Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

Published by أبو يعرب المرزوقي, 2021-01-26 00:52:09

Description: مبدأ الزوجية ودلالته - في أبعاد العلاقة بين الدين والفلسفة - أبو يعرب المرزوقي

Search

Read the Text Version

‫‪--‬‬ ‫لأن الدلالة العميقة لهذا النفي هو عدم الاعتراف بالتمييز بين وظيفتي الجنس عند البر بخلاف‬ ‫ما عليه الامر عند الحيوانات الأخرى وعدم فهم علة تواصل شاهية الجنس في كل الحياة بخلاف ما‬ ‫هي عليه من موسمية عند الحيوانات الأخرى‪:‬‬ ‫فوظيفة الانجاب موسمية ونسقها يحددها خصب المرأة وهو محدود جدا بالعادة الشهرية وبعدد‬ ‫البيضات المحدودة‪.‬‬ ‫وظيفة الذوق غير موسمية ونسقها يحددها خصب الرجل وهو لا يكاد أن يكون محدودا لعدم‬ ‫وجود العادة وبعدد الحيوانات المنوية اللامحدودة‪ .‬لكن طبيعة علاقة العضوي بالطبيعة وبالتاريخ‬ ‫عند الجنسين لها نفس العلة رغم الفروق العضوية والروحية المترتبة عليها لأن‪:‬‬ ‫• الأولى علاقة القيام العضوي وسد الحاجات العضوية‬ ‫• والثانية علاقة القيام الروحي وسد الحاجات الروحية‬ ‫وكلتاهما تحتاج إلى تعاون الجماعة وتقاسم العمل ليس بالجنس العضوي مفصولا عن الجنس‬ ‫الروحي إذ إن الأنوثة والذكورة ‪-‬ولهما علامات عضوية وروحية كما بينت‪-‬قابلتان للوجود في‬ ‫المرأة وفي الرجل على حد سواء‪ .‬ولولا ذلك لاستحال أن توجد المثلة الجنسية كما شرحت في‬ ‫الفصول السابقة‪.‬‬ ‫وكل من لا يعترف بهذه الحقيقة التي لم تخل منها حضارة في كل مراحل تاريخها ينكر الحقائق‬ ‫العضوية والروحية المتعلقة بما بين دور الذوق والانجاب في العلاقات الحميمة وهما قد تتصلان‬ ‫وقد تنفصلان‪.‬‬ ‫وعدم اعتبار ذلك لأن شرط القيام العضوي هو انتاج الثروة وشرط القيم الروحي هو انتاج‬ ‫التراث وكلاهما لا يقتصران على تعاون المتساوقين بل يسهم فيهما المتوالين السابقين واللاحقين‪.‬‬ ‫وتلك هي علة التربية والحكم أي وظيفتي الجماعة الحرة التي تنظم انتجاها الذاتي لشروط‬ ‫بقائها وهو المعنى العميق للسياسة التي هي دائما جماعية حتى في أعتى الدكتاتوريات لأن ما يحدث‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪47‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيها ليس نفي الطابع الجمعي للوظيفتين بل الطابع الحر أو المضر للقيام بهما ومن ثم صلاح معاني‬ ‫الإنسانية يصبح فسادها وننتقل من الجماعة الحرة إلى الجماعة المستعبدة‪.‬‬ ‫ولا أنوي الكلام في كل مشاكل التربية بل هدفي الكلام على ما ترتب عن الجاهليتين اللتين وصفت‬ ‫هنا من علاج ينتهي في الغاية إلى عدم التفطن للحلول الثورية التي يقدمها الإسلام والتي ينبغي‬ ‫بيان دورها في العناية ما بين البعدين العضوي والروحي من علاقة وثيقة وما بين الذوقي‬ ‫والانجابي من وصل وفصل‪.‬‬ ‫فكلاهما ضروري لأن الذوقي في حياة البشر هو سر الروحي ومن ثم منزلة الجنس حتى في الحياة‬ ‫الاخرى إذ إنه لا يعلو عليه في الجزاء الاخروي إلى رؤية وجه الله أعني غاية الروحي المطلقة‪.‬‬ ‫ولا بد إذن من مراجعة ما ترتب على النكوصين الجاهلي والغربي إزاء رؤية الإسلام لمنزلة المرأة‬ ‫ولمنزلة الجنس في حياة البشر وهما نكوصان يبدوان متناقضين لكنهما يؤديان إلى نفس النتيجة‬ ‫وإن بطريقين متقابلتين تماما‪.‬‬ ‫وسأهتم بنتائج النكوص إلى الجاهلية المتقدمة على ثورة الإسلام عند المسلمين ولا احتاج للكلام‬ ‫على النكوص إلى الجاهلية المتأخرة عنه في الغرب والتي رمزت إليها بالقلب النيتشوي للقيم‪:‬‬ ‫‪-1‬فمن عجائب الجاهلية التي نكص إليها العرب الغاء التربية الجنسية التي كانت تعتبر جزءا لا‬ ‫يتجزأ من شروط العبادات لأنها الجنس نفسه بشروطه الشرعية عبادة ببعديه ذوقا وانجابا‬ ‫وطهارته وسلامته والمعرفة بأحواله لها دلالة دينية بخلاف ما عليه الأمر في الحضارات التي لا‬ ‫توليه الاهمية التي يوليها إياه الإسلام‪.‬‬ ‫‪-2‬ومن عجائب النكوص إلى الجاهلية أن الإسلام الذي لا يفصل بين الجنسين في أهم شعائره‬ ‫وأسماها أعني الحج والطواف صار الفصل بين الجنسين من أكبر العاهات في حين يظن علاجا لها‪.‬‬ ‫فهو الذي يؤسس للمثلية الجنسية في الجنسين بما يلغيه مما يغني عنها أولا‬ ‫وهو الذي يحاول المستحيل لأن الفصل مستحيل بين المحارم فيكون أصلا لزنا المحارم سواء بالفعل‬ ‫أو على الأقل بالقوة‪ .‬وهو الذي لا يحول دون الزنا وخاصة نواياه حتى لو سلمنا بالحد منه فعليا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪48‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-3‬ومن عجاب النكوص إلى الجاهلية تحرير المرأة من منزلة المملوك إلى المالك مثله مثل الرجل‬ ‫يجعل منعها مما يترتب على الملكية من شروط حفظها والمشاركة في آليات تثميرها ما يعني أنها ذات‬ ‫اقتصادية تامة الشروط إذ الزواج لا يفرض عليها التبعية في إدارة ملكيتها أو جعل زوجها وصيا‬ ‫عليها في تصريف امرها‪ .‬وهذا يعني أن حضورها في الممارسة الاقتصادية حق شرعي بل وواجب‪.‬‬ ‫‪ -4‬الجمع بين هذه القضايا الثلاث السابقة لا يتحقق من دون دور في قوامة الشأن العام لان الأمر‬ ‫بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط الإيمان والمشاعر اللذين لا يختلف فيهما الذكر والانثى بل‬ ‫هما نفس الشروط ونفس الواجبات‬ ‫وإذن فدور المرأة السياسي المتعلق بقوامة الرعاية والحماية مساو لدور الرجل حتى وإن كان‬ ‫مختلفا لتقدم الرعاية على الحماية عند المرأة وتقدم الحماية على الرعاية عند الرجل‪ .‬لكن وإن‬ ‫ميز بينهما فهو لا يلغي حاجتهما المشتركة للتكون في الدورين‪.‬‬ ‫‪-5‬وأخيرا من عجائب النكوص قضية التعدد في الزواج الذي يسمح به الإسلام بشروط للرجل‬ ‫وللمرأة على حد سواء‪ .‬والفرق بين التعددين هو التساوق عند الرجال والتوالي عند النساء‪.‬‬ ‫والعلة هي الجمع بين حقق التعدد وحق حفظ النسب‪ .‬وتلك هي علة تحرير الطلاق في الإسلام‬ ‫وعدم فقدان المرأة الطالق منزلتها في الإسلام بل هي تحافظ على منزلة قد تكون احيانا اهم من‬ ‫منزلة البكر‪.‬‬ ‫فالرسول لم يتزوج بكرا إلى واحدة هي عائشة وبقية امهات المؤمنين لسن بكرا‪.‬‬ ‫ولا بد هنا من الإشارة إلى أمرين يغفلهما المؤولون لإشكالية التعدد‪ :‬فالقرآن ربطها بأمرين‬ ‫يحدثان في كل الحضارات هما‪:‬‬ ‫المسألة الديموغرافية التي تنتج عادة عن الحروب التي تفسد التناسب العددي بين الجنسين إذ‬ ‫يقل الرجال وتكثر النساء فيها غالبا فيكون التعدد حلا لمشكل ديموغرافي في علاقة بالجنس‪.‬‬ ‫المسألة الاجتماعية التي تنتج كذلك عن الحروب التي تفقد الاطفال وخاصة الإناث أعراضهم‬ ‫وأملاكهم الحماية الضرورية فيكون التعدد حلا لمشكل خلقي واقتصادي في علاقة بالجنس‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪49‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لكنه في الحالتين يشدد على شبه استحالة تحقيق شرطي العدل بين الزوجات وشرط الأمانة في‬ ‫حماية عرض القصر وأملاكهم بعد فقدان آبائهم‪ .‬وكل هذه المعاني بينة لكل ذي عقل‪ .‬لكن‬ ‫الأكثر بينونه‬ ‫هو أن التعدد في غير هذين الحالتين لا يعالجان مشكل العنوسة لأنه في حالة التوازن العددي بين‬ ‫الجنسين (الساكس راسيو) يتحول التعدد إلى حرمان الفقراء من الزواج لأن ذلك يعني فقدان‬ ‫العدد الكافي لسد حاجات بقية الرجال‪.‬‬ ‫في شروط تكوين من يتميزون بالأنوثة من الجنسين ومن يتميزون بالذكورة منهما بالاعتماد على‬ ‫العلاقة بين المميزات العضوية والمميزات الروحية بصرف النظر عن المقابلة بين الجنسين ليكونا‬ ‫بحق في خدمة وظيفتي الإنسان‪:‬‬ ‫‪ -1‬أي استعماره في الارض‪ :‬وتتعلق بالعلوم وتطبيقاتها التقنية في كل انشطة الإنسان من حيث‬ ‫هي تقاسم العمل بين كل المواطنين بجنسيهم الاقصيين وبالأجناس الوسطى التي ينبغي أن يصبح‬ ‫لهم وضع لا يناقض الشريعة والا يناقض الطبيعة‪.‬‬ ‫‪-2‬واستخلافه في الأرض‪ :‬وتتعلق القيم وتطبيقاتها الخلقية في كل أنشطة الإنسان في تنظيم‬ ‫التعاون بين البشر بكل اجناسهم الخمسة والتعاوض العادل وهو مجال الشورى بين المواطنين‬ ‫بوصف الامر امرهم (الشورى ‪)38‬‬ ‫‪-3‬ودور الأول في الثاني‪ :‬وهو دور مضاعف مباشر لأن الاستخلاف يقتضي استراتيجية تقنية‬ ‫ومنهجية لتحقيق مهمته الاستعمارية وغير مباشر لتحقيق مهمته الاستخلافية ولهما وجه تقني‬ ‫مضاعف هو جوهر الاقتصاد في علاقته بالاجتماع شرطا في السلم المدنية‪.‬‬ ‫‪-4‬دور الثاني في الأول‪ :‬وهو دور مضاعف مباشر لأن الاستعمار يقتضي استراتيجية خلقية‬ ‫وتعاملية لتحقيق مهمته الاستخلافية وغير مباشر لإضفاء الأخوة على تقيم العمل والحيلولة دون‬ ‫تحوله إلى تنافس صراعي بدلا من أن يكون تسابقا في الخيرات‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪50‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬وأصل الوظيفتين والدورين المتبادلين بينهما هو تحقيق مضمون النساء ‪ 1‬والحجرات ‪13‬‬ ‫شرطين لبناء مجتمع لا يكون الناس فيها أربابا بعضهم للبعض وهو معنى الحرية الإنسانية التي‬ ‫ليس لها إلى معبود واحد هو رب العالمين‪.‬‬ ‫وهذه سياسة عالم الشهادة وتكوين الإنسان ليكون ممون ذاته من خلال علاقته به التي تكون‬ ‫علاقة بما يشده لعالم الغيب مصدرا للمثل المعرفية والقيمية التي تمكن من تحقيق ما يسميه ابن‬ ‫خلدون معاني الإنسانية ومنع ما يحول دونها وذلك هو مضمون سورة العصر بوصفها العلاج للخسر‬ ‫الذي يهدد الإنسان دائما والذي هو الاخلاد إلى الأرض بلغة القرآن‪.‬‬ ‫فنحول دون ما ترتب على التحريف والاصلاح الذي قلب العلاقة بدلا من اصلاحها والقصد هو‬ ‫التركيز على منزلة الأنوثة خاصة لأنها هي التي طالها الفساد بحجة النسويات رغم أنها ليست‬ ‫خاصة بالنساء ومع ذلك فمنزلة المرأة صارت رهن هذا الخطأ الذي يخلط بين مميزات الجنس‬ ‫العضوية والنفسية والمقابلة بين الرجل والمرأة‪.‬‬ ‫فمميزات الجنس العضوية والنفسية مستقلة عن المقابلة رجل امرأة كما بينا حتى إن كان في الغالب‬ ‫على النساء مميزات الأنوثة والغالب على الرجال مميزات الذكورة لكن ذلك لا ينفي كون كلا‬ ‫الجنسين يمكن أن يتصفا بالأنوثة والذكورة‪ .‬والهدف هو تطبيق الثورتين الواردتين في القرآن في‬ ‫ما يتعلق بتحرير الدنيوي والجنسي من الدناسة التي لحقتهما من تحريف الأديان التي نقده‬ ‫القرآن بمنطق التصديق والهيمنة‪:‬‬ ‫فالدنيا والجنس لم يبق مدنسا كما في المسيحية ولم تنقلب إلى نفي ما يجعلها مقدسة في ما يشبه‬ ‫بالقلب النيتشوي للقيم‪.‬‬ ‫والمرأة ليست دون الرجل منزلة وليست من ضلعه الاعوج وليس عاهرة بالجوهر كما في الرية‬ ‫التوراتية ما يعني أن ما حصل في القلب المسيحي ليس إلا عودة إلى التحريف التوراتي‪.‬‬ ‫من نفي التعامل السوي مع الدنيا والمرأة بتحديد منزلتهما التي تليق بدورهما إيجابيا‬ ‫إلى التحريف العكسي مع الدنيا والمرأة بنفي كل الحدود السليمة التي تحمي دورهما‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪51‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لن أطيل الكلام في مسائل التربية الفنية‪.‬‬ ‫فقد خصصت لها عدة محاولات سابقة تتعلق بالإجرائي والمضموني في التعليم والتكوين العضوي‬ ‫والروحي وأمر مباشرة إلى المآسي التي تعاني منها التربية والتكوين وما يحول دون شروط تحقيق‬ ‫وظائف الإنسان أيا كان جنسه من حيث هو مستعمر في الارض ومستخلف فيها‪.‬‬ ‫ويمكن رد هذه المآسي إلى خمس آفات تقبل الرد إلى الجمع بين نوعي النكوص إلى الجاهلية‬ ‫العربية والجاهلية الغربية وإلى تبعية العرب الحالية للرؤية الغربية الحالية وخاصة لأكثرها‬ ‫تخلفا أعني الرؤية التي تجعل الدولة حاضنة وهي أداة الاستبداد الموروث على الفاشيات‬ ‫الماركسية التي تبنتها الانظمة العسكرية والقبلية العربية‪.‬‬ ‫وهذه المآسي التي تعاني منها التربية في تونس مثلا والتي هي واحدة في كل الانظمة العربية هي‬ ‫الاكاذيب الخمسة في الدول الحاضنة‪ .‬ولأبدأ فأذكر هذه الأكاذيب البنيوية الخمسة لأعرفها‬ ‫وأرتبها بمعيار تاريخ تكوينتيها ومنطق توالدها بعضها من بعض‬ ‫وذلك بمنطق الزوجية التي تقتضي وجود حدين اقصيين هما الأداة والغاية ينتج عن تفاعلهما في‬ ‫الاتجاهين ما بينهما من وساطة الأداة ووساطة الغاية في تحقيق شروط القيام المادي والروحي‬ ‫للجماعة‪:‬‬ ‫اثنتان قتلتا العلة الفاعلية في الكيان الجمعي لأنهما قتلتا الأداة ووسطيها إلى القدرة على الفعل‬ ‫المكون والممون للإنسان عضويا‪ :‬الإرادة والابداع العلمي‪:‬‬ ‫‪-1‬كذبة الإرادة السياسية التي من علامات غيابها سيطرة النقابات على التعليم‬ ‫‪-2‬كذبة المعرفة العلمية المؤثرة في علاقة الجماعة بالطبيعة والتاريخ التي من علاماتها الثقافة‬ ‫العامة الخالية من القدرة على حل مشاكل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫اثنتان قتلتا العلة الغائية في الكيان الجمعي لانهما قتلتا الغاية ووسيطها إلى القدرة على الفعل‬ ‫المكون والممون للإنسان روحيا‪ :‬الرؤية والذوق‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪52‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-3‬كذبة الذوق القيمي لأن المنظومة التربوية خالية من كل القيم لأنها صارت مرتع المافيات‬ ‫والمخدرات وكل الموبقات التي تؤسسها خرافة تجفيف المنابع في التربية المزعومة علمانية‬ ‫‪-4‬كذبة الرؤية الوجودية المؤثرة في علاقة الإنسان بمعاني الإنسانية (مصطلح خلدوني) لان‬ ‫التربية محاكاة سطحية لكليشيهات الحداثة التي ورثت عن الاستعمار وليس الحداثة التي تعتمد‬ ‫على القيم كما يحددها الدين والفلسفة‪.‬‬ ‫‪-5‬والأخيرة هي مخض الرغاوي أو عقم المنظومة التربوية لغياب الأصل والغاية أعني القدرة‬ ‫المادية والروحي وتلك هي‪:‬‬ ‫كذبة القدرة الاقتصادية لسد الحاجات المادية (موضع العمران البشري)‬ ‫وكذبة القدرة الثقافية لسد الحاجات الروحية (موضوع الاجتماع الإنساني)‬ ‫إذا حددنا الفيروسات القاتلة لهذه العناصر الخمسة نكون قد شخصنا الداء الذي تعاني منه‬ ‫التربية في كل جماعة أيا كان الحضارة التي تنتسب إليها وفي تونس حاليا‪ .‬وكل فيروس من هذه‬ ‫الفيروسات يقبل التعيين من خلال العرض الأساسي الدال عليه‪:‬‬ ‫‪-1‬فالعرض الدال على إصابة الإرادة السياسية هو سيطرة النقابات على القرار السياسي في‬ ‫وخاصة في نوعي التموين المادي (الاقتصاد) والتموين الروحي (الثقافة المعرفية والذوقية)‪.‬‬ ‫‪-2‬والعرض الدال على إصابة الرؤية الوجودي هو تبعية الكاريكاتورين النخبوين التحديثي‬ ‫والتاصيلي وتغليب تسييس التربية تسييسا يلغي وظائفها في التنميتين المادية والرواحية‪.‬‬ ‫‪-3‬والعرض الدال على إصابة القدرة العلمية هو مرض الإرادة السياسية على المؤسسات التربوية‬ ‫وشروط تمويلها والتي ينبغي أن يتقاسمها المتدخلون فيها‬ ‫‪-4‬والعرض الدال على إصابة القدرة الذوقية هو سيطرة الإرادة السياسية والمسيطر عليها نقابيا‬ ‫على المؤسسات الذوقية وتمويلها‪،‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪53‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬والعلة الأساسية هي الدولة الحاضنة التي تقتل دور الجماعة ووظائفها في تكوين أجيالها‬ ‫تكوينا يجعلها محركة قدرتها المادية (الاقتصاد) وقدرتها الروحية (الثقافة) كلتاهما ضحية لفساد‬ ‫الإرادة والرؤية والعلم والذوق‪ .‬العلاج‪ :‬شروط استقلال المؤسسات التربية عن القوى السياسية‬ ‫والقوى النقابية وتبعيتها للجماعة فعلا وللدولة باسم الجماعة قوامة‪.‬‬ ‫ولا بد من الإشارة السريعة لمناط الحلول التي يمكن عرضها نسقيا من خلال تحديد السلط الخمس‬ ‫في كل منظومة تربوية سوية تحقق معاني الإنسانية التي تعرف الإنسان الحر صاب الإرادة‬ ‫والرؤية والعلم والذوق ومن ثم القادر على تحقيق دوره في الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪:‬‬ ‫‪-1‬المؤسسة التي تنتج الإنسان عضويا وروحيا‪ :‬الاسرة بمستوياتها من النووية إلى الوسطى إلى‬ ‫الكبرى إلى الأمة إلى الدولة إلى الجماعة الإنسانية ككل لتحقيق بقاء الجماعة وتجدد الاجيال‬ ‫ثورة وتراثا‪ :‬وهذه السلطة المباشر منها يرد إلى الأولى والثانية (الاسرة النواة والاسرة‬ ‫الكبرى) وغير المباشر هو الثالثة والرابعة (الأمة والدولة) والأخيرة (الإنسانية) تجمع بينهما‬ ‫كلها لأنها عين كيان الإنسان العضوي والروحي فتشمل الجنس البشري كله عضويا وروحيا‪.‬‬ ‫‪-2‬المؤسسة التي تستعمل الإنسان عضويا وروحيا مؤسسات الإنتاج المادي والروحي أي الاقتصاد‬ ‫والثقافة‪ :‬يمثلها مؤسسات العمل بأبعادها الخمسة‪ :‬الفكر والمبادرة والاستهلاك والتمويل واخيرا‬ ‫العملية الانتاجية نفسها سواء كان ما تنتجه اقتصاديا أو ثقافيا‪ .‬فالمدرسة تعد الإنسان لتستعمله‬ ‫الجماعة من أجل الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها بكفاءة تقنية وجدارة خلقية‪.‬‬ ‫‪-3‬المؤسسات التربوية نفسها أو المدارس والمعاهد وهي قلب المعادلة كلها أعني أن هذه المؤسسات‬ ‫تعتبر عينة ممثلة لكل الجماعة ومخبر الاعداد لمستقبلها المتجاوز لحاضرها الذي هو المحافظة على‬ ‫ماضيها حدثا وحديثا وإنشاء رؤية مستقبلها حديثا وحدثا وهو عين حاضرها في الاذهان وفي‬ ‫الاعيان‪ :‬يمثلها المتعلم والمعلم وبينهما منتج أدوات التواصل المعرفي ومؤسسات التوثيق وعلى رأس‬ ‫ذلك كله الباحث المبدع‪.‬‬ ‫‪-4‬المشرف المباشر على ذلك كله هو المؤسسات المدنية المحلية التي ترعى التربية والتعليم وهي‬ ‫الحد الاوسط بين الفرد والجماعة ككل‪ :‬فمن يشرف على التربية ليس ممثلي الدولة مباشرة وهم‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪54‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫نواب الجماعة بل هم مسؤولون عن القوامة الموحدة بين المؤسسات المدنية التي تتعين فيها سلطة‬ ‫الجماعة في تكوين اجيالها والمحافظة على الثروة والتراث الفاعلين أي القدرة على الانتاج‬ ‫الاقتصادي والثقافي في قدرة الأجيال‪.‬‬ ‫‪-5‬المشرف غير المباشر على ذلك كله هو مؤسسات القوامة أو السلطة الشرعية في تنفيذ خيارات‬ ‫الجماعة التي تحفظ وحدة الكل وتسهم بدورها في شروط حماية السيادة المادية والروحية‬ ‫للجماعة من حيث القوامة وليس التقويم‪ :‬السلطة السياسية الشرعية أي المنتخبة من الشعب‬ ‫ومؤسستها التشريعية والعلمية والعملية والتنفيذية‪.‬‬ ‫وبذلك ننتقل إلى القسم الثاني من البحث في أساس هذه الرؤية التي اعتبرها محاولة لفهم رؤية‬ ‫القرآن لتكوين الإنسان بجنسيه رجاله ونسائه تكوينا يجعله قادرا على الاستعمار في الأرض‬ ‫والاستخلاف فيها وهي رؤية ليست خاصة بالمسلمين بالمعنى الخاص بهم من حيث هم مؤمنون بالإسلام‬ ‫بل من حيث إن كل إنسان مسلم حتى لو توهم نفسه ملحدا لأن غياب الوعي بالفطرة لا يعني‬ ‫غيابها في محددات كيانه العضوي والروحي‪:‬‬ ‫والقسم الثاني وفيه خمسة فصول كذلك يتعلق بنظرية التجهيز الإنساني الذي سأنظر فيه من‬ ‫حيث القدرة المعرفية وذلك هو موضوع نظرية المعرفة أي جهاز النظر والعقد والقدرة القيمية‬ ‫وذلك هو موضوع نظرية القيمة أي جهاز العمل والشرع‪.‬‬ ‫وما بين هذين الجهازين المضاعفين وكيان العالم الشاهد الذي يمثله ما يمكن للإنسان إدراكه من‬ ‫عالميه الطبيعي والتاريخي واعتقاده مما ورائهما الذي من دونهما لا يمكن للجهازين أن يعملا بحق‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪55‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫انتقل في قسم المحاولة الثاني من المسألة التي تقض مضجع كل مسلم يلحظ ما حل بعلوم الملة من‬ ‫تحريفات وأثرها على أهم مجال تتعين فيه الزوجية أقصد الزوجية العضوية والروحية وعلاقتها‬ ‫بثورة الإسلام الكبرى أي تحرير المرأة من العبودية والجنس من التدنيس أصلا لكل القضايا‬ ‫الإنسانية الاجتماعية والسياسية إلى مبدأ الزوجية العام الذي يعتبره القرآن الكريم الخاصية‬ ‫المميزة لكل المخلوقات لأن الوحدانية لا يتصف بها وبكمالها إلى الله وحده‪.‬‬ ‫وهذا المعنى بمستوييه هذين له علاقة بالقضية الفلسفية التي أريد الآن بحثها لأنها هي أصل‬ ‫التصويب والتحريف في كل رؤى الإنسان للوجود والعالم والمحدد الرئيس لإشكاليتي المعرفة‬ ‫والقيمة وأعني بهما المسألة الابستمولوجية (ماذا يمكن للإنسان أن يعلمه بجهاز النظر والعقد)‬ ‫والمسألة القيمية (ماذا يمكن للإنسان أن يقيمه بجهاز العمل والشرع)‪ .‬وقد سبق فشرحت القصد‬ ‫بالجهازين وعلة الجمع في الاول بين النظر والعقد والجمع في الثاني بين العمل والشرع‪.‬‬ ‫وسأنطلق من القطيعتين الهيجليتين اللتين اثبتهما في الكلام على العقل والروح في فلسفته وهما‬ ‫قطيعتان تمثلتا في نكوص أول أعاد تأويل الفلسفة القديمة والوسيطة قطعا مع أصليها أفلاطون‬ ‫وارسطو في صورتهما المدرسية بالعودة إلى بارمينيدس وهرقليطس وأعاد تأويل الفلسفة الحديثة‬ ‫بالعودة إلى علم كلام القرون الوسطى قطعا مع ديكارت وكنط في صورتهما المدرسية‪.‬‬ ‫ومعنى ذلك أني بالإشارة إلى هذين النكوصين أحدد حقيقة فلسفة هيجل وماركس وما يمكن‬ ‫اعتباره انهاء للفلسفة والدين المفصولين والوصل بينهما إيجابا عند هيجل وسلبا عند ماركس ولكن‬ ‫في الحالتين لم يعد ممكنا الكلام في النظر والعقد ولا في العمل والشرع من دون البحث في ما يصل‬ ‫بينهما وما يفصل‪.‬‬ ‫وهو مجال الزوجية الأصلي في كل الزوجيات التي تشمل كل الموجودات‪ .‬وسأبحث في المسألة من‬ ‫حيث هي قضية فلسفية ترد إلى المسألتين الابستمولوجية والأكسيولوجية قولا بالمطابقة ونفيها مع‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪56‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫رفع الحكم في علاقة ثورتي الإسلام اللتين اعتبرهما الملجأ الوحيد الذي بقي للإنسانية حتى تتحرر‬ ‫من أزماتها المادية والروحية ليس في كيان الإنسان وحده بل وكذلك في علاقته بكيان العالم‬ ‫الطبيعي والتاريخي‪.‬‬ ‫ذلك أن أزمة الإنسانية مردها إلى تولثين أحدهما يخص كيان العالم الطبيعي والتاريخي والثاني‬ ‫كيان الإنسان العضوي والروحي وهما المرضان اللذان تعالجهما ثورة الإسلام واللذان خصص لهما‬ ‫ابن خلدون نظريته التي بنى عليها المقدمة وأعطاها اسما مضاعفا كل منهما علاج لأحدهما‪:‬‬ ‫‪-1‬التلويث الذي يفسد شروط الاستعمار في الارض فيجعله تدميرا بدل كونه تعميرا وهو‬ ‫الاقتصاد المحكوم بربا الأموال‪ :‬وهو ما يسمى بمشكل المناخ والبيئة وشروط سد الحاجات العضوية‬ ‫وهو المستوى الأول من نظرية ابن خلدون ويسميه العمران البشري لسد الحاجات‪.‬‬ ‫‪-2‬التلويث يفسد شروط الاستخلاف في الارض فيجعله استعباد بدل كونه تحريرا وهو الثقافة‬ ‫المحكومة بربا الاقوال‪ :‬وهو ما يسمى بإشكالية العلاقة بين الأجناس وشروط شد الحاجات الروحية‬ ‫وهو المستوى الثاني من نظرية ابن خلدون ويسميه الاجتماع الإنساني للأنس بالعشر‪.‬‬ ‫منطلقي إذن سيكون من فلسفة هيجل (وضمنها ذيلها الماركسي أو وجهها السلبي) لأنها هي بدورها‬ ‫تعتبر الفصل بين الفلسفي والديني مفتعلا حتى وإن كان الوصل عنده مؤسسا على تحريفيهما‬ ‫بسبب قوله بالمطابقتين اللتين تعودان في الحقيقة إلى المطابقة الوهمية التي يزعهما في دعواه حول‬ ‫الله في العالم عامة وفي الإنسان خاصة أي القول بوحدة الوجود المذوتة تعديلا لرؤية سبينوزا‬ ‫المجوهرة‪.‬‬ ‫فلما عاد هيجل في تاريخه للفلسفة إلى بارمينيدس وهرقليطس لإعادة تأويل فلسفة أرسطو خاصة‬ ‫وأفلاطون عامة في قراءتها القديمة والوسيطة ظن أنه قد أسس المنطق ذي القيم الثلاث وزعم أن‬ ‫أرسطو بخلاف ما سيطر على قراءته قبله لم يعمل بالمنطق ثنائي القيمة بل بمثلثها في فلسفته كلها‪.‬‬ ‫وكان محقا على الأقل في الظاهر إذ كان يكفي اعتبار الثالث المرفوع تثليثا وإن بالسلب إذ من‬ ‫دونه تسقط نظريته في الهوية شرط القيام الجوهري الذي يؤسس ثباته وثبات الأنواع في‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪57‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫بايولوجيته التي هي نوذج فزيائه وميتافيزيائه‪ .‬فاستثناء القيمة الثالثة شرط مبدأ عدم‬ ‫التناقض‪ .‬وتلك علة رفع الثالث لتأسيس نظرية الصورة الثابتة والهوية‪.‬‬ ‫ففلسفة أرسطو الأولى وخاصة نظريته في ثبات الأنواع بعد بلوغ التطور إلى الاستقرار ‪-‬لأنه‬ ‫يقول بالتطور الذي تكون فيه الحياة خاصة والطبيعة عامة وكأنها تجرب في طلب الصورة المستقرة‬ ‫قبل حصول الاستقراري الماهوي للجواهر الثابتة‪-‬تتأس على ثبات الهوية وسرمدية الصورة وهي لا‬ ‫يمكن أن تبقى هي من دون أن تكون غير غيرها فيكون ثبات الهويات علة تمايزها وقابليتها لتكون‬ ‫الاجناس المختلفة ونظرية المقولات‪.‬‬ ‫لكن هيجل أرجع الثالث المرفوع فاستعاد الزوجية في الهوية وأطلقه لتصبح الصيرورة في الهوية‬ ‫ذاتها وليست من أعراضها ‪-‬وهذا قصده بالكلي المتعين أو الكنكريت الذي يكون مفهوم التصور‬ ‫متعينا في ما صدقه وغير قابل للانفصال عنه‪-‬وبذلك يصبح المنطق هو عينه مجرى الكيان ومن ثم‬ ‫فهو عين الميتافيزيقا ولكنها غير ميتافيزيقا أرسطو بسبب وضع الثالث عند هيجل بدل رفعه عند‬ ‫أرسطو‪ .‬لكن كيان الأشياء ذاته يصبح في سيلان أبدي رغم أن هيجل لم يذهب إلى الغاية في‬ ‫السيلان لكونه يتوقف عند الهويات المزدوجة‪.‬‬ ‫ولم يذهب إلى السيلان الأبدي أو العود الأبدي‪ .‬وإلا لكان هذا يعني أن التطور ليس مقصورا‬ ‫على الأنواع الحية بل يشمل كل الموجودات في سيلان أبدي‪ .‬ولا يبقى المنطق قابلا لأن يكون‬ ‫مثنويا أو ثلاثيا أو بأي قدر ممكن ‪-‬ولكان اميل إلى رؤية التلمساني ونظرية الامواج اللامتناهية‬ ‫ووحدة الموجود المطلقة‪-‬لأنه لم يبق مجرد أداة للقول بل يصبح عين نظام الكيان نفسه موضوع‬ ‫القول لكنه لن يكون مما ينقال أصلا‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن القول بالتثليث مثله مثل القول بالمثنوية لانتخاب نظام من أنظمة القول في‬ ‫الوجود مجرد تحكم ولا يمكن تحديد عدد القيم في منطق يطابق السيلان الأبدي‪ .‬وفي الحقيقة‬ ‫فأرسطو نفسه لم يدرك أن الثالث المرفوع الذي استثناه في منطقه أعاده شرطا في بناء كل‬ ‫استدلال إذ من دون حد أوسط يمتنع بناء القياس الذي هو غاية منطقه‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪58‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فيكون ما استثناه للتحديد الماهيات اعاده للوصل بينها بما يتوسط بينها‪ :‬أخرجه منها ووضعها بينها‪.‬‬ ‫لكن الحد الأوسط لا بد أن يكون فيه أمر مشترك بين الحدين اللذين يتوسط بينهما فيكون في آن‬ ‫خارجها وبينها‪ .‬ولا يمكن إذن الاكتفاء بالقيمتين إلا للمحافظة على تثبيت الصور المحددة للهويات‬ ‫وجوديا‪.‬‬ ‫والمشكل الآن هو هل يمكن وضع الثالث فيها بصورة تلغي ثباتها هويتها التي تصبح في صيرورة‬ ‫أبدية ثم يوضع بينها بعد أن لم يبق فصل بينها ليكون بينها بين؟ كيف يمكن أن نقف بعد أن سيلنا‬ ‫الهوية فنعدد الهويات؟ ذلك ما توهمه هيجل وأيده في ذلك بيرس إذ زعم ‪-‬مع عدم إخفاء أهمية‬ ‫ذلك للرؤية المسيحية‪ -‬ضرورة التثليث وكفايته لعلاج إشكالية الترميز والمنطق ولتأسيس‬ ‫السيميوتكس‪:‬‬ ‫وطبعا كان من المفروض أن يسلم بأن ذلك يؤسس للقول برد نظام الوجود إلى نظام الخطاب حوله‬ ‫فنزعم التطابق بين النظامين ومن ثم يصبح المنطق هو عين نظرية الوجود أو بلغة هيجل هو‬ ‫الميتافيزيقا؟ وما أبينه هنا هو استحالة التوقف عند الثلاثة في كيان الموجود من دون أن يكون‬ ‫الثالث الموضوع هو بدروه مزدوجا مثل الحدين الذين يتوسط بينهما‪.‬‬ ‫ولا اعتقد أنه يمكن رد نظام الوجود إلى نظام الخطاب حوله من دون أن يكون الخطاب محيطا‬ ‫بالوجود كله إحاطة الوجود به لأن المقولية ليست بين عناصر الموجود وعناصر القول فيها عنصرا‬ ‫عنصرا بل بين منازلها في نظام العناصر الرامزة ومنازلها في نظام العناصر المرموزة لكأن الأمر‬ ‫يتعلق بتناظر الصور بين مآتيين تتعاكس فيهما‪.‬‬ ‫لكن التناظر ليس مطابقا لأن ما يعكسه نظام القول يبقى دائما مقصورا على ما يدركه من موضوع‬ ‫القول وليس كله‪ .‬وكل المشكل هو توهم ما يدركه نظام القول هو ثمرة علاقة بين ذات وموضوع‬ ‫لكأن الإدراك هنا يعني العملية النفسية عند الأفراد وليس علاقة بين نظامين يتجاوزان الافراد‬ ‫والمدارك النفسية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪59‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فكل منطق لا يمكن أن يتجاوز دور الأداة للعبارة عما يدرك البشر من نظام مناسب للغرض‬ ‫في النظر المعرفي وفي العمل القيمي لا يكون من دون تحيل متمثل في ظن الثالث المرفوع يمكن أن‬ ‫يصبح موضوعا في كيان الأشاء ويؤدي في آن دور الحد الأوسط بينها ويبقى واحدا فلا يزدوج‪.‬‬ ‫رفعه الأرسطي في كيان الشيء جعله يضعه بين الكيانات‪ .‬وضعه الهيجلي في كيان الشيء دون أن‬ ‫يضاعفه جعل الوقوف عند الثلاثة تحكميا لأن ما بين الأشياء من وصولات لامتناهية وهي غير ما‬ ‫فيها من وصل بين حديها في تثليثه الموفق بين النقيضين توفيق تجاوز إلى الحصيلة‪ .‬فالحد الأوسط‬ ‫لا يتوسط بوحدته بل بازدواجه لأن المشترك فيه هو التفاته المضاعف إلى الحدين أو هو بالذات‬ ‫التفات الحدين أحدهما إلى الثاني وهما عين ازدواج الحد الأوسط‪.‬‬ ‫وإذن فبخلاف ما تصور أرسطو لا يمكن أن تكون العلاقة بين الحدين الأكبر والأصغر ذات دلالة‬ ‫واحدة‪ .‬فهي دائما ذات اتجاهين من أول إلى ثان ثم عكسها من ثان إلى أول وأن ذلك هو أدنى‬ ‫تعدد لدلالته‪ .‬ويمكن أن تكون منفتحة على ما لا يتناهى من المعاني فيه وفي ما يترتب عليها في‬ ‫الحدين اللذين يتوسط بينهما والتي قد تكتشفها تجربة مجرى الوجود سواء كان طبيعيا أو‬ ‫تاريخيا‪.‬‬ ‫ذلك أن علاقة الأول بالثاني تتجاوزه إلى كل ما يتعلق به وعلاقة الثاني بالأول تتجاوزه إلى كل‬ ‫ما يتعلق به فيتحقق في آن حفظ الهويات واستقرارها والوصل بينها في ما حولها بشبكة النظام‬ ‫الجامع لها في الخطاب وفي موضوعه‪.‬‬ ‫لم أعد بحاجة للكلام في وهاء التثليث الهيجلي والمنطق ذي القيم الثلاثة الذي ظنه صاحبه‬ ‫متجاوزا لمنطق أرسطو ذي القيمتين وخاصة بعد رده المتافيزيقا إليه ولم يقصره على كونه للعلاج‬ ‫المنطقي‪-‬وهو وهم لأن منطق أرسطو هو بدوره مثلث القيم إذ إن شرطه فاعليته رفع القيمة‬ ‫الثالثة ‪-‬انطلاقا مباشرا منهما بل سأنطلق من مبدأ الزوجية الوجودية في كيان الشيء نفسه وليس‬ ‫القيمية في العلاج المنطقي باعتبار الزوجية هي الحد الأدنى لوجود علاقة بينهما سواء كان الحدان‬ ‫منفصلين أو متصلين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪60‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وعندي أن تحديد القيم المنطقية صار مشكلا لعدم تحليل مبدأ الزوجية وخاصة لعدم فهم صنفي‬ ‫تحققه في الأشياء المنفصل والمتصل‪ .‬فلو أخذناه بمعناه البايولوجي لأدركنا الفرق بين الصنفين‪.‬‬ ‫فالزوجان يمكن أن يكونا كائنين مستقلا أحدهما عن الثاني مثل الذكورة والأنوثة‪-‬أو مكونين‬ ‫لنفس الكائن كأن يكون الكائن جامعا ببن الذكورة والأنوثة‪ .‬وهذا موجود خاصة في الكثير من‬ ‫النبات‪ .‬ولعل ذلك هو علة توهم العلاقة بين المقومين واحدة وإهمال زوجيتها هي بدورها لأن لها‬ ‫اتجاهين مختلفان تماما‪.‬‬ ‫صحيح ان الجمع بين الجنسين يمكن أن يحافظ على الثمرة كما في بعض الحيوان وبعض النبات وقد‬ ‫يلغيها لأحدهما كما في جمع الفرد بين الجنسين فيكون له صفة الذكر وصفة الانثى في فعل الجنس‬ ‫مثلا فلا ينجب بصفته الانثوية وينجب بصفته الذكورية‪ .‬وكلنا يعلم أن الزوجية المنفصلة‬ ‫والزوجية المتصلة كلتاهما موجودة في النبات وفي الحيوان سواء تعلقتا بالتفاعل الجنسي في انتاج‬ ‫الثمرة من اللقاء بين حديها أو لم تتعلق بالمنتج منه للثمرة‪.‬‬ ‫والاشكالية الوجودية في الزوجية المتصلة عند الإنسان خاصة أي كونه بدنا وروحا عولجت دائما‬ ‫من منظور العلاقة بينهما إذ الغالب هو الفصل بينهما في رؤية تجعل البدن مملوكا للروح أو أداة‬ ‫للنفس في علاقة عبد بسيد من طبيعتين مختلفتين كلاهما يعرف بسلب الثاني والانتساب إلى عالمين‬ ‫مختلفين من حيث الطبيعة‪.‬‬ ‫ولعل بداية الرؤية افلاطونية وغايتها ديكارتية‪ .‬ورمز ذلك قصيد ابن سينا‪ .‬ثم صارت العلاقة‬ ‫بينهما هي عين العلاقة بين الشر والخير وهي أصل الرهبانية التي يحرمها الإسلام ومن هنا عنايته‬ ‫بالبدن والجنس ونفى عنهما ما كانا يتصفان به من التدنيس‪.‬‬ ‫لكن العلاقة في حالتي الوصل والفصل بينهما علاقة موجهة بمعنى أن كلا الزوجين في الحالتين‬ ‫يفعلان ولا يكتفيان بفعل أحدهما وانفعال الثاني وأن فعل أحد الزوجين في الثاني غير فعل‬ ‫الثاني في الأول وأننا نجهل حدود كل منهما بالقياس إلى الثاني‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪61‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فنزعم التمييز بين طبيعتيهما ونسبهما إلى عالمين مختلفين حتى وإن بدا عكس ذلك في الانجاب لأن‬ ‫العلاقة بين الزوجين سواء بين الحيوانات أو بين النبات تبدو وكأنها غير موجهة وتعطي نفس‬ ‫الأثر ولا معنى للتمييز بين اتجاهيها في ثمرة التفاعل‪.‬‬ ‫وتلك هي علة القيم الثلاث في المنطق الهجيلي لأن الزوجين متصلين عنده وهما السلب والإيجاب‬ ‫في كيان الشيء الواحد‪ .‬لكن ذلك ليس صحيحا إلا في الظاهر فلا يمكن أن تكون وحدة أ ولا أ في‬ ‫احتواء الكائن الواحد على النفي والإثبات في آن‬ ‫كما في منطق هيجل وجهين لشيء واحد وتكون العلاقة في الاتجاهين أصلا لنتيجة واحدة بل هي‬ ‫تنتج نتيجتين مختلفتين حتما حتى لو سلمنا بأن الهوية التي يعرف بها الشيء تتضمن هذا التناقض‬ ‫في ذاتها الواحدة‪:‬‬ ‫‪-1‬من أ إلى لا أ‬ ‫‪-2‬ومن لا أ إلى ألف‪.‬‬ ‫وهما متقابلان ومختلفان حتى وإن حصلا في كيان واحد هو الحد الثالث الذي يتجاوز الإثبات‬ ‫والنفي في الحصيلة التوليف بين المتناقضين بالمعنى الهرقليطي‪ .‬فتجاوز الإثبات والنفي عندما‬ ‫يكون من الأول إلى الثاني غير ما يكون عليه عندما يكون من الثاني إلى الأول‪.‬‬ ‫فلو أخذت الفرد الإنساني وطبقت الزوجية المتصلة عليه بأن اعتبر بدنه أ ووعيه ببدنه \"لا أ\"‬ ‫لأمكن أن أميز بين تأثير البدن في اللابدن (الوعي) وتأثير اللابدن أو الوعي في البدن‪ .‬وهما‬ ‫نتيجتان مختلفتان تماما في بينهما وفي ما بين الحدين فيصبح لدينا أربعة حدود‪:‬‬ ‫• البدني‬ ‫• اللابدني‬ ‫• أثر البدني في اللابدني‬ ‫• أثر اللابدني في البدني‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪62‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وأصلها جميعا هو الكيان الواحد مزدوج التقويم دون أن نعلم طبيعة الفصل بينهما لأن العلاقة‬ ‫ذات الاتجاهين هي سر الوحدة بينهما وهي توحد باتجاهيها وبثمرتيهما المختلفتين‪ .‬وذلك هو الحد‬ ‫الأدنى من قيم الكيان أي كيان مؤلف من الحد الأدنى من الحدود أي الزوجية شرطا في وجود‬ ‫العلاقة الأبسط الممكنة بين حدين كل منهما يؤثر في الثاني تأثيرا مختلفا ويوحدها كلها أصل هو‬ ‫الزوجية المنفصلة أو المتصلة في جميع الكائنات الحية‬ ‫بل في كل الموجودات وما يترتب عليها بنوعيها التخميس الحتمي لان كل زوج يتولد عنه فاعليتان‬ ‫كلتاهما تتجاوزهما إلى ثمرة مضاعفة منصلة أو متصلة فيتواصل التثامر إلى غير غاية مع المحافظة‬ ‫على وحدة الهوية التي هي تفاعل حدي زوجيتها في الاتجاهين‪.‬‬ ‫ويصح ذلك على نظام الروامز ونظام المرموزات وكل شيء رامز لكل شيء بموقعه في النظام لكل‬ ‫عناصر النظام ومرموز به من كل مواقع عناصر النظام مثل النظام الفلكي الكوني‪ .‬وهذا المعنى‬ ‫هو جوهر الثورة التيمية التي لم تعد ترى في ما ظنه أرسطو جواهر ثوان مقومة للأشياء شيئا آخر‬ ‫غير رموز لا علاقة بجواهر الأشياء ولا بتقويمها بل هي مقدرات ذهنية نظرية للكلام عليها وقياسا‬ ‫عليها وضعت مفهوم المقدرات الذهنية العملية‪.‬‬ ‫ومن ثم فهي لغة مثل اللغة الطبيعية لكنها أكثر التصاقا بالمعاني الكلية وأقدر على تحقيق التناظر‬ ‫النسبي الممكن بين ما ندركه من الأشياء بصورة دائمة التغير لأن كل إدراك قابل لأن يكون هو‬ ‫بدوره موضوع إدراك بلا حد حتى يشمل لوازم اللاوازم في نظام العالم كله الذي يبقى مستحيل‬ ‫التحقيق ومن ثم فلا وجود لعلم مطابق ولا لتقييم مطابق‪:‬‬ ‫• وإذن فالمعرفة اجتهاد نظري وعقدي لا يكون مطابقا للوجود الطبيعي أبدا‪.‬‬ ‫• وإذن فالقيمة جهاد عملي وشرعي لا يكون مطابقا للوجود التاريخي ابدا‪.‬‬ ‫وهو ما يثبت أن في الطبيعة وفي التاريخ بعد غيبي يمتنع الوصول إليه لأن ما ندركه من‬ ‫الوجودين متناه وهما لامتناهيان ولا يقبلان الرد إلى الإدراك وهذه هي ثورة ابن تيمية في النظر‬ ‫والعقل وثورة ابن خلدون في العمل والشرع في محاولتهما تأويل ثورتي الإسلام وصوغها فلسفيا‬ ‫لتحقيق شروط الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪63‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-‬‬ ‫لا أنفي أن التمهيد الذي بدأت به القسم الثاني شديد التعقيد لعلتين‪ .‬فهو شديده بذاته ويزداد‬ ‫شدة بسبب قطعه مع أهم الكليشيهات السائدة حول تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة‪ .‬فهذه‬ ‫الفلسفة لم يسيطر منها على متعاطيي الفكر الفلسفي في ثقافتنا الحديثة إلا ما كان قد سيطر عليها‬ ‫في ثقافتنا الماضية‪ :‬القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية ومن ثم اعتبارها حقائق سرمدية‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى ففلاسفتنا القدامى لم يفحصوا القرآن الفحص الجدير به لفهم رؤيته لنظرية المعرفة‬ ‫ولنظرية القيمة بل هم قرأوه بالرؤية التي ورثوها من الفلسفة اليونانية القائلة بالمطابقتين بل‬ ‫إن علم الكلام نفسه لم ينج من هذه التبعية إذ إن الاعتزال قال بهما معا والاشعرية قالت بنصفها‬ ‫أعني بالمعرفية دون القيمية‪.‬‬ ‫لذلك فهم جعلوها المرجع النهائي ولا فرق بين المحدثين والقدامى‪ .‬فما كان افلاطون وأرسطو‬ ‫لهؤلاء صار هيجل وماركس لأولئك‪ .‬لم يفهموا استحالة المطابقتين ومن ثم أن كل معرفة وكل‬ ‫تقييم اجتهاد في النظر والعقد وجهاد في العمل والشرع‪ .‬فليس للإنسان علم محيط وليس له عمل‬ ‫تام‪.‬‬ ‫لم يفهموا أن الفكر الإنساني لا يمكنه أن يتجاوز الرؤية الاجتهادية التي هي بالجوهر رؤية لعالم‬ ‫تصوري يخط في نظام الرموز المعبرة عما يدركه الإنسان وليس عن الحقيقة في ذاتها وهي من ثم‬ ‫أشبه بالعالم الافتراضي في علاقته بالعالم الفعلي في تاريخ الإنسانية من حيث هو علاقة بمحيطيها‬ ‫الطبيعي والثقافي‪.‬‬ ‫كل الوهم المتمثل في اعتبارها حقائق وخاصة حقائق نهائية يرد إليها كل ما عداها توهما بأن‬ ‫الإنسان مجبر على الاختيار بين القول بوجود الحقيقة والقول بقدرة الإنسان على الاحاطة بها‬ ‫من جهة أولى أو نفي الاحاطة بالحقيقة ووجودها من جهة ثانية اعتبار الفكر الإنسان‪.‬‬ ‫وهذا الخيار هو الذي آل إما إلى الالحاد أو إلى رد الأديان إلى الخرافة والفلسفة إلى الحقيقة‬ ‫المطلقة مرجعا تعير به الرؤية الدينية بما يسمى رد المنقول إلى المعقول‪ .‬تلك هي علة الخرافة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪64‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫\"العقلانية\" التي يزعم اصحابها ممن تسكرهم زبيبة العقلانية السطحية الإحاطة لأرسطو‬ ‫وأفلاطون قديما ولهيجل وماركس حديثا الصراع الدائم بين العقلي والنقلي وبين الفلسفي‬ ‫ترجمانا للعقلي والديني ترجمانا للنقلي‪.‬‬ ‫فلكأن العقلي يتجاوز الخيالي من دون نقلي لأنه بذلك لا يتجاوز الافتراضي والنقلي من دون‬ ‫عقلي مثله يتجاوز لأنه بذلك لا يتجاوز الافتراضي كذلك‪ .‬فالعقلي من دون النقلي شكل عديم‬ ‫المضمون والنقلي من دون العقلي مضمون عديم الشكل‪:‬‬ ‫ولما كان الشكل عديم المضمون لا يمكن أن يكون علما بالموجود بل هو إما من المقدرات الذهنية‬ ‫الخاضعة لنظام منطقي صارم‬ ‫أو من المقدرات الخيالية التي تتحرر من المنطق لتصبح هذيانا يمكن أحيانا أني يصادف شيئا من‬ ‫غليان الوجود فيعتبر شطحا صوفيا‪.‬‬ ‫لكن المعرفة الإنسانية الممكنة وهي اجتهادية دائما لا تتجاوز محاولات للجمع بين الشكلي ذي‬ ‫النظام المنطقي والمضموني ذي النظام المنطقي للتعامل مع ظاهرات الطبيعة وظاهرات التاريخ‬ ‫بالقدر الذي يمكن للإنسان يسيطر على ما فيهما من سيلان لا يمكن الامساك إلا بالقليل النادر‬ ‫منه‪.‬‬ ‫فما نعمله بالقياس إلى ما نجله لا يكاد يتجاوز الصفر‪ .‬لذلك فإني سأنطلق في محاولة لعلاج أهم‬ ‫مسألة في الإبستمولوجيا وفي الأكسيولوجيا أي في نظرية المعرفة والعلم وفي نظرية القيمة والعمل‬ ‫انطلاقا من الفرضيتين التاليتين‪:‬‬ ‫‪-1‬الأولى تضع أن الطريقة الوحيدة لاختبار النظر والعقد اللذين يبدعهما الإنسان بعملية‬ ‫التقدير الذهني النظري وتطبيقها على التجربة الطبيعية وأنه لا يمكن تصور العكس فلا يمكن‬ ‫الانطلاق من التجربة الطبيعية من دون التقدير الذهني النظري الذي يمكن من العبارة عن‬ ‫نظامها المفترض قانونا لها إذ عدم صوغه الصريح لا يدل على عدمه حتى وإن كان مسكوتا عنه‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪65‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فلا بد أن يكون الناظر قد افترض نظاما ما في موضوع البحث وهو درجة أولى من التقدير‬ ‫الذهني النظري وقد تكون التجربة قد أوحت بإدراكه الفرضي لكن الموحد حينئذ هو كون‬ ‫الإدراك ممتنع من دون نظام تقدير هو معنى الفكر النظري بلغة ابن خلدون ولنقل حاليا إنه‬ ‫مميز الإنسان‪ .‬لكني اعتقد أنه مبدأ كلي هو عين علاقة الأشياء بعضها بالبعض وهو معنى تعالقها‬ ‫الوجودي‪ .‬ويمكن اعتبار الفالنس في الكيمياء من هذا الجنس‪.‬‬ ‫‪-2‬الثانية من جنس الأولى أو الأولى من جنس الثانية وتضع أن مبدأ الطريقة الوحيدة لاختبار‬ ‫العمل والشرع اللذين يبدعهما الإنسان بعملية التقدير الذهني العملي وتطبيقها على التجربة‬ ‫التاريخية وأنه لا يمكن تصور العكس بمعنى أنه لا يمكن الانطلاق من التجربة التاريخية من دون‬ ‫التقدير الذهني العملي إذ عدم صوغه الصريح لا يدل على عدمه حتى وإن كان مسكوتا عنه‪ :‬فلا‬ ‫بد أن يكون العامل قد افترض نظاما ما في موضوع العمل وهو تقدير ذهني يمكن اعتبار التجربة‬ ‫قد أوحت به لكنها لا يمكن أن تكون أصله‪.‬‬ ‫إذ إن العامل لا بد أن يكون قد افترض نظاما ما في موضوع العمل وهو درجة أولى من التقدير‬ ‫الذهني العملي‪ .‬والموحد ليس نظاما في الشيء بل هو معنى الفكر العملي بلغة ابن خلدون وهو كما‬ ‫قلت في الأولى مبدأ كوني يشمل جميع الموجودات وهو معنى تعالقها الوجودي‪ .‬ويمكن اعتبار‬ ‫التجاذب بين الجنسين مثلا من هذا الجنس‪ .‬وقد شرحت في محاولات سابقة القصد بالجمع بين‬ ‫النظر والعقد أولا ثم بين العمل والشرع ثانيا‪.‬‬ ‫• فالجمع الأول هو موضوع نظرية المعرفة (الابستمولوجيا)‬ ‫• والجمع الثاني هو موضوع نظرية القيمة (الأكسيولوجيا)‬ ‫والمعلوم أن ما كان ينقص الفكر الاشعري أنه رفض الاكسيولوجيا المعتزلية لكنه لم يشفعها برفض‬ ‫الابتسمولوجيا الفلسفية‪ .‬وذلك هو قدم أخيل في الرؤية الأشعرية‪ .‬والمعتزلة يقولون بالمطابقتين‬ ‫الابستمولوجية الاكسيولوجية ولذلك فرؤيتهم أفسد من الرؤية الاشعرية لأنها زائفة‬ ‫ابستمولوجيا واكسيولوجيا‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪66‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويمكن القول إن الحداثيين من مفكري العرب غير مخطئيين عندما يعتبرون أنفسهم مواصلين‬ ‫للفلسفة العربية الوسيطة وللاعتزال لأنهم يجدون في هيجل وماركس ما وجده القدامى في‬ ‫افلاطون وأرسطو‪ .‬وبهذا يفهم الجابري مثلا لم يخرج عن القول بالمطابقتين ونظرية أرواح‬ ‫الشعوب رغم أنه ليس ماركسيا لأنه وإن لم يبن ذلك صراحة في خطابه يمكن اعتباره هيجليا لان‬ ‫الكلام على \"العقل العربي\" و\"الأخلاق العربية\" الخ‪ ..‬لا يختلف كثيرا عن القول بأرواح‬ ‫الشعوب‪.‬‬ ‫ومهما حاول طه عبد الرحمن ادعاء الخصوصية فهو في الحقيقة لم يخرج القول بالمطابقتين وعن‬ ‫نظرية أرواح الشعوب إذ لا معنى للخصوصية إذا لم تكن مستندة إلى تمايز بين ارواح الشعوب‬ ‫وهي دونها منزلة لأن أرواح الشعوب الهيجلية تنتهي على الاقل إلى وهم الروح المطلق‬ ‫(المسيحية) الذي يؤسس للعلم المطلق والعمل التام والذي يجعل تاريخ العالم هو المحدد والحكم‬ ‫النهائي‪.‬‬ ‫والتغطية بالدين الإسلامي لا تكفي لأن القرآن يميز بين امرين أحدهما معلوم وهو عدم رفض‬ ‫الأديان كلها من حيث هي أمر واقع ويعتبر الحسم في ما بينها من الغيب ولا يكون إلا يوم الدين‪.‬‬ ‫ومن ثم فلا يمكن أن يكون ما في الإسلام من حيث هو الدين عند الله من المعلوم لا بالضرورة ولا‬ ‫بالعرض‪ .‬ولا تبنى عليه فلسفة إذا لما يكن ما فيه هو بدروه فلسفيا بمعنى لا يتأسس على علم‬ ‫بالغيب عن طريق الوحي لأن الوحي ليس فيه علم بالغيب وإلا لما بقيت الرسالة رسالة‪.‬‬ ‫وقد ضربت هذين المثالين لكن الكلام يصح على كل المفكرين العرب المحدثين صحته على القدامى‬ ‫كلهم في ما يتعلق بالقول بالمطابقتين حتى وإن كان مصدر هؤلاء افلاطون وارسطو ومصدر أولئك‬ ‫هيجل وماركس‪ .‬ولم أذكر غير الجابري وطه عبد الرحمن لأن البقية لا يخفون الهيجلية‬ ‫والماركسية ويكفي ضرب مثالين آخرين‪ :‬فالطيب التيزيني ماركسي وحسن حنفي هيجلي أو‬ ‫بالأحرى فيورباخي‪.‬‬ ‫ولا يوجد من بين من يدعون التفلسف عامة والتفلسف في العلاقة بين الديني والدنيوي في القديم‬ ‫والحديث من بين المفكرين المسلمين من تحرر من القول بالمطابقتين على حد علمي غير من‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪67‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫اعتبرتهم مؤسسين للمدرسة النقدية العربية رغم أن أولهم مزدود الموقف لأن ما سماه طور ما‬ ‫وراء العقل ليس بالضرورة نفيا للمطابقة عامة بل هو ينفيها عن العقل الفلسفي دون الكشف‬ ‫الصوفي‪ .‬فلا يبقى إلى ابن تيمية وابن خلدون‪.‬‬ ‫وبذلك يمكن أن أتجاوز خرافة التقابل بين الديني والفلسفي من حيث نظرية المعرفة ونظرية‬ ‫القيمة سواء في الصواب أو في الخطاء‪ :‬فالقول بالمطابقة فيهما خطا فيهما وهو المقصود بالتحريب‬ ‫والصواب هو القول بعدم المطابقة لحصرها في علم الله وعمله‪.‬‬ ‫ويترتب على ذلك أن رؤية النظر والعقد والعمل والشرع واحدة في الدين وفي الفلسفة وأن‬ ‫المقابلة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية شديدة النسبية لأنها من كم دور العلوم الأدوات‬ ‫وكم تعقيد الموضوع وليس من معنى حقيقة العلم وحقيقة القيمة‪ .‬ليست فرقا كيفيا ولا معنى‬ ‫لخرافة التقابل بين العقل والنقل وبين حقيقة عقلية يرد إليها النقل لان النسبية في النوعين‬ ‫واحدة وهي علة امتناع القول بالمطابقة المعرفية والقيمية (لعدم الإحاطة) وحقيقة الدين التي‬ ‫تبين نسبيته وامتناع القول بالمطابقة القيمية والمعرفية (لعدم علم الغيب)‪.‬‬ ‫ومن ثم فنفي القول بالمطابقتين المعرفية والقيمية فيهما كليهما هو الحقيقة الوحيدة التي من دون‬ ‫التسليم به بوصفه بداهة البداهات يستحيل وضع نظرية النظر والعقد ونظرية العمل والشرع‬ ‫وضعا سليما‪ .‬والاساس ديني وفلسفي وهو واحد رغم اختلاف التسمية للمفهوم الحد المفيد لهذا‬ ‫المعنى وهو الغيب في الدين وحدود الإدراك الإنساني في نظرية النظر والعقد القدرة في نظرية‬ ‫العمل والشرع‪.‬‬ ‫والثمرة الجوهرية لهذه الرؤية هي الوعي بالواحد المشترك بين الفلسفي والديني وهو عين‬ ‫مبدأ الزوجية في التجهيز الإنساني ولذلك العلة أضفت إلى مفهوم النظر مفهوم العقد واضفت‬ ‫إلى مفهوم العمل مفهوم الشرع‪\":‬‬ ‫• فالنظر أساسه فحص لشك والعقد إيمان بحقيقة‪.‬‬ ‫• والعمل اساسه تنظيم لفوضى والشرع إيمان بقيمة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪68‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فالوعي الإنساني بالحقيقة وبالنظام في كيانه العضوي والروحي وفي كيان موضوعاته المادي‬ ‫والروحي هو الجهاز الذي يمكن الإنسان من الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها‪ .‬ولا فرق‬ ‫حينئذ بين أن يدركه الإنسان في شكل وحي يعبر عنه بالتذكير أو في شكل عقل يعبر عنه بالتفكير‬ ‫فكلاهما تدبير للاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫وكلاهما تلق لمضمون وصوغ لشكل‪ .‬وكلاهما فيه انفعال موجود وفعل في موجود لكنهما الانفعال‬ ‫والفعل متفاعلان وهما من نفس الطبيعة وهما تفاعل في الاتجاهين بين نظامين مترامزين أحدهما‬ ‫في كيان العالم الطبيعي والتاريخي والثاني في كيان الإنسان العضوي والروحي‪.‬‬ ‫وكلاهما يفيد نفس المعنى أي القدرة على إدراك هذا التفاعل بين كيان الإنسان وكيان العالم‬ ‫الشاهد بوصفه رامزا لنظام ما في الوجود ليس من صنع الإنسان حتى وإن كان صانعا للعبارة عنه‬ ‫في العالم الثاني الذي يضاعف عالم الشهادة الطبيعي والتاريخي خارج النظام الرمزي الذي له هو‬ ‫بدروه كيان طبيعي وتاريخي‪ :‬فينتج ظرفين طبيعيين هما المكان والزمان لامحدودين للوجود‬ ‫الفعلي الطبيعي والتاريخي لكل شيء‪.‬‬ ‫عندنا إذن عالمان كلاهما طبيعي وتاريخي أحدهما نعتبره عالم الأشياء الطبيعية والتاريخية‬ ‫والثاني نعتبره عالم رموز الأشياء الطبيعية والتاريخية وهو عالم له هو بدوره طبيعته وتاريخه‪.‬‬ ‫فينتج من ثم أن لنا‪ :‬فينتج ظرفين رمزيين هما المكان والزمان للوجود الرمزي المحدود لما ندركه‬ ‫من الظروف الأربعة‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فالمكان والزمان الرمزيين مظروفين للمكان والزمان الطبيعيين والتاريخيين للأشياء‪.‬‬ ‫لكنهما كذلك ظارفان لهما أو على الاقل لما ندركه منهما ولما نتخيل أنه ممكن الإدراك فيهما‪ .‬وإذن‬ ‫فموضوع النظر والعقد يتعلق بمعاني الظرف الأول وموضوع العمل والشرع يتعلق بمعاني الظرف‬ ‫الثاني‪.‬‬ ‫فيصبح اللقاء بين نوعي الظرف وكأنه بين الطبيعة بصورة عامة والإنسان بصورة عامة فيكون‬ ‫كلاهما ظارفا ومظروفا من جنس ظارفية الخارطة الجغرافية للمعلوم من الكرة الأرضية والخارطة‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪69‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫الفلكية من الكون‪ .‬وهذه الزوجية التظارفية مضاعفة فهي معرفية وقيمية وذلك هو جوهر‬ ‫الإشكاليتين اللتين تثملان موضوع الابستمولوجيا والاكسيولوجيا‪.‬‬ ‫ويترتب على ذلك ثورة أنسبها إلى القرآن لم تعرفها الإنسانية ثورة تجعل المعرفة لا تتجاوز‬ ‫الاجتهاد والعمل لا يتجاوز الجهاد فيضفي عليهما النسبية التي تنفي المطابقتين حصرا للعلم المحيط‬ ‫والعمل المتام في القدير على كل شيء أي الخالق والأمر واعتبار الاجتهاد والجهاد بعدي‬ ‫الاستخلاف الذي يكون بهما قادرا على الاستعمار في الكون والاستخلاف فيه‪.‬‬ ‫فيكون ما اريد الكلام عليه في هذه المحاولة هو اهمية هذه الزوجية التي تمكننا من أن‪:‬‬ ‫‪-1‬نتجاوز خرافة العلاقة بين الذات والموضوع في المسألة الابستمولوجية والمسألة الأكسيولوجية‬ ‫وهي العلاقة التي تؤول إلى إشكالية مستحيلة العلاج وهي إشكالية الانتقال من احوال النفس إلى‬ ‫المعرفة والتقييم اللذين يتجاوز احوال النفس وحصر الأمر في ظاهرات الوعي الفردي فيكون‬ ‫التواصل بين البشر مستحيلا إذ يكون كل فرد منطويا على نفسه ولا قدرة له على التواصل مع‬ ‫المنطوين مثله على أنفسهم‪.‬‬ ‫كما أن نفس الظاهرة تتكرر لأن الثقافات الجزئية إذا سلمنا بوجودها في حالة الذاتية الفردية‬ ‫تصبح أيضا مستحيلة لأنه لا وجود لما يمكن التواصل بينها وتصبح الترجمة مستحيلة ليس بين‬ ‫الوجود والإنسان فحسب بل بين الإنسان والإنسان بل وحتى بين الإنسان وذاته لأن لحظاتها‬ ‫المتوالية ليس متماثلة‪.‬‬ ‫‪-2‬وبيان أنه لا توجد علاقة مباشرة بهذين المعنيين المعرفي والقيمي بين الذات إذا كان القصد‬ ‫الفرد الإنساني والموضوع إذا كان القصد شيئا محددا هو موضوع بحثه أبدا‪ .‬فالعلاقة الموجودة‬ ‫بينهما يمكن أن تعتبر نفسية وليست ابستمولوجية بالمعنى الذي ينشغل به النظر والعقد وليست‬ ‫أكسيولوجية بالمعنى الذي ينشغل به العمل والشرع‪.‬‬ ‫وبهذا المعنى فإنه إذا كان لا يوجد في كيان الإنسان وفي كيان العالم ما يصل بينهما فإنه يصبح من‬ ‫الممتنع أن يتم التواصل حتى بالحد المحدود الذي يجعله اجتهاد وجهادا وليس علما مطلقا ولا عملا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪70‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫تاما‪ .‬ولهذه العلة قدمت في القسم الأول من البحث أن الفروق العضوية في كيان الإنسان ليست‬ ‫مادية كما يزعم ارسطو بل هي أيضا صورية‪.‬‬ ‫ولا يمكن اعتبار الفرق النوعي واحدا بل هو مضاعف‪ :‬انثوي وذكري وكلاهما ممكن للرجل‬ ‫وللمرأة على حد سواء‪ .‬ومعنى ذلك أنه يمكن أن يوجد رجل له صورة انثوية وامرأه لها صورة‬ ‫ذكورية‪ .‬ولولا ذلك لاستحال أن توجد علاقة جنسية مثلية‪ .‬وبذلك فالأجناس خمسة ليست اثنين‬ ‫كما بينت في القسم الاول‪.‬‬ ‫أي لها أثر في جهازيه المعرفي والقيمي ومن ثم فلا يمكن أن تكون الفروق بين المرأة والرجل مثلا‬ ‫عضوية فحسب بل هي كذلك روحية دون أن يكون في ذلك مفاضلة بينهما إذ لو كان ذلك يقتضي‬ ‫المفاضلة لاقتضاها بالعضوي كذلك‪.‬‬ ‫والعلامة هي الأنوثة والذكورة المحددة للميل الجنسي الغالب وما يترتب عليه من الصفات‬ ‫النفسية المختلفة دون أن تكون دالة على مفاضلة بين الرجل والمرأة لانهما يمكن أن يوجدا في أي‬ ‫منهما‪ .‬ولا يخفى عني أن ذلك لن يعجب الكاريكاتورين التأصيلي والتحديثي‪ .‬لكني لا آلو‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪71‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فاللقاء ليس بيم فردين ولا بين الذات والموضوع ولا حتى بين جماعة بعينها والموضوع ‪-‬أي‬ ‫ما يسمى بالمشترك بين الذوات‪ - Intersubjectif -‬بل هو بين العالمين المتظارفين اللذين أشرت‬ ‫إليهما‪.‬‬ ‫فالعالم الطبيعي بمكانه وزمانه اللذين هما كما حددناهما والعالم الرمزي بمكانه وزمانه اللذين‬ ‫هما كما حددناهما هما اللذان يلتقيان فيحددان خاصيات اللقاء في لحظات الوجود الناتئة بما‬ ‫يضفي عليها قابلية المعرفة وقابلية التقييم‪.‬‬ ‫ويمكن أن نصطلح على الاول بالعالم الطبيعي والثاني بالعالم الثقافي رغم استحالة الفصل بينهما‬ ‫كما يتعين ذلك في ما سماه ابن خلدون \"نحلة العيش\"‪.‬‬ ‫وتلك هي العلاقة التي للإنسان فردا كان أو جماعة والتي هي كونية تتجاوز الأفراد والجماعات‬ ‫وهي مضاعفة ومتعامدة واحدة بين الإنسان والطبيعة والثانية بين الإنسان والإنسان‪ .‬لكن لا‬ ‫يمكن لأي منهما أن تحصل من دون توسط الثانية‪:‬‬ ‫‪-1‬فعلاقة الإنسان بالطبيعة يمكن اعتباره التبادل العضوي بينه وبينها لأنه يستمد منها شروط‬ ‫قيامه العضوي لكن ذلك يمر حتما بعلاقته بالثقافة الذي يمكن اعتباره التواصل الرمزي بينه‬ ‫وبينها لأن يستمد منها قيامه الروحي‪.‬‬ ‫‪-2‬وعلاقة الإنسان بالثقافة يمكن اعتباره التواصل الروحي بينه وبينها لكنه غاية التواصل تكون‬ ‫روحية إذا كانت غاية ذاتها وهي عضوية عندما تصبح أداة في خدمة التبادل مع الطبيعة أعني‬ ‫تبادل الخبرة في علاج إشكالات العلاقة بالطبيعة وتكل هي وظيفة العلوم وتطبيقاتها والقيم‬ ‫وتطبيقاتها‪.‬‬ ‫وقد حددنا ما بين العالمين الطبيعي والثقافي من تناسب قياسا على التناسب بين الكون وخارطته‬ ‫التي يتعامل الإنسان معه بتوسطها والتي ترمز إلى إما يدركه منه ويقيمه إما ما حصل منهما أو‬ ‫متوقع الحصول ووراءهما معا‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪72‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ما يفترض عليه العالمين من نظام يبقى دائما افتراضيا سواء بالأسلوب الفلسفي أو بالأسلوب‬ ‫الديني‪ .‬ويمكن اعتبار منطق المعيار الذي منه ينطلق الفرد الإنساني قابلا للرد إلى‪:‬‬ ‫‪-1‬النظام التراتبي بين الأفراد في الجماعة وبين الجماعات في الإنسانية بثمرة العلاقة بالأول‬ ‫وهي الثروة‪.‬‬ ‫‪-2‬النظام التراتبي بين الافراد في الجماعة وبين الجماعات في الإنسانية بثمرة العلاقة بالثاني‬ ‫وهي التراث‪.‬‬ ‫وإذن فالرؤى التي ينظر منها الأفراد والجماعات للعلاقة بين الذات والموضوع لا تكون‬ ‫ابستمولوجية ولا أكسيولوجية خاصة إلا بالمنظار المحدد للموقف القضوي وليس للمضمون القضوي‬ ‫انطلاقا من نحلة العيش التي يحددها توالج هذين العالمين المتظارفين وبصورة أدق التظارف هو‬ ‫المحدد النهائي‪.‬‬ ‫والتظارف لا يحصل فيه تطابق لأن الظرف الكوني لا يقبل الرد إلى الظرف المحدد لرؤى الإنسان‬ ‫للظرف الكوني‪ .‬فالموقف القضوي رؤية وليس حقيقة مطابقة لأنها لا ستنفد المضمون القضوي‬ ‫الذي يبقى دائما مطلوب القدرة على الوعي بالفرق بين الاجتهاد والعلم المحيط والوعي بالفرق‬ ‫بين الجهاد والعمل التام‪:‬‬ ‫‪-1‬العامل الناتج عن منزلة الفرد في السلم الاجتماعي المترتب على رتب الثروة والجماعة في‬ ‫الإنسانية بنفس المعنى المحدد للتراتب‪ .‬ويمكن اعتبار ذلك من علامات دور الفرد ودور الجماعة‬ ‫في تحقيق شروط قيام الإنسان العضوي أو دورهما في الاستعمار في الأرض‪.‬‬ ‫‪-2‬العامل الناتج عن منزلة الفرد في السلم الاجتماعي المترتب على رتب التراث والجماعة في‬ ‫الإنسانية بنفس المعنى المحدد للتراتب‪ .‬ويمكن اعتبار ذلك من علامات دور الفرد ودور الجماعة‬ ‫في تحقيق شروط قيم الإنسان الروحي أو دورهما في الاستخلاف‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪73‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كنت قد صنفت الأفراد بمعيار الأفعال المتعلقة بالإرادة الرؤية ثم بالمعرفة والذوق واعتبرت‬ ‫القدرة حصيلة هذه العوامل الاربعة أو ذروته الهرم الذي قاعدته مربعة هي الإرادة والرؤية‬ ‫المعرفة والقيمة أو الذوق‬ ‫ولما كان ترتيب الجماعات في الإنسانية خاضعا لما يترتب على ترتيب الافراد في الجماعة التي‬ ‫نسبتها إلى الإنسانية شبيهة بنسبة الفرد إليها فإن هذين العاملين يرتبان الأفراد والجماعات في‬ ‫كل صنف منهما‬ ‫بحيث إن كل فعل يكون محددا برتبة صاحبه فردا كان أو جماعة في نظام السلم الذي ينتج عن‬ ‫الثروة وفي نظام السلم الذي ينتج عن التراث‪.‬‬ ‫والنظام الجامع بينهما هو نظام السلطة السياسية في أي جماعة وفي العالم ‪-‬العولمة ليست ظاهرة‬ ‫حديثة فهي ملازمة للإنسانية المتساوق منها والمتوالي‪-‬وهي التي تجمع بين السلطان على الاستعمار‬ ‫في الأرض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫فيكون المحدد الأصلي هو \"نحلة العيش\" التي تحدد المواقف القضوية والمحدد المترتب عليها هو‬ ‫نظام الحكم الذي يرتب أصحابها بهما تتحدد المراحل الأبستمولوجية والاكسيولوجية مع تقديم‬ ‫الثانية على الأولى دائما‪.‬‬ ‫وهذه قطيعة مطلقة مع الرؤية الفلسفية الموروقة عن اليونان والتي تعلل كل الفلسفة العملية‬ ‫بمقومات النفس الثلاث أي العقل والغضب والشهوة‪ .‬بمعنى أن القيم هي الغاية في الوجود‬ ‫الإنساني وهي المعنى الحقيقي للروحي فيه‪.‬‬ ‫والمعارف هي الأدوات فيه وهو المعنى الحقيقي للعضوي فيكون التراتب بين الفلسفة العملية‬ ‫والفلسفة النظرية الناتج عن هذا الانقلاب الخلدوني عكس ما كان عليه عند اليونان‪ :‬العلوم‬ ‫الطبيعية توابع للعلوم الإنسانية لأنها من أدواتها‪.‬‬ ‫ومن ثم فالقيمي مستوى أرقى من المعرفي لأنه هو الذي يرمز للحرية التي تجعل الإنسان يستعمله‬ ‫في الخير أو في الشر وفي الجميل أو القبيح وفي الحق أو الباطل وفي الجليل أو الذليل وهي‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪74‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫المستويات الخمسة للقيمة في الوجود الإنساني وهي تتغير بتغير \"نحلة العيش\" كما حدد ابن‬ ‫خلدون معادلتها التي خصص لها الباب الأول من المقدمة‪:‬‬ ‫‪-1‬الطبيعة والمناخ وما يوفرانه للإنسان من شروط القيام العضوي وتأثيرهما فيه‬ ‫‪-2‬أفعال الإنسان الذهنية والعضوية وما يترتب عليها في علاج الاستعمار في الأرض‬ ‫‪-3‬فعل الاول في الثاني ويترتب عليه التراث الذي هو تراكم حصيلة الافعال الذهنية والخبرة‬ ‫الذي يحصل في التظارف بينهما‪.‬‬ ‫‪-4‬فعل الثاني في الأول ويترتب عليه الثروة التي هي تراكم حصلة الافعال العضوية والخبرة‬ ‫الذي يحصل في التظارف بينهما‪.‬‬ ‫‪-5‬والحصيلة هي نحلة العيش في الوجود الفعلي وعنها تترتب الرؤية المعرفية والقيمية التي تمثل‬ ‫مرجعية الفرد والجماعة وبها يتم التواصل بين الافراد والجماعات المتجاورة قاعدة لرؤية الوجود‬ ‫وللمواقف القضوية في المعرفة وفي القيم‪.‬‬ ‫وهذه النحل والرؤى هي التي تحدد حقب التاريخ ولا علاقة لها بخرافة أرواح الشعوب ولا‬ ‫بالطبقات لأنهما نتيجة وليسا علة لما يحصل في التاريخ الذي هو التلاقي بين العالمين الطبيعي‬ ‫والرمزي والذي له قوانين وسنن لا تتغير بأحد العاملين المبسطين والجدل بينهما في الرؤية‬ ‫الهيجلية والماركسية فضلا عن العوامل الثلاثة في الرؤية الأفلاطونية والأرسطية‪.‬‬ ‫فالعالمان إذ يتفاعلان ينتجان حصلتين واحدة هي التراث والثانية هي الثروة وهما إذن عاملان‬ ‫آخران لا يقلان أهمية في تحقيق المعادلة التي يمكن أن تفسر التاريخ الإنساني سواء في رؤية‬ ‫الإنسان له أو في ذاته التي تبقى دائما فرضية لا تحيط بها معرفة الإنسان ولا تقييمه‪.‬‬ ‫فهي متغيرة في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني بخلاف ما يتوهم الكثير رغم أن تغيرها‬ ‫ينتسب إلى التاريخ المديد وليس إلى التاريخ القصير‪ :‬وهما معنيان ميز بينهما ابن خلدون واعتبر‬ ‫محاولته متعلقة بالمديد وليس بالقصير وهو شرط فهم القصير‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪75‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولذلك فالتلازم بين الإرادة والرؤية هي الأصل وهي بنحو ما التأويل المحرك لأفعال الإنسان‬ ‫ترجمانا للمعادلة التي تمثلها \"نحلة\" العيش في كل الافعال الإنسانية يليهما الذوق محددا للغايات‬ ‫والمعرفة محددة للأدوات‪.‬‬ ‫ومن هذين التلازمين بين الأصل العضوي والروحي والتلازمين بين الغاية والأداة تصدر القدرة‬ ‫على شرط الاستعمار في الأرض في الجماعة وعلى الاستخلاف فيها بفضل الثروة والتراث‪.‬‬ ‫وإذن فالقاعدة التي يتأسس عليها كل شيء في الأكسيولوجيا أولا لأنها هي المحددة للمواقف‬ ‫القضوية وفي الأبستمولوجيا ثانيا لأنها هي التي تريد تجاوزها إلى المضامين القضوية هي \"نحلة‬ ‫العيش\"‬ ‫والقاعدة التي ترتب كل شيء في الرؤية التي تتحكم في الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها أي‬ ‫في منزلة الثروة والتراث هي الإرادة والرؤية وذلك هو جوهر السياسة‪:‬‬ ‫والأدوات تعود إلى المعرفة العلمية وتطبيقاتها في علاج سد الحاجات المادية أو القدرة على تقنيات‬ ‫الاستعمار في الأرض أي المناعة العضوية‬ ‫والغايات تعود إلى القيمة الذوقية وتطبيقاتها في علاج سد الحاجات الروحية أو القدرة على‬ ‫خلقيات الاستخلاف فيها أي الحصانة الروحية وبهما تتعلق معاني الإنسانية في فلسفة ابن خلدون‪.‬‬ ‫فيترتب على ذلك أن نحل العيش تمر بخمس مراحل ومثلها نظم السياسة‪:‬‬ ‫البداوة القصوى‬ ‫والحضارة القصوى‬ ‫وهما الحدان الاقصيان‪ .‬وهما المرحلة الأولى والمرحلة الأخيرة‪.‬‬ ‫وبينهما ثلاث مراحل ناقلة من الأولى إلى الأخيرة‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪76‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وفيها يتناقص دور الطبيعي ويتزايد دور الثقافي وناقلة من الأخيرة إلى الاولى وفيها يتناقص دور‬ ‫الثقافي ويتزايد دور الطبيعي‪ :‬والتلازم بين المسارين ذهابا وإيابا تمثله المدينة موضوع الباب‬ ‫الرابع من المقدمة وقبله بابان هما البداوة والدولة وبعده بابان هما الاقتصاد والعلوم‪.‬‬ ‫أما الباب الاول فهو المؤسس للمعادلة التي يتكون بمقتضاها ما يسميه ابن خلدون بنحلة العيش أي‬ ‫دور العلاقة بين مقومي التظارف المضاعفين‪:‬‬ ‫‪1‬و‪-2‬المحيط الطبيعي وأثره في الإنسان فردا وجماعة عضويا وروحيا‪.‬‬ ‫‪3‬و‪-4‬المحيط الثقافي وأثره في العالم مكانه وزمانه عضويا وروحيا‪.‬‬ ‫‪-5‬الحصيلة نحلة العيش التي تعالج مشكلتين‪ :‬الاستعمار في الأرض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫وفي الاتجاه الذاهب من أقصى البداوة إلى أقصى الحضارة يكون سلطان العالم الأول في تناقص‪.‬‬ ‫وفي الاتجاه العائد من أقصى الحضارة إلى أقصى البداوة يكون سلطان العالم الثاني في تنقاص‬ ‫وهذه الخاصية متلازمة لأن تناقص دور الطبيعي في الثقافي لا يجري في كيان العالم الخارجي‬ ‫فحسب بل هو يجري في كيان الإنسان كذلك‪ :‬فيكون الامر وكأنه جنيس العلاقة بين الحياة والموت‬ ‫كل يوم حياة إيجابا هو يوم موتع سلبا‪.‬‬ ‫والمراحل الثلاث الواصلة بين نحلة العيش الأولى ونحلة العيش الاخيرة هي‪:‬‬ ‫• مرحلة نشأة الدولة بداية‬ ‫• ومرحلة تفكك الدولة غاية‬ ‫• والوسط بينهما هو المدينة‬ ‫وهي مرحلة الوعي بالتغير العضوي والروحي وعلامته الاساسية هي التغير الخلقي المنتقل من‬ ‫الصعود إلى النزول الحضاري في تاريخ الجماعة ذات التاريخ الكوني‪:‬‬ ‫‪-1‬نحلة العيش الأولى هي أقصى البداوة والسياسة فيها تحكمها الضرورة الموضوعية المطلقة‬ ‫‪-2‬نحلة العيش الثانية هي بداية السيطرة على شروط الاستعمار في الأرض وفيه الشكل الأول‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪77‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫من النظام أو القبلية بالثروة والتراث ويجمعهما الإرث العضوي والثقافي المستقر‪.‬‬ ‫‪-3‬نحلة العيش الوسطى هي لحظة شروع الجماعة في مأسسة السلطة السياسية وتأسيس الدولة‬ ‫بالمعنى الذي يجمع بين الشوكة والشرعية ويلازمها شعور الجماعة بأن محاولة المحافظة على الكيان‬ ‫بالتوازن بين\"‬ ‫الخروج من المرحلتين الأوليين‬ ‫ومنع الدخول في المرحلتين الأخيرتين‬ ‫وذلك هو المشكل الأساسي في السياسة أعني مشكل المحافظة على العلاقة السليمة بين الاستعمار في‬ ‫الأرض والاستخلاف فيها وهي عين العلاقة بين عالم الشهادة وعالم الغيب أعني أصل الكلام على‬ ‫ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ موضوع الفلسفة والدين مع تراتب لأن‪:‬‬ ‫الدين يذهب من ما بعد التاريخ إلى ما بعد الطبيعة‬ ‫والفلسفة تعكس الترتيب فتذهب من ما بعد الطبيعة إلى ما بعد التاريخ‪.‬‬ ‫‪-4‬نحلة العيش الرابعة هي مشكل السيطرة على شروط الاستخلاف في الأرض وفيه مشكل‬ ‫المحافظة على العلاقة بين الطبيعة والحضارة القاتلة لما هو طبيعي في الإنسان وفي العالم‪.‬‬ ‫‪-5‬نحلة العيش الأخيرة وهي أقصى الحضارة والسياسة فيها تحكمها الضرورة الذاتية المطلقة‪.‬‬ ‫وهذه المرحلة فيها في آن أقصى عنف البداوة وأقصى خبث الحضارة وهي المرحلة التي تنحط فيها‬ ‫كل شروط العيش الكريم في جميع الطبقات‪.‬‬ ‫وينبغي أن نعلم أن هذه المراحل يمكن أن يقع فيها القفز على بعضها لأن القبائل البدوية يمكن أن‬ ‫تغزو القبائل المتحضرة فتتحضر من دون المرور بالمراحل التي أوصلت المتحضرين للحضارة‬ ‫فتكون حضارة شكلية لم تنتج الثروة والتراث بل ورثتهما فيكون سلوكها مثل سلوك الورثة في‬ ‫الميراث الذي لم ينتجوه‪ .‬وهذه حال العرب في تاريخ الإسلام وذلك في المرحلتين القديمة‬ ‫والحالية‪ .‬ولا بد من تعميق هذه العملية‪ .‬فلها صورتان ولكل منهما مساران‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪78‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬الصورة الاولى هي ما يترتب على الغزو من دون رسالة لا دينية ولا فلسفية والهدف هو الدافع‬ ‫الناتج عن الندرة في ثروة الطبيعة لقيام الكيان العضوي للإنسان وفيه يقل دور الكيان الروحي‪:‬‬ ‫ومثاله في تاريخنا الغزو المغولي وفي الغرب الغزو الجرماني‪.‬‬ ‫‪-2‬الصورة الثانية هي ما يترتب على الفتح مع رسالة دينية أو فلسفية والهدف الاول يبقى‬ ‫موجودا لكن له تعليل ديني أو فلسفي‪ :‬ومثاله في تاريخنا الفتح الإسلامي وفي تاريخ الغرب الفتح‬ ‫العولمي بالمعنى الأمريكي وحجة حقوق الإنسان‪.‬‬ ‫ولا يمكن أن نخلط بين النوعين والأسلوبين‪:‬‬ ‫فالنوع الأول تعليله يرد إلى \"نحلة\" عيش محركها المسيطر هو الضرورة الطبيعية التي لم يرتق‬ ‫أصحابها إلى رؤية لما ورائها تحررهم من النهب والسلب بإفناء الحائزين على بعضها واحتكارها‪،‬‬ ‫والنوع الثاني تعليله يرد إلى \"نحلة\" عيش محركها المسيطر تجاوز الضرورة الطبيعية لان اصحابها‬ ‫ارتقوا إلى رؤية لما ورائها تدعوهم إلى تعميم رؤية روحية تدعو إلى تجنب الحرب والحول‬ ‫السلمية‪.‬‬ ‫صحيح أن هذه الدعوة قد تكون صادقة وقد تنقلب إلى الأولى‪ .‬فمثلا الفتوحات الإسلامية كانت‬ ‫في البداية لا يتجاوز العنف والقتال فيها إلا في حالة رفض أهل البلاد التي قصدها الفتح القبول‬ ‫بالدعوة الروحية وعدم منعها أو الدخول فيها لتحقيق المساواة في الاخوة الإنسانية أو دفع الجزية‬ ‫أو أخيرا حصول الحرب‪.‬‬ ‫لكن الفتح سرعان ما تحول إلى غزو دون أن يذهب إلى ما يماثل الغزو المغولي أو الجرماني أو‬ ‫الغزو الاستعماري كما حدث في أمريكا بمعنى افناء أصحاب الأرض‪.‬‬ ‫والثابت تاريخيا أن الغزو المغولي والجرماني والاستعماري انتهى في الأخير إلى ما يشبه الدعوة‬ ‫صاحبة الرسالة بعد أن تبين أن حروب الاستئصال لا يمكن أن تتوقف وأن ذلك لا يحل مشكل‬ ‫الاستعمار في الارض والاستخلاف فيها‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪79‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لذلك فما بدأ يسيطر على العالم بعد فشل سياسة الاستئصال هو نفس الحل التي كان مسيطرا على‬ ‫فكرة الفتح‪ .‬والفرق الوحيد هو أن‪:‬‬ ‫ما كان يؤسس على‪ :‬رؤية دينية كما في الإسلام‬ ‫صار يجري برؤية إنسانية كما في الاستعمار الامريكي‬ ‫بعد الحرب العالمية الثانية خاصة كما حصل في اليابان وأوروبا وفي كوريا وذلك بسبب التنافس بين‬ ‫رؤيتين للإنسان الرأسمالية والاشتراكية‪.‬‬ ‫وبذلك نجد أن المحدد هو اللقاء بين العالمين الطبيعي والثقافي وتطور التظارف بينهما محددا لرؤى‬ ‫العالم التي انتقلت من الرؤى ذات التأسيس الطبيعي من اجل سد الحاجات العضوية دون سد‬ ‫الحاجات الروحية إلى الرؤى الذي جمعت بين نوعي الحاجات إما بتأسيس ديني أو فلسفي‪.‬‬ ‫والتأسيس الذي يجعل الروحي مقصورا على الانسوية فشل لأنه تبين آيلا إلى التدمير بدل‬ ‫التعمير وإلى الاستعباد بل التحرير لان الامر في الحالتين سواء اعتمد‪:‬‬ ‫على الدين دون الفلسفة أو‬ ‫على الفلسفة دون الدين‬ ‫ينتهي إلى ما نراه من تخريب العالم الطبيعي والعالم الثقافي بالتلويث الذي قد يقضي على‬ ‫البشرية‪.‬‬ ‫والعلاج الوحيد هو جعل الديني والفلسفي يتطابقان في امتناع التعمير الصالح من دون‬ ‫الاستخلاف الصادق‪ .‬وهذا يعني علاقة بين الإلهي والإنساني أي بين سياستين سياسة عالم الشهادة‬ ‫بنموذج من عالم الغيب الذي هو الوعي بحدود الإنسان معرفيا وقيميا أي بالاجتهاد والجهاد‬ ‫والقبول بحدود قدرة الإنسان الذي يتأله فيفسد فيها ويسفك الدماء جهالة وجاهلية وليس معرفة‬ ‫وقيما‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪80‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ولما كانت هذه العلاقة بين العالمين عالم الطبيعة والاشياء وعالم الإنسان والرموز مخمسة الأبعاد‬ ‫كما بينا بخصوص العلاقة بين حدي الازدواج فإن حيزيهما المكاني والزماني الطبيعيين وحيزهما‬ ‫المكاني والزماني الرمزيين وتبادل التأثير بين نوعي الأحياز المضاعفة وأصلهما في عالمين من حيث‬ ‫مكانهما وزمانهما‪:‬‬ ‫‪ -1‬أحدهما هو عالم الأحداث والأشياء بمكانه وزمانه اللذين يبدوان من طبيعة مستقلة تمام‬ ‫الاستقلال عن النوع الثاني عالم الأحاديث والرموز لكأنهما قابلان لأن ندركهما بمعزل عن دور‬ ‫إدراكهما وعبارته عنهما‪.‬‬ ‫‪-2‬والثاني هو عالم الأحاديث والرموز بمكانه وزمانه اللذين يبدوان تابعين للأول بسبب اهمال‬ ‫تبعية الأول للثاني وهو المصدر الأول والأخير للأخطاء الابستمولوجية والأكسيولوجية‪.‬‬ ‫وهذا التفاعل بين النوع الأول والنوع الثاني الأحياز هو التظارف المتبادل بينهما وهو الذي جعلني‬ ‫اعتبر الزمان التاريخي بخلاف الزمان الطبيعي مخمس الأبعاد وليس مثلثها واعتبر الحاضر من‬ ‫الزمان ليس لحظة بين الماضي والمستقبل بل هما محاطان به رغم كونه يبدو محدودا بهما‪:‬‬ ‫فمكان الأحداث والطبيعة وزمانهما يبدوان موضوعيين أي بمعزل عن دور الإنسان فيهما‬ ‫وظارفين لمكان الأحاديث وزمانهما اللذين يبدوان ذاتيين أي بمعزل عن دور الطبيعة فيهما لكأن‬ ‫كونهما مظروفين للمكان والزمان الطبيعيين عديم الاثر‪.‬‬ ‫ومكان الأحاديث الرموز وزمانهما هما بدورهما ظارفان للأولين بنفس الأهمية والتأثير بل وأكثر‬ ‫لأن مكان الأحداث وزمانها حتى وإن كان محيطا بالإنسان ومسيطرا عليه فما عند الإنسان من‬ ‫تجهيز روحي (النظر والعقد والعمل والشرع) يجعل تأثيرهما خاضعا لشروط التلقي المناسب‬ ‫لكيانه العضوي والروحي لما فيه من القدرة على التوقي من مفعولهما‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪81‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فعضويا الإنسان لا تقبل حواسه كل ما يجري في العالم بل لها حدود دنيا وحدود قصوى لا تشعر‬ ‫بها وهو الذي يقوي حواسه ليصبح قادرا على تلقيها دون أن يكون ذلك مضرا بكيانه العضوي‪.‬‬ ‫ولولا ذلك لاستحال عليه أن يعيش خارج البيئة الارضية مثلا‪.‬‬ ‫وهذا ناتج عن دور التجهيز المعرفي والقيمي الذي هو عضوي من حيث الوجود وروحي من حيث‬ ‫الدور إذ هو الوعي من حيث هو عودة على الكيانين الطبيعيين فيه وفي عالمه وهو القصد بالروحي‬ ‫وهو حتما من السرائر التي تنتسب إلى الغيب لأننا نعيشها ونلاحظها؟‬ ‫ولا يمكن أن نعلل وجودها حتى وإن حاولنا وصلها بالكيان العضوي‪ .‬لكن ذلك ليس تفسيرا بل هو‬ ‫تأخير للمشكل إذ حتى كون العضوي على تلك الصفة ليس لنا تفسير لوجوده فضلا عن كيفه‪.‬‬ ‫ولهذه العلة اعتبر العقل نفسه قضية إيمانية‪ :‬وهو ما أفهمه من كلام الغزالي عندما فسر خروجه‬ ‫من الشك بنور قذفه الله في القلب وهو التسليم بالأوليات‪ .‬وكل المشكل في الاوليات التي هي إما‬ ‫فرضية أو إيمانية وأنا أميل إلى كونها فرضية قد يمن الله على الإنسان بالتصديق الإيماني بأنه‬ ‫عاقل‪.‬‬ ‫وكما سبق أن بينت في بحوث عديدة فالزمان التاريخي مخمس بسبب مضاعفة الماضي ومضاعفة‬ ‫المستقبل لما بين الحدث بالحديث من علاقة هي جوهر دور الترميز فكذلك يمكن اعتبار المكان‬ ‫مخمسا بسبب التظارف بين حدث المكان وحديثه مثل الزمان‪ .‬فالتظارف زماني ومكاني وزمان‬ ‫الرامز غير زمان المرموز ومكان الرامز غير مكان المرموز‪.‬‬ ‫ولا أحد يجهل أن المعرفة والقيمة يمكن أن تكونا في ترتيب زمان الحدث في القرن الحادي‬ ‫والعشرين وفي ترتيب زمان الحديث من زمان القرن السابع للهجرة‪ .‬كما يمكن العكس بمعنى أن‬ ‫المعرفة والقيمة قد تسبقان الحدث فتكون من زمان لعله يأتي بعد قرون‪.‬‬ ‫فالتزامن بين العالمين قلما يحصل تماما كما يعسر أن يحصل تزامن بين الذات ووعيها بذاتها‪:‬‬ ‫فالوعي بالذات يكون إما بعد الذات وكأنه تذكر أو قبلها وكأنه توقع‪ .‬ولهذه العلة فالحاضر محيط‬ ‫بالماضي والمستقبل لأنه تذكر وتوقع دائما‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪82‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وإذن فكان العالمين وزمانهما المختلفان بالطبع كلاهما مخمس الأبعاد كما سأبين‪ .‬والتخميس كما‬ ‫أسلفت هو الحد الأدنى للتفاعل بين حدي أي علاقة وليس الثالث المرفوع (أرسطو) ولا الموضوع‬ ‫(هيجل) لأن كل علاقة بين حدين ذات اتجاهين من أحدهما إلى الثاني ثم من الثاني إلى الاول‪.‬‬ ‫ولما كانت أدنى علاقة شرطها وجود حدين تصل بينهما وتفصلهما فإن المخمس يعتبر أدنى بنية أو‬ ‫نواة العلاقات كلها وهي من ثم المنطق الأعم من المنطقين مثنوي القيمة وثلاثيها‪.‬‬ ‫فلو رمزت للعلاقة في وجهتها الاولى من الحد الاول إلى الحد الثاني بسهم ذاهبة في هذا الاتجاه ثم‬ ‫رمزت لها في وجهتها الثانية المقابلة لها لتخلصت من المقابلة فعل ورد الفعل لأن الأمر يتعلق بفعلين‬ ‫وليس بفعل ورد فعل‪.‬‬ ‫والفعلان يتلقيان في مسارهما ويمكن أن نعتبر أنهما في الوسط يحققان التوازن المطلق بينهما ثم‬ ‫يمر كل مسار في وجهته حتى يقترب من الحد الذي يتوجه إليه‪ .‬فنحصل على المخمس‪ :‬الحدان ثم‬ ‫غاية التوجهين ثم في القلب التوازن التام بين المسارين‪ .‬وهذه البنية تحكم كل الموضوعات التي‬ ‫يمكن أن نحللها فنردها إلى بنيتها في حدها الأدنى‪.‬‬ ‫لكنها قابلة لأن تنطبق على الحد الأقصى من البنى كما بينت في الكلام على العالمين والأحياز‬ ‫الخمسة‪ .‬ويمكن اعتبار الباب الأول من مقدمة ابن خلدون محاولة أولية لم تصغ نظريا لتحليل‬ ‫نظرية الاحياز الخمسة بين العالمين الطبيعي لأشياء العالم الخارجي والتاريخي لتفاعل الإنسان‬ ‫معها وهما يحيطان بالإنسان فعليا ويحيط بهما الإنسان رمزيا وذلك هو التظارف الذي يوفر‬ ‫للإنسان شروط بقائه‪.‬‬ ‫لكن هذين الحيزين الجغرافي والتاريخي ينتج عنهما حيزان هما التراث أو تراكم شروط البقاء‬ ‫الروحي في كيانه وفي تحققها الخارجي جسرا بين الطبيعة والتاريخ في الدلالة الرمزية (الثقافة)‬ ‫والثروة أو تراكم شروط البقاء العضوي في كيانه وفي تحققها الخارجي جسرا بين الطبيعة‬ ‫والتاريخ في الدلالة المادية (الاقتصاد) ويوحد ذلك كله سياسة عالم الشهادة في علاقة بعالم غيبي‬ ‫يترجم دينيا و‪-‬أو فلسفيا في كل الحضارات وهو الرؤية المرجعية التي توحد بينها جميعا وذلك هو‬ ‫نقطة التوازي في اللقاء بين الوجهتين التفاعليتين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪83‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وبهذا يكون ابن خلدون قد ألغى العادة العقيمة التي عادت في فلسفة هيجل وماركس أعني اعتبار‬ ‫أحد الحدين فاعلا والثاني منفعلا‪-‬كما في قصة تساوي الفعل ورد الفعل في الفيزياء وهي قصة لو‬ ‫صحت لاستحالت الحركة‪ -‬وهو خطأ نتجت عنه العلاقة التفاعلية بمعنى صراع قوتين فاعلة‬ ‫ومنفعلة‪ .‬وفي ذلك يكمن الفهم الجدلي الذي يفسد نظرية الزوجية في كل الموجودات‪.‬‬ ‫وينبغي أن فهم أن تأثير الأول في الثاني يذهب إلى غايته في لقائه معه والعكس يكون من الثاني‬ ‫إلى الأول ويذهب إلى غايته في لقائه معه‪ .‬فينتج ذلك حدين يكون كل منهما فيه شيء من الثاني‬ ‫وبينهما لحظة يكون فيها المساران المقابلان في توازن تام ثم يمر كل مسار إلى وجهته حتى يلامس‬ ‫غايته‪ .‬وقد بينت ذلك خاصة في السياسة مثلا‪ .‬فعندما تقارن الأنظمة الرأسمالية مثلا بالأنظمة‬ ‫الاشتراكية فأنت في تصورها للعلاقة بين الاقتصادي والاجتماعي تكتشف‪:‬‬ ‫‪-1‬أن الرأسمالية تضاعفت لأنها تأكدت من أن الاجتماعي من مقومات الاقتصادي لأنه يحقق‬ ‫أمرين يجعلان الاقتصادي أكثر فاعلية بما يحققه من عدل وبما يضاعف عدد المستهلكين‪ .‬وأن‬ ‫الاشتراكية تأكدت أن الاقتصادي من مقومات الاجتماعي لأنه يحقق أمرين يجعلان الاجتماعي‬ ‫أكثر فاعلية بما يحققه من تحفيز وحماية مؤسسات الإنتاج لدورها في تحقيق للمساواة‪.‬‬ ‫‪-2‬ومن ثم فتوهم الاقتصادي في صراع مع الاجتماعي علته سوء فهم للاقتصادي والاجتماعي في‬ ‫آن‪ .‬وتلك هي علة الرؤية الجدلية الصراعية التي تفسد البعدين في حياة البشر أعني البعد‬ ‫المتعلق بسد الحاجات العضوية موضوع العمران البشري بلغة ابن خلدون والبعد المتعلق بسد‬ ‫الحاجات الروحية موضوع الاجتماع الإنساني بنفس اللغة‪.‬‬ ‫‪-3‬وينتج عن الأول التمييز بين تصورين للحكم في الرأسمالية المتوحشة ويسارها الذي يصبح في‬ ‫النظام الديموقراطي أكثر مجلبة للناخبين‪ .‬فيسار الرؤية الاقتصادية فهم العلاقة التي تحرر‬ ‫الاقتصاد الرأسمالي من التوحش فتعيد إليه بعده الاجتماعي‪.‬‬ ‫‪-4‬وينتج عن الثاني التمييز بين تصورين للحكم في الاشتراكية المتوحشة ويمينها الذي يصبح في‬ ‫النظام الديموقراطي أكثر مجلبة للناخبين‪ .‬ويمين الرؤية الاجتماعية فهم العلاقة التي تحرر‬ ‫الاجتماع الاشتراكي من التوحش فتعيد إليه بعده الاقتصادي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪84‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-5‬وكلاهما يكون متوحشا بسبب الاختزال قصير النظر وسيء الفهم لطبيعة الظاهرة التي يدرسها‬ ‫أو بصورة أدق التي لم يفهم مساري العلاقة بينهما في الاتجاهين‪ .‬وعند فهم ذلك تسقط الرؤية‬ ‫الصدامية والجدلية لأنها تبين أن المعادلة ليست بين وضع ونقض وتجاوز للتناقض بالصراع الذي‬ ‫لن يتوقف بل هي بنية مخمسة كما وصفت‪.‬‬ ‫فالحدان الاقصيان ليسا متنافيين إلا بسبب التبسيط المخل الذي يخفي ما يجعلهما أساس التعاون‬ ‫الذي من دونه يستحيل أن يكون لأن منهما فاعلية تحقق الاستعمار في الارض بقيم الاستخلاف وهو‬ ‫ما يجعلهما يتضاعفان فينتجان شكلهما الجامع بين دور كل منهما في الثاني ويكون القلب في البنية‬ ‫التوازن الحي المتأرجح بين يمين اليسار ويسار اليمين حتى يستطيعا التداول والتقليل من‬ ‫التوحشين في سياسة عالم الشهادة بمثل عالم الغيب‪.‬‬ ‫ونفس هذا المنطق ينطبق على كل زوج مؤلف من حديين اقصيين يترتب على اللقاء بينهم ليس‬ ‫صراعا يتجاوزهما في ثالث بل تفاعل يولد حدين أكثر تقاربا يلغي الصراع ويحتاج إلى حد أوسط‬ ‫يتحرر من الصراع الجدلي الذي لو كان هو الحل لاستحال الهروب من التوحشين ولامتنعت السلم‬ ‫الاجتماعية في أي جماعة فضلا عنها بين الجماعات‪.‬‬ ‫لذلك فالمنطق الجدلي مخطئ ليس منطقيا فحسب بل هو مخطئ وجوديا‪ :.‬فمجرد وجود الحدين‬ ‫وقيامهما بذاتهما دون ما بينهما من تلاق يمكن من اكتشاف ما كان الحدان يخفيان من علاقة‬ ‫وطيدة وخفية بينهما هي ما يحول دون الوعي به إطلاق المتقابلين اطلاقا يجعلهما متنافيين‪ .‬وفي‬ ‫الحقيقة فهما شرط حصول الصراع بما فرض فيهما من تناف علته الاطلاق ومن ثم فهما مشروطان‬ ‫به‪.‬‬ ‫ويكون الصراع الذي لا ينفيه أحد وجوه اللقاء الناتج عن جهل العلاقة الخفية بينهما أو تجاهلها‬ ‫والتنافي الممكن بسبب هذا الجهل أو التجاهل ليس الوحيد بين الأشياء وهو في كل الأحوال ليس‬ ‫مصدرا لوجودها لأنه لا يوجد شيء في العالم يكون وجوده صادرا عن صراعه مع غيره فيكون‬ ‫الصراع سابقا عن المتصارعين‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪85‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫لا بد من وجود الطرفين ووجود علاقة بينهما يمكن أن تكون صراعية لغياب الوعي بما بينهما من‬ ‫تكامل وهي في الحقيقة تفاعلية في الاتجاهين بصورة تمكن من اكتشاف التكامل كما في مثال الحكم‬ ‫والاقتصاد وكل زوجية‪.‬‬ ‫وإذن فالعلاقة بين موجودين متفاعلين كلاهما فاعل ومنفعل وليست علاقة بين فعل وانفعال لأن‬ ‫المنفعل لو كان منفعلا فحسب لكان عديم الوجود الذاتي الذي هو عين فاعليته في ذاته وفي غيره‬ ‫خلال تفاعل مراحل ذاته مع ذاتها خلال صيرورته في المكان والزمان في حدوثهما الطبيعي وفي‬ ‫حديثهما الرمزي‪.‬‬ ‫لذلك استعمل مفهوم التعادل التي تنفي المقابلة بين العادل والخاضع لعدله لأن الوجود كله مبني‬ ‫على التعادل ليس بالمعنى الصراعي بل بمعنى الوجود علامة نفس الحق في القيام الذاتي حتى وإن‬ ‫اختلفت الكثافة الوجودية بين المتعادلين‪ .‬وإذن فالبقاء عدل ذاتي مؤقت لاستعادة التعادل‪ .‬وذلك‬ ‫هو جوهر استراتيجية الحياة عامة‪.‬‬ ‫وهي عند الإنسان عين الحرية الشرطية التي من دونها كان يمكن تصور العبودية دالة على عدم‬ ‫جدارة المستعبد بالوجود لتوهمه في تعادله ناكرا لإنسانيته وغير مدرك لكونه قادرا مثل من يظن‬ ‫نفسه سيده فينتقل فيهادن لتحقيق التعادل ولا يستسلم أبدا وتلك هي استراتيجية مقاومة الروح‬ ‫للمادة فيه أولا وفي علاقته بمن يسيطر عليه‪.‬‬ ‫وعلة الحد الأدنى في تخميس الزمان بينتها في العديد من المحاولات السابقة‪ .‬وتخميس المكان‬ ‫أضعها للمرة الأولى في هذه المحاولة بصورة صريحة رغم أني استعملتها ضمنيا في كلامي على‬ ‫الاحياز‪ .‬ذلك أن الإنسان ما يمكن له أن يتحرر من سلطان الطبيعة لولا معرفته بهذه الابعاد‬ ‫الخمسة للمكان الذي هو أساس الجغرافيا مصدرا لقيامه العضوي بوصفه كائنا حيا منها يستمد‬ ‫شروط بقائه‪.‬‬ ‫والتخميس في الحالتين مصدره أن الإنسان هو نفسه مخمس الأبعاد حتى وإن بدا من خارجه‬ ‫واحدا‪ :‬فهو مضاعف الكيان إذ هو عضوي البدن روحي الوعي العائد على الكيان العضوي وعلى‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪86‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫عودته لأنه وعي بالوعي بالكيان في مستوييه العضوي والروحي‪ .‬وكل علاقاته بما يعتبره غير‬ ‫ذاته سواء كان ذلك في عالمه التاريخي أو في عالمه الطبيعي يتصل به ببعدي كيانه هذين‪.‬‬ ‫ولما كان البعدان متفاعلين بالمعنى الذي ذكرت بمعنى أن العلاقة ليست بين فعل ورد فعل بل بين‬ ‫فعلين فإن للبدن علاقة بالوعي بالذات الواعية بوعيها به وبوعيها بهذا الوعي وتأثيرا في الوعي‬ ‫وللوعي بالذات بهذه الأبعاد علاقة بالبدن وتأثيرا فيه صارت الأبعاد أربعة مع أصل يوحدها أو‬ ‫بنية كيان الإنسان في حدها الادنى لأنها في الحقيقة تمتد إلى العالمين اللذين يرد إليهما التحديد‬ ‫النهائي لكل ما يجري في كيان الإنسان فردا كان أو جماعة أو كل النوع الإنساني‪:‬‬ ‫‪-1‬البدن‬ ‫‪-2‬الوعي‬ ‫‪-3‬فعل البدن في الوعي‬ ‫‪-4‬فعل الوعي في البدن‬ ‫‪-5‬وأصلها كلها هو قيام الذات الواحدة أصلا لوحدة تلك الفروع الأربعة من ذاتها في علاقاتها‬ ‫بالعالمين التاريخي والطبيعي‪ .‬وأثر البدن في الوعي يمكن تسمية الواعي منه بالحواس الباطنية بما‬ ‫يجري فيه وخاصة بنسبته إليه‪ .‬وأثر الوعي في البدن يمكن تسمية الواعي منه هو الحواس‬ ‫الخارجية بما يجري فيه وخاصة بنسبته إليه‪.‬‬ ‫وهذا يمثل سلطان وعي الإنسان على بدنه‪ .‬وذاك يمثل سلطان بدن الإنسان على وعيه‪ .‬وتلك‬ ‫هي علة شعور الإنسان بأنه شبه قائد لسفينة كيانه العضوي وكأنه في محيط متلاطم الأمواج ليس‬ ‫خلال علاقته بذاته فحسب بل كذلك خلال علاقته بظرفيه التاريخي والطبيعي‪.‬‬ ‫لكن الإنسان لا يشعر بكونه مظروفا في العالمين فحسب بل يشعر كذلك بأنهما مظروفان في كيانه‬ ‫العضوي والروحي بحيث إن العلاقة بين الإنسان وحيزيه المكاني الذي يجغرف والزماني الذي‬ ‫يؤرخن لا تختلف كثيرا عن العلاقة ببعدي كيانه إذ ان العلاقة الأولى مناظرة للعلاقة بالبدن‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪87‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والعلاقة الثانية مناظرة للعلاقة بالوعي‪ .‬فيكون الإنسان منتسبا إلى نوعين من المكان ونوعين من‬ ‫الزمان‪.‬‬ ‫وكلا النوعين يتخمسان لأن المكان الخارجي والمكان الداخلي يتفاعلان والزمان الخارجي والزمان‬ ‫الداخلي يتفاعلان تفاعل الظارفية والمظروفية في الحالتين‪ .‬فمظروفية الإنسان في عالميه‬ ‫التاريخي والطبيعي تبدو للعامي مقدمة على ظارفيته‪ .‬لكن الحقيقة عند التمحيط هي العكس‬ ‫تماما بمعنى أن ظارفية الإنسان لعالمية هي المقدمة على مظروفية مقومي كيانه لهما‪.‬‬ ‫ذلك أن الظارفية الإنسانية ليست مقصورة على ما في الأذهان وإلا لكانت ظاهرة نفسية ولا يمكن‬ ‫أن تؤسس العلم والعمل الإنسانيين‪ .‬وإذن فالظارفية الإنسانية تتجاوز ما في الأذهان لتصبح ما في‬ ‫الاعيان من الوجود الذي يمكن أن نطلق عليه اسم العالم الرامز في مقابل العالم المرموز وكلاهما‬ ‫يوجدان في العالم الطبيعي وفي العالم التاريخي‪.‬‬ ‫وكل المواقف القضوية في المعرفة وكل المواقف القضائية في التقييم مردها إلى هذا التظارف وهو‬ ‫أشبه بالوسط المحدد لكل الرؤى الأكسيولوجية والأبستمولوجية‪ .‬فيكون هذا الوسط شبيها بما‬ ‫تؤديه النفس الواحدة التي تعلل بها الرؤية القرآن النقلة الثانية من الحيوي إلى الإنساني إذ‬ ‫منها يخلق زوجها فيتغشاها فتحمل فيتكون رجال كثير ونساء‪ :‬والقصد أن نوذج الزوجية في علاقة‬ ‫بالوحدة والتعدد تحقق هين المسارين في التزاوج المتصل والنقلة إلى التزاوج المنفصل وتلك هي‬ ‫الآلية التي يرمز إليها التفاعل العضوي والروحي في الجماعات البشرية قيميا ومعرفيا‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار النساء ‪ 1‬متعلقة بالنموذج العضوي في عالم الشهادة وعلاقته بعالم الغيب‪ :‬حياة‬ ‫البشر مبنية على الاخوة الكونية والاخوة الجزئية والعلاقة المخمسة بين الأخوتين ولا يمكن‬ ‫التحرر من منطق الصراع الجدلي من دون الوصل بين الاخوتين ومن ثم فلا بد من الانتقال من‬ ‫الخصوصية إلى الكونية على أساس العلاقة بالربوبية الواحدة رغم تعدد الالوهيات لأن الحسم في‬ ‫الخلافات الدينية اجلها القرآن إلى يوم الدين‪.‬‬ ‫واعتبار الحجرات ‪ 13‬متعلقة بالنموذج السياسي في عالم الشهادة وعلاقته بعالم الغيب‪ :‬سياسة‬ ‫عالم الشهادة تترتب على ذلك بمعنى ان البشر لن يهنأوا بالسلم في نفس الجماعة وبين الجماعات‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪88‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫إلى بما يحقق المساواة بين البشر بصرف النظر عن الفروق العرقية والطبقية لأن ما يحقق السلم‬ ‫هو التعارف معرفة (شرطه غاية نظرية النظر والعقد الاجتهادية‪ :‬مسألة ابستمولوجية) ومعروفا‬ ‫(شرطه غاية عملية العمل والشرع الجهادية‪ :‬مسألة أكسيولوجية) والتفاضل لا يكون إلى عند الله‬ ‫وله معيار وحيد هو التقوى‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪89‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫سأنطلق في الفصل الأخير من هذه المحاولة مما اعتبره معضلة المعضلات في القراءتين الهيدجرية‬ ‫والفوكلدية (نسبة إلى ميشال فوكو) للظاهرة التي سميتها الوسط الذي يسبح فيه الإنسان‬ ‫بكيانيه العضوي والروحي‬ ‫سباحة ليس له سلطان على أمواجها التي تتلاطم من حوله وفيه وهو محيط الظلمات الشبيه بالمجال‬ ‫المغناطيسي المحدد لكل ما ينتأ فيه ليكون ما نسميه مجال القيم ومجال المعارف وما يحيط بهما من‬ ‫غموض يجعلهما نور شمعة خافة لا يكاد يرينا من الموجود والمنشود من الوجود إلا قشرة شديدة‬ ‫السطحية‪:‬‬ ‫فالقراءة الهيدجرية ترد هذا المجال المغناطيسي إلى ما يشبه القضاء والقدر ‪-‬الشكزال الذي‬ ‫يضخ هدايا الوجود ومعانيه في الموجود المعبر عنه أو الدازاين وهي رؤية يمكن اعتبارها نوعا من‬ ‫الفاتاليسم الذي يراوح بين الديني والفلسفي‪.‬‬ ‫والقراءة الثانية الفوكلدية ترده ‪-‬الابستمي‪-‬إلى ما يماثله الرد الأول وإن باسم مختلف لأنه لم‬ ‫يضف عليه ما يشبه الفهم الديني مثل قضية الشكزال وهداياه وتأويله في التحليلية الوجودية‬ ‫الهيدجرية بل يعتبره من جنس الطفرات التحولية التي تراوح بين التاريخ الحضاري الهيجلي‬ ‫والتاريخ الطبيعي الدارويني‪.‬‬ ‫والمعلوم أن هذين الفهمين دخلا فكرنا بصورة مشوهة لبقاء صاحبيها في ما يرد إلى الرؤية القائلة‬ ‫بالعلاقة المباشرة بين الذات والموضوع فيصبح معنى الابستمي الفلوكلدي والشكزال الهيدجري‬ ‫معاني لا تتجاوز أحوال النفس كما فهمها اداور سعيد وعابد الجابري‪:‬‬ ‫فادوارد سعيد ناقد الاستشراق يحط القضية إلى فعل إيديولوجي استعماري إرادي لتشويه‬ ‫الشرق عامة والعربي خاصة‪ :‬المستشرقون كلهم عملاء الاستعمار لتشويه المستعمرين‪.‬‬ ‫وعابد الجابري ناقد العقل العربي يحط القضية إلى روح الشعوب الهيجلي استعملها هو نفسه‬ ‫ليكون مستشرق \"العقل العربي\"‪ :‬كل شعب له عقل واخلاق هي روح شعب‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪90‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫فاشترك الرجلان في التبسيط الذي يتصور نظرية القيمة ونظرية المعرفة من احوال النفس‬ ‫وعلاقة بين ذات وموضوع في فلسفة الوعي السطحي سواء كان فرديا أو جماعيا‪.‬‬ ‫وما زلت عاجزا عن فهم الاعجاب بالقراءتين الدال هو بدوره على نفس التبسيط في التلقي لأمر‬ ‫عام لا يمكن رده إلى أحوال نفس المستشرقين وأحوال نفس الشعوب‪.‬‬ ‫ذلك أن الحطين من رؤية فوكو ورؤية هيدجر علتهما عدم تجاوز الوضع المبسط للمسألة‬ ‫الأكسيولوجية والمسألة الابستمولوجية‪ .‬فهما يريانهما مسألتين تجريان في مستوى الوعي الإنساني‬ ‫سواء كان فرديا أو جماعيا وليستا مسألتين تضربان بعروقهما في غياهب الغيب‪.‬‬ ‫فعلاقة كيان الإنسان العضوي والروحي بكيان العالم الطبيعي والتاريخي تتجاوز الوعي الفردي‬ ‫والجمعي اللذين ينتآن على ما بين هذين العالمين من تفاعلات لا يمكن ردها إلى علاقة بين ذات‬ ‫وموضوع‪ .‬ولا أحد يدري حقيقتهما ما هي‪.‬‬ ‫إنها ليست علاقة بين ذات وموضوع ولا هي امر يجري في الوعي الإنساني الفردي أو الجمعي بل‬ ‫هي ما يجري في العلاقة بين الأحياز الخمسة المحيطة بالإنسان والأحياز الخمسة التي يحيط‬ ‫الإنسان بها بوصفها ما يحيط به والتظارف مستحيل تحديد طبيعته ما هي‪:‬‬ ‫‪-1‬فالأحياز المحيطة بالإنسان هي الجغرافيا والتاريخ وثمرة الاولى في الثاني أو التراث وثمرة‬ ‫الثاني في الاولى أو الثروة وما يترتب عليها وهو في آن أصلها محددات الإرادة والرؤية اللتين‬ ‫تحددان المعرفة والقيمة فتكون الثمرة الغاية هي القدرة على الاستعمار في الارض والاستخلاف‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫‪-2‬والأداة في ذلك كله هي النظر والعقد وتطبيقهما في الاستعمار والعمل والشرع وتطبيقهما في‬ ‫الاستخلاف‪ :‬وذلك هو المجال المغناطيسي الذي ينتئ المعاني ويحدد الابستمية والشكزال في الوعي‬ ‫الإنساني خلال سياسته عالم الشهادة في علاقة بعالم الغيب الذي يتخيله دينيا من القيمي إلى‬ ‫المعرفي وفلسفيا من المعرفي إلى القيمي‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪91‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫ويلتقي التخيلان في الجواب عن سؤالي الإنسان الأولين والأخيرين المضاعفين وهما تخيلان‬ ‫يجريان بأسلوبين ديني وفلسفي مع تفاعلهما في الاتجاهين بالصورة التي حاولت وصفها لينشأ عنهما‬ ‫المحيط الرمزي الذي لا يتوقف عن الغليان الدائم‬ ‫والذي ينتأ على صفحته ما يصبح مرئيا من تقويم ومعرفة ما يذكر بعبارة فصلت ‪َ \" 53‬سنُرِي ِهمْ‬ ‫آيَا ِتنَا فِي الْآفَا ِق وَفِي أَن ُف ِسهِمْ َح ّتَىٰ يَتَ َب َّينَ َلهُ ْم َأنَّهُ الْحَ ُّق ۚ أَوَلَ ْم يَ ْكفِ بِرَ ِّبكَ أَ َّن ُه عَلَىٰ ُك ّلِ شَ ْيءٍ‬ ‫شَهِيدٌ\"‪:‬‬ ‫‪-1‬لماذا يوجد شيء بدل لا لشيء وكيف للإنسان أن يسأل مثل هذا السؤال؟‬ ‫‪-2‬لماذا ما يوجد يكون على كيفه بدلا غيره وكيف للإنسان أن يسأل هذا السؤال‪.‬‬ ‫والآن فلو افترضنا أننا في عالم متقدم على وجود الإنسان وترميزه لما يدركه منه ومن ذاته لامتنع‬ ‫أن نتكلم على مكان وزمان خاصين بعالم ثان سميناه العالم الرمزي غير العالم الطبيعي‪ .‬وفي تلك‬ ‫الحالة يعسر أن نتصور هذا العالم حالا في مكان غير وجود كيانه الذاتي وفي زمان غير صيرورة‬ ‫كيانه الذاتي‬ ‫فيكون كيانه ذا بعدين هما عين مكانه من حيث هو موجود وعين زمانه من حيث هو صائر‪ .‬فلا‬ ‫يكون المكان والزمان ظرفين لكيان العالم من حيث وجوده ومن حيث صيرورته‪ .‬ويمكن أن نقول‬ ‫عن العالم الرمزي نفس الشيء فيكون كيانه هو مكانه وصيرورته هو زمانه ولا يكون مكانه‬ ‫وزمانه ظرفين إلا عند من يعتقد أن الكلام على مكان العالم الرمزي وزمانه‬ ‫القصد به هو العالم الطبيعي مكانه وزمانه‪ .‬وتلك هي علة التمييز بين المكانين وبين الزمانين‬ ‫وفصل المكان والزمان في الحالتين عن العالمين من أوهامنا ولا وجود لهما بوصفهما ظارفين للعالم‬ ‫الطبيعي وللعالم الرمزي‪.‬‬ ‫ولكن لما كنا نتكلم على العالمين في تساوقهما بمعنى أن ما يعنينا للكلام على النظر والعقد وعلى‬ ‫العمل والشرع كلاما هدفه علاج مسألة نظرية المعرفة ونظرية القيمة فإن المشكل هو البحث في‬ ‫مدى التطابق بين المكانين والزمانين‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪92‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫والبحث في طبيعة العلاقة بين العالمين أي بين مكانيهما وبين زمانيهما وكيف نتصور وجود العالم‬ ‫الطبيعي وصيرورته من حيث هما عين وجود كيانه مكانا وعين صيرورته زمانا ونتصور وجود‬ ‫العالم الرمزي وصيرورته من حيث هما عين وجود كيانه مكانا وعين صيرورته زمانا‪ :‬والعلاقة بين‬ ‫هذين التصورين هي تاريخ الحضارة الإنسانية‪.‬‬ ‫وهو ما يجعل المكان والزمان يتضاعف كل منهما في قيام شبيه بالكيان العضوي وفي قيام شبيه‬ ‫بالوعي به في كيان الإنسان وشبيه بالكيان الطبيعي الوعي التاريخي في كيان العالم إذا تصورناه‬ ‫واحدا وراء الطبيعي و الرمزي‪.‬‬ ‫إذ إن البعد الرمزي منهما هو الوعي بهما أو تعين الوعي بهما في قيام العالم الرمزي الذي له‬ ‫مكانيته وزمانيته الخاصتين‪ .‬وقرآنيا يمكن أن نعتبر ذلك المقصود بـ\"علمه الأسماء كلها\" أي‬ ‫القدرة على تكوين هذا العالم الرمزي الذي يظرف الطبيعي والتاريخي في آن‪.‬‬ ‫فالإنسان يدرك الموضوعات التي يعالجها إما مباشرة خلال شهوده لها أو بصورة غير مباشرة خلال‬ ‫شهادة من عالجها مباشرة بالمشاركة فيها أو بمعانية حصولها ويكون ذلك عادة رواية قولية‬ ‫للموضوع‪ .‬فتكون في التخميس الزماني‪:‬‬ ‫‪-1‬إدراك الموضوع المباشر من حيث زمان حدوثه‬ ‫‪-2‬إدراك الموضوع بتوسط القول من حيث زمان ترميزه‬ ‫‪-3‬أثر الإدراك الأول في الإدراك الثاني من حيث علاقة الزمانين في الاتجاه الاول‬ ‫‪-4‬أثر الإدراك الثاني في الإدراك الأول من حيث علاقة الزمانين في الاتجاه الثاني‬ ‫‪-5‬وحدة الإدراك من حيث حدوثه ومن حيث ترميزه وكأنه خارج الزمان والتي لا علم من دونها‬ ‫وهي اجتماع فروعها الأربعة السابقة دائما وهذه لا تتم أبدا ومن ثم فالمطابقة مستحيلة‪.‬‬ ‫وما يقال عن علاقة موضوع الإدراك بهذه المستويات الخمسة يقال عن علاقته بالزمان وعن‬ ‫علاقته بالمكان بنفس الأبعاد الخمسة‪ .‬فيكون المكان هو أيضا مخمس الابعاد مثل الزمان‪:‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪93‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫‪-1‬إدراك الحدث المباشر من حيث مكان حدوثه‬ ‫‪-2‬إدراك الحدث بتوسط الرواية من حيث مكان حدوث ترميزه‬ ‫‪-3‬أثر الأول في الثاني من حيث مكان حدوثه ومكان ترميزه وهو تأثير إدراك الحدث الأول في‬ ‫إدراك الحدث الثاني وهو لا يقتصر على المقارنة بل يحصل توالج بين المكانين كما يحصل توالج‬ ‫بين زمانين بالمعنيين السابقين في ‪ 1‬وفي ‪ .2‬وهي أثر الفعلي في الرمزي‪.‬‬ ‫‪-4‬أثر الثاني في الأول من حيث مكان حدوثه ومكان ترميزه والاثر عكس الوارد في ‪ 3‬بمعنى أن‬ ‫التوالج يعطي نتيجة مختلفة وهي أثر الرمزي في الفعلي‬ ‫‪-5‬وحدة الادراك من حيث حدوثه وترميزه وكأنه خارج المكان والتي لا علم من دونها وهي‬ ‫اجتماع فروعها الأربعة السابقة دائما وهذه لا تتم أبدا ومن ثم فالمطابقة مستحيلة‪.‬‬ ‫ولا بد إذن من تحديد مفهوم جديد يجمع الحيثتين أي الحدوث والترميز وهو مفهوم يشبه الزمكان‬ ‫لكنه غيره لأن فيه تعاليا عليهما وليس جمعا بينهما وهو رد للزمان إلى صيرورة المكان أو تزمنه‬ ‫ورد للمكان إلى صيرورة الزمان أو تمكنه‪.‬‬ ‫وهذا المفهوم ليس ظرفا للأحداث بل هو هي مردودة إلى تطور المضمون المظروف في كيانه بمعنى‬ ‫أن صيرورة المكان هي عين الزمان وصيرورة الزمان هي عين المكان‪ .‬وبهذا المعنى فقيس المكان‬ ‫بالزمان المقضي أو قيس الزمان بالمكان المقطوع هو ما أغيره بمصطلح جديد يتألف اسمه‬ ‫الاصطلاحي من حرفي المكان الأولين وحرفي الزمان الأولين‬ ‫فيكون الاسم \"المكزم\" وهو مصدر قابل للتصريف فنقول تمكزم الشيء أي تعالى على المكان‬ ‫والزمان فصار وكأنه خارجهما بنتوئه قائما بذاته وكأنه عين من أعيان الموجودات التي لها ثبات في‬ ‫المكان والزمان وهو هويتها‪.‬‬ ‫فـ\"المكزم\" تأليف بين \"مك\" للدلالة على المكان \"زم\" للدلالة على الزمان‪ .‬وهو لحظة سكون الحدوث‬ ‫والترميز بصورة تطوي حركتهما اللامتناهية فيه المكان وفي الزمان فلا يبقى فرق بين لحظات‬ ‫الزمان ونقاط المكان‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪94‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫رغم أن اللحظة والنقطة مفهومان من التقدير الذهني الذي لا يمكن أن يوجد الوجود الحسي‬ ‫أبدا لأنهما خاليان من المقدار المكاني ومن العدد الزماني‪.‬‬ ‫ولولا الاشتراك بينهما في اللاتناهي لاستحال قطع المكان لكونه متصلا وقابلا للقسمة اللامتناهية‬ ‫إلى نقاط لا امتداد لها ولا ستحال التمييز بين الحقب واللحظات لأن كل حقبة وكل لحظة قابلة‬ ‫للقسمة اللامتناهية‪.‬‬ ‫ومنه كل المفارقات التي وضعها تلميذ بارمييندس حول الحركة‪ .‬وإذن فالتحيز القابل للتحديد‬ ‫سواء في المكان أو في الزمان يقتضي أن يوجد حد مشترك يتوقف فيه المكان والزمان عن الصيرورة‬ ‫وعن قابلة التعين القابل للكم المكاني وللكيف الزماني‪.‬‬ ‫وفي المعنى ما له صلة بتعريف ديكارت لنوعي الوجود أي الامتداد والفكر ولكن ليس بوصفهما‬ ‫مفصلين بل بوصفهما شيئا واحدا ذا وجهين أحدهما هو المرموز الثاني هو الرامز وكلاهما يمكن أن‬ ‫يكون مرموزا ورامزا‬ ‫أي إن العالم الرمزي تتكرر عوداته على ذاته بصورة لا متناهية إذ يمكن أن يكون الرمز مرموز‬ ‫فنرمز للرمز بلا حد ويترتب عليه أن الرمز في رمزه لذاته يتحول إلى مرموز وكل مرموز قابل لأن‬ ‫يكون رمزا لغيره‪.‬‬ ‫ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا اعتبرناه لحظة سكون تنتج عن إطلاق الحركة ليصبح المكان مقطوعا‬ ‫في ما يشبه النقطة التي تفقد الابعاد كلها وتكون مثل لحظة الحاضر المطلق التي تفقد الابعاد كلها‬ ‫إذ ليس فيها قبل ولا بعد‪ .‬وتلك هي علة تمايز الأشياء المتحيزة فيهما ومنه نتوء الحدث بحيث‬ ‫يتعين بوصفه‬ ‫ذلك الحدث بصرف النظر عن مكانه وزمانه إذا نظر إليهما منفصلين أولا ومتحدين بمستوياتهما‬ ‫الخمسة‪ .‬ولولا ذلك لاستحال تصور الفكر ممكنا لأنه من دون هذا الانتاء يستحيل إدراك شيء‬ ‫من حيث هو شيء موجود على كيف معين‪ .‬فتكون الكيفيات التي ندرك عليها الموجودات علامات‬ ‫نتوء الأشياء‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪95‬‬ ‫الأسماء والبيان‬

‫‪--‬‬ ‫وهي علامات تتغير بتغير الإدراك تسطيحا وتعميقا فيكون الفكر هو \"العنصر الخامس\" إن صح‬ ‫التعبير أو \"المكمز\"‪ :‬لذلك فالفكر رغم كونه جاريا في الزمان والمكان له القدرة على التعالي عليهما‬ ‫خلال إدراكه لهما فيكون له المكمزية التي تجعله وكأن نقطة مكان ولحظة زمان عديمة الابعاد‬ ‫المكانية والزمانية‪.‬‬ ‫فإذا كان الكلام الديني يعبر عن هذه اللحظة التي تتنزل خارج المكان والزمان أي في المكمز‬ ‫بعلاقة \"كن يكون\" جمعا بين العدم بداية والوجود غاية فإن فلسفة الكون الحالية تعتبر عنها بما‬ ‫يسمى الانفجار الكبير دون تحديد طبيعة ما ينفجر في البداية لكنها لا تعتبره عدما وعما يؤول‬ ‫إليه بنظام العالم الحالي‪.‬‬ ‫فيكون ما يترتب على الانفجار مراحل تشكل المكان خلال الزمان الذي هو صيرورة المكان من‬ ‫النقطة إلى ما هو عليه الآن والنقطة عدم لأنها عديمة البعد المكاني رغم أن تفترض حالة فيه‬ ‫ولما كان هو ما يترتب عليها فيكون هو الحال فيها وهي عدمه‪.‬‬ ‫والخطاب الديني ‪-‬على الأقل في القرآن ينطلق من نظام العالم ويعود إلى كن فيكون والخطاب‬ ‫العلمي ‪-‬على الأقل الحالي‪-‬ينطلق من نظام العالم ويعود إلى الانفجار العظيم‪ .‬وإذن فلا بد منه‬ ‫اعتبار العبارتين كن‬ ‫فيكون والانفجار العظيم سرديتين لا تفسران شيئا علميا بل هما عقيدتان تجيبان عن سؤالين لا‬ ‫جواب عليهما يمكن أن يقنع من يريد جوابا حاسما لإشكالية علتها قدرة التوجيه الوجودي عند‬ ‫الإنسان‪:‬‬ ‫‪-1‬لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟ وإمكانية وضع السؤال هي المشكل‬ ‫‪-2‬لماذا يكون ما يوجد على كيفه بدل غيره؟ وإمكانية وضع السؤال هي المشكل‬ ‫هذان السؤالان هما أصل الدين والفلسفة الواحد حتى وإن كان الجواب هو بدوره يؤول إلى‬ ‫انفجار عظيم هو مصدر الجوابين الديني والفلسفي في كيان الإنسان تعبيرا عما فيه من ازدواج‬ ‫لقيامه العضوي والروحي‪ .‬وكل فصل بين مقومي وجود الإنسان اعتبره دليلا على فساد الرؤية‪.‬‬ ‫أبو يعرب المرزوقي‬ ‫‪96‬‬ ‫الأسماء والبيان‬