-- لأن الدلالة العميقة لهذا النفي هو عدم الاعتراف بالتمييز بين وظيفتي الجنس عند البر بخلاف ما عليه الامر عند الحيوانات الأخرى وعدم فهم علة تواصل شاهية الجنس في كل الحياة بخلاف ما هي عليه من موسمية عند الحيوانات الأخرى: فوظيفة الانجاب موسمية ونسقها يحددها خصب المرأة وهو محدود جدا بالعادة الشهرية وبعدد البيضات المحدودة. وظيفة الذوق غير موسمية ونسقها يحددها خصب الرجل وهو لا يكاد أن يكون محدودا لعدم وجود العادة وبعدد الحيوانات المنوية اللامحدودة .لكن طبيعة علاقة العضوي بالطبيعة وبالتاريخ عند الجنسين لها نفس العلة رغم الفروق العضوية والروحية المترتبة عليها لأن: • الأولى علاقة القيام العضوي وسد الحاجات العضوية • والثانية علاقة القيام الروحي وسد الحاجات الروحية وكلتاهما تحتاج إلى تعاون الجماعة وتقاسم العمل ليس بالجنس العضوي مفصولا عن الجنس الروحي إذ إن الأنوثة والذكورة -ولهما علامات عضوية وروحية كما بينت-قابلتان للوجود في المرأة وفي الرجل على حد سواء .ولولا ذلك لاستحال أن توجد المثلة الجنسية كما شرحت في الفصول السابقة. وكل من لا يعترف بهذه الحقيقة التي لم تخل منها حضارة في كل مراحل تاريخها ينكر الحقائق العضوية والروحية المتعلقة بما بين دور الذوق والانجاب في العلاقات الحميمة وهما قد تتصلان وقد تنفصلان. وعدم اعتبار ذلك لأن شرط القيام العضوي هو انتاج الثروة وشرط القيم الروحي هو انتاج التراث وكلاهما لا يقتصران على تعاون المتساوقين بل يسهم فيهما المتوالين السابقين واللاحقين. وتلك هي علة التربية والحكم أي وظيفتي الجماعة الحرة التي تنظم انتجاها الذاتي لشروط بقائها وهو المعنى العميق للسياسة التي هي دائما جماعية حتى في أعتى الدكتاتوريات لأن ما يحدث أبو يعرب المرزوقي 47 الأسماء والبيان
-- فيها ليس نفي الطابع الجمعي للوظيفتين بل الطابع الحر أو المضر للقيام بهما ومن ثم صلاح معاني الإنسانية يصبح فسادها وننتقل من الجماعة الحرة إلى الجماعة المستعبدة. ولا أنوي الكلام في كل مشاكل التربية بل هدفي الكلام على ما ترتب عن الجاهليتين اللتين وصفت هنا من علاج ينتهي في الغاية إلى عدم التفطن للحلول الثورية التي يقدمها الإسلام والتي ينبغي بيان دورها في العناية ما بين البعدين العضوي والروحي من علاقة وثيقة وما بين الذوقي والانجابي من وصل وفصل. فكلاهما ضروري لأن الذوقي في حياة البشر هو سر الروحي ومن ثم منزلة الجنس حتى في الحياة الاخرى إذ إنه لا يعلو عليه في الجزاء الاخروي إلى رؤية وجه الله أعني غاية الروحي المطلقة. ولا بد إذن من مراجعة ما ترتب على النكوصين الجاهلي والغربي إزاء رؤية الإسلام لمنزلة المرأة ولمنزلة الجنس في حياة البشر وهما نكوصان يبدوان متناقضين لكنهما يؤديان إلى نفس النتيجة وإن بطريقين متقابلتين تماما. وسأهتم بنتائج النكوص إلى الجاهلية المتقدمة على ثورة الإسلام عند المسلمين ولا احتاج للكلام على النكوص إلى الجاهلية المتأخرة عنه في الغرب والتي رمزت إليها بالقلب النيتشوي للقيم: -1فمن عجائب الجاهلية التي نكص إليها العرب الغاء التربية الجنسية التي كانت تعتبر جزءا لا يتجزأ من شروط العبادات لأنها الجنس نفسه بشروطه الشرعية عبادة ببعديه ذوقا وانجابا وطهارته وسلامته والمعرفة بأحواله لها دلالة دينية بخلاف ما عليه الأمر في الحضارات التي لا توليه الاهمية التي يوليها إياه الإسلام. -2ومن عجائب النكوص إلى الجاهلية أن الإسلام الذي لا يفصل بين الجنسين في أهم شعائره وأسماها أعني الحج والطواف صار الفصل بين الجنسين من أكبر العاهات في حين يظن علاجا لها. فهو الذي يؤسس للمثلية الجنسية في الجنسين بما يلغيه مما يغني عنها أولا وهو الذي يحاول المستحيل لأن الفصل مستحيل بين المحارم فيكون أصلا لزنا المحارم سواء بالفعل أو على الأقل بالقوة .وهو الذي لا يحول دون الزنا وخاصة نواياه حتى لو سلمنا بالحد منه فعليا. أبو يعرب المرزوقي 48 الأسماء والبيان
-- -3ومن عجاب النكوص إلى الجاهلية تحرير المرأة من منزلة المملوك إلى المالك مثله مثل الرجل يجعل منعها مما يترتب على الملكية من شروط حفظها والمشاركة في آليات تثميرها ما يعني أنها ذات اقتصادية تامة الشروط إذ الزواج لا يفرض عليها التبعية في إدارة ملكيتها أو جعل زوجها وصيا عليها في تصريف امرها .وهذا يعني أن حضورها في الممارسة الاقتصادية حق شرعي بل وواجب. -4الجمع بين هذه القضايا الثلاث السابقة لا يتحقق من دون دور في قوامة الشأن العام لان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط الإيمان والمشاعر اللذين لا يختلف فيهما الذكر والانثى بل هما نفس الشروط ونفس الواجبات وإذن فدور المرأة السياسي المتعلق بقوامة الرعاية والحماية مساو لدور الرجل حتى وإن كان مختلفا لتقدم الرعاية على الحماية عند المرأة وتقدم الحماية على الرعاية عند الرجل .لكن وإن ميز بينهما فهو لا يلغي حاجتهما المشتركة للتكون في الدورين. -5وأخيرا من عجائب النكوص قضية التعدد في الزواج الذي يسمح به الإسلام بشروط للرجل وللمرأة على حد سواء .والفرق بين التعددين هو التساوق عند الرجال والتوالي عند النساء. والعلة هي الجمع بين حقق التعدد وحق حفظ النسب .وتلك هي علة تحرير الطلاق في الإسلام وعدم فقدان المرأة الطالق منزلتها في الإسلام بل هي تحافظ على منزلة قد تكون احيانا اهم من منزلة البكر. فالرسول لم يتزوج بكرا إلى واحدة هي عائشة وبقية امهات المؤمنين لسن بكرا. ولا بد هنا من الإشارة إلى أمرين يغفلهما المؤولون لإشكالية التعدد :فالقرآن ربطها بأمرين يحدثان في كل الحضارات هما: المسألة الديموغرافية التي تنتج عادة عن الحروب التي تفسد التناسب العددي بين الجنسين إذ يقل الرجال وتكثر النساء فيها غالبا فيكون التعدد حلا لمشكل ديموغرافي في علاقة بالجنس. المسألة الاجتماعية التي تنتج كذلك عن الحروب التي تفقد الاطفال وخاصة الإناث أعراضهم وأملاكهم الحماية الضرورية فيكون التعدد حلا لمشكل خلقي واقتصادي في علاقة بالجنس. أبو يعرب المرزوقي 49 الأسماء والبيان
-- لكنه في الحالتين يشدد على شبه استحالة تحقيق شرطي العدل بين الزوجات وشرط الأمانة في حماية عرض القصر وأملاكهم بعد فقدان آبائهم .وكل هذه المعاني بينة لكل ذي عقل .لكن الأكثر بينونه هو أن التعدد في غير هذين الحالتين لا يعالجان مشكل العنوسة لأنه في حالة التوازن العددي بين الجنسين (الساكس راسيو) يتحول التعدد إلى حرمان الفقراء من الزواج لأن ذلك يعني فقدان العدد الكافي لسد حاجات بقية الرجال. في شروط تكوين من يتميزون بالأنوثة من الجنسين ومن يتميزون بالذكورة منهما بالاعتماد على العلاقة بين المميزات العضوية والمميزات الروحية بصرف النظر عن المقابلة بين الجنسين ليكونا بحق في خدمة وظيفتي الإنسان: -1أي استعماره في الارض :وتتعلق بالعلوم وتطبيقاتها التقنية في كل انشطة الإنسان من حيث هي تقاسم العمل بين كل المواطنين بجنسيهم الاقصيين وبالأجناس الوسطى التي ينبغي أن يصبح لهم وضع لا يناقض الشريعة والا يناقض الطبيعة. -2واستخلافه في الأرض :وتتعلق القيم وتطبيقاتها الخلقية في كل أنشطة الإنسان في تنظيم التعاون بين البشر بكل اجناسهم الخمسة والتعاوض العادل وهو مجال الشورى بين المواطنين بوصف الامر امرهم (الشورى )38 -3ودور الأول في الثاني :وهو دور مضاعف مباشر لأن الاستخلاف يقتضي استراتيجية تقنية ومنهجية لتحقيق مهمته الاستعمارية وغير مباشر لتحقيق مهمته الاستخلافية ولهما وجه تقني مضاعف هو جوهر الاقتصاد في علاقته بالاجتماع شرطا في السلم المدنية. -4دور الثاني في الأول :وهو دور مضاعف مباشر لأن الاستعمار يقتضي استراتيجية خلقية وتعاملية لتحقيق مهمته الاستخلافية وغير مباشر لإضفاء الأخوة على تقيم العمل والحيلولة دون تحوله إلى تنافس صراعي بدلا من أن يكون تسابقا في الخيرات. أبو يعرب المرزوقي 50 الأسماء والبيان
-- -5وأصل الوظيفتين والدورين المتبادلين بينهما هو تحقيق مضمون النساء 1والحجرات 13 شرطين لبناء مجتمع لا يكون الناس فيها أربابا بعضهم للبعض وهو معنى الحرية الإنسانية التي ليس لها إلى معبود واحد هو رب العالمين. وهذه سياسة عالم الشهادة وتكوين الإنسان ليكون ممون ذاته من خلال علاقته به التي تكون علاقة بما يشده لعالم الغيب مصدرا للمثل المعرفية والقيمية التي تمكن من تحقيق ما يسميه ابن خلدون معاني الإنسانية ومنع ما يحول دونها وذلك هو مضمون سورة العصر بوصفها العلاج للخسر الذي يهدد الإنسان دائما والذي هو الاخلاد إلى الأرض بلغة القرآن. فنحول دون ما ترتب على التحريف والاصلاح الذي قلب العلاقة بدلا من اصلاحها والقصد هو التركيز على منزلة الأنوثة خاصة لأنها هي التي طالها الفساد بحجة النسويات رغم أنها ليست خاصة بالنساء ومع ذلك فمنزلة المرأة صارت رهن هذا الخطأ الذي يخلط بين مميزات الجنس العضوية والنفسية والمقابلة بين الرجل والمرأة. فمميزات الجنس العضوية والنفسية مستقلة عن المقابلة رجل امرأة كما بينا حتى إن كان في الغالب على النساء مميزات الأنوثة والغالب على الرجال مميزات الذكورة لكن ذلك لا ينفي كون كلا الجنسين يمكن أن يتصفا بالأنوثة والذكورة .والهدف هو تطبيق الثورتين الواردتين في القرآن في ما يتعلق بتحرير الدنيوي والجنسي من الدناسة التي لحقتهما من تحريف الأديان التي نقده القرآن بمنطق التصديق والهيمنة: فالدنيا والجنس لم يبق مدنسا كما في المسيحية ولم تنقلب إلى نفي ما يجعلها مقدسة في ما يشبه بالقلب النيتشوي للقيم. والمرأة ليست دون الرجل منزلة وليست من ضلعه الاعوج وليس عاهرة بالجوهر كما في الرية التوراتية ما يعني أن ما حصل في القلب المسيحي ليس إلا عودة إلى التحريف التوراتي. من نفي التعامل السوي مع الدنيا والمرأة بتحديد منزلتهما التي تليق بدورهما إيجابيا إلى التحريف العكسي مع الدنيا والمرأة بنفي كل الحدود السليمة التي تحمي دورهما أبو يعرب المرزوقي 51 الأسماء والبيان
-- لن أطيل الكلام في مسائل التربية الفنية. فقد خصصت لها عدة محاولات سابقة تتعلق بالإجرائي والمضموني في التعليم والتكوين العضوي والروحي وأمر مباشرة إلى المآسي التي تعاني منها التربية والتكوين وما يحول دون شروط تحقيق وظائف الإنسان أيا كان جنسه من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها. ويمكن رد هذه المآسي إلى خمس آفات تقبل الرد إلى الجمع بين نوعي النكوص إلى الجاهلية العربية والجاهلية الغربية وإلى تبعية العرب الحالية للرؤية الغربية الحالية وخاصة لأكثرها تخلفا أعني الرؤية التي تجعل الدولة حاضنة وهي أداة الاستبداد الموروث على الفاشيات الماركسية التي تبنتها الانظمة العسكرية والقبلية العربية. وهذه المآسي التي تعاني منها التربية في تونس مثلا والتي هي واحدة في كل الانظمة العربية هي الاكاذيب الخمسة في الدول الحاضنة .ولأبدأ فأذكر هذه الأكاذيب البنيوية الخمسة لأعرفها وأرتبها بمعيار تاريخ تكوينتيها ومنطق توالدها بعضها من بعض وذلك بمنطق الزوجية التي تقتضي وجود حدين اقصيين هما الأداة والغاية ينتج عن تفاعلهما في الاتجاهين ما بينهما من وساطة الأداة ووساطة الغاية في تحقيق شروط القيام المادي والروحي للجماعة: اثنتان قتلتا العلة الفاعلية في الكيان الجمعي لأنهما قتلتا الأداة ووسطيها إلى القدرة على الفعل المكون والممون للإنسان عضويا :الإرادة والابداع العلمي: -1كذبة الإرادة السياسية التي من علامات غيابها سيطرة النقابات على التعليم -2كذبة المعرفة العلمية المؤثرة في علاقة الجماعة بالطبيعة والتاريخ التي من علاماتها الثقافة العامة الخالية من القدرة على حل مشاكل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. اثنتان قتلتا العلة الغائية في الكيان الجمعي لانهما قتلتا الغاية ووسيطها إلى القدرة على الفعل المكون والممون للإنسان روحيا :الرؤية والذوق: أبو يعرب المرزوقي 52 الأسماء والبيان
-- -3كذبة الذوق القيمي لأن المنظومة التربوية خالية من كل القيم لأنها صارت مرتع المافيات والمخدرات وكل الموبقات التي تؤسسها خرافة تجفيف المنابع في التربية المزعومة علمانية -4كذبة الرؤية الوجودية المؤثرة في علاقة الإنسان بمعاني الإنسانية (مصطلح خلدوني) لان التربية محاكاة سطحية لكليشيهات الحداثة التي ورثت عن الاستعمار وليس الحداثة التي تعتمد على القيم كما يحددها الدين والفلسفة. -5والأخيرة هي مخض الرغاوي أو عقم المنظومة التربوية لغياب الأصل والغاية أعني القدرة المادية والروحي وتلك هي: كذبة القدرة الاقتصادية لسد الحاجات المادية (موضع العمران البشري) وكذبة القدرة الثقافية لسد الحاجات الروحية (موضوع الاجتماع الإنساني) إذا حددنا الفيروسات القاتلة لهذه العناصر الخمسة نكون قد شخصنا الداء الذي تعاني منه التربية في كل جماعة أيا كان الحضارة التي تنتسب إليها وفي تونس حاليا .وكل فيروس من هذه الفيروسات يقبل التعيين من خلال العرض الأساسي الدال عليه: -1فالعرض الدال على إصابة الإرادة السياسية هو سيطرة النقابات على القرار السياسي في وخاصة في نوعي التموين المادي (الاقتصاد) والتموين الروحي (الثقافة المعرفية والذوقية). -2والعرض الدال على إصابة الرؤية الوجودي هو تبعية الكاريكاتورين النخبوين التحديثي والتاصيلي وتغليب تسييس التربية تسييسا يلغي وظائفها في التنميتين المادية والرواحية. -3والعرض الدال على إصابة القدرة العلمية هو مرض الإرادة السياسية على المؤسسات التربوية وشروط تمويلها والتي ينبغي أن يتقاسمها المتدخلون فيها -4والعرض الدال على إصابة القدرة الذوقية هو سيطرة الإرادة السياسية والمسيطر عليها نقابيا على المؤسسات الذوقية وتمويلها، أبو يعرب المرزوقي 53 الأسماء والبيان
-- -5والعلة الأساسية هي الدولة الحاضنة التي تقتل دور الجماعة ووظائفها في تكوين أجيالها تكوينا يجعلها محركة قدرتها المادية (الاقتصاد) وقدرتها الروحية (الثقافة) كلتاهما ضحية لفساد الإرادة والرؤية والعلم والذوق .العلاج :شروط استقلال المؤسسات التربية عن القوى السياسية والقوى النقابية وتبعيتها للجماعة فعلا وللدولة باسم الجماعة قوامة. ولا بد من الإشارة السريعة لمناط الحلول التي يمكن عرضها نسقيا من خلال تحديد السلط الخمس في كل منظومة تربوية سوية تحقق معاني الإنسانية التي تعرف الإنسان الحر صاب الإرادة والرؤية والعلم والذوق ومن ثم القادر على تحقيق دوره في الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها: -1المؤسسة التي تنتج الإنسان عضويا وروحيا :الاسرة بمستوياتها من النووية إلى الوسطى إلى الكبرى إلى الأمة إلى الدولة إلى الجماعة الإنسانية ككل لتحقيق بقاء الجماعة وتجدد الاجيال ثورة وتراثا :وهذه السلطة المباشر منها يرد إلى الأولى والثانية (الاسرة النواة والاسرة الكبرى) وغير المباشر هو الثالثة والرابعة (الأمة والدولة) والأخيرة (الإنسانية) تجمع بينهما كلها لأنها عين كيان الإنسان العضوي والروحي فتشمل الجنس البشري كله عضويا وروحيا. -2المؤسسة التي تستعمل الإنسان عضويا وروحيا مؤسسات الإنتاج المادي والروحي أي الاقتصاد والثقافة :يمثلها مؤسسات العمل بأبعادها الخمسة :الفكر والمبادرة والاستهلاك والتمويل واخيرا العملية الانتاجية نفسها سواء كان ما تنتجه اقتصاديا أو ثقافيا .فالمدرسة تعد الإنسان لتستعمله الجماعة من أجل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها بكفاءة تقنية وجدارة خلقية. -3المؤسسات التربوية نفسها أو المدارس والمعاهد وهي قلب المعادلة كلها أعني أن هذه المؤسسات تعتبر عينة ممثلة لكل الجماعة ومخبر الاعداد لمستقبلها المتجاوز لحاضرها الذي هو المحافظة على ماضيها حدثا وحديثا وإنشاء رؤية مستقبلها حديثا وحدثا وهو عين حاضرها في الاذهان وفي الاعيان :يمثلها المتعلم والمعلم وبينهما منتج أدوات التواصل المعرفي ومؤسسات التوثيق وعلى رأس ذلك كله الباحث المبدع. -4المشرف المباشر على ذلك كله هو المؤسسات المدنية المحلية التي ترعى التربية والتعليم وهي الحد الاوسط بين الفرد والجماعة ككل :فمن يشرف على التربية ليس ممثلي الدولة مباشرة وهم أبو يعرب المرزوقي 54 الأسماء والبيان
-- نواب الجماعة بل هم مسؤولون عن القوامة الموحدة بين المؤسسات المدنية التي تتعين فيها سلطة الجماعة في تكوين اجيالها والمحافظة على الثروة والتراث الفاعلين أي القدرة على الانتاج الاقتصادي والثقافي في قدرة الأجيال. -5المشرف غير المباشر على ذلك كله هو مؤسسات القوامة أو السلطة الشرعية في تنفيذ خيارات الجماعة التي تحفظ وحدة الكل وتسهم بدورها في شروط حماية السيادة المادية والروحية للجماعة من حيث القوامة وليس التقويم :السلطة السياسية الشرعية أي المنتخبة من الشعب ومؤسستها التشريعية والعلمية والعملية والتنفيذية. وبذلك ننتقل إلى القسم الثاني من البحث في أساس هذه الرؤية التي اعتبرها محاولة لفهم رؤية القرآن لتكوين الإنسان بجنسيه رجاله ونسائه تكوينا يجعله قادرا على الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها وهي رؤية ليست خاصة بالمسلمين بالمعنى الخاص بهم من حيث هم مؤمنون بالإسلام بل من حيث إن كل إنسان مسلم حتى لو توهم نفسه ملحدا لأن غياب الوعي بالفطرة لا يعني غيابها في محددات كيانه العضوي والروحي: والقسم الثاني وفيه خمسة فصول كذلك يتعلق بنظرية التجهيز الإنساني الذي سأنظر فيه من حيث القدرة المعرفية وذلك هو موضوع نظرية المعرفة أي جهاز النظر والعقد والقدرة القيمية وذلك هو موضوع نظرية القيمة أي جهاز العمل والشرع. وما بين هذين الجهازين المضاعفين وكيان العالم الشاهد الذي يمثله ما يمكن للإنسان إدراكه من عالميه الطبيعي والتاريخي واعتقاده مما ورائهما الذي من دونهما لا يمكن للجهازين أن يعملا بحق. أبو يعرب المرزوقي 55 الأسماء والبيان
-- انتقل في قسم المحاولة الثاني من المسألة التي تقض مضجع كل مسلم يلحظ ما حل بعلوم الملة من تحريفات وأثرها على أهم مجال تتعين فيه الزوجية أقصد الزوجية العضوية والروحية وعلاقتها بثورة الإسلام الكبرى أي تحرير المرأة من العبودية والجنس من التدنيس أصلا لكل القضايا الإنسانية الاجتماعية والسياسية إلى مبدأ الزوجية العام الذي يعتبره القرآن الكريم الخاصية المميزة لكل المخلوقات لأن الوحدانية لا يتصف بها وبكمالها إلى الله وحده. وهذا المعنى بمستوييه هذين له علاقة بالقضية الفلسفية التي أريد الآن بحثها لأنها هي أصل التصويب والتحريف في كل رؤى الإنسان للوجود والعالم والمحدد الرئيس لإشكاليتي المعرفة والقيمة وأعني بهما المسألة الابستمولوجية (ماذا يمكن للإنسان أن يعلمه بجهاز النظر والعقد) والمسألة القيمية (ماذا يمكن للإنسان أن يقيمه بجهاز العمل والشرع) .وقد سبق فشرحت القصد بالجهازين وعلة الجمع في الاول بين النظر والعقد والجمع في الثاني بين العمل والشرع. وسأنطلق من القطيعتين الهيجليتين اللتين اثبتهما في الكلام على العقل والروح في فلسفته وهما قطيعتان تمثلتا في نكوص أول أعاد تأويل الفلسفة القديمة والوسيطة قطعا مع أصليها أفلاطون وارسطو في صورتهما المدرسية بالعودة إلى بارمينيدس وهرقليطس وأعاد تأويل الفلسفة الحديثة بالعودة إلى علم كلام القرون الوسطى قطعا مع ديكارت وكنط في صورتهما المدرسية. ومعنى ذلك أني بالإشارة إلى هذين النكوصين أحدد حقيقة فلسفة هيجل وماركس وما يمكن اعتباره انهاء للفلسفة والدين المفصولين والوصل بينهما إيجابا عند هيجل وسلبا عند ماركس ولكن في الحالتين لم يعد ممكنا الكلام في النظر والعقد ولا في العمل والشرع من دون البحث في ما يصل بينهما وما يفصل. وهو مجال الزوجية الأصلي في كل الزوجيات التي تشمل كل الموجودات .وسأبحث في المسألة من حيث هي قضية فلسفية ترد إلى المسألتين الابستمولوجية والأكسيولوجية قولا بالمطابقة ونفيها مع أبو يعرب المرزوقي 56 الأسماء والبيان
-- رفع الحكم في علاقة ثورتي الإسلام اللتين اعتبرهما الملجأ الوحيد الذي بقي للإنسانية حتى تتحرر من أزماتها المادية والروحية ليس في كيان الإنسان وحده بل وكذلك في علاقته بكيان العالم الطبيعي والتاريخي. ذلك أن أزمة الإنسانية مردها إلى تولثين أحدهما يخص كيان العالم الطبيعي والتاريخي والثاني كيان الإنسان العضوي والروحي وهما المرضان اللذان تعالجهما ثورة الإسلام واللذان خصص لهما ابن خلدون نظريته التي بنى عليها المقدمة وأعطاها اسما مضاعفا كل منهما علاج لأحدهما: -1التلويث الذي يفسد شروط الاستعمار في الارض فيجعله تدميرا بدل كونه تعميرا وهو الاقتصاد المحكوم بربا الأموال :وهو ما يسمى بمشكل المناخ والبيئة وشروط سد الحاجات العضوية وهو المستوى الأول من نظرية ابن خلدون ويسميه العمران البشري لسد الحاجات. -2التلويث يفسد شروط الاستخلاف في الارض فيجعله استعباد بدل كونه تحريرا وهو الثقافة المحكومة بربا الاقوال :وهو ما يسمى بإشكالية العلاقة بين الأجناس وشروط شد الحاجات الروحية وهو المستوى الثاني من نظرية ابن خلدون ويسميه الاجتماع الإنساني للأنس بالعشر. منطلقي إذن سيكون من فلسفة هيجل (وضمنها ذيلها الماركسي أو وجهها السلبي) لأنها هي بدورها تعتبر الفصل بين الفلسفي والديني مفتعلا حتى وإن كان الوصل عنده مؤسسا على تحريفيهما بسبب قوله بالمطابقتين اللتين تعودان في الحقيقة إلى المطابقة الوهمية التي يزعهما في دعواه حول الله في العالم عامة وفي الإنسان خاصة أي القول بوحدة الوجود المذوتة تعديلا لرؤية سبينوزا المجوهرة. فلما عاد هيجل في تاريخه للفلسفة إلى بارمينيدس وهرقليطس لإعادة تأويل فلسفة أرسطو خاصة وأفلاطون عامة في قراءتها القديمة والوسيطة ظن أنه قد أسس المنطق ذي القيم الثلاث وزعم أن أرسطو بخلاف ما سيطر على قراءته قبله لم يعمل بالمنطق ثنائي القيمة بل بمثلثها في فلسفته كلها. وكان محقا على الأقل في الظاهر إذ كان يكفي اعتبار الثالث المرفوع تثليثا وإن بالسلب إذ من دونه تسقط نظريته في الهوية شرط القيام الجوهري الذي يؤسس ثباته وثبات الأنواع في أبو يعرب المرزوقي 57 الأسماء والبيان
-- بايولوجيته التي هي نوذج فزيائه وميتافيزيائه .فاستثناء القيمة الثالثة شرط مبدأ عدم التناقض .وتلك علة رفع الثالث لتأسيس نظرية الصورة الثابتة والهوية. ففلسفة أرسطو الأولى وخاصة نظريته في ثبات الأنواع بعد بلوغ التطور إلى الاستقرار -لأنه يقول بالتطور الذي تكون فيه الحياة خاصة والطبيعة عامة وكأنها تجرب في طلب الصورة المستقرة قبل حصول الاستقراري الماهوي للجواهر الثابتة-تتأس على ثبات الهوية وسرمدية الصورة وهي لا يمكن أن تبقى هي من دون أن تكون غير غيرها فيكون ثبات الهويات علة تمايزها وقابليتها لتكون الاجناس المختلفة ونظرية المقولات. لكن هيجل أرجع الثالث المرفوع فاستعاد الزوجية في الهوية وأطلقه لتصبح الصيرورة في الهوية ذاتها وليست من أعراضها -وهذا قصده بالكلي المتعين أو الكنكريت الذي يكون مفهوم التصور متعينا في ما صدقه وغير قابل للانفصال عنه-وبذلك يصبح المنطق هو عينه مجرى الكيان ومن ثم فهو عين الميتافيزيقا ولكنها غير ميتافيزيقا أرسطو بسبب وضع الثالث عند هيجل بدل رفعه عند أرسطو .لكن كيان الأشياء ذاته يصبح في سيلان أبدي رغم أن هيجل لم يذهب إلى الغاية في السيلان لكونه يتوقف عند الهويات المزدوجة. ولم يذهب إلى السيلان الأبدي أو العود الأبدي .وإلا لكان هذا يعني أن التطور ليس مقصورا على الأنواع الحية بل يشمل كل الموجودات في سيلان أبدي .ولا يبقى المنطق قابلا لأن يكون مثنويا أو ثلاثيا أو بأي قدر ممكن -ولكان اميل إلى رؤية التلمساني ونظرية الامواج اللامتناهية ووحدة الموجود المطلقة-لأنه لم يبق مجرد أداة للقول بل يصبح عين نظام الكيان نفسه موضوع القول لكنه لن يكون مما ينقال أصلا. وهو ما يعني أن القول بالتثليث مثله مثل القول بالمثنوية لانتخاب نظام من أنظمة القول في الوجود مجرد تحكم ولا يمكن تحديد عدد القيم في منطق يطابق السيلان الأبدي .وفي الحقيقة فأرسطو نفسه لم يدرك أن الثالث المرفوع الذي استثناه في منطقه أعاده شرطا في بناء كل استدلال إذ من دون حد أوسط يمتنع بناء القياس الذي هو غاية منطقه أبو يعرب المرزوقي 58 الأسماء والبيان
-- فيكون ما استثناه للتحديد الماهيات اعاده للوصل بينها بما يتوسط بينها :أخرجه منها ووضعها بينها. لكن الحد الأوسط لا بد أن يكون فيه أمر مشترك بين الحدين اللذين يتوسط بينهما فيكون في آن خارجها وبينها .ولا يمكن إذن الاكتفاء بالقيمتين إلا للمحافظة على تثبيت الصور المحددة للهويات وجوديا. والمشكل الآن هو هل يمكن وضع الثالث فيها بصورة تلغي ثباتها هويتها التي تصبح في صيرورة أبدية ثم يوضع بينها بعد أن لم يبق فصل بينها ليكون بينها بين؟ كيف يمكن أن نقف بعد أن سيلنا الهوية فنعدد الهويات؟ ذلك ما توهمه هيجل وأيده في ذلك بيرس إذ زعم -مع عدم إخفاء أهمية ذلك للرؤية المسيحية -ضرورة التثليث وكفايته لعلاج إشكالية الترميز والمنطق ولتأسيس السيميوتكس: وطبعا كان من المفروض أن يسلم بأن ذلك يؤسس للقول برد نظام الوجود إلى نظام الخطاب حوله فنزعم التطابق بين النظامين ومن ثم يصبح المنطق هو عين نظرية الوجود أو بلغة هيجل هو الميتافيزيقا؟ وما أبينه هنا هو استحالة التوقف عند الثلاثة في كيان الموجود من دون أن يكون الثالث الموضوع هو بدروه مزدوجا مثل الحدين الذين يتوسط بينهما. ولا اعتقد أنه يمكن رد نظام الوجود إلى نظام الخطاب حوله من دون أن يكون الخطاب محيطا بالوجود كله إحاطة الوجود به لأن المقولية ليست بين عناصر الموجود وعناصر القول فيها عنصرا عنصرا بل بين منازلها في نظام العناصر الرامزة ومنازلها في نظام العناصر المرموزة لكأن الأمر يتعلق بتناظر الصور بين مآتيين تتعاكس فيهما. لكن التناظر ليس مطابقا لأن ما يعكسه نظام القول يبقى دائما مقصورا على ما يدركه من موضوع القول وليس كله .وكل المشكل هو توهم ما يدركه نظام القول هو ثمرة علاقة بين ذات وموضوع لكأن الإدراك هنا يعني العملية النفسية عند الأفراد وليس علاقة بين نظامين يتجاوزان الافراد والمدارك النفسية. أبو يعرب المرزوقي 59 الأسماء والبيان
-- وإذن فكل منطق لا يمكن أن يتجاوز دور الأداة للعبارة عما يدرك البشر من نظام مناسب للغرض في النظر المعرفي وفي العمل القيمي لا يكون من دون تحيل متمثل في ظن الثالث المرفوع يمكن أن يصبح موضوعا في كيان الأشاء ويؤدي في آن دور الحد الأوسط بينها ويبقى واحدا فلا يزدوج. رفعه الأرسطي في كيان الشيء جعله يضعه بين الكيانات .وضعه الهيجلي في كيان الشيء دون أن يضاعفه جعل الوقوف عند الثلاثة تحكميا لأن ما بين الأشياء من وصولات لامتناهية وهي غير ما فيها من وصل بين حديها في تثليثه الموفق بين النقيضين توفيق تجاوز إلى الحصيلة .فالحد الأوسط لا يتوسط بوحدته بل بازدواجه لأن المشترك فيه هو التفاته المضاعف إلى الحدين أو هو بالذات التفات الحدين أحدهما إلى الثاني وهما عين ازدواج الحد الأوسط. وإذن فبخلاف ما تصور أرسطو لا يمكن أن تكون العلاقة بين الحدين الأكبر والأصغر ذات دلالة واحدة .فهي دائما ذات اتجاهين من أول إلى ثان ثم عكسها من ثان إلى أول وأن ذلك هو أدنى تعدد لدلالته .ويمكن أن تكون منفتحة على ما لا يتناهى من المعاني فيه وفي ما يترتب عليها في الحدين اللذين يتوسط بينهما والتي قد تكتشفها تجربة مجرى الوجود سواء كان طبيعيا أو تاريخيا. ذلك أن علاقة الأول بالثاني تتجاوزه إلى كل ما يتعلق به وعلاقة الثاني بالأول تتجاوزه إلى كل ما يتعلق به فيتحقق في آن حفظ الهويات واستقرارها والوصل بينها في ما حولها بشبكة النظام الجامع لها في الخطاب وفي موضوعه. لم أعد بحاجة للكلام في وهاء التثليث الهيجلي والمنطق ذي القيم الثلاثة الذي ظنه صاحبه متجاوزا لمنطق أرسطو ذي القيمتين وخاصة بعد رده المتافيزيقا إليه ولم يقصره على كونه للعلاج المنطقي-وهو وهم لأن منطق أرسطو هو بدوره مثلث القيم إذ إن شرطه فاعليته رفع القيمة الثالثة -انطلاقا مباشرا منهما بل سأنطلق من مبدأ الزوجية الوجودية في كيان الشيء نفسه وليس القيمية في العلاج المنطقي باعتبار الزوجية هي الحد الأدنى لوجود علاقة بينهما سواء كان الحدان منفصلين أو متصلين. أبو يعرب المرزوقي 60 الأسماء والبيان
-- وعندي أن تحديد القيم المنطقية صار مشكلا لعدم تحليل مبدأ الزوجية وخاصة لعدم فهم صنفي تحققه في الأشياء المنفصل والمتصل .فلو أخذناه بمعناه البايولوجي لأدركنا الفرق بين الصنفين. فالزوجان يمكن أن يكونا كائنين مستقلا أحدهما عن الثاني مثل الذكورة والأنوثة-أو مكونين لنفس الكائن كأن يكون الكائن جامعا ببن الذكورة والأنوثة .وهذا موجود خاصة في الكثير من النبات .ولعل ذلك هو علة توهم العلاقة بين المقومين واحدة وإهمال زوجيتها هي بدورها لأن لها اتجاهين مختلفان تماما. صحيح ان الجمع بين الجنسين يمكن أن يحافظ على الثمرة كما في بعض الحيوان وبعض النبات وقد يلغيها لأحدهما كما في جمع الفرد بين الجنسين فيكون له صفة الذكر وصفة الانثى في فعل الجنس مثلا فلا ينجب بصفته الانثوية وينجب بصفته الذكورية .وكلنا يعلم أن الزوجية المنفصلة والزوجية المتصلة كلتاهما موجودة في النبات وفي الحيوان سواء تعلقتا بالتفاعل الجنسي في انتاج الثمرة من اللقاء بين حديها أو لم تتعلق بالمنتج منه للثمرة. والاشكالية الوجودية في الزوجية المتصلة عند الإنسان خاصة أي كونه بدنا وروحا عولجت دائما من منظور العلاقة بينهما إذ الغالب هو الفصل بينهما في رؤية تجعل البدن مملوكا للروح أو أداة للنفس في علاقة عبد بسيد من طبيعتين مختلفتين كلاهما يعرف بسلب الثاني والانتساب إلى عالمين مختلفين من حيث الطبيعة. ولعل بداية الرؤية افلاطونية وغايتها ديكارتية .ورمز ذلك قصيد ابن سينا .ثم صارت العلاقة بينهما هي عين العلاقة بين الشر والخير وهي أصل الرهبانية التي يحرمها الإسلام ومن هنا عنايته بالبدن والجنس ونفى عنهما ما كانا يتصفان به من التدنيس. لكن العلاقة في حالتي الوصل والفصل بينهما علاقة موجهة بمعنى أن كلا الزوجين في الحالتين يفعلان ولا يكتفيان بفعل أحدهما وانفعال الثاني وأن فعل أحد الزوجين في الثاني غير فعل الثاني في الأول وأننا نجهل حدود كل منهما بالقياس إلى الثاني أبو يعرب المرزوقي 61 الأسماء والبيان
-- فنزعم التمييز بين طبيعتيهما ونسبهما إلى عالمين مختلفين حتى وإن بدا عكس ذلك في الانجاب لأن العلاقة بين الزوجين سواء بين الحيوانات أو بين النبات تبدو وكأنها غير موجهة وتعطي نفس الأثر ولا معنى للتمييز بين اتجاهيها في ثمرة التفاعل. وتلك هي علة القيم الثلاث في المنطق الهجيلي لأن الزوجين متصلين عنده وهما السلب والإيجاب في كيان الشيء الواحد .لكن ذلك ليس صحيحا إلا في الظاهر فلا يمكن أن تكون وحدة أ ولا أ في احتواء الكائن الواحد على النفي والإثبات في آن كما في منطق هيجل وجهين لشيء واحد وتكون العلاقة في الاتجاهين أصلا لنتيجة واحدة بل هي تنتج نتيجتين مختلفتين حتما حتى لو سلمنا بأن الهوية التي يعرف بها الشيء تتضمن هذا التناقض في ذاتها الواحدة: -1من أ إلى لا أ -2ومن لا أ إلى ألف. وهما متقابلان ومختلفان حتى وإن حصلا في كيان واحد هو الحد الثالث الذي يتجاوز الإثبات والنفي في الحصيلة التوليف بين المتناقضين بالمعنى الهرقليطي .فتجاوز الإثبات والنفي عندما يكون من الأول إلى الثاني غير ما يكون عليه عندما يكون من الثاني إلى الأول. فلو أخذت الفرد الإنساني وطبقت الزوجية المتصلة عليه بأن اعتبر بدنه أ ووعيه ببدنه \"لا أ\" لأمكن أن أميز بين تأثير البدن في اللابدن (الوعي) وتأثير اللابدن أو الوعي في البدن .وهما نتيجتان مختلفتان تماما في بينهما وفي ما بين الحدين فيصبح لدينا أربعة حدود: • البدني • اللابدني • أثر البدني في اللابدني • أثر اللابدني في البدني أبو يعرب المرزوقي 62 الأسماء والبيان
-- وأصلها جميعا هو الكيان الواحد مزدوج التقويم دون أن نعلم طبيعة الفصل بينهما لأن العلاقة ذات الاتجاهين هي سر الوحدة بينهما وهي توحد باتجاهيها وبثمرتيهما المختلفتين .وذلك هو الحد الأدنى من قيم الكيان أي كيان مؤلف من الحد الأدنى من الحدود أي الزوجية شرطا في وجود العلاقة الأبسط الممكنة بين حدين كل منهما يؤثر في الثاني تأثيرا مختلفا ويوحدها كلها أصل هو الزوجية المنفصلة أو المتصلة في جميع الكائنات الحية بل في كل الموجودات وما يترتب عليها بنوعيها التخميس الحتمي لان كل زوج يتولد عنه فاعليتان كلتاهما تتجاوزهما إلى ثمرة مضاعفة منصلة أو متصلة فيتواصل التثامر إلى غير غاية مع المحافظة على وحدة الهوية التي هي تفاعل حدي زوجيتها في الاتجاهين. ويصح ذلك على نظام الروامز ونظام المرموزات وكل شيء رامز لكل شيء بموقعه في النظام لكل عناصر النظام ومرموز به من كل مواقع عناصر النظام مثل النظام الفلكي الكوني .وهذا المعنى هو جوهر الثورة التيمية التي لم تعد ترى في ما ظنه أرسطو جواهر ثوان مقومة للأشياء شيئا آخر غير رموز لا علاقة بجواهر الأشياء ولا بتقويمها بل هي مقدرات ذهنية نظرية للكلام عليها وقياسا عليها وضعت مفهوم المقدرات الذهنية العملية. ومن ثم فهي لغة مثل اللغة الطبيعية لكنها أكثر التصاقا بالمعاني الكلية وأقدر على تحقيق التناظر النسبي الممكن بين ما ندركه من الأشياء بصورة دائمة التغير لأن كل إدراك قابل لأن يكون هو بدوره موضوع إدراك بلا حد حتى يشمل لوازم اللاوازم في نظام العالم كله الذي يبقى مستحيل التحقيق ومن ثم فلا وجود لعلم مطابق ولا لتقييم مطابق: • وإذن فالمعرفة اجتهاد نظري وعقدي لا يكون مطابقا للوجود الطبيعي أبدا. • وإذن فالقيمة جهاد عملي وشرعي لا يكون مطابقا للوجود التاريخي ابدا. وهو ما يثبت أن في الطبيعة وفي التاريخ بعد غيبي يمتنع الوصول إليه لأن ما ندركه من الوجودين متناه وهما لامتناهيان ولا يقبلان الرد إلى الإدراك وهذه هي ثورة ابن تيمية في النظر والعقل وثورة ابن خلدون في العمل والشرع في محاولتهما تأويل ثورتي الإسلام وصوغها فلسفيا لتحقيق شروط الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. أبو يعرب المرزوقي 63 الأسماء والبيان
-- - لا أنفي أن التمهيد الذي بدأت به القسم الثاني شديد التعقيد لعلتين .فهو شديده بذاته ويزداد شدة بسبب قطعه مع أهم الكليشيهات السائدة حول تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة .فهذه الفلسفة لم يسيطر منها على متعاطيي الفكر الفلسفي في ثقافتنا الحديثة إلا ما كان قد سيطر عليها في ثقافتنا الماضية :القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية ومن ثم اعتبارها حقائق سرمدية. وبهذا المعنى ففلاسفتنا القدامى لم يفحصوا القرآن الفحص الجدير به لفهم رؤيته لنظرية المعرفة ولنظرية القيمة بل هم قرأوه بالرؤية التي ورثوها من الفلسفة اليونانية القائلة بالمطابقتين بل إن علم الكلام نفسه لم ينج من هذه التبعية إذ إن الاعتزال قال بهما معا والاشعرية قالت بنصفها أعني بالمعرفية دون القيمية. لذلك فهم جعلوها المرجع النهائي ولا فرق بين المحدثين والقدامى .فما كان افلاطون وأرسطو لهؤلاء صار هيجل وماركس لأولئك .لم يفهموا استحالة المطابقتين ومن ثم أن كل معرفة وكل تقييم اجتهاد في النظر والعقد وجهاد في العمل والشرع .فليس للإنسان علم محيط وليس له عمل تام. لم يفهموا أن الفكر الإنساني لا يمكنه أن يتجاوز الرؤية الاجتهادية التي هي بالجوهر رؤية لعالم تصوري يخط في نظام الرموز المعبرة عما يدركه الإنسان وليس عن الحقيقة في ذاتها وهي من ثم أشبه بالعالم الافتراضي في علاقته بالعالم الفعلي في تاريخ الإنسانية من حيث هو علاقة بمحيطيها الطبيعي والثقافي. كل الوهم المتمثل في اعتبارها حقائق وخاصة حقائق نهائية يرد إليها كل ما عداها توهما بأن الإنسان مجبر على الاختيار بين القول بوجود الحقيقة والقول بقدرة الإنسان على الاحاطة بها من جهة أولى أو نفي الاحاطة بالحقيقة ووجودها من جهة ثانية اعتبار الفكر الإنسان. وهذا الخيار هو الذي آل إما إلى الالحاد أو إلى رد الأديان إلى الخرافة والفلسفة إلى الحقيقة المطلقة مرجعا تعير به الرؤية الدينية بما يسمى رد المنقول إلى المعقول .تلك هي علة الخرافة أبو يعرب المرزوقي 64 الأسماء والبيان
-- \"العقلانية\" التي يزعم اصحابها ممن تسكرهم زبيبة العقلانية السطحية الإحاطة لأرسطو وأفلاطون قديما ولهيجل وماركس حديثا الصراع الدائم بين العقلي والنقلي وبين الفلسفي ترجمانا للعقلي والديني ترجمانا للنقلي. فلكأن العقلي يتجاوز الخيالي من دون نقلي لأنه بذلك لا يتجاوز الافتراضي والنقلي من دون عقلي مثله يتجاوز لأنه بذلك لا يتجاوز الافتراضي كذلك .فالعقلي من دون النقلي شكل عديم المضمون والنقلي من دون العقلي مضمون عديم الشكل: ولما كان الشكل عديم المضمون لا يمكن أن يكون علما بالموجود بل هو إما من المقدرات الذهنية الخاضعة لنظام منطقي صارم أو من المقدرات الخيالية التي تتحرر من المنطق لتصبح هذيانا يمكن أحيانا أني يصادف شيئا من غليان الوجود فيعتبر شطحا صوفيا. لكن المعرفة الإنسانية الممكنة وهي اجتهادية دائما لا تتجاوز محاولات للجمع بين الشكلي ذي النظام المنطقي والمضموني ذي النظام المنطقي للتعامل مع ظاهرات الطبيعة وظاهرات التاريخ بالقدر الذي يمكن للإنسان يسيطر على ما فيهما من سيلان لا يمكن الامساك إلا بالقليل النادر منه. فما نعمله بالقياس إلى ما نجله لا يكاد يتجاوز الصفر .لذلك فإني سأنطلق في محاولة لعلاج أهم مسألة في الإبستمولوجيا وفي الأكسيولوجيا أي في نظرية المعرفة والعلم وفي نظرية القيمة والعمل انطلاقا من الفرضيتين التاليتين: -1الأولى تضع أن الطريقة الوحيدة لاختبار النظر والعقد اللذين يبدعهما الإنسان بعملية التقدير الذهني النظري وتطبيقها على التجربة الطبيعية وأنه لا يمكن تصور العكس فلا يمكن الانطلاق من التجربة الطبيعية من دون التقدير الذهني النظري الذي يمكن من العبارة عن نظامها المفترض قانونا لها إذ عدم صوغه الصريح لا يدل على عدمه حتى وإن كان مسكوتا عنه. أبو يعرب المرزوقي 65 الأسماء والبيان
-- فلا بد أن يكون الناظر قد افترض نظاما ما في موضوع البحث وهو درجة أولى من التقدير الذهني النظري وقد تكون التجربة قد أوحت بإدراكه الفرضي لكن الموحد حينئذ هو كون الإدراك ممتنع من دون نظام تقدير هو معنى الفكر النظري بلغة ابن خلدون ولنقل حاليا إنه مميز الإنسان .لكني اعتقد أنه مبدأ كلي هو عين علاقة الأشياء بعضها بالبعض وهو معنى تعالقها الوجودي .ويمكن اعتبار الفالنس في الكيمياء من هذا الجنس. -2الثانية من جنس الأولى أو الأولى من جنس الثانية وتضع أن مبدأ الطريقة الوحيدة لاختبار العمل والشرع اللذين يبدعهما الإنسان بعملية التقدير الذهني العملي وتطبيقها على التجربة التاريخية وأنه لا يمكن تصور العكس بمعنى أنه لا يمكن الانطلاق من التجربة التاريخية من دون التقدير الذهني العملي إذ عدم صوغه الصريح لا يدل على عدمه حتى وإن كان مسكوتا عنه :فلا بد أن يكون العامل قد افترض نظاما ما في موضوع العمل وهو تقدير ذهني يمكن اعتبار التجربة قد أوحت به لكنها لا يمكن أن تكون أصله. إذ إن العامل لا بد أن يكون قد افترض نظاما ما في موضوع العمل وهو درجة أولى من التقدير الذهني العملي .والموحد ليس نظاما في الشيء بل هو معنى الفكر العملي بلغة ابن خلدون وهو كما قلت في الأولى مبدأ كوني يشمل جميع الموجودات وهو معنى تعالقها الوجودي .ويمكن اعتبار التجاذب بين الجنسين مثلا من هذا الجنس .وقد شرحت في محاولات سابقة القصد بالجمع بين النظر والعقد أولا ثم بين العمل والشرع ثانيا. • فالجمع الأول هو موضوع نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) • والجمع الثاني هو موضوع نظرية القيمة (الأكسيولوجيا) والمعلوم أن ما كان ينقص الفكر الاشعري أنه رفض الاكسيولوجيا المعتزلية لكنه لم يشفعها برفض الابتسمولوجيا الفلسفية .وذلك هو قدم أخيل في الرؤية الأشعرية .والمعتزلة يقولون بالمطابقتين الابستمولوجية الاكسيولوجية ولذلك فرؤيتهم أفسد من الرؤية الاشعرية لأنها زائفة ابستمولوجيا واكسيولوجيا. أبو يعرب المرزوقي 66 الأسماء والبيان
-- ويمكن القول إن الحداثيين من مفكري العرب غير مخطئيين عندما يعتبرون أنفسهم مواصلين للفلسفة العربية الوسيطة وللاعتزال لأنهم يجدون في هيجل وماركس ما وجده القدامى في افلاطون وأرسطو .وبهذا يفهم الجابري مثلا لم يخرج عن القول بالمطابقتين ونظرية أرواح الشعوب رغم أنه ليس ماركسيا لأنه وإن لم يبن ذلك صراحة في خطابه يمكن اعتباره هيجليا لان الكلام على \"العقل العربي\" و\"الأخلاق العربية\" الخ ..لا يختلف كثيرا عن القول بأرواح الشعوب. ومهما حاول طه عبد الرحمن ادعاء الخصوصية فهو في الحقيقة لم يخرج القول بالمطابقتين وعن نظرية أرواح الشعوب إذ لا معنى للخصوصية إذا لم تكن مستندة إلى تمايز بين ارواح الشعوب وهي دونها منزلة لأن أرواح الشعوب الهيجلية تنتهي على الاقل إلى وهم الروح المطلق (المسيحية) الذي يؤسس للعلم المطلق والعمل التام والذي يجعل تاريخ العالم هو المحدد والحكم النهائي. والتغطية بالدين الإسلامي لا تكفي لأن القرآن يميز بين امرين أحدهما معلوم وهو عدم رفض الأديان كلها من حيث هي أمر واقع ويعتبر الحسم في ما بينها من الغيب ولا يكون إلا يوم الدين. ومن ثم فلا يمكن أن يكون ما في الإسلام من حيث هو الدين عند الله من المعلوم لا بالضرورة ولا بالعرض .ولا تبنى عليه فلسفة إذا لما يكن ما فيه هو بدروه فلسفيا بمعنى لا يتأسس على علم بالغيب عن طريق الوحي لأن الوحي ليس فيه علم بالغيب وإلا لما بقيت الرسالة رسالة. وقد ضربت هذين المثالين لكن الكلام يصح على كل المفكرين العرب المحدثين صحته على القدامى كلهم في ما يتعلق بالقول بالمطابقتين حتى وإن كان مصدر هؤلاء افلاطون وارسطو ومصدر أولئك هيجل وماركس .ولم أذكر غير الجابري وطه عبد الرحمن لأن البقية لا يخفون الهيجلية والماركسية ويكفي ضرب مثالين آخرين :فالطيب التيزيني ماركسي وحسن حنفي هيجلي أو بالأحرى فيورباخي. ولا يوجد من بين من يدعون التفلسف عامة والتفلسف في العلاقة بين الديني والدنيوي في القديم والحديث من بين المفكرين المسلمين من تحرر من القول بالمطابقتين على حد علمي غير من أبو يعرب المرزوقي 67 الأسماء والبيان
-- اعتبرتهم مؤسسين للمدرسة النقدية العربية رغم أن أولهم مزدود الموقف لأن ما سماه طور ما وراء العقل ليس بالضرورة نفيا للمطابقة عامة بل هو ينفيها عن العقل الفلسفي دون الكشف الصوفي .فلا يبقى إلى ابن تيمية وابن خلدون. وبذلك يمكن أن أتجاوز خرافة التقابل بين الديني والفلسفي من حيث نظرية المعرفة ونظرية القيمة سواء في الصواب أو في الخطاء :فالقول بالمطابقة فيهما خطا فيهما وهو المقصود بالتحريب والصواب هو القول بعدم المطابقة لحصرها في علم الله وعمله. ويترتب على ذلك أن رؤية النظر والعقد والعمل والشرع واحدة في الدين وفي الفلسفة وأن المقابلة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية شديدة النسبية لأنها من كم دور العلوم الأدوات وكم تعقيد الموضوع وليس من معنى حقيقة العلم وحقيقة القيمة .ليست فرقا كيفيا ولا معنى لخرافة التقابل بين العقل والنقل وبين حقيقة عقلية يرد إليها النقل لان النسبية في النوعين واحدة وهي علة امتناع القول بالمطابقة المعرفية والقيمية (لعدم الإحاطة) وحقيقة الدين التي تبين نسبيته وامتناع القول بالمطابقة القيمية والمعرفية (لعدم علم الغيب). ومن ثم فنفي القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية فيهما كليهما هو الحقيقة الوحيدة التي من دون التسليم به بوصفه بداهة البداهات يستحيل وضع نظرية النظر والعقد ونظرية العمل والشرع وضعا سليما .والاساس ديني وفلسفي وهو واحد رغم اختلاف التسمية للمفهوم الحد المفيد لهذا المعنى وهو الغيب في الدين وحدود الإدراك الإنساني في نظرية النظر والعقد القدرة في نظرية العمل والشرع. والثمرة الجوهرية لهذه الرؤية هي الوعي بالواحد المشترك بين الفلسفي والديني وهو عين مبدأ الزوجية في التجهيز الإنساني ولذلك العلة أضفت إلى مفهوم النظر مفهوم العقد واضفت إلى مفهوم العمل مفهوم الشرع\": • فالنظر أساسه فحص لشك والعقد إيمان بحقيقة. • والعمل اساسه تنظيم لفوضى والشرع إيمان بقيمة. أبو يعرب المرزوقي 68 الأسماء والبيان
-- وإذن فالوعي الإنساني بالحقيقة وبالنظام في كيانه العضوي والروحي وفي كيان موضوعاته المادي والروحي هو الجهاز الذي يمكن الإنسان من الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها .ولا فرق حينئذ بين أن يدركه الإنسان في شكل وحي يعبر عنه بالتذكير أو في شكل عقل يعبر عنه بالتفكير فكلاهما تدبير للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. وكلاهما تلق لمضمون وصوغ لشكل .وكلاهما فيه انفعال موجود وفعل في موجود لكنهما الانفعال والفعل متفاعلان وهما من نفس الطبيعة وهما تفاعل في الاتجاهين بين نظامين مترامزين أحدهما في كيان العالم الطبيعي والتاريخي والثاني في كيان الإنسان العضوي والروحي. وكلاهما يفيد نفس المعنى أي القدرة على إدراك هذا التفاعل بين كيان الإنسان وكيان العالم الشاهد بوصفه رامزا لنظام ما في الوجود ليس من صنع الإنسان حتى وإن كان صانعا للعبارة عنه في العالم الثاني الذي يضاعف عالم الشهادة الطبيعي والتاريخي خارج النظام الرمزي الذي له هو بدروه كيان طبيعي وتاريخي :فينتج ظرفين طبيعيين هما المكان والزمان لامحدودين للوجود الفعلي الطبيعي والتاريخي لكل شيء. عندنا إذن عالمان كلاهما طبيعي وتاريخي أحدهما نعتبره عالم الأشياء الطبيعية والتاريخية والثاني نعتبره عالم رموز الأشياء الطبيعية والتاريخية وهو عالم له هو بدوره طبيعته وتاريخه. فينتج من ثم أن لنا :فينتج ظرفين رمزيين هما المكان والزمان للوجود الرمزي المحدود لما ندركه من الظروف الأربعة. وبهذا المعنى فالمكان والزمان الرمزيين مظروفين للمكان والزمان الطبيعيين والتاريخيين للأشياء. لكنهما كذلك ظارفان لهما أو على الاقل لما ندركه منهما ولما نتخيل أنه ممكن الإدراك فيهما .وإذن فموضوع النظر والعقد يتعلق بمعاني الظرف الأول وموضوع العمل والشرع يتعلق بمعاني الظرف الثاني. فيصبح اللقاء بين نوعي الظرف وكأنه بين الطبيعة بصورة عامة والإنسان بصورة عامة فيكون كلاهما ظارفا ومظروفا من جنس ظارفية الخارطة الجغرافية للمعلوم من الكرة الأرضية والخارطة أبو يعرب المرزوقي 69 الأسماء والبيان
-- الفلكية من الكون .وهذه الزوجية التظارفية مضاعفة فهي معرفية وقيمية وذلك هو جوهر الإشكاليتين اللتين تثملان موضوع الابستمولوجيا والاكسيولوجيا. ويترتب على ذلك ثورة أنسبها إلى القرآن لم تعرفها الإنسانية ثورة تجعل المعرفة لا تتجاوز الاجتهاد والعمل لا يتجاوز الجهاد فيضفي عليهما النسبية التي تنفي المطابقتين حصرا للعلم المحيط والعمل المتام في القدير على كل شيء أي الخالق والأمر واعتبار الاجتهاد والجهاد بعدي الاستخلاف الذي يكون بهما قادرا على الاستعمار في الكون والاستخلاف فيه. فيكون ما اريد الكلام عليه في هذه المحاولة هو اهمية هذه الزوجية التي تمكننا من أن: -1نتجاوز خرافة العلاقة بين الذات والموضوع في المسألة الابستمولوجية والمسألة الأكسيولوجية وهي العلاقة التي تؤول إلى إشكالية مستحيلة العلاج وهي إشكالية الانتقال من احوال النفس إلى المعرفة والتقييم اللذين يتجاوز احوال النفس وحصر الأمر في ظاهرات الوعي الفردي فيكون التواصل بين البشر مستحيلا إذ يكون كل فرد منطويا على نفسه ولا قدرة له على التواصل مع المنطوين مثله على أنفسهم. كما أن نفس الظاهرة تتكرر لأن الثقافات الجزئية إذا سلمنا بوجودها في حالة الذاتية الفردية تصبح أيضا مستحيلة لأنه لا وجود لما يمكن التواصل بينها وتصبح الترجمة مستحيلة ليس بين الوجود والإنسان فحسب بل بين الإنسان والإنسان بل وحتى بين الإنسان وذاته لأن لحظاتها المتوالية ليس متماثلة. -2وبيان أنه لا توجد علاقة مباشرة بهذين المعنيين المعرفي والقيمي بين الذات إذا كان القصد الفرد الإنساني والموضوع إذا كان القصد شيئا محددا هو موضوع بحثه أبدا .فالعلاقة الموجودة بينهما يمكن أن تعتبر نفسية وليست ابستمولوجية بالمعنى الذي ينشغل به النظر والعقد وليست أكسيولوجية بالمعنى الذي ينشغل به العمل والشرع. وبهذا المعنى فإنه إذا كان لا يوجد في كيان الإنسان وفي كيان العالم ما يصل بينهما فإنه يصبح من الممتنع أن يتم التواصل حتى بالحد المحدود الذي يجعله اجتهاد وجهادا وليس علما مطلقا ولا عملا أبو يعرب المرزوقي 70 الأسماء والبيان
-- تاما .ولهذه العلة قدمت في القسم الأول من البحث أن الفروق العضوية في كيان الإنسان ليست مادية كما يزعم ارسطو بل هي أيضا صورية. ولا يمكن اعتبار الفرق النوعي واحدا بل هو مضاعف :انثوي وذكري وكلاهما ممكن للرجل وللمرأة على حد سواء .ومعنى ذلك أنه يمكن أن يوجد رجل له صورة انثوية وامرأه لها صورة ذكورية .ولولا ذلك لاستحال أن توجد علاقة جنسية مثلية .وبذلك فالأجناس خمسة ليست اثنين كما بينت في القسم الاول. أي لها أثر في جهازيه المعرفي والقيمي ومن ثم فلا يمكن أن تكون الفروق بين المرأة والرجل مثلا عضوية فحسب بل هي كذلك روحية دون أن يكون في ذلك مفاضلة بينهما إذ لو كان ذلك يقتضي المفاضلة لاقتضاها بالعضوي كذلك. والعلامة هي الأنوثة والذكورة المحددة للميل الجنسي الغالب وما يترتب عليه من الصفات النفسية المختلفة دون أن تكون دالة على مفاضلة بين الرجل والمرأة لانهما يمكن أن يوجدا في أي منهما .ولا يخفى عني أن ذلك لن يعجب الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي .لكني لا آلو. أبو يعرب المرزوقي 71 الأسماء والبيان
-- وإذن فاللقاء ليس بيم فردين ولا بين الذات والموضوع ولا حتى بين جماعة بعينها والموضوع -أي ما يسمى بالمشترك بين الذوات - Intersubjectif -بل هو بين العالمين المتظارفين اللذين أشرت إليهما. فالعالم الطبيعي بمكانه وزمانه اللذين هما كما حددناهما والعالم الرمزي بمكانه وزمانه اللذين هما كما حددناهما هما اللذان يلتقيان فيحددان خاصيات اللقاء في لحظات الوجود الناتئة بما يضفي عليها قابلية المعرفة وقابلية التقييم. ويمكن أن نصطلح على الاول بالعالم الطبيعي والثاني بالعالم الثقافي رغم استحالة الفصل بينهما كما يتعين ذلك في ما سماه ابن خلدون \"نحلة العيش\". وتلك هي العلاقة التي للإنسان فردا كان أو جماعة والتي هي كونية تتجاوز الأفراد والجماعات وهي مضاعفة ومتعامدة واحدة بين الإنسان والطبيعة والثانية بين الإنسان والإنسان .لكن لا يمكن لأي منهما أن تحصل من دون توسط الثانية: -1فعلاقة الإنسان بالطبيعة يمكن اعتباره التبادل العضوي بينه وبينها لأنه يستمد منها شروط قيامه العضوي لكن ذلك يمر حتما بعلاقته بالثقافة الذي يمكن اعتباره التواصل الرمزي بينه وبينها لأن يستمد منها قيامه الروحي. -2وعلاقة الإنسان بالثقافة يمكن اعتباره التواصل الروحي بينه وبينها لكنه غاية التواصل تكون روحية إذا كانت غاية ذاتها وهي عضوية عندما تصبح أداة في خدمة التبادل مع الطبيعة أعني تبادل الخبرة في علاج إشكالات العلاقة بالطبيعة وتكل هي وظيفة العلوم وتطبيقاتها والقيم وتطبيقاتها. وقد حددنا ما بين العالمين الطبيعي والثقافي من تناسب قياسا على التناسب بين الكون وخارطته التي يتعامل الإنسان معه بتوسطها والتي ترمز إلى إما يدركه منه ويقيمه إما ما حصل منهما أو متوقع الحصول ووراءهما معا أبو يعرب المرزوقي 72 الأسماء والبيان
-- ما يفترض عليه العالمين من نظام يبقى دائما افتراضيا سواء بالأسلوب الفلسفي أو بالأسلوب الديني .ويمكن اعتبار منطق المعيار الذي منه ينطلق الفرد الإنساني قابلا للرد إلى: -1النظام التراتبي بين الأفراد في الجماعة وبين الجماعات في الإنسانية بثمرة العلاقة بالأول وهي الثروة. -2النظام التراتبي بين الافراد في الجماعة وبين الجماعات في الإنسانية بثمرة العلاقة بالثاني وهي التراث. وإذن فالرؤى التي ينظر منها الأفراد والجماعات للعلاقة بين الذات والموضوع لا تكون ابستمولوجية ولا أكسيولوجية خاصة إلا بالمنظار المحدد للموقف القضوي وليس للمضمون القضوي انطلاقا من نحلة العيش التي يحددها توالج هذين العالمين المتظارفين وبصورة أدق التظارف هو المحدد النهائي. والتظارف لا يحصل فيه تطابق لأن الظرف الكوني لا يقبل الرد إلى الظرف المحدد لرؤى الإنسان للظرف الكوني .فالموقف القضوي رؤية وليس حقيقة مطابقة لأنها لا ستنفد المضمون القضوي الذي يبقى دائما مطلوب القدرة على الوعي بالفرق بين الاجتهاد والعلم المحيط والوعي بالفرق بين الجهاد والعمل التام: -1العامل الناتج عن منزلة الفرد في السلم الاجتماعي المترتب على رتب الثروة والجماعة في الإنسانية بنفس المعنى المحدد للتراتب .ويمكن اعتبار ذلك من علامات دور الفرد ودور الجماعة في تحقيق شروط قيام الإنسان العضوي أو دورهما في الاستعمار في الأرض. -2العامل الناتج عن منزلة الفرد في السلم الاجتماعي المترتب على رتب التراث والجماعة في الإنسانية بنفس المعنى المحدد للتراتب .ويمكن اعتبار ذلك من علامات دور الفرد ودور الجماعة في تحقيق شروط قيم الإنسان الروحي أو دورهما في الاستخلاف. أبو يعرب المرزوقي 73 الأسماء والبيان
-- ولما كنت قد صنفت الأفراد بمعيار الأفعال المتعلقة بالإرادة الرؤية ثم بالمعرفة والذوق واعتبرت القدرة حصيلة هذه العوامل الاربعة أو ذروته الهرم الذي قاعدته مربعة هي الإرادة والرؤية المعرفة والقيمة أو الذوق ولما كان ترتيب الجماعات في الإنسانية خاضعا لما يترتب على ترتيب الافراد في الجماعة التي نسبتها إلى الإنسانية شبيهة بنسبة الفرد إليها فإن هذين العاملين يرتبان الأفراد والجماعات في كل صنف منهما بحيث إن كل فعل يكون محددا برتبة صاحبه فردا كان أو جماعة في نظام السلم الذي ينتج عن الثروة وفي نظام السلم الذي ينتج عن التراث. والنظام الجامع بينهما هو نظام السلطة السياسية في أي جماعة وفي العالم -العولمة ليست ظاهرة حديثة فهي ملازمة للإنسانية المتساوق منها والمتوالي-وهي التي تجمع بين السلطان على الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها. فيكون المحدد الأصلي هو \"نحلة العيش\" التي تحدد المواقف القضوية والمحدد المترتب عليها هو نظام الحكم الذي يرتب أصحابها بهما تتحدد المراحل الأبستمولوجية والاكسيولوجية مع تقديم الثانية على الأولى دائما. وهذه قطيعة مطلقة مع الرؤية الفلسفية الموروقة عن اليونان والتي تعلل كل الفلسفة العملية بمقومات النفس الثلاث أي العقل والغضب والشهوة .بمعنى أن القيم هي الغاية في الوجود الإنساني وهي المعنى الحقيقي للروحي فيه. والمعارف هي الأدوات فيه وهو المعنى الحقيقي للعضوي فيكون التراتب بين الفلسفة العملية والفلسفة النظرية الناتج عن هذا الانقلاب الخلدوني عكس ما كان عليه عند اليونان :العلوم الطبيعية توابع للعلوم الإنسانية لأنها من أدواتها. ومن ثم فالقيمي مستوى أرقى من المعرفي لأنه هو الذي يرمز للحرية التي تجعل الإنسان يستعمله في الخير أو في الشر وفي الجميل أو القبيح وفي الحق أو الباطل وفي الجليل أو الذليل وهي أبو يعرب المرزوقي 74 الأسماء والبيان
-- المستويات الخمسة للقيمة في الوجود الإنساني وهي تتغير بتغير \"نحلة العيش\" كما حدد ابن خلدون معادلتها التي خصص لها الباب الأول من المقدمة: -1الطبيعة والمناخ وما يوفرانه للإنسان من شروط القيام العضوي وتأثيرهما فيه -2أفعال الإنسان الذهنية والعضوية وما يترتب عليها في علاج الاستعمار في الأرض -3فعل الاول في الثاني ويترتب عليه التراث الذي هو تراكم حصيلة الافعال الذهنية والخبرة الذي يحصل في التظارف بينهما. -4فعل الثاني في الأول ويترتب عليه الثروة التي هي تراكم حصلة الافعال العضوية والخبرة الذي يحصل في التظارف بينهما. -5والحصيلة هي نحلة العيش في الوجود الفعلي وعنها تترتب الرؤية المعرفية والقيمية التي تمثل مرجعية الفرد والجماعة وبها يتم التواصل بين الافراد والجماعات المتجاورة قاعدة لرؤية الوجود وللمواقف القضوية في المعرفة وفي القيم. وهذه النحل والرؤى هي التي تحدد حقب التاريخ ولا علاقة لها بخرافة أرواح الشعوب ولا بالطبقات لأنهما نتيجة وليسا علة لما يحصل في التاريخ الذي هو التلاقي بين العالمين الطبيعي والرمزي والذي له قوانين وسنن لا تتغير بأحد العاملين المبسطين والجدل بينهما في الرؤية الهيجلية والماركسية فضلا عن العوامل الثلاثة في الرؤية الأفلاطونية والأرسطية. فالعالمان إذ يتفاعلان ينتجان حصلتين واحدة هي التراث والثانية هي الثروة وهما إذن عاملان آخران لا يقلان أهمية في تحقيق المعادلة التي يمكن أن تفسر التاريخ الإنساني سواء في رؤية الإنسان له أو في ذاته التي تبقى دائما فرضية لا تحيط بها معرفة الإنسان ولا تقييمه. فهي متغيرة في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني بخلاف ما يتوهم الكثير رغم أن تغيرها ينتسب إلى التاريخ المديد وليس إلى التاريخ القصير :وهما معنيان ميز بينهما ابن خلدون واعتبر محاولته متعلقة بالمديد وليس بالقصير وهو شرط فهم القصير. أبو يعرب المرزوقي 75 الأسماء والبيان
-- ولذلك فالتلازم بين الإرادة والرؤية هي الأصل وهي بنحو ما التأويل المحرك لأفعال الإنسان ترجمانا للمعادلة التي تمثلها \"نحلة\" العيش في كل الافعال الإنسانية يليهما الذوق محددا للغايات والمعرفة محددة للأدوات. ومن هذين التلازمين بين الأصل العضوي والروحي والتلازمين بين الغاية والأداة تصدر القدرة على شرط الاستعمار في الأرض في الجماعة وعلى الاستخلاف فيها بفضل الثروة والتراث. وإذن فالقاعدة التي يتأسس عليها كل شيء في الأكسيولوجيا أولا لأنها هي المحددة للمواقف القضوية وفي الأبستمولوجيا ثانيا لأنها هي التي تريد تجاوزها إلى المضامين القضوية هي \"نحلة العيش\" والقاعدة التي ترتب كل شيء في الرؤية التي تتحكم في الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها أي في منزلة الثروة والتراث هي الإرادة والرؤية وذلك هو جوهر السياسة: والأدوات تعود إلى المعرفة العلمية وتطبيقاتها في علاج سد الحاجات المادية أو القدرة على تقنيات الاستعمار في الأرض أي المناعة العضوية والغايات تعود إلى القيمة الذوقية وتطبيقاتها في علاج سد الحاجات الروحية أو القدرة على خلقيات الاستخلاف فيها أي الحصانة الروحية وبهما تتعلق معاني الإنسانية في فلسفة ابن خلدون. فيترتب على ذلك أن نحل العيش تمر بخمس مراحل ومثلها نظم السياسة: البداوة القصوى والحضارة القصوى وهما الحدان الاقصيان .وهما المرحلة الأولى والمرحلة الأخيرة. وبينهما ثلاث مراحل ناقلة من الأولى إلى الأخيرة. أبو يعرب المرزوقي 76 الأسماء والبيان
-- وفيها يتناقص دور الطبيعي ويتزايد دور الثقافي وناقلة من الأخيرة إلى الاولى وفيها يتناقص دور الثقافي ويتزايد دور الطبيعي :والتلازم بين المسارين ذهابا وإيابا تمثله المدينة موضوع الباب الرابع من المقدمة وقبله بابان هما البداوة والدولة وبعده بابان هما الاقتصاد والعلوم. أما الباب الاول فهو المؤسس للمعادلة التي يتكون بمقتضاها ما يسميه ابن خلدون بنحلة العيش أي دور العلاقة بين مقومي التظارف المضاعفين: 1و-2المحيط الطبيعي وأثره في الإنسان فردا وجماعة عضويا وروحيا. 3و-4المحيط الثقافي وأثره في العالم مكانه وزمانه عضويا وروحيا. -5الحصيلة نحلة العيش التي تعالج مشكلتين :الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها. وفي الاتجاه الذاهب من أقصى البداوة إلى أقصى الحضارة يكون سلطان العالم الأول في تناقص. وفي الاتجاه العائد من أقصى الحضارة إلى أقصى البداوة يكون سلطان العالم الثاني في تنقاص وهذه الخاصية متلازمة لأن تناقص دور الطبيعي في الثقافي لا يجري في كيان العالم الخارجي فحسب بل هو يجري في كيان الإنسان كذلك :فيكون الامر وكأنه جنيس العلاقة بين الحياة والموت كل يوم حياة إيجابا هو يوم موتع سلبا. والمراحل الثلاث الواصلة بين نحلة العيش الأولى ونحلة العيش الاخيرة هي: • مرحلة نشأة الدولة بداية • ومرحلة تفكك الدولة غاية • والوسط بينهما هو المدينة وهي مرحلة الوعي بالتغير العضوي والروحي وعلامته الاساسية هي التغير الخلقي المنتقل من الصعود إلى النزول الحضاري في تاريخ الجماعة ذات التاريخ الكوني: -1نحلة العيش الأولى هي أقصى البداوة والسياسة فيها تحكمها الضرورة الموضوعية المطلقة -2نحلة العيش الثانية هي بداية السيطرة على شروط الاستعمار في الأرض وفيه الشكل الأول أبو يعرب المرزوقي 77 الأسماء والبيان
-- من النظام أو القبلية بالثروة والتراث ويجمعهما الإرث العضوي والثقافي المستقر. -3نحلة العيش الوسطى هي لحظة شروع الجماعة في مأسسة السلطة السياسية وتأسيس الدولة بالمعنى الذي يجمع بين الشوكة والشرعية ويلازمها شعور الجماعة بأن محاولة المحافظة على الكيان بالتوازن بين\" الخروج من المرحلتين الأوليين ومنع الدخول في المرحلتين الأخيرتين وذلك هو المشكل الأساسي في السياسة أعني مشكل المحافظة على العلاقة السليمة بين الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها وهي عين العلاقة بين عالم الشهادة وعالم الغيب أعني أصل الكلام على ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ موضوع الفلسفة والدين مع تراتب لأن: الدين يذهب من ما بعد التاريخ إلى ما بعد الطبيعة والفلسفة تعكس الترتيب فتذهب من ما بعد الطبيعة إلى ما بعد التاريخ. -4نحلة العيش الرابعة هي مشكل السيطرة على شروط الاستخلاف في الأرض وفيه مشكل المحافظة على العلاقة بين الطبيعة والحضارة القاتلة لما هو طبيعي في الإنسان وفي العالم. -5نحلة العيش الأخيرة وهي أقصى الحضارة والسياسة فيها تحكمها الضرورة الذاتية المطلقة. وهذه المرحلة فيها في آن أقصى عنف البداوة وأقصى خبث الحضارة وهي المرحلة التي تنحط فيها كل شروط العيش الكريم في جميع الطبقات. وينبغي أن نعلم أن هذه المراحل يمكن أن يقع فيها القفز على بعضها لأن القبائل البدوية يمكن أن تغزو القبائل المتحضرة فتتحضر من دون المرور بالمراحل التي أوصلت المتحضرين للحضارة فتكون حضارة شكلية لم تنتج الثروة والتراث بل ورثتهما فيكون سلوكها مثل سلوك الورثة في الميراث الذي لم ينتجوه .وهذه حال العرب في تاريخ الإسلام وذلك في المرحلتين القديمة والحالية .ولا بد من تعميق هذه العملية .فلها صورتان ولكل منهما مساران: أبو يعرب المرزوقي 78 الأسماء والبيان
-- -1الصورة الاولى هي ما يترتب على الغزو من دون رسالة لا دينية ولا فلسفية والهدف هو الدافع الناتج عن الندرة في ثروة الطبيعة لقيام الكيان العضوي للإنسان وفيه يقل دور الكيان الروحي: ومثاله في تاريخنا الغزو المغولي وفي الغرب الغزو الجرماني. -2الصورة الثانية هي ما يترتب على الفتح مع رسالة دينية أو فلسفية والهدف الاول يبقى موجودا لكن له تعليل ديني أو فلسفي :ومثاله في تاريخنا الفتح الإسلامي وفي تاريخ الغرب الفتح العولمي بالمعنى الأمريكي وحجة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نخلط بين النوعين والأسلوبين: فالنوع الأول تعليله يرد إلى \"نحلة\" عيش محركها المسيطر هو الضرورة الطبيعية التي لم يرتق أصحابها إلى رؤية لما ورائها تحررهم من النهب والسلب بإفناء الحائزين على بعضها واحتكارها، والنوع الثاني تعليله يرد إلى \"نحلة\" عيش محركها المسيطر تجاوز الضرورة الطبيعية لان اصحابها ارتقوا إلى رؤية لما ورائها تدعوهم إلى تعميم رؤية روحية تدعو إلى تجنب الحرب والحول السلمية. صحيح أن هذه الدعوة قد تكون صادقة وقد تنقلب إلى الأولى .فمثلا الفتوحات الإسلامية كانت في البداية لا يتجاوز العنف والقتال فيها إلا في حالة رفض أهل البلاد التي قصدها الفتح القبول بالدعوة الروحية وعدم منعها أو الدخول فيها لتحقيق المساواة في الاخوة الإنسانية أو دفع الجزية أو أخيرا حصول الحرب. لكن الفتح سرعان ما تحول إلى غزو دون أن يذهب إلى ما يماثل الغزو المغولي أو الجرماني أو الغزو الاستعماري كما حدث في أمريكا بمعنى افناء أصحاب الأرض. والثابت تاريخيا أن الغزو المغولي والجرماني والاستعماري انتهى في الأخير إلى ما يشبه الدعوة صاحبة الرسالة بعد أن تبين أن حروب الاستئصال لا يمكن أن تتوقف وأن ذلك لا يحل مشكل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. أبو يعرب المرزوقي 79 الأسماء والبيان
-- لذلك فما بدأ يسيطر على العالم بعد فشل سياسة الاستئصال هو نفس الحل التي كان مسيطرا على فكرة الفتح .والفرق الوحيد هو أن: ما كان يؤسس على :رؤية دينية كما في الإسلام صار يجري برؤية إنسانية كما في الاستعمار الامريكي بعد الحرب العالمية الثانية خاصة كما حصل في اليابان وأوروبا وفي كوريا وذلك بسبب التنافس بين رؤيتين للإنسان الرأسمالية والاشتراكية. وبذلك نجد أن المحدد هو اللقاء بين العالمين الطبيعي والثقافي وتطور التظارف بينهما محددا لرؤى العالم التي انتقلت من الرؤى ذات التأسيس الطبيعي من اجل سد الحاجات العضوية دون سد الحاجات الروحية إلى الرؤى الذي جمعت بين نوعي الحاجات إما بتأسيس ديني أو فلسفي. والتأسيس الذي يجعل الروحي مقصورا على الانسوية فشل لأنه تبين آيلا إلى التدمير بدل التعمير وإلى الاستعباد بل التحرير لان الامر في الحالتين سواء اعتمد: على الدين دون الفلسفة أو على الفلسفة دون الدين ينتهي إلى ما نراه من تخريب العالم الطبيعي والعالم الثقافي بالتلويث الذي قد يقضي على البشرية. والعلاج الوحيد هو جعل الديني والفلسفي يتطابقان في امتناع التعمير الصالح من دون الاستخلاف الصادق .وهذا يعني علاقة بين الإلهي والإنساني أي بين سياستين سياسة عالم الشهادة بنموذج من عالم الغيب الذي هو الوعي بحدود الإنسان معرفيا وقيميا أي بالاجتهاد والجهاد والقبول بحدود قدرة الإنسان الذي يتأله فيفسد فيها ويسفك الدماء جهالة وجاهلية وليس معرفة وقيما. أبو يعرب المرزوقي 80 الأسماء والبيان
-- ولما كانت هذه العلاقة بين العالمين عالم الطبيعة والاشياء وعالم الإنسان والرموز مخمسة الأبعاد كما بينا بخصوص العلاقة بين حدي الازدواج فإن حيزيهما المكاني والزماني الطبيعيين وحيزهما المكاني والزماني الرمزيين وتبادل التأثير بين نوعي الأحياز المضاعفة وأصلهما في عالمين من حيث مكانهما وزمانهما: -1أحدهما هو عالم الأحداث والأشياء بمكانه وزمانه اللذين يبدوان من طبيعة مستقلة تمام الاستقلال عن النوع الثاني عالم الأحاديث والرموز لكأنهما قابلان لأن ندركهما بمعزل عن دور إدراكهما وعبارته عنهما. -2والثاني هو عالم الأحاديث والرموز بمكانه وزمانه اللذين يبدوان تابعين للأول بسبب اهمال تبعية الأول للثاني وهو المصدر الأول والأخير للأخطاء الابستمولوجية والأكسيولوجية. وهذا التفاعل بين النوع الأول والنوع الثاني الأحياز هو التظارف المتبادل بينهما وهو الذي جعلني اعتبر الزمان التاريخي بخلاف الزمان الطبيعي مخمس الأبعاد وليس مثلثها واعتبر الحاضر من الزمان ليس لحظة بين الماضي والمستقبل بل هما محاطان به رغم كونه يبدو محدودا بهما: فمكان الأحداث والطبيعة وزمانهما يبدوان موضوعيين أي بمعزل عن دور الإنسان فيهما وظارفين لمكان الأحاديث وزمانهما اللذين يبدوان ذاتيين أي بمعزل عن دور الطبيعة فيهما لكأن كونهما مظروفين للمكان والزمان الطبيعيين عديم الاثر. ومكان الأحاديث الرموز وزمانهما هما بدورهما ظارفان للأولين بنفس الأهمية والتأثير بل وأكثر لأن مكان الأحداث وزمانها حتى وإن كان محيطا بالإنسان ومسيطرا عليه فما عند الإنسان من تجهيز روحي (النظر والعقد والعمل والشرع) يجعل تأثيرهما خاضعا لشروط التلقي المناسب لكيانه العضوي والروحي لما فيه من القدرة على التوقي من مفعولهما. أبو يعرب المرزوقي 81 الأسماء والبيان
-- فعضويا الإنسان لا تقبل حواسه كل ما يجري في العالم بل لها حدود دنيا وحدود قصوى لا تشعر بها وهو الذي يقوي حواسه ليصبح قادرا على تلقيها دون أن يكون ذلك مضرا بكيانه العضوي. ولولا ذلك لاستحال عليه أن يعيش خارج البيئة الارضية مثلا. وهذا ناتج عن دور التجهيز المعرفي والقيمي الذي هو عضوي من حيث الوجود وروحي من حيث الدور إذ هو الوعي من حيث هو عودة على الكيانين الطبيعيين فيه وفي عالمه وهو القصد بالروحي وهو حتما من السرائر التي تنتسب إلى الغيب لأننا نعيشها ونلاحظها؟ ولا يمكن أن نعلل وجودها حتى وإن حاولنا وصلها بالكيان العضوي .لكن ذلك ليس تفسيرا بل هو تأخير للمشكل إذ حتى كون العضوي على تلك الصفة ليس لنا تفسير لوجوده فضلا عن كيفه. ولهذه العلة اعتبر العقل نفسه قضية إيمانية :وهو ما أفهمه من كلام الغزالي عندما فسر خروجه من الشك بنور قذفه الله في القلب وهو التسليم بالأوليات .وكل المشكل في الاوليات التي هي إما فرضية أو إيمانية وأنا أميل إلى كونها فرضية قد يمن الله على الإنسان بالتصديق الإيماني بأنه عاقل. وكما سبق أن بينت في بحوث عديدة فالزمان التاريخي مخمس بسبب مضاعفة الماضي ومضاعفة المستقبل لما بين الحدث بالحديث من علاقة هي جوهر دور الترميز فكذلك يمكن اعتبار المكان مخمسا بسبب التظارف بين حدث المكان وحديثه مثل الزمان .فالتظارف زماني ومكاني وزمان الرامز غير زمان المرموز ومكان الرامز غير مكان المرموز. ولا أحد يجهل أن المعرفة والقيمة يمكن أن تكونا في ترتيب زمان الحدث في القرن الحادي والعشرين وفي ترتيب زمان الحديث من زمان القرن السابع للهجرة .كما يمكن العكس بمعنى أن المعرفة والقيمة قد تسبقان الحدث فتكون من زمان لعله يأتي بعد قرون. فالتزامن بين العالمين قلما يحصل تماما كما يعسر أن يحصل تزامن بين الذات ووعيها بذاتها: فالوعي بالذات يكون إما بعد الذات وكأنه تذكر أو قبلها وكأنه توقع .ولهذه العلة فالحاضر محيط بالماضي والمستقبل لأنه تذكر وتوقع دائما. أبو يعرب المرزوقي 82 الأسماء والبيان
-- وإذن فكان العالمين وزمانهما المختلفان بالطبع كلاهما مخمس الأبعاد كما سأبين .والتخميس كما أسلفت هو الحد الأدنى للتفاعل بين حدي أي علاقة وليس الثالث المرفوع (أرسطو) ولا الموضوع (هيجل) لأن كل علاقة بين حدين ذات اتجاهين من أحدهما إلى الثاني ثم من الثاني إلى الاول. ولما كانت أدنى علاقة شرطها وجود حدين تصل بينهما وتفصلهما فإن المخمس يعتبر أدنى بنية أو نواة العلاقات كلها وهي من ثم المنطق الأعم من المنطقين مثنوي القيمة وثلاثيها. فلو رمزت للعلاقة في وجهتها الاولى من الحد الاول إلى الحد الثاني بسهم ذاهبة في هذا الاتجاه ثم رمزت لها في وجهتها الثانية المقابلة لها لتخلصت من المقابلة فعل ورد الفعل لأن الأمر يتعلق بفعلين وليس بفعل ورد فعل. والفعلان يتلقيان في مسارهما ويمكن أن نعتبر أنهما في الوسط يحققان التوازن المطلق بينهما ثم يمر كل مسار في وجهته حتى يقترب من الحد الذي يتوجه إليه .فنحصل على المخمس :الحدان ثم غاية التوجهين ثم في القلب التوازن التام بين المسارين .وهذه البنية تحكم كل الموضوعات التي يمكن أن نحللها فنردها إلى بنيتها في حدها الأدنى. لكنها قابلة لأن تنطبق على الحد الأقصى من البنى كما بينت في الكلام على العالمين والأحياز الخمسة .ويمكن اعتبار الباب الأول من مقدمة ابن خلدون محاولة أولية لم تصغ نظريا لتحليل نظرية الاحياز الخمسة بين العالمين الطبيعي لأشياء العالم الخارجي والتاريخي لتفاعل الإنسان معها وهما يحيطان بالإنسان فعليا ويحيط بهما الإنسان رمزيا وذلك هو التظارف الذي يوفر للإنسان شروط بقائه. لكن هذين الحيزين الجغرافي والتاريخي ينتج عنهما حيزان هما التراث أو تراكم شروط البقاء الروحي في كيانه وفي تحققها الخارجي جسرا بين الطبيعة والتاريخ في الدلالة الرمزية (الثقافة) والثروة أو تراكم شروط البقاء العضوي في كيانه وفي تحققها الخارجي جسرا بين الطبيعة والتاريخ في الدلالة المادية (الاقتصاد) ويوحد ذلك كله سياسة عالم الشهادة في علاقة بعالم غيبي يترجم دينيا و-أو فلسفيا في كل الحضارات وهو الرؤية المرجعية التي توحد بينها جميعا وذلك هو نقطة التوازي في اللقاء بين الوجهتين التفاعليتين. أبو يعرب المرزوقي 83 الأسماء والبيان
-- وبهذا يكون ابن خلدون قد ألغى العادة العقيمة التي عادت في فلسفة هيجل وماركس أعني اعتبار أحد الحدين فاعلا والثاني منفعلا-كما في قصة تساوي الفعل ورد الفعل في الفيزياء وهي قصة لو صحت لاستحالت الحركة -وهو خطأ نتجت عنه العلاقة التفاعلية بمعنى صراع قوتين فاعلة ومنفعلة .وفي ذلك يكمن الفهم الجدلي الذي يفسد نظرية الزوجية في كل الموجودات. وينبغي أن فهم أن تأثير الأول في الثاني يذهب إلى غايته في لقائه معه والعكس يكون من الثاني إلى الأول ويذهب إلى غايته في لقائه معه .فينتج ذلك حدين يكون كل منهما فيه شيء من الثاني وبينهما لحظة يكون فيها المساران المقابلان في توازن تام ثم يمر كل مسار إلى وجهته حتى يلامس غايته .وقد بينت ذلك خاصة في السياسة مثلا .فعندما تقارن الأنظمة الرأسمالية مثلا بالأنظمة الاشتراكية فأنت في تصورها للعلاقة بين الاقتصادي والاجتماعي تكتشف: -1أن الرأسمالية تضاعفت لأنها تأكدت من أن الاجتماعي من مقومات الاقتصادي لأنه يحقق أمرين يجعلان الاقتصادي أكثر فاعلية بما يحققه من عدل وبما يضاعف عدد المستهلكين .وأن الاشتراكية تأكدت أن الاقتصادي من مقومات الاجتماعي لأنه يحقق أمرين يجعلان الاجتماعي أكثر فاعلية بما يحققه من تحفيز وحماية مؤسسات الإنتاج لدورها في تحقيق للمساواة. -2ومن ثم فتوهم الاقتصادي في صراع مع الاجتماعي علته سوء فهم للاقتصادي والاجتماعي في آن .وتلك هي علة الرؤية الجدلية الصراعية التي تفسد البعدين في حياة البشر أعني البعد المتعلق بسد الحاجات العضوية موضوع العمران البشري بلغة ابن خلدون والبعد المتعلق بسد الحاجات الروحية موضوع الاجتماع الإنساني بنفس اللغة. -3وينتج عن الأول التمييز بين تصورين للحكم في الرأسمالية المتوحشة ويسارها الذي يصبح في النظام الديموقراطي أكثر مجلبة للناخبين .فيسار الرؤية الاقتصادية فهم العلاقة التي تحرر الاقتصاد الرأسمالي من التوحش فتعيد إليه بعده الاجتماعي. -4وينتج عن الثاني التمييز بين تصورين للحكم في الاشتراكية المتوحشة ويمينها الذي يصبح في النظام الديموقراطي أكثر مجلبة للناخبين .ويمين الرؤية الاجتماعية فهم العلاقة التي تحرر الاجتماع الاشتراكي من التوحش فتعيد إليه بعده الاقتصادي. أبو يعرب المرزوقي 84 الأسماء والبيان
-- -5وكلاهما يكون متوحشا بسبب الاختزال قصير النظر وسيء الفهم لطبيعة الظاهرة التي يدرسها أو بصورة أدق التي لم يفهم مساري العلاقة بينهما في الاتجاهين .وعند فهم ذلك تسقط الرؤية الصدامية والجدلية لأنها تبين أن المعادلة ليست بين وضع ونقض وتجاوز للتناقض بالصراع الذي لن يتوقف بل هي بنية مخمسة كما وصفت. فالحدان الاقصيان ليسا متنافيين إلا بسبب التبسيط المخل الذي يخفي ما يجعلهما أساس التعاون الذي من دونه يستحيل أن يكون لأن منهما فاعلية تحقق الاستعمار في الارض بقيم الاستخلاف وهو ما يجعلهما يتضاعفان فينتجان شكلهما الجامع بين دور كل منهما في الثاني ويكون القلب في البنية التوازن الحي المتأرجح بين يمين اليسار ويسار اليمين حتى يستطيعا التداول والتقليل من التوحشين في سياسة عالم الشهادة بمثل عالم الغيب. ونفس هذا المنطق ينطبق على كل زوج مؤلف من حديين اقصيين يترتب على اللقاء بينهم ليس صراعا يتجاوزهما في ثالث بل تفاعل يولد حدين أكثر تقاربا يلغي الصراع ويحتاج إلى حد أوسط يتحرر من الصراع الجدلي الذي لو كان هو الحل لاستحال الهروب من التوحشين ولامتنعت السلم الاجتماعية في أي جماعة فضلا عنها بين الجماعات. لذلك فالمنطق الجدلي مخطئ ليس منطقيا فحسب بل هو مخطئ وجوديا :.فمجرد وجود الحدين وقيامهما بذاتهما دون ما بينهما من تلاق يمكن من اكتشاف ما كان الحدان يخفيان من علاقة وطيدة وخفية بينهما هي ما يحول دون الوعي به إطلاق المتقابلين اطلاقا يجعلهما متنافيين .وفي الحقيقة فهما شرط حصول الصراع بما فرض فيهما من تناف علته الاطلاق ومن ثم فهما مشروطان به. ويكون الصراع الذي لا ينفيه أحد وجوه اللقاء الناتج عن جهل العلاقة الخفية بينهما أو تجاهلها والتنافي الممكن بسبب هذا الجهل أو التجاهل ليس الوحيد بين الأشياء وهو في كل الأحوال ليس مصدرا لوجودها لأنه لا يوجد شيء في العالم يكون وجوده صادرا عن صراعه مع غيره فيكون الصراع سابقا عن المتصارعين. أبو يعرب المرزوقي 85 الأسماء والبيان
-- لا بد من وجود الطرفين ووجود علاقة بينهما يمكن أن تكون صراعية لغياب الوعي بما بينهما من تكامل وهي في الحقيقة تفاعلية في الاتجاهين بصورة تمكن من اكتشاف التكامل كما في مثال الحكم والاقتصاد وكل زوجية. وإذن فالعلاقة بين موجودين متفاعلين كلاهما فاعل ومنفعل وليست علاقة بين فعل وانفعال لأن المنفعل لو كان منفعلا فحسب لكان عديم الوجود الذاتي الذي هو عين فاعليته في ذاته وفي غيره خلال تفاعل مراحل ذاته مع ذاتها خلال صيرورته في المكان والزمان في حدوثهما الطبيعي وفي حديثهما الرمزي. لذلك استعمل مفهوم التعادل التي تنفي المقابلة بين العادل والخاضع لعدله لأن الوجود كله مبني على التعادل ليس بالمعنى الصراعي بل بمعنى الوجود علامة نفس الحق في القيام الذاتي حتى وإن اختلفت الكثافة الوجودية بين المتعادلين .وإذن فالبقاء عدل ذاتي مؤقت لاستعادة التعادل .وذلك هو جوهر استراتيجية الحياة عامة. وهي عند الإنسان عين الحرية الشرطية التي من دونها كان يمكن تصور العبودية دالة على عدم جدارة المستعبد بالوجود لتوهمه في تعادله ناكرا لإنسانيته وغير مدرك لكونه قادرا مثل من يظن نفسه سيده فينتقل فيهادن لتحقيق التعادل ولا يستسلم أبدا وتلك هي استراتيجية مقاومة الروح للمادة فيه أولا وفي علاقته بمن يسيطر عليه. وعلة الحد الأدنى في تخميس الزمان بينتها في العديد من المحاولات السابقة .وتخميس المكان أضعها للمرة الأولى في هذه المحاولة بصورة صريحة رغم أني استعملتها ضمنيا في كلامي على الاحياز .ذلك أن الإنسان ما يمكن له أن يتحرر من سلطان الطبيعة لولا معرفته بهذه الابعاد الخمسة للمكان الذي هو أساس الجغرافيا مصدرا لقيامه العضوي بوصفه كائنا حيا منها يستمد شروط بقائه. والتخميس في الحالتين مصدره أن الإنسان هو نفسه مخمس الأبعاد حتى وإن بدا من خارجه واحدا :فهو مضاعف الكيان إذ هو عضوي البدن روحي الوعي العائد على الكيان العضوي وعلى أبو يعرب المرزوقي 86 الأسماء والبيان
-- عودته لأنه وعي بالوعي بالكيان في مستوييه العضوي والروحي .وكل علاقاته بما يعتبره غير ذاته سواء كان ذلك في عالمه التاريخي أو في عالمه الطبيعي يتصل به ببعدي كيانه هذين. ولما كان البعدان متفاعلين بالمعنى الذي ذكرت بمعنى أن العلاقة ليست بين فعل ورد فعل بل بين فعلين فإن للبدن علاقة بالوعي بالذات الواعية بوعيها به وبوعيها بهذا الوعي وتأثيرا في الوعي وللوعي بالذات بهذه الأبعاد علاقة بالبدن وتأثيرا فيه صارت الأبعاد أربعة مع أصل يوحدها أو بنية كيان الإنسان في حدها الادنى لأنها في الحقيقة تمتد إلى العالمين اللذين يرد إليهما التحديد النهائي لكل ما يجري في كيان الإنسان فردا كان أو جماعة أو كل النوع الإنساني: -1البدن -2الوعي -3فعل البدن في الوعي -4فعل الوعي في البدن -5وأصلها كلها هو قيام الذات الواحدة أصلا لوحدة تلك الفروع الأربعة من ذاتها في علاقاتها بالعالمين التاريخي والطبيعي .وأثر البدن في الوعي يمكن تسمية الواعي منه بالحواس الباطنية بما يجري فيه وخاصة بنسبته إليه .وأثر الوعي في البدن يمكن تسمية الواعي منه هو الحواس الخارجية بما يجري فيه وخاصة بنسبته إليه. وهذا يمثل سلطان وعي الإنسان على بدنه .وذاك يمثل سلطان بدن الإنسان على وعيه .وتلك هي علة شعور الإنسان بأنه شبه قائد لسفينة كيانه العضوي وكأنه في محيط متلاطم الأمواج ليس خلال علاقته بذاته فحسب بل كذلك خلال علاقته بظرفيه التاريخي والطبيعي. لكن الإنسان لا يشعر بكونه مظروفا في العالمين فحسب بل يشعر كذلك بأنهما مظروفان في كيانه العضوي والروحي بحيث إن العلاقة بين الإنسان وحيزيه المكاني الذي يجغرف والزماني الذي يؤرخن لا تختلف كثيرا عن العلاقة ببعدي كيانه إذ ان العلاقة الأولى مناظرة للعلاقة بالبدن أبو يعرب المرزوقي 87 الأسماء والبيان
-- والعلاقة الثانية مناظرة للعلاقة بالوعي .فيكون الإنسان منتسبا إلى نوعين من المكان ونوعين من الزمان. وكلا النوعين يتخمسان لأن المكان الخارجي والمكان الداخلي يتفاعلان والزمان الخارجي والزمان الداخلي يتفاعلان تفاعل الظارفية والمظروفية في الحالتين .فمظروفية الإنسان في عالميه التاريخي والطبيعي تبدو للعامي مقدمة على ظارفيته .لكن الحقيقة عند التمحيط هي العكس تماما بمعنى أن ظارفية الإنسان لعالمية هي المقدمة على مظروفية مقومي كيانه لهما. ذلك أن الظارفية الإنسانية ليست مقصورة على ما في الأذهان وإلا لكانت ظاهرة نفسية ولا يمكن أن تؤسس العلم والعمل الإنسانيين .وإذن فالظارفية الإنسانية تتجاوز ما في الأذهان لتصبح ما في الاعيان من الوجود الذي يمكن أن نطلق عليه اسم العالم الرامز في مقابل العالم المرموز وكلاهما يوجدان في العالم الطبيعي وفي العالم التاريخي. وكل المواقف القضوية في المعرفة وكل المواقف القضائية في التقييم مردها إلى هذا التظارف وهو أشبه بالوسط المحدد لكل الرؤى الأكسيولوجية والأبستمولوجية .فيكون هذا الوسط شبيها بما تؤديه النفس الواحدة التي تعلل بها الرؤية القرآن النقلة الثانية من الحيوي إلى الإنساني إذ منها يخلق زوجها فيتغشاها فتحمل فيتكون رجال كثير ونساء :والقصد أن نوذج الزوجية في علاقة بالوحدة والتعدد تحقق هين المسارين في التزاوج المتصل والنقلة إلى التزاوج المنفصل وتلك هي الآلية التي يرمز إليها التفاعل العضوي والروحي في الجماعات البشرية قيميا ومعرفيا. ويمكن اعتبار النساء 1متعلقة بالنموذج العضوي في عالم الشهادة وعلاقته بعالم الغيب :حياة البشر مبنية على الاخوة الكونية والاخوة الجزئية والعلاقة المخمسة بين الأخوتين ولا يمكن التحرر من منطق الصراع الجدلي من دون الوصل بين الاخوتين ومن ثم فلا بد من الانتقال من الخصوصية إلى الكونية على أساس العلاقة بالربوبية الواحدة رغم تعدد الالوهيات لأن الحسم في الخلافات الدينية اجلها القرآن إلى يوم الدين. واعتبار الحجرات 13متعلقة بالنموذج السياسي في عالم الشهادة وعلاقته بعالم الغيب :سياسة عالم الشهادة تترتب على ذلك بمعنى ان البشر لن يهنأوا بالسلم في نفس الجماعة وبين الجماعات أبو يعرب المرزوقي 88 الأسماء والبيان
-- إلى بما يحقق المساواة بين البشر بصرف النظر عن الفروق العرقية والطبقية لأن ما يحقق السلم هو التعارف معرفة (شرطه غاية نظرية النظر والعقد الاجتهادية :مسألة ابستمولوجية) ومعروفا (شرطه غاية عملية العمل والشرع الجهادية :مسألة أكسيولوجية) والتفاضل لا يكون إلى عند الله وله معيار وحيد هو التقوى. أبو يعرب المرزوقي 89 الأسماء والبيان
-- سأنطلق في الفصل الأخير من هذه المحاولة مما اعتبره معضلة المعضلات في القراءتين الهيدجرية والفوكلدية (نسبة إلى ميشال فوكو) للظاهرة التي سميتها الوسط الذي يسبح فيه الإنسان بكيانيه العضوي والروحي سباحة ليس له سلطان على أمواجها التي تتلاطم من حوله وفيه وهو محيط الظلمات الشبيه بالمجال المغناطيسي المحدد لكل ما ينتأ فيه ليكون ما نسميه مجال القيم ومجال المعارف وما يحيط بهما من غموض يجعلهما نور شمعة خافة لا يكاد يرينا من الموجود والمنشود من الوجود إلا قشرة شديدة السطحية: فالقراءة الهيدجرية ترد هذا المجال المغناطيسي إلى ما يشبه القضاء والقدر -الشكزال الذي يضخ هدايا الوجود ومعانيه في الموجود المعبر عنه أو الدازاين وهي رؤية يمكن اعتبارها نوعا من الفاتاليسم الذي يراوح بين الديني والفلسفي. والقراءة الثانية الفوكلدية ترده -الابستمي-إلى ما يماثله الرد الأول وإن باسم مختلف لأنه لم يضف عليه ما يشبه الفهم الديني مثل قضية الشكزال وهداياه وتأويله في التحليلية الوجودية الهيدجرية بل يعتبره من جنس الطفرات التحولية التي تراوح بين التاريخ الحضاري الهيجلي والتاريخ الطبيعي الدارويني. والمعلوم أن هذين الفهمين دخلا فكرنا بصورة مشوهة لبقاء صاحبيها في ما يرد إلى الرؤية القائلة بالعلاقة المباشرة بين الذات والموضوع فيصبح معنى الابستمي الفلوكلدي والشكزال الهيدجري معاني لا تتجاوز أحوال النفس كما فهمها اداور سعيد وعابد الجابري: فادوارد سعيد ناقد الاستشراق يحط القضية إلى فعل إيديولوجي استعماري إرادي لتشويه الشرق عامة والعربي خاصة :المستشرقون كلهم عملاء الاستعمار لتشويه المستعمرين. وعابد الجابري ناقد العقل العربي يحط القضية إلى روح الشعوب الهيجلي استعملها هو نفسه ليكون مستشرق \"العقل العربي\" :كل شعب له عقل واخلاق هي روح شعب. أبو يعرب المرزوقي 90 الأسماء والبيان
-- فاشترك الرجلان في التبسيط الذي يتصور نظرية القيمة ونظرية المعرفة من احوال النفس وعلاقة بين ذات وموضوع في فلسفة الوعي السطحي سواء كان فرديا أو جماعيا. وما زلت عاجزا عن فهم الاعجاب بالقراءتين الدال هو بدوره على نفس التبسيط في التلقي لأمر عام لا يمكن رده إلى أحوال نفس المستشرقين وأحوال نفس الشعوب. ذلك أن الحطين من رؤية فوكو ورؤية هيدجر علتهما عدم تجاوز الوضع المبسط للمسألة الأكسيولوجية والمسألة الابستمولوجية .فهما يريانهما مسألتين تجريان في مستوى الوعي الإنساني سواء كان فرديا أو جماعيا وليستا مسألتين تضربان بعروقهما في غياهب الغيب. فعلاقة كيان الإنسان العضوي والروحي بكيان العالم الطبيعي والتاريخي تتجاوز الوعي الفردي والجمعي اللذين ينتآن على ما بين هذين العالمين من تفاعلات لا يمكن ردها إلى علاقة بين ذات وموضوع .ولا أحد يدري حقيقتهما ما هي. إنها ليست علاقة بين ذات وموضوع ولا هي امر يجري في الوعي الإنساني الفردي أو الجمعي بل هي ما يجري في العلاقة بين الأحياز الخمسة المحيطة بالإنسان والأحياز الخمسة التي يحيط الإنسان بها بوصفها ما يحيط به والتظارف مستحيل تحديد طبيعته ما هي: -1فالأحياز المحيطة بالإنسان هي الجغرافيا والتاريخ وثمرة الاولى في الثاني أو التراث وثمرة الثاني في الاولى أو الثروة وما يترتب عليها وهو في آن أصلها محددات الإرادة والرؤية اللتين تحددان المعرفة والقيمة فتكون الثمرة الغاية هي القدرة على الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها. -2والأداة في ذلك كله هي النظر والعقد وتطبيقهما في الاستعمار والعمل والشرع وتطبيقهما في الاستخلاف :وذلك هو المجال المغناطيسي الذي ينتئ المعاني ويحدد الابستمية والشكزال في الوعي الإنساني خلال سياسته عالم الشهادة في علاقة بعالم الغيب الذي يتخيله دينيا من القيمي إلى المعرفي وفلسفيا من المعرفي إلى القيمي. أبو يعرب المرزوقي 91 الأسماء والبيان
-- ويلتقي التخيلان في الجواب عن سؤالي الإنسان الأولين والأخيرين المضاعفين وهما تخيلان يجريان بأسلوبين ديني وفلسفي مع تفاعلهما في الاتجاهين بالصورة التي حاولت وصفها لينشأ عنهما المحيط الرمزي الذي لا يتوقف عن الغليان الدائم والذي ينتأ على صفحته ما يصبح مرئيا من تقويم ومعرفة ما يذكر بعبارة فصلت َ \" 53سنُرِي ِهمْ آيَا ِتنَا فِي الْآفَا ِق وَفِي أَن ُف ِسهِمْ َح ّتَىٰ يَتَ َب َّينَ َلهُ ْم َأنَّهُ الْحَ ُّق ۚ أَوَلَ ْم يَ ْكفِ بِرَ ِّبكَ أَ َّن ُه عَلَىٰ ُك ّلِ شَ ْيءٍ شَهِيدٌ\": -1لماذا يوجد شيء بدل لا لشيء وكيف للإنسان أن يسأل مثل هذا السؤال؟ -2لماذا ما يوجد يكون على كيفه بدلا غيره وكيف للإنسان أن يسأل هذا السؤال. والآن فلو افترضنا أننا في عالم متقدم على وجود الإنسان وترميزه لما يدركه منه ومن ذاته لامتنع أن نتكلم على مكان وزمان خاصين بعالم ثان سميناه العالم الرمزي غير العالم الطبيعي .وفي تلك الحالة يعسر أن نتصور هذا العالم حالا في مكان غير وجود كيانه الذاتي وفي زمان غير صيرورة كيانه الذاتي فيكون كيانه ذا بعدين هما عين مكانه من حيث هو موجود وعين زمانه من حيث هو صائر .فلا يكون المكان والزمان ظرفين لكيان العالم من حيث وجوده ومن حيث صيرورته .ويمكن أن نقول عن العالم الرمزي نفس الشيء فيكون كيانه هو مكانه وصيرورته هو زمانه ولا يكون مكانه وزمانه ظرفين إلا عند من يعتقد أن الكلام على مكان العالم الرمزي وزمانه القصد به هو العالم الطبيعي مكانه وزمانه .وتلك هي علة التمييز بين المكانين وبين الزمانين وفصل المكان والزمان في الحالتين عن العالمين من أوهامنا ولا وجود لهما بوصفهما ظارفين للعالم الطبيعي وللعالم الرمزي. ولكن لما كنا نتكلم على العالمين في تساوقهما بمعنى أن ما يعنينا للكلام على النظر والعقد وعلى العمل والشرع كلاما هدفه علاج مسألة نظرية المعرفة ونظرية القيمة فإن المشكل هو البحث في مدى التطابق بين المكانين والزمانين أبو يعرب المرزوقي 92 الأسماء والبيان
-- والبحث في طبيعة العلاقة بين العالمين أي بين مكانيهما وبين زمانيهما وكيف نتصور وجود العالم الطبيعي وصيرورته من حيث هما عين وجود كيانه مكانا وعين صيرورته زمانا ونتصور وجود العالم الرمزي وصيرورته من حيث هما عين وجود كيانه مكانا وعين صيرورته زمانا :والعلاقة بين هذين التصورين هي تاريخ الحضارة الإنسانية. وهو ما يجعل المكان والزمان يتضاعف كل منهما في قيام شبيه بالكيان العضوي وفي قيام شبيه بالوعي به في كيان الإنسان وشبيه بالكيان الطبيعي الوعي التاريخي في كيان العالم إذا تصورناه واحدا وراء الطبيعي و الرمزي. إذ إن البعد الرمزي منهما هو الوعي بهما أو تعين الوعي بهما في قيام العالم الرمزي الذي له مكانيته وزمانيته الخاصتين .وقرآنيا يمكن أن نعتبر ذلك المقصود بـ\"علمه الأسماء كلها\" أي القدرة على تكوين هذا العالم الرمزي الذي يظرف الطبيعي والتاريخي في آن. فالإنسان يدرك الموضوعات التي يعالجها إما مباشرة خلال شهوده لها أو بصورة غير مباشرة خلال شهادة من عالجها مباشرة بالمشاركة فيها أو بمعانية حصولها ويكون ذلك عادة رواية قولية للموضوع .فتكون في التخميس الزماني: -1إدراك الموضوع المباشر من حيث زمان حدوثه -2إدراك الموضوع بتوسط القول من حيث زمان ترميزه -3أثر الإدراك الأول في الإدراك الثاني من حيث علاقة الزمانين في الاتجاه الاول -4أثر الإدراك الثاني في الإدراك الأول من حيث علاقة الزمانين في الاتجاه الثاني -5وحدة الإدراك من حيث حدوثه ومن حيث ترميزه وكأنه خارج الزمان والتي لا علم من دونها وهي اجتماع فروعها الأربعة السابقة دائما وهذه لا تتم أبدا ومن ثم فالمطابقة مستحيلة. وما يقال عن علاقة موضوع الإدراك بهذه المستويات الخمسة يقال عن علاقته بالزمان وعن علاقته بالمكان بنفس الأبعاد الخمسة .فيكون المكان هو أيضا مخمس الابعاد مثل الزمان: أبو يعرب المرزوقي 93 الأسماء والبيان
-- -1إدراك الحدث المباشر من حيث مكان حدوثه -2إدراك الحدث بتوسط الرواية من حيث مكان حدوث ترميزه -3أثر الأول في الثاني من حيث مكان حدوثه ومكان ترميزه وهو تأثير إدراك الحدث الأول في إدراك الحدث الثاني وهو لا يقتصر على المقارنة بل يحصل توالج بين المكانين كما يحصل توالج بين زمانين بالمعنيين السابقين في 1وفي .2وهي أثر الفعلي في الرمزي. -4أثر الثاني في الأول من حيث مكان حدوثه ومكان ترميزه والاثر عكس الوارد في 3بمعنى أن التوالج يعطي نتيجة مختلفة وهي أثر الرمزي في الفعلي -5وحدة الادراك من حيث حدوثه وترميزه وكأنه خارج المكان والتي لا علم من دونها وهي اجتماع فروعها الأربعة السابقة دائما وهذه لا تتم أبدا ومن ثم فالمطابقة مستحيلة. ولا بد إذن من تحديد مفهوم جديد يجمع الحيثتين أي الحدوث والترميز وهو مفهوم يشبه الزمكان لكنه غيره لأن فيه تعاليا عليهما وليس جمعا بينهما وهو رد للزمان إلى صيرورة المكان أو تزمنه ورد للمكان إلى صيرورة الزمان أو تمكنه. وهذا المفهوم ليس ظرفا للأحداث بل هو هي مردودة إلى تطور المضمون المظروف في كيانه بمعنى أن صيرورة المكان هي عين الزمان وصيرورة الزمان هي عين المكان .وبهذا المعنى فقيس المكان بالزمان المقضي أو قيس الزمان بالمكان المقطوع هو ما أغيره بمصطلح جديد يتألف اسمه الاصطلاحي من حرفي المكان الأولين وحرفي الزمان الأولين فيكون الاسم \"المكزم\" وهو مصدر قابل للتصريف فنقول تمكزم الشيء أي تعالى على المكان والزمان فصار وكأنه خارجهما بنتوئه قائما بذاته وكأنه عين من أعيان الموجودات التي لها ثبات في المكان والزمان وهو هويتها. فـ\"المكزم\" تأليف بين \"مك\" للدلالة على المكان \"زم\" للدلالة على الزمان .وهو لحظة سكون الحدوث والترميز بصورة تطوي حركتهما اللامتناهية فيه المكان وفي الزمان فلا يبقى فرق بين لحظات الزمان ونقاط المكان أبو يعرب المرزوقي 94 الأسماء والبيان
-- رغم أن اللحظة والنقطة مفهومان من التقدير الذهني الذي لا يمكن أن يوجد الوجود الحسي أبدا لأنهما خاليان من المقدار المكاني ومن العدد الزماني. ولولا الاشتراك بينهما في اللاتناهي لاستحال قطع المكان لكونه متصلا وقابلا للقسمة اللامتناهية إلى نقاط لا امتداد لها ولا ستحال التمييز بين الحقب واللحظات لأن كل حقبة وكل لحظة قابلة للقسمة اللامتناهية. ومنه كل المفارقات التي وضعها تلميذ بارمييندس حول الحركة .وإذن فالتحيز القابل للتحديد سواء في المكان أو في الزمان يقتضي أن يوجد حد مشترك يتوقف فيه المكان والزمان عن الصيرورة وعن قابلة التعين القابل للكم المكاني وللكيف الزماني. وفي المعنى ما له صلة بتعريف ديكارت لنوعي الوجود أي الامتداد والفكر ولكن ليس بوصفهما مفصلين بل بوصفهما شيئا واحدا ذا وجهين أحدهما هو المرموز الثاني هو الرامز وكلاهما يمكن أن يكون مرموزا ورامزا أي إن العالم الرمزي تتكرر عوداته على ذاته بصورة لا متناهية إذ يمكن أن يكون الرمز مرموز فنرمز للرمز بلا حد ويترتب عليه أن الرمز في رمزه لذاته يتحول إلى مرموز وكل مرموز قابل لأن يكون رمزا لغيره. ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا اعتبرناه لحظة سكون تنتج عن إطلاق الحركة ليصبح المكان مقطوعا في ما يشبه النقطة التي تفقد الابعاد كلها وتكون مثل لحظة الحاضر المطلق التي تفقد الابعاد كلها إذ ليس فيها قبل ولا بعد .وتلك هي علة تمايز الأشياء المتحيزة فيهما ومنه نتوء الحدث بحيث يتعين بوصفه ذلك الحدث بصرف النظر عن مكانه وزمانه إذا نظر إليهما منفصلين أولا ومتحدين بمستوياتهما الخمسة .ولولا ذلك لاستحال تصور الفكر ممكنا لأنه من دون هذا الانتاء يستحيل إدراك شيء من حيث هو شيء موجود على كيف معين .فتكون الكيفيات التي ندرك عليها الموجودات علامات نتوء الأشياء. أبو يعرب المرزوقي 95 الأسماء والبيان
-- وهي علامات تتغير بتغير الإدراك تسطيحا وتعميقا فيكون الفكر هو \"العنصر الخامس\" إن صح التعبير أو \"المكمز\" :لذلك فالفكر رغم كونه جاريا في الزمان والمكان له القدرة على التعالي عليهما خلال إدراكه لهما فيكون له المكمزية التي تجعله وكأن نقطة مكان ولحظة زمان عديمة الابعاد المكانية والزمانية. فإذا كان الكلام الديني يعبر عن هذه اللحظة التي تتنزل خارج المكان والزمان أي في المكمز بعلاقة \"كن يكون\" جمعا بين العدم بداية والوجود غاية فإن فلسفة الكون الحالية تعتبر عنها بما يسمى الانفجار الكبير دون تحديد طبيعة ما ينفجر في البداية لكنها لا تعتبره عدما وعما يؤول إليه بنظام العالم الحالي. فيكون ما يترتب على الانفجار مراحل تشكل المكان خلال الزمان الذي هو صيرورة المكان من النقطة إلى ما هو عليه الآن والنقطة عدم لأنها عديمة البعد المكاني رغم أن تفترض حالة فيه ولما كان هو ما يترتب عليها فيكون هو الحال فيها وهي عدمه. والخطاب الديني -على الأقل في القرآن ينطلق من نظام العالم ويعود إلى كن فيكون والخطاب العلمي -على الأقل الحالي-ينطلق من نظام العالم ويعود إلى الانفجار العظيم .وإذن فلا بد منه اعتبار العبارتين كن فيكون والانفجار العظيم سرديتين لا تفسران شيئا علميا بل هما عقيدتان تجيبان عن سؤالين لا جواب عليهما يمكن أن يقنع من يريد جوابا حاسما لإشكالية علتها قدرة التوجيه الوجودي عند الإنسان: -1لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟ وإمكانية وضع السؤال هي المشكل -2لماذا يكون ما يوجد على كيفه بدل غيره؟ وإمكانية وضع السؤال هي المشكل هذان السؤالان هما أصل الدين والفلسفة الواحد حتى وإن كان الجواب هو بدوره يؤول إلى انفجار عظيم هو مصدر الجوابين الديني والفلسفي في كيان الإنسان تعبيرا عما فيه من ازدواج لقيامه العضوي والروحي .وكل فصل بين مقومي وجود الإنسان اعتبره دليلا على فساد الرؤية. أبو يعرب المرزوقي 96 الأسماء والبيان
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114