التذكــــــر و َي ِص ُل فيه رح َمه ،ويخُ ِر ُج منه حقه -وقال« :همُ َا في الأج ِر َسوا ٌء»(((. المفسد الثال ُث من مفسدات القلب :التع ُّلق بغير الله ،وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق. فليس عليه أض ُّر من ذلك ،ولا أقط ُع له عن الله ،وأحجب له عن مصالحه وسعادته منه؛ فإ َّنه إذا تع َّلق بغير الله َو َك َله الله إلى َمن تع َّلق به ،وخ َذله ِمن جهة َمن تع َّلق به ،وفا َته تحصي ُل مقصوده من الله بتع ُّلقه بغيره ،والتفاتِه إلى سواه؛ فلا على نصيبه ِمن الله ح َصل ،ولا إلى ما أ َّمله ممَّن تع َّلق به وصل؛ قال تعالى﴿ :ﭳﭴﭵﭶﭷ ﭸ ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ ﮀ ﮁﮂ﴾ [مريم]82-81 :؛ فأعظ ُم النَّا ِس ِخذلا ًنا َمن تع َّلق بغير الله، فإ َّن ما فاته ِمن مصالحه وسعادتِه و َفلا ِحه أعظ ُم ممَّا حصل له ممَّن تع َّلق به، وهو ُمع َّر ٌض لل َّزوا ِل والفوات ،و َم َث ُل المتع ِّلق بغير الله ك َم َثل المست ِظ ِّل ِمن الح ِّر والبر ِد ببيت العنكبوت أ ْو َه ِن البيوت. المفسد ال َّراب ُع ِمن مفسدات القلب :ال َّطعام :والمف ِس ُد له من ذلك نوعان: أحدهما :ما ُيف ِس ُده ل َع ْينِه وذاتِه كالمح َّرمات ،وهي مح َّرما ٌت لحَ ِّق الله ،ومح َّرما ٌت لحق ال ِعباد. والثاني :ما يفسده ب َق ْد ِره ،و َتع ِّدي ح ِّده ،كالإسراف في الحلال ،وال ِّش َب ِع المفرط؛ فإ َّنه ُيثقله عن ال َّطاعات ،و َيشغله بمزاولة مؤن ِة البِطنة ومحاولتِها، ((( أخرجه الترمذي ( ،)2325وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (.)110 /1 101
حتى يظفر بها ،فإذا َظ ِفر بها شغله بمزاولة تص ُّرفها ووقاي ِة ضر ِرها ،وال َّتأ ِّذي بثقلها ،وق َّوى عليه موا َّد ال َّشهوة ،وط َّرق مجاري الشيطان وو َّسعها؛ فإ َّنه يجري من ابن آد َم مجرى ال َّدم ،فال َّصوم ُيض ِّيق مجاريه و َي ُس ُّد عليه ُطرقه، وال ِّش َبع ُيط ِّرقها ويو ِّس ُعها ،و َمن أكل كثي ًرا ش ِرب كثي ًرا ،فنام كثي ًرا ،فخسرِ كثي ًرا ،وفي الحديث المشهور« :ما َملأ آ َدم ٌّي ِوعا ًء َر ًّشا ِمن َب ْطنِه ،بِ َح ْس ِب اب ِن آ َد َم ُل َق ْيما ٌت ُي ِق ْم َن ُص ْل َبه ،فإ ْن كان لا ُب َّد فا ِعلاً ف ُث ُل ٌث ل َطعا ِمه ،و ُث ُل ٌث لشرَ ابِه، و ُث ُل ٌث ل َن َف ِسه»(((. المفسد الخامس :كثرة النوم :فإ َّنه يميت القل َب ،و ُيثقل البد َن ،ويض ِّي ُع الوقت ،و ُيورث كثر َة الغفلة والكسل ،ومنه المكروه ج ًّدا ،ومنه ال َّضا ُّر غير النَّافع للبدن ،وأنفع النوم ما كان ِعن َد ش َّد ِة الحاجة إليه ،ونو ُم أ َّو ِل ال َّلي ِل أح َم ُد وأنف ُع من آ ِخره ،ونو ُم و َس ِط النَّها ِر أنف ُع من ط َر َف ْيه ،وك َّلما ق ُرب النَّوم من ال َّط َرفي ِن ق َّل نف ُعه ،وك ُثر ضر ُره ،ولا س َّيما نو ُم العصر والنَّو ُم أ َّو َل النَّها ِر إلاَّ لسهران. و ِمن المكروه عن َدهم النَّو ُم بين صلاة ال ُّصب ِح وطلو ِع الشمس؛ فإ َّنه وقت َغنيمة ،ولل َّسير ذلك الوق َت ِعن َد ال َّسالكي َن َمز َّي ٌة عظيمة ،حتى لو ساروا طول ليلهم لم َيسمحوا بالقعود عن ال َّسير ذلك الوق َت حتى تط ُلع ال َّشم ُس؛ فإ َّنه أ َّو ُل النَّها ِر و ِمفتاحه ،ووق ُت نزول الأرزاق ،وحصول ال َق ْسم ،وحلول البركة ،ومنه ينشأ النَّهار ،وينسحب ُح ْك ُم جمي ِعه على حكم تلك ال ِح َّصة؛ ((( صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (.)2265 102
التذكــــــر فينبغي أن يكون نو ُمها كنوم المضطر. وبالجملة فأعد ُل النوم وأنف ُعه نوم نص ِف الليل ،و ُسد ِسه الأخير ،وهو مقدار ثما ِن ساعا ٍت ،وهذا أعد ُل النو ِم عند الأطباء ،فما زاد عليه أو َن َقص منه أ َّثر عندهم في الطبيعة انحرا ًفا بح َسبه. و ِمن النَّوم ا َّلذي لا ينفع أي ًضا :النَّو ُم أ َّو َل ال َّليلَ ،ع ِقي َب غروب الشمس، حتى تذهب َفحم ُة ال ِعشاء ،وكان نب ُّي الله ﷺ َي ْكرهه ،فهو مكرو ٌه شر ًعا و َط ْب ًعا. وكما أ َّن كثرة النَّو ِم ُمو ِرثة لهذه الآفات ،فمدافع ُته و َه ْج ُره ُمط َل ًقا ُمو ِر ٌث لآفات أخرى ِعظام :من سوء المزاج و ُي ْب ِسه ،وانحراف النَّ ْفس ،و َجفاف ال ُّرطوبات ال ُمعين ِة على ال َف ْهم والعمل ،و ُيو ِرث أمرا ًضا ُمت ِلفة لا ينتفع صاح ُبها بقلبه ولا بدنه معها ،وما قام الوجود إلاَّ بالعدل ،ف َم ِن اع َتصم به فقد أخذ بح ِّظه من مجام ِع الخير ،والله المستعان. 103
منزلـــــــ ُةااللتاذع ُّكتــــ�ـصــارم وهو نوعان :اعتصام بالله ،واعتصا ٌم بحبل الله ،قال تعالى﴿ :ﭱ ﭲﭳﭴﭵﭶ﴾ [آلعمران ،]103:ومدار ال َّسعادة ال ُّدنيوي ِة والأُخرو َّي ِة على الاعتصام بالله ،والاعتصا ِم بحبله ،ولا نجا َة إلاَّ ل َم ِن استمسك بهاتين ال ِعصمتين. فأما الاعتصا ُم بحبله :فإنه َيع ِصم من الضلالة ،والاعتصا ُم به َيع ِص ُم من الهَ َلكة؛ فإ َّن ال َّسائ َر إلى الله كالسائر على طري ٍق نح َو مقص ِده؛ فهو محتاج إلى هداية ال َّطريق ،وال َّسلام ِة فيها ،فلا يصل إلى مقصده إلاَّ بعد حصول هذين الأ ْمرين له؛ فال َّدلي ُل كفي ٌل بِعصمته من ال َّضلالة ،ويهديه إلى الطريق ،وال ُع َّد ُة والق َّو ُة وال ِّسلا ُح بها تح ُص ُل له ال َّسلام ُة من ُق َّطاع ال َّطريق وآفاتهِ ا. والاعتصام بحبل الله يو ِجب له الهداي َة وا ِّتبا َع ال َّدليل ،والاعتصا ُم بالله يوجب له الق َّو َة وال ُع َّد َة وال ِّسلاح ،والما َّد َة التي َيس َلم بها في طريقه؛ ولهذا اخ َتلف ْت عبارا ُت ال َّسلف في الاعتصام بحبل الله ،بعد إشارتهم ك ِّلهم إلى هذا المعنى. فقال ابن ع َّباس «تمَ َّسكوا ب ِدي ِن الله». وقال ابن مسعود « :هو الجماع ُة». وأ َّما الاعتصا ُم به :فهو ال َّتو ُّكل عليه ،والامتنا ُع به ،والاحتماء به ،وسؤا ُله 104
الاعتصــــــام أن يحَ م َي العبد ويمنعه ،و َيع ِص َمه ويدف َع عنه؛ فإ َّن ثمرة الاعتصام به هو ال َّدف ُع عن العبد ،والله يدفع عن ا َّلذين آمنوا ،ف َيدفع عن عبده المؤم ِن إذا اع َتصم به ك َّل سبب ُيفضي إلى العطب ،ويحميه منه ،فيدفع عنه ال ُّشبها ِت وال َّشهوات ،وك ْي َد عد ِّوه الباطن وال َّظاهر ،وشرََّ ن ْف ِسه ،ويدفع عنه موج َب أسباب الشرَِّّ بعد انعقادها ،بح َسب ق َّو ِة الاعتصام به وتم ُّكنِه ،فينعقد في ح ِّقه أسبا ُب العطب ،فيدفع عنه موجباتهِ ا ومسبباتها ،ويدفع عنه ق َد َره ب َق َد ِره، وإراد َته بإرادتِه ،و ُيعيذه به منه. 105
منزلــة ال�ســماع وقد أ َمر الله به في كتابه ،وأثنى على أ ْه ِله ،فقال تعالى﴿:ﰂﰃﰄﰅ﴾ [المائدة ،]108:وقال﴿ :ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭦﭧ﴾ [المائدة.]83: فال َّسما ُع أص ُل العقل ،وأسا ُس الإيمان الذي انبنى عليه ،وهو رائده وجلي ُسه ووزيره ،ولك َّن ال َّشأ َن ك َّل ال َّشأ ِن في المسموع ،وفيه و َقع َخ ْب ُط الناس واختلا ُفهم ،و َغ ِل َط فيه َمن َغ ِل َط. وحقيقة ال َّسما ِع تنبي ُه القلب على معاني المسموع ،وتحريكه عنها طل ًبا وهر ًبا ،و ُح ًّبا وبغ ًضا ،فهو حا ٍد يحَ دو بك ِّل أحد إلى وطنه ومأل ِفه. وأصحاب ال َّسماع؛ منهم َمن يسمع بطبعه ون ْف ِسه وهواه ،فهذا ح ُّظه ِمن مسموعه ما وافق طب َعه. ومنهم َمن يسمع بحاله وإيمانِه ومعرفتِه وعقله ،فهذا ُيفتح له من المسموع بح َسب استعداده وق َّوتِه ومادته. ومنهم َمنيسمعبالله،لايسمعبغيره،كمافيالحديثالإله ِّيال َّصحيحَ «:فبِي َيس َم ُع ،و ِيب ُيبصرِ ُ (((» ،وهذا أعلى سما ًعا ،وأص ُّح من ك ِّل أحد. ((( أخرجه البخاري ( )6502بمعناه. 106
الســـــماع فأ َّما المسموع فعلى ثلاثة أضرب: أحدها :مسموع يحُ ُّبه الله ويرضاه ،وأ َمر به عبا َده ،وأثنى على أهله ،ورض َي عنهم به. الثاني :مسموع ُيبغضه و َيكرهه ،ونهى عنه ،وم َد َح ال ُمع ِرضين عنه. الثالث :مسموع مبا ٌح مأذون فيه ،لا يحُ ُّبه ولا يبغضه ،ولا م َد َح صاح َبه ولا ذ َّمه؛ ف ُح ْك ُمه ُحكم سائر المباحات. فأ َّما ال َّنوع الأ َّو ُل :فهو ال َّسماع ا َّلذي مدحه الله في كتابه ،وأ َمر به ،وأثنى على أصحابه ،و َذ َّم ال ُمع ِرضين عنه ول َعنَ ُهم ،وج َع َلهم أض َّل من الأنعام ،و ُه ُم القائلو َن في النَّار﴿ :ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰﯱﯲ ﯳﯴ ﯵ﴾ [ال ُملك ،]10:وهو سماع آياتِه المتل َّو ِة التي أن َزلها على رسوله ﷺ؛ فهذا ال َّسماع أسا ُس الإيمان ا َّلذي عليه بناؤه ،وهو على ثلاثة أنواع :سماع إدراك بحا َّسة الأذن ،وسماع َفهم وعقل، وسماع إجابة و َقبول ،والثلاثة في القرآن. والمقصود :أ َّن سماع المق َّربين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة :إدرا ًكا و َفه ًام وتد ُّب ًرا ،وإجابة. وك ُّل سماع في القرآن َم َدح الله أصحابه وأثنى عليهم ،وأ َمر به أوليا َءه فهو هذا ال َّسماع ،وهو سماع الآيات ،لا سما ُع الأبيات ،وسما ُع القرآن ،لا سماع الشيطان ،وسماع كلا ِم ر ِّب الأرض وال َّسماء ،لا سما ُع قصائ ِد ال ُّشعراء، وسماع المرا ِشد ،لا سماع القصا ِئد ،وسماع الأنبياء والمر َسلي َن والمؤمنين ،لا سماع المغنِّي َن والمطربين. 107
فهذا ال َّسماع حا ٍد يحَ دو القلو َب إلى ِجوار علاَّ ِم الغيوب ،وسائ ٌق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح ،ومح ِّرك ُيثير ساك َن الع َزما ِت إلى أعلى المقامات وأرف ِع الدرجات ،ومنا ٍد ينادي للإيمان ،ودلي ٌل يد ُّل ال َّرك َب في طريق الجنان، ودا ٍع يدعو القلوب بالمساء وال َّصباحِ ،من ِق َبل فالِق الإصباح :ح َّي على الفلاح ،ح َّي على الفلاح. فلن تعدم ِمن هذا السماع إرشا ًدا ل ُح َّجة ،وتبصر ًة ل ِعبرة ،وتذكر ًة لمعرفة، وفِكر ًة في آية ،و َدلال ًة على رشد ،ور ًّدا عن ضلالة ،وإرشا ًدا ِمن َغ ٍّي ،وبصير ًة من ع ًمى ،وأم ًرا بمصلحة ،ونه ًيا عن َمض َّرة ومفسدة ،وهداي ًة إلى نور، وظغلذماةًء،ودوزوا ًءج ًرواشعفانء،هوو ِعى،صم ًوةحو ًّثناجاعةل،ىوُتكق ْشىَ ،فو ُ ِشجْبلهاةًء، لبصيرة، وإخرا ًجا من وإيضاح وحيا ًة لقلب، برهان ،وتحقي َق ح ٍّق ،وإبطال باطل. [النوع الثاني من السماع] :ما ُيب ِغ ُضه الله و َيك َرهه ،و َيمدح ال ُمع ِر َض عنه، العب َد في قلبه و ِدينه ،كسماع الباطل ك ِّله ،إلا إذا تض َّمن به ،ب ِعلمه ب ُحسن ِض ِّده؛ فإ َّن الض َّد ُيظ ِهر ُحسنَه الض ُّد، وهو سماع ك ِّل ما َيضرُُّ ر َّده وإبطاله والاعتبا َر وإذا َس ِم ْع ُت إلى حديثِ َك زا َدني كما قيل: ُح ًّبا ل ُه َس ْمعي حدي َث ِسواكا وكسماع ال َّلغو ا َّلذي م َدح الل ُه ال َّتاركـي َن لسـماعه ،والمع ِرضـي َن عنـه بقـوله: ﴿ﭿﮀﮁ ﮂﮃ﴾ [القصص.]55: 108
الخــــــوف منزلـــة الخـــوف وهي ِمن أ َج ِّل منازل ال َّطري ِق وأنف ِعها للقلب ،وفر ٌض على كل أحد ،قال الله تعالى﴿ :ﭧﭨﭩﭪﭫ ﭬ﴾ [آل عمران ،]175:و َم َد َح أه َله في كتابه وأ ْثنى عليهم ،فقال﴿ :ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ﴾ إلى قوله﴿ :ﭜ ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ﴾ [المؤمنون.] 61 -57 : عن عائشة قالت :قلت :يا رسو َل الله﴿ ،ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ ﭗﭘﭙﭚ﴾ [المؤمنون ،]60:أهو الذي َيزني ،و َيش َر ُب الخَ ْم َر ،و َيس ِر ُق؟ قال« :لا يا ابن َة ال ِّص ِّدي ِق ،ولكنَّه ال َّر ُج ُل َيصو ُم و ُي َص يِّل و َيت َص َّد ُق ،و َخيا ُف ألاَّ ُيق َب َل منه»(((. قال الح َسن « :ع ِملوا واللهِ بالطاعات ،واجت َهدوا فيها ،وخافوا أن ُتر َّد عليهم؛ إ َّن المؤمن ج َمع إحسا ًنا وخشية ،والمنافق ج َمع إساء ًة وأ ْمنًا». و«ال َو َجل» و«الخوف» و«الخشية» و«ال َّرهبة» ألفا ٌظ متقاربة غي ُر مترادفة. قال أبو القاسم الجُنَ ْيد « :الخوف تو ُّقع العقوبة على مجا ِري الأنفاس». و«الخشية» أخ ُّص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله ،قال تعالى ﴿ :ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ﴾ [فاطر]28 :؛ فهي خوف مقرون بمعرفة ،وقال النبي ﷺ« :إنيِّ أ ْتقا ُكم لل ِه ،وأ َش ُّد ُكم له َخ ْشي ًة»(((. ((( أخرجه الترمذي ( ،)3175وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (.)162 ((( أخرجه البخاري ( ،)5063ومسلم (.)1401 109
فالخو ُف حرك ٌة ،والخَشي ُة ا ْن ِجما ٌع وانقبا ٌض وسكو ٌن ،فإن الذي يرى العد َّو وال َّسي َل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما :حركة للهرب منه ،وهي حالة الخوف. والثانية :سكو ُنه وقرا ُره في مكان لا َي ِص ُل إليه ،وهي الخشية. وأ َّما ال َو َجل :فرجفان الوارنهبصةد:ا ُفعهه لي ِذاكلإرم َمعاننيخفاي افله َُرسلبطانمهنوالمعقكورب َوتهه،، وأ َّما أو لرؤيته ،وأما الهيب ُة: القلب، فخو ٌف مقارن للتعظيم والإجلال ،وأكث ُر ما يكون مع المعرفة والمحبة، والإجلال :تعظي ٌم مقرو ٌن بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين ،والخشية للعلماء العارفين ،والهيب ُة للمح ِّبين، والإجلال لل ُمق َّربين ،وعلى ق ْدر العلم والمعرفة يكون الخو ُف والخشية ،كما قال ﷺ« :إنيِّ لأ ْع َل ُم ُكم باللهِ ،وأ َش ُّد ُكم له خشية (((» . «القخاول أفبوسراحفج فيصالقل :ب«،البخه ُيوبصفرَسموا فطي اهللمه،ن ُيا َقل ِّخويمربهوااللششرا،ر َدوكعُّلنأباحبهد»إ.ذاو ِقخاف َتله: ه َرب َت منه إلا الله تعالى؛ فإنك إذا ِخف َته هرب َت إليه». فالخائف هار ٌب ِمن ر ِّبه إلى ر ِّبه. قال أبو سليمان « :ما فارق الخو ُف قل ًبا إلا خ ِرب» .وقال إبراهيم بن شيبان « :إذا س َكن الخو ُف القلو َب أحرق مواضع الشهوات منها ،وط َرد الدنيا عنها». ((( أخرجه البخاري ( ،)6101ومسلم (.)2356 110
الخــــــوف وقال ذو النُّون « :النا ُس على الطريق ما لم َي ُز ْل عنهم الخو ُف ،فإذا زال عنهم الخو ُف ض ُّلوا الطري َق». والخوف ليس مقصو ًدا لذاته ،بل مقصو ًدا لغيره َق ْص َد الوسائل؛ ولهذا َيزول بزوال ال َم ُخوف؛ فإن أهل الجنة لا خو ٌف عليهم ولا هم يحزنون. محا ِرم الله ،فإذا تجاو َز صاحبِه وبينْ بينْ حا َل المحمود الصادق :ما والخوف منه اليأ ُس والقنوط. ذلك ِخيف قال أبو عثمان ِ « :صدق الخو ِف هو الورع عن الآثام ظاه ًرا وباطنًا». وس ِمعت شيخ الإسلام اب َن تيم َّية َ يقول« :الخوف المحمو ُد ما ح َج َزك عن محار ِم الله». [و] القلب في َسي ِره إلى الله تعالى بمنزلة الطائر؛ فال َمح َّب ُة رأ ُسه ،والخو ُف َس ِل َم الرأس والجناحان فال َّطي ُر ج ِّيد الطيران، الطائر ،ومتى ُعدم الجَناحان فهو ُعرضة لكل فمتى والرجاء َجناحاه؛ مات ومتى ُقطِع الرأ ُس صائد وكاسر ،ولكن السلف استح ُّبوا أن يقوى في الصحة َجنا ُح الخوف على جناح الرجاء ،وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف؛ هذه طريق ُة أبي سليما َن و َغي ِره؛ قال« :ينبغي للقلب أن يكون الغال ُب عليه الخو َف؛ فإنه إذا كان الغالب عليه الرجاء ف َسد». الرجاء والخوف ،وغلب ُة الحب؛ فالموحقباةله غييالُمرهر:ك «أبك،مواللرالجأاءحوحاا ٍدل:،واالعتخدوا ُلف سائ ٌق،واللهال ُمو ِصلب َمنِّهوكرمه». 111
منزلـــــة الخ�شـــــوع قال تعالى﴿ :ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [الحديد.]16: قال ابن مسعود « :ما كان بينْ إسلا ِمنا وبينْ أن عات َبنا الل ُه بهذه الآية إلا أرب ُع ِسني َن»(((. وقال ابن عباس « :إ َّن الله استبطأ قلو َب المؤمنين ،فعات َبهم على رأس ثلا َث عشر َة َسنَ ًة ِمن نزول القرآن»(((. وقال تعالى﴿ :ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ﴾ [المؤمنون.]2-1: والخشوع :قيام القلب بين ي َد ِي ال َّر ِّب بالخضوع وال ِّذ َّلة ،والجمع َّي ِة عليه. وقال ال ُجنَيد « :الخشوع :تذ ُّل ُل القلوب لعلام الغيوب». وأجمع العارفون على أ َّن الخشوع مح ُّله القلب ،وثمرته على الجوارح؛ فهي ُتظهره. وكان بعض ال َّصحابة يقول« :إ َّياكم وخشو َع النِّفاق ،فقيل له :وما خشو ُع النفاق؟ قال :أن ُيرى البد ُن خاش ًعا والقلب غي ُر خاشع». ((( أخرجه مسلم (.)3027 ((( «الدر المنثور» للسيوطي ( ،)276 /14وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه . 112
الخشـــــوع ورأى عم ُر بن الخ َّطاب رج اًل طأطأ رقبته في ال َّصلاة ،فقال« :يا صاح َب ال َّرقبة ،ارفع رقبتك ،ليس الخشو ُع في الرقاب ،إ َّنما الخشو ُع في القلوب». ورأت عائش ُة شبا ًبا يمشون و َيتما َوتون في ِم ْش َيتِهم ،فقالت لأصحابهاَ « :من هؤلاء؟ فقالواُ :ن َّساك ،فقالت :كان عمر بن الخطاب إذا وكان أشبع، أطعم وإذا أوجع، ض َرب وإذا أسمع، مشى أسرع ،وإذا قال هو النَّا ِسك ح ًّقا». وقال ال ُف َضيل بن ِعياض « :كان ُيكره أن ُير َي الرج ُل من الخشوع أكث َر ممَّا في قلبه». وقال حذيفة « :أ َّول ما َتف ِقدون من دينكم الخشوع ،وآ ِخر ما تفقدون من دينكم ال َّصلاة ،و ُر َّب ُم َص ٍّل لا خير فيه ،ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاش ًعا»(((. فإن قيل :ما تقولون في َصلاة َمن َع ِد َم الخشوع؛ هل ُيع َت ُّد بها أ ْم لا؟ قيل :أ َّما الاعتدا ُد بهِ َا في ال َّث َوا ِب :فلا ُي ْع َت ُّد له منها إلا بما َع َقل فيه ،و َخ َشع فيه لربه. وأما الا ْعتِدا ُد بها في أحكام الدنيا ،وسقوط القضاء :فإن غ َلب عليها الخشو ُع وتع ُّقلها ،اع ُت َّد بها إجما ًعا ،وإن غ َلب عليه عد ُم الخشوع فيها ،وعدم ((( أخرجه أحمد في الزهد ( ،)1003وابن أبي شيبة ( ،)34808والحاكم ( ،)8448وقال: صحيح الإسناد . 113
تع ُّقلها ،فقد اخ َتلف الفقهاء في وجوب إعادتها ،فأ ْو َجبها [قوم]: قالوا :لأ َّن الخشوع والعق َل ُرو ُح الصلاة ومقصو ُدها و ُل ُّبها ،فكيف ُيعت ُّد بصلا ٍة َف َقد ْت ُرو َحها و ُل َّبها ،وبقي ْت صورتهُ ا وظاه ُرها؟! قالوا :ولو ت َرك العب ُد واج ًبا ِمن واجباتها عم ًدا لأبطلها َت ْر ُكه ،وغايته: أن يكون بع ًضا من أبعاضها بمنزلة فوات عض ٍو من أعضاء العبد ال ُمع َتق في الك َّفارة ،فكيف إذا َع ِدم ْت ُرو َحها ،و ُل َّبها و َمقصو َدها ،وصار ْت بمنزلة العبد الم ِّيت؟! فإذا لم ُيعت َّد بالعبد المقطوع اليدُ ،يعتِقه َتق ُّر ًبا إلى الله تعالى في ك َّفارة واجبة ،فكيف ُيعت ُّد بالعبد الم ِّيت؟! ولهذا قال بعض ال َّس َلف :الصلا ُة كجارية تهُ دى إلى م ِل ٍك من الملوك ،فما الظ ُّن ب َمن ُهيدي إليه جاري ًة شلاَّ َء ،أو عورا َء ،أو عميا َء ،أو مقطوع َة اليد والرجل ،أو مريض ًة ،أو َز ِمن ًة ،أو قبيح ًة ،حتى ُهيدي جاري ًة ميتة بلا ُرو ٍح أو جارية قبيحة ،فهكذا الصلا ُة التي هُيديها العب ُد ،و َيتق َّرب بها إلى ر ِّبه تعالى! والله ط ِّي ٌب لا َيق ُبل إلا ط ِي ًّبا ،وليس من العمل الطيب صلا ٌة لا ُرو َح فيها، كما أنه ليس من ال ِعتق الط ِّيب ِع ْت ُق عب ٍد لا ُرو َح فيه. قالوا :وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع تعطي ٌل ل َم ِل ِك الأعضاء عن عبوديته ،و َع ْز ٌل له عنها ،فماذا ُت ْغني طاع ُة ال َّرعية وعبود َّي ُتها، وقد ُع ِز َل َم ِل ُكها و َتع َّطل؟ قالوا :والأعضاء تابع ٌة للقلبَ ،تص ُلح بصلاحه ،و َتف ُسد بفساده ،فإذا لم 114
الخشـــــوع يكن قائ اًم بعبوديته ،فالأعضاء أ ْولى ألا ُيعت َّد بعبود َّيتها ،وإذا َفسد ْت عبودي ُته بالغفلة والوسواس فأ َّنى َت ِص ُّح عبودي ُة رع َّيتِه و ُجن ِده ومادَّتهُ م منه ،وعن أمره َيص ُدرون ،وبه يأتمرون؟! فبالجملة :مصلحة الإخلاص والحضور ،وجمعي ِة القلب على الله في الصلاة ،أرج ُح في نظر الشارع من مصلحة سا ِئر واجباتها؛ فكيف ُي َظ ُّن به أنه ُيبطلها بترك تكبيرة واحدة ،أو اعتدال في ُركن ،أو ت ْر ِك َح ْر ٍف ،أو َش َّد ٍة من القراءة الواجبة ،أو ت ْر ِك تسبيحة ،أو قول :س ِمع الله لمَِن حمِ َده ،أو قول: ر َّبنا ولك الحم ُد ،أو ِذ ْك ِر رسولِه بالصلاة عليه ،ثم ُيص ِّححها مع فوات ُل ِّبها، ومقصو ِدها الأعظم ،و ُروحها وسرِِّ ها؟! فهذا ما احت َّجت به هذه الطائف ُة ،وهي ُح َج ٌج كما تراها ق َّوة وظهو ًرا. [وقال أصحاب القول الآ َخر] :شرائ ُع الإسلا ِم على الأفعال الظاهرة، وأما حقائ ُق الإيمان الباطن ُة فتلك عليها شرائ ُع الثواب والعقاب ،فلله تعالى ُح ْكما ِنُ :حك ٌم في الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح ،و ُح ْك ُم الآخرة على الحقائق والبواطن. نعم لا يحَ ُصل مقصو ُد هذه الصلاة من ثواب الله عاج اًل ولا آ ِج ًال، فإن للصلاة مزي ًدا عاج اًل في القلب من قوة إيمانه ،واستنارتِه ،وانشراحه وانفساحه وو ْج ِد حلاو ِة العبادة ،والفرح والسرور ،وال َّل َّذ ِة التي تح ُصل ل َمن اجتمع قلبه وه ُّمه على الله ،وحضرَ َ قل ُبه بين يديه ،كما يح ُصل لمن ق َّربه السلطان منه ،وخ َّصه بمناجاته والإقبا ِل عليه ،والله أعلى وأج ُّل. 115
وكذلك ما يحَ ُصل لهذا من ال ِّدرجات ال ُعلى في الآخرة ،و ُمرا َفقة المق َّربين؛ ُك ُّل هذا َيفو ُته بفوا ِت الحضور والخشوع ،وإ ّن الر ُج َلين ليكو ُن َمقا ُمهما في الص ِّف واح ًدا ،وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض! وليس كلا ُمنا في هذا ك ِّله. فإن أرد ُتم وجو َب الإعادة ل َتح ُصل هذه الثمرا ُت والفوائ ُد فذاك إليه ،إن شاء أن يحُ ِّصلها وإن شاء أن ُيف ِّوتها على ن ْف ِسه ،وإن أردتم بوجوب الإعادة أ َّنا ُنل ِزمه بها و ُنعا ِقبه على ت ْر ِكها ،و ُنر ِّت َب عليه أحكا َم تار ِك ال َّصلا ِة فلا. وهذا القول ال َّثاني أرج ُح ال َقولين ،والله أعلم. 116
الإخبــــــات منزلـــــــة ا إلخبـــــات قال الله تعالى ﴿ :ﮒﮓ﴾ [الحج ،]34 :ثم كشف عن معناهم فقال: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [الحج .]35 :وقال﴿ :ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉ ﮊﮋﮌ﴾ [هود.]23 : الخَ ْب ُت في أصل ال ُّلغة :المكان المنخف ُض من الأرض ،وبه َفسرَّ اب ُن ع َّباس و َقتاد ُة لفظ ال ُمخبِتِين ،وقالاُ :هم المتواضعون. قال مجاهد « :المخبِت :المطم ِئ ُّن إلى الله ». ل َّما كان الإخبا ُت أ َّو َل َمقا ٍم يتخ َّلص فيه السالك من التر ُّدد ،والسالك مسافر إلى ربه ،سائر إليه على مدى أنفاسه ،لا ينتهي َسي ُره إليه ما دام ن َف ُسه يصحبه؛ َش َّبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي َي ِر ُده المسافر على ظمأٍ وحاجة في أول َمنا ِهله ،فيرَ ويه مور ُده ،و ُيزيل عنه خواط َر تر ُّدده في إتمام سفره ،أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر ،فإذا ورد ذلك الما َء زال عنه الترَّ ُّد ُد وخاط ُر الرجوع. كذلك ال َّسال ُك إذا ورد مورد الإخبات تخ َّلص من التر ُّدد وال ُّرجوع ،ون َزل أ َّو َل منازل ال ُّطمأنينة لسفره ،و َج َّد في السير. [و] اعلم أ َّنه متى استق َّر ْت َق َد ُم العبد في منزلة الإخبات وتم َّكن فيها، 117
ارتفعت ه َّم ُته ،وع َل ْت نف ُسه عن خ َطفات المدح وال َّذ ِّم ،فلا يفرح بمدح النَّاس ،ولا يحزن لذ ِّمهم ،هذا و ْص ُف َمن خ َرج عن ح ِّظ نفسه ،وتأ َّهل للفناء في عبودية ربه ،وصار قلبه ُم َّط ِر ًحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات ،وباشرَ َ حلاو َة الإيمان واليقين ق ْل ُبه. والوقوف عند مدح النَّاس وذ ِّم ِهم علامة انقطاع القلب ،و ُخ ُل ِّوه من الله، وأ َّنه لم تباشرِ ْ ه ُرو ُح مح َّبتِه ومعرفته ،ولم َي ُذ ْق حلاوة ال َّتع ُّلق به وال ُّطمأنينة إليه. [فـ] صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه ،وهو ُمب ِغ ٌض لهاُ ،م َت َم ٍّن لمفارقتها. والمراد بال ّنَ ْفس عند القوم :ما كان معلو اًل من أوصاف العبد ،مذمو ًما من أخلاقه وأفعاله ،سواء كان ذلك َك ْسب ًّيا له أو َخ ْلق ًّيا ،فهو شديد اللائمة لها، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى ﴿ :ﮏﮐﮑ ﮒ﴾ [القيامة ،]2 :قال سعيد بن ُج َبير و ِع ْك ِرم ُةَ « :تلوم على الخير والشر ،ولا تصبر على السراء ،ولا على الضراء». فإ َّنهمنقواع ِدالقومال ُمج َم ِععليهابينهم،التياتفقتكلمةأولهَِّموآ ِخ ِرهم، ومحُِ ِّقهم و ُمبط ِلهم عليها :أ َّن النَّ ْف َس حجا ٌب بين العبد وبين الله تعالى ،وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب ،كما قال أبو َيزي َد« :رأيت ر َّب العزة في المنام ،فقلت :ربي ،كيف الطريق إليك؟ فقالَ :خ ِّل نف َسك و َتعا َل». فالنَّ ْفس جب ٌل عظيم شا ٌّق في طريق ال َّسير إلى الله ،وك ُّل سائر فلا طريق 118
الإخبــــــات له إلا على ذلك الجبل ،فلابد أن ينته َي إليه ،ولكن منهم َمن هو شا ٌّق عليه، ومنهم من هو س ْه ٌل عليه ،وإنه َل َيسي ٌر على َمن يسرَّ ه الله عليه. وفي ذلك الجب ِل أودي ٌة وشعوب ،و َع َقبات و ُوهود ،و َشو ٌك و َع ْو َسج، و ُع ّليق و ِشبرْ ق ولصو ٌص يقتطعون الطريق على السائرين ،ولا س َّيما أه ِل الليل ال ُمدلجِ ين ،فإذا لم ي ُكن معهم ُع َد ُد الإيمان ،ومصابي ُح اليقين ت َّت ِقد بزيت الإخبات ،وإلا تع َّلق ْت بهم تلك الموانع ،وتش َّبثت بهم تلك القواط ُع ،وحال ْت بينهم وبين السير. وأكثر ال َّسائري َن منه ر َجعوا على أعقابهم ل َّما عجزوا عن قطعه واقتحا ِم عقبته ،وال َّشيطا ُن على ُق َّلة ذلك الجبل يح ِّذر النَّا َس من صعوده وارتقائه، ويخ ِّو ُفهم منه ،في َّت ِفق مش َّق ُة ذلك الجبل ،وقعو ُد ذلك المخوف على ُق َّلتِه، وضع ُف عزيمة السائر ونيته ،فيتولد من ذلك الانقطا ُع والرجوع ،والمعصوم َمن عصمه الله. وك َّلما رق َي السائر في ذلك الجبل اشت َّد به صيا ُح القاطع ،وتحذي ُره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ ُق َّلته :فإذا المخاوف ك ُّل ُه َّن أمان ،وحينئذ يس ُهل ال َّسير ،وتزول عنه عوارض ال َّطريق ،ومشق ُة عقباتها ،ويرى طري ًقا واس ًعا آ ِمنًا ،به المنازل والمناه ُل ،وعليه الأعلام ،وفيه الإقامات ،قد ُأ ِع َّد ْت لركب الرحمن. فبينْ العبد وبين ال َّسعادة والفلاح :قو ُة عزيمة ،وصب ُر ساعة ،وشجاع ُة ن ْفس ،وثبات قلب ،والفضل بيد الله يؤتيه َمن يشاء ،والله ذو الفضل العظيم. 119
منزلــــــة الزهـــــــد قال الله تعالى﴿:ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ ﭵﭴﭶ ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ ﮂﮁﮃﮄﮅ ﮆﮇﮈﮉ ﮋﮊﮌﮍﮎﮏﮐﮑ﴾ [الحديد.]٢٠ : وقال تعالى ﴿ :ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ﴾ [الأعلى.]١٧ – ١٦ : والقرآن مملو ٌء من ال َّتزهيد في الدنيا ،والإخبا ِر ب ِخ َّستها ،و ِق َّلتِها وانقطاعها، وسرع ِة فنائها ،والترَّ غي ِب في الآخرة ،والإخبا ِر بشرفها ودوامها وسرع ِة إقبالها ،فإذا أراد الله بعب ٍد خي ًرا أقام في قلبه شاه ًدا يعا ِين به حقيقة الدنيا والآخرة ،وي ْؤثِر منهما ما هو أولى بالإيثار. [و]س ِمعت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة -ق َّدس الل ُه ُرو َحه -يقول« :ال ُّزهد: ت ْر ُك ما لا ينفع في الآخرة ،والورع :ت ْرك ما تخَ اف ضر َره في الآخرة». وهذه العبارة ِمن أح َس ِن ما قيل في ال ُّزهد والورع وأجم ِعها. قال سفيا ُن ال َّثور ُّي« :ال ُّزهد في ال ُّدنيا ِقصرَ ُ الأمل ،ليس بأكل الغليظ ،ولا لبس العباء». وقال الإمام أحمد «:عد ُم فر ِحه بإقبالها ،ولا حزنه على إدبارها» ،فإ َّنه ُس ِئل عن الر ُجل يكون معه أل ُف دينار ،هل يكون زاه ًدا؟ فقال« :نعم ،على 120
الزهـــــــد شريطة أن لا يفرح إذا زادت ،ولا يحزن إذا نقصت». وقال أبو سليما َن ال َّداران ُّي « :ت ْرك ما يشغل عن الله». وقد قال الإمام أحمد بن حنبل « :ال ُّزهد على ثلاثة أو ُجه: الأ َّول :ت ْر ُك الحرام ،وهو زهد العوا ِّم. والثاني :تر ُك الفضول من الحلال ،وهو زهد الخوا ِّص. والثالث :تر ُك ما يشغل عن الله ،وهو زهد العارفين». وا َّلذي أج َم َع عليه العارفون أ َّن ال ُّزهد س َف ُر القلب من وطن ال ُّدنيا ،وأ ْخ ُذه في مناز ِل الآخرة. و ُم َت َع َّل ُقه س َّت ُة أشيا َء ،لا يستح ُّق العب ُد اس َم الزهد حتى يزهد فيها ،وهي: المال ،وال ُّص َور ،وال ِّرياسة ،والنَّاس ،والنَّ ْفس ،وك ُّل ما دون الله. وليس المراد ر ْف َضها من الملك ،فقد كان سليما ُن وداو ُد ِم ْن َأ ْز َه ِد َأ ْه ِل زمانهما ،ولهما من المال والنِّسا ِء والملك ما لهما ،وكان نب ُّينا ﷺ أزهد البشر على الإطلاق ،وله تسع نسوة. وكان عل ّيُ بن أبي طالب ،وعبد الرحمن بن عوف ،وال ُّزبير ،وعثما ُن من الز َّهاد ،مع ما لهم من الأموال ،وكان ال َحسن بن عل ٍّي من ال ُّز َّهاد ،مع أ َّنه كان من أكث ِر الأُ َّمة مح َّب ًة للنساء ونكا ًحا لهن وأغناهم ،وكان عبد الله بن 121
المبارك من الأئ َّمة ال ُّز َّهاد ،مع مال كثير ،وكذلك ال َّليث بن سعد وسفيا ُن من أئ َّمة ال ُّز َّهاد ،وكان له رأ ُس مال يقول« :لولا هو َل َت َمنْ َد َل بنا هؤلاء». و ِمن أح َس ِن ما قيل في ال ُّزهد ،كلا ُم ال َحسن أو غي ِره« :ليس ال ُّزه ُد في ال ُّدنيا بِ َتحري ِم الحَلا ِل ،ولا إضاع ِة الما ِل؛ ولك ْن أن تكو َن بما في ي ِد الله أو َث َق ِمن َك بما في ي ِد َك ،وأن تكو َن في َثوا ِب ال ُمصيب ِة -إذا ُأ ِصب َت بها -أر َغ َب ِمن َك فيها لو لمْ ُت ِص ْب َك»؛ فهذا ِمن أج َم ِع كلا ٍم في الزهد وأح َسنِه. 122
الـــــــــورع منزلـــــــة الـــــــورع قال الله تعالى﴿ :ﮡﮢﮣ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ ﮫﮬ﴾ [المؤمنون.]51 : وقال تعالى ﴿ :ﯖﯗ﴾ [المدثر.]4 : قال ُأبيَُّ بن كعب « :لا تلبسها على غدر ،ولا ُظ ْل ٍم ولا إثم ،ال َب ْسها وأنت َب ٌّر طاهر». ولا ريب أ َّن تطهيرها من النَّجاسات ،وتقصير َها من جملة ال َّتطهير المأمو ِر به ،إ ْذ به تما ُم إصلاح الأعمال والأخلاق؛ لأ َّن نجاسة ال َّظاه ِر تو ِر ُث نجاسة الباطن؛ ولذلك ُأمر القائ ُم بينْ يدي الله بإزالتها وال ُبع ِد عنها. والمقصود :أ َّن الورع يط ِّهر د َن َس القل ِب ونجاس َته ،كما يط ِّهر الما ُء دن َس ال َّثوب ونجاس َته ،وبينْ الثياب والقلوب مناسب ٌة ظاهرة وباطنة ،ولذلك تد ُّل ثيا ُب المرء في المنام على قلبه وحاله ،ويؤ ِّثر ك ٌّل منهما في الآخر. ولهذا نهُ َي عن لِبا ِس الحَري ِر وال َّذ َه ِب ،و ُج ُلو ِد ال ِّسبا ِع؛ لمِا تؤ ِّثر في القلب من الهيئة المنافية للعبود َّي ِة والخشوع ،وتأثير القلب والنَّف ِس في ال ِّثياب أم ٌر خف ٌّي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها ،وبهجتها وكسفتها، حتى إ َّن ثوب البرَِّ ل ُيع َرف من ثوب الفاجر ،وليسا عليهما. 123
وقد ج َمع النبي ﷺ الور َع ك َّله في كلمة واحدة؛ فقالِ « :من ُح ْس ِن إسلا ِم المَر ِء َت ْر ُكه ما لا َي ْعنِي ِه»((( ،فهذا َي ُع ُّم الترَّ ْ َك لمِا لا يعني من الكلام ،وال َّنظ ِر، والاستماع ،والبطش ،والمَشي ،وال ِفكر ،وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافي ٌة شافية في الورع. قال إبراهيم بن أدهم « :الورع ت ْر ُك ك ِّل شبهة ،وت ْر ُك ما لا َيعنِيك هو ت ْر ُك الفضلات». وقال إسحاق بن خ َلف « :الورع في المنطق أش ُّد منه في ال َّذهب والف َّضة، وال ُّزه ُد في ال ِّرياسة أش ُّد منه في ال َّذهب والف َّضة؛ لأنهَّ ما ُيب َذلان في طلب ال ِّرياسة». وقال يحيى بن معاذ « :الورع على وجهين؛ ورع في الظاهر :أن لا يتح َّرك إلا لله ،وو َرع في الباطن :هو أن لا يدخل قل َبك ِسواه ،وقالَ :من لم ينظر في ال َّدقيق من الورع لم َي ِص ْل إلى الجليل من العطاء». وقال بعض السلف« :لا يبلغ العب ُد حقيق َة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذ ًرا مما به بأس». وقال بعض ال َّصحابة « :كنا َن َد ُع سبعين با ًبا من الحلال مخاف َة أن نقع في باب من الحرام». ((( أخرجه الترمذي ( ،)2317وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (. )4840 124
الـــــــــورع فوائد التورع بتجنب القبائح: إحداهاَ :ص ْو ُن النفس؛ وهو ِح ْف ُظها وحمايتها عماَّ َيشينها ،و َيعيبها و ُيزري بها عند الله وملائكته ،وعبا ِده المؤمنين ،وسائر خلقه ،فإ َّن من كرم ْت عليه ن ْف ُسه وكبرُ ت عنده :صانها وحماها ،وز َّكاها وعلاّ ها ،ووضعها في أعلى المحا ِّل ،وزاحم بها أه َل العزائم والكمالات ،و َمن هانت عليه ن ْف ُسه وص ُغر ْت عنده ألقاها في ال َّرذائل ،وأطلق ِشناقها ،وح َّل ِزمامها وأرخاه ،و َد َّساها ولم َي ُصنْها عن قبيح. [والثانية] توفي ُر الحسنات ِمن وجهين: أحدهما :توفير زمانِه على اكتِساب الحسنات ،فإذا اشتغل بالقبائح نقص ْت عليه الحسنا ُت ا َّلتي كان مست ِع ًّدا لتحصيلها. والثاني :توفير الحسنات المفعول ِة عن نقصانها بموازنة ال َّس ِّيئا ِت أو حبو ِطها ،كما تق َّد َم في منزلة ال َّتوب ِة أ َّن السيئا ِت قد تحُ بِط الحسنا ِت ،وقد َتستغ ِر ُقها بالك ِّل َّي ِة أو تنقصها ،فلا ب َّد أن ُتض ِع َفها قط ًعا ،فتجنُّبها يوفر ديوا َن الحسنات ،وذلك بمنزلة َمن له مال حاصل ،واستدان عليه ،فإ َّما أن يستغ ِرقه ال َّدي ُن أو أكثره أو ينقصه ،فهكذا الحسنات وال َّس ِّيئات. [والثالثة] صيان ُة الإيمان :لأ َّن الإيمان عند جميع أه ِل ال ُّس َّن ِة َيزي ُد بالطاعة، وينقص بالمعصية ،وإضعاف المعاصي للإيمان أم ٌر معلوم بال َّذو ِق والوجود، فإ َّن العبد-كما جاء في الحديث« -إذا أذ َن َب ُن ِك َت في َقلبِه ُن ْكت ٌة َس ْودا ُء ،فإ ْن 125
تا َب واس َتغ َف َر ُص ِق َل َق ْل ُبه ،وإن عا َد فأذ َن َب ُن ِك َت في ِه ُن ْكت ٌة ُأخ َرى ،ح َّتى َتع ُل َو َق ْل َبه ،وذل َك ال َّرا ُن ا َّلذي قال الل ُه تعالى ﴿:ﭹﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [المطففين.(((»]14 : فالقبائح ُت َس ِّود القلب ،و ُتطفئ نو َره ،والإيما ُن هو نور في القلب ،والقبائح َتذ َهب به أو تق ِّلله قط ًعا. [و] الحسنات َتزيد نو َر القلب ،وال َّس ِّيئا ُت ُتطفئ نو َر القلب ،وقد أخبر تعالى أ َّن َك ْس َب القلوب سب ٌب لل َّران ا َّلذي يعلوها ،وأخبر أ َّنه أر َك َس المنافقي َن في نفاقهم بك ْسبِهم ،فقال ﴿ :ﭫﭬﭭﭮ﴾ [النساء.]٨٨ : ((( أخرجه الترمذي ( ،)3334وقال :حسن صحيح ،وابن ماجه (.)4244 126
الرجـــــــاء منزلـــــــة الرجــــــاء قال الله تعالى﴿ :ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ﴾ [الإسراء ،]57 :فابتغاء الوسيل ِة إليه :طل ُب ال ُقرب منه بالعبود َّية والمح َّبة ،ف َذ َكر مقامات الإيما ِن الثلاث َة ا َّلتي عليها بناؤه: الحب ،والخوف ،وال َّرجاء. وفي صحيح مسلم عن جابر قال :س ِمع ُت رسو َل الله ﷺ يقول - قبل موته بثلاث « :-لا َي ُمو َت َّن أ َح ُد ُكم إلاَّ وهو ُح ْي ِس ُن ال َّظ َّن ب َر ِّبه»((( ،وفي الصحيح عنه ﷺ « َيقو ُل الله :أنا ِعن َد َظ ِّن َع ْبدي بيَ ،ف ْل َي ُظ َّن بي ما شا َء»(((. «الرجاء» حا ٍد يحَ دو القلوب إلى بلاد المحبوب ،وهو الل ُه والدار الآخرة، ويط ِّيب لها ال َّسي َر. والفرق بينه وبين التمنِّي أ َّن ال َّتمنِّي يكون مع الكسل ،ولا يس ُلك بصاحبه طري َق ال ِج ِّد والاجتهاد ،و«الرجاء» يكون مع َب ْذ ِل الجُه ِد و ُحس ِن التوكل. فالأول :كحال َمن يتمنَّى أن يكون له أر ٌض يبذرها ويأخ ُذ زر َعها. والثاني :كحال َمن َيش ُّق أرضه ويف ِل ُحها و َيب ُذ ُرها ،ويرجو طلو َع الزرع. ((( أخرجه مسلم (.)2877 ((( أخرجه أحمد ( ،)16016وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (.)4316 127
ولهذا أجمع العارفون على أ َّن ال َّرجاء لا َي ِص ُّح إلاَّ مع العمل. وال َّرجا ُء ثلاثة أنواع :نوعان محمودان ،ونوع غرور مذموم. فالأ َّولان رجا ُء ر ُج ٍل ع ِم َل بطاعة الله على نور من الله ،فهو را ٍج لثوابه، ور ُج ٍل أذنب ذن ًبا ثم تاب منه إلى الله تعالى ،فهو را ٍج لمغفرته. والثالث :رجل ُم َتما ٍد في التفريط والخطايا ،يرجو رحم َة الله بلا عمل ،فهذا هو الغرور والتمنِّي والرجاء الكاذب. وللسالك ن َظران :نظ ٌر إلى نفسه وعيوبه وآفا ِت عمله ،يفتح عليه با َب الخوف ،ونظ ٌر إلى َسعة فضل ر ِّبه وكر ِمه وبِ ِّره ،يفتح عليه باب الرجاء. قال أبو عل ٍّي ال ُّروذبار ُّي « :الخوف والرجاء كجنا َح ِي الطائر؛ إذا استويا استوى ال َّطي ُر و َت َّم طيرا ُنه ،وإذا ن َقص أح ُدهما و َقع فيه النَّق ُص ،وإذا ذ َه َبا صار الطائ ُر في ح ِّد الموت». قال يحيى بن معاذ « :يكاد رجائي لك مع ال ُّذنوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال؛ لأنيِّ أج ُدني أعت ِم ُد في الأعمال على الإخلاص ،وكيف أحرزها وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في ال ُّذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجُود موصوف؟». [و] الرجاء ِمن أ َج ِّل منازلهم ،وأعلاها وأشرفِها ،وعليه وعلى الحب 128
الرجـــــــاء والخوف مدا ُر السير إلى الله ،وقد م َدح الله أهله ،وأثنى عليهم ،فقال﴿ :ﯯ ﯰ ﯱﯲﯳﯴﯵ ﯶﯷ ﯸ ﯹﯺﯻﯼ﴾ [الأحزاب.]٢١ : وفي الحدي�ث الصحي�ح الإله ِّي ع�ن النبي ﷺ -فيما ي�روي عن ربه - «يا اب َن آ َد َم ،إ َّن َك ما َد َع ْو َتني و َر َج ْو َتني َغ َف ْر ُت َل َك على ما كا َن ِمن َك ولا ُأبالي»(((. وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ،عن النبي ﷺ قال: « َيقو ُل الله :أنا ِعن َد َظ ِّن َع ْبدي بي ،وأنا معه إذا َذ َك َرني ،فإ ْن َذ َك َرني في َن ْف ِسه َذ َك ْر ُته في َن ْفسي ،وإ ْن َذ َك َرني في َمل ٍإ َذ َك ْر ُته في َمل ٍإ َخي ٍر من ُهم ،وإ ِن اقترَ َ َب إليََّ ِشب ًرا ،اقترَ َ ْب ُت إلي ِه ِذرا ًعا ،وإ ِن اقترَ َ َب إل َّي ِذرا ًعا ،اقترَ َ ْب ُت إلي ِه با ًعا ،وإ ْن أتاني َي ْمشي ،أ َت ْي ُته َه ْر َول ًة»(((. فق َّو ُة ال َّرجا ِء على ح َسب ق َّو ِة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه ،ولولا َرو ُح الرجاء ل ُع ِّطل ْت عبودي ُة القلب والجوارح ،و ُه ِّد َم ْت صوام ُع ،وبِ َي ٌع ،وصلوا ٌت ،ومساج ُد ُيذ َكر فيها اس ُم الله كثي ًرا؛ بل لولا َروح الرجاء لمَا تح َّركت الجوارح بالطاعة ،ولولا ري ُحه الطيب ُة لمَا جرت ُس ُفن الأعمال في بحر الإرادات ،وعلى ح َسب المح َّب ِة وق ّوَتهِ ا يكون الرجاء ،وك ُّل مح ٍّب را ٍج خائ ٌف بالضرَّ ورة ،فهو أرجى ما يكون لحبيبه ،أ َح َّب ما كان إليه ،وكذلك ((( أخرجه الترمذي ( ،)3540وح َّسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» ( .)127 ((( أخرجه البخاري ( ،)7405ومسلم (. )2675 129
خوفه ،فإنه يخاف سقو َطه من عينيه ،وط ْر َد محبوبه له وإبعا َده ،واحتجابه عنه ،فخوفه أش ُّد خوف ،ورجاؤه لمحبوبه ذات ٌّي للمحبة ،فإ َّنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه ،فإذا لق َيه ووصل إليه اشت َّد ال َّرجا ُء له ،لمِا يحصل به من حياة ُروحه ،ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه ،وبِ ِّره وإقباله عليه ،ونظره إليه بعين الرضا ،وتأهي ِله لمح َّبتِه ،وغير ذلك ممَّا لا حياة للم ِح ِّب ولا نعي َم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه ،فرجاؤه أعظم رجاء ،وأ َج ُّله وأتمُّه. فتأ َّم ْل هذا الموض َع ح َّق ال َّتأ ُّمل ُيط ِل ْعك على أسرا ٍر عظيمة من أسرار العبود َّي ِة والمح َّبة. فك ُّل مح َّب ٍة مصحوبة بالخوف والرجاء ،وعلى ق ْدر تم ُّكنها من قلب المح ِّب يشت ُّد خو ُفه ورجاؤه ،لكن خوف الم ِح ِّب لا َيص َح ُبه وحش ٌة ،بخلاف خوف المسيء ،ورجاء الم ِح ِّب لا يصحبه ِع َّلة ،بخلاف رجاء الأجير ،فأين رجا ُء الم ِح ِّب من رجاء الأجير وب ْينهما كما بينْ حا َل ْي ِهما؟! وبالجملة :فال َّرجا ُء ضرور ٌّي للمريد السالك ،والعارف لو فارقه لحظ ًة لتلف أو كاد ،فإ َّنه دائر بين ذنب يرجو غفرا َنه ،وعي ٍب يرجو صلاحه، وع َم ٍل صال ٍح يرجو َقبوله ،واستقام ٍة يرجو حصولها أو دوا َمها ،و ُق ْر ٍب من الله ومنزلة عنده يرجو وصو َله إليها ،ولا ينف ُّك أحد من السالكي َن عن هذه الأمور أو عن بعضها. وال َّر ُّب تعالى ليس له ثأ ٌر عند عبده فيدركه بعقوبته ،ولا يتشفى بعقابه، 130
الرجـــــــاء ولا يزيد ذلك في ُم ْلكه مثقال ذرة ،ولا ينقص مغفرته ،لو غفر لأهل الأرض ك ِّلهم؛ لمَا نقص مثقال ذرة من ملكه ،كيف ،وال َّرحم ُة أوسع من العقوبة وأس َب ُق من الغضب وأغلب له وهو قد كتب على ن ْف ِسه ال َّرحم َة؟ ومن ثمار الرجاء: -1إظهار العبود َّي ِة والفاقة ،والحْ َا َج ِة إلى ما يرجوه من ربه ،ويستش ِرفه من إحسانه ،وأ َّنه لا يستغني عن فضله وإحسانِه َطرف َة عين. -2أ َّنه سبحانه ي ِح ُّب من عباده أن يؤ ِّملوه و َي ْرجوه ،ويسألوه من ف ْض ِله؛ لأ َّنه الم ِلك الح ُّق الج َواد ،أ ْج َود َمن ُسئل ،وأوس ُع َمن أعطى ،وأ َح ُّب ما إلى الج َواد أن ُير َجى و ُيؤ َّمل و ُيسأل ،وفي الحديث « َم ْن لمْ َيسأ ِل الله َيغ َض ْب علي ِه»((( ،والسائ ُل را ٍج وطال ٌب؛ ف َمن لم ير ُج الله يغض ْب عليه. -3أ َّن ال َّرجاء حا ٍد يحَ ْدو به في َسيره إلى الله ،ويط ِّيب له ال َمسير ،ويحَ ُ ُّثه عليه، ويبعثه على ملازمته ،فلولا ال َّرجاء لمَا سرَ ى أحد ،فإ َّن الخوف وح َده لا يح ِّر ُك العبد ،وإ َّنما يح ِّركه الح ُّب ،و ُيزعجه الخوف ،ويحَ دوه ال َّرجاء. -4أ َّن ال َّرجاء يطرحه على عتبة المح َّبة ،ويلقيه في ِدهليزها ،فإ َّنه ك َّلما اشت َّد رجاؤه وح َصل له ما يرجوه ازداد ح ًّبا لله تعالى ،وشك ًرا له ،ور ًضا عنه. ((( أخرجه الترمذي ( ،)3373وابن ماجه ( ،)3827وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (. )2418 131
-5أ َّنه يبعثه على أعلى المقامات ،وهو مقام ال ُّشكر ،ا َّلذي هو خلاصة العبود َّية ،فإ َّنه إذا حصل له َم ْرج ُّوه كان ذلك أدعى لشكره. -6أ َّنه ُيوجب له المزي َد من معرفته بأسمائه ومعانيها ،والتع ُّلق بها ،فإ َّن الرجاء تع ُّل ٌق بأسماء الإحسان ،وتع ُّب ٌد بها ،ودعا ٌء بها ،وقد قال تعالى﴿ :ﭳ ﭴﭵﭶﭷ﴾ [الأعراف.]180 : -7أ َّن المح َّبة لا تنف ُّك عن ال َّرجاء -كما تق َّدم -فك ُّل واحد منهما َي ُم ُّد الآ َخ َر ويق ِّويه. -8أ َّن الخوف مستل ِز ٌم لل َّرجاء ،وال َّرجا ُء مستل ِز ٌم للخوف ،فك ُّل را ٍج خائ ٌف، وك ُّل خائ ٍف را ٍج ،ولأجل هذا ح ُسن وقو ُع ال َّرجا ِء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف ،قال الله تعالى ﴿ :ﭠﭡﭢ ﭣﭤﭥ﴾ [نوح ،]13:قال كثير من المفسرين :المعنى :ما لكم لا تخافون لله َع َظم ًة؟ قالوا :وال َّرجاء بمعنى الخوف .وال َّتحقيق أ َّنه ملا ِزم له. -9أ َّن العبد إذا تع َّلق قل ُبه برجاء ربه ،فأعطاه ما رجاه ،كان ذلك ألط َف موق ًعا ،وأحلى عند العبد ،وأبل َغ من حصول ما لم َي ْر ُجه. -10أ َّن الله يريد من عباده تكمي َل مرات ِب عبود َّيتِه من ال ُّذ ِّل والانكسار، وال َّتو ُّك ِل والاستعانة ،والخو ِف والرجاء ،وال َّصب ِر والشكر ،وال ِّرضا والإنابة وغي ِرها ،ولهذا َق َّدر عليه ال َّذن َب وابتلاه به ،لتكميل مرات ِب 132
الرجـــــــاء عبود َّيتِه بالتوبة التي هي من أح ِّب عبوديا ِت عب ِده إليه ،فكذلك تكميلها بال َّرجاء والخوف. -11أ َّن في ال َّرجاء -من الانتظار والترَّ ُّق ِب وال َّتو ُّق ِع لفضل الله -ما يوجب تع ُّل َق القلب ب ِذكره ،ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته، وتن ُّقل القلب في رياضها الأنيقة ،وأ ْخذه بنصيبه من ك ِّل اسم وصفة. 133
منزلـــــــة المراقبــــــة قال الله تعالى ﴿ :ﭲﭳﭴﭵﭶﭷ﴾ [غافر.]١٩ : وفي حديث جبري َل :أنه َسأ َل النَّب َّي ﷺ ع ِن الإحسا ِن؟ فقال له«:أ ْن َتع ُب َد الله كأ َّن َك َترا ُه ،فإ ْن لمْ َت ُك ْن َترا ُه فإ َّن ُه َيرا َك»(((. المراقبة :دوام ِعلم العبد ،وتي ُّقنِه با ِّطلاع الح ِّق على ظاهره وباطنِه، فاستدام ُته لهذا العلم واليقي ِن هي المراقبة ،وهي ثمرة ِعلمه بأ َّن الله سبحانه رقيب عليه ،ناظ ٌر إليه ،سام ٌع لقوله ،وهو م َّط ِلع على عمله ك َّل وقت وك َّل لحظة ،وك َّل ن َفس وك َّل َطرف ِة عين ،والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات ،فكيف بحال المريدين؟ فكيف بحال العارفين؟ وقال ذو النُّون « :علامة المراقبة :إيثا ُر ما أنزل الله ،وتعظي ُم ما ع َّظم اللهُ ،وتصغي ُر ما ص َّغر الل ُه». وقال أبو حفص لأبي عثما َن النَّ ْيسابور ِّي -رحمهما الله« :-إذا جل ْس َت للنَّا ِس فكن واع ًظا لقلبك ون ْف ِسك ،ولا َي ُغ َّر َّنك اجتما ُعهم عليك ،فإنهَّ م يراقبون ظاه َرك ،والله يراقب باطنك». وأرباب ال َّطري ِق مجُ ِمعون على أ َّن مراقبة الله في الخواطر :سب ٌب لحفظه في ((( أخرجه البخاري ( ،)50ومسلم (.)9 134
المراقبـــــة حركاتال َّظواهر،ف َمنراقباللهفيس ِّره:حفظهاللهفيحركاتهفيس ِّرهوعلانيته. والمراقبة :هي ال َّتع ُّبد باسمه (ال َّرقيب)( ،الحفيظ)( ،العليم)( ،السميع)، (البصير) ،ف َمن َع َقل هذه الأسماء ،وتع َّب َد بمقتضاها :حص َل ْت له المراقبة. 135
منزلـــــــة الإخــــلا�ص قال الله تعالى﴿ :ﮘﮙﮚﮛﮜﮝ ﮞﮟ﴾ [البينة ،]٥ :وقال لنبيه ﷺ﴿ :ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠ ﯡ ﯢﯣﯤﯥ﴾ [الأنعام .]163 - 162 :وقال﴿ :ﭛﭜ ﭝﭞﭟ ﭠ ﭡﭢ﴾ [الملك.]2 : قال ال ُف َضيل بن ِع َياض « :هو أخل ُصه وأصوبه ،قالوا :يا أبا عل ٍّي، ما أخل ُصه وأصو ُبه؟ فقال :إ َّن العمل إذا كان خال ًصا ،ولم يك ْن صوا ًبا؛ لمْ ُيق َبل ،وإذا كان صوا ًبا ولم يكن خال ًصا :لم ُيقبل؛ حتى يكو َن خال ًصا صوا ًبا، والخالص :أن يكون لله ،وال َّصواب أن يكون على ال ُّسنَّة ،ثم قرأ قوله تعـالى: ﴿ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾ [الكهف.»]110 : وقال تعالى﴿ :ﮐ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ﴾ [النساء،]125 : فإسلام الوج ِه لله تعالى :إخلا ُص القص ِد والعمل له ،والإحسا ُن فيه :متابع ُة رسوله ﷺ و ُسنَّتِه. وقال النب ُّي ﷺ لسعد بن أبي و َّقاص « :إ َّن َك لن تخُ َ َّل َف ف َتع َم َل َع َملاً َتب َتغي ب ِه َو ْج َه الله تعالى إلاَّ از َد ْد َت ب ِه َخي ًرا ،و َد َرج ًة َو ِر ْفع ًة»(((. ((( أخرجه البخاري ( ،)1295ومسلم (.)1628 136
الإخــــــلاص وأخبرَ َ عن أ َّو ِل ثلاث ٍة ُت َس َّع ُر بهِ ُم ال َّنا ُر :قا ِر ُئ ال ُقرآ ِن ،وال ُمجا ِه ُد ،وال ُم َت َص ِّد ُق بمالِه ،ا َّل ِذي َن َف َع ُلوا ذل َك لِ ُيقا َلُ :فلا ٌن قا ِر ٌئُ ،فلا ٌن ُشجا ٌعُ ،فلا ٌن ُمت َص ِّد ٌق ،ولمْ تك ْن أعمالهُ ُم خالِص ًة لله(((. وفي الحديث ال َّصحيح الإله ِّي يقول الله تعالى« :أنا أ ْغنى الشرُّ َ كا ِء ع ِن الشرِّ ْ ِكَ ،من َع ِم َل َع َملاً أش َر َك في ِه َغيرْ ِي فهو لِ َّلذي أش َر َك ب ِه ،وأنا ِمن ُه َبري ٌء»((( ،وفي ال َّصحيح عنه ﷺ« :إ َّن الله لا َين ُظ ُر إلى أجسا ِم ُكم ،ولا إلى ُص َو ِر ُكم ،ولكِ ْن َين ُظ ُر إلى ُق ُلوبِ ُكم»(((. وقال تعالى﴿ :ﯥﯦ ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ﴾ [الحج.]٣٧ : وقد تن َّوعت عبارتهم في الإخلاص ،والقص ُد واحد. فقيل :هو إفراد الح ِّق سبحانه بالقصد في الطاعة. وقيل :التو ِّقي من ملاحظة الخَ ْلق حتى عن ن ْفسك ،وال ِّصد ُق :ال َّتن ِّقي من مطالعة النَّ ْفس ،فالمخلص لا ريا َء له ،وال َّصاد ُق لا إعجاب له ،ولا يت ُّم الإخلا ُص إلاَّ بال ِّصدق ،ولا ال ِّصد ُق إلاَّ بالإخلاص ،ولا َيتِماَّ ِن إلاَّ بال َّصبر. وقيل :الإخلاص :نِسيا ُن ُرؤية الخَ ْلق بدوام النظر إلى الخالق ،و َمن َتز َّي َن للناس بما ليس فيه س َق َط من َعي ِن الله. ((( أخرجه مسلم (.)1905 ((( أخرجه مسلم ( )2985بنحوه. ((( أخرجه مسلم (.)2564 137
ومن كلام ال ُف َضيل « :ت ْر ُك العمل ِمن أ ْج ِل الناس رياء ،والعمل ِمن أ ْج ِل الناس شرِ ْ ك ،والإخلاص أن يعافيك الله منهما». آفات تعرض للعبد في عمله: يعرض للعامل في عمله ثلا ُث آفات :رؤيته وملاحظ ُته ،وطلب ال ِعوض عليه ،ورضاه به وسكو ُنه إليه. فالذي يخُ ِّلصه من رؤية عم ِله :مشاهد ُته لمِِنَّة الله عليه ،وف ْض ِله وتوفيقه له، وأ َّنه بالله لا بن ْفسه ،وأ َّنه إ َّنما أوجب عم َله مشيئ ُة الله لا مشيئ ُته هو ،كما قال تعالى﴿ :ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ﴾ [التكوير ،]29 :وأ َّنه لو ُخليِّ ون ْف َسه لم يكن ِمن فع ِله ال َّصال ِح شي ٌء الب َّت َة ،فإ َّن النَّ ْفس جاهل ٌة ظالمة ،طب ُعها الكسل، وإيثا ُر الشهوات والبطالة ،وهي منبع ك ِّل ش ٍّر ،ومأوى ك ِّل سوء ،وما كان هكذا لم َيص ُد ْر منه خير ،ولا هو من شأنه. فالخير ا َّلذي َيص ُد ُر منها إ َّنما هو من الله تعالى وبه ،لا من العبد ،ولا به، كما قال تعالى﴿ :ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [النور ،]21 :وقال أهل الجنَّة﴿ :ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷﯸﯹﯺ﴾ [الأعراف ،]43 :فك ُّل خير في العبد فهو مج َّرد فض ِل الله و ِمنَّتِه، وإحسانِه ونعمته ،وهو المحمود عليه. فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة ،كرؤيته لصفاته الخ ْلق َّية ِمن سم ِعه وبص ِره، 138
الإخــــــلاص وإدراكه وق َّوتِه ،بل من ص َّحتِه ،وسلام ِة أعضائه ،ونح ِو ذلك ،فالك ُّل مج َّر ُد عطاء الله ونعمتِه وفضله. فالذي خُي ِّلص العب َد من هذه الآف ِة :معرف ُة ر ِّبه ،ومعرف ُة ن ْف ِسه. والذي يخ ِّل ُصه ِمن طل ِب ال ِع َوض على العملِ :ع ْل ُمه بأ َّنه عب ٌد محض، والعبد لا يست ِح ُّق على خدمته لس ِّيده ِعو ًضا ولا أجرة؛ إذ هو يخد ُمه بمقتضى عبود َّيتِه ،فما يناله من س ِّيده من الأجر وال َّثوا ِب تف ُّض ٌل منه ،وإحسان إليه، وإنعا ٌم عليه ،لا معاوضة؛ إ ِذ الأجرة إنما يستح ُّقها الحُ ُّر ،أو عب ُد الغير ،فأ َّما عبده ن ْفس ِه فلا. والذي يخ ِّلصه من رضاه بعمله وسكونِه إليه أ ْمران :أحدهما :مطالعة عيوبِه وآفاته ،وتقصي ِره فيه ،وما فيه من ح ِّظ النَّ ْفس ،ونصي ِب الشيطان ،ف َق َّل عم ٌل من الأعمال إلاَّ وللشيطان فيه نصيب ،وإن ق َّل ،وللنفس فيه ح ٌّظ. ُس ِئ َل النَّب ُّي ﷺ ع ِن التِفا ِت ال َّر ُج ِل في َصلاتِه؟ فقال« :هو اختِلا ٌس خَي َتلِ ُسه ال َّشيطا ُن ِمن َصلا ِة ال َعب ِد»(((. فإذا كان هذا التفا ُت َط ْرفِه أو لحَ ْ ِظه؛ فكيف التفا ُت قلبه إلى ما سوى الله؟ هذا أعظم نصي ِب الشيطان من العبودية. الثانيِ :عل ُمه بما يستح ُّقه الر ُّب من حقوق العبود َّية ،وآدابهِ ا الظاهرة ((( أخرجه البخاري (.)751 139
والباطنة ،وشروطها ،وأن العبد أضع ُف وأعجز وأق ُّل من أن يو ِّف َيها ح َّقها، وأن يرضى بها لربه ،فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لر ِّبه ،ولا يرضى ن ْف َسه لله تعالى طرف َة عين ،ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنِّه بنفسه وعم ِله ،و ُبغ ُضه لها ،وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله: يحول بينه وبين ال ِّرضا بعمله ،وال ِّرضا عن نفسه. 140
الاســــتقامة منزلـــــــة الا�ســــتقامة قال الله تعالى﴿ :ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭣ﴾ [فصلت.]30 : ُس ِئل ِص ِّديق الأ َّمة وأعظ ُمها استقام ًة أبو بكر الصدي ُق عن الاستقامة؟ فقال« :أن لا تشر َك بالله شي ًئا» يريد :الاستقام َة على محض ال َّتوحيد. وقال ُعمر بن الخ َّطاب « :الاستقامة :أن تستقيم على الأمر والنَّهي ،ولا َترو َغ َر َوغا َن ال َّثعالب». وسمع ُتشيخالإسلاماب َن َتيم َّية يقول«:استقامواعلىمح َّبتهوعبوديته، فلم يلتفتوا عنه َي ْمن ًة ولا َيسرْ ًة». وفي صحيح مسلم عن سفيا َن ب ِن عبد الله قال :قلت :يا رسو َل اللهُ ،ق ْل ُث َّم بالله، آ َمنْ ُت « ُق ْل: قال: َغي َر َك، أ َح ًدا عنه أسأ ُل لا َقو ًال لي في الإسلا ِم اس َت ِق ْم»(((. َخي َر أ َّن واع َل ُموا َثوبا َن عن النبي ﷺ قال« :اس َت ِقي ُموا ولن ُح ْت ُصوا، وعن ال َّصلا ُة ،ولا حُيافِ ُظ على ال ُو ُضو ِء إلاَّ م ْؤ ِم ٌن»(((. أعمالِ ُك ُم والمطلوب من العبد الاستقامة ،وهي ال َّسداد ،فإن لم َي ْق ِدر عليها فالمقا َربة، فإ ْن نزل عنها فال َّتفري ُط والإضاعة ،كما في حديث أبي هرير َة عن النب ِّي ﷺ: ((( أخرجه مسلم (.)38 ((( أخرجه ابن ماجه ( ،)277وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (.)115 141
« َس ِّد ُدوا وقا ِر ُبوا ،واع َل ُموا أ َّنه لن َين ُج َو أ َح ٌد ِمن ُكم ب َع َملِه» ،قالوا :ولا أن َت يا رسو َل الله؟ قال« :ولا أنا ،إلاَّ أن َي َت َغ َّم َدني الله ب َرحم ٍة ِمن ُه و َف ْض ٍل»(((. فج َمع في هذا الحديث مقاما ِت ال ِّدين ك َّلها ،فأمر بالاستقامة ،وهي ال َّسداد والإصابة في النِّ َّيات والأقوا ِل والأعمال. وأخبر في حديث َثوبا َن أنهم لا ُيطيقونها ،فن َق َلهم إلى المقاربة ،وهي :أن يقربوا من الاستقامة بح َسب طاقتهم ،كالذي َيرمي إلى الغرض ،فإ ْن لم ُي ِص ْبه يقا ِربه ،ومع هذا فأخبرهم :أ َّن الاستقامة والمقارب َة لا ُتنجي يوم القيامة ،فلا َيرك ْن أح ٌد إلى عمله ،ولا يعجب به ،ولا يرى أ َّن نجاته به ،بل إ َّنما نجا ُته برحمة الله وعف ِوه وفضله. فالاستقامة كلمة جامعة ،آ ِخذ ٌة بمجام ِع ال ِّدين ،وهي القيام بين يدي الله على حقيقة ال ِّصدق ،والوفاء بالعهد. والاستقامة تتع َّلق بالأقوال ،والأفعال ،والأحوال ،والنِّ َّيات ،فالاستقامة فيها :وقو ُعها لله ،وبالله ،وعلى أمر الله. قال بعض العارفين« :كن صاح َب الاستقامة ،لا طال َب الكرامة ،فإ َّن ن ْف َسك متح ِّرك ٌة في طلب الكرامة ،ور ُّبك يطالِ ُبك بالاستقامة». وس ِمع ُت شيخ الإسلام ابن تيم َّي َة يقول « :أع َظ ُم الكرامة :لزوم الاستقامة». ((( أخرجه البخاري ( ،)5673ومسلم ( )2816واللفظ له. 142
الاســــتقامة أصلان للاستقامة: وال َّسلف َي ْذكرون [أصلين للاستقامة] وهما :الاقتصاد في الأعمال، والاعتصا ُم بال ُّسنَّة ،فإ َّن الشيطان َي َش ُّم قل َب العبد ويختبرِ ُه ،فإن رأى فيه داعي ًة للبدعة ،وإعرا ًضا عن كمال الانقياد لل ُّسنة :أخرجه عن الاعتصام بها. وإ ْن رأى فيه ِحر ًصا عليها ،و ِش َّد َة طل ٍب لها :لم يظف ْر به من باب اقتِطاعه عنها ،فأمره بالاجتهاد ،والجَور على النَّ ْفس ،ومجاوز ِة ح ِّد الاقتصاد فيها، قائ اًل له :إ َّن هذا خير وطاعة ،والزيادة والاجتهاد فيها أولى ،فلا تفتر مع أهل الفتور ،ولا َتنَ ْم مع أهل النوم ،فلا يزال يحَ ُ ُّثه ويحُ ِّرضه ،حتى يخُ ِر َجه عن الاقتصاد فيها. قال بعض السلف« :ما أ َمر الله بأمر إلاَّ وللشيطان فيه نزعتان ،إ َّما إلى تفريط ،وإ َّما إلى مجاوزة -وهي الإفراط -ولا يبالي بأ هِّيما ظ ِفر». وقال رسو ُل اللهِ ﷺ لعبد الله بن َعمرو بن العاص « :يا َع ْب َد الله ب َن ُس ّنَ ٍة أف َل َح، َوع َمم ٍرنوك،ا َنإ َّنْتل َفُتكرْ َِّلُتهعإالِمى ٍبلِ ْدرَِّعشٍةًة،خاول َ ُكب ِّلو َخرَِِّرش ٍَةس َف»تر(ْ(( ً،ة،قاف َلم لْنهكذال َن ْكت َفتحرْيَ ُتنهأ إملرىه بالاقتصاد في العمل. فك ُّل الخير في اجتها ٍد باقتصاد ،وإخلا ٍص مقرون بالا ِّتباع. ((( أخرجه أحمد ( ، )6764وص َّححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (.)2152 143
منزلــــــــة التو ُّكـــــــل قال الله تعالى﴿ :ﯽﯾﯿﰀﰁ ﰂ﴾ [المائدة ،]23 :وقال عن أصحاب نبيه ﴿ :ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂﰃﰄﰅﰆ﴾ [آل عمران.]173 : وفي ال َّصحيحين -في حديث ال َّسبعي َن أ ْل ًفا الذين يدخلون الجنة بغير حسابُ « :-ه ُم ا َّل ِذي َن لا َيسترَ ُقو َن ،ولا َي َتطيرَّ ُو َن ،ولا َي ْك َت ُوو َن ،وعلى َربهِّ ِم َي َتو َّك ُلو َن»(((. وفي ال َّصحيحين :أ َّن رسول الله ﷺ كان يقول« :الله َّم ل َك أس َل ْم ُت، وب َك آ َم ْن ُت ،وعلي َك َتو َّك ْل ُت ،وإلي َك أ َن ْب ُت ،وب َك خا َص ْم ُت ،الله َّم إنيِّ أ ُعو ُذ ب ِع َّزتِ َك ،لا إل َه إلاَّ أن َت :أن ُت ِض َّلني ،أن َت ال َح ُّي ا َّلذي لا َي ُمو ُت ،وال ِج ُّن والإن ُس َي ُمو ُتو َن»(((. وفي الترِّ مذي عن ُعم َر مرفو ًعا« :لو أ َّن ُكم َت َتو َّك ُلو َن على الله َح َّق َتو ُّك ِله، َل َر َزق ُكم كما َير ُز ُق ال َّطي َرَ ،ت ْغ ُدو مِخا ًصا و َت ُرو ُح بِطا ًنا»(((. وفي ال ُّسنن عن أنس قال :قال رسول الله ﷺَ « :من قال -يعني إذا ((( أخرجه البخاري ( )5705واللفظ له ،ومسلم ( .)220 ((( أخرجه البخاري ( ،)7385،7383ومسلم ( )2717واللفظ له . (((أخرجه الترمذي ( ،)2344وابن ماجه ( ،)4164وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (. )310 144
التوكـــــل َخ َر َج ِمن َبيتِه -بِاس ِم اللهَ ،تو َّك ْل ُت على الله ،ولا َح ْو َل ولا ُق َّو َة إلاَّ بالله؛ ُيقا ُل ل ُهُ :ه ِدي َت و ُك ِفي َت َو ُو ِقي َت ،ف َيقو ُل ال َّشيطا ُن لِ َشيطا ٍن آ َخ َر :كي َف ل َك بِ َر ُج ٍل قد ُه ِد َي و ُك ِف َي و ُو ِق َي؟»(((. ال َّتو ُّكل نِص ُف ال ِّدين ،ونِص ُفه الثاني الإنابة؛ فإ َّن ال ِّدين استعان ٌة وعبادة، فال َّتو ُّك ُل هو الاستعانة ،والإنابة هي العبادة. ومنزلته أوسع المنازل وأجم ُعها ،ولا تزال معمور ًة بالنازلين ،ل َسعة متع َّل ِق ال َّتو ُّكل ،وكثر ِة حوائج العالمَ ين ،وعمو ِم ال َّتو ُّك ِل ،ووقو ِعه من المؤمني َن والك َّفار ،والأبرار والف َّجار ،وال َّطي ِر والوحش والبهائم ،فأه ُل السموات والأرض -المك َّلفون وغيرهم -في مقام ال َّتو ُّكل ،وإ ْن تبا َي َن متعل ُق تو ُّك ِلهم. فأولياؤه وخا َّص ُته متو ِّكلو َن عليه في حصول ما يرضيه منهم ،وفي إقامته في الخ ْلق ،فيتو َّكلون عليه في الإيمان ،و ُنصر ِة دينه ،وإعلا ِء كلماته ،وجهاد أعدائه ،وفي محا ِّبه وتنفي ِذ أوامره. ودون هؤلاء َمن يتو َّكل عليه في استقامته في ن ْف ِسه ،و ِح ْف ِظ حالِه مع الله، فار ًغا من الناس. ودون هؤلاء َمن يتو َّك ُل عليه في معلو ٍم ينا ُله منهِ ،من رزق ،أو عافية ،أو نص ٍر على عد ٍّو ،أو زوج ٍة أو ولد ،ونحو ذلك. ودون هؤلاء َمن يتو َّكل عليه في حصول ما لا يح ُّبه ويرضاه من ال ُّظلم ((( أخرجه أبو داود ( ،)5090والترمذي ( ،)3426وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (.)499 145
وال ُعدوا ِن وحصو ِل الإثم والفواحش ،فإ َّن أصحاب هذه المطال ِب لا ينالونها غال ًبا إلاَّ باستعانتهم بالله ،وتو ُّك ِلهم عليه ،بل قد يكون تو ُّك ُلهم أقوى من تو ُّكل كثي ٍر من أصحاب الطاعات ،ولهذا ُيلقون أنفسهم في المتالف والمهالك، معتمدين على الله أن ي َس ِّلمهم ،و ُي َظ ِّف َرهم بمطالبهم. فأفضل ال َّتو ُّكل :التو ُّكل في الواجب أعني :واج َب الح ِّق ،وواج َب الخ ْلق، وواج َب ال َّن ْفس ،وأوسعه وأنف ُعه ال َّتو ُّك ُل في التأثير في الخارج في مصلح ٍة دين َّية ،أو في دفع مفسد ٍة دين َّية ،وهو تو ُّكل الأنبياء في إقامة دين الله ،ودفع فساد المفسدين في الأرض ،وهذا تو ُّكل ورثتِهم ،ثم ال َّنا ُس بع ُد في التو ُّكل على ح َسب همِ َ ِمهم ومقاصدهم ،ف ِمن متو ِّك ٍل على الله في حصول الملك ،و ِمن متو ِّك ٍل في حصول رغيف. و َمن َص َدق تو ُّك ُله على الله في حصول شي ٍء ناله ،فإ ْن كان محبو ًبا له َم ْرض ًّيا كانت له فيه العاقب ُة المحمودة ،وإن كان مسخو ًطا مبغو ًضا كان ما حصل له بتو ُّكله مض َّر ًة عليه ،وإن كان مبا ًحا حصل ْت له مصلح ُة ال َّتو ُّك ِل دون مصلح ِة ما تو َّكل فيه ،إن لم َيست ِع ْن به على طاعاته. قال الإمام أحمد « :التو ُّكل ع َم ُل القلب» ،و ُسئل يحيى ب ُن معاذ : «متى يكون ال َّرج ُل متوكّ ًاِل؟ فقال :إذا رض َي بالله وكي اًل». ومنهم َمن يفسرِّ ه بال ِّثقة بالله ،وال ُّطمأنين ِة إليه ،وال ُّسكو ِن إليه. قال ذو ال ُّنون « :هو تر ُك تدبير ال َّنفس ،والانخلا ُع من الحول والق َّو ِة». 146
التوكـــــل وأجمع القوم على أ َّن التو ُّكل لا ينافي القيا َم بالأسباب ،بل لا يص ُّح إلاَّ مع القيام بها ،وإلاَّ فهو بطالة وتو ُّك ٌل فاسد. وحقيقة الأمر :أن التو ُّكل حا ٌل مر َّكبة من مجموع أمور ،لا َتتِ ُّم حقيق ُة التوكل إلا بها. درجات التوكل : فأ َّو ُل ذلك :معرف ٌة بال َّر ِّب وصفاتِه من ُقدرته ،وكفايته ،و َق ُّيو ِم َّيتِه ،وانتهاء الأمور إلى ِعلمه ،وصدو ِرها عن مشيئته وقدرته ،وهذه المعرفة أ َّو ُل درجة يضع بها العب ُد قد َمه في مقام التوكل. ال َّدرج ُة ال َّثاني ُة :إثبات الأسباب والمس َّببات فالتوكل من أعظ ِم الأسبا ِب التي يح ُص ُل بها المطلوب ،ويندفع بها المكروه ،ف َمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوك ُل ،ولكن من تمام التوك ِل عد ُم ال ُّركو ِن إلى الأسباب ،وقطع َعلاق ِة القلب بها؛ فيكون حا ُل قلبِه قيا َمه بالله لا بها ،وحا ُل بدنِه قيا َمه بها. ال َّد َرج ُة ال َّثالِث ُةُ :ر ُسو ُخ ال َقل ِب في َمقا ِم َتوحي ِد ال َّتو ُّك ِل؛ فإ َّنه لا يستقيم تو ُّك ُل العب ِد حتى يص َّح له توحي ُده؛ بل حقيقة التوكل توحيد القلب ،فما دام ْت فيه علائ ُق الشرِّ ك ،فتو ُّك ُله معلو ٌل مدخول ،وعلى قدر تجري ِد التوحيد تكون ص َّح ُة التو ُّكل ،فإ َّن العبد متى التف َت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفا ُت ُشعب ًة ِمن ُش َعب قلبِه ،فنقص ِمن تو ُّكله على الله بقدر ذها ِب تلك ال ُّشعبة، ومن هاهنا َظ َّن َمن َظ َّن أ َّن التو ُّك َل لا يص ُّح إلاَّ برفض الأسباب ،وهذا ح ٌّق، 147
لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح ،فالتوك ُل لا َيتِ ُّم إلا برفض الأسباب عن القلب ،وتع ُّل ِق الجوارح بها ،فيكون منقط ًعا منها م َّت ِص اًل بها. ال َّد َرج ُة ال َّرابِع ُة :اعتِما ُد ال َقل ِب على اللهِ ،واستِنا ُده إلي ِه ،و ُس ُكو ُنه إلي ِه بحيث لا يبقى فيه اضطرا ٌب من تشويش الأسباب ،ولا سكو ٌن إليها ،بل يخلع ال ُّسكو َن إليها من قلبه ،و ُيلبِ ُسه ال ُّسكو َن إلى مس ِّببها. وعلامة هذا أ َّنه لا يبالي بإقبالها وإدبا ِرها ،ولا يضط ِر ُب قل ُبه ويخَ ِفق عند إدبار ما يحُ ُّب منها ،وإقبا ِل ما َيكره؛ لأ َّن اعتماده على الله ،وسكو َنه إليه، واستنا َده إليه ،قد ح َّصنه ِمن خوفها ورجائِها ،فحا ُله حا ُل َمن خرج عليه عد ٌّو عظيم لا طاق َة له به ،فرأى ِحص ًنا مفتو ًحا ،فأدخله ر ُّبه إليه ،وأغلق عليه با َب ال ِحصن ،فهو يشاهد عد َّوه خار َج ال ِحصن ،فاضطراب قلبِه وخو ُفه منهم في هذه الحال لا معنى له. وكذلك َمن أعطاه م ِل ٌك دره ًما ،فسرُ ِ ق منه ،فقال له الم ِلك :عندي أضعا ُفه، لا تهَ ت َّم ،متى جئ َت إل َّي أعطي ُتك ِمن خزائني أضعا َفه ،فإذا ع ِلم ص َّح َة قو ِل الم ِلك ،ووثِق به ،واطمأ َّن إليه ،و َع ِل َم أ َّن خزائ َنه مليئ ٌة بذلك؛ لم يحزنه فو ُته. ال َّد َرج ُة الخا ِمس ُةُ :ح ْس ُن ال َّظ ِّن باللهِ تعالى ،فعلى ق ْدر ُحس ِن ظ ِّنك به ورجائِك له ،يكون تو ُّك ُلك عليه؛ ولذلك فسرَّ بع ُضهم التو ُّك َل ب ُحسن ال َّظ ِّن ،فقال :التوكلُ :حس ُن الظ ِّن بالله. وال َّتحقيق :أ َّن ُحس َن ال َّظ ِّن به يدعوه إلى ال َّتو ُّكل عليه ،إ ْذ لا ُيتص َّو ُر 148
التوكـــــل ال َّتو ُّك ُل على َمن ُتسيء ظ َّنك به ،ولا ال َّتو ُّك ُل على َمن لا ترجوه. ال َّدرج ُة ال َّسادس ُة :استِسلا ُم القل ِب ل ُه ،وان ِجذا ُب َدوا ِعي ِه ك ِّلها إلي ِه، و َق ْط ُع ُمنا َزعاتِه. وهذا معنى قو ِل بعضهم :التوك ُل إسقا ُط التدبير ،يعني :الاستسلا َم لتدبير ال َّر ِّب لك ،وهذا في غير باب الأم ِر وال َّنه ِي ،بل فيما يفعله بك ،لا فيما أ َم َرك بفعله. ال َّدرج ُة ال َّسابع ُة :ال َّتفوي ُض ،وهو ُروح التو ُّك ِل و ُل ُّبه وحقيقته ،وهو إلقاء أمو ِره ك ِّلها إلى الله ،وإنزالهُ ا به طل ًبا واختيا ًرا ،لا ُكر ًها واضطرا ًرا ،بل كتفويض الاب ِن العاجز ال َّضعي ِف المغلوب أمو َره إلى أبيه ،العالمِ ِ بشفقته عليه ورحمتِه ،وتما ِم كفايته ،و ُحس ِن ولايتِه له ،وتدبي ِره له ،فهو يرى أ َّن تدبي َره له خي ٌر من تدبيره لن ْف ِسه ،وقيا َمه بمصالحه وتو ِّل َيه لها خي ٌر من قيامه هو بمصال ِح ن ْف ِسه وتو ِّليه لها ،فلا يجَ ِ ُد له أص َل َح ولا أرف َق من تفويضه أمو َره ك َّلها إلى أبيه ،وراحتِه من حمل كلفتها وثقل حملها ،مع عجزه عنها ،وج ْه ِله بوجوه المصالح فيها ،و ِعلمه بكمال ِعلم َمن َف َّوض إليه ،وقدرتِه وشفقته. الدرجة الثامنة :فإذا َو َض َع َق َد َمه في هذ ِه ال َّدرج ِة ،ان َت َق َل منها إلى َد َرج ِة ال ِّرضا وهي ثمرة ال َّتو ُّكل. وكان شي ُخنا يقول« :المقدور َيكتنِ ُفه أ ْمران :التو ُّك ُل قب َله ،والرضا بعده ،ف َمن تو َّكل على الله قب َل الفعل ،ورض َي بالمَقضيِِّ له بعد الفعل؛ فقد قام بالعبود َّية». 149
قلت :وهذا معنى قو ِل ال َّنب ِّي ﷺ في دعاء الاستِخارة« :الله َّم إنيِّ أس َتخي ُر َك ب ِع ْل ِم َك ،وأس َتق ِد ُر َك ب ُقد َرتِ َك ،وأسأ ُل َك ِمن َفض ِل َك ال َعظي ِم» ،فهذا تو ُّكل وتفويض ،ثم قال« :فإ َّن َك َت ْع َل ُم ولا أع َل ُم ،و َتق ِد ُر ولا أق ِد ُر ،وأن َت َعلاَّ ُم ال ُغيو ِب» ،فهذا تب ُّر ٌؤ إلى الله من ال ِعلم وال َحو ِل والق َّوة ،وتو ُّس ٌل إليه سبحانه بصفاته التي هي أح ُّب ما َتو َّسل إليه بها المتو ِّسلون ،ثم سأل ر َّبه أن يقض َي له ذلك الأم َر إن كان فيه مصلح ُته ،عاج اًل أو آج اًل ،وأن َيص ِر َفه عنه إن كان فيه مض َّر ُته ،عاج ًال أو آج ًال ،فهذا هو حاج ُته التي سألها ،فلم يب َق عليه إلاَّ ال ِّرضا بما يقضيه له ،فقال« :وا ْق ُد ْر ل َي ال َخي َر حي ُث كانُ ،ث َّم َر ِّضني ب ِه»(((. فقد اشتمل هذا ال ُّدعا ُء على هذه المعار ِف الإله َّية ،والحقائ ِق الإيمان َّية، التي ِمن جملتها التو ُّك ُل والتفوي ُض قبل وقوع المقدور ،وال ِّرضا بع َده ،وهو ثمرة التو ُّكل والتفوي ِض ،وعلام ُة ص َّحتِه ،فإن لم ير َض بما ُقض َي له؛ فتفوي ُضه معلو ٌل فاسد. فباستكمال هذه ال َّدرجا ِت الثما ِن َيستك ِم ُل العب ُد مقا َم التوكل ،وتث ُب ُت َق َد ُمه فيه. والتوك ُل من أع ِّم المقامات تع ُّل ًقا بالأسماء الحسنى؛ فإ َّن له تع ُّل ًقا خا ًّصا بعا َّمة أسماء الأفعال ،وأسما ِء الصفات ،فله تع ُّل ٌق باسم (الغ َّفار) ،و(ال َّت َّواب)، و(العفو) ،و(ال َّرحيم) ،وتع ُّل ًقا باسم (الفتاح) ،و(الوهاب) ،و(الرزاق)، ((( أخرجه البخاري ( .)6382 150
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286