول على رأسه‪ ،‬ومشت‬ ‫مروة تتحدث مع باقي الشباب عن مصير عماد وعن دوريات الجيش‬ ‫المنتشرة في كل مكان حتى لاحظت الحجارة وهي تنزل كالمطر على‬ ‫تجمع للجيبات‪ ،‬وبعد دقائق جاء مدحت يلهث كأنه س ّدد ضربة حظ‪:‬‬ ‫مطاردة عماد ما تزال مستمرة‪ ،‬د ّوخ الجنود‪ ،‬هيك وصل الخبر‬ ‫من شارع النصر‪ ،‬وفيه ثلاث دوريات بتطارد فيه‪.‬‬ ‫شعرت مروة بنشوة الشجاعة‪:‬‬ ‫يسلم تمك‪ ،‬يا هيك رجال بتجيب أخبار يا بلاش‪ ،‬احكي هذا الكلام‬ ‫للصرصور سعدي‪ ،‬ثم رفعت صوتها في الشارع‪:‬‬ ‫يا ريت يا شباب بزيادة حجار وتخلصونا من الجيش التافه وقلة‬ ‫الحيلة‪ ،‬ثم أح ّست بالتعب حيث اجتاح رأسها صورة عماد وهو يجري‪،‬‬ ‫فجلست على عتبة الباب وصارت تبكي‪ ،‬وعلى وقع حزنها اشتدت‬ ‫‪27‬‬

‫ه ّمة الشباب وصارت قنابل المولوتوف تتطاير وتعالت الهتافات‪ ،‬حتى‬ ‫خرج أحد الصغار يحمل لوحة زيتية لمدينة أريحا وهي من لوحات‬ ‫عماد القديمة والمف ّضلة‪ُ ،‬كتب عليها “هذه المدينة أقدم من عمر‬ ‫أميركا”‪.‬‬ ‫أمسكت مروة الل ّوحة ووضعتها خلف الباب وصارت تقبّله ثم‬ ‫سمعت صوت سحب أجزاء من قطعة سلاح‪ ،‬فقامت بسرعة وأدخلت‬ ‫الطفل في البيت وعادت فوجدت أبو النايف في وجهها يحمل كارلو‬ ‫صناعة محليّة‪ ،‬ويقول لها‪:‬‬ ‫آسف على الأخبار المفاجئة‪.‬‬ ‫شو آسف ومش آسف‪ ،‬يسعد هالطلة‪ ،‬عنجد بتفتحوا النفس يا أبو‬ ‫النايف‪.‬‬ ‫خلي سعدي يشوف‪ ،‬ويا ريت ترفعوا هالظلم‪ ،‬والجيبات تغور عن‬ ‫وجهنا‪ ،‬الجيش قرفنا حياتنا‪ ،‬كل أسبوع اجتياح ودقدقة عالباب‪ ،‬مش‬ ‫عارفين نقعد ولا ننام‪ ،‬وبعدين فيهم؟‬ ‫كان على لسان أبو النايف كلام‪ ،‬لكن مروة لم تعطه فرصة‪ ،‬حتى‬ ‫شعر بخجل‪ ،‬ودفعها قلقها إلى الجزم بأن طلقات أبو النايف هي‬ ‫المخلّص لعماد في هذه اللحظة‪.‬‬ ‫رفع أبو النايف يده مرة أخرى للحديث‪ ،‬لكنها لم تسمح له‪:‬‬ ‫يا ريت تكتب بيان بالنيابة عن عماد وتحكي فيه‪ ،‬كل واحد أجا‬ ‫علينا من هولندا يحتل أراضينا يرجع على هولندا وكل واحد أجا من‬ ‫بولندا يرجع على بولندا‪ ،‬واللي أجا من أميركا يرجع على أميركا‪،‬‬ ‫وأي واحد ما بيعرف من وين أجا أنا ممكن أخليه يعرف‪ ،‬وقتها لكل‬ ‫حادث حديث‪.‬‬ ‫‪28‬‬

‫تشقق وجه أبو النايف من الابتسام‪ ،‬واختفت تفاصيل وجهه في‬ ‫زحمة الموقف‪ ،‬حتى أنه تلفت في المكان على استحياء‪ ،‬فانتبه إلى‬ ‫وجود فاتن صديقة عماد على عتبة الباب المجاور فغمزته بخفة‬ ‫وقالت‪:‬‬ ‫الكارلو حلو يا أبو النايف الله يحميك‪.‬‬ ‫شعر الرجل بلحظات انفجر فيها قلبه‪ ،‬فقالت مروة وهي تتعالى‬ ‫على احراج الموقف واستدعاء لحظة أمل‪:‬‬ ‫لأجل خاطر فاتن يا ريت تلحق تساعد عماد‪ ،‬يمكن مسكوه وأخذوه‬ ‫هالوقت‪ ،‬يلا قهرتني‪.‬‬ ‫غادر الرجل المكان واتجه إلى طرف الشارع وسحب أجزاء‬ ‫الكارلو وأطلق عدة رصاصات باتجاه أحد الجيبات ثم انسحب بسرعة‬ ‫وقال‪:‬‬ ‫بدي شاب يساعد على تمشيط الشوارع قبل ما أدخلها‪.‬‬ ‫قرر أن يمشي من طريق مختصرة للوصول إلى مكان قريب من‬ ‫الجنود الذين يطاردون عماد‪.‬‬ ‫استمرت المطاردة بين شوارع وزواريب المخيم‪ ،‬وسلك عماد‬ ‫طريقاً نحو مسجد الرحمن في طرف المخيم على أمل أن تتوقف‬ ‫ملاحقة الجنود أو يختفي عن الأنظار في الشارع الذي يقع فيه بيت‬ ‫الشيخ زكي المعروف كمؤذن للمسجد لعدة سنوات‪.‬‬ ‫شعر عماد بالعطش والتعب الشديدين‪ ،‬فاسترق نظرة خاطفة إلى‬ ‫الخلف ولم يكن الجنود وراءه‪ ،‬فأبطأ في الجري واستغل اللحظة‪ ،‬وأخذ‬ ‫يدق على باب الشيخ زكي‪ ،‬كانت الفرصة مناسبة للاختباء‪ ،‬فصار‬ ‫ينادي‪:‬‬ ‫‪29‬‬

‫افتح يا زكي‪ ..‬افتح يا زكي‪..‬‬ ‫ثم تلفت يميناً ويساراً… افتح يا زكي‪ ..‬بحكي معك‪ ..‬افتح بسرعة‪..‬‬ ‫تهالك عماد من كثرة النداءات حتى لف الخوف المكان‪ ،‬ولم تمر‬ ‫دقيقة حتى أطل الجنود من رأس الشارع وهم يص ّوبون سلاحهم‪،‬‬ ‫وطلب منه جندي أن يرفع كلتا يديه‪ ،‬عندها فتح الشيخ زكي الباب‪،‬‬ ‫فانتبه عماد إلى الس ّماعات خلف أذنيه‪ ،‬وتذ ّكر أنه أصم لا يسمع‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫قرن بازيلاء‬ ‫كانت زوجته سلوى تغط في نوم عميق دون أي شخير أو حركة‪،‬‬ ‫فالمدينة التي يسكنها تع ّرضت قبل أيام لفوضى بسبب نزاع على ملكية‬ ‫أوراق طابو وتطلّب الليل بعض الهدوء‪.‬‬ ‫غالب النعاس أبو معين وهو يدقق النظر في وجهها‪ ،‬عينان‬ ‫مرصوفتان باللؤلؤ وشعر مثل ريش النعام‪ ،‬وخدود كحبات الفراولة‪،‬‬ ‫يعرف أنها تحبها فشغل نفسه بالسؤال‪:‬‬ ‫لماذا لا تأكل الأوراق الخضراء الرقيقة التي تحيط بحبات‬ ‫الفراولة؟‬ ‫تقول له سلوى باستمرار‪:‬‬ ‫أكل الورق حيوانية ليس فيها نقاش‪ ،‬وتعترف بحب اللحم البقري‪.‬‬ ‫جادلها م ّرة فقال‪:‬‬ ‫تشبيه أي شيء بالحيوانية كتهمة مع الاعتراف بحبك للحيوانات‬ ‫ولحومها‪ ،‬فيه شيء من التناقض‪ ،‬ثم اقترب نحوها أكثر وهو يضع‬ ‫يده على بطنها‪:‬‬ ‫هذه المعدة تشبه في تر ّهلها‪ ،‬أزداغ كلب البولدوغ‪ ،‬وهذا الفم يدل‬ ‫على قسوة‪ ،‬ينبع منه رغبات دفينة بالتدمير‪.‬‬ ‫وأخذ يتوسلها‪:‬‬ ‫بحق الأرض والسماء أن توقفي هذه القسوة ضد الجماد‪ ،‬لأن فيه‬ ‫منفعة‪ ،‬نحتمي به يا سلوى‪ ،‬ك ّسر ِت كل خشب البيت‪ ،‬لا تمشي بثقل‬ ‫‪31‬‬

‫دبابة ميركافاه‪ ،‬كوني أكثر نضجاً في التعامل مع الجماد‪ ،‬هذا الخشب‬ ‫يتحول من الطبيعة إلى السرير الذي تنامي عليه‪.‬‬ ‫فتحت سلوى عينيها فأمسكته يتمتم على مقربة منها ويدقق في‬ ‫التفاصيل‪:‬‬ ‫ماذا تفعل عند وجهي؟‬ ‫قال بخوف وهو يتثاءب‪:‬‬ ‫كنت أنظر في عينيك وأراقب غزالاً يركض في البريّة‪ ،‬وأتأ ّمل‬ ‫الصحراء في الخدود وهي تبدو رقيقة تسرج فيها أشعة الشمس‪ ،‬ثم‬ ‫ابتسم بكامل رقته‪ ،‬فأغمضت عينيها ونامت دون أي شعور سوى‬ ‫رغبتها أن يطيّر قبلة على جبينها‪.‬‬ ‫ع ّم السكون الغرفة‪ ،‬وحدث شيء غريب لم يتوقعه‪ ،‬انفعلت سلوى‬ ‫على غير العادة‪ ،‬ونهضت من سريرها‪ ،‬فتنحى وأفسح الممر لغضبتها‪.‬‬ ‫ذهبت إلى الح ّمام‪ ،‬وأسند نفسه ينتظرها حتى عادت تلقي ابتسامة‬ ‫ناعمة‪ ،‬وما يزال النعاس يغلب عليها‪ ،‬فنامت وش ّدته نحوها‪ ،‬تعال‪،‬‬ ‫لكنه ابتعد إلى الوراء وهو يقول‪:‬‬ ‫قبلة واحدة قد تح ّولنا إلى عصفورين في بحر لازج‪ ،‬هذا شيء‬ ‫جميل‪ ،‬ولكن السيارة تنتظر في الخارج‪ ،‬والعمل في الأرض يبدأ‬ ‫باكراً‪ ،‬سنكون معاً في المساء وأعدك بسهرة جميلة‪.‬‬ ‫أدارت ظهرها‪ ،‬لا يعرف إن كانت غاضبة أم تنتظره حين يعود!‬ ‫غادر الغرفة بمزاج سيء‪ ،‬تركت فيه رغبة عارمة لاحتضانها‬ ‫طوال النهار‪ ،‬وظلت هي تشعر بغرابة تص ّرفه وحاجتها إليه‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫سيطر سوء الفهم على هشاشة اللحظة وشعرت أنه ك ّسر أفكارها‬ ‫الحالمة‪ ،‬ولكن ثمة شيء كان يدعو إلى استعادة الكثير من الذكريات‪،‬‬ ‫شيء آخر لا يعرفان ما هو بالضبط‪.‬‬ ‫نزل أبو معين إلى السيارة وقبل مغادرته نهضت من السرير‬ ‫وربطت شعرها ثم ج َرت مسرعة وأشعلت ضوء باب المنزل‪.‬‬ ‫التفت إليها وهي تلقي ابتسامة‪ ،‬ثم عادت إلى الوراء واختبأت في‬ ‫محاولة لتبديد لحظة الرغبة‪.‬‬ ‫خرج من السيارة ورجع يحكي لها شيئاً‪ ،‬فتح الباب‪ ،‬ولكنه لم‬ ‫يجدها‪ ،‬صعدت سلوى إلى الطابق العلوي‪ ،‬فقال في سره‪ ،‬كما لو أن‬ ‫أيام الشباب عادت إليه‪:‬‬ ‫هذه الرغبة تتقادم بالزمن‪ ،‬تذبل فتدل على الأصالة‪ ،‬ولكنها تدل‬ ‫على الحزن‪ ،‬وهذا الاشتياق يا سلوى سيظل يتسم بنضج لانهائي محاط‬ ‫بحنين يضرب في أطراف النخيل وبداية السحاب‪.‬‬ ‫كانت سلسلة الأحلام تتوارد في ذهنه وهو يركز بيده على باب‬ ‫السيارة وتطارد أفكاره بعضها‪ ،‬فأخرج أبو ربيع يده من النافذة ودفشه‬ ‫على جيبه‪ ،‬فتنبه ثم ركب‪.‬‬ ‫كانت السيارة تتسع لستة أشخاص‪ ،‬ثلاثة في الخلف وثلاثة في‬ ‫المنتصف‪ ،‬وراكب واحد في الأمام‪ ،‬هكذا ُص ّممت السيارات حول‬ ‫العالم وهكذا يتصرف الناس حين يركبوا السيارات المص ّممة لسبعة‬ ‫ركاب‪ ،‬لكن في هذه المدينة كان المقعد الخلفي يستوعب أربعة‬ ‫أشخاص وفي المنتصف أربعة وفي الأمام اثنان إلى جانب السائق‪.‬‬ ‫لقد ظل باب أبو معين بجوار السائق مفتوحاً لمسافة تتجاوز الثمانية‬ ‫وثلاثين كيلو متر‪ .‬استمرت الرحلة حوالي ساعة ونصف إلى أن‬ ‫‪33‬‬

‫وصلوا حاجز تفتيش‪ ،‬فنزلوا لفحص الهويات رغم شعورهم باللامبالاة‬ ‫تجاه هذا الروتين‪ ،‬فهم متفقون بأن أوراقهم الثبوتية هي مجرد وهم‬ ‫وفراغ‪ ،‬لكنهم مجبرون على الاصطفاف في طابور طويل ممل‪،‬‬ ‫يكشف كل واحد عن جسده الخربان لإثبات صلاحيته للعمل‪.‬‬ ‫كافة العمال لا يأكلون بشكل جيد‪ ،‬يعاني نصفهم من سوء التغذية‪،‬‬ ‫ويدخن أكثرهم علبتين إلى ثلاثة في اليوم‪ ،‬ويتشاركون في كاسة قهوة‬ ‫على نفس الحاجز‪ ،‬تع ّودوا على النمط‪..‬‬ ‫كانت أسئلة كثيرة تتدلى من فم أبو معين دون أن يبوح بها‪ ،‬وهكذا‬ ‫ظل الرجل لأكثر من سبع سنوات بلا إجابات‪.‬‬ ‫انتهى التفتيش ثم ركبوا السيارة وانطلقوا إلى الأرض الزراعية‬ ‫التي يعملون فيها‪ ،‬يشتركون جميعهم بالصمت في المسافة بين الحاجز‬ ‫ومكان العمل‪ ،‬ويستجمعون أفكارهم في جوف السيارة من المزارع‬ ‫المنبسطة على امتداد البصر ويدخنون‪.‬‬ ‫وصلوا إلى المزرعة عند السابعة صباحاً‪ ،‬كانت شتى أنواع‬ ‫الخضروات والفاكهة تفرش الأرض‪ ،‬حوالي أحد عشر عاملاً في‬ ‫المكان‪ ،‬لبسوا رداءهم الأسود وانتشروا بين الزرع وبدأوا الفلاحة‪.‬‬ ‫كان أبو معين شارد الذهن‪ ،‬أخذه جهده إلي آخر المزرعة وهو‬ ‫يفكر حتى بدا في حالة تعب‪ ،‬فهو رقيق القلب ويُعرف عنه الكرم‪،‬‬ ‫لكنه كان على تماس مع الألم‪.‬‬ ‫بعد حوالي ثلاث ساعات من العمل المتواصل في المزرعة‪ ،‬جاء‬ ‫دافيد وصار يراقب الجميع من بعيد في حين كان أبو معين يتابع‬ ‫شروق الشمس وتتفجر في ذهنه أسئلة حول الزمن والطبيعة‬ ‫والأرض‪ ،‬ويترنح بين الأمل واليأس ويحاور ذاته بشكل غريب‪،‬‬ ‫ويسأل نفسه‪:‬‬ ‫‪34‬‬

‫لماذا ينتاب الناس شعور الذل؟‬ ‫ويكلم روحه عن حاجاته هامساً بين الزرع‪:‬‬ ‫لا يشعر أحد بالألم إلا هذا الطين وزرقة السماء‪ ،‬وأخذ يتلمس‬ ‫الندى الذي يبلل أوراق البازيلاء‪ ،‬وأمسك ببعض قرونها وتبسم‪ ،‬ثم‬ ‫صار يأكل واحداً تلو الآخر‪ ،‬يأكل خمسة قرون ويضع خمسة في‬ ‫السطل‪ ،‬واستمر هكذا‪ ،‬يأكل خمسة ويضع خمسة في السطل‪ ،‬حتى‬ ‫أمسك أبو معين بقرن ثخين محشو بعدد كبير من الحبات وتلمع قشرته‬ ‫الخارجية‪ ،‬فصار يفركه ويتأمل فيه ويحدث نفسه عن بهجة الزرع‬ ‫وضعفه في الطبيعة‪:‬‬ ‫استغرق هذا القرن شهوراً حتى ينضج‪ ،‬بينما أقطفه في ثانية وآكله‬ ‫في ثانية أخرى‪ ،‬إنها الحياة‪ ،‬ويمسك قرناً آخر وهو يقول‪:‬‬ ‫هذا شغف في روح الطبيعة‪ ،‬ولكنه شغف بطيء‪ ،‬فالطبيعة تتجلى‬ ‫وهي تنبت الخضروات‪ ،‬هي بالفعل دورة حياة كاملة تدعو للتأمل‪.‬‬ ‫يضعف أبو معين أكثر فأكثر ويمسك قرناً ثالثاً من البازيلاء‬ ‫ويرفعه أمام عينيه بين وجهه وشروق الشمس ويدقق أكثر في عروقه‪،‬‬ ‫لكن دافيد الذي راقبه طويلاً صار يصرخ به من بعيد ويحذره من أكل‬ ‫القرن‪ ،‬ثم تعالى صوته وهو يجري نحو أبو معين حتى وصله وهو‬ ‫يقول باستكبار‪:‬‬ ‫هل جئت للعمل في الأرض أم للأكل؟‬ ‫ألقى أبو معين ابتسامة محشوة بالغيظ ولم يرد عليه‪ ،‬فك ّرر دافيد‬ ‫سؤاله‪:‬‬ ‫هل جئت للعمل في الأرض أم للأكل؟‬ ‫ومضى يقول‪:‬‬ ‫‪35‬‬

‫أراقبك منذ نصف ساعة‪ ،‬وأنت تأكل خمسة قرون وتضع خمسة‬ ‫في السطل‪ ،‬وهذا غير مسموح به‪.‬‬ ‫أمسك أبو معين قرن بازيلاء ثم فتحه وأخرج الحبات وم ّدها إلى‬ ‫دافيد وهو يطلب منه‪ :‬تذ ّوق هذا من خير الأرض‪.‬‬ ‫ضرب دافيد يده من الأسفل ونثر الحبات في المكان‪.‬‬ ‫كان أبو ربيع ينظر إليهم عن قرب وقال في س ّره‪:‬‬ ‫ما أوقحك وأنت تهز يده بهذا الحقد‪.‬‬ ‫رفع دافيد صوته ونظر إلى العمال في المزرعة وهو يشير إلى أبو‬ ‫معين‪:‬‬ ‫هذا الرجل دنيء يحب الأكل‪ ،‬قرفني وهو يأكل‪.‬‬ ‫انكمش أبو معين في ذاته واحتار في استفزاز دافيد ثم قال غاضباً‪:‬‬ ‫ليس هناك أكثر جشعاً ودناءة منك‪ ،‬فالذي طاب لي من الأرض‬ ‫أقل مما أنبتت لك من ثمار‪ ،‬وأنت تعرف من تكون بالنسبة لي‪.‬‬ ‫قال دافيد‪ :‬أنت تأكل ولا تعمل‪ ،‬ولم ترد على سؤالي! لقد شاهدتك‬ ‫بعيني‪ ،‬فلماذا أكلت قرون البازيلاء؟ سأوقفك عن العمل وأطردك من‬ ‫الأرض!‬ ‫يضحك أبو معين ملئ السماء وتسخن كل جوارحه‪ ،‬ولكنه يضبط‬ ‫كف يده ويغلي جسده وهو يقول‪ :‬هذه الأرض محتلة‪ .‬هكذا ستطردني‬ ‫من أرضي مرتين يا دافيد‪.‬‬ ‫‪36‬‬

‫وجع الذباب‬ ‫استغرق أبو سليم سنوات طويلة يحاول التأقلم مع مزرعته ولكن‬ ‫كان ثمة شيء غريب وناقص‪ ،‬فلا هو انسجم مع أجوائها ولا هي‬ ‫اتّحدت مع مزاجه‪.‬‬ ‫كان هذا الرجل طارئاً على الخفة‪ ،‬لا تعرف الأجواء الرقيقة له‬ ‫سبيل‪ ،‬ولكنه بريء من هذا الالتباس‪ ،‬فليس بيده ما جنت شخصيته‬ ‫عليه‪ ،‬فهو ترعرع في بيئة منفعلة طارئة لا تتماهى مع سكون الطبيعة‪.‬‬ ‫كان يوماً حاراً‪ ،‬جلس أبو سليم في مزرعته يتج ّمل في هواء‬ ‫المساء‪ ،‬وراح يفكر في رائحة الخشب وأنفاس الجدران وحركة‬ ‫الأزهار‪ ،‬ولكن شيئاً ما كان يشد أعصابه‪ ،‬ويثير أفكاره‪ ،‬فقرر دعوة‬ ‫زوجته لمناقشة الأمر‪.‬‬ ‫جلسا على الطاولة‪ ،‬كان يلبس سروالاً بحبوحاً وينفث من غليونه‬ ‫وهي تراقب حركاته وتستمع إليه بملل‪ ،‬ثم قال بدون أي تمهيد‪:‬‬ ‫هذا الذباب صار يخنقني من ثقل دمه‪ ،‬ألا تشعري أنه يستولي على‬ ‫المكان؟ كأنها قاعدته للإقلاع والهبوط‪ ،‬وتحديداً في النهار‪ ،‬لولا أني‬ ‫متقرف من الوضع لأسميت المزرعة “مطار الذباب”! الفكرة خطرت‬ ‫لي‪ ،‬وهذا الحال يؤرقني‪.‬‬ ‫عندك حل؟ كيف ممكن التخلص منه؟‬ ‫وقفت وبدأت تهشه وهي تتظاهر بأنها تستكشف قدراته‪ ،‬فتركها‬ ‫تهشهش‪ ،‬وقام إلى النوم‪ ،‬وبينما هو في الطريق إلى غرفته‪ ،‬لاحقه‬ ‫الذباب من كل الجوانب فاقشعر بدنه وأسرع في المشي منزعجاً‪.‬‬ ‫‪37‬‬

‫ظلت تراقبه وتضحك‪ ،‬وتقول في نفسها‪ :‬يكفيه أن يعذب بالذباب!‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬اتصل أبو سليم بمكتبه وطلب تأجيل كل المواعيد‪،‬‬ ‫ولبس ملابس الرياضة وخرج يبحث عن حل‪.‬‬ ‫أول ما صدف أمامه‪ ،‬محلاً لبيع مواد البناء‪ ،‬أمسك علبة صمغ‪:‬‬ ‫كم سعرها؟ هل تصلح لصيد الذباب؟‬ ‫قال صاحب المحل‪ :‬نعم؟ لم أسمع!‬ ‫رفع صوته‪:‬‬ ‫أقول لك هل تنفع لصيد الذباب؟‬ ‫قطب صاحب المحل حاجبيه وسأله‪ :‬هل تمزح؟ هذا الصمغ خاص‬ ‫بخزانات الملابس وهو مفقود في السوق‪ ،‬اتركه لو سمحت‪ ،‬ليس للبيع‪.‬‬ ‫عربد أبو سليم بكتفيه ونطز في مشيته وهو ينتقل للمحل التالي‬ ‫والثالث والرابع‪ ،‬حتى دخل محل لبيع العطور‪.‬‬ ‫راقت له الفكرة‪ ،‬أخذ علبة عن الرف وبدأ يرش على صدره‪ ،‬فلمحه‬ ‫صاحب المحل وجاء مسرعاً‪:‬‬ ‫العطر الذي استخدمته معطر جو‪ ،‬وليس للاستخدام الشخصي‪.‬‬ ‫قال أبو سليم ممازحاً‪:‬‬ ‫أنا والجو واحد‪ ،‬أعطني مائة علبة وكمية أخرى من أنواع مختلفة‪.‬‬ ‫اشترى الكمية حتى يستدعي أقرباءه وجيرانه بمشاركة أولاده‪،‬‬ ‫لرشها في أنحاء المزرعة والمنزل‪.‬‬ ‫وصل نحو عشرين منهم وانتظروه على الباب حتى عاد يحمل‬ ‫نحو مائتي علبة‪ ،‬وباشروا بالعمل‪.‬‬ ‫‪38‬‬

‫واحد يفك الأغطية‪ ،‬والثاني يرش‪ ،‬وبعض الملاعين يرشون على‬ ‫ثيابهم‪ ،‬يج ّربون أنواعه ويتش ّممون ويخبئون بعض العلب‪.‬‬ ‫في الصباح امتلأت المنطقة برائحة العطور‪ ،‬وعرف الناس عن‬ ‫مكافحة أبو سليم للذباب باستخدام العطر‪.‬‬ ‫كان في الحي رجل يكنى أبو زهير‪ ،‬نحيف وأبرص‪ ،‬يناكف أبو‬ ‫سليم باستمرار ويقول للناس‪ :‬صدقوني السبب ليس له علاقة بالثروة‪،‬‬ ‫كل ما في الموضوع إني ما قدرت أهضمه‪ ،‬دمه مثل صحن الفول‪.‬‬ ‫عرف أبو زهير بموضوع العطر ومشى بين جيرانه يردد ساخراً‪:‬‬ ‫بدي سمسار يعقد صفقة تصدير ذباب من بيت أبو سليم إلى بيتي‬ ‫والعلاج مجاني‪.‬‬ ‫كان أبو زهير يسكن في بيت خشبي محاط بأكياس نايلون سميكة‬ ‫على مقربة من ميناء صغير فيه بعض المراكب لصيد الأسماك‪ ،‬وينال‬ ‫نصيبه من السمك من خلال علاقته مع الصيادين الذين يفهمون‬ ‫احتياجه‪.‬‬ ‫في مساء يقظ‪ ،‬وصل إلى مسامع أبو سليم أن الذباب ربما يكون‬ ‫انتقل من مراكب الصيادين إلى بيته بسبب تكاثره فوق زفر السمك‬ ‫ورائحته على الشاطئ‪ ،‬فتنبه للأمر وصدقه‪ ،‬ثم لبس ملابس الصيادين‬ ‫مقلداً‪ ،‬ونزل إلى الشاطئ فوجد أحدهم ينسج في الشبك استعداداً لرحلة‬ ‫صيد ليلية‪ ،‬اقترب منه وظن أنه سيرحب به ويتحدث معه‪ ،‬ولكن‬ ‫الصياد ظل يخيّط في الشبك دون أن يرفع رأسه حتى تبين لأبو سليم‬ ‫أنه لا يسمع‪ ،‬فمشى وهو يحاول العثور على صياد آخر‪ ،‬ولكنه فشل‬ ‫فعاد إلى البيت وطلب من أحد عماله الاتصال بأحد الصيادين ودعوته‬ ‫إلى البيت لوضع حل للذباب‪ ،‬ولكن غالبية الصيادين أجابوا بنفس‬ ‫الجملة‪:‬‬ ‫‪39‬‬

‫اللي محتاج الثاني يروح عنده‪.‬‬ ‫كان للصيادين مكانة جيدة في الحي‪ ،‬من فرط حب الناس للسمك‬ ‫ومعرفتهم بالمخاطر التي يتعرضون لها‪.‬‬ ‫نقل العامل ما قاله الصيادون إلى أبو سليم‪ ،‬فطلب منه أن يحمل‬ ‫لهم مكافأة مالية وأن يسلمها لكل فرد فيهم على أن يأتوا في نفس الليلة‬ ‫إلى بيته‪ ،‬لكن أبو كايد كبير الصيادين قال‪:‬‬ ‫هذه المسافة لها تكلفة مادية وتكلفة معنوية‪ ،‬فأولها المال وآخرها‬ ‫ضياع الكرامة‪.‬‬ ‫اقتنع الصيادون بكلامه باستثناء عدد قليل منهم‪ ،‬ومع ذلك اتفق‬ ‫الجميع بعدم الذهاب إليه‪ ،‬فعاد العامل إلى أبو سليم مرة أخرى وأبلغه‬ ‫الرسالة‪ ،‬فسأله‪:‬‬ ‫من الذين وافقوا ومن الذين رفضوا؟‬ ‫خذ هذه أسماءهم‪.‬‬ ‫قام أبو سليم وزاد على المال وهو يعطيه التعليمات‪:‬‬ ‫اذهب إلى بيوتهم مباشرة بدون أي بلبلة وأعطهم المظاريف على‬ ‫أن يحضروا مساء الغد إلى بيتي‪.‬‬ ‫تم الأمر كما أراد أبو سليم‪.‬‬ ‫كان مساء اليوم التالي ضاجاً بالتربص‪ ،‬جهز الطاولات بكل أنواع‬ ‫الفاكهة والحلويات وملأ الذباب المكان‪ ،‬فاستدعى أحد العمال‪:‬‬ ‫هات لوحة بيضاء واكتب عليها “لدينا مشكلة وحيدة مع الذباب‬ ‫وهي الذباب” ثم علقها في الزاوية بين مدخل المزرعة وحجرة‬ ‫الضيافة‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫وصل الصيادون على الموعد‪ ،‬ودخلوا وهم يتدافعون بالضحك‬ ‫فور قراءة اللوحة‪:‬‬ ‫عليه أن يجرب حظه مع ذبابنا ويأخذ من نصيبه‪ ،‬فيتعلم لغة العيش‬ ‫في الميناء ثم يعود إلى بيته‪.‬‬ ‫تناولوا الطعام وتبادلوا أطراف الحديث حتى تململوا وغلب عليهم‬ ‫النعاس بعد التهام صحون الفاكهة والحلويات‪ ،‬فقال لهم‪:‬‬ ‫دعوتكم لهذا الموضوع المكتوب على اللوحة‪ ،‬فالذباب أرقني ون ّكل‬ ‫عيشتي‪ ،‬فيكم الخير لو كان لديكم حل‪.‬‬ ‫قال صياد‪:‬‬ ‫بدون لف ودوران‪ ،‬إحراق الميناء والمراكب هو الحل‪ ،‬وأبو سليم‬ ‫كفيل بالتفاصيل‪ ،‬شو رأيك يا ملك؟‬ ‫تنحنح أبو سليم وهو يقول‪:‬‬ ‫هذا كلام صريح وشفاف‪ ،‬إذن‪ ،‬أوقفوا الصيد في المنطقة وعطلوا‬ ‫الميناء‪ ،‬وأنا كفيل بمبلغ شهري أصرفه لكل واحد‪.‬‬ ‫وافقوا بعد أن تلقوا أول راتب شهري مقابل وصول خبر إحراق‬ ‫المراكب في نفس الليلة‪.‬‬ ‫طلب أبو سليم من عماله إطفاء الإنارة المحيطة ببيته وعلى الباب‪،‬‬ ‫ثم خرجوا بخفة‪ ،‬لكن نبيل شعر بتوتر‪ ،‬وبعد ابتعاده حوالي خمسين‬ ‫متراً من البيت‪ ،‬اعتذر عن تنفيذ الخطة مباشرة وطلب تأجيلها بسبب‬ ‫آلام في بطنه‪ ،‬فتركهم واستعجل المشي باتجاه بيته حتى وصل إلى‬ ‫نهاية الشارع ثم ح ّول مساره إلى بيت أبو كايد‪ ،‬دق على الباب وطلب‬ ‫منه الخروج إلى مكان بعيد لمناقشة أمر هام‪.‬‬ ‫‪41‬‬

‫رفض أبو كايد الخروج‪ ،‬فدخل نبيل إلى بيته وأبلغه بكل ما حدث‬ ‫دون أن يأتي على ذكر الذباب وزاد عليه‪:‬‬ ‫لدى أبو سليم رغبة في الاستحواذ على الميناء لبناء آخر مكانه من‬ ‫خلال استغلال الحادث بعد حرق مراكب الصيادين وشراء مراكب‬ ‫أخرى جديدة وتشغيلها بإرادته‪.‬‬ ‫لم يكمل نبيل كل ما أراد قوله‪ ،‬حتى جاء خبر إحراق ثلاثة مراكب‪.‬‬ ‫قام أبو كايد يجري‪ ،‬وارتبك نبيل لأنه لم يخبره بالراتب الشهري‬ ‫الذي تلقاه‪ ،‬لكن خبر إحراق المراكب ساعده على الهرب من المنطقة‬ ‫بعد أن ضمن تفهم أبو كايد للأمر‪ ،‬وهو يبلغه‪:‬‬ ‫سأختبئ ولن أعود إلا بانتهاء الموضوع حتى لا يكشف أمري‪.‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫يلا اختفي من المكان‪ ،‬وتناول أبو كايد سلاحه الشخصي‪ ،‬وصار‬ ‫يضع الرصاصة تلو الأخرى‪ ،‬ويمسح خثر القهوة عن شواربه حتى‬ ‫وصل إلى بيت الصيادين المشاركين في عملية الحرق‪:‬‬ ‫يا ملاعين يا خونة‪ ،‬اطلعوا يا قطاعين الرزق‪ ،‬بدي أحرق حياتكوا‬ ‫بدل حرق السفن‪.‬‬ ‫ظل يصرخ عليهم واحد تلو الآخر‪ ،‬لكنه لم يعثر على أحد منهم‪،‬‬ ‫فبدأ يطلق النار في ساحة الحي حتى خرج الناس إلى الشارع‪ ،‬فأبلغهم‬ ‫بالأمر‪:‬‬ ‫أبو سليم يتحمل المسؤولية من أولها إلى آخرها‪ ،‬وسيكون له ومن‬ ‫أحرق المراكب حساب عسير‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫وصل الخبر إلى أبو سليم الذي ارتبك وصار يلعن الذباب حتى‬ ‫تمنى أن يأكله ويموت به على ألا يواجه أبو كايد لمعرفته بخشونة‬ ‫تصرفه وغلاظة صوته وقوة حضوره بين الناس‪ ،‬حتى أن أحد العمال‬ ‫الدواهي جاء له بفكرة‪:‬‬ ‫بإمكاني الذهاب إلي أبو كايد وإقناعه أنك تبحث عنه لمناقشة قضية‬ ‫حرق المراكب وأن ليس لك علاقة بالأمر لا من قريب ولا من بعيد‪.‬‬ ‫اقتنع أبو سليم‪ ،‬ولكن العامل طلب مبلغاً من المال لإتمام المهمة‬ ‫ومواجهة غضب أبو كايد في هذه اللحظات‪ ،‬فأعطاه النصيب‪.‬‬ ‫لبس ملابس الصيادين وطاقية تشبه تلك التي يلبسها أبو كايد وذهب‬ ‫يتحدث معه‪ ،‬وأول ما وصله وذكر اسم أبو سليم تطايرت الكلمات‬ ‫كالشرر‪ ،‬وظل يلعنه ويتوعد له‪.‬‬ ‫تلقى العامل الضربة وبلع كافة الشتائم ولكنه قال‪:‬‬ ‫سترى بعينك انشغال أبو سليم من رأسه حتى أخمص قدميه في‬ ‫مشكلة مستمرة مع الذباب منذ أسابيع‪ ،‬وليس لديه وقت لحرق مراكب‬ ‫أو غيره‪.‬‬ ‫توسوس أبو كايد‪ ،‬لاسيما أن نبيل لم يخبره بموضوع الذباب‪،‬‬ ‫فسأله‪:‬‬ ‫كيف يعني مشكلة مع الذباب؟‬ ‫قال بمكر‪ :‬لهذا السبب قلت لك إنه بريء كبراءة الذئب من دم‬ ‫يعقوب‪ ،‬وسيكون من الأفضل الالتقاء به والحديث معه‪ ،‬يا ريت‪.‬‬ ‫قام أبو كايد غاضباً وسار مع العامل وهو يشير إليه‪:‬‬ ‫‪43‬‬

‫اسبقني وأبلغه أن مزاجي متعكر ولازم يحتمل كلامي إذا عرفت‬ ‫الحقيقة‪.‬‬ ‫بينما هو في الطريق انتشرت الأقاويل والمشاكل بين عائلات‬ ‫الصيادين وصار الحي كتلة لهب‪.‬‬ ‫وصل أبو كايد وبعد الترحاب والمجاملات سأله‪:‬‬ ‫ما سبب وحقيقة ما وقع في الميناء؟‬ ‫وقف أبو سليم‪:‬‬ ‫أول شيء كيف حالك؟ وثاني شيء‪ ،‬وحياة رأسك الغالي ما عندي‬ ‫حس ولا خبر‪.‬‬ ‫لم يصدقه أبو كايد‪ ،‬وأشار إلى عمال أبو سليم وهو يقول‪:‬‬ ‫يعرفون دبة النملة وأنا بحار وأعرف طبع عمالي‪ ،‬خليها بدون‬ ‫تخفي واصطناع البراءة‪.‬‬ ‫تغيرت نبرة أبو سليم واختلف لونه‪ ،‬فطلب مغادرة الجلسة لإحضار‬ ‫بعض الأوراق بحجة مناقشة بعض الأمور‪ ،‬فأوقفه أبو كايد وقال‬ ‫باستفزاز‪:‬‬ ‫أي شخص مراوغ وواقف في المنطقة الرمادية ممكن نشك فيه‪.‬‬ ‫عموماً لنا كلام ثاني إذا كانت لعبتك بتتمركز في إتقان الإجابة وإدارة‬ ‫النزاع‪ ،‬وإنت عندك خبرة في تدبير الأمور‪.‬‬ ‫مشى أبو سليم دون أن يعطي أي ملامح أو جهة نظر فيما قاله أبو‬ ‫كايد واكتفى بالقول‪:‬‬ ‫أنت تسابق الأحداث‪ ،‬انتظر على الخباز حتى يح ّمر خبزه‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫وقف أبو كايد الذي يكره هذا الأسلوب وقد باغته شعور بالدناءة‬ ‫والمس بكرامته فقال‪:‬‬ ‫اسمع قبل إحضار أي ورق‪ ،‬أنت لا تريد الحق وليس لديك أي‬ ‫التزام في سياق أدبي بسبب أنانيتك‪ ،‬ومن صفات الأناني التخلي‬ ‫بسرعة‪ ،‬ومن طبعه التسلق‪ ،‬لأنه يميل باتجاه مصالحه وليس باتجاه‬ ‫قيمه‪ ،‬ثم طلب منه بكل حزم دعم الصيادين الذين أحرقت مراكبهم‪.‬‬ ‫التفت أبو سليم وقال فوراً‪:‬‬ ‫ليس لدي مشكلة بالدعم‪ ،‬أنا جاهز في أي وقت‪.‬‬ ‫ظل التوتر يسيطر على حديثهما لدقائق حتى انتهى الحوار إلى‬ ‫صفقة‪.‬‬ ‫طلب منه أبو كايد أن يبني منارة في وسط المدينة حتى يشاهدها‬ ‫الصيادون في عمق البحر ومضى يقول‪:‬‬ ‫ستكون دليلاً لهم وإشارة إلى مكان وجود الحي عندما يسرحون‬ ‫ليلاً للصيد في عمق البحر‪.‬‬ ‫لم يقل أبو سليم كلمة لا‪ ،‬أراد استرضاء أبو كايد الذي باغته شعور‬ ‫غريب مع ضيق نفس‪ ،‬فغادر البيت بدون سلام ولا كلام‪ ،‬وفور‬ ‫خروجه من عتبة الباب قابله صياد بخبر إطلاق النار على نبيل‬ ‫واندلاع احتجاجات بين العائلات في الحي‪.‬‬ ‫استمر الأمر حوالي أسبوع حتى هدأ الناس نسبياً بعد التوصل إلى‬ ‫حلول على إثر انكشاف بعض التفاصيل‪ ،‬ولكن أبو سليم لم يهدأ‪ ،‬فقد‬ ‫دفع الملايين من أجل إنهاء قضية الذباب التي لم تنته‪.‬‬ ‫حاول أبو سليم أن يعود إلى روتينه اليومي‪ ،‬فاستيقظ في بداية‬ ‫الأسبوع وتوجه إلى عمله دون مبالاة بما يجري من مشاكل بين‬ ‫‪45‬‬

‫الصيادين‪ ،‬وطلب من أحد الموظفين نشر إعلان في الجريدة تحت‬ ‫عنوان‪“ :‬أبو سليم يريد حلاً لإعدام الذباب” وبعد ساعات من النشر‬ ‫بدأت تصل الرسائل إلى مكتب أبو سليم ويفتحها أولاً بأول‪.‬‬ ‫على إثر الاقتراحات التي أجمعت غالبيتها على حل مشابه‪ ،‬قرر‬ ‫أن يستأجر عمالاً يسهرون ليل نهار على كش الذباب‪ ،‬فاستعجل الأمر‬ ‫وبدأ بثلاثة عمال حتى زادوا إلى سبعة ثم عشرة عمال واظبوا على‬ ‫حمل مطارق الذباب للكش والضرب‪ ،‬وبعد حوالي أسبوع من العمل‬ ‫أصيب غالبيتهم بآلام في أيديهم وزغولة في عيونهم من دقة مراقبة‬ ‫الذباب في النهار‪ ،‬حتى أن بعضهم هرب وتخلى عن أجرته‪.‬‬ ‫مر أبو سليم بفترات ذبول وإحباط‪ ،‬وصار يقضي ساعات في الأكل‬ ‫لينسف كل غضبه أو لا يفعل شيئاً‪ ،‬حتى أن استراحاته صارت تثير‬ ‫الشفقة‪ ،‬فذبابة مولودة للتو تتعلم الطيران‪ ،‬تستطيع إشعال حقده الدفين‪.‬‬ ‫أما زوجته فتعتبره أكثر الرجال مللاً في العالم لأنه يقضي ساعات‬ ‫في حراسة فمه خشية أن ينام فيفتح لاإرادياً وتدخل فيه ذبابة‪ ،‬حتى‬ ‫أنه سأل أحد العمال‪:‬‬ ‫كيف يمكن ملاعبة الذباب كي لا يحط على فمي؟‬ ‫أنصحك بوضع سلة زبل في طرف المزرعة‪ ،‬فيهرب عنك ويتلهى‬ ‫في الزبل‪.‬‬ ‫أمره أبو سليم أن يذهب ويرمي ثلاث سلات في زوايا المزرعة‪،‬‬ ‫وراح بنفسه يكب فيها من بقايا طعامه حتى شعر بخلو طرف من‬ ‫الذباب‪ ،‬وعاد منتشياً ثم غط في النوم‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫كان شخيره بمثابة مارش عسكري للذباب الذي هلهل أفواجاً‬ ‫لرائحة فمه واستراح على وجهه وصار يلاعب في مناخيره ويلعق‬ ‫في شفته‪.‬‬ ‫صرخ أبو سليم صرخة مدوية هزت أركان البيت‪ ،‬ثم وقع على‬ ‫الأرض مغشياً عليه‪ ،‬فنزلت زوجته وأولاده وجرى العمال يتفقدونه‪.‬‬ ‫أبو سليم‪ ،‬أنت بخير؟ قل لنا أرجوك؟ هل تسمعنا؟‬ ‫ر ّشوا عليه المياه وتفقدوا أعضاءه فبدأ يستوعب ما جرى‪.‬‬ ‫كانت ذبابة قد ماتت بجواره بعد اقتحام أنفه‪ ،‬وأصابته بحالة هلع‬ ‫وسخونة جعلته مريضاً في الفراش لعدة أيام‪.‬‬ ‫أمضى أبو سليم تلك الفترة في قراءة صحف علمية حول مكافحة‬ ‫الذباب دون جدوى‪ ،‬ثم قام من فراشه يبحث عن حل جذري وانتقامي‪،‬‬ ‫فقال له عامل‪:‬‬ ‫يمكن أن تستعين بخبراء في الحشرات للسهر على راحتك ليل نهار‬ ‫وتقديم تقارير حول حركة الذباب وكيفية تكاثره‪ ،‬ومن ثم يمكن إيجاد‬ ‫طريقة المعالجة!‬ ‫راقت له الفكرة‪ ،‬وفي اليوم التالي‪ ،‬كان في المزرعة ثلاثة خبراء‬ ‫يلاحقون الذباب وينصبون له الصناديق‪ ،‬فيجمعون عينات منه‬ ‫ويرشون عليه الدواء لقياس درجة التأثير عليه‪ ،‬ثم يقدمون تقاريرهم‬ ‫له‪ ،‬فقال أحدهم لأبو سليم‪:‬‬ ‫الذباب يطير بهدوء ويشعر بالانسجام عندما تنسدح في قيلولة‪ ،‬ولا‬ ‫أرى سبباً لضجرك منه‪ ،‬فقام وطرده من العمل فوراً‪.‬‬ ‫جاء خبير آخر بعد ساعات من متابعة الذباب‪ ،‬وقال بشيخوخة‬ ‫رجل عتيق في مجال مكافحة الحشرات‪:‬‬ ‫‪47‬‬

‫اختبأت ذبابة داخل أحد المواسير بعد مطاردة شاقة‪ ،‬وتبين لي‬ ‫وجود أعداد مهولة من الذباب في الداخل‪ ،‬والحل الأمثل لهذا التخفي‬ ‫الذباني هو تشغيل الموسيقى حتى يخرج الذباب للرقص فيتم اصطياده‪.‬‬ ‫ثم ألقى بصره على امتداد المزرعة وهو يشرح باستيعاب فلاح‪:‬‬ ‫كما أن الموسيقى ستجعل مزاجك جيداً كمزاج الذباب‪.‬‬ ‫قام غاضباً وطرده هو الآخر‪ ،‬ومع ذلك طلب من أحد العمال تنفيذ‬ ‫الفكرة‪.‬‬ ‫نقل العامل السماعات على امتداد المزرعة ومد الكوابل ثم شغل‬ ‫الموسيقى وبالفعل اختفى الذباب تماماً!‬ ‫قام أبو سليم يرقص ويشد شعره من الفرح ويهلل حتى أمسك‬ ‫بالخبير الثالث وأغرقه عناق وقبلات‪ ،‬ومد يده إلى جيبه ورمى عليه‬ ‫حزمة من المال‪ ،‬ثم هدأ قليلاً وطلب إحضار أحد السباكين لتغيير كل‬ ‫مواسير المزرعة والبيت‪ ،‬وتحضير العشاء وشراء الورود والهدايا‬ ‫والإعداد جيداً لاحتفالية ليس لها مثيل‪ ،‬وراح يتحمم وهو بكامل‬ ‫سعادته‪ ،‬كان البيت ينتشي من شعوره بالراحة‪ ،‬ثم لبس بدلته وتعطر‬ ‫ونزل إلى المزرعة يتنهد بمزاج جيد‪ ،‬فلمح ذبابة تلعب في أشعة‬ ‫الشمس وتجري بشكل خاطف أمام عينيه‪ ،‬وتقدمت نحوه ثم داهمت‬ ‫مجموعة من الذباب أذنيه بصوت ثخين رجرج الهواء‪ ،‬وتبعتها‬ ‫مجموعة ذبانية أخرى توجهت نحو الطاولة بشكل عنيف‪ ،‬وتم‬ ‫استدعاء وحدات ذبانية لها ظهر أزرق لامع وعيون بنية ضخمة‪،‬‬ ‫وظيفتها الردع السريع‪ ،‬فقام يجري ويلعن المزرعة والعمال وينظر‬ ‫خلفه فتعثر في أحد الكوابل وضربت رأسه في طرف الممر الحجري‬ ‫فوقع وسالت دماءه‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫جرى العمال باتجاهه وهبطوا على رأسه الذي صار ينزف‪ ،‬وجاء‬ ‫أحدهم بسطل مياه ورشه عليه‪ ،‬وطلب آخر الإسعاف‪ ،‬ثم تعالت‬ ‫الأصوات في البيت وخارجه حتى دخل طاقم المسعفين إلي المزرعة‪،‬‬ ‫وضعوا له الأوكسجين وخلعوا بدلته وتفقدوا الجرح‪ ،‬وبعد دقائق تبين‬ ‫أنه مصاب بنزيف حاد مات على إثره في المكان‪.‬‬ ‫عم الخبر في الحي‪ ،‬وعلق بعض الناس‪:‬‬ ‫مسكين مات بوجع الذباب‪.‬‬ ‫غمر الحزن الميناء وجيرانه‪ ،‬لاسيما هؤلاء الذين استفادوا من‬ ‫أموال التخلص من الذباب‪ ،‬وفي اليوم التالي‪ ،‬تجمعوا للصلاة عليه‬ ‫ورافقوا جثمانه إلى المقبرة في جنازة صامته خالية من الذباب‪.‬‬ ‫شارك أكثر من نصف الحي في تشييع الجثمان‪ ،‬ورش أحدهم‬ ‫العطر‪ ،‬ووقف أحدهم حارساً خشية ملاحقة الذباب الجنازة‪ ،‬وترحم‬ ‫أحد العمال عليه‪:‬‬ ‫سيفرح الذباب ويحتل المكان من بعدك ويقول الناس‪:‬‬ ‫لن تدفن على القمر بل في المكان المخصص لكل الناس‪ ،‬ولو‬ ‫اختلفت أشكال القبور سيبقى صمتها واحد‪ ،‬اسمه صمت القبور‪.‬‬ ‫وصلوا إلى المقبرة وشاءت الأقدار أن يكون قبره بجوار قبر صياد‬ ‫يدعى صبحي‪ ،‬كان حظه عاثراً‪ ،‬مات لا يملك إلا صنارة صيد‬ ‫مكسورة‪ ،‬أصابته الجلطة بعد نحو شهر من السعي لإصلاحها‪ ،‬لم يكن‬ ‫لديه حيلة حتى قيل‪ :‬مات صبحي فقراً‪.‬‬ ‫كان أبو زهير من بين المشاركين في الجنازة‪ ،‬وتقدم بالقرب من‬ ‫فتحة قبر أبو سليم وابتسم‪ ،‬لكنه سرعان ما أخفى وجهه‪ ،‬ثم استدار‬ ‫‪49‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook