Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2021-01-26 00:52:09

Description: مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫لذلك فالإسلام أسمى رؤية من كل التصورات التي تفصل بينهما سواء كانت دينية أو فلسفية‪ .‬لأنه‬ ‫يقدم جوابا عن إمكان السؤالين‪ :‬فلو لم يكن الإنسان له قدرة التوجيه ‪-‬التمييز في الحاصل بين‬ ‫الحصول المضطر والحصول الحر‬ ‫وبين ممكن الحصول وممتنعه‪-‬وإذن إطلاق المقابلة بين الضرورة والحرية في الوجود وعدم‬ ‫اعتبارهما ظاهرة نفسية عند الإنسان بل هي ظاهرة وجودية في كيان الإنسان وفي كيان الوجود‬ ‫كله‪.‬‬ ‫ومن ثم فالنسبة بين كيان الإنسان العضوي وكيانه الروحي الذي تتمايز فيه الضرورة في العضوي‬ ‫والحرية في الروحي والعلاقة بين سلطانين عضوي وروحي فيه يجعل ما بينهما أصلا لعلاقة المعرفة‬ ‫وا لقيمة والتوجيه هو القانون الذي يحكم العلاقة وتأثير الضرورة في الحرية والحرية في‬ ‫الضرورة‪.‬‬ ‫وذلك هو مفهوم الاستخلاف في عالم الشهادة الذي يحاكي اجتهادا وجهادا السلطان المطلق في عالم‬ ‫الغيب الذي تستمد منه المثل العليا المتخيلة وهي في نسبة المقدرات الذهنية النظرية للمعرفة‬ ‫والمقدرات الذهنية العملية للقيمة‪ :‬وفيه الإمكان متقدم على كل شيء إذ حتى الواجب فهو ممكن‬ ‫وإلا لكان ممتنعا‪.‬‬ ‫وعالم الغيب نوعان‪ :‬فهو في كيان الإنسان يسمى السرائر وفي كيان العالم الشاهد هو ما وراء‬ ‫الطبيعي منه وما وراء التاريخي‪ .‬والماوراءان في عالم المثل المتخيل هما نظام القوانين الطبيعية‬ ‫ونظام السنن التاريخية التي تنسب إلى الخلق والأمر عند المؤمن بإله خالق وآمر وإلى الانفجار‬ ‫العظيم عند من يتصور الامور كلها تحدث بالصدفة‬ ‫لكنها تؤدي إلى نظام يعجز العقل على تعليله‪ .‬وتلك هي علة فضل الإيمان على الالحاد فضله‬ ‫العقلي لعدم تناقضه إذ لا يمكن أن تكون الصدفة علة للنظام‪ .‬وبهذا المعنى فإن أفضل دحض‬ ‫لكل إلحاد هو مبدأ الزوجية في الحياة عامة و في الحياة الإنسانية خاصة‪ .‬وبذلك يصبح القسم‬ ‫الاول شبه تمثيل لما يمكن أن يعتبر تأسيسا فعليا للرؤية القرآنية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪97‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فهي التي تؤسس جهاد العمل والشرع أو الأكسيولوجيا واجتهاد النظر والعقد أو الابستمولوجيا‬ ‫رؤيتين للمكن للإنسان معرفة وتقييما شديدي النسبية‪ .‬وختاما فلعل جائحة كوفيد أكبر دليل على‬ ‫هذه المحدودية التي ينبغي أن تدفع البشر إلى التواضع العميق‪.‬‬ ‫فالرسول نفسه لم يدع علم الغيب ولم يدع إلا الاجتهاد معرفة والجهاد عملا وليس في رسالة‬ ‫التذكير وإن كانت وحيا أدنى لجوء إلى الاعجاز بغير ما لا يتجاوز النظر والعقد في الإشارة إلى‬ ‫مضان طلب المعرفة والعمل والشرع في الإشارة إلى مضان القيمة مع حرز ولا يحيطون بشيء من‬ ‫علم الله إلا بما شاء‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪98‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫مثلما صارت المقدمة التي أخرتها خاتمة ستصير الخاتمة التي اكتبها الآن مقدمة‪ .‬والمسألة التي‬ ‫أدرسها فيها هي المسألة التي ترتبت على العلاقة بين القسمين اللذين خصصتهما للزوجية أعني‬ ‫مسألة امتناع المطابقتين المعرفية والقيمية‪:‬‬ ‫‪-1‬قسم الزوجية من حيث هي علاقة بين الجنسين اللذين تبينا حدين ينتج تعالقهما‬ ‫جنسين آخرين لأن الرجل والمرأة كلاهما يمكن أن يتصف بالذكورة أو بالأنوثة ويتوسط بينهما‬ ‫جنس يجمع بين الصفتين‪.‬‬ ‫ولا يمكن فهم العلاقة بين الجنسين اللذين يكون الرجل فيهما ذكرا بحق والمرأة انثى‬ ‫بحق إلا بالتمييز بينهما وبين أثر الحدين أحدهما في الثاني والوسط بينهما‪ .‬وذلك هو المخمس‬ ‫الجنسي الذي يميز البشر عما عداهم من الكائنات الحية‪.‬‬ ‫فالبشر وحدهم هم من يكون الجنس عندهم ذا وظيفتين عضوية خالصة وهي للتكاثر‬ ‫وبقاء الجنس وروحية خالصة وهي ذوقية خالصة ووظيفتها متجاوزة للعضوي إلى ما يشير إلى‬ ‫التعالي المطلق دون أن يكون إياه‪.‬‬ ‫ولذلك فهو أصل كل إبداع معرفي وذوقي‪ :‬الجنس المنفصل عن الوظيفة الانجابية‪.‬‬ ‫ولهذه العلة كان الجنس عند البشر غير فصلي كما هو عند الحيوانات الأخرى بل هو دائم ديمومة‬ ‫حياة الإنسان‪ .‬وهو في الإسلام لا يعلو عليه إلا رؤية وجه الله في الآخرة‪.‬‬ ‫‪-2‬قسم الزوجية من حيث هي علاقة بين العالمين عالم النظر والعقد أو عالم المعرفة‬ ‫بقوانين الطبيعة وما ورائها دينية كانت أو فلسفية وعالم العمل والشرع أو عالم القيمة بسننها‬ ‫التاريخية وما ورائها دينية كانت أو روحية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪99‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫والمتعجلون لا يرون ما بين القسم الأول والقسم الثاني ما حاولت بيانه من علاقة متينة‬ ‫إذا نظرنا إلى ما بين الفلاسفة والمرأة من علاقة تجعلها في أدنى المنازل وما بين الرسل والمرأة من‬ ‫علاقة تجعلها في أسمى المنازل‪ .‬وهي قضية محيرة حاولت وصلها‪:‬‬ ‫بنظرية المادة عند الفلاسفة ومقابلتها بالصورة ونسبة الفرق بينهما في الفلسفة القديمة‬ ‫مقصورا على المادة‪ .‬ما يعني أن المرأة ليس لها ما يميزها عن الرجل إلا كيانها البدني المادي الذي‬ ‫يمثل عند الفلاسفة أصل الشر في الوجود‪ .‬ورمزت إلى هذه المنزلة المرذولة بموقف نيتشة من‬ ‫المرأة عامة‪ .‬وهو موقف ليس خاصا به بل هو عام عند جل الفلاسفة حتى وإن كان نيتشة أكثرهم‬ ‫صراحة في الاعلان عنه‪.‬‬ ‫بنظرية المدد عند الرسل ووصلها بالثمرة واعتبار الفرق بينها وبين الرجل ليس مقصورا‬ ‫على المدد بل هو يتعدى إلى ثمرته في الحياة كلها ما يجعل العلاقة عكسية تماما بمعنى أن المرأة‬ ‫ليست تابعة للرجل بعكس ما صارت عليه في تحريف الرؤية القرآنية تحريفا ناتجا عن خرافة‬ ‫الضلع الأعوج بخلاف ما وردت عليه في الآية الأولى من النساء والآية ‪ 189‬من الاعراف‪.‬‬ ‫والتناظر اللامتعادل الذي من جنس التناظر بين الأرض وخارطتها المرسومة على الورق‬ ‫بين العالمين وما بينهما من علاقات بنوعيها التي تتعلق‪:‬‬ ‫بشروط قيام الإنسان العضوي موضوع النظر والعقد (مستعمر في الأرض)‬ ‫وبشروط قيامه الروحي موضوع العمل والشرع (مستخلف في الأرض)‬ ‫وما يترتب عليهما من وعي بأن العالمين المحيطين والمحاطان متحايطان ومتظارفان‪:‬‬ ‫‪-1‬العالم الخارجي بأحيازه الخمسة أو كيان العالم (المكان الجغرافي والزمان التاريخي‬ ‫وأثر الاول في الثاني او التراث وأثر الثاني في الأول او الثورة والاصل الحصيلة في آن أي ما‬ ‫يوحد العالم ليكون عالما محيطا بالإنسان فردا وجماعة ونوعا)‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪100‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-2‬العالم الداخلي بأحيازه الخمسة أو كيان الإنسان (المكان البدني والزماني الروحي‬ ‫واثر الاول في الثاني أو مضمون الروح وزادها واثر الثاني في الأول أو مضمون البدن وزاده‬ ‫والأصل الحصيلة في آن أي ما يوحد الإنسان ليكون محيطا بما يستطيع معرفته وتقويمه من‬ ‫العالم)‪.‬‬ ‫وعدم التعادل بين المتناظرين هو الذي جعلني أعتبر الإنسان يسبح في اقيانوس الظلمات‬ ‫وهو يكذب على نفسه عندما يتصور نفسه ذا علم محيط وعمل تام‪ .‬ومن ثم فالحكمة القرآنية‬ ‫تمثلت في تحريره من هذين الكذبتين بوضع مفهوم الغيب المعرفي والقيمي واعتبار المعرفة اجتهاد‬ ‫والعمل جهادا‪.‬‬ ‫وما كنت لأعود لفكر من نسبتهم إلى المدرسة التي سميتها المدرسة النقدية وخاصة ممثليها‬ ‫الأخيرين أي ابن تيمية وابن خلدون لانهما أول من تجاوز الفلسفة اليونانية القائلة بالمطابقتين‬ ‫لأن‪:‬‬ ‫‪-1‬الاول بين النظر والعقد أو الفلسفة النظرية لا يمكن أن يكونا مطابقين إذ إن علم‬ ‫أي شيء في العالم لا يكون محيطا إلا إذا شمل كل العالم ومغنيا عن علمه‪.‬‬ ‫‪-2‬والثاني بين أن العمل والشرع أو الفلسفة العملية لا يمكن أن يكونا مطابقين إذ إن‬ ‫عمل أي شيء في العالم لا يكون تاما إلا إذا كان الموجود مغنيا عن المنشود‪.‬‬ ‫وبذلك أصل إلى المشكل الذي اعالجه في خاتمة المحاولة التي يمكن أن تصبح جزءا من‬ ‫المقدمة مثلما أن المقدمة يمكنها أن تكون جزءا من الخاتمة‪ :‬لأن كلا القسمين يتبادلان التأسيس‬ ‫وإذا فكلاهما يمكن أن يقدم أو أن يؤخر تماما مثل المقدمة والخاتمة لأن كلا منهما تنطلق من أحد‬ ‫التأسيسين‪.‬‬ ‫والمسألة هي الآن كيف يمكن للإنسان مع ذلك أن يكون قادرا على التعامل مع العالمين وما‬ ‫بينهما من علاقات هي تؤول إلى الغيب المطلق أو محيط الظلمات الذي يعيش فيه الإنسان ويؤوله‬ ‫دينيا وفلسفيا شرطا لبقائه؟‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪101‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫سأستعمل استعارة جغرافية لترجمة ما يجري في تاريخ الإنسانية خلال تعاملها مع الأحياز‬ ‫الخمسة في كيانه وفي كيان العالم من حوله‪ :‬سأعتبر ما بين العالمين الطبيعي والتاريخي محيطا‬ ‫يسبح فيه الإنسان فردا وجماعة جزئية وجماعة كلية تشمل الإنسانية كلها‪.‬‬ ‫وسأفترض أن هذا المحيط مجهول بإطلاق على الأقل في بداية تاريخ الإنسانية وأنه‬ ‫لهذه العلة ولعدم تطور تجهيز الإنسان المعرفي والقيمي يغلب عليه ما ينسب إلى مثلث برمودا‪.‬‬ ‫وسأفترض أن الإنسان استطاع أن يكون فيه يابسات تنتأ على سطح المحيط مثل القارات‬ ‫في الارض وأنه يحاول الوصل بينها بخطوط تواصل بحرية وجوية وفي حالة القرب برية ليطفو‬ ‫فوق امواج المحيط ويحقق وحدة الإنسانية لكي تراكم انوارها في بحر الظلمات‪.‬‬ ‫وسأفترض أخيرا أن الإنسانية في غاية وعيها بمسارها التاريخي الذي صنعت فيه هذه‬ ‫اليابسات قد حاولت بالتدريج بما جهزت به من قدرة على النظر والعقد في علاقتها الطبيعة وعلى‬ ‫العمل والشرع في علاقتها بالتاريخ وجدت نفسها مخيرة بين‪:‬‬ ‫وصل القارات الخمس لتحقق مبدأي النساء ‪ 1‬والحجرات ‪ 13‬لتكون بحق كما يصفها‬ ‫القرآن فيهما تحكمها المقومات التالية لأنها تنبني على التحرر من القول بالمطابقتين المعرفية‬ ‫والقيمية‬ ‫فتجعل معرفة الإنسان اجتهادا نسبيا وتقييم الإنسان جهادا نسبيا ما يؤسس لرؤية تعتبر التعدد‬ ‫من آيات الله وتحرر من العرقية والطبقية والصراع من اجل شروط البقاء‪:‬‬ ‫‪-1‬الأخوة‬ ‫‪-2‬والمساواة‬ ‫‪-3‬في التبادل لتقاسم ثمرة الاستعمار في الأرض بالعدل اخذا وعطاء‪.‬‬ ‫‪-4‬وفي التواصل لتقاسم ثمرة الاستخلاف في الارض بالتعارف معرفة ومعروفا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪102‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫‪-5‬وتلك هي العولمة القرآنية التي تعتبر عالم البشر واحدا بأحيازه الخمسة التي يتألف منها كيان‬ ‫العالم واحيازه الخمسة التي يتألف منها كيان الإنسان وأن العلاقة بين العالمين تقتضي الخيار بين‪:‬‬ ‫*‪-‬وصل حميمي بين نوعي الأحياز هو الماوراء الذي يمثل المشترك بين الدين والفلسفة‬ ‫عندما لا يحرفهما القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية علة تأله البشر وتحولهم بعضهم للبعض‬ ‫أربابا وإذن فالتحرر من المطابقتين شرط في العولمة القرآنية التي تجمع بين الاستعمار في الارض‬ ‫والاستخلاف فيها أساسا قيميا للتحرر من الاخلاد إلى الأرض‪.‬‬ ‫*‪ -‬وبين العولمة الجارية حاليا التي تحكمها نفي تلك المقومات لأنها تنبني على القول‬ ‫بالمطابقتين فآلت حتما إلى ما نراها عليه من تهديم للعالمين الطبيعي والتاريخي لأن القول‬ ‫بالمطابقتين يتجاهل المحيط الظلمات الذي يمكن أن يبتلع اليابسات الخمس فيصبح التعمير تدميرا‬ ‫للأحياز الخارجية والاستخلاف تدنيسا للأحياز الداخلية‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن هذه المحاولة دليلها هو الراهن التاريخي الذي يجعل الرهان في خيارات‬ ‫الإنسانية الحالية لإنفاذ العالم الخارجي والعالم الداخلي أو الأحياز الخارجية في كلان العالم‬ ‫والاحياز الداخلية في كيان الإنسان‬ ‫ليس وضعها في شكل معركة العولمة التي لوثت الطبيعة والثقافة مع الإسلام ليس أمرا‬ ‫اتفاقيا بل مسألة هو من العلامات القاطعة على أن الحل الوحيد الذي سينتهي إليه الإنسان هو‬ ‫الرؤية القرآنية فيختارها‪.‬‬ ‫فما اليابسات الخمس وما ترتيبها وما علاقاتها بعضها بالبعض وكيف هي محال النور الذي‬ ‫يمكن الإنسان من التعامل مع المحيط الهائج الذي هو كل المجهولات في حياة البشر والذي لا يمكن‬ ‫من العيش فيه‪:‬‬ ‫إلا النظر والعقد معرفيا بوصفه اجتهادا لا يقول بالمطابقة بل يؤمن بالغيب المحيط‬ ‫بالشهادة الطبيعية‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪103‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫والعمل والشرع قيميا بصفه جهادا لا يقول بالمطابقة بل يؤمن بالغيب المحيط بالشهادة‬ ‫التاريخية‪.‬‬ ‫ذلك أن المعرفة الجهادية هي التي تؤسس للتواصي بالحق بين المؤمنين والعاملين صالحا‪.‬‬ ‫والقيمة الجهادية هي التي تؤسس للتواصي بالصبر بين المؤمنين والعاملين صالحا‪ .‬ولا يمكن‬ ‫للإنسان أن يخرج من الخسر الذي يمثله الدمار الاستعماري والخواء الاستخلافي‪:‬‬ ‫‪-1‬إلا بفضل التحرر من القول بالمطابقتين اللتين تنفيان ما يحيط بالإنسان من مجاهيل لا‬ ‫متناهية‬ ‫‪-2‬واغفالها هو علة الحروب التي تعود إلى الصراع من أجل شروط القيام العضوي‬ ‫وشروط القيام الروحي بدلا من التبادل في الأولى والتواصل في الثانية‪.‬‬ ‫وقد أجل القرآن كل هذه الخلافات بين البشر وأسماها المتعلقة بتعدد الرؤى الدينية‬ ‫والفلسفية إلى يوم الدين فجعل يوم الدين يوم الحسم عند اعدل الحاكمين حتى لا يحتكم‬ ‫الإنسان إلى الحسم العنيف عندما يزعم كل إنسان معرفته محيطه وتقييمه تاما‪.‬‬ ‫وبذلك فغاية الغايات هي حرية المعتقد معرفيا وقيميا وجعل البشر ينشغلون بشروط‬ ‫القيام العضوي وشروط القيام الروحي التي هي واحدة بالنسبة إلى الجميع إذا آمنوا بأنهم اخوة‬ ‫وبأنهم متساوون ولا يتفاضلون إلا بالتقوى‪ .‬اليابسات الخمس أول القارات هي‪:‬‬ ‫اثنتان مؤسستا إنتاج الإنسان من حيث كيانه العضوي والروحي‪:‬‬ ‫‪-1‬الأسرة بكل درجاتها الخمس‪:‬‬ ‫أ ‪-‬الزوجان‬ ‫ب ‪-‬الآباء‬ ‫ج ‪-‬الابناء‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪104‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫د ‪-‬الاقربون من الأهل‬ ‫هـ ‪-‬الأبعدون من الأهل‪.‬‬ ‫وما يكدر هذه المعادلة هو تدخل الثروة خاصة‪.‬‬ ‫‪-2‬المدرسة بكل درجاتها الخمس‪ :‬ما دون الابتدائي وما فوق العالي أو التكوين المستمر‬ ‫وبينهما ثلاثة الابتدائي والثانوي والعالي‪ .‬والقلب هو الثانوي وفيه حقيقة بروز التحول النوعي‬ ‫في شخصية الفرد‪ .‬ما يكدر هذه المعادلة هو تدخل التراث خاصة‬ ‫اثنتان لإنتاج شروط الرعاية وشروط الحماية‪:‬‬ ‫‪-4‬المعمل بكل درجاته الخمس‪ :‬شرطا القيام العضوي أي أ‪-‬الغذاء ب‪-‬والدواء وشرطا‬ ‫القيام الروحي ج‪-‬الذوق د‪-‬والعلم ه‪-‬وتطبيقاتهما (القلب هو التطبيقات الفعلية)‪ :‬ما يعكر هذه‬ ‫العلاقة هو التطبيقات خاصة أو الفرق بين الأمر الواجب والامر الواقع وهنا يكون دور الانتخاب‬ ‫مشكل المشاكل‪ :‬أي الشخص المناسب في المكان المناسب لا يعمل به فعلا‪.‬‬ ‫‪-5‬الدولة بكل درجاتها الخمس‪ :‬ا‪-‬المرجعية الجامة التي تعرف الأمة بها ذاتها مكانا‬ ‫وزمانا ب‪-‬والقوى السياسية ج‪-‬والدستور د‪-‬والجهاز الحاكم حما ومعارضة هل واحدة من هذه‬ ‫الدرجات‪ :‬ما يعكر هو المعكرات الأربع السابقة‪.‬‬ ‫القلب أو النواة التي تصل بين الإنسان والعالمين وهو أصل القلوب الأربعة السابقة‪:‬‬ ‫‪-3‬المعبد بكل درجاته الخمس‪-5 :‬المشاعر القولية ‪-4‬المشاعر الفعلية ‪-3‬المعالم ‪-2‬‬ ‫الشريعة ‪-1‬العقيدة‬ ‫منطق الأسرة‬ ‫ينبغي أن يترتب على اللقاء بين الرجل والمرأة من حيث الثمرة العضوية كلا الجنسين‬ ‫بنسب مختلفة ينبغي أن تحقق التناسب الجنسي (ساكس راسيو) في الجماعة الإنسانية عامة حتى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪105‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫يبقى التوازن الجنسي العضوي‪ .‬لكن الأهم والذي له علاقة مباشرة بالإشكالية هو التناسب‬ ‫الروحي ثمرة للتناسب الجنسي‪.‬‬ ‫فقد بينت أن نظرية المدد الدينية البديل من من نظرية المادة الفلسفية تجعل الفرق في‬ ‫المدد ليس بدنيا فحسب بل هو روحي كذلك دون أن يترتب عليه مفاضلة لأن ما يتميز به البدن‬ ‫عضويا تتميز به النفس روحيا‪ .‬لذلك فسيكون التجاذب في الأسرة متجانس هو بدوره‪:‬‬ ‫فالبنت تحب أباها أكثر من أمها‬ ‫والابن يحب أمه أكثر من أبيه‬ ‫رغم أن البنت تنافس أمها في الأنوثة والابن ينافس اباه في الذكورة‪ .‬ويمكن القول إن‬ ‫العلاقة الجنسية قبل وضع شريعة المحارم كانت أميل إلى علاقة الاب بابنته والام بابنها‪.‬‬ ‫لكن هذه العلاقة تروحنت بعد وضع شريعة المحارم حتى يطابق ذلك مبدا النساء واحد‬ ‫لأن الأخوة بذلك تعم بفضل التزاوج الخارجي الذي يتواسع فتتحقق المستويات الخمسة التي‬ ‫ذكرتنها في العلاقة الأسرية‪.‬‬ ‫ولم يمنع ذلك من بقاء شيء من التجاذب يفهمنا ظاهرات تبدو من احوال النفس‬ ‫السطحية لكنها من اعمق اعماق كيان الإنسان تصبح مفهومة بهذه المعادلات التي كانت خفية قبل‬ ‫التفطن للفرق بين الرؤية الفلسفية والرؤية الدينية‪:‬‬ ‫من ذلك علاقة الكنة والحماة وحبها لزوج ابنتها أكثر من زوجه ابنها‪ .‬ويمكن ان نقول‬ ‫العكس في علاقة الأب بزوجة ابنه وزج ابنته‪.‬‬ ‫وتجنبا للإطالة فإن نفس هذه المعادلة تصح على اليابسات الباقية‪ :‬على المدرسة والمعمل‬ ‫والدولة وخاصة على القلب أي المعبد‪ .‬وسأكتفي بالمدرسة لأنها هي التي تتعلق بالنظر والعقد في‬ ‫التعليم المعرفي وبالعمل والشرع في التعليم القيمي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪106‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫فالمعلم الناجح مثله مثل الاب إن كان ذكرا ومثلا الأم إن كان انثى ليس بالمعنى العضوي‬ ‫بل بمعنى الانجذاب بخاصية محرك الابداع أي ابنة المعلم وابن المعلمة اللذين يثيران فهيما‬ ‫عنفوان الجنس ولكن معرفيا وقيميا أي الذوق المتعالي على الذوق الجنسي العضوي إلى الذوق‬ ‫المترتب عليه في الروحي معرفيا وقيميا‪.‬‬ ‫فالمتعلم والمتعلمة الشابان هما من يثير عنفوان السؤال الناتج عن دهشة الاستفهام‬ ‫والذكر أكثر إثارة للمعلمة والأنثى أكثر اثارة للمعلم في مستوى السؤال المعرفي والسؤال القيمي‪.‬‬ ‫ولا يكون المعلم والمعلمة حقا مبدعين في التعليم ما لم يبق فيهما عنفوان السؤال المحرر من الجواب‬ ‫الجاهز‪.‬‬ ‫وختاما حتى لا أقصر كلامي على ما تقدم على القلب إلى المعبد سأمر إلى ما تأخر عنه في‬ ‫المعادلة الشاملة‪ :‬فالمعمل والدولة هما في نسبة المدرسة والأسرة‪ .‬ومعنى ذلك أن المعمل في‬ ‫مستوياته الخمسة التي ذكرتها لا يختلف عن المدرسة لأنه لا شيء غير تطبيقات حصيلة ما كونت‬ ‫عليه المتعلم‬ ‫فالمعمل هو تطبيق ثمرة التعليم في المجتمعات النامية إذا كانت حكوماتها صالحة بمعنى إذا‬ ‫كان الانتخاب في العمل خاضعا للتكوين السوي المحافظ على الشخص المناسب في المكان المناسب لسد‬ ‫الحاجات العضوية والروحية للجماعة التي تحافظ على شروط بقائها وتطبق قواعد الانتخاب في‬ ‫المدرسة وفي المعمل بشروط الخلقية والتقنية‪.‬‬ ‫والدولة تطبيق ثمرة الأسرة في المجتمعات التي ربيت على مبدأ النساء ‪ 1‬والحجرات ‪13‬‬ ‫بمعنى أن من ينتخبهم الجماعة لملء خانات الدولة بمستوياته الخمسة التي أشرت إليها دورهم لا‬ ‫يختلف عن دور الأبوين لا يفرقون بين المواطنين‪:‬‬ ‫لأنهم في خدمتهم أي في الرعاية تكوينا وتموينا وتلك هي مهمة التربية ولا يمكن للمربي‬ ‫ألا يكون إلا كما وصفنا في كلامنا على المدرسة وأساسها البحث العلمي وتطبيقاته التقنية لسد‬ ‫الحاجات المادية (الاقتصاد) والبحث العملي وتطبيقاته القيمية (لسد الحاجات الروحية)‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪107‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫ولأن وجودهم في مهمة القوامة غايته تحقيق شروط الشورى ‪ 38‬بمعياري النساء ‪1‬‬ ‫والحجرات ‪ 13‬وتلك هي مهمة الحكم ولا يمكن للحكم ألا يكون مثل الوالدين بأخلاق الحكم الذي‬ ‫حددته الآية ‪ 58‬من النساء أي الأمانة والعدل مثل الأبوين واساسها الاستعلام العملي وتطبيقاته‬ ‫لحماية سد الحاجات بصنفيها‪.‬‬ ‫لكن هذه الرؤية لا تتوقف على جماعة دو جماعة بل لا بد أن تشمل الإنسانية كلها لأن‬ ‫النساء ‪ 1‬تشمل كل البشر بوصفهم اخوة من نفس واحدة ولان الحجرات ‪ 13‬تعتبرهم متساوين‬ ‫وتعددهم واختلافهم لا يؤدي إلى التفاضل بينهم لأن الهدف منه هو التعارف معرفة ومعروفا ولا‬ ‫تفاضل بينهم إلا عند الله بالتقوى لأنه هو الوحيد العالم بالسرائر‪.‬‬ ‫ولا أريد أن أقول عن المعبد إلى معلومة وحيدة سبق أن عرضتها بعنوان المعادلة الوجودية‪:‬‬ ‫فالمعبد ‪-‬على الاقل المسجد كما عرفه الإسلام في نشأته الاولى قبل أن يبتذل ليتحول لشكليات‬ ‫العبادات دون ثمرتها‪.‬‬ ‫فهو المحل الوحيد الذي يوجد فيه الفرد أي من يأتي ربه فردا‪ :‬وذلك ليتذكر ما تقدم‬ ‫عليه في هذه المعادلة (الأسرة والمدرسة) وما تأخر (المعمل والدولة) بوصفها جميعا تعرض على‬ ‫علاقته المباشرة بربه دون وسيط‪.‬‬ ‫فإذا فقد المعبد هذه الوظيفة فقد دوره في القرآن‪ :‬فهو المحل الذي يرى فيه الإنسان‬ ‫علاقته الدائمة بربه في معاملاته الأسرية المدرسية والمعملية والسياسية‪ .‬لأنه يكون فيه ‪-‬رجلا‬ ‫كان أو امرأة‪-‬في علاقة مباشرة بربه وكأنه يوم الحساب‪.‬‬ ‫فيوم الحساب وظيفته التأكد من تحقيق الإنسان لشروط الاهلية للاستخلاف لأن حياته‬ ‫الدنيا تعتبر امتحانا لهذه الاهلية وذلك هو رمز الفرصة الثانية التي اعطيت لآدم وحواء لإثبات‬ ‫الرهان عليهما لدحض حكمين سابقين على الإنسان‪:‬‬ ‫حكم الملائكة بالإفساد فيها وسفك الدماء‬ ‫حكم ابليس بعدم اهليته آدم للاستخلاف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪108‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫تلك هي الدراما التي يعرضه القرآن والتي هي في آن سيناريو يكون فيه الإنسان المسلم‬ ‫محققا له ليس بوصفه ممثلا وإلا لصدق عليه قول مترجم كتاب الشعر لأرسطو الذي ترجم مصطلح‬ ‫الممثل بالمنافق‪.‬‬ ‫ذلك أن المؤمن لا يؤدي دورا بل يعيش تجربة وجودية فعلية هي التي تضفي المعنى على‬ ‫حياته‪ .‬ولهذه العلة كان المعبد المركز بل مركز المراكز في القارات الخمس التي يطفو فوقهما‬ ‫الإنسان لئلا يغرق في بحر الظلمات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪109‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪-‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪110‬‬ ‫الأسماء والبيان‬