أبو يعرب المرزوقي re nils frahm محاولة في فرضية المعادلة العادلة الأسماء والبيان
المحتويات 2 -الفصل الأول 1 - -الفصل الثاني 10 - -الفصل الثالث 18 - -الفصل الرابع 25 - القسم الأول 25 القسم الثان 32 -الفصل الخامس 38 - القسم الاول 38 القسم الثان 48 -الفصل السادس 64 - القسم الأول 64 القسم الثان 80 -الفصل السابع 97 -
-- لأول مرة سأبدأ بالنتيجة التي سأصل إليها في غاية المحاولة. فلعل ذلك يسهم في تحقيق شرط الصبر لدى القارئ ليتابع الاستدلال اللاحق بدلا من أن يكون سابقا. فالغاية هي بيان ما يترتب على الفرضيتين التاليتين: .1إذا كانت الأزمة شاملة لكل البشر فما بينهم حاليا من نسب في كل شيء متعلق بشروط البقاء الطبيعي والحضاري ستتغير بنفس النسب. .2إذا كان الانتاج الاقتصادي والثقافي سيتراجع فمن المفروض أن كلفته ستتراجع مثله. ومن ثم فيكفي أن يتراجع الاستهلاك مثله فتحصل فرضية الحد الأدنى من شروط البقاء بالنسبة إلى الجميع. .3ويترتب على أولا أن ما سيغير الفرضية الأولى هو ما يترتب على ما بين البشر من فوارق في شروط البقاء الطبيعية والحضارية الموجودة بينهم والمنشودة منهم الآن. .4ويترتب على ثانيا أن ما سيغير الفرضية الثانية هو ما يترتب على ما بين الانتاج وكلفته من فوارق بسبب عدم التناظر بين الانتاج والاستهلاك المحقق للحد الأدنى لشروط البقاء للجميع الآن. .5فيصبح المشكل الواحد في الحالتين متعلقا بعدم تكييف سياسة العالم وأخلاقه قبل الأزمة بما يمكن من تجاوزها بل النكوص بهما إلى ما سيفاقمها. ومعنى ذلك أن ما آل بالبشرية مثلا إلى حرب بين البشر أو حرب بينهم وبين الطبيعة هو ما ينكص إليه البشر بدلا من تجاوز الأزمة بتجاوز ما أدى إليها من صراع بين البشر وصراع بينهم وبين الطبيعة. تلك هي النتيجة التي أريد بيانها والتي هي في آن تشخيص دقيق للازمة ومفتاح لحلها. أبو يعرب المرزوقي 1 الأسماء والبيان
-- واعترف أنها ليست يسيرة البيان. خاصة وهي تتعلق بشروط البقاء في الضراء وليس في السراء. ولما كانت هذه الشروط في مستواها المباشر اقتصادية وثقافية فإن ما سيعترض على المحاولة هو حجة الاختصاص. صحيح أني ليست مختصا في التموينين الاقتصادي والثقافي للجماعات البشرية رغم أني درست الاقتصاد والقانون الاقتصادي في النظام الفرنسي. لكني أعتقد أن الأمر غني عن الاختصاص الضيق .فكلا التموينين يرد في عمقه إلى مسألة سياسية من حيث أدوات العلاج ومسألة خلقية من حيث غاياته. .1فالإنتاج الاقتصادي يتعلق بسد الحاجات العضوية خاصة. .2والانتاج الثقافي يتعلق بسد الحاجات الروحية خاصة. .3والأول بخلاف ما يظن تابع للثاني لأنه لا اقتصاد من دون علم (علة فاعلة) وقيم (علة غائية) .وكلاهما انتاج ثقافي مشروط في الاقتصادي شرط أدوات عمل وشرط مناهج تحقيق. .4ولا أنكر أن الاقتصادي شرط تمويل واستثمار (تعريف ابن خلدون للفرق بين العمران والاجتماع في المقدمة) .لكن الثقافي بالمعنى المذكور شرط الشروط. .5ولهذه العلة فأصلهما المشترك سياسي وخلقي بمعنى أن الجماعة ذات السيادة هي التي لها الإرادة (شرطها الحرية) والقدرة (شرطها الكرامة) لوضع استراتيجية في لحظة السراء لتكون مستعدة للحظة الضراء فتبقى محافظة على شروط البقاء. والاقتصاد والثقافة كلاهما على نوعين ينتج عنهما مفهوم القيمة المتناقض الذي يجعل الكمالي أثمن من الضروري في لحظات السراء .لكنه يعيد الأمر إلى نصابه في الضراء أبو يعرب المرزوقي 2 الأسماء والبيان
-- فيجعل الضروري أثمن من الكمالي .ومعنى ذلك أن الخبز (العيش في الشرق) اليوم أهم من الذهب. فقد تبيع النساء حليها لتغذي أبناءها. إلا أن هذه الإعادة في مستوى القيمة لن تجعل الفلاح ثريا والمضارب فقيرا. ومن ثم فإن ما سيبقى مصدرا للمشكل هو أن السياسي والخلقي لن يتغير ما لم تحصل ثورة روحية. وهذه هي المناسبة للبحث في شروط حصولها. فالسلطان المستمد من سد الحاجتين وأثرهما الاجتماعي هو الذي سيزداد بسبب العاملين السياسي والخلقي .والعلة هي عيوب الجماعة التي كانت مسيطرة في السراء والتي ستعتبر الضراء فرصة لمزيد السيطرة :من هنا مشكل الاحتكار والمضاربة وربا الاموال وربا الاقوال (وكلها درسناها سابقا وتقدم علينا ابن خلدون فيها وله دائما السبق في هذا المجال). فمن كان يقدم قيمة التبادل على قيمة الاستعمال في الاقتصاد وفي الثقافة -بمعنى أن ما هو ضروري للبقاء ماديا كان أو روحيا يجعلونه أدنى قيمة مما هو كمالي -هم عينهم من سيتمكنون من التحكم في شروط البقاء الاستعمالية بما حققوه من ثراء في الحالة الأولى: يرفعون في قيمة الاستعمالي كما رفعوا في قيمة التبادلي فيستفيدوا من الظرفيتين. ولذلك فالمستفيدون من الكمالي في السراء هم عينهم من يستفيد من الضروري في الضراء. وإذن فمشكل المعادلة غير العادلة علتها ثبات السيطرة في الحالتين وهي ناتجة عن السياسي والخلقي. أبو يعرب المرزوقي 3 الأسماء والبيان
-- فتغير تراتب القيم يبقى على نفس المعادلة بين الثروة والسلطة في غياب العلة الاعمق لفساد المعادلة التي يريد الإسلام تقويمها .فعدم وجود القيم المتعالية على الاستعمال والتبادل هو سر المعادلة الظالمة :وهي فساد الأخلاق العامة في الجماعة واستبداد نظام الحكم المترتب عليها. أي إن تقديم الكمالي في السراء وتقديم الضروري في الضراء كلاهما يعود بالفائدة على مفسدي المعادلة العادلة بين الانتاجين والاستهلاكين الاقتصادي والثقافي في الجماعة الجزئية (ثروات أمة معينة) أو في الجماعة الإنسانية ككل (ثروات الطبيعة والحضارة). وقد بين ابن خلدون أن ذلك ملازم \"لنحلة العيش\" مهما تطورت .وهي تتطور خلال انتقالها من الاعتماد على الانتاج الطبيعي إلى الاعتماد على الانتاج الإنساني أو من العمران البدوي إلى العمران الحضري. فقد بين ابن خلدون أن المدينة تغتذي مما ينتجه ما يحيط بها من عمران بدوي غير مرتحل تابع لها وخاضع لقوانينها .وهذا بين في كل الحضارات حيث يكون ما حول المدن تابعا للمدن وأهلها إذ يكاد الريف التابع مؤلفا من خدم أهل المدينة .والعلة هي تبخيس العمل الذي يسد الضروري. ومن ثم فالسياسي والخلقي لهما بنية أعمق هي بنية توازن القوى بين العمرانين. والمثال الذي يضربه ابن خلدون هو انتقال البداوة من رمز القوة والاستقلال لما كانت نحلة العيش مستمدة مباشرة من الطبيعة إلى رمز الضعف والتبعية للمدينة عندما صارت نحلة العيش مستمدة مما أضافته الحضارة للبداوة انتاجا واستهلاكا. أبو يعرب المرزوقي 4 الأسماء والبيان
-- فإذا انطلقنا من هذه الملاحظة أمكن القول إن شروط البقاء التي تتجلى خاصة في لحظات الحرب بشكل هذا الانقلاب: .1في تراتب القيم حيث يصبح الاستعمالي مقدما على التبادلي. .2وفي توازن القوى بين دور الطبيعي ودور الحضاري في نحل العيش حينها يتبين أمران: • أولهما يتعلق بالمائدة وفنها (كناية عن الغذاء وما حوله) • والثاني يتعلق بالسرير وفنه (كناية عن الجنس وما حوله). فالضروريات تجعل المائدة مقدمة على فنها لأن سد الحاجة الدنيا للبقاء العضوي مقدم على الذوق والتنويع فيه. والضرورات تجعل السرير مقدما على فنه لأن سد الحاجة الدنيا من الغريزة والنسل مقدم على الذوق والتنويع. لكن هذا الانقلاب القيمي لا يستفيد منه من يسد حاجة المائدة والسرير بل من كان مسيطرا على قيمهما السابقة لما كان الفن هو المؤثر والذي يرفع من ثمنهما بانقلاب التراتب بين الاستعمالي والتبادلي. ومعنى ذلك ان الذي كان مسيطرا على قيم فنيهما بما حصله يصبح محتكرا لهما فيستفيد من هذا التحول القيمي حتى بعد فقدان الفنين فيصبح الاستعمالي أقل من التبادلي :يصبح الغذاء والماء والدواء والجنس أغلى مما كان يستعمل مزينا للاستمتاع بها باعتبارها فنونا. أبو يعرب المرزوقي 5 الأسماء والبيان
-- وبهذا أصل إلى ما يتجاوز الاختصاص في الاقتصاد والثقافة أي إلى ما اعتبره جوهر الفلسفة. فهي البحث في تشاجن الاختصاصات عند ردها بالتجريد إلى شروط البقاء التي تتجلى في أزماته وأهمها الحروب سواء كانت ناتجة عن صراعات البشر عليها أو عن صراعاتهم مع الطبيعة. فيصبح المشكل كله عين ما يسميه الفلاسفة الفلسفة العملية ويسميه الدين السياسة الشرعية التي تحقق الاستعمار في الأرض (العمران البشري بلغة ابن خلدون) والاستخلاف فيها (الاجتماع الإنساني بلغة ابن خلدون كذلك) وذلك هو قصده بعنوان المقدمة: .1بعدها الأول يتعلق بالغايات من الوجود الجمعي :أي بأخلاق التعامل بين البشر خلال التعاون من أجل سد الحاجات المادية أو الاقتصاد الذي هو ثمرة تقاسم العمل والمستهلك لما يسدها ليس بين الأحياء فحسب بل حتى الأموات يشاركون فيه بما تركوه من ثروة وخبرة. وهو ليس خاص بجماعة دون جماعة بل هو كوني بالطبع. .2بعدها الثاني يتعلق بالأدوات التي تحقق تلك الغايات :أي بسياسة التعامل بين البشر سياسية تجعله تعايشا سلميا يكون فيه التعاوض العادل ليتواصل التعاون خلال التعاون من أجل سد الحاجات الروحية أو الثقافة التي هي العلوم وتطبيقاتها في الانتاج والاستهلاك والقيم وتطبيقاتها في العيش المشترك .وهي كونية كذلك ويشارك في الموتى والأحياء وكل الإنسانية. ولأن ذلك كذلك توقعت أن الإنسانية هذه المرة بدأت تفهم أنها أمام خيار شديد الوضوح. أبو يعرب المرزوقي 6 الأسماء والبيان
-- فإما أنها ستنكص إلى ما قبل العولمة المادية الحالية أو أنها ستتجاوزها إلى ما يتدارك عيوبها لأن الأزمة الحالية علتها عيوبها وليس ذاتها. والتجاوز هو عين المعادلة العادلة .فإذا علمنا أن الغايات والأدوات كلتاهما كونية وأنهما عمل الإنسانية كلها في كل تاريخها فإننا سنفهم أن ما ينقص العولمة هو: .1إصلاح الأخلاق العالمية لتطابق الغايات فتكون مثلها كونية وتطبق مبدأ \"النساء :\"1 كل البشر اخوة لأنهم من نفس واحدة .وذلك ليس مقصورا على الاحياء منهم بل حتى الموتى لأنهم السلف الذي أسهم في ما يستفيد مه الخلف. .2إصلاح السياسية العالمية لتطابق الأدوات فتكون مثلها كونية وتطبق مبدأ \"الحجرات :\"13كل البشر متساوون ولا تمايز بينهم لا بالجنس ولا بالطبقة ولا بالعنصر وهم مطالبون بالتعارف معرفة ومعروفا وأنه لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى. وهذا ليس يتوبيا-بخلاف ما يقول هيجل عن الإسلام الذي وضع هذه المبادئ بل هو الحل الوحيد الذي من دونه لا يمكن للإنسانية أن تخرج مما آل إليه أمرها الحالي .فمن دونه سيكون النكوص إلى حرب كونية مدمرة غايتها احتكار شروط البقاء باستعمال أسلحة الدمار الشامل :وقد يكون كورونا أحدها من يدري. ولما كنت واثقا من أن الإنسانية بعد هذه الجائحة لن تختار النكوص عن العولمة المادية بالعودة إلى ما بات مستحيلا أعني صراع الامبراطوريات الاستعمارية على تقاسم العالم المتخلف -لأنه لم يبق عالم متخلف اليوم فإن متفائل بأن الخيار سيكون خيار المعادلة العادلة. أبو يعرب المرزوقي 7 الأسماء والبيان
-- لم يبق في العالم من هو متخلف قابل للاستعمار لعلتين: فعدم الوعي بالحرية والكرامة فقد آخر معاقله أعني دار الإسلام وما حولها والدليل أن الأنظمة التابعة تحتضر منذ أن شرع شباب الامة في معركة التحرر واكتشف أن شرطها استكمال معركة التحرير. ولم يبق في العالم شعب يعجز عن المقاومة بالوسائل الحديثة التقنية في الحرب العنيفة بأسلحة العصر التي تستفيد من العلاقة بين الكلفة والفاعلية كما بينت في بحوث سابقة وفي الحرب اللطيفة بأسلحة العصر التي تستفيد من التواصل الحديث الذي يمكن أن يبني وحدات قيمية متعالية على الحدود السياسية. وهذا يعني أن ما كان ممكنا في بداية عصر الاستعمار لم يعد ممكنا في الخيار الثاني اي النكوص إليه فإن الحل الوحيد هو تخلي القوى الاستعمارية ومافياتها عن مشروع التعامل مع الإسلام كما تعاملوا مع الشيوعية مثلا :فالأولى هي التي بينت فساد العولمة المادية سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية. فشل الحل الشيوعي تلاه فشل الحل الرأسمالي :ذلك هو مغزى كورونا الاقتصادي والثقافي بسبب فساد العلاج الخلقي والسياسي .وإذن فالعولمة المادية أصبحت بحاجة إلى العولمة الروحية :وذلك هو جوهر الرسالة القرآنية. وذلك هو معنى كونها الرسالة الخاتمة كما بينت في شرح هود وأخواتها وعلة وصف الرسول مفعولها فيه بأنها شيبت رأسه بما طلبته من أجل علاج أدواء البشرية :العلاقة بالطبيعة (نوح) وبالاقتصاد (هود) وبالماء (صالح) وبالجنس (لوط) وبشروط التبادل العادل (شعيب) والدولة المستبدة (موسى). أبو يعرب المرزوقي 8 الأسماء والبيان
-- ووصل كله بجعل التوحيد الابراهيمي من مجرد مشروع عقدي إلى مشروع سياسي وخلقي وذلك هو جوهر الفرق بين الحنيفية الابراهيمية والحنيفية المحمدية. لذلك فكلامه على الأرض كلها مسجدا ودولة إسلامية ليس بمعنى التدين الشعاري بل بمعنى أخلاق وسياسة تطبيقان النساء ( 1الأخوة البشرية) والحجرات ( 13المساواة والتعارف بينهم)... أبو يعرب المرزوقي 9 الأسماء والبيان
-- ختمت الفصل الأول من هذه المحاولة بقول شديد التفاؤل مفاده إن الإنسانية بعد جائحة كورونا يعسر أن تنكص إلى ما كانت عليه العولمة قبلها وأنها لن تستطيع التخلي عن الوحدة الإنسانية: .1فبعدها التبادلي الكمالي المقدم على الاستعمالي الضروري في التعامل الاقتصادي وطنيا ودوليا لن يتواصل لأن النكوص إلى أنانية الانغلاق القومي الذي يسود حاليا في علاج الجائحة سيتبين فشله. .2وبعدها التواصلي المقدم للتناكر على التعارف في التعامل الثقافي وطنيا ودوليا لن يتواصل لأن النكوص إلى أنانية العنصرية والطبقية لن يمكن من الخروج من عواقب الجائحة الحالية. .3فالأول يسميه ابن خلدون العمران البشري الذي هو التعاون لسد الحاجتين الماديتين أي شروط البقاء العضوي رعاية وحماية .وهو يعترخ أصل تكون الجماعات وحاجتها لشوكة الدول .عليه بنى المستوى الاول من علمه. .4والثاني الذي بنى عليه المستوى الثاني من علمه يسميه ابن خلدون الاجتماع الإنساني الذي هو التواصل لسد الحاجتين الروحيتين أو الانس بالعشير عاطفيا وذوقيا أي معنى البقاء العضوي وغايته .وهو أصل تسالم الجماعات وحاجتها لشرعية الدول. .5فإذا جمعنا هذه المعاني الأربعة (المستويان الماديان والمستويان الروحيان) اكتشفنا الطريق التي توصل إلى الحل الوحيد الذي بقي للإنسانية بعد أن جربت الحل أبو يعرب المرزوقي 10 الأسماء والبيان
-- الرأسمالي المعتمد على صراع أرواح الشعوب والحل الشيوعي المعتمد على صراع طبقيات الشعوب تبين أن هذين الصراعين هما الداء وليسا الحل. وإذن فالحل هو علاج مصدر صراع أرواح الشعوب (المعنى الهيجلي لتفسير تاريخ الإنسانية) وعلاج مصدر صراع طبقات الشعوب (المعنى الماركسي لتفسير تاريخ الإنسانية). وقد اتضح ذلك خاصة في دروس الأول في فلسفة الدين وفي فلسفة التاريخ ودروس الثاني في نقدهما وفي المادية الجدلية. وكلا التفسيرين السائدين في العولمة المادية التي أدت إلى عجز الامبراطوريات الكبرى (ورمزها الولايات المتحدة والصين) على علاج الجائحة يثبتان أن الحل لن يأتي منهما بل لا بد أن يكون مصدره الرؤية التي سبقت فحددت هذين الداءين وعالجتهما :أعني القرآن الكريم الذي يحاربانه بأدوات هي من أراذل المنتسبين إلى الإسلام حكاما ونخبا في خدمتهم. لكن هذه الرؤية التي قدمتها في الكثير من المحاولات السابقة قبل الجائحة وأرجعتها إلى آيتين أولاهما تتجاوز صراع ارواح الشعوب وهي النساء 1والثانية تتجاوز صراع طبقات الشعوب وهي الحجرات 13حال دون تبينها أمران آمل أن تكون الجائحة مساعدة على إزاحتهما: .1الأول ذاتي لفكر الامة وهو قلب علمائها العلاقة بين ما أمر به القرآن لفهم معانيه بجعلهم الأمر فيه نهيا وأعني فصلت 53وجعلهم النهي أمرا وأعني آل عمران .7 فغاب البحث العلمي الذي يأمر به القرآن شرطا في الاستعمار والاستخلاف في الارض وحضر التأويل الباطني الذي ينهى عنه ومنه خرافة الاعجاز العلمي. أبو يعرب المرزوقي 11 الأسماء والبيان
-- .2والثاني ناتج عن عقد المقلدين .إنه قراءة حلول الإسلام بأفسد منطق ويتمثل في اعتبار الوسطية القرآنية توسطا بين شرين-خرافة لا افراط ولا تفريط -أي بين الرأسمالية والاشتراكية أو بين المسيحية واليهودية إلخ ...من البين بين وهو فهم قاصر لنظرية أرسطو في الفضيلة مع تبني خرافة \"التدافع\" التي هي جوهر الصراعين. فإذا حللنا ما ترتب على \"أولا\" تبين أن الأمة فشلت في التعمير والتدبير فأصبحت كما قال ابن خلدون عالة على غيرها بعد أن فسدت فيها أي في جل نخبها وحكامها معاني الإنسانية بسبب التربية والحكم العنيفين وهما علة قلب فصلت 53وآل عمران :7 .1إذ أصبح في الأمة سلطة روحية أشبه بالكنسية تؤدي دور الوسيط بين المؤمن وربه .وهذه الوساطة بدأت بالتصوف الذي حرف الزهد ثم انتقلت إلى الفقه الذي حرف الشرع إذ إن الفقهاء -حتى يحافظوا على رضا الحكام -نافسوا المتصوفة في خرافة \"الحاكم ظل الله في الأرض\" أو \"ولي الأمر\". .2وتحريف التصوف والفقه أضفى بهذه الواسطة شرعية على الوصاية بين المؤمن وشأنه أي بالشوكة الروحية أو الحكم بالحق الإلهي عند الشيعة وبما يشبهه في الغاية عند السنة أي بالشوكة المادية أو الحكم بقوة العصبية :لا فرق بين ولاية الفقيه الذي يحكم بعصابة الحرس وولي الامر في السعودية التي تحكم بعصابة القبيلة. وإذا حللنا ما ترتب على \"ثانيا\" تبين أن ما ترتب على أولا جعل كل الفهوم تقرأ القرآن بنظرية أرسطو في الفضيلة بالمقلوب .ذلك أن أرسطو لما قال إن الفضيلة وسط بين رذيلتين أبو يعرب المرزوقي 12 الأسماء والبيان
-- لم يجعل الرذيلتين منطلق التعريف بل العكس تماما .وهو قد اعتمد في ذلك مفهوما رياضيا :الزاوية القائمة تبدو وسطا بين الحادة والمنفرجة. لكن القائمة هي أصل التعريف وليس العكس أي إن الحادة دون القائمة والمنفرجة فوق القائمة .والرذيلة في حالة القيم الخلقية تعرف بالابتعاد عن الرذيلة وليس وسطا بين الرذيلتين وإلا لصارت الرذيلة الاكبر من الوسط أفضل أكبر منه مثل المنفرجة .ومعنى ذلك أن الإنسان يعلم الفضيلة وهي الذروة وينحرف عنها .ولا يبدأ بمعرفة الرذيلة ثم يبتعد عنها ليطلب الفضيلة. قد يبدو الأمر سواء. لكن حينها نحرف مفهوم الفطرة .حسن فلنأخذ مثال التطفيف في المعاملات .كيف للبائع أن يخسر وللشاري أن يستوفي؟ أليس لأنه يريد افساد الميزان؟ أليس الميزان هو الذي ننطلق منه لمعرفة المطفف اخسارا إذا كال واستيفاء إلى اكتال؟ والظلم كيف نعرفه :ألا يعلم المظلوم العدل؟ والظالم لو وضع نفسه محل المظلوم ألا يعلم العدل؟ وقس عليه الحق والباطل والصدق والكذب إلخ... فهل معنى ذلك أنه يعرف العدل بالظلم مثلا؟ أم إن معرفة العدل فطرية والظلم انحراف عنه؟ وإذن فالعدل ليس وسطا بين ظلمين بل هو معيار فطري به يتم تحديد الظلم. لماذا ضربت هذه الامثلة؟ أبو يعرب المرزوقي 13 الأسماء والبيان
-- لأننا رأينا في الفصل الأول أن ما يحدث في حالات الضرورة هو العودة إلى الس ّلم الأسلم بين القيمتين الاقتصاديتين :فالقيمة الاستعمالية تستعيد منزلتها لضرورتها لأن القيمة التبادلية تفقد منزلتها لعدم ضرورتها .لكن ذلك لم يترتب عليه إصلاح السلم الاجتماعي بل يزداد الأمر سوءا كما شرحت ذلك أمس. وعندئذ نكتشف الآن أن المشكل لا يتعلق بقيمتي سد الحاجات المادية (المائدة والسرير: القيم الاستعمالية) والحاجات المعنوية (فن المائدة وفن السرير :القيم التبادلية) بل بنوعين آخرين من القيم سماهما ابن خلدون\" :معاني الإنسانية\" التي تفسدها التربية والحكم العنيفين. فيكون المشكل في قيمتين أولاهما تتعلق بالتربية المحافظة على كرامة المتعلم والثانية بالحكم المحافظ على حرية المواطن وهما بعدا السياسة التي تكون متلازمة مع القيم الخمس التالية: .1المحافظة على حرية إرادة الإنسان. .2المحافظة على صدق علم الإنسان. .3المحافظة على خير قدرة الإنسان. .4المحافظة على جمال حياة الإنسان. .5المحافظة على جلال رؤية الإنسان. وهذه القيم الخمسة إذ نظرنا إليها من حيث هي وازع ذاتي (الضمير الخلقي) تمثل نظام التربية الخلقي وإذا نظرنا إليها من حيث هي وازع أجنبي (الوعي القانوني) كانت نظام الحكم الشرعي .وهذا هو الحل الذي يقدمه ابن خلدون لتحقيق معنى الآية 38من الشورى. أبو يعرب المرزوقي 14 الأسماء والبيان
-- كيف ذلك؟ فلنقرأ هذه الآية في ضوء نظريات الحكم لحظة نزول القرآن الكريم \"وَا َّلذِي َن اسْ َت َجابُوا ِلرَبِّ ِه ْم وَ َأقَامُوا ال ّصَ َلاةَ َو َأ ْمرُهُمْ شُو َر ٰى َبيْنَهُ ْم َو ِممَّا َرزَ ْقنَاهُ ْم ُينفِقُونَ\". .1فالاستجابة للرب تعني أمرين :لا رب غيره والربوبية للجميع دون تمييز بين الاديان بخلاف الألوهية. .2الصلاة تعني أمرين :الدعاء عامة وأسلوب متعدد بتعدد الأديان وإذن دون تمييز بين الاديان. \" .3أمر+هم\" تحدد طبيعة النظام السياسي\" :امر = راس باللاتينية\" ثم\" هم ضمير يعود على الجماعة =بوبليكا باللاتينية\" وإذن فالنظام السياسي جمهوري=راسبوليكا. \" .4شورى+بينهم\" تحدد أسلوب الحكم\" :شورى الجماعة الملزمة والمباشرة وهي معنى الديموقراطية باليونانية. \" .5ومما رزقناهم ينفقون\" الغاية هي الاقتصاد الاجتماعي :غاية الجماعة والدولة. وهذا يحررنا من صراع أرواح الشعوب الهيجلي لأن البشر اخوة :النساء .1 كلهم من نفس واحدة. ويحررنا من صراع الطبقات الماركسي لأن البشر متساوون :الحجرات .13 خلقوا للتعارف معرفة ومعروفا وليس للتناكر. والجائحة بينت أن الأمر ليس يتوبيا كما يتوهم هيجل في نقد الرؤية القرآنية بل هو الحل الوحيد للخروج من الحرب الاهلية الكونية بين البشر :ذلك هو الحل القرآني وهو الوحيد في المستقبل. هل لذلك أساس واقعي؟ أبو يعرب المرزوقي 15 الأسماء والبيان
-- نعم :وسأكتفي بعلاقتنا نحن بأوروبا .فهم ونحن نمثل قلب المعمورة جغرافيا وتاريخيا وكلانا يواصل منبعي الرؤية الإنسانية الحديثة أي الفلسفة اليونانية والأديان المنزلة. وإذن فكلانا نشبه الزاوية القائمة الإنسانية :بالقياس إلينا تحدد الزاوية الحادة والزاوية المنفرجة القيميتين. أليس مشكل المشاكل في أوروبا اليوم هو عنصرية الإسلاموفوبيا. ولهذا الخوف علتان • أولاهما هي تاريخ العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية واللاتينية المسيحية. • والثانية هي مشكل الديموغرافيا (السرير) والاقتصاد (المائدة) وفنيهما أي المسألتين اللتين تبين أنهما في علاقة بالضروري للقيام العضوي والروحي؟ أليس من تبعات الجائحة أنها ستقضي على هذين العلتين في الصراع بين المجموعتين رغم أنها في الظاهر تبدو وكأنها ستعمقهما؟ فهل يستطيع النظام الأوروبي استرداد توازنه من دون مصالحة مع محيطه الإسلامي حول الأبيض المتوسط خاصة من أجل المشكل الاقتصادي والديموغرافي إذا اراد المحافظة على شروط التوازن في النظام العالمي بالقياس إلى الإمبراطوريات العملاقة. ألا نكوّن نحن وأوروبا عملاقا خامسا قادرا على تحقيق التوازن في نظام العالم بين طرفيه الشرقيين (الصين والهند) والغربيين (الولايات المتحدة والبرازيل) فنكون نحن في الوسط قلب الإنسانية وأصل الحضارة الحالية ببعيدها الديني والفلسفي بعد أن يتحرر الجميع من تاريخ القرون الوسطى وقرون الاستعمار؟ أبو يعرب المرزوقي 16 الأسماء والبيان
-- ذلك هو مصدر تفاؤلي وسره .فذلك هو الحلم الذي أوحت عزلة الكورونا بإعادة التذكير به لأنه كان حلمي قبلها وكتبت فيه الكثير. واعتقد أن الجائحة يمكن أن تساعد على إدراكه وفهم دلالته لأني لا اعتقد أن العجز الحالي الذي أدركه من كانوا يتصورون أنهم أقوياء والذي لم يعد أحد ينكره -بمن في ذلك الحمقى مثل ترومب. إن ذلك سيفرض على الجميع التسليم بأن قصة الناموسة التي اعجزت النمرود هي عين قصة الكورونا وسيصبح الإنسان مدركا لحدوده فلا يتأله ولا يتربب ويؤمن بأن الله فوق الجميع فيفهم النساء 1والحجرات 13ويرى ما يريه الله من آيات الآفاق (الطبيعة والتاريخ) وفي الأنفس (كيانه العضوي وكيانه الروحي) كما حددت ذلك فصلت 53 أبو يعرب المرزوقي 17 الأسماء والبيان
-- ختمت الفصل السابق بالقول إن الإنسانية ذاهبة إلى استكمال شروط الوصول إلى دلالة فصلت 53فترى أن القرآن حق عندما ترى آيات الله في الآفاق (الطبيعة والتاريخ) وفي الانفس (كيان الإنسان العضوي والروحي وهما فيه مناظران للطبيعة والتاريخ خارجه). واستنتجت أنها ستكتشف أن العولمة هي نصف الطريق نحو فهم معنى النساء ( 1البشر اخوة لأنهم من نفس واحدة ولهم رب واحد) ومعنى الحجرات ( 13البشر متساوون بصرف النظر عن الفروق العرقية والطبقية والجنسية) وأنهم مدعوون للتعارف معرفة ومعروفا. فبدوت شديد التفاؤل بمستقبل الإنسانية التي تكون قد أضافت إلى العولمة الحاصلة ويغلب عليها المادي من شروط قيام الإنسان العولمة المنشودة ويغلب عليها الروحي من شروط قيام الإنسان .وهو ما يعني أني قد اعتبرت الإنسانية كلها ستصبح مسلمة. ولعل ذلك يجعل الكثير يعتقد أني أعنى أن المسلمين الحاليين يمثلون هذا المثال الأعلى الذي اتصور الإنسانية ستصل إليه بعد تدبر ما تعيشه الآن وتفهم علله التي حاولت الكلام على بعضها في الفصلين الاولين. لو كنت اعتقد ذلك لكنت حقا مجانبا للصواب :فالمسلمون لا يختلفون عن غيرهم حاليا إلا بالأقوال. لكنهم بالأفعال لعلهم أفسد من أفسد ما يوجد على الكرة الأرضية .وكل الشرور التي لم يفعلوها العلة فيها ليس عدم الإرادة بل عدم القدرة .يصح عليهم حل جحا :ترك الحمار المسيب وعاقب المربوط لأنه لو كان يستطيع لفعل أكثر. أبو يعرب المرزوقي 18 الأسماء والبيان
-- كلامي على الإنسانية كلها ومنها المسلمون .وقد يكون الخلط بين الاسم والمسمى مما يجعل بعض المسلمين يتوهم -وهذا هو تخريف من يزعمون ا لكلام باسم الإسلام من علماء المدرسة التقليدية -يتصورون الغرب سيسلم بمعنى أنه سيجد فيهم مثاله الأعلى :كل من يفكر كذلك يكذب على نفسه لما بينت في الفقرة السابقة. الإسلام الذي أتكلم عليه لم يتحقق أبدا حتى في عهد الراشدين وحتى في عهد الرسول. هو مدلول النساء 1والحجرات .13 وكلاهما مثال أعلى تسعى إليه الإنسانية .وهما معنيان من جنس المقدرات الذهنية النظرية (المنطق والرياضيات) :إنهما من المقدرات الذهنية العملية التي تشمل القيم الخمس التي يعرف بها الإنسان المستعمر في الأرض والمستخلف فيها: الإرادة الحرة. .1 والعلم الصادق. .2 والقدرة الخيرة. .3 والحياة الجميلة. .4 والوجود الجليل. .5 وهذه القيم هي التي تمثل في كيان الإنسان مفهوم العبودية لله بمعنى أن الإنسان الذي يعيها يكون ذا إرادة حرة وذا علم صادق وذا قدرة خيرة وذا حياة جميلة وذا وجود جليل أي إنه لا يعبد غير الانشداد إلى هذه القيم من حيث هي مثل عليا الوعي بها هو جوهر العبادة والعمل بها هو تحققها الفعلي. أبو يعرب المرزوقي 19 الأسماء والبيان
-- وهي منشود وجوده وأصل قيامه الروحي بوصفه انشدادا إلى إرادة الله الحرة وعلمه الصادق وقدرته الخيرة وحياته الجميلة ووجوده الجليل مثلا عليا في التمام والكمال ينشد حظه منها :وذلك هو الإسلام وشرط السلام بين البشر وهو حقيقة الاستخلاف. وما أريد الكلام فيه اليوم هو علاقة قيمتي قيام الإنسان العضوي الاقتصاد -الاستعمال والتبادل-وقيمتي قيامه الروحي-الحرية الكرامة .-وما يوحد بين القيم الأربع بوصفه أصلها وغايتها وشرط تحقق الممكن منها في التاريخ الفعلي هو كيان الدولة المجرد الذي يتعين عندما يصبح نظاما واعيا في الجماعات البشرية. فالدولة من حيث هي بنية مجردة ملازمة لوجود الجماعات شرطا وغاية في آن هي عين هذه القيم في مراحل تحولها إلى مؤسسات ينتظم بها الوجود الإنساني بوعي أو بغير وعي منذ نشأة البشرية .لكنها تصبح عينية بمن يملأ خاناتها المؤسسية فيكون قيما عليها ومن هؤلاء يصيبها الفساد. وهي من ثوابت كيان الإنسان العضوي حتى وإن تأثرت بتطوره الحضاري المتمثل في تربيته وحكمه من قبل القيمين على البنية المجردة للدولة .وهي بهذا المعنى المشترك بين الديني والفلسفي بمعنى فاعلية الخلقي غاية والسياسي أداة. فحياة الجماعات البشرية ممتنعة بدونها وكل من يتكلم على نشأة الدولة في العصر الكلاسيكي أحمق لأنه يخلط بين الدولة وأنظمة القوامة فيها. لذلك فالدين والفلسفة هما السياسة بالجوهر من حيث هي \"تربية الإنسان أصلا للشرعية وحكمه أداة للشوكة مقومي النظام في الجماعات\". أبو يعرب المرزوقي 20 الأسماء والبيان
-- وهما ينتجان الإنسان وينتجان عنه من حيث هو منتقل من موجوده إلى منشوده. ويمكن القول إن موجوده هو: القيمتان الاقتصاديتان (الاستعمالية والتبادلية) ومنشوده هو القيمتان الروحانيتان (الحرية والكرامة). والأصل هو السياسة المتعينة في الدولة من حيث هي جهاز التربية وجهاز الحكم في أي جماعة من حيث هي جماعة كائنات حية متطورة حضاريا بتطور هذا الوعي بكونها ذاتية النظام والتنظيم. وقد حدد ابن خلدون حديها الاقصيين: .1البداوة القصوى أو الخضوع شبه المطلقة للشروط الطبيعية للحياة. .2والحضارة القصوى أو الترف والقطيعة مع الشروط الطبيعية للحياة. .3واعتبر التطور الإنسان محصورا بين هذين الحدين الاقصيين .4ومحكوما بما سماه \"نحلة العيش\" اي هذه القيم الأربع. .5وختم بضرورة المحافظة على معاني الإنسانية بالتربية والحكم المتحررين من العنف. ويمكن اعتبار هذا الفصل -الثالث من المحاولة-الفصل الأوسط بين الفصلين السابقين والفصلين المواليين ووظيفته اشتقاق خطة العلاج الذي يثبت أن مآل الإنسانية بعد هذه الأزمة هو إثبات ما تقوله فصلت 53وما بسبب جهله أو تجاهله لم تنجح الأمة في تبين حقيقة القرآن وانجاز المهمة بالدولة الكونية التي بشر بها الإسلام. أبو يعرب المرزوقي 21 الأسماء والبيان
-- فلو فعلت لكان الإسلام \"استراتيجية التوحيد القرآنية بمنطق السياسية المحمدية\" (تعليل عنوان تفسيري الفلسفي للقرآن الكريم) عولمة جامعة بين شروط الاستعمار في الأرض اقتصاديا بالتحرر من ربا الأموال والاستخلاف فيها روحيا بالتحرر من ربا الاقوال. والتحرر منهما يعني فهم أن الإنسانية لن تصبح إنسانية إلا بالتحرر من دين العجل ودولته التي يحكمها ربا الاموال (معدن العجل) وربا الأقوال (خوار العجل) .وهما عين الأبيسيوقراطيا أو البنية العميقة للثيوقراطيا والانثروقراطيا حيث تكون التربية والحكم باسم الله المتأنس ثم باسم تكون التربية والحكم باسم الإنسان المتأله :كلاهما تربية وحكم باسم العجل. فالانثروبوقراطيا ليست إلا علمنة للثيوقراطيا :سواء كانت ليبرالية أو ماركسية. فلا فرق بين تربية الكنيسة وتربية الحزب الشيوعي مثلا ولا فرق بين الحكم باسم الواجبات المزعومة إزاء الله والحكم باسم الحقوق المزعومة إزاء الإنسان. كل ذلك هدفه تحقيق ربا الأموال وربا الاقوال أي بعدي العجل اللذين تغطي عليهما هذه المعادلة الكاذبة .ويمكن أن يزعم البعض أن الليبرالية تختلف عن الماركسية. وفي الحقيقة الفرق في الأسلوب وليس في الجوهر :لأن ما يحققه الماركسي بأسلوب العنيف يحققه الليبرالي بالعنف اللطيف :كلاهما يستعبد الإنسان بوهم السعادة الكاذبة أو بوهم الوعد الكاذب. وهي ليست كاذبة فحسب بل هي خداع لتمرير المعادلة الظالمة بسبب المقابلة بين قيم الاستعمال (تحط من الضروري) وقيم التبادل (ترفع من الكمالي) في شرط القيام العضوي أو التعاون بين البشر (مثل سلم الأجور) وبين قيم الكرامة (تحط من الضروري) وقيم أبو يعرب المرزوقي 22 الأسماء والبيان
-- الحرية (ترفع من الكمالي) في شرط القيام الروحي أو التواصل بين البشر (مثل سلم المنازل). ولعل سلم الأجور وسلم المنازل كلاهما دليل قاطع على هذا الخلل الأساسي في المعادلة وعلة ما تنبني عليه من ظلم مطلق. فلو قارنت أسمى رتب المعرفة (البحث العلمي) بأدنى رتب الفنون (لاعب كرة) ولوجدت أن اجر المبدع فيه هذه يمكن ان يساوي ميزانية البحث العلمي في دولة متوسطة مثل تونس .ولو قارنت منزلة أسمى مبدع في فلسفة السياسة مثلا بأدنى رتب \"صبابة\" السياسة ستجد الاول شبه متسول لديه. فتفقد الدولة شرط المعادلة العادلة وتتحول إلى أداة المعادلة الظالمة بلطف القانون وعنف الأجهزة :وعندئذ تصبح في حل من المشترك بين الديني والفلسفي اللذين يصبحان خطابا لا يتجاوز الاقوال بل ويناقض الافعال حتى لما تأتي كورونا لتذكر بتقديم الاستعمال على التبادل والكرامة على الحرية .ومن ثم فلا بد من البحث في مسألتين: .1أصناف الانتخاب في تربية الإنسان وهو موضوع الفصل الرابع. .2أصناف الانتخاب في حكم الإنسان وهو موضوع الفصل الخامس والأخير. كيف أقدم الكرامة على الحرية؟ أليت الحرية أسمى منها؟ أبدا :فعندما يتنازل الإنسان عن كرامته بسبب فقدان شروط بقائه يصبح عبدا. فتكون العبودية تنازلا عن الحرية بسبب فقدان الكرامة. ولهذه العلة لا يكون الإنسان الذي يقبل التنازل عن كرامته حرا بحق. أبو يعرب المرزوقي 23 الأسماء والبيان
-- ومن ثم فالكرامة شرط الحرية أو على الأقل شرط عدم التنازل عنها وتفضيل الموت على العيش دون كرامة .وتلك هي العلة التي جعلت ابن خلدون يعتبر فساد معاني الإنسان علته العنف في التربية ومنه يترتب القبول بالعنف في الحكم. فالأول تربية بنفي كرامة المتعلم والثاني حكم لمن ربي على فقدان الكرامة .ولهذه العلة فالجامعات العربية أكثر استبدادا وفسادا من الحكومات العربية لأنها محكومة بمحاربي الكرامة التوابع لمحاربي الحرية :والحرب على الحرية مادية وأداة اصحابها الخوف والطمع والحرب على الكرامة معنوية وأداة أصحابها النذالة والسفالة. أبو يعرب المرزوقي 24 الأسماء والبيان
-- القسم الأول وصلنا إلى المسألة الاولى التي تحول دون عدالة المعادلة والتي هي المضمون الأول المشترك بين الديني والفلسفي من منظور القرآن: .1ليس منظوره الموجب فحسب أي ما يذكر به أعني ما نعتبره حقيقة الإسلام كما يصفه القرآن وكما سعى إلى تطبيقه الرسول في عينة منها :وذلك هو معنى السنة التي هي سياسة الرسول تربية وحكما من اجل الرعاية والحماية (وذلك هو مفهوم الدولة). .2بل وكذلك منظوره السالب أي ما ينقد به ما يعتبره التجارب السابقة علة عائلة دون إدراكه وهي العلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ فيه إذ تجتمعان في جعل النظر والعقد شرط الرعاية وتعمير الأرض منطلقا للعمل والشرع شرط الحماية والاستخلاف فيها. وقد بينت ذلك من خلال تحليل سورة هود وأخواتها وعلة اعتبار الرسول أنها قد شيبته لما فيها من تكليف بعلاج إشكالية الحيلولة دون: .1رسالة نوح أو علاقة الإنسان بسلطان الطبيعة عليه لأنها مصدر رزقه وسعيه للتحرر من سلطانها بالتقنية (السفينة) والزراعة (اخذ زوجين من كل شيء) .2رسالة هود أو علاقة الإنسان بالثروة عين رزقه الذي يستبد به كبار الاغنياء ومحاولة تخليص الجماعة من فسادهم واستبدادهم. أبو يعرب المرزوقي 25 الأسماء والبيان
-- .3رسالة صالح أو علاقة الإنسان بتوزيع الماء مصدر حياته الأول ومحاولة تحرير الجماعة من حرمان الحيوان فضلا عن الإنسان منه. .4رسالة لوط أو علاقة الإنسان بالجنس مصدر حياته الثاني محاولة تحرير الإنسان من طغيان المثلية. .5رسالة شعيب أو علاقة الإنسان بشروط التبادل ومعاييره ومحاولة وضع الموازين والمكاييل ليحصل العدل في التعاوض. .6رسالة موسى أو علاقة الإنسان بالدولة مصدر نظامه والتحرر من سلطانها ومحاولة التحرر من استبداد فرعون ونخبه. .7رسالة ابراهيم أو علاقة الإنسان بما يتعالى على عالم الشهادة أو التوحيد ومحاولة التعالي على العالم الطبيعي بتجاوز الآفلين. ورسالة ابراهيم هي المفتاح لأنها تشغل القلب ولذلك فد وردت بين الثلاث الأولى والثلاث الاخيرة منها. ولأن الرسول فهم أنها الوحدانية الابراهيمية التي تمثل التعالي على عالم الشهادة والإيمان بعالم الغيب. فالإيمان بما يتعالى على العالم الطبيعي والتاريخي يعتبر شرط الشروط اجتهاد الإنسان وجهاده الروحي للتحرر من الحوائل دون عدل المعادلة .فقد اعتبر الرسول الخاتم نفسه وكأنه ابراهيم الثاني. ولذلك فقد دحض القرآن أن يكون ابراهيم يهوديا أو نصرانيا بل هو مقدم على الجميع أبو يعرب المرزوقي 26 الأسماء والبيان
-- لو لم يفهم الرسول أن هذه السور الخمس-هود وأخواتها الأربع :الواقعة والمرسلات والنبأ والتكوير-هي مضمون الرسالة التي كلف بها مع بيان أنها ليست رسالة تقدم جديدا بل هي رسالة تذكر بما هو مرسوم في كيان الإنسان العضوي والروحي. والمشكل هو إذن نسيان الإنسان أو غفلته عما هو في كيانه أو في ما فطر عليه وليس تعليما إلا من حيث التوجيه إلى ما يذكر بها ولذلك وصفت القرآن بكونه سبابة مشيرة ولا يحتوي على المشار إليها اذ هو المطلوب من الإنسان تحقيقه. وذلك هو مضمون فصلت 53الذي يحدد مجال البحث اجتهاد والإنجاز جهادا لمعرفة حقيقة القرآن وإلى ما قد يحول دون التذكر الفعلي وذلك هو مضمون آل عمران .7التي كان اللجوء إليها علة انحراف علوم الملة الغائية الخمسة (التفسير والكلام والفلسفة والفقه والتصوف). فآل عمران 7التي خالفها علماء الملة مثلت مشكل المشاكل وهي علة فساد الفكرين الديني والفلسفي بسبب الخلط بين الغيب والغائب .فالفلسفة وقعت في خطأ مميت عندما ظنت أن اللامعلوم من الوجود هو الغائب عن الحس. ومن ثم فهي قد اعتبرته ما يدركه العقل وراء الحس .لكنها توهمت أمرين مستحيلين وهما علة القول بالمطابقة في نظرية النظر والعقد أولا: أبو يعرب المرزوقي .1أن الموجود شفاف والمشكل كله في قصور الحواس. .2أن العقل نفاذ والمشكل كل في قصور المنهج. الأسماء والبيان 27
-- وكذلك علة القول بالمطابقة في نظرية العمل والشرع ثانيا: .3أن المنشود موجود بالقوة والمشكل كله في قصور الإرادة. .4وأن الإرادة فعالة والمشكل كله في قصور القدرة. فيعود الأمر إلى وحدة العالم والوجود بما فيه مما هو بالفعل وما هو بالقوة والإنسان محيط به موجودا ومنشودا ولا وجود لمفهوم الغيب .لكن ذلك كله مبني على مفارقة وهي قلب العلاقة في كل هذه الحالات: .1في النظر والعقد كان الحكم بقصور الحواس وعلاجه بنفاذ العقل .لكن الحكم في النهاية يعود إلى الحواس لأن العقل من دون التجربة يصبح خيالا .وإذن فالحل دوري وهو قياس الغائب على الشاهد .وهو حل تبناه علم الكلام فصار مأزق الفكر الفلسفي مأزقا للفكر الديني. .2وفي ا لعمل والشرع كان الحكم بقصور الإرادة وعلاجه بكمال القدرة .لكن الحكم في النهاية يعود إلى الإرادة لأن القدرة من دون إرادة تصبح ظاهرة طبيعية وليست إنسانية .وإذن فالحل قياس الحرية على الضرورة فنعود إلى الحل النظري. وهو حل تبناه علم الكلام وخاصة الاعتزال حيث صارت الحرية من جنس الضرورة تحصل بقدرة طبيعية هي التولد وحتى الأشعرية إذ إن الكسب كسب لما يحصل بالضرورة. أبو يعرب المرزوقي 28 الأسماء والبيان
-- وما يعنيني في هذا الفصل ليست هذه المقدمة المتعلقة بالماضي الفكري الذي سيطر على الفلسفة والدين فحال دون تجاوز القول بالمطابقتين أي المأزقين المتعلقين بنظرية المعرفة (النظر والعقد) وبنظرية القيمة (العمل والشرع) بل ما يتعلق بالحاضر والمستقبل. فما نتج عن فلسفة أفلاطون وأرسطو تكرر مثله وأخطر منه في ما نتج عن فلسفة هيجل وماركس. وبالذات أرسطو وماركس. فأفلاطون وهيجل أبعد غورا ولا يقدر عليهما النخب الامية والمسيطرة على العمل والشرع أو السياسة في بلاد العرب ويكتفون بالتبسيط الارسطي لأفلاطون والماركسي لهيجل. فالقول بالمطابقتين أوضح عند ارسطو وماركس وهو ما يجعل الفلسفة مطابقة تقريبا للرؤية العامية لما يسميه هؤلاء النخب الواقع ويقيسون عليه ما يجهلونه فيكون الأمر كله عائدا إلى القول بالماطبقتين. ولذلك فجلهم يسخر من أفلاطون وهيجل. والمشكل أنهم لا يدرون أن هذين (أفلاطون وهيجل) يعودان في النهاية وفي العمق إلى ذينك (أرسطو وماركس) إذ إن توهم المثل (أفلاطون) والأفكار (هيجل) قابلة للعلم يعني في النهاية نفي الغيب والقول بوحدة العالم والوجود. ويمكن القول إن الاله الصانع الافلاطوني في الطبائع والسياسي في الشرائع أصبحا عند هيجل المسيح في العقائد الدينية المؤرخنة وهيجل العقائد الفلسفية المؤرخنة. أبو يعرب المرزوقي 29 الأسماء والبيان
-- وما قام به أرسطو إزاء فلسفة الطبيعة والتاريخ الأفلاطونية (كتاب الميتافيزيقا) قام به ماركس إزاء فلسفة الطبيعة والتاريخ الدين الهيجلية (كتاب الايديولوجيا الالمانية). والآن يمكن أن أعالج المشكل الأول :مشكل القيمتين الاقتصاديتين -الاستعمال والتبادل-وعلة عدم عدل المعادلة فيهما حتى عندما يتبين أن الاستعمالي أهم من التبادلي كما في حالة كورونا اليوم :فالغذاء أهم من الذهب. لكن صاحب الذهب يبقى مسيطرا على القيمة الاستعمالية لما تحقق له سابقا من سيطرة على القيمة التبادلية والقيمة التواصلية .وإذن فالأمر كله متعلق بالسيطرة على أداة التبادل وأداة التواصل: .1فأداة التبادل أو العملة لا تبقى مجرد أداة تبادل بل تصبح بتوسط ربا الأموال أداة سلطان على المتبادلين. .2وأداة التواصل أو الكلمة لا تبقى مجرد أداة تواصل بل تصبح بتوسط ربا الاقوال أداة سلطان على المتواصلين. ومعنى ذلك أن المسيطرين على بعدي العجل -المال والخوار-هم من يسيطر على الضروري لقيام الإنسان العضوي والروحي بفضل سيطرتهم على الكمالي. والكمالي هو علة ربا الأموال علة ربا الأقوال. وإذا كان ربا الأموال متعلقا بالقيمتين الاقتصاديتين أو الماديتين فإن ربا الاقوال متعلق بالقيمتين الثقافيتين أو الروحيتين :فالأوليان تقلبان العلاقة بين الضروري والكمالي من شروط حياة أبو يعرب المرزوقي 30 الأسماء والبيان
-- الإنسان العضوية والثانيتان تقلبان العلاقة بين الضرورة والكمالي من شروط حياة الانسان الروحية. تبين الآن أن الفصل الرابع لا يكفي لعلاج إشكالية القيمتين الاقتصاديتين أعني الاستعمالية والتبادلية ومن ثم فسأكتفي اليوم بهذه المقدمة لأعود في فصل رابع \"بيس\" أو مكرر لعلاجهما. وإذن فسيكون الامر بالمثل بالنسبة إلى القيمتين المتعاليتين عليهما أعني الكرامة والحرية فـأخصص لهما فصلين خمسة وخمسة مكرر .آملا أن يكون ذلك مساعدا على وضوح أزيد. والله ولي التوفيق :ودائما سيكون ابن خلدون أهم مصدر في تحديد معالم الحل خلافا لما يتصوره القائلون إنه لم يعد صالحا بل مات مع عصره. لو كان هذا التخريف صحيحا لكان أفلاطون وأرسطو وهيجل وما ركس هم أيضا قد ماتوا مع عصرهم .والغريب أن القائلين بموت ابن خلدون وفكر المسلمين مع عصرهم لا يستحون فيحتجون بما يسمونه فلسفة ما بعد الحداثة رغم أن مؤسسها -نيتشه-عاد إلى ما قبل أفلاطون وأرسطو ناهيك عن هيجل وماركس. إن هذه التكوينية -الجوناز-هي التي تمكن من أعادة النظر في تاريخ فكرنا دون فصله عما تقدم عليه وما تأخر عنه .فلست من القائلين بالخصوصية في الفكرين الديني والفلسفي لأن ذلك ينافي جوهر المشترك بينهما كما يعرضه القرآن الكريم الذي لا يخاطب جماعة دون جماعة. أبو يعرب المرزوقي 31 الأسماء والبيان
-- بل هو يخاطب الإنسانية كلها (النساء )1ولا يميز بين شعوبها وقبائلها بل يسوي بينهم جميعا (الحجرات )13ويدعوهم للتعارف معرفة ومعروفا ما يعني أن الخصوصيات ثانوية وفلكلورية وليست من أساسيات الفلسفة والدين. القسم الثان أواصل في الفصل الرابع مكرر ما شرعت فيه حول التراتب بين القيمتين الاقتصاديتين الاستعمالية والتبادلية في حالتي السراء والضراء أي في السلم وفي الحرب دون أن يترتب على ذلك تغير في العلاقة بين ما كانوا أصحاب الثانية وأصحاب الأولى بمعنى أن من كان مسيطرا على القيم التبادلية يبقى بعد تأخر دورها مسيطرا على القيم الاستعمالية بعد أن تقدم دورها. ولما كانت حالة الضراء تجعل سد الحاجات العضوية هي المسيطرة فإن أغرب ما يحصل في الجماعات البشرية هو أن سد الحاجات الروحية بالقيمتين الثقافيتين أي الكرامة والحرية يصبح تابعا لسد الحاجات العضوية فيتدنى المستوى الخلقي للجماعة حتى تكاد تنكص إلى الحيوانية وتفقد معاني الإنسانية كما بين ذلك ابن خلدون في الجماعات التي تكون السياسة فيها ببعديها تربية وحكما خاضعة لعنف الاستبداد والفساد بحكم تقدم سد الحاجات العضوية على الحاجات الروحية. وحتى يفهم القاري ذلك فليدرس فصل الترف من المقدمة حيث يبين ابن خلدون كيف أن ذلك يؤدي إلى اجتماع الثروة عند القلة والفقر عند الكثرة فتزول معاني الإنسانية عند الجميع ويكثر الاستبداد والفساد والتنازل عن الكرامة والحرية ويصبح كل شيء بضاعة وخدمة تباع وتشترى ومن ثم فالقيم الاقتصادية تصبح هي المسيطرة وتزول أو تتقصدن القيم الثقافة أعني الكرامة والحرية .ومن علامات ذلك أن الشرف والعفة تزولان أو تكادان فيصبح كل شيء يباع ويشترى وتعود الإنسانية الى أول تجارة وهي تجارة الجنس والجواري والولدان. وما أريد أن أخصص له هذا الجزء الثاني من الفصل الرابع أي الرابع مكرر هو أين يحصل ذلك وكيف .فهو يحصل في وظائف الرعاية الخمس للدولة أي في تكوين الأجيال ببعديه وفي تموينها ببعديه وفي أصلها جميعا أي في البحث العلمي الذي يبدع أدوات التكوين والتموين لأن الجماعات الإنسانية هي الجماعات التي يكون كل ما تنتجه من أدوات انتاجها لذاتها وهو معنى استعمارها في أبو يعرب المرزوقي 32 الأسماء والبيان
-- الأرض ومعنى خلق الإنسان في كبد قرآنيا لأن الإنسان جهز بصورة تجعله قادرا على التعامل مع الطبيعة ومع التاريخ ليرعى نفسه بنفسه بشرط تكون الجماعات وانتظام وجودها وهو معنى الدولة في نظرية المقدمة .أما كيف فهو موضوع هذا الجزء الثاني :ويمكن القول إن سؤال كيف له جوابان فعليان وجوابان امكانيان وعلاجها أربعتها واحد: .1فيمكن أن يكون أحيانا سالبا في الضراء. .2ويمكن أن يكون أحيانا موجبا في السراء. .3لكن يمكن أن يكون دائما في الضراء. .4ويمكن أن يكون دائما في السراء. .5ولا مفر من البحث عن حل لهذه الحالات الأربع. وذلك هو المشكل الذي يتحدد بمقتضاه المشترك بين الدين والفلسفة أعني تحرير الإنسان من المعادلة الظالمة وتحديد شروط المعادلة العادلة التي تسعى إلى تجنب الفرضية الأولى بدارا أو وقاية فتحقق الفرضية الثانية قدر المستطاع لعلم الإنسان بضرورة عدم الغفلة عن إمكانية الفرضية الثالثة -وهي مفهوم الخسر في القرآن-وكذلك لعلمه بهشاشته أي باستحالة إمكانية الفرضية الرابعة التي تهي التذكير الدائم بالفرضيات الثلاث السابقة عليها ومن ثم فهي العلاج الأصلي للأدواء الأربعة. وكل من درس أفلاطون يعلم أن كتاب الجمهورية كان محاولة للجواب عن سؤال \"ما العدل\" والذي اعتبر سقراط بطل الحوارية أنه لا يمكن تعريفه من دون توسيع الإشكالية والنظر في سؤال أوضح ويتعلق بالدولة العادلة التي تتعين في فيها المعادلة العادلة .ورغم أن الحل الأفلاطوني ليس الحل المناسب لأنه ما يمكن اعتباره المقدرات الذهنية النظرية بالمعنى التيمي (موضوع المقالة السابعة من الجمهورية) فإنها بداية يستكملها الدين عندما يضيف ما سميته المقدرات الذهنية العملية استكمالا لنظرية ابن تيمية. أبو يعرب المرزوقي 33 الأسماء والبيان
-- وعندئذ يتبين أن سورة العصر هي التي تقدم علاجها من منطلق البحث في علل وقوع الإنسان في الخسر وشروط تحرره منه وهو في آن مشكل لا يمكن حله من دون الجمع بين نوعي المقدرات الذهنية النظرية التي اقتصر عليها أفلاطون والعملية التي أضافتها السورة على النحو التالي: • فالفرد لا يتحرر من الخسر من دون الإيمان (الاجتهاد في النظر والعقد) والعمل الصالح (الجهاد في العمل والشرع). • والجماعة لا تتحرر من الخسر من دون التواصي بالحق (الاجتهاد لمعرفة الحقيقة) والتواصي بالصبر (الجهاد للعمل بالحقيقة). • والكيف يصبح محددا بدقة على النحو التالي. فهو كيف تكون الجماعات أجيالها وكيف تمونها وكيف يرد ذلك كله إلى أصل وحيد يكون في البداية حصيلة الصدف ثم يصبح بالتدريس استراتيجية تعامل مع الطبيعة والتاريخ: فأما كيف تكون الجماعات اجيالها فذلك موضوع مستويي التربية أعني التربية النظامية التي يغلب عليها التكوين المعرفي وتطبيقاتها والقيمي وتطبيقاته مع رعاية الكيان العضوي والروحي للفرد في نظام التعليم والتكوين والتربية التي يغلب عليها تطبيق التكوينيين في رعاية كيان الجماعة العضوي والروحي من خلال نظام التعاون في تقسيم العمل بحيث يكون كل فرد في خدمة الجماعة بالسهم الذي يختص فيه من تقسيم العمل شرطا في التعاون المشروط بالتبادل العادل. وأما كيف تمون الجماعات اجيالها فذلك هو موضوع مستويي الإنتاج المادي أو الاقتصادي والإنتاج الروحي أي الثقافي اللذين يكونان حصيلتي التكوينين وذلك هو معنى كون الجماعة تنتج ما ينتجها أو ما يحافظ على بقائها من خلال تعميرها للأرض وتنظيم تقاسم العمل بحيث يكون كل فرد في جدمة الجماعة لكأن فرض العين في إعالة الذات يتحول إلى فرض كفاية كل واحد ينوب البقية في إعالة الجماعة بما تحتاج إليه مما هو مختص فيه وصار نصيبه من الجهد الجماعي في بقاء الجماعة وتجديد شروط بقائها للمحافظة على ذاتها. لكن مستويي التكوين ومستويي التموين تكون أربعتها شبه عفوية وغير خاضعة لاستراتيجية إذ إن جل ما يحصل فيها يكون شبه سلوك فطري وكل ما يعتمده من طرق ومناهج يكون حاصلا عن أبو يعرب المرزوقي 34 الأسماء والبيان
-- خبرة عفوية جلها يقع بالصدفة .فمثلا كل الأغذية اكتشفت بالصدفة إذ إن النباتي والعضوي والماء والهواء كلها تم اكتشافها بالصدف من خلال تجارب غالبا ما يكون ضحاياها أكثر من المستفيدين منها. ولأضرب مثالا عشته بنفسي في البادية: فضيعتنا فيها الكثير من الفطر والمعلوم أن فيه ما هو سام وفيه ما هو غذاء .فكان أول شيء يعلمنا إياه كبارنا من ذوي الخبرة التمييز بين الفطر السام والفطر المغذي ولا أعتقد أن كبارنا عرفوا ذلك بالبحث العلمي بل كان ذلك حصيلة تجارب أجيال سابقة بعضهم مات دون شك لأنه أكل من الفطر السام. ونفس الشيء في العقارب .فقد تعلمت التمييز بين أنواعها لأن ضيعتنا فيها الكثير من أصنافها. وما كنت لأتعلم ذلك لو لم يكن في جماعتنا من حصل على خبرة من أجيال سابقة بعضها لسعته عقرب ذات سم قاتل. وقد لسعت مرتين ولحس الحظ لم تكونا قاتلتين وإلا لما عشت لأكتب هذا الفصل. وفي احدى المرات كنت ضيفا بتطاوين وكنت خائفا من عقارب الجنوب .فسألت الصديق الذي استضافني هل أنام مطمئنا فلا أخاف من ا لعقارب؟ فقال لي مازحا لا تخش شيئا فليس عندنا الكثير منها .فرددت عليه مازحا كذلك المشكل ليس في الكثرة فواحدة تكفي .ونمت مطمئنا لأنه أكد لي أنه لا توجد في هذا الفندق حتى واحدة. وإذن فالتكوين ببعديه والتموين ببعديه لا بد فيهما من استراتيجية تجعلهما خاضعين للبحث والاعلام العلميين وهو الأصل فيها جميعا .وبه ننتقل من التكوين والتموين الخاضعين لفنيات رعوانية عفوية ليست خاضعة للعمل على علم ولاستراتيجية بعيدة المدى تقدم الآجل على العاجل للتغلب لتحقيق الهدف المشترك بين الديني والفلسفي أي شروط استعمار الإنسان في الأرض والاستخلاف فيها دون الاخلاد إليها. أبو يعرب المرزوقي 35 الأسماء والبيان
-- ويترتب على ذلك أن أول علل سيطرة الضراء هو غياب هذا الأصل أي البحث والاعلام العلميين في الجماعة .فتصبح الجماعة خاضعة دائما للضرورة وعاجزة عن التحرر من الأدواء السبعة التي اشارت إليها سورة هود وأخواتها: .1يبقى الإنسان تابعا للضرورة الطبيعية (لأنه لم يفهم رسالة نوح). .2يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالثورة (لأنه لم يفهم رسالة هود). .3يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالماء (لأنه لم يفهم رسالة صالح). .4يبقى الإنسان خاضعا للمستبدين بالجنس (لأنه لم يفهم رسالة لوط). .5يبقى الإنسان خاضعا لمستبدين بمعايير التبادل (لأنه لم يفهم رسالة شعيب). .6يبقى الإنسان خاضعا لدولة الاستبداد والفساد (لأنه لم يفهم رسالة موسى) .7وكل ذلك لعدم التحرر من كل معبود سوى الله أي لعدم التعالي على المتألهين في الدنيا والمستعبدين للإنسان لأنه لم يفهم رسالة إبراهيم .والرسول الخاتم كلف بتحرير الإنسانية من الشرك أي من هذه الآلهة الستة التي لا يحرر منها غير المعبود الوحيد :وذلك هو معنى العودة إلى إبراهيم في القرآن .فماذا يحدث من دون هذا التحرير :فساد التكوينين وفساد التموينين وغياب البحث والأعلام العلميين .وتلك هي حال الأمة حاليا: • ويمكن أن أسمي فساد التكوينين بظلم الانتخاب التكويني لأن منظومة التربية بمستوييها تنتخب في التكوين الذي يغلب عليه اعداد الأجيال معرفيا وخلقيا في منظومة التربية النظامية وفي التكوين الذي يغلب عليه تطبيق ذلك التكوين في منظومة التربية الاجتماعية خلال القيام بالدور في تقاسم العمل في الجماعة. • كما يمكن أن اسمي فساد التموينين بظلم الانتخاب التمويني لأن منظومة توزيع الثروة الناتجة عن الفساد في التكوينيين تؤدي إلى أن حصيلة الجهد الجماعي في الاقتصاد وفي الثقافة لا يطابق مبدأ الرجل المناسب في العمل المناسب ومن ثم فغير المناسب يحصل على الثروة والمنزلة التي لا يستحقها ويحرم منها من يستحقها فضلا عن ترتيب المهن ومنازل أصحابها بحسب القيمتين الاقتصاديتين اللتين لا تبقيان محصورتين في الاقتصادي بل أبو يعرب المرزوقي 36 الأسماء والبيان
-- تشملان ما يتجاوزه لأن الكرامة والحرية كلتاهما تصبحان تابعتين لهما عندما تسيطر حالة الضراء ويرد الجميع لوضعية الضروري أو ا لحد الأدنى من شروط البقاء. لكن ذلك كله يرد إلى غياب شرط الشروط الذي هو البحث والأعلام العلميين .وهما على صنفين أولهما يتعلق بمستويي التكوين وبمستويي التموين من حيث العلاقة بالطبيعة التي هي مصدر شروط البقاء ومن حيث العلاقة بالتاريخ الذي هو مصدر شروط تنظيمها .لكن إذا اكتفى البحث والاعلام العلميان بالعلاقتين بالطبيعة والتاريخ فقد يؤول إلى الاخلاد إلى الأرض فلا يرى ما وراء الطبيعة وما وراء التاريخ. وهنا يأتي المشترك بين الفلسفي والديني :فلا توجد فلسفة حتى عندما تقول بالمطابقتين ليس فيها محاولة للتعالي على الإخلاد إلى الأرض :فعند أفلاطون وهيجل الأمر لا يحتاج إلى بيان .ولكن حتى عند أرسطو وماركس فإن الماوراء موجود فعلا .فهو عند أرسطو موضوع المقالة الثانية عشرة من الميتافيزيقا وعند ماركس هو الغاية من فلسفته لأنه في النهاية يطلب ما يحرر الإنسان من العبودية حتى وإن توهم أن ذلك ممكن من دون دين فإذا به يجعل نظرية الاشتراكية دينا ومجرد يتوبيا لا تحقق إلى عكسها أي الدولة الفاسدة والمستبدة. أبو يعرب المرزوقي 37 الأسماء والبيان
-- القسم الاول فرغنا من الكلام على علل فساد وظائف الرعاية التكوينية والرعاية التموينية ببعديهما وفساد وظيفة الوظائف أعني البحث والإعلام العلميين الذي هو شرط الرعايتين التكوينية والتموينية ببعديهما لأن كل ما ينتجه الإنسان هو لإنتاج ذاته الفردية والجماعية والمحافظة عليهما. ولا يمكنه إنتاج ذلك من دون النظر والعقد لمعرفة قوانين الطبيعة والعمل والشرع لمعرفة قوانين التاريخ :وذانك هما أداتا كل سياسة في التربية والحكم يعملان على علم. ورأينا أن الفساد في الوظائف هو علة الداء الذي يصيب المجتمعات الإنسانية ويسميه ابن خلدون فساد معاني الإنسانية بسبب العنف في التربية والحكم .وطبعا ابن خلدون لم يتكلم على العنف بصورة تكتفي ما يترتب على التربية والحكم من إذلال للإنسان وقتل ما يتميز به. بل عرفه تعريفا ينبني على أمر مشترك بين ما يتأسس في الطبع وهو فلسفي وما يتأسس في الاستخلاف وهو ديني مع تقديم الثاني على الأول لأنه جعله هو الذي يقتضي رئاسة الإنسان بمعنى مختلف تماما عن مفهوم السيادة عند هيجل وماركس: فالسيادة عند هيجل وماركس منزلة قانونية نتجت عن صراع بين البشر فيها تمييز في الحقوق والواجبات والمنزلة بين سيد وعبد وتمييز بين البشر بمقتضى ما بينهم من علاقات قوة وتلك هي علة فساد الوظائف لأن الجماعة الإنسانية تتأسس على الصراع على السيادة فيصبح البعض عبدا للبعض. أبو يعرب المرزوقي 38 الأسماء والبيان
-- ويكون هذا الصراع إما صراع أرواح الشعوب كما عند هيجل أو صراع طبقاتها كما عند ماركس. ومن هنا نفهم القصد بجواب رسول جيش الفتح على سؤال قائد جيش فارس ما الذي أتى بكم لمحاربتنا\" :جئنا لنحرركم من عبادة العباد بعبادة رب العباد\". والرئاسة عند ابن خلدون ليست منزلة قانونية فحسب بل هي منزلة ووجودية تصبح قانونية إذا تحولت إلى منزلة خلقية تحكم السياسة تربية وحكما لأنها تنتج عن كون الإنسان له شروطها العضوية (وهي قدرة البدن والقوة المادية) التي تشمل كل البشر وشروطها الروحية (وهي قدرة الفكر والقوة الخلقية) وليس فيها تمييز بين سيد وعبد بل الجميع رؤساء بمقتضى علاقات القيمة بينهم ومنه تصبح الجماعة الإنسانية مؤسسة على الأخوة لأنهم من نفس واحدة (النساء )1وعلى المساواة والتعارف ( (الحجرات .)13 يقول ابن خلدون في الفصل 24من باب المقدمة الثاني بعنوان \"في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء\"\" :وفيه (في اندثار الأمم المغلوبة) والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له. \"والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غايته تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده وهذا موجود في أخلاق الأناسي .ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة وإنها لا تسافد إذا كانت في ملكة الآدميين .فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده\" أبو يعرب المرزوقي 39 الأسماء والبيان
-- فيكون ما حصل في وظائف الإعالة من فساد علته الفرق بين هذين الرؤيتين :فالأولى تقلب علاقة الاقتضاء فتجعل الطبيعي يرد إليه ما يتجاوزه بحيث إن تاريخ الإنسان يتحول من مقتضى الاستخلاف إلى مقتضى الاستعمار في الأرض ومن ثم فإن قيمتي الكرامة والحرية تردان إلى قيمتي الاستعمال والتبادل. فيصبح الأمر الواقع من وجود الإنسان الذي لا ينكره إلا جاهل -وهو ما يتجلى خاصة في الحروب عندما يصبح الضروري أرفع قيمة من ا لكمالي لكنه يبقى تحت سلطة أصحاب الكمالي بما لهم من سلطان على الاقتصادي فيقصدن كل شيء بما في ذلك الكرامة والحرية. والآن أريد أن أمر إلى ما يحصل في وظائف الحماية بعد أن درسنا ما يحصل في وظائف الرعاية وسيكون ذلك موضوع هذا الفصل الخامس الذي يكتمل لاحقا في الفصل الخامس مكرر والذي يجمع بين نوعي الوظائف بوصفها عين الغاية من الدولة التي هي في آن المشترك بين الفلسفي والديني عندما يتحرران من القول بالمطابقتين. فيدركان أن الأمر كله يتعلق بمعاني هذا التعريف الخلدوني للإنسان من حيث هو رئيس بطبعه (ما للإنسان من شروط الاستعمار في الأرض) بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له (ما للإنسان من شروط الاستخلاف فيه). وهذه العلاقة هي التي تحدد البنية المجردة للدولة من حيث هم نظام الوظائف بصنفيها التي هي فروض عين على الأفراد باعتبارهم جميعا مكلفين بفروض كفاية هي خدمة الفرد للجماعة وخدمة الجماعة للفرد بتقاسم العمل لسد الحاجات العضوية بالتبادل والتعاوض العادل ولسد الحاجات الروحية بالتواصل والتعارف الصادق. أبو يعرب المرزوقي 40 الأسماء والبيان
-- وهذا هو المشترك بين الديني والفلسفي وكلاهما لا بد أن يكون في آن علاقة بالطبيعة وبالتاريخ وبما وراء الطبيعة وبما وراء التاريخ وبما يرد إليه الماوراءين أي ما حددته سورة العصر أعني تجنب الخسر بالإيمان والعمل ا لصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وهي جوهر العلاقة بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب لأن الإنسان هو البرزخ بينهما :فروحه من عالم الغيب وبدنه من عالم الشهادة وكيانه من حيث هو واحد هو العبودية لربه طوعا (المؤمن بوعي) أو كرها (الملحد بلا وعي). ما رأيناه قد حدث في وظائف الرعاية يحدث مثله في وظائف الحماية وهي خمسة مثلها .ففيها الحماية الداخلية وهي مضاعفة أي القضاء والأمن .وفيها الحماية الخارجية وهي مضاعفة كذلك أي الدبلوماسية والدفاع .وفيها ما يناظر البحث والأعلام العلميان وهما الاستعلام والإعلام السياسيان. فالبحث والاعلام العلميان يتعلقان بشروط التكوين والتموين ويشملان من ثم وظائف الحماية لأنه لا يمكن لجماعة أن توفر شروط حمايتها من دون تمويلها وتمويلها تنتجه الرعاية. والاستعلام والاعلام السياسيان يتعلقان بقوامة كل الوظائف سواء ما تعلق منها بالحماية أو بالرعاية لأن كل عمل لا يكون على علم إذا لم يكن داريا بما يجري في الموضوع الذي يسوسه. أبو يعرب المرزوقي 41 الأسماء والبيان
-- رأينا أن الفساد يسيطر على التكوينين والتموينين بسبب فساد الانتخاب بمعنى أن التكوين فيه انتخاب للأجيال إذا فسد يفسد تخريج الأجيال المناسبة لوظائف الرعاية كلها. وللانتخاب مثل التكوين مستويان: .1انتخاب في التكوين النظامي الذي يتقدم فيه النظر والعقد على العمل والشرع قبل التخرج من منظومة التعليم وفيها يكون المعلم في آن معلما وقاضيا يرتب المتعلمين بالعدل بحسب الكفاءة .2ثم انتخاب التكوين اللانظامي الذي يتقدم فيه العمل والشرع على النظر والعقد بعد التخرج أي في نظام تقسيم العمل المنتج سواء كان ثقافيا (العلوم والفنون) أو اقتصاديا (البضائع والخدمات). وفساد الانتخاب في المستويين هو بنحو ما فساد دور المعلم في المستوى الأول والمعلم في المستوى الثاني من حيث هو \"قاض\" يعير المتعلم في المدرسة وفي المعمل بحسب شروط الفن تعييرا عادلا أو تعييرا غير عادل. والفساد هو في التعيير الذي هو شرط الانتخاب ومن المفروض أن يكون شرط وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب في سلم تقسيم العمل الذي يتطلبه تفعيل الانتاجين الثقافي والاقتصادي في الجماعة لسد الحاجات العضوية والروحية. وكل ظلم في هذه التعيير يترتب عليه فقدان للحقوق في الرعاية التموينية لأن التموين الذي يسد الحاجات العضوية والذي يسد الحاجات الروحية يتحدد بسلم الأجور الذي يستند عادة إلى سلم الرتب في تقسيم العمل في الجماعة. أبو يعرب المرزوقي 42 الأسماء والبيان
-- فينخرم النظام بحيث إن الجزاء لن يكون متناسبا مع الجهد بل العكس هو الذي يحصل فضلا عما يترتب على ذلك من سلطان الثروة الذي لا يكتفي بهذا المستوى الأول من الظلم بل ينتج عنه ظلم ثان. وهو ما للمستبد بالسلطة من قدرة على افتكاك ما عند غيره ويسميه ابن خلدون \"مد اليد\" لما عند الغير وضرورة وجود السلطان الرادع لذلك وتلك هي الوظيفة الأولى للدولة في نظريته للدولة. لكن الدولة نفسها قد يصبح من كلفوا بقوامتها هو بأنفسهم طرفا في هذا العملية بدلا من أن يكونوا حكما وذلك هو معنى الاستبداد السياسي .وهو العلة الأساسية لفساد الانتخابين في مستوييهما التكويني والتمويني. وأريد الآن أن أختم بالكلام على كيفية تعين هذا الاستبداد عندما تصبح الدولة بمن له قوامتها طرفا في الصراع وذات دور في إفساد الانتخابين في التكوين والانتخابين في التموين. ولها مع ذلك القدرة على افتكاك الأرزاق المادية والروحية من خلال رد القيم المتعالية التي تحدد منزلة الإنسان من حيث هو مستخلف في الأرض (الكرامة والحرية) إلى القيم المتدانية التي تحدد منزلة الإنسان من حيث مستعمر في الأرض (الاستعمال والتبادل). أبو يعرب المرزوقي 43 الأسماء والبيان
-- وذروتها الدولة التي تدعي الحضانة وتعني في الحقيقة استعباد الناس بردهم إلى عبيد لأن العبد هو الذي يعمل مقابل القوت اليومي دون كرامة ولا حرية .وهذا هو جوهر الأنظمة الفاشية رأسمالية كانت أو شيوعية خاصة. حددت وظائف الحماية الداخلية فبينت أنها القضاء والأمن .الفساد في الاستبداد يعكس العلاقة فيجعل القضاء تابعا للأمن بدلا من ا لعكس بحيث إن القاضي لا يقضي بمقتضى الحقوق والواجبات كما يحددها القانون العادل بل يقضي بمقتضى ما يفرضه المشرع الظالم في تحديد ما يعتبره حقوقا وواجبات وهو يجعلها متنافية مع ما يبقي للإنسان حقيقته بوصفه \"رئيسا بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له\" :وذلك هو العنف الذي يفسر به ابن خلدون فساد معاني الإنسانية وهي على نوعين: .1إما نكوص إلى جعل ما بطبعه هو المقتضي لرؤية فاسدة للسلطان على العالم أي المعنى السالب للاستخلاف والذي يسميه ابن خلدون \"حب التأله\" السياسي (الحاكم الذي يظن عمله مطلقا فيتصور نفسه ربا) والمعرفي (العالم عقلا أو كشفا الذي يظن علمه محيطا فيتصور نفسه ربا). ومن هنا المقارنة بالحيوانات المفترسة إذ إن الإنسان يمكن أن يثور على الظلم فيتصرف كحيوان ومفترس مع ظالميه :وهذه هي الرؤية الهيجلية والماركسية وهي تؤدي إلى الحرب الاهلية الإنسانية الدائمة. أبو يعرب المرزوقي 44 الأسماء والبيان
-- إما باسم صراع أرواح الشعوب أو باسم صراع الطبقات وتنتهي في الغاية إلى ما نراه في العولمة: الأقوياء يصنعون ما يحفظ لهم سلطانهم بما يمكن أن يقضي على الوجود الإنساني قاطبة. .2أو سمو إلى جعل \"بمقتضى الاستخلاف\" هو المقتضي لرؤية صالحة للسلطان على العالم أي المعنى الموجب للاستخلاف وهو تحديد العلاقة بالطبيعة والتاريخ (الاستعمار في الأرض) والعلاقة بما بعدهما (الاستخلاف) من خلال الإيمان بالنساء 1وبالحجرات .13 بحيث لا يوجد تمايز بين البشر أو تفاضل إلى بالتقوى أي باحترام القانون العادل في الانتخاب التكويني والتموين فتنعكس العلاقة ويصبح الأمن تابعا للقضاء في الحماية الداخلية وتلك هي وظيفة قوامة الدولة للعدل. وما يحصل في الحماية الداخلية يحصل مثله في الحماية الخارجية بمعنى أن الدبلوماسية في القانون ا لدولي في العلاقات بين الجماعات هي مثل القانون الوطني في العلاقات بين المواطنين ومن ثم ففساد القانون ا لدولي مثل فساد القانون الوطني هو قلب العلاقة بينها وبين الدفاع. فيصبح القانون الدولي تابعا للقوة وليس للعدل .ومثلما يكون القاضي بالقانون الوطني تابعا للأمني يكون القاضي بالقانون الدولي تابعا للقوة العسكرية .ولذلك فالعالم اليوم يحكمه الأقوياء وليس العدل .وليس أدل على ذلك أكثر من حق الفيتو في مجلس الامن. وطبعا لا يمكن للإنسانية أن تدرك هذه المخاطر بمحض إرادتها .فلا بد أن يأتي أمر يجعلها تدركه كرها لأنها لم تدركه طوعا .وتلك هي العلة التي تجعلني أعتبر جائحة كورونا درسا سماويا حتى يصبح فهم هذه الحقائق ليس خيارا بل اضطرار .اليوم الإنسانية بين خيارين لا ثالث لهما: أبو يعرب المرزوقي 45 الأسماء والبيان
-- .1إما العودة إلى ما جعل ما نحن فيه بسبب الجائحة أمرا ممكنا أعني بصورة موجزة تلويث الطبيعة وتلويث الثقافة .الإنسانية تعاني من تلويثين هما جوهر حضارة العولمة المقصورة على رد قيمتي الروح أو البعد الاستخلافي في الأرض من حياة الإنسان. وفيه انشداد إلى ما يتعالى على الأخلاد إلى الأرض (الكرامة والحرية) إلى قيمتي البدن أو البعد الاستعماري في الأرض من حياة الإنسان وفيه انشداد إلى الاخلاف في الأرض (الاستعمال والتبادل). .2أو السمو إلى ما ذكرنا به القرآن الكريم بأن الخروج من هذا المأزق المرسوم حتما في فساد كل ما درسناه في كلامنا على وظائف الرعاية ووظائف الحماية ولا يتجلى إلا في الغاية لأنه يتراكم بكميات لامتناهية الصغر حتى تصبح جوهر التلويثين فيجد الإنسان نفسه وكأنه كان بصدد الانتحار التدريجي والبطيء. ويدوم ذلك إلى أن ينفجر العالم كله بما أنتجه الإنسان من شروط القضاء على شروط بقائه. وذلك هو معنى الدعوة إلى تعامل البشر في ما بينهم بوصفهم أخوة (النساء )1ومتساوين (الحجرات )13لا يعيشون متسالمين إلا إذا تحقق بينهم العدل والمساواة. فمن يعدل مع غيره ويساوي بينه وبينه لا يخدم غيره بل يخدم نفسه :والمثال هو علاج الفيروسات .فهي لا تعرف الحدود .فإذا توهمت أنك تحمي نفس ولا يعنيك في غيرك فإن عدم حماية غيرك إضرار بنفسك كذلك .وهو ما يعني أن الإنسان لا يمكن أن يتخلص من التوازي التام بين فرض العين وفرض الكفاية. أبو يعرب المرزوقي 46 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124