2
1
3
المقدمــة المقــدمة الحمد لله الذي أكرم عباده بالسلوك إليه ،وتفضل عليهم بمعرفة الطريق والسير عليه ،ثم الصلاة والسلام على إمام السالكين ،وخاتم المرسلين، وعلى من تبعه من الصالحين ،أما بعد: فإن السائر إلى الله تعالى مفتق ٌر في سيره إلى ما ُيصلح قل َبه و ُي َز ِّكيه ،و ُيو ِق ُظه من غفلته و ُي َر ِّقيه ،ولا يزال السائر بذلك مشتغ ًال حتى ينتهي أوان العمل، وتح َّل به ساعة الأجل ،فيجد عند ذلك سع َيه ﴿ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ ﭴﭵ ﭶ﴾ [سورة الشعراء ،]89-88:فمن س َّلم قلبه من شوائبه هنا؛ نجاه الله هناك ،ومن أهمله هنا؛ عاقبه الله هناك. وإ َّن من أعظم ما ُيعين على سلامة القلب وطهارتهَ :س َف َر القلب في ُكتب الرقائق وإصلاح النفوس ،تلك التي خ َّط ْتها أنامل سلف الأمة ،بمداد الكتاب والسنة ،ومن َأ ْم َث ِل تلك الكتب وأحسنها ،وأبركها وأتقنها :كتا ُب مدارج السالكين ،للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله. وقد جاد الله فيه على مؤلفه فأجاد ،وفتح له فيه فأفاد ،حتى صار للعقد واسطة ،وللمسك خاتمة ،فأضحى بين كتب المؤلف مق َّد ًما وسابِ ًقا، وإِ َما ًما و َسا ِئ ًقا. وقد م َّن الله علينا بكتاب (تقريب مدارج السالكين) الذي ُيع ُّد تهذيب ًا لكتاب (المدارج) من ك ِّل ما ليس له صلة بأصل موضوع الكتاب ومقصده الرئيس، ألا وهو أعمال القلوب والمنازل التي يتر َّقى فيها العبد مراقي العبودية. 5
واليوم نقدم لعموم القراء كتاب (الإكسير) ،وهو تهذيب للتقريب ،يقع الكتتاقريب مبدمارنجحايلسثااللكحيجن،م،راانتجقيينناهألني َيك ِوصن َّحتِ ْر َيعالًقياهإيمماان ًّيقاا،لم ابشتنم اًاللقيعلمى: في ُثلث مقاصد (الإكسير الكيماوي ،الذي إذا ُوضع منه مثقا ُل ذر ٍة على قناطي َر من نحا ِس الأعمال ق َل َبها ذهب ًا). منهجية العمل: أولا :المقصد الأساس من هذا العمل هو تقريب كتاب :مدارج السالكين، وتيسير الاستفادة منه لشريحة أوسع من القراء؛ ليكون منهج ًا إيماني ًا، وتزكي ًة نفسي ًة ،وزبد ًة سلوكي ًة تحوي نفيس كلام ابن القيم في ال ِّرقاق وأعمال القلوب ومنهج السلوك وقواعده ،ولئن كان (التقري ُب) تهذيب ًا (للمدارج)؛ (فالإكسي ُر) تهذي ٌب للتهذيب. ثانيا:سعي ًافيتحقيقمقصد(الإكسير)؛فقدحذفنامماأثبتناهفي(التقريب)الآتي: (أ) جمي َع كلام الهروي ،وما اتصل به من كلام المؤلف -ما لم يكن ذكره مل ّحا.- (ب) كلا َم المؤلف غي َر الم َّت ِس ِق مع عنوان المنزلة وأصل موضوعها ،أو ما كان من قبيل التقسيمات العلمية وأوجه الاستنباط -ولو كان موضوعها الرقائق وأعمال القلوب ،-وترتب على هذا حذف بعض المنازل كاملة. (ج) المناز َل التي لم يترشح منها مما يوافق مقصد (الإكسير) إلا أسطر ًا قليلة، مما جعل بقاءها غير منسجم مع منهجية الكتاب وسبكه. (د) المك َّر َر من النصوص الشرعية -ما لم ُيضف معنى زائد ًا في محل 6
المقدمــة الاستشهاد ،-ونكتفي منها -غالب ًا -بذكر آية وحديث ،بحسب المتن الأصح ،والمعنى الأقرب والأشمل. (هـ) المك َّر َر من كلام المؤلف إذا تضمن المعنى نفسه ،وكذلك المك َّر َر من منقوله ،وخصو ًصا عند سرده عد ًدا كبي ًرا من التعريفات أو المقولات أو الأبيات الشعرية. (و) العناوين الجانبية التي وضعناها في (التقريب). ثالثا :قد يحتاج سياق الكلام إلى زيادة تربط بعضه ببعض ،وعند ذلك ُنضيف هذه الزيادة ،ونجعلها بين معقوفتين هكذا [.]..... رابعا :اعتمدنا في أحاديث (الإكسير) على المنهج الآتي: (أ) ذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة دون الضعيفة. (ب)إذاكانالحديثمخرج ًافيالصحيحينأوأحدهما؛فنقتصرعليهفيالتخريج. (ج) إذا خرج الحديث أهل السنن ولم يخرج في الصحيحين؛ اقتصرنا على اثنين منهم ،مع ذكر الحكم على الحديث. (د) إذا خرج الحديث أحمد وغيره ولم يخرجه أهل السنن؛ اكتفينا بأحمد. (هـ) اكتفينا في الحكم على الأحاديث بأحكام الإمام الألباني دون غيره، وذلك لشهرته عند المعاصرين. خامسا :اقتصرنا في غريب الألفاظ على ذكر معنى اللفظ ،دون ذكر المراجع. سادسا :وقع في مواضع يسيرة من الكتاب تقديم ن ِّص المؤلف أو تأخيره؛ 7
رعاي ًة للمناسبة ،وقد م َّيزنا النص الموضوع في غير مح ِّله بوضعه بين نجمتين هكذا *.*..... سابعا :وضعنا عناوين لفقرات الكتاب كالمنازل وبعض الفصول فيها مستفيدين من العناوين التي استخدمها ابن القيم رحمه الله في الكتاب الأصل أو مجتهدين بعنوان يناسب ما يتبعه من الكلام. خطوات العمل: ُ 1قسم التقريب إلى أجزا ٍء ،و ُو ِّز َع ْت على فريق العمل ،وقام ك ُّل باحث باختصار جزئه. 2را َج َع ك ُّل باحث مختصر الباحث الآ َخر. 3قام اثنان من الباحثين بمراجع ِة الإكسير كامل ًا بعد تهذيبه ومراجعته من الباحثين. ُ 4و ِّز َع ِت الأجزا ُء م َّر ًة أخرى على الباحثين لمراجع ِة المسودة. ُ 5س ِّلم العم ُل إلى فريق متخ ِّص ٍص لضبط الن َّص المه َّذ ِب كامل ًا ،ومقابلته على الن ِّص المح َّقق من نسخة التقريب. 6التُرَّص ق َّيفمالواكلتَّتاشبك،ي ِلولمُِعا ُزيي ْشتك ِآلي.ا ُته ،و ُخ ِّر َج ْت أحادي ُثه ،و ُخ ِد َم بعلامات ُ 7و ِّزع الإكسير بعد هذه المراح ِل على مجموعة من المح ِّكمي َن لتحكيمه. 8
المقدمــة ُ 8رو ِج َعت الملحوظا ُت و ُع ِّدل ْت بح َس ِب اجتها ِد الفريق. وفي الختام نحمد الله تعالى على نعمة التمام ،ونسأله القبول والإكرام، متعلقين بأهداب جوده ،واقفين بباب عفوه ،راجين منه أن يبارك هذا العمل ،وأن يجعله خالصا لوجهه ،والحمد لله رب العالمين. فريق العمل: د .صالح بن عبد العزيز المحيميد. أ .تركي بن عبد الله التركي. د .حازم بن عبد الرحمن البسام. د .فهد بن محمد الخويطر. أ .محمد بن عبد الله الحميد. ونسعد بأي ملحوظة أو اقتراح على هذا العمل من خلال البريد الإلكتروني: [email protected] 9
ر ِّب َي�ِّســـــر و�أ ِعـــــ ْن الحم ُد لله ر ِّب العالمَين ،والعاقبة لل ُم َّت ِقين ،ولا ُعدوا َن إلا على الظالمين، وأشه ُد أ ْن لا إل َه إلاَّ اللهُ و ْح َده لا شري َك له ،ر ُّب العالمَين ،وإل ُه ال ُمر َسلين ،وقيو ُم ال َّسموات والأ َرضين ،وأشه ُد أ َّن محم ًدا عب ُده ورسو ُله المبعو ُث بال ِكتاب المبين ،الفا ِر ِق بين الهُدى والضلال ،والغ ِّي وال َّرشاد ،والش ِّك واليقين. أنزله لنقرأه تد ُّب ًرا ،ونتأ َّمله تبصرًُّ ا ،ونسعد به تذ ُّك ًرا ،ونح ِم َله على أحس ِن وجوهه ومعانيه ،ونص ِّد َق أخباره ،ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه، ونجتني ثِما َر علومه النافعة ال ُموصلة إلى الله سبحانه ِمن أشجاره ،ورياحين ال ِح َكم من بين ِرياضه وأزهاره. وبع ُد :فلماَّ كان كما ُل الإنسان إنما هو بال ِعلم النافع ،والعمل الصالح كما قال تعالى﴿ :ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [العصر]3 - 1 :؛ كان حقي ًقا بالإنسان أن ُينفق ساعات عمره-بل أنفا َسه -فيما ينال به المطالب العالية ،ويخَ ُلص به من الخسران المبين ،وليس ذلك إلا بالإقبا ِل على القرآن وتف ُّه ِمه وتد ُّبره، واستخرا ِج كنوزه ،وإثار ِة دفائنه ،وص ْر ِف العناية إليه ،والعكو ِف بال ِه َّمة عليه؛ فإنه الكفي ُل بمصالح العباد في المعاش والمعاد ،وال ُموصل لهم إلى سبيل الرشاد . ونحن بعون الله ُننَ ِّبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب و ُأ ِّم القرآن، 10
مقدمة المصنف وعلى بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب ،وما تض َّمنَته من منازل السائرين ،ومقامات العارفين ،والفرق بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبياتها ،وبيان أنه لا يقوم غي ُر هذه السور ِة َمقا َمها ،ولا يس ُّد مس َّدها؛ ولذلك لم ُينْ ِزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن ِم ْث َلها. والله المستعان ،وعليه ال ُّت ْكلاَ ن ،ولا حول ولا قوة إلا بالله العل ِّي العظيم. 11
بيان ا�شتمال الفاتحة على أ�مهات المطالب اعلم أ َّن هذه السور َة اشتمل ْت على أمهات المطال ِب العالية أ َت َّم اشتمال، وتض َّمنتها أكم َل تض ُّمن؛ فاشتمل ْت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماءَ ،مر ِج ُع الأسماء الحسنى والصفا ِت ال ُعليا إليها ،ومدا ُرها عليها ،وهي( :الله) ،و(الرب) ،و(الرحمن) ،و ُبنِ َيت السور ُة على الإلهية، وال ُّر ُبوبِ َّية ،والرحمة؛ ﴿ ﭢ ﭣ ﴾ مبن ٌّي على الإلهية ﴿ ،ﭤ ﭥ﴾ على الربوبية ،وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم بصفة الرحمة ،والحمد يتضمن الأمو َر الثلاثة ،فهو المحمود في إله َّيته ،وربوبِ َّيتِه ،ورحمته ،والثنا ُء والمج ُد كمالان لحمده. وتض َّمنت إثبا َت المعاد ،وجزا َء العباد بأعمالهم ،ح َسنِها و َس ِّي ِئها ،وتف ُّر َد الر ِّب تعالى بالحُكم إ ْذ ذاك بين الخلائق ،وكو َن ُحكمه بالعدل ،وكل هذا تحت قوله﴿ :ﭞﭟﭠ﴾ [الفاتحة.]4 : [و] قوله﴿ :ﭧ ﭨﭩ﴾ [الفاتحة ]6 :الهداية :هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام. ومن هاهنا ُيع َلم اضطرا ُر العبد إلى هذه الدعوة فوق كل ضرورة ،وبطلا ُن سؤال َمن يقول :إذا كنا مهتدين ،فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا من الحق أضعا ُف المعلوم ،وما لا نريد فِ ْع َله تها ُو ًنا وكس اًل مثل ما نريده ،أو أكثر منه ،أو دو َنه ،وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك ،وما نعرف جملته ولا نهتدي 12
أمها�أمتهاالتمالمطاطلالبب لتفاصيله فأم ٌر يفو ُت الحصر ،ونحن محتاجون إلى الهداية التا َّمة ،ف َمن َك َم َل ْت له هذه الأمور؛ كان سؤا ُل الهداية له سؤا َل التثبيت والدوام. وللهداية مرتبة أخرى -وهي آخر مراتبها :-وهي الهداية يو َم القيامة إلى طريق الجنة ،وهو الصراط الموص ُل إليها ،فمن ُه ِد َي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ،الذي أر َسل به رسو َله ،وأنزل به كتا َبه؛ ُه ِد َي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنَّتِه ودا ِر ثوابه ،وعلى قدر ثبوت قدمه على هذا الصراط الذي نص َبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبو ُت قدمه على الصراط المنصوب على َم ْت ِن جهنم ،وعلى قدر َسيرْ ِ ه على هذه الصراط يكون َسيرْ ُ ه على ذاك الصراط؛ فمنهم َمن َي ُم ُّر كالبرق ،ومنهم َمن َي ُم ُّر كالطرف، ومنهم َم ْن َي ُم ُّر كالريح ،ومنهم َم ْن َي ُم ُّر كش ِّد الركاب ،ومنهم َمن يسعى سع ًيا ،ومنهم َمن َي ُم ُّر مش ًيا ،ومنهم َمن يحبو حب ًوا ،ومنهم المخدوش المس َّلم، ومنهم ال ُم َك ْر َد ُس((( في النار. فلينظ ِر العب ُد َسيرْ َ ُه على ذلك الصراط ِمن َسيرْ ِ ه على هذا َح ْذ َو ال ُق َّذة بال ُق َّذة؛ جزا ًء ِوفا ًقا﴿:ﭤﭥ ﭦﭧﭨ ﭩ﴾ [النمل.]90 : ولمَّا كان طال ُب الصراط المستقيم طال َب أ ْم ٍر أكث ُر الناس نا ِكبون عنه، مري ًدا لسلو ِك طري ٍق مراف ُقه فيها في غاية ال ِع َّزة ،والنفوس مجبول ٌة على وحشة التف ُّرد ،وعلى الأُنس بالرفيق؛ ن َّبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم ُه ُم الذين ﴿ :ﮀﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆﮇﮈ ((( ال ُم َك ْر َد ُس :الذي ج ِمُ َعت يدا ُه و ِرجلاه و ُألقي إلى موضع. 13
ﮉ ﮊﮋ﴾ [النساء ،]69 :فأضاف الصرا َط إلى الرفيق السالِكين له ،و ُه ُم الذين أنعم الله عليهم؛ ليزو َل عن الطالب للهداية وسلو ِك الصراط وحش ُة تف ُّرده عن أهل زمانه و َبني ِجنسه ،وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط ُه ُم الذين أنعم الله عليهم؛ فلا يكترث بمخالفة النَّا ِكبِي َن عنه له؛ فإنهم ُه ُم الأق ُّلون َق ْد ًرا ،وإن كانوا الأكثرين عد ًدا ،كما قال بعض السلف« :علي َك بطريق الحق ،ولا َتس َتو ِح ْش ل ِق َّلة السالكين ،وإياك وطري َق الباطل ،ولا َتغترَ َّ بكثر ِة الهالِكين». وك َّلما استوحش َت في تف ُّردك فانظر إلى الرفيق السابق ،واحرص على ال َّلحاق بهم ،و ُغ َّض الطرف ع َّمن ِسواهم؛ فإنهم لن ُي ْغنُوا عنك من الله شي ًئا، وإذا صاحوا بك في طريق َسي ِرك فلا تلتف ْت إليهم؛ فإنك متى التف َّت إليهم أخذوك ،أو عاقوك. 14
الشــفاءين ا�شتمال الفاتحة على ال�ِّشفاءين ِ�شفاء القلوب ،و ِ�شفاء الأبدان فأ َّما اشتما ُهلا على شفاء القلوب :فإنها اش َتمل ْت عليه أت َّم اشتمال؛ فإ َّن مدار اعتلا ِلالقلوبوأسقا ِمهاعلىأصلين:فسا ِدال ِعلم،وفسادالقصد. ويتر َّت ُبعليهماداءا ِنقاتِلان،وهماالضلا ُلوالغضب؛فالضلالنتيج ُةفسا ِد ال ِعلم،والغضبنتيج ُةفسا ِدالقصد،وهذانالم َرضانهما ِملا ُكأمراضالقلو ِب جمي ِعها. فهداية الصراط المستقي ِم تتض َّم ُن الشفا َء من م َرض الضلال؛ ولذلك كان سؤا ُل هذه الهداي ِة أف َر َض ُدعا ٍء على كل عب ٍد ،وأوج َبه عليه ك َّل يوم وليل ٍة في كل صلاة؛ لشدة ضرورتِه وفاقتِه إلى الهداية المطلوبة ،ولا َيقو ُم غي ُر هذا السؤا ِل َمقا َمه. والتح ُّقق بـ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ ِعل اًم ومعرف ًة ،وعم ًال وحا اًل؛ يتض َّم ُن الشفا َء من م َرض فساد القل ِب والقصد . ثم إ َّن القلب َيع ِر ُض له م َرضا ِن عظيمان ،إ ْن لم َيتدار ْك ُهما َترام َيا به إلى ال َّتـ َلف ولا بد ،وهما :ال ِّرياء ،وال ِكبرْ ؛ فدواء ال ِّرياء بـ ﴿ ﭢﭣ﴾ ،ودوا ُء ال ِكبرْ بـ﴿ ﭤﭥ ﴾. يق�ووكلث:يربً�اـ م﴿�ا كﭢن�تﭣأ﴾س َت� َدمف ُ�ععشا�ليِّريخاءا،لإوبس�اـل﴿م اب� َﭤن تيم َّي� َة -ﭥق�﴾ ََّدتدفس�العلاُهل ُر ِكوبرَيحاه َء-. 15
فإذا ُعوفيِ َ ِمن م َر ِض الرياء بـ﴿ ﭢ ﭣ﴾ ،ومن م َر ِض الكبرياء وال ُعج ِب بـ﴿ﭤ ﭥ﴾ ،ومن م َرض الضلال والجهل بـ﴿ﭧ ﭨ ﭩ﴾ [الفاتحة]٦ :؛ ُعوفيِ َ ِمن أمراضه وأسقا ِمه ،و َر َف َل في أثواب العافية ،وتمَ َّت عليه النعمة ،وكان من ال ُمنْ َعم عليهم ،غي ِر المغضوب عليهم؛ و ُهم أه ُل فسا ِد القصد ،الذين ع َرفوا الح َّق و َع َد ُلوا عنه ،والضا ِّلين؛ و ُهم أه ُل فسا ِد ال ِعلم ،الذين َج ِهلوا الح َّق ولم َيع ِرفوه. وأ َّما تض ُّمنُها لشفاء الأبدان :ففي الصحيح من حديث أبي المتو ِّكل عن أبي سعيد الخُدري أ َّن نا ًسا من أصحاب النب ِّي ﷺ م ُّروا بح ٍّي من العرب، فلم َي ْق ُروهم ،ولم ُيض ِّيفوهم ،ف ُل ِد َغ س ِّي ُد الحي ،فأتوهم ،فقالوا :هل عندكم من ُر ْق َي ٍة ،أو هل فيكم ِمن را ٍق؟ فقالوا :نعم ،ولكنَّكم لم َت ْق ُرونا ،فلا َن ْف َع ُل حتى تجعلوا لنا ُجع اًل ،فجعلوا لهم على ذلك قطي ًعا من الغنم ،فجعل رج ٌل منَّا يقر ُأ عليه بفاتحة الكتاب ،فقام كأ ْن لم يكن به َق َل َب ٌة ،فقلنا :لا َت ْعجلوا حتى نأت َي النبي ﷺ ،فأت ْيناه ،فذ َك ْرنا له ذلك ،فقال« :ما ُي ْدري َك أ َّهنا ُر ْق َي ٌة؟ ُك ُلوا، وا ْر ِض ُبوا لي َم َع ُكم بِ َس ْه ٍم»(((. فقد تض َّمن هذا الحدي ُث حصو َل شفاء هذا ال َّلدي ِغ بقراءة الفاتحة عليه، فأغنَ ْته عن الدواء ،وربما بلغ ْت ِمن شفائه ما لم يب ُل ْغه الدواء ،هذا مع َك ْو ِن ال َم َح ِّل غي َر قابل؛ إ َّما لكون هؤلاء الح ِّي غي َر مسلمين ،أو أه َل بخ ٍل و ُلؤم؛ فكيف إذا كان ال َم َح ُّل قاب اًل؟! ((( أخرجه البخاري ( ،)5749 ،5736 ،2276ومسلم ( ،)2201لفظ «كلوا» عند الترمذي (.)2064 16
الشـاـلف�اشءفايءنين وأ َّما شهادة ال َّتجا ِرب بذلك :فهي أكث ُر من أن ُت ْذ َكر ،وذلك في كل زمان، وقد ج َّر ْب ُت أنا من ذلك في ن ْفسي وفي َغيري أمو ًرا عجيبة ،ولا س َّيما م َّد َة ال ُمقا ِم بمك َة أع َّزها الله تعالى؛ فإنه كان َيع ِر ُض لي آلا ٌم ُم ْز ِعجة ،بحيث تكاد َتقط ُع الحرك َة م ِّني ،وذلك في أثناء الطواف وغيره ،فأبادر إلى قراءة الفاتحة ،وأمس ُح بها على مح ِّل الألم فكأنه حصا ٌة تسقط ،ج َّر ْب ُت ذلك ِمرا ًرا عديدة ،وكنت آخ ُذ َق َد ًحا من ماء زمزم ،فأقرأ عليه الفاتحة مرا ًرا ،وأشر ُبه ،فأج ُد به من النفع والق َّو ِة ما لم أع َه ْد ِمث َله في الدواء ،والأمر أعظ ُم من ذلك ،ولكن بح َسب قو ِة الإيمان ،وص َّح ِة اليقين ،والله المستعان. 17
الكلام على قوله ﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾ سرِ ُّ الخَ ْل ِق والأ ْمر ،وال ُك ُت ِب والشرَّ ائع ،والثواب وال ِعقاب ،انتهى إلى هاتين الكلمتين ،وعليهما مدا ُر العبودية والتوحيد ،حتى قيل :أنزل الله مائة كتاب وأربع َة ك ُتب ،ج َمع معان َيها في التوراة والإنجيل والقرآن ،وج َمع معان َي هذه الكتب الثلاثة في القرآن ،وج َمع معان َي القرآن في ال ُم َف َّصل ،وجمع معاني المف َّصل في الفاتحة ،ومعاني الفاتحة في ﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾ [الفاتحة.]٥ : وهما الكلمتان المقسومتان بينْ الرب وبينْ عب ِده نِصفين ،فنِص ُفهما له تعالى، وهو ﴿ﭢﭣ﴾ ،ونِص ُفهما لعبده ،وهو ﴿ ﭤﭥ﴾. والعبادة تجمع أصلين :غاية الحب بغاية ال ُّذ ِّل والخضوع ،والعرب تقول: طريق ُم َع َّبد ،أيُ :م َذ َّلل ،والتع ُّبد :ال َّت َذ ُّلل والخضوع ،ف َمن أحبب َته ولم تكن خاض ًعا له لم تكن عاب ًدا له ،و َمن خض ْع َت له بلا مح َّب ٍة لم تكن عاب ًدا له ،حتى تكون محُِ ًّبا خاض ًعا. والاستعانة تجمع أصلين :الثق َة بالله ،والاعتما َد عليه؛ فإن العبد قد َيثِ ُق بالواحد من الناس ولا َيعتمد عليه في أموره مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه، وقد َيعتم ُد عليه مع عدم ثقتِه به؛ لحاجته إليه ،ولعدم َمن يقوم َمقا َمه، فيحتاج إلى اعتماده عليه ،مع أنه غير واثق به. 18
مدار المنازل والتو ُّكلمعنىيلتئممنأصلين:منالثقة،والاعتماد،وهوحقيقة﴿ﭢﭥ﴾. وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إ ِذ العبادة غاي ُة العباد التي ُخ ِل ُقوا لها ،والاستعانة وسيل ٌة إليها. وقال شيخ الإسلام ابن تيم َّي َة « :تأ َّملت أنفع الدعاء فإذا هو في سؤال الله العو َن على مرضاته ،ثم رأيته في الفاتحة ،في ﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾». 19
�أف�ضل العبادات أه ُل مقا ِم ﴿ ﭢ ﭣ﴾ لهم في أفض ِل العبادة وأنف ِعها ،وأح ِّقها بالإيثار والتخصي ِص أربع ُة ُط ُرق ،و ُهم في ذلك أربع ُة أصناف: ال ِّصنف الأ َّول :عن َدهم أنفع العبادات وأف َض ُلها :أش ُّقها على النفوس وأصع ُبها؛ قالوا :لأنه أبع ُد الأشياء ِمن َهواها ،وهو حقيقة التع ُّبد ،والأجر على ق ْدر المش َّقة ،وهؤلاءُ :هم أه ُل المجاهدات والجَو ِر على النفوس. ال ِّصنف الثاني قالوا :أفض ُل العبادات وأنف ُعها :ال َّتج ُّرد ،والزه ُد في الدنيا، والتق ُّل ُل منها غاي َة الإمكان ،وا ِّط َرا ُح الاهتمام بها ،وعد ُم الاكتراث بك ِّل ما هو منها. ال ِّصنف الثالث :رأ ْوا أ َّن أفض َل ال ِعبادات وأنف َعها ما كان فيه نف ٌع ُمت َع ٍّد: فرأوه أفض َل من ذي النفع القاصر ،فرأوا ِخدمة الفقراء ،والاشتغا َل بمصالح الناس وقضا ِء حوائجهم ،ومساعدتهَ م بالمال والجا ِه والنفع أفض َل ،فتص َّد ْوا له ،وع ِملوا عليه. واحت ُّجوا بأ َّن ع َمل العابد قاص ٌر على ن ْفسه ،وع َم َل النَّ َّفاع مت َع ٍّد إلى الغير، وأين أح ُدهما من الآ َخر؟! ب َك « :لأَ ْن هَي ِد َي الله طالب ﷺ لعل ِّي بن أبي قالوا :وقد قال رسو ُل الله للنفع المتع ِّدي. التفضيل ال َنّ َع ِم»((( ،وهذا ر ُجلاً وا ِح ًدا َخي ٌر َل َك ِمن حمُ ْ ِر ((( أخرجه البخاري ( ،)2942ومسلم (.)2406 20
أفضل العبادات الصنف الرابع قالوا :إ َّن أفضل العبادة العم ُل على مرضاة الر ِّب تعالى في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوق ِت ووظيف ُته. الليفألف ،وضلصايلاعمباالدناهاتر،فيبولقو ِمت انلتج ْرهاكدإ:تامال ِجمهاَ ُصدل،اوةإا ْلنفآ َرل إلضى،ت ْركماك افليأوحارلاةد؛المأمنن.صلاة والأفضل في وقت ُحضور الضي ِف مثل :القيا ُم بح ِّقه ،والاشتغا ُل به عن ال ِورد ال ُمست َح ِّب ،وكذلك في أداء ح ِّق الزوجة والأهل. والأفضل في وقت استرشاد الطالب ،وتعلي ِم الجا ِهل :الإقبا ُل على تعليمه، والاشتغا ُل به. والأفض ُل في أوقات ال َّسحر :الاشتغا ُل بالصلاة والقرآن والدعا ِء وال ِّذكر والاستغفار. والأفضلفيوق ِتالأذان:ت ْر ُكماهوفيه ِمن ِورده،والاشتغا ُلبإجابةالمؤ ِّذن. والأفضل في أوقات الصلوات ال َخم ِس :ال ِج ُّد والنُّص ُح في إيقاعها على أكم ِل الوجوه ،والمبادر ُة إليها في أ َّول الوقت ،والخرو ُج إلى الجامع ،وإ ْن ب ُعد كان أفض َل. والأفضل في أوقات ضرور ِة المحتاج إلى المساعد ِة بالجاه ،أو ال َب َد ِن ،أو المال: الاشتغا ُل بمساعدته ،وإغاث ُة لهفته ،وإيثا ُر ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت ِقراءة القرآن :جمع َّي ُة القلب وال ِه َّمة على تد ُّبره وتف ُّه ِمه، حتى كأ َّن الله يخاط ُبك به ،ف َتجم ُع قل َبك على َف ْهمه وتد ُّبره ،والعز ِم على تنفيذ أوام ِره أعظ َم ِمن جمَ ع َّية ق ْل ِب َمن جاءه كتا ٌب من السلطان على ذلك. 21
وال ِّذك ِر، والدعاء التض ُّرع في الاجتها ُد الوقو ِف بعرفة: والأفضل في وقت عن ذلك. دون ال َّصو ِم ال ُمض ِعف والأفضل في وقت م َر ِض أخيك المسلم أو موتِه :عياد ُته ،وحضو ُر جنازتِه وتشيي ُعه ،وتقديم ذلك على خلوتك وجمع َّيتِك. والأفضل في وقت نزول النواز ِل وأذى الناس لك :أدا ُء واجب الصبر مع ُخلطتك بهم ،دون الهرب منهم؛ فإ َّن المؤمن الذي يخالِ ُط الناس ويصبر على أذا ُهم أفض ُل من الذي لا يخال ُطهم ولا ي ْؤذونه. فيه ،وعزل ُتهم في الش ِّر؛ اعتزالهم من فهوواألفأفض ُضل مل ُنخلخطلتطهتمهفميفايلهخ،يرفإ؛ ْفنه َع ِلي َمخأين ٌره أزا َله أو ق َّلله فهي خير خالطهم إذا من عزلتهم. والحال، الوق ِت ذلك ذولقكتالووقحا ِ ٍتل:وإويثاظ ُيرفتِمهرو ُضماقةت الضلاههف.ي فالأفضل في ك ِّل والاشتغا ُل بواجب وهؤلاء هم أهل التع ُّبد ال ُم ْط َلق ،والأصنا ُفق ْب َلهم أه ُل التع ُّب ِد المق َّيد؛ فمتى خرج أحدهم عن الف ْرع الذي تع َّلق به من العبادة وفا َرقه ي َرى ن ْف َسه كأنه قد ن َقص وت َرك عبادته ،فهو يعبد الله على وج ٍه واحد ،وصاحب التع ُّبد الم ْط َلق ليس له غر ٌض في تع ُّب ٍد بعينه ُيؤثره على غيره ،بل غرضه تت ُّبع مرضاة الله تعالى أين كانت؛ فمدا ُر تع ُّب ِده عليها ،فهو لا يزال متن ِّق اًل في منازل العبودية، ك َّلما ُرفعت له منزل ٌة َع ِم َل على َسيره إليها ،واشتغل بها حتى تلو َح له منزل ٌة أخرى ،فهذا دأ ُبه في السير حتى ينتهي سي ُره ،فإ ْن رأي َت العلماء رأي َته معهم، 22
أفضل العبادات وإ ْن رأيت ال ُع َّباد رأيته معهم ،وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم ،وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم ،وإن رأيت المتص ِّدقين المحسنين رأيته معهم ،فهذا هو العب ُد الم ْط َل ُق ،الذي لم تمَ ِل ْكه ال ُّرسوم ،ولم تق ِّيده القيود ،ولم يكن عم ُله على مراد ن ْفسه وما فيه ل َّذتهُ ا وراح ُتها من العبادات ،بل على مراد ر ِّبه ،ولو كانت راح ُة ن ْفسه ول َّذتهُ ا في سواه ،فهذا المتح ِّقق بـ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ ح ًّقا ،القائ ُم بهما صد ًقاَ ،م ْل َب ُسه ما ته َّيأ ،ومأك ُله ما تيسرَّ ،واشتغا ُله بما ُأ ِم َر به في كل وقت بوقته ،ومجلسه حيث انتهى وو َج َده خال ًيا ،لا تملكه إشارة ،ولا ُيق ِّيده قيد ،ولا يستولي عليه ر ْسم ،ح ٌّر مج َّرد ،دائر مع الأمر حيث دارَ ،ي ِدين ب ِدين الآ ِمر أ َّنى تو َّج َه ْت ركا ِئ ُبه ،ويدور معه حيث استق َّلت مضا ِر ُبه ،يأنس به ُك ُّل محُِ ٍّق ،ويستوحش منه ُك ُّل ُم ْبطِ ٍل ،كالغيث حيث وقع نفع ،وكالنخلة لا َيس ُقط ور ُقها ،وك ُّلها منفعة حتى شو ُكها ،وهو موضع الغلظ ِة منه على المخالفين لأمر الله ،والغض ِب إذا ان ُتهك ْت محار ُم الله؛ فهو لله وبالله ومع الله، قد ص ِحب الل َه بلا َخلق ،وص ِحب الناس بلا ن ْفس ،بل إذا كان مع الله ع َزل الخلائق ،وتخلىَّ عنهم ،وإذا كان مع َخلقه َع َز َل ن ْفسه وتخلىَّ عنها ،فوا ًها له! ما أغ َر َبه بين الناس! وما أش َّد وحش َته منهم! وما أعظ َم ُأن َسه بالله وف َر َحه به، وطمأنين َته به ،و ُسكو َنه إليه والله المستعان ،وعليه ال ُّت ْكلان. 23
ممننازلز ًةلم﴿نزلﭢًة فيﭣ﴾حااللت�َيس رَْي ِنيته ِ إ�قللىفايلهلاهالتقعلالبى اعلم أ َّن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام و ُيفارقه وينتقل إلى الثاني ،كمنازل السير ال ِحسيِّ ،هذا محُ َال ،ألا ترى أن اليقظة معه في كل مقام لا تفا ِرقه؟ وكذلك البصيرة والإرادة والعزم ،وكذلك التوبة؛ فإنها كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أي ًضا ،بل هي في كل مقام ُم ْس َت ْص َحبة؛ ومن المقامات ما يكون جام ًعا لمقا َمين ،ومنها ما يكون جام ًعا لأكثر من ذلك ،ومنها ما َيندرج فيه جميع المقامات ،فلا يستح ُّق صاحبه اسمه إلا عند استجماع جميع المقامات فيه. فالتوبة جامعة لمقام المحا َسبة ومقام الخوف ،لا ُيت َص َّور وجو ُدها بدونهما. والرضا جام ٌع لمقام الصبر ومقام المحبة ،لا ُيتص َّور وجو ُده بدونهما. والتو ُّكلجامعلمقامالتفويضوالاستعان ِةوالرضا،لا ُيتص َّوروجو ُدهبدونها. والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة. وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان :أبرار، و ُم َق َّر ُبون؛ فالأبرار في أذياله ،والمق َّربون في ِذ ْر َوة َسنامه ،وهكذا مرات ُب الإيمان جمي ُعها ،وك ٌّل من النوعين لا يحُ ِيص تفاوتهَ م ،وتفا ُض َل درجاتهم إلا الله تعالى. 24
المنـــــازل وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية َسيرْ ِ ه ،ف َينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأُن ِس والطمأنينة ما لم يحصل بع ُد للسالك في نهايته ،ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور -من البصيرة ،والتوبة، والمحاسبة -أعظم من حاجة صاحب البداية إليها ،فليس في ذلك ترتيب كليِّ ٌّ لاز ٌم للسلوك. فالأولى الكلا ُم في هذه المقامات على طريقة المتق ِّدمين من أئمة القوم كلا ًما ُمطل ًقا في كل مقام مقام ،ببيان حقيقته و ُمو ِجبِه ،وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه ،و ِذ ْكر عا ِّمه وخا ِّصه ،فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج؛ فإنهَّ م ن َظموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلا ًما ُمف َّص اًل جام ًعا مبينًا مطل ًقا من غير ترتيب ،ولا حصر للمقامات بعد ٍد معلوم. فالأولى بنا :أ ْن نذ ُك َر مناز َل ال ُعبودية الواردة في القرآن وال ُّسنة ،ونذكر لها ترتي ًبا غي َر ُمستح ٍّق ،بل ُمستحس ٌن ،بحسب ترتي ِب ال َّسي ِر الحس ِّي؛ ليكو َن ذلك أقر َب إلى تنزي ِل المعقو ِل منزل َة المشهو ِد بالح ِّس ،فيكو َن ال َّتصدي ُق به أت َّم، ومعرف ُته أكم َل ،وضب ُطه أسه َل. 25
منزلة اليقظة اعلم أ َّن العب َد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة ،قل ُبه نائم وط ْرفه َيقظان ،فصاح به الناصح ،وأسمعه داعي النجاح ،وأ َّذ َن به م َؤ ِّذن الرحمن: «ح َّي على الفلاح». فأول مراتب هذا النائم اليقظ ُة والانتباه من النوم. * وهي :انزعا ُج القلب ل َروعة الانتباه ِمن رقدة الغافلين ،ولله ما أنف َع هذه ال َّروع َة! وما أعظ َم ق ْد َرها وخط َرها! وما أش َّد إعان َتها على السلوك! ف َمن أح َّس بها فقد أح َّس واللهِ بالفلاح ،وإلا فهو في سكرات الغفلة ،فإذا انت َب َه ش َّمر للهِ به َّمته إلى السفر إلى منازله ال ُأولى ،وأوطانِه التي ُسبِ َي منها(((*. فإنه إذا ن َهض من ورطة الغفلة ،واستنار قلبه برؤية نور التنبيه؛ أو َج َب له ذلك ملاحظ َة نِ َعم الله الباطنة والظاهرة ،وك َّلما ح َّدق قل ُبه وط ْر ُفه فيها شا َه َد عظمتها وكثرتها ،فيئِس من َع ِّدها ،والوقوف على ح ِّدها ،وف َّر َغ قلبه لمشاهدة ِم َّنة الله عليه بها من غير استحقاق ،ولا استجلاب لها بثمن ،فتي َّق َن حينئذ تقصي َره في واجبها ،وهو القيا ُم بشكرها. فأوجب له شهو ُد تلك المِ َّن ِة والتقصير نوعين جليلين من العبودية :مح َّبة ال ُمن ِعم وال َّل َهج ب ِذ ْك ِره ،وتذ ُّللـه وخضوعه له ،وإزرا َءه على نفسه؛ حيث ((( النجمتان تدلان على أن الكلام بينهما ُعدل موضعه من كتاب مدارج السالكين مراعا ًة للسياق وهي مواضع قليلة. 26
اليقظـــــة عجز عن شكر نِ َع ِمه ،فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ،ويعلم أنه على خطر عظيم فيهاُ ،مشرْ ِ ف على الهلاك بمؤا َخذ ِة صاحب الح ِّق بمو ِجب َح ِّق ِه، فإذا طا َل َع جنايته ش َّمر لاستدراك الفا ِرط بالعلم والعمل ،وتخ َّلص من ِر ِّق الجناية بالاستغفار والنَّدم ،و َط َل ِب التمحيص ،وهو تخلي ُص إيمانه ومعرفته من َخ َب ِث الجناية. وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشيا َء :بالتوبة ،والاستغفار، والحسنات الما ِح َية ،والمصائ ِب ال ُم َك ِّفرة ،فإ ْن محَ َّ َص ْته هذه الأربع ُة وخ َّلصته كان من الذين تتو َّفاهم الملائكة ط ِّيبي َنُ ،ي َبشرِّ ونهم بالجنة ،وكان من الذين ﴿ﭘ ﭙ ﭚ﴾عند الموت ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ﴾ [فصلت.]32 - 30 : وإن لم َت ِف هذه الأربع ُة بتمحيصه وتخليصه؛ فلم تكن التوب ُة نصو ًحا ،وهي العا َّم ُة الشاملة الصادقة ،ولم يكن الاستغفار كام ًال تا ًّما ،وهو المصحو ُب ب ُمفا َرقة الذنب والندم عليه ،هذا هو الاستغفار النافع ،لا استغفا َر َمن في يده قدح ال ُم ْس ِكر ،يقول :أستغفر الله ،ثم َيرفعه إلى فيه! ولم تكن الحسنا ُت في َك ِّم َّيتِها وكيف َّيتِها وافي ًة بالتكفير ،ولا المصائب ،وهذا إما ل ِع َظ ِم الجناية ،وإما ل َض ْعف ال ُم َم ِّحص ،وإما لهما :محُ ِّ َص في البرزخ بثلاثة أشيا َء: أحدها :صلاة أهل الإيمان عليه ،واستغفارهم له ،وشفاعتهم له. الثاني:تمحي ُصهبفتنةالقبر،وروعةال َف َّتان،وال َعصرْ َ ةوالانتهار،وتوابعذلك. 27
الثالث :ما ُهيدي إليه إخوا ُنه المسلمون من هدايا الأعمال. فإ ْن لم َت ِف هذه الثلاث ُة بالتمحيص :محُ ِّ َص بين َي َد ْي ربه في الموقف بثلاثة أشيا َء :أهوال القيامة وشدة الموقف ،وشفاعة ال ُّش َفعاء ،وعفو الله . فإن لم َت ِف هذه الثلاثة بتمحيصه :فلا ب َّد له من دخول الكِير ،رحم ًة في ح ِّقه؛ ليتخ َّلص ويتم َّحص ،ويتط َّهر في النار ،فتكون النا ُر ُطهر ًة له وتمحي ًصا لخبثه، ويكون ُمك ُثهفيهاعلىح َسبكثرةالخبثوق َّلته،وش َّدتهوضعفهوترا ُكمه،فإذا خرج خب ُثه و ُص ِّفي َذ َه ُبه ،وصار خال ًصا طي ًباُ ،أخر َج من النار ،و ُأدخل الجنة. 28
الفكـــــرة مــنزلة ال ِفكــرة فإذا استحكمت يقظ ُته أوجب ْت له الفكرة ،وهي :تحدي ُق القلب إلى جهة المطلوب؛ التما ًسا له. والفكرةفكرتان:فكرةتتع َّلقبالعلموالمعرفة،وفكرةتتع َّلقبالطلبوالإرادة. فالتي تتع ِّلق بالعلم والمعرفة :فكر ُة التمييز بين الحق والباطل ،والثابت والمنف ِّي. والتي تتع َّلق بالطلب والإرادة :فهي الفكرة التي تمُ ِّيز بين النافع والضا ِّر، ثم يتر َّتب عليها فكر ٌة أخرى في الطريق إلى ُحصول ما ينفع ،فيسلكها، وطريق ما يض ُّر ،فيتركها. فهذه س َّت ُة أقسام لا ساب َع لها ،هي مجال أفكار ال ُع َقلاء. 29
منزلة الب�يرصة * فإذا ص َّحت فكر ُته أوجبت له البصير َة؛ فهي نور في القلب ُيبصرِ به الوع َد والوعيد ،والجن َة والنار ،وما َو َعد الل ُه في هذه لأوليائه ،وفي هذه لأعدائه ،فأبصرَ َ النا َس وقد خ َرجوا من قبورهم ُم ْه ِط ِعي َن لدعوة الحق، وقد نزلت ملائك ُة السموات فأحاطت بهم ،وقد جاء الله و َن َص َب ُكرس َيه لفصل القضاء ،وقد أشرقت الأرض لنوره ،و ُو ِض َع الكتاب ،و ِجي َء بالنب ِّيي َن والشهداء ،وقد ُن ِص َب الميزان ،وتطايرت ال ُّص ُحف ،واجتمعت ال ُخصوم، وتع َّلق ك ُّل َغريم بغريمه ،ولا َح ال َحو ُض وأكوا ُبه عن َك َث ٍب ،وك ُثر ال ِع َطا ُش و َق َّل الوا ِرد ،و ُن ِص َب الجسر للعبور ،و ُل َّز النا ُس إليه ،و ُقسمت الأنوا ُر دون ظلمته للعبور عليه ،والنار يحَ ْ ِط ُم بع ُضها بع ًضا تح َته ،والمتساقطون فيها أضعا ُف أضعا ِف الناجين ،فينفتح في قلبه عي ٌن يرى بها ذلك ،ويقوم بقلبه شاه ٌد من شواهد الآخرة ُي ِري ِه الآخر َة ودوا َمها ،والدنيا وسرع َة انقضائها. فالبصيرة نو ٌر يقذفه الله في القلب ،يرى به حقيق َة ما أخبرت به الرسل، كأنه شا َه َد رأ َي َعينْ ٍ ،فيتح َّقق مع ذلك انتفا ُعه بما دعت إليه الرسل، وتض ُّر ُره بمخالفتهم ،وهذا معنى قول بع ِض العارفين :البصيرة تح ُّقق الانتفاع بالشيء والتض ُّرر به .وقال بعضهم :البصيرة ما خ َّلصك من الحيرة؛ إما بإيمان ،وإما ب ِعيان. والبصيرة على ثلاث َدرجات؛ َمن اس َتكملها فقد اس َتكمل البصيرة :بصيرة 30
البصيــــرة في الأسماء والصفات ،وبصيرة في الأمر وال َّنهي ،وبصيرة في الو ْعد والوعيد. فالبصيرة في الأسماء والصفات :ألاَّ يتأ َّثر إيما ُنك ب ُشبهة ُتعا ِر ُض ما و َصف الله به ن ْف َسه ،ووص َفه به رسو ُله ،بل تكون ال ُّش َبه ال ُمعارضة لذلك عندك بمنزلة ال ُّش َبه والشكو ِك في وجود الله ،فكلاهما سواء في البطلان عند أهل البصائر. وع ْق ُد هذا أن يش َه َد قل ُبك الر َّب تبارك وتعالى مستو ًيا على عرشه ،متك ِّل ًام بأم ِره ونهيه ،بصي ًرا بحركات العالم ُع ْلو ِّيه و ُس ْفل ِّيه ،وأشخاصه وذواته ،سمي ًعا لأصواتهم ،رقي ًبا على ضمائرهم وأسرارهم ،وأ ْم ُر الممالك تحت تدبيره ،ناز ٌل ِمن عنده وصاعد إليه ،وأملاكه بين يديه ُتن ِّفذ أوامره في أقطار الممالك ،موصو ًفا بصفات الكمال ،منعو ًتا بنعوت الجلال ،من َّز ًها عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما و َصف ن ْفسه في كتابه ،وفوق ما يصفه به خلقه ،ح ٌّي لا يموت ،ق ُّيوم لا ينام ،عليم لا يخفى عليه مثقا ُل َذ َّر ٍة في السماوات ولا في الأرض ،بصير يرى َدبي َب النمل ِة السوداء ،على الصخرة الصماَّ ء ،في الليلة الظلماء ،سميع َيسمع ضجيج الأصوات ،باختلاف اللغات ،على تف ُّنن الحاجات ،تمَ َّ ْت كلما ُته ِص ْد ًقا وعد ًال ،فج َّلت صفا ُته أن ُتقاس بصفات خ ْل ِقه َشب ًها و ِمث ًال ،وتعالت ذا ُته أن ُتشبه شي ًئا من الذوات أص اًل ،ووس ِع ْت الخليق َة أفعا ُله عد ًال وحكم ًة ورحم ًة وإحسا ًناوفض ًال،لهال َخ ْل ُقوالأمر،ولهالنعمةوالفضل،ولهال ُمل ُكوالحمد،وله الثناء والمجد ،أو ٌل ليس قبله شيء ،آخ ٌر ليس بعده شيء ،ظاهر ليس فو َقه شيء، باطن ليس دو َنه شيء ،أسماؤه ك ُّلها أسماء م ْد ٍح وحم ٍد ،وثنا ٍء وتمجي ٍد ،ولذلك كانت ُح ْس َنى ،وصفا ُته ك ُّلها صفا ُت كما ٍل ،و ُنعوته ُنعو ُت جلال ،وأفعاله ك ُّلها 31
حكم ٌة ورحمة ،ومصلحة وعدل ،ك ُّل شيء من مخلوقاته دا ٌّل عليه ،ومر ِشد لمن رآه بعين البصيرة إليه ،لم يخَ ُل ِق السموا ِت والأر َض وما بينهما باط ًال ،ولا ت َرك الإنسان ُس ًدى عاط ًال ،بل خلق ال َخلق لقيام توحيده وعبادته ،وأس َب َغ عليهم نِ َع َمه ليتو َّسلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته ،تع َّرف إلى عباده بأنواع التع ُّرفات ،وصرَ َّ ف لهم الآيات ،و َن َّوع لهم الدلالات ،ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ،وم َّد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب ،فأت َّم عليهم نِ َع َم ُه السابغة ،وأقام عليهم ُح َّج َته البالغة ،أفاض عليهم النعمة ،و َك َتب على ن ْفسه الرحمة ،و َض َّمن ال ِكتا َب الذي كتبه :أ َّن رحمتي سبقت غضبي. المرتبة الثانية :البصيرة في الأمر وال َّنهي؛ وهي تجريده عن المعارضة بتأويل، أو تقليد ،أو ه ًوى ،فلا يقوم بقلبِه ُشبه ٌة ُتعا ِرض العلم بأمر الله ونهيه ،ولا شهو ٌة تمنع من تنفيذه وامتثالِه والأخذ به ،ولا تقلي ٌد ُيزيحه عن ب ْذل ال ُجه ِد في تل ِّقي الأحكام من ِمشكاة النصوص. المرتبة الثالثة :البصيرة في الوعد والوعيد؛ [و] هو أن تشهد قيا َم الله تعالى على كل نفس بما كسبت في الخير والشر ،عاج اًل وآج اًل ،في دار العم ِل ،ودار الجزاء ،وأ َّن ذلك هو مو ِجب إلهيته وربوبيته ،وعدله وحكمته. فإذا انتبه وأبصر :أخذ في «القصد» و ِص ْدق الإرادة ،وأجمْ َ َع القص َد والنية على سفر الهجرة إلى الله ،و َع ِلم وتي َّقن أنه لا ب َّد له منه ،فأخذ في ُأه َبة السفر، وتعبئ ِة الزاد ليوم المعاد ،والتج ُّرد عن عوائق السفر ،وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج؛ فإذا استح َك َم قص ُده صار «عز ًما» جاز ًما ،مستلز ًما للشروع في 32
البصيــــرة السفر ،مقرو ًنا بالتو ُّكل على الله ،قال تعالى ﴿ :ﭱﭲ ﭳﭴﭵ﴾ [سورة آل عمران.]159 : والعزم :هو القص ُد الجازم الم َّتصل بالفعل ،ولذلك قيل :إنه أ َّول الشروع في الحركة لطلب المقصود ،وحقيقته :هو استجماع قوى الإرادة على الفعل. والعزم نوعان؛ أحدهما :عزم ال ُمريد على الدخول في الطريق ،وهذا من البدايات .والثاني :عز ٌم في حال ال َّسير ،وهو أخ ُّص من هذا*. 33
منزلـــة المحا�ســـبة وهذه المنازل الأربعة :اليقظة ،والفكرة ،والبصيرة ،والعزم[ ،هي] لسائر المنازل كالأساس لل ُبنيان ،وعليها مدار منازل السفر إلى الله تعالى ،ولا ُيتص َّور السف ُر إليه بدون نزولها الب َّت َة ،وهي على ترتيب ال َّسير ال ِحسيِّ ،فإ َّن المقيم في وطنه لا يتأ َّتى منه السف ُر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر ،ثم يتبصرَّ في أمر سفره و َخ َط ِره ،وما فيه من المنفعة والمصلحة ،ثم يف ِّكر في ُأهبة السفر والتز ُّود وإعداد ُع َّدته ،ثم يعزم عليه ،فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة المحاسبة؛ وهي التمييز بين ما له وعليه ،ف َيستص ِحب ما له ،ويؤ ِّدي ما عليه؛ لأنه مساف ٌر َس َف َر َم ْن لا يعود. [و] قد د َّل على المحاسبة قو ُله تعالى﴿ :ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭣﭤﭥﭦ﴾ [الحشر.]18 : [ومن أركان المحاسبة] :أن ُتقاي َس بين ما ِم َن الله وما منك ،فحينئذ يظه ُر لك التفاو ُت ،وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته ،أو الهلاك والع َط ُب. وفي هذه ال ُمقا َيسة تعلم أ َّن الرب ر ٌّب والعب َد عب ٌد ،وتتبين لك حقيق ُة الن ْفس وصفاتهُ ا ،و َع َظم ُة جلال الربوبية ،وتف ُّرد الرب بالكمال والإفضال ،وأن كل نعمة منه فضل ،وكل نقمة منه عدل ،وأنت قبل هذه ال ُمقا َيس ِة جاه ٌل بحقيقة ن ْفسك ،وبربوبية فاطرها وخالِ ِقها ،فإذا قا َي ْس َت ظ َهر لك أنها منبع ك ِّل شر، 34
المحاســـبة وأساس كل ن ْقص ،وأ َّن ح َّدها :الجاهل ُة الظالمة ،وأ َّنه لولا فض ُل الله ورحمته بتزكيته لها ما زك ْت أب ًدا ،ولولا ُهداه ما اهتدت ،ولولا إرشاده وتوفي ُقه لما كان لها وصو ٌل إلى خير الب َّتة. [وتتوقف المحاسبة على] :سوء الظ ِّن بالنفس لأ َّن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش و ُي َل ِّبس عليه ،فيرى ال َمساوئ محاس َن ،والعيو َب كما ًال؛ [و] ِرضا العبد بطاعته دلي ٌل على ُحس ِن ظنِّه بنفسه ،و َجه ِله بحقوق العبود َّية، وعد ِم ِعل ِمه بما َيستح ُّقه الرب ويليق أن يعا َمل به. وحاصل ذلك :أ َّن جه َله بنفسه وصفاتها وآفاتها ،وعيو ِب عمله ،وجه َله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعا َمل به ،يتو َّلد منهما رضاه بطاعته ،وإحسا ُن ظنِّه بها ،ويتو َّلد من ذلك من ال ُع ْجب وال ِكبرْ والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة؛ من الزنا ،وشرب الخمر ،والفرار من الزحف ،ونحوها؛ فالرضا بالطاعة من ُرعونات النفس وحماقتِها. وأرباب العزائم والبصائر أش ُّد ما َيكونون استغفا ًرا َع ِقيب الطاعات؛ لشهودهم تقصي َرهم فيها ،و َت ْرك القيام لله بها كما َيليق بجلاله وكبريائه ،وأنه لولا الأمر لمَا أقد َم أح ُدهم على مثل هذه العبودية ،ولا َر ِض َيها لس ِّيده. وقد أ َم َر الله تعالى َو ْف َده وح َّجا َج بيته بأن يستغفروه َع ِقيب إفاضتهم من عرفات ،وهو أ َج ُّل المواقف وأفض ُلها ،فقال﴿ :ﭼﭽﭾ ﭿ ﮀﮁﮂﮃ ﮄﮅ ﮆﮇ ﮈﮉﮊ 35
ﮋﮌ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮕﮖﮗﮘ ﮙ ﮚﮛﮜﮝ﴾ [البقرة ،]199 - 198 :وقال تعالى﴿ :ﭡ ﭢ﴾ [آل عمران ،]17 :قال الحسن َ « :م ُّدوا الصلاة إلى ال َّس َحر ،ثم جلسوا يستغفرون الله ». ولله د ُّر الشيخ أبي يزي َد حيث يقولَ « :من تح َّق َق بالعبودي ِة نظر أفعا َله بعي ِن ال ِّريا ِء ،وأحوا َله بعين ال َّدعوى ،وأقوا َله بعين الافتراء». وك َّلما َع ُظم المطلو ُب في قلبِك ص ُغ َر ْت عندك وتضاءلت القيم ُة التي َتبذلها في تحصيله ،وك َّلما ش ِه ْد َت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ،وع َر ْف َت الله، وع َر ْف َت النفس ،تبينَّ لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعمل ال َّثق َلي ِن خشي َت عاقبته ،وإنما َيقبله بكرمه وجوده وتف ُّضله، و ُيثي ُبك عليه أي ًضا بكرمه وجوده وتف ُّضله. [واعلم] أ َّن َت ْعيي َرك لأخيك بذنبه أعظ ُم إ ْث ًام من ذنبه وأش ُّد من معصيته؛ لمِا فيه من َص ْو َلة الطاعة ،وتزكية النفس ،وشكرها ،والمناداة عليها بالبراءة من الذنب ،وأ َّن أخاك هو الذي با َء به ،ولعل َكسرْ َ ته بذنبه، وما أحد َث له من ال ِّذ َّلة والخضوع ،والإزراء على نفسه ،والتخ ُّلص من مرض الدعوى ،وال ِكبرْ وال ُع ْجب ،ووقوفه بين يدي الله ناك َس الرأس ،خاش َع الطرفُ ،منكسرِ القلب أنف ُع له ،وخي ٌر له من َص ْو َلة طاعتك ،وتك ُّث ِرك بها ،والاعتداد بها ،والمِنَّة على الله تعالى و َخ ْل ِقه بها، 36
المحاســـبة فما أقر َب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا ال ُم ِد َّل من َم ْق ِت الله! فذن ٌب َت ِذ ُّل به لديه ،أح ُّب إليه من طاعة ُت ِد ُّل بها عليه ،وإنك أ ْن تبي َت نائ ًام وتصب َح ناد ًما ،خي ٌر من أن تبيت قائ ًام وتصبح ُمع َج ًبا ،فإن المع َجب لا يصعد له عمل ،وإنك أن َتضحك وأنت معت ِرف ،خي ٌر من أ ْن تبكي وأنت ُم ِد ٌّل، وأني ُن المذنبين أح ُّب إليه من َز َجل ال ُم َس ِّبحين ال ُم ِد ِّلي َن ،ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دوا ًء استخرج به داء قات ًال هو فيك ولا تشعر. 37
منزلـــــة التــــــوبة فإذا ص َّح له هذا المقام ،ون َز َل في هذه المنزل ِة ،أش َرف منها على مقام التوبة، لأنه بالمحاسبة قد تم َّيز عنده ما له مما عليه ،فل ُيج ِم ْع على التشمير إليه ،والنزول فيه إلى الممات. ومنز ُل التوب ِة أ َّو ُل المنازل ،وأوسطها ،وآخ ُرها ،فلا ُيفارقه العب ُد السال ُك، ولا يزال فيه إلى الممات ،وإ ِن ارتحَ َل إلى منز ٍل آ َخ َر ارتحل به ،واس َتص َحبه معه ،ونزل به. فالتوبة هي بداية العبد ونهاي ُته ،وحاجته إليها في النهاية ضرورية ،كما أ َّن حاج َته إليها في البداية كذلك ،وقد قال الله تعالى﴿ :ﯻﯼﯽﯾﯿ ﰀﰁﰂ﴾ [النور ،]31 :وهذه الآية في سورة مدن َّية ،خا َطب الله بها أه َل الإيمان وخيا َر َخ ْلقه أن يتوبوا إليه ،بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم ،ثم ع َّلق الفلا َح بالتوبة تعلي َق المس َّبب بسببِه ،وأتى بأداة (لع َّل) ال ُمش ِعرة بالتر ِّجي؛ إيذا ًنا بأنكم إذا ُتبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلا َح إلا التائبون ،جعلنا الله منهم. وقال تعالى﴿ :ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ﴾ [الحجرات ،]11 :ف َق َسم العباد إلى تائب وظالم ،وما َث َّم ِق ْس ٌم ثالث الب َّت َة ،وأو َقع اس َم الظالمِ على َمن لم َي ُتب ،ولا أظ َل َم منه؛ لجهله بِ َر ِّبه وبحقه ،وبعيب َن ْفسه وآفات أعماله. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال« :يا أ هُّيا ال َّنا ُسُ ،تو ُبوا إلى اللهِ ،فواللهِ إنيِّ لأَ ُتو ُب 38
التـــــوبة إ َلي ِه في ال َيو ِم أك َث َر ِمن َسبعي َن َم َّر ًة»(((. ولمَّا كانت التوب ُة هي ُرجو ُع العبد إلى الله ،ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضا ِّلي َن ،وذلك لا يحَ ُصل إلا بهداية الله تعالى له إلى الصراط المستقيم ،ولا تحَ ُصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده ،انتظمتها سور ُة الفاتحة أحس َن انتظام ،وتض َّمنتها أبل َغ تض ُّمن ،ف َمن أعطى الفاتح َة ح َّقها ِ -عل ًام وشهو ًدا وحا ًال ومعرف ًةَ -ع ِلم أنه لا َت ِص ُّح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة ال َّن ُصوح ،فإن الهداية التا َّمة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب، ولا مع الإصرار عليها؛ فإن الأول َج ْهل ُينافي معرف َة الهدى ،والثاني َغ ٌّي ينافي قص َده وإراد َته؛ فلذلك لا َت ِص ُّح التوب ُة إلا بعد معرفة الذنب ،والاعتراف به ،و َطل ِب التخ ُّلص من سوء عواقبه ،وأ َّنك إنما ارتكبت الذن َب بعد انخلاعك من ثوب عصمته لك ،فمتى َع َرف هذا الانخلاع َع ُظم خط ُره عنده ،واشت َّدت عليه ُمفارق ُته ،و َع ِل َم أ َّن ال ُه ْل َك ك َّل ال ُه ْل ِك ُب ْع ُده ،وهو حقيقة ال ِخذلان ،فما خلىَّ الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن َخ َذ َلك ،وخلىَّ بينك وبين نفسك ،ولو عصمك وو َّفقك لمَ ا َو َجد الذن ُب إليك سبي اًل. فقد أجمع العارفون بالله تعالى على أن ال ِخذلان :أ ْن يخُليِّ الله بينك وبين نفسك ،والتوفيق :أ ْن لا َي ِك َل َك الل ُه إلى نفسك ،وله سبحانه في هذه التخلية -بينك وبين الذنب و ِخذلانك حين وا َق ْع َتهِ -ح َك ٌم وأسرا ٌر. والمؤمن لا تت ُّم له ل َّذ ُته بمعصيته أب ًدا ،ولا َيك ُمل بها فر ُحه ،بل لا ُيباشرِ ها ((( أخرجه البخاري ( )6307ومسلم (.)2702 39
إلا والحزن مخال ٌط لقلبه ،ولك َّن ُس ْك َر الشهو ِة يحَ ُجبه عن الشعور به ،ومتى َخلاَ قل ُبه من هذا الحزن ،واشت َّدت ِغبط ُته وسرو ُره فل َي َّت ِه ْم إيمانه ،و ْل َي ْب ِك على موت قلبه ،فإنه لو كان ح ًّيا لأحزنه ارتكا ُبه للذنب ،وغا َظه و َص ُعب عليه، ولأ َح َّس القل ُب بذلك ،فحيث لم يحُ ِ َّس به فما ل ُج ْر ٍح ب َم ِّي ٍت إيلا ٌم. وهذه ال ُّنكتة في الذ ْنب ق َّل َمن يهتدي إليها ،أو ينتبه لها ،وهي موضع مخَ ُو ٌف ج ًّداُ ،مترا ٍم إلى الهلاك إن لم ُيتدا َرك بثلاثة أشياء :خوف من الموافاة عليه قبل التوبة ،وندم على ما فاته من الله تعالى بمخالفة أمره ،وتشمير لل ِج ِّد في استدراكه. فحقيق ُة التوبة :الند ُم على ما َس َلف منه في الماضي ،والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا ُيعاو َده في المستقبل. والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تق ُع فيه التوبة ،فإنه في ذلك الوقت يندم، و ُيق ِلع ،و َيع ِزم. فحينئ ٍذ يرجع إلى العبودية التي ُخ ِلق لها ،وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة، ولما كان ُمتو ِّق ًفا على تلك الثلاثة ُجع ِلت شرائ َط له. فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات ،منها :أن يكون بعد التوبة خي ًرا مما كان قبل الخطيئة. ومنها :أنه لا يزال الخوف مصاح ًبا له ،لا يأمن طرف َة َعينْ ٍ ،فخوفه مستم ٌّر إلى أن يسمع قو َل الرسل ل َق ْبض ُروحه﴿ :ﭛﭜﭝﭞﭟﭠ 40
التـــــوبة ﭡﭢ ﭣ﴾ [فصلت ،]30 :فهناك يزول الخوف. ومنها :انخلاع قلبه ،وتق ُّطعه ند ًما وخو ًفا ،وهذا على قدر ِع َظم الجناية و ِص َغرها ،وهذا تأويل ابن ُع َي ْينة لقوله تعالى﴿ :ﮤﮥﮦ ﮧﮨﮩ ﮪﮫﮬ ﮭﮮﮯ﴾ [التوبة ،]110 :قالَ « :تق ُّط ُعها بالتوبة». ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة ُيو ِجب انصدا َع القلب وانخلا َعه ،وهذا هو َتق ُّط ُعه ،وهذا حقيقة التوبة؛ لأنه يتقطع قل ُبه حسر ًة على ما َف َرط منه ،وخو ًفا من سوء عاقبته ،فمن لم َيتق َّطع قل ُبه في الدنيا على ما َف َّرط حسر ًة وخو ًفا؛ َتق َّطع في الآخرة إذا َح َّق ِت الحقائ ُق ،وعا َين ثوا َب المطيعين، وعقا َب العاصين ،فلا بد من تق ُّطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة. ومن ُمو ِجبات التوبة الصحيحة أي ًضاَ :كسرْ ٌة خا َّصة تحصل للقلب لا ُيشبِهها شيء ،ولا تكون لغير ال ُم ْذنِب ،لا تحصل بجوع ،ولا رياضة، ولا ح ٍّب مجُ َّرد ،وإنما هي أمر وراء هذا ك ِّلهَ ،تكسرِ القل َب بين يدي الرب كسر ًة تا َّمة ،قد أحاطت به من جميع ِجهاته ،وألقته بين يدي ربه طري ًحا ذلي ًال خاش ًعا ،كحال عب ٍد َجا ٍن آبِ ٍق ِمن سيده ،ف ُأ ِخذ ف ُأحضرِ بين يديه ،ولم يجد َمن ينجيه من سطوته ،ولم يجد منه ُب ًّدا ولا عنه ِغ ًنى ،ولا منه مهر ًبا ،و َع ِلم أن حياته وسعادته ،وفلاحه ونجا َته في رضاه عنه ،وقد ع ِلم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته ،هذا مع ُح ِّبه لسيده ،وشدة حاجته إليه ،وعلمه بضعفه وعجزه ،وقوة سيده ،و ُذ ِّله وع ِّز سيده ،فيجتمع من هذه الأحوال َكسرْ ٌة و ِذ َّل ٌة وخضوع ،ما أنف َعها للعبد وما أجز َل عائ َدها عليه! وما أعظم َجبرْ َه 41
بها ،وما أقر َبه بها من س ِّيده! فليس شي ٌء أح َّب إلى سيده من هذه ال َكسرْ ة، والخضوع والتذ ُّلل ،والإخبات ،والانطراح بين يديه ،والاستسلام له ،فلله ما أحلى قو َله في هذه الحال« :أسأ ُل َك ب ِع ِّز َك و ُذليِّ ل َك إلاَّ َرحمِ ْ َتني ،أسأ ُل َك ب ُق َّوتِ َك و َض ْعفي ،وبِ ِغنا َك َع ِّني و َف ْقري إ َلي َك ،هذ ِه نا ِص َيتي الكا ِذب ُة الخا ِطئ ُة بينْ َ َي َد ْي َكَ ،عبي ُد َك ِسوا َي َكثي ٌر ،وليس لي َس ِّي ٌد ِسوا َك ،لا َم ْلجأ ولا َم ْن َجى ِمن َك إلاَّ إ َلي َك ،أسأ ُل َك َمسأل َة المِسكي ِن ،وأبت ِه ُل إ َلي َك ابتِها َل ال َخا ِض ِع ال َّذلي ِل، وأد ُعو َك ُدعا َء الخائِ ِف الضرَّ ي ِر ،سؤا َل َمن َخ َض َع ْت ل َك َر َقب ُته ،و َر ِغ َم ل َك أ ْن ُفه ،وفا َض ْت ل َك َع ْينا ُه ،و َذ َّل ل َك َق ْل ُبه». يا َمـ ْن أ ُلـــو ُذ بِ ِه فيـما ُأ َؤ ِّم ُلـــ ُه و َمــ ْن أ ُعــو ُذ ب ِه مَِّا ُأحــــا ِذ ُر ُه لا يجَ ْبرُ ُ ال َّنا ُس َع ْظ ًام أن َت كاسرِ ُ ُه ولا هَيِي ُضـو َن َع ْظ ًام أن َت جابِ ُر ُه فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة ،ف َمن لم يجد ذلك في قلبه فلي َّت ِهم توب َته، وليرجع إلى تصحيحها ،فما أصع َب التوب َة الصحيح َة بالحقيقة ،وما أسه َلها باللسان والدعوى! وما عا َل َج الصاد ُق شي ًئا أش َّق عليه من التوبة الصادقة الخالصة ،فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأكثر الناس المتب ِّرئين عن الكبائر ال ِح ِّس َّي ِة والقاذورات ،في كبائ َر ِم ْث ِلها أو أعظ َم منها أو دونها ،ولا يخَ ُطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها ،فعندهم 42
التـــــوبة من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم ،وصولة طاعاتهم عليهم ،و ِم َّنتهم على ال َخ ْلق بلسان الحال ،واقتضاء َبوا ِطنهم لتعظيم ال َخ ْلق لهم على طاعاتهم، اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم ،وتوابع ذلك ما هو أبغ ُض إلى الله تعالى، وأ ْبع ُد لهم عن بابه من كبائ ِر أولئك ،فإ ْن َتدا َرك الل ُه أح َدهم بقاذورة أو كبيرة ُيو ِقعه فيها ليكسرِ بها ن ْف َسه ،و ُي َع ِّر َفه بها ق ْدره ،و ُي ِذ َّله بها ،ويخُ ِرج بها صول َة الطاعة من قلبه ،فهي رحمة في حقه ،كما أنه إذا َتدا َرك أصحا َب الكبائر بتوبة نصوح ،وإقبال بقلوبهم إليه؛ فهو رحمة في ح ِّقهم ،وإلا فكلاهما على خطر. تأملات صاحب البصيرة إذا أذنب : اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدر ْت منه الخطيئ ُة فله نظ ٌر إلى خمسة أمور: أحدها :أن ينظر إلى الوعد والوعيد ،ف ُيح ِدث له ذلك خو ًفا و َخشي ًة يحمله على التوبة. [الثاني] :أن ينظر إلى أمر الله تعالى له و هَنْيِه ،ف ُيح ِدث له ذلك الاعترا َف بكونها خطيئ ًة ،والإقرا َر على نفسه بالذنب. [الثالث] :أن ينظر إلى تمكين الله تعالى له منها ،وتخَ لِيتِه بينه وبينها ،وتقدي ِرها عليه ،وأنه لو شاء ل َع َص َمه منها ،وحا َل بينها وبينه ،ف ُيح ِدث له ذلك أنوا ًعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ،وحكمته ،ورحمته ،ومغفرته وعفوه، و ِح ْل ِمه وكرمه ،و ُتو ِجب له هذه المعرف ُة عبودي ًة بهذه الأسماء ،ولا تحصل بدون لوازمها الب َّت َة ،ويعلم ارتبا َط الخلق والأمر والجزا ِء بالوع ِد والوعي ِد، 43
بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات ،وأثرها في الوجود، وأ َّن كل اسم وصف ٍة ُم ْق َت ٍض لأثره وموجبه ،متع ِّل ٌق به ،لا ب َّد منه. وهذا المشهد ُيط ِلعه على رياض ُمؤنِقة من المعارف والإيمان ،وأسرا ِر ال َق َدر وال ِحكمة يضي ُق عن التعبير عنها نِطا ُق ال َك ِل ِم. فمن بعضها :أنه سبحانه العزيز الذي يقضي ما يشاء ،وأ َّنه لكمال ِع ِّزه َح َك َم على العبد وقضى عليه بأن ق َّلب قلبه وص َّر َف إراد َته على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه ،وجعله مري ًدا شائ ًيا لمِا شاء منه العزيز الحكيم ،وهذا من كمال العزة؛ إذ لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى ،وغاية المخلوق أن يتص َّرف في بدنك وظاهرك ،وأما َج ْع ُلك مري ًدا شائ ًيا لمِا يشاؤه منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة. فإذا ع َرف العب ُد ع َّز سيده ،ولاحظه بقلبه ،وتم َّكن شهو ُده منه؛ كان الاشتغال به عن ُذ ِّل المعصية أولى به وأنف َع له؛ لأنه يصير مع الله تعالى لا مع نفسه. ومن معرفة عزته في قضائه :أن يعرف أنه ُمد َّبر مقهور ،ناصيته بيد غيره، لا عصمة له إلا بعصمته ،ولا توفيق له إلا بمعونته ،فهو ذلي ٌل حقي ٌر ،في قبضة عزيز حميد. ومن شهود عزته أي ًضا في قضائه :أن يشهد أن الكمال والحمد ،والغنا َء ال َّتا َّم ،والعزة ك َّلها لله ،وأن العبد ن ْف َسه أولى بالنقص والذم ،والعي ِب والظلم 44
التـــــوبة والحاجة ،وكلما ازداد شهو ُده ل ُذ ِّله ونقصه وعيبه وفقره ،ازداد شهو ُده لعزة الله تعالى وكماله ،وحمَ ْ ِده وغناه ،وكذلك بالعكس ،فنقص الذنب و ِذ َّل ُته ُت ْط ِل ُعه على مشهد العزة. ومنها :أن يعرف بِ َّره سبحانه في َسترْ ه عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ،ولو شاء ل َف َضحه بين َخ ْلقه ف َح ِذروه ،وهذا من كمال ب ِّره، ومن أسمائه( :البرَُّ) ،وهذا البرُِّ من س ِّيده به مع كمال ِغنَاه عنه ،وكمال فقر العبد إليه ،فيشتغل بمطالعة هذه المِنَّة ،ومشاهدة هذا البرِِّ والإحسان والكرم، فيذهل عن ُذ ِّل الخطيئة ،فيبقى مع الله ،وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ُذ ِّل معصيته؛ فإن الاشتغال بالله والغفل َة عما سواه هو المطلب الأعلى، والمقص ُد الأسنى. ومنها :شهوده ِح ْل َم الله في إمهال راكب الخطيئة ،ولو شاء لعاجله بالعقوبة؛ ولكنه الحليم الذي لا َيعجل ،ف ُي ْح ِدث له ذلك معرف َته سبحانه باسمه (الحليم) ،ومشاهد َة صفة (ال ِح ْلم) ،والتع ُّب َد بهذا الاسم. ومنها :معرفة العبد كر َم ربه في َقبول العذر منه إذا اعتذر إليه ،فيقبل عذره بكرمه َوجوده ،ف ُيو ِجب له ذلك اشتغا اًل بذكره وشكره ،ومح َّب ًة أخرى لم تكن حاصل ًة له قبل ذلك ،فإ َّن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به ،ثم غفر لك إساءتك ولم يؤا ِخ ْذك بها أضعا ُف محبتك على شكر الإحسان وح َده، والواقع شاهد بذلك ،فعبودية التوبة بع َد الذنب لون آخر. ومنها :أن يشهد فضله في مغفرته ،فإن المغفرة فض ٌل من الله تعالى ،وإلا 45
فلو وا َخ َذ َنا بالذنب َل َوا َخذ بمحض ح ِّقه ،وكان عاد ًال محمو ًدا ،وإنما غفره بفضله لا باستحقاقك ،ف ُيو ِجب لك ذلك أي ًضا شك ًرا له ومحبة ،وإناب ًة إليه، وفر ًحا وابتها ًجا به ،ومعرف ًة له باسمه (الغ َّفار) ،ومشاهد ًة لهذه الصفة، وتع ُّب ًدا بمقتضاها ،وذلك أكمل في العبودية والمعرفة والمحبة. ومنها :أن ُي َك ِّم َل لعبده مرات َب ال ُّذ ِّل والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه ،فإن النفس فيها مضاها ٌة للربوبية ،ولو َقد َر ْت لقالت كقول فرعو َن ،ولكنه َق َد َر فأظهر ،وغي ُره عجز فأضمر ،وإنما يخُ َ ِّل ُصها من هذه المضاهاة ذ ُّل العبودية. ومنها :أن أسماءه الحسنى تقتضي آثا ُرها اقتضا َء الأسباب التامة لمسبباتها، فاسم (السميع ،البصير) يقتضي مسمو ًعا و ُمبصرًَ ا ،واسم (الرزاق) يقتضي مرزو ًقا ،واسم (الرحيم) يقتضي مرحو ًما ،وكذلك اسم (الغفور)، و(العفو) ،و(التواب) ،و(الحليم) يقتضي َمن يغفر له ،ويتوب عليه ،ويعفو عنه ،ويحَ ُل ُم عنه ،ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات؛ إذ هي أسما ٌء حسنى ،وصفا ُت كمال ،ونعوت جلال ،وأفعا ُل حكم ٍة وإحسا ٍن و ُجو ٍد، فلابد من ظهور آثارها في العالم ،وقد أشار إلى هذا أعل ُم الخ ْلق بالله -صلوات الله وسلامه عليه -حيث يقولَ « :ل ْو لمَ ْ ُت ْذنِبواَ ،ل َذ َه َب الله ب ُك ْم ،ولجَ ا َء ب َقو ٍم ُي ْذنِبو َن ُ -ث َّم َيس َتغ ِفرو َن -ف َيغ ِف ُر لُه ْم»(((. ومنها :السرُِّّ الأعظم ،الذي لا تقتح ُمه ال ِعبارة ،ولا تجسرُ ُ عليه الإشارة، ( )1أخرجه مسلم (.)2749 46
التـــــوبة ولا ُينادي عليه منادي الإيمان على ُرؤوس الأشهاد ،بل َش ِه َد ْته قلو ُب خوا ِّص العباد ،فازدادت به معرف ًة لربها ومحب ًة له ،وطمأنينة به ،وشو ًقا إليه، ولهَ َ ًجا ب ِذ ْك ِره ،وشهو ًدا لبرِِّه ،ولطفه وكرمه وإحسانه ،ومطالع ًة لسر العبودية، وإشرا ًفا على حقيقة الإلهية ،وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ،قال :قال رسول الله ﷺ« :لله أف َر ُح ب َتوب ِة َع ْب ِده حي َن َيتو ُب إ َلي ِه ِم ْن أ َح ِد ُكم كان على را ِحل ٍة بأ ْر ِض َفلاَ ٍة ،فان َف َل َت ْت ِمن ُه ،وعليها َطعا ُمه و رَشا ُبه، َفأيِ َس منها ،فأ َتى َش َجر ًة فاض َط َج َع في ظِ ِّلهاَ ،ق ْد أيِ َس ِم ْن را ِح َلتِه ،فب ْينما هو كذل َك إذا هو بها قائِم ٌة ِعن َده ،فأ َخ َذ بِ ِخ َطا ِمهاُ ،ث َّم قال ِم ْن ِش َّد ِة ال َف َر ِح :الله َّم أن َت َعب ِدي وأنا َر ُّب َك ،أ ْخ َطأ ِم ْن ِش َّد ِة ال َف َر ِح»(((. والقصد أن هذا الفرح له شأ ٌن لا ينبغي للعبد إهمال ُه والإعرا ُض عنه ،ولا َي َّطلع عليه إلا َمن له معرفة خا َّص ٌة بالله وأسمائه وصفاته ،وما يليق ب ِع ِّز جلالِه. فالمؤمنون من نوع الإنسان خي ُر البرية على الإطلاق ،و ِخي َر ُة الله من العالمَين ،فإنه خ َلقه ل ُيتِ َّم نعمته عليه ،وليتوات َر إحسانه إليه ،ول َي ُخ َّصه من كرامته وفضله بما لم َتنله أمنيته ،ولم يخطر على باله ولم يشعر به ،ليسأ َله من المواهب والعطايا الباطن ِة والظاهرة ،العاجل ِة والآجلة ،التي لا ُتنال إلا بمح َّبته ،ولا ُتنال مح َّبته إلا بطاعته ،وإيثا ِره على ما سواه ،فاتخَّ ذه محبو ًبا له، وأع َّد له أفض َل ما ُي ِّع ُده محُِ ٌّب غن ٌّي قاد ٌر ج َوا ٌد لمحبوبه إذا قدم عليه ،و َع ِه َد إليه عه ًدا تق َّد َم إليه فيه بأوامره ونواهيه ،وأعلمه في عهده ما ُيق ِّربه إليه ،ويزيده ) (1أخرجه مسلم ( ،)2747وأخرج البخاري أوله (.(6039 47
محب ًة له وكرامة عليه ،وما ُيب ِعده منه ويسخطه عليه ،و ُي ْس ِقطه من عينه. وللمحبوب عد ٌّو هو أبغض خل ِقه إليه ،قد جاه َره بالعداوة ،وأمر عباده أن يكون دينُهم وطاعتهم وعبادتهُ م له ،دون َولِ ِّيهم ومعبودهم الحق، واستقطع عبا َده ،واتخذ منهم حز ًبا ظا َه ُروه ووا َل ْو ُه على ربهم ،وكانوا أعدا ًء له مع هذا العدو. فإذا تع َّرض عب ُده ومحبو ُبه لغضبه ،وارتكب َمسا ِخ َطه وما َيك َرهه ،وأ َب َق منه ،ووالىَ عد َّوه وظا َه َره عليه ،وتح َّي َز إليه ،وقطع طريق نِ َع ِمه وإحسانه إليه التي هي أح ُّب شيء إليه ،وفتح طري َق العقوبة والانتقام والغضب :فقد استدعى من الج َوا ِد الكري ِم خلا َف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبرِِّ ،وتع َّرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه ،وأن يصير غض ُبه وسخ ُطه في موضع رضاه ،وانتقامه وعقوب ُته في موضع كرمه وبِ ِّره وإعطائه ،فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أح ُّب إليه منه ،وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان .فبينما هو حبيبه المق َّرب المخصو ُص بالكرامة ،إ ِذ انقلب آبِ ًقا شار ًدا ،را ًّدا لكرامته ،مائ ًال عنه إلى عدوه ،مع شدة حاجته إليه ،وعدم استغنائه عنه طرفة عين .فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناس ًيا لسيدهُ ،منه ِم ًكا في موافقة عد ِّوه ،قد استدعى من س ِّيده خلا َف ما هو أهله إذ عرضت له فكرة فتذ َّكر بِ َّر سيده وعط َفه ،وجو َده وكر َمه ،و َع ِل َم أنه لا ُب َّد له منه ،وأن مصي َره إليه ،و َع ْر َضه عليه ،وأنه إن لم َيق َد ْم عليه بن ْفسه ُق ِد َم به عليه على أسوأ الأحوال ،فف َّر إلى سيده من بلد عد ِّوه ،و َج َّد في الهرب إليه 48
التـــــوبة حتى وصل إلى بابه ،فوضع خ َّده على عتبة بابه ،وتو َّسد َث َرى أعتابهُ ،متذلًّاِل متضر ًعا ،خاش ًعا باك ًيا آس ًفا ،يتم َّلق سيده ويسترحمه ،ويستعطفه ويعتذر إليه ،قد ألقى بيده إليه ،واستسلم له وأعطاه ِق َيا َده ،وألقى إليه زمامه ،فعلم سي ُده ما في قلبه ،فعاد مكان الغضب عليه ر ًضا عنه ،ومكا ُن الشدة عليه رحم ًة به ،وأبدله بالعقوبة عف ًوا ،وبالمنع عطاء ،وبالمؤاخذة حل ًام ،فاستدعى بالتوبة والرجوع من س ِّيده ما هو أهله ،وما هو موجب أسمائه الحسنى ،وصفاته العليا ،فكيف يكون ف َر ُح س ِّيده به وقد عاد إليه حبيبه و َولِ ُّيه طو ًعا واختيا ًرا، ورا َجع ما يحبه س ِّي ُده منه ويرضاه ،وفتح طريق البرِِّ والإحسان والجود ،التي هي أح ُّب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرُ ُ و ٌد وإ َبا ٌق من َس ِّيده ،فرأى في بعض ال ِّس َكك با ًبا قد ُفتِح ،وخرج منه صبي يستغيث ويبكي ،وأمه خلفه تطرده ،حتى خرج ،فأغلقت الباب في وجهه ودخلت ،فذهب الصبي غي َر بعيد ،ثم وقف ُمف ِّك ًرا ،فلم يجد له مأوى غير البيت الذي ُأخ ِرج منه ،ولا َمن ُيؤويه غي َر والدته ،فرجع مكسور القلب حزينًا ،فوجد الباب ُمرتجًَا ،فتو َّسده ووضع خ َّده على عتبة الباب ونام، فخرجت أ ُّمه ،فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن َر َم ْت نفسها عليه ،والتزمته ُتق ِّبله وتبكي ،وتقول :يا ولدي ،أين تذهب عني؟ و َمن ُيؤويك ِسواي؟ ألم أقل لك :لا تخُ الفني ،ولا تحَ ِملني بمعصيتك لي على خلاف ما ُجبِل ُت عليه من الرحمة لك ،والشفقة عليك ،وإرادتي الخي َر لك؟ ثم أخ َذ ْته ودخلت. 49
فتأ َّم ْل قول الأم :لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما ُجبِل ُت عليه من الرحمة والشفقة. وتأ َّم ْل قوله ﷺ« :لله أ ْر َح ُم ب ِعبا ِده ِم َن الوالِ َد ِة ب َو َل ِدها»((( ،وأين تقع رحم ُة الوالدة من رحمة الله؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه ص ْر َف تلك الرحمة عنه ،فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أ ْه ُله وأولى به. فهذه نبذة يسيرة ُت ْط ِل ُع َك على سرِِّ فرح الله بتوبة عبده أعظ َم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة ،بعد اليأس منها ،ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة ،و َت ِد ُّق عن إدراكه الأذها ُن. هذا إذا نظر َت إلى تع ُّلق الفرح الإله ِّي بالإحسا ِن وال ُجود والبرِِّ ،وأ َّما إن لاحظت تع ُّل َقه بإله َّيته وكونِه معبو ًدا فذاك مشه ٌد أ َج ُّل من هذا وأعظم منه، وإنما يشهده خوا ُّص ال ُم ِح ِّبي َن. فإ َّن الله سبحانه إ َّنما خ َلق الخلق لعبادته الجامعة لمح َّبته والخضوع له وطاعته ،وهذا هو الحق الذي ُخ ِل َقت به السموا ُت والأرض ،وهو غاية الخلق والأمر ،ونف ُيه -كما يقول أعداؤه -هو الباطل ،والعبث الذي َن َّز َه نفسه عنه ،وهو ال ُّس َدى الذي ن َّزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه ،فهو سبحانه يحب أن ُي ْع َبد و ُيطا َع ،ولا َي ْع َبأ بخ ْلقه شي ًئا لولا مح َّب ُتهم وطاعتهم له. بل فما الظ ُّن بمحبوب لك تح ُّبه ح ًّبا شدي ًدا ،وأسرَ َ ُه عد ُّوك ،وحال بينك ( )1أخرجه البخاري ( ،)5999ومسلم (.)2754 50
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286