التـــــوبة وبينه ،وأنت تعلم أ َّن العد َّو س َي ُسو ُمه سو َء العذاب ،ويع ِّرضه لأنواع الهلاك ،وأنت أ ْولىَ به منه ،وهو َغر ُسك وتربيتك ،ثم إ َّنه انفلت من عدوه، ووافاك على غير ميعاد ،فلم َي ْف َج ْأك إلا وهو على بابك ،يتم َّلقك ويتر َّضاك ويستعتبك ،و ُي َم ِّرغ خ َّد ْيه على تراب أعتابك ،فكيف يكون فر ُحك به وقد اخ َتصص َته لنفسك ،ورضي َته ل ُق ْربك ،وآثر َته على ِسواه؟! هذا ولس َت الذي أوجد َته وخلق َته ،وأسبغت عليه نِ َع َمك ،والله هو الذي أوج َد عبده ،وخ َلقه وك َّو َنه ،وأسبغ عليه نِ َع َمه ،وهو يح ُّب أن ُيتِ َّمها عليه ،فيصير ُمظ ِه ًرا لنعمه ،قاب ًال لها ،شاك ًرا لها ،محُ ًّبا ل َول ِّيهاُ ،مطي ًعا له عاب ًدا لهُ ،معاد ًيا لعد ِّوهُ ،م ْب ِغ ًضا له عاص ًيا له ،والله تعالى يحب من عبده معادا َة عد ِّوه ،ومعصي َته ومخالف َته ،كما يح ُّب أن يوال َيه سبحانه ويطي َعه و َيع ُبده ،فتنضاف مح َّبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه إلى مح َّبته لعداوة عد ِّوه، ومعصيته ومخالفته ،فتشت ُّد المح َّبة منه سبحانه ،مع حصول محبوبه ،وهذا حقيقة الفرح. النظر [الرابع]((( :النظر إلى مح ِّل الجناية ومصد ِرها ،وهو ال َّنفس الأ َّمارة بالسوء ،ويفيده نظ ُره إليها أمو ًرا: منها :أ ْن يعرف أنهَّ ا جاهلة ظالمة ،وأ َّن الجهل والظلم يصدر عنهما ك ُّل قو ٍل وعمل قبيح ،و َمن ِص َف ُته الجه ُل والظل ُم لا َم ْط َم َع في استقامته واعتداله الب َّتة ،فيو ِجب له ذلك بذ َل الجهد في العلم النافع الذي يخُ ْ ِرجها به عن ((( لصاحبالبصيرةإذاصدرتمنهالخطيئة. 51
وصف الجهل ،والعم ِل الصالح الذي يخُ ْ ِرجها به عن َو ْصف ال ُّظلم ،ومع هذا فجه ُلها أكثر من ِع ْلمها ،و ُظلمها أعظم من َع ْدلها. فحقي ٌق بِ َمن هذا شأ ُنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن َي ِق َيه شرََّ ها ،وأ ْن يؤتيها تقواها و ُي َز ِّك َيها ،فهو خي ُر َمن َز َّكاها ،فإنه ول ُّيها و َمولاها ،وأن لا َي ِك َله إليها طرف َة عي ٍن ،فإ َّنه إن َو َك َله إليها هلك ،فما هلك َمن هلك إلا حيث ُو ِك َل إلى نفسه ،وقال النبي ﷺ ل ُح َصينْ ِ بن [عبيد] ُ « :ق ِل :الله َّم أل ِه ْمني ُر ْشدي، و ِقنِي رََّش َن ْفسي»((( ،ف َمن ع َرف حقيقة نفسه وما ُطبِ َعت عليه َع ِل َم أنها منبع كل ش ٍّر ،ومأوى ك ِّل سوء ،وأ َّن كل خير فيها ففض ٌل ِمن الله َم َّن به عليها ،لم يكن منها ،كما قال تعالى﴿ :ﭣﭤ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ﴾ [النور.]21 : ومنها :أ َّن َمن له بصير ٌة بنفسه ،وبصير ٌة بحقوق الله تعالى ،وهو صاد ٌق في َط َلبِه ،لم ُي ْب ِق له نظ ُره في سيئاته حسن ًة الب َّتة ،فلا َي ْل َقى الله تعالى إلا بالإفلاس اأنلهََّم اْحلا تض،صلوالحفلقل ِهر،الصورّأِ َّنْتل ِف؛ك اللأبَّنهضإاذاعةف َّتلا ُتش ْشترعَ َنىعيبهوا البن نجفا ُةس ِهم ونععيذواب ِهب ،فعمضل ًاهل َععِلمن الفوز بعظيم ثوابه ،فإن َخ َل َص له عم ٌل وحا ٌل مع الله ،و َص َفا له معه وق ٌت؛ فشهاوَهددائِماً َّنمـ َُمة الشلاه ِهعٌدلليمِنَّه ِبةهال،لهومعجلَّريده،فولض ِلعيه،ووأبَّن نه ْفليسهسومعنمنلفه؛سهل،أ َّنوهلماتهىيَتأ َطهَّلبٌلهلاذرلآهاك،، وهذا من أ َج ِّل أنواع المعارف وأنف ِعها للعبد ،ولذلك كان س ِّيد الاستغفار: ((( أخرجة الترمذي ( ،)3483وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (.)2476 52
التـــــوبة «الله َّم أن َت َر ِّيب ،لا إل َه إلاَّ أن َتَ ،خ َل ْق َتني ،وأنا َع ْب ُد َك ،وأنا على َع ْه ِد َك و َو ْع ِد َك ما اس َت َط ْع ُت ،أ ُعو ُذ ب َك ِم ْن رَِّش ما َصنَ ْع ُت ،أبُو ُء ل َك بنِع َمتِ َك ع يََّل، وأ ُبو ُء ب َذ ْنبي ،فاغ ِف ْر لي ،إ َّنه لا َيغ ِف ُر ال ُّذ ُنو َب إلاَّ أن َت»(((. فتض َّمن هذا الاستغفا ُر الاعترا َف من العبد ب ُر ُبوبِ َّيتِه ،وإله َّيته وتوحيده، والاعترا َف بأ َّنه خال ُقه ،العالِـم به؛ إذ أنشأه نشأ ًة تستل ِزم َع ْج َزه عن أداء ح ِّقه ،وتقصيره فيه ،والاعترا َف بأ َّنه عب ُده الذي َنا ِص َي ُته بيده وفي قبضته ،لا َم ْه َر َب له منه ،ولا َوليَِّ له سواه ،ثم التزام ال ُّدخول تحت عهده -وهو أ ْم ُره ونهَ ْ ُيه -الذي َع ِه َده إليه على لسان رسوله ،وأ َّن ذلك بح َسب استطاعتي، لا بح َسب أداء َح ِّقك؛ فإ َّنه غير مقدور للبشر ،وإنما هو ُج ْهد ال ُم ِق ِّل ،و َق ْدر الطاقة ،ومع ذلك فأنا ُمص ِّدق بوعدك الذي وعد َته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب ،فأنا ُم ِقي ٌم على عهدك ،و ُم َص ِّد ٌق بوعدك ،ثم الاستعاذة والاعتصام بك ِمن ش ِّر ما َف َّر ْط ُت فيه من أ ْم ِرك ونهَ ْ ِيك ،فإ َّنك إن لم ُُأت ِقِعُّرْذلني ِكمنوألشت ِّرزهم،بنِوإعلماتأحكاعطل َّيت،بيو ُأا ِقل ُّهر َل َوكأُةل،تفزإم َّنبإَذنبضايع؛ةفمحنِّقكك سب ُب الهلاك ،وأنا النِّعمة والإحسا ُن والفضل ،ومنِّي ال َّذن ُب والإساءة ،فأسألك أن تغفر لي بِ َم ْح ِو ذنبي ،وأ ْن َت ِق َيني ِمن شرَِّ ه ،إ َّنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فلهذاكانهذاال ُّدعاءس ِّي َدالاستغفار؛إ ْذهو ُمتض ِّمنل َم ْحضالعبود َّية،فأ ُّي حسنة تبقى للبصير ال َّصادق مع ُمشا َهدتِه عيو َب نف ِسه وعم ِله و ِمنَّ َة الله عليه؟ ((( أخرجه البخاري (.)6306 53
النظر [الخامس] :نظ ُره إلى الآ ِمر له بالمعصية ،ال ُم َز ِّين له فِع َلها ،الحا ِّض له عليها ،وهو شيطانه ال ُم َو َّكل به. ف ُي ِفيده النظ ُر إليه وملاحظ ُته اتخا َذه ع ُد ًّوا ،وكما َل الاحتراز منه ،والتح ُّف َظ واليقظ َة ،والانتبا َه لمَِا يريده منه عد ُّوه وهو لا يشعر ،فإ َّنه يريد أن يظفر به في َع َقب ٍة من سبع عقبات؛ بع ُضها أصعب من بعض ،لا ينزل منه من العقبة الشا َّقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها: العقبة الأولى :عقبة ال ُكفر بالله وب ِدينه ولقائه ،وصفا ِت كماله ،وما أخبرَ َ ْت به رس ُله عنه ،فإ َّنه إن َظ ِف َر به في هذه العقبة َب َر َد ْت نا ُر عداوته ،واستراح معه، فإن اقتحم هذه العقب َة ونجا منها ببصيرة الهداية ،و َس ِل َم معه نو ُر الإيمان؛ طل َبه على: العقبة الثانية :وهي عقبة البِ ْدعة ،إ َّما باعتقا ِد خلا ِف الح ِّق الذي أرسل اللهُ به رسو َله ،وأنزل به كتا َبه ،وإ َّما بالتع ُّبد بما لم ي ْأ َذ ْن به من الأوضا ِع وال ُّرسوم ال ُم ْح َدثة في ال ِّدين ،التي لا َيق َب ُل الله منها شي ًئا. العقبة الثالثة :وهي َع َقب ُة الكبائر ،فإ ْن َظ ِفر به فيها َز َّينَها له ،و َح َّسنها في عينه ،و َس َّوف به ،وفتح له باب الإرجاء. فإ ْن َق َط َع هذه العقب َة ب ِع ْصم ٍة ِمن الله ،أو بتوب ٍة َن ُصو ٍح ُتنْ ِجيه ،طل َبه على: العقبة ال َّرابعة :وهي عقبة ال َّصغائر ،ف َكا َل له منها بال َق َف َزان ،قال :ما عليك إذا اجتنب َت الكبائر ما َغ ِشي َت ِم َن ال َّل َم ِم ،أ َوما ع ِلم َت بأنهَّ ا ُت َك َّفر باجتناب 54
التـــــوبة املركتباِكئرُبوابلالكبحيرسنةاالتخا؟ئ ُوفلااليَوزاِج ُلل هُاَيلِّوناند ُمعأليحه أسم ََنرهاحا اًلحتمنىهُي؛صرِفَّإ َّنعالليإهاص،رافيركعولنى ال َّذنب أقبح منه ،ولا كبير َة مع ال َّتوبة والاستغفار ،ولا صغيرة مع الإصرار، وقد قال ﷺ« :إ َّيا ُك ْم ومحُ َ َّقرا ِت ال ُّذ ُنو ِب»ُ ،ث َّم ضرَ َ َب لذل َك َم َث اًل ب َق ْو ٍم « َن َز ُلوا ب َفلا ٍة ِم َن الأر ِض ،فأ ْع َو َز ُه ُم ال َح َط ُب ،ف َج َع َل جَيِي ُء هذا بِ ُعو ٍد ،وهذا ب ُعو ٍد، ح َّتى جمَ َ ُعوا َح َط ًبا كثي ًرا ،فأ ْو َق ُدو ُه نا ًرا ،وأن َض ُجوا ُخ ْب َز هَ ُت ْم ،فكذل َك َش ْأ ُن محُ َ َّقرا ِت ال ُّذ ُنو ِب؛ تجَ َت ِم ُع على ال َعب ِد و َيس َتهي ُن بش ْأ ِهنا ح َّتى ُه ْتلِ َكه»(((. العقبة الخامسة :وهي عقبة ال ُمباحات التي لا َح َر َج على فا ِع ِلها ،ف َش َغ َله بها عن الاستكثار من ال َّطاعات ،وعن الاجتهاد في التز ُّود لمَِعا ِدهُ ،ث َّم ط ِمع فيه أ ْن يستدرجه منها إلى َت ْر ِك السنن ،ثم ِمن َت ْرك ال ُّسنَن إلى َت ْرك الواجبات، وأ َق ُّل ما ُينال منه تفوي ُته الأرباح ،والمكاس َب العظيمة ،والمناز َل العالية ،ولو َع َر َف ال ِّس ْعر لمَا ف َّوت على نفسه شي ًئا من ال ُق ُربات ،ولكنَّه جاهل بال ِّسعر. فإ ْن َن َجا من هذه العقبة ببصيرة تا َّمة ،ونو ٍر ها ٍد ،ومعرفة بقد ِر الطاعات والاستكثار منها ،و ِق َّل ِة المقام على الميناء ،وخط ِر ال ِّتجارة ،وكرم ال ُمشت ِري، وقدر ما ُي َع َّوض به ال ُّت َّجار ،فب ِخل بأوقاته ،و َض َّن بأنفاسه أن تذهب في غير ِربح َط َل َبه العد ُّو على: العقبة السادسة :وهي عقبة الأعمال ال َمرجوحة ال َمفضولة من الطاعات، فأ َم َره بها ،وح َّسنها في عينه ،وز َّينها له ،وأراه ما فيها من الفضل وال ِّربح؛ ((( أخرجه أحمد ( ،)3818وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»(.)389 55
ليشغله بها عماَّ هو أفضل منها ،وأعظ ُم كس ًبا ورب ًحا؛ لأ َّنه لمََّا عجز عن تخَ سيره أص َل الثواب َط ِم َع في تخسيره كما َله وفض َله ،ودرجاتِه العالي َة ،ف َش َغ َله بالمفضول عن الفا ِضل ،وبالمرجوح عن ال َّرا ِجح ،وبالمحبو ِب لله عن الأح ِّب إليه ،وبال َم ْرضيِِّ عن الأ ْر َىض له. ولكن أين أصحا ُب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالمَ ،والأكثرون قد ظ ِفر بهم في العقبات الأُ َول. فإ َّنفيالأعمالوالأقوالس ِّي ًداو َم ُسو ًدا،ورئي ًساومرؤو ًسا،و ِذ ْر َو ًةومادونها، كما في الحديث الصحيحَ « :س ِّي ُد الاِ ستِغفا ِر أ ْن َيقو َل ال َعب ُد :الله َّم أن َت َر ِيّب ،لاإل َه إلاَّ أن َت»(((،الحدي َث،وفيالحديثالآخر«:ال ِجها ُدذ ْرو ُة َسنا ِمالأ ْم ِر»(((،ولايقطع هذهالعقب َةإلاأه ُلالبصائروال ِّصدقمن ُأوليال ِع ْلم،السائرينعلىجا َّدةالتوفيق، قدأنزلواالأعما َلمنا ِزلهَ ا،وأع َط ْوا ُك َّلذيح ٍّقح َّقه. فإذا نجا منها لم يب َق هناك عقب ٌة يطلبه العد ُّو عليها سوى واحدة لا ب َّد له منها ،ولو نجا منها أح ٌد َلنَ َجا منها رس ُل الله وأنبياؤه ،وأكرم الخ ْلق عليه. [العقبة السابعة] :وهي عقب ُة تسلي ِط ُجنْ ِده عليه بأنواع الأذى ،باليد واللسان والقلب ،على ح َسب مرتبته في الخير ،فكلما َع َل ْت مرتب ُته أج َلب عليه بخيله و َر ِجله ،وظا َه َر عليه بِ ُجنْده ،وس َّلط عليه حز َبه وأه َله بأنواع ال َّتسليط، وهذه العقبة لا ِحي َلة له في التخ ُّلص منها ،فإ َّنه ك َّلما ج َّد في الاستقامة والدعوة ((( أخرجه البخاري ( .)6306 ((( أخرجه الترمذي ( )2616وقال( :حديث حسن صحيح) ،وابن ماجه (.)3973 56
التـــــوبة إلى الله تعالى ،والقيام بأ ْم ِرهَ ،ج َّد العد ُّو في إغراء ال ُّسفهاء به ،فهو في هذه ال َع َقبة قد َلبِس لأَ ْ َم َة الحرب ،وأخذ في محاربة العد ِّو لله وبالله ،ف ُعبو ِد َّي ُته فيها عبود َّي ُة َخ َوا ِّص العارفين ،وهي ُتس َّمى عبود َّي َة ال ُمرا َغمة ،ولا ينتبه لها إلا ُأو ُلو البصائر ال َّتا َّمة ،ولا شيء أ َح ُّب إلى الله من ُمرا َغم ِة َولِ ِّيه لعد ِّوه ،وإغا َظتِه له. أحـــكام ال َّتوبـــــة ونذكر ُن َب ًذا تتع َّلق بأحكام ال َّتوبة تشت ُّد الحاجة إليها ،ولا َيلي ُق بالعبد َج ْه ُلها: منها :المبادرة إلى ال َّتوبة من ال َّذنب َف ْر ٌض على ال َف ْو ِر ،لا يجوز تأخي ُرها، فمتى أ َّخرها عصى بالتأخير ،فإذا تاب من ال َّذنب َب ِق َي عليه توب ٌة أخرى، وهي توبته من تأخير ال َّتوبة ،و َق َّل أن تخَ ُطر هذه ببا ِل التائ ِب ،بل عنده أ َّنه إذا تاب من ال َّذنب لم يب َق عليه شيء آخر ،وقد َب ِق َي عليه ال َّتوب ُة من تأخير ال َّتوبة ،ولا ُينجي من هذا إلا توب ٌة عامة مَِّا يعلم من ذنوبه وممَّا لا َي ْع َلم ،فإ َّن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكث ُر مما يعلمه ،ولا ينفعه في عدم المؤا َخذ ِة بها جه ُله إذا كان متم ِّكنًا من العلم ،فإ َّنه عا ٍص بت ْرك العلم والعمل ،فالمعصية في ح ِّقه أش ُّد. [ومنها] :أ َّن العبد إذا تا َب من ال َّذنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل ال َّذنب من ال َّدرجة التي ح َّطه عنها ال َّذنب أو لا يرجع إليها؟ اخ ُت ِلف في ذلك. وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة يحكي هذا الخلا َف ،ثم قال: «وال َّصحيح أ َّن ِمن التا ِئبِي َن َمن لا يعود إلى درجته ،ومنهم َمن يعود إليها، 57
ومنهم َمن يعود إلى أعلى منها ،فيصير خي ًرا مما كان قبل ال َّذنب ،فكان داود بعد ال َّتوبة خي ًرا منه قبل الخطيئة». قال« :وهذا بح َسب حال ال َّتا ِئ ِب بعد َتوبتِه وع ْز ِمه و َح َذره و ِج ِّده وتشميره ،فإ ْن كان ذلك أعظ َم مَِّا كان له قبل ال َّذنب عاد خي ًرا مَِّا كان وأعلى درج ًة ،وإن كان مث َله عاد إلى مث ِل حالِه ،وإن كان دو َنه لم َي ُعد إلى درجته ،وكان ُمنح ًّطا عنها». وقد ضرُ ِ َب لذلك م َث ٌل ب َر ُج ٍل خرج ِمن بيته يريد الصلاة في الص ِّف الأول، لا َي ْل ِوي على شيء في طريقه ،فع َرض له رج ٌل ِمن َخ ْل ِفه َج َب َذ ثو َبه وأ ْو َقفه قلي ًال ،يريد َت ْعوي َقه عن الصلاة ،فله معه حالان: أحدهما :أ ْن يشتغل به حتى تفو َته الصلا ُة ،فهذه حا ُل غي ِر ال َّتائب. الثاني :أن يجُ ا ِذ َبه على نفسه ،ويت َف َّلت منه؛ لئلاَّ تفو َته الصلاة ،ثم له بعد هذا التف ُّلت ثلاث ُة أحوال: أحدها :أن يكون َسيرْ ُ ه جمَ ًزا و َو ْث ًبا؛ ليستدرك ما فاته بتلك ال َو ْقفة ،ف ُر َّبما استدركه وزاد عليه. الثاني :أن يعود إلى مثل َسيرْ ِ ه. الثالث :أ ْن ُتو ِر َثه تلك الوقف ُة ُف ُتو ًرا وتها ُو ًنا ،فيفوته فضيل ُة الصف الأول، أو فضيل ُة الجماعة وأ َّول الوقت ،فهكذا التائب سواء. 58
التـــــوبة ويتبينَّ هذا بمسأل ٍة شريف ٍة ،وهي أ َّنه :هل ال ُمطيع الذي لم َي ْع ِص خي ٌر من العاصي الذي تاب إلى الله َت ْوب ًة َن ُصو ًحا ،أو هذا ال َّتائب أفضل منه؟ اخ ُت ِل َف في ذلك؛ فطائفة ر َّج َحت َمن لم َي ْع ِص على َمن عصى وتاب َت ْوب ًة َن ُصو ًحا ،واح َت ُّجوا بوجو ٍه [منها] : -1أ َّن في زم ِن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه ال ُمطي ُع ِع َّد َة مراح َل إلى فوق، ليلحقه، ه َ َسيرْ استقبل تاب إذا أ َّنه من درجته ،وغاي ُته فتكون درج ُته أعلى فأ َّنى له ب َلحا ِقه؟ وذاك في َسيرْ ٍ آ َخ َر، -2أ َّن ال ُمطي َع قد أحا َط على بستان طاعته حائ ًطا َح ِصينًا لا يجد الأعدا ُء إليه سبي ًال ،ف َثم َر ُته وزهر ُته و ُخضر ُته وبهج ُته في زياد ٍة و ُن ُم ٍّو أب ًدا ،والعاصي فدخلوا فق َعدا ُثفتواحفيفيههي َثمْغي ًنًراا،وو َثش َلما َ ًاملف،يهوُثأ ْلف َمسًة،دووا َمأ َّكغ َنصام َننهه،السروَُّّخ َّار َبقواوا ِلحأيعطادَناهَء،، وق َطعوا ثمراتِه ،وأح َرقوا في نواحيه ،وق َط ُعوا ماءه ،أو َن َق ُصوا َس ْق َيه ،فمتى يرجع هذا إلى حالِه الأ َّول؟ وطائف ٌة ر َّج َح ِت ال َّتائ َب -وإ ْن لم ُتنكِر َك ْو َن الأ َّو ِل أكث َر حسنا ٍت منه- واحت َّجتبوجو ٍه[منها]: -1أ َّن عبود َّية ال َّتوبة ِمن أ َح ِّب العبود َّيات إلى الله ،وأ ْك َر ِمها عليه ،فإ َّنه سبحانه يحب الت َّوابِي َن ،ولو لم تكن ال َّتوب ُة أح َّب الأشياء إليه لمَا اب ُتليِ َ بال َّذنب أكر ُم الخَ ْلق عليه. 59
-2أ َّن عبود َّية ال َّتوبة فيها من ال ُّذل ،والانكسار ،والخضوع ،والتم ُّل ِق لله، والتذ ُّلل له ،ما هو أح ُّب إليه من كثير من الأعمال ال َّظاهرة ،وإ ْن زادت في ال َق ْدر وال َك ِّم َّية على عبود َّية ال َّتوبة ،فإ َّن ال ُّذ َّل والانكسار ُرو ُح العبود َّية، ومخُُّها و ُل ُّبها ،يو ِّضحه: -3أ َّن حصو َل مراتِ ِب ال ُّذ ِّل والانكسار لل َّتائب أكم ُل منها لغيره؛ فإ َّنه قد شا َرك َمن لم ُيذنِب في ُذ ِّل الفقر ،والعبود َّية ،والمح َّبة ،وامتا َز عنه بانكسا ِر قلبِه بالمعصية كما في الأثر الإسرائيلي :يا َر ِّب ،أين أ ِج ُد َك؟ قالِ :عن َد ال ُمنكسرِ ِة قلوبهُ م ِمن أ ْجلي .ولأ ْج ِل هذا أقر ُب ما يكون العب ُد من َر ِّبه وهو ساجد؛ لأ َّنه مقا ُم ُذ ٍّل وانكسا ٍر بين يدي َر ِّبه . وتأ َّم ْل قو َل النب ِّي ﷺ فيما َيروي عن ر ِّبه تبارك وتعالى« :أ َّنه َيقو ُل َيو َم القيام ِة :اب َن آ َد َم ،اس َتط َع ْم ُت َك ف َل ْم ُتط ِع ْمني ،قال :يا َر ِّب ،كيف ُأط ِع ُم َك وأن َت َر ُّب ال َعالمَِي َن؟ قال :اس َتط َعم َك َع ْبدي ف َل ْم ُتط ِع ْمه ،أ َما لو أط َع ْم َته َل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي .اب َن آ َد َم ،اس َتس َق ْي ُت َك ف َل ْم َت ْس ِقني ،قال :يا َر ِّب ،كي َف أسقي َك وأن َت َر ُّب العالمَِي َن؟ قال :اس َتسقا َك َع ْبدي ُفلا ٌن ف َل ْم َت ْس ِق ِه ،أ َما َل ْو َس َق ْي َته َل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي .اب َن آ َد َمَ ،م ِر ْض ُت ف َل ْم َت ُع ْدني ،قال :يا َر ِّب ،كيف أ ُعو ُد َك وأن َت َر ُّب العالمَِي َن؟ قال :أ َما إ َّن َع ْبدي ُفلا ًنا َم ِر َض ف َل ْم َت ُع ْده ،أ َما َل ْو ُع ْد َت ُه َل َو َج ْد َتني ِعن َده»((( ،فقال في عيادة المريضَ « :ل َو َج ْد َتني ِعن َده» ،وقال في الإ ْطعام والإ ْس َقا ِءَ « :ل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي» ،فف َّرق بينهما ،فإ َّن المري َض مكسو ُر القل ِب ولو كان َمن كان ،فلا ب َّد أن َيكسرِ ه المر ُض ،فإذا كان مؤمنًا ((( أخرجه مسلم ( )2569بنحوه. 60
التـــــوبة قد انكسر قل ُبه بالمرض كان الله عنده. والقصد :أ َّن شمع َة ال َجبرْ ِ والفض ِل وال َعطايا إ َّنما َتن ِزل في َش ْم ِعدا ِن الانكسا ِر ،وللعاصي ال َّتائ ِب ِمن ذلك نصي ٌب واف ٌر ،يوضحه : -4أ َّن ال َّذنب قد يكون أنف َع للعبد إذا اقترنت به ال َّتوب ُة ِمن كثير ِمن ال َّطاعات، وهذا معنى قو ِل بع ِض ال َّس َلف «:قد يعمل العب ُد ال َّذ ْن َب فيدخل به الجنَّ َة، وقد يعمل ال َّطاع َة فيدخل بها النَّار ،قالوا :وكيف ذلك؟ قال :يعمل ال َّذ ْن َب فلا يزال ُن ْص َب َعينَ ْي ِه؛ إ ْن قام وإ ْن َق َع َد وإ ْن مشى ،ك َّلما َذ َك َره أح َدث له َتوب ًة ،واستغفا ًرا ،و َن َد ًما ،فيكون ذلك سب َب نجاتِه ،ويعمل الحسنة ،فلا تزال ُن ْص َب عينيه؛ إ ْن قام وإن قع َد وإن مشى ،ك َّلما َذ َك َرها ُمووح ِيجاًب ٍاء ُع ْج ًبا و ِكبرًْا و ِمنَّة ،فتكون سب َب هلا ِكه، فيكون ال َّذن ُب طاعا ٍت وحسنات ،ومعاملا ٍت قلب َّية؛ ِمن أ ْور َث ْته خو ٍف ِمن الله، لترَ َ ُّتب منه ،وإطرا ٍق بين يديه ُمن ِّك ًسا رأ َسه خج ًال ،باك ًيا نا ِد ًماُ ،مستقبِ اًل َر َّبه»، وك ُّل واح ٍد من هذه الآثا ِر أنف ُع للعب ِد ِمن طاع ٍة تو ِجب له َص ْول ًة ،و ِكبرًْا، وعان ْزد ِدارلال ًهء،بالونَّأاقرس ُ،بوإلرىؤيا َتلنَّهجمابةعيو ِانلافلوا ِزحتمقان ِر،هوذالاال ُمر ْعي ََجب أب َّنبهطاذاعاتِل ُمه ْ،ذنِالبَّصاخِئي ٌرل بها ،ا ْلـماَ ِّن بها ،وبِحالِه على الله وعبا ِده ،وإ ْن قال بلسانه خلا َف ذلك فاللهُ شهيد على ما في قلبِه ،ويكاد ُيعا ِدي الخلائ َق إذا لم ُيع ِّظموه ويرفعوه، ويخض ُعوا له ،ويجد في قلبِه ُب ْغض ًة لمَِ ْن لم يفعل به كذلك ،ولو ف َّت َش ن ْف َسه ح َّق التفتي ِش لرأى فيها ذلك كا ِمنًا. فإذا أراد الله بهذا العب ِد خي ًرا ألقاه في َذ ْن ٍب َكسرَ َ ه به ،وع َّرفه به َق ْد َره ،وكفى 61
به منه دا َء ال ُع ْجب وال ِكبرْ ِ والمِنَّة به عبا َده شرََّ ُه ،و َن َّكس به رأ َسه ،واستخرج لهذا ِمن طاعا ٍت كثيرة ،ويكون عليه وعلى عباده ،فيكون هذا ال َّذ ْن ُب أنف َع بمنزلة شرُ ْ ِب ال َّدواء ليستخرج به ال َّداء ال ُع َضال ،كما قي َل بلسان الحال في ق َّصة آد َم وخرو ِجه من الجنَّة بذ ْنبِه: يا آد ُم ،إ َّنما ابتلي ُتك بال َّذنب لأنيِّ أح ُّب أ ْن ُأظ ِهر فضلي و ُجودي و َك َرمي ف َيس َتغ ِف ُرو َن ُي ْذنِ ُبو َن ُت ْذنِبوا ب َقو ٍم ا َء ولجَ ب ُك ْم، الله َل َذ َه َب ْ لمَ َل ْو على َمن عصاني، الله ف َيغ ِف ُر لُهم. يا آدم ،إذا عصم ُتك وعصم ُت َبنِي َك من ال ُّذنوب فعلى َمن أ ُجود ب ِح ْلمي؟ وعلى َمن أجود ب َع ْفوي و َمغفرتي وتوبتي ،وأنا ال َّت َّوا ُب ال َّرحيم؟ يا آدم ،لا تجزع ِمن قولي لك﴿ :ﮗﮘ﴾ [الأعراف ]18 :فلك َخ َل ْق ُتها ،ولكن اهبِ ْط إلى دا ِر المجا َهدة ،وا ْب ُذر بِ َذا َر ال َّتقوى ،وأمطِ ْر عليه َسحائ َب ال ُج ُفون، فإذا اشت َّد الحَ ُّب واس َتغ َلظ ،واستوى على ُسو ِقه؛ ف َت َعا َل فا ْح ُص ْد ُه. يا آدم ،ذن ٌب َت ِذ ُّل به لدينا ،أ َح ُّب إلينا من طاع ٍة ُت ِد ُّل بها علينا. يا آدم ،أني ُن ال ُم ْذنِبي َن ،أ َح ُّب إلينا من تسبيح ال ُم ِد ِّلي َن. «يا اب َن آ َد َم ،إ َّن َك ما َد َع ْو َتني و َر َج ْو َتني َغ َف ْر ُت ل َك على ما كان ِمن َك ولا ُأبالي .اب َن آ َد َمَ ،ل ْو َب َل َغ ْت ُذنو ُب َك َعنَا َن ال َّسما ِءُ ،ث َّم اس َتغ َف ْر َتني َغ َف ْر ُت ل َك. يا اب َن آ َد َمَ ،ل ْو َل ِقي َتني بِ ُق َرا ِب الأر ِض َخطا َياُ ،ث َّم َل ِقي َتني لا ُتش ِر ُك بي َش ْي ًئا، أ َت ْي ُت َك ب ُق َرابهِ ا َمغ ِفر ًة»(((. ((( أخرجه الترمذي ( ،)3540وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (.)4338 62
التـــــوبة التوبة النصوح وحقيقتها: قال تعالى﴿ :ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾ [التحريم ،]8 :فجع َل وقاي َة ش ِّر الس ِّيئات -وهو تكفي ُرها -بزوال ما َي ْك َر ُه العب ُد ،ودخو َل الجنَّات -وهو حصو ُل ما يح ُّب العب ُدَ -منُو ًطا بحصول ال َّتوبة النَّصوح، وقد اختلفت عبارا ُت ال َّسلف عنها ،ومر ِج ُعها إلى شيء واحد ،فقال عمر بن الخطاب و ُأبيَُّ بن كع ٍب « :ال َّتوب ُة النَّصو ُح :أ ْن يتو َب من ال َّذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللب ُن إلى الضرَّ ْ ع». وقال محمد بن كع ٍب ال ُق َرظ ُّي « :يجمعها أربع ُة أشيا َء :الاستغفا ُر بال ِّلسان ،والإقلا ُع بالأبدان ،وإضما ُر َت ْر ِك ال َع ْو ِد بالجَنان ،ومها َجر ُة َس ِّي ِئ الإخوان». قلت :النص ُح في ال َّتوبة يتض َّمن ثلاث َة أشيا َء: [الأول]:تعمي ُمجمي ِعال ُّذنوبواستغرا ُقهابهابحي ُثلا َت َد ُعذن ًباإلاتناو َل ْته. الثـاني :إجما ُع ال َع ْزم وال ِّصدق ب ُك ِّل َّيته عليها ،بحيث لا يبقى عنده َتر ُّدد، ولا تل ُّو ٌم ولا انتظار ،بل يجمع عليها ك َّل إرادتِه وعزيمتِه مبا ِد ًرا بها. الثالث :تخلي ُصها من ال َّشوائب وال ِع َلل القا ِدحة في إخلا ِصها ،ووقو ُعها لمحض الخو ِف ِمن الله تعالى وخشيتِه ،والرغب ِة فيما لديه ،والرهب ِة ممَّا عنده ،لا َك َم ْن يتو ُب ل ِح ْف ِظ جا ِهه و ُحرمتِه ،ومنصبه ورياستِه ،أو ل ِح ْف ِظ حالِه ،أو حف ِظ ق َّوتِه ومالِه ،أو استدعا ِء حمَ ْ ِد النا ِس ،أو الهر ِب ِمن َذ ِّمهم ،أو لئلاَّ يتس َّلط عليه 63
من ذلك ونحو وع ْج ِزه، نهَ ْ َمتِه من ال َّذنب ،أو لإفلاسه ال ُّس َفها ُء ،أو لقضاء ص َّحتها و ُخ ُلو ِصها لله. ال ِع َلل التي َتق َد ُح في فلأه ِل ال ُّذنو ِب ثلاث ُة أنها ٍر ِعظا ٍم يتط َّهرو َن بها في ال ُّدنيا ،فإ ْن لم َت ِف ب ُط ْه ِرهم ُط ِّهروا في نه ِر الجحي ِم يو َم القيامة :نهر ال َّتوبة النَّصوح ،ونهر الحسنا ِت ال ُمستغ ِرقة للأوزا ِر المحيط ِة بها ،ونهر المصائب العظيم ِة ال ُم َك ِّفرة ،فإذا أراد الله بعبده خي ًرا أدخله أح َد هذه الأنها ِر الثلاثة ،ف َو َر َد القيام َة ط ِّي ًبا طاه ًرا ،فلم يح َت ْج إلى النهر ال َّرابع. و َتوب ُة العب ِد إلى الله تعالى محفوف ٌة بتوب ٍة ِمن الله عليه َق ْب َلها ،و َتوب ٍة منه بع َدها، ف َتوب ُته بين َتوب َتينْ ِ من الله؛ سابق ٍة ولاحق ٍة ،فإ َّنه تا َب عليه أوّ اًَل إذ ًنا وتوفي ًقا وإلها ًما ،فتا َب العب ُد ،فتا َب الله عليه ثان ًيا َقبو ًال وإثاب ًة ،قال تعالى﴿ :ﯙ ﯚ ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [ال َّت ْوبة.]١١٨– ١١٧: والعبد َت َّوا ٌب ،والله َت َّوا ٌب ،ف َتوب ُة العبد رجو ُعه إلى س ِّيده بعد الإبا ِق، و َتوب ُة ال َّر ِّب نوعا ِن :إذ ٌن وتوفي ٌق ،و َقبو ٌل واعتدا ٌد. وال َّتوبة لها مبد ٌأ و ُمنتهى ،فمبد ُؤها الرجو ُع إلى الله بسلو ِك صراطِه المستقي ِم ا َّلذي َن َص َبه لعبا ِدهُ ،مو ِص اًل إلى ِرضوانه ،وأ َم َرهم بسلوكه بقوله﴿:ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [الأنعام ،]153 :ونهاي ُتها الرجو ُع إليه في ال َمعاد ،وسلو ُك صراطِه الذي َن َص َبه ُمو ِص اًل إلى َجنَّته ،ف َمن رجع إلى الله في هذه ال َّدا ِر بال َّتوبة؛ رجع إليه في ال َمعاد بال َّثوا ِب. 64
التـــــوبة الذنوب صغائر وكبائر: ال ُّذنوب تنقسم إلى صغا ِئ َر وكبا ِئ َر بن ِّص القرآ ِن وال ُّسنَّة وإجما ِع ال َّس َلف والاعتبا ِر ،قال الله تعالى﴿ :ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾ [النساء.]31 : وأ َّما حديثَ « :ل ْو َل ِقي َتني ب ُقرا ِب الأر ِض َخطاياُ ،ث َّم َل ِقي َتني لا ُتشرْ ِ ُك بي َشي ًئا ،أ َت ْي ُت َك ب ُقرابهِ ا َمغ ِفر ًة»((( ،فلا يد ُّل هذا على أ َّن ما َع َدا الشر َك ك ُّله صغائ ُر، بل يد ُّل على أ َّن َمن لم ُيشرْ ِ ك بالله شي ًئا فذنو ُبه مغفور ٌة كائن ًة ما كانت ،ولكن ينبغي أ ْن يعلم ارتباط أعمال القلو ِب بأعمال الجوارح ،وتع ُّلقها بها ،وإلاَّ لم يفهم مراد الرسول ﷺ ،ويقع الخ ْبط وال َّت ْخبيط. فاعل ْم أن هذا النَّفي العا َّم للشرِّ ْ ك -أ ْن لا ُيشرْ ِ ك بالله شي ًئا الب َّت َة -لا يص ُدر ِمن ُمصرٍِّ على معصية أب ًدا ،ولا يمكن ُمد ِم ُن الكبيرة وال ُمصرُِّ على الصغيرة أ ْن يصفو له ال َّتوحي ُد ،حتى لا ُيش ِر َك بالله شي ًئا ،هذا ِمن أعظ ِم ال ُمحال ،ولا يلتف ُت إلى َج َدل ٍّي لا َح َّظ له في أعمال القلوب ،بل َق ْل ُبه كالحج ِر أو أقسى ،يقول :وما المانع؟ وما و ْج ُه الإحالة؟ َف َد ْع هذا القل َب ال َمفتو َن بِ َج َدلِه وجه ِله ،واعل ْم أ َّن الإصرا َر على المعصي ِة يو ِج ُب ِمن خو ِف القلب ِمن غير الله ورجائه لغي ِر الله ،و ُح ِّبه لغير الله، و ُذ ِّله لغير الله ،و َت َو ُّك ِله على غير الله ما يصير به ُمنغ ِم ًسا في بِحا ِر الشرِّ ْ ك، ((( أخرجه مسلم ( )2687بنحوه. 65
والحاكم في هذا ما يعل ُمه الإنسان ِمن نف ِسه -إ ْن كان له عق ٌل ،-فإ َّن ُذ َّل المعصية لا ب َّد أ ْن يقو َم بالقلب ف ُيو ِر َثه خو ًفا من غير الله ،وذلك شرِ ْ ٌك، و ُيو ِر َثه مح َّب ًة لغير الله ،واستعان ًة بغيره في الأسباب التي ُتو ِص ُله إلى َغ َر ِضه، فيكون عم ُله لا بالله ولا له ،وهذا حقيق ُة الشرِّ ْ ك. والمقصود :أ َّن َمن لم ُيش ِر ْك بالله شي ًئا يستحي ُل أن يلقى الله بِ ُقرا ِب الأر ِض خطا َيا ُمصرًِّ ا عليها غي َر تائ ٍب منها ،مع كما ِل توحي ِده الذي هو غاي ُة ال ُح ِّب والخضو ِع ،والخو ِف والرجاء لل َّر ِّب تعالى. وهاهنا أم ٌر ينبغي ال َّتف ُّط ُن له ،وهو أ َّن الكبِيرة قد َيقترَ ِ ُن بها ِمن الحيا ِء والخو ِف ،والاستعظا ِم لها ما ُيل ِح ُقها بالصغائ ِر ،وقد يقتر ُن بال َّصغيرة ِمن ِق َّل ِة الحياء ،وعد ِم ال ُمبالاة ،و َت ْر ِك الخوف ،والاستهان ِة بها ما ُي ْل ِح ُقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى ُر َتبِها. وهذا أم ٌر َم ْر ِج ُعه إلى ما يقو ُم بالقل ِب ،وهو قد ٌر زائ ٌد على مج َّرد الفع ِل، والإنسا ُن يعرف ذلك ِمن نف ِسه وغي ِره. وأي ًضا فإ َّنه ُي ْع َفى لل ُم ِح ِّب ،ولصاح ِب الإحسا ِن العظيم ،ما لا ُيع َفى لغي ِره ،ويسا َم ُح بما لا يسا َم ُح به غي ُره. 66
التـــــوبة فضل (لا إله إلا الله) وما يقع في القلب منها و َنزيد هاهنا إيضا ًحا؛ ل ِع َظ ِم هذا ال َمقام وش َّد ِة الحاجة إليه: اعل ْم أ َّن أش َّع َة (لا إله إلا الله) ُتب ِّد ُد ِمن َض َبا ِب ال ُّذنوب وغيو ِمها ب َق ْد ِر ق َّو ِة ذلك ال ُّشعا ِع وض ْع ِفه ،فلها نو ٌر ،وتفا ُو ُت أه ِلها في ذلك النُّو ِر قو ًة وضع ًفا لا يحُ صيه إلا الل ُه تعالى؛ ف ِمن النا ِسَ :من ُنو ُر هذه الكلم ِة في قلبِه كالشمس. ومنهمَ :من نو ُرها في قلبِه كالكوك ِب ال ُّد ِّر ِّي. ومنهمَ :من نو ُرها في قلبه كالمِ ْش َعل العظيم. وآ َخر :كالسرِّ اج ال ُمضيِ ء ،وآخر :كالسرِّ اج ال َّضعيف. ولهذا تظه ُر الأنوا ُر يو َم القيام ِة بأ ْيمانهِ ِم وبينْ أيديهم على هذا المِ ْقدار، بح َس ِب ما هو في قلوبهِ م ِمن نو ِر هذه الكلم ِةِ ،ع ْل ًام وعم اًل ،ومعرف ًة وحا اًل. وك َّلما ع ُظ َم نو ُر هذه الكلم ِة واشت َّد؛ أ ْح َر َق ِمن ال ُّش ُبها ِت والشهوات بحس ِب ق َّوتِه و ِش َّدتِه ،حتى إ َّنه ر َّبما وص َل إلى حا ٍل لا يصا ِد ُف معها ُشبهة ولا شهو ًة ولا ذ ْن ًبا إلا أ ْح َرقه ،وهذا حا ُل الصادق في توحيده ،الذي لم ُيشرْ ِ ك بالله شي ًئا ،فأ ُّي ذن ٍب أو شهو ٍة أو ُشبهة َد َن ْت من هذا النُّور أ ْح َرقها ،فسما ُء إيمانِه قد ُح ِر َست بالنُّجوم ِمن ك ِّل سار ٍق لحسناته ،فلا ينا ُل منها ال َّسار ُق إلا على ِغ َّر ٍة وغفل ٍة لا ب َّد منها للبشر ،فإذا استيق َظ و َع ِل َم ما سرُ ِ َق منه استنق َذه ِمن سا ِر ِقه، أو ح َّص َل أضعا َفه ب َك ْسبِه ،فهو هكذا أب ًدا مع لصو ِص ال ِج ِّن والإن ِس ،ليس ك َمن َف َت َح لهم ِخزان َته ،و َولىَّ البا َب ظه َره. 67
وليس التوحي ُد مج َّر َد إقرا ِر العب ِد بأ َّنه لا خال َق إلا الله ،وأ َّن الله ر ُّب ك ِّل شيء و َملي ُكه ،كما كان ُع َّبا ُد الأصنا ِم ُم ِق ِّري َن بذلك و ُهم ُمش ِركون ،بل التوحي ُد يتض َّم ُن ِمن مح َّبة الله ،والخضو ِع له ،وال ُّذ ِّل له ،وكما ِل الانقيا ِد لطاعتِه، وإخلا ِص العباد ِة له ،وإراد ِة وج ِهه الأعلى بجمي ِع الأقوا ِل والأعمال ،والمن ِع، والعطاء ،والح ِّب ،وال ُبغ ِض ما يحَ ُول بين صاحبِه وبين الأسبا ِب ال َّداعية إلى المعاصي ،والإصرا ِر عليها ،و َمن ع َرف هذا ع َرف قو َل النَّبِ ِّي ﷺ« :إ َّن الله َح َّر َم على ال َّنا ِر َمن قال :لا إل َه إلاَّ اللهَ ،يب َتغي بذل َك َو ْج َه الله»((( ،وقو َله« :لا َيد ُخ ُل ال َّنا َر َمن قال :لا إل َه إلاَّ الله»(((. والشا ِرع صلوا ُت الله وسلا ُمه عليه لم يجعل ذلك حاص ًال بمج َّرد قو ِل ال ِّلسا ِن فقط ،فإ َّن هذا خلا ُف المعلوم بالاضطرار ِمن ِدي ِن الإسلام ،فإ َّن المنافقين يقولونها بألسنتهم ،وهم تحت الجا ِح ِدي َن لها في ال َّد ْر ِك الأسف ِل من النَّار ،فلا ب َّد ِمن قو ِل القلب ،وقو ِل ال ِّلسا ِن ،وقو ُل القل ِب يتض َّم ُن ِمن معرفتها ،والتصدي ِق بها ،ومعرف ِة حقيق ِة ما َتض َّمنَ ْته ِمن النفي والإثبات، ومعرف ِة حقيق ِة الإله َّية ال َمنْ ِف َّية عن غير الله ،المخت َّصة به ،التي يستحيل ُثبوتهُ ا ل َغيرْ ِ ه ،وقيا ِم هذا المعنى بالقلب ِعل ًام ومعرف ًة ،ويقينًا وحا ًال ما يو ِج ُب تحري َم قائلها على النار ،و ُك ُّل قو ٍل َر َّت َب الشار ُع ما َر َّتب عليه من ال َّثواب ،فإ َّنما هو القول التا ُّم ،كقولِه ﷺَ « :من قال في َيو ٍمُ :سبحا َن الله وب َح ْم ِده ،مائ َة م َّر ٍة، ((( أخرجه البخاري ( ،)425ومسلم ( )33 ((( أخرجه البخاري ( ،)128ومسلم (.)32 68
التـــــوبة ُح َّط ْت عن ُه َخطايا ُه -أ ْو ُغ ِف َر ْت ل ُه ُذ ُنو ُبه -و َل ْو كان ْت ِم ْث َل َز َب ِد ال َبحرِ»(((، وليس هذا ُم َر َّت ًبا على مج َّرد القو ِل ال ِّلساني. َن َع ْمَ ،من قالها بلسانه ،غاف ًال عن معناهاُ ،م ْع ِر ًضا عن تد ُّبرها ،ولم يواطِ ْئ قل ُبه لسا َنه ،ولا ع َرف َق ْد َرها وحقيق َتها ،راج ًيا مع ذلك ثوابهَ اَ ،ح َّطت ِمن خطاياه بح َسب ما في قلبه ،فإ َّن الأعما َل لا تتفا َض ُل بص َورها وعد ِدها ،وإ َّنما تتفا َض ُل بتفا ُض ِل ما في القلو ِب ،فتكو ُن صور ُة العم َلينْ ِ واحد ًة ،وبينهما في التفا ُضل كما بين السماء والأر ِض ،وال َّر ُجلان يكون مقا ُمهما في الص ِّف واح ًدا ،وبين صلا َت ْي ِهما كما بين السماء والأرض. وتأ َّم ْل حدي َث البطاق ِة التي تو َضع في ِك َّف ٍة ،ويقابلها تسع ٌة وتسعو َن ِس ِجلاًّ ، ك ُّل ِس ِج ٍّل منها َم َّد البص ِر ،فتث ُق ُل البطاق ُة و َت ِطي ُش ال ِّس ِجلاَّ ت ،فلا ُيع َّذب. ومعلو ٌم أن كل م َو ِّحد له مث ُل هذه البطاقة ،وكثير منهم يدخل النار ب ُذنوبِه، ولك َّن السرَِّّ الذي َث َّق َل بطاق َة ذلك الرج ِل ،وطا َش ْت لأ ْج ِله ال ِّس ِجلاَّ ُتَ ،لـ َّمـا لمْ يحصل لغيره من أرباب البطاقات ،انفرد ْت بطاق ُته بال ِّث َقل وال َّرزانة. وإذا أرد َت زيادة الإيضا ِح لهذا المعنى فانظ ْر إلى ِذ ْك ِر َمن ق ْل ُبه ملآن بمح َّبتِك، و ِذك ِر َمن هو ُم ْع ِر ٌض عنك ،غاف ٌل َسا ٍه ،مشغو ٌل بغيرك ،قد انجذب ْت َدواعي قلبِه إلى مح َّب ِة غيرك ،وإيثا ِره عليك ،هل يكون ِذ ْك ُرهمُ ا لك واح ًدا؟ أم هل يكون ولدا َك ال َّلذا ِن همُ ا بهذه المثابة ،أو َع ْبداك ،أو َز ْو َجتاك ،عندك سواء؟ ((( أخرجه البخاري ( ،)6405ومسلم ( .)2691 69
وتأ َّم ْل ما قام بقل ِب قات ِل المائ ِة من حقائ ِق الإيما ِن ا َّلتي لم تشغ ْله عند ال ِّسياق عن ال َّسير إلى القرية ،وحمَ َل ْته -وهو في تلك الحال -على أ ْن جعل َينُو ُء بصدره ،وهو يعالِج َس َكرا ِت الموت ،فهذا أم ٌر آخر ،وإيما ٌن آخر ،ولا َج َرم أن ُألحِْ َق بالقرية الصالحِ ة ،و ُج ِع َل ِمن أه ِلها. وقري ٌب من هذا ما قام بقل ِب ال َب ِغ ِّي التي رأت ذلك الكل َب وقد اشت َّد به العط ُش يأ ُك ُل ال َّثرى ،فقام بقلبها ذلك الوق َت -مع عد ِم الآلة ،وعدم ال ُم ِعي ِن، وعدم َمن ُترا ِئيه بعملها -ما حم َلها على أ ْن َغ َّر َر ْت بنفسها في نزول البئ ِر، و َمل ِء الماء في ُخ ِّفها ،ولم تعبأ بت َع ُّر ِضها لل َّت َلف ،وحمَ ِلها له بِ ِفيها وهو ملآن، حتى أمكنها ال ُّر ِق ُّي في البئر ،ثم توا ُض ِعها لهذا المخلوق الذي َج َر ْت عاد ُة الناس بضرَ ْ بِه و َط ْر ِده ،فأمسك ْت له الخُ َّف بيدها حتى شرَ ِ َبِ ،من غير أ ْن ترجو منه جزا ًء ولا ُش ُكو ًرا ،فأحرق ْت أنوا ُر هذا ال َق ْد ِر من التوحيد ما تق َّدم منها من البِغاء ،فغفر لها ،فهكذا حا ُل الأعمال وال ُعماَّ ِل عند الله ،والعام ُل في غفل ٍة من هذا الإ ْك ِسير الكيماو ِّي ،الذي إذا ُو ِض َع منه مثقال َذ َّر ٍة على قناطي َر من ُنحا ِس الأعمال َق َل َبها َذ َه ًبا ،والله ال ُمستعان(((. ((( ومن هذه الدرة من كلام ابن القيم رحمه الله لمعت فكرة هذا الكتاب وبها س ّمي ،والله الهادي إلى سواء السبيل. 70
التـــــوبة أجنا ُس ما ُيتا ُب منها ولا يستح ُق العب ُد اس َم التائب حتى يتخ َّلص منها وهي اثنا َعشرَ َ ِجن ًسا مذكورة في كتاب الله تعالى ،هي أجنا ُس ال ُم َح َّرمات: الكفر ،والشرِّ ْ ك ،والنِّفاق ،وال ُف ُسوق ،والعصيان ،والإثم ،وال ُع ْدوان، وال َف ْحشاء،وال ُمنْ َكر،وال َب ْغي،وال َقولعلىاللهبلا ِع ْلم،وا ِّتباعسبي ٍلغي ِرسبي ِله. فهذه الاثنا عشر ِجنْ ًسا عليها َمدا ُر ك ِّل ما َح َّر َم الله ،وإليها انتها ُء العالمَ ِ بأسرْ ِ ِهم ،إلا أتباع ال ُّر ُسل ،صلوا ُت الله وسلا ُمه عليهم ،وقد يكون في الرجل أكث ُرها وأ َق ُّلها ،أو واحدة منها ،وقد يعلم بذلك ،وقد لا يعلم. فال َّتوبة النَّ ُصوح هي بالتخ ُّلص منها ،وال َّتح ُّصن وال َّتح ُّرز ِمن ُموا َقعتِها ،وإ َّنما يمكن التخ ُّلص منها ل َمن ع َرفها. -1فأما الكفر فنوعانُ :ك ْف ٌر أكب ُر ،وكف ٌر أصغ ُر؛ فالكف ُر الأكبر هو ال ُمو ِج ُب للخلو ِد في النَّار ،والأصغر مو ِج ٌب لاستحقاق الوعي ِد دون الخلود. -2وأما الشرك فهو نوعان :أكب ُر وأصغ ُر؛ فالأكب ُر لا َيغ ِف ُره الله إلا بال َّتوبة منه ،وهو أن َي َّت ِخ َذ من دون الله نِ ًّدا ،وأما الشرِّ ُك الأصغر ُ :ف َك َي ِسير ال ِّرياء، والتصنُّع لل َخ ْلق ،وال َح ِل ِف بغير الله. -3وأما ال ِّنفاق :فال َّدا ُء ال ُعضال الباطن ،الذي يكون الر ُجل ممتل ًئا منه وهو لا َيش ُع ُر ،فإ َّنه أم ٌر َخ ِف ٌّي؛ َخ ِف َي على النَّاس ،وكثي ًرا ما يخَ َفى على َمن َت َل َّبس به ،فيز ُعم أ َّنه ُمص ِل ٌح وهو ُمف ِس ٌد. 71
[والمنافقون] لهم علاما ٌت ُيع َرفون بها ُمب َّين ٌة في ال ُّسنَّة والقرآن ،بادي ٌة لمَِن َتد َّبرها ِمن أه ِل بصائ ِر الإيمان ،قام بهم واللهِ ال ِّريا ُء ،وهو أقب ُح مقام قامه الإنسا ُن ،وقعد بهم الكس ُل عماَّ ُأ ِمروا به ِمن أوام ِر الرحم ِن ،فأص َبح الإخلا ُص لذلك عليهم ثقي اًل﴿ ،ﭾﭿﮀ ﮁﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇ ﮈﮉ ﮊ﴾ [النساء.]142 : ُيؤ ِّخرون ال َّصلا َة عن وقتِها الأ َّول إلى شرَ َ ِق المو َتى((( ،فال ُّصبح عند طلوع الشم ِس ،والعص ُر عند ال ُغرو ِب ،و َين ُقرونها َن ْق َر ال ُغراب؛ إذ هي صلا ُة الأبدان ،لا صلا ُة القلو ِب ،ويلتفتون فيها التفا َت الثعل ِب؛ إذ يتي َّقن أ َّنه مطرو ٌد مطلوب ،ولا يشهدون الجماع َة ،بل إ ْن صلىَّ أح ُدهم ففي البيت أو ال ُّد َّكان ،وإذا خا َص َم َف َجر ،وإذا عا َه َد َغ َدر ،وإذا َح َّدث َك َذب ،وإذا َو َع َد أخ َلف ،وإذا ا ْؤتمُ ِ َن خان. َك ِر َه الله طاعاتهِ م؛ لخِ ُ ْب ِث قلوبهِ م وفسا ِد ن َّياتهِ م ،ف َث َّب َطهم عنها وأق َع َدهم، وأب َغ َض ُق ْربهَ م منه و ِجوا َرهم؛ لمَِ ْي ِل ِهم إلى أعدائه ،فطر َدهم عنه وأبع َدهم، وأع َرضوا عن َو ْح ِيه فأع َر َض عنهم ،وأشقاهم وما أسع َدهم ،و َح َك َم عليهم ب ُح ْك ٍم َع ْد ٍل لا َمط َم َع لهم في ال َفلاح بعده ،إلاَّ أ ْن يكونوا ِمن ال َّتائبي َن ،فقال﴿ :ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [ال َّت ْوبة.]46 : تاللهِ لقد قط َع خو ُف النِّفاق قلو َب السابِقي َن الأ َّولِين ،ول ِعلمهم ب ِد ِّق ِه ((( أراد أنهَّ ُم ُي َص ُّلونهَ ا ولم َي ْب َق من ال َّنها ِر إلاَّ ب َق ْد ِر ما ي ْب َقى من ن ْف ِس ال ُم ْح َتضرِ ِ إذا َشـ ِر َق بِري ِقه. 72
التـــــوبة و ِج ِّله وتفاصيله وجمُ َ ِله ساء ْت ُظنونهُ م بنفو ِسهم حتى َخ ُشوا أ ْن يكونوا من جملة المنافقين؛ قال عمر بن الخطاب لحذيفة « :يا حذيف ُة ،نشد ُتك باللهِ، هل َسماَّ ني ل َك رسو ُل الله ﷺ منهم؟ فقال :لا ،ولا ُأز ِّكي بع َدك أح ًدا». قال اب ُن أبي ُم َل ْيك َة « :أدرك ُت ثلاثين من أصحا ِب محمد ﷺ ،ك ُّلهم يخاف النِّفاق على ن ْف ِسه ،ما منهم أح ٌد يقول :إ َّن إيمانه كإيما ِن جبري َل وميكائي َل» ذك َره البخار ُّي. و ُذ ِك َر عن الح َسن « :ما أ ِمنَه إلا منافق ،ولا َخا َف ُه إلا مؤمن». َز ْر ُع النِّفا ِق َين ُب ُت على سا ِق َي َتينْ ِ :ساقية ال َك ِذب ،وساقي ِة ال ِّرياء ،ومخَ ْ َر ُجهما ِمن َعينَينْ ِ :عي ِن َض ْع ِف البصيرة،وعين َضع ِفالعزيمة ،فإذاتمََّتهذهالأركا ُن الأربع اس َتح َك َم ُبنيا ُن النِّفاق ،ولكنَّه بمدارج السيول على َش َفا ُج ُر ٍف ها ٍر، فإذا سال َس ْي ُل الحقائق ،وعا َينوا يوم ُت ْبلىَ السرائر ،و ُك ِش َف المستو ُر ،و ُب ْعثِ َر ما في القبور ،و ُح ِّصل ما في الصدورَ ،ت َبينَّ حينئذ لمن كانت بضاعته النِّفاق؛ أ َّن حواصله التي حصلها كانت كالسراب ﴿ ،ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ﴾ [النور.]39 : قلوبهُ م عن الخيرات لا ِه َية ،وأجسا ُدهم إليها سا ِعية ،والفاحش ُة في فِ َجا ِجهم فاشية ،وإذا َس ِمعوا الح َّق كانت قلوبهُ م عن سما ِعه قاسية ،وإذا َحضرَ وا الباط َل و َش ِهدوا ال ُّزور انفتح ْت أبصا ُر قلوبهِ م وكانت آذانهُ م واعية، فهذه واللهِ أمارا ُت النِّفاق فا ْح َذ ْرها أ ّهُيا ال َّر ُج ُل قب َل أ ْن تنز َل بك القاضية. -5،4وأ َّما ال ُف ُسوق فهو في كتاب الله نوعانُ :م ْف َرد ُم ْط َلق ،و َمقرون 73
بال ِعصيان ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊﮋﮌﮍﮎ﴾ [الحجرات .]7 : -7،6وأ َّما الإثم والعدوا ُن فهما َق ِرينا ِن ،قال الله تعالى﴿ :ﯭ ﯮ ﯯ ﯰﯱﯲﯳ ﯴﯵ ﯶﯷ﴾ [المائدة.]2 : [ -8و] البغي غالب استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم. -10،9اولوأاَّمعاقستوافُللفحوَحاشلهِشفاكَطء ُّرل،واذفلممناياكرعشت؛قدٍلفإانلسفكلايحرماشلا،عُءق:وأو َُّمملاا اولمانظل ِفهك ُرَطرر ُق[لْبفههُحفوهه]اواللفاذكحليشُتأنة.حِك ُدره، -11وأ َّما القول على الله بلا ِع ْلم :فهو أش ُّد هذه ال ُمح َّرمات تحري ًام ،وأعظ ُمها إث ًام ،وهو أص ُل الشرِّ ك وال ُك ْفر ،وعليه ُأ ِّسست البِ َد ُع وال َّضلالات، فك ُّل بدع ٍة ُم ِض َّلة في ال ِّدين أسا ُسها القو ُل على الله بلا ِع ْلم(((. َمشا ِه ُد ال َخ ْلق في المعص َّية -1فأ َّما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة :فمشهد ال ُج َّهال الذين لا َف ْر َق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة و ُن ْطق ال ِّلسان ،ليس ه ُّمهم إلا مج َّرد َن ْيل الشهوة بأي طريق أ ْف َض ْت إليها ،فهؤلاء نفو ُسهم نفو ٌس حيوانية لم َتترَ َ َّق عنها إلى درجة الإنسانية ،فض ًال عن درجة الملائكة، ُم َتفا ِوتون بح َسب حالهم أ َخ ُّس من أ ْن ُت ْذكر ،وهم في أحوالهم فهؤلاء الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها. تفا ُو ِت ((( لم يتكلم ابن القيم عن الثاني عشر وهو ( اتباع سبيل غير المؤمنين ). 74
التـــــوبة فمنهم َمن ن ْف ُسه َك ْلب َّية ،لو صا َدف جيف ًة ُتشبِ ُع أ ْل َف كل ٍب لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب ،وهمَُّه ِش َب ُع بطنِه من أي طعام ا َّت َفق؛ ميتة أو َذ ِك ّي، خبيث أو ط ِّيب ،ولا يستحي من قبيح ،إن تحَ ْ ِمل عليه َي ْل َهث أو َتترْ ُ ْكه يلهث. ومنهم َمن ن ْف ُسه حمِ ار َّية لم تخُ ْ َلق إلا لل َك ِّد والع َلف ،كلما ِزي َد في ع َل ِفه زي َد في َك ِّده ،أب َك ُم الحيوا ِن وأق ُّله بصير ًة ،ولهذا م َّثل الله به َمن ح َّمله كتا َبه فلم يحَ ْ ِم ْله معرف ًة ولا فِق ًها ولا عم ًال ،و َم َّثل بالكلب عالمِ َال ُّسوء الذي آتاه الله آياتِه فانسلخ منها وأخ َل َد إلى الأرض وا َّت َبع هواه. ومنهم َمن نف ُسه َس ُبع َّية غضبِ َّية ،همَُّه العدوان على الناس و َقه ُرهم بما وصل ْت إليه قدر ُته ،طبيعته تتقاضى ذلك ك َتقاضي طبيعة ال َّس ُبع لمَِا يص ُدر منه. ومنهم َمن نف ُسه َف ْأ ِر َّي ٌة ،فاس ٌق بط ْب ِعهُ ،م ْف ِسد لما جا َو َره ،تسبي ُحه بلسان الحال :سبحان َمن َخ َل َقه للفساد. ومنهم َمن نف ُسه على نفو ِس َذوات ال ُّس ُموم والحُماَ ت ،كالح َّية والعقرب وغيرهما ،وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه ،ف ُيد ِخل الرج َل القب َر، وال َج َم َل ال ِق ْد َر. و ِمن الن َّاس َمن َط ْب ُعه َطب ُع ِخنزير؛ َي ُم ُّر بالط ِّيبات فلا َي ْل ِوي عليها ،فإذا قا َم الإنسا ُن عن َرجي ِعه َق َّمه ،وهكذا كثي ٌر من النا ِس ،يسم ُع منك وي َرى من المحا ِسن أضعا َف أضعا ِف المسا ِوئ ،فلا يتح َّف ُظها ولا ينق ُلها ولا تنا ِس ُبه، فإذا رأى َس ْقط ًة أو كلمة َع ْورا َء َو َج َد ُب ْغ َي َته وما ينا ِس ُبه ،فج َعلها فاكه َته و ُن ْق َله. 75
ومنهم َمن هو على طبيعة ال َّطاوو ِس؛ ليس له إلا ال َّت َط ُّوس وال َّت َز ُّين بال ِّريش ،وما وراء ذلك شي ٌء. ومنهم َمن هو على طبيعة الجَ َمل؛ أ ْح َق ُد الحيوان ،وأغ َل ُظه َكبِ ًدا. وأحم ُد طبائ ِع الحيوانا ِت طبائ ُع الخيل ،التي هي أش َر ُف الحيوانا ِت ُنفو ًسا، وأكر ُمها طِبا ًعا ،وكذلك ال َغنَم. والمقصو ُد أ َّن أصحا َب هذا المشه ِد ليس لهم ُش ُهو ٌد ِسوى َم ْي ِل نفو ِسهم وشهواتهِ م ،لا يعرفون ما وراء ذلك ال َب َّتة. -2ومشه ُد ِحكم ِة اللهِ في تقدي ِره على عب ِده ما ُي ْب ِغ ُضه سبحا َنه ويكر ُهه ،ويلو ُم ويعا ِقب عليه ،وأ َّنه لو شاء ل َع َص َمه منه ،ولحَ ا َل بينه وبينه ،وأ َّنه سبحانه لا ُيعصىَ َقسرًْ ا ،وأ َّنه لا يكو ُن في العالمَ شي ٌء إلا بمشيئتِه﴿ ،ﮞ ﮟ ﮠ ﮡﮢﮣﮤﮥﮦ﴾ [الأعراف.]54 : وهؤلاء َيش َهدون أ َّن الله سبحانه لم يخَ ْ ُلق شي ًئا عب ًثا ولا ُس ًدى ،وأ َّن له ال ِحكم َة البالِغ َة في كل ما َق َّد َره وقضا ُه ِمن خير وشرٍَّ ،وطاع ٍة ومعصية. ويكفي من هذا مثا ٌل واح ٌد ،وهو أ َّنه لولا المعصي ُة ِمن أبيِ البشر-بأ ْك ِله ِمن الشجرة -لما َت َر َّتب على ذلك ما َت َر َّتب من وجود هذه المحبوبات ال ِعظام لل َّر ِّب تعالىِ ،من امتحان َخ ْل ِقه وتكلي ِفهم ،وإرسال ُر ُس ِله ،وإنزا ِل ُك ُتبِه ،وإظها ِر آياته وعجا ِئبه ،وتنويعها وتصريفها ،وإكرا ِم أوليا ِئه ،وإهان ِة أعدائه ،وظهو ِر َع ْدلِه وفض ِله ،وع َّزتِه وانتقا ِمه ،و َع ْف ِوه ومغفرتِه ،و َص ْف ِحه و ِح ْل ِمه ،وظهو ِر 76
التـــــوبة َمن يع ُب ُده ويحُ ِ ُّبه ويقوم بِ َمرا ِضيه بين أعدا ِئه في دار الابتلا ِء والامتحان. [ -3مشهد التوحيد] وهو أ ْن َيشهد انفرا َد ال َّر ِّب تعالى بالخَ ْلق والحُ ْكم ،وأ َّنه ما شاء كان ،وما لم َي َش ْأ لم يكن ،وأ َّنه لا تتح َّرك َذ َّر ٌة إلا بإذنه ،وأ َّن الخَ ْلق َمقهورون تحت قبضته ،وأ َّنه ما ِمن ق ْل ٍب إلا وهو بين أصابعه ،إن شاء أن ُي ِقي َمه أقامه ،وإن شاء أن ُيزي َغه أزا َغه ،فالقلو ُب بيده ،وهو ُم َق ِّل ُبها و ُمصرَِّ ُفها كيف شاء وكيف أراد . -4مشه ُد التوفي ِق وال ِخذلان ،وقد أجم َع العا ِرفون بالله أ َّن التوفيق هو ألاَّ َي ِك َلك الله إلى نفسك ،وال ِخذلان أ ْن يخُ َليِّ ب ْينك وبينها؛ فالعبيد ُمتق ِّلبون بين توفيقه و ِخذلانه ،بل العبد في ال َّساعة الواحدة ينال نصي َبه من هذا وهذا ،ف ُيطي ُعه و ُيرضيه و َيذ ُكره ويشكره بتوفيقه له ،ثم َيعصيه ويخالفه و ُي ْس ِخ ُطه ويغ ُف ُل عنه ب ِخذلانه له ،فهو دا ِئ ٌر بين توفيقه و ِخذلانه ،فإ ْن َو َّف َقه فبفضله ورحمته ،وإ ْن َخ َذله فبِعدلِه و ِحكمته ،وهو المحمود على هذا وهذا ،له أ َت ُّم حم ٍد وأكم ُله ،ولم َيمنع العب َد شي ًئا هو له ،وإ َّنما منعه ما هو مج َّر ُد فض ِله وعطائه ،وهو أعل ُم حيث يضعه وأين يجعله. فمتى ش ِهد العب ُد هذا المشه َد وأعطاه ح َّقه َع ِلم ضرور َته وفاق َته إلى التوفيق في كل ن َفس ،وك ِّل لحظ ٍة وط ْرف ِة عين ،وأ َّن إيمانه وتوحيده بِ َي ِد غيره ،لو تخَلىَّ عنه طرف َة عي ٍن ل ُث َّل عر ُشه ،ولخَ َ َّرت سما ُء إيمانِه على الأرض ،وأ َّن ال ُم ْم ِسك له َمن ُيم ِسك السما َء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ،ف ِه ِّجي َرى قلبِه ودأ ُب لسانه: «يا ُمق ِّل َب ال ُقلو ِبَ ،ث ِّب ْت َق ْلبي على ِدينِ َك» ،و«يا ُمصرَِّ َف ال ُقلو ِب ،صرَِّ ْف 77
َق ْلبي على طا َعتِ َك» ،ودعواه« :يا َح ُّي يا َق ُّيو ُم ،يا َبدي َع ال َّس َموا ِت والأر ِض، يا ذا الجَلا ِل والإكرا ِم ،لا إل َه إلاَّ أن َت ،ب َرحمتِ َك أس َتغي ُث ،أ ْص ِل ْح لي ش ْأني ُك َّله، ولا َت ِك ْلني إلى َن ْفسي َط ْرف َة َعينْ ٍ ،ولا إلى أ َح ٍد ِم ْن َخ ْل ِق َك». والتوفيق إرادة الله من نف ِسه أ ْن يفع َل بعب ِده ما َي ْص ُلح به العبد ،بأن يجعله قاد ًرا على فِعل ما ُيرضيهُ ،مري ًدا له ،محُِ ًّبا له ،م ْؤث ًرا له على غيره ،و ُي َب ِّغض إليه ما ُيس ِخ ُطه ،و ُي َك ِّرهه إليه ،وهذا مجُ َّرد فعله ،والعبد محَ َ ٌّل له ،قال تعالى﴿ :ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ﴾ [الحجرات.]8 - 7 : وقد ضرُ ِ ب للتوفيق وال ِخذلا ِن َم َثلَ :م ِلك أرس َل إلى أه ِل بلد ٍة ِمن بلا ِده رسو ًال ،وكت َب معه كتا ًبا ُي ْع ِل ُمهم أ َّن العد َّو ُم َص ِّب ُحهم عن قريب ومجُ ْتا ُحهم، ومخُ َ ِّرب البلد ،و ُم ْه ِلك َمن فيها ،وأرسل إليهم أموا ًال ومراك َب وزا ًدا و ُع َّد ًة وأ ِد َّل ًة ،وقال :ارت ِح ُلوا إل َّي مع هؤلاء الأ ِد َّلة ،وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه ،ثم قال لجماعة من مماليكه :اذهبوا إلى فلان ،ف ُخذوا بيده واحمْ ِلوه ،ولا َت َذروه َيق ُعد ،واذهبوا إلى فلان كذلك وإلى فلان ،و َذ ُروا َمن َعدا ُهم؛ فإنهَّ م لا َيص ُلحون أ ْن ُيسا ِكنُوني في بلدي ،فذهب َخوا ُّص الم ِلك إلى َمن ُأ ِمروا بِ َح ْم ِلهم ،فلم يتركوهم َي ِق ُّرون ،بل حمَ َ ُلوهم حمَ ْ اًل ،وسا ُقوهم الملك ،فا ْجتا َح العد ُّو َمن َب ِقي في المدينة و َق َتلهم، أووألسرئَ َك َمبإنحأسرَساَنِه. المل ُك ظال ًما لهؤلاء ،أم عاد اًل فيهم؟ نعمَ ،خ َّص َس ْو ًقا إلى فهل ُي َع ُّد وعنايتِه ،و َح َرمها َمن َعداهم؛ إ ْذ لا تجب عليه ال َّتسوي ُة بينهم في فضله وإكرامه ،بل ذلك ف ْض ُله وإكرا ُمه ي ْؤتيه َمن يشاء. 78
التـــــوبة -5مشهدالأسماءوال ِّصفات،وهو ِمنأ َج ِّلالمشاهد،وهوأعلىمماق ْب َلهوأوسع. وال ُم ْطلِععلىهذاالمشهد:معرفة َت َع ُّلقالوجود َخ ْل ًقاوأم ًرابالأسماءالحسنى، والصفات ال ُعلىَ ،وارتباطِه بها ،وأ َّن العالم بما فيه ِمن بعض آثارها ومقتضاها. فله في كل ما قضى وق َّد َره الحكم ُة البالغة ،والآيا ُت الباهرة ،والتع ُّرف إلى عبا ِده بأسمائه وصفاته ،واستدعا ُء مح َّبتِهم له ،و ِذ ْك ِرهم له ،وشكرهم له، وتع ُّب ِدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ ك ُّل اس ٍم فله تع ُّب ٌد مخُ َت ٌّص بهِ ،ع ْل ًام ومعرف ًة وحا ًال ،وأكم ُل النا ِس عبود َّي ًة :المتع ِّب ُد بجميع الأسماء والصفات التي ي َّط ِلع عليها البشر ،فلا تحَ ُج ُبه عبودي ُة :اس ٍم عن عبود َّية اس ٍم آ َخ َر ،ك َم ْن يح ُج ُبه التع ُّبد باسمه (القدير) عن التع ُّبد باسمه (الحليم الرحيم) ،أو تحجبه عبود َّية اسمه (المعطِي) عن عبود َّية اسمه (المانع) ،أو عبود َّية اسمه (الرحيم) و(الع ُفو) و(الغفور) عن اسمه (المنت ِقم) ،أو التع ُّبد بأسماء التو ُّدد ،والبرِِّ ،وال ُّلطف، والإحسان عن أسماء العدل ،والجبروت ،والكبرياء ،والعظمة ونحو ذلك. وهذه طريق ُة ال ُك َّم ِل من ال َّسائري َن إلى الله تعالى ،وهي طريق ٌة مشت َّق ٌة من قل ِب القرآن ،قال الله تعالى ﴿ :ﭳﭴﭵﭶﭷ﴾ [الأعراف ،]180 :وال ُّدعاء بها يتنا َو ُل دعا َء المسألة ،ودعا َء ال َّثناء ،ودعا َء التع ُّبد ،وهو سبحانه يدعو عبا َده إلىأ ْن يعر ُفوهبأسمائه وصفاتِه،و ُي ْثنُواعليهبها ،ويأ ُخذوابِ َح ِّظهممنعبود َّيتِها. وهوسبحانهيحب ُمو َج َبأسمائهوصفاتِه،فهو(عليم)يح ُّبك َّلعلي ٍمَ (،ج َواد) يح ُّب ك َّل َجوادِ ( ،و ْت ٌر) يحب ال ِو ْتر( ،جميل) يح ُّب الجمالَ ( ،ع ُف ٌّو) يحب ال َع ْفو وأه َلهَ (،ح ِي ٌّي)يحبالحياءوأه َلهَ (،ب ٌّر)يحبالأبرارَ (،ش ُكور)يحبالشاكرين، ( َص ُبور) يح ُّب الصابِري َن؛ (حليم) يح ُّب أه َل ال ِح ْلم ،ف ِلمح َّبتِه سبحانه لل َّتوبة 79
والمغفرة ،والعف ِو وال َّص ْف ِح؛ َخ َل َق َمن يغف ُر له ،ويتو ُب عليه ،ويعفو عنه ،و َق َّدر عليه ما يقتضي وقو َع المكروه وال َم ْب ُغوض له؛ ليتر َّتب عليه المحبو ُب له ال َم ْرضيُِّ له ،فتو ُّسطه كتو ُّسط الأسباب المكروهة ال ُم ْف ِضية إلى المحبوب. 6ـ مشهد زيادة الإيمان وتع ُّدد شوا ِهده ،وهذا ِمن ألط ِف المشاهد ،وأ َخ ِّصها بأه ِل المعرفة. وآثار الحسنا ِت وال َّس ِّيئا ِت في القلو ِب والأبدا ِن والأموال ،أم ٌر مشهود في العالمَ ،لا ينك ُره ذو عق ٍل سليم ،بل َيع ِر ُفه المؤم ُن والكافر ،والبرَُّ والفاجر. وشهو ُد العب ِد هذا في نف ِسه وفي غي ِره ،وتأ ُّم ُله ومطالع ُته ،مما يق ِّوي إيما َنه بما جاءت به ال ُّر ُسل ،وبال َّثواب وال ِعقاب ،فإ َّن هذا عد ٌل مشهو ٌد محسو ٌس في هذا العالمَ ،و َم ُثوبا ٌت و ُعقوبا ٌت عاجلة دا َّلة على ما هو أعظ ُم منها لمن كانت له بصير ٌة ،كما قال لي بع ُض النَّا ِس :إذا َص َد َر مني َذن ٌب ولم أبا ِدره ،ولم أتدا َر ْكه بال َّت ْوبة انتظر ُت أث َره الس ِّيئ ،فإذا أصا َبني -أو فو َقه أو دو َنه -كما حسب ُت، يكون ِه ِّجيرا َي :أشهد أن لا إله إلا الله ،وأشهد أ َّن محم ًدا رسو ُل الله ،ويكون ذلك ِمن شواه ِد الإيمان وأد َّلتِه ،فإ َّن الصادق متى أخبرك أ َّنك إذا فعل َت كذا وكذا تر َّتب عليه ِمن المكروه كذا وكذا ،فجعل َت ك َّلما فعل َت شي ًئا من ذلك حصل لك ما قال ِمن المكروه ،لم َت ْز َد ْد إلا ِع ْل اًم بصدقه وبصير ًة فيه ،وليس هذا لك ِّل أحد ،بل أكثر الناس َت ِري ُن الذنو ُب على ق ْلبِه ،فلا يشه ُد شي ًئا ِمن ذلك ،ولا يشع ُر به الب َّت َة. وإ َّنما يكون هذا القل ُب فيه نو ُر الإيمان ،وأ ْه ِوي ُة ال ُّذنوب والمعاصي َتع ِص ُف 80
التـــــوبة فيه ،فهو يشا ِهد هذا وهذا ،ويرى حال ِمصبا ِح إيمانه مع ق َّوة تلك الأ ْهوي ِة وال ِّرياح ،فيرى نفسه كرا ِك ِب البح ِر عند َه َيجا ِن ال ِّرياح ،وتق ُّل ِب السفين ِة و َت َك ُّف ِئها ،ولا س َّيما إذا انكسر ْت به ،و َب ِق َي على َلو ٍح تلعب به ال ِّرياح ،فهكذا المؤم ُن يشاه ُد نف َسه عند ارتكا ِب ال ُّذنوب ،إذا ُأ ِري َد به الخي ُر ،وإ ْن أري َد به غي ُر ذلك فقل ُبه في وا ٍد آخر. ومتى انف َت َح هذا البا ُب للعبد انتفع بمطا َلع ِة تاري ِخ العالمَ ،وأحوا ِل الأُ َمم، ومجُ ْ َريات الخَ ْلق ،بل انتفع ب ُمجريات أه ِل زمانِه وما يشا ِه ُده من أحوال النَّاس. فال ُّذنوب مثل ال ُّسموم ُمضرَِّ ٌة بال َّذات ،فإ ْن تدا َركها ِمن َس ْق ٍي بالأدوية المقا ِوم ِة لها ،وإلا َق َه َرت ال ُق َّو َة الإيمان َّية ،وكان الهلا ُك ،كما قال بعض ال َّس َلف: «المعاصي َب ِري ُد ال ُك ْفر ،كما أ َّن ال ُح َّمى َبري ُد الموت». فشهو ُد العب ِد ن ْق َص حالِه إذا عصى َر َّبه وتغيرُّ َ القلو ِب عليه ،و ُجفولهَ ا منه ،وانسدا َد الأبوا ِب في وجهه ،و َتو ُّع َر المسال ِك عليه ،و َهوا َنه على أه ِل بيتِه وأولا ِده وزوجتِه وإخوانِه ،و َت َط ُّل ُبه سب َب ذلك حتى يع َل َم من أين ُأتيِ ،ووقو ُعه على السبب المو ِجب لذلك ،مما يق ِّوي إيما َنه ،فإ ْن أقلع وباشرَ َ الأسبا َب التي ُتفضي به إلى ض ِّد هذه الحال ،رأى ال ِع َّز بعد ال ُّذ ِّل ،وال ِغنى بعد الفقر ،والسرُّ و َر بعد الحزن ،والأم َن بعد الخوف ،والق َّو َة في قلبِه بعد َضع ِفه و َو َهنِه؛ ازدا َد إيما ًنا مع إيمانه ،ف َت ْقوى شواه ُد الإيما ِن في قلبِه وبراهينُه وأد َّل ُته في حال معصيتِه وطاعتِه ،فهذا ِمن الذي َن قال اللهُ فيهم ﴿ :ﭷﭸﭹ ﭺﭻﭼﭽﭾ ﭿﮀﮁﮂ﴾ [الزمر.]35 : 81
َفيفينهْفِ ،سوهأ،عوطنافهعحب َّقهه َم،نصاشراءِم ِمن أنطَ َّبخا ْلءِقاهل.قلو ِب وصاح ُب هذا المشه ِد متى تبصرَّ العالمِي َن بدا ِئها و َدوا ِئها ،فنفعه الله 7ـ مشهد الرحمة؛ فإ َّن العب َد إذا وقع في ال َّذنب خرج ِمن قلبِه تلك ال ِغلظ ُة والقسوة ،والكيف َّي ُة ال َغ َضبِ َّي ُة التي كانت عنده لمن َص َد َر منه َذ ْن ٌب ،حتى لو َق َد َر عليه لأهلكه ،ور َّبما دعا اللهَ عليه أ ْن هُي ِل َكه ويأخ َذه ،غض ًبا منه لله ،و ِحر ًصا على أ ْن لا ُي ْعصى ،فلا يج ُد في قلبِه رحم ًة لل ُمذنبِي َن الخ ّطائين، ولا يراهم إلا بِ َعينْ ِ الاحتِقا ِر والاز ِدرا ِء ،ولا َي ْذ ُك ُرهم إلا بلسان ال َّط ْع ِن فيهم ،وال َع ْي ِب لهم وال َّذ ِّم ،فإذا َج َر ْت عليه المقادي ُر و ُخليِّ ونف َسه استغا َث باللهِ وال َتجأ إليه ،وتمَ َ ْل َم َل بين يديه تمَ َ ْل ُم َل ال َّس ِليم ،ودعاه ُدعا َء ال ُم ْض َط ِّر، فوَتلَِبي ّنًداَل،تم تعلقيكا ِامله ِغبلحظ ُةدوع ِدلىالاللمه،ذنِبِوتيبَن ّد َِر َّلق ًة ُد،عواتُؤلهكعاللي َقهمسا ُدو ُةعا ًعءللىهاملَ،خ َّطوا َئِجيَعَنلرلحهم ًمة وظيف ًة من ُع ُمره ،يسأ ُل الل َه فيها أ ْن يغف َر لهم ،فما أنف َعه له ِمن مشهد! وما أعظ َم َج ْدواه عليه! 8ـ مشهد العجز والضعف ،وأ َّنه أع َج ُز شيء عن ِح ْفظ نفسه وأضع ُف، وأ َّنه لا ق َّوة له ولا قدرة ولا حو َل إلا بِر ِّبه ،فيشهد قل َبه كريشة ُم ْلقا ٍة بأر ِض َفلا ٍة ُتسيرِّ ُ ها الرياح يمينًا وشما ًال ،ويشهد نف َسه كراك ِب سفين ٍة في البحر تهَ ِي ُج بها الرياح ،وتتلاعب بها الأمواج ،ترفعها تارة ،وتخَ ِف ُضها أخرى ،تجري عليه أحكا ُم ال َق َدر ،وهو كالآلة َط ِري ًحا بين يد ْي ول ِّيه، ُم ْل ًقى ببابه ،واض ًعا خ َّده على َثرى أعتابه ،لا َيمل ُك لنفسه ضرًَّ ا ولا نف ًعا، ولا مو ًتا ولا حياة ولا ُنشو ًرا ،ليس له ِمن نفسه إلا الجه ُل وال ُّظلم، 82
التـــــوبة وآثا ُرهما ومقتضياتهُ ما ،فالهلا ُك أدنى إليه ِمن شرِ اك َنع ِله ،كشا ٍة ُم ْلقا ٍة بين ال ِّذئاب وال ِّسباع ،لا َي ُر ُّدهم عنها إلا ال َّراعي ،فلو تخلىَّ عنها ط ْرف َة عي ٍن لتقاسموها أعضا ًء. وهكذا حا ُل العب ِد ُم ْل ًقى بين الله وبين أعدا ِئه؛ ِمن شياطي ِن الإن ِس والج ِّن، فإ ْن حمَ ا ُه منهم وك َّفهم عنه لم يجَ دوا إليه سبي اًل ،وإن تخلىَّ عنه ،و َو َك َله إلى نفسه طرف َة عي ٍن لم َين َق ِسم عليهم ،بل هو نصي ُب َمن َظ ِفر به منهم. والمقصود أ َّن في هذا المشه ِد َيع ِر ُف العب ُد أ َّنه عاج ٌز ضعيف ،ف َتزو ُل عنه ُرعونا ُت ال َّدعا َوى ،والإضافات إلى نفسه ،ويعلم أ َّنه ليس له ِمن الأم ِر شيء، وليس بيده شيء ،إ ْن هو إلاَّ محَ ْ ُض الفقر والعج ِز وال َّضعف. 9ـ مشهد ال ُّذ ِّل ،والانكسار ،والخضوع ،والافتقا ِر لل َّر ِّب ،فيشهد في كل َذ َّر ٍة من َذ َّراتِه الباطنة وال َّظاهرة ضرور ًة تا َّم ًة ،وافتقا ًرا تا ًّما إلى ر ِّبه َو َولِ ِّيه، و َمن بيده صلا ُحه وفلاحه ،و ُهداه وسعاد ُته ،وهذه الحال التي تح ُصل لقلبِه لا َتنا ُل العبار ُة حقيق َتها ،وإ َّنما تد َرك بالحصول ،فيح ُصل لقلبِه َكسرْ ٌة خا َّصة لا ُي ْشبِ ُهها شيء ،بحيث يرى نفسه كالإناء ال َم ْر ُضوض تحت الأر ُجل ،الذي لا شيء فيه ،ولا به ولا منه ،ولا فيه منفعة ،ولا ُير َغب في مثله ،وأنه لا يص ُلح للانتفا ِع إلا بِ َجب ٍر جدي ٍد ِمن صانِعه و َق ِّي ِمه ،فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما ِم ْن َر ِّبه إليه ِمن الخي ِر ،ويرى أنه لا َيست ِح ُّق منه قلي اًل ولا كثي ًرا ،فأ ُّي خي ٍر نا َله من الله تعالى استكث َره على نفسه ،وع ِلم أ َّن َق ْد َره ُدو َنه ،وأ َّن رحم َة ر ِّبه اقتضت ِذ ْك َره به ،وسياق َته إليه ،واس َت َق َّل ما ِمن 83
نفسه ِمن الطاعات ل َر ِّبه ،ورآها -ولو سا َو ْت طاعا ِت ال َّثق َلينْ ِِ -من أق ِّل ما ينبغي لر ِّبه عليه ،واستكثر قلي َل معاصيه وذنوبِه ،فإ َّن ال َكسرْ ة التي حصلت لقلبه أوج َب ْت له هذا ك َّله. فما أقرب الجَب َر ِمن هذا القل ِب المكسو ِر! وما أدنى النَّص َر والرحمة وال ِّرز َق منه! وما أنف َع هذا المشه َد له وأ ْجداه عليه! و َذ َّر ٌة ِمن هذا و َن َف ٌس منه أح ُّب إلى الله من طاعا ٍت أمثال الجبال من ال ُم ِد ِّلي َن ال ُمع َجبِي َن بأعمالهم وعلو ِمهم وأحوالهم ،وأح ُّب القلوب إلى الله سبحانه قل ٌب قد تم َّكنت منه هذه ال َكسرْ ة، و َم َل َك ْته هذه ال ِّذ َّلة ،فهو نا ِك ُس الرأس بين يد ْي ر ِّبه ،لا يرفع رأسه إليه حيا ًء وخج ًال من الله تعالى. قيل لبع ِض العا ِرفي َن :أ َيسج ُد القل ُب؟ قال :نعم ،يسج ُد سجد ًة لا يرف ُع رأ َسه منها إلى يوم ال ِّلقاء ،فهذا سجود القلب. فقل ٌب لا تباشرِ ُ ه هذه ال َكسرْ ُة فهو غي ُر ساج ٍد السجو َد المراد منه ،وإذا سج َد القل ُبللههذهالسجد َةال ُع ْظمىسج َد ْتمعهجمي ُعالجوار ِح،و َع َناالوج ُهحينئذ لل َح ِّي ال َق ُّيو ِم ،و َخ َش َع ال َّصو ُت والجوار ُح ك ُّلها ،و َذ َّل العب ُد و َخ َض َع واستكان، وو َض َع خ َّده على عتبة العبود َّية ،ناظ ًرا بق ْلبِه إلى ر ِّبه و َولِ ِّيه َن َظ َر ال َّذلي ِل إلى العزيز ال َّرحيم ،فلا ُيرى إلاَّ ُم َتم ِّل ًقا لر ِّبه ،خا ِض ًعا له ،ذلي ًال مستكي ًنا ُمستع ِط ًفا له ،يسأله َع ْط َفه ورحم َته ،فهو َيتر َّىض ر َّبه كما يتر ىَّض ال ُم ِح ُّب الكامل المح َّب ِة محبو َبه المال َك له ،الذي لا ِغنى له عنه ،ولا بد له منه ،فليس له ه ٌّم غير استرضائه واستعطافه؛ لأ َّنه لا حياة له ولا فلاح إلا في ُق ْربِه ورضاه عنه، 84
التـــــوبة ومح َّبتِه له ،يقول :كيف ُأغ ِضب َمن حياتي في رضاه؟ وكيف أ ْع ِد ُل ع َّمن سعادتي وفلاحي و َف ْوزي في ُق ْربه و ُح ِّبه و ِذ ْك ِره؟ وصاح ُب هذا المشهد :يشهد نف َسه كر ُج ٍل كان في َكنَ ِف أبيه َي ْغ ُذوه بأطي ِب ال َّطعام والشرَّ اب وال ِّلباس ،و ُي َز ِّينه أحس َن ال ِّزينة ،و ُي َر ِّقيه درجا ِت الكما ِل أ َت َّم ترقية ،وهو ال َق ِّي ُم بمصال ِحه ك ِّلها ،فبع َثه أبوه في حاجة له ،فخ َرج عليه في طريقه ع ُد ٌّو ،فأسرَ َ ه وك َّت َفه و َش َّده َوثا ًقا ،ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسا َمه ُسو َء العذاب ،وعا َم َله بِ ِض ِّد ما كان أبوه يعامله به ،فهو يتذ َّكر تربي َة والده وإحسانه إليه ال َف ْين َة بعد ال َفينة ،ف َت ِهيج من قلبه َلوا ِع ُج الحسرات ك َّلما رأى حا َله وتذ َّكر ما كان عليه وك َّل ما كان فيه ،فب ْينا هو في أسرْ ِ عد ِّوه َيسو ُمه سو َء العذا ِب ،ويريد َن ْح َره في آخر الأمر ،إذ حانت منه التفات ٌة إلى نحو ِديا ِر أبيه ،فرأى أباه منه قري ًبا ،فسعى إليه ،وألقى ن ْف َسه عليه ،وان َط َر َح بين يديه، يستغي ُث :يا أبتاه ،يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه ،ودمو ُعه َتس َتبِ ُق على َخ َّد ْي ِه ،قد اعتنقه والتزمه ،وعد ُّوه في طلبِه ،حتى وقف على رأسه ،وهو ُملت ِز ٌم لوالده مُ ِس ٌك له ،فهل تقول :إ َّن وال َده ُي ْس ِل ُمه مع هذه الحا ِل إلى ع ُد ِّوه ويخُليِّ بينه وبينه؟! فما ال َّظ ُّن بمن هو أرح ُم بعبده ِمن الوالد بولده ،والوالد ِة بول ِدها إذا َف َّر إليه ،وه َرب من عد ِّوه إليه ،وألقى نفسه طري ًحا ببابهُ ،ي َم ِّرغ خ َّده في ثرى أعتابه باك ًيا بين يديه ،يقول :يا ر ِّب ،يا ر ِّب ،ارحم َمن لا را ِح َم له سواك ،ولا ول َّي له سواك ،ولا ناصر له سواك ،ولا ُم ْؤ ِوي له سواك ،ولا ُم ِغيث له سواكِ ،م ْسكينُك وفقيرك ،وسائلك وم َؤ ِّم ُلك و ُم ْرتجَ يك ،لا ملجأ له ولا َمنْ َجى له منك إلا إليك ،أنت ملا ُذه ،وبك َمعا ُذه. 85
يا َمـ ْن أ ُلـو ُذ بـ ِه فيــما ُأ َؤ ِّم ُلـــ ُه وم َـ ْن أ ُعــو ُذ بـ ِه مَِّا ُأحـــا ِذ ُر ُه لا يجَ ْبرُ ُ النَّا ُس َع ْظ اًم أن َت كاسرِ ُ ُه ولا َهيي ُضـو َن َع ْظ ًام أن َت جابِـ ُر ُه -10مشهدالعبوديةوالمح َّبة،وال َّشوقإلىلقائه،والابتهاجبه،والفرحوالسرُّ ور به،ف َت َق ُّر بهعينه،ويسكنإليهقلبه،وتطمئنإليهجوارحه،ويستولي ِذك ُره وعإلرىالد ُةساالتنق ُّمحرُِ ِّببهإلويقهلبِوهم،رفتضاصتيه ُرم َكخا َطَنرإاراُتد ِةالممعحا َّبةصيمهكاو ََمنسَاخ ِ َخطر ِطاه ِ،توالمحعركصاية،ت ال ِّلسانوالجوارحبالطاعاتمكا َنحركاتهابالمعاصي،وقدامتلأقل ُبهمن محَ َ َّبتِه ،ولهَِ َج لسا ُنه بِ ِذكره ،وانقا َدت الجوار ُح لطاعته ،فإن هذه ال َكسر َة الخا َّصة لها تأثي ٌر عجيب في المح َّبة لا ُيعبرَّ عنه. وكان شي ُخ الإسلا ِم ابن تيم َّية يقولَ « :من أراد السعادة الأبد َّية، فليل َز ْم َع َتب َة ال ُعبود َّية». والقصد :أ َّن هذه ال ِّذ َّلة وال َكسرة الخا َّصة ُتد ِخ ُله على الله ،و َت ْر ِميه على طريق المح َّبة ،ف ُيفتح له منها باب لا ُيفتح له من غير هذه الطريق ،وإن كانت ُط ُرق سائر الأعمال والطاعات َتفتح للعبد أبوا ًبا من المح َّبة ،ولكن الذي ُيفتح منها من طريق ال ُّذ ِّل والانكسار ،والافتقار وازدراء النفس ،ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنَّق ِص وال َّذم ،بحيث يشاهدها َض ْيع ًة وعج ًزا ،وتفري ًطا وذن ًبا وخطيئ ًة :نو ٌع آخر وفتح آخر ،والسالك بهذا الطريق 86
التـــــوبة غري ٌب في الناس ،وهم في وا ٍد وهو في وا ٍد ،وهي تس َّمى طريقة ال َّطير ،يسبق النائ ُم فيها على فراشه ال ُّسعا َة ،فيصبح وقد قطع ال َّر ْك َب ،ب ْينا هو يح ِّد ُثك وإذا به قد َس َب َق الطرف وفا َت ال ُّسعا َة ،فالله المستعان ،وهو خير الغافرين. وهذا الذي حصل له ِمن آثار مح َّب ِة الله له ،وفر ِحه بِتوبة عب ِده ،فإ َّنه سبحانه يحُ ِ ُّب ال َّت َّوابي َن ،و َيفر ُح بتوبتهم أعظ َم َف َر ٍح وأكم َله. فك َّلما طا َل َع العب ُد ِمنَنَه سبحانه عليه قبل ال َّذنب ،وفي حال ُموا َقع ِة ال َّذن ِب، وبعد ال َّذن ِب ،وبِ َّره به ،و ِح ْل َمه عنه ،وإحسا َنه إليه ،هاجت ِمن َقلبِه َلوا ِع ُج مح َّبتِه وال َّشو ِق إلى لقائه ،فإ َّن القلوب مجبولة على حب َمن أح َس َن إليها ،وأ ُّي إحسان أعظم ِمن إحسا ِن َمن يبا ِر ُزه العب ُد بالمعاصي ،وهو َي ُم ُّده بنِ َع ِمه، ويعامله بألطافه ،و ُي ْسبِ ُل عليه َسترْ َه ،ويحفظه من َخ َطفات أعدائه ال ُمتر ِّقبِي َن له أدنى َع ْثر ٍة؛ ينالون منه بها ُب ْغي َتهم ،وير ُّدهم عنه ،ويحَ و ُل بينهم وبينه ،وهو في ذلك كله بِ َع ْينِه يراه و َي َّط ِل ُع عليه. 87
منزلـــــــة الإنـــــــابة فإذا استق َّرت َق َد ُمه في منزل ال َّتوبة نزل َبع َده منز َل الإنابة ،وقد أ َمر به تعالى في كتابه ،وأثنى على خليله بها ،فقال﴿ :ﯜﯝﯞ﴾ [الزمر ،]54 :وقال: ﴿ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ﴾[هود ،]75 :وأخبر أ َّن ثوا َبه وجنَّ َته لأهل الخشي ِة والإنابة ،فقال﴿ :ﰁ ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ ﰍﰎ ﰏﰐﰑﰒﰓ ﰔﰕﰖ ﰗ﴾ [ق.]34-31 : والإنابة إنابتان :إنابة ل ُربوبِ َّيتِه ،وهي إنابة المخلوقا ِت ك ِّلهاَ ،يشت ِر ُك فيها المؤمن والكافر ،والبرَُّ والفاجر ،قال الله تعالى﴿ :ﭑﭒﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗﭘ﴾ [الروم ،]33 :والإنابة الثانية :إنابة أوليائه ،وهي إنابة لإله َّيتِه ،إنابة عبودية ومح َّبة. وهي تتض َّمن أربع َة أمور :مح َّبته ،والخضو َع له ،والإقبا َل عليه ،والإعرا َض عماَّ ِسواه ،فلا يستح ُّق اس َم ال ُمنيب إلاَّ الأربعة ،وتفسي ُر فيه هذه َمن اجتمع ْت ال َّسل ِف لهذه اللفظة يدور على ذلك. وفي ال َّلفظة معنى الإسراع والرجو ِع والتق ُّدم ،فـ(ال ُمنيب) إلى الله :ال ُمس ِرع إلى َم ْرضاتِه ،الراجع إليه ك َّل وقت ،المتق ِّدم إلى محَ ا ِّبه. علامات صدق الإنابة: إذا َص َف ْت له الإناب ُة إلى ر ِّبه تخَ َّلص من الفكرة في َل َّذة ال َّذنب ،وأعاد مكانهَ ا أل ًما وتو ُّج ًعا ل ِذ ْك ِره ،والفكرة فيه ،فما دامت ل َّذ ُة ال ِف ْكر فيه موجود ًة في قلبه فإناب ُته غي ُر صافية. 88
الإنـــــابة فإن قيل :أ ُّي الحا َلينْ ِ أعلى؟ حا ُل َمن يجد ل َّذ َة ال َّذن ِب في قلبه فهو يجاهدها لله ،ويتركها ِمن خوفه ومح َّبتِه وإجلالِه ،أو حا ُل َمن ماتت ل َّذة ال َّذنب في قلبه ،وصار مكانها أل ًما وتو ُّج ًعا وطمأنينة إلى َر ِّبه ،وسكو ًنا إليه ،والتِذا ًذا ب ُح ِّبه ،وتنعّاًُم ب ِذكره؟ قيل :حا ُل هذا أرف ُع وأكمل ،وغاي ُة صاح ِب المجا َهدة :أ ْن يجا ِه َد نف َسه حتى يص َل إلى مقا ِم هذا ومنزلته ،ولكنَّه تالِي ِه في المنزل ِة وال ُق ْرب ،و َمنُو ٌط به. فإن قيل :فأين أ ْج ُر مجاهد ِة صاح ِب ال َّل َّذة ،و َت ْر ِكه محَ ا ِّبه لله ،وإيثا ِره رضا الله على هواه ،وبهذا كان النوع الإنساني أفض َل من النوع ال َم َلك ِّي عند أهل ال ُّسنَّة ،وكانوا خير البرَ َّية ،والمطم ِئ ُّن قد استراح ِمن هذه المجاهدة و ُعوف َي منها ،فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعا ىَف والمبتلىَ . قيل :ال َّنفس لها ثلاث ُة أحوال :الأم ُر بال َّذنب ،ثم ال َّل ْوم عليه والنَّدم منه، ثم الطمأنينة إلى ربهِّ ا والإقبا ُل بك ِّل َّيتِها عليه ،وهذه الحا ُل أعلى أحوالها، وأرفعها ،وهي التي ُي َش ِّمر إليها المجا ِهد ،وما يحصل له من ثواب مجاهدتِه و َصب ِره فهو ل َت ْشمي ِره إلى درجة الطمأنين ِة إلى الله ،فهو بمنزلة راك ِب ال ِقفار والمها ِم ِه(((والأهوا ِل لِ َي ِص َل إلى البيت فيطمئن قل ُبه برؤيته والطوا ِف به. والآخ ُر بمنزل ِة َمن هو مشغو ٌل به طائ ًفا وقائ ًام ،وراك ًعا وساج ًدا ،ليس له التفا ٌت إلى غيره ،فهذا مشغو ٌل بالغاية ،وذاك بالوسيلة ،وك ٌّل له أج ٌر ،ولكن بينْ أ ْج ِر الغايا ِت وأ ْج ِر الوسائل َب ْو ٌن. ) (1أي :المفاوز البعيدة. 89
وما يحصل للمطم ِئ ِّن من الأحوال والعبود َّية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاه ِد نف َسه في ذا ِت الله تعالى -وإن كان أكث َر عم ًال -ف َق ْد ُر عم ِل المطمئ ِّن ال ُمني ِب بجملتِه وكيف َّيتِه أعظ ُم ،وإن كان هذا المجا ِه ُد أكث َر عم ًال ،وذلك فض ُل الله يؤتيه َمن يشاء ،فما َس َبق ال ِّص ِّدي ُق الصحاب َة بكثرة عم ٍل ،وفيهم َمن هو أكثر صيا ًما و َح ًّجا وقراء ًة وصلا ًة منه ،ولكن بأم ٍر آ َخ َر قا َم بقلبه ،حتى إ َّن أفض َل الصحابة كان يسابِ ُقه ولا يراه إلا أمامه. ولكن عبود َّية مجاه ِد نف ِسه على َل َّذة ال َّذنب والشهوة قد تكو ُن أش َّق ،ولا يلزم من مش َّقتِها تفضي ُلها في الدرجة ،فأفض ُل الأعما ِل الإيمان بالله ،والجها ُد أش ُّق منه وهو تالِي ِه في ال َّدرجة . و ِمن علامات الإنابة :تر ُك الاستهانة بأهل الغفلة ،والخو ُف عليهم، مع فتحك با َب الرجاء لنفسك ،فترجو لنفسك الرحمة ،وتخشى على أهل الغفلة النِّقمة ،ولكن ار ُج لهم الرحمة ،واخ َش على نفسك النقمة ،فإن كنت لا بد مستهينًا بهم ماق ًتا لهم ،لانكشاف أحوالهم لك ،ورؤي ِة ما ُهم عليه، فكن لنفسك أش َّد مق ًتا منك لهم ،وكن أرجى لرحمة الله منك لنفسك. قال بعض السلف« :لن َتف َق َه ك َّل ال ِفق ِه ح َّتى تمَ ُق َت الخَ ْل َق في ذات الله ،ث َّم ُت ْقبِل على ن ْف ِس َك فتكون لها أ َش َّد َم ْق ًتا». [ومنها ] :التفتيش عما [يشوب الأعمال] من حظوظ النفس ،وتميي ُز ح ِّق الر ِّب منها ِمن حظ النفس ،ولعل أكثرها أو ك َّلها أن تكون ح ًّظا لنفسك وأنت لا تشعر. 90
الإنـــــابة فلا إله إلا اللهُ ،كم في النفوس ِمن ِع َل ٍل وأغراض ،وحظو ٍظ تمنع الأعما َل أن تكون لله خالصة ،وأن تصل إليه؟ وإن العبد ل َيع َم ُل العمل حيث لا يراه بش ٌر ال َب َّتة ،وهو غير خالص لله ،ويعمل العم َل والعيون قد استدارت عليه نطا ًقا ،وهو خالص لوجه الله ،ولا يم ِّي ُز هذا من هذا إلا أه ُل البصائر ،وأط َّبا ُء القلوب العالمِون بأدوائها و ِع َل ِلها. فبين العمل وبينْ القلب مسافة ،وفي تلك المسافة ُق َّطاع تمنع وصول العمل إلى القلب ،فيكون الرجل كثي َر العمل ،وما و َصل منه إلى قلبه مح َّب ٌة ولا خوف ولا رجاء ،ولا زهد في الدنيا ولا رغب ٌة في الآ ِخرة ،ولا نور ُي َف ِّرق به بين أولياء الله وأعدائه ،وبين الحق والباطل ،ولا ق َّو ٌة في أمره؛ فلو وصل أث ُر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ،ورأى الحق والباطل ،وم َّيز بين أولياء الله وأعدا ِئه، وأوجب له ذلك المزي َد من الأحوال. ثم بين القلب وبينْ الرب مسافة ،وعليها ُق َّطاع تمنع وصول العمل إليهِ ،من ِكبرْ ٍ وإعجاب وإدلال ،ورؤية العمل ،ونسيا ِن المِنَّة ،و ِع َل ٍل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب ،ومن رحمة الله تعالى ست ُرها على أكثر العماَّ ل؛ إ ْذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها ،من اليأس والقنوط والاستحسار، وتر ِك العمل ،وخمود العزم ،و ُفتو ِر اله َّمة. 91
منزلـــــــ ُةالتذ ُّكـــــــر ثم َين ِزل القل ُب منزل َة التذ ُّكر ،وهو قرين الإنابة؛ قال تعالى﴿ :ﮬﮭ ﮮ ﮯﮰ﴾ [غافر.]13: وهو ِمن َخوا ِّص ُأولي الألباب؛ كما قال تعالى﴿ :ﭒﭓ ﭔﭕﭖﭗ ﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞﭟ ﭠﭡ﴾ [الرعد.]19: والتذ ُّكروالتف ُّكرمنزلان ُيثمرانأنوا َعالمعارف،وحقائ َقالإيما ِنوالإحسان، فالعارف لا يزال يعود بتف ُّكره على تذ ُّكره ،وبتذ ُّكره على تف ُّكره ،حتى يفت َح ُقفل قلبه بإذن الفتاح العليم. قال الحسن البصري « :ما زال أه ُل العل ِم يعودون بالتذ ُّكر على التف ُّكر، وبالتف ُّكر على التذ ُّكر ،و ُيناطِقون القلو َب حتى نطقت». فمنزلة التذ ُّكر من التف ُّكر منزل ُة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه ،ولهذا كانت آيـا ُت الله المتل َّو ُة والمشـهود ُة ِذكرى؛ كما قال في المتل َّوة: ﴿ﭽﭾﭿ ﮀﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆ ﮇﮈ ﮉ﴾ [غافر ،]54-53:وقال تعالى في آياته المشهودة ﴿ :ﭑﭒﭓﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ﴾ [ق.]37-36: والناس ثلاث ٌة :رج ٌل قل ُبه ميت ،فذلك الذي لا قلب له ،فهذا ليست هذه الآي ُة ِذكرى في ح ِّقه. 92
التذكــــــر الثاني :رج ٌل له قلب َح ٌّي مستع ٌّد ،لكنه غي ُر مستمع للآيات المت ُل َّوة ،التي يخُ بر بها الله عن الآيات المشهودة؛ إ َّما لعدم ورو ِدها ،أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغو ٌل عنها بغيرها ،فهو غائب القلب ،ليس حاض ًرا ،فهذا أي ًضا لا تح ُص ُل له ال ِّذكرى ،مع استعداده ووجود قلبه. والثالث :رج ٌل َح ُّي القلب مستع ٌّدُ ،تل َي ْت عليه الآيا ُت ،فأصغى بسمعه، وأحضرَ قلبه ،ولم َيش َغ ْله بغير َفهم ما يسمعه ،فهو شاهد القلبُ ،مل ٍق السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المت ُل َّوة والمشهودة. فالأول :بمنزلة الأعمى الذي لا ُيبصر. والثاني :بمنزلة البصير الطا ِم ِح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه .ف ِكلاهما لا يراه. والثالث :بمنزلة البصير الذي قد َح َّدق إلى جهة المنظور إليه ،وأ ْت َبعه بص َره ،وقاب َله على تو ُّسط من ال ُبعد والقرب ،فهذا هو الذي يراه. فسبحان َمن َجعل كلامه شفا ًء لمِا في الصدور! وسائل اكتساب ثمرة التفكر: قال[الهروي ]« :وإ َّنما تجُ َتنى ثمر ُة ال ِفكر ِة بثلاث ِة أشيا َء :ب ِقصرَ ِ الأ َم ِل، وال َّتأ ُّم ِل في ال ُقرآ ِن ،و ِق َّل ِة الخُ ْل َطة وال َّت َمنِّي وال َّت َع ُّل ِق ب َغي ِر اللهِ وال ِّش َب ِع وال َمنا ِم». فأمَّ�ا ِقَص رَ ُ� الأمل :فهو ال ِعلم ب ُقرب الرحيل ،وسرع� ِة انقضاء م َّدة الحياة، 93
وهو من أنفع الأمور للقلب؛ فإنه يبعثه على مغافصة الأيام((( ،وانتهاز الفرص التي تمَ ُ ُّر َم َّر السحاب ،ومبادرة َط ِّي صحائف الأعمال ،ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ،ويحَ ُّثه على قضاء جهاز سفره ،وتدارك الفارط ،ويز ِّهده في الدنيا، وير ِّغب�ه في الآخرة؛ فيقوم بقلب�ه -إذا داوم مطالعة قصر الأمل -ش�اه ٌد من شواهد اليقينُ ،يريه فنا َء الدنيا ،وسرع َة انقضائها ،وق َّلة ما بق َي منها ،وأنها قد تر َّح َل ْت ُم ْدبِر ًة ،ولم يب َق منها إلا ُصباب ٌة كصبابة الإناء َيتصابهُّ ا صاح ُبها ،وأنها لم يبق منها إلا كما بق َي من يوم صارت شم ُسه على رؤوس الجبال. و ُيريه بقا َء الآخرة ودوا َمها ،وأنها قد تر َّحلت ُم ْقبِل ًة ،وقد جاء أشراطها وأعلا ُمها ،وأنه ِمن لقائها كمسافر خرج صاح ٌب له يت َّلقاه ،فك ٌّل منهما يسير إلى الآ َخر ،فيوشك أن يلتقيا سري ًعا. ويكفي في ِقصرَ الأمل قوله تعالى﴿ :ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ ﰈ ﰉﰊﭑﭒﭓﭔﭕ ﭖ﴾ [الشعراء ،]207 -205 :وقوله تعالى: ﴿ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ﴾[يونس ،]45:و َخ َط َب النب ُّي ﷺ يو ًما أصحابه والشم ُس على رؤوس الجبال ،فقال« :إ َّنه لمْ َيب َق ِم َن ال ُّد ْنيا فيما َمضى منها إلاَّ كما َبق َي ِمن َيو ِم ُكم هذا فيما َمضى منه»(((. و ِقصرَ ُ الأمل بِناؤه على أمرين :تي ُّقن زوا ِل الدنيا ومفارقتِها ،وتي ُّقن لقا ِء الآخرة وبقا ِئها ودوامها ،ثم ُيقا ِي ُس بين الأمرين وي ْؤثِر أولاهما بالإيثار. ( )1الأخذ على غرة ،والمراد مسابقتها وانتهاز فرص الطاعات. ) (2أخرجه الترمذي ( ،)2191وقال :حديث حسن. 94
التذكــــــر وأ َّما التأ ُّمل في القرآن :فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه ،وج ْم ُع ال ِف ْكر على تد ُّبره وتع ُّق ِله ،وهو المقصود بإنزاله ،لا مج َّرد تلاوته بلا تف ُّه ٍم ولا تد ُّبر. قال الله تعالى﴿ :ﭲﭳ ﭴﭵ ﭶﭷﭸﭹ ﭺ﴾ [ص ،]29:فليس شي ٌء أنف َع للعبد في معاشه ومعا ِده ،وأقر َب إلى نجاتهِ ،من تد ُّبر القرآن ،وإطال ِة التأ ُّمل فيه ،وج ْم ِع ال ِف ْكر على معاني آياته؛ فإنها ُتط ِلع العب َد على معالم الخير والش ِّر بحذافيرهما ،وعلى طرقاتهما وأسبابهِ ما ،وغاياتهِ ما وثمراتهما، و ُتث ِّبت قواع َد الإيمان في قلبه ،و ُتش ِّيد بنيانه ،و ُتو ِّط ُد أركا َنه ،و ُتريه صورة وهالمآواخقر َةع،الو ِعابرَلجنَِّ ،ةو ُتوالشن ِها ُردهفيعقدلَبلها،للهوتحُوضرفِ ْ ُض َلههب،ينو ُتالع ِّأرمُفهم،ذاتوتهريوأه أسَّيماا َمَءهاللوه فيصفهاتِمه، ال ُّدنيا و ُتبصرِّ وأفعا َله ،وما يحُ ُّبه وما ُيبغضه ،وصرا َطه الموصل إليه ،وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ،وقواط َع الطريق وآفاتهِ ا ،و ُتع ِّرفه النَّ ْف َس وصفاتهِ ا ،ومفسدا ِت الأعمال ومص ِّححاتهِ ا ،وتع ِّرفه طري َق أهل الجنَّ ِة وأه ِل النار وأعمالهَ م ،وأحوالهم، و ِسيماهم ،ومرات َب أهل السعادة وأهل الشقاوة ،وأقسا َم الخ ْلق واجتما َعهم فيما يجتمعون فيه ،وافترا َقهم فيما َيفت ِرقون فيه. وبالجملةُ :تع ِّرفه الر َّب المدع َو إليه ،وطري َق الوصول إليه ،وما له من الكرامة إذا َق ِدم عليه. و ُتع ِّرفه في مقابل ذلك ثلاث ًة أخرى :ما يدعو إليه الشيطان ،والطريق الموصل َة إليه ،وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذا ِب بعد الوصول إليه. فهذه س َّت ُة أمور ضروري ٌة للعبد معرفتها ،ومشاهدتها ومطالعتها ،ف ُتشهده 95
الآخرة حتى كأنه فيها ،و ُتغ ِّيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها ،وتمُ ِّيز له بين الحق والباط ِل في كل ما اخ َتلف فيه العالمَ ،فترُ يه الحق ح ًّقا ،والباط َل باط ًال، وتعطيه فرقا ًنا ونو ًرا يف ِّرق به بين الهدى والضلال ،وال َغ ِّي والرشاد ،وتعطيه قوة في قلبه ،وحيا ًة و َس َع ًة وانشرا ًحا ،وبهجة وسرو ًرا؛ فيصير في شأن والنا ُس في شأ ٍن آ َخ َر. فلا تزا ُل معانيه ُتنهض العب َد إلى ر ِّبه بالوعد الجميل ،وتح ِّذره وتخ ِّوفه بوعيده من العذاب الوبيل ،وتحَ ُ ُّثه على ال َّتض ُّم ِر وال َّتخ ُّف ِف ل ِلقاء اليوم ال َّثقيل، وتهَ ديه في ُظ َلم الآراء والمذاه ِب إلى سواء ال َّسبيل ،وت ُص ُّده عن اقتحام ُط ُر ِق البِ َدع والأضاليل ،و َتبع ُثه على الازدياد ِمن النِّ َعم بشكر ر ِّبه الجليل ،و ُتبصرِّ ه بحدود الحلال والحرام ،و َت ِق ُفه عليها؛ لئلاَّ يتع َّداها فيق َع في العناء ال َّطويل. و ُتث ِّبت قلبه عن ال َّزيغ وال َمي ِل عن الح ِّق وال َّتحويل ،و ُتس ِّهل عليه الأمو َر ال ِّصعا َب والعقبا ِت ال َّشا َّق َة غاي َة ال َّتسهيل ،وتناديه ك َّلما فتر ْت ع َزما ُته وونى في َسي ِره :تق َّد َم الرك ُب وفا َتك ال َّدليل ،فال َّلحا َق ال َّلحا َق ،وال َّرحي َل ال َّرحي َل. عليه كمي ٌن من كمائن به وتسير أمامه َسيرْ َ ال َّدليل ،وك َّلما خرج وتحَ ْدو فاعت ِصم بالله ،واستعن قاط ٌع من ُق َّطاع ال َّطريق ناد ْته :الحذ َر الحذ َر! العد ِّو ،أو به ،وقل :حسبي الله ونِ ْع َم الوكيل. وأ َّما مفسدا ُت القلب الخمس ُة فهي ا َّلتي أشار إليها :من كثرة الخلطة، وال َّتمنِّي ،وال َّتع ُّلق بغير الله ،وال ِّش َبع ،والمنام. فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب. 96
التذكــــــر اولحِ ِّص[قوَّح]وتِنهَهاْعوِجلعهم،زمأوهَّآن،فااولقتسللالانبمف ِةيسسسي ُمرواِعإلهلعىومبالللصه،روهواق،ل ََّّطدواا َِغرعيباا ِلةلاآطلرَّخيشروقةا،،غبنوليوركواهلشقووافحيطاتععهنعونقطه َّو.رتِيهق، وهذه الخمسة ُتطفئ نو َره ،وتغور عين بصيرته ،و ُتثقل سمعه ،إ ْن لم ُت ِصمه و ُت ْب ِكمه و ُتض ِعف ُقواه ك َّلها ،وتوهن ص َّح َته ،و ُت َفترِّ ُ عزيمته ،وتوقف ه َّم َته، وتنكسه إلى ورائه ،و َمن لا شعور له بهذا فميت القلب: وما لجِ ُر ٍح ب َم ِّي ٍت إيلا ُم. فهي عائق ٌة له عن َني ِل كماله ،قاطع ٌة له عن الوصول إلى ما ُخ ِلق له ،و ُج ِعل نعي ُمه وسعادته وابتها ُجه ول َّذ ُته في الوصول إليه؛ فإ َّنه لا نعيم له ولا َل َّذ َة، ولا ابتهاج ،ولا كما َل ،إلا بمعرفة الله ومح َّبتِه ،والطمأنين ِة ب ِذكره ،والفر ِح والابتهاج ب ُقربه ،وال َّشو ِق إلى لقائه؛ فهذه جنَّ ُته العاجلة ،كما أ َّنه لا نعيم له في الآخرة ،ولا فو َز إلا بجواره في دار النَّعي ِم في الجنَّة الآجلة ،فله جنَّتان ،لا َيد ُخ ُل الثاني َة منهما إن لم يدخ ِل الأُولى. يقول« :إ َّن في الدنيا جن ًة َمن لم وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة َيد ُخ ْلها لم يدخل جنَّ َة الآخرة». وقال بعض العارفين« :إنه ل َي ُم ُّر بالقلب أوقات أقول :إن كان أه ُل الجنَّ ِة في ِمثل هذا ،إنهَّ م لفي عي ٍش ط ِّيب». وقال بعض المح ِّبين« :مساكي ُن أهل الدنيا ،خ َرجوا من ال ُّدنيا وما ذاقوا 97
أطي َب ما فيها ،قالوا :وما أطي ُب ما فيها؟ قال :محَ َّب ُة الله ،والأُن ُس به ،وال َّشو ُق إلى لقائه ،والإقبا ُل عليه ،والإعراض عماَّ ِسواه» ،أو نحو هذا من الكلام. وك ُّل َمن له قلب َح ٌّي َيش َهد هذا و َيع ِرفه ذو ًقا. وهذه الأشياء الخمسة :قاطع ٌة عن هذا ،حائل ٌة بين القلب وب ْينه ،عائق ٌة له عن َسيره ،محُ ِدث ٌة له أمرا ًضا وعل اًل إ ْن لم يتدا َر ْكها المري ُض ِخي َف عليه منها. فأ َّما ما ت َؤ ِّثره كثر ُة الخلطة :فامتلاء القلب من ُد َخان أنفاس بني آد َم حتى َي ْسو َّد ،ويوجب له تشت ًتا وتف ُّر ًقا ،وه ًّما وغماًّ ،و َضع ًفا ،وحمَ ْ ًال لمِا َيع ِجز عن حمله من مؤنة ُقرناء ال ُّسوء ،وإضاع ِة مصال ِحه ،والاشتغال عنها بهِ ِم وبأمورهم، وتقسيم فِكره في أودية مطالبهم وإراداتهم؛ فماذا يبقى منه لله وال َّدا ِر الآخرة؟! هذا ،وكم جلب ْت خلط ُة الناس من نِقمة ،ودفعت من نعمة ،وأنزلت من محنة ،وع َّطل ْت من ِمنحة ،وأح َّلت من َرز َّية ،وأوقعت في بلية؟! وهل آف ُة النَّا ِس إلاَّ النا ُس؟ وهل كان علىَ أبي طالب عند الوفاة أض ُّر من ُقرناء ال ُّسوء؟ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحد ٍة تو ِجب له سعاد َة الأبد. وهذه الخلطة ا َّلتي تكون على نوع مو َّد ٍة في الدنيا ،وقضا ِء َو َط ِر بع ِضهم من بعض ،تنقلب -إذا َح َّق ِت الحقائق -عداو ًةَ ،ي َع ُّض المخالِ ُط عليها يديه ند ًما، كما قال تعالى﴿ :ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥﮦ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ ﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔ 98
التذكــــــر ﯕ ﯖﯗ﴾ [الفرقان.]29-27: وقال تعالى﴿ :ﮜﮝ ﮞﮟﮠﮡﮢ﴾ [ال ُّزخ ُرف.]67: وال َّضابط ال َّناف ُع في أ ْمر الخلطة :أن يخالط النَّا َس في الخير -كالجمعة والجماعات ،والأعيا ِد والح ِّج ،وتعليم ال ِعلم ،والجها ِد ،والنَّصيحة -و َيعتزلهَ م في الشرَِّّ ،وفضو ِل المباحات ،فإذا دع ِت الحاجة إلى ُخلطتِهم في الشرَِّّ ،ولم ُيم ِكنْه اعتزالهُ م فالحذ َر الحذ َر أن ُيوافِ َقهم ،و ْل َيصبرِ ْ على أذاهم ،فإنهَّ م لا ب َّد أن يؤذوه إن لم يكن له ق َّو ٌة ولا ناصر ،ولكن أ ًذى َيع ُقبه ِع ٌّز ومحب ٌة له وتعظيم، وثنا ٌء عليه منهم ومن المؤمنين ،ومن ر ِّب العالمَين ،وموافق ُتهم يعقبها ُذ ٌّل وبغ ٌض له ،و َم ْق ٌت ،وذ ٌّم منهم ومن المؤمنين ،و ِمن ر ِّب العالمَين. فال َّصب ُر على أذا ُهم خي ٌر وأح َس ُن عاقب ًة ،وأحم ُد مآ اًل ،وإن دع ِت الحاج ُة إلى ُخلطتِهم في فضول المباحات ،فليجت ِه ْد أن َيق ِلب ذلك المجل َس طاع ًة لله إن أمكنه ،و ُيش ِّجع ن ْف َسه ويق ِّوي قلبه ،ولا َيلت ِف ْت إلى الوارد ال َّشيطان ِّي القاط ِع له عن ذلك ،بأ َّن هذا ريا ٌء ومحب ٌة لإظهار ِعلمك وحالك ،ونحو ذلك، فل ُيحا ِربه ،وليستع ْن بالله ،ويؤ ِّثر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن ع َّجز ْته المقادي ُر عن ذلك ،ف ْل َي ُس َّل قلبه من بينهم ك َس ِّل ال َّش َعر ِة من العجين ،وليك ْن فيهم حاض ًرا غائ ًبا ،قري ًبا بعي ًدا ،نائ ًام يقظا ًنا؛ َينظر إليهم ولا ُيبصرِ هم ،ويسمع كلامهم ولا َيعيه؛ لأ َّنه قد أخذ قل َبه ِمن ب ْينهم ،و َر َقى به إلى المل ِأ الأعلى ،يسبح حو َل العرش مع الأرواح ال ُع ْلو َّي ِة ال َّزك َّية. 99
وما أصع َب هذا وأش َّقه على النُّفوس! وإ َّنه َليسي ٌر على َمن يسرَّ ه الله عليه؛ فبينْ العبد وب ْينه أ ْن َيص ُدق اللهَ ،و ُيدي َم اللجأ إليه ،و ُيلقي ن ْف َسه على بابه طري ًحا ذلي ًال ،ولا يعين على هذا إلا ال َمح َّب ُة الصادقة ،وال ِّذك ُر الدائم بالقلب وال ِّلسان، وتجنُّ ُب المفسدات الأرب ِع الباقي ِة الآتي ِذك ُرها ،ولا ينال هذا إلا ب ُع َّد ٍة صالحة، وما َّد ِة قوة من الله ،وعزيم ٍة صادقة ،وفرا ٍغ من التع ُّلق بغير الله. المفسد ال َّثاني من مفسدات القلب :ركو ُبه بح َر ال َّتمنِّي :وهو بح ٌر لا ساحل له ،وهو البحر ا َّلذي يركبه مفالي ُس العالمَ ،كما قيل :إ َّن ال ُمنى رأ ُس أموال المفاليس ،وبضاع ُة ُر َّكابِه مواعي ُد الشياطين ،وخيالات المحال والبهتان ،فلا تزال أموا ُج الأماني الكاذبة ،والخيالا ِت الباطلة ،تتلاعب براكبِه كما ُيتلا َعب بالجيفة ،وهي بضاع ُة ك ِّل ن ْف ٍس َمهين ٍة َخسيسة ُس ْفل َّية ،ليست لها همَِّ ٌة َتنال بها الحقائ َق الخارجية ،فاعتاضت عنها بالأماني ال ِّذهنية ،ف ُيم ِّثل ال ُمتمنِّي صور ًة مطلوب ًة في ن ْفسه وقد فاز بوصولها ،وال َت َّذ بال َّظ َفر بها ،فب ْينا هو على هذه الحال إذ ا ْستيقظ فإذا ي ُده والحصير. وصاحب اله َّم ِة ال َعل َّي ِة أمانيه حائم ٌة حول العلم والإيمان ،والعم ِل الذي يق ِّربه من ر ِّبه ،و ُيدنيه ِمن ِجواره. فأماني هذا إيما ٌن ونور ،وأماني أولئك خدع وغرور. وقد مدح النَّب ُّي ﷺ متمنِّي الخير ،ور َّبما َج َعل أ ْج َره في بعض الأشياء كأجر فاعله ،كالقائل :لو أ َّن لي ما اًل لع ِم ْل ُت بعم ِل ُفلا ٍن -ا َّلذي ي َّتقي في مالِه ر َّبه، 100
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286