Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Published by ahmad.fbing, 2022-04-01 19:46:44

Description: الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Search

Read the Text Version

‫التـــــوبة‬ ‫وبينه‪ ،‬وأنت تعلم أ َّن العد َّو س َي ُسو ُمه سو َء العذاب‪ ،‬ويع ِّرضه لأنواع‬ ‫الهلاك‪ ،‬وأنت أ ْولىَ به منه‪ ،‬وهو َغر ُسك وتربيتك‪ ،‬ثم إ َّنه انفلت من عدوه‪،‬‬ ‫ووافاك على غير ميعاد‪ ،‬فلم َي ْف َج ْأك إلا وهو على بابك‪ ،‬يتم َّلقك ويتر َّضاك‬ ‫ويستعتبك‪ ،‬و ُي َم ِّرغ خ َّد ْيه على تراب أعتابك‪ ،‬فكيف يكون فر ُحك به وقد‬ ‫اخ َتصص َته لنفسك‪ ،‬ورضي َته ل ُق ْربك‪ ،‬وآثر َته على ِسواه؟!‬ ‫هذا ولس َت الذي أوجد َته وخلق َته‪ ،‬وأسبغت عليه نِ َع َمك‪ ،‬والله‬ ‫هو الذي أوج َد عبده‪ ،‬وخ َلقه وك َّو َنه‪ ،‬وأسبغ عليه نِ َع َمه‪ ،‬وهو يح ُّب أن‬ ‫ُيتِ َّمها عليه‪ ،‬فيصير ُمظ ِه ًرا لنعمه‪ ،‬قاب ًال لها‪ ،‬شاك ًرا لها‪ ،‬محُ ًّبا ل َول ِّيها‪ُ ،‬مطي ًعا‬ ‫له عاب ًدا له‪ُ ،‬معاد ًيا لعد ِّوه‪ُ ،‬م ْب ِغ ًضا له عاص ًيا له‪ ،‬والله تعالى يحب من عبده‬ ‫معادا َة عد ِّوه‪ ،‬ومعصي َته ومخالف َته‪ ،‬كما يح ُّب أن يوال َيه سبحانه ويطي َعه‬ ‫و َيع ُبده‪ ،‬فتنضاف مح َّبته لعبادته وطاعته والإنابة إليه إلى مح َّبته لعداوة عد ِّوه‪،‬‬ ‫ومعصيته ومخالفته‪ ،‬فتشت ُّد المح َّبة منه سبحانه‪ ،‬مع حصول محبوبه‪ ،‬وهذا‬ ‫حقيقة الفرح‪.‬‬ ‫النظر [الرابع](((‪ :‬النظر إلى مح ِّل الجناية ومصد ِرها‪ ،‬وهو ال َّنفس الأ َّمارة‬ ‫بالسوء‪ ،‬ويفيده نظ ُره إليها أمو ًرا‪:‬‬ ‫منها‪ :‬أ ْن يعرف أنهَّ ا جاهلة ظالمة‪ ،‬وأ َّن الجهل والظلم يصدر عنهما ك ُّل‬ ‫قو ٍل وعمل قبيح‪ ،‬و َمن ِص َف ُته الجه ُل والظل ُم لا َم ْط َم َع في استقامته واعتداله‬ ‫الب َّتة‪ ،‬فيو ِجب له ذلك بذ َل الجهد في العلم النافع الذي يخُ ْ ِرجها به عن‬ ‫((( لصاحبالبصيرةإذاصدرتمنهالخطيئة‪.‬‬ ‫‪51‬‬

‫وصف الجهل‪ ،‬والعم ِل الصالح الذي يخُ ْ ِرجها به عن َو ْصف ال ُّظلم‪ ،‬ومع‬ ‫هذا فجه ُلها أكثر من ِع ْلمها‪ ،‬و ُظلمها أعظم من َع ْدلها‪.‬‬ ‫فحقي ٌق بِ َمن هذا شأ ُنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن َي ِق َيه شرََّ ها‪ ،‬وأ ْن‬ ‫يؤتيها تقواها و ُي َز ِّك َيها‪ ،‬فهو خي ُر َمن َز َّكاها‪ ،‬فإنه ول ُّيها و َمولاها‪ ،‬وأن لا َي ِك َله‬ ‫إليها طرف َة عي ٍن‪ ،‬فإ َّنه إن َو َك َله إليها هلك‪ ،‬فما هلك َمن هلك إلا حيث ُو ِك َل‬ ‫إلى نفسه‪ ،‬وقال النبي ﷺ ل ُح َصينْ ِ ‪ ‬بن [عبيد] ‪ُ « :‬ق ِل‪ :‬الله َّم أل ِه ْمني ُر ْشدي‪،‬‬ ‫و ِقنِي رََّش َن ْفسي»(((‪ ،‬ف َمن ع َرف حقيقة نفسه وما ُطبِ َعت عليه َع ِل َم أنها منبع‬ ‫كل ش ٍّر‪ ،‬ومأوى ك ِّل سوء‪ ،‬وأ َّن كل خير فيها ففض ٌل ِمن الله َم َّن به عليها‪ ،‬لم‬ ‫يكن منها‪ ،‬كما قال تعالى‪﴿ :‬ﭣﭤ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ﴾‬ ‫[النور‪.]21 :‬‬ ‫ومنها‪ :‬أ َّن َمن له بصير ٌة بنفسه‪ ،‬وبصير ٌة بحقوق الله تعالى‪ ،‬وهو صاد ٌق في‬ ‫َط َلبِه‪ ،‬لم ُي ْب ِق له نظ ُره في سيئاته حسن ًة الب َّتة‪ ،‬فلا َي ْل َقى الله تعالى إلا بالإفلاس‬ ‫اأنلهََّم اْحلا تض‪،‬صلوالحفلقل ِهر‪،‬الصورّأِ َّنْتل ِف؛ك اللأبَّنهضإاذاعةف َّتلا ُتش ْشترعَ َنىعيبهوا البن نجفا ُةس ِهم ونععيذواب ِهب‪ ،‬فعمضل ًاهل َععِلمن‬ ‫الفوز بعظيم ثوابه‪ ،‬فإن َخ َل َص له عم ٌل وحا ٌل مع الله‪ ،‬و َص َفا له معه وق ٌت؛‬ ‫فشهاوَهددائِماً َّنمـ َُمة الشلاه ِهعٌدلليمِنَّه ِبةهال‪،‬لهومعجلَّريده‪،‬فولض ِلعيه‪،‬ووأبَّن نه ْفليسهسومعنمنلفه؛سهل‪،‬أ َّنوهلماتهىيَتأ َطهَّلبٌلهلاذرلآهاك‪،،‬‬ ‫وهذا من أ َج ِّل أنواع المعارف وأنف ِعها للعبد‪ ،‬ولذلك كان س ِّيد الاستغفار‪:‬‬ ‫((( أخرجة الترمذي (‪ ،)3483‬وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (‪.)2476‬‬ ‫‪52‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫«الله َّم أن َت َر ِّيب‪ ،‬لا إل َه إلاَّ أن َت‪َ ،‬خ َل ْق َتني‪ ،‬وأنا َع ْب ُد َك‪ ،‬وأنا على َع ْه ِد َك‬ ‫و َو ْع ِد َك ما اس َت َط ْع ُت‪ ،‬أ ُعو ُذ ب َك ِم ْن رَِّش ما َصنَ ْع ُت‪ ،‬أبُو ُء ل َك بنِع َمتِ َك ع يََّل‪،‬‬ ‫وأ ُبو ُء ب َذ ْنبي‪ ،‬فاغ ِف ْر لي‪ ،‬إ َّنه لا َيغ ِف ُر ال ُّذ ُنو َب إلاَّ أن َت»(((‪.‬‬ ‫فتض َّمن هذا الاستغفا ُر الاعترا َف من العبد ب ُر ُبوبِ َّيتِه‪ ،‬وإله َّيته وتوحيده‪،‬‬ ‫والاعترا َف بأ َّنه خال ُقه‪ ،‬العالِـم به؛ إذ أنشأه نشأ ًة تستل ِزم َع ْج َزه عن أداء‬ ‫ح ِّقه‪ ،‬وتقصيره فيه‪ ،‬والاعترا َف بأ َّنه عب ُده الذي َنا ِص َي ُته بيده وفي قبضته‪ ،‬لا‬ ‫َم ْه َر َب له منه‪ ،‬ولا َوليَِّ له سواه‪ ،‬ثم التزام ال ُّدخول تحت عهده ‪-‬وهو أ ْم ُره‬ ‫ونهَ ْ ُيه‪ -‬الذي َع ِه َده إليه على لسان رسوله‪ ،‬وأ َّن ذلك بح َسب استطاعتي‪،‬‬ ‫لا بح َسب أداء َح ِّقك؛ فإ َّنه غير مقدور للبشر‪ ،‬وإنما هو ُج ْهد ال ُم ِق ِّل‪ ،‬و َق ْدر‬ ‫الطاقة‪ ،‬ومع ذلك فأنا ُمص ِّدق بوعدك الذي وعد َته لأهل طاعتك بالثواب‪،‬‬ ‫ولأهل معصيتك بالعقاب‪ ،‬فأنا ُم ِقي ٌم على عهدك‪ ،‬و ُم َص ِّد ٌق بوعدك‪ ،‬ثم‬ ‫الاستعاذة والاعتصام بك ِمن ش ِّر ما َف َّر ْط ُت فيه من أ ْم ِرك ونهَ ْ ِيك‪ ،‬فإ َّنك إن لم‬ ‫ُُأت ِقِعُّرْذلني ِكمنوألشت ِّرزهم‪،‬بنِوإعلماتأحكاعطل َّيت‪،‬بيو ُأا ِقل ُّهر َل َوكأُةل‪،‬تفزإم َّنبإَذنبضايع؛ةفمحنِّقكك‬ ‫سب ُب الهلاك‪ ،‬وأنا‬ ‫النِّعمة والإحسا ُن‬ ‫والفضل‪ ،‬ومنِّي ال َّذن ُب والإساءة‪ ،‬فأسألك أن تغفر لي بِ َم ْح ِو ذنبي‪ ،‬وأ ْن‬ ‫َت ِق َيني ِمن شرَِّ ه‪ ،‬إ َّنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‪.‬‬ ‫فلهذاكانهذاال ُّدعاءس ِّي َدالاستغفار؛إ ْذهو ُمتض ِّمنل َم ْحضالعبود َّية‪،‬فأ ُّي‬ ‫حسنة تبقى للبصير ال َّصادق مع ُمشا َهدتِه عيو َب نف ِسه وعم ِله و ِمنَّ َة الله عليه؟‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪.)6306‬‬ ‫‪53‬‬

‫النظر [الخامس]‪ :‬نظ ُره إلى الآ ِمر له بالمعصية‪ ،‬ال ُم َز ِّين له فِع َلها‪ ،‬الحا ِّض له‬ ‫عليها‪ ،‬وهو شيطانه ال ُم َو َّكل به‪.‬‬ ‫ف ُي ِفيده النظ ُر إليه وملاحظ ُته اتخا َذه ع ُد ًّوا‪ ،‬وكما َل الاحتراز منه‪ ،‬والتح ُّف َظ‬ ‫واليقظ َة‪ ،‬والانتبا َه لمَِا يريده منه عد ُّوه وهو لا يشعر‪ ،‬فإ َّنه يريد أن يظفر به‬ ‫في َع َقب ٍة من سبع عقبات؛ بع ُضها أصعب من بعض‪ ،‬لا ينزل منه من العقبة‬ ‫الشا َّقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها‪:‬‬ ‫العقبة الأولى‪ :‬عقبة ال ُكفر بالله وب ِدينه ولقائه‪ ،‬وصفا ِت كماله‪ ،‬وما أخبرَ َ ْت‬ ‫به رس ُله عنه‪ ،‬فإ َّنه إن َظ ِف َر به في هذه العقبة َب َر َد ْت نا ُر عداوته‪ ،‬واستراح معه‪،‬‬ ‫فإن اقتحم هذه العقب َة ونجا منها ببصيرة الهداية‪ ،‬و َس ِل َم معه نو ُر الإيمان؛‬ ‫طل َبه على‪:‬‬ ‫العقبة الثانية‪ :‬وهي عقبة البِ ْدعة‪ ،‬إ َّما باعتقا ِد خلا ِف الح ِّق الذي أرسل اللهُ‬ ‫به رسو َله‪ ،‬وأنزل به كتا َبه‪ ،‬وإ َّما بالتع ُّبد بما لم ي ْأ َذ ْن به من الأوضا ِع وال ُّرسوم‬ ‫ال ُم ْح َدثة في ال ِّدين‪ ،‬التي لا َيق َب ُل الله منها شي ًئا‪.‬‬ ‫العقبة الثالثة‪ :‬وهي َع َقب ُة الكبائر‪ ،‬فإ ْن َظ ِفر به فيها َز َّينَها له‪ ،‬و َح َّسنها في‬ ‫عينه‪ ،‬و َس َّوف به‪ ،‬وفتح له باب الإرجاء‪.‬‬ ‫فإ ْن َق َط َع هذه العقب َة ب ِع ْصم ٍة ِمن الله‪ ،‬أو بتوب ٍة َن ُصو ٍح ُتنْ ِجيه‪ ،‬طل َبه على‪:‬‬ ‫العقبة ال َّرابعة‪ :‬وهي عقبة ال َّصغائر‪ ،‬ف َكا َل له منها بال َق َف َزان‪ ،‬قال‪ :‬ما عليك‬ ‫إذا اجتنب َت الكبائر ما َغ ِشي َت ِم َن ال َّل َم ِم‪ ،‬أ َوما ع ِلم َت بأنهَّ ا ُت َك َّفر باجتناب‬ ‫‪54‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫املركتباِكئرُبوابلالكبحيرسنةاالتخا؟ئ ُوفلااليَوزاِج ُلل هُاَيلِّوناند ُمعأليحه أسم ََنرهاحا اًلحتمنىهُي؛صرِفَّإ َّنعالليإهاص‪،‬رافيركعولنى‬ ‫ال َّذنب أقبح منه‪ ،‬ولا كبير َة مع ال َّتوبة والاستغفار‪ ،‬ولا صغيرة مع الإصرار‪،‬‬ ‫وقد قال ﷺ‪« :‬إ َّيا ُك ْم ومحُ َ َّقرا ِت ال ُّذ ُنو ِب»‪ُ ،‬ث َّم ضرَ َ َب لذل َك َم َث اًل ب َق ْو ٍم « َن َز ُلوا‬ ‫ب َفلا ٍة ِم َن الأر ِض‪ ،‬فأ ْع َو َز ُه ُم ال َح َط ُب‪ ،‬ف َج َع َل جَيِي ُء هذا بِ ُعو ٍد‪ ،‬وهذا ب ُعو ٍد‪،‬‬ ‫ح َّتى جمَ َ ُعوا َح َط ًبا كثي ًرا‪ ،‬فأ ْو َق ُدو ُه نا ًرا‪ ،‬وأن َض ُجوا ُخ ْب َز هَ ُت ْم‪ ،‬فكذل َك َش ْأ ُن‬ ‫محُ َ َّقرا ِت ال ُّذ ُنو ِب؛ تجَ َت ِم ُع على ال َعب ِد و َيس َتهي ُن بش ْأ ِهنا ح َّتى ُه ْتلِ َكه»(((‪.‬‬ ‫العقبة الخامسة‪ :‬وهي عقبة ال ُمباحات التي لا َح َر َج على فا ِع ِلها‪ ،‬ف َش َغ َله‬ ‫بها عن الاستكثار من ال َّطاعات‪ ،‬وعن الاجتهاد في التز ُّود لمَِعا ِده‪ُ ،‬ث َّم ط ِمع‬ ‫فيه أ ْن يستدرجه منها إلى َت ْر ِك السنن‪ ،‬ثم ِمن َت ْرك ال ُّسنَن إلى َت ْرك الواجبات‪،‬‬ ‫وأ َق ُّل ما ُينال منه تفوي ُته الأرباح‪ ،‬والمكاس َب العظيمة‪ ،‬والمناز َل العالية‪ ،‬ولو‬ ‫َع َر َف ال ِّس ْعر لمَا ف َّوت على نفسه شي ًئا من ال ُق ُربات‪ ،‬ولكنَّه جاهل بال ِّسعر‪.‬‬ ‫فإ ْن َن َجا من هذه العقبة ببصيرة تا َّمة‪ ،‬ونو ٍر ها ٍد‪ ،‬ومعرفة بقد ِر الطاعات‬ ‫والاستكثار منها‪ ،‬و ِق َّل ِة المقام على الميناء‪ ،‬وخط ِر ال ِّتجارة‪ ،‬وكرم ال ُمشت ِري‪،‬‬ ‫وقدر ما ُي َع َّوض به ال ُّت َّجار‪ ،‬فب ِخل بأوقاته‪ ،‬و َض َّن بأنفاسه أن تذهب في غير‬ ‫ِربح َط َل َبه العد ُّو على‪:‬‬ ‫العقبة السادسة‪ :‬وهي عقبة الأعمال ال َمرجوحة ال َمفضولة من الطاعات‪،‬‬ ‫فأ َم َره بها‪ ،‬وح َّسنها في عينه‪ ،‬وز َّينها له‪ ،‬وأراه ما فيها من الفضل وال ِّربح؛‬ ‫((( أخرجه أحمد (‪ ،)3818‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»(‪.)389‬‬ ‫‪55‬‬

‫ليشغله بها عماَّ هو أفضل منها‪ ،‬وأعظ ُم كس ًبا ورب ًحا؛ لأ َّنه لمََّا عجز عن‬ ‫تخَ سيره أص َل الثواب َط ِم َع في تخسيره كما َله وفض َله‪ ،‬ودرجاتِه العالي َة‪ ،‬ف َش َغ َله‬ ‫بالمفضول عن الفا ِضل‪ ،‬وبالمرجوح عن ال َّرا ِجح‪ ،‬وبالمحبو ِب لله عن الأح ِّب‬ ‫إليه‪ ،‬وبال َم ْرضيِِّ عن الأ ْر َىض له‪.‬‬ ‫ولكن أين أصحا ُب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالمَ ‪ ،‬والأكثرون قد‬ ‫ظ ِفر بهم في العقبات الأُ َول‪.‬‬ ‫فإ َّنفيالأعمالوالأقوالس ِّي ًداو َم ُسو ًدا‪،‬ورئي ًساومرؤو ًسا‪،‬و ِذ ْر َو ًةومادونها‪،‬‬ ‫كما في الحديث الصحيح‪َ « :‬س ِّي ُد الاِ ستِغفا ِر أ ْن َيقو َل ال َعب ُد‪ :‬الله َّم أن َت َر ِيّب‪ ،‬لاإل َه‬ ‫إلاَّ أن َت»(((‪،‬الحدي َث‪،‬وفيالحديثالآخر‪«:‬ال ِجها ُدذ ْرو ُة َسنا ِمالأ ْم ِر»(((‪،‬ولايقطع‬ ‫هذهالعقب َةإلاأه ُلالبصائروال ِّصدقمن ُأوليال ِع ْلم‪،‬السائرينعلىجا َّدةالتوفيق‪،‬‬ ‫قدأنزلواالأعما َلمنا ِزلهَ ا‪،‬وأع َط ْوا ُك َّلذيح ٍّقح َّقه‪.‬‬ ‫فإذا نجا منها لم يب َق هناك عقب ٌة يطلبه العد ُّو عليها سوى واحدة لا ب َّد له‬ ‫منها‪ ،‬ولو نجا منها أح ٌد َلنَ َجا منها رس ُل الله وأنبياؤه‪ ،‬وأكرم الخ ْلق عليه‪.‬‬ ‫[العقبة السابعة]‪ :‬وهي عقب ُة تسلي ِط ُجنْ ِده عليه بأنواع الأذى‪ ،‬باليد‬ ‫واللسان والقلب‪ ،‬على ح َسب مرتبته في الخير‪ ،‬فكلما َع َل ْت مرتب ُته أج َلب عليه‬ ‫بخيله و َر ِجله‪ ،‬وظا َه َر عليه بِ ُجنْده‪ ،‬وس َّلط عليه حز َبه وأه َله بأنواع ال َّتسليط‪،‬‬ ‫وهذه العقبة لا ِحي َلة له في التخ ُّلص منها‪ ،‬فإ َّنه ك َّلما ج َّد في الاستقامة والدعوة‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ .)6306‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ )2616‬وقال‪( :‬حديث حسن صحيح)‪ ،‬وابن ماجه (‪.)3973‬‬ ‫‪56‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫إلى الله تعالى‪ ،‬والقيام بأ ْم ِره‪َ ،‬ج َّد العد ُّو في إغراء ال ُّسفهاء به‪ ،‬فهو في هذه‬ ‫ال َع َقبة قد َلبِس لأَ ْ َم َة الحرب‪ ،‬وأخذ في محاربة العد ِّو لله وبالله‪ ،‬ف ُعبو ِد َّي ُته فيها‬ ‫عبود َّي ُة َخ َوا ِّص العارفين‪ ،‬وهي ُتس َّمى عبود َّي َة ال ُمرا َغمة‪ ،‬ولا ينتبه لها إلا ُأو ُلو‬ ‫البصائر ال َّتا َّمة‪ ،‬ولا شيء أ َح ُّب إلى الله من ُمرا َغم ِة َولِ ِّيه لعد ِّوه‪ ،‬وإغا َظتِه له‪.‬‬ ‫أحـــكام ال َّتوبـــــة‬ ‫ونذكر ُن َب ًذا تتع َّلق بأحكام ال َّتوبة تشت ُّد الحاجة إليها‪ ،‬ولا َيلي ُق بالعبد َج ْه ُلها‪:‬‬ ‫منها‪ :‬المبادرة إلى ال َّتوبة من ال َّذنب َف ْر ٌض على ال َف ْو ِر‪ ،‬لا يجوز تأخي ُرها‪،‬‬ ‫فمتى أ َّخرها عصى بالتأخير‪ ،‬فإذا تاب من ال َّذنب َب ِق َي عليه توب ٌة أخرى‪،‬‬ ‫وهي توبته من تأخير ال َّتوبة‪ ،‬و َق َّل أن تخَ ُطر هذه ببا ِل التائ ِب‪ ،‬بل عنده أ َّنه‬ ‫إذا تاب من ال َّذنب لم يب َق عليه شيء آخر‪ ،‬وقد َب ِق َي عليه ال َّتوب ُة من تأخير‬ ‫ال َّتوبة‪ ،‬ولا ُينجي من هذا إلا توب ٌة عامة مَِّا يعلم من ذنوبه وممَّا لا َي ْع َلم‪ ،‬فإ َّن‬ ‫ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكث ُر مما يعلمه‪ ،‬ولا ينفعه في عدم المؤا َخذ ِة بها‬ ‫جه ُله إذا كان متم ِّكنًا من العلم‪ ،‬فإ َّنه عا ٍص بت ْرك العلم والعمل‪ ،‬فالمعصية‬ ‫في ح ِّقه أش ُّد‪.‬‬ ‫[ومنها]‪ :‬أ َّن العبد إذا تا َب من ال َّذنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل‬ ‫ال َّذنب من ال َّدرجة التي ح َّطه عنها ال َّذنب أو لا يرجع إليها؟ اخ ُت ِلف في ذلك‪.‬‬ ‫وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة يحكي هذا الخلا َف‪ ،‬ثم قال‪:‬‬ ‫«وال َّصحيح أ َّن ِمن التا ِئبِي َن َمن لا يعود إلى درجته‪ ،‬ومنهم َمن يعود إليها‪،‬‬ ‫‪57‬‬

‫ومنهم َمن يعود إلى أعلى منها‪ ،‬فيصير خي ًرا مما كان قبل ال َّذنب‪ ،‬فكان داود‬ ‫بعد ال َّتوبة خي ًرا منه قبل الخطيئة»‪.‬‬ ‫قال‪« :‬وهذا بح َسب حال ال َّتا ِئ ِب بعد َتوبتِه وع ْز ِمه و َح َذره و ِج ِّده‬ ‫وتشميره‪ ،‬فإ ْن كان ذلك أعظ َم مَِّا كان له قبل ال َّذنب عاد خي ًرا مَِّا كان‬ ‫وأعلى درج ًة‪ ،‬وإن كان مث َله عاد إلى مث ِل حالِه‪ ،‬وإن كان دو َنه لم َي ُعد إلى‬ ‫درجته‪ ،‬وكان ُمنح ًّطا عنها»‪.‬‬ ‫وقد ضرُ ِ َب لذلك م َث ٌل ب َر ُج ٍل خرج ِمن بيته يريد الصلاة في الص ِّف الأول‪،‬‬ ‫لا َي ْل ِوي على شيء في طريقه‪ ،‬فع َرض له رج ٌل ِمن َخ ْل ِفه َج َب َذ ثو َبه وأ ْو َقفه‬ ‫قلي ًال‪ ،‬يريد َت ْعوي َقه عن الصلاة‪ ،‬فله معه حالان‪:‬‬ ‫أحدهما‪ :‬أ ْن يشتغل به حتى تفو َته الصلا ُة‪ ،‬فهذه حا ُل غي ِر ال َّتائب‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن يجُ ا ِذ َبه على نفسه‪ ،‬ويت َف َّلت منه؛ لئلاَّ تفو َته الصلاة‪ ،‬ثم له بعد‬ ‫هذا التف ُّلت ثلاث ُة أحوال‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن يكون َسيرْ ُ ه جمَ ًزا و َو ْث ًبا؛ ليستدرك ما فاته بتلك ال َو ْقفة‪ ،‬ف ُر َّبما‬ ‫استدركه وزاد عليه‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬أن يعود إلى مثل َسيرْ ِ ه‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬أ ْن ُتو ِر َثه تلك الوقف ُة ُف ُتو ًرا وتها ُو ًنا‪ ،‬فيفوته فضيل ُة الصف الأول‪،‬‬ ‫أو فضيل ُة الجماعة وأ َّول الوقت‪ ،‬فهكذا التائب سواء‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫ويتبينَّ هذا بمسأل ٍة شريف ٍة‪ ،‬وهي أ َّنه‪ :‬هل ال ُمطيع الذي لم َي ْع ِص خي ٌر‬ ‫من العاصي الذي تاب إلى الله َت ْوب ًة َن ُصو ًحا‪ ،‬أو هذا ال َّتائب أفضل منه؟‬ ‫اخ ُت ِل َف في ذلك؛‬ ‫فطائفة ر َّج َحت َمن لم َي ْع ِص على َمن عصى وتاب َت ْوب ًة َن ُصو ًحا‪ ،‬واح َت ُّجوا‬ ‫بوجو ٍه [منها] ‪:‬‬ ‫‪ -1‬أ َّن في زم ِن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه ال ُمطي ُع ِع َّد َة مراح َل إلى فوق‪،‬‬ ‫ليلحقه‪،‬‬ ‫ه‬ ‫َ‬ ‫َسيرْ‬ ‫استقبل‬ ‫تاب‬ ‫إذا‬ ‫أ َّنه‬ ‫من درجته‪ ،‬وغاي ُته‬ ‫فتكون درج ُته أعلى‬ ‫فأ َّنى له ب َلحا ِقه؟‬ ‫وذاك في َسيرْ ٍ آ َخ َر‪،‬‬ ‫‪ -2‬أ َّن ال ُمطي َع قد أحا َط على بستان طاعته حائ ًطا َح ِصينًا لا يجد الأعدا ُء إليه‬ ‫سبي ًال‪ ،‬ف َثم َر ُته وزهر ُته و ُخضر ُته وبهج ُته في زياد ٍة و ُن ُم ٍّو أب ًدا‪ ،‬والعاصي‬ ‫فدخلوا‬ ‫فق َعدا ُثفتواحفيفيههي َثمْغي ًنًراا‪،‬وو َثش َلما َ ًاملف‪،‬يهوُثأ ْلف َمسًة‪،‬دووا َمأ َّكغ َنصام َننهه‪،‬السروَُّّخ َّار َبقواوا ِلحأيعطادَناهَء‪،،‬‬ ‫وق َطعوا‬ ‫ثمراتِه‪ ،‬وأح َرقوا في نواحيه‪ ،‬وق َط ُعوا ماءه‪ ،‬أو َن َق ُصوا َس ْق َيه‪ ،‬فمتى يرجع‬ ‫هذا إلى حالِه الأ َّول؟‬ ‫وطائف ٌة ر َّج َح ِت ال َّتائ َب ‪-‬وإ ْن لم ُتنكِر َك ْو َن الأ َّو ِل أكث َر حسنا ٍت منه‪-‬‬ ‫واحت َّجتبوجو ٍه[منها]‪:‬‬ ‫‪ -1‬أ َّن عبود َّية ال َّتوبة ِمن أ َح ِّب العبود َّيات إلى الله‪ ،‬وأ ْك َر ِمها عليه‪ ،‬فإ َّنه سبحانه‬ ‫يحب الت َّوابِي َن‪ ،‬ولو لم تكن ال َّتوب ُة أح َّب الأشياء إليه لمَا اب ُتليِ َ بال َّذنب أكر ُم‬ ‫الخَ ْلق عليه‪.‬‬ ‫‪59‬‬

‫‪ -2‬أ َّن عبود َّية ال َّتوبة فيها من ال ُّذل‪ ،‬والانكسار‪ ،‬والخضوع‪ ،‬والتم ُّل ِق لله‪،‬‬ ‫والتذ ُّلل له‪ ،‬ما هو أح ُّب إليه من كثير من الأعمال ال َّظاهرة‪ ،‬وإ ْن زادت في‬ ‫ال َق ْدر وال َك ِّم َّية على عبود َّية ال َّتوبة‪ ،‬فإ َّن ال ُّذ َّل والانكسار ُرو ُح العبود َّية‪،‬‬ ‫ومخُُّها و ُل ُّبها‪ ،‬يو ِّضحه‪:‬‬ ‫‪ -3‬أ َّن حصو َل مراتِ ِب ال ُّذ ِّل والانكسار لل َّتائب أكم ُل منها لغيره؛ فإ َّنه قد‬ ‫شا َرك َمن لم ُيذنِب في ُذ ِّل الفقر‪ ،‬والعبود َّية‪ ،‬والمح َّبة‪ ،‬وامتا َز عنه بانكسا ِر‬ ‫قلبِه بالمعصية كما في الأثر الإسرائيلي‪ :‬يا َر ِّب‪ ،‬أين أ ِج ُد َك؟ قال‪ِ :‬عن َد‬ ‫ال ُمنكسرِ ِة قلوبهُ م ِمن أ ْجلي‪ .‬ولأ ْج ِل هذا أقر ُب ما يكون العب ُد من َر ِّبه‬ ‫وهو ساجد؛ لأ َّنه مقا ُم ُذ ٍّل وانكسا ٍر بين يدي َر ِّبه ‪.‬‬ ‫وتأ َّم ْل قو َل النب ِّي ﷺ فيما َيروي عن ر ِّبه تبارك وتعالى‪« :‬أ َّنه َيقو ُل َيو َم‬ ‫القيام ِة‪ :‬اب َن آ َد َم‪ ،‬اس َتط َع ْم ُت َك ف َل ْم ُتط ِع ْمني‪ ،‬قال‪ :‬يا َر ِّب‪ ،‬كيف ُأط ِع ُم َك‬ ‫وأن َت َر ُّب ال َعالمَِي َن؟ قال‪ :‬اس َتط َعم َك َع ْبدي ف َل ْم ُتط ِع ْمه‪ ،‬أ َما لو أط َع ْم َته‬ ‫َل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي‪ .‬اب َن آ َد َم‪ ،‬اس َتس َق ْي ُت َك ف َل ْم َت ْس ِقني‪ ،‬قال‪ :‬يا َر ِّب‪ ،‬كي َف‬ ‫أسقي َك وأن َت َر ُّب العالمَِي َن؟ قال‪ :‬اس َتسقا َك َع ْبدي ُفلا ٌن ف َل ْم َت ْس ِق ِه‪ ،‬أ َما َل ْو‬ ‫َس َق ْي َته َل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي‪ .‬اب َن آ َد َم‪َ ،‬م ِر ْض ُت ف َل ْم َت ُع ْدني‪ ،‬قال‪ :‬يا َر ِّب‪ ،‬كيف‬ ‫أ ُعو ُد َك وأن َت َر ُّب العالمَِي َن؟ قال‪ :‬أ َما إ َّن َع ْبدي ُفلا ًنا َم ِر َض ف َل ْم َت ُع ْده‪ ،‬أ َما َل ْو‬ ‫ُع ْد َت ُه َل َو َج ْد َتني ِعن َده»(((‪ ،‬فقال في عيادة المريض‪َ « :‬ل َو َج ْد َتني ِعن َده»‪ ،‬وقال‬ ‫في الإ ْطعام والإ ْس َقا ِء‪َ « :‬ل َو َج ْد َت ذل َك ِع ْندي»‪ ،‬فف َّرق بينهما‪ ،‬فإ َّن المري َض‬ ‫مكسو ُر القل ِب ولو كان َمن كان‪ ،‬فلا ب َّد أن َيكسرِ ه المر ُض‪ ،‬فإذا كان مؤمنًا‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪ )2569‬بنحوه‪.‬‬ ‫‪60‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫قد انكسر قل ُبه بالمرض كان الله عنده‪.‬‬ ‫والقصد‪ :‬أ َّن شمع َة ال َجبرْ ِ والفض ِل وال َعطايا إ َّنما َتن ِزل في َش ْم ِعدا ِن‬ ‫الانكسا ِر‪ ،‬وللعاصي ال َّتائ ِب ِمن ذلك نصي ٌب واف ٌر‪ ،‬يوضحه ‪:‬‬ ‫‪ -4‬أ َّن ال َّذنب قد يكون أنف َع للعبد إذا اقترنت به ال َّتوب ُة ِمن كثير ِمن ال َّطاعات‪،‬‬ ‫وهذا معنى قو ِل بع ِض ال َّس َلف‪ «:‬قد يعمل العب ُد‪ ‬ال َّذ ْن َب فيدخل به الجنَّ َة‪،‬‬ ‫وقد يعمل ال َّطاع َة فيدخل بها النَّار‪ ،‬قالوا‪ :‬وكيف ذلك؟ قال‪ :‬يعمل‬ ‫ال َّذ ْن َب فلا يزال ُن ْص َب َعينَ ْي ِه؛ إ ْن قام وإ ْن َق َع َد وإ ْن مشى‪ ،‬ك َّلما َذ َك َره‬ ‫أح َدث له َتوب ًة‪ ،‬واستغفا ًرا‪ ،‬و َن َد ًما‪ ،‬فيكون ذلك سب َب نجاتِه‪ ،‬ويعمل‬ ‫الحسنة‪ ،‬فلا تزال ُن ْص َب عينيه؛ إ ْن قام وإن قع َد وإن مشى‪ ،‬ك َّلما َذ َك َرها‬ ‫ُمووح ِيجاًب ٍاء‬ ‫ُع ْج ًبا و ِكبرًْا و ِمنَّة‪ ،‬فتكون سب َب هلا ِكه‪،‬‬ ‫فيكون ال َّذن ُب‬ ‫طاعا ٍت وحسنات‪ ،‬ومعاملا ٍت قلب َّية؛ ِمن‬ ‫أ ْور َث ْته‬ ‫خو ٍف ِمن الله‪،‬‬ ‫لترَ َ ُّتب‬ ‫منه‪ ،‬وإطرا ٍق بين يديه ُمن ِّك ًسا رأ َسه خج ًال‪ ،‬باك ًيا نا ِد ًما‪ُ ،‬مستقبِ اًل َر َّبه»‪،‬‬ ‫وك ُّل واح ٍد من هذه الآثا ِر أنف ُع للعب ِد ِمن طاع ٍة تو ِجب له َص ْول ًة‪ ،‬و ِكبرًْا‪،‬‬ ‫وعان ْزد ِدارلال ًهء‪،‬بالونَّأاقرس ُ‪،‬بوإلرىؤيا َتلنَّهجمابةعيو ِانلافلوا ِزحتمقان ِر‪،‬هوذالاال ُمر ْعي ََجب أب َّنبهطاذاعاتِل ُمه ْ‪،‬ذنِالبَّصاخِئي ٌرل‬ ‫بها‪ ،‬ا ْلـماَ ِّن بها‪ ،‬وبِحالِه على الله وعبا ِده‪ ،‬وإ ْن قال بلسانه خلا َف ذلك‬ ‫فاللهُ شهيد على ما في قلبِه‪ ،‬ويكاد ُيعا ِدي الخلائ َق إذا لم ُيع ِّظموه ويرفعوه‪،‬‬ ‫ويخض ُعوا له‪ ،‬ويجد في قلبِه ُب ْغض ًة لمَِ ْن لم يفعل به كذلك‪ ،‬ولو ف َّت َش ن ْف َسه‬ ‫ح َّق التفتي ِش لرأى فيها ذلك كا ِمنًا‪.‬‬ ‫فإذا أراد الله بهذا العب ِد خي ًرا ألقاه في َذ ْن ٍب َكسرَ َ ه به‪ ،‬وع َّرفه به َق ْد َره‪ ،‬وكفى‬ ‫‪61‬‬

‫به منه دا َء ال ُع ْجب وال ِكبرْ ِ والمِنَّة‬ ‫به عبا َده شرََّ ُه‪ ،‬و َن َّكس به رأ َسه‪ ،‬واستخرج‬ ‫لهذا ِمن طاعا ٍت كثيرة‪ ،‬ويكون‬ ‫عليه وعلى عباده‪ ،‬فيكون هذا ال َّذ ْن ُب أنف َع‬ ‫بمنزلة شرُ ْ ِب ال َّدواء ليستخرج به ال َّداء ال ُع َضال‪ ،‬كما قي َل بلسان الحال في‬ ‫ق َّصة آد َم وخرو ِجه من الجنَّة بذ ْنبِه‪:‬‬ ‫يا آد ُم‪ ،‬إ َّنما ابتلي ُتك بال َّذنب لأنيِّ أح ُّب أ ْن ُأظ ِهر فضلي و ُجودي و َك َرمي‬ ‫ف َيس َتغ ِف ُرو َن‬ ‫ُي ْذنِ ُبو َن‬ ‫ُت ْذنِبوا‬ ‫ب َقو ٍم‬ ‫ا َء‬ ‫ولجَ‬ ‫ب ُك ْم‪،‬‬ ‫الله‬ ‫َل َذ َه َب‬ ‫ْ‬ ‫لمَ‬ ‫َل ْو‬ ‫على َمن عصاني‪،‬‬ ‫الله ف َيغ ِف ُر لُهم‪.‬‬ ‫يا آدم‪ ،‬إذا عصم ُتك وعصم ُت َبنِي َك من ال ُّذنوب فعلى َمن أ ُجود ب ِح ْلمي؟‬ ‫وعلى َمن أجود ب َع ْفوي و َمغفرتي وتوبتي‪ ،‬وأنا ال َّت َّوا ُب ال َّرحيم؟‬ ‫يا آدم‪ ،‬لا تجزع ِمن قولي لك‪﴿ :‬ﮗﮘ﴾ [الأعراف‪ ]18 :‬فلك َخ َل ْق ُتها‪ ،‬ولكن‬ ‫اهبِ ْط إلى دا ِر المجا َهدة‪ ،‬وا ْب ُذر بِ َذا َر ال َّتقوى‪ ،‬وأمطِ ْر عليه َسحائ َب ال ُج ُفون‪،‬‬ ‫فإذا اشت َّد الحَ ُّب واس َتغ َلظ‪ ،‬واستوى على ُسو ِقه؛ ف َت َعا َل فا ْح ُص ْد ُه‪.‬‬ ‫يا آدم‪ ،‬ذن ٌب َت ِذ ُّل به لدينا‪ ،‬أ َح ُّب إلينا من طاع ٍة ُت ِد ُّل بها علينا‪.‬‬ ‫يا آدم‪ ،‬أني ُن ال ُم ْذنِبي َن‪ ،‬أ َح ُّب إلينا من تسبيح ال ُم ِد ِّلي َن‪.‬‬ ‫«يا اب َن آ َد َم‪ ،‬إ َّن َك ما َد َع ْو َتني و َر َج ْو َتني َغ َف ْر ُت ل َك على ما كان ِمن َك ولا‬ ‫ُأبالي‪ .‬اب َن آ َد َم‪َ ،‬ل ْو َب َل َغ ْت ُذنو ُب َك َعنَا َن ال َّسما ِء‪ُ ،‬ث َّم اس َتغ َف ْر َتني َغ َف ْر ُت ل َك‪.‬‬ ‫يا اب َن آ َد َم‪َ ،‬ل ْو َل ِقي َتني بِ ُق َرا ِب الأر ِض َخطا َيا‪ُ ،‬ث َّم َل ِقي َتني لا ُتش ِر ُك بي َش ْي ًئا‪،‬‬ ‫أ َت ْي ُت َك ب ُق َرابهِ ا َمغ ِفر ًة»(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه الترمذي (‪ ،)3540‬وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (‪.)4338‬‬ ‫‪62‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫التوبة النصوح وحقيقتها‪:‬‬ ‫قال تعالى‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ‬ ‫ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾ [التحريم‪ ،]8 :‬فجع َل‬ ‫وقاي َة ش ِّر الس ِّيئات ‪-‬وهو تكفي ُرها‪ -‬بزوال ما َي ْك َر ُه العب ُد‪ ،‬ودخو َل‬ ‫الجنَّات ‪-‬وهو حصو ُل ما يح ُّب العب ُد‪َ -‬منُو ًطا بحصول ال َّتوبة النَّصوح‪،‬‬ ‫وقد اختلفت عبارا ُت ال َّسلف عنها‪ ،‬ومر ِج ُعها إلى شيء واحد‪ ،‬فقال عمر‪ ‬بن‬ ‫الخطاب و ُأبيَُّ‪ ‬بن كع ٍب ‪« :‬ال َّتوب ُة النَّصو ُح‪ :‬أ ْن يتو َب من ال َّذنب ثم لا‬ ‫يعود إليه كما لا يعود اللب ُن إلى الضرَّ ْ ع»‪.‬‬ ‫وقال محمد‪ ‬بن كع ٍب ال ُق َرظ ُّي ‪« :‬يجمعها أربع ُة أشيا َء‪ :‬الاستغفا ُر‬ ‫بال ِّلسان‪ ،‬والإقلا ُع بالأبدان‪ ،‬وإضما ُر َت ْر ِك ال َع ْو ِد بالجَنان‪ ،‬ومها َجر ُة‬ ‫َس ِّي ِئ الإخوان»‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬النص ُح في ال َّتوبة يتض َّمن ثلاث َة أشيا َء‪:‬‬ ‫[الأول]‪:‬تعمي ُمجمي ِعال ُّذنوبواستغرا ُقهابهابحي ُثلا َت َد ُعذن ًباإلاتناو َل ْته‪.‬‬ ‫الثـاني‪ :‬إجما ُع ال َع ْزم وال ِّصدق ب ُك ِّل َّيته عليها‪ ،‬بحيث لا يبقى عنده َتر ُّدد‪،‬‬ ‫ولا تل ُّو ٌم ولا انتظار‪ ،‬بل يجمع عليها ك َّل إرادتِه وعزيمتِه مبا ِد ًرا بها‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬تخلي ُصها من ال َّشوائب وال ِع َلل القا ِدحة في إخلا ِصها‪ ،‬ووقو ُعها‬ ‫لمحض الخو ِف ِمن الله تعالى وخشيتِه‪ ،‬والرغب ِة فيما لديه‪ ،‬والرهب ِة ممَّا عنده‪ ،‬لا‬ ‫َك َم ْن يتو ُب ل ِح ْف ِظ جا ِهه و ُحرمتِه‪ ،‬ومنصبه ورياستِه‪ ،‬أو ل ِح ْف ِظ حالِه‪ ،‬أو حف ِظ‬ ‫ق َّوتِه ومالِه‪ ،‬أو استدعا ِء حمَ ْ ِد النا ِس‪ ،‬أو الهر ِب ِمن َذ ِّمهم‪ ،‬أو لئلاَّ يتس َّلط عليه‬ ‫‪63‬‬

‫من‬ ‫ذلك‬ ‫ونحو‬ ‫وع ْج ِزه‪،‬‬ ‫نهَ ْ َمتِه من ال َّذنب‪ ،‬أو لإفلاسه‬ ‫ال ُّس َفها ُء‪ ،‬أو لقضاء‬ ‫ص َّحتها و ُخ ُلو ِصها لله‪.‬‬ ‫ال ِع َلل التي َتق َد ُح في‬ ‫فلأه ِل ال ُّذنو ِب ثلاث ُة أنها ٍر ِعظا ٍم يتط َّهرو َن بها في ال ُّدنيا‪ ،‬فإ ْن لم َت ِف ب ُط ْه ِرهم‬ ‫ُط ِّهروا في نه ِر الجحي ِم يو َم القيامة‪ :‬نهر ال َّتوبة النَّصوح‪ ،‬ونهر الحسنا ِت‬ ‫ال ُمستغ ِرقة للأوزا ِر المحيط ِة بها‪ ،‬ونهر المصائب العظيم ِة ال ُم َك ِّفرة‪ ،‬فإذا أراد الله‬ ‫بعبده خي ًرا أدخله أح َد هذه الأنها ِر الثلاثة‪ ،‬ف َو َر َد القيام َة ط ِّي ًبا طاه ًرا‪ ،‬فلم‬ ‫يح َت ْج إلى النهر ال َّرابع‪.‬‬ ‫و َتوب ُة العب ِد‪ ‬إلى الله تعالى محفوف ٌة بتوب ٍة ِمن الله عليه َق ْب َلها‪ ،‬و َتوب ٍة منه بع َدها‪،‬‬ ‫ف َتوب ُته بين َتوب َتينْ ِ من الله؛ سابق ٍة ولاحق ٍة‪ ،‬فإ َّنه تا َب عليه أوّ اًَل إذ ًنا وتوفي ًقا‬ ‫وإلها ًما‪ ،‬فتا َب العب ُد‪ ،‬فتا َب الله عليه ثان ًيا َقبو ًال وإثاب ًة‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﯙ ﯚ‬ ‫ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ‬ ‫ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [ال َّت ْوبة‪.]١١٨– ١١٧:‬‬ ‫والعبد َت َّوا ٌب‪ ،‬والله َت َّوا ٌب‪ ،‬ف َتوب ُة العبد رجو ُعه إلى س ِّيده بعد الإبا ِق‪،‬‬ ‫و َتوب ُة ال َّر ِّب نوعا ِن‪ :‬إذ ٌن وتوفي ٌق‪ ،‬و َقبو ٌل واعتدا ٌد‪.‬‬ ‫وال َّتوبة لها مبد ٌأ و ُمنتهى‪ ،‬فمبد ُؤها الرجو ُع إلى الله بسلو ِك صراطِه المستقي ِم‬ ‫ا َّلذي َن َص َبه لعبا ِده‪ُ ،‬مو ِص اًل إلى ِرضوانه‪ ،‬وأ َم َرهم بسلوكه بقوله‪﴿:‬ﭺ ﭻ‬ ‫ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [الأنعام‪ ،]153 :‬ونهاي ُتها الرجو ُع‬ ‫إليه في ال َمعاد‪ ،‬وسلو ُك صراطِه الذي َن َص َبه ُمو ِص اًل إلى َجنَّته‪ ،‬ف َمن رجع إلى‬ ‫الله في هذه ال َّدا ِر بال َّتوبة؛ رجع إليه في ال َمعاد بال َّثوا ِب‪.‬‬ ‫‪64‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫الذنوب صغائر وكبائر‪:‬‬ ‫ال ُّذنوب تنقسم إلى صغا ِئ َر وكبا ِئ َر بن ِّص القرآ ِن وال ُّسنَّة وإجما ِع ال َّس َلف‬ ‫والاعتبا ِر‪ ،‬قال الله تعالى‪﴿ :‬ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ‬ ‫ﮚ﴾ [النساء‪.]31 :‬‬ ‫وأ َّما حديث‪َ « :‬ل ْو َل ِقي َتني ب ُقرا ِب الأر ِض َخطايا‪ُ ،‬ث َّم َل ِقي َتني لا ُتشرْ ِ ُك بي‬ ‫َشي ًئا‪ ،‬أ َت ْي ُت َك ب ُقرابهِ ا َمغ ِفر ًة»(((‪ ،‬فلا يد ُّل هذا على أ َّن ما َع َدا الشر َك ك ُّله صغائ ُر‪،‬‬ ‫بل يد ُّل على أ َّن َمن لم ُيشرْ ِ ك بالله شي ًئا فذنو ُبه مغفور ٌة كائن ًة ما كانت‪ ،‬ولكن‬ ‫ينبغي أ ْن يعلم ارتباط أعمال القلو ِب بأعمال الجوارح‪ ،‬وتع ُّلقها بها‪ ،‬وإلاَّ لم‬ ‫يفهم مراد الرسول ﷺ‪ ،‬ويقع الخ ْبط وال َّت ْخبيط‪.‬‬ ‫فاعل ْم أن هذا النَّفي العا َّم للشرِّ ْ ك‪ -‬أ ْن لا ُيشرْ ِ ك بالله شي ًئا الب َّت َة‪ -‬لا يص ُدر‬ ‫ِمن ُمصرٍِّ على معصية أب ًدا‪ ،‬ولا يمكن ُمد ِم ُن الكبيرة وال ُمصرُِّ على الصغيرة أ ْن‬ ‫يصفو له ال َّتوحي ُد‪ ،‬حتى لا ُيش ِر َك بالله شي ًئا‪ ،‬هذا ِمن أعظ ِم ال ُمحال‪ ،‬ولا يلتف ُت‬ ‫إلى َج َدل ٍّي لا َح َّظ له في أعمال القلوب‪ ،‬بل َق ْل ُبه كالحج ِر أو أقسى‪ ،‬يقول‪ :‬وما‬ ‫المانع؟ وما و ْج ُه الإحالة؟‬ ‫َف َد ْع هذا القل َب ال َمفتو َن بِ َج َدلِه وجه ِله‪ ،‬واعل ْم أ َّن الإصرا َر على المعصي ِة‬ ‫يو ِج ُب ِمن خو ِف القلب ِمن غير الله ورجائه لغي ِر الله‪ ،‬و ُح ِّبه لغير الله‪،‬‬ ‫و ُذ ِّله لغير الله‪ ،‬و َت َو ُّك ِله على غير الله ما يصير به ُمنغ ِم ًسا في بِحا ِر الشرِّ ْ ك‪،‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪ )2687‬بنحوه‪.‬‬ ‫‪65‬‬

‫والحاكم في هذا ما يعل ُمه الإنسان ِمن نف ِسه ‪-‬إ ْن كان له عق ٌل‪ ،-‬فإ َّن ُذ َّل‬ ‫المعصية لا ب َّد أ ْن يقو َم بالقلب ف ُيو ِر َثه خو ًفا من غير الله‪ ،‬وذلك شرِ ْ ٌك‪،‬‬ ‫و ُيو ِر َثه مح َّب ًة لغير الله‪ ،‬واستعان ًة بغيره في الأسباب التي ُتو ِص ُله إلى َغ َر ِضه‪،‬‬ ‫فيكون عم ُله لا بالله ولا له‪ ،‬وهذا حقيق ُة الشرِّ ْ ك‪.‬‬ ‫والمقصود‪ :‬أ َّن َمن لم ُيش ِر ْك بالله شي ًئا يستحي ُل أن يلقى الله بِ ُقرا ِب الأر ِض‬ ‫خطا َيا ُمصرًِّ ا عليها غي َر تائ ٍب منها‪ ،‬مع كما ِل توحي ِده الذي هو غاي ُة ال ُح ِّب‬ ‫والخضو ِع‪ ،‬والخو ِف والرجاء لل َّر ِّب تعالى‪.‬‬ ‫وهاهنا أم ٌر ينبغي ال َّتف ُّط ُن له‪ ،‬وهو أ َّن الكبِيرة قد َيقترَ ِ ُن بها ِمن الحيا ِء‬ ‫والخو ِف‪ ،‬والاستعظا ِم لها ما ُيل ِح ُقها بالصغائ ِر‪ ،‬وقد يقتر ُن بال َّصغيرة ِمن‬ ‫ِق َّل ِة الحياء‪ ،‬وعد ِم ال ُمبالاة‪ ،‬و َت ْر ِك الخوف‪ ،‬والاستهان ِة بها ما ُي ْل ِح ُقها بالكبائر‪،‬‬ ‫بل يجعلها في أعلى ُر َتبِها‪.‬‬ ‫وهذا أم ٌر َم ْر ِج ُعه إلى ما يقو ُم بالقل ِب‪ ،‬وهو قد ٌر زائ ٌد على مج َّرد الفع ِل‪،‬‬ ‫والإنسا ُن يعرف ذلك ِمن نف ِسه وغي ِره‪.‬‬ ‫وأي ًضا فإ َّنه ُي ْع َفى لل ُم ِح ِّب‪ ،‬ولصاح ِب الإحسا ِن العظيم‪ ،‬ما لا ُيع َفى‬ ‫لغي ِره‪ ،‬ويسا َم ُح بما لا يسا َم ُح به غي ُره‪.‬‬ ‫‪66‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫فضل (لا إله إلا الله) وما يقع في القلب منها‬ ‫و َنزيد هاهنا إيضا ًحا؛ ل ِع َظ ِم هذا ال َمقام وش َّد ِة الحاجة إليه‪:‬‬ ‫اعل ْم أ َّن أش َّع َة (لا إله إلا الله) ُتب ِّد ُد ِمن َض َبا ِب ال ُّذنوب وغيو ِمها ب َق ْد ِر ق َّو ِة‬ ‫ذلك ال ُّشعا ِع وض ْع ِفه‪ ،‬فلها نو ٌر‪ ،‬وتفا ُو ُت أه ِلها في ذلك النُّو ِر قو ًة وضع ًفا‬ ‫لا يحُ صيه إلا الل ُه تعالى؛ ف ِمن النا ِس‪َ :‬من ُنو ُر هذه الكلم ِة في قلبِه كالشمس‪.‬‬ ‫ومنهم‪َ :‬من نو ُرها في قلبِه كالكوك ِب ال ُّد ِّر ِّي‪.‬‬ ‫ومنهم‪َ :‬من نو ُرها في قلبه كالمِ ْش َعل العظيم‪.‬‬ ‫وآ َخر‪ :‬كالسرِّ اج ال ُمضيِ ء‪ ،‬وآخر‪ :‬كالسرِّ اج ال َّضعيف‪.‬‬ ‫ولهذا تظه ُر الأنوا ُر يو َم القيام ِة بأ ْيمانهِ ِم وبينْ أيديهم على هذا المِ ْقدار‪،‬‬ ‫بح َس ِب ما هو في قلوبهِ م ِمن نو ِر هذه الكلم ِة‪ِ ،‬ع ْل ًام وعم اًل‪ ،‬ومعرف ًة وحا اًل‪.‬‬ ‫وك َّلما ع ُظ َم نو ُر هذه الكلم ِة واشت َّد؛ أ ْح َر َق ِمن ال ُّش ُبها ِت والشهوات‬ ‫بحس ِب ق َّوتِه و ِش َّدتِه‪ ،‬حتى إ َّنه ر َّبما وص َل إلى حا ٍل لا يصا ِد ُف معها ُشبهة ولا‬ ‫شهو ًة ولا ذ ْن ًبا إلا أ ْح َرقه‪ ،‬وهذا حا ُل الصادق في توحيده‪ ،‬الذي لم ُيشرْ ِ ك بالله‬ ‫شي ًئا‪ ،‬فأ ُّي ذن ٍب أو شهو ٍة أو ُشبهة َد َن ْت من هذا النُّور أ ْح َرقها‪ ،‬فسما ُء إيمانِه قد‬ ‫ُح ِر َست بالنُّجوم ِمن ك ِّل سار ٍق لحسناته‪ ،‬فلا ينا ُل منها ال َّسار ُق إلا على ِغ َّر ٍة‬ ‫وغفل ٍة لا ب َّد منها للبشر‪ ،‬فإذا استيق َظ و َع ِل َم ما سرُ ِ َق منه استنق َذه ِمن سا ِر ِقه‪،‬‬ ‫أو ح َّص َل أضعا َفه ب َك ْسبِه‪ ،‬فهو هكذا أب ًدا مع لصو ِص ال ِج ِّن والإن ِس‪ ،‬ليس‬ ‫ك َمن َف َت َح لهم ِخزان َته‪ ،‬و َولىَّ البا َب ظه َره‪.‬‬ ‫‪67‬‬

‫وليس التوحي ُد مج َّر َد إقرا ِر العب ِد بأ َّنه لا خال َق إلا الله‪ ،‬وأ َّن الله ر ُّب ك ِّل شيء‬ ‫و َملي ُكه‪ ،‬كما كان ُع َّبا ُد الأصنا ِم ُم ِق ِّري َن بذلك و ُهم ُمش ِركون‪ ،‬بل التوحي ُد‬ ‫يتض َّم ُن ِمن مح َّبة الله‪ ،‬والخضو ِع له‪ ،‬وال ُّذ ِّل له‪ ،‬وكما ِل الانقيا ِد لطاعتِه‪،‬‬ ‫وإخلا ِص العباد ِة له‪ ،‬وإراد ِة وج ِهه الأعلى بجمي ِع الأقوا ِل والأعمال‪ ،‬والمن ِع‪،‬‬ ‫والعطاء‪ ،‬والح ِّب‪ ،‬وال ُبغ ِض ما يحَ ُول بين صاحبِه وبين الأسبا ِب ال َّداعية إلى‬ ‫المعاصي‪ ،‬والإصرا ِر عليها‪ ،‬و َمن ع َرف هذا ع َرف قو َل النَّبِ ِّي ﷺ‪« :‬إ َّن الله‬ ‫َح َّر َم على ال َّنا ِر َمن قال‪ :‬لا إل َه إلاَّ الله‪َ ،‬يب َتغي بذل َك َو ْج َه الله»(((‪ ،‬وقو َله‪« :‬لا‬ ‫َيد ُخ ُل ال َّنا َر َمن قال‪ :‬لا إل َه إلاَّ الله»(((‪.‬‬ ‫والشا ِرع صلوا ُت الله وسلا ُمه عليه لم يجعل ذلك حاص ًال بمج َّرد قو ِل‬ ‫ال ِّلسا ِن فقط‪ ،‬فإ َّن هذا خلا ُف المعلوم بالاضطرار ِمن ِدي ِن الإسلام‪ ،‬فإ َّن‬ ‫المنافقين يقولونها بألسنتهم‪ ،‬وهم تحت الجا ِح ِدي َن لها في ال َّد ْر ِك الأسف ِل‬ ‫من النَّار‪ ،‬فلا ب َّد ِمن قو ِل القلب‪ ،‬وقو ِل ال ِّلسا ِن‪ ،‬وقو ُل القل ِب يتض َّم ُن ِمن‬ ‫معرفتها‪ ،‬والتصدي ِق بها‪ ،‬ومعرف ِة حقيق ِة ما َتض َّمنَ ْته ِمن النفي والإثبات‪،‬‬ ‫ومعرف ِة حقيق ِة الإله َّية ال َمنْ ِف َّية عن غير الله‪ ،‬المخت َّصة به‪ ،‬التي يستحيل ُثبوتهُ ا‬ ‫ل َغيرْ ِ ه‪ ،‬وقيا ِم هذا المعنى بالقلب ِعل ًام ومعرف ًة‪ ،‬ويقينًا وحا ًال ما يو ِج ُب تحري َم‬ ‫قائلها على النار‪ ،‬و ُك ُّل قو ٍل َر َّت َب الشار ُع ما َر َّتب عليه من ال َّثواب‪ ،‬فإ َّنما هو‬ ‫القول التا ُّم‪ ،‬كقولِه ﷺ‪َ « :‬من قال في َيو ٍم‪ُ :‬سبحا َن الله وب َح ْم ِده‪ ،‬مائ َة م َّر ٍة‪،‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)425‬ومسلم (‪ )33‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)128‬ومسلم (‪.)32‬‬ ‫‪68‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫ُح َّط ْت عن ُه َخطايا ُه ‪-‬أ ْو ُغ ِف َر ْت ل ُه ُذ ُنو ُبه‪ -‬و َل ْو كان ْت ِم ْث َل َز َب ِد ال َبحرِ»(((‪،‬‬ ‫وليس هذا ُم َر َّت ًبا على مج َّرد القو ِل ال ِّلساني‪.‬‬ ‫َن َع ْم‪َ ،‬من قالها بلسانه‪ ،‬غاف ًال عن معناها‪ُ ،‬م ْع ِر ًضا عن تد ُّبرها‪ ،‬ولم يواطِ ْئ‬ ‫قل ُبه لسا َنه‪ ،‬ولا ع َرف َق ْد َرها وحقيق َتها‪ ،‬راج ًيا مع ذلك ثوابهَ ا‪َ ،‬ح َّطت ِمن‬ ‫خطاياه بح َسب ما في قلبه‪ ،‬فإ َّن الأعما َل لا تتفا َض ُل بص َورها وعد ِدها‪ ،‬وإ َّنما‬ ‫تتفا َض ُل بتفا ُض ِل ما في القلو ِب‪ ،‬فتكو ُن صور ُة العم َلينْ ِ واحد ًة‪ ،‬وبينهما‬ ‫في التفا ُضل كما بين السماء والأر ِض‪ ،‬وال َّر ُجلان يكون مقا ُمهما في الص ِّف‬ ‫واح ًدا‪ ،‬وبين صلا َت ْي ِهما كما بين السماء والأرض‪.‬‬ ‫وتأ َّم ْل حدي َث البطاق ِة التي تو َضع في ِك َّف ٍة‪ ،‬ويقابلها تسع ٌة وتسعو َن ِس ِجلاًّ ‪،‬‬ ‫ك ُّل ِس ِج ٍّل منها َم َّد البص ِر‪ ،‬فتث ُق ُل البطاق ُة و َت ِطي ُش ال ِّس ِجلاَّ ت‪ ،‬فلا ُيع َّذب‪.‬‬ ‫ومعلو ٌم أن كل م َو ِّحد له مث ُل هذه البطاقة‪ ،‬وكثير منهم يدخل النار ب ُذنوبِه‪،‬‬ ‫ولك َّن السرَِّّ الذي َث َّق َل بطاق َة ذلك الرج ِل‪ ،‬وطا َش ْت لأ ْج ِله ال ِّس ِجلاَّ ُت‪َ ،‬لـ َّمـا‬ ‫لمْ يحصل لغيره من أرباب البطاقات‪ ،‬انفرد ْت بطاق ُته بال ِّث َقل وال َّرزانة‪.‬‬ ‫وإذا أرد َت زيادة الإيضا ِح لهذا المعنى فانظ ْر إلى ِذ ْك ِر َمن ق ْل ُبه ملآن بمح َّبتِك‪،‬‬ ‫و ِذك ِر َمن هو ُم ْع ِر ٌض عنك‪ ،‬غاف ٌل َسا ٍه‪ ،‬مشغو ٌل بغيرك‪ ،‬قد انجذب ْت َدواعي‬ ‫قلبِه إلى مح َّب ِة غيرك‪ ،‬وإيثا ِره عليك‪ ،‬هل يكون ِذ ْك ُرهمُ ا لك واح ًدا؟ أم هل يكون‬ ‫ولدا َك ال َّلذا ِن همُ ا بهذه المثابة‪ ،‬أو َع ْبداك‪ ،‬أو َز ْو َجتاك‪ ،‬عندك سواء؟‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)6405‬ومسلم (‪ .)2691‬‬ ‫‪69‬‬

‫وتأ َّم ْل ما قام بقل ِب قات ِل المائ ِة من حقائ ِق الإيما ِن ا َّلتي لم تشغ ْله عند‬ ‫ال ِّسياق عن ال َّسير إلى القرية‪ ،‬وحمَ َل ْته ‪-‬وهو في تلك الحال‪ -‬على أ ْن جعل َينُو ُء‬ ‫بصدره‪ ،‬وهو يعالِج َس َكرا ِت الموت‪ ،‬فهذا أم ٌر آخر‪ ،‬وإيما ٌن آخر‪ ،‬ولا َج َرم‬ ‫أن ُألحِْ َق بالقرية الصالحِ ة‪ ،‬و ُج ِع َل ِمن أه ِلها‪.‬‬ ‫وقري ٌب من هذا ما قام بقل ِب ال َب ِغ ِّي التي رأت ذلك الكل َب وقد اشت َّد به‬ ‫العط ُش يأ ُك ُل ال َّثرى‪ ،‬فقام بقلبها ذلك الوق َت ‪-‬مع عد ِم الآلة‪ ،‬وعدم ال ُم ِعي ِن‪،‬‬ ‫وعدم َمن ُترا ِئيه بعملها‪ -‬ما حم َلها على أ ْن َغ َّر َر ْت بنفسها في نزول البئ ِر‪،‬‬ ‫و َمل ِء الماء في ُخ ِّفها‪ ،‬ولم تعبأ بت َع ُّر ِضها لل َّت َلف‪ ،‬وحمَ ِلها له بِ ِفيها وهو ملآن‪،‬‬ ‫حتى أمكنها ال ُّر ِق ُّي في البئر‪ ،‬ثم توا ُض ِعها لهذا المخلوق الذي َج َر ْت عاد ُة‬ ‫الناس بضرَ ْ بِه و َط ْر ِده‪ ،‬فأمسك ْت له الخُ َّف بيدها حتى شرَ ِ َب‪ِ ،‬من غير أ ْن‬ ‫ترجو منه جزا ًء ولا ُش ُكو ًرا‪ ،‬فأحرق ْت أنوا ُر هذا ال َق ْد ِر من التوحيد ما تق َّدم‬ ‫منها من البِغاء‪ ،‬فغفر لها‪ ،‬فهكذا حا ُل الأعمال وال ُعماَّ ِل عند الله‪ ،‬والعام ُل في‬ ‫غفل ٍة من هذا الإ ْك ِسير الكيماو ِّي‪ ،‬الذي إذا ُو ِض َع منه مثقال َذ َّر ٍة على قناطي َر‬ ‫من ُنحا ِس الأعمال َق َل َبها َذ َه ًبا‪ ،‬والله ال ُمستعان(((‪.‬‬ ‫((( ومن هذه الدرة من كلام ابن القيم رحمه الله لمعت فكرة هذا الكتاب وبها س ّمي‪ ،‬والله الهادي إلى سواء‬ ‫السبيل‪.‬‬ ‫‪70‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫أجنا ُس ما ُيتا ُب منها ولا يستح ُق العب ُد اس َم التائب حتى يتخ َّلص‬ ‫منها‬ ‫وهي اثنا َعشرَ َ ِجن ًسا مذكورة في كتاب الله تعالى‪ ،‬هي أجنا ُس ال ُم َح َّرمات‪:‬‬ ‫الكفر‪ ،‬والشرِّ ْ ك‪ ،‬والنِّفاق‪ ،‬وال ُف ُسوق‪ ،‬والعصيان‪ ،‬والإثم‪ ،‬وال ُع ْدوان‪،‬‬ ‫وال َف ْحشاء‪،‬وال ُمنْ َكر‪،‬وال َب ْغي‪،‬وال َقولعلىاللهبلا ِع ْلم‪،‬وا ِّتباعسبي ٍلغي ِرسبي ِله‪.‬‬ ‫فهذه الاثنا عشر ِجنْ ًسا عليها َمدا ُر ك ِّل ما َح َّر َم الله‪ ،‬وإليها انتها ُء العالمَ ِ‬ ‫بأسرْ ِ ِهم‪ ،‬إلا أتباع ال ُّر ُسل‪ ،‬صلوا ُت الله وسلا ُمه عليهم‪ ،‬وقد يكون في‬ ‫الرجل أكث ُرها وأ َق ُّلها‪ ،‬أو واحدة منها‪ ،‬وقد يعلم بذلك‪ ،‬وقد لا يعلم‪.‬‬ ‫فال َّتوبة النَّ ُصوح هي بالتخ ُّلص منها‪ ،‬وال َّتح ُّصن وال َّتح ُّرز ِمن ُموا َقعتِها‪ ،‬وإ َّنما‬ ‫يمكن التخ ُّلص منها ل َمن ع َرفها‪.‬‬ ‫‪ -1‬فأما الكفر فنوعان‪ُ :‬ك ْف ٌر أكب ُر‪ ،‬وكف ٌر أصغ ُر؛ فالكف ُر الأكبر هو ال ُمو ِج ُب‬ ‫للخلو ِد في النَّار‪ ،‬والأصغر مو ِج ٌب لاستحقاق الوعي ِد دون الخلود‪.‬‬ ‫‪ -2‬وأما الشرك فهو نوعان‪ :‬أكب ُر وأصغ ُر؛ فالأكب ُر لا َيغ ِف ُره الله إلا بال َّتوبة‬ ‫منه‪ ،‬وهو أن َي َّت ِخ َذ من دون الله نِ ًّدا‪ ،‬وأما الشرِّ ُك الأصغر ُ‪ :‬ف َك َي ِسير ال ِّرياء‪،‬‬ ‫والتصنُّع لل َخ ْلق‪ ،‬وال َح ِل ِف بغير الله‪.‬‬ ‫‪ -3‬وأما ال ِّنفاق‪ :‬فال َّدا ُء ال ُعضال الباطن‪ ،‬الذي يكون الر ُجل ممتل ًئا منه وهو‬ ‫لا َيش ُع ُر‪ ،‬فإ َّنه أم ٌر َخ ِف ٌّي؛ َخ ِف َي على النَّاس‪ ،‬وكثي ًرا ما يخَ َفى على َمن َت َل َّبس‬ ‫به‪ ،‬فيز ُعم أ َّنه ُمص ِل ٌح وهو ُمف ِس ٌد‪.‬‬ ‫‪71‬‬

‫[والمنافقون] لهم علاما ٌت ُيع َرفون بها ُمب َّين ٌة في ال ُّسنَّة والقرآن‪ ،‬بادي ٌة لمَِن‬ ‫َتد َّبرها ِمن أه ِل بصائ ِر الإيمان‪ ،‬قام بهم واللهِ ال ِّريا ُء‪ ،‬وهو أقب ُح مقام قامه‬ ‫الإنسا ُن‪ ،‬وقعد بهم الكس ُل عماَّ ُأ ِمروا به ِمن أوام ِر الرحم ِن‪ ،‬فأص َبح الإخلا ُص‬ ‫لذلك عليهم ثقي اًل‪﴿ ،‬ﭾﭿﮀ ﮁﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇ‬ ‫ﮈﮉ ﮊ﴾ [النساء‪.]142 :‬‬ ‫ُيؤ ِّخرون ال َّصلا َة عن وقتِها الأ َّول إلى شرَ َ ِق المو َتى(((‪ ،‬فال ُّصبح عند طلوع‬ ‫الشم ِس‪ ،‬والعص ُر عند ال ُغرو ِب‪ ،‬و َين ُقرونها َن ْق َر ال ُغراب؛ إذ هي صلا ُة‬ ‫الأبدان‪ ،‬لا صلا ُة القلو ِب‪ ،‬ويلتفتون فيها التفا َت الثعل ِب؛ إذ يتي َّقن أ َّنه‬ ‫مطرو ٌد مطلوب‪ ،‬ولا يشهدون الجماع َة‪ ،‬بل إ ْن صلىَّ أح ُدهم ففي البيت أو‬ ‫ال ُّد َّكان‪ ،‬وإذا خا َص َم َف َجر‪ ،‬وإذا عا َه َد َغ َدر‪ ،‬وإذا َح َّدث َك َذب‪ ،‬وإذا َو َع َد‬ ‫أخ َلف‪ ،‬وإذا ا ْؤتمُ ِ َن خان‪.‬‬ ‫َك ِر َه الله طاعاتهِ م؛ لخِ ُ ْب ِث قلوبهِ م وفسا ِد ن َّياتهِ م‪ ،‬ف َث َّب َطهم عنها وأق َع َدهم‪،‬‬ ‫وأب َغ َض ُق ْربهَ م منه و ِجوا َرهم؛ لمَِ ْي ِل ِهم إلى أعدائه‪ ،‬فطر َدهم عنه وأبع َدهم‪،‬‬ ‫وأع َرضوا عن َو ْح ِيه فأع َر َض عنهم‪ ،‬وأشقاهم وما أسع َدهم‪ ،‬و َح َك َم‬ ‫عليهم ب ُح ْك ٍم َع ْد ٍل لا َمط َم َع لهم في ال َفلاح بعده‪ ،‬إلاَّ أ ْن يكونوا ِمن‬ ‫ال َّتائبي َن‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ‬ ‫ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [ال َّت ْوبة‪.]46 :‬‬ ‫تاللهِ لقد قط َع خو ُف النِّفاق قلو َب السابِقي َن الأ َّولِين‪ ،‬ول ِعلمهم ب ِد ِّق ِه‬ ‫((( أراد أنهَّ ُم ُي َص ُّلونهَ ا ولم َي ْب َق من ال َّنها ِر إلاَّ ب َق ْد ِر ما ي ْب َقى من ن ْف ِس ال ُم ْح َتضرِ ِ إذا َشـ ِر َق بِري ِقه‪.‬‬ ‫‪72‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫و ِج ِّله وتفاصيله وجمُ َ ِله ساء ْت ُظنونهُ م بنفو ِسهم حتى َخ ُشوا أ ْن يكونوا من‬ ‫جملة المنافقين؛ قال عمر‪ ‬بن الخطاب لحذيفة ‪« :‬يا حذيف ُة‪ ،‬نشد ُتك باللهِ‪،‬‬ ‫هل َسماَّ ني ل َك رسو ُل‪ ‬الله ﷺ منهم؟ فقال‪ :‬لا‪ ،‬ولا ُأز ِّكي بع َدك أح ًدا»‪.‬‬ ‫قال اب ُن أبي ُم َل ْيك َة ‪« :‬أدرك ُت ثلاثين من أصحا ِب محمد ﷺ‪ ،‬ك ُّلهم‬ ‫يخاف النِّفاق على ن ْف ِسه‪ ،‬ما منهم أح ٌد يقول‪ :‬إ َّن إيمانه كإيما ِن جبري َل وميكائي َل»‬ ‫ذك َره البخار ُّي‪.‬‬ ‫و ُذ ِك َر عن الح َسن ‪« :‬ما أ ِمنَه إلا منافق‪ ،‬ولا َخا َف ُه إلا مؤمن»‪.‬‬ ‫َز ْر ُع النِّفا ِق َين ُب ُت على سا ِق َي َتينْ ِ ‪ :‬ساقية ال َك ِذب‪ ،‬وساقي ِة ال ِّرياء‪ ،‬ومخَ ْ َر ُجهما‬ ‫ِمن َعينَينْ ِ ‪:‬عي ِن َض ْع ِف البصيرة‪،‬وعين َضع ِفالعزيمة‪ ،‬فإذاتمََّتهذهالأركا ُن‬ ‫الأربع اس َتح َك َم ُبنيا ُن النِّفاق‪ ،‬ولكنَّه بمدارج السيول على َش َفا ُج ُر ٍف ها ٍر‪،‬‬ ‫فإذا سال َس ْي ُل الحقائق‪ ،‬وعا َينوا يوم ُت ْبلىَ السرائر‪ ،‬و ُك ِش َف المستو ُر‪ ،‬و ُب ْعثِ َر ما‬ ‫في القبور‪ ،‬و ُح ِّصل ما في الصدور‪َ ،‬ت َبينَّ حينئذ لمن كانت بضاعته النِّفاق؛ أ َّن‬ ‫حواصله التي حصلها كانت كالسراب‪ ﴿ ،‬ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ‬ ‫ﮂﮃ ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ﴾ [النور‪.]39 :‬‬ ‫قلوبهُ م عن الخيرات لا ِه َية‪ ،‬وأجسا ُدهم إليها سا ِعية‪ ،‬والفاحش ُة في‬ ‫فِ َجا ِجهم فاشية‪ ،‬وإذا َس ِمعوا الح َّق كانت قلوبهُ م عن سما ِعه قاسية‪ ،‬وإذا‬ ‫َحضرَ وا الباط َل و َش ِهدوا ال ُّزور انفتح ْت أبصا ُر قلوبهِ م وكانت آذانهُ م واعية‪،‬‬ ‫فهذه واللهِ أمارا ُت النِّفاق فا ْح َذ ْرها أ ّهُيا ال َّر ُج ُل قب َل أ ْن تنز َل بك القاضية‪.‬‬ ‫‪ -5،4‬وأ َّما ال ُف ُسوق فهو في كتاب الله نوعان‪ُ :‬م ْف َرد ُم ْط َلق‪ ،‬و َمقرون‬ ‫‪73‬‬

‫بال ِعصيان ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ‬ ‫ﮉﮊﮋﮌﮍﮎ﴾ [الحجرات ‪.]7 :‬‬ ‫‪ -7،6‬وأ َّما الإثم والعدوا ُن فهما َق ِرينا ِن‪ ،‬قال الله تعالى‪﴿ :‬ﯭ ﯮ ﯯ‬ ‫ﯰﯱﯲﯳ ﯴﯵ ﯶﯷ﴾ [المائدة‪.]2 :‬‬ ‫‪[ -8‬و] البغي غالب استعماله في حقوق العباد والاستطالة عليهم‪.‬‬ ‫‪ -10،9‬اولوأاَّمعاقستوافُللفحوَحاشلهِشفاكَطء ُّرل‪،‬واذفلممناياكرعشت؛قدٍلفإانلسفكلايحرماشلا‪،‬عُءق‪:‬وأو َُّمملاا اولمانظل ِفهك ُرَطرر ُق[لْبفههُحفوهه]اواللفاذكحليشُتأنة‪.‬حِك ُدره‪،‬‬ ‫‪ -11‬وأ َّما القول على الله بلا ِع ْلم‪ :‬فهو أش ُّد هذه ال ُمح َّرمات تحري ًام‪ ،‬وأعظ ُمها‬ ‫إث ًام‪ ،‬وهو أص ُل الشرِّ ك وال ُك ْفر‪ ،‬وعليه ُأ ِّسست البِ َد ُع وال َّضلالات‪،‬‬ ‫فك ُّل بدع ٍة ُم ِض َّلة في ال ِّدين أسا ُسها القو ُل على الله بلا ِع ْلم(((‪.‬‬ ‫َمشا ِه ُد ال َخ ْلق في المعص َّية‬ ‫‪-1‬فأ َّما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة‪ :‬فمشهد ال ُج َّهال الذين لا َف ْر َق‬ ‫بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة و ُن ْطق ال ِّلسان‪ ،‬ليس ه ُّمهم‬ ‫إلا مج َّرد َن ْيل الشهوة بأي طريق أ ْف َض ْت إليها‪ ،‬فهؤلاء نفو ُسهم نفو ٌس‬ ‫حيوانية لم َتترَ َ َّق عنها إلى درجة الإنسانية‪ ،‬فض ًال عن درجة الملائكة‪،‬‬ ‫ُم َتفا ِوتون‬ ‫بح َسب‬ ‫حالهم أ َخ ُّس من أ ْن ُت ْذكر‪ ،‬وهم في أحوالهم‬ ‫فهؤلاء‬ ‫الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها‪.‬‬ ‫تفا ُو ِت‬ ‫((( لم يتكلم ابن القيم عن الثاني عشر وهو ( اتباع سبيل غير المؤمنين )‪.‬‬ ‫‪74‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫فمنهم َمن ن ْف ُسه َك ْلب َّية‪ ،‬لو صا َدف جيف ًة ُتشبِ ُع أ ْل َف كل ٍب لوقع عليها‬ ‫وحماها من سائر الكلاب‪ ،‬وهمَُّه ِش َب ُع بطنِه من أي طعام ا َّت َفق؛ ميتة أو َذ ِك ّي‪،‬‬ ‫خبيث أو ط ِّيب‪ ،‬ولا يستحي من قبيح‪ ،‬إن تحَ ْ ِمل عليه َي ْل َهث أو َتترْ ُ ْكه يلهث‪.‬‬ ‫ومنهم َمن ن ْف ُسه حمِ ار َّية لم تخُ ْ َلق إلا لل َك ِّد والع َلف‪ ،‬كلما ِزي َد في ع َل ِفه زي َد‬ ‫في َك ِّده‪ ،‬أب َك ُم الحيوا ِن وأق ُّله بصير ًة‪ ،‬ولهذا م َّثل الله به َمن ح َّمله كتا َبه فلم‬ ‫يحَ ْ ِم ْله معرف ًة ولا فِق ًها ولا عم ًال‪ ،‬و َم َّثل بالكلب عالمِ َال ُّسوء الذي آتاه الله آياتِه‬ ‫فانسلخ منها وأخ َل َد إلى الأرض وا َّت َبع هواه‪.‬‬ ‫ومنهم َمن نف ُسه َس ُبع َّية غضبِ َّية‪ ،‬همَُّه العدوان على الناس و َقه ُرهم بما‬ ‫وصل ْت إليه قدر ُته‪ ،‬طبيعته تتقاضى ذلك ك َتقاضي طبيعة ال َّس ُبع لمَِا يص ُدر منه‪.‬‬ ‫ومنهم َمن نف ُسه َف ْأ ِر َّي ٌة‪ ،‬فاس ٌق بط ْب ِعه‪ُ ،‬م ْف ِسد لما جا َو َره‪ ،‬تسبي ُحه بلسان‬ ‫الحال‪ :‬سبحان َمن َخ َل َقه للفساد‪.‬‬ ‫ومنهم َمن نف ُسه على نفو ِس َذوات ال ُّس ُموم والحُماَ ت‪ ،‬كالح َّية والعقرب‬ ‫وغيرهما‪ ،‬وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه‪ ،‬ف ُيد ِخل الرج َل القب َر‪،‬‬ ‫وال َج َم َل ال ِق ْد َر‪.‬‬ ‫و ِمن الن َّاس َمن َط ْب ُعه َطب ُع ِخنزير؛ َي ُم ُّر بالط ِّيبات فلا َي ْل ِوي عليها‪ ،‬فإذا‬ ‫قا َم الإنسا ُن عن َرجي ِعه َق َّمه‪ ،‬وهكذا كثي ٌر من النا ِس‪ ،‬يسم ُع منك وي َرى من‬ ‫المحا ِسن أضعا َف أضعا ِف المسا ِوئ‪ ،‬فلا يتح َّف ُظها ولا ينق ُلها ولا تنا ِس ُبه‪،‬‬ ‫فإذا رأى َس ْقط ًة أو كلمة َع ْورا َء َو َج َد ُب ْغ َي َته وما ينا ِس ُبه‪ ،‬فج َعلها فاكه َته و ُن ْق َله‪.‬‬ ‫‪75‬‬

‫ومنهم َمن هو على طبيعة ال َّطاوو ِس؛ ليس له إلا ال َّت َط ُّوس وال َّت َز ُّين‬ ‫بال ِّريش‪ ،‬وما وراء ذلك شي ٌء‪.‬‬ ‫ومنهم َمن هو على طبيعة الجَ َمل؛ أ ْح َق ُد الحيوان‪ ،‬وأغ َل ُظه َكبِ ًدا‪.‬‬ ‫وأحم ُد طبائ ِع الحيوانا ِت طبائ ُع الخيل‪ ،‬التي هي أش َر ُف الحيوانا ِت ُنفو ًسا‪،‬‬ ‫وأكر ُمها طِبا ًعا‪ ،‬وكذلك ال َغنَم‪.‬‬ ‫والمقصو ُد أ َّن أصحا َب هذا المشه ِد ليس لهم ُش ُهو ٌد ِسوى َم ْي ِل نفو ِسهم‬ ‫وشهواتهِ م‪ ،‬لا يعرفون ما وراء ذلك ال َب َّتة‪.‬‬ ‫‪ -2‬ومشه ُد ِحكم ِة اللهِ في تقدي ِره على عب ِده ما ُي ْب ِغ ُضه سبحا َنه ويكر ُهه‪ ،‬ويلو ُم‬ ‫ويعا ِقب عليه‪ ،‬وأ َّنه لو شاء ل َع َص َمه منه‪ ،‬ولحَ ا َل بينه وبينه‪ ،‬وأ َّنه سبحانه‬ ‫لا ُيعصىَ َقسرًْ ا‪ ،‬وأ َّنه لا يكو ُن في العالمَ شي ٌء إلا بمشيئتِه‪﴿ ،‬ﮞ ﮟ ﮠ‬ ‫ﮡﮢﮣﮤﮥﮦ﴾ [الأعراف‪.]54 :‬‬ ‫وهؤلاء َيش َهدون أ َّن الله سبحانه لم يخَ ْ ُلق شي ًئا عب ًثا ولا ُس ًدى‪ ،‬وأ َّن له‬ ‫ال ِحكم َة البالِغ َة في كل ما َق َّد َره وقضا ُه ِمن خير وشرٍَّ ‪ ،‬وطاع ٍة ومعصية‪.‬‬ ‫ويكفي من هذا مثا ٌل واح ٌد‪ ،‬وهو أ َّنه لولا المعصي ُة ِمن أبيِ البشر‪-‬بأ ْك ِله ِمن‬ ‫الشجرة‪ -‬لما َت َر َّتب على ذلك ما َت َر َّتب من وجود هذه المحبوبات ال ِعظام لل َّر ِّب‬ ‫تعالى‪ِ ،‬من امتحان َخ ْل ِقه وتكلي ِفهم‪ ،‬وإرسال ُر ُس ِله‪ ،‬وإنزا ِل ُك ُتبِه‪ ،‬وإظها ِر‬ ‫آياته وعجا ِئبه‪ ،‬وتنويعها وتصريفها‪ ،‬وإكرا ِم أوليا ِئه‪ ،‬وإهان ِة أعدائه‪ ،‬وظهو ِر‬ ‫َع ْدلِه وفض ِله‪ ،‬وع َّزتِه وانتقا ِمه‪ ،‬و َع ْف ِوه ومغفرتِه‪ ،‬و َص ْف ِحه و ِح ْل ِمه‪ ،‬وظهو ِر‬ ‫‪76‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫َمن يع ُب ُده ويحُ ِ ُّبه ويقوم بِ َمرا ِضيه بين أعدا ِئه في دار الابتلا ِء والامتحان‪.‬‬ ‫‪[ -3‬مشهد التوحيد] وهو أ ْن َيشهد انفرا َد ال َّر ِّب تعالى بالخَ ْلق والحُ ْكم‪ ،‬وأ َّنه‬ ‫ما شاء كان‪ ،‬وما لم َي َش ْأ لم يكن‪ ،‬وأ َّنه لا تتح َّرك َذ َّر ٌة إلا بإذنه‪ ،‬وأ َّن الخَ ْلق‬ ‫َمقهورون تحت قبضته‪ ،‬وأ َّنه ما ِمن ق ْل ٍب إلا وهو بين أصابعه‪ ،‬إن شاء‬ ‫أن ُي ِقي َمه أقامه‪ ،‬وإن شاء أن ُيزي َغه أزا َغه‪ ،‬فالقلو ُب بيده‪ ،‬وهو ُم َق ِّل ُبها‬ ‫و ُمصرَِّ ُفها كيف شاء وكيف أراد ‪.‬‬ ‫‪ -4‬مشه ُد التوفي ِق وال ِخذلان‪ ،‬وقد أجم َع العا ِرفون بالله أ َّن التوفيق هو ألاَّ‬ ‫َي ِك َلك الله إلى نفسك‪ ،‬وال ِخذلان أ ْن يخُ َليِّ ب ْينك وبينها؛ فالعبيد ُمتق ِّلبون‬ ‫بين توفيقه و ِخذلانه‪ ،‬بل العبد في ال َّساعة الواحدة ينال نصي َبه من هذا‬ ‫وهذا‪ ،‬ف ُيطي ُعه و ُيرضيه و َيذ ُكره ويشكره بتوفيقه له‪ ،‬ثم َيعصيه ويخالفه‬ ‫و ُي ْس ِخ ُطه ويغ ُف ُل عنه ب ِخذلانه له‪ ،‬فهو دا ِئ ٌر بين توفيقه و ِخذلانه‪ ،‬فإ ْن‬ ‫َو َّف َقه فبفضله ورحمته‪ ،‬وإ ْن َخ َذله فبِعدلِه و ِحكمته‪ ،‬وهو المحمود على‬ ‫هذا وهذا‪ ،‬له أ َت ُّم حم ٍد وأكم ُله‪ ،‬ولم َيمنع العب َد شي ًئا هو له‪ ،‬وإ َّنما منعه ما‬ ‫هو مج َّر ُد فض ِله وعطائه‪ ،‬وهو أعل ُم حيث يضعه وأين يجعله‪.‬‬ ‫فمتى ش ِهد العب ُد هذا المشه َد وأعطاه ح َّقه َع ِلم ضرور َته وفاق َته إلى التوفيق‬ ‫في كل ن َفس‪ ،‬وك ِّل لحظ ٍة وط ْرف ِة عين‪ ،‬وأ َّن إيمانه وتوحيده بِ َي ِد غيره‪ ،‬لو تخَلىَّ‬ ‫عنه طرف َة عي ٍن ل ُث َّل عر ُشه‪ ،‬ولخَ َ َّرت سما ُء إيمانِه على الأرض‪ ،‬وأ َّن ال ُم ْم ِسك له‬ ‫َمن ُيم ِسك السما َء أن تقع على الأرض إلا بإذنه‪ ،‬ف ِه ِّجي َرى قلبِه ودأ ُب لسانه‪:‬‬ ‫«يا ُمق ِّل َب ال ُقلو ِب‪َ ،‬ث ِّب ْت َق ْلبي على ِدينِ َك»‪ ،‬و«يا ُمصرَِّ َف ال ُقلو ِب‪ ،‬صرَِّ ْف‬ ‫‪77‬‬

‫َق ْلبي على طا َعتِ َك»‪ ،‬ودعواه‪« :‬يا َح ُّي يا َق ُّيو ُم‪ ،‬يا َبدي َع ال َّس َموا ِت والأر ِض‪،‬‬ ‫يا ذا الجَلا ِل والإكرا ِم‪ ،‬لا إل َه إلاَّ أن َت‪ ،‬ب َرحمتِ َك أس َتغي ُث‪ ،‬أ ْص ِل ْح لي ش ْأني ُك َّله‪،‬‬ ‫ولا َت ِك ْلني إلى َن ْفسي َط ْرف َة َعينْ ٍ ‪ ،‬ولا إلى أ َح ٍد ِم ْن َخ ْل ِق َك»‪.‬‬ ‫والتوفيق إرادة الله من نف ِسه أ ْن يفع َل بعب ِده ما َي ْص ُلح به العبد‪ ،‬بأن يجعله‬ ‫قاد ًرا على فِعل ما ُيرضيه‪ُ ،‬مري ًدا له‪ ،‬محُِ ًّبا له‪ ،‬م ْؤث ًرا له على غيره‪ ،‬و ُي َب ِّغض إليه‬ ‫ما ُيس ِخ ُطه‪ ،‬و ُي َك ِّرهه إليه‪ ،‬وهذا مجُ َّرد فعله‪ ،‬والعبد محَ َ ٌّل له‪ ،‬قال تعالى‪﴿ :‬ﭾ‬ ‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ‬ ‫ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ﴾ [الحجرات‪.]8 - 7 :‬‬ ‫وقد ضرُ ِ ب للتوفيق وال ِخذلا ِن َم َثل‪َ :‬م ِلك أرس َل إلى أه ِل بلد ٍة ِمن بلا ِده‬ ‫رسو ًال‪ ،‬وكت َب معه كتا ًبا ُي ْع ِل ُمهم أ َّن العد َّو ُم َص ِّب ُحهم عن قريب ومجُ ْتا ُحهم‪،‬‬ ‫ومخُ َ ِّرب البلد‪ ،‬و ُم ْه ِلك َمن فيها‪ ،‬وأرسل إليهم أموا ًال ومراك َب وزا ًدا‬ ‫و ُع َّد ًة وأ ِد َّل ًة‪ ،‬وقال‪ :‬ارت ِح ُلوا إل َّي مع هؤلاء الأ ِد َّلة‪ ،‬وقد أرسلت إليكم جميع‬ ‫ما تحتاجون إليه‪ ،‬ثم قال لجماعة من مماليكه‪ :‬اذهبوا إلى فلان‪ ،‬ف ُخذوا بيده‬ ‫واحمْ ِلوه‪ ،‬ولا َت َذروه َيق ُعد‪ ،‬واذهبوا إلى فلان كذلك وإلى فلان‪ ،‬و َذ ُروا َمن‬ ‫َعدا ُهم؛ فإنهَّ م لا َيص ُلحون أ ْن ُيسا ِكنُوني في بلدي‪ ،‬فذهب َخوا ُّص الم ِلك‬ ‫إلى َمن ُأ ِمروا بِ َح ْم ِلهم‪ ،‬فلم يتركوهم َي ِق ُّرون‪ ،‬بل حمَ َ ُلوهم حمَ ْ اًل‪ ،‬وسا ُقوهم‬ ‫الملك‪ ،‬فا ْجتا َح العد ُّو َمن َب ِقي في المدينة و َق َتلهم‪،‬‬ ‫أووألسرئَ َك َمبإنحأسرَساَنِه‪.‬‬ ‫المل ُك ظال ًما لهؤلاء‪ ،‬أم عاد اًل فيهم؟ نعم‪َ ،‬خ َّص‬ ‫َس ْو ًقا إلى‬ ‫فهل ُي َع ُّد‬ ‫وعنايتِه‪ ،‬و َح َرمها َمن َعداهم؛ إ ْذ لا تجب عليه ال َّتسوي ُة بينهم في فضله‬ ‫وإكرامه‪ ،‬بل ذلك ف ْض ُله وإكرا ُمه ي ْؤتيه َمن يشاء‪.‬‬ ‫‪78‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫‪-5‬مشهدالأسماءوال ِّصفات‪،‬وهو ِمنأ َج ِّلالمشاهد‪،‬وهوأعلىمماق ْب َلهوأوسع‪.‬‬ ‫وال ُم ْطلِععلىهذاالمشهد‪:‬معرفة َت َع ُّلقالوجود َخ ْل ًقاوأم ًرابالأسماءالحسنى‪،‬‬ ‫والصفات ال ُعلىَ ‪ ،‬وارتباطِه بها‪ ،‬وأ َّن العالم بما فيه ِمن بعض آثارها ومقتضاها‪.‬‬ ‫فله في كل ما قضى وق َّد َره الحكم ُة البالغة‪ ،‬والآيا ُت الباهرة‪ ،‬والتع ُّرف إلى‬ ‫عبا ِده بأسمائه وصفاته‪ ،‬واستدعا ُء مح َّبتِهم له‪ ،‬و ِذ ْك ِرهم له‪ ،‬وشكرهم له‪،‬‬ ‫وتع ُّب ِدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ ك ُّل اس ٍم فله تع ُّب ٌد مخُ َت ٌّص به‪ِ ،‬ع ْل ًام ومعرف ًة‬ ‫وحا ًال‪ ،‬وأكم ُل النا ِس عبود َّي ًة‪ :‬المتع ِّب ُد بجميع الأسماء والصفات التي ي َّط ِلع‬ ‫عليها البشر‪ ،‬فلا تحَ ُج ُبه عبودي ُة‪ :‬اس ٍم عن عبود َّية اس ٍم آ َخ َر‪ ،‬ك َم ْن يح ُج ُبه التع ُّبد‬ ‫باسمه (القدير) عن التع ُّبد باسمه (الحليم الرحيم)‪ ،‬أو تحجبه عبود َّية اسمه‬ ‫(المعطِي) عن عبود َّية اسمه (المانع)‪ ،‬أو عبود َّية اسمه (الرحيم) و(الع ُفو)‬ ‫و(الغفور) عن اسمه (المنت ِقم)‪ ،‬أو التع ُّبد بأسماء التو ُّدد‪ ،‬والبرِِّ‪ ،‬وال ُّلطف‪،‬‬ ‫والإحسان عن أسماء العدل‪ ،‬والجبروت‪ ،‬والكبرياء‪ ،‬والعظمة ونحو ذلك‪.‬‬ ‫وهذه طريق ُة ال ُك َّم ِل من ال َّسائري َن إلى الله تعالى‪ ،‬وهي طريق ٌة مشت َّق ٌة من قل ِب‬ ‫القرآن‪ ،‬قال الله تعالى‪ ﴿ :‬ﭳﭴﭵﭶﭷ﴾ [الأعراف‪ ،]180 :‬وال ُّدعاء‬ ‫بها يتنا َو ُل دعا َء المسألة‪ ،‬ودعا َء ال َّثناء‪ ،‬ودعا َء التع ُّبد‪ ،‬وهو سبحانه يدعو عبا َده‬ ‫إلىأ ْن يعر ُفوهبأسمائه وصفاتِه‪،‬و ُي ْثنُواعليهبها‪ ،‬ويأ ُخذوابِ َح ِّظهممنعبود َّيتِها‪.‬‬ ‫وهوسبحانهيحب ُمو َج َبأسمائهوصفاتِه‪،‬فهو(عليم)يح ُّبك َّلعلي ٍم‪َ (،‬ج َواد)‬ ‫يح ُّب ك َّل َجواد‪ِ ( ،‬و ْت ٌر) يحب ال ِو ْتر‪( ،‬جميل) يح ُّب الجمال‪َ ( ،‬ع ُف ٌّو) يحب ال َع ْفو‬ ‫وأه َله‪َ (،‬ح ِي ٌّي)يحبالحياءوأه َله‪َ (،‬ب ٌّر)يحبالأبرار‪َ (،‬ش ُكور)يحبالشاكرين‪،‬‬ ‫( َص ُبور) يح ُّب الصابِري َن؛ (حليم) يح ُّب أه َل ال ِح ْلم‪ ،‬ف ِلمح َّبتِه سبحانه لل َّتوبة‬ ‫‪79‬‬

‫والمغفرة‪ ،‬والعف ِو وال َّص ْف ِح؛ َخ َل َق َمن يغف ُر له‪ ،‬ويتو ُب عليه‪ ،‬ويعفو عنه‪ ،‬و َق َّدر‬ ‫عليه ما يقتضي وقو َع المكروه وال َم ْب ُغوض له؛ ليتر َّتب عليه المحبو ُب له ال َم ْرضيُِّ‬ ‫له‪ ،‬فتو ُّسطه كتو ُّسط الأسباب المكروهة ال ُم ْف ِضية إلى المحبوب‪.‬‬ ‫‪6‬ـ مشهد زيادة الإيمان وتع ُّدد شوا ِهده‪ ،‬وهذا ِمن ألط ِف المشاهد‪ ،‬وأ َخ ِّصها‬ ‫بأه ِل المعرفة‪.‬‬ ‫وآثار الحسنا ِت وال َّس ِّيئا ِت في القلو ِب والأبدا ِن والأموال‪ ،‬أم ٌر مشهود‬ ‫في العالمَ ‪ ،‬لا ينك ُره ذو عق ٍل سليم‪ ،‬بل َيع ِر ُفه المؤم ُن والكافر‪ ،‬والبرَُّ والفاجر‪.‬‬ ‫وشهو ُد العب ِد هذا في نف ِسه وفي غي ِره‪ ،‬وتأ ُّم ُله ومطالع ُته‪ ،‬مما يق ِّوي إيما َنه‬ ‫بما جاءت به ال ُّر ُسل‪ ،‬وبال َّثواب وال ِعقاب‪ ،‬فإ َّن هذا عد ٌل مشهو ٌد محسو ٌس في‬ ‫هذا العالمَ ‪ ،‬و َم ُثوبا ٌت و ُعقوبا ٌت عاجلة دا َّلة على ما هو أعظ ُم منها لمن كانت‬ ‫له بصير ٌة‪ ،‬كما قال لي بع ُض النَّا ِس‪ :‬إذا َص َد َر مني َذن ٌب ولم أبا ِدره‪ ،‬ولم أتدا َر ْكه‬ ‫بال َّت ْوبة انتظر ُت أث َره الس ِّيئ‪ ،‬فإذا أصا َبني ‪-‬أو فو َقه أو دو َنه‪ -‬كما حسب ُت‪،‬‬ ‫يكون ِه ِّجيرا َي‪ :‬أشهد أن لا إله إلا الله‪ ،‬وأشهد أ َّن محم ًدا رسو ُل‪ ‬الله‪ ،‬ويكون‬ ‫ذلك ِمن شواه ِد الإيمان وأد َّلتِه‪ ،‬فإ َّن الصادق متى أخبرك أ َّنك إذا فعل َت كذا‬ ‫وكذا تر َّتب عليه ِمن المكروه كذا وكذا‪ ،‬فجعل َت ك َّلما فعل َت شي ًئا من ذلك‬ ‫حصل لك ما قال ِمن المكروه‪ ،‬لم َت ْز َد ْد إلا ِع ْل اًم بصدقه وبصير ًة فيه‪ ،‬وليس‬ ‫هذا لك ِّل أحد‪ ،‬بل أكثر الناس َت ِري ُن الذنو ُب على ق ْلبِه‪ ،‬فلا يشه ُد شي ًئا ِمن‬ ‫ذلك‪ ،‬ولا يشع ُر به الب َّت َة‪.‬‬ ‫وإ َّنما يكون هذا القل ُب فيه نو ُر الإيمان‪ ،‬وأ ْه ِوي ُة ال ُّذنوب والمعاصي َتع ِص ُف‬ ‫‪80‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫فيه‪ ،‬فهو يشا ِهد هذا وهذا‪ ،‬ويرى حال ِمصبا ِح إيمانه مع ق َّوة تلك الأ ْهوي ِة‬ ‫وال ِّرياح‪ ،‬فيرى نفسه كرا ِك ِب البح ِر عند َه َيجا ِن ال ِّرياح‪ ،‬وتق ُّل ِب السفين ِة‬ ‫و َت َك ُّف ِئها‪ ،‬ولا س َّيما إذا انكسر ْت به‪ ،‬و َب ِق َي على َلو ٍح تلعب به ال ِّرياح‪ ،‬فهكذا‬ ‫المؤم ُن يشاه ُد نف َسه عند ارتكا ِب ال ُّذنوب‪ ،‬إذا ُأ ِري َد به الخي ُر‪ ،‬وإ ْن أري َد به غي ُر‬ ‫ذلك فقل ُبه في وا ٍد آخر‪.‬‬ ‫ومتى انف َت َح هذا البا ُب للعبد انتفع بمطا َلع ِة تاري ِخ العالمَ ‪ ،‬وأحوا ِل الأُ َمم‪،‬‬ ‫ومجُ ْ َريات الخَ ْلق‪ ،‬بل انتفع ب ُمجريات أه ِل زمانِه وما يشا ِه ُده من أحوال النَّاس‪.‬‬ ‫فال ُّذنوب مثل ال ُّسموم ُمضرَِّ ٌة بال َّذات‪ ،‬فإ ْن تدا َركها ِمن َس ْق ٍي بالأدوية‬ ‫المقا ِوم ِة لها‪ ،‬وإلا َق َه َرت ال ُق َّو َة الإيمان َّية‪ ،‬وكان الهلا ُك‪ ،‬كما قال بعض ال َّس َلف‪:‬‬ ‫«المعاصي َب ِري ُد ال ُك ْفر‪ ،‬كما أ َّن ال ُح َّمى َبري ُد الموت»‪.‬‬ ‫فشهو ُد العب ِد ن ْق َص حالِه إذا عصى َر َّبه وتغيرُّ َ القلو ِب عليه‪ ،‬و ُجفولهَ ا‬ ‫منه‪ ،‬وانسدا َد الأبوا ِب في وجهه‪ ،‬و َتو ُّع َر المسال ِك عليه‪ ،‬و َهوا َنه على أه ِل‬ ‫بيتِه وأولا ِده وزوجتِه وإخوانِه‪ ،‬و َت َط ُّل ُبه سب َب ذلك حتى يع َل َم من أين‬ ‫ُأتيِ ‪ ،‬ووقو ُعه على السبب المو ِجب لذلك‪ ،‬مما يق ِّوي إيما َنه‪ ،‬فإ ْن أقلع وباشرَ َ‬ ‫الأسبا َب التي ُتفضي به إلى ض ِّد هذه الحال‪ ،‬رأى ال ِع َّز بعد ال ُّذ ِّل‪ ،‬وال ِغنى بعد‬ ‫الفقر‪ ،‬والسرُّ و َر بعد الحزن‪ ،‬والأم َن بعد الخوف‪ ،‬والق َّو َة في قلبِه بعد َضع ِفه‬ ‫و َو َهنِه؛ ازدا َد إيما ًنا مع إيمانه‪ ،‬ف َت ْقوى شواه ُد الإيما ِن في قلبِه وبراهينُه وأد َّل ُته‬ ‫في حال معصيتِه وطاعتِه‪ ،‬فهذا ِمن الذي َن قال اللهُ فيهم‪ ﴿ :‬ﭷﭸﭹ‬ ‫ﭺﭻﭼﭽﭾ ﭿﮀﮁﮂ﴾ [الزمر‪.]35 :‬‬ ‫‪81‬‬

‫َفيفينهْف‪ِ ،‬سوهأ‪،‬عوطنافهعحب َّقهه َم‪،‬نصاشراءِم ِمن أنطَ َّبخا ْلءِقاهل‪.‬قلو ِب‬ ‫وصاح ُب هذا المشه ِد متى تبصرَّ‬ ‫العالمِي َن بدا ِئها و َدوا ِئها‪ ،‬فنفعه الله‬ ‫‪7‬ـ مشهد الرحمة؛ فإ َّن العب َد إذا وقع في ال َّذنب خرج ِمن قلبِه تلك ال ِغلظ ُة‬ ‫والقسوة‪ ،‬والكيف َّي ُة ال َغ َضبِ َّي ُة التي كانت عنده لمن َص َد َر منه َذ ْن ٌب‪ ،‬حتى‬ ‫لو َق َد َر عليه لأهلكه‪ ،‬ور َّبما دعا اللهَ عليه أ ْن هُي ِل َكه ويأخ َذه‪ ،‬غض ًبا منه‬ ‫لله‪ ،‬و ِحر ًصا على أ ْن لا ُي ْعصى‪ ،‬فلا يج ُد في قلبِه رحم ًة لل ُمذنبِي َن الخ ّطائين‪،‬‬ ‫ولا يراهم إلا بِ َعينْ ِ الاحتِقا ِر والاز ِدرا ِء‪ ،‬ولا َي ْذ ُك ُرهم إلا بلسان ال َّط ْع ِن‬ ‫فيهم‪ ،‬وال َع ْي ِب لهم وال َّذ ِّم‪ ،‬فإذا َج َر ْت عليه المقادي ُر و ُخليِّ ونف َسه استغا َث‬ ‫باللهِ وال َتجأ إليه‪ ،‬وتمَ َ ْل َم َل بين يديه تمَ َ ْل ُم َل ال َّس ِليم‪ ،‬ودعاه ُدعا َء ال ُم ْض َط ِّر‪،‬‬ ‫فوَتلَِبي ّنًداَل‪،‬تم تعلقيكا ِامله ِغبلحظ ُةدوع ِدلىالاللمه‪،‬ذنِبِوتيبَن ّد َِر َّلق ًة ُد‪،‬عواتُؤلهكعاللي َقهمسا ُدو ُةعا ًعءللىهامل‪َ،‬خ َّطوا َئِجيَعَنلرلحهم ًمة‬ ‫وظيف ًة من ُع ُمره‪ ،‬يسأ ُل الل َه فيها أ ْن يغف َر لهم‪ ،‬فما أنف َعه له ِمن مشهد! وما‬ ‫أعظ َم َج ْدواه عليه!‬ ‫‪8‬ـ مشهد العجز والضعف‪ ،‬وأ َّنه أع َج ُز شيء عن ِح ْفظ نفسه وأضع ُف‪،‬‬ ‫وأ َّنه لا ق َّوة له ولا قدرة ولا حو َل إلا بِر ِّبه‪ ،‬فيشهد قل َبه كريشة ُم ْلقا ٍة‬ ‫بأر ِض َفلا ٍة ُتسيرِّ ُ ها الرياح يمينًا وشما ًال‪ ،‬ويشهد نف َسه كراك ِب سفين ٍة‬ ‫في البحر تهَ ِي ُج بها الرياح‪ ،‬وتتلاعب بها الأمواج‪ ،‬ترفعها تارة‪ ،‬وتخَ ِف ُضها‬ ‫أخرى‪ ،‬تجري عليه أحكا ُم ال َق َدر‪ ،‬وهو كالآلة َط ِري ًحا بين يد ْي ول ِّيه‪،‬‬ ‫ُم ْل ًقى ببابه‪ ،‬واض ًعا خ َّده على َثرى أعتابه‪ ،‬لا َيمل ُك لنفسه ضرًَّ ا ولا نف ًعا‪،‬‬ ‫ولا مو ًتا ولا حياة ولا ُنشو ًرا‪ ،‬ليس له ِمن نفسه إلا الجه ُل وال ُّظلم‪،‬‬ ‫‪82‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫وآثا ُرهما ومقتضياتهُ ما‪ ،‬فالهلا ُك أدنى إليه ِمن شرِ اك َنع ِله‪ ،‬كشا ٍة ُم ْلقا ٍة بين‬ ‫ال ِّذئاب وال ِّسباع‪ ،‬لا َي ُر ُّدهم عنها إلا ال َّراعي‪ ،‬فلو تخلىَّ عنها ط ْرف َة عي ٍن‬ ‫لتقاسموها أعضا ًء‪.‬‬ ‫وهكذا حا ُل العب ِد ُم ْل ًقى بين الله وبين أعدا ِئه؛ ِمن شياطي ِن الإن ِس والج ِّن‪،‬‬ ‫فإ ْن حمَ ا ُه منهم وك َّفهم عنه لم يجَ دوا إليه سبي اًل‪ ،‬وإن تخلىَّ عنه‪ ،‬و َو َك َله إلى نفسه‬ ‫طرف َة عي ٍن لم َين َق ِسم عليهم‪ ،‬بل هو نصي ُب َمن َظ ِفر به منهم‪.‬‬ ‫والمقصود أ َّن في هذا المشه ِد َيع ِر ُف العب ُد أ َّنه عاج ٌز ضعيف‪ ،‬ف َتزو ُل عنه‬ ‫ُرعونا ُت ال َّدعا َوى‪ ،‬والإضافات إلى نفسه‪ ،‬ويعلم أ َّنه ليس له ِمن الأم ِر شيء‪،‬‬ ‫وليس بيده شيء‪ ،‬إ ْن هو إلاَّ محَ ْ ُض الفقر والعج ِز وال َّضعف‪.‬‬ ‫‪9‬ـ مشهد ال ُّذ ِّل‪ ،‬والانكسار‪ ،‬والخضوع‪ ،‬والافتقا ِر لل َّر ِّب ‪ ،‬فيشهد في كل‬ ‫َذ َّر ٍة من َذ َّراتِه الباطنة وال َّظاهرة ضرور ًة تا َّم ًة‪ ،‬وافتقا ًرا تا ًّما إلى ر ِّبه َو َولِ ِّيه‪،‬‬ ‫و َمن بيده صلا ُحه وفلاحه‪ ،‬و ُهداه وسعاد ُته‪ ،‬وهذه الحال التي تح ُصل‬ ‫لقلبِه لا َتنا ُل العبار ُة حقيق َتها‪ ،‬وإ َّنما تد َرك بالحصول‪ ،‬فيح ُصل لقلبِه‬ ‫َكسرْ ٌة خا َّصة لا ُي ْشبِ ُهها شيء‪ ،‬بحيث يرى نفسه كالإناء ال َم ْر ُضوض تحت‬ ‫الأر ُجل‪ ،‬الذي لا شيء فيه‪ ،‬ولا به ولا منه‪ ،‬ولا فيه منفعة‪ ،‬ولا ُير َغب في‬ ‫مثله‪ ،‬وأنه لا يص ُلح للانتفا ِع إلا بِ َجب ٍر جدي ٍد ِمن صانِعه و َق ِّي ِمه‪ ،‬فحينئذ‬ ‫يستكثر في هذا المشهد ما ِم ْن َر ِّبه إليه ِمن الخي ِر‪ ،‬ويرى أنه لا َيست ِح ُّق منه‬ ‫قلي اًل ولا كثي ًرا‪ ،‬فأ ُّي خي ٍر نا َله من الله تعالى استكث َره على نفسه‪ ،‬وع ِلم أ َّن‬ ‫َق ْد َره ُدو َنه‪ ،‬وأ َّن رحم َة ر ِّبه اقتضت ِذ ْك َره به‪ ،‬وسياق َته إليه‪ ،‬واس َت َق َّل ما ِمن‬ ‫‪83‬‬

‫نفسه ِمن الطاعات ل َر ِّبه‪ ،‬ورآها‪ -‬ولو سا َو ْت طاعا ِت ال َّثق َلينْ ِ‪ِ -‬من أق ِّل‬ ‫ما ينبغي لر ِّبه عليه‪ ،‬واستكثر قلي َل معاصيه وذنوبِه‪ ،‬فإ َّن ال َكسرْ ة التي‬ ‫حصلت لقلبه أوج َب ْت له هذا ك َّله‪.‬‬ ‫فما أقرب الجَب َر ِمن هذا القل ِب المكسو ِر! وما أدنى النَّص َر والرحمة وال ِّرز َق‬ ‫منه! وما أنف َع هذا المشه َد له وأ ْجداه عليه! و َذ َّر ٌة ِمن هذا و َن َف ٌس منه أح ُّب‬ ‫إلى الله من طاعا ٍت أمثال الجبال من ال ُم ِد ِّلي َن ال ُمع َجبِي َن بأعمالهم وعلو ِمهم‬ ‫وأحوالهم‪ ،‬وأح ُّب القلوب إلى الله سبحانه قل ٌب قد تم َّكنت منه هذه ال َكسرْ ة‪،‬‬ ‫و َم َل َك ْته هذه ال ِّذ َّلة‪ ،‬فهو نا ِك ُس الرأس بين يد ْي ر ِّبه‪ ،‬لا يرفع رأسه إليه حيا ًء‬ ‫وخج ًال من الله تعالى‪.‬‬ ‫قيل لبع ِض العا ِرفي َن‪ :‬أ َيسج ُد القل ُب؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬يسج ُد سجد ًة لا يرف ُع‬ ‫رأ َسه منها إلى يوم ال ِّلقاء‪ ،‬فهذا سجود القلب‪.‬‬ ‫فقل ٌب لا تباشرِ ُ ه هذه ال َكسرْ ُة فهو غي ُر ساج ٍد السجو َد المراد منه‪ ،‬وإذا سج َد‬ ‫القل ُبللههذهالسجد َةال ُع ْظمىسج َد ْتمعهجمي ُعالجوار ِح‪،‬و َع َناالوج ُهحينئذ‬ ‫لل َح ِّي ال َق ُّيو ِم‪ ،‬و َخ َش َع ال َّصو ُت والجوار ُح ك ُّلها‪ ،‬و َذ َّل العب ُد و َخ َض َع واستكان‪،‬‬ ‫وو َض َع خ َّده على عتبة العبود َّية‪ ،‬ناظ ًرا بق ْلبِه إلى ر ِّبه و َولِ ِّيه َن َظ َر ال َّذلي ِل إلى‬ ‫العزيز ال َّرحيم‪ ،‬فلا ُيرى إلاَّ ُم َتم ِّل ًقا لر ِّبه‪ ،‬خا ِض ًعا له‪ ،‬ذلي ًال مستكي ًنا ُمستع ِط ًفا‬ ‫له‪ ،‬يسأله َع ْط َفه ورحم َته‪ ،‬فهو َيتر َّىض ر َّبه كما يتر ىَّض ال ُم ِح ُّب الكامل المح َّب ِة‬ ‫محبو َبه المال َك له‪ ،‬الذي لا ِغنى له عنه‪ ،‬ولا بد له منه‪ ،‬فليس له ه ٌّم غير‬ ‫استرضائه واستعطافه؛ لأ َّنه لا حياة له ولا فلاح إلا في ُق ْربِه ورضاه عنه‪،‬‬ ‫‪84‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫ومح َّبتِه له‪ ،‬يقول‪ :‬كيف ُأغ ِضب َمن حياتي في رضاه؟ وكيف أ ْع ِد ُل ع َّمن‬ ‫سعادتي وفلاحي و َف ْوزي في ُق ْربه و ُح ِّبه و ِذ ْك ِره؟‬ ‫وصاح ُب هذا المشهد‪ :‬يشهد نف َسه كر ُج ٍل كان في َكنَ ِف أبيه َي ْغ ُذوه بأطي ِب‬ ‫ال َّطعام والشرَّ اب وال ِّلباس‪ ،‬و ُي َز ِّينه أحس َن ال ِّزينة‪ ،‬و ُي َر ِّقيه درجا ِت الكما ِل أ َت َّم‬ ‫ترقية‪ ،‬وهو ال َق ِّي ُم بمصال ِحه ك ِّلها‪ ،‬فبع َثه أبوه في حاجة له‪ ،‬فخ َرج عليه في‬ ‫طريقه ع ُد ٌّو‪ ،‬فأسرَ َ ه وك َّت َفه و َش َّده َوثا ًقا‪ ،‬ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسا َمه‬ ‫ُسو َء العذاب‪ ،‬وعا َم َله بِ ِض ِّد ما كان أبوه يعامله به‪ ،‬فهو يتذ َّكر تربي َة والده‬ ‫وإحسانه إليه ال َف ْين َة بعد ال َفينة‪ ،‬ف َت ِهيج من قلبه َلوا ِع ُج الحسرات ك َّلما رأى‬ ‫حا َله وتذ َّكر ما كان عليه وك َّل ما كان فيه‪ ،‬فب ْينا هو في أسرْ ِ عد ِّوه َيسو ُمه‬ ‫سو َء العذا ِب‪ ،‬ويريد َن ْح َره في آخر الأمر‪ ،‬إذ حانت منه التفات ٌة إلى نحو ِديا ِر‬ ‫أبيه‪ ،‬فرأى أباه منه قري ًبا‪ ،‬فسعى إليه‪ ،‬وألقى ن ْف َسه عليه‪ ،‬وان َط َر َح بين يديه‪،‬‬ ‫يستغي ُث‪ :‬يا أبتاه‪ ،‬يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه‪ ،‬ودمو ُعه َتس َتبِ ُق على‬ ‫َخ َّد ْي ِه‪ ،‬قد اعتنقه والتزمه‪ ،‬وعد ُّوه في طلبِه‪ ،‬حتى وقف على رأسه‪ ،‬وهو ُملت ِز ٌم‬ ‫لوالده مُ ِس ٌك له‪ ،‬فهل تقول‪ :‬إ َّن وال َده ُي ْس ِل ُمه مع هذه الحا ِل إلى ع ُد ِّوه ويخُليِّ‬ ‫بينه وبينه؟! فما ال َّظ ُّن بمن هو أرح ُم بعبده ِمن الوالد بولده‪ ،‬والوالد ِة بول ِدها‬ ‫إذا َف َّر إليه‪ ،‬وه َرب من عد ِّوه إليه‪ ،‬وألقى نفسه طري ًحا ببابه‪ُ ،‬ي َم ِّرغ خ َّده في‬ ‫ثرى أعتابه باك ًيا بين يديه‪ ،‬يقول‪ :‬يا ر ِّب‪ ،‬يا ر ِّب‪ ،‬ارحم َمن لا را ِح َم له‬ ‫سواك‪ ،‬ولا ول َّي له سواك‪ ،‬ولا ناصر له سواك‪ ،‬ولا ُم ْؤ ِوي له سواك‪ ،‬ولا‬ ‫ُم ِغيث له سواك‪ِ ،‬م ْسكينُك وفقيرك‪ ،‬وسائلك وم َؤ ِّم ُلك و ُم ْرتجَ يك‪ ،‬لا ملجأ‬ ‫له ولا َمنْ َجى له منك إلا إليك‪ ،‬أنت ملا ُذه‪ ،‬وبك َمعا ُذه‪.‬‬ ‫‪85‬‬

‫يا َمـ ْن أ ُلـو ُذ بـ ِه فيــما ُأ َؤ ِّم ُلـــ ُه‬ ‫وم َـ ْن أ ُعــو ُذ بـ ِه مَِّا ُأحـــا ِذ ُر ُه‬ ‫لا يجَ ْبرُ ُ النَّا ُس َع ْظ اًم أن َت كاسرِ ُ ُه‬ ‫ولا َهيي ُضـو َن َع ْظ ًام أن َت جابِـ ُر ُه‬ ‫‪-10‬مشهدالعبوديةوالمح َّبة‪،‬وال َّشوقإلىلقائه‪،‬والابتهاجبه‪،‬والفرحوالسرُّ ور‬ ‫به‪،‬ف َت َق ُّر بهعينه‪،‬ويسكنإليهقلبه‪،‬وتطمئنإليهجوارحه‪،‬ويستولي ِذك ُره‬ ‫وعإلرىالد ُةساالتنق ُّمحرُِ ِّببهإلويقهلبِوهم‪،‬رفتضاصتيه ُرم َكخا َطَنرإاراُتد ِةالممعحا َّبةصيمهكاو ََمنسَاخ ِ َخطر ِطاه ِ‪،‬توالمحعركصاية‪،‬ت‬ ‫ال ِّلسانوالجوارحبالطاعاتمكا َنحركاتهابالمعاصي‪،‬وقدامتلأقل ُبهمن‬ ‫محَ َ َّبتِه‪ ،‬ولهَِ َج لسا ُنه بِ ِذكره‪ ،‬وانقا َدت الجوار ُح لطاعته‪ ،‬فإن هذه ال َكسر َة‬ ‫الخا َّصة لها تأثي ٌر عجيب في المح َّبة لا ُيعبرَّ عنه‪.‬‬ ‫وكان شي ُخ الإسلا ِم ابن تيم َّية يقول‪َ « :‬من أراد السعادة الأبد َّية‪،‬‬ ‫فليل َز ْم َع َتب َة ال ُعبود َّية»‪.‬‬ ‫والقصد‪ :‬أ َّن هذه ال ِّذ َّلة وال َكسرة الخا َّصة ُتد ِخ ُله على الله‪ ،‬و َت ْر ِميه على‬ ‫طريق المح َّبة‪ ،‬ف ُيفتح له منها باب لا ُيفتح له من غير هذه الطريق‪ ،‬وإن كانت‬ ‫ُط ُرق سائر الأعمال والطاعات َتفتح للعبد أبوا ًبا من المح َّبة‪ ،‬ولكن الذي‬ ‫ُيفتح منها من طريق ال ُّذ ِّل والانكسار‪ ،‬والافتقار وازدراء النفس‪ ،‬ورؤيتها‬ ‫بعين الضعف والعجز والعيب والنَّق ِص وال َّذم‪ ،‬بحيث يشاهدها َض ْيع ًة‬ ‫وعج ًزا‪ ،‬وتفري ًطا وذن ًبا وخطيئ ًة‪ :‬نو ٌع آخر وفتح آخر‪ ،‬والسالك بهذا الطريق‬ ‫‪86‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫غري ٌب في الناس‪ ،‬وهم في وا ٍد وهو في وا ٍد‪ ،‬وهي تس َّمى طريقة ال َّطير‪ ،‬يسبق‬ ‫النائ ُم فيها على فراشه ال ُّسعا َة‪ ،‬فيصبح وقد قطع ال َّر ْك َب‪ ،‬ب ْينا هو يح ِّد ُثك وإذا‬ ‫به قد َس َب َق الطرف وفا َت ال ُّسعا َة‪ ،‬فالله المستعان‪ ،‬وهو خير الغافرين‪.‬‬ ‫وهذا الذي حصل له ِمن آثار مح َّب ِة الله له‪ ،‬وفر ِحه بِتوبة عب ِده‪ ،‬فإ َّنه سبحانه‬ ‫يحُ ِ ُّب ال َّت َّوابي َن‪ ،‬و َيفر ُح بتوبتهم أعظ َم َف َر ٍح وأكم َله‪.‬‬ ‫فك َّلما طا َل َع العب ُد ِمنَنَه سبحانه عليه قبل ال َّذنب‪ ،‬وفي حال ُموا َقع ِة ال َّذن ِب‪،‬‬ ‫وبعد ال َّذن ِب‪ ،‬وبِ َّره به‪ ،‬و ِح ْل َمه عنه‪ ،‬وإحسا َنه إليه‪ ،‬هاجت ِمن َقلبِه َلوا ِع ُج‬ ‫مح َّبتِه وال َّشو ِق إلى لقائه‪ ،‬فإ َّن القلوب مجبولة على حب َمن أح َس َن إليها‪ ،‬وأ ُّي‬ ‫إحسان أعظم ِمن إحسا ِن َمن يبا ِر ُزه العب ُد بالمعاصي‪ ،‬وهو َي ُم ُّده بنِ َع ِمه‪،‬‬ ‫ويعامله بألطافه‪ ،‬و ُي ْسبِ ُل عليه َسترْ َه‪ ،‬ويحفظه من َخ َطفات أعدائه ال ُمتر ِّقبِي َن له‬ ‫أدنى َع ْثر ٍة؛ ينالون منه بها ُب ْغي َتهم‪ ،‬وير ُّدهم عنه‪ ،‬ويحَ و ُل بينهم وبينه‪ ،‬وهو في‬ ‫ذلك كله بِ َع ْينِه يراه و َي َّط ِل ُع عليه‪.‬‬ ‫‪87‬‬

‫منزلـــــــة الإنـــــــابة‬ ‫فإذا استق َّرت َق َد ُمه في منزل ال َّتوبة نزل َبع َده منز َل الإنابة‪ ،‬وقد أ َمر به تعالى‬ ‫في كتابه‪ ،‬وأثنى على خليله بها‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﯜﯝﯞ﴾ [الزمر‪ ،]54 :‬وقال‪:‬‬ ‫﴿ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ﴾[هود‪ ،]75 :‬وأخبر أ َّن ثوا َبه وجنَّ َته لأهل الخشي ِة‬ ‫والإنابة‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﰁ ﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ ﰍﰎ‬ ‫ﰏﰐﰑﰒﰓ ﰔﰕﰖ ﰗ﴾ [ق‪.]34-31 :‬‬ ‫والإنابة إنابتان‪ :‬إنابة ل ُربوبِ َّيتِه‪ ،‬وهي إنابة المخلوقا ِت ك ِّلها‪َ ،‬يشت ِر ُك فيها‬ ‫المؤمن والكافر‪ ،‬والبرَُّ والفاجر‪ ،‬قال الله تعالى‪﴿ :‬ﭑﭒﭓ ﭔﭕ ﭖ‬ ‫ﭗﭘ﴾ [الروم‪ ،]33 :‬والإنابة الثانية‪ :‬إنابة أوليائه‪ ،‬وهي إنابة لإله َّيتِه‪ ،‬إنابة‬ ‫عبودية ومح َّبة‪.‬‬ ‫وهي تتض َّمن أربع َة أمور‪ :‬مح َّبته‪ ،‬والخضو َع له‪ ،‬والإقبا َل عليه‪ ،‬والإعرا َض‬ ‫عماَّ ِسواه‪ ،‬فلا يستح ُّق اس َم ال ُمنيب إلاَّ‬ ‫الأربعة‪ ،‬وتفسي ُر‬ ‫فيه هذه‬ ‫َمن اجتمع ْت‬ ‫ال َّسل ِف لهذه اللفظة يدور على ذلك‪.‬‬ ‫وفي ال َّلفظة معنى الإسراع والرجو ِع والتق ُّدم‪ ،‬فـ(ال ُمنيب) إلى الله‪ :‬ال ُمس ِرع‬ ‫إلى َم ْرضاتِه‪ ،‬الراجع إليه ك َّل وقت‪ ،‬المتق ِّدم إلى محَ ا ِّبه‪.‬‬ ‫علامات صدق الإنابة‪:‬‬ ‫إذا َص َف ْت له الإناب ُة إلى ر ِّبه تخَ َّلص من الفكرة في َل َّذة ال َّذنب‪ ،‬وأعاد مكانهَ ا‬ ‫أل ًما وتو ُّج ًعا ل ِذ ْك ِره‪ ،‬والفكرة فيه‪ ،‬فما دامت ل َّذ ُة ال ِف ْكر فيه موجود ًة في قلبه‬ ‫فإناب ُته غي ُر صافية‪.‬‬ ‫‪88‬‬

‫الإنـــــابة‬ ‫فإن قيل‪ :‬أ ُّي الحا َلينْ ِ أعلى؟ حا ُل َمن يجد ل َّذ َة ال َّذن ِب في قلبه فهو يجاهدها‬ ‫لله‪ ،‬ويتركها ِمن خوفه ومح َّبتِه وإجلالِه‪ ،‬أو حا ُل َمن ماتت ل َّذة ال َّذنب في‬ ‫قلبه‪ ،‬وصار مكانها أل ًما وتو ُّج ًعا وطمأنينة إلى َر ِّبه‪ ،‬وسكو ًنا إليه‪ ،‬والتِذا ًذا‬ ‫ب ُح ِّبه‪ ،‬وتنعّاًُم ب ِذكره؟‬ ‫قيل‪ :‬حا ُل هذا أرف ُع وأكمل‪ ،‬وغاي ُة صاح ِب المجا َهدة‪ :‬أ ْن يجا ِه َد نف َسه‬ ‫حتى يص َل إلى مقا ِم هذا ومنزلته‪ ،‬ولكنَّه تالِي ِه في المنزل ِة وال ُق ْرب‪ ،‬و َمنُو ٌط به‪.‬‬ ‫فإن قيل‪ :‬فأين أ ْج ُر مجاهد ِة صاح ِب ال َّل َّذة‪ ،‬و َت ْر ِكه محَ ا ِّبه لله‪ ،‬وإيثا ِره رضا‬ ‫الله على هواه‪ ،‬وبهذا كان النوع الإنساني أفض َل من النوع ال َم َلك ِّي عند أهل‬ ‫ال ُّسنَّة‪ ،‬وكانوا خير البرَ َّية‪ ،‬والمطم ِئ ُّن قد استراح ِمن هذه المجاهدة و ُعوف َي‬ ‫منها‪ ،‬فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعا ىَف والمبتلىَ ‪.‬‬ ‫قيل‪ :‬ال َّنفس لها ثلاث ُة أحوال‪ :‬الأم ُر بال َّذنب‪ ،‬ثم ال َّل ْوم عليه والنَّدم منه‪،‬‬ ‫ثم الطمأنينة إلى ربهِّ ا والإقبا ُل بك ِّل َّيتِها عليه‪ ،‬وهذه الحا ُل أعلى أحوالها‪،‬‬ ‫وأرفعها‪ ،‬وهي التي ُي َش ِّمر إليها المجا ِهد‪ ،‬وما يحصل له من ثواب مجاهدتِه‬ ‫و َصب ِره فهو ل َت ْشمي ِره إلى درجة الطمأنين ِة إلى الله‪ ،‬فهو بمنزلة راك ِب ال ِقفار‬ ‫والمها ِم ِه(((والأهوا ِل لِ َي ِص َل إلى البيت فيطمئن قل ُبه برؤيته والطوا ِف به‪.‬‬ ‫والآخ ُر بمنزل ِة َمن هو مشغو ٌل به طائ ًفا وقائ ًام‪ ،‬وراك ًعا وساج ًدا‪ ،‬ليس له‬ ‫التفا ٌت إلى غيره‪ ،‬فهذا مشغو ٌل بالغاية‪ ،‬وذاك بالوسيلة‪ ،‬وك ٌّل له أج ٌر‪ ،‬ولكن‬ ‫بينْ أ ْج ِر الغايا ِت وأ ْج ِر الوسائل َب ْو ٌن‪.‬‬ ‫)‪ (1‬أي‪ :‬المفاوز البعيدة‪.‬‬ ‫‪89‬‬

‫وما يحصل للمطم ِئ ِّن من الأحوال والعبود َّية والإيمان فوق ما يحصل لهذا‬ ‫المجاه ِد نف َسه في ذا ِت الله تعالى ‪-‬وإن كان أكث َر عم ًال‪ -‬ف َق ْد ُر عم ِل المطمئ ِّن‬ ‫ال ُمني ِب بجملتِه وكيف َّيتِه أعظ ُم‪ ،‬وإن كان هذا المجا ِه ُد أكث َر عم ًال‪ ،‬وذلك فض ُل‬ ‫الله يؤتيه َمن يشاء‪ ،‬فما َس َبق ال ِّص ِّدي ُق الصحاب َة بكثرة عم ٍل‪ ،‬وفيهم َمن هو‬ ‫أكثر صيا ًما و َح ًّجا وقراء ًة وصلا ًة منه‪ ،‬ولكن بأم ٍر آ َخ َر قا َم بقلبه‪ ،‬حتى إ َّن‬ ‫أفض َل الصحابة كان يسابِ ُقه ولا يراه إلا أمامه‪.‬‬ ‫ولكن عبود َّية مجاه ِد نف ِسه على َل َّذة ال َّذنب والشهوة قد تكو ُن أش َّق‪ ،‬ولا‬ ‫يلزم من مش َّقتِها تفضي ُلها في الدرجة‪ ،‬فأفض ُل الأعما ِل الإيمان بالله‪ ،‬والجها ُد‬ ‫أش ُّق منه وهو تالِي ِه في ال َّدرجة ‪.‬‬ ‫و ِمن علامات الإنابة‪ :‬تر ُك الاستهانة بأهل الغفلة‪ ،‬والخو ُف عليهم‪،‬‬ ‫مع فتحك با َب الرجاء لنفسك‪ ،‬فترجو لنفسك الرحمة‪ ،‬وتخشى على أهل‬ ‫الغفلة النِّقمة‪ ،‬ولكن ار ُج لهم الرحمة‪ ،‬واخ َش على نفسك النقمة‪ ،‬فإن كنت‬ ‫لا بد مستهينًا بهم ماق ًتا لهم‪ ،‬لانكشاف أحوالهم لك‪ ،‬ورؤي ِة ما ُهم عليه‪،‬‬ ‫فكن لنفسك أش َّد مق ًتا منك لهم‪ ،‬وكن أرجى لرحمة الله منك لنفسك‪.‬‬ ‫قال بعض السلف‪« :‬لن َتف َق َه ك َّل ال ِفق ِه ح َّتى تمَ ُق َت الخَ ْل َق في ذات الله‪ ،‬ث َّم‬ ‫ُت ْقبِل على ن ْف ِس َك فتكون لها أ َش َّد َم ْق ًتا»‪.‬‬ ‫[ومنها ] ‪ :‬التفتيش عما [يشوب الأعمال] من حظوظ النفس‪ ،‬وتميي ُز‬ ‫ح ِّق الر ِّب منها ِمن حظ النفس‪ ،‬ولعل أكثرها أو ك َّلها أن تكون ح ًّظا‬ ‫لنفسك وأنت لا تشعر‪.‬‬ ‫‪90‬‬

‫الإنـــــابة‬ ‫فلا إله إلا اللهُ‪ ،‬كم في النفوس ِمن ِع َل ٍل وأغراض‪ ،‬وحظو ٍظ تمنع الأعما َل‬ ‫أن تكون لله خالصة‪ ،‬وأن تصل إليه؟ وإن العبد ل َيع َم ُل العمل حيث لا يراه‬ ‫بش ٌر ال َب َّتة‪ ،‬وهو غير خالص لله‪ ،‬ويعمل العم َل والعيون قد استدارت عليه‬ ‫نطا ًقا‪ ،‬وهو خالص لوجه الله‪ ،‬ولا يم ِّي ُز هذا من هذا إلا أه ُل البصائر‪ ،‬وأط َّبا ُء‬ ‫القلوب العالمِون بأدوائها و ِع َل ِلها‪.‬‬ ‫فبين العمل وبينْ القلب مسافة‪ ،‬وفي تلك المسافة ُق َّطاع تمنع وصول العمل‬ ‫إلى القلب‪ ،‬فيكون الرجل كثي َر العمل‪ ،‬وما و َصل منه إلى قلبه مح َّب ٌة ولا خوف‬ ‫ولا رجاء‪ ،‬ولا زهد في الدنيا ولا رغب ٌة في الآ ِخرة‪ ،‬ولا نور ُي َف ِّرق به بين أولياء‬ ‫الله وأعدائه‪ ،‬وبين الحق والباطل‪ ،‬ولا ق َّو ٌة في أمره؛ فلو وصل أث ُر الأعمال إلى‬ ‫قلبه لاستنار وأشرق‪ ،‬ورأى الحق والباطل‪ ،‬وم َّيز بين أولياء الله وأعدا ِئه‪،‬‬ ‫وأوجب له ذلك المزي َد من الأحوال‪.‬‬ ‫ثم بين القلب وبينْ الرب مسافة‪ ،‬وعليها ُق َّطاع تمنع وصول العمل إليه‪ِ ،‬من‬ ‫ِكبرْ ٍ وإعجاب وإدلال‪ ،‬ورؤية العمل‪ ،‬ونسيا ِن المِنَّة‪ ،‬و ِع َل ٍل خفية لو استقصى‬ ‫في طلبها لرأى العجب‪ ،‬ومن رحمة الله تعالى ست ُرها على أكثر العماَّ ل؛ إ ْذ لو‬ ‫رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها‪ ،‬من اليأس والقنوط والاستحسار‪،‬‬ ‫وتر ِك العمل‪ ،‬وخمود العزم‪ ،‬و ُفتو ِر اله َّمة‪.‬‬ ‫‪91‬‬

‫منزلـــــــ ُةالتذ ُّكـــــــر‬ ‫ثم َين ِزل القل ُب منزل َة التذ ُّكر‪ ،‬وهو قرين الإنابة؛ قال تعالى‪﴿ :‬ﮬﮭ‬ ‫ﮮ ﮯﮰ﴾ [غافر‪.]13:‬‬ ‫وهو ِمن َخوا ِّص ُأولي الألباب؛ كما قال تعالى‪﴿ :‬ﭒﭓ ﭔﭕﭖﭗ‬ ‫ﭘﭙﭚ ﭛﭜﭝﭞﭟ ﭠﭡ﴾ [الرعد‪.]19:‬‬ ‫والتذ ُّكروالتف ُّكرمنزلان ُيثمرانأنوا َعالمعارف‪،‬وحقائ َقالإيما ِنوالإحسان‪،‬‬ ‫فالعارف لا يزال يعود بتف ُّكره على تذ ُّكره‪ ،‬وبتذ ُّكره على تف ُّكره‪ ،‬حتى يفت َح ُقفل‬ ‫قلبه بإذن الفتاح العليم‪.‬‬ ‫قال الحسن البصري ‪« :‬ما زال أه ُل العل ِم يعودون بالتذ ُّكر على التف ُّكر‪،‬‬ ‫وبالتف ُّكر على التذ ُّكر‪ ،‬و ُيناطِقون القلو َب حتى نطقت»‪.‬‬ ‫فمنزلة التذ ُّكر من التف ُّكر منزل ُة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش‬ ‫عليه‪ ،‬ولهذا كانت آيـا ُت الله المتل َّو ُة والمشـهود ُة ِذكرى؛ كما قال في المتل َّوة‪:‬‬ ‫﴿ﭽﭾﭿ ﮀﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆ ﮇﮈ‬ ‫ﮉ﴾ [غافر‪ ،]54-53:‬وقال تعالى في آياته المشهودة‪ ﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔ‬ ‫ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ‬ ‫ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ﴾ [ق‪.]37-36:‬‬ ‫والناس ثلاث ٌة‪ :‬رج ٌل قل ُبه ميت‪ ،‬فذلك الذي لا قلب له‪ ،‬فهذا ليست هذه‬ ‫الآي ُة ِذكرى في ح ِّقه‪.‬‬ ‫‪92‬‬

‫التذكــــــر‬ ‫الثاني‪ :‬رج ٌل له قلب َح ٌّي مستع ٌّد‪ ،‬لكنه غي ُر مستمع للآيات المت ُل َّوة‪ ،‬التي‬ ‫يخُ بر بها الله عن الآيات المشهودة؛ إ َّما لعدم ورو ِدها‪ ،‬أو لوصولها إليه ولكن‬ ‫قلبه مشغو ٌل عنها بغيرها‪ ،‬فهو غائب القلب‪ ،‬ليس حاض ًرا‪ ،‬فهذا أي ًضا لا‬ ‫تح ُص ُل له ال ِّذكرى‪ ،‬مع استعداده ووجود قلبه‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬رج ٌل َح ُّي القلب مستع ٌّد‪ُ ،‬تل َي ْت عليه الآيا ُت‪ ،‬فأصغى بسمعه‪،‬‬ ‫وأحضرَ قلبه‪ ،‬ولم َيش َغ ْله بغير َفهم ما يسمعه‪ ،‬فهو شاهد القلب‪ُ ،‬مل ٍق السمع‪،‬‬ ‫فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المت ُل َّوة والمشهودة‪.‬‬ ‫فالأول‪ :‬بمنزلة الأعمى الذي لا ُيبصر‪.‬‬ ‫والثاني‪ :‬بمنزلة البصير الطا ِم ِح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه‪ .‬ف ِكلاهما‬ ‫لا يراه‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬بمنزلة البصير الذي قد َح َّدق إلى جهة المنظور إليه‪ ،‬وأ ْت َبعه‬ ‫بص َره‪ ،‬وقاب َله على تو ُّسط من ال ُبعد والقرب‪ ،‬فهذا هو الذي يراه‪.‬‬ ‫فسبحان َمن َجعل كلامه شفا ًء لمِا في الصدور!‬ ‫وسائل اكتساب ثمرة التفكر‪:‬‬ ‫قال[الهروي ]‪« :‬وإ َّنما تجُ َتنى ثمر ُة ال ِفكر ِة بثلاث ِة أشيا َء‪ :‬ب ِقصرَ ِ الأ َم ِل‪،‬‬ ‫وال َّتأ ُّم ِل في ال ُقرآ ِن‪ ،‬و ِق َّل ِة الخُ ْل َطة وال َّت َمنِّي وال َّت َع ُّل ِق ب َغي ِر اللهِ وال ِّش َب ِع وال َمنا ِم»‪.‬‬ ‫فأمَّ�ا ِقَص رَ ُ� الأمل‪ :‬فهو ال ِعلم ب ُقرب الرحيل‪ ،‬وسرع� ِة انقضاء م َّدة الحياة‪،‬‬ ‫‪93‬‬

‫وهو من أنفع الأمور للقلب؛ فإنه يبعثه على مغافصة الأيام(((‪ ،‬وانتهاز الفرص‬ ‫التي تمَ ُ ُّر َم َّر السحاب‪ ،‬ومبادرة َط ِّي صحائف الأعمال‪ ،‬ويثير ساكن عزماته إلى‬ ‫دار البقاء‪ ،‬ويحَ ُّثه على قضاء جهاز سفره‪ ،‬وتدارك الفارط‪ ،‬ويز ِّهده في الدنيا‪،‬‬ ‫وير ِّغب�ه في الآخرة؛ فيقوم بقلب�ه ‪-‬إذا داوم مطالعة قصر الأمل‪ -‬ش�اه ٌد من‬ ‫شواهد اليقين‪ُ ،‬يريه فنا َء الدنيا‪ ،‬وسرع َة انقضائها‪ ،‬وق َّلة ما بق َي منها‪ ،‬وأنها قد‬ ‫تر َّح َل ْت ُم ْدبِر ًة‪ ،‬ولم يب َق منها إلا ُصباب ٌة كصبابة الإناء َيتصابهُّ ا صاح ُبها‪ ،‬وأنها‬ ‫لم يبق منها إلا كما بق َي من يوم صارت شم ُسه على رؤوس الجبال‪.‬‬ ‫و ُيريه بقا َء الآخرة ودوا َمها‪ ،‬وأنها قد تر َّحلت ُم ْقبِل ًة‪ ،‬وقد جاء أشراطها‬ ‫وأعلا ُمها‪ ،‬وأنه ِمن لقائها كمسافر خرج صاح ٌب له يت َّلقاه‪ ،‬فك ٌّل منهما يسير‬ ‫إلى الآ َخر‪ ،‬فيوشك أن يلتقيا سري ًعا‪.‬‬ ‫ويكفي في ِقصرَ الأمل قوله تعالى‪﴿ :‬ﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇ‬ ‫ﰈ ﰉﰊﭑﭒﭓﭔﭕ ﭖ﴾ [الشعراء‪ ،]207 -205 :‬وقوله تعالى‪:‬‬ ‫﴿ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ﴾[يونس‪ ،]45:‬و َخ َط َب النب ُّي‬ ‫ﷺ يو ًما أصحابه والشم ُس على رؤوس الجبال‪ ،‬فقال‪« :‬إ َّنه لمْ َيب َق ِم َن ال ُّد ْنيا فيما‬ ‫َمضى منها إلاَّ كما َبق َي ِمن َيو ِم ُكم هذا فيما َمضى منه»(((‪.‬‬ ‫و ِقصرَ ُ الأمل بِناؤه على أمرين‪ :‬تي ُّقن زوا ِل الدنيا ومفارقتِها‪ ،‬وتي ُّقن لقا ِء‬ ‫الآخرة وبقا ِئها ودوامها‪ ،‬ثم ُيقا ِي ُس بين الأمرين وي ْؤثِر أولاهما بالإيثار‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الأخذ على غرة‪ ،‬والمراد مسابقتها وانتهاز فرص الطاعات‪.‬‬ ‫)‪ (2‬أخرجه الترمذي (‪ ،)2191‬وقال‪ :‬حديث حسن‪.‬‬ ‫‪94‬‬

‫التذكــــــر‬ ‫وأ َّما التأ ُّمل في القرآن‪ :‬فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه‪ ،‬وج ْم ُع ال ِف ْكر على‬ ‫تد ُّبره وتع ُّق ِله‪ ،‬وهو المقصود بإنزاله‪ ،‬لا مج َّرد تلاوته بلا تف ُّه ٍم ولا تد ُّبر‪.‬‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﭲﭳ ﭴﭵ ﭶﭷﭸﭹ ﭺ﴾‬ ‫[ص‪ ،]29:‬فليس شي ٌء أنف َع للعبد في معاشه ومعا ِده‪ ،‬وأقر َب إلى نجاته‪ِ ،‬من تد ُّبر‬ ‫القرآن‪ ،‬وإطال ِة التأ ُّمل فيه‪ ،‬وج ْم ِع ال ِف ْكر على معاني آياته؛ فإنها ُتط ِلع العب َد على‬ ‫معالم الخير والش ِّر بحذافيرهما‪ ،‬وعلى طرقاتهما وأسبابهِ ما‪ ،‬وغاياتهِ ما وثمراتهما‪،‬‬ ‫و ُتث ِّبت قواع َد الإيمان في قلبه‪ ،‬و ُتش ِّيد بنيانه‪ ،‬و ُتو ِّط ُد أركا َنه‪ ،‬و ُتريه صورة‬ ‫وهالمآواخقر َةع‪،‬الو ِعابرَلجنَّ‪ِ ،‬ةو ُتوالشن ِها ُردهفيعقدلَبلها‪،‬للهوتحُوضرفِ ْ ُض َلههب‪،‬ينو ُتالع ِّأرمُفهم‪،‬ذاتوتهريوأه أسَّيماا َمَءهاللوه فيصفهاتِمه‪،‬‬ ‫ال ُّدنيا‬ ‫و ُتبصرِّ‬ ‫وأفعا َله‪ ،‬وما يحُ ُّبه وما ُيبغضه‪ ،‬وصرا َطه الموصل إليه‪ ،‬وما لسالكيه بعد الوصول‬ ‫والقدوم عليه‪ ،‬وقواط َع الطريق وآفاتهِ ا‪ ،‬و ُتع ِّرفه النَّ ْف َس وصفاتهِ ا‪ ،‬ومفسدا ِت‬ ‫الأعمال ومص ِّححاتهِ ا‪ ،‬وتع ِّرفه طري َق أهل الجنَّ ِة وأه ِل النار وأعمالهَ م‪ ،‬وأحوالهم‪،‬‬ ‫و ِسيماهم‪ ،‬ومرات َب أهل السعادة وأهل الشقاوة‪ ،‬وأقسا َم الخ ْلق واجتما َعهم فيما‬ ‫يجتمعون فيه‪ ،‬وافترا َقهم فيما َيفت ِرقون فيه‪.‬‬ ‫وبالجملة‪ُ :‬تع ِّرفه الر َّب المدع َو إليه‪ ،‬وطري َق الوصول إليه‪ ،‬وما له من‬ ‫الكرامة إذا َق ِدم عليه‪.‬‬ ‫و ُتع ِّرفه في مقابل ذلك ثلاث ًة أخرى‪ :‬ما يدعو إليه الشيطان‪ ،‬والطريق الموصل َة‬ ‫إليه‪ ،‬وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذا ِب بعد الوصول إليه‪.‬‬ ‫فهذه س َّت ُة أمور ضروري ٌة للعبد معرفتها‪ ،‬ومشاهدتها ومطالعتها‪ ،‬ف ُتشهده‬ ‫‪95‬‬

‫الآخرة حتى كأنه فيها‪ ،‬و ُتغ ِّيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها‪ ،‬وتمُ ِّيز له بين‬ ‫الحق والباط ِل في كل ما اخ َتلف فيه العالمَ ‪ ،‬فترُ يه الحق ح ًّقا‪ ،‬والباط َل باط ًال‪،‬‬ ‫وتعطيه فرقا ًنا ونو ًرا يف ِّرق به بين الهدى والضلال‪ ،‬وال َغ ِّي والرشاد‪ ،‬وتعطيه‬ ‫قوة في قلبه‪ ،‬وحيا ًة و َس َع ًة وانشرا ًحا‪ ،‬وبهجة وسرو ًرا؛ فيصير في شأن والنا ُس‬ ‫في شأ ٍن آ َخ َر‪.‬‬ ‫فلا تزا ُل معانيه ُتنهض العب َد‪ ‬إلى ر ِّبه بالوعد الجميل‪ ،‬وتح ِّذره وتخ ِّوفه‬ ‫بوعيده من العذاب الوبيل‪ ،‬وتحَ ُ ُّثه على ال َّتض ُّم ِر وال َّتخ ُّف ِف ل ِلقاء اليوم ال َّثقيل‪،‬‬ ‫وتهَ ديه في ُظ َلم الآراء والمذاه ِب إلى سواء ال َّسبيل‪ ،‬وت ُص ُّده عن اقتحام ُط ُر ِق‬ ‫البِ َدع والأضاليل‪ ،‬و َتبع ُثه على الازدياد ِمن النِّ َعم بشكر ر ِّبه الجليل‪ ،‬و ُتبصرِّ ه‬ ‫بحدود الحلال والحرام‪ ،‬و َت ِق ُفه عليها؛ لئلاَّ يتع َّداها فيق َع في العناء ال َّطويل‪.‬‬ ‫و ُتث ِّبت قلبه عن ال َّزيغ وال َمي ِل عن الح ِّق وال َّتحويل‪ ،‬و ُتس ِّهل عليه الأمو َر‬ ‫ال ِّصعا َب والعقبا ِت ال َّشا َّق َة غاي َة ال َّتسهيل‪ ،‬وتناديه ك َّلما فتر ْت ع َزما ُته وونى‬ ‫في َسي ِره‪ :‬تق َّد َم الرك ُب وفا َتك ال َّدليل‪ ،‬فال َّلحا َق ال َّلحا َق‪ ،‬وال َّرحي َل ال َّرحي َل‪.‬‬ ‫عليه كمي ٌن من كمائن‬ ‫به وتسير أمامه َسيرْ َ ال َّدليل‪ ،‬وك َّلما خرج‬ ‫وتحَ ْدو‬ ‫فاعت ِصم بالله‪ ،‬واستعن‬ ‫قاط ٌع من ُق َّطاع ال َّطريق ناد ْته‪ :‬الحذ َر الحذ َر!‬ ‫العد ِّو‪ ،‬أو‬ ‫به‪ ،‬وقل‪ :‬حسبي الله ونِ ْع َم الوكيل‪.‬‬ ‫وأ َّما مفسدا ُت القلب الخمس ُة فهي ا َّلتي أشار إليها‪ :‬من كثرة الخلطة‪،‬‬ ‫وال َّتمنِّي‪ ،‬وال َّتع ُّلق بغير الله‪ ،‬وال ِّش َبع‪ ،‬والمنام‪.‬‬ ‫فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب‪.‬‬ ‫‪96‬‬

‫التذكــــــر‬ ‫اولحِ ِّص[قوَّح]وتِنهَهاْعوِجلعهم‪،‬زمأوهَّآن‪،‬فااولقتسللالانبمف ِةيسسسي ُمرواِعإلهلعىومبالللصه‪،‬روهواق‪،‬ل ََّّطدواا َِغرعيباا ِلةلاآطلرَّخيشروقةا‪،،‬غبنوليوركواهلشقووافحيطاتععهنعونقطه َّو‪.‬رتِيهق‪،‬‬ ‫وهذه الخمسة ُتطفئ نو َره‪ ،‬وتغور عين بصيرته‪ ،‬و ُتثقل سمعه‪ ،‬إ ْن لم ُت ِصمه‬ ‫و ُت ْب ِكمه و ُتض ِعف ُقواه ك َّلها‪ ،‬وتوهن ص َّح َته‪ ،‬و ُت َفترِّ ُ عزيمته‪ ،‬وتوقف ه َّم َته‪،‬‬ ‫وتنكسه إلى ورائه‪ ،‬و َمن لا شعور له بهذا فميت القلب‪:‬‬ ‫وما لجِ ُر ٍح ب َم ِّي ٍت إيلا ُم‪.‬‬ ‫فهي عائق ٌة له عن َني ِل كماله‪ ،‬قاطع ٌة له عن الوصول إلى ما ُخ ِلق له‪ ،‬و ُج ِعل‬ ‫نعي ُمه وسعادته وابتها ُجه ول َّذ ُته في الوصول إليه؛ فإ َّنه لا نعيم له ولا َل َّذ َة‪،‬‬ ‫ولا ابتهاج‪ ،‬ولا كما َل‪ ،‬إلا بمعرفة الله ومح َّبتِه‪ ،‬والطمأنين ِة ب ِذكره‪ ،‬والفر ِح‬ ‫والابتهاج ب ُقربه‪ ،‬وال َّشو ِق إلى لقائه؛ فهذه جنَّ ُته العاجلة‪ ،‬كما أ َّنه لا نعيم له‬ ‫في الآخرة‪ ،‬ولا فو َز إلا بجواره في دار النَّعي ِم في الجنَّة الآجلة‪ ،‬فله جنَّتان‪ ،‬لا‬ ‫َيد ُخ ُل الثاني َة منهما إن لم يدخ ِل الأُولى‪.‬‬ ‫يقول‪« :‬إ َّن في الدنيا جن ًة َمن لم‬ ‫وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة‬ ‫َيد ُخ ْلها لم يدخل جنَّ َة الآخرة»‪.‬‬ ‫وقال بعض العارفين‪« :‬إنه ل َي ُم ُّر بالقلب أوقات أقول‪ :‬إن كان أه ُل الجنَّ ِة‬ ‫في ِمثل هذا‪ ،‬إنهَّ م لفي عي ٍش ط ِّيب»‪.‬‬ ‫وقال بعض المح ِّبين‪« :‬مساكي ُن أهل الدنيا‪ ،‬خ َرجوا من ال ُّدنيا وما ذاقوا‬ ‫‪97‬‬

‫أطي َب ما فيها‪ ،‬قالوا‪ :‬وما أطي ُب ما فيها؟ قال‪ :‬محَ َّب ُة الله‪ ،‬والأُن ُس به‪ ،‬وال َّشو ُق‬ ‫إلى لقائه‪ ،‬والإقبا ُل عليه‪ ،‬والإعراض عماَّ ِسواه»‪ ،‬أو نحو هذا من الكلام‪.‬‬ ‫وك ُّل َمن له قلب َح ٌّي َيش َهد هذا و َيع ِرفه ذو ًقا‪.‬‬ ‫وهذه الأشياء الخمسة‪ :‬قاطع ٌة عن هذا‪ ،‬حائل ٌة بين القلب وب ْينه‪ ،‬عائق ٌة له‬ ‫عن َسيره‪ ،‬محُ ِدث ٌة له أمرا ًضا وعل اًل إ ْن لم يتدا َر ْكها المري ُض ِخي َف عليه منها‪.‬‬ ‫فأ َّما ما ت َؤ ِّثره كثر ُة الخلطة‪ :‬فامتلاء القلب من ُد َخان أنفاس بني آد َم حتى‬ ‫َي ْسو َّد‪ ،‬ويوجب له تشت ًتا وتف ُّر ًقا‪ ،‬وه ًّما وغماًّ ‪ ،‬و َضع ًفا‪ ،‬وحمَ ْ ًال لمِا َيع ِجز عن حمله‬ ‫من مؤنة ُقرناء ال ُّسوء‪ ،‬وإضاع ِة مصال ِحه‪ ،‬والاشتغال عنها بهِ ِم وبأمورهم‪،‬‬ ‫وتقسيم فِكره في أودية مطالبهم وإراداتهم؛ فماذا يبقى منه لله وال َّدا ِر الآخرة؟!‬ ‫هذا‪ ،‬وكم جلب ْت خلط ُة الناس من نِقمة‪ ،‬ودفعت من نعمة‪ ،‬وأنزلت من‬ ‫محنة‪ ،‬وع َّطل ْت من ِمنحة‪ ،‬وأح َّلت من َرز َّية‪ ،‬وأوقعت في بلية؟!‬ ‫وهل آف ُة النَّا ِس إلاَّ النا ُس؟ وهل كان علىَ أبي طالب عند الوفاة أض ُّر‬ ‫من ُقرناء ال ُّسوء؟ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحد ٍة تو ِجب له‬ ‫سعاد َة الأبد‪.‬‬ ‫وهذه الخلطة ا َّلتي تكون على نوع مو َّد ٍة في الدنيا‪ ،‬وقضا ِء َو َط ِر بع ِضهم من‬ ‫بعض‪ ،‬تنقلب ‪-‬إذا َح َّق ِت الحقائق‪ -‬عداو ًة‪َ ،‬ي َع ُّض المخالِ ُط عليها يديه ند ًما‪،‬‬ ‫كما قال تعالى‪﴿ :‬ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ‬ ‫ﮣﮤ ﮥﮦ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ ﮮﮯﮰﮱ ﯓﯔ‬ ‫‪98‬‬

‫التذكــــــر‬ ‫ﯕ ﯖﯗ﴾ [الفرقان‪.]29-27:‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﮜﮝ ﮞﮟﮠﮡﮢ﴾ [ال ُّزخ ُرف‪.]67:‬‬ ‫وال َّضابط ال َّناف ُع في أ ْمر الخلطة‪ :‬أن يخالط النَّا َس في الخير ‪-‬كالجمعة‬ ‫والجماعات‪ ،‬والأعيا ِد والح ِّج‪ ،‬وتعليم ال ِعلم‪ ،‬والجها ِد‪ ،‬والنَّصيحة‪ -‬و َيعتزلهَ م‬ ‫في الشرَِّّ ‪ ،‬وفضو ِل المباحات‪ ،‬فإذا دع ِت الحاجة إلى ُخلطتِهم في الشرَِّّ ‪ ،‬ولم‬ ‫ُيم ِكنْه اعتزالهُ م فالحذ َر الحذ َر أن ُيوافِ َقهم‪ ،‬و ْل َيصبرِ ْ على أذاهم‪ ،‬فإنهَّ م لا ب َّد‬ ‫أن يؤذوه إن لم يكن له ق َّو ٌة ولا ناصر‪ ،‬ولكن أ ًذى َيع ُقبه ِع ٌّز ومحب ٌة له وتعظيم‪،‬‬ ‫وثنا ٌء عليه منهم ومن المؤمنين‪ ،‬ومن ر ِّب العالمَين‪ ،‬وموافق ُتهم يعقبها ُذ ٌّل‬ ‫وبغ ٌض له‪ ،‬و َم ْق ٌت‪ ،‬وذ ٌّم منهم ومن المؤمنين‪ ،‬و ِمن ر ِّب العالمَين‪.‬‬ ‫فال َّصب ُر على أذا ُهم خي ٌر وأح َس ُن عاقب ًة‪ ،‬وأحم ُد مآ اًل‪ ،‬وإن دع ِت الحاج ُة إلى‬ ‫ُخلطتِهم في فضول المباحات‪ ،‬فليجت ِه ْد أن َيق ِلب ذلك المجل َس طاع ًة لله إن‬ ‫أمكنه‪ ،‬و ُيش ِّجع ن ْف َسه ويق ِّوي قلبه‪ ،‬ولا َيلت ِف ْت إلى الوارد ال َّشيطان ِّي القاط ِع‬ ‫له عن ذلك‪ ،‬بأ َّن هذا ريا ٌء ومحب ٌة لإظهار ِعلمك وحالك‪ ،‬ونحو ذلك‪،‬‬ ‫فل ُيحا ِربه‪ ،‬وليستع ْن بالله‪ ،‬ويؤ ِّثر فيهم من الخير ما أمكنه‪.‬‬ ‫فإن ع َّجز ْته المقادي ُر عن ذلك‪ ،‬ف ْل َي ُس َّل قلبه من بينهم ك َس ِّل ال َّش َعر ِة من‬ ‫العجين‪ ،‬وليك ْن فيهم حاض ًرا غائ ًبا‪ ،‬قري ًبا بعي ًدا‪ ،‬نائ ًام يقظا ًنا؛ َينظر إليهم ولا‬ ‫ُيبصرِ هم‪ ،‬ويسمع كلامهم ولا َيعيه؛ لأ َّنه قد أخذ قل َبه ِمن ب ْينهم‪ ،‬و َر َقى به إلى‬ ‫المل ِأ الأعلى‪ ،‬يسبح حو َل العرش مع الأرواح ال ُع ْلو َّي ِة ال َّزك َّية‪.‬‬ ‫‪99‬‬

‫وما أصع َب هذا وأش َّقه على النُّفوس! وإ َّنه َليسي ٌر على َمن يسرَّ ه الله عليه؛‬ ‫فبينْ العبد وب ْينه أ ْن َيص ُدق اللهَ‪ ،‬و ُيدي َم اللجأ إليه‪ ،‬و ُيلقي ن ْف َسه على بابه طري ًحا‬ ‫ذلي ًال‪ ،‬ولا يعين على هذا إلا ال َمح َّب ُة الصادقة‪ ،‬وال ِّذك ُر الدائم بالقلب وال ِّلسان‪،‬‬ ‫وتجنُّ ُب المفسدات الأرب ِع الباقي ِة الآتي ِذك ُرها‪ ،‬ولا ينال هذا إلا ب ُع َّد ٍة صالحة‪،‬‬ ‫وما َّد ِة قوة من الله‪ ،‬وعزيم ٍة صادقة‪ ،‬وفرا ٍغ من التع ُّلق بغير الله‪.‬‬ ‫المفسد ال َّثاني من مفسدات القلب‪ :‬ركو ُبه بح َر ال َّتمنِّي‪ :‬وهو بح ٌر لا ساحل‬ ‫له‪ ،‬وهو البحر ا َّلذي يركبه مفالي ُس العالمَ ‪ ،‬كما قيل‪ :‬إ َّن ال ُمنى رأ ُس أموال‬ ‫المفاليس‪ ،‬وبضاع ُة ُر َّكابِه مواعي ُد الشياطين‪ ،‬وخيالات المحال والبهتان‪ ،‬فلا‬ ‫تزال أموا ُج الأماني الكاذبة‪ ،‬والخيالا ِت الباطلة‪ ،‬تتلاعب براكبِه كما ُيتلا َعب‬ ‫بالجيفة‪ ،‬وهي بضاع ُة ك ِّل ن ْف ٍس َمهين ٍة َخسيسة ُس ْفل َّية‪ ،‬ليست لها همَِّ ٌة َتنال بها‬ ‫الحقائ َق الخارجية‪ ،‬فاعتاضت عنها بالأماني ال ِّذهنية‪ ،‬ف ُيم ِّثل ال ُمتمنِّي صور ًة‬ ‫مطلوب ًة في ن ْفسه وقد فاز بوصولها‪ ،‬وال َت َّذ بال َّظ َفر بها‪ ،‬فب ْينا هو على هذه الحال‬ ‫إذ ا ْستيقظ فإذا ي ُده والحصير‪.‬‬ ‫وصاحب اله َّم ِة ال َعل َّي ِة أمانيه حائم ٌة حول العلم والإيمان‪ ،‬والعم ِل الذي‬ ‫يق ِّربه من ر ِّبه‪ ،‬و ُيدنيه ِمن ِجواره‪.‬‬ ‫فأماني هذا إيما ٌن ونور‪ ،‬وأماني أولئك خدع وغرور‪.‬‬ ‫وقد مدح النَّب ُّي ﷺ متمنِّي الخير‪ ،‬ور َّبما َج َعل أ ْج َره في بعض الأشياء كأجر‬ ‫فاعله‪ ،‬كالقائل‪ :‬لو أ َّن لي ما اًل لع ِم ْل ُت بعم ِل ُفلا ٍن‪ -‬ا َّلذي ي َّتقي في مالِه ر َّبه‪،‬‬ ‫‪100‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook