Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2020-04-21 17:55:34

Description: محاولة في فرضية المعادلة العادلة - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪re nils frahm‬‬ ‫محاولة‬ ‫في فرضية المعادلة العادلة‬ ‫الأسماء والبيان‬





‫المحتويات ‪2‬‬ ‫‪ -‬الفصل الأول ‪1 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثاني ‪10 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الثالث ‪18 -‬‬ ‫‪ -‬الفصل الرابع ‪25 -‬‬ ‫القسم الأول ‪25‬‬ ‫القسم الثان ‪32‬‬ ‫‪ -‬الفصل الخامس ‪38 -‬‬ ‫القسم الاول ‪38‬‬ ‫القسم الثان ‪48‬‬ ‫‪ -‬الفصل السادس ‪64 -‬‬ ‫القسم الأول ‪64‬‬ ‫القسم الثان ‪80‬‬ ‫‪ -‬الفصل السابع ‪97 -‬‬

‫‪--‬‬ ‫لأول مرة سأبدأ بالنتيجة التي سأصل إليها في غاية المحاولة‪.‬‬ ‫فلعل ذلك يسهم في تحقيق شرط الصبر لدى القارئ ليتابع الاستدلال اللاحق بدلا من أن‬ ‫يكون سابقا‪.‬‬ ‫فالغاية هي بيان ما يترتب على الفرضيتين التاليتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬إذا كانت الأزمة شاملة لكل البشر فما بينهم حاليا من نسب في كل شيء متعلق بشروط‬ ‫البقاء الطبيعي والحضاري ستتغير بنفس النسب‪.‬‬ ‫‪ .2‬إذا كان الانتاج الاقتصادي والثقافي سيتراجع فمن المفروض أن كلفته ستتراجع مثله‪.‬‬ ‫ومن ثم فيكفي أن يتراجع الاستهلاك مثله فتحصل فرضية الحد الأدنى من شروط البقاء‬ ‫بالنسبة إلى الجميع‪.‬‬ ‫‪ .3‬ويترتب على أولا أن ما سيغير الفرضية الأولى هو ما يترتب على ما بين البشر من‬ ‫فوارق في شروط البقاء الطبيعية والحضارية الموجودة بينهم والمنشودة منهم الآن‪.‬‬ ‫‪ .4‬ويترتب على ثانيا أن ما سيغير الفرضية الثانية هو ما يترتب على ما بين الانتاج‬ ‫وكلفته من فوارق بسبب عدم التناظر بين الانتاج والاستهلاك المحقق للحد الأدنى لشروط‬ ‫البقاء للجميع الآن‪.‬‬ ‫‪ .5‬فيصبح المشكل الواحد في الحالتين متعلقا بعدم تكييف سياسة العالم وأخلاقه قبل‬ ‫الأزمة بما يمكن من تجاوزها بل النكوص بهما إلى ما سيفاقمها‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن ما آل بالبشرية مثلا إلى حرب بين البشر أو حرب بينهم وبين الطبيعة هو‬ ‫ما ينكص إليه البشر بدلا من تجاوز الأزمة بتجاوز ما أدى إليها من صراع بين البشر وصراع‬ ‫بينهم وبين الطبيعة‪.‬‬ ‫تلك هي النتيجة التي أريد بيانها والتي هي في آن تشخيص دقيق للازمة ومفتاح لحلها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪1‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫واعترف أنها ليست يسيرة البيان‪.‬‬ ‫خاصة وهي تتعلق بشروط البقاء في الضراء وليس في السراء‪.‬‬ ‫ولما كانت هذه الشروط في مستواها المباشر اقتصادية وثقافية فإن ما سيعترض على‬ ‫المحاولة هو حجة الاختصاص‪.‬‬ ‫صحيح أني ليست مختصا في التموينين الاقتصادي والثقافي للجماعات البشرية رغم أني‬ ‫درست الاقتصاد والقانون الاقتصادي في النظام الفرنسي‪.‬‬ ‫لكني أعتقد أن الأمر غني عن الاختصاص الضيق‪ .‬فكلا التموينين يرد في عمقه إلى مسألة‬ ‫سياسية من حيث أدوات العلاج ومسألة خلقية من حيث غاياته‪.‬‬ ‫‪ .1‬فالإنتاج الاقتصادي يتعلق بسد الحاجات العضوية خاصة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والانتاج الثقافي يتعلق بسد الحاجات الروحية خاصة‪.‬‬ ‫‪ .3‬والأول بخلاف ما يظن تابع للثاني لأنه لا اقتصاد من دون علم (علة فاعلة) وقيم‬ ‫(علة غائية)‪ .‬وكلاهما انتاج ثقافي مشروط في الاقتصادي شرط أدوات عمل وشرط مناهج‬ ‫تحقيق‪.‬‬ ‫‪ .4‬ولا أنكر أن الاقتصادي شرط تمويل واستثمار (تعريف ابن خلدون للفرق بين العمران‬ ‫والاجتماع في المقدمة)‪ .‬لكن الثقافي بالمعنى المذكور شرط الشروط‪.‬‬ ‫‪ .5‬ولهذه العلة فأصلهما المشترك سياسي وخلقي بمعنى أن الجماعة ذات السيادة هي التي‬ ‫لها الإرادة (شرطها الحرية) والقدرة (شرطها الكرامة) لوضع استراتيجية في لحظة‬ ‫السراء لتكون مستعدة للحظة الضراء فتبقى محافظة على شروط البقاء‪.‬‬ ‫والاقتصاد والثقافة كلاهما على نوعين ينتج عنهما مفهوم القيمة المتناقض الذي يجعل‬ ‫الكمالي أثمن من الضروري في لحظات السراء‪ .‬لكنه يعيد الأمر إلى نصابه في الضراء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪2‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيجعل الضروري أثمن من الكمالي‪ .‬ومعنى ذلك أن الخبز (العيش في الشرق) اليوم أهم‬ ‫من الذهب‪.‬‬ ‫فقد تبيع النساء حليها لتغذي أبناءها‪.‬‬ ‫إلا أن هذه الإعادة في مستوى القيمة لن تجعل الفلاح ثريا والمضارب فقيرا‪.‬‬ ‫ومن ثم فإن ما سيبقى مصدرا للمشكل هو أن السياسي والخلقي لن يتغير ما لم تحصل ثورة‬ ‫روحية‪.‬‬ ‫وهذه هي المناسبة للبحث في شروط حصولها‪.‬‬ ‫فالسلطان المستمد من سد الحاجتين وأثرهما الاجتماعي هو الذي سيزداد بسبب العاملين‬ ‫السياسي والخلقي‪ .‬والعلة هي عيوب الجماعة التي كانت مسيطرة في السراء والتي ستعتبر‬ ‫الضراء فرصة لمزيد السيطرة‪ :‬من هنا مشكل الاحتكار والمضاربة وربا الاموال وربا الاقوال‬ ‫(وكلها درسناها سابقا وتقدم علينا ابن خلدون فيها وله دائما السبق في هذا المجال)‪.‬‬ ‫فمن كان يقدم قيمة التبادل على قيمة الاستعمال في الاقتصاد وفي الثقافة ‪-‬بمعنى أن ما‬ ‫هو ضروري للبقاء ماديا كان أو روحيا يجعلونه أدنى قيمة مما هو كمالي ‪-‬هم عينهم من‬ ‫سيتمكنون من التحكم في شروط البقاء الاستعمالية بما حققوه من ثراء في الحالة الأولى‪:‬‬ ‫يرفعون في قيمة الاستعمالي كما رفعوا في قيمة التبادلي فيستفيدوا من الظرفيتين‪.‬‬ ‫ولذلك فالمستفيدون من الكمالي في السراء هم عينهم من يستفيد من الضروري في‬ ‫الضراء‪.‬‬ ‫وإذن فمشكل المعادلة غير العادلة علتها ثبات السيطرة في الحالتين وهي ناتجة عن‬ ‫السياسي والخلقي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪3‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فتغير تراتب القيم يبقى على نفس المعادلة بين الثروة والسلطة في غياب العلة الاعمق‬ ‫لفساد المعادلة التي يريد الإسلام تقويمها‪ .‬فعدم وجود القيم المتعالية على الاستعمال‬ ‫والتبادل هو سر المعادلة الظالمة‪ :‬وهي فساد الأخلاق العامة في الجماعة واستبداد نظام‬ ‫الحكم المترتب عليها‪.‬‬ ‫أي إن تقديم الكمالي في السراء وتقديم الضروري في الضراء كلاهما يعود بالفائدة على‬ ‫مفسدي المعادلة العادلة بين الانتاجين والاستهلاكين الاقتصادي والثقافي في الجماعة‬ ‫الجزئية (ثروات أمة معينة) أو في الجماعة الإنسانية ككل (ثروات الطبيعة والحضارة)‪.‬‬ ‫وقد بين ابن خلدون أن ذلك ملازم \"لنحلة العيش\" مهما تطورت‪ .‬وهي تتطور خلال‬ ‫انتقالها من الاعتماد على الانتاج الطبيعي إلى الاعتماد على الانتاج الإنساني أو من‬ ‫العمران البدوي إلى العمران الحضري‪.‬‬ ‫فقد بين ابن خلدون أن المدينة تغتذي مما ينتجه ما يحيط بها من عمران بدوي غير‬ ‫مرتحل تابع لها وخاضع لقوانينها‪ .‬وهذا بين في كل الحضارات حيث يكون ما حول المدن‬ ‫تابعا للمدن وأهلها إذ يكاد الريف التابع مؤلفا من خدم أهل المدينة‪ .‬والعلة هي تبخيس‬ ‫العمل الذي يسد الضروري‪.‬‬ ‫ومن ثم فالسياسي والخلقي لهما بنية أعمق هي بنية توازن القوى بين العمرانين‪.‬‬ ‫والمثال الذي يضربه ابن خلدون هو انتقال البداوة من رمز القوة والاستقلال لما كانت‬ ‫نحلة العيش مستمدة مباشرة من الطبيعة إلى رمز الضعف والتبعية للمدينة عندما صارت‬ ‫نحلة العيش مستمدة مما أضافته الحضارة للبداوة انتاجا واستهلاكا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪4‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فإذا انطلقنا من هذه الملاحظة أمكن القول إن شروط البقاء التي تتجلى خاصة في لحظات‬ ‫الحرب بشكل هذا الانقلاب‪:‬‬ ‫‪ .1‬في تراتب القيم حيث يصبح الاستعمالي مقدما على التبادلي‪.‬‬ ‫‪ .2‬وفي توازن القوى بين دور الطبيعي ودور الحضاري في نحل العيش‬ ‫حينها يتبين أمران‪:‬‬ ‫• أولهما يتعلق بالمائدة وفنها (كناية عن الغذاء وما حوله)‬ ‫• والثاني يتعلق بالسرير وفنه (كناية عن الجنس وما حوله)‪.‬‬ ‫فالضروريات تجعل المائدة مقدمة على فنها لأن سد الحاجة الدنيا للبقاء العضوي مقدم‬ ‫على الذوق والتنويع فيه‪.‬‬ ‫والضرورات تجعل السرير مقدما على فنه لأن سد الحاجة الدنيا من الغريزة والنسل‬ ‫مقدم على الذوق والتنويع‪.‬‬ ‫لكن هذا الانقلاب القيمي لا يستفيد منه من يسد حاجة المائدة والسرير بل من كان‬ ‫مسيطرا على قيمهما السابقة لما كان الفن هو المؤثر والذي يرفع من ثمنهما بانقلاب التراتب‬ ‫بين الاستعمالي والتبادلي‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك ان الذي كان مسيطرا على قيم فنيهما بما حصله يصبح محتكرا لهما فيستفيد‬ ‫من هذا التحول القيمي حتى بعد فقدان الفنين فيصبح الاستعمالي أقل من التبادلي‪ :‬يصبح‬ ‫الغذاء والماء والدواء والجنس أغلى مما كان يستعمل مزينا للاستمتاع بها باعتبارها فنونا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪5‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبهذا أصل إلى ما يتجاوز الاختصاص في الاقتصاد والثقافة أي إلى ما اعتبره جوهر‬ ‫الفلسفة‪.‬‬ ‫فهي البحث في تشاجن الاختصاصات عند ردها بالتجريد إلى شروط البقاء التي تتجلى في‬ ‫أزماته وأهمها الحروب سواء كانت ناتجة عن صراعات البشر عليها أو عن صراعاتهم مع‬ ‫الطبيعة‪.‬‬ ‫فيصبح المشكل كله عين ما يسميه الفلاسفة الفلسفة العملية ويسميه الدين السياسة‬ ‫الشرعية التي تحقق الاستعمار في الأرض (العمران البشري بلغة ابن خلدون) والاستخلاف‬ ‫فيها (الاجتماع الإنساني بلغة ابن خلدون كذلك) وذلك هو قصده بعنوان المقدمة‪:‬‬ ‫‪ .1‬بعدها الأول يتعلق بالغايات من الوجود الجمعي‪ :‬أي بأخلاق التعامل بين البشر خلال‬ ‫التعاون من أجل سد الحاجات المادية أو الاقتصاد الذي هو ثمرة تقاسم العمل والمستهلك لما‬ ‫يسدها ليس بين الأحياء فحسب بل حتى الأموات يشاركون فيه بما تركوه من ثروة وخبرة‪.‬‬ ‫وهو ليس خاص بجماعة دون جماعة بل هو كوني بالطبع‪.‬‬ ‫‪ .2‬بعدها الثاني يتعلق بالأدوات التي تحقق تلك الغايات‪ :‬أي بسياسة التعامل بين البشر‬ ‫سياسية تجعله تعايشا سلميا يكون فيه التعاوض العادل ليتواصل التعاون خلال التعاون من‬ ‫أجل سد الحاجات الروحية أو الثقافة التي هي العلوم وتطبيقاتها في الانتاج والاستهلاك‬ ‫والقيم وتطبيقاتها في العيش المشترك‪ .‬وهي كونية كذلك ويشارك في الموتى والأحياء وكل‬ ‫الإنسانية‪.‬‬ ‫ولأن ذلك كذلك توقعت أن الإنسانية هذه المرة بدأت تفهم أنها أمام خيار شديد‬ ‫الوضوح‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪6‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فإما أنها ستنكص إلى ما قبل العولمة المادية الحالية أو أنها ستتجاوزها إلى ما يتدارك‬ ‫عيوبها لأن الأزمة الحالية علتها عيوبها وليس ذاتها‪.‬‬ ‫والتجاوز هو عين المعادلة العادلة‪ .‬فإذا علمنا أن الغايات والأدوات كلتاهما كونية وأنهما‬ ‫عمل الإنسانية كلها في كل تاريخها فإننا سنفهم أن ما ينقص العولمة هو‪:‬‬ ‫‪ .1‬إصلاح الأخلاق العالمية لتطابق الغايات فتكون مثلها كونية وتطبق مبدأ \"النساء ‪:\"1‬‬ ‫كل البشر اخوة لأنهم من نفس واحدة‪ .‬وذلك ليس مقصورا على الاحياء منهم بل حتى‬ ‫الموتى لأنهم السلف الذي أسهم في ما يستفيد مه الخلف‪.‬‬ ‫‪ .2‬إصلاح السياسية العالمية لتطابق الأدوات فتكون مثلها كونية وتطبق مبدأ \"الحجرات‬ ‫‪ :\"13‬كل البشر متساوون ولا تمايز بينهم لا بالجنس ولا بالطبقة ولا بالعنصر وهم مطالبون‬ ‫بالتعارف معرفة ومعروفا وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى‪.‬‬ ‫وهذا ليس يتوبيا‪-‬بخلاف ما يقول هيجل عن الإسلام الذي وضع هذه المبادئ بل هو الحل‬ ‫الوحيد الذي من دونه لا يمكن للإنسانية أن تخرج مما آل إليه أمرها الحالي‪ .‬فمن دونه‬ ‫سيكون النكوص إلى حرب كونية مدمرة غايتها احتكار شروط البقاء باستعمال أسلحة الدمار‬ ‫الشامل‪ :‬وقد يكون كورونا أحدها من يدري‪.‬‬ ‫ولما كنت واثقا من أن الإنسانية بعد هذه الجائحة لن تختار النكوص عن العولمة المادية‬ ‫بالعودة إلى ما بات مستحيلا أعني صراع الامبراطوريات الاستعمارية على تقاسم العالم‬ ‫المتخلف ‪-‬لأنه لم يبق عالم متخلف اليوم فإن متفائل بأن الخيار سيكون خيار المعادلة‬ ‫العادلة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪7‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لم يبق في العالم من هو متخلف قابل للاستعمار لعلتين‪:‬‬ ‫فعدم الوعي بالحرية والكرامة فقد آخر معاقله أعني دار الإسلام وما حولها والدليل أن‬ ‫الأنظمة التابعة تحتضر منذ أن شرع شباب الامة في معركة التحرر واكتشف أن شرطها‬ ‫استكمال معركة التحرير‪.‬‬ ‫ولم يبق في العالم شعب يعجز عن المقاومة بالوسائل الحديثة التقنية في الحرب العنيفة‬ ‫بأسلحة العصر التي تستفيد من العلاقة بين الكلفة والفاعلية كما بينت في بحوث سابقة وفي‬ ‫الحرب اللطيفة بأسلحة العصر التي تستفيد من التواصل الحديث الذي يمكن أن يبني‬ ‫وحدات قيمية متعالية على الحدود السياسية‪.‬‬ ‫وهذا يعني أن ما كان ممكنا في بداية عصر الاستعمار لم يعد ممكنا في الخيار الثاني اي‬ ‫النكوص إليه فإن الحل الوحيد هو تخلي القوى الاستعمارية ومافياتها عن مشروع التعامل‬ ‫مع الإسلام كما تعاملوا مع الشيوعية مثلا‪ :‬فالأولى هي التي بينت فساد العولمة المادية سواء‬ ‫كانت ليبرالية أو اشتراكية‪.‬‬ ‫فشل الحل الشيوعي تلاه فشل الحل الرأسمالي‪ :‬ذلك هو مغزى كورونا الاقتصادي‬ ‫والثقافي بسبب فساد العلاج الخلقي والسياسي‪ .‬وإذن فالعولمة المادية أصبحت بحاجة إلى‬ ‫العولمة الروحية‪ :‬وذلك هو جوهر الرسالة القرآنية‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى كونها الرسالة الخاتمة كما بينت في شرح هود وأخواتها وعلة وصف الرسول‬ ‫مفعولها فيه بأنها شيبت رأسه بما طلبته من أجل علاج أدواء البشرية‪ :‬العلاقة بالطبيعة‬ ‫(نوح) وبالاقتصاد (هود) وبالماء (صالح) وبالجنس (لوط) وبشروط التبادل العادل‬ ‫(شعيب) والدولة المستبدة (موسى)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪8‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ووصل كله بجعل التوحيد الابراهيمي من مجرد مشروع عقدي إلى مشروع سياسي وخلقي‬ ‫وذلك هو جوهر الفرق بين الحنيفية الابراهيمية والحنيفية المحمدية‪.‬‬ ‫لذلك فكلامه على الأرض كلها مسجدا ودولة إسلامية ليس بمعنى التدين الشعاري بل‬ ‫بمعنى أخلاق وسياسة تطبيقان النساء ‪( 1‬الأخوة البشرية) والحجرات ‪( 13‬المساواة‬ ‫والتعارف بينهم)‪...‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪9‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ختمت الفصل الأول من هذه المحاولة بقول شديد التفاؤل مفاده إن الإنسانية بعد جائحة‬ ‫كورونا يعسر أن تنكص إلى ما كانت عليه العولمة قبلها وأنها لن تستطيع التخلي عن الوحدة‬ ‫الإنسانية‪:‬‬ ‫‪ .1‬فبعدها التبادلي الكمالي المقدم على الاستعمالي الضروري في التعامل الاقتصادي‬ ‫وطنيا ودوليا لن يتواصل لأن النكوص إلى أنانية الانغلاق القومي الذي يسود حاليا في‬ ‫علاج الجائحة سيتبين فشله‪.‬‬ ‫‪ .2‬وبعدها التواصلي المقدم للتناكر على التعارف في التعامل الثقافي وطنيا ودوليا لن‬ ‫يتواصل لأن النكوص إلى أنانية العنصرية والطبقية لن يمكن من الخروج من عواقب‬ ‫الجائحة الحالية‪.‬‬ ‫‪ .3‬فالأول يسميه ابن خلدون العمران البشري الذي هو التعاون لسد الحاجتين‬ ‫الماديتين أي شروط البقاء العضوي رعاية وحماية‪ .‬وهو يعترخ أصل تكون الجماعات‬ ‫وحاجتها لشوكة الدول‪ .‬عليه بنى المستوى الاول من علمه‪.‬‬ ‫‪ .4‬والثاني الذي بنى عليه المستوى الثاني من علمه يسميه ابن خلدون الاجتماع‬ ‫الإنساني الذي هو التواصل لسد الحاجتين الروحيتين أو الانس بالعشير عاطفيا وذوقيا أي‬ ‫معنى البقاء العضوي وغايته‪ .‬وهو أصل تسالم الجماعات وحاجتها لشرعية الدول‪.‬‬ ‫‪ .5‬فإذا جمعنا هذه المعاني الأربعة (المستويان الماديان والمستويان الروحيان)‬ ‫اكتشفنا الطريق التي توصل إلى الحل الوحيد الذي بقي للإنسانية بعد أن جربت الحل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪10‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الرأسمالي المعتمد على صراع أرواح الشعوب والحل الشيوعي المعتمد على صراع طبقيات‬ ‫الشعوب تبين أن هذين الصراعين هما الداء وليسا الحل‪.‬‬ ‫وإذن فالحل هو علاج مصدر صراع أرواح الشعوب (المعنى الهيجلي لتفسير تاريخ‬ ‫الإنسانية) وعلاج مصدر صراع طبقات الشعوب (المعنى الماركسي لتفسير تاريخ‬ ‫الإنسانية)‪.‬‬ ‫وقد اتضح ذلك خاصة في دروس الأول في فلسفة الدين وفي فلسفة التاريخ ودروس‬ ‫الثاني في نقدهما وفي المادية الجدلية‪.‬‬ ‫وكلا التفسيرين السائدين في العولمة المادية التي أدت إلى عجز الامبراطوريات الكبرى‬ ‫(ورمزها الولايات المتحدة والصين) على علاج الجائحة يثبتان أن الحل لن يأتي منهما بل‬ ‫لا بد أن يكون مصدره الرؤية التي سبقت فحددت هذين الداءين وعالجتهما‪ :‬أعني القرآن‬ ‫الكريم الذي يحاربانه بأدوات هي من أراذل المنتسبين إلى الإسلام حكاما ونخبا في خدمتهم‪.‬‬ ‫لكن هذه الرؤية التي قدمتها في الكثير من المحاولات السابقة قبل الجائحة وأرجعتها إلى‬ ‫آيتين أولاهما تتجاوز صراع ارواح الشعوب وهي النساء ‪ 1‬والثانية تتجاوز صراع طبقات‬ ‫الشعوب وهي الحجرات ‪ 13‬حال دون تبينها أمران آمل أن تكون الجائحة مساعدة على‬ ‫إزاحتهما‪:‬‬ ‫‪ .1‬الأول ذاتي لفكر الامة وهو قلب علمائها العلاقة بين ما أمر به القرآن لفهم معانيه‬ ‫بجعلهم الأمر فيه نهيا وأعني فصلت ‪ 53‬وجعلهم النهي أمرا وأعني آل عمران ‪.7‬‬ ‫فغاب البحث العلمي الذي يأمر به القرآن شرطا في الاستعمار والاستخلاف في الارض‬ ‫وحضر التأويل الباطني الذي ينهى عنه ومنه خرافة الاعجاز العلمي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪11‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .2‬والثاني ناتج عن عقد المقلدين‪ .‬إنه قراءة حلول الإسلام بأفسد منطق ويتمثل‬ ‫في اعتبار الوسطية القرآنية توسطا بين شرين‪-‬خرافة لا افراط ولا تفريط‪ -‬أي بين‬ ‫الرأسمالية والاشتراكية أو بين المسيحية واليهودية إلخ‪ ...‬من البين بين وهو فهم قاصر‬ ‫لنظرية أرسطو في الفضيلة مع تبني خرافة \"التدافع\" التي هي جوهر الصراعين‪.‬‬ ‫فإذا حللنا ما ترتب على \"أولا\" تبين أن الأمة فشلت في التعمير والتدبير فأصبحت كما قال‬ ‫ابن خلدون عالة على غيرها بعد أن فسدت فيها أي في جل نخبها وحكامها معاني الإنسانية‬ ‫بسبب التربية والحكم العنيفين وهما علة قلب فصلت ‪ 53‬وآل عمران ‪:7‬‬ ‫‪ .1‬إذ أصبح في الأمة سلطة روحية أشبه بالكنسية تؤدي دور الوسيط بين المؤمن‬ ‫وربه‪ .‬وهذه الوساطة بدأت بالتصوف الذي حرف الزهد ثم انتقلت إلى الفقه الذي حرف‬ ‫الشرع إذ إن الفقهاء‪ -‬حتى يحافظوا على رضا الحكام‪ -‬نافسوا المتصوفة في خرافة \"الحاكم‬ ‫ظل الله في الأرض\" أو \"ولي الأمر\"‪.‬‬ ‫‪ .2‬وتحريف التصوف والفقه أضفى بهذه الواسطة شرعية على الوصاية بين المؤمن‬ ‫وشأنه أي بالشوكة الروحية أو الحكم بالحق الإلهي عند الشيعة وبما يشبهه في الغاية عند‬ ‫السنة أي بالشوكة المادية أو الحكم بقوة العصبية‪ :‬لا فرق بين ولاية الفقيه الذي يحكم‬ ‫بعصابة الحرس وولي الامر في السعودية التي تحكم بعصابة القبيلة‪.‬‬ ‫وإذا حللنا ما ترتب على \"ثانيا\" تبين أن ما ترتب على أولا جعل كل الفهوم تقرأ القرآن‬ ‫بنظرية أرسطو في الفضيلة بالمقلوب‪ .‬ذلك أن أرسطو لما قال إن الفضيلة وسط بين رذيلتين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪12‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لم يجعل الرذيلتين منطلق التعريف بل العكس تماما‪ .‬وهو قد اعتمد في ذلك مفهوما‬ ‫رياضيا‪ :‬الزاوية القائمة تبدو وسطا بين الحادة والمنفرجة‪.‬‬ ‫لكن القائمة هي أصل التعريف وليس العكس أي إن الحادة دون القائمة والمنفرجة فوق‬ ‫القائمة‪ .‬والرذيلة في حالة القيم الخلقية تعرف بالابتعاد عن الرذيلة وليس وسطا بين‬ ‫الرذيلتين وإلا لصارت الرذيلة الاكبر من الوسط أفضل أكبر منه مثل المنفرجة‪ .‬ومعنى‬ ‫ذلك أن الإنسان يعلم الفضيلة وهي الذروة وينحرف عنها‪ .‬ولا يبدأ بمعرفة الرذيلة ثم‬ ‫يبتعد عنها ليطلب الفضيلة‪.‬‬ ‫قد يبدو الأمر سواء‪.‬‬ ‫لكن حينها نحرف مفهوم الفطرة‪ .‬حسن فلنأخذ مثال التطفيف في المعاملات‪ .‬كيف للبائع‬ ‫أن يخسر وللشاري أن يستوفي؟ أليس لأنه يريد افساد الميزان؟‬ ‫أليس الميزان هو الذي ننطلق منه لمعرفة المطفف اخسارا إذا كال واستيفاء إلى اكتال؟‬ ‫والظلم كيف نعرفه‪ :‬ألا يعلم المظلوم العدل؟‬ ‫والظالم لو وضع نفسه محل المظلوم ألا يعلم العدل؟ وقس عليه الحق والباطل والصدق‬ ‫والكذب إلخ‪...‬‬ ‫فهل معنى ذلك أنه يعرف العدل بالظلم مثلا؟‬ ‫أم إن معرفة العدل فطرية والظلم انحراف عنه؟‬ ‫وإذن فالعدل ليس وسطا بين ظلمين بل هو معيار فطري به يتم تحديد الظلم‪.‬‬ ‫لماذا ضربت هذه الامثلة؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪13‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لأننا رأينا في الفصل الأول أن ما يحدث في حالات الضرورة هو العودة إلى الس ّلم الأسلم‬ ‫بين القيمتين الاقتصاديتين‪ :‬فالقيمة الاستعمالية تستعيد منزلتها لضرورتها لأن القيمة‬ ‫التبادلية تفقد منزلتها لعدم ضرورتها‪ .‬لكن ذلك لم يترتب عليه إصلاح السلم الاجتماعي‬ ‫بل يزداد الأمر سوءا كما شرحت ذلك أمس‪.‬‬ ‫وعندئذ نكتشف الآن أن المشكل لا يتعلق بقيمتي سد الحاجات المادية (المائدة والسرير‪:‬‬ ‫القيم الاستعمالية) والحاجات المعنوية (فن المائدة وفن السرير‪ :‬القيم التبادلية) بل‬ ‫بنوعين آخرين من القيم سماهما ابن خلدون‪\" :‬معاني الإنسانية\" التي تفسدها التربية‬ ‫والحكم العنيفين‪.‬‬ ‫فيكون المشكل في قيمتين أولاهما تتعلق بالتربية المحافظة على كرامة المتعلم والثانية‬ ‫بالحكم المحافظ على حرية المواطن وهما بعدا السياسة التي تكون متلازمة مع القيم الخمس‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬المحافظة على حرية إرادة الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .2‬المحافظة على صدق علم الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .3‬المحافظة على خير قدرة الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .4‬المحافظة على جمال حياة الإنسان‪.‬‬ ‫‪ .5‬المحافظة على جلال رؤية الإنسان‪.‬‬ ‫وهذه القيم الخمسة إذ نظرنا إليها من حيث هي وازع ذاتي (الضمير الخلقي) تمثل‬ ‫نظام التربية الخلقي وإذا نظرنا إليها من حيث هي وازع أجنبي (الوعي القانوني) كانت‬ ‫نظام الحكم الشرعي‪ .‬وهذا هو الحل الذي يقدمه ابن خلدون لتحقيق معنى الآية ‪ 38‬من‬ ‫الشورى‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪14‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كيف ذلك؟‬ ‫فلنقرأ هذه الآية في ضوء نظريات الحكم لحظة نزول القرآن الكريم \"وَا َّلذِي َن اسْ َت َجابُوا‬ ‫ِلرَبِّ ِه ْم وَ َأقَامُوا ال ّصَ َلاةَ َو َأ ْمرُهُمْ شُو َر ٰى َبيْنَهُ ْم َو ِممَّا َرزَ ْقنَاهُ ْم ُينفِقُونَ\"‪.‬‬ ‫‪ .1‬فالاستجابة للرب تعني أمرين‪ :‬لا رب غيره والربوبية للجميع دون تمييز بين‬ ‫الاديان بخلاف الألوهية‪.‬‬ ‫‪ .2‬الصلاة تعني أمرين‪ :‬الدعاء عامة وأسلوب متعدد بتعدد الأديان وإذن دون تمييز‬ ‫بين الاديان‪.‬‬ ‫‪\" .3‬أمر‪+‬هم\" تحدد طبيعة النظام السياسي‪\" :‬امر = راس باللاتينية\" ثم\" هم ضمير‬ ‫يعود على الجماعة =بوبليكا باللاتينية\" وإذن فالنظام السياسي جمهوري=راسبوليكا‪.‬‬ ‫‪\" .4‬شورى‪+‬بينهم\" تحدد أسلوب الحكم‪\" :‬شورى الجماعة الملزمة والمباشرة وهي معنى‬ ‫الديموقراطية باليونانية‪.‬‬ ‫‪\" .5‬ومما رزقناهم ينفقون\" الغاية هي الاقتصاد الاجتماعي‪ :‬غاية الجماعة والدولة‪.‬‬ ‫وهذا يحررنا من صراع أرواح الشعوب الهيجلي لأن البشر اخوة‪ :‬النساء ‪.1‬‬ ‫كلهم من نفس واحدة‪.‬‬ ‫ويحررنا من صراع الطبقات الماركسي لأن البشر متساوون‪ :‬الحجرات ‪.13‬‬ ‫خلقوا للتعارف معرفة ومعروفا وليس للتناكر‪.‬‬ ‫والجائحة بينت أن الأمر ليس يتوبيا كما يتوهم هيجل في نقد الرؤية القرآنية بل هو‬ ‫الحل الوحيد للخروج من الحرب الاهلية الكونية بين البشر‪ :‬ذلك هو الحل القرآني وهو‬ ‫الوحيد في المستقبل‪.‬‬ ‫هل لذلك أساس واقعي؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪15‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نعم‪ :‬وسأكتفي بعلاقتنا نحن بأوروبا‪ .‬فهم ونحن نمثل قلب المعمورة جغرافيا وتاريخيا‬ ‫وكلانا يواصل منبعي الرؤية الإنسانية الحديثة أي الفلسفة اليونانية والأديان المنزلة‪.‬‬ ‫وإذن فكلانا نشبه الزاوية القائمة الإنسانية‪ :‬بالقياس إلينا تحدد الزاوية الحادة‬ ‫والزاوية المنفرجة القيميتين‪.‬‬ ‫أليس مشكل المشاكل في أوروبا اليوم هو عنصرية الإسلاموفوبيا‪.‬‬ ‫ولهذا الخوف علتان‬ ‫• أولاهما هي تاريخ العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية واللاتينية المسيحية‪.‬‬ ‫• والثانية هي مشكل الديموغرافيا (السرير) والاقتصاد (المائدة) وفنيهما أي المسألتين‬ ‫اللتين تبين أنهما في علاقة بالضروري للقيام العضوي والروحي؟‬ ‫أليس من تبعات الجائحة أنها ستقضي على هذين العلتين في الصراع بين المجموعتين رغم‬ ‫أنها في الظاهر تبدو وكأنها ستعمقهما؟‬ ‫فهل يستطيع النظام الأوروبي استرداد توازنه من دون مصالحة مع محيطه الإسلامي‬ ‫حول الأبيض المتوسط خاصة من أجل المشكل الاقتصادي والديموغرافي إذا اراد المحافظة‬ ‫على شروط التوازن في النظام العالمي بالقياس إلى الإمبراطوريات العملاقة‪.‬‬ ‫ألا نكوّن نحن وأوروبا عملاقا خامسا قادرا على تحقيق التوازن في نظام العالم بين طرفيه‬ ‫الشرقيين (الصين والهند) والغربيين (الولايات المتحدة والبرازيل) فنكون نحن في الوسط‬ ‫قلب الإنسانية وأصل الحضارة الحالية ببعيدها الديني والفلسفي بعد أن يتحرر الجميع‬ ‫من تاريخ القرون الوسطى وقرون الاستعمار؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪16‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ذلك هو مصدر تفاؤلي وسره‪ .‬فذلك هو الحلم الذي أوحت عزلة الكورونا بإعادة‬ ‫التذكير به لأنه كان حلمي قبلها وكتبت فيه الكثير‪.‬‬ ‫واعتقد أن الجائحة يمكن أن تساعد على إدراكه وفهم دلالته لأني لا اعتقد أن العجز‬ ‫الحالي الذي أدركه من كانوا يتصورون أنهم أقوياء والذي لم يعد أحد ينكره ‪-‬بمن في‬ ‫ذلك الحمقى مثل ترومب‪.‬‬ ‫إن ذلك سيفرض على الجميع التسليم بأن قصة الناموسة التي اعجزت النمرود هي عين‬ ‫قصة الكورونا وسيصبح الإنسان مدركا لحدوده فلا يتأله ولا يتربب ويؤمن بأن الله فوق‬ ‫الجميع فيفهم النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬ويرى ما يريه الله من آيات الآفاق (الطبيعة‬ ‫والتاريخ) وفي الأنفس (كيانه العضوي وكيانه الروحي) كما حددت ذلك فصلت ‪53‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪17‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ختمت الفصل السابق بالقول إن الإنسانية ذاهبة إلى استكمال شروط الوصول إلى دلالة‬ ‫فصلت ‪ 53‬فترى أن القرآن حق عندما ترى آيات الله في الآفاق (الطبيعة والتاريخ) وفي‬ ‫الانفس (كيان الإنسان العضوي والروحي وهما فيه مناظران للطبيعة والتاريخ خارجه)‪.‬‬ ‫واستنتجت أنها ستكتشف أن العولمة هي نصف الطريق نحو فهم معنى النساء ‪( 1‬البشر‬ ‫اخوة لأنهم من نفس واحدة ولهم رب واحد) ومعنى الحجرات ‪( 13‬البشر متساوون بصرف‬ ‫النظر عن الفروق العرقية والطبقية والجنسية) وأنهم مدعوون للتعارف معرفة ومعروفا‪.‬‬ ‫فبدوت شديد التفاؤل بمستقبل الإنسانية التي تكون قد أضافت إلى العولمة الحاصلة‬ ‫ويغلب عليها المادي من شروط قيام الإنسان العولمة المنشودة ويغلب عليها الروحي من‬ ‫شروط قيام الإنسان‪ .‬وهو ما يعني أني قد اعتبرت الإنسانية كلها ستصبح مسلمة‪.‬‬ ‫ولعل ذلك يجعل الكثير يعتقد أني أعنى أن المسلمين الحاليين يمثلون هذا المثال الأعلى‬ ‫الذي اتصور الإنسانية ستصل إليه بعد تدبر ما تعيشه الآن وتفهم علله التي حاولت الكلام‬ ‫على بعضها في الفصلين الاولين‪.‬‬ ‫لو كنت اعتقد ذلك لكنت حقا مجانبا للصواب‪ :‬فالمسلمون لا يختلفون عن غيرهم حاليا إلا‬ ‫بالأقوال‪.‬‬ ‫لكنهم بالأفعال لعلهم أفسد من أفسد ما يوجد على الكرة الأرضية‪ .‬وكل الشرور التي‬ ‫لم يفعلوها العلة فيها ليس عدم الإرادة بل عدم القدرة‪ .‬يصح عليهم حل جحا‪ :‬ترك‬ ‫الحمار المسيب وعاقب المربوط لأنه لو كان يستطيع لفعل أكثر‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪18‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫كلامي على الإنسانية كلها ومنها المسلمون‪ .‬وقد يكون الخلط بين الاسم والمسمى مما يجعل‬ ‫بعض المسلمين يتوهم ‪-‬وهذا هو تخريف من يزعمون ا لكلام باسم الإسلام من علماء المدرسة‬ ‫التقليدية ‪-‬يتصورون الغرب سيسلم بمعنى أنه سيجد فيهم مثاله الأعلى‪ :‬كل من يفكر‬ ‫كذلك يكذب على نفسه لما بينت في الفقرة السابقة‪.‬‬ ‫الإسلام الذي أتكلم عليه لم يتحقق أبدا حتى في عهد الراشدين وحتى في عهد الرسول‪.‬‬ ‫هو مدلول النساء ‪ 1‬والحجرات ‪.13‬‬ ‫وكلاهما مثال أعلى تسعى إليه الإنسانية‪ .‬وهما معنيان من جنس المقدرات الذهنية‬ ‫النظرية (المنطق والرياضيات)‪ :‬إنهما من المقدرات الذهنية العملية التي تشمل القيم‬ ‫الخمس التي يعرف بها الإنسان المستعمر في الأرض والمستخلف فيها‪:‬‬ ‫الإرادة الحرة‪.‬‬ ‫‪.1‬‬ ‫والعلم الصادق‪.‬‬ ‫‪.2‬‬ ‫والقدرة الخيرة‪.‬‬ ‫‪.3‬‬ ‫والحياة الجميلة‪.‬‬ ‫‪.4‬‬ ‫والوجود الجليل‪.‬‬ ‫‪.5‬‬ ‫وهذه القيم هي التي تمثل في كيان الإنسان مفهوم العبودية لله بمعنى أن الإنسان الذي‬ ‫يعيها يكون ذا إرادة حرة وذا علم صادق وذا قدرة خيرة وذا حياة جميلة وذا وجود جليل‬ ‫أي إنه لا يعبد غير الانشداد إلى هذه القيم من حيث هي مثل عليا الوعي بها هو جوهر‬ ‫العبادة والعمل بها هو تحققها الفعلي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪19‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهي منشود وجوده وأصل قيامه الروحي بوصفه انشدادا إلى إرادة الله الحرة وعلمه‬ ‫الصادق وقدرته الخيرة وحياته الجميلة ووجوده الجليل مثلا عليا في التمام والكمال ينشد‬ ‫حظه منها‪ :‬وذلك هو الإسلام وشرط السلام بين البشر وهو حقيقة الاستخلاف‪.‬‬ ‫وما أريد الكلام فيه اليوم هو علاقة قيمتي قيام الإنسان العضوي الاقتصاد ‪-‬الاستعمال‬ ‫والتبادل‪-‬وقيمتي قيامه الروحي‪-‬الحرية الكرامة‪ .-‬وما يوحد بين القيم الأربع بوصفه‬ ‫أصلها وغايتها وشرط تحقق الممكن منها في التاريخ الفعلي هو كيان الدولة المجرد الذي‬ ‫يتعين عندما يصبح نظاما واعيا في الجماعات البشرية‪.‬‬ ‫فالدولة من حيث هي بنية مجردة ملازمة لوجود الجماعات شرطا وغاية في آن هي عين‬ ‫هذه القيم في مراحل تحولها إلى مؤسسات ينتظم بها الوجود الإنساني بوعي أو بغير وعي‬ ‫منذ نشأة البشرية‪ .‬لكنها تصبح عينية بمن يملأ خاناتها المؤسسية فيكون قيما عليها ومن‬ ‫هؤلاء يصيبها الفساد‪.‬‬ ‫وهي من ثوابت كيان الإنسان العضوي حتى وإن تأثرت بتطوره الحضاري المتمثل في‬ ‫تربيته وحكمه من قبل القيمين على البنية المجردة للدولة‪ .‬وهي بهذا المعنى المشترك بين‬ ‫الديني والفلسفي بمعنى فاعلية الخلقي غاية والسياسي أداة‪.‬‬ ‫فحياة الجماعات البشرية ممتنعة بدونها وكل من يتكلم على نشأة الدولة في العصر‬ ‫الكلاسيكي أحمق لأنه يخلط بين الدولة وأنظمة القوامة فيها‪.‬‬ ‫لذلك فالدين والفلسفة هما السياسة بالجوهر من حيث هي \"تربية الإنسان أصلا‬ ‫للشرعية وحكمه أداة للشوكة مقومي النظام في الجماعات\"‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪20‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهما ينتجان الإنسان وينتجان عنه من حيث هو منتقل من موجوده إلى منشوده‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن موجوده هو‪:‬‬ ‫القيمتان الاقتصاديتان (الاستعمالية والتبادلية)‬ ‫ومنشوده هو القيمتان الروحانيتان (الحرية والكرامة)‪.‬‬ ‫والأصل هو السياسة المتعينة في الدولة من حيث هي جهاز التربية وجهاز الحكم في أي‬ ‫جماعة من حيث هي جماعة كائنات حية متطورة حضاريا بتطور هذا الوعي بكونها ذاتية‬ ‫النظام والتنظيم‪.‬‬ ‫وقد حدد ابن خلدون حديها الاقصيين‪:‬‬ ‫‪ .1‬البداوة القصوى أو الخضوع شبه المطلقة للشروط الطبيعية للحياة‪.‬‬ ‫‪ .2‬والحضارة القصوى أو الترف والقطيعة مع الشروط الطبيعية للحياة‪.‬‬ ‫‪ .3‬واعتبر التطور الإنسان محصورا بين هذين الحدين الاقصيين‬ ‫‪ .4‬ومحكوما بما سماه \"نحلة العيش\" اي هذه القيم الأربع‪.‬‬ ‫‪ .5‬وختم بضرورة المحافظة على معاني الإنسانية بالتربية والحكم المتحررين من‬ ‫العنف‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار هذا الفصل ‪-‬الثالث من المحاولة‪-‬الفصل الأوسط بين الفصلين السابقين‬ ‫والفصلين المواليين ووظيفته اشتقاق خطة العلاج الذي يثبت أن مآل الإنسانية بعد هذه‬ ‫الأزمة هو إثبات ما تقوله فصلت ‪ 53‬وما بسبب جهله أو تجاهله لم تنجح الأمة في تبين حقيقة‬ ‫القرآن وانجاز المهمة بالدولة الكونية التي بشر بها الإسلام‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪21‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فلو فعلت لكان الإسلام \"استراتيجية التوحيد القرآنية بمنطق السياسية المحمدية\"‬ ‫(تعليل عنوان تفسيري الفلسفي للقرآن الكريم) عولمة جامعة بين شروط الاستعمار في‬ ‫الأرض اقتصاديا بالتحرر من ربا الأموال والاستخلاف فيها روحيا بالتحرر من ربا الاقوال‪.‬‬ ‫والتحرر منهما يعني فهم أن الإنسانية لن تصبح إنسانية إلا بالتحرر من دين العجل‬ ‫ودولته التي يحكمها ربا الاموال (معدن العجل) وربا الأقوال (خوار العجل)‪ .‬وهما عين‬ ‫الأبيسيوقراطيا أو البنية العميقة للثيوقراطيا والانثروقراطيا حيث تكون التربية والحكم‬ ‫باسم الله المتأنس ثم باسم تكون التربية والحكم باسم الإنسان المتأله‪ :‬كلاهما تربية وحكم‬ ‫باسم العجل‪.‬‬ ‫فالانثروبوقراطيا ليست إلا علمنة للثيوقراطيا‪ :‬سواء كانت ليبرالية أو ماركسية‪.‬‬ ‫فلا فرق بين تربية الكنيسة وتربية الحزب الشيوعي مثلا ولا فرق بين الحكم باسم‬ ‫الواجبات المزعومة إزاء الله والحكم باسم الحقوق المزعومة إزاء الإنسان‪.‬‬ ‫كل ذلك هدفه تحقيق ربا الأموال وربا الاقوال أي بعدي العجل اللذين تغطي عليهما‬ ‫هذه المعادلة الكاذبة‪ .‬ويمكن أن يزعم البعض أن الليبرالية تختلف عن الماركسية‪.‬‬ ‫وفي الحقيقة الفرق في الأسلوب وليس في الجوهر‪ :‬لأن ما يحققه الماركسي بأسلوب العنيف‬ ‫يحققه الليبرالي بالعنف اللطيف‪ :‬كلاهما يستعبد الإنسان بوهم السعادة الكاذبة أو بوهم‬ ‫الوعد الكاذب‪.‬‬ ‫وهي ليست كاذبة فحسب بل هي خداع لتمرير المعادلة الظالمة بسبب المقابلة بين قيم‬ ‫الاستعمال (تحط من الضروري) وقيم التبادل (ترفع من الكمالي) في شرط القيام العضوي‬ ‫أو التعاون بين البشر (مثل سلم الأجور) وبين قيم الكرامة (تحط من الضروري) وقيم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪22‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الحرية (ترفع من الكمالي) في شرط القيام الروحي أو التواصل بين البشر (مثل سلم‬ ‫المنازل)‪.‬‬ ‫ولعل سلم الأجور وسلم المنازل كلاهما دليل قاطع على هذا الخلل الأساسي في المعادلة‬ ‫وعلة ما تنبني عليه من ظلم مطلق‪.‬‬ ‫فلو قارنت أسمى رتب المعرفة (البحث العلمي) بأدنى رتب الفنون (لاعب كرة) ولوجدت‬ ‫أن اجر المبدع فيه هذه يمكن ان يساوي ميزانية البحث العلمي في دولة متوسطة مثل‬ ‫تونس‪ .‬ولو قارنت منزلة أسمى مبدع في فلسفة السياسة مثلا بأدنى رتب \"صبابة\" السياسة‬ ‫ستجد الاول شبه متسول لديه‪.‬‬ ‫فتفقد الدولة شرط المعادلة العادلة وتتحول إلى أداة المعادلة الظالمة بلطف القانون‬ ‫وعنف الأجهزة‪ :‬وعندئذ تصبح في حل من المشترك بين الديني والفلسفي اللذين يصبحان‬ ‫خطابا لا يتجاوز الاقوال بل ويناقض الافعال حتى لما تأتي كورونا لتذكر بتقديم الاستعمال‬ ‫على التبادل والكرامة على الحرية‪ .‬ومن ثم فلا بد من البحث في مسألتين‪:‬‬ ‫‪ .1‬أصناف الانتخاب في تربية الإنسان وهو موضوع الفصل الرابع‪.‬‬ ‫‪ .2‬أصناف الانتخاب في حكم الإنسان وهو موضوع الفصل الخامس والأخير‪.‬‬ ‫كيف أقدم الكرامة على الحرية؟ أليت الحرية أسمى منها؟‬ ‫أبدا‪ :‬فعندما يتنازل الإنسان عن كرامته بسبب فقدان شروط بقائه يصبح عبدا‪.‬‬ ‫فتكون العبودية تنازلا عن الحرية بسبب فقدان الكرامة‪.‬‬ ‫ولهذه العلة لا يكون الإنسان الذي يقبل التنازل عن كرامته حرا بحق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪23‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ومن ثم فالكرامة شرط الحرية أو على الأقل شرط عدم التنازل عنها وتفضيل الموت‬ ‫على العيش دون كرامة‪ .‬وتلك هي العلة التي جعلت ابن خلدون يعتبر فساد معاني الإنسان‬ ‫علته العنف في التربية ومنه يترتب القبول بالعنف في الحكم‪.‬‬ ‫فالأول تربية بنفي كرامة المتعلم والثاني حكم لمن ربي على فقدان الكرامة‪ .‬ولهذه العلة‬ ‫فالجامعات العربية أكثر استبدادا وفسادا من الحكومات العربية لأنها محكومة بمحاربي‬ ‫الكرامة التوابع لمحاربي الحرية‪ :‬والحرب على الحرية مادية وأداة اصحابها الخوف والطمع‬ ‫والحرب على الكرامة معنوية وأداة أصحابها النذالة والسفالة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪24‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القسم الأول‬ ‫وصلنا إلى المسألة الاولى التي تحول دون عدالة المعادلة والتي هي المضمون الأول المشترك بين‬ ‫الديني والفلسفي من منظور القرآن‪:‬‬ ‫‪ .1‬ليس منظوره الموجب فحسب أي ما يذكر به أعني ما نعتبره حقيقة الإسلام كما يصفه‬ ‫القرآن وكما سعى إلى تطبيقه الرسول في عينة منها‪ :‬وذلك هو معنى السنة التي هي سياسة‬ ‫الرسول تربية وحكما من اجل الرعاية والحماية (وذلك هو مفهوم الدولة)‪.‬‬ ‫‪ .2‬بل وكذلك منظوره السالب أي ما ينقد به ما يعتبره التجارب السابقة علة عائلة دون‬ ‫إدراكه وهي العلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ فيه إذ تجتمعان في جعل النظر‬ ‫والعقد شرط الرعاية وتعمير الأرض منطلقا للعمل والشرع شرط الحماية والاستخلاف‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫وقد بينت ذلك من خلال تحليل سورة هود وأخواتها وعلة اعتبار الرسول أنها قد شيبته لما فيها من‬ ‫تكليف بعلاج إشكالية الحيلولة دون‪:‬‬ ‫‪ .1‬رسالة نوح أو علاقة الإنسان بسلطان الطبيعة عليه لأنها مصدر رزقه وسعيه للتحرر من‬ ‫سلطانها بالتقنية (السفينة) والزراعة (اخذ زوجين من كل شيء)‬ ‫‪ .2‬رسالة هود أو علاقة الإنسان بالثروة عين رزقه الذي يستبد به كبار الاغنياء ومحاولة‬ ‫تخليص الجماعة من فسادهم واستبدادهم‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪25‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .3‬رسالة صالح أو علاقة الإنسان بتوزيع الماء مصدر حياته الأول ومحاولة تحرير الجماعة من‬ ‫حرمان الحيوان فضلا عن الإنسان منه‪.‬‬ ‫‪ .4‬رسالة لوط أو علاقة الإنسان بالجنس مصدر حياته الثاني محاولة تحرير الإنسان من طغيان‬ ‫المثلية‪.‬‬ ‫‪ .5‬رسالة شعيب أو علاقة الإنسان بشروط التبادل ومعاييره ومحاولة وضع الموازين والمكاييل‬ ‫ليحصل العدل في التعاوض‪.‬‬ ‫‪ .6‬رسالة موسى أو علاقة الإنسان بالدولة مصدر نظامه والتحرر من سلطانها ومحاولة التحرر‬ ‫من استبداد فرعون ونخبه‪.‬‬ ‫‪ .7‬رسالة ابراهيم أو علاقة الإنسان بما يتعالى على عالم الشهادة أو التوحيد ومحاولة التعالي‬ ‫على العالم الطبيعي بتجاوز الآفلين‪.‬‬ ‫ورسالة ابراهيم هي المفتاح لأنها تشغل القلب ولذلك فد وردت بين الثلاث الأولى والثلاث‬ ‫الاخيرة منها‪.‬‬ ‫ولأن الرسول فهم أنها الوحدانية الابراهيمية التي تمثل التعالي على عالم الشهادة والإيمان بعالم‬ ‫الغيب‪.‬‬ ‫فالإيمان بما يتعالى على العالم الطبيعي والتاريخي يعتبر شرط الشروط اجتهاد الإنسان وجهاده‬ ‫الروحي للتحرر من الحوائل دون عدل المعادلة‪ .‬فقد اعتبر الرسول الخاتم نفسه وكأنه ابراهيم‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫ولذلك فقد دحض القرآن أن يكون ابراهيم يهوديا أو نصرانيا بل هو مقدم على الجميع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪26‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لو لم يفهم الرسول أن هذه السور الخمس‪-‬هود وأخواتها الأربع‪ :‬الواقعة والمرسلات والنبأ‬ ‫والتكوير‪-‬هي مضمون الرسالة التي كلف بها مع بيان أنها ليست رسالة تقدم جديدا بل هي رسالة‬ ‫تذكر بما هو مرسوم في كيان الإنسان العضوي والروحي‪.‬‬ ‫والمشكل هو إذن نسيان الإنسان أو غفلته عما هو في كيانه أو في ما فطر عليه وليس تعليما إلا من‬ ‫حيث التوجيه إلى ما يذكر بها ولذلك وصفت القرآن بكونه سبابة مشيرة ولا يحتوي على المشار‬ ‫إليها اذ هو المطلوب من الإنسان تحقيقه‪.‬‬ ‫وذلك هو مضمون فصلت ‪ 53‬الذي يحدد مجال البحث اجتهاد والإنجاز جهادا لمعرفة حقيقة القرآن‬ ‫وإلى ما قد يحول دون التذكر الفعلي وذلك هو مضمون آل عمران ‪ .7‬التي كان اللجوء إليها علة‬ ‫انحراف علوم الملة الغائية الخمسة (التفسير والكلام والفلسفة والفقه والتصوف)‪.‬‬ ‫فآل عمران ‪ 7‬التي خالفها علماء الملة مثلت مشكل المشاكل وهي علة فساد الفكرين الديني‬ ‫والفلسفي بسبب الخلط بين الغيب والغائب‪ .‬فالفلسفة وقعت في خطأ مميت عندما ظنت أن‬ ‫اللامعلوم من الوجود هو الغائب عن الحس‪.‬‬ ‫ومن ثم فهي قد اعتبرته ما يدركه العقل وراء الحس‪ .‬لكنها توهمت أمرين مستحيلين وهما علة‬ ‫القول بالمطابقة في نظرية النظر والعقد أولا‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪ .1‬أن الموجود شفاف والمشكل كله في قصور الحواس‪.‬‬ ‫‪ .2‬أن العقل نفاذ والمشكل كل في قصور المنهج‪.‬‬ ‫الأسماء والبيان ‪27‬‬

‫‪--‬‬ ‫وكذلك علة القول بالمطابقة في نظرية العمل والشرع ثانيا‪:‬‬ ‫‪ .3‬أن المنشود موجود بالقوة والمشكل كله في قصور الإرادة‪.‬‬ ‫‪ .4‬وأن الإرادة فعالة والمشكل كله في قصور القدرة‪.‬‬ ‫فيعود الأمر إلى وحدة العالم والوجود بما فيه مما هو بالفعل وما هو بالقوة والإنسان محيط به‬ ‫موجودا ومنشودا ولا وجود لمفهوم الغيب‪ .‬لكن ذلك كله مبني على مفارقة وهي قلب العلاقة في كل‬ ‫هذه الحالات‪:‬‬ ‫‪ .1‬في النظر والعقد كان الحكم بقصور الحواس وعلاجه بنفاذ العقل‪ .‬لكن الحكم في النهاية‬ ‫يعود إلى الحواس لأن العقل من دون التجربة يصبح خيالا‪ .‬وإذن فالحل دوري وهو قياس‬ ‫الغائب على الشاهد‪ .‬وهو حل تبناه علم الكلام فصار مأزق الفكر الفلسفي مأزقا للفكر‬ ‫الديني‪.‬‬ ‫‪ .2‬وفي ا لعمل والشرع كان الحكم بقصور الإرادة وعلاجه بكمال القدرة‪ .‬لكن الحكم في النهاية‬ ‫يعود إلى الإرادة لأن القدرة من دون إرادة تصبح ظاهرة طبيعية وليست إنسانية‪ .‬وإذن‬ ‫فالحل قياس الحرية على الضرورة فنعود إلى الحل النظري‪.‬‬ ‫وهو حل تبناه علم الكلام وخاصة الاعتزال حيث صارت الحرية من جنس الضرورة تحصل بقدرة‬ ‫طبيعية هي التولد وحتى الأشعرية إذ إن الكسب كسب لما يحصل بالضرورة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪28‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما يعنيني في هذا الفصل ليست هذه المقدمة المتعلقة بالماضي الفكري الذي سيطر على الفلسفة‬ ‫والدين فحال دون تجاوز القول بالمطابقتين أي المأزقين المتعلقين بنظرية المعرفة (النظر والعقد)‬ ‫وبنظرية القيمة (العمل والشرع) بل ما يتعلق بالحاضر والمستقبل‪.‬‬ ‫فما نتج عن فلسفة أفلاطون وأرسطو تكرر مثله وأخطر منه في ما نتج عن فلسفة هيجل وماركس‪.‬‬ ‫وبالذات أرسطو وماركس‪.‬‬ ‫فأفلاطون وهيجل أبعد غورا ولا يقدر عليهما النخب الامية والمسيطرة على العمل والشرع أو‬ ‫السياسة في بلاد العرب ويكتفون بالتبسيط الارسطي لأفلاطون والماركسي لهيجل‪.‬‬ ‫فالقول بالمطابقتين أوضح عند ارسطو وماركس وهو ما يجعل الفلسفة مطابقة تقريبا للرؤية‬ ‫العامية لما يسميه هؤلاء النخب الواقع ويقيسون عليه ما يجهلونه فيكون الأمر كله عائدا إلى القول‬ ‫بالماطبقتين‪.‬‬ ‫ولذلك فجلهم يسخر من أفلاطون وهيجل‪.‬‬ ‫والمشكل أنهم لا يدرون أن هذين (أفلاطون وهيجل) يعودان في النهاية وفي العمق إلى ذينك‬ ‫(أرسطو وماركس) إذ إن توهم المثل (أفلاطون) والأفكار (هيجل) قابلة للعلم يعني في النهاية‬ ‫نفي الغيب والقول بوحدة العالم والوجود‪.‬‬ ‫ويمكن القول إن الاله الصانع الافلاطوني في الطبائع والسياسي في الشرائع أصبحا عند هيجل‬ ‫المسيح في العقائد الدينية المؤرخنة وهيجل العقائد الفلسفية المؤرخنة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪29‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وما قام به أرسطو إزاء فلسفة الطبيعة والتاريخ الأفلاطونية (كتاب الميتافيزيقا) قام به ماركس‬ ‫إزاء فلسفة الطبيعة والتاريخ الدين الهيجلية (كتاب الايديولوجيا الالمانية)‪.‬‬ ‫والآن يمكن أن أعالج المشكل الأول‪ :‬مشكل القيمتين الاقتصاديتين ‪-‬الاستعمال والتبادل‪-‬وعلة‬ ‫عدم عدل المعادلة فيهما حتى عندما يتبين أن الاستعمالي أهم من التبادلي كما في حالة كورونا‬ ‫اليوم‪ :‬فالغذاء أهم من الذهب‪.‬‬ ‫لكن صاحب الذهب يبقى مسيطرا على القيمة الاستعمالية لما تحقق له سابقا من سيطرة على القيمة‬ ‫التبادلية والقيمة التواصلية‪ .‬وإذن فالأمر كله متعلق بالسيطرة على أداة التبادل وأداة التواصل‪:‬‬ ‫‪ .1‬فأداة التبادل أو العملة لا تبقى مجرد أداة تبادل بل تصبح بتوسط ربا الأموال أداة سلطان‬ ‫على المتبادلين‪.‬‬ ‫‪ .2‬وأداة التواصل أو الكلمة لا تبقى مجرد أداة تواصل بل تصبح بتوسط ربا الاقوال أداة‬ ‫سلطان على المتواصلين‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أن المسيطرين على بعدي العجل ‪-‬المال والخوار‪-‬هم من يسيطر على الضروري لقيام‬ ‫الإنسان العضوي والروحي بفضل سيطرتهم على الكمالي‪.‬‬ ‫والكمالي هو علة ربا الأموال علة ربا الأقوال‪.‬‬ ‫وإذا كان ربا الأموال متعلقا بالقيمتين الاقتصاديتين أو الماديتين فإن ربا الاقوال متعلق بالقيمتين‬ ‫الثقافيتين أو الروحيتين‪ :‬فالأوليان تقلبان العلاقة بين الضروري والكمالي من شروط حياة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪30‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الإنسان العضوية والثانيتان تقلبان العلاقة بين الضرورة والكمالي من شروط حياة الانسان‬ ‫الروحية‪.‬‬ ‫تبين الآن أن الفصل الرابع لا يكفي لعلاج إشكالية القيمتين الاقتصاديتين أعني الاستعمالية‬ ‫والتبادلية ومن ثم فسأكتفي اليوم بهذه المقدمة لأعود في فصل رابع \"بيس\" أو مكرر لعلاجهما‪.‬‬ ‫وإذن فسيكون الامر بالمثل بالنسبة إلى القيمتين المتعاليتين عليهما أعني الكرامة والحرية فـأخصص‬ ‫لهما فصلين خمسة وخمسة مكرر‪ .‬آملا أن يكون ذلك مساعدا على وضوح أزيد‪.‬‬ ‫والله ولي التوفيق‪ :‬ودائما سيكون ابن خلدون أهم مصدر في تحديد معالم الحل خلافا لما يتصوره‬ ‫القائلون إنه لم يعد صالحا بل مات مع عصره‪.‬‬ ‫لو كان هذا التخريف صحيحا لكان أفلاطون وأرسطو وهيجل وما ركس هم أيضا قد ماتوا مع‬ ‫عصرهم‪ .‬والغريب أن القائلين بموت ابن خلدون وفكر المسلمين مع عصرهم لا يستحون فيحتجون‬ ‫بما يسمونه فلسفة ما بعد الحداثة رغم أن مؤسسها ‪-‬نيتشه‪-‬عاد إلى ما قبل أفلاطون وأرسطو‬ ‫ناهيك عن هيجل وماركس‪.‬‬ ‫إن هذه التكوينية ‪-‬الجوناز‪-‬هي التي تمكن من أعادة النظر في تاريخ فكرنا دون فصله عما تقدم‬ ‫عليه وما تأخر عنه‪ .‬فلست من القائلين بالخصوصية في الفكرين الديني والفلسفي لأن ذلك ينافي‬ ‫جوهر المشترك بينهما كما يعرضه القرآن الكريم الذي لا يخاطب جماعة دون جماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪31‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بل هو يخاطب الإنسانية كلها (النساء ‪ )1‬ولا يميز بين شعوبها وقبائلها بل يسوي بينهم جميعا‬ ‫(الحجرات ‪ )13‬ويدعوهم للتعارف معرفة ومعروفا ما يعني أن الخصوصيات ثانوية وفلكلورية‬ ‫وليست من أساسيات الفلسفة والدين‪.‬‬ ‫القسم الثان‬ ‫أواصل في الفصل الرابع مكرر ما شرعت فيه حول التراتب بين القيمتين الاقتصاديتين الاستعمالية‬ ‫والتبادلية في حالتي السراء والضراء أي في السلم وفي الحرب دون أن يترتب على ذلك تغير في‬ ‫العلاقة بين ما كانوا أصحاب الثانية وأصحاب الأولى بمعنى أن من كان مسيطرا على القيم‬ ‫التبادلية يبقى بعد تأخر دورها مسيطرا على القيم الاستعمالية بعد أن تقدم دورها‪.‬‬ ‫ولما كانت حالة الضراء تجعل سد الحاجات العضوية هي المسيطرة فإن أغرب ما يحصل في الجماعات‬ ‫البشرية هو أن سد الحاجات الروحية بالقيمتين الثقافيتين أي الكرامة والحرية يصبح تابعا لسد‬ ‫الحاجات العضوية فيتدنى المستوى الخلقي للجماعة حتى تكاد تنكص إلى الحيوانية وتفقد معاني‬ ‫الإنسانية كما بين ذلك ابن خلدون في الجماعات التي تكون السياسة فيها ببعديها تربية وحكما‬ ‫خاضعة لعنف الاستبداد والفساد بحكم تقدم سد الحاجات العضوية على الحاجات الروحية‪.‬‬ ‫وحتى يفهم القاري ذلك فليدرس فصل الترف من المقدمة حيث يبين ابن خلدون كيف أن ذلك‬ ‫يؤدي إلى اجتماع الثروة عند القلة والفقر عند الكثرة فتزول معاني الإنسانية عند الجميع‬ ‫ويكثر الاستبداد والفساد والتنازل عن الكرامة والحرية ويصبح كل شيء بضاعة وخدمة تباع‬ ‫وتشترى ومن ثم فالقيم الاقتصادية تصبح هي المسيطرة وتزول أو تتقصدن القيم الثقافة أعني‬ ‫الكرامة والحرية‪ .‬ومن علامات ذلك أن الشرف والعفة تزولان أو تكادان فيصبح كل شيء يباع‬ ‫ويشترى وتعود الإنسانية الى أول تجارة وهي تجارة الجنس والجواري والولدان‪.‬‬ ‫وما أريد أن أخصص له هذا الجزء الثاني من الفصل الرابع أي الرابع مكرر هو أين يحصل ذلك‬ ‫وكيف‪ .‬فهو يحصل في وظائف الرعاية الخمس للدولة أي في تكوين الأجيال ببعديه وفي تموينها‬ ‫ببعديه وفي أصلها جميعا أي في البحث العلمي الذي يبدع أدوات التكوين والتموين لأن الجماعات‬ ‫الإنسانية هي الجماعات التي يكون كل ما تنتجه من أدوات انتاجها لذاتها وهو معنى استعمارها في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪32‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الأرض ومعنى خلق الإنسان في كبد قرآنيا لأن الإنسان جهز بصورة تجعله قادرا على التعامل مع‬ ‫الطبيعة ومع التاريخ ليرعى نفسه بنفسه بشرط تكون الجماعات وانتظام وجودها وهو معنى‬ ‫الدولة في نظرية المقدمة‪ .‬أما كيف فهو موضوع هذا الجزء الثاني‪ :‬ويمكن القول إن سؤال كيف له‬ ‫جوابان فعليان وجوابان امكانيان وعلاجها أربعتها واحد‪:‬‬ ‫‪ .1‬فيمكن أن يكون أحيانا سالبا في الضراء‪.‬‬ ‫‪ .2‬ويمكن أن يكون أحيانا موجبا في السراء‪.‬‬ ‫‪ .3‬لكن يمكن أن يكون دائما في الضراء‪.‬‬ ‫‪ .4‬ويمكن أن يكون دائما في السراء‪.‬‬ ‫‪ .5‬ولا مفر من البحث عن حل لهذه الحالات الأربع‪.‬‬ ‫وذلك هو المشكل الذي يتحدد بمقتضاه المشترك بين الدين والفلسفة أعني تحرير الإنسان من‬ ‫المعادلة الظالمة وتحديد شروط المعادلة العادلة التي تسعى إلى تجنب الفرضية الأولى بدارا أو‬ ‫وقاية فتحقق الفرضية الثانية قدر المستطاع لعلم الإنسان بضرورة عدم الغفلة عن إمكانية‬ ‫الفرضية الثالثة ‪-‬وهي مفهوم الخسر في القرآن‪-‬وكذلك لعلمه بهشاشته أي باستحالة إمكانية‬ ‫الفرضية الرابعة التي تهي التذكير الدائم بالفرضيات الثلاث السابقة عليها ومن ثم فهي العلاج‬ ‫الأصلي للأدواء الأربعة‪.‬‬ ‫وكل من درس أفلاطون يعلم أن كتاب الجمهورية كان محاولة للجواب عن سؤال \"ما العدل\" والذي‬ ‫اعتبر سقراط بطل الحوارية أنه لا يمكن تعريفه من دون توسيع الإشكالية والنظر في سؤال‬ ‫أوضح ويتعلق بالدولة العادلة التي تتعين في فيها المعادلة العادلة‪ .‬ورغم أن الحل الأفلاطوني‬ ‫ليس الحل المناسب لأنه ما يمكن اعتباره المقدرات الذهنية النظرية بالمعنى التيمي (موضوع المقالة‬ ‫السابعة من الجمهورية) فإنها بداية يستكملها الدين عندما يضيف ما سميته المقدرات الذهنية‬ ‫العملية استكمالا لنظرية ابن تيمية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪33‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وعندئذ يتبين أن سورة العصر هي التي تقدم علاجها من منطلق البحث في علل وقوع الإنسان في‬ ‫الخسر وشروط تحرره منه وهو في آن مشكل لا يمكن حله من دون الجمع بين نوعي المقدرات‬ ‫الذهنية النظرية التي اقتصر عليها أفلاطون والعملية التي أضافتها السورة على النحو التالي‪:‬‬ ‫• فالفرد لا يتحرر من الخسر من دون الإيمان (الاجتهاد في النظر والعقد) والعمل الصالح‬ ‫(الجهاد في العمل والشرع)‪.‬‬ ‫• والجماعة لا تتحرر من الخسر من دون التواصي بالحق (الاجتهاد لمعرفة الحقيقة)‬ ‫والتواصي بالصبر (الجهاد للعمل بالحقيقة)‪.‬‬ ‫• والكيف يصبح محددا بدقة على النحو التالي‪.‬‬ ‫فهو كيف تكون الجماعات أجيالها وكيف تمونها وكيف يرد ذلك كله إلى أصل وحيد يكون في‬ ‫البداية حصيلة الصدف ثم يصبح بالتدريس استراتيجية تعامل مع الطبيعة والتاريخ‪:‬‬ ‫فأما كيف تكون الجماعات اجيالها فذلك موضوع مستويي التربية أعني التربية النظامية التي‬ ‫يغلب عليها التكوين المعرفي وتطبيقاتها والقيمي وتطبيقاته مع رعاية الكيان العضوي والروحي‬ ‫للفرد في نظام التعليم والتكوين والتربية التي يغلب عليها تطبيق التكوينيين في رعاية كيان‬ ‫الجماعة العضوي والروحي من خلال نظام التعاون في تقسيم العمل بحيث يكون كل فرد في خدمة‬ ‫الجماعة بالسهم الذي يختص فيه من تقسيم العمل شرطا في التعاون المشروط بالتبادل العادل‪.‬‬ ‫وأما كيف تمون الجماعات اجيالها فذلك هو موضوع مستويي الإنتاج المادي أو الاقتصادي والإنتاج‬ ‫الروحي أي الثقافي اللذين يكونان حصيلتي التكوينين وذلك هو معنى كون الجماعة تنتج ما ينتجها‬ ‫أو ما يحافظ على بقائها من خلال تعميرها للأرض وتنظيم تقاسم العمل بحيث يكون كل فرد في‬ ‫جدمة الجماعة لكأن فرض العين في إعالة الذات يتحول إلى فرض كفاية كل واحد ينوب البقية في‬ ‫إعالة الجماعة بما تحتاج إليه مما هو مختص فيه وصار نصيبه من الجهد الجماعي في بقاء الجماعة‬ ‫وتجديد شروط بقائها للمحافظة على ذاتها‪.‬‬ ‫لكن مستويي التكوين ومستويي التموين تكون أربعتها شبه عفوية وغير خاضعة لاستراتيجية إذ‬ ‫إن جل ما يحصل فيها يكون شبه سلوك فطري وكل ما يعتمده من طرق ومناهج يكون حاصلا عن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪34‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫خبرة عفوية جلها يقع بالصدفة‪ .‬فمثلا كل الأغذية اكتشفت بالصدفة إذ إن النباتي والعضوي‬ ‫والماء والهواء كلها تم اكتشافها بالصدف من خلال تجارب غالبا ما يكون ضحاياها أكثر من‬ ‫المستفيدين منها‪.‬‬ ‫ولأضرب مثالا عشته بنفسي في البادية‪:‬‬ ‫فضيعتنا فيها الكثير من الفطر والمعلوم أن فيه ما هو سام وفيه ما هو غذاء‪ .‬فكان أول شيء يعلمنا‬ ‫إياه كبارنا من ذوي الخبرة التمييز بين الفطر السام والفطر المغذي ولا أعتقد أن كبارنا عرفوا‬ ‫ذلك بالبحث العلمي بل كان ذلك حصيلة تجارب أجيال سابقة بعضهم مات دون شك لأنه أكل من‬ ‫الفطر السام‪.‬‬ ‫ونفس الشيء في العقارب‪ .‬فقد تعلمت التمييز بين أنواعها لأن ضيعتنا فيها الكثير من أصنافها‪.‬‬ ‫وما كنت لأتعلم ذلك لو لم يكن في جماعتنا من حصل على خبرة من أجيال سابقة بعضها لسعته‬ ‫عقرب ذات سم قاتل‪.‬‬ ‫وقد لسعت مرتين ولحس الحظ لم تكونا قاتلتين وإلا لما عشت لأكتب هذا الفصل‪.‬‬ ‫وفي احدى المرات كنت ضيفا بتطاوين وكنت خائفا من عقارب الجنوب‪ .‬فسألت الصديق الذي‬ ‫استضافني هل أنام مطمئنا فلا أخاف من ا لعقارب؟ فقال لي مازحا لا تخش شيئا فليس عندنا‬ ‫الكثير منها‪ .‬فرددت عليه مازحا كذلك المشكل ليس في الكثرة فواحدة تكفي‪ .‬ونمت مطمئنا لأنه‬ ‫أكد لي أنه لا توجد في هذا الفندق حتى واحدة‪.‬‬ ‫وإذن فالتكوين ببعديه والتموين ببعديه لا بد فيهما من استراتيجية تجعلهما خاضعين للبحث‬ ‫والاعلام العلميين وهو الأصل فيها جميعا‪ .‬وبه ننتقل من التكوين والتموين الخاضعين لفنيات‬ ‫رعوانية عفوية ليست خاضعة للعمل على علم ولاستراتيجية بعيدة المدى تقدم الآجل على العاجل‬ ‫للتغلب لتحقيق الهدف المشترك بين الديني والفلسفي أي شروط استعمار الإنسان في الأرض‬ ‫والاستخلاف فيها دون الاخلاد إليها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪35‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويترتب على ذلك أن أول علل سيطرة الضراء هو غياب هذا الأصل أي البحث والاعلام العلميين‬ ‫في الجماعة‪ .‬فتصبح الجماعة خاضعة دائما للضرورة وعاجزة عن التحرر من الأدواء السبعة التي‬ ‫اشارت إليها سورة هود وأخواتها‪:‬‬ ‫‪ .1‬يبقى الإنسان تابعا للضرورة الطبيعية (لأنه لم يفهم رسالة نوح)‪.‬‬ ‫‪ .2‬يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالثورة (لأنه لم يفهم رسالة هود)‪.‬‬ ‫‪ .3‬يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالماء (لأنه لم يفهم رسالة صالح)‪.‬‬ ‫‪ .4‬يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالجنس (لأنه لم يفهم رسالة لوط)‪.‬‬ ‫‪ .5‬يبقى الإنسان خاضعا لمستبدين بمعايير التبادل (لأنه لم يفهم رسالة شعيب)‪.‬‬ ‫‪ .6‬يبقى الإنسان خاضعا لدولة الاستبداد والفساد (لأنه لم يفهم رسالة موسى)‬ ‫‪ .7‬وكل ذلك لعدم التحرر من كل معبود سوى الله أي لعدم التعالي على المتألهين في الدنيا‬ ‫والمستعبدين للإنسان لأنه لم يفهم رسالة إبراهيم‪ .‬والرسول الخاتم كلف بتحرير الإنسانية‬ ‫من الشرك أي من هذه الآلهة الستة التي لا يحرر منها غير المعبود الوحيد‪ :‬وذلك هو معنى‬ ‫العودة إلى إبراهيم في القرآن‪ .‬فماذا يحدث من دون هذا التحرير‪ :‬فساد التكوينين وفساد‬ ‫التموينين وغياب البحث والأعلام العلميين‪ .‬وتلك هي حال الأمة حاليا‪:‬‬ ‫• ويمكن أن أسمي فساد التكوينين بظلم الانتخاب التكويني لأن منظومة التربية بمستوييها‬ ‫تنتخب في التكوين الذي يغلب عليه اعداد الأجيال معرفيا وخلقيا في منظومة التربية‬ ‫النظامية وفي التكوين الذي يغلب عليه تطبيق ذلك التكوين في منظومة التربية الاجتماعية‬ ‫خلال القيام بالدور في تقاسم العمل في الجماعة‪.‬‬ ‫• كما يمكن أن اسمي فساد التموينين بظلم الانتخاب التمويني لأن منظومة توزيع الثروة‬ ‫الناتجة عن الفساد في التكوينيين تؤدي إلى أن حصيلة الجهد الجماعي في الاقتصاد وفي‬ ‫الثقافة لا يطابق مبدأ الرجل المناسب في العمل المناسب ومن ثم فغير المناسب يحصل على‬ ‫الثروة والمنزلة التي لا يستحقها ويحرم منها من يستحقها فضلا عن ترتيب المهن ومنازل‬ ‫أصحابها بحسب القيمتين الاقتصاديتين اللتين لا تبقيان محصورتين في الاقتصادي بل‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪36‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تشملان ما يتجاوزه لأن الكرامة والحرية كلتاهما تصبحان تابعتين لهما عندما تسيطر حالة‬ ‫الضراء ويرد الجميع لوضعية الضروري أو ا لحد الأدنى من شروط البقاء‪.‬‬ ‫لكن ذلك كله يرد إلى غياب شرط الشروط الذي هو البحث والأعلام العلميين‪ .‬وهما على صنفين‬ ‫أولهما يتعلق بمستويي التكوين وبمستويي التموين من حيث العلاقة بالطبيعة التي هي مصدر‬ ‫شروط البقاء ومن حيث العلاقة بالتاريخ الذي هو مصدر شروط تنظيمها‪ .‬لكن إذا اكتفى البحث‬ ‫والاعلام العلميان بالعلاقتين بالطبيعة والتاريخ فقد يؤول إلى الاخلاد إلى الأرض فلا يرى ما‬ ‫وراء الطبيعة وما وراء التاريخ‪.‬‬ ‫وهنا يأتي المشترك بين الفلسفي والديني‪ :‬فلا توجد فلسفة حتى عندما تقول بالمطابقتين ليس‬ ‫فيها محاولة للتعالي على الإخلاد إلى الأرض‪ :‬فعند أفلاطون وهيجل الأمر لا يحتاج إلى بيان‪ .‬ولكن‬ ‫حتى عند أرسطو وماركس فإن الماوراء موجود فعلا‪ .‬فهو عند أرسطو موضوع المقالة الثانية عشرة‬ ‫من الميتافيزيقا وعند ماركس هو الغاية من فلسفته لأنه في النهاية يطلب ما يحرر الإنسان من‬ ‫العبودية حتى وإن توهم أن ذلك ممكن من دون دين فإذا به يجعل نظرية الاشتراكية دينا ومجرد‬ ‫يتوبيا لا تحقق إلى عكسها أي الدولة الفاسدة والمستبدة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪37‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫القسم الاول‬ ‫فرغنا من الكلام على علل فساد وظائف الرعاية التكوينية والرعاية التموينية ببعديهما وفساد‬ ‫وظيفة الوظائف أعني البحث والإعلام العلميين الذي هو شرط الرعايتين التكوينية والتموينية‬ ‫ببعديهما لأن كل ما ينتجه الإنسان هو لإنتاج ذاته الفردية والجماعية والمحافظة عليهما‪.‬‬ ‫ولا يمكنه إنتاج ذلك من دون النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة والعمل والشرع لمعرفة قوانين‬ ‫التاريخ‪ :‬وذانك هما أداتا كل سياسة في التربية والحكم يعملان على علم‪.‬‬ ‫ورأينا أن الفساد في الوظائف هو علة الداء الذي يصيب المجتمعات الإنسانية ويسميه ابن خلدون‬ ‫فساد معاني الإنسانية بسبب العنف في التربية والحكم‪ .‬وطبعا ابن خلدون لم يتكلم على العنف‬ ‫بصورة تكتفي ما يترتب على التربية والحكم من إذلال للإنسان وقتل ما يتميز به‪.‬‬ ‫بل عرفه تعريفا ينبني على أمر مشترك بين ما يتأسس في الطبع وهو فلسفي وما يتأسس في‬ ‫الاستخلاف وهو ديني مع تقديم الثاني على الأول لأنه جعله هو الذي يقتضي رئاسة الإنسان‬ ‫بمعنى مختلف تماما عن مفهوم السيادة عند هيجل وماركس‪:‬‬ ‫فالسيادة عند هيجل وماركس منزلة قانونية نتجت عن صراع بين البشر فيها تمييز في الحقوق‬ ‫والواجبات والمنزلة بين سيد وعبد وتمييز بين البشر بمقتضى ما بينهم من علاقات قوة وتلك هي‬ ‫علة فساد الوظائف لأن الجماعة الإنسانية تتأسس على الصراع على السيادة فيصبح البعض عبدا‬ ‫للبعض‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪38‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويكون هذا الصراع إما صراع أرواح الشعوب كما عند هيجل أو صراع طبقاتها كما عند ماركس‪.‬‬ ‫ومن هنا نفهم القصد بجواب رسول جيش الفتح على سؤال قائد جيش فارس ما الذي أتى بكم‬ ‫لمحاربتنا‪\" :‬جئنا لنحرركم من عبادة العباد بعبادة رب العباد\"‪.‬‬ ‫والرئاسة عند ابن خلدون ليست منزلة قانونية فحسب بل هي منزلة ووجودية تصبح قانونية إذا‬ ‫تحولت إلى منزلة خلقية تحكم السياسة تربية وحكما لأنها تنتج عن كون الإنسان له شروطها‬ ‫العضوية (وهي قدرة البدن والقوة المادية) التي تشمل كل البشر وشروطها الروحية (وهي‬ ‫قدرة الفكر والقوة الخلقية) وليس فيها تمييز بين سيد وعبد بل الجميع رؤساء بمقتضى علاقات‬ ‫القيمة بينهم ومنه تصبح الجماعة الإنسانية مؤسسة على الأخوة لأنهم من نفس واحدة (النساء‬ ‫‪ )1‬وعلى المساواة والتعارف ( (الحجرات ‪.)13‬‬ ‫يقول ابن خلدون في الفصل ‪ 24‬من باب المقدمة الثاني بعنوان‬ ‫\"في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء\"‪\" :‬وفيه (في اندثار الأمم المغلوبة)‬ ‫والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له‪.‬‬ ‫\"والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غايته تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده وهذا موجود‬ ‫في أخلاق الأناسي‪ .‬ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة وإنها لا تسافد إذا كانت في ملكة‬ ‫الآدميين‪ .‬فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء‬ ‫والبقاء لله وحده\"‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪39‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيكون ما حصل في وظائف الإعالة من فساد علته الفرق بين هذين الرؤيتين‪ :‬فالأولى تقلب علاقة‬ ‫الاقتضاء فتجعل الطبيعي يرد إليه ما يتجاوزه بحيث إن تاريخ الإنسان يتحول من مقتضى‬ ‫الاستخلاف إلى مقتضى الاستعمار في الأرض ومن ثم فإن قيمتي الكرامة والحرية تردان إلى‬ ‫قيمتي الاستعمال والتبادل‪.‬‬ ‫فيصبح الأمر الواقع من وجود الإنسان الذي لا ينكره إلا جاهل ‪-‬وهو ما يتجلى خاصة في الحروب‬ ‫عندما يصبح الضروري أرفع قيمة من ا لكمالي لكنه يبقى تحت سلطة أصحاب الكمالي بما لهم من‬ ‫سلطان على الاقتصادي فيقصدن كل شيء بما في ذلك الكرامة والحرية‪.‬‬ ‫والآن أريد أن أمر إلى ما يحصل في وظائف الحماية بعد أن درسنا ما يحصل في وظائف الرعاية‬ ‫وسيكون ذلك موضوع هذا الفصل الخامس الذي يكتمل لاحقا في الفصل الخامس مكرر والذي يجمع‬ ‫بين نوعي الوظائف بوصفها عين الغاية من الدولة التي هي في آن المشترك بين الفلسفي والديني‬ ‫عندما يتحرران من القول بالمطابقتين‪.‬‬ ‫فيدركان أن الأمر كله يتعلق بمعاني هذا التعريف الخلدوني للإنسان من حيث هو رئيس بطبعه‬ ‫(ما للإنسان من شروط الاستعمار في الأرض) بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (ما للإنسان من‬ ‫شروط الاستخلاف فيه)‪.‬‬ ‫وهذه العلاقة هي التي تحدد البنية المجردة للدولة من حيث هم نظام الوظائف بصنفيها التي هي‬ ‫فروض عين على الأفراد باعتبارهم جميعا مكلفين بفروض كفاية هي خدمة الفرد للجماعة‬ ‫وخدمة الجماعة للفرد بتقاسم العمل لسد الحاجات العضوية بالتبادل والتعاوض العادل ولسد‬ ‫الحاجات الروحية بالتواصل والتعارف الصادق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪40‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهذا هو المشترك بين الديني والفلسفي وكلاهما لا بد أن يكون في آن علاقة بالطبيعة وبالتاريخ‬ ‫وبما وراء الطبيعة وبما وراء التاريخ وبما يرد إليه الماوراءين أي ما حددته سورة العصر أعني‬ ‫تجنب الخسر بالإيمان والعمل ا لصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر‪.‬‬ ‫وهي جوهر العلاقة بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب لأن الإنسان هو البرزخ بينهما‪ :‬فروحه‬ ‫من عالم الغيب وبدنه من عالم الشهادة وكيانه من حيث هو واحد هو العبودية لربه طوعا (المؤمن‬ ‫بوعي) أو كرها (الملحد بلا وعي)‪.‬‬ ‫ما رأيناه قد حدث في وظائف الرعاية يحدث مثله في وظائف الحماية وهي خمسة مثلها‪ .‬ففيها‬ ‫الحماية الداخلية وهي مضاعفة أي القضاء والأمن‪ .‬وفيها الحماية الخارجية وهي مضاعفة كذلك‬ ‫أي الدبلوماسية والدفاع‪ .‬وفيها ما يناظر البحث والأعلام العلميان وهما الاستعلام والإعلام‬ ‫السياسيان‪.‬‬ ‫فالبحث والاعلام العلميان يتعلقان بشروط التكوين والتموين ويشملان من ثم وظائف الحماية‬ ‫لأنه لا يمكن لجماعة أن توفر شروط حمايتها من دون تمويلها وتمويلها تنتجه الرعاية‪.‬‬ ‫والاستعلام والاعلام السياسيان يتعلقان بقوامة كل الوظائف سواء ما تعلق منها بالحماية أو‬ ‫بالرعاية لأن كل عمل لا يكون على علم إذا لم يكن داريا بما يجري في الموضوع الذي يسوسه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪41‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫رأينا أن الفساد يسيطر على التكوينين والتموينين بسبب فساد الانتخاب بمعنى أن التكوين فيه‬ ‫انتخاب للأجيال إذا فسد يفسد تخريج الأجيال المناسبة لوظائف الرعاية كلها‪.‬‬ ‫وللانتخاب مثل التكوين مستويان‪:‬‬ ‫‪ .1‬انتخاب في التكوين النظامي الذي يتقدم فيه النظر والعقد على العمل والشرع قبل‬ ‫التخرج من منظومة التعليم وفيها يكون المعلم في آن معلما وقاضيا يرتب المتعلمين بالعدل‬ ‫بحسب الكفاءة‬ ‫‪ .2‬ثم انتخاب التكوين اللانظامي الذي يتقدم فيه العمل والشرع على النظر والعقد بعد‬ ‫التخرج أي في نظام تقسيم العمل المنتج سواء كان ثقافيا (العلوم والفنون) أو اقتصاديا‬ ‫(البضائع والخدمات)‪.‬‬ ‫وفساد الانتخاب في المستويين هو بنحو ما فساد دور المعلم في المستوى الأول والمعلم في المستوى‬ ‫الثاني من حيث هو \"قاض\" يعير المتعلم في المدرسة وفي المعمل بحسب شروط الفن تعييرا عادلا أو‬ ‫تعييرا غير عادل‪.‬‬ ‫والفساد هو في التعيير الذي هو شرط الانتخاب ومن المفروض أن يكون شرط وضع الإنسان‬ ‫المناسب في المكان المناسب في سلم تقسيم العمل الذي يتطلبه تفعيل الانتاجين الثقافي والاقتصادي في‬ ‫الجماعة لسد الحاجات العضوية والروحية‪.‬‬ ‫وكل ظلم في هذه التعيير يترتب عليه فقدان للحقوق في الرعاية التموينية لأن التموين الذي يسد‬ ‫الحاجات العضوية والذي يسد الحاجات الروحية يتحدد بسلم الأجور الذي يستند عادة إلى سلم‬ ‫الرتب في تقسيم العمل في الجماعة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪42‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فينخرم النظام بحيث إن الجزاء لن يكون متناسبا مع الجهد بل العكس هو الذي يحصل فضلا عما‬ ‫يترتب على ذلك من سلطان الثروة الذي لا يكتفي بهذا المستوى الأول من الظلم بل ينتج عنه‬ ‫ظلم ثان‪.‬‬ ‫وهو ما للمستبد بالسلطة من قدرة على افتكاك ما عند غيره ويسميه ابن خلدون \"مد اليد\" لما عند‬ ‫الغير وضرورة وجود السلطان الرادع لذلك وتلك هي الوظيفة الأولى للدولة في نظريته للدولة‪.‬‬ ‫لكن الدولة نفسها قد يصبح من كلفوا بقوامتها هو بأنفسهم طرفا في هذا العملية بدلا من أن‬ ‫يكونوا حكما وذلك هو معنى الاستبداد السياسي‪ .‬وهو العلة الأساسية لفساد الانتخابين في‬ ‫مستوييهما التكويني والتمويني‪.‬‬ ‫وأريد الآن أن أختم بالكلام على كيفية تعين هذا الاستبداد عندما تصبح الدولة بمن له قوامتها‬ ‫طرفا في الصراع وذات دور في إفساد الانتخابين في التكوين والانتخابين في التموين‪.‬‬ ‫ولها مع ذلك القدرة على افتكاك الأرزاق المادية والروحية من خلال رد القيم المتعالية التي تحدد‬ ‫منزلة الإنسان من حيث هو مستخلف في الأرض (الكرامة والحرية) إلى القيم المتدانية التي تحدد‬ ‫منزلة الإنسان من حيث مستعمر في الأرض (الاستعمال والتبادل)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪43‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وذروتها الدولة التي تدعي الحضانة وتعني في الحقيقة استعباد الناس بردهم إلى عبيد لأن العبد‬ ‫هو الذي يعمل مقابل القوت اليومي دون كرامة ولا حرية‪ .‬وهذا هو جوهر الأنظمة الفاشية‬ ‫رأسمالية كانت أو شيوعية خاصة‪.‬‬ ‫حددت وظائف الحماية الداخلية فبينت أنها القضاء والأمن‪ .‬الفساد في الاستبداد يعكس العلاقة‬ ‫فيجعل القضاء تابعا للأمن بدلا من ا لعكس بحيث إن القاضي لا يقضي بمقتضى الحقوق‬ ‫والواجبات كما يحددها القانون العادل بل يقضي بمقتضى ما يفرضه المشرع الظالم في تحديد ما‬ ‫يعتبره حقوقا وواجبات‬ ‫وهو يجعلها متنافية مع ما يبقي للإنسان حقيقته بوصفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي‬ ‫خلق له\"‪ :‬وذلك هو العنف الذي يفسر به ابن خلدون فساد معاني الإنسانية وهي على نوعين‪:‬‬ ‫‪ .1‬إما نكوص إلى جعل ما بطبعه هو المقتضي لرؤية فاسدة للسلطان على العالم أي المعنى‬ ‫السالب للاستخلاف والذي يسميه ابن خلدون \"حب التأله\" السياسي (الحاكم الذي يظن‬ ‫عمله مطلقا فيتصور نفسه ربا) والمعرفي (العالم عقلا أو كشفا الذي يظن علمه محيطا‬ ‫فيتصور نفسه ربا)‪.‬‬ ‫ومن هنا المقارنة بالحيوانات المفترسة إذ إن الإنسان يمكن أن يثور على الظلم فيتصرف كحيوان‬ ‫ومفترس مع ظالميه‪ :‬وهذه هي الرؤية الهيجلية والماركسية وهي تؤدي إلى الحرب الاهلية‬ ‫الإنسانية الدائمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪44‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إما باسم صراع أرواح الشعوب أو باسم صراع الطبقات وتنتهي في الغاية إلى ما نراه في العولمة‪:‬‬ ‫الأقوياء يصنعون ما يحفظ لهم سلطانهم بما يمكن أن يقضي على الوجود الإنساني قاطبة‪.‬‬ ‫‪ .2‬أو سمو إلى جعل \"بمقتضى الاستخلاف\" هو المقتضي لرؤية صالحة للسلطان على العالم أي‬ ‫المعنى الموجب للاستخلاف وهو تحديد العلاقة بالطبيعة والتاريخ (الاستعمار في الأرض)‬ ‫والعلاقة بما بعدهما (الاستخلاف) من خلال الإيمان بالنساء ‪ 1‬وبالحجرات ‪.13‬‬ ‫بحيث لا يوجد تمايز بين البشر أو تفاضل إلى بالتقوى أي باحترام القانون العادل في الانتخاب‬ ‫التكويني والتموين فتنعكس العلاقة ويصبح الأمن تابعا للقضاء في الحماية الداخلية وتلك هي‬ ‫وظيفة قوامة الدولة للعدل‪.‬‬ ‫وما يحصل في الحماية الداخلية يحصل مثله في الحماية الخارجية بمعنى أن الدبلوماسية في القانون‬ ‫ا لدولي في العلاقات بين الجماعات هي مثل القانون الوطني في العلاقات بين المواطنين ومن ثم‬ ‫ففساد القانون ا لدولي مثل فساد القانون الوطني هو قلب العلاقة بينها وبين الدفاع‪.‬‬ ‫فيصبح القانون الدولي تابعا للقوة وليس للعدل‪ .‬ومثلما يكون القاضي بالقانون الوطني تابعا‬ ‫للأمني يكون القاضي بالقانون الدولي تابعا للقوة العسكرية‪ .‬ولذلك فالعالم اليوم يحكمه‬ ‫الأقوياء وليس العدل‪ .‬وليس أدل على ذلك أكثر من حق الفيتو في مجلس الامن‪.‬‬ ‫وطبعا لا يمكن للإنسانية أن تدرك هذه المخاطر بمحض إرادتها‪ .‬فلا بد أن يأتي أمر يجعلها‬ ‫تدركه كرها لأنها لم تدركه طوعا‪ .‬وتلك هي العلة التي تجعلني أعتبر جائحة كورونا درسا سماويا‬ ‫حتى يصبح فهم هذه الحقائق ليس خيارا بل اضطرار‪ .‬اليوم الإنسانية بين خيارين لا ثالث لهما‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪45‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪ .1‬إما العودة إلى ما جعل ما نحن فيه بسبب الجائحة أمرا ممكنا أعني بصورة موجزة تلويث‬ ‫الطبيعة وتلويث الثقافة‪ .‬الإنسانية تعاني من تلويثين هما جوهر حضارة العولمة المقصورة‬ ‫على رد قيمتي الروح أو البعد الاستخلافي في الأرض من حياة الإنسان‪.‬‬ ‫وفيه انشداد إلى ما يتعالى على الأخلاد إلى الأرض (الكرامة والحرية) إلى قيمتي البدن أو‬ ‫البعد الاستعماري في الأرض من حياة الإنسان وفيه انشداد إلى الاخلاف في الأرض (الاستعمال‬ ‫والتبادل)‪.‬‬ ‫‪ .2‬أو السمو إلى ما ذكرنا به القرآن الكريم بأن الخروج من هذا المأزق المرسوم حتما في فساد‬ ‫كل ما درسناه في كلامنا على وظائف الرعاية ووظائف الحماية ولا يتجلى إلا في الغاية لأنه‬ ‫يتراكم بكميات لامتناهية الصغر حتى تصبح جوهر التلويثين فيجد الإنسان نفسه وكأنه كان‬ ‫بصدد الانتحار التدريجي والبطيء‪.‬‬ ‫ويدوم ذلك إلى أن ينفجر العالم كله بما أنتجه الإنسان من شروط القضاء على شروط بقائه‪.‬‬ ‫وذلك هو معنى الدعوة إلى تعامل البشر في ما بينهم بوصفهم أخوة (النساء ‪ )1‬ومتساوين‬ ‫(الحجرات ‪ )13‬لا يعيشون متسالمين إلا إذا تحقق بينهم العدل والمساواة‪.‬‬ ‫فمن يعدل مع غيره ويساوي بينه وبينه لا يخدم غيره بل يخدم نفسه‪ :‬والمثال هو علاج‬ ‫الفيروسات‪ .‬فهي لا تعرف الحدود‪ .‬فإذا توهمت أنك تحمي نفس ولا يعنيك في غيرك فإن عدم‬ ‫حماية غيرك إضرار بنفسك كذلك‪ .‬وهو ما يعني أن الإنسان لا يمكن أن يتخلص من التوازي‬ ‫التام بين فرض العين وفرض الكفاية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪46‬‬ ‫الأسماء والبيان‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook