Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Published by ahmad.fbing, 2022-04-01 19:46:44

Description: الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Search

Read the Text Version

2

1

3

‫المقدمــة‬ ‫المقــدمة‬ ‫الحمد لله الذي أكرم عباده بالسلوك إليه‪ ،‬وتفضل عليهم بمعرفة الطريق‬ ‫والسير عليه‪ ،‬ثم الصلاة والسلام على إمام السالكين‪ ،‬وخاتم المرسلين‪،‬‬ ‫وعلى من تبعه من الصالحين‪ ،‬أما بعد‪:‬‬ ‫فإن السائر إلى الله تعالى مفتق ٌر في سيره إلى ما ُيصلح قل َبه و ُي َز ِّكيه‪ ،‬و ُيو ِق ُظه‬ ‫من غفلته و ُي َر ِّقيه‪ ،‬ولا يزال السائر بذلك مشتغ ًال حتى ينتهي أوان العمل‪،‬‬ ‫وتح َّل به ساعة الأجل‪ ،‬فيجد عند ذلك سع َيه ﴿ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ‬ ‫ﭴﭵ ﭶ﴾ [سورة الشعراء‪ ،]89-88:‬فمن س َّلم قلبه من شوائبه هنا؛ نجاه الله‬ ‫هناك‪ ،‬ومن أهمله هنا؛ عاقبه الله هناك‪.‬‬ ‫وإ َّن من أعظم ما ُيعين على سلامة القلب وطهارته‪َ :‬س َف َر القلب في ُكتب‬ ‫الرقائق وإصلاح النفوس‪ ،‬تلك التي خ َّط ْتها أنامل سلف الأمة‪ ،‬بمداد‬ ‫الكتاب والسنة‪ ،‬ومن َأ ْم َث ِل تلك الكتب وأحسنها‪ ،‬وأبركها وأتقنها‪ :‬كتا ُب‬ ‫مدارج السالكين‪ ،‬للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله‪.‬‬ ‫وقد جاد الله فيه على مؤلفه فأجاد‪ ،‬وفتح له فيه فأفاد‪ ،‬حتى صار للعقد‬ ‫واسطة‪ ،‬وللمسك خاتمة‪ ،‬فأضحى بين كتب المؤلف مق َّد ًما وسابِ ًقا‪،‬‬ ‫وإِ َما ًما و َسا ِئ ًقا‪.‬‬ ‫وقد م َّن الله علينا بكتاب (تقريب مدارج السالكين) الذي ُيع ُّد تهذيب ًا لكتاب‬ ‫(المدارج) من ك ِّل ما ليس له صلة بأصل موضوع الكتاب ومقصده الرئيس‪،‬‬ ‫ألا وهو أعمال القلوب والمنازل التي يتر َّقى فيها العبد مراقي العبودية‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫واليوم نقدم لعموم القراء كتاب (الإكسير)‪ ،‬وهو تهذيب للتقريب‪ ،‬يقع‬ ‫الكتتاقريب مبدمارنجحايلسثااللكحيجن‪،‬م‪،‬راانتجقيينناهألني َيك ِوصن َّحتِ ْر َيعالًقياهإيمماان ًّيقاا‪،‬لم ابشتنم اًاللقيعلمى‪:‬‬ ‫في ُثلث‬ ‫مقاصد‬ ‫(الإكسير الكيماوي‪ ،‬الذي إذا ُوضع منه مثقا ُل ذر ٍة على قناطي َر من نحا ِس‬ ‫الأعمال ق َل َبها ذهب ًا)‪.‬‬ ‫منهجية العمل‪:‬‬ ‫أولا‪ :‬المقصد الأساس من هذا العمل هو تقريب كتاب‪ :‬مدارج السالكين‪،‬‬ ‫وتيسير الاستفادة منه لشريحة أوسع من القراء؛ ليكون منهج ًا إيماني ًا‪،‬‬ ‫وتزكي ًة نفسي ًة‪ ،‬وزبد ًة سلوكي ًة تحوي نفيس كلام ابن القيم في ال ِّرقاق‬ ‫وأعمال القلوب ومنهج السلوك وقواعده‪ ،‬ولئن كان (التقري ُب) تهذيب ًا‬ ‫(للمدارج)؛ (فالإكسي ُر) تهذي ٌب للتهذيب‪.‬‬ ‫ثانيا‪:‬سعي ًافيتحقيقمقصد(الإكسير)؛فقدحذفنامماأثبتناهفي(التقريب)الآتي‪:‬‬ ‫(أ) جمي َع كلام الهروي‪ ،‬وما اتصل به من كلام المؤلف ‪ -‬ما لم يكن ذكره مل ّحا‪.-‬‬ ‫(ب) كلا َم المؤلف غي َر الم َّت ِس ِق مع عنوان المنزلة وأصل موضوعها‪ ،‬أو ما كان‬ ‫من قبيل التقسيمات العلمية وأوجه الاستنباط ‪-‬ولو كان موضوعها‬ ‫الرقائق وأعمال القلوب‪ ،-‬وترتب على هذا حذف بعض المنازل كاملة‪.‬‬ ‫(ج) المناز َل التي لم يترشح منها مما يوافق مقصد (الإكسير) إلا أسطر ًا قليلة‪،‬‬ ‫مما جعل بقاءها غير منسجم مع منهجية الكتاب وسبكه‪.‬‬ ‫(د) المك َّر َر من النصوص الشرعية ‪-‬ما لم ُيضف معنى زائد ًا في محل‬ ‫‪6‬‬

‫المقدمــة‬ ‫الاستشهاد‪ ،-‬ونكتفي منها ‪-‬غالب ًا‪ -‬بذكر آية وحديث‪ ،‬بحسب المتن‬ ‫الأصح‪ ،‬والمعنى الأقرب والأشمل‪.‬‬ ‫(هـ) المك َّر َر من كلام المؤلف إذا تضمن المعنى نفسه‪ ،‬وكذلك المك َّر َر من‬ ‫منقوله‪ ،‬وخصو ًصا عند سرده عد ًدا كبي ًرا من التعريفات أو المقولات‬ ‫أو الأبيات الشعرية‪.‬‬ ‫(و) العناوين الجانبية التي وضعناها في (التقريب)‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬قد يحتاج سياق الكلام إلى زيادة تربط بعضه ببعض‪ ،‬وعند ذلك‬ ‫ُنضيف هذه الزيادة‪ ،‬ونجعلها بين معقوفتين هكذا [‪.].....‬‬ ‫رابعا‪ :‬اعتمدنا في أحاديث (الإكسير) على المنهج الآتي‪:‬‬ ‫(أ) ذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة دون الضعيفة‪.‬‬ ‫(ب)إذاكانالحديثمخرج ًافيالصحيحينأوأحدهما؛فنقتصرعليهفيالتخريج‪.‬‬ ‫(ج) إذا خرج الحديث أهل السنن ولم يخرج في الصحيحين؛ اقتصرنا على‬ ‫اثنين منهم‪ ،‬مع ذكر الحكم على الحديث‪.‬‬ ‫(د) إذا خرج الحديث أحمد وغيره ولم يخرجه أهل السنن؛ اكتفينا بأحمد‪.‬‬ ‫(هـ) اكتفينا في الحكم على الأحاديث بأحكام الإمام الألباني دون غيره‪،‬‬ ‫وذلك لشهرته عند المعاصرين‪.‬‬ ‫خامسا‪ :‬اقتصرنا في غريب الألفاظ على ذكر معنى اللفظ‪ ،‬دون ذكر المراجع‪.‬‬ ‫سادسا‪ :‬وقع في مواضع يسيرة من الكتاب تقديم ن ِّص المؤلف أو تأخيره؛‬ ‫‪7‬‬

‫رعاي ًة للمناسبة‪ ،‬وقد م َّيزنا النص الموضوع في غير مح ِّله بوضعه بين‬ ‫نجمتين هكذا *‪.*.....‬‬ ‫سابعا‪ :‬وضعنا عناوين لفقرات الكتاب كالمنازل وبعض الفصول فيها‬ ‫مستفيدين من العناوين التي استخدمها ابن القيم رحمه الله في‬ ‫الكتاب الأصل أو مجتهدين بعنوان يناسب ما يتبعه من الكلام‪.‬‬ ‫خطوات العمل‪:‬‬ ‫‪ُ 1‬قسم التقريب إلى أجزا ٍء‪ ،‬و ُو ِّز َع ْت على فريق العمل‪ ،‬وقام ك ُّل باحث‬ ‫باختصار جزئه‪.‬‬ ‫‪ 2‬را َج َع ك ُّل باحث مختصر الباحث الآ َخر‪.‬‬ ‫‪ 3‬قام اثنان من الباحثين بمراجع ِة الإكسير كامل ًا بعد تهذيبه ومراجعته من‬ ‫الباحثين‪.‬‬ ‫‪ُ 4‬و ِّز َع ِت الأجزا ُء م َّر ًة أخرى على الباحثين لمراجع ِة المسودة‪.‬‬ ‫‪ُ 5‬س ِّلم العم ُل إلى فريق متخ ِّص ٍص لضبط الن َّص المه َّذ ِب كامل ًا‪ ،‬ومقابلته‬ ‫على الن ِّص المح َّقق من نسخة التقريب‪.‬‬ ‫‪ 6‬التُرَّص ق َّيفمالواكلتَّتاشبك‪،‬ي ِلولمُِعا ُزيي ْشتك ِآلي‪.‬ا ُته‪ ،‬و ُخ ِّر َج ْت أحادي ُثه‪ ،‬و ُخ ِد َم بعلامات‬ ‫‪ُ 7‬و ِّزع الإكسير بعد هذه المراح ِل على مجموعة من المح ِّكمي َن لتحكيمه‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫المقدمــة‬ ‫‪ُ 8‬رو ِج َعت الملحوظا ُت و ُع ِّدل ْت بح َس ِب اجتها ِد الفريق‪.‬‬ ‫وفي الختام نحمد الله تعالى على نعمة التمام‪ ،‬ونسأله القبول والإكرام‪،‬‬ ‫متعلقين بأهداب جوده‪ ،‬واقفين بباب عفوه‪ ،‬راجين منه أن يبارك هذا‬ ‫العمل‪ ،‬وأن يجعله خالصا لوجهه‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪.‬‬ ‫فريق العمل‪:‬‬ ‫د‪ .‬صالح بن عبد العزيز المحيميد‪.‬‬ ‫أ‪ .‬تركي بن عبد الله التركي‪.‬‬ ‫د‪ .‬حازم بن عبد الرحمن البسام‪.‬‬ ‫د‪ .‬فهد بن محمد الخويطر‪.‬‬ ‫أ‪ .‬محمد بن عبد الله الحميد‪.‬‬ ‫ونسعد بأي ملحوظة أو اقتراح على هذا العمل من خلال البريد الإلكتروني‪:‬‬ ‫‪[email protected]‬‬ ‫ ‬ ‫‪9‬‬

‫ر ِّب َي�ِّســـــر و�أ ِعـــــ ْن‬ ‫الحم ُد لله ر ِّب العالمَين‪ ،‬والعاقبة لل ُم َّت ِقين‪ ،‬ولا ُعدوا َن إلا على الظالمين‪،‬‬ ‫وأشه ُد أ ْن لا إل َه إلاَّ اللهُ و ْح َده لا شري َك له‪ ،‬ر ُّب العالمَين‪ ،‬وإل ُه ال ُمر َسلين‪ ،‬وقيو ُم‬ ‫ال َّسموات والأ َرضين‪ ،‬وأشه ُد أ َّن محم ًدا عب ُده ورسو ُله المبعو ُث بال ِكتاب‬ ‫المبين‪ ،‬الفا ِر ِق بين الهُدى والضلال‪ ،‬والغ ِّي وال َّرشاد‪ ،‬والش ِّك واليقين‪.‬‬ ‫أنزله لنقرأه تد ُّب ًرا‪ ،‬ونتأ َّمله تبصرًُّ ا‪ ،‬ونسعد به تذ ُّك ًرا‪ ،‬ونح ِم َله على أحس ِن‬ ‫وجوهه ومعانيه‪ ،‬ونص ِّد َق أخباره‪ ،‬ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه‪،‬‬ ‫ونجتني ثِما َر علومه النافعة ال ُموصلة إلى الله سبحانه ِمن أشجاره‪ ،‬ورياحين‬ ‫ال ِح َكم من بين ِرياضه وأزهاره‪.‬‬ ‫وبع ُد‪ :‬فلماَّ كان كما ُل الإنسان إنما هو بال ِعلم النافع‪ ،‬والعمل الصالح كما‬ ‫قال تعالى‪﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ‬ ‫ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [العصر‪]3 - 1 :‬؛ كان حقي ًقا بالإنسان أن‬ ‫ُينفق ساعات عمره‪-‬بل أنفا َسه‪ -‬فيما ينال به المطالب العالية‪ ،‬ويخَ ُلص به‬ ‫من الخسران المبين‪ ،‬وليس ذلك إلا بالإقبا ِل على القرآن وتف ُّه ِمه وتد ُّبره‪،‬‬ ‫واستخرا ِج كنوزه‪ ،‬وإثار ِة دفائنه‪ ،‬وص ْر ِف العناية إليه‪ ،‬والعكو ِف بال ِه َّمة‬ ‫عليه؛ فإنه الكفي ُل بمصالح العباد في المعاش والمعاد‪ ،‬وال ُموصل لهم إلى‬ ‫سبيل الرشاد ‪.‬‬ ‫ونحن بعون الله ُننَ ِّبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب و ُأ ِّم القرآن‪،‬‬ ‫‪10‬‬

‫مقدمة المصنف‬ ‫وعلى بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب‪ ،‬وما تض َّمنَته من‬ ‫منازل السائرين‪ ،‬ومقامات العارفين‪ ،‬والفرق بين وسائلها وغاياتها‪،‬‬ ‫ومواهبها وكسبياتها‪ ،‬وبيان أنه لا يقوم غي ُر هذه السور ِة َمقا َمها‪ ،‬ولا يس ُّد‬ ‫مس َّدها؛ ولذلك لم ُينْ ِزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في‬ ‫القرآن ِم ْث َلها‪.‬‬ ‫والله المستعان‪ ،‬وعليه ال ُّت ْكلاَ ن‪ ،‬ولا حول ولا قوة إلا بالله العل ِّي العظيم‪.‬‬ ‫‪11‬‬

‫بيان ا�شتمال الفاتحة على أ�مهات المطالب‬ ‫اعلم أ َّن هذه السور َة اشتمل ْت على أمهات المطال ِب العالية أ َت َّم اشتمال‪،‬‬ ‫وتض َّمنتها أكم َل تض ُّمن؛ فاشتمل ْت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى‬ ‫بثلاثة أسماء‪َ ،‬مر ِج ُع الأسماء الحسنى والصفا ِت ال ُعليا إليها‪ ،‬ومدا ُرها‬ ‫عليها‪ ،‬وهي‪( :‬الله)‪ ،‬و(الرب)‪ ،‬و(الرحمن)‪ ،‬و ُبنِ َيت السور ُة على الإلهية‪،‬‬ ‫وال ُّر ُبوبِ َّية‪ ،‬والرحمة؛ ﴿ ﭢ ﭣ ﴾ مبن ٌّي على الإلهية‪ ﴿ ،‬ﭤ ﭥ﴾‬ ‫على الربوبية‪ ،‬وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم بصفة الرحمة‪ ،‬والحمد‬ ‫يتضمن الأمو َر الثلاثة‪ ،‬فهو المحمود في إله َّيته‪ ،‬وربوبِ َّيتِه‪ ،‬ورحمته‪ ،‬والثنا ُء‬ ‫والمج ُد كمالان لحمده‪.‬‬ ‫وتض َّمنت إثبا َت المعاد‪ ،‬وجزا َء العباد بأعمالهم‪ ،‬ح َسنِها و َس ِّي ِئها‪ ،‬وتف ُّر َد‬ ‫الر ِّب تعالى بالحُكم إ ْذ ذاك بين الخلائق‪ ،‬وكو َن ُحكمه بالعدل‪ ،‬وكل هذا‬ ‫تحت قوله‪﴿ :‬ﭞﭟﭠ﴾ [الفاتحة‪.]4 :‬‬ ‫[و] قوله‪﴿ :‬ﭧ ﭨﭩ﴾ [الفاتحة‪ ]6 :‬الهداية‪ :‬هي البيان والدلالة‪،‬‬ ‫ثم التوفيق والإلهام‪.‬‬ ‫ومن هاهنا ُيع َلم اضطرا ُر العبد‪ ‬إلى هذه الدعوة فوق كل ضرورة‪ ،‬وبطلا ُن‬ ‫سؤال َمن يقول‪ :‬إذا كنا مهتدين‪ ،‬فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا من‬ ‫الحق أضعا ُف المعلوم‪ ،‬وما لا نريد فِ ْع َله تها ُو ًنا وكس اًل مثل ما نريده‪ ،‬أو أكثر‬ ‫منه‪ ،‬أو دو َنه‪ ،‬وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك‪ ،‬وما نعرف جملته ولا نهتدي‬ ‫‪12‬‬

‫أمها�أمتهاالتمالمطاطلالبب‬ ‫لتفاصيله فأم ٌر يفو ُت الحصر‪ ،‬ونحن محتاجون إلى الهداية التا َّمة‪ ،‬ف َمن َك َم َل ْت‬ ‫له هذه الأمور؛ كان سؤا ُل الهداية له سؤا َل التثبيت والدوام‪.‬‬ ‫وللهداية مرتبة أخرى ‪-‬وهي آخر مراتبها‪ :-‬وهي الهداية يو َم القيامة‬ ‫إلى طريق الجنة‪ ،‬وهو الصراط الموص ُل إليها‪ ،‬فمن ُه ِد َي في هذه الدار إلى‬ ‫صراط الله المستقيم‪ ،‬الذي أر َسل به رسو َله‪ ،‬وأنزل به كتا َبه؛ ُه ِد َي هناك‬ ‫إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنَّتِه ودا ِر ثوابه‪ ،‬وعلى قدر ثبوت قدمه‬ ‫على هذا الصراط الذي نص َبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبو ُت قدمه على‬ ‫الصراط المنصوب على َم ْت ِن جهنم‪ ،‬وعلى قدر َسيرْ ِ ه على هذه الصراط يكون‬ ‫َسيرْ ُ ه على ذاك الصراط؛ فمنهم َمن َي ُم ُّر كالبرق‪ ،‬ومنهم َمن َي ُم ُّر كالطرف‪،‬‬ ‫ومنهم َم ْن َي ُم ُّر كالريح‪ ،‬ومنهم َم ْن َي ُم ُّر كش ِّد الركاب‪ ،‬ومنهم َمن يسعى‬ ‫سع ًيا‪ ،‬ومنهم َمن َي ُم ُّر مش ًيا‪ ،‬ومنهم َمن يحبو حب ًوا‪ ،‬ومنهم المخدوش المس َّلم‪،‬‬ ‫ومنهم ال ُم َك ْر َد ُس((( في النار‪.‬‬ ‫فلينظ ِر العب ُد َسيرْ َ ُه على ذلك الصراط ِمن َسيرْ ِ ه على هذا َح ْذ َو ال ُق َّذة بال ُق َّذة؛‬ ‫جزا ًء ِوفا ًقا‪﴿:‬ﭤﭥ ﭦﭧﭨ ﭩ﴾ [النمل‪.]90 :‬‬ ‫ولمَّا كان طال ُب الصراط المستقيم طال َب أ ْم ٍر أكث ُر الناس نا ِكبون عنه‪،‬‬ ‫مري ًدا لسلو ِك طري ٍق مراف ُقه فيها في غاية ال ِع َّزة‪ ،‬والنفوس مجبول ٌة على وحشة‬ ‫التف ُّرد‪ ،‬وعلى الأُنس بالرفيق؛ ن َّبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق‪،‬‬ ‫وأنهم ُه ُم الذين‪ ﴿ :‬ﮀﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆﮇﮈ‬ ‫((( ال ُم َك ْر َد ُس‪ :‬الذي ج ِمُ َعت يدا ُه و ِرجلاه و ُألقي إلى موضع‪.‬‬ ‫‪13‬‬

‫ﮉ ﮊﮋ﴾ [النساء‪ ،]69 :‬فأضاف الصرا َط إلى الرفيق السالِكين‬ ‫له‪ ،‬و ُه ُم الذين أنعم الله عليهم؛ ليزو َل عن الطالب للهداية وسلو ِك الصراط‬ ‫وحش ُة تف ُّرده عن أهل زمانه و َبني ِجنسه‪ ،‬وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط‬ ‫ُه ُم الذين أنعم الله عليهم؛ فلا يكترث بمخالفة النَّا ِكبِي َن عنه له؛ فإنهم ُه ُم‬ ‫الأق ُّلون َق ْد ًرا‪ ،‬وإن كانوا الأكثرين عد ًدا‪ ،‬كما قال بعض السلف‪« :‬علي َك‬ ‫بطريق الحق‪ ،‬ولا َتس َتو ِح ْش ل ِق َّلة السالكين‪ ،‬وإياك وطري َق الباطل‪ ،‬ولا َتغترَ َّ‬ ‫بكثر ِة الهالِكين»‪.‬‬ ‫وك َّلما استوحش َت في تف ُّردك فانظر إلى الرفيق السابق‪ ،‬واحرص على‬ ‫ال َّلحاق بهم‪ ،‬و ُغ َّض الطرف ع َّمن ِسواهم؛ فإنهم لن ُي ْغنُوا عنك من الله شي ًئا‪،‬‬ ‫وإذا صاحوا بك في طريق َسي ِرك فلا تلتف ْت إليهم؛ فإنك متى التف َّت إليهم‬ ‫أخذوك‪ ،‬أو عاقوك‪.‬‬ ‫‪14‬‬

‫الشــفاءين‬ ‫ا�شتمال الفاتحة على ال�ِّشفاءين‬ ‫ِ�شفاء القلوب‪ ،‬و ِ�شفاء الأبدان‬ ‫فأ َّما اشتما ُهلا على شفاء القلوب‪ :‬فإنها اش َتمل ْت عليه أت َّم اشتمال؛ فإ َّن مدار‬ ‫اعتلا ِلالقلوبوأسقا ِمهاعلىأصلين‪:‬فسا ِدال ِعلم‪،‬وفسادالقصد‪.‬‬ ‫ويتر َّت ُبعليهماداءا ِنقاتِلان‪،‬وهماالضلا ُلوالغضب؛فالضلالنتيج ُةفسا ِد‬ ‫ال ِعلم‪،‬والغضبنتيج ُةفسا ِدالقصد‪،‬وهذانالم َرضانهما ِملا ُكأمراضالقلو ِب‬ ‫جمي ِعها‪.‬‬ ‫فهداية الصراط المستقي ِم تتض َّم ُن الشفا َء من م َرض الضلال؛ ولذلك كان‬ ‫سؤا ُل هذه الهداي ِة أف َر َض ُدعا ٍء على كل عب ٍد‪ ،‬وأوج َبه عليه ك َّل يوم وليل ٍة‬ ‫في كل صلاة؛ لشدة ضرورتِه وفاقتِه إلى الهداية المطلوبة‪ ،‬ولا َيقو ُم غي ُر هذا‬ ‫السؤا ِل َمقا َمه‪.‬‬ ‫والتح ُّقق بـ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ ِعل اًم ومعرف ًة‪ ،‬وعم ًال وحا اًل؛‬ ‫يتض َّم ُن الشفا َء من م َرض فساد القل ِب والقصد ‪.‬‬ ‫ثم إ َّن القلب َيع ِر ُض له م َرضا ِن عظيمان‪ ،‬إ ْن لم َيتدار ْك ُهما َترام َيا به إلى‬ ‫ال َّتـ َلف ولا بد‪ ،‬وهما‪ :‬ال ِّرياء‪ ،‬وال ِكبرْ ؛ فدواء ال ِّرياء بـ ﴿ ﭢﭣ﴾‪ ،‬ودوا ُء‬ ‫ال ِكبرْ بـ﴿ ﭤﭥ ﴾‪.‬‬ ‫يق�ووكلث‪:‬يربً�اـ م﴿�ا كﭢن�تﭣأ﴾س َت� َدمف ُ�ععشا�ليِّريخاءا‪،‬لإوبس�اـل﴿م اب� َﭤن تيم َّي� َة ‪-‬ﭥق�﴾ ََّدتدفس�العلاُهل ُر ِكوبرَيحاه َء‪-.‬‬ ‫‪15‬‬

‫فإذا ُعوفيِ َ ِمن م َر ِض الرياء بـ﴿ ﭢ ﭣ﴾‪ ،‬ومن م َر ِض الكبرياء‬ ‫وال ُعج ِب بـ﴿ﭤ ﭥ﴾‪ ،‬ومن م َرض الضلال والجهل بـ﴿ﭧ‬ ‫ﭨ ﭩ﴾ [الفاتحة‪]٦ :‬؛ ُعوفيِ َ ِمن أمراضه وأسقا ِمه‪ ،‬و َر َف َل في أثواب‬ ‫العافية‪ ،‬وتمَ َّت عليه النعمة‪ ،‬وكان من ال ُمنْ َعم عليهم‪ ،‬غي ِر المغضوب عليهم؛‬ ‫و ُهم أه ُل فسا ِد القصد‪ ،‬الذين ع َرفوا الح َّق و َع َد ُلوا عنه‪ ،‬والضا ِّلين؛ و ُهم‬ ‫أه ُل فسا ِد ال ِعلم‪ ،‬الذين َج ِهلوا الح َّق ولم َيع ِرفوه‪.‬‬ ‫وأ َّما تض ُّمنُها لشفاء الأبدان‪ :‬ففي الصحيح من حديث أبي المتو ِّكل عن‬ ‫أبي سعيد الخُدري أ َّن نا ًسا من أصحاب النب ِّي ﷺ م ُّروا بح ٍّي من العرب‪،‬‬ ‫فلم َي ْق ُروهم‪ ،‬ولم ُيض ِّيفوهم‪ ،‬ف ُل ِد َغ س ِّي ُد الحي‪ ،‬فأتوهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬هل عندكم‬ ‫من ُر ْق َي ٍة‪ ،‬أو هل فيكم ِمن را ٍق؟ فقالوا‪ :‬نعم‪ ،‬ولكنَّكم لم َت ْق ُرونا‪ ،‬فلا َن ْف َع ُل‬ ‫حتى تجعلوا لنا ُجع اًل‪ ،‬فجعلوا لهم على ذلك قطي ًعا من الغنم‪ ،‬فجعل رج ٌل‬ ‫منَّا يقر ُأ عليه بفاتحة الكتاب‪ ،‬فقام كأ ْن لم يكن به َق َل َب ٌة‪ ،‬فقلنا‪ :‬لا َت ْعجلوا حتى‬ ‫نأت َي النبي ﷺ‪ ،‬فأت ْيناه‪ ،‬فذ َك ْرنا له ذلك‪ ،‬فقال‪« :‬ما ُي ْدري َك أ َّهنا ُر ْق َي ٌة؟ ُك ُلوا‪،‬‬ ‫وا ْر ِض ُبوا لي َم َع ُكم بِ َس ْه ٍم»(((‪.‬‬ ‫فقد تض َّمن هذا الحدي ُث حصو َل شفاء هذا ال َّلدي ِغ بقراءة الفاتحة عليه‪،‬‬ ‫فأغنَ ْته عن الدواء‪ ،‬وربما بلغ ْت ِمن شفائه ما لم يب ُل ْغه الدواء‪ ،‬هذا مع َك ْو ِن‬ ‫ال َم َح ِّل غي َر قابل؛ إ َّما لكون هؤلاء الح ِّي غي َر مسلمين‪ ،‬أو أه َل بخ ٍل و ُلؤم؛‬ ‫فكيف إذا كان ال َم َح ُّل قاب اًل؟!‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)5749 ،5736 ،2276‬ومسلم (‪ ،)2201‬لفظ «كلوا» عند الترمذي (‪.)2064‬‬ ‫‪16‬‬

‫الشـاـلف�اشءفايءنين‬ ‫وأ َّما شهادة ال َّتجا ِرب بذلك‪ :‬فهي أكث ُر من أن ُت ْذ َكر‪ ،‬وذلك في كل زمان‪،‬‬ ‫وقد ج َّر ْب ُت أنا من ذلك في ن ْفسي وفي َغيري أمو ًرا عجيبة‪ ،‬ولا س َّيما م َّد َة ال ُمقا ِم‬ ‫بمك َة أع َّزها الله تعالى؛ فإنه كان َيع ِر ُض لي آلا ٌم ُم ْز ِعجة‪ ،‬بحيث تكاد َتقط ُع‬ ‫الحرك َة م ِّني‪ ،‬وذلك في أثناء الطواف وغيره‪ ،‬فأبادر إلى قراءة الفاتحة‪ ،‬وأمس ُح‬ ‫بها على مح ِّل الألم فكأنه حصا ٌة تسقط‪ ،‬ج َّر ْب ُت ذلك ِمرا ًرا عديدة‪ ،‬وكنت آخ ُذ‬ ‫َق َد ًحا من ماء زمزم‪ ،‬فأقرأ عليه الفاتحة مرا ًرا‪ ،‬وأشر ُبه‪ ،‬فأج ُد به من النفع‬ ‫والق َّو ِة ما لم أع َه ْد ِمث َله في الدواء‪ ،‬والأمر أعظ ُم من ذلك‪ ،‬ولكن بح َسب قو ِة‬ ‫الإيمان‪ ،‬وص َّح ِة اليقين‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬ ‫‪17‬‬

‫الكلام على قوله‬ ‫﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾‬ ‫سرِ ُّ الخَ ْل ِق والأ ْمر‪ ،‬وال ُك ُت ِب والشرَّ ائع‪ ،‬والثواب وال ِعقاب‪ ،‬انتهى إلى‬ ‫هاتين الكلمتين‪ ،‬وعليهما مدا ُر العبودية والتوحيد‪ ،‬حتى قيل‪ :‬أنزل الله مائة‬ ‫كتاب وأربع َة ك ُتب‪ ،‬ج َمع معان َيها في التوراة والإنجيل والقرآن‪ ،‬وج َمع معان َي‬ ‫هذه الكتب الثلاثة في القرآن‪ ،‬وج َمع معان َي القرآن في ال ُم َف َّصل‪ ،‬وجمع معاني‬ ‫المف َّصل في الفاتحة‪ ،‬ومعاني الفاتحة في ﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾ [الفاتحة‪.]٥ :‬‬ ‫وهما الكلمتان المقسومتان بينْ الرب وبينْ عب ِده نِصفين‪ ،‬فنِص ُفهما له تعالى‪،‬‬ ‫وهو ﴿ﭢﭣ﴾‪ ،‬ونِص ُفهما لعبده‪ ،‬وهو ﴿ ﭤﭥ﴾‪.‬‬ ‫والعبادة تجمع أصلين‪ :‬غاية الحب بغاية ال ُّذ ِّل والخضوع‪ ،‬والعرب تقول‪:‬‬ ‫طريق ُم َع َّبد‪ ،‬أي‪ُ :‬م َذ َّلل‪ ،‬والتع ُّبد‪ :‬ال َّت َذ ُّلل والخضوع‪ ،‬ف َمن أحبب َته ولم تكن‬ ‫خاض ًعا له لم تكن عاب ًدا له‪ ،‬و َمن خض ْع َت له بلا مح َّب ٍة لم تكن عاب ًدا له‪ ،‬حتى‬ ‫تكون محُِ ًّبا خاض ًعا‪.‬‬ ‫والاستعانة تجمع أصلين‪ :‬الثق َة بالله‪ ،‬والاعتما َد عليه؛ فإن العبد قد َيثِ ُق‬ ‫بالواحد من الناس ولا َيعتمد عليه في أموره مع ثقته به؛ لاستغنائه عنه‪،‬‬ ‫وقد َيعتم ُد عليه مع عدم ثقتِه به؛ لحاجته إليه‪ ،‬ولعدم َمن يقوم َمقا َمه‪،‬‬ ‫فيحتاج إلى اعتماده عليه‪ ،‬مع أنه غير واثق به‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫مدار المنازل‬ ‫والتو ُّكلمعنىيلتئممنأصلين‪:‬منالثقة‪،‬والاعتماد‪،‬وهوحقيقة﴿ﭢﭥ﴾‪.‬‬ ‫وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على‬ ‫الوسائل؛ إ ِذ العبادة غاي ُة العباد التي ُخ ِل ُقوا لها‪ ،‬والاستعانة وسيل ٌة إليها‪.‬‬ ‫وقال شيخ الإسلام ابن تيم َّي َة ‪« :‬تأ َّملت أنفع الدعاء فإذا هو في سؤال‬ ‫الله العو َن على مرضاته‪ ،‬ثم رأيته في الفاتحة‪ ،‬في ﴿ ﭢﭣﭤﭥ﴾»‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫�أف�ضل العبادات‬ ‫أه ُل مقا ِم ﴿ ﭢ ﭣ﴾ لهم في أفض ِل العبادة وأنف ِعها‪ ،‬وأح ِّقها بالإيثار‬ ‫والتخصي ِص أربع ُة ُط ُرق‪ ،‬و ُهم في ذلك أربع ُة أصناف‪:‬‬ ‫ال ِّصنف الأ َّول‪ :‬عن َدهم أنفع العبادات وأف َض ُلها‪ :‬أش ُّقها على النفوس‬ ‫وأصع ُبها؛ قالوا‪ :‬لأنه أبع ُد الأشياء ِمن َهواها‪ ،‬وهو حقيقة التع ُّبد‪ ،‬والأجر‬ ‫على ق ْدر المش َّقة‪ ،‬وهؤلاء‪ُ :‬هم أه ُل المجاهدات والجَو ِر على النفوس‪.‬‬ ‫ال ِّصنف الثاني قالوا‪ :‬أفض ُل العبادات وأنف ُعها‪ :‬ال َّتج ُّرد‪ ،‬والزه ُد في الدنيا‪،‬‬ ‫والتق ُّل ُل منها غاي َة الإمكان‪ ،‬وا ِّط َرا ُح الاهتمام بها‪ ،‬وعد ُم الاكتراث بك ِّل ما‬ ‫هو منها‪.‬‬ ‫ال ِّصنف الثالث‪ :‬رأ ْوا أ َّن أفض َل ال ِعبادات وأنف َعها ما كان فيه نف ٌع ُمت َع ٍّد‪:‬‬ ‫فرأوه أفض َل من ذي النفع القاصر‪ ،‬فرأوا ِخدمة الفقراء‪ ،‬والاشتغا َل بمصالح‬ ‫الناس وقضا ِء حوائجهم‪ ،‬ومساعدتهَ م بالمال والجا ِه والنفع أفض َل‪ ،‬فتص َّد ْوا‬ ‫له‪ ،‬وع ِملوا عليه‪.‬‬ ‫واحت ُّجوا بأ َّن ع َمل العابد قاص ٌر على ن ْفسه‪ ،‬وع َم َل النَّ َّفاع مت َع ٍّد إلى الغير‪،‬‬ ‫وأين أح ُدهما من الآ َخر؟!‬ ‫ب َك‬ ‫‪« :‬لأَ ْن هَي ِد َي الله‬ ‫طالب‬ ‫ﷺ لعل ِّي‪ ‬بن أبي‬ ‫قالوا‪ :‬وقد قال رسو ُل‪ ‬الله‬ ‫للنفع المتع ِّدي‪.‬‬ ‫التفضيل‬ ‫ال َنّ َع ِم»(((‪ ،‬وهذا‬ ‫ر ُجلاً وا ِح ًدا َخي ٌر َل َك ِمن حمُ ْ ِر‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)2942‬ومسلم (‪.)2406‬‬ ‫‪20‬‬

‫أفضل العبادات‬ ‫الصنف الرابع قالوا‪ :‬إ َّن أفضل العبادة العم ُل على مرضاة الر ِّب تعالى في‬ ‫كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوق ِت ووظيف ُته‪.‬‬ ‫الليفألف‪ ،‬وضلصايلاعمباالدناهاتر‪،‬فيبولقو ِمت انلتج ْرهاكدإ‪:‬تامال ِجمهاَ ُصدل‪،‬اوةإا ْلنفآ َرل إلضى‪،‬ت ْركماك افليأوحارلاةد؛المأمنن‪.‬صلاة‬ ‫والأفضل في وقت ُحضور الضي ِف مثل‪ :‬القيا ُم بح ِّقه‪ ،‬والاشتغا ُل به عن‬ ‫ال ِورد ال ُمست َح ِّب‪ ،‬وكذلك في أداء ح ِّق الزوجة والأهل‪.‬‬ ‫والأفضل في وقت استرشاد الطالب‪ ،‬وتعلي ِم الجا ِهل‪ :‬الإقبا ُل على تعليمه‪،‬‬ ‫والاشتغا ُل به‪.‬‬ ‫والأفض ُل في أوقات ال َّسحر‪ :‬الاشتغا ُل بالصلاة والقرآن والدعا ِء وال ِّذكر‬ ‫والاستغفار‪.‬‬ ‫والأفضلفيوق ِتالأذان‪:‬ت ْر ُكماهوفيه ِمن ِورده‪،‬والاشتغا ُلبإجابةالمؤ ِّذن‪.‬‬ ‫والأفضل في أوقات الصلوات ال َخم ِس‪ :‬ال ِج ُّد والنُّص ُح في إيقاعها على‬ ‫أكم ِل الوجوه‪ ،‬والمبادر ُة إليها في أ َّول الوقت‪ ،‬والخرو ُج إلى الجامع‪ ،‬وإ ْن ب ُعد‬ ‫كان أفض َل‪.‬‬ ‫والأفضل في أوقات ضرور ِة المحتاج إلى المساعد ِة بالجاه‪ ،‬أو ال َب َد ِن‪ ،‬أو المال‪:‬‬ ‫الاشتغا ُل بمساعدته‪ ،‬وإغاث ُة لهفته‪ ،‬وإيثا ُر ذلك على أورادك وخلوتك‪.‬‬ ‫والأفضل في وقت ِقراءة القرآن‪ :‬جمع َّي ُة القلب وال ِه َّمة على تد ُّبره وتف ُّه ِمه‪،‬‬ ‫حتى كأ َّن الله يخاط ُبك به‪ ،‬ف َتجم ُع قل َبك على َف ْهمه وتد ُّبره‪ ،‬والعز ِم على تنفيذ‬ ‫أوام ِره أعظ َم ِمن جمَ ع َّية ق ْل ِب َمن جاءه كتا ٌب من السلطان على ذلك‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫وال ِّذك ِر‪،‬‬ ‫والدعاء‬ ‫التض ُّرع‬ ‫في‬ ‫الاجتها ُد‬ ‫الوقو ِف بعرفة‪:‬‬ ‫والأفضل في وقت‬ ‫عن ذلك‪.‬‬ ‫دون ال َّصو ِم ال ُمض ِعف‬ ‫والأفضل في وقت م َر ِض أخيك المسلم أو موتِه‪ :‬عياد ُته‪ ،‬وحضو ُر جنازتِه‬ ‫وتشيي ُعه‪ ،‬وتقديم ذلك على خلوتك وجمع َّيتِك‪.‬‬ ‫والأفضل في وقت نزول النواز ِل وأذى الناس لك‪ :‬أدا ُء واجب الصبر مع‬ ‫ُخلطتك بهم‪ ،‬دون الهرب منهم؛ فإ َّن المؤمن الذي يخالِ ُط الناس ويصبر على‬ ‫أذا ُهم أفض ُل من الذي لا يخال ُطهم ولا ي ْؤذونه‪.‬‬ ‫فيه‪ ،‬وعزل ُتهم في الش ِّر؛‬ ‫اعتزالهم‬ ‫من‬ ‫فهوواألفأفض ُضل مل ُنخلخطلتطهتمهفميفايلهخ‪،‬يرفإ؛ ْفنه َع ِلي َمخأين ٌره‬ ‫أزا َله أو ق َّلله فهي خير‬ ‫خالطهم‬ ‫إذا‬ ‫من عزلتهم‪.‬‬ ‫والحال‪،‬‬ ‫الوق ِت‬ ‫ذلك‬ ‫ذولقكتالووقحا ِ ٍتل‪:‬وإويثاظ ُيرفتِمهرو ُضماقةت الضلاههف‪.‬ي‬ ‫فالأفضل في ك ِّل‬ ‫والاشتغا ُل بواجب‬ ‫وهؤلاء هم أهل التع ُّبد‪ ‬ال ُم ْط َلق‪ ،‬والأصنا ُفق ْب َلهم أه ُل التع ُّب ِد‪ ‬المق َّيد؛ فمتى‬ ‫خرج أحدهم عن الف ْرع الذي تع َّلق به من العبادة وفا َرقه ي َرى ن ْف َسه كأنه قد‬ ‫ن َقص وت َرك عبادته‪ ،‬فهو يعبد‪ ‬الله على وج ٍه واحد‪ ،‬وصاحب التع ُّبد‪ ‬الم ْط َلق‬ ‫ليس له غر ٌض في تع ُّب ٍد بعينه ُيؤثره على غيره‪ ،‬بل غرضه تت ُّبع مرضاة الله‬ ‫تعالى أين كانت؛ فمدا ُر تع ُّب ِده عليها‪ ،‬فهو لا يزال متن ِّق اًل في منازل العبودية‪،‬‬ ‫ك َّلما ُرفعت له منزل ٌة َع ِم َل على َسيره إليها‪ ،‬واشتغل بها حتى تلو َح له منزل ٌة‬ ‫أخرى‪ ،‬فهذا دأ ُبه في السير حتى ينتهي سي ُره‪ ،‬فإ ْن رأي َت العلماء رأي َته معهم‪،‬‬ ‫‪22‬‬

‫أفضل العبادات‬ ‫وإ ْن رأيت ال ُع َّباد رأيته معهم‪ ،‬وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم‪ ،‬وإن رأيت‬ ‫الذاكرين رأيته معهم‪ ،‬وإن رأيت المتص ِّدقين المحسنين رأيته معهم‪ ،‬فهذا هو‬ ‫العب ُد‪ ‬الم ْط َل ُق‪ ،‬الذي لم تمَ ِل ْكه ال ُّرسوم‪ ،‬ولم تق ِّيده القيود‪ ،‬ولم يكن عم ُله على‬ ‫مراد ن ْفسه وما فيه ل َّذتهُ ا وراح ُتها من العبادات‪ ،‬بل على مراد ر ِّبه‪ ،‬ولو كانت‬ ‫راح ُة ن ْفسه ول َّذتهُ ا في سواه‪ ،‬فهذا المتح ِّقق بـ﴿ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾‬ ‫ح ًّقا‪ ،‬القائ ُم بهما صد ًقا‪َ ،‬م ْل َب ُسه ما ته َّيأ‪ ،‬ومأك ُله ما تيسرَّ ‪ ،‬واشتغا ُله بما ُأ ِم َر به‬ ‫في كل وقت بوقته‪ ،‬ومجلسه حيث انتهى وو َج َده خال ًيا‪ ،‬لا تملكه إشارة‪ ،‬ولا‬ ‫ُيق ِّيده قيد‪ ،‬ولا يستولي عليه ر ْسم‪ ،‬ح ٌّر مج َّرد‪ ،‬دائر مع الأمر حيث دار‪َ ،‬ي ِدين‬ ‫ب ِدين الآ ِمر أ َّنى تو َّج َه ْت ركا ِئ ُبه‪ ،‬ويدور معه حيث استق َّلت مضا ِر ُبه‪ ،‬يأنس‬ ‫به ُك ُّل محُِ ٍّق‪ ،‬ويستوحش منه ُك ُّل ُم ْبطِ ٍل‪ ،‬كالغيث حيث وقع نفع‪ ،‬وكالنخلة‬ ‫لا َيس ُقط ور ُقها‪ ،‬وك ُّلها منفعة حتى شو ُكها‪ ،‬وهو موضع الغلظ ِة منه على‬ ‫المخالفين لأمر الله‪ ،‬والغض ِب إذا ان ُتهك ْت محار ُم الله؛ فهو لله وبالله ومع الله‪،‬‬ ‫قد ص ِحب الل َه بلا َخلق‪ ،‬وص ِحب الناس بلا ن ْفس‪ ،‬بل إذا كان مع الله ع َزل‬ ‫الخلائق‪ ،‬وتخلىَّ عنهم‪ ،‬وإذا كان مع َخلقه َع َز َل ن ْفسه وتخلىَّ عنها‪ ،‬فوا ًها له!‬ ‫ما أغ َر َبه بين الناس! وما أش َّد وحش َته منهم! وما أعظ َم ُأن َسه بالله وف َر َحه به‪،‬‬ ‫وطمأنين َته به‪ ،‬و ُسكو َنه إليه والله المستعان‪ ،‬وعليه ال ُّت ْكلان‪.‬‬ ‫‪23‬‬

‫ممننازلز ًةلم﴿نزلﭢًة فيﭣ﴾حااللت�َيس رَْي ِنيته ِ إ�قللىفايلهلاهالتقعلالبى‬ ‫اعلم أ َّن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام و ُيفارقه‬ ‫وينتقل إلى الثاني‪ ،‬كمنازل السير ال ِحسيِّ ‪ ،‬هذا محُ َال‪ ،‬ألا ترى أن اليقظة معه في‬ ‫كل مقام لا تفا ِرقه؟ وكذلك البصيرة والإرادة والعزم‪ ،‬وكذلك التوبة؛ فإنها‬ ‫كما أنها من أول المقامات فهي آخرها أي ًضا‪ ،‬بل هي في كل مقام ُم ْس َت ْص َحبة؛‬ ‫ومن المقامات ما يكون جام ًعا لمقا َمين‪ ،‬ومنها ما يكون جام ًعا لأكثر من‬ ‫ذلك‪ ،‬ومنها ما َيندرج فيه جميع المقامات‪ ،‬فلا يستح ُّق صاحبه اسمه إلا عند‬ ‫استجماع جميع المقامات فيه‪.‬‬ ‫فالتوبة جامعة لمقام المحا َسبة ومقام الخوف‪ ،‬لا ُيت َص َّور وجو ُدها بدونهما‪.‬‬ ‫والرضا جام ٌع لمقام الصبر ومقام المحبة‪ ،‬لا ُيتص َّور وجو ُده بدونهما‪.‬‬ ‫والتو ُّكلجامعلمقامالتفويضوالاستعان ِةوالرضا‪،‬لا ُيتص َّوروجو ُدهبدونها‪.‬‬ ‫والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة‪.‬‬ ‫وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان‪ :‬أبرار‪،‬‬ ‫و ُم َق َّر ُبون؛ فالأبرار في أذياله‪ ،‬والمق َّربون في ِذ ْر َوة َسنامه‪ ،‬وهكذا مرات ُب‬ ‫الإيمان جمي ُعها‪ ،‬وك ٌّل من النوعين لا يحُ ِيص تفاوتهَ م‪ ،‬وتفا ُض َل درجاتهم‬ ‫إلا الله تعالى‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫المنـــــازل‬ ‫وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية َسيرْ ِ ه‪ ،‬ف َينفتح‬ ‫عليه من حال المحبة والرضا والأُن ِس والطمأنينة ما لم يحصل بع ُد للسالك‬ ‫في نهايته‪ ،‬ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور ‪-‬من البصيرة‪ ،‬والتوبة‪،‬‬ ‫والمحاسبة‪ -‬أعظم من حاجة صاحب البداية إليها‪ ،‬فليس في ذلك ترتيب‬ ‫كليِّ ٌّ لاز ٌم للسلوك‪.‬‬ ‫فالأولى الكلا ُم في هذه المقامات على طريقة المتق ِّدمين من أئمة القوم كلا ًما‬ ‫ُمطل ًقا في كل مقام مقام‪ ،‬ببيان حقيقته و ُمو ِجبِه‪ ،‬وآفته المانعة من حصوله‪،‬‬ ‫والقاطع عنه‪ ،‬و ِذ ْكر عا ِّمه وخا ِّصه‪ ،‬فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج؛‬ ‫فإنهَّ م ن َظموا على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلا ًما ُمف َّص اًل جام ًعا مبينًا‬ ‫مطل ًقا من غير ترتيب‪ ،‬ولا حصر للمقامات بعد ٍد معلوم‪.‬‬ ‫فالأولى بنا‪ :‬أ ْن نذ ُك َر مناز َل ال ُعبودية الواردة في القرآن وال ُّسنة‪ ،‬ونذكر لها‬ ‫ترتي ًبا غي َر ُمستح ٍّق‪ ،‬بل ُمستحس ٌن‪ ،‬بحسب ترتي ِب ال َّسي ِر الحس ِّي؛ ليكو َن ذلك‬ ‫أقر َب إلى تنزي ِل المعقو ِل منزل َة المشهو ِد بالح ِّس‪ ،‬فيكو َن ال َّتصدي ُق به أت َّم‪،‬‬ ‫ومعرف ُته أكم َل‪ ،‬وضب ُطه أسه َل‪.‬‬ ‫‪25‬‬

‫منزلة اليقظة‬ ‫اعلم أ َّن العب َد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة‪ ،‬قل ُبه نائم وط ْرفه‬ ‫َيقظان‪ ،‬فصاح به الناصح‪ ،‬وأسمعه داعي النجاح‪ ،‬وأ َّذ َن به م َؤ ِّذن الرحمن‪:‬‬ ‫«ح َّي على الفلاح»‪.‬‬ ‫فأول مراتب هذا النائم اليقظ ُة والانتباه من النوم‪.‬‬ ‫* وهي‪ :‬انزعا ُج القلب ل َروعة الانتباه ِمن رقدة الغافلين‪ ،‬ولله ما أنف َع هذه‬ ‫ال َّروع َة! وما أعظ َم ق ْد َرها وخط َرها! وما أش َّد إعان َتها على السلوك! ف َمن‬ ‫أح َّس بها فقد أح َّس واللهِ بالفلاح‪ ،‬وإلا فهو في سكرات الغفلة‪ ،‬فإذا انت َب َه‬ ‫ش َّمر للهِ به َّمته إلى السفر إلى منازله ال ُأولى‪ ،‬وأوطانِه التي ُسبِ َي منها‪(((*.‬‬ ‫فإنه إذا ن َهض من ورطة الغفلة‪ ،‬واستنار قلبه برؤية نور التنبيه؛ أو َج َب له‬ ‫ذلك ملاحظ َة نِ َعم الله الباطنة والظاهرة‪ ،‬وك َّلما ح َّدق قل ُبه وط ْر ُفه فيها شا َه َد‬ ‫عظمتها وكثرتها‪ ،‬فيئِس من َع ِّدها‪ ،‬والوقوف على ح ِّدها‪ ،‬وف َّر َغ قلبه لمشاهدة‬ ‫ِم َّنة الله عليه بها من غير استحقاق‪ ،‬ولا استجلاب لها بثمن‪ ،‬فتي َّق َن حينئذ‬ ‫تقصي َره في واجبها‪ ،‬وهو القيا ُم بشكرها‪.‬‬ ‫فأوجب له شهو ُد تلك المِ َّن ِة والتقصير نوعين جليلين من العبودية‪ :‬مح َّبة‬ ‫ال ُمن ِعم وال َّل َهج ب ِذ ْك ِره‪ ،‬وتذ ُّللـه وخضوعه له‪ ،‬وإزرا َءه على نفسه؛ حيث‬ ‫((( النجمتان تدلان على أن الكلام بينهما ُعدل موضعه من كتاب مدارج السالكين مراعا ًة للسياق وهي‬ ‫مواضع قليلة‪.‬‬ ‫‪26‬‬

‫اليقظـــــة‬ ‫عجز عن شكر نِ َع ِمه‪ ،‬فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة‪ ،‬ويعلم أنه على‬ ‫خطر عظيم فيها‪ُ ،‬مشرْ ِ ف على الهلاك بمؤا َخذ ِة صاحب الح ِّق بمو ِجب َح ِّق ِه‪،‬‬ ‫فإذا طا َل َع جنايته ش َّمر لاستدراك الفا ِرط بالعلم والعمل‪ ،‬وتخ َّلص من ِر ِّق‬ ‫الجناية بالاستغفار والنَّدم‪ ،‬و َط َل ِب التمحيص‪ ،‬وهو تخلي ُص إيمانه ومعرفته‬ ‫من َخ َب ِث الجناية‪.‬‬ ‫وهذا التمحيص يكون في دار الدنيا بأربعة أشيا َء‪ :‬بالتوبة‪ ،‬والاستغفار‪،‬‬ ‫والحسنات الما ِح َية‪ ،‬والمصائ ِب ال ُم َك ِّفرة‪ ،‬فإ ْن محَ َّ َص ْته هذه الأربع ُة وخ َّلصته كان‬ ‫من الذين تتو َّفاهم الملائكة ط ِّيبي َن‪ُ ،‬ي َبشرِّ ونهم بالجنة‪ ،‬وكان من الذين ﴿ﭘ‬ ‫ﭙ ﭚ﴾عند الموت ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ‬ ‫ﭢ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ ﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ‬ ‫ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ﴾ [فصلت‪.]32 - 30 :‬‬ ‫وإن لم َت ِف هذه الأربع ُة بتمحيصه وتخليصه؛ فلم تكن التوب ُة نصو ًحا‪ ،‬وهي‬ ‫العا َّم ُة الشاملة الصادقة‪ ،‬ولم يكن الاستغفار كام ًال تا ًّما‪ ،‬وهو المصحو ُب‬ ‫ب ُمفا َرقة الذنب والندم عليه‪ ،‬هذا هو الاستغفار النافع‪ ،‬لا استغفا َر َمن في‬ ‫يده قدح ال ُم ْس ِكر‪ ،‬يقول‪ :‬أستغفر الله‪ ،‬ثم َيرفعه إلى فيه! ولم تكن الحسنا ُت في‬ ‫َك ِّم َّيتِها وكيف َّيتِها وافي ًة بالتكفير‪ ،‬ولا المصائب‪ ،‬وهذا إما ل ِع َظ ِم الجناية‪ ،‬وإما‬ ‫ل َض ْعف ال ُم َم ِّحص‪ ،‬وإما لهما‪ :‬محُ ِّ َص في البرزخ بثلاثة أشيا َء‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬صلاة أهل الإيمان عليه‪ ،‬واستغفارهم له‪ ،‬وشفاعتهم له‪.‬‬ ‫الثاني‪:‬تمحي ُصهبفتنةالقبر‪،‬وروعةال َف َّتان‪،‬وال َعصرْ َ ةوالانتهار‪،‬وتوابعذلك‪.‬‬ ‫‪27‬‬

‫الثالث‪ :‬ما ُهيدي إليه إخوا ُنه المسلمون من هدايا الأعمال‪.‬‬ ‫فإ ْن لم َت ِف هذه الثلاث ُة بالتمحيص‪ :‬محُ ِّ َص بين َي َد ْي ربه في الموقف بثلاثة‬ ‫أشيا َء‪ :‬أهوال القيامة وشدة الموقف‪ ،‬وشفاعة ال ُّش َفعاء‪ ،‬وعفو الله ‪.‬‬ ‫فإن لم َت ِف هذه الثلاثة بتمحيصه‪ :‬فلا ب َّد له من دخول الكِير‪ ،‬رحم ًة في ح ِّقه؛‬ ‫ليتخ َّلص ويتم َّحص‪ ،‬ويتط َّهر في النار‪ ،‬فتكون النا ُر ُطهر ًة له وتمحي ًصا لخبثه‪،‬‬ ‫ويكون ُمك ُثهفيهاعلىح َسبكثرةالخبثوق َّلته‪،‬وش َّدتهوضعفهوترا ُكمه‪،‬فإذا‬ ‫خرج خب ُثه و ُص ِّفي َذ َه ُبه‪ ،‬وصار خال ًصا طي ًبا‪ُ ،‬أخر َج من النار‪ ،‬و ُأدخل الجنة‪.‬‬ ‫‪28‬‬

‫الفكـــــرة‬ ‫مــنزلة ال ِفكــرة‬ ‫فإذا استحكمت يقظ ُته أوجب ْت له الفكرة‪ ،‬وهي‪ :‬تحدي ُق القلب إلى جهة‬ ‫المطلوب؛ التما ًسا له‪.‬‬ ‫والفكرةفكرتان‪:‬فكرةتتع َّلقبالعلموالمعرفة‪،‬وفكرةتتع َّلقبالطلبوالإرادة‪.‬‬ ‫فالتي تتع ِّلق بالعلم والمعرفة‪ :‬فكر ُة التمييز بين الحق والباطل‪ ،‬والثابت‬ ‫والمنف ِّي‪.‬‬ ‫والتي تتع َّلق بالطلب والإرادة‪ :‬فهي الفكرة التي تمُ ِّيز بين النافع والضا ِّر‪،‬‬ ‫ثم يتر َّتب عليها فكر ٌة أخرى في الطريق إلى ُحصول ما ينفع‪ ،‬فيسلكها‪،‬‬ ‫وطريق ما يض ُّر‪ ،‬فيتركها‪.‬‬ ‫فهذه س َّت ُة أقسام لا ساب َع لها‪ ،‬هي مجال أفكار ال ُع َقلاء‪.‬‬ ‫‪29‬‬

‫منزلة الب�يرصة‬ ‫* فإذا ص َّحت فكر ُته أوجبت له البصير َة؛ فهي نور في القلب ُيبصرِ‬ ‫به الوع َد والوعيد‪ ،‬والجن َة والنار‪ ،‬وما َو َعد الل ُه في هذه لأوليائه‪ ،‬وفي هذه‬ ‫لأعدائه‪ ،‬فأبصرَ َ النا َس وقد خ َرجوا من قبورهم ُم ْه ِط ِعي َن لدعوة الحق‪،‬‬ ‫وقد نزلت ملائك ُة السموات فأحاطت بهم‪ ،‬وقد جاء الله و َن َص َب ُكرس َيه‬ ‫لفصل القضاء‪ ،‬وقد أشرقت الأرض لنوره‪ ،‬و ُو ِض َع الكتاب‪ ،‬و ِجي َء بالنب ِّيي َن‬ ‫والشهداء‪ ،‬وقد ُن ِص َب الميزان‪ ،‬وتطايرت ال ُّص ُحف‪ ،‬واجتمعت ال ُخصوم‪،‬‬ ‫وتع َّلق ك ُّل َغريم بغريمه‪ ،‬ولا َح ال َحو ُض وأكوا ُبه عن َك َث ٍب‪ ،‬وك ُثر ال ِع َطا ُش‬ ‫و َق َّل الوا ِرد‪ ،‬و ُن ِص َب الجسر للعبور‪ ،‬و ُل َّز النا ُس إليه‪ ،‬و ُقسمت الأنوا ُر دون‬ ‫ظلمته للعبور عليه‪ ،‬والنار يحَ ْ ِط ُم بع ُضها بع ًضا تح َته‪ ،‬والمتساقطون فيها‬ ‫أضعا ُف أضعا ِف الناجين‪ ،‬فينفتح في قلبه عي ٌن يرى بها ذلك‪ ،‬ويقوم بقلبه‬ ‫شاه ٌد من شواهد الآخرة ُي ِري ِه الآخر َة ودوا َمها‪ ،‬والدنيا وسرع َة انقضائها‪.‬‬ ‫فالبصيرة نو ٌر يقذفه الله في القلب‪ ،‬يرى به حقيق َة ما أخبرت به الرسل‪،‬‬ ‫كأنه شا َه َد رأ َي َعينْ ٍ‪ ،‬فيتح َّقق مع ذلك انتفا ُعه بما دعت إليه الرسل‪،‬‬ ‫وتض ُّر ُره بمخالفتهم‪ ،‬وهذا معنى قول بع ِض العارفين‪ :‬البصيرة تح ُّقق‬ ‫الانتفاع بالشيء والتض ُّرر به‪ .‬وقال بعضهم‪ :‬البصيرة ما خ َّلصك من الحيرة؛‬ ‫إما بإيمان‪ ،‬وإما ب ِعيان‪.‬‬ ‫والبصيرة على ثلاث َدرجات؛ َمن اس َتكملها فقد اس َتكمل البصيرة‪ :‬بصيرة‬ ‫‪30‬‬

‫البصيــــرة‬ ‫في الأسماء والصفات‪ ،‬وبصيرة في الأمر وال َّنهي‪ ،‬وبصيرة في الو ْعد والوعيد‪.‬‬ ‫فالبصيرة في الأسماء والصفات‪ :‬ألاَّ يتأ َّثر إيما ُنك ب ُشبهة ُتعا ِر ُض ما و َصف‬ ‫الله به ن ْف َسه‪ ،‬ووص َفه به رسو ُله‪ ،‬بل تكون ال ُّش َبه ال ُمعارضة لذلك عندك بمنزلة‬ ‫ال ُّش َبه والشكو ِك في وجود الله‪ ،‬فكلاهما سواء في البطلان عند أهل البصائر‪.‬‬ ‫وع ْق ُد هذا أن يش َه َد قل ُبك الر َّب تبارك وتعالى مستو ًيا على عرشه‪ ،‬متك ِّل ًام‬ ‫بأم ِره ونهيه‪ ،‬بصي ًرا بحركات العالم ُع ْلو ِّيه و ُس ْفل ِّيه‪ ،‬وأشخاصه وذواته‪ ،‬سمي ًعا‬ ‫لأصواتهم‪ ،‬رقي ًبا على ضمائرهم وأسرارهم‪ ،‬وأ ْم ُر الممالك تحت تدبيره‪ ،‬ناز ٌل ِمن‬ ‫عنده وصاعد إليه‪ ،‬وأملاكه بين يديه ُتن ِّفذ أوامره في أقطار الممالك‪ ،‬موصو ًفا‬ ‫بصفات الكمال‪ ،‬منعو ًتا بنعوت الجلال‪ ،‬من َّز ًها عن العيوب والنقائص والمثال‪،‬‬ ‫هو كما و َصف ن ْفسه في كتابه‪ ،‬وفوق ما يصفه به خلقه‪ ،‬ح ٌّي لا يموت‪ ،‬ق ُّيوم لا‬ ‫ينام‪ ،‬عليم لا يخفى عليه مثقا ُل َذ َّر ٍة في السماوات ولا في الأرض‪ ،‬بصير يرى‬ ‫َدبي َب النمل ِة السوداء‪ ،‬على الصخرة الصماَّ ء‪ ،‬في الليلة الظلماء‪ ،‬سميع َيسمع‬ ‫ضجيج الأصوات‪ ،‬باختلاف اللغات‪ ،‬على تف ُّنن الحاجات‪ ،‬تمَ َّ ْت كلما ُته ِص ْد ًقا‬ ‫وعد ًال‪ ،‬فج َّلت صفا ُته أن ُتقاس بصفات خ ْل ِقه َشب ًها و ِمث ًال‪ ،‬وتعالت ذا ُته أن‬ ‫ُتشبه شي ًئا من الذوات أص اًل‪ ،‬ووس ِع ْت الخليق َة أفعا ُله عد ًال وحكم ًة ورحم ًة‬ ‫وإحسا ًناوفض ًال‪،‬لهال َخ ْل ُقوالأمر‪،‬ولهالنعمةوالفضل‪،‬ولهال ُمل ُكوالحمد‪،‬وله‬ ‫الثناء والمجد‪ ،‬أو ٌل ليس قبله شيء‪ ،‬آخ ٌر ليس بعده شيء‪ ،‬ظاهر ليس فو َقه شيء‪،‬‬ ‫باطن ليس دو َنه شيء‪ ،‬أسماؤه ك ُّلها أسماء م ْد ٍح وحم ٍد‪ ،‬وثنا ٍء وتمجي ٍد‪ ،‬ولذلك‬ ‫كانت ُح ْس َنى‪ ،‬وصفا ُته ك ُّلها صفا ُت كما ٍل‪ ،‬و ُنعوته ُنعو ُت جلال‪ ،‬وأفعاله ك ُّلها‬ ‫‪31‬‬

‫حكم ٌة ورحمة‪ ،‬ومصلحة وعدل‪ ،‬ك ُّل شيء من مخلوقاته دا ٌّل عليه‪ ،‬ومر ِشد‬ ‫لمن رآه بعين البصيرة إليه‪ ،‬لم يخَ ُل ِق السموا ِت والأر َض وما بينهما باط ًال‪ ،‬ولا‬ ‫ت َرك الإنسان ُس ًدى عاط ًال‪ ،‬بل خلق ال َخلق لقيام توحيده وعبادته‪ ،‬وأس َب َغ‬ ‫عليهم نِ َع َمه ليتو َّسلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته‪ ،‬تع َّرف إلى عباده بأنواع‬ ‫التع ُّرفات‪ ،‬وصرَ َّ ف لهم الآيات‪ ،‬و َن َّوع لهم الدلالات‪ ،‬ودعاهم إلى محبته من‬ ‫جميع الأبواب‪ ،‬وم َّد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب‪ ،‬فأت َّم عليهم نِ َع َم ُه‬ ‫السابغة‪ ،‬وأقام عليهم ُح َّج َته البالغة‪ ،‬أفاض عليهم النعمة‪ ،‬و َك َتب على ن ْفسه‬ ‫الرحمة‪ ،‬و َض َّمن ال ِكتا َب الذي كتبه‪ :‬أ َّن رحمتي سبقت غضبي‪.‬‬ ‫المرتبة الثانية‪ :‬البصيرة في الأمر وال َّنهي؛ وهي تجريده عن المعارضة بتأويل‪،‬‬ ‫أو تقليد‪ ،‬أو ه ًوى‪ ،‬فلا يقوم بقلبِه ُشبه ٌة ُتعا ِرض العلم بأمر الله ونهيه‪ ،‬ولا‬ ‫شهو ٌة تمنع من تنفيذه وامتثالِه والأخذ به‪ ،‬ولا تقلي ٌد ُيزيحه عن ب ْذل ال ُجه ِد في‬ ‫تل ِّقي الأحكام من ِمشكاة النصوص‪.‬‬ ‫المرتبة الثالثة‪ :‬البصيرة في الوعد والوعيد؛ [و] هو أن تشهد قيا َم الله تعالى‬ ‫على كل نفس بما كسبت في الخير والشر‪ ،‬عاج اًل وآج اًل‪ ،‬في دار العم ِل‪ ،‬ودار‬ ‫الجزاء‪ ،‬وأ َّن ذلك هو مو ِجب إلهيته وربوبيته‪ ،‬وعدله وحكمته‪.‬‬ ‫فإذا انتبه وأبصر‪ :‬أخذ في «القصد» و ِص ْدق الإرادة‪ ،‬وأجمْ َ َع القص َد والنية‬ ‫على سفر الهجرة إلى الله‪ ،‬و َع ِلم وتي َّقن أنه لا ب َّد له منه‪ ،‬فأخذ في ُأه َبة السفر‪،‬‬ ‫وتعبئ ِة الزاد ليوم المعاد‪ ،‬والتج ُّرد عن عوائق السفر‪ ،‬وقطع العلائق التي تمنعه‬ ‫من الخروج؛ فإذا استح َك َم قص ُده صار «عز ًما» جاز ًما‪ ،‬مستلز ًما للشروع في‬ ‫‪32‬‬

‫البصيــــرة‬ ‫السفر‪ ،‬مقرو ًنا بالتو ُّكل على الله‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿ :‬ﭱﭲ ﭳﭴﭵ﴾ [سورة آل‬ ‫عمران‪.]159 :‬‬ ‫والعزم‪ :‬هو القص ُد الجازم الم َّتصل بالفعل‪ ،‬ولذلك قيل‪ :‬إنه أ َّول الشروع‬ ‫في الحركة لطلب المقصود‪ ،‬وحقيقته‪ :‬هو استجماع قوى الإرادة على الفعل‪.‬‬ ‫والعزم نوعان؛ أحدهما‪ :‬عزم ال ُمريد على الدخول في الطريق‪ ،‬وهذا من‬ ‫البدايات‪ .‬والثاني‪ :‬عز ٌم في حال ال َّسير‪ ،‬وهو أخ ُّص من هذا‪*.‬‬ ‫‪33‬‬

‫منزلـــة المحا�ســـبة‬ ‫وهذه المنازل الأربعة‪ :‬اليقظة‪ ،‬والفكرة‪ ،‬والبصيرة‪ ،‬والعزم‪[ ،‬هي] لسائر‬ ‫المنازل كالأساس لل ُبنيان‪ ،‬وعليها مدار منازل السفر إلى الله تعالى‪ ،‬ولا ُيتص َّور‬ ‫السف ُر إليه بدون نزولها الب َّت َة‪ ،‬وهي على ترتيب ال َّسير ال ِحسيِّ ‪ ،‬فإ َّن المقيم في‬ ‫وطنه لا يتأ َّتى منه السف ُر حتى يستيقظ من غفلته عن السفر‪ ،‬ثم يتبصرَّ في أمر‬ ‫سفره و َخ َط ِره‪ ،‬وما فيه من المنفعة والمصلحة‪ ،‬ثم يف ِّكر في ُأهبة السفر والتز ُّود‬ ‫وإعداد ُع َّدته‪ ،‬ثم يعزم عليه‪ ،‬فإذا عزم عليه وأجمع قصده انتقل إلى منزلة‬ ‫المحاسبة؛ وهي التمييز بين ما له وعليه‪ ،‬ف َيستص ِحب ما له‪ ،‬ويؤ ِّدي ما عليه؛‬ ‫لأنه مساف ٌر َس َف َر َم ْن لا يعود‪.‬‬ ‫[و] قد د َّل على المحاسبة قو ُله تعالى‪﴿ :‬ﭝﭞﭟﭠﭡﭢ‬ ‫ﭣﭤﭥﭦ﴾ [الحشر‪.]18 :‬‬ ‫[ومن أركان المحاسبة]‪ :‬أن ُتقاي َس بين ما ِم َن الله وما منك‪ ،‬فحينئذ يظه ُر‬ ‫لك التفاو ُت‪ ،‬وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته‪ ،‬أو الهلاك والع َط ُب‪.‬‬ ‫وفي هذه ال ُمقا َيسة تعلم أ َّن الرب ر ٌّب والعب َد عب ٌد‪ ،‬وتتبين لك حقيق ُة الن ْفس‬ ‫وصفاتهُ ا‪ ،‬و َع َظم ُة جلال الربوبية‪ ،‬وتف ُّرد الرب بالكمال والإفضال‪ ،‬وأن كل‬ ‫نعمة منه فضل‪ ،‬وكل نقمة منه عدل‪ ،‬وأنت قبل هذه ال ُمقا َيس ِة جاه ٌل بحقيقة‬ ‫ن ْفسك‪ ،‬وبربوبية فاطرها وخالِ ِقها‪ ،‬فإذا قا َي ْس َت ظ َهر لك أنها منبع ك ِّل شر‪،‬‬ ‫‪34‬‬

‫المحاســـبة‬ ‫وأساس كل ن ْقص‪ ،‬وأ َّن ح َّدها‪ :‬الجاهل ُة الظالمة‪ ،‬وأ َّنه لولا فض ُل الله ورحمته‬ ‫بتزكيته لها ما زك ْت أب ًدا‪ ،‬ولولا ُهداه ما اهتدت‪ ،‬ولولا إرشاده وتوفي ُقه لما‬ ‫كان لها وصو ٌل إلى خير الب َّتة‪.‬‬ ‫[وتتوقف المحاسبة على]‪ :‬سوء الظ ِّن بالنفس لأ َّن حسن الظن بالنفس‬ ‫يمنع من كمال التفتيش و ُي َل ِّبس عليه‪ ،‬فيرى ال َمساوئ محاس َن‪ ،‬والعيو َب كما ًال؛‬ ‫[و] ِرضا العبد بطاعته دلي ٌل على ُحس ِن ظنِّه بنفسه‪ ،‬و َجه ِله بحقوق العبود َّية‪،‬‬ ‫وعد ِم ِعل ِمه بما َيستح ُّقه الرب ويليق أن يعا َمل به‪.‬‬ ‫وحاصل ذلك‪ :‬أ َّن جه َله بنفسه وصفاتها وآفاتها‪ ،‬وعيو ِب عمله‪ ،‬وجه َله‬ ‫بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعا َمل به‪ ،‬يتو َّلد منهما رضاه بطاعته‪ ،‬وإحسا ُن‬ ‫ظنِّه بها‪ ،‬ويتو َّلد من ذلك من ال ُع ْجب وال ِكبرْ والآفات ما هو أكبر من الكبائر‬ ‫الظاهرة؛ من الزنا‪ ،‬وشرب الخمر‪ ،‬والفرار من الزحف‪ ،‬ونحوها؛ فالرضا‬ ‫بالطاعة من ُرعونات النفس وحماقتِها‪.‬‬ ‫وأرباب العزائم والبصائر أش ُّد ما َيكونون استغفا ًرا َع ِقيب الطاعات؛‬ ‫لشهودهم تقصي َرهم فيها‪ ،‬و َت ْرك القيام لله بها كما َيليق بجلاله وكبريائه‪ ،‬وأنه‬ ‫لولا الأمر لمَا أقد َم أح ُدهم على مثل هذه العبودية‪ ،‬ولا َر ِض َيها لس ِّيده‪.‬‬ ‫وقد أ َم َر الله تعالى َو ْف َده وح َّجا َج بيته بأن يستغفروه َع ِقيب إفاضتهم من‬ ‫عرفات‪ ،‬وهو أ َج ُّل المواقف وأفض ُلها‪ ،‬فقال‪﴿ :‬ﭼﭽﭾ ﭿ‬ ‫ﮀﮁﮂﮃ ﮄﮅ ﮆﮇ ﮈﮉﮊ‬ ‫‪35‬‬

‫ﮋﮌ ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮕﮖﮗﮘ‬ ‫ﮙ ﮚﮛﮜﮝ﴾ [البقرة‪ ،]199 - 198 :‬وقال تعالى‪﴿ :‬ﭡ‬ ‫ﭢ﴾ [آل عمران‪ ،]17 :‬قال الحسن ‪َ « :‬م ُّدوا الصلاة إلى ال َّس َحر‪ ،‬ثم‬ ‫جلسوا يستغفرون الله »‪.‬‬ ‫ولله د ُّر الشيخ أبي يزي َد حيث يقول‪َ « :‬من تح َّق َق بالعبودي ِة نظر أفعا َله بعي ِن‬ ‫ال ِّريا ِء‪ ،‬وأحوا َله بعين ال َّدعوى‪ ،‬وأقوا َله بعين الافتراء»‪.‬‬ ‫وك َّلما َع ُظم المطلو ُب في قلبِك ص ُغ َر ْت عندك وتضاءلت القيم ُة التي َتبذلها‬ ‫في تحصيله‪ ،‬وك َّلما ش ِه ْد َت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية‪ ،‬وع َر ْف َت الله‪،‬‬ ‫وع َر ْف َت النفس‪ ،‬تبينَّ لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق‪،‬‬ ‫ولو جئت بعمل ال َّثق َلي ِن خشي َت عاقبته‪ ،‬وإنما َيقبله بكرمه وجوده وتف ُّضله‪،‬‬ ‫و ُيثي ُبك عليه أي ًضا بكرمه وجوده وتف ُّضله‪.‬‬ ‫[واعلم] أ َّن َت ْعيي َرك لأخيك بذنبه أعظ ُم إ ْث ًام من ذنبه وأش ُّد من‬ ‫معصيته؛ لمِا فيه من َص ْو َلة الطاعة‪ ،‬وتزكية النفس‪ ،‬وشكرها‪ ،‬والمناداة‬ ‫عليها بالبراءة من الذنب‪ ،‬وأ َّن أخاك هو الذي با َء به‪ ،‬ولعل َكسرْ َ ته بذنبه‪،‬‬ ‫وما أحد َث له من ال ِّذ َّلة والخضوع‪ ،‬والإزراء على نفسه‪ ،‬والتخ ُّلص‬ ‫من مرض الدعوى‪ ،‬وال ِكبرْ وال ُع ْجب‪ ،‬ووقوفه بين يدي الله ناك َس‬ ‫الرأس‪ ،‬خاش َع الطرف‪ُ ،‬منكسرِ القلب أنف ُع له‪ ،‬وخي ٌر له من َص ْو َلة‬ ‫طاعتك‪ ،‬وتك ُّث ِرك بها‪ ،‬والاعتداد بها‪ ،‬والمِنَّة على الله تعالى و َخ ْل ِقه بها‪،‬‬ ‫‪36‬‬

‫المحاســـبة‬ ‫فما أقر َب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا ال ُم ِد َّل من َم ْق ِت الله!‬ ‫فذن ٌب َت ِذ ُّل به لديه‪ ،‬أح ُّب إليه من طاعة ُت ِد ُّل بها عليه‪ ،‬وإنك أ ْن تبي َت نائ ًام‬ ‫وتصب َح ناد ًما‪ ،‬خي ٌر من أن تبيت قائ ًام وتصبح ُمع َج ًبا‪ ،‬فإن المع َجب لا يصعد‬ ‫له عمل‪ ،‬وإنك أن َتضحك وأنت معت ِرف‪ ،‬خي ٌر من أ ْن تبكي وأنت ُم ِد ٌّل‪،‬‬ ‫وأني ُن المذنبين أح ُّب إليه من َز َجل ال ُم َس ِّبحين ال ُم ِد ِّلي َن‪ ،‬ولعل الله أسقاه بهذا‬ ‫الذنب دوا ًء استخرج به داء قات ًال هو فيك ولا تشعر‪.‬‬ ‫‪37‬‬

‫منزلـــــة التــــــوبة‬ ‫فإذا ص َّح له هذا المقام‪ ،‬ون َز َل في هذه المنزل ِة‪ ،‬أش َرف منها على مقام التوبة‪،‬‬ ‫لأنه بالمحاسبة قد تم َّيز عنده ما له مما عليه‪ ،‬فل ُيج ِم ْع على التشمير إليه‪ ،‬والنزول‬ ‫فيه إلى الممات‪.‬‬ ‫ومنز ُل التوب ِة أ َّو ُل المنازل‪ ،‬وأوسطها‪ ،‬وآخ ُرها‪ ،‬فلا ُيفارقه العب ُد‪ ‬السال ُك‪،‬‬ ‫ولا يزال فيه إلى الممات‪ ،‬وإ ِن ارتحَ َل إلى منز ٍل آ َخ َر ارتحل به‪ ،‬واس َتص َحبه‬ ‫معه‪ ،‬ونزل به‪.‬‬ ‫فالتوبة هي بداية العبد ونهاي ُته‪ ،‬وحاجته إليها في النهاية ضرورية‪ ،‬كما أ َّن‬ ‫حاج َته إليها في البداية كذلك‪ ،‬وقد قال الله تعالى‪﴿ :‬ﯻﯼﯽﯾﯿ‬ ‫ﰀﰁﰂ﴾ [النور‪ ،]31 :‬وهذه الآية في سورة مدن َّية‪ ،‬خا َطب‬ ‫الله بها أه َل الإيمان وخيا َر َخ ْلقه أن يتوبوا إليه‪ ،‬بعد إيمانهم وصبرهم‪،‬‬ ‫وهجرتهم وجهادهم‪ ،‬ثم ع َّلق الفلا َح بالتوبة تعلي َق المس َّبب بسببِه‪ ،‬وأتى‬ ‫بأداة (لع َّل) ال ُمش ِعرة بالتر ِّجي؛ إيذا ًنا بأنكم إذا ُتبتم كنتم على رجاء الفلاح‪،‬‬ ‫فلا يرجو الفلا َح إلا التائبون‪ ،‬جعلنا الله منهم‪.‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ﴾ [الحجرات‪ ،]11 :‬ف َق َسم‬ ‫العباد إلى تائب وظالم‪ ،‬وما َث َّم ِق ْس ٌم ثالث الب َّت َة‪ ،‬وأو َقع اس َم الظالمِ على َمن‬ ‫لم َي ُتب‪ ،‬ولا أظ َل َم منه؛ لجهله بِ َر ِّبه وبحقه‪ ،‬وبعيب َن ْفسه وآفات أعماله‪.‬‬ ‫وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال‪« :‬يا أ هُّيا ال َّنا ُس‪ُ ،‬تو ُبوا إلى اللهِ‪ ،‬فواللهِ إنيِّ لأَ ُتو ُب‬ ‫‪38‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫إ َلي ِه في ال َيو ِم أك َث َر ِمن َسبعي َن َم َّر ًة»(((‪.‬‬ ‫ولمَّا كانت التوب ُة هي ُرجو ُع العبد‪ ‬إلى الله‪ ،‬ومفارقته لصراط المغضوب‬ ‫عليهم والضا ِّلي َن‪ ،‬وذلك لا يحَ ُصل إلا بهداية الله تعالى له إلى الصراط‬ ‫المستقيم‪ ،‬ولا تحَ ُصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده‪ ،‬انتظمتها سور ُة الفاتحة‬ ‫أحس َن انتظام‪ ،‬وتض َّمنتها أبل َغ تض ُّمن‪ ،‬ف َمن أعطى الفاتح َة ح َّقها ‪ِ -‬عل ًام‬ ‫وشهو ًدا وحا ًال ومعرف ًة‪َ -‬ع ِلم أنه لا َت ِص ُّح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة‬ ‫ال َّن ُصوح‪ ،‬فإن الهداية التا َّمة إلى الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب‪،‬‬ ‫ولا مع الإصرار عليها؛ فإن الأول َج ْهل ُينافي معرف َة الهدى‪ ،‬والثاني َغ ٌّي ينافي‬ ‫قص َده وإراد َته؛ فلذلك لا َت ِص ُّح التوب ُة إلا بعد معرفة الذنب‪ ،‬والاعتراف‬ ‫به‪ ،‬و َطل ِب التخ ُّلص من سوء عواقبه‪ ،‬وأ َّنك إنما ارتكبت الذن َب بعد‬ ‫انخلاعك من ثوب عصمته لك‪ ،‬فمتى َع َرف هذا الانخلاع َع ُظم خط ُره‬ ‫عنده‪ ،‬واشت َّدت عليه ُمفارق ُته‪ ،‬و َع ِل َم أ َّن ال ُه ْل َك ك َّل ال ُه ْل ِك ُب ْع ُده‪ ،‬وهو حقيقة‬ ‫ال ِخذلان‪ ،‬فما خلىَّ الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن َخ َذ َلك‪ ،‬وخلىَّ بينك وبين‬ ‫نفسك‪ ،‬ولو عصمك وو َّفقك لمَ ا َو َجد الذن ُب إليك سبي اًل‪.‬‬ ‫فقد أجمع العارفون بالله تعالى على أن ال ِخذلان‪ :‬أ ْن يخُليِّ الله بينك وبين‬ ‫نفسك‪ ،‬والتوفيق‪ :‬أ ْن لا َي ِك َل َك الل ُه إلى نفسك‪ ،‬وله سبحانه في هذه التخلية‬ ‫‪-‬بينك وبين الذنب و ِخذلانك حين وا َق ْع َته‪ِ -‬ح َك ٌم وأسرا ٌر‪.‬‬ ‫والمؤمن لا تت ُّم له ل َّذ ُته بمعصيته أب ًدا‪ ،‬ولا َيك ُمل بها فر ُحه‪ ،‬بل لا ُيباشرِ ها‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ )6307‬ومسلم (‪.)2702‬‬ ‫‪39‬‬

‫إلا والحزن مخال ٌط لقلبه‪ ،‬ولك َّن ُس ْك َر الشهو ِة يحَ ُجبه عن الشعور به‪ ،‬ومتى‬ ‫َخلاَ قل ُبه من هذا الحزن‪ ،‬واشت َّدت ِغبط ُته وسرو ُره فل َي َّت ِه ْم إيمانه‪ ،‬و ْل َي ْب ِك على‬ ‫موت قلبه‪ ،‬فإنه لو كان ح ًّيا لأحزنه ارتكا ُبه للذنب‪ ،‬وغا َظه و َص ُعب عليه‪،‬‬ ‫ولأ َح َّس القل ُب بذلك‪ ،‬فحيث لم يحُ ِ َّس به فما ل ُج ْر ٍح ب َم ِّي ٍت إيلا ٌم‪.‬‬ ‫وهذه ال ُّنكتة في الذ ْنب ق َّل َمن يهتدي إليها‪ ،‬أو ينتبه لها‪ ،‬وهي موضع‬ ‫مخَ ُو ٌف ج ًّدا‪ُ ،‬مترا ٍم إلى الهلاك إن لم ُيتدا َرك بثلاثة أشياء‪ :‬خوف من الموافاة‬ ‫عليه قبل التوبة‪ ،‬وندم على ما فاته من الله تعالى بمخالفة أمره‪ ،‬وتشمير لل ِج ِّد‬ ‫في استدراكه‪.‬‬ ‫فحقيق ُة التوبة‪ :‬الند ُم على ما َس َلف منه في الماضي‪ ،‬والإقلاع عنه في الحال‪،‬‬ ‫والعزم على أن لا ُيعاو َده في المستقبل‪.‬‬ ‫والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تق ُع فيه التوبة‪ ،‬فإنه في ذلك الوقت يندم‪،‬‬ ‫و ُيق ِلع‪ ،‬و َيع ِزم‪.‬‬ ‫فحينئ ٍذ يرجع إلى العبودية التي ُخ ِلق لها‪ ،‬وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة‪،‬‬ ‫ولما كان ُمتو ِّق ًفا على تلك الثلاثة ُجع ِلت شرائ َط له‪.‬‬ ‫فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات‪ ،‬منها‪ :‬أن يكون بعد التوبة خي ًرا مما‬ ‫كان قبل الخطيئة‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أنه لا يزال الخوف مصاح ًبا له‪ ،‬لا يأمن طرف َة َعينْ ٍ‪ ،‬فخوفه مستم ٌّر‬ ‫إلى أن يسمع قو َل الرسل ل َق ْبض ُروحه‪﴿ :‬ﭛﭜﭝﭞﭟﭠ‬ ‫‪40‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫ﭡﭢ ﭣ﴾ [فصلت‪ ،]30 :‬فهناك يزول الخوف‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬انخلاع قلبه‪ ،‬وتق ُّطعه ند ًما وخو ًفا‪ ،‬وهذا على قدر ِع َظم الجناية‬ ‫و ِص َغرها‪ ،‬وهذا تأويل ابن ُع َي ْينة لقوله تعالى‪﴿ :‬ﮤﮥﮦ ﮧﮨﮩ‬ ‫ﮪﮫﮬ ﮭﮮﮯ﴾ [التوبة‪ ،]110 :‬قال‪َ « :‬تق ُّط ُعها بالتوبة»‪.‬‬ ‫ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة ُيو ِجب انصدا َع القلب‬ ‫وانخلا َعه‪ ،‬وهذا هو َتق ُّط ُعه‪ ،‬وهذا حقيقة التوبة؛ لأنه يتقطع قل ُبه حسر ًة على‬ ‫ما َف َرط منه‪ ،‬وخو ًفا من سوء عاقبته‪ ،‬فمن لم َيتق َّطع قل ُبه في الدنيا على ما َف َّرط‬ ‫حسر ًة وخو ًفا؛ َتق َّطع في الآخرة إذا َح َّق ِت الحقائ ُق‪ ،‬وعا َين ثوا َب المطيعين‪،‬‬ ‫وعقا َب العاصين‪ ،‬فلا بد من تق ُّطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة‪.‬‬ ‫ومن ُمو ِجبات التوبة الصحيحة أي ًضا‪َ :‬كسرْ ٌة خا َّصة تحصل للقلب‬ ‫لا ُيشبِهها شيء‪ ،‬ولا تكون لغير ال ُم ْذنِب‪ ،‬لا تحصل بجوع‪ ،‬ولا رياضة‪،‬‬ ‫ولا ح ٍّب مجُ َّرد‪ ،‬وإنما هي أمر وراء هذا ك ِّله‪َ ،‬تكسرِ القل َب بين يدي الرب‬ ‫كسر ًة تا َّمة‪ ،‬قد أحاطت به من جميع ِجهاته‪ ،‬وألقته بين يدي ربه طري ًحا ذلي ًال‬ ‫خاش ًعا‪ ،‬كحال عب ٍد َجا ٍن آبِ ٍق ِمن سيده‪ ،‬ف ُأ ِخذ ف ُأحضرِ بين يديه‪ ،‬ولم يجد‬ ‫َمن ينجيه من سطوته‪ ،‬ولم يجد منه ُب ًّدا ولا عنه ِغ ًنى‪ ،‬ولا منه مهر ًبا‪ ،‬و َع ِلم‬ ‫أن حياته وسعادته‪ ،‬وفلاحه ونجا َته في رضاه عنه‪ ،‬وقد ع ِلم إحاطة سيده‬ ‫بتفاصيل جناياته‪ ،‬هذا مع ُح ِّبه لسيده‪ ،‬وشدة حاجته إليه‪ ،‬وعلمه بضعفه‬ ‫وعجزه‪ ،‬وقوة سيده‪ ،‬و ُذ ِّله وع ِّز سيده‪ ،‬فيجتمع من هذه الأحوال َكسرْ ٌة‬ ‫و ِذ َّل ٌة وخضوع‪ ،‬ما أنف َعها للعبد وما أجز َل عائ َدها عليه! وما أعظم َجبرْ َه‬ ‫‪41‬‬

‫بها‪ ،‬وما أقر َبه بها من س ِّيده! فليس شي ٌء أح َّب إلى سيده من هذه ال َكسرْ ة‪،‬‬ ‫والخضوع والتذ ُّلل‪ ،‬والإخبات‪ ،‬والانطراح بين يديه‪ ،‬والاستسلام له‪ ،‬فلله‬ ‫ما أحلى قو َله في هذه الحال‪« :‬أسأ ُل َك ب ِع ِّز َك و ُذليِّ ل َك إلاَّ َرحمِ ْ َتني‪ ،‬أسأ ُل َك‬ ‫ب ُق َّوتِ َك و َض ْعفي‪ ،‬وبِ ِغنا َك َع ِّني و َف ْقري إ َلي َك‪ ،‬هذ ِه نا ِص َيتي الكا ِذب ُة الخا ِطئ ُة‬ ‫بينْ َ َي َد ْي َك‪َ ،‬عبي ُد َك ِسوا َي َكثي ٌر‪ ،‬وليس لي َس ِّي ٌد ِسوا َك‪ ،‬لا َم ْلجأ ولا َم ْن َجى‬ ‫ِمن َك إلاَّ إ َلي َك‪ ،‬أسأ ُل َك َمسأل َة المِسكي ِن‪ ،‬وأبت ِه ُل إ َلي َك ابتِها َل ال َخا ِض ِع ال َّذلي ِل‪،‬‬ ‫وأد ُعو َك ُدعا َء الخائِ ِف الضرَّ ي ِر‪ ،‬سؤا َل َمن َخ َض َع ْت ل َك َر َقب ُته‪ ،‬و َر ِغ َم ل َك‬ ‫أ ْن ُفه‪ ،‬وفا َض ْت ل َك َع ْينا ُه‪ ،‬و َذ َّل ل َك َق ْل ُبه»‪.‬‬ ‫يا َمـ ْن أ ُلـــو ُذ بِ ِه فيـما ُأ َؤ ِّم ُلـــ ُه‬ ‫و َمــ ْن أ ُعــو ُذ ب ِه مَِّا ُأحــــا ِذ ُر ُه‬ ‫لا يجَ ْبرُ ُ ال َّنا ُس َع ْظ ًام أن َت كاسرِ ُ ُه‬ ‫ولا هَيِي ُضـو َن َع ْظ ًام أن َت جابِ ُر ُه‬ ‫فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة‪ ،‬ف َمن لم يجد ذلك في قلبه فلي َّت ِهم توب َته‪،‬‬ ‫وليرجع إلى تصحيحها‪ ،‬فما أصع َب التوب َة الصحيح َة بالحقيقة‪ ،‬وما أسه َلها‬ ‫باللسان والدعوى! وما عا َل َج الصاد ُق شي ًئا أش َّق عليه من التوبة الصادقة‬ ‫الخالصة‪ ،‬فلا حول ولا قوة إلا بالله‪.‬‬ ‫وأكثر الناس المتب ِّرئين عن الكبائر ال ِح ِّس َّي ِة والقاذورات‪ ،‬في كبائ َر ِم ْث ِلها‬ ‫أو أعظ َم منها أو دونها‪ ،‬ولا يخَ ُطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها‪ ،‬فعندهم‬ ‫‪42‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم‪ ،‬وصولة طاعاتهم عليهم‪ ،‬و ِم َّنتهم‬ ‫على ال َخ ْلق بلسان الحال‪ ،‬واقتضاء َبوا ِطنهم لتعظيم ال َخ ْلق لهم على طاعاتهم‪،‬‬ ‫اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم‪ ،‬وتوابع ذلك ما هو أبغ ُض إلى الله تعالى‪،‬‬ ‫وأ ْبع ُد لهم عن بابه من كبائ ِر أولئك‪ ،‬فإ ْن َتدا َرك الل ُه أح َدهم بقاذورة أو كبيرة‬ ‫ُيو ِقعه فيها ليكسرِ بها ن ْف َسه‪ ،‬و ُي َع ِّر َفه بها ق ْدره‪ ،‬و ُي ِذ َّله بها‪ ،‬ويخُ ِرج بها صول َة‬ ‫الطاعة من قلبه‪ ،‬فهي رحمة في حقه‪ ،‬كما أنه إذا َتدا َرك أصحا َب الكبائر بتوبة‬ ‫نصوح‪ ،‬وإقبال بقلوبهم إليه؛ فهو رحمة في ح ِّقهم‪ ،‬وإلا فكلاهما على خطر‪.‬‬ ‫تأملات صاحب البصيرة إذا أذنب ‪:‬‬ ‫اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدر ْت منه الخطيئ ُة فله نظ ٌر إلى خمسة أمور‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن ينظر إلى الوعد والوعيد‪ ،‬ف ُيح ِدث له ذلك خو ًفا و َخشي ًة يحمله‬ ‫على التوبة‪.‬‬ ‫[الثاني]‪ :‬أن ينظر إلى أمر الله تعالى له و هَنْيِه‪ ،‬ف ُيح ِدث له ذلك الاعترا َف‬ ‫بكونها خطيئ ًة‪ ،‬والإقرا َر على نفسه بالذنب‪.‬‬ ‫[الثالث]‪ :‬أن ينظر إلى تمكين الله تعالى له منها‪ ،‬وتخَ لِيتِه بينه وبينها‪ ،‬وتقدي ِرها‬ ‫عليه‪ ،‬وأنه لو شاء ل َع َص َمه منها‪ ،‬وحا َل بينها وبينه‪ ،‬ف ُيح ِدث له ذلك أنوا ًعا‬ ‫من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته‪ ،‬وحكمته‪ ،‬ورحمته‪ ،‬ومغفرته وعفوه‪،‬‬ ‫و ِح ْل ِمه وكرمه‪ ،‬و ُتو ِجب له هذه المعرف ُة عبودي ًة بهذه الأسماء‪ ،‬ولا تحصل‬ ‫بدون لوازمها الب َّت َة‪ ،‬ويعلم ارتبا َط الخلق والأمر والجزا ِء بالوع ِد والوعي ِد‪،‬‬ ‫‪43‬‬

‫بأسمائه وصفاته وأن ذلك موجب الأسماء والصفات‪ ،‬وأثرها في الوجود‪،‬‬ ‫وأ َّن كل اسم وصف ٍة ُم ْق َت ٍض لأثره وموجبه‪ ،‬متع ِّل ٌق به‪ ،‬لا ب َّد منه‪.‬‬ ‫وهذا المشهد ُيط ِلعه على رياض ُمؤنِقة من المعارف والإيمان‪ ،‬وأسرا ِر ال َق َدر‬ ‫وال ِحكمة يضي ُق عن التعبير عنها نِطا ُق ال َك ِل ِم‪.‬‬ ‫فمن بعضها‪ :‬أنه سبحانه العزيز الذي يقضي ما يشاء‪ ،‬وأ َّنه لكمال ِع ِّزه‬ ‫َح َك َم على العبد وقضى عليه بأن ق َّلب قلبه وص َّر َف إراد َته على ما يشاء‪،‬‬ ‫وحال بين العبد وقلبه‪ ،‬وجعله مري ًدا شائ ًيا لمِا شاء منه العزيز الحكيم‪ ،‬وهذا‬ ‫من كمال العزة؛ إذ لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى‪ ،‬وغاية المخلوق أن يتص َّرف‬ ‫في بدنك وظاهرك‪ ،‬وأما َج ْع ُلك مري ًدا شائ ًيا لمِا يشاؤه منك ويريده فلا يقدر‬ ‫عليه إلا ذو العزة الباهرة‪.‬‬ ‫فإذا ع َرف العب ُد ع َّز سيده‪ ،‬ولاحظه بقلبه‪ ،‬وتم َّكن شهو ُده منه؛ كان‬ ‫الاشتغال به عن ُذ ِّل المعصية أولى به وأنف َع له؛ لأنه يصير مع الله تعالى لا‬ ‫مع نفسه‪.‬‬ ‫ومن معرفة عزته في قضائه‪ :‬أن يعرف أنه ُمد َّبر مقهور‪ ،‬ناصيته بيد غيره‪،‬‬ ‫لا عصمة له إلا بعصمته‪ ،‬ولا توفيق له إلا بمعونته‪ ،‬فهو ذلي ٌل حقي ٌر‪ ،‬في‬ ‫قبضة عزيز حميد‪.‬‬ ‫ومن شهود عزته أي ًضا في قضائه‪ :‬أن يشهد أن الكمال والحمد‪ ،‬والغنا َء‬ ‫ال َّتا َّم‪ ،‬والعزة ك َّلها لله‪ ،‬وأن العبد ن ْف َسه أولى بالنقص والذم‪ ،‬والعي ِب والظلم‬ ‫‪44‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫والحاجة‪ ،‬وكلما ازداد شهو ُده ل ُذ ِّله ونقصه وعيبه وفقره‪ ،‬ازداد شهو ُده لعزة‬ ‫الله تعالى وكماله‪ ،‬وحمَ ْ ِده وغناه‪ ،‬وكذلك بالعكس‪ ،‬فنقص الذنب و ِذ َّل ُته ُت ْط ِل ُعه‬ ‫على مشهد العزة‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن يعرف بِ َّره سبحانه في َسترْ ه عليه حال ارتكاب المعصية مع‬ ‫كمال رؤيته له‪ ،‬ولو شاء ل َف َضحه بين َخ ْلقه ف َح ِذروه‪ ،‬وهذا من كمال ب ِّره‪،‬‬ ‫ومن أسمائه‪( :‬البرَُّ)‪ ،‬وهذا البرُِّ من س ِّيده به مع كمال ِغنَاه عنه‪ ،‬وكمال فقر‬ ‫العبد‪ ‬إليه‪ ،‬فيشتغل بمطالعة هذه المِنَّة‪ ،‬ومشاهدة هذا البرِِّ والإحسان والكرم‪،‬‬ ‫فيذهل عن ُذ ِّل الخطيئة‪ ،‬فيبقى مع الله‪ ،‬وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته‪،‬‬ ‫وشهود ُذ ِّل معصيته؛ فإن الاشتغال بالله والغفل َة عما سواه هو المطلب الأعلى‪،‬‬ ‫والمقص ُد الأسنى‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬شهوده ِح ْل َم الله في إمهال راكب الخطيئة‪ ،‬ولو شاء لعاجله‬ ‫بالعقوبة؛ ولكنه الحليم الذي لا َيعجل‪ ،‬ف ُي ْح ِدث له ذلك معرف َته سبحانه‬ ‫باسمه (الحليم)‪ ،‬ومشاهد َة صفة (ال ِح ْلم)‪ ،‬والتع ُّب َد بهذا الاسم‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬معرفة العبد كر َم ربه في َقبول العذر منه إذا اعتذر إليه‪ ،‬فيقبل عذره‬ ‫بكرمه َوجوده‪ ،‬ف ُيو ِجب له ذلك اشتغا اًل بذكره وشكره‪ ،‬ومح َّب ًة أخرى لم تكن‬ ‫حاصل ًة له قبل ذلك‪ ،‬فإ َّن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به‪ ،‬ثم‬ ‫غفر لك إساءتك ولم يؤا ِخ ْذك بها أضعا ُف محبتك على شكر الإحسان وح َده‪،‬‬ ‫والواقع شاهد بذلك‪ ،‬فعبودية التوبة بع َد الذنب لون آخر‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن يشهد فضله في مغفرته‪ ،‬فإن المغفرة فض ٌل من الله تعالى‪ ،‬وإلا‬ ‫‪45‬‬

‫فلو وا َخ َذ َنا بالذنب َل َوا َخذ بمحض ح ِّقه‪ ،‬وكان عاد ًال محمو ًدا‪ ،‬وإنما غفره‬ ‫بفضله لا باستحقاقك‪ ،‬ف ُيو ِجب لك ذلك أي ًضا شك ًرا له ومحبة‪ ،‬وإناب ًة إليه‪،‬‬ ‫وفر ًحا وابتها ًجا به‪ ،‬ومعرف ًة له باسمه (الغ َّفار)‪ ،‬ومشاهد ًة لهذه الصفة‪،‬‬ ‫وتع ُّب ًدا بمقتضاها‪ ،‬وذلك أكمل في العبودية والمعرفة والمحبة‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن ُي َك ِّم َل لعبده مرات َب ال ُّذ ِّل والخضوع والانكسار بين يديه‪،‬‬ ‫والافتقار إليه‪ ،‬فإن النفس فيها مضاها ٌة للربوبية‪ ،‬ولو َقد َر ْت لقالت كقول‬ ‫فرعو َن‪ ،‬ولكنه َق َد َر فأظهر‪ ،‬وغي ُره عجز فأضمر‪ ،‬وإنما يخُ َ ِّل ُصها من هذه‬ ‫المضاهاة ذ ُّل العبودية‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن أسماءه الحسنى تقتضي آثا ُرها اقتضا َء الأسباب التامة لمسبباتها‪،‬‬ ‫فاسم (السميع‪ ،‬البصير) يقتضي مسمو ًعا و ُمبصرًَ ا‪ ،‬واسم (الرزاق)‬ ‫يقتضي مرزو ًقا‪ ،‬واسم (الرحيم) يقتضي مرحو ًما‪ ،‬وكذلك اسم (الغفور)‪،‬‬ ‫و(العفو)‪ ،‬و(التواب)‪ ،‬و(الحليم) يقتضي َمن يغفر له‪ ،‬ويتوب عليه‪ ،‬ويعفو‬ ‫عنه‪ ،‬ويحَ ُل ُم عنه‪ ،‬ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات؛ إذ هي أسما ٌء‬ ‫حسنى‪ ،‬وصفا ُت كمال‪ ،‬ونعوت جلال‪ ،‬وأفعا ُل حكم ٍة وإحسا ٍن و ُجو ٍد‪،‬‬ ‫فلابد من ظهور آثارها في العالم‪ ،‬وقد أشار إلى هذا أعل ُم الخ ْلق بالله ‪-‬صلوات‬ ‫الله وسلامه عليه‪ -‬حيث يقول‪َ « :‬ل ْو لمَ ْ ُت ْذنِبوا‪َ ،‬ل َذ َه َب الله ب ُك ْم‪ ،‬ولجَ ا َء ب َقو ٍم‬ ‫ُي ْذنِبو َن ‪ُ -‬ث َّم َيس َتغ ِفرو َن ‪ -‬ف َيغ ِف ُر لُه ْم»(((‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬السرُِّّ الأعظم‪ ،‬الذي لا تقتح ُمه ال ِعبارة‪ ،‬ولا تجسرُ ُ عليه الإشارة‪،‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه مسلم (‪.)2749‬‬ ‫‪46‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫ولا ُينادي عليه منادي الإيمان على ُرؤوس الأشهاد‪ ،‬بل َش ِه َد ْته قلو ُب‬ ‫خوا ِّص العباد‪ ،‬فازدادت به معرف ًة لربها ومحب ًة له‪ ،‬وطمأنينة به‪ ،‬وشو ًقا إليه‪،‬‬ ‫ولهَ َ ًجا ب ِذ ْك ِره‪ ،‬وشهو ًدا لبرِِّه‪ ،‬ولطفه وكرمه وإحسانه‪ ،‬ومطالع ًة لسر العبودية‪،‬‬ ‫وإشرا ًفا على حقيقة الإلهية‪ ،‬وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس‪ ‬بن‬ ‫مالك ‪ ،‬قال‪ :‬قال رسول‪ ‬الله ﷺ‪« :‬لله أف َر ُح ب َتوب ِة َع ْب ِده حي َن َيتو ُب إ َلي ِه ِم ْن‬ ‫أ َح ِد ُكم كان على را ِحل ٍة بأ ْر ِض َفلاَ ٍة‪ ،‬فان َف َل َت ْت ِمن ُه‪ ،‬وعليها َطعا ُمه و رَشا ُبه‪،‬‬ ‫َفأيِ َس منها‪ ،‬فأ َتى َش َجر ًة فاض َط َج َع في ظِ ِّلها‪َ ،‬ق ْد أيِ َس ِم ْن را ِح َلتِه‪ ،‬فب ْينما هو‬ ‫كذل َك إذا هو بها قائِم ٌة ِعن َده‪ ،‬فأ َخ َذ بِ ِخ َطا ِمها‪ُ ،‬ث َّم قال ِم ْن ِش َّد ِة ال َف َر ِح‪ :‬الله َّم‬ ‫أن َت َعب ِدي وأنا َر ُّب َك‪ ،‬أ ْخ َطأ ِم ْن ِش َّد ِة ال َف َر ِح»(((‪.‬‬ ‫والقصد أن هذا الفرح له شأ ٌن لا ينبغي للعبد إهمال ُه والإعرا ُض عنه‪ ،‬ولا‬ ‫َي َّطلع عليه إلا َمن له معرفة خا َّص ٌة بالله وأسمائه وصفاته‪ ،‬وما يليق ب ِع ِّز جلالِه‪.‬‬ ‫فالمؤمنون من نوع الإنسان خي ُر البرية على الإطلاق‪ ،‬و ِخي َر ُة الله من‬ ‫العالمَين‪ ،‬فإنه خ َلقه ل ُيتِ َّم نعمته عليه‪ ،‬وليتوات َر إحسانه إليه‪ ،‬ول َي ُخ َّصه من‬ ‫كرامته وفضله بما لم َتنله أمنيته‪ ،‬ولم يخطر على باله ولم يشعر به‪ ،‬ليسأ َله من‬ ‫المواهب والعطايا الباطن ِة والظاهرة‪ ،‬العاجل ِة والآجلة‪ ،‬التي لا ُتنال إلا‬ ‫بمح َّبته‪ ،‬ولا ُتنال مح َّبته إلا بطاعته‪ ،‬وإيثا ِره على ما سواه‪ ،‬فاتخَّ ذه محبو ًبا له‪،‬‬ ‫وأع َّد له أفض َل ما ُي ِّع ُده محُِ ٌّب غن ٌّي قاد ٌر ج َوا ٌد لمحبوبه إذا قدم عليه‪ ،‬و َع ِه َد إليه‬ ‫عه ًدا تق َّد َم إليه فيه بأوامره ونواهيه‪ ،‬وأعلمه في عهده ما ُيق ِّربه إليه‪ ،‬ويزيده‬ ‫)‪ (1‬أخرجه مسلم (‪ ،)2747‬وأخرج البخاري أوله (‪.(6039‬‬ ‫‪47‬‬

‫محب ًة له وكرامة عليه‪ ،‬وما ُيب ِعده منه ويسخطه عليه‪ ،‬و ُي ْس ِقطه من عينه‪.‬‬ ‫وللمحبوب عد ٌّو هو أبغض خل ِقه إليه‪ ،‬قد جاه َره بالعداوة‪ ،‬وأمر عباده‬ ‫أن يكون دينُهم وطاعتهم وعبادتهُ م له‪ ،‬دون َولِ ِّيهم ومعبودهم الحق‪،‬‬ ‫واستقطع عبا َده‪ ،‬واتخذ منهم حز ًبا ظا َه ُروه ووا َل ْو ُه على ربهم‪ ،‬وكانوا أعدا ًء‬ ‫له مع هذا العدو‪.‬‬ ‫فإذا تع َّرض عب ُده ومحبو ُبه لغضبه‪ ،‬وارتكب َمسا ِخ َطه وما َيك َرهه‪ ،‬وأ َب َق‬ ‫منه‪ ،‬ووالىَ عد َّوه وظا َه َره عليه‪ ،‬وتح َّي َز إليه‪ ،‬وقطع طريق نِ َع ِمه وإحسانه إليه‬ ‫التي هي أح ُّب شيء إليه‪ ،‬وفتح طري َق العقوبة والانتقام والغضب‪ :‬فقد‬ ‫استدعى من الج َوا ِد الكري ِم خلا َف ما هو موصوف به من الجود والإحسان‬ ‫والبرِِّ‪ ،‬وتع َّرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه‪ ،‬وأن يصير غض ُبه وسخ ُطه في‬ ‫موضع رضاه‪ ،‬وانتقامه وعقوب ُته في موضع كرمه وبِ ِّره وإعطائه‪ ،‬فاستدعى‬ ‫بمعصيته من أفعاله ما سواه أح ُّب إليه منه‪ ،‬وخلاف ما هو من لوازم ذاته من‬ ‫الجود والإحسان‪ .‬فبينما هو حبيبه المق َّرب المخصو ُص بالكرامة‪ ،‬إ ِذ انقلب‬ ‫آبِ ًقا شار ًدا‪ ،‬را ًّدا لكرامته‪ ،‬مائ ًال عنه إلى عدوه‪ ،‬مع شدة حاجته إليه‪ ،‬وعدم‬ ‫استغنائه عنه طرفة عين‪ .‬فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته‬ ‫ناس ًيا لسيده‪ُ ،‬منه ِم ًكا في موافقة عد ِّوه‪ ،‬قد استدعى من س ِّيده خلا َف ما هو‬ ‫أهله إذ عرضت له فكرة فتذ َّكر بِ َّر سيده وعط َفه‪ ،‬وجو َده وكر َمه‪ ،‬و َع ِل َم أنه‬ ‫لا ُب َّد له منه‪ ،‬وأن مصي َره إليه‪ ،‬و َع ْر َضه عليه‪ ،‬وأنه إن لم َيق َد ْم عليه بن ْفسه ُق ِد َم‬ ‫به عليه على أسوأ الأحوال‪ ،‬فف َّر إلى سيده من بلد عد ِّوه‪ ،‬و َج َّد في الهرب إليه‬ ‫‪48‬‬

‫التـــــوبة‬ ‫حتى وصل إلى بابه‪ ،‬فوضع خ َّده على عتبة بابه‪ ،‬وتو َّسد َث َرى أعتابه‪ُ ،‬متذلًّاِل‬ ‫متضر ًعا‪ ،‬خاش ًعا باك ًيا آس ًفا‪ ،‬يتم َّلق سيده ويسترحمه‪ ،‬ويستعطفه ويعتذر‬ ‫إليه‪ ،‬قد ألقى بيده إليه‪ ،‬واستسلم له وأعطاه ِق َيا َده‪ ،‬وألقى إليه زمامه‪ ،‬فعلم‬ ‫سي ُده ما في قلبه‪ ،‬فعاد مكان الغضب عليه ر ًضا عنه‪ ،‬ومكا ُن الشدة عليه رحم ًة‬ ‫به‪ ،‬وأبدله بالعقوبة عف ًوا‪ ،‬وبالمنع عطاء‪ ،‬وبالمؤاخذة حل ًام‪ ،‬فاستدعى بالتوبة‬ ‫والرجوع من س ِّيده ما هو أهله‪ ،‬وما هو موجب أسمائه الحسنى‪ ،‬وصفاته‬ ‫العليا‪ ،‬فكيف يكون ف َر ُح س ِّيده به وقد عاد إليه حبيبه و َولِ ُّيه طو ًعا واختيا ًرا‪،‬‬ ‫ورا َجع ما يحبه س ِّي ُده منه ويرضاه‪ ،‬وفتح طريق البرِِّ والإحسان والجود‪ ،‬التي‬ ‫هي أح ُّب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟‬ ‫وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرُ ُ و ٌد‬ ‫وإ َبا ٌق من َس ِّيده‪ ،‬فرأى في بعض ال ِّس َكك با ًبا قد ُفتِح‪ ،‬وخرج منه صبي‬ ‫يستغيث ويبكي‪ ،‬وأمه خلفه تطرده‪ ،‬حتى خرج‪ ،‬فأغلقت الباب في وجهه‬ ‫ودخلت‪ ،‬فذهب الصبي غي َر بعيد‪ ،‬ثم وقف ُمف ِّك ًرا‪ ،‬فلم يجد له مأوى غير‬ ‫البيت الذي ُأخ ِرج منه‪ ،‬ولا َمن ُيؤويه غي َر والدته‪ ،‬فرجع مكسور القلب‬ ‫حزينًا‪ ،‬فوجد الباب ُمرتجًَا‪ ،‬فتو َّسده ووضع خ َّده على عتبة الباب ونام‪،‬‬ ‫فخرجت أ ُّمه‪ ،‬فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن َر َم ْت نفسها عليه‪ ،‬والتزمته‬ ‫ُتق ِّبله وتبكي‪ ،‬وتقول‪ :‬يا ولدي‪ ،‬أين تذهب عني؟ و َمن ُيؤويك ِسواي؟ ألم‬ ‫أقل لك‪ :‬لا تخُ الفني‪ ،‬ولا تحَ ِملني بمعصيتك لي على خلاف ما ُجبِل ُت عليه‬ ‫من الرحمة لك‪ ،‬والشفقة عليك‪ ،‬وإرادتي الخي َر لك؟ ثم أخ َذ ْته ودخلت‪.‬‬ ‫‪49‬‬

‫فتأ َّم ْل قول الأم‪ :‬لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما ُجبِل ُت عليه من‬ ‫الرحمة والشفقة‪.‬‬ ‫وتأ َّم ْل قوله ﷺ‪« :‬لله أ ْر َح ُم ب ِعبا ِده ِم َن الوالِ َد ِة ب َو َل ِدها»(((‪ ،‬وأين تقع رحم ُة‬ ‫الوالدة من رحمة الله؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه ص ْر َف‬ ‫تلك الرحمة عنه‪ ،‬فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أ ْه ُله وأولى به‪.‬‬ ‫فهذه نبذة يسيرة ُت ْط ِل ُع َك على سرِِّ فرح الله بتوبة عبده أعظ َم من فرح هذا‬ ‫الواجد لراحلته في الأرض المهلكة‪ ،‬بعد اليأس منها‪ ،‬ووراء هذا ما تجفو عنه‬ ‫العبارة‪ ،‬و َت ِد ُّق عن إدراكه الأذها ُن‪.‬‬ ‫هذا إذا نظر َت إلى تع ُّلق الفرح الإله ِّي بالإحسا ِن وال ُجود والبرِِّ‪ ،‬وأ َّما إن‬ ‫لاحظت تع ُّل َقه بإله َّيته وكونِه معبو ًدا فذاك مشه ٌد أ َج ُّل من هذا وأعظم منه‪،‬‬ ‫وإنما يشهده خوا ُّص ال ُم ِح ِّبي َن‪.‬‬ ‫فإ َّن الله سبحانه إ َّنما خ َلق الخلق لعبادته الجامعة لمح َّبته والخضوع له‬ ‫وطاعته‪ ،‬وهذا هو الحق الذي ُخ ِل َقت به السموا ُت والأرض‪ ،‬وهو غاية‬ ‫الخلق والأمر‪ ،‬ونف ُيه‪ -‬كما يقول أعداؤه‪ -‬هو الباطل‪ ،‬والعبث الذي َن َّز َه نفسه‬ ‫عنه‪ ،‬وهو ال ُّس َدى الذي ن َّزه نفسه عنه أن يترك الإنسان عليه‪ ،‬فهو سبحانه‬ ‫يحب أن ُي ْع َبد و ُيطا َع‪ ،‬ولا َي ْع َبأ بخ ْلقه شي ًئا لولا مح َّب ُتهم وطاعتهم له‪.‬‬ ‫بل فما الظ ُّن بمحبوب لك تح ُّبه ح ًّبا شدي ًدا‪ ،‬وأسرَ َ ُه عد ُّوك‪ ،‬وحال بينك‬ ‫(‪ )1‬أخرجه البخاري (‪ ،)5999‬ومسلم (‪.)2754‬‬ ‫‪50‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook