Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Published by ahmad.fbing, 2022-04-01 19:46:44

Description: الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Search

Read the Text Version

‫التذكــــــر‬ ‫و َي ِص ُل فيه رح َمه‪ ،‬ويخُ ِر ُج منه حقه ‪ -‬وقال‪« :‬همُ َا في الأج ِر َسوا ٌء»(((‪.‬‬ ‫المفسد الثال ُث من مفسدات القلب‪ :‬التع ُّلق بغير الله‪ ،‬وهذا أعظم مفسداته‬ ‫على الإطلاق‪.‬‬ ‫فليس عليه أض ُّر من ذلك‪ ،‬ولا أقط ُع له عن الله‪ ،‬وأحجب له عن مصالحه‬ ‫وسعادته منه؛ فإ َّنه إذا تع َّلق بغير الله َو َك َله الله إلى َمن تع َّلق به‪ ،‬وخ َذله ِمن‬ ‫جهة َمن تع َّلق به‪ ،‬وفا َته تحصي ُل مقصوده من الله بتع ُّلقه بغيره‪ ،‬والتفاتِه إلى‬ ‫سواه؛ فلا على نصيبه ِمن الله ح َصل‪ ،‬ولا إلى ما أ َّمله ممَّن تع َّلق به وصل؛‬ ‫قال تعالى‪﴿ :‬ﭳﭴﭵﭶﭷ ﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ‬ ‫ﮀ ﮁﮂ﴾ [مريم‪]82-81 :‬؛ فأعظ ُم النَّا ِس ِخذلا ًنا َمن تع َّلق بغير الله‪،‬‬ ‫فإ َّن ما فاته ِمن مصالحه وسعادتِه و َفلا ِحه أعظ ُم ممَّا حصل له ممَّن تع َّلق به‪،‬‬ ‫وهو ُمع َّر ٌض لل َّزوا ِل والفوات‪ ،‬و َم َث ُل المتع ِّلق بغير الله ك َم َثل المست ِظ ِّل ِمن الح ِّر‬ ‫والبر ِد ببيت العنكبوت أ ْو َه ِن البيوت‪.‬‬ ‫المفسد ال َّراب ُع ِمن مفسدات القلب‪ :‬ال َّطعام‪ :‬والمف ِس ُد له من ذلك نوعان‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬ما ُيف ِس ُده ل َع ْينِه وذاتِه كالمح َّرمات‪ ،‬وهي مح َّرما ٌت لحَ ِّق الله‪ ،‬ومح َّرما ٌت‬ ‫لحق ال ِعباد‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬ما يفسده ب َق ْد ِره‪ ،‬و َتع ِّدي ح ِّده‪ ،‬كالإسراف في الحلال‪ ،‬وال ِّش َب ِع‬ ‫المفرط؛ فإ َّنه ُيثقله عن ال َّطاعات‪ ،‬و َيشغله بمزاولة مؤن ِة البِطنة ومحاولتِها‪،‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)2325‬وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (‪.)110 /1‬‬ ‫‪101‬‬

‫حتى يظفر بها‪ ،‬فإذا َظ ِفر بها شغله بمزاولة تص ُّرفها ووقاي ِة ضر ِرها‪ ،‬وال َّتأ ِّذي‬ ‫بثقلها‪ ،‬وق َّوى عليه موا َّد ال َّشهوة‪ ،‬وط َّرق مجاري الشيطان وو َّسعها؛ فإ َّنه‬ ‫يجري من ابن آد َم مجرى ال َّدم‪ ،‬فال َّصوم ُيض ِّيق مجاريه و َي ُس ُّد عليه ُطرقه‪،‬‬ ‫وال ِّش َبع ُيط ِّرقها ويو ِّس ُعها‪ ،‬و َمن أكل كثي ًرا ش ِرب كثي ًرا‪ ،‬فنام كثي ًرا‪ ،‬فخسرِ‬ ‫كثي ًرا‪ ،‬وفي الحديث المشهور‪« :‬ما َملأ آ َدم ٌّي ِوعا ًء َر ًّشا ِمن َب ْطنِه‪ ،‬بِ َح ْس ِب اب ِن‬ ‫آ َد َم ُل َق ْيما ٌت ُي ِق ْم َن ُص ْل َبه‪ ،‬فإ ْن كان لا ُب َّد فا ِعلاً ف ُث ُل ٌث ل َطعا ِمه‪ ،‬و ُث ُل ٌث لشرَ ابِه‪،‬‬ ‫و ُث ُل ٌث ل َن َف ِسه»(((‪.‬‬ ‫المفسد الخامس‪ :‬كثرة النوم‪ :‬فإ َّنه يميت القل َب‪ ،‬و ُيثقل البد َن‪ ،‬ويض ِّي ُع‬ ‫الوقت‪ ،‬و ُيورث كثر َة الغفلة والكسل‪ ،‬ومنه المكروه ج ًّدا‪ ،‬ومنه ال َّضا ُّر غير‬ ‫النَّافع للبدن‪ ،‬وأنفع النوم ما كان ِعن َد ش َّد ِة الحاجة إليه‪ ،‬ونو ُم أ َّو ِل ال َّلي ِل‬ ‫أح َم ُد وأنف ُع من آ ِخره‪ ،‬ونو ُم و َس ِط النَّها ِر أنف ُع من ط َر َف ْيه‪ ،‬وك َّلما ق ُرب النَّوم‬ ‫من ال َّط َرفي ِن ق َّل نف ُعه‪ ،‬وك ُثر ضر ُره‪ ،‬ولا س َّيما نو ُم العصر والنَّو ُم أ َّو َل النَّها ِر‬ ‫إلاَّ لسهران‪.‬‬ ‫و ِمن المكروه عن َدهم النَّو ُم بين صلاة ال ُّصب ِح وطلو ِع الشمس؛ فإ َّنه وقت‬ ‫َغنيمة‪ ،‬ولل َّسير ذلك الوق َت ِعن َد ال َّسالكي َن َمز َّي ٌة عظيمة‪ ،‬حتى لو ساروا‬ ‫طول ليلهم لم َيسمحوا بالقعود عن ال َّسير ذلك الوق َت حتى تط ُلع ال َّشم ُس؛‬ ‫فإ َّنه أ َّو ُل النَّها ِر و ِمفتاحه‪ ،‬ووق ُت نزول الأرزاق‪ ،‬وحصول ال َق ْسم‪ ،‬وحلول‬ ‫البركة‪ ،‬ومنه ينشأ النَّهار‪ ،‬وينسحب ُح ْك ُم جمي ِعه على حكم تلك ال ِح َّصة؛‬ ‫((( صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (‪.)2265‬‬ ‫‪102‬‬

‫التذكــــــر‬ ‫فينبغي أن يكون نو ُمها كنوم المضطر‪.‬‬ ‫وبالجملة فأعد ُل النوم وأنف ُعه نوم نص ِف الليل‪ ،‬و ُسد ِسه الأخير‪ ،‬وهو‬ ‫مقدار ثما ِن ساعا ٍت‪ ،‬وهذا أعد ُل النو ِم عند الأطباء‪ ،‬فما زاد عليه أو َن َقص‬ ‫منه أ َّثر عندهم في الطبيعة انحرا ًفا بح َسبه‪.‬‬ ‫و ِمن النَّوم ا َّلذي لا ينفع أي ًضا‪ :‬النَّو ُم أ َّو َل ال َّليل‪َ ،‬ع ِقي َب غروب الشمس‪،‬‬ ‫حتى تذهب َفحم ُة ال ِعشاء‪ ،‬وكان نب ُّي الله ﷺ َي ْكرهه‪ ،‬فهو مكرو ٌه شر ًعا و َط ْب ًعا‪.‬‬ ‫وكما أ َّن كثرة النَّو ِم ُمو ِرثة لهذه الآفات‪ ،‬فمدافع ُته و َه ْج ُره ُمط َل ًقا ُمو ِر ٌث‬ ‫لآفات أخرى ِعظام‪ :‬من سوء المزاج و ُي ْب ِسه‪ ،‬وانحراف النَّ ْفس‪ ،‬و َجفاف‬ ‫ال ُّرطوبات ال ُمعين ِة على ال َف ْهم والعمل‪ ،‬و ُيو ِرث أمرا ًضا ُمت ِلفة لا ينتفع صاح ُبها‬ ‫بقلبه ولا بدنه معها‪ ،‬وما قام الوجود إلاَّ بالعدل‪ ،‬ف َم ِن اع َتصم به فقد أخذ‬ ‫بح ِّظه من مجام ِع الخير‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬ ‫‪103‬‬

‫منزلـــــــ ُةااللتاذع ُّكتــــ�ـصــارم‬ ‫وهو نوعان‪ :‬اعتصام بالله‪ ،‬واعتصا ٌم بحبل الله‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﭱ‬ ‫ﭲﭳﭴﭵﭶ﴾ [آلعمران‪ ،]103:‬ومدار ال َّسعادة ال ُّدنيوي ِة والأُخرو َّي ِة‬ ‫على الاعتصام بالله‪ ،‬والاعتصا ِم بحبله‪ ،‬ولا نجا َة إلاَّ ل َم ِن استمسك بهاتين‬ ‫ال ِعصمتين‪.‬‬ ‫فأما الاعتصا ُم بحبله‪ :‬فإنه َيع ِصم من الضلالة‪ ،‬والاعتصا ُم به َيع ِص ُم من‬ ‫الهَ َلكة؛ فإ َّن ال َّسائ َر إلى الله كالسائر على طري ٍق نح َو مقص ِده؛ فهو محتاج إلى‬ ‫هداية ال َّطريق‪ ،‬وال َّسلام ِة فيها‪ ،‬فلا يصل إلى مقصده إلاَّ بعد حصول هذين‬ ‫الأ ْمرين له؛ فال َّدلي ُل كفي ٌل بِعصمته من ال َّضلالة‪ ،‬ويهديه إلى الطريق‪ ،‬وال ُع َّد ُة‬ ‫والق َّو ُة وال ِّسلا ُح بها تح ُص ُل له ال َّسلام ُة من ُق َّطاع ال َّطريق وآفاتهِ ا‪.‬‬ ‫والاعتصام بحبل الله يو ِجب له الهداي َة وا ِّتبا َع ال َّدليل‪ ،‬والاعتصا ُم بالله‬ ‫يوجب له الق َّو َة وال ُع َّد َة وال ِّسلاح‪ ،‬والما َّد َة التي َيس َلم بها في طريقه؛ ولهذا‬ ‫اخ َتلف ْت عبارا ُت ال َّسلف في الاعتصام بحبل الله‪ ،‬بعد إشارتهم ك ِّلهم إلى‬ ‫هذا المعنى‪.‬‬ ‫فقال ابن ع َّباس «تمَ َّسكوا ب ِدي ِن الله»‪.‬‬ ‫وقال ابن مسعود ‪« :‬هو الجماع ُة»‪.‬‬ ‫وأ َّما الاعتصا ُم به‪ :‬فهو ال َّتو ُّكل عليه‪ ،‬والامتنا ُع به‪ ،‬والاحتماء به‪ ،‬وسؤا ُله‬ ‫‪104‬‬

‫الاعتصــــــام‬ ‫أن يحَ م َي العبد ويمنعه‪ ،‬و َيع ِص َمه ويدف َع عنه؛ فإ َّن ثمرة الاعتصام به هو‬ ‫ال َّدف ُع عن العبد‪ ،‬والله يدفع عن ا َّلذين آمنوا‪ ،‬ف َيدفع عن عبده المؤم ِن إذا‬ ‫اع َتصم به ك َّل سبب ُيفضي إلى العطب‪ ،‬ويحميه منه‪ ،‬فيدفع عنه ال ُّشبها ِت‬ ‫وال َّشهوات‪ ،‬وك ْي َد عد ِّوه الباطن وال َّظاهر‪ ،‬وشرََّ ن ْف ِسه‪ ،‬ويدفع عنه موج َب‬ ‫أسباب الشرَِّّ بعد انعقادها‪ ،‬بح َسب ق َّو ِة الاعتصام به وتم ُّكنِه‪ ،‬فينعقد في ح ِّقه‬ ‫أسبا ُب العطب‪ ،‬فيدفع عنه موجباتهِ ا ومسبباتها‪ ،‬ويدفع عنه ق َد َره ب َق َد ِره‪،‬‬ ‫وإراد َته بإرادتِه‪ ،‬و ُيعيذه به منه‪.‬‬ ‫‪105‬‬

‫منزلــة ال�ســماع‬ ‫وقد أ َمر الله به في كتابه‪ ،‬وأثنى على أ ْه ِله‪ ،‬فقال تعالى‪﴿:‬ﰂﰃﰄﰅ﴾‬ ‫[المائدة‪ ،]108:‬وقال‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ‬ ‫ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭦﭧ﴾ [المائدة‪.]83:‬‬ ‫فال َّسما ُع أص ُل العقل‪ ،‬وأسا ُس الإيمان الذي انبنى عليه‪ ،‬وهو رائده‬ ‫وجلي ُسه ووزيره‪ ،‬ولك َّن ال َّشأ َن ك َّل ال َّشأ ِن في المسموع‪ ،‬وفيه و َقع َخ ْب ُط الناس‬ ‫واختلا ُفهم‪ ،‬و َغ ِل َط فيه َمن َغ ِل َط‪.‬‬ ‫وحقيقة ال َّسما ِع تنبي ُه القلب على معاني المسموع‪ ،‬وتحريكه عنها طل ًبا‬ ‫وهر ًبا‪ ،‬و ُح ًّبا وبغ ًضا‪ ،‬فهو حا ٍد يحَ دو بك ِّل أحد إلى وطنه ومأل ِفه‪.‬‬ ‫وأصحاب ال َّسماع؛ منهم َمن يسمع بطبعه ون ْف ِسه وهواه‪ ،‬فهذا ح ُّظه ِمن‬ ‫مسموعه ما وافق طب َعه‪.‬‬ ‫ومنهم َمن يسمع بحاله وإيمانِه ومعرفتِه وعقله‪ ،‬فهذا ُيفتح له من المسموع‬ ‫بح َسب استعداده وق َّوتِه ومادته‪.‬‬ ‫ومنهم َمنيسمعبالله‪،‬لايسمعبغيره‪،‬كمافيالحديثالإله ِّيال َّصحيح‪َ «:‬فبِي‬ ‫َيس َم ُع‪ ،‬و ِيب ُيبصرِ ُ (((» ‪ ،‬وهذا أعلى سما ًعا‪ ،‬وأص ُّح من ك ِّل أحد‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ )6502‬بمعناه‪.‬‬ ‫‪106‬‬

‫الســـــماع‬ ‫فأ َّما المسموع فعلى ثلاثة أضرب‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬مسموع يحُ ُّبه الله ويرضاه‪ ،‬وأ َمر به عبا َده‪ ،‬وأثنى على أهله‪ ،‬ورض َي‬ ‫عنهم به‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬مسموع ُيبغضه و َيكرهه‪ ،‬ونهى عنه‪ ،‬وم َد َح ال ُمع ِرضين عنه‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬مسموع مبا ٌح مأذون فيه‪ ،‬لا يحُ ُّبه ولا يبغضه‪ ،‬ولا م َد َح صاح َبه‬ ‫ولا ذ َّمه؛ ف ُح ْك ُمه ُحكم سائر المباحات‪.‬‬ ‫فأ َّما ال َّنوع الأ َّو ُل‪ :‬فهو ال َّسماع ا َّلذي مدحه الله في كتابه‪ ،‬وأ َمر به‪ ،‬وأثنى‬ ‫على أصحابه‪ ،‬و َذ َّم ال ُمع ِرضين عنه ول َعنَ ُهم‪ ،‬وج َع َلهم أض َّل من الأنعام‪ ،‬و ُه ُم‬ ‫القائلو َن في النَّار‪﴿ :‬ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰﯱﯲ ﯳﯴ ﯵ﴾ [ال ُملك‪ ،]10:‬وهو سماع‬ ‫آياتِه المتل َّو ِة التي أن َزلها على رسوله ﷺ؛ فهذا ال َّسماع أسا ُس الإيمان ا َّلذي عليه‬ ‫بناؤه‪ ،‬وهو على ثلاثة أنواع‪ :‬سماع إدراك بحا َّسة الأذن‪ ،‬وسماع َفهم وعقل‪،‬‬ ‫وسماع إجابة و َقبول‪ ،‬والثلاثة في القرآن‪.‬‬ ‫والمقصود‪ :‬أ َّن سماع المق َّربين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة‪ :‬إدرا ًكا‬ ‫و َفه ًام وتد ُّب ًرا‪ ،‬وإجابة‪.‬‬ ‫وك ُّل سماع في القرآن َم َدح الله أصحابه وأثنى عليهم‪ ،‬وأ َمر به أوليا َءه‬ ‫فهو هذا ال َّسماع‪ ،‬وهو سماع الآيات‪ ،‬لا سما ُع الأبيات‪ ،‬وسما ُع القرآن‪ ،‬لا‬ ‫سماع الشيطان‪ ،‬وسماع كلا ِم ر ِّب الأرض وال َّسماء‪ ،‬لا سما ُع قصائ ِد ال ُّشعراء‪،‬‬ ‫وسماع المرا ِشد‪ ،‬لا سماع القصا ِئد‪ ،‬وسماع الأنبياء والمر َسلي َن والمؤمنين‪ ،‬لا‬ ‫سماع المغنِّي َن والمطربين‪.‬‬ ‫‪107‬‬

‫فهذا ال َّسماع حا ٍد يحَ دو القلو َب إلى ِجوار علاَّ ِم الغيوب‪ ،‬وسائ ٌق يسوق‬ ‫الأرواح إلى ديار الأفراح‪ ،‬ومح ِّرك ُيثير ساك َن الع َزما ِت إلى أعلى المقامات‬ ‫وأرف ِع الدرجات‪ ،‬ومنا ٍد ينادي للإيمان‪ ،‬ودلي ٌل يد ُّل ال َّرك َب في طريق الجنان‪،‬‬ ‫ودا ٍع يدعو القلوب بالمساء وال َّصباح‪ِ ،‬من ِق َبل فالِق الإصباح‪ :‬ح َّي على‬ ‫الفلاح‪ ،‬ح َّي على الفلاح‪.‬‬ ‫فلن تعدم ِمن هذا السماع إرشا ًدا ل ُح َّجة‪ ،‬وتبصر ًة ل ِعبرة‪ ،‬وتذكر ًة لمعرفة‪،‬‬ ‫وفِكر ًة في آية‪ ،‬و َدلال ًة على رشد‪ ،‬ور ًّدا عن ضلالة‪ ،‬وإرشا ًدا ِمن َغ ٍّي‪ ،‬وبصير ًة‬ ‫من ع ًمى‪ ،‬وأم ًرا بمصلحة‪ ،‬ونه ًيا عن َمض َّرة ومفسدة‪ ،‬وهداي ًة إلى نور‪،‬‬ ‫وظغلذماةًء‪،‬ودوزوا ًءج ًرواشعفانء‪،‬هوو ِعى‪،‬صم ًوةحو ًّثناجاعةل‪،‬ىوُتكق ْشى‪َ ،‬فو ُ ِشجْبلهاةًء‪،‬‬ ‫لبصيرة‪،‬‬ ‫وإخرا ًجا من‬ ‫وإيضاح‬ ‫وحيا ًة لقلب‪،‬‬ ‫برهان‪ ،‬وتحقي َق ح ٍّق‪ ،‬وإبطال باطل‪.‬‬ ‫[النوع الثاني من السماع]‪ :‬ما ُيب ِغ ُضه الله و َيك َرهه‪ ،‬و َيمدح ال ُمع ِر َض عنه‪،‬‬ ‫العب َد في قلبه و ِدينه‪ ،‬كسماع الباطل ك ِّله‪ ،‬إلا إذا تض َّمن‬ ‫به‪ ،‬ب ِعلمه ب ُحسن ِض ِّده؛ فإ َّن الض َّد ُيظ ِهر ُحسنَه الض ُّد‪،‬‬ ‫وهو سماع ك ِّل ما َيضرُُّ‬ ‫ر َّده وإبطاله والاعتبا َر‬ ‫وإذا َس ِم ْع ُت إلى حديثِ َك زا َدني‬ ‫كما قيل‪:‬‬ ‫ُح ًّبا ل ُه َس ْمعي حدي َث ِسواكا‬ ‫وكسماع ال َّلغو ا َّلذي م َدح الل ُه ال َّتاركـي َن لسـماعه‪ ،‬والمع ِرضـي َن عنـه بقـوله‪:‬‬ ‫﴿ﭿﮀﮁ ﮂﮃ﴾ [القصص‪.]55:‬‬ ‫‪108‬‬

‫الخــــــوف‬ ‫منزلـــة الخـــوف‬ ‫وهي ِمن أ َج ِّل منازل ال َّطري ِق وأنف ِعها للقلب‪ ،‬وفر ٌض على كل أحد‪ ،‬قال‬ ‫الله تعالى‪﴿ :‬ﭧﭨﭩﭪﭫ ﭬ﴾ [آل عمران‪ ،]175:‬و َم َد َح أه َله في‬ ‫كتابه وأ ْثنى عليهم‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ﴾ إلى قوله‪﴿ :‬ﭜ‬ ‫ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ﴾ [المؤمنون‪.] 61 -57 :‬‬ ‫عن عائشة قالت‪ :‬قلت‪ :‬يا رسو َل‪ ‬الله‪﴿ ،‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ‬ ‫ﭗﭘﭙﭚ﴾ [المؤمنون‪ ،]60:‬أهو الذي َيزني‪ ،‬و َيش َر ُب الخَ ْم َر‪ ،‬و َيس ِر ُق؟‬ ‫قال‪« :‬لا يا ابن َة ال ِّص ِّدي ِق‪ ،‬ولكنَّه ال َّر ُج ُل َيصو ُم و ُي َص يِّل و َيت َص َّد ُق‪ ،‬و َخيا ُف ألاَّ‬ ‫ُيق َب َل منه»(((‪.‬‬ ‫قال الح َسن ‪« :‬ع ِملوا واللهِ بالطاعات‪ ،‬واجت َهدوا فيها‪ ،‬وخافوا أن ُتر َّد‬ ‫عليهم؛ إ َّن المؤمن ج َمع إحسا ًنا وخشية‪ ،‬والمنافق ج َمع إساء ًة وأ ْمنًا»‪.‬‬ ‫و«ال َو َجل» و«الخوف» و«الخشية» و«ال َّرهبة» ألفا ٌظ متقاربة غي ُر مترادفة‪.‬‬ ‫قال أبو القاسم الجُنَ ْيد ‪« :‬الخوف تو ُّقع العقوبة على مجا ِري الأنفاس»‪.‬‬ ‫و«الخشية» أخ ُّص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿ :‬ﯞ‬ ‫ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ﴾ [فاطر‪]28 :‬؛ فهي خوف مقرون بمعرفة‪ ،‬وقال‬ ‫النبي ﷺ‪« :‬إنيِّ أ ْتقا ُكم لل ِه‪ ،‬وأ َش ُّد ُكم له َخ ْشي ًة»(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)3175‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (‪.)162‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)5063‬ومسلم (‪.)1401‬‬ ‫‪109‬‬

‫فالخو ُف حرك ٌة‪ ،‬والخَشي ُة ا ْن ِجما ٌع وانقبا ٌض وسكو ٌن‪ ،‬فإن الذي يرى العد َّو‬ ‫وال َّسي َل ونحو ذلك له حالتان‪:‬‬ ‫إحداهما‪ :‬حركة للهرب منه‪ ،‬وهي حالة الخوف‪.‬‬ ‫والثانية‪ :‬سكو ُنه وقرا ُره في مكان لا َي ِص ُل إليه‪ ،‬وهي الخشية‪.‬‬ ‫وأ َّما ال َو َجل‪ :‬فرجفان‬ ‫الوارنهبصةد‪:‬ا ُفعهه لي ِذاكلإرم َمعاننيخفاي افله َُرسلبطانمهنوالمعقكورب َوتهه‪،،‬‬ ‫وأ َّما‬ ‫أو لرؤيته‪ ،‬وأما الهيب ُة‪:‬‬ ‫القلب‪،‬‬ ‫فخو ٌف مقارن للتعظيم والإجلال‪ ،‬وأكث ُر ما يكون مع المعرفة والمحبة‪،‬‬ ‫والإجلال‪ :‬تعظي ٌم مقرو ٌن بالحب‪.‬‬ ‫فالخوف لعامة المؤمنين‪ ،‬والخشية للعلماء العارفين‪ ،‬والهيب ُة للمح ِّبين‪،‬‬ ‫والإجلال لل ُمق َّربين‪ ،‬وعلى ق ْدر العلم والمعرفة يكون الخو ُف والخشية‪ ،‬كما‬ ‫قال ﷺ‪« :‬إنيِّ لأ ْع َل ُم ُكم باللهِ‪ ،‬وأ َش ُّد ُكم له خشية (((» ‪.‬‬ ‫«القخاول أفبوسراحفج فيصالقل ‪:‬ب«‪،‬البخه ُيوبصفرَسموا فطي اهللمه‪،‬ن ُيا َقل ِّخويمربهوااللششرا‪،‬ر َدوكعُّلنأباحبهد»إ‪.‬ذاو ِقخاف َتله‪:‬‬ ‫ه َرب َت منه إلا الله تعالى؛ فإنك إذا ِخف َته هرب َت إليه»‪.‬‬ ‫فالخائف هار ٌب ِمن ر ِّبه إلى ر ِّبه‪.‬‬ ‫قال أبو سليمان ‪« :‬ما فارق الخو ُف قل ًبا إلا خ ِرب»‪ .‬وقال إبراهيم‪ ‬بن‬ ‫شيبان ‪« :‬إذا س َكن الخو ُف القلو َب أحرق مواضع الشهوات منها‪ ،‬وط َرد‬ ‫الدنيا عنها»‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)6101‬ومسلم (‪.)2356‬‬ ‫‪110‬‬

‫الخــــــوف‬ ‫وقال ذو النُّون ‪« :‬النا ُس على الطريق ما لم َي ُز ْل عنهم الخو ُف‪ ،‬فإذا زال‬ ‫عنهم الخو ُف ض ُّلوا الطري َق»‪.‬‬ ‫والخوف ليس مقصو ًدا لذاته‪ ،‬بل مقصو ًدا لغيره َق ْص َد الوسائل؛ ولهذا‬ ‫َيزول بزوال ال َم ُخوف؛ فإن أهل الجنة لا خو ٌف عليهم ولا هم يحزنون‪.‬‬ ‫محا ِرم الله‪ ،‬فإذا تجاو َز‬ ‫صاحبِه وبينْ‬ ‫بينْ‬ ‫حا َل‬ ‫المحمود الصادق‪ :‬ما‬ ‫والخوف‬ ‫منه اليأ ُس والقنوط‪.‬‬ ‫ذلك ِخيف‬ ‫قال أبو عثمان ‪ِ « :‬صدق الخو ِف هو الورع عن الآثام ظاه ًرا وباطنًا»‪.‬‬ ‫وس ِمعت شيخ الإسلام اب َن تيم َّية َ يقول‪« :‬الخوف المحمو ُد ما ح َج َزك‬ ‫عن محار ِم الله»‪.‬‬ ‫[و] القلب في َسي ِره إلى الله تعالى بمنزلة الطائر؛ فال َمح َّب ُة رأ ُسه‪ ،‬والخو ُف‬ ‫َس ِل َم الرأس والجناحان فال َّطي ُر ج ِّيد الطيران‪،‬‬ ‫الطائر‪ ،‬ومتى ُعدم الجَناحان فهو ُعرضة لكل‬ ‫فمتى‬ ‫والرجاء َجناحاه؛‬ ‫مات‬ ‫ومتى ُقطِع الرأ ُس‬ ‫صائد وكاسر‪ ،‬ولكن السلف استح ُّبوا أن يقوى في الصحة َجنا ُح الخوف‬ ‫على جناح الرجاء‪ ،‬وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح‬ ‫الخوف؛ هذه طريق ُة أبي سليما َن و َغي ِره؛ قال‪« :‬ينبغي للقلب أن يكون الغال ُب‬ ‫عليه الخو َف؛ فإنه إذا كان الغالب عليه الرجاء ف َسد»‪.‬‬ ‫الرجاء والخوف‪ ،‬وغلب ُة الحب؛‬ ‫فالموحقباةله غييالُمرهر‪:‬ك «أبك‪،‬مواللرالجأاءحوحاا ٍدل‪:،‬واالعتخدوا ُلف‬ ‫سائ ٌق‪،‬واللهال ُمو ِصلب َمنِّهوكرمه»‪.‬‬ ‫‪111‬‬

‫منزلـــــة الخ�شـــــوع‬ ‫قال تعالى‪﴿ :‬ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾‬ ‫[الحديد‪.]16:‬‬ ‫قال ابن مسعود ‪« :‬ما كان بينْ إسلا ِمنا وبينْ أن عات َبنا الل ُه بهذه الآية إلا‬ ‫أرب ُع ِسني َن»(((‪.‬‬ ‫وقال ابن عباس ‪« :‬إ َّن الله استبطأ قلو َب المؤمنين‪ ،‬فعات َبهم على رأس‬ ‫ثلا َث عشر َة َسنَ ًة ِمن نزول القرآن»(((‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ﴾ [المؤمنون‪.]2-1:‬‬ ‫والخشوع‪ :‬قيام القلب بين ي َد ِي ال َّر ِّب بالخضوع وال ِّذ َّلة‪ ،‬والجمع َّي ِة عليه‪.‬‬ ‫وقال ال ُجنَيد ‪« :‬الخشوع‪ :‬تذ ُّل ُل القلوب لعلام الغيوب»‪.‬‬ ‫وأجمع العارفون على أ َّن الخشوع مح ُّله القلب‪ ،‬وثمرته على الجوارح؛ فهي‬ ‫ُتظهره‪.‬‬ ‫وكان بعض ال َّصحابة يقول‪« :‬إ َّياكم وخشو َع النِّفاق‪ ،‬فقيل له‪ :‬وما‬ ‫خشو ُع النفاق؟ قال‪ :‬أن ُيرى البد ُن خاش ًعا والقلب غي ُر خاشع»‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)3027‬‬ ‫((( «الدر المنثور» للسيوطي (‪ ،)276 /14‬وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه ‪.‬‬ ‫‪112‬‬

‫الخشـــــوع‬ ‫ورأى عم ُر‪ ‬بن الخ َّطاب رج اًل طأطأ رقبته في ال َّصلاة‪ ،‬فقال‪« :‬يا صاح َب‬ ‫ال َّرقبة‪ ،‬ارفع رقبتك‪ ،‬ليس الخشو ُع في الرقاب‪ ،‬إ َّنما الخشو ُع في القلوب»‪.‬‬ ‫ورأت عائش ُة شبا ًبا يمشون و َيتما َوتون في ِم ْش َيتِهم‪ ،‬فقالت‬ ‫لأصحابها‪َ « :‬من هؤلاء؟ فقالوا‪ُ :‬ن َّساك‪ ،‬فقالت‪ :‬كان عمر‪ ‬بن الخطاب إذا‬ ‫وكان‬ ‫أشبع‪،‬‬ ‫أطعم‬ ‫وإذا‬ ‫أوجع‪،‬‬ ‫ض َرب‬ ‫وإذا‬ ‫أسمع‪،‬‬ ‫مشى أسرع‪ ،‬وإذا قال‬ ‫هو النَّا ِسك ح ًّقا»‪.‬‬ ‫وقال ال ُف َضيل‪ ‬بن ِعياض ‪« :‬كان ُيكره أن ُير َي الرج ُل من الخشوع أكث َر‬ ‫ممَّا في قلبه»‪.‬‬ ‫وقال حذيفة ‪« :‬أ َّول ما َتف ِقدون من دينكم الخشوع‪ ،‬وآ ِخر ما تفقدون‬ ‫من دينكم ال َّصلاة‪ ،‬و ُر َّب ُم َص ٍّل لا خير فيه‪ ،‬ويوشك أن تدخل مسجد‬ ‫الجماعة فلا ترى فيهم خاش ًعا»(((‪.‬‬ ‫فإن قيل‪ :‬ما تقولون في َصلاة َمن َع ِد َم الخشوع؛ هل ُيع َت ُّد بها أ ْم لا؟‬ ‫قيل‪ :‬أ َّما الاعتدا ُد بهِ َا في ال َّث َوا ِب‪ :‬فلا ُي ْع َت ُّد له منها إلا بما َع َقل فيه‪ ،‬و َخ َشع‬ ‫فيه لربه‪.‬‬ ‫وأما الا ْعتِدا ُد بها في أحكام الدنيا‪ ،‬وسقوط القضاء‪ :‬فإن غ َلب عليها‬ ‫الخشو ُع وتع ُّقلها‪ ،‬اع ُت َّد بها إجما ًعا‪ ،‬وإن غ َلب عليه عد ُم الخشوع فيها‪ ،‬وعدم‬ ‫((( أخرجه أحمد في الزهد (‪ ،)1003‬وابن أبي شيبة (‪ ،)34808‬والحاكم (‪ ،)8448‬وقال‪:‬‬ ‫صحيح الإسناد‪ .‬‬ ‫‪113‬‬

‫تع ُّقلها‪ ،‬فقد اخ َتلف الفقهاء في وجوب إعادتها‪ ،‬فأ ْو َجبها [قوم]‪:‬‬ ‫قالوا‪ :‬لأ َّن الخشوع والعق َل ُرو ُح الصلاة ومقصو ُدها و ُل ُّبها‪ ،‬فكيف ُيعت ُّد‬ ‫بصلا ٍة َف َقد ْت ُرو َحها و ُل َّبها‪ ،‬وبقي ْت صورتهُ ا وظاه ُرها؟!‬ ‫قالوا‪ :‬ولو ت َرك العب ُد واج ًبا ِمن واجباتها عم ًدا لأبطلها َت ْر ُكه‪ ،‬وغايته‪:‬‬ ‫أن يكون بع ًضا من أبعاضها بمنزلة فوات عض ٍو من أعضاء العبد‪ ‬ال ُمع َتق في‬ ‫الك َّفارة‪ ،‬فكيف إذا َع ِدم ْت ُرو َحها‪ ،‬و ُل َّبها و َمقصو َدها‪ ،‬وصار ْت بمنزلة‬ ‫العبد‪ ‬الم ِّيت؟! فإذا لم ُيعت َّد بالعبد‪ ‬المقطوع اليد‪ُ ،‬يعتِقه َتق ُّر ًبا إلى الله تعالى في‬ ‫ك َّفارة واجبة‪ ،‬فكيف ُيعت ُّد بالعبد‪ ‬الم ِّيت؟!‬ ‫ولهذا قال بعض ال َّس َلف‪ :‬الصلا ُة كجارية تهُ دى إلى م ِل ٍك من الملوك‪ ،‬فما‬ ‫الظ ُّن ب َمن ُهيدي إليه جاري ًة شلاَّ َء‪ ،‬أو عورا َء‪ ،‬أو عميا َء‪ ،‬أو مقطوع َة اليد‬ ‫والرجل‪ ،‬أو مريض ًة‪ ،‬أو َز ِمن ًة‪ ،‬أو قبيح ًة‪ ،‬حتى ُهيدي جاري ًة ميتة بلا ُرو ٍح أو‬ ‫جارية قبيحة‪ ،‬فهكذا الصلا ُة التي هُيديها العب ُد‪ ،‬و َيتق َّرب بها إلى ر ِّبه تعالى!‬ ‫والله ط ِّي ٌب لا َيق ُبل إلا ط ِي ًّبا‪ ،‬وليس من العمل الطيب صلا ٌة لا ُرو َح فيها‪،‬‬ ‫كما أنه ليس من ال ِعتق الط ِّيب ِع ْت ُق عب ٍد لا ُرو َح فيه‪.‬‬ ‫قالوا‪ :‬وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع تعطي ٌل ل َم ِل ِك‬ ‫الأعضاء عن عبوديته‪ ،‬و َع ْز ٌل له عنها‪ ،‬فماذا ُت ْغني طاع ُة ال َّرعية وعبود َّي ُتها‪،‬‬ ‫وقد ُع ِز َل َم ِل ُكها و َتع َّطل؟‬ ‫قالوا‪ :‬والأعضاء تابع ٌة للقلب‪َ ،‬تص ُلح بصلاحه‪ ،‬و َتف ُسد بفساده‪ ،‬فإذا لم‬ ‫‪114‬‬

‫الخشـــــوع‬ ‫يكن قائ اًم بعبوديته‪ ،‬فالأعضاء أ ْولى ألا ُيعت َّد بعبود َّيتها‪ ،‬وإذا َفسد ْت عبودي ُته‬ ‫بالغفلة والوسواس فأ َّنى َت ِص ُّح عبودي ُة رع َّيتِه و ُجن ِده ومادَّتهُ م منه‪ ،‬وعن أمره‬ ‫َيص ُدرون‪ ،‬وبه يأتمرون؟!‬ ‫فبالجملة‪ :‬مصلحة الإخلاص والحضور‪ ،‬وجمعي ِة القلب على الله في‬ ‫الصلاة‪ ،‬أرج ُح في نظر الشارع من مصلحة سا ِئر واجباتها؛ فكيف ُي َظ ُّن به‬ ‫أنه ُيبطلها بترك تكبيرة واحدة‪ ،‬أو اعتدال في ُركن‪ ،‬أو ت ْر ِك َح ْر ٍف‪ ،‬أو َش َّد ٍة‬ ‫من القراءة الواجبة‪ ،‬أو ت ْر ِك تسبيحة‪ ،‬أو قول‪ :‬س ِمع الله لمَِن حمِ َده‪ ،‬أو قول‪:‬‬ ‫ر َّبنا ولك الحم ُد‪ ،‬أو ِذ ْك ِر رسولِه بالصلاة عليه‪ ،‬ثم ُيص ِّححها مع فوات ُل ِّبها‪،‬‬ ‫ومقصو ِدها الأعظم‪ ،‬و ُروحها وسرِِّ ها؟!‬ ‫فهذا ما احت َّجت به هذه الطائف ُة‪ ،‬وهي ُح َج ٌج كما تراها ق َّوة وظهو ًرا‪.‬‬ ‫[وقال أصحاب القول الآ َخر]‪ :‬شرائ ُع الإسلا ِم على الأفعال الظاهرة‪،‬‬ ‫وأما حقائ ُق الإيمان الباطن ُة فتلك عليها شرائ ُع الثواب والعقاب‪ ،‬فلله تعالى‬ ‫ُح ْكما ِن‪ُ :‬حك ٌم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح‪ ،‬و ُح ْك ُم‬ ‫الآخرة على الحقائق والبواطن‪.‬‬ ‫نعم لا يحَ ُصل مقصو ُد هذه الصلاة من ثواب الله عاج اًل ولا آ ِج ًال‪،‬‬ ‫فإن للصلاة مزي ًدا عاج اًل في القلب من قوة إيمانه‪ ،‬واستنارتِه‪ ،‬وانشراحه‬ ‫وانفساحه وو ْج ِد حلاو ِة العبادة‪ ،‬والفرح والسرور‪ ،‬وال َّل َّذ ِة التي تح ُصل ل َمن‬ ‫اجتمع قلبه وه ُّمه على الله‪ ،‬وحضرَ َ قل ُبه بين يديه‪ ،‬كما يح ُصل لمن ق َّربه السلطان‬ ‫منه‪ ،‬وخ َّصه بمناجاته والإقبا ِل عليه‪ ،‬والله أعلى وأج ُّل‪.‬‬ ‫‪115‬‬

‫وكذلك ما يحَ ُصل لهذا من ال ِّدرجات ال ُعلى في الآخرة‪ ،‬و ُمرا َفقة المق َّربين؛‬ ‫ُك ُّل هذا َيفو ُته بفوا ِت الحضور والخشوع‪ ،‬وإ ّن الر ُج َلين ليكو ُن َمقا ُمهما في‬ ‫الص ِّف واح ًدا‪ ،‬وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض! وليس كلا ُمنا في‬ ‫هذا ك ِّله‪.‬‬ ‫فإن أرد ُتم وجو َب الإعادة ل َتح ُصل هذه الثمرا ُت والفوائ ُد فذاك إليه‪ ،‬إن‬ ‫شاء أن يحُ ِّصلها وإن شاء أن ُيف ِّوتها على ن ْف ِسه‪ ،‬وإن أردتم بوجوب الإعادة أ َّنا‬ ‫ُنل ِزمه بها و ُنعا ِقبه على ت ْر ِكها‪ ،‬و ُنر ِّت َب عليه أحكا َم تار ِك ال َّصلا ِة فلا‪.‬‬ ‫وهذا القول ال َّثاني أرج ُح ال َقولين‪ ،‬والله أعلم‪.‬‬ ‫‪116‬‬

‫الإخبــــــات‬ ‫منزلـــــــة ا إلخبـــــات‬ ‫قال الله تعالى‪ ﴿ :‬ﮒﮓ﴾ [الحج‪ ،]34 :‬ثم كشف عن معناهم فقال‪:‬‬ ‫﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ‬ ‫ﮢ ﮣ﴾ [الحج‪ .]35 :‬وقال‪﴿ :‬ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ‬ ‫ﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮊﮋﮌ﴾ [هود‪.]23 :‬‬ ‫الخَ ْب ُت في أصل ال ُّلغة‪ :‬المكان المنخف ُض من الأرض‪ ،‬وبه َفسرَّ اب ُن ع َّباس‬ ‫و َقتاد ُة لفظ ال ُمخبِتِين‪ ،‬وقالا‪ُ :‬هم المتواضعون‪.‬‬ ‫قال مجاهد ‪« :‬المخبِت‪ :‬المطم ِئ ُّن إلى الله »‪.‬‬ ‫ل َّما كان الإخبا ُت أ َّو َل َمقا ٍم يتخ َّلص فيه السالك من التر ُّدد‪ ،‬والسالك‬ ‫مسافر إلى ربه‪ ،‬سائر إليه على مدى أنفاسه‪ ،‬لا ينتهي َسي ُره إليه ما دام ن َف ُسه‬ ‫يصحبه؛ َش َّبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي َي ِر ُده المسافر على ظمأٍ‬ ‫وحاجة في أول َمنا ِهله‪ ،‬فيرَ ويه مور ُده‪ ،‬و ُيزيل عنه خواط َر تر ُّدده في إتمام‬ ‫سفره‪ ،‬أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر‪ ،‬فإذا ورد ذلك الما َء زال عنه الترَّ ُّد ُد‬ ‫وخاط ُر الرجوع‪.‬‬ ‫كذلك ال َّسال ُك إذا ورد مورد الإخبات تخ َّلص من التر ُّدد وال ُّرجوع‪ ،‬ون َزل‬ ‫أ َّو َل منازل ال ُّطمأنينة لسفره‪ ،‬و َج َّد في السير‪.‬‬ ‫[و] اعلم أ َّنه متى استق َّر ْت َق َد ُم العبد في منزلة الإخبات وتم َّكن فيها‪،‬‬ ‫‪117‬‬

‫ارتفعت ه َّم ُته‪ ،‬وع َل ْت نف ُسه عن خ َطفات المدح وال َّذ ِّم‪ ،‬فلا يفرح بمدح‬ ‫النَّاس‪ ،‬ولا يحزن لذ ِّمهم‪ ،‬هذا و ْص ُف َمن خ َرج عن ح ِّظ نفسه‪ ،‬وتأ َّهل للفناء‬ ‫في عبودية ربه‪ ،‬وصار قلبه ُم َّط ِر ًحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات‪ ،‬وباشرَ َ‬ ‫حلاو َة الإيمان واليقين ق ْل ُبه‪.‬‬ ‫والوقوف عند مدح النَّاس وذ ِّم ِهم علامة انقطاع القلب‪ ،‬و ُخ ُل ِّوه من الله‪،‬‬ ‫وأ َّنه لم تباشرِ ْ ه ُرو ُح مح َّبتِه ومعرفته‪ ،‬ولم َي ُذ ْق حلاوة ال َّتع ُّلق به وال ُّطمأنينة إليه‪.‬‬ ‫[فـ] صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه‪ ،‬وهو ُمب ِغ ٌض لها‪ُ ،‬م َت َم ٍّن‬ ‫لمفارقتها‪.‬‬ ‫والمراد بال ّنَ ْفس عند القوم‪ :‬ما كان معلو اًل من أوصاف العبد‪ ،‬مذمو ًما من‬ ‫أخلاقه وأفعاله‪ ،‬سواء كان ذلك َك ْسب ًّيا له أو َخ ْلق ًّيا‪ ،‬فهو شديد اللائمة لها‪،‬‬ ‫وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى‪ ﴿ :‬ﮏﮐﮑ ﮒ﴾ [القيامة‪ ،]2 :‬قال‬ ‫سعيد‪ ‬بن ُج َبير و ِع ْك ِرم ُة‪َ « :‬تلوم على الخير والشر‪ ،‬ولا تصبر على السراء‪ ،‬ولا‬ ‫على الضراء»‪.‬‬ ‫فإ َّنهمنقواع ِدالقومال ُمج َم ِععليهابينهم‪،‬التياتفقتكلمةأولهَِّموآ ِخ ِرهم‪،‬‬ ‫ومحُِ ِّقهم و ُمبط ِلهم عليها‪ :‬أ َّن النَّ ْف َس حجا ٌب بين العبد وبين الله تعالى‪ ،‬وأنه لا‬ ‫يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب‪ ،‬كما قال أبو َيزي َد‪« :‬رأيت ر َّب العزة في‬ ‫المنام‪ ،‬فقلت‪ :‬ربي‪ ،‬كيف الطريق إليك؟ فقال‪َ :‬خ ِّل نف َسك و َتعا َل»‪.‬‬ ‫فالنَّ ْفس جب ٌل عظيم شا ٌّق في طريق ال َّسير إلى الله‪ ،‬وك ُّل سائر فلا طريق‬ ‫‪118‬‬

‫الإخبــــــات‬ ‫له إلا على ذلك الجبل‪ ،‬فلابد أن ينته َي إليه‪ ،‬ولكن منهم َمن هو شا ٌّق عليه‪،‬‬ ‫ومنهم من هو س ْه ٌل عليه‪ ،‬وإنه َل َيسي ٌر على َمن يسرَّ ه الله عليه‪.‬‬ ‫وفي ذلك الجب ِل أودي ٌة وشعوب‪ ،‬و َع َقبات و ُوهود‪ ،‬و َشو ٌك و َع ْو َسج‪،‬‬ ‫و ُع ّليق و ِشبرْ ق ولصو ٌص يقتطعون الطريق على السائرين‪ ،‬ولا س َّيما أه ِل‬ ‫الليل ال ُمدلجِ ين‪ ،‬فإذا لم ي ُكن معهم ُع َد ُد الإيمان‪ ،‬ومصابي ُح اليقين ت َّت ِقد بزيت‬ ‫الإخبات‪ ،‬وإلا تع َّلق ْت بهم تلك الموانع‪ ،‬وتش َّبثت بهم تلك القواط ُع‪ ،‬وحال ْت‬ ‫بينهم وبين السير‪.‬‬ ‫وأكثر ال َّسائري َن منه ر َجعوا على أعقابهم ل َّما عجزوا عن قطعه واقتحا ِم‬ ‫عقبته‪ ،‬وال َّشيطا ُن على ُق َّلة ذلك الجبل يح ِّذر النَّا َس من صعوده وارتقائه‪،‬‬ ‫ويخ ِّو ُفهم منه‪ ،‬في َّت ِفق مش َّق ُة ذلك الجبل‪ ،‬وقعو ُد ذلك المخوف على ُق َّلتِه‪،‬‬ ‫وضع ُف عزيمة السائر ونيته‪ ،‬فيتولد من ذلك الانقطا ُع والرجوع‪ ،‬والمعصوم‬ ‫َمن عصمه الله‪.‬‬ ‫وك َّلما رق َي السائر في ذلك الجبل اشت َّد به صيا ُح القاطع‪ ،‬وتحذي ُره وتخويفه‪،‬‬ ‫فإذا قطعه وبلغ ُق َّلته‪ :‬فإذا المخاوف ك ُّل ُه َّن أمان‪ ،‬وحينئذ يس ُهل ال َّسير‪ ،‬وتزول‬ ‫عنه عوارض ال َّطريق‪ ،‬ومشق ُة عقباتها‪ ،‬ويرى طري ًقا واس ًعا آ ِمنًا‪ ،‬به المنازل‬ ‫والمناه ُل‪ ،‬وعليه الأعلام‪ ،‬وفيه الإقامات‪ ،‬قد ُأ ِع َّد ْت لركب الرحمن‪.‬‬ ‫فبينْ العبد وبين ال َّسعادة والفلاح‪ :‬قو ُة عزيمة‪ ،‬وصب ُر ساعة‪ ،‬وشجاع ُة‬ ‫ن ْفس‪ ،‬وثبات قلب‪ ،‬والفضل بيد الله يؤتيه َمن يشاء‪ ،‬والله ذو الفضل العظيم‪.‬‬ ‫‪119‬‬

‫منزلــــــة الزهـــــــد‬ ‫قال الله تعالى‪﴿:‬ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ‬ ‫ﭵﭴﭶ ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ ﮂﮁﮃﮄﮅ‬ ‫ﮆﮇﮈﮉ ﮋﮊﮌﮍﮎﮏﮐﮑ﴾ [الحديد‪.]٢٠ :‬‬ ‫وقال تعالى‪ ﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ﴾ [الأعلى‪.]١٧ – ١٦ :‬‬ ‫والقرآن مملو ٌء من ال َّتزهيد في الدنيا‪ ،‬والإخبا ِر ب ِخ َّستها‪ ،‬و ِق َّلتِها وانقطاعها‪،‬‬ ‫وسرع ِة فنائها‪ ،‬والترَّ غي ِب في الآخرة‪ ،‬والإخبا ِر بشرفها ودوامها وسرع ِة‬ ‫إقبالها‪ ،‬فإذا أراد الله بعب ٍد خي ًرا أقام في قلبه شاه ًدا يعا ِين به حقيقة الدنيا‬ ‫والآخرة‪ ،‬وي ْؤثِر منهما ما هو أولى بالإيثار‪.‬‬ ‫[و]س ِمعت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة ‪ -‬ق َّدس الل ُه ُرو َحه ‪ -‬يقول‪« :‬ال ُّزهد‪:‬‬ ‫ت ْر ُك ما لا ينفع في الآخرة‪ ،‬والورع‪ :‬ت ْرك ما تخَ اف ضر َره في الآخرة»‪.‬‬ ‫وهذه العبارة ِمن أح َس ِن ما قيل في ال ُّزهد والورع وأجم ِعها‪.‬‬ ‫قال سفيا ُن ال َّثور ُّي‪« :‬ال ُّزهد في ال ُّدنيا ِقصرَ ُ الأمل‪ ،‬ليس بأكل الغليظ‪ ،‬ولا‬ ‫لبس العباء»‪.‬‬ ‫وقال الإمام أحمد ‪«:‬عد ُم فر ِحه بإقبالها‪ ،‬ولا حزنه على إدبارها»‪ ،‬فإ َّنه‬ ‫ُس ِئل عن الر ُجل يكون معه أل ُف دينار‪ ،‬هل يكون زاه ًدا؟ فقال‪« :‬نعم‪ ،‬على‬ ‫‪120‬‬

‫الزهـــــــد‬ ‫شريطة أن لا يفرح إذا زادت‪ ،‬ولا يحزن إذا نقصت»‪.‬‬ ‫وقال أبو سليما َن ال َّداران ُّي ‪« :‬ت ْرك ما يشغل عن الله»‪.‬‬ ‫وقد قال الإمام أحمد‪ ‬بن حنبل ‪« :‬ال ُّزهد على ثلاثة أو ُجه‪:‬‬ ‫الأ َّول‪ :‬ت ْر ُك الحرام‪ ،‬وهو زهد العوا ِّم‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬تر ُك الفضول من الحلال‪ ،‬وهو زهد الخوا ِّص‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬تر ُك ما يشغل عن الله‪ ،‬وهو زهد العارفين»‪.‬‬ ‫وا َّلذي أج َم َع عليه العارفون أ َّن ال ُّزهد س َف ُر القلب من وطن ال ُّدنيا‪ ،‬وأ ْخ ُذه‬ ‫في مناز ِل الآخرة‪.‬‬ ‫و ُم َت َع َّل ُقه س َّت ُة أشيا َء‪ ،‬لا يستح ُّق العب ُد اس َم الزهد حتى يزهد فيها‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫المال‪ ،‬وال ُّص َور‪ ،‬وال ِّرياسة‪ ،‬والنَّاس‪ ،‬والنَّ ْفس‪ ،‬وك ُّل ما دون الله‪.‬‬ ‫وليس المراد ر ْف َضها من الملك‪ ،‬فقد كان سليما ُن وداو ُد ِم ْن َأ ْز َه ِد َأ ْه ِل‬ ‫زمانهما‪ ،‬ولهما من المال والنِّسا ِء والملك ما لهما‪ ،‬وكان نب ُّينا ﷺ أزهد البشر على‬ ‫الإطلاق‪ ،‬وله تسع نسوة‪.‬‬ ‫وكان عل ّيُ‪ ‬بن أبي طالب‪ ،‬وعبد‪ ‬الرحمن‪ ‬بن عوف‪ ،‬وال ُّزبير‪ ،‬وعثما ُن‬ ‫من الز َّهاد‪ ،‬مع ما لهم من الأموال‪ ،‬وكان ال َحسن‪ ‬بن عل ٍّي من ال ُّز َّهاد‪ ،‬مع‬ ‫أ َّنه كان من أكث ِر الأُ َّمة مح َّب ًة للنساء ونكا ًحا لهن وأغناهم‪ ،‬وكان عبد‪ ‬الله‪ ‬بن‬ ‫‪121‬‬

‫المبارك من الأئ َّمة ال ُّز َّهاد‪ ،‬مع مال كثير‪ ،‬وكذلك ال َّليث‪ ‬بن سعد وسفيا ُن من‬ ‫أئ َّمة ال ُّز َّهاد‪ ،‬وكان له رأ ُس مال يقول‪« :‬لولا هو َل َت َمنْ َد َل بنا هؤلاء»‪.‬‬ ‫و ِمن أح َس ِن ما قيل في ال ُّزهد‪ ،‬كلا ُم ال َحسن أو غي ِره‪« :‬ليس ال ُّزه ُد في ال ُّدنيا‬ ‫بِ َتحري ِم الحَلا ِل‪ ،‬ولا إضاع ِة الما ِل؛ ولك ْن أن تكو َن بما في ي ِد الله أو َث َق ِمن َك بما‬ ‫في ي ِد َك‪ ،‬وأن تكو َن في َثوا ِب ال ُمصيب ِة ‪ -‬إذا ُأ ِصب َت بها ‪ -‬أر َغ َب ِمن َك فيها لو‬ ‫لمْ ُت ِص ْب َك»؛ فهذا ِمن أج َم ِع كلا ٍم في الزهد وأح َسنِه‪.‬‬ ‫‪122‬‬

‫الـــــــــورع‬ ‫منزلـــــــة الـــــــورع‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﮡﮢﮣ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ ﮫﮬ﴾‬ ‫[المؤمنون‪.]51 :‬‬ ‫وقال تعالى‪ ﴿ :‬ﯖﯗ﴾ [المدثر‪.]4 :‬‬ ‫قال ُأبيَُّ‪ ‬بن كعب ‪« :‬لا تلبسها على غدر‪ ،‬ولا ُظ ْل ٍم ولا إثم‪ ،‬ال َب ْسها‬ ‫وأنت َب ٌّر طاهر»‪.‬‬ ‫ولا ريب أ َّن تطهيرها من النَّجاسات‪ ،‬وتقصير َها من جملة ال َّتطهير المأمو ِر‬ ‫به‪ ،‬إ ْذ به تما ُم إصلاح الأعمال والأخلاق؛ لأ َّن نجاسة ال َّظاه ِر تو ِر ُث نجاسة‬ ‫الباطن؛ ولذلك ُأمر القائ ُم بينْ يدي الله بإزالتها وال ُبع ِد عنها‪.‬‬ ‫والمقصود‪ :‬أ َّن الورع يط ِّهر د َن َس القل ِب ونجاس َته‪ ،‬كما يط ِّهر الما ُء دن َس‬ ‫ال َّثوب ونجاس َته‪ ،‬وبينْ الثياب والقلوب مناسب ٌة ظاهرة وباطنة‪ ،‬ولذلك تد ُّل‬ ‫ثيا ُب المرء في المنام على قلبه وحاله‪ ،‬ويؤ ِّثر ك ٌّل منهما في الآخر‪.‬‬ ‫ولهذا نهُ َي عن لِبا ِس الحَري ِر وال َّذ َه ِب‪ ،‬و ُج ُلو ِد ال ِّسبا ِع؛ لمِا تؤ ِّثر في القلب‬ ‫من الهيئة المنافية للعبود َّي ِة والخشوع‪ ،‬وتأثير القلب والنَّف ِس في ال ِّثياب أم ٌر‬ ‫خف ٌّي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها‪ ،‬وبهجتها وكسفتها‪،‬‬ ‫حتى إ َّن ثوب البرَِّ ل ُيع َرف من ثوب الفاجر‪ ،‬وليسا عليهما‪.‬‬ ‫‪123‬‬

‫وقد ج َمع النبي ﷺ الور َع ك َّله في كلمة واحدة؛ فقال‪ِ « :‬من ُح ْس ِن إسلا ِم‬ ‫المَر ِء َت ْر ُكه ما لا َي ْعنِي ِه»(((‪ ،‬فهذا َي ُع ُّم الترَّ ْ َك لمِا لا يعني من الكلام‪ ،‬وال َّنظ ِر‪،‬‬ ‫والاستماع‪ ،‬والبطش‪ ،‬والمَشي‪ ،‬وال ِفكر‪ ،‬وسائر الحركات الظاهرة والباطنة‪،‬‬ ‫فهذه الكلمة كافي ٌة شافية في الورع‪.‬‬ ‫قال إبراهيم‪ ‬بن أدهم ‪« :‬الورع ت ْر ُك ك ِّل شبهة‪ ،‬وت ْر ُك ما لا َيعنِيك هو‬ ‫ت ْر ُك الفضلات»‪.‬‬ ‫وقال إسحاق‪ ‬بن خ َلف ‪« :‬الورع في المنطق أش ُّد منه في ال َّذهب والف َّضة‪،‬‬ ‫وال ُّزه ُد في ال ِّرياسة أش ُّد منه في ال َّذهب والف َّضة؛ لأنهَّ ما ُيب َذلان في طلب ال ِّرياسة»‪.‬‬ ‫وقال يحيى‪ ‬بن معاذ ‪« :‬الورع على وجهين؛ ورع في الظاهر‪ :‬أن لا‬ ‫يتح َّرك إلا لله‪ ،‬وو َرع في الباطن‪ :‬هو أن لا يدخل قل َبك ِسواه‪ ،‬وقال‪َ :‬من لم‬ ‫ينظر في ال َّدقيق من الورع لم َي ِص ْل إلى الجليل من العطاء»‪.‬‬ ‫وقال بعض السلف‪« :‬لا يبلغ العب ُد حقيق َة التقوى حتى يدع ما لا بأس به‬ ‫حذ ًرا مما به بأس»‪.‬‬ ‫وقال بعض ال َّصحابة ‪« :‬كنا َن َد ُع سبعين با ًبا من الحلال مخاف َة أن نقع في‬ ‫باب من الحرام»‪.‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)2317‬وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (‪. )4840‬‬ ‫‪124‬‬

‫الـــــــــورع‬ ‫فوائد التورع بتجنب القبائح‪:‬‬ ‫إحداها‪َ :‬ص ْو ُن النفس؛ وهو ِح ْف ُظها وحمايتها عماَّ َيشينها‪ ،‬و َيعيبها و ُيزري‬ ‫بها عند الله وملائكته‪ ،‬وعبا ِده المؤمنين‪ ،‬وسائر خلقه‪ ،‬فإ َّن من كرم ْت عليه‬ ‫ن ْف ُسه وكبرُ ت عنده‪ :‬صانها وحماها‪ ،‬وز َّكاها وعلاّ ها‪ ،‬ووضعها في أعلى‬ ‫المحا ِّل‪ ،‬وزاحم بها أه َل العزائم والكمالات‪ ،‬و َمن هانت عليه ن ْف ُسه وص ُغر ْت‬ ‫عنده ألقاها في ال َّرذائل‪ ،‬وأطلق ِشناقها‪ ،‬وح َّل ِزمامها وأرخاه‪ ،‬و َد َّساها ولم‬ ‫َي ُصنْها عن قبيح‪.‬‬ ‫[والثانية] توفي ُر الحسنات ِمن وجهين‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬توفير زمانِه على اكتِساب الحسنات‪ ،‬فإذا اشتغل بالقبائح نقص ْت‬ ‫عليه الحسنا ُت ا َّلتي كان مست ِع ًّدا لتحصيلها‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬توفير الحسنات المفعول ِة عن نقصانها بموازنة ال َّس ِّيئا ِت أو‬ ‫حبو ِطها‪ ،‬كما تق َّد َم في منزلة ال َّتوب ِة أ َّن السيئا ِت قد تحُ بِط الحسنا ِت‪ ،‬وقد‬ ‫َتستغ ِر ُقها بالك ِّل َّي ِة أو تنقصها‪ ،‬فلا ب َّد أن ُتض ِع َفها قط ًعا‪ ،‬فتجنُّبها يوفر ديوا َن‬ ‫الحسنات‪ ،‬وذلك بمنزلة َمن له مال حاصل‪ ،‬واستدان عليه‪ ،‬فإ َّما أن يستغ ِرقه‬ ‫ال َّدي ُن أو أكثره أو ينقصه‪ ،‬فهكذا الحسنات وال َّس ِّيئات‪.‬‬ ‫[والثالثة] صيان ُة الإيمان‪ :‬لأ َّن الإيمان عند جميع أه ِل ال ُّس َّن ِة َيزي ُد بالطاعة‪،‬‬ ‫وينقص بالمعصية‪ ،‬وإضعاف المعاصي للإيمان أم ٌر معلوم بال َّذو ِق والوجود‪،‬‬ ‫فإ َّن العبد‪-‬كما جاء في الحديث‪« -‬إذا أذ َن َب ُن ِك َت في َقلبِه ُن ْكت ٌة َس ْودا ُء‪ ،‬فإ ْن‬ ‫‪125‬‬

‫تا َب واس َتغ َف َر ُص ِق َل َق ْل ُبه‪ ،‬وإن عا َد فأذ َن َب ُن ِك َت في ِه ُن ْكت ٌة ُأخ َرى‪ ،‬ح َّتى َتع ُل َو‬ ‫َق ْل َبه‪ ،‬وذل َك ال َّرا ُن ا َّلذي قال الل ُه تعالى‪ ﴿:‬ﭹﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾‬ ‫[المطففين‪.(((»]14 :‬‬ ‫فالقبائح ُت َس ِّود القلب‪ ،‬و ُتطفئ نو َره‪ ،‬والإيما ُن هو نور في القلب‪ ،‬والقبائح‬ ‫َتذ َهب به أو تق ِّلله قط ًعا‪.‬‬ ‫[و] الحسنات َتزيد نو َر القلب‪ ،‬وال َّس ِّيئا ُت ُتطفئ نو َر القلب‪ ،‬وقد أخبر‬ ‫تعالى أ َّن َك ْس َب القلوب سب ٌب لل َّران ا َّلذي يعلوها‪ ،‬وأخبر أ َّنه أر َك َس المنافقي َن‬ ‫في نفاقهم بك ْسبِهم‪ ،‬فقال‪ ﴿ :‬ﭫﭬﭭﭮ﴾ [النساء‪.]٨٨ :‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)3334‬وقال‪ :‬حسن صحيح ‪ ،‬وابن ماجه (‪.)4244‬‬ ‫‪126‬‬

‫الرجـــــــاء‬ ‫منزلـــــــة الرجــــــاء‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ‬ ‫ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ [الإسراء‪ ،]57 :‬فابتغاء الوسيل ِة إليه‪ :‬طل ُب‬ ‫ال ُقرب منه بالعبود َّية والمح َّبة‪ ،‬ف َذ َكر مقامات الإيما ِن الثلاث َة ا َّلتي عليها بناؤه‪:‬‬ ‫الحب‪ ،‬والخوف‪ ،‬وال َّرجاء‪.‬‬ ‫وفي صحيح مسلم عن جابر قال‪ :‬س ِمع ُت رسو َل‪ ‬الله ﷺ يقول ‪-‬‬ ‫قبل موته بثلاث ‪« :-‬لا َي ُمو َت َّن أ َح ُد ُكم إلاَّ وهو ُح ْي ِس ُن ال َّظ َّن ب َر ِّبه»(((‪ ،‬وفي‬ ‫الصحيح عنه ﷺ « َيقو ُل الله ‪ :‬أنا ِعن َد َظ ِّن َع ْبدي بي‪َ ،‬ف ْل َي ُظ َّن بي ما شا َء»(((‪.‬‬ ‫«الرجاء» حا ٍد يحَ دو القلوب إلى بلاد المحبوب‪ ،‬وهو الل ُه والدار الآخرة‪،‬‬ ‫ويط ِّيب لها ال َّسي َر‪.‬‬ ‫والفرق بينه وبين التمنِّي أ َّن ال َّتمنِّي يكون مع الكسل‪ ،‬ولا يس ُلك بصاحبه‬ ‫طري َق ال ِج ِّد والاجتهاد‪ ،‬و«الرجاء» يكون مع َب ْذ ِل الجُه ِد و ُحس ِن التوكل‪.‬‬ ‫فالأول‪ :‬كحال َمن يتمنَّى أن يكون له أر ٌض يبذرها ويأخ ُذ زر َعها‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬كحال َمن َيش ُّق أرضه ويف ِل ُحها و َيب ُذ ُرها‪ ،‬ويرجو طلو َع الزرع‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)2877‬‬ ‫((( أخرجه أحمد (‪ ،)16016‬وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (‪.)4316‬‬ ‫‪127‬‬

‫ولهذا أجمع العارفون على أ َّن ال َّرجاء لا َي ِص ُّح إلاَّ مع العمل‪.‬‬ ‫وال َّرجا ُء ثلاثة أنواع‪ :‬نوعان محمودان‪ ،‬ونوع غرور مذموم‪.‬‬ ‫فالأ َّولان رجا ُء ر ُج ٍل ع ِم َل بطاعة الله على نور من الله‪ ،‬فهو را ٍج لثوابه‪،‬‬ ‫ور ُج ٍل أذنب ذن ًبا ثم تاب منه إلى الله تعالى‪ ،‬فهو را ٍج لمغفرته‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬رجل ُم َتما ٍد في التفريط والخطايا‪ ،‬يرجو رحم َة الله بلا عمل‪ ،‬فهذا‬ ‫هو الغرور والتمنِّي والرجاء الكاذب‪.‬‬ ‫وللسالك ن َظران‪ :‬نظ ٌر إلى نفسه وعيوبه وآفا ِت عمله‪ ،‬يفتح عليه با َب‬ ‫الخوف‪ ،‬ونظ ٌر إلى َسعة فضل ر ِّبه وكر ِمه وبِ ِّره‪ ،‬يفتح عليه باب الرجاء‪.‬‬ ‫قال أبو عل ٍّي ال ُّروذبار ُّي ‪« :‬الخوف والرجاء كجنا َح ِي الطائر؛ إذا‬ ‫استويا استوى ال َّطي ُر و َت َّم طيرا ُنه‪ ،‬وإذا ن َقص أح ُدهما و َقع فيه النَّق ُص‪ ،‬وإذا‬ ‫ذ َه َبا صار الطائ ُر في ح ِّد الموت»‪.‬‬ ‫قال يحيى‪ ‬بن معاذ ‪« :‬يكاد رجائي لك مع ال ُّذنوب يغلب على رجائي‬ ‫لك مع الأعمال؛ لأنيِّ أج ُدني أعت ِم ُد في الأعمال على الإخلاص‪ ،‬وكيف‬ ‫أحرزها وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في ال ُّذنوب أعتمد على عفوك‪،‬‬ ‫وكيف لا تغفرها وأنت بالجُود موصوف؟»‪.‬‬ ‫[و] الرجاء ِمن أ َج ِّل منازلهم‪ ،‬وأعلاها وأشرفِها‪ ،‬وعليه وعلى الحب‬ ‫‪128‬‬

‫الرجـــــــاء‬ ‫والخوف مدا ُر السير إلى الله‪ ،‬وقد م َدح الله أهله‪ ،‬وأثنى عليهم‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﯯ‬ ‫ﯰ ﯱﯲﯳﯴﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹﯺﯻﯼ﴾ [الأحزاب‪.]٢١ :‬‬ ‫وفي الحدي�ث الصحي�ح الإله ِّي ع�ن النبي ﷺ ‪ -‬فيما ي�روي عن ربه ‪-‬‬ ‫«يا اب َن آ َد َم‪ ،‬إ َّن َك ما َد َع ْو َتني و َر َج ْو َتني َغ َف ْر ُت َل َك على ما كا َن ِمن َك ولا‬ ‫ُأبالي»(((‪.‬‬ ‫وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ‪ ،‬عن النبي ﷺ قال‪:‬‬ ‫« َيقو ُل الله ‪ :‬أنا ِعن َد َظ ِّن َع ْبدي بي‪ ،‬وأنا معه إذا َذ َك َرني‪ ،‬فإ ْن َذ َك َرني في َن ْف ِسه‬ ‫َذ َك ْر ُته في َن ْفسي‪ ،‬وإ ْن َذ َك َرني في َمل ٍإ َذ َك ْر ُته في َمل ٍإ َخي ٍر من ُهم‪ ،‬وإ ِن اقترَ َ َب إليََّ‬ ‫ِشب ًرا‪ ،‬اقترَ َ ْب ُت إلي ِه ِذرا ًعا‪ ،‬وإ ِن اقترَ َ َب إل َّي ِذرا ًعا‪ ،‬اقترَ َ ْب ُت إلي ِه با ًعا‪ ،‬وإ ْن أتاني‬ ‫َي ْمشي‪ ،‬أ َت ْي ُته َه ْر َول ًة»(((‪.‬‬ ‫فق َّو ُة ال َّرجا ِء على ح َسب ق َّو ِة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته‬ ‫غضبه‪ ،‬ولولا َرو ُح الرجاء ل ُع ِّطل ْت عبودي ُة القلب والجوارح‪ ،‬و ُه ِّد َم ْت‬ ‫صوام ُع‪ ،‬وبِ َي ٌع‪ ،‬وصلوا ٌت‪ ،‬ومساج ُد ُيذ َكر فيها اس ُم الله كثي ًرا؛ بل لولا َروح‬ ‫الرجاء لمَا تح َّركت الجوارح بالطاعة‪ ،‬ولولا ري ُحه الطيب ُة لمَا جرت ُس ُفن الأعمال‬ ‫في بحر الإرادات‪ ،‬وعلى ح َسب المح َّب ِة وق ّوَتهِ ا يكون الرجاء‪ ،‬وك ُّل مح ٍّب را ٍج‬ ‫خائ ٌف بالضرَّ ورة‪ ،‬فهو أرجى ما يكون لحبيبه‪ ،‬أ َح َّب ما كان إليه‪ ،‬وكذلك‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)3540‬وح َّسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (‪ .)127‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)7405‬ومسلم (‪. )2675‬‬ ‫‪129‬‬

‫خوفه‪ ،‬فإنه يخاف سقو َطه من عينيه‪ ،‬وط ْر َد محبوبه له وإبعا َده‪ ،‬واحتجابه‬ ‫عنه‪ ،‬فخوفه أش ُّد خوف‪ ،‬ورجاؤه لمحبوبه ذات ٌّي للمحبة‪ ،‬فإ َّنه يرجوه قبل لقائه‬ ‫والوصول إليه‪ ،‬فإذا لق َيه ووصل إليه اشت َّد ال َّرجا ُء له‪ ،‬لمِا يحصل به من حياة‬ ‫ُروحه‪ ،‬ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه‪ ،‬وبِ ِّره وإقباله عليه‪ ،‬ونظره إليه بعين‬ ‫الرضا‪ ،‬وتأهي ِله لمح َّبتِه‪ ،‬وغير ذلك ممَّا لا حياة للم ِح ِّب ولا نعي َم ولا فوز إلا‬ ‫بوصوله إليه من محبوبه‪ ،‬فرجاؤه أعظم رجاء‪ ،‬وأ َج ُّله وأتمُّه‪.‬‬ ‫فتأ َّم ْل هذا الموض َع ح َّق ال َّتأ ُّمل ُيط ِل ْعك على أسرا ٍر عظيمة من أسرار‬ ‫العبود َّي ِة والمح َّبة‪.‬‬ ‫فك ُّل مح َّب ٍة مصحوبة بالخوف والرجاء‪ ،‬وعلى ق ْدر تم ُّكنها من قلب المح ِّب‬ ‫يشت ُّد خو ُفه ورجاؤه‪ ،‬لكن خوف الم ِح ِّب لا َيص َح ُبه وحش ٌة‪ ،‬بخلاف خوف‬ ‫المسيء‪ ،‬ورجاء الم ِح ِّب لا يصحبه ِع َّلة‪ ،‬بخلاف رجاء الأجير‪ ،‬فأين رجا ُء‬ ‫الم ِح ِّب من رجاء الأجير وب ْينهما كما بينْ حا َل ْي ِهما؟!‬ ‫وبالجملة‪ :‬فال َّرجا ُء ضرور ٌّي للمريد السالك‪ ،‬والعارف لو فارقه لحظ ًة‬ ‫لتلف أو كاد‪ ،‬فإ َّنه دائر بين ذنب يرجو غفرا َنه‪ ،‬وعي ٍب يرجو صلاحه‪،‬‬ ‫وع َم ٍل صال ٍح يرجو َقبوله‪ ،‬واستقام ٍة يرجو حصولها أو دوا َمها‪ ،‬و ُق ْر ٍب من‬ ‫الله ومنزلة عنده يرجو وصو َله إليها‪ ،‬ولا ينف ُّك أحد من السالكي َن عن هذه‬ ‫الأمور أو عن بعضها‪.‬‬ ‫وال َّر ُّب تعالى ليس له ثأ ٌر عند عبده فيدركه بعقوبته‪ ،‬ولا يتشفى بعقابه‪،‬‬ ‫‪130‬‬

‫الرجـــــــاء‬ ‫ولا يزيد ذلك في ُم ْلكه مثقال ذرة‪ ،‬ولا ينقص مغفرته‪ ،‬لو غفر لأهل الأرض‬ ‫ك ِّلهم؛ لمَا نقص مثقال ذرة من ملكه‪ ،‬كيف‪ ،‬وال َّرحم ُة أوسع من العقوبة وأس َب ُق‬ ‫من الغضب وأغلب له وهو قد كتب على ن ْف ِسه ال َّرحم َة؟‬ ‫ومن ثمار الرجاء‪:‬‬ ‫‪ -1‬إظهار العبود َّي ِة والفاقة‪ ،‬والحْ َا َج ِة إلى ما يرجوه من ربه‪ ،‬ويستش ِرفه من‬ ‫إحسانه‪ ،‬وأ َّنه لا يستغني عن فضله وإحسانِه َطرف َة عين‪.‬‬ ‫‪ -2‬أ َّنه سبحانه ي ِح ُّب من عباده أن يؤ ِّملوه و َي ْرجوه‪ ،‬ويسألوه من ف ْض ِله؛ لأ َّنه‬ ‫الم ِلك الح ُّق الج َواد‪ ،‬أ ْج َود َمن ُسئل‪ ،‬وأوس ُع َمن أعطى‪ ،‬وأ َح ُّب ما إلى‬ ‫الج َواد أن ُير َجى و ُيؤ َّمل و ُيسأل‪ ،‬وفي الحديث « َم ْن لمْ َيسأ ِل الله َيغ َض ْب‬ ‫علي ِه»(((‪ ،‬والسائ ُل را ٍج وطال ٌب؛ ف َمن لم ير ُج الله يغض ْب عليه‪.‬‬ ‫‪ -3‬أ َّن ال َّرجاء حا ٍد يحَ ْدو به في َسيره إلى الله‪ ،‬ويط ِّيب له ال َمسير‪ ،‬ويحَ ُ ُّثه عليه‪،‬‬ ‫ويبعثه على ملازمته‪ ،‬فلولا ال َّرجاء لمَا سرَ ى أحد‪ ،‬فإ َّن الخوف وح َده لا‬ ‫يح ِّر ُك العبد‪ ،‬وإ َّنما يح ِّركه الح ُّب‪ ،‬و ُيزعجه الخوف‪ ،‬ويحَ دوه ال َّرجاء‪.‬‬ ‫‪ -4‬أ َّن ال َّرجاء يطرحه على عتبة المح َّبة‪ ،‬ويلقيه في ِدهليزها‪ ،‬فإ َّنه ك َّلما اشت َّد‬ ‫رجاؤه وح َصل له ما يرجوه ازداد ح ًّبا لله تعالى‪ ،‬وشك ًرا له‪ ،‬ور ًضا عنه‪.‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)3373‬وابن ماجه (‪ ،)3827‬وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (‪. )2418‬‬ ‫‪131‬‬

‫‪ -5‬أ َّنه يبعثه على أعلى المقامات‪ ،‬وهو مقام ال ُّشكر‪ ،‬ا َّلذي هو خلاصة‬ ‫العبود َّية‪ ،‬فإ َّنه إذا حصل له َم ْرج ُّوه كان ذلك أدعى لشكره‪.‬‬ ‫‪ -6‬أ َّنه ُيوجب له المزي َد من معرفته بأسمائه ومعانيها‪ ،‬والتع ُّلق بها‪ ،‬فإ َّن الرجاء‬ ‫تع ُّل ٌق بأسماء الإحسان‪ ،‬وتع ُّب ٌد بها‪ ،‬ودعا ٌء بها‪ ،‬وقد قال تعالى‪﴿ :‬ﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷ﴾ [الأعراف‪.]180 :‬‬ ‫‪ -7‬أ َّن المح َّبة لا تنف ُّك عن ال َّرجاء ‪ -‬كما تق َّدم ‪ -‬فك ُّل واحد منهما َي ُم ُّد الآ َخ َر‬ ‫ويق ِّويه‪.‬‬ ‫‪ -8‬أ َّن الخوف مستل ِز ٌم لل َّرجاء‪ ،‬وال َّرجا ُء مستل ِز ٌم للخوف‪ ،‬فك ُّل را ٍج خائ ٌف‪،‬‬ ‫وك ُّل خائ ٍف را ٍج‪ ،‬ولأجل هذا ح ُسن وقو ُع ال َّرجا ِء في موضع يحسن فيه‬ ‫وقوع الخوف‪ ،‬قال الله تعالى‪ ﴿ :‬ﭠﭡﭢ ﭣﭤﭥ﴾ [نوح‪ ،]13:‬قال كثير‬ ‫من المفسرين‪ :‬المعنى‪ :‬ما لكم لا تخافون لله َع َظم ًة؟ قالوا‪ :‬وال َّرجاء بمعنى‬ ‫الخوف‪ .‬وال َّتحقيق أ َّنه ملا ِزم له‪.‬‬ ‫‪ -9‬أ َّن العبد إذا تع َّلق قل ُبه برجاء ربه‪ ،‬فأعطاه ما رجاه‪ ،‬كان ذلك ألط َف‬ ‫موق ًعا‪ ،‬وأحلى عند العبد‪ ،‬وأبل َغ من حصول ما لم َي ْر ُجه‪.‬‬ ‫‪ -10‬أ َّن الله يريد من عباده تكمي َل مرات ِب عبود َّيتِه من ال ُّذ ِّل والانكسار‪،‬‬ ‫وال َّتو ُّك ِل والاستعانة‪ ،‬والخو ِف والرجاء‪ ،‬وال َّصب ِر والشكر‪ ،‬وال ِّرضا‬ ‫والإنابة وغي ِرها‪ ،‬ولهذا َق َّدر عليه ال َّذن َب وابتلاه به‪ ،‬لتكميل مرات ِب‬ ‫‪132‬‬

‫الرجـــــــاء‬ ‫عبود َّيتِه بالتوبة التي هي من أح ِّب عبوديا ِت عب ِده إليه‪ ،‬فكذلك‬ ‫تكميلها بال َّرجاء والخوف‪.‬‬ ‫‪ -11‬أ َّن في ال َّرجاء ‪-‬من الانتظار والترَّ ُّق ِب وال َّتو ُّق ِع لفضل الله‪ -‬ما يوجب‬ ‫تع ُّل َق القلب ب ِذكره‪ ،‬ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته‪،‬‬ ‫وتن ُّقل القلب في رياضها الأنيقة‪ ،‬وأ ْخذه بنصيبه من ك ِّل اسم وصفة‪.‬‬ ‫‪133‬‬

‫منزلـــــــة المراقبــــــة‬ ‫قال الله تعالى‪ ﴿ :‬ﭲﭳﭴﭵﭶﭷ﴾ [غافر‪.]١٩ :‬‬ ‫وفي حديث جبري َل ‪ :‬أنه َسأ َل النَّب َّي ﷺ ع ِن الإحسا ِن؟ فقال له‪«:‬أ ْن‬ ‫َتع ُب َد‪ ‬الله كأ َّن َك َترا ُه‪ ،‬فإ ْن لمْ َت ُك ْن َترا ُه فإ َّن ُه َيرا َك»(((‪.‬‬ ‫المراقبة‪ :‬دوام ِعلم العبد‪ ،‬وتي ُّقنِه با ِّطلاع الح ِّق على ظاهره وباطنِه‪،‬‬ ‫فاستدام ُته لهذا العلم واليقي ِن هي المراقبة‪ ،‬وهي ثمرة ِعلمه بأ َّن الله سبحانه‬ ‫رقيب عليه‪ ،‬ناظ ٌر إليه‪ ،‬سام ٌع لقوله‪ ،‬وهو م َّط ِلع على عمله ك َّل وقت وك َّل‬ ‫لحظة‪ ،‬وك َّل ن َفس وك َّل َطرف ِة عين‪ ،‬والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل‬ ‫البدايات‪ ،‬فكيف بحال المريدين؟ فكيف بحال العارفين؟‬ ‫وقال ذو النُّون ‪« :‬علامة المراقبة‪ :‬إيثا ُر ما أنزل الله‪ ،‬وتعظي ُم ما ع َّظم‬ ‫اللهُ‪ ،‬وتصغي ُر ما ص َّغر الل ُه»‪.‬‬ ‫وقال أبو حفص لأبي عثما َن النَّ ْيسابور ِّي ‪-‬رحمهما الله‪« :-‬إذا جل ْس َت‬ ‫للنَّا ِس فكن واع ًظا لقلبك ون ْف ِسك‪ ،‬ولا َي ُغ َّر َّنك اجتما ُعهم عليك‪ ،‬فإنهَّ م‬ ‫يراقبون ظاه َرك‪ ،‬والله يراقب باطنك»‪.‬‬ ‫وأرباب ال َّطري ِق مجُ ِمعون على أ َّن مراقبة الله في الخواطر‪ :‬سب ٌب لحفظه في‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)50‬ومسلم (‪.)9‬‬ ‫‪134‬‬

‫المراقبـــــة‬ ‫حركاتال َّظواهر‪،‬ف َمنراقباللهفيس ِّره‪:‬حفظهاللهفيحركاتهفيس ِّرهوعلانيته‪.‬‬ ‫والمراقبة‪ :‬هي ال َّتع ُّبد باسمه (ال َّرقيب)‪( ،‬الحفيظ)‪( ،‬العليم)‪( ،‬السميع)‪،‬‬ ‫(البصير)‪ ،‬ف َمن َع َقل هذه الأسماء‪ ،‬وتع َّب َد بمقتضاها‪ :‬حص َل ْت له المراقبة‪.‬‬ ‫‪135‬‬

‫منزلـــــــة الإخــــلا�ص‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﮘﮙﮚﮛﮜﮝ ﮞﮟ﴾ [البينة‪ ،]٥ :‬وقال لنبيه‬ ‫ﷺ‪﴿ :‬ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ‬ ‫ﯢﯣﯤﯥ﴾ [الأنعام‪ .]163 - 162 :‬وقال‪﴿ :‬ﭛﭜ ﭝﭞﭟ‬ ‫ﭠ ﭡﭢ﴾ [الملك‪.]2 :‬‬ ‫قال ال ُف َضيل‪ ‬بن ِع َياض ‪« :‬هو أخل ُصه وأصوبه‪ ،‬قالوا‪ :‬يا أبا عل ٍّي‪،‬‬ ‫ما أخل ُصه وأصو ُبه؟ فقال‪ :‬إ َّن العمل إذا كان خال ًصا‪ ،‬ولم يك ْن صوا ًبا؛ لمْ‬ ‫ُيق َبل‪ ،‬وإذا كان صوا ًبا ولم يكن خال ًصا‪ :‬لم ُيقبل؛ حتى يكو َن خال ًصا صوا ًبا‪،‬‬ ‫والخالص‪ :‬أن يكون لله‪ ،‬وال َّصواب أن يكون على ال ُّسنَّة‪ ،‬ثم قرأ قوله تعـالى‪:‬‬ ‫﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ‬ ‫ﰗ﴾ [الكهف‪.»]110 :‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﮐ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ﴾ [النساء‪،]125 :‬‬ ‫فإسلام الوج ِه لله تعالى‪ :‬إخلا ُص القص ِد والعمل له‪ ،‬والإحسا ُن فيه‪ :‬متابع ُة‬ ‫رسوله ﷺ و ُسنَّتِه‪.‬‬ ‫وقال النب ُّي ﷺ لسعد‪ ‬بن أبي و َّقاص ‪« :‬إ َّن َك لن تخُ َ َّل َف ف َتع َم َل َع َملاً‬ ‫َتب َتغي ب ِه َو ْج َه الله تعالى إلاَّ از َد ْد َت ب ِه َخي ًرا‪ ،‬و َد َرج ًة َو ِر ْفع ًة»(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)1295‬ومسلم (‪.)1628‬‬ ‫‪136‬‬

‫الإخــــــلاص‬ ‫وأخبرَ َ عن أ َّو ِل ثلاث ٍة ُت َس َّع ُر بهِ ُم ال َّنا ُر‪ :‬قا ِر ُئ ال ُقرآ ِن‪ ،‬وال ُمجا ِه ُد‪ ،‬وال ُم َت َص ِّد ُق‬ ‫بمالِه‪ ،‬ا َّل ِذي َن َف َع ُلوا ذل َك لِ ُيقا َل‪ُ :‬فلا ٌن قا ِر ٌئ‪ُ ،‬فلا ٌن ُشجا ٌع‪ُ ،‬فلا ٌن ُمت َص ِّد ٌق‪ ،‬ولمْ‬ ‫تك ْن أعمالهُ ُم خالِص ًة لله(((‪.‬‬ ‫وفي الحديث ال َّصحيح الإله ِّي يقول الله تعالى‪« :‬أنا أ ْغنى الشرُّ َ كا ِء ع ِن‬ ‫الشرِّ ْ ِك‪َ ،‬من َع ِم َل َع َملاً أش َر َك في ِه َغيرْ ِي فهو لِ َّلذي أش َر َك ب ِه‪ ،‬وأنا ِمن ُه‬ ‫َبري ٌء»(((‪ ،‬وفي ال َّصحيح عنه ﷺ‪« :‬إ َّن الله لا َين ُظ ُر إلى أجسا ِم ُكم‪ ،‬ولا إلى‬ ‫ُص َو ِر ُكم‪ ،‬ولكِ ْن َين ُظ ُر إلى ُق ُلوبِ ُكم»(((‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﯥﯦ ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ﴾ [الحج‪.]٣٧ :‬‬ ‫وقد تن َّوعت عبارتهم في الإخلاص‪ ،‬والقص ُد واحد‪.‬‬ ‫فقيل‪ :‬هو إفراد الح ِّق سبحانه بالقصد في الطاعة‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬التو ِّقي من ملاحظة الخَ ْلق حتى عن ن ْفسك‪ ،‬وال ِّصد ُق‪ :‬ال َّتن ِّقي‬ ‫من مطالعة النَّ ْفس‪ ،‬فالمخلص لا ريا َء له‪ ،‬وال َّصاد ُق لا إعجاب له‪ ،‬ولا يت ُّم‬ ‫الإخلا ُص إلاَّ بال ِّصدق‪ ،‬ولا ال ِّصد ُق إلاَّ بالإخلاص‪ ،‬ولا َيتِماَّ ِن إلاَّ بال َّصبر‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬الإخلاص‪ :‬نِسيا ُن ُرؤية الخَ ْلق بدوام النظر إلى الخالق‪ ،‬و َمن َتز َّي َن‬ ‫للناس بما ليس فيه س َق َط من َعي ِن الله‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)1905‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪ )2985‬بنحوه‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)2564‬‬ ‫‪137‬‬

‫ومن كلام ال ُف َضيل ‪« :‬ت ْر ُك العمل ِمن أ ْج ِل الناس رياء‪ ،‬والعمل ِمن‬ ‫أ ْج ِل الناس شرِ ْ ك‪ ،‬والإخلاص أن يعافيك الله منهما»‪.‬‬ ‫آفات تعرض للعبد في عمله‪:‬‬ ‫يعرض للعامل في عمله ثلا ُث آفات‪ :‬رؤيته وملاحظ ُته‪ ،‬وطلب ال ِعوض‬ ‫عليه‪ ،‬ورضاه به وسكو ُنه إليه‪.‬‬ ‫فالذي يخُ ِّلصه من رؤية عم ِله‪ :‬مشاهد ُته لمِِنَّة الله عليه‪ ،‬وف ْض ِله وتوفيقه له‪،‬‬ ‫وأ َّنه بالله لا بن ْفسه‪ ،‬وأ َّنه إ َّنما أوجب عم َله مشيئ ُة الله لا مشيئ ُته هو‪ ،‬كما قال‬ ‫تعالى‪﴿ :‬ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ﴾ [التكوير‪ ،]29 :‬وأ َّنه لو ُخليِّ ون ْف َسه‬ ‫لم يكن ِمن فع ِله ال َّصال ِح شي ٌء الب َّت َة‪ ،‬فإ َّن النَّ ْفس جاهل ٌة ظالمة‪ ،‬طب ُعها الكسل‪،‬‬ ‫وإيثا ُر الشهوات والبطالة‪ ،‬وهي منبع ك ِّل ش ٍّر‪ ،‬ومأوى ك ِّل سوء‪ ،‬وما كان‬ ‫هكذا لم َيص ُد ْر منه خير‪ ،‬ولا هو من شأنه‪.‬‬ ‫فالخير ا َّلذي َيص ُد ُر منها إ َّنما هو من الله تعالى وبه‪ ،‬لا من العبد‪ ،‬ولا به‪،‬‬ ‫كما قال تعالى‪﴿ :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ‬ ‫ﭱ ﭲ﴾ [النور‪ ،]21 :‬وقال أهل الجنَّة‪﴿ :‬ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ‬ ‫ﯷﯸﯹﯺ﴾ [الأعراف‪ ،]43 :‬فك ُّل خير في العبد فهو مج َّرد فض ِل الله و ِمنَّتِه‪،‬‬ ‫وإحسانِه ونعمته‪ ،‬وهو المحمود عليه‪.‬‬ ‫فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة‪ ،‬كرؤيته لصفاته الخ ْلق َّية ِمن سم ِعه وبص ِره‪،‬‬ ‫‪138‬‬

‫الإخــــــلاص‬ ‫وإدراكه وق َّوتِه‪ ،‬بل من ص َّحتِه‪ ،‬وسلام ِة أعضائه‪ ،‬ونح ِو ذلك‪ ،‬فالك ُّل مج َّر ُد‬ ‫عطاء الله ونعمتِه وفضله‪.‬‬ ‫فالذي خُي ِّلص العب َد من هذه الآف ِة‪ :‬معرف ُة ر ِّبه‪ ،‬ومعرف ُة ن ْف ِسه‪.‬‬ ‫والذي يخ ِّل ُصه ِمن طل ِب ال ِع َوض على العمل‪ِ :‬ع ْل ُمه بأ َّنه عب ٌد محض‪،‬‬ ‫والعبد لا يست ِح ُّق على خدمته لس ِّيده ِعو ًضا ولا أجرة؛ إذ هو يخد ُمه بمقتضى‬ ‫عبود َّيتِه‪ ،‬فما يناله من س ِّيده من الأجر وال َّثوا ِب تف ُّض ٌل منه‪ ،‬وإحسان إليه‪،‬‬ ‫وإنعا ٌم عليه‪ ،‬لا معاوضة؛ إ ِذ الأجرة إنما يستح ُّقها الحُ ُّر‪ ،‬أو عب ُد‪ ‬الغير‪ ،‬فأ َّما‬ ‫عبده ن ْفس ِه فلا‪.‬‬ ‫والذي يخ ِّلصه من رضاه بعمله وسكونِه إليه أ ْمران‪ :‬أحدهما‪ :‬مطالعة‬ ‫عيوبِه وآفاته‪ ،‬وتقصي ِره فيه‪ ،‬وما فيه من ح ِّظ النَّ ْفس‪ ،‬ونصي ِب الشيطان‪ ،‬ف َق َّل‬ ‫عم ٌل من الأعمال إلاَّ وللشيطان فيه نصيب‪ ،‬وإن ق َّل‪ ،‬وللنفس فيه ح ٌّظ‪.‬‬ ‫ُس ِئ َل النَّب ُّي ﷺ ع ِن التِفا ِت ال َّر ُج ِل في َصلاتِه؟ فقال‪« :‬هو اختِلا ٌس خَي َتلِ ُسه‬ ‫ال َّشيطا ُن ِمن َصلا ِة ال َعب ِد»(((‪.‬‬ ‫فإذا كان هذا التفا ُت َط ْرفِه أو لحَ ْ ِظه؛ فكيف التفا ُت قلبه إلى ما سوى الله؟‬ ‫هذا أعظم نصي ِب الشيطان من العبودية‪.‬‬ ‫الثاني‪ِ :‬عل ُمه بما يستح ُّقه الر ُّب من حقوق العبود َّية‪ ،‬وآدابهِ ا الظاهرة‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪.)751‬‬ ‫‪139‬‬

‫والباطنة‪ ،‬وشروطها‪ ،‬وأن العبد أضع ُف وأعجز وأق ُّل من أن يو ِّف َيها ح َّقها‪،‬‬ ‫وأن يرضى بها لربه‪ ،‬فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لر ِّبه‪ ،‬ولا يرضى ن ْف َسه‬ ‫لله تعالى طرف َة عين‪ ،‬ويستحيي من مقابلة الله بعمله‪.‬‬ ‫فسوء ظنِّه بنفسه وعم ِله‪ ،‬و ُبغ ُضه لها‪ ،‬وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله‪:‬‬ ‫يحول بينه وبين ال ِّرضا بعمله‪ ،‬وال ِّرضا عن نفسه‪.‬‬ ‫‪140‬‬

‫الاســــتقامة‬ ‫منزلـــــــة الا�ســــتقامة‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ‬ ‫ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭣ﴾ [فصلت‪.]30 :‬‬ ‫ُس ِئل ِص ِّديق الأ َّمة وأعظ ُمها استقام ًة أبو بكر الصدي ُق عن الاستقامة؟‬ ‫فقال‪« :‬أن لا تشر َك بالله شي ًئا» يريد‪ :‬الاستقام َة على محض ال َّتوحيد‪.‬‬ ‫وقال ُعمر‪ ‬بن الخ َّطاب ‪« :‬الاستقامة‪ :‬أن تستقيم على الأمر والنَّهي‪ ،‬ولا‬ ‫َترو َغ َر َوغا َن ال َّثعالب»‪.‬‬ ‫وسمع ُتشيخالإسلاماب َن َتيم َّية يقول‪«:‬استقامواعلىمح َّبتهوعبوديته‪،‬‬ ‫فلم يلتفتوا عنه َي ْمن ًة ولا َيسرْ ًة»‪.‬‬ ‫وفي صحيح مسلم عن سفيا َن‪ ‬ب ِن عبد‪ ‬الله قال‪ :‬قلت‪ :‬يا رسو َل‪ ‬الله‪ُ ،‬ق ْل‬ ‫ُث َّم‬ ‫بالله‪،‬‬ ‫آ َمنْ ُت‬ ‫« ُق ْل‪:‬‬ ‫قال‪:‬‬ ‫َغي َر َك‪،‬‬ ‫أ َح ًدا‬ ‫عنه‬ ‫أسأ ُل‬ ‫لا‬ ‫َقو ًال‬ ‫لي في الإسلا ِم‬ ‫اس َت ِق ْم»(((‪.‬‬ ‫َخي َر‬ ‫أ َّن‬ ‫واع َل ُموا‬ ‫َثوبا َن عن النبي ﷺ قال‪« :‬اس َت ِقي ُموا ولن ُح ْت ُصوا‪،‬‬ ‫وعن‬ ‫ال َّصلا ُة‪ ،‬ولا حُيافِ ُظ على ال ُو ُضو ِء إلاَّ م ْؤ ِم ٌن»(((‪.‬‬ ‫أعمالِ ُك ُم‬ ‫والمطلوب من العبد‪ ‬الاستقامة‪ ،‬وهي ال َّسداد‪ ،‬فإن لم َي ْق ِدر عليها فالمقا َربة‪،‬‬ ‫فإ ْن نزل عنها فال َّتفري ُط والإضاعة‪ ،‬كما في حديث أبي هرير َة عن النب ِّي ﷺ‪:‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)38‬‬ ‫((( أخرجه ابن ماجه (‪ ،)277‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (‪.)115‬‬ ‫‪141‬‬

‫« َس ِّد ُدوا وقا ِر ُبوا‪ ،‬واع َل ُموا أ َّنه لن َين ُج َو أ َح ٌد ِمن ُكم ب َع َملِه»‪ ،‬قالوا‪ :‬ولا أن َت يا‬ ‫رسو َل‪ ‬الله؟ قال‪« :‬ولا أنا‪ ،‬إلاَّ أن َي َت َغ َّم َدني الله ب َرحم ٍة ِمن ُه و َف ْض ٍل»(((‪.‬‬ ‫فج َمع في هذا الحديث مقاما ِت ال ِّدين ك َّلها‪ ،‬فأمر بالاستقامة‪ ،‬وهي ال َّسداد‬ ‫والإصابة في النِّ َّيات والأقوا ِل والأعمال‪.‬‬ ‫وأخبر في حديث َثوبا َن أنهم لا ُيطيقونها‪ ،‬فن َق َلهم إلى المقاربة‪ ،‬وهي‪ :‬أن‬ ‫يقربوا من الاستقامة بح َسب طاقتهم‪ ،‬كالذي َيرمي إلى الغرض‪ ،‬فإ ْن لم ُي ِص ْبه‬ ‫يقا ِربه‪ ،‬ومع هذا فأخبرهم‪ :‬أ َّن الاستقامة والمقارب َة لا ُتنجي يوم القيامة‪ ،‬فلا‬ ‫َيرك ْن أح ٌد إلى عمله‪ ،‬ولا يعجب به‪ ،‬ولا يرى أ َّن نجاته به‪ ،‬بل إ َّنما نجا ُته‬ ‫برحمة الله وعف ِوه وفضله‪.‬‬ ‫فالاستقامة كلمة جامعة‪ ،‬آ ِخذ ٌة بمجام ِع ال ِّدين‪ ،‬وهي القيام بين يدي الله‬ ‫على حقيقة ال ِّصدق‪ ،‬والوفاء بالعهد‪.‬‬ ‫والاستقامة تتع َّلق بالأقوال‪ ،‬والأفعال‪ ،‬والأحوال‪ ،‬والنِّ َّيات‪ ،‬فالاستقامة‬ ‫فيها‪ :‬وقو ُعها لله‪ ،‬وبالله‪ ،‬وعلى أمر الله‪.‬‬ ‫قال بعض العارفين‪« :‬كن صاح َب الاستقامة‪ ،‬لا طال َب الكرامة‪ ،‬فإ َّن‬ ‫ن ْف َسك متح ِّرك ٌة في طلب الكرامة‪ ،‬ور ُّبك يطالِ ُبك بالاستقامة»‪.‬‬ ‫وس ِمع ُت شيخ الإسلام ابن تيم َّي َة يقول ‪« :‬أع َظ ُم الكرامة‪ :‬لزوم‬ ‫الاستقامة»‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)5673‬ومسلم (‪ )2816‬واللفظ له‪.‬‬ ‫‪142‬‬

‫الاســــتقامة‬ ‫أصلان للاستقامة‪:‬‬ ‫وال َّسلف َي ْذكرون [أصلين للاستقامة] وهما‪ :‬الاقتصاد في الأعمال‪،‬‬ ‫والاعتصا ُم بال ُّسنَّة‪ ،‬فإ َّن الشيطان َي َش ُّم قل َب العبد ويختبرِ ُه‪ ،‬فإن رأى فيه داعي ًة‬ ‫للبدعة‪ ،‬وإعرا ًضا عن كمال الانقياد لل ُّسنة‪ :‬أخرجه عن الاعتصام بها‪.‬‬ ‫وإ ْن رأى فيه ِحر ًصا عليها‪ ،‬و ِش َّد َة طل ٍب لها‪ :‬لم يظف ْر به من باب اقتِطاعه‬ ‫عنها‪ ،‬فأمره بالاجتهاد‪ ،‬والجَور على النَّ ْفس‪ ،‬ومجاوز ِة ح ِّد الاقتصاد فيها‪،‬‬ ‫قائ اًل له‪ :‬إ َّن هذا خير وطاعة‪ ،‬والزيادة والاجتهاد فيها أولى‪ ،‬فلا تفتر مع‬ ‫أهل الفتور‪ ،‬ولا َتنَ ْم مع أهل النوم‪ ،‬فلا يزال يحَ ُ ُّثه ويحُ ِّرضه‪ ،‬حتى يخُ ِر َجه عن‬ ‫الاقتصاد فيها‪.‬‬ ‫قال بعض السلف‪« :‬ما أ َمر الله بأمر إلاَّ وللشيطان فيه نزعتان‪ ،‬إ َّما إلى‬ ‫تفريط‪ ،‬وإ َّما إلى مجاوزة ‪-‬وهي الإفراط‪ -‬ولا يبالي بأ هِّيما ظ ِفر»‪.‬‬ ‫وقال رسو ُل اللهِ ﷺ لعبد‪ ‬الله‪ ‬بن َعمرو‪ ‬بن العاص ‪« :‬يا َع ْب َد‪ ‬الله‪ ‬ب َن‬ ‫ُس ّنَ ٍة أف َل َح‪،‬‬ ‫َوع َمم ٍرنوك‪،‬ا َنإ َّنْتل َفُتكرْ َِّلُتهعإالِمى ٍبلِ ْدرَِّعشٍةًة‪،‬خاول َ ُكب ِّلو َخرَِِّرش ٍَةس َف»تر(ْ(( ً‪،‬ة‪،‬قاف َلم لْنهكذال َن ْكت َفتحرْيَ ُتنهأ إملرىه‬ ‫بالاقتصاد‬ ‫في العمل‪.‬‬ ‫فك ُّل الخير في اجتها ٍد باقتصاد‪ ،‬وإخلا ٍص مقرون بالا ِّتباع‪.‬‬ ‫((( أخرجه أحمد (‪ ، )6764‬وص َّححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (‪.)2152‬‬ ‫‪143‬‬

‫منزلــــــــة التو ُّكـــــــل‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﯽﯾﯿﰀﰁ ﰂ﴾ [المائدة‪ ،]23 :‬وقال عن‬ ‫أصحاب نبيه‪ ﴿ :‬ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ‬ ‫ﰁﰂﰃﰄﰅﰆ﴾ [آل عمران‪.]173 :‬‬ ‫وفي ال َّصحيحين ‪-‬في حديث ال َّسبعي َن أ ْل ًفا الذين يدخلون الجنة بغير‬ ‫حساب‪ُ « :-‬ه ُم ا َّل ِذي َن لا َيسترَ ُقو َن‪ ،‬ولا َي َتطيرَّ ُو َن‪ ،‬ولا َي ْك َت ُوو َن‪ ،‬وعلى َربهِّ ِم‬ ‫َي َتو َّك ُلو َن»(((‪.‬‬ ‫وفي ال َّصحيحين‪ :‬أ َّن رسول‪ ‬الله ﷺ كان يقول‪« :‬الله َّم ل َك أس َل ْم ُت‪،‬‬ ‫وب َك آ َم ْن ُت‪ ،‬وعلي َك َتو َّك ْل ُت‪ ،‬وإلي َك أ َن ْب ُت‪ ،‬وب َك خا َص ْم ُت‪ ،‬الله َّم إنيِّ‬ ‫أ ُعو ُذ ب ِع َّزتِ َك‪ ،‬لا إل َه إلاَّ أن َت‪ :‬أن ُت ِض َّلني‪ ،‬أن َت ال َح ُّي ا َّلذي لا َي ُمو ُت‪ ،‬وال ِج ُّن‬ ‫والإن ُس َي ُمو ُتو َن»(((‪.‬‬ ‫وفي الترِّ مذي عن ُعم َر مرفو ًعا‪« :‬لو أ َّن ُكم َت َتو َّك ُلو َن على الله َح َّق َتو ُّك ِله‪،‬‬ ‫َل َر َزق ُكم كما َير ُز ُق ال َّطي َر‪َ ،‬ت ْغ ُدو مِخا ًصا و َت ُرو ُح بِطا ًنا»(((‪.‬‬ ‫وفي ال ُّسنن عن أنس قال‪ :‬قال رسول‪ ‬الله ﷺ‪َ « :‬من قال ‪-‬يعني إذا‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ )5705‬واللفظ له‪ ،‬ومسلم (‪ .)220‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)7385،7383‬ومسلم (‪ )2717‬واللفظ له‪ .‬‬ ‫(((أخرجه الترمذي (‪ ،)2344‬وابن ماجه (‪ ،)4164‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»‬ ‫(‪. )310‬‬ ‫‪144‬‬

‫التوكـــــل‬ ‫َخ َر َج ِمن َبيتِه‪ -‬بِاس ِم الله‪َ ،‬تو َّك ْل ُت على الله‪ ،‬ولا َح ْو َل ولا ُق َّو َة إلاَّ بالله؛ ُيقا ُل‬ ‫ل ُه‪ُ :‬ه ِدي َت و ُك ِفي َت َو ُو ِقي َت‪ ،‬ف َيقو ُل ال َّشيطا ُن لِ َشيطا ٍن آ َخ َر‪ :‬كي َف ل َك بِ َر ُج ٍل‬ ‫قد ُه ِد َي و ُك ِف َي و ُو ِق َي؟»(((‪.‬‬ ‫ال َّتو ُّكل نِص ُف ال ِّدين‪ ،‬ونِص ُفه الثاني الإنابة؛ فإ َّن ال ِّدين استعان ٌة وعبادة‪،‬‬ ‫فال َّتو ُّك ُل هو الاستعانة‪ ،‬والإنابة هي العبادة‪.‬‬ ‫ومنزلته أوسع المنازل وأجم ُعها‪ ،‬ولا تزال معمور ًة بالنازلين‪ ،‬ل َسعة متع َّل ِق‬ ‫ال َّتو ُّكل‪ ،‬وكثر ِة حوائج العالمَ ين‪ ،‬وعمو ِم ال َّتو ُّك ِل‪ ،‬ووقو ِعه من المؤمني َن‬ ‫والك َّفار‪ ،‬والأبرار والف َّجار‪ ،‬وال َّطي ِر والوحش والبهائم‪ ،‬فأه ُل السموات‬ ‫والأرض ‪-‬المك َّلفون وغيرهم‪ -‬في مقام ال َّتو ُّكل‪ ،‬وإ ْن تبا َي َن متعل ُق تو ُّك ِلهم‪.‬‬ ‫فأولياؤه وخا َّص ُته متو ِّكلو َن عليه في حصول ما يرضيه منهم‪ ،‬وفي إقامته‬ ‫في الخ ْلق‪ ،‬فيتو َّكلون عليه في الإيمان‪ ،‬و ُنصر ِة دينه‪ ،‬وإعلا ِء كلماته‪ ،‬وجهاد‬ ‫أعدائه‪ ،‬وفي محا ِّبه وتنفي ِذ أوامره‪.‬‬ ‫ودون هؤلاء َمن يتو َّكل عليه في استقامته في ن ْف ِسه‪ ،‬و ِح ْف ِظ حالِه مع الله‪،‬‬ ‫فار ًغا من الناس‪.‬‬ ‫ودون هؤلاء َمن يتو َّك ُل عليه في معلو ٍم ينا ُله منه‪ِ ،‬من رزق‪ ،‬أو عافية‪ ،‬أو‬ ‫نص ٍر على عد ٍّو‪ ،‬أو زوج ٍة أو ولد‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬ ‫ودون هؤلاء َمن يتو َّكل عليه في حصول ما لا يح ُّبه ويرضاه من ال ُّظلم‬ ‫((( أخرجه أبو داود (‪ ،)5090‬والترمذي (‪ ،)3426‬وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (‪.)499‬‬ ‫‪145‬‬

‫وال ُعدوا ِن وحصو ِل الإثم والفواحش‪ ،‬فإ َّن أصحاب هذه المطال ِب لا ينالونها‬ ‫غال ًبا إلاَّ باستعانتهم بالله‪ ،‬وتو ُّك ِلهم عليه‪ ،‬بل قد يكون تو ُّك ُلهم أقوى من‬ ‫تو ُّكل كثي ٍر من أصحاب الطاعات‪ ،‬ولهذا ُيلقون أنفسهم في المتالف والمهالك‪،‬‬ ‫معتمدين على الله أن ي َس ِّلمهم‪ ،‬و ُي َظ ِّف َرهم بمطالبهم‪.‬‬ ‫فأفضل ال َّتو ُّكل‪ :‬التو ُّكل في الواجب أعني‪ :‬واج َب الح ِّق‪ ،‬وواج َب الخ ْلق‪،‬‬ ‫وواج َب ال َّن ْفس‪ ،‬وأوسعه وأنف ُعه ال َّتو ُّك ُل في التأثير في الخارج في مصلح ٍة‬ ‫دين َّية‪ ،‬أو في دفع مفسد ٍة دين َّية‪ ،‬وهو تو ُّكل الأنبياء في إقامة دين الله‪ ،‬ودفع‬ ‫فساد المفسدين في الأرض‪ ،‬وهذا تو ُّكل ورثتِهم‪ ،‬ثم ال َّنا ُس بع ُد في التو ُّكل‬ ‫على ح َسب همِ َ ِمهم ومقاصدهم‪ ،‬ف ِمن متو ِّك ٍل على الله في حصول الملك‪ ،‬و ِمن‬ ‫متو ِّك ٍل في حصول رغيف‪.‬‬ ‫و َمن َص َدق تو ُّك ُله على الله في حصول شي ٍء ناله‪ ،‬فإ ْن كان محبو ًبا له َم ْرض ًّيا‬ ‫كانت له فيه العاقب ُة المحمودة‪ ،‬وإن كان مسخو ًطا مبغو ًضا كان ما حصل له‬ ‫بتو ُّكله مض َّر ًة عليه‪ ،‬وإن كان مبا ًحا حصل ْت له مصلح ُة ال َّتو ُّك ِل دون مصلح ِة‬ ‫ما تو َّكل فيه‪ ،‬إن لم َيست ِع ْن به على طاعاته‪.‬‬ ‫قال الإمام أحمد ‪« :‬التو ُّكل ع َم ُل القلب»‪ ،‬و ُسئل يحيى‪ ‬ب ُن معاذ ‪:‬‬ ‫«متى يكون ال َّرج ُل متوكّ ًاِل؟ فقال‪ :‬إذا رض َي بالله وكي اًل»‪.‬‬ ‫ومنهم َمن يفسرِّ ه بال ِّثقة بالله‪ ،‬وال ُّطمأنين ِة إليه‪ ،‬وال ُّسكو ِن إليه‪.‬‬ ‫قال ذو ال ُّنون ‪« :‬هو تر ُك تدبير ال َّنفس‪ ،‬والانخلا ُع من الحول والق َّو ِة»‪.‬‬ ‫‪146‬‬

‫التوكـــــل‬ ‫وأجمع القوم على أ َّن التو ُّكل لا ينافي القيا َم بالأسباب‪ ،‬بل لا يص ُّح إلاَّ مع‬ ‫القيام بها‪ ،‬وإلاَّ فهو بطالة وتو ُّك ٌل فاسد‪.‬‬ ‫وحقيقة الأمر‪ :‬أن التو ُّكل حا ٌل مر َّكبة من مجموع أمور‪ ،‬لا َتتِ ُّم حقيق ُة‬ ‫التوكل إلا بها‪.‬‬ ‫درجات التوكل ‪:‬‬ ‫فأ َّو ُل ذلك‪ :‬معرف ٌة بال َّر ِّب وصفاتِه من ُقدرته‪ ،‬وكفايته‪ ،‬و َق ُّيو ِم َّيتِه‪ ،‬وانتهاء‬ ‫الأمور إلى ِعلمه‪ ،‬وصدو ِرها عن مشيئته وقدرته‪ ،‬وهذه المعرفة أ َّو ُل درجة‬ ‫يضع بها العب ُد قد َمه في مقام التوكل‪.‬‬ ‫ال َّدرج ُة ال َّثاني ُة‪ :‬إثبات الأسباب والمس َّببات فالتوكل من أعظ ِم الأسبا ِب‬ ‫التي يح ُص ُل بها المطلوب‪ ،‬ويندفع بها المكروه‪ ،‬ف َمن أنكر الأسباب لم يستقم‬ ‫منه التوك ُل‪ ،‬ولكن من تمام التوك ِل عد ُم ال ُّركو ِن إلى الأسباب‪ ،‬وقطع َعلاق ِة‬ ‫القلب بها؛ فيكون حا ُل قلبِه قيا َمه بالله لا بها‪ ،‬وحا ُل بدنِه قيا َمه بها‪.‬‬ ‫ال َّد َرج ُة ال َّثالِث ُة‪ُ :‬ر ُسو ُخ ال َقل ِب في َمقا ِم َتوحي ِد ال َّتو ُّك ِل؛ فإ َّنه لا يستقيم‬ ‫تو ُّك ُل العب ِد حتى يص َّح له توحي ُده؛ بل حقيقة التوكل توحيد القلب‪ ،‬فما‬ ‫دام ْت فيه علائ ُق الشرِّ ك‪ ،‬فتو ُّك ُله معلو ٌل مدخول‪ ،‬وعلى قدر تجري ِد التوحيد‬ ‫تكون ص َّح ُة التو ُّكل‪ ،‬فإ َّن العبد متى التف َت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفا ُت‬ ‫ُشعب ًة ِمن ُش َعب قلبِه‪ ،‬فنقص ِمن تو ُّكله على الله بقدر ذها ِب تلك ال ُّشعبة‪،‬‬ ‫ومن هاهنا َظ َّن َمن َظ َّن أ َّن التو ُّك َل لا يص ُّح إلاَّ برفض الأسباب‪ ،‬وهذا ح ٌّق‪،‬‬ ‫‪147‬‬

‫لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح‪ ،‬فالتوك ُل لا َيتِ ُّم إلا برفض الأسباب‬ ‫عن القلب‪ ،‬وتع ُّل ِق الجوارح بها‪ ،‬فيكون منقط ًعا منها م َّت ِص اًل بها‪.‬‬ ‫ال َّد َرج ُة ال َّرابِع ُة‪ :‬اعتِما ُد ال َقل ِب على اللهِ‪ ،‬واستِنا ُده إلي ِه‪ ،‬و ُس ُكو ُنه إلي ِه‬ ‫بحيث لا يبقى فيه اضطرا ٌب من تشويش الأسباب‪ ،‬ولا سكو ٌن إليها‪ ،‬بل‬ ‫يخلع ال ُّسكو َن إليها من قلبه‪ ،‬و ُيلبِ ُسه ال ُّسكو َن إلى مس ِّببها‪.‬‬ ‫وعلامة هذا أ َّنه لا يبالي بإقبالها وإدبا ِرها‪ ،‬ولا يضط ِر ُب قل ُبه ويخَ ِفق عند‬ ‫إدبار ما يحُ ُّب منها‪ ،‬وإقبا ِل ما َيكره؛ لأ َّن اعتماده على الله‪ ،‬وسكو َنه إليه‪،‬‬ ‫واستنا َده إليه‪ ،‬قد ح َّصنه ِمن خوفها ورجائِها‪ ،‬فحا ُله حا ُل َمن خرج عليه‬ ‫عد ٌّو عظيم لا طاق َة له به‪ ،‬فرأى ِحص ًنا مفتو ًحا‪ ،‬فأدخله ر ُّبه إليه‪ ،‬وأغلق‬ ‫عليه با َب ال ِحصن‪ ،‬فهو يشاهد عد َّوه خار َج ال ِحصن‪ ،‬فاضطراب قلبِه وخو ُفه‬ ‫منهم في هذه الحال لا معنى له‪.‬‬ ‫وكذلك َمن أعطاه م ِل ٌك دره ًما‪ ،‬فسرُ ِ ق منه‪ ،‬فقال له الم ِلك‪ :‬عندي أضعا ُفه‪،‬‬ ‫لا تهَ ت َّم‪ ،‬متى جئ َت إل َّي أعطي ُتك ِمن خزائني أضعا َفه‪ ،‬فإذا ع ِلم ص َّح َة قو ِل‬ ‫الم ِلك‪ ،‬ووثِق به‪ ،‬واطمأ َّن إليه‪ ،‬و َع ِل َم أ َّن خزائ َنه مليئ ٌة بذلك؛ لم يحزنه فو ُته‪.‬‬ ‫ال َّد َرج ُة الخا ِمس ُة‪ُ :‬ح ْس ُن ال َّظ ِّن باللهِ تعالى‪ ،‬فعلى ق ْدر ُحس ِن ظ ِّنك به‬ ‫ورجائِك له‪ ،‬يكون تو ُّك ُلك عليه؛ ولذلك فسرَّ بع ُضهم التو ُّك َل ب ُحسن‬ ‫ال َّظ ِّن‪ ،‬فقال‪ :‬التوكل‪ُ :‬حس ُن الظ ِّن بالله‪.‬‬ ‫وال َّتحقيق‪ :‬أ َّن ُحس َن ال َّظ ِّن به يدعوه إلى ال َّتو ُّكل عليه‪ ،‬إ ْذ لا ُيتص َّو ُر‬ ‫‪148‬‬

‫التوكـــــل‬ ‫ال َّتو ُّك ُل على َمن ُتسيء ظ َّنك به‪ ،‬ولا ال َّتو ُّك ُل على َمن لا ترجوه‪.‬‬ ‫ال َّدرج ُة ال َّسادس ُة‪ :‬استِسلا ُم القل ِب ل ُه‪ ،‬وان ِجذا ُب َدوا ِعي ِه ك ِّلها إلي ِه‪،‬‬ ‫و َق ْط ُع ُمنا َزعاتِه‪.‬‬ ‫وهذا معنى قو ِل بعضهم‪ :‬التوك ُل إسقا ُط التدبير‪ ،‬يعني‪ :‬الاستسلا َم‬ ‫لتدبير ال َّر ِّب لك‪ ،‬وهذا في غير باب الأم ِر وال َّنه ِي‪ ،‬بل فيما يفعله بك‪ ،‬لا فيما‬ ‫أ َم َرك بفعله‪.‬‬ ‫ال َّدرج ُة ال َّسابع ُة‪ :‬ال َّتفوي ُض‪ ،‬وهو ُروح التو ُّك ِل و ُل ُّبه وحقيقته‪ ،‬وهو‬ ‫إلقاء أمو ِره ك ِّلها إلى الله‪ ،‬وإنزالهُ ا به طل ًبا واختيا ًرا‪ ،‬لا ُكر ًها واضطرا ًرا‪ ،‬بل‬ ‫كتفويض الاب ِن العاجز ال َّضعي ِف المغلوب أمو َره إلى أبيه‪ ،‬العالمِ ِ بشفقته عليه‬ ‫ورحمتِه‪ ،‬وتما ِم كفايته‪ ،‬و ُحس ِن ولايتِه له‪ ،‬وتدبي ِره له‪ ،‬فهو يرى أ َّن تدبي َره‬ ‫له خي ٌر من تدبيره لن ْف ِسه‪ ،‬وقيا َمه بمصالحه وتو ِّل َيه لها خي ٌر من قيامه هو‬ ‫بمصال ِح ن ْف ِسه وتو ِّليه لها‪ ،‬فلا يجَ ِ ُد له أص َل َح ولا أرف َق من تفويضه أمو َره‬ ‫ك َّلها إلى أبيه‪ ،‬وراحتِه من حمل كلفتها وثقل حملها‪ ،‬مع عجزه عنها‪ ،‬وج ْه ِله‬ ‫بوجوه المصالح فيها‪ ،‬و ِعلمه بكمال ِعلم َمن َف َّوض إليه‪ ،‬وقدرتِه وشفقته‪.‬‬ ‫الدرجة الثامنة‪ :‬فإذا َو َض َع َق َد َمه في هذ ِه ال َّدرج ِة‪ ،‬ان َت َق َل منها إلى َد َرج ِة‬ ‫ال ِّرضا وهي ثمرة ال َّتو ُّكل‪.‬‬ ‫وكان شي ُخنا يقول‪« :‬المقدور َيكتنِ ُفه أ ْمران‪ :‬التو ُّك ُل قب َله‪ ،‬والرضا‬ ‫بعده‪ ،‬ف َمن تو َّكل على الله قب َل الفعل‪ ،‬ورض َي بالمَقضيِِّ له بعد الفعل؛ فقد‬ ‫قام بالعبود َّية»‪.‬‬ ‫‪149‬‬

‫قلت‪ :‬وهذا معنى قو ِل ال َّنب ِّي ﷺ في دعاء الاستِخارة‪« :‬الله َّم إنيِّ أس َتخي ُر َك‬ ‫ب ِع ْل ِم َك‪ ،‬وأس َتق ِد ُر َك ب ُقد َرتِ َك‪ ،‬وأسأ ُل َك ِمن َفض ِل َك ال َعظي ِم»‪ ،‬فهذا تو ُّكل‬ ‫وتفويض‪ ،‬ثم قال‪« :‬فإ َّن َك َت ْع َل ُم ولا أع َل ُم‪ ،‬و َتق ِد ُر ولا أق ِد ُر‪ ،‬وأن َت َعلاَّ ُم‬ ‫ال ُغيو ِب»‪ ،‬فهذا تب ُّر ٌؤ إلى الله من ال ِعلم وال َحو ِل والق َّوة‪ ،‬وتو ُّس ٌل إليه سبحانه‬ ‫بصفاته التي هي أح ُّب ما َتو َّسل إليه بها المتو ِّسلون‪ ،‬ثم سأل ر َّبه أن يقض َي‬ ‫له ذلك الأم َر إن كان فيه مصلح ُته‪ ،‬عاج اًل أو آج اًل‪ ،‬وأن َيص ِر َفه عنه إن كان‬ ‫فيه مض َّر ُته‪ ،‬عاج ًال أو آج ًال‪ ،‬فهذا هو حاج ُته التي سألها‪ ،‬فلم يب َق عليه إلاَّ‬ ‫ال ِّرضا بما يقضيه له‪ ،‬فقال‪« :‬وا ْق ُد ْر ل َي ال َخي َر حي ُث كان‪ُ ،‬ث َّم َر ِّضني ب ِه»(((‪.‬‬ ‫فقد اشتمل هذا ال ُّدعا ُء على هذه المعار ِف الإله َّية‪ ،‬والحقائ ِق الإيمان َّية‪،‬‬ ‫التي ِمن جملتها التو ُّك ُل والتفوي ُض قبل وقوع المقدور‪ ،‬وال ِّرضا بع َده‪ ،‬وهو‬ ‫ثمرة التو ُّكل والتفوي ِض‪ ،‬وعلام ُة ص َّحتِه‪ ،‬فإن لم ير َض بما ُقض َي له؛ فتفوي ُضه‬ ‫معلو ٌل فاسد‪.‬‬ ‫فباستكمال هذه ال َّدرجا ِت الثما ِن َيستك ِم ُل العب ُد مقا َم التوكل‪ ،‬وتث ُب ُت‬ ‫َق َد ُمه فيه‪.‬‬ ‫والتوك ُل من أع ِّم المقامات تع ُّل ًقا بالأسماء الحسنى؛ فإ َّن له تع ُّل ًقا خا ًّصا‬ ‫بعا َّمة أسماء الأفعال‪ ،‬وأسما ِء الصفات‪ ،‬فله تع ُّل ٌق باسم (الغ َّفار)‪ ،‬و(ال َّت َّواب)‪،‬‬ ‫و(العفو)‪ ،‬و(ال َّرحيم)‪ ،‬وتع ُّل ًقا باسم (الفتاح)‪ ،‬و(الوهاب)‪ ،‬و(الرزاق)‪،‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ .)6382‬‬ ‫‪150‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook