التوكـــــل و(المعطي) ،و(المحسن) ،وتعل ًقا باسم (المعز)( ،المذل)( ،الخافض)، (الرافع)( ،المانع) ،من جهة تو ُّك ِله عليه في إذلال أعدا ِء دينه ،و َخ ْف ِضهم و َم ْن ِع ِهم أسبا َب النصرة ،وتع ُّل ًقا بأسماء القدر ِة والإرادة ،وله تع ُّل ٌق عا ٌّم بجميع الأسماء الحسنى؛ ولهذا فسرَّ ه َمن فسرَّ ه ِمن الأئ َّمة بأ َّنه المعرفة بالله. وإ َّنما أراد أ َّنه بح َسب معرف ِة العبد يص ُّح له مقا ُم التوكل ،وك َّلما كان بالله أعر َف؛ كان تو ُّكله عليه أقوى. [ومن التوكل :إسقا ُط ال َّط َل ِب] ِمن الخ ْلق لا من الحق ،فلا يطلب من أحد شي ًئا ،فإ َّن الطلب ِمن الخ ْلق في الأصل محظور ،وغايته :أن يباح للضرورة، كإباحة الميتة للمضطر ،ون َّص أحم ُد على أ َّنه لا يجب ،وكذلك كان شي ُخنا يشير إلى أ َّنه لا يجب الطلب والسؤال. وس ِمع ُته يقول في السؤالُ « :ظ ْل ٌم في ح ِّق ال ُّربوب َّية ،و ُظ ْل ٌم في ح ِّق الخ ْلق، وظل ٌم في ح ِّق الن ْفس». أ َّما في حق الربوبية ،ف ِلما فيه من ال ُّذ ِّل لغير الله ،وإراق ِة ماء الوجه لغير خالقه ،والتع ُّوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين. وأما في ح ِّق ال َّنا ِس ،فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال ،واستخ ِراجه منهم، وأبغض ما إليهم َمن يسألهم ،وأ َح ُّب ما إليهم َمن لا يسألهم ،فإ َّن أموالهم محبوباتهُ م ،و َمن سألك محبوبك فقد تع َّرض لمَقتك و ُبغ ِضك. 151
وأ َّما ُظ ْل ُم السائ ِل ن ْفسه حيث امتهنها ،وأقامها في مقام ُذ ِّل السؤال ،ورض َي لها ب ُذ ِّل الطلب م َّمن هو ِم ْث ُله ،أو لع َّل السائ َل خي ٌر منه وأعلى قد ًرا. فسؤال المخلوق للمخلوق سؤا ُل الفقير للفقير ،وال َّر ُّب تعالى ك َّلما سأ ْل َته َك ُر ْم َت عليه ،ورض َي عنك ،وأح َّبك ،والمخلو ُق كلما سأل َته ُه ْن َت عليه وأبغضك و َقلاك ،كما قيل: الله َيغ َض ُب إ ْن َت َر ْك َت ُس َؤا َل ُه و ُب َن ُّي آ َد َم ِحي َن ُيسأ ُل َيغ َض ُب وقبيحبالعبد المريدأنيتع َّرضلسؤالالعبيد وهويجدعندمولاهك َّلمايريد. وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأش َجع ِّي قالُ :ك َّنا ِعن َد رسو ِل الله ﷺ تِسع ٌة أو َثماني ٌة ،أو َسبع ٌة فقال« :ألا ُتبايِ ُعو َن َر ُسو َل الله؟»، و ُك َّنا َح ِديثي َعه ٍد بِ َب ْيع ٍة ،ف ُق ْلنا :قد با َي ْعنا َك يا رسو َل اللهُ ،ث َّم قال« :ألا ُتبايِ ُعو َن َر ُسو َل الله؟» َف َب َس ْطنا أي ِد َينا و ُق ْلنا :قد با َي ْعنا َك يا رسو َل الله ،ف َعلاَ َم ُنبايِ ُع َك؟ فقال« :أ ْن َتع ُب ُدوا الله ،ولا ُتشرْ ِ ُكوا ب ِه َش ْي ًئا ،وال َّص َلوا ِت ال َخ ْم ِس -وأسرََّ َك ِلم ًة َخ ِف َّي ًة -ولا َت ْسأ ُلوا ال َّنا َس َش ْي ًئا» ،قال :ولقد رأ ْي ُت بع َض ُأو َلئِ َك ال َّن َف ِر َي ْس ُق ُط َس ْو ُط أح ِد ِهم فما َيسأ ُل أ َح ًدا أن ُينا ِو َله إ َّيا ُه(((. ((( أخرجه مسلم (. )1043 152
الصبـــــــر منزلـــــــة ال�صـــــبر قال الإمام أحمد « :ذكر الل ُه ال َّصب َر في القرآن في نحو تسعي َن موض ًعا». وهو واج ٌب بإجماع الأ َّمة ،وهو نصف الإيمان ،فإ َّن الإيمان نصفان :نصف صبر ،ونصف شكر. وهو في القرآن على س َّت َة عشرَ َ نو ًعا: الأول :الأمر به ،نحو قوله﴿ :ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [البقرة.]153 : الثاني :ال َّنه ُي عن ض ِّده كقوله﴿ :ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ ﯳ﴾ [الأحقاف ،]35 :وقوله ﴿ :ﯡﯢﯣ﴾ [الأنفال.]15 : الثالث :ال َّثنا ُء على أهله ،كقوله ﴿ :ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆﮇ﴾ [البقرة.]177 : الرابع :إيجا ُبه سبحانه مح َّبتَه لهم ،كقوله﴿ :ﯡﯢﯣ﴾ [آلعمران.]١٤٦: الخامس:إيجا ُب َم ِع َّي َتهلهم،وهيمع َّي ٌةخا َّص ٌة،تتض َّم ُن ِح ْف َظهم،ونصرْ َ هم، وتأيي َدهم ،ليست مع َّي ًة عا َّم ًة ،وهي مع َّي ُة ال ِعلم والإحاطة ،كقوله ﴿ :ﭚﭛ ﭜ ﭝﭞﭟ﴾ [الأنفال.]46 : السادس :إخبا ُره بأ َّن ال َّصبر خي ٌر لأصحابه ،كقوله﴿ :ﯩﯪ ﯫﯬ ﯭ﴾ [النحل.]126 : 153
السابع :إيجا ُب الجزا ِء لهم بأح َس ِن أعمالهِ م ،كقوله﴿ :ﮀﮁﮂ ﮃﮄ ﮅﮆﮇ﴾ [النحل.]٩٦ : الثامن :إيجا ُبه الجزا َء لهم بغير حساب ،كقوله تعالى﴿ :ﰓ ﰔ ﰕﰖ ﰗﰘ﴾ [الزمر.]١٠ : التاسع :إطلاق ال ُبشرى لأهل ال َّصبر ،كقوله تعالى﴿ :ﭠﭡﭢ ﭣﭤ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭬ﴾ [البقرة.]١٥٥ : العاشر :ضمان ال َّنص ِر والمد ِد لهم ،كقوله تعالى﴿ :ﭹﭺﭻﭼﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [آل عمران،]125 : ومنه قو ُل النب ِّي ﷺ« :وا ْع َل ْم أ َّن النَّرَص مع ال َّصب ِر»(((. الحادي عشر :الإخبار أ َّن أهل ال َّصب ِر هم أه ُل العزائم ،كقوله تعالى ﴿ :ﯹ ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ﴾ [الشورى.]٤٣ : الثاني عشر :الإخبار أ َّنه ما ُي َل َّقى الأعما َل ال َّصالح َة وجزا َءها والحظو َظ العظيم َة إلاَّ أه ُل ال َّصب ِر ،كقوله تعالى ﴿:ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮘﮙ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ﴾ [فصلت.]٣٥ – ٣٤ : الثال َثعش َر:الإخبارأ َّنهإ َّنما َينت ِف ُعبالآياتوال ِعبرَ ِ أه ُلال َّصب ِر،كقولهتعالى: ((( أخرجه أحمد ( ،)2308وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (. )2382 154
الصبـــــــر ﴿ﮬﮭﮮﮯ ﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯗ ﯘﯙ ﯚﯛﯜ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢ﴾ [إبراهيم.]5 : ال َّراب َع عش َر :الإخبار بأ َّن الفو َز بالمطلوب ،وال َّنجا َة من المرهوب ،ودخو َل الج َّنة ،إ َّنما نا ُلوه بال َّصبر ،كقوله تعالى﴿ :ﮗﮘ ﮙﮚﮛ ﮜﮝﮞ ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ﴾ [الرعد.]٢٤ – ٢٣ : الخام َس عش َر :أ َّنه يو ِر ُث صاح َبه درجة الإمام َة ،س ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة -ق َّدس الل ُه ُرو َحه -يقول :بال َّصب ِر واليقينُ ،تنا ُل الإمام ُة في ال ِّدين، ثم تلا قو َله تعالى﴿ :ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ ﮄ﴾ [السجدة.]٢٤ : الساد َس عش َر :اقترا ُنه بمقامات الإسلا ِم والإيمان ،كما قرنه الله سبحانه باليقين وبالإيمان ،وبالتقوى والتو ُّكل ،والشك ِر ،والعم ِل ال َّصال ِح والمَ ْرحمَ ة. ولهذا كان ال َّصب ُر من الإيمان بمنزلة ال َّرأ ِس من الجسد ،ولا إيما َن لمَن لا صب َر له ،كما أ َّنه لا جسد لمَن لا رأس له ،قال عمر بن الخ َّطاب « :خي ُر عي ٍش أدر ْكناه بال َّصبر» ،وأخبر ال َّنب ُّي ﷺ في الحديث ال َّصحي ِح« :أ َّن ُه ِضيا ٌء»(((، وقالَ « :من َي َتصبرَّ ْ ُي َصبرِّ ْ ُه الله»(((. وفي الحديث ال َّصحي ِحَ « :ع َج ًبا لأِ م ِر الم ْؤ ِم ِن! إ َّن أ ْم َر ُه ُك َّل ُه ل ُه َخي ٌر ،ولي َس ((( أخرجه مسلم (. )223 ((( أخرجه البخاري ( ،)1469ومسلم (. )1053 155
ذل َك لأِ َح ٍد إلاَّ لِلم ْؤ ِم ِن ،إ ْن أصا َب ْت ُه سرََّ ا ُء َش َك َر ،فكا َن َخي ًرا ل ُه ،وإ ْن أصا َب ْت ُه رََّضا ُء َصبرَ َ ،فكا َن َخي ًرا ل ُه»(((. وقال للمرأة ال َّسودا ِء التي كانت ُتص َر ُع فسأ َل ْته أن يدع َو لها« :إ ْن ِش ْئ ِت َصبرَ ْ ِت ول ِك ال َج َّن ُة ،وإ ْن ِش ْئ ِت َد َع ْو ُت الله أ ْن ُيعا ِف َي ِك» ،فقال ْت :إنيِّ أ َت َك َّش ُف، فا ْد ُع الله أن لا أ َت َك َّش َف ،فد َعا لها(((. وأ َم َر الأنصا َر بأن َيصبرِ ُوا على الأ َث َر ِة ا َّلتي َي ْل َق ْونهَ ا َبع َده ،ح َّتى َي ْل َق ْو ُه على ال َحو ِض. وأ َم َر ِعن َد ُملاقا ِة ال َع ُد ِّو بال َّصبر ،وأ َم َر بال َّصب ِر ِعن َد ال ُم ِصيب ِة ،وأخبرَ َ أ َّنه إ َّنما َي ُكو ُن ِعن َد ال َّصدم ِة ال ُأولىَ . وأ َم َر ال ُمصا َب بأن َف ِع ال ُأ ُمو ِر ل ُه ،وهو ال َّصب ُر والاحتِسا ُب؛ فإ َّن ذلك يخ ِّفف مصيب َته ،ويو ِّفر أج َره ،والج َزع والتس ُّخط والتش ِّكي َيزي ُد في المصيبة ،و ُيذ ِه ُب الأجر. وأخبر ﷺ أ َّن ال َّصب َر خي ٌر ك ُّله ،فقال« :ما ُأع ِط َي أ َح ٌد َعطا ًء َخي ًرا ل ُه وأ ْو َس َع ِم َن ال َّصب ِر»(((. وهو ثلاثة أنواع :صب ٌر على طاعة الله ،وصب ٌر عن معصية الله ،وصبر على امتحان الله. ((( أخرجه مسلم ( .)2999 ((( أخرجه البخاري ( ،)5652ومسلم (. )2576 ((( أخرجه البخاري ( ،)1469ومسلم (.)1053 156
الصبـــــــر فالأ َّولان :صب ٌر على ما يتع َّل ُق بالكسب ،والثالث :صب ٌر على ما لا ك ْس َب للعبد فيه. وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة -ق َّد َس الل ُه ُرو َحه -يقول« :كان صب ُر يوس َف عن مطاوعة امرأ ِة العزيز عن شأنها :أكم َل ِمن صب ِره على إلقاء إخوتِه له في ال ُج ِّب ،وبي ِعه وتفري ِقهم بينه وبينْ أبيه؛ فإ َّن هذه أمو ٌر جر ْت عليه بغير اختياره ،لا ك ْس َب له فيها ،ليس للعبد فيها حيل ٌة غير الصبر ،وأ َّما صب ُره عن المعصية:فصبراختيارورضاومحارب ٍةلل َّن ْفس،ولاس َّيمامعالأسبابالتيتقوى معها دواعي المواقعة ،فإ َّنه كان شا ًّبا ،وداعي ُة الشباب إليها قو َّية ،وع َز ًبا ليس له ما يع ِّوضه ويبرد شهو َته ،وغري ًبا ،والغري ُب لا يستحي في بلد غربتِه م َّما يستحي منه بين أصحابه ومعار ِفه وأهله ،ومملو ًكا ،والمملوك أي ًضا ليس واز ُعه كوازع الح ِّر ،والمرأة جميلة ،وذا ُت منصب ،وهي س ِّيدته ،وقد غاب ال َّرقي ُب ،وهي الداعي ُة له إلى ن ْفسها ،والحريص ُة على ذلك أش َّد الحرص ،ومع ذلك تو َّع َد ْته إ ْن لم يفع ْل بالسجن وال َّصغار ،ومع هذه الدواعي ك ِّلها صب َر اختيا ًرا ،وإيثا ًرا لمِا عند الله ،وأين هذا ِمن صبره في ال ُج ِّب على ما ليس من كسبِه؟!». وكان يقول« :الصب ُر على أداء الطاعات أكم ُل من الصبر على اجتناب المح َّرما ِتوأفضل؛فإ َّنمصلحة ِفع ِلالطاع ِةأ َح ُّبإلىالشارعمنمصلح ِةتر ِك المعصية ،ومفسدة عد ِم الطاعة أبغ ُض إليه وأك َر ُه ِمن مفسدة وجو ِد المعصية». 157
وثمة تقسيم آخر للصبر: صب ٌر بالله ،وصبر لله ،وصبر مع الله. فالأول :صبر الاستعان ِة به ،ورؤيته أ َّنه هو المْ ُ َصبرِّ ،وأن َصبر العبد بر ّب ِه لا بن ْفسه ،كما قال تعالى﴿ :ﯯﯰﯱﯲ ﯳ﴾ [النحل ]127 :يعني :إ ْن لم ُيصبرِّ ْك هو لم تصبر. وعاللىا اسلتصحمبار ِدمإحل َّبى َةالالخلْله،ق،وإوراغيد َةر الباع ُث وهو أن يكون والثاني :الصبر لله، الن ْفس، لا لإظهاره ق َّو ِة وج ِهه ،والتق َّر َب إليه، ذلك من الأغراض. والثالث :الصبر مع الله ،وهو دوران العبد مع مراد الله ال ِّدين ِّي منه ،ومع أحكامه ال ِّدين َّية ،صاب ًرا ن ْف َسه معها ،سائ ًرا ب َسيرها ،مقي ًام بإقامتها ،يتو َّج ُه معها أين تو َّج َه ْت ركائ ُبها ،وينزل معها أين استق َّلت مضاربهُ ا. فهذا معنى كونِه صاب ًرا مع الله؛ أي قد جعل ن ْف َسه َوق ًفا على أوامره ومحا ِّبه، وهو أش ُّد أنواع الصب ِر وأصع ُبها ،وهو صب ُر ال ِّص ِّديقين. وفي كتاب الأدب للبخار ِّيُ :سئِ َل رسو ُل الله ﷺ ع ِن الإيما ِن؟ فقال: «ال َّصب ُر ،وال َّسماح ُة»(((. وهذا ِمن أج َم ِع الكلام وأعظ ِمه برها ًنا ،وأو َعبِه لمقامات الإيمان من أ ّوَلهِ ا إلى آ ِخ ِرها. ((( لم نقف عليه في «الأدب المفرد» وأخرجه أحمد ( ،)19435وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (.)551 158
الصبـــــــر فإ َّن ال َّن ْف َس ُيراد منها شيئان: َ -1ب ْذ ُل ما ُأمر ْت به وإعطا ُؤه .فالحامل عليه السماحة. -2ترك ما نهيت عنه ،وال ُبع ُد منه؛ فالحامل عليه :الصب ُر. وقد أمر الله سبحانه في كتابه بال َّصبر الجميل ،وال َّصف ِح الجميل، والهجر الجميل. فس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة -ق َّدس الل ُه ُرو َحه -يقول« :الصبر الجمي ُل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه ،والصف ُح الجميل هو الذي لا عتا َب معه ،والهج ُر الجميل الذي لا أذى معه». وقال اب ُن ُع َي ْين َة في قوله تعالى﴿ :ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ﴾ [السجدة ]24 :قال« :أخذوا برأس الأم ِر فجعلهم رؤسا َء». وال َّشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ،فإ َّن يعقوب َو َعد بال َّصبر الجميل، وال َّنب ُّ�ي إذا و َعد لا يخُ ِل ُف ،ثم ق�ال﴿ :ﯹ ﯺﯻ ﯼﯽﯾ﴾ [يوس�ف: .]٨٦ وكذلك أ ُّيو ُب أخبرَ الل ُه عنه أ َّنه و َجده صاب ًرا مع قوله﴿:ﭤﭥﭦ ﭧﭨﭩ﴾ [الأنبياء.]٨٣ : وإذا َع َر ْتـ َك َب ِل َّيــ ٌة فاصـبرِ لهــــا َصـبرْ َ ال َكريـ ِم فإ َّنـ ُه بـ َك أ ْع َلـــ ُم 159
وإذا َشـ َك ْو َت إلى ابـ ِن آ َد َم إ َّنــــما َت ْش ُكو ال َّرحي َم إلى ا َّلذي لا َي ْر َحـ ُم [وبالجملة] الصبر ِمن آ َك ِد المنازل في طريق المح َّبة ،وأل َز ِمها للمحبين ،وهم أحو ُج إلى منزلته من ك ِّل منزلة ،وهو ِمن أعر ِف المناز ِل في طريق ال َّتوحيد وأب َينِها ،وحاج ُة الم ِح ِّب إليه ضرور َّية. وقد أمر الله تعالى أح َّب الخ ْل ِق إليه بالصبر ل ُحكمه ،وأخبر أ َّن صبره به، وأثنى على الصابري َن أح َس َن ال َّثناء ،و َض ِم َن لهم أعظ َم الجزاء ،وج َعل أج َر غي ِرهم محسو ًبا ،وأج َرهم بغير حساب. 160
الرضـــــــا منزلـــــــــة الر�ضـــــــا قد أجمع العلما ُء على أ َّنه مستح ٌّب ،مؤ َّك ٌد استحبا ُبه ،واختلفوا في وجوبه على قولين. و ِمن أعظ ِم أسبا ِب حصو ِل ال ِّرضا :أن َيل َز َم ما جعل الله ِرضا ُه فيه؛ فإ َّنه يوصله إلى مقام ال ِّرضا ولا ُب َّد. قيل ليحيى بن ُمعاذ « :متى َيب ُل ُغ العب ُد إلى مقام ال ِّرضا؟ فقال :إذا أقام ن ْف َسه على أربعة أصو ٍل فيما يعامل به ر َّبه ،فيقول :إ ْن أعط ْي َتني َقبِل ُت، وإ ْن من ْع َتني َر ِضي ُت ،وإ ْن تر ْك َتني َع َب ْد ُت ،وإ ْن دع ْو َتني أ َج ْب ُت». وليس من شرط ال ِّرضا ألاَّ يحُ ِ َّس بالألم والمَكا ِره؛ بل ألاَّ َيعت ِر َض على ال ُحكم ولا َيتس َّخطه ،ووجود التألمُّ ِ وكراه ُة ال َّن ْف ِس له لا ينافي ال ِّرضا، كرضا المريض بشرُ ب ال َّدوا ِء ال َكريه ،ورضا الصائم في اليوم الشدي ِد الح ِّر بما ينا ُله من ألم الجوع وال َّظمأ ،ورضا المجاهد بما يح ُص ُل له في سبيل الله من ألم الجراح ،وغيرها. وطريق الرضا طري ٌق مختصرة ،قريبة ج ًّدا ،موصل ٌة إلى أ َج ِّل غاية ،ولكن فيها مشقة ،ومع هذا فليست مش َّق ُتها بأصع َب ِمن مش َّق ِة طريق الجهاد ،ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها ،وإ َّنما عقبتها ه َّم ٌة عالية ،ون ْف ٌس زكية، وتوطين ال َّن ْف ِس على ك ِّل ما َي ِر ُد عليها من الله. 161
و ُيس ِّه ُل ذلك على العبدِ :ع ْل ُمه بضع ِفه وعج ِزه ،ورحم ِة ر ِّبه ،وشفقتِه عليه ،وبِ ِّره به ،فإذا َش ِه َد هذا وهذا ،ولم يطرح ن ْف َسه بين يديه ،ويرض به وعنه ،وتنجذب دواعي ح ِّبه و ِرضا ُه ك ِّلها إليه :فن ْف ُسه نف ٌس مطرود ٌة عن الله ،بعيدة عنه ،ليست مؤ َّهل ًة ل ُقربِه وموالاته ،أو ن ْف ٌس ممتحن ٌة مبتلاة بأصناف البلايا والمِ َحن. فطريق الرضا والمح َّب ِة ُتسيرِّ العب َد وهو ُمستل ٍق على فراشه ،فيصبح أما َم ال َّرك ِب بمراح َل. [و] ثمر ُة ال ِّرضا :الفر ُح وال رُّسو ُر بال َّر ِّب تبارك وتعالى. ورأي ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة ق َّدس الل ُه ُرو َحه في المنام ،وكأنيِّ ذكر ُت له شي ًئا من أعمال القلب ،وأخذ ُت في تعظيمه ومنفعتِه لا أذكره الآ َن فقال: «أ َّما أنا فطريقتي :الفر ُح بالله ،والسرُّ و ُر به» ،أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حا ُله في الحياة ،يبدو ذلك على ظاهره ،وينادي به عليه حا ُله. القضاء، قبل « :ثلاثة من أعلام ال ِّرضا :ت ْر ُك الاختيار وقال ذو ال ُّنون القضاء ،وه َيجا ُن الح ِّب في َح ْش ِو البلاء». وفقدان المرار ِة بعد وقيل لل ُحسين ب ِن عل ٍّي « :إ َّن أبا ذ ٍّر يقول :الفقر أ َح ُّب إل َّي من الغنى، والسق ُم أح ُّب إل َّي من ال ِّص َّحة ،فقال :ر ِح َم الل ُه أبا ذ ٍّر ،أ َّما أنا فأقولَ :م ِن ا َّت َك َل على ُحس ِن اختيا ِر الله له لم َيتم َّن غي َر ما اختار الله له». وقال ال ُف َضيل بن ِعيا ٍض لِبشرْ ٍ الحافي« :ال ِّرضا أفض ُل ِم َن ال ُّزهد في ال ُّدنيا؛ لأ َّن الراضي لا يتم َّنى فوق منزلته». 162
الرضـــــــا مدار مقامات الدين على الرضا: قال الله تعالى﴿ :ﯧﯨ ﯩﯪﯫﯬﯭﯮ ﯯ﴾ [الأنعام.]١٦٤ : قال ابن ع َّباس « :س ِّي ًدا وإلهًا ،يعني :فكيف أط ُل ُب ر ًّبا غي َره ،وهو ر ُّب ك ِّل شيء؟!» وقال في أ َّو ِل ال ُّسورة﴿ :ﮞﮟ ﮠﮡﮢﮣ ﮤﮥ﴾ [الأنعام :]14 :يعني :معبو ًدا وناص ًرا ومعينًا وملج ًأ ،وهو من الموالاة التي تتض َّم ُن الحُ َّب والطاعة ،وقال في و َسطها﴿ :ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖﮗﮘﮙ﴾ [الأنعام ]114 :أي :أفغي َر اللهِ أبتغي َمن يحَ ُك ُم بيني وب ْينكم ،فنتحاكم إليه فيما اختل ْفنا فيه؟ وهذا كتا ُبه س ِّي ُد الح َّكام ،فكيف نتحا َك ُم إلى غير كتابِه؟ وقد أنزله مفصّ اًَل مب َّينًا ،كاف ًيا شاف ًيا. وأنت إذا تأ َّم ْل َت هذه الآيا ِت الثلا َث ح َّق التأ ُّم ِل ،رأ ْي َتها هي ن ْف ُس الرضا بالله ر ًّبا ،وبالإسلام دينًا ،وبمحمد رسو اًل ،ورأي َت الحدي َث مترج ًما عنها، ومشت ًّقا منها ،فكثير من الناس يرضى به ر ًّبا ،ولا يبغي ر ًّبا ِسواه ،لكنه لا يرضى به و ْح َده ول ًّيا ،بل يوالي ِم ْن دونه أولياء ،ظنًّا منه أنهَّ م ُيق ِّربونه إلى الله، وأ َّن موالاتهَ م كموالاة خوا ِّص الم ِلك ،وهذا عين الشرِّ ك؛ بل التوحي ُد :أن لا ي َّتخذ من دونه أولياء. وكثير من الناس يبتغي غي َره َح َك ًام ،يحاكم إليه ،ويخُ ا ِصم إليه ،و َيرضى ب ُحكمه. وهذه المقامات الثلاث ُة هي أركان التوحيد :أن لا ي َّت ِخذ ِسواه ر ًّبا ،ولا إلهًا ،ولا غي َره َح َك ًام. 163
من علامات صحة الرضا استواء النعمة والبلية: تستوي النِّعم ُة والبل َّي ُة [عند العبد] في الرضا لوجوه: -1أ َّنه عب ٌد مح ٌض ،والعبد المح ُض لا َيسخط ج َريا َن أحكا ِم س ِّيده ال ُمش ِف ِق البا ِّر النَّاص ِح المحسن. -2أ َّنه جاه ٌل بعواقب الأمور ،وس ِّي ُده أعل ُم بمصلحته وما ينفعه. بأع َّنلهيهإ،ذاوإرذاض َيس ب ِخهطانهقتلضباعفيفح ِّقعهلينهعثمق ًُةلهوومنَك ُّلحهة،،ولوم َخيز َّ َدف ْدعإلاَّليه حشمَّدُل ًةه،. ِ -3عل ُمه و ُأ ِعي َن -4أن يعلم أ َّن ِرضاه عن ر ِّبه في جميع الحالات ُيث ِم ُر رضا ر ِّبه عنه. -5أ َّن ال ِّرضا َيفت ُح له با َب ال َّسلامة ،فيجعل قل َبه سلي اًم نق ًّيا من الغ ِّش وال َّد َغ ِل وال ِغ ِّل ،ولا ينجو من عذاب الله إلاَّ َمن أتى اللهَ بقلب سليم. -6أ َّن ال ِّرضا ُيو ِج ُب له أ ْن لا يأسى على ما فاته ،ولا يفر َح بما آتاه ،وذلك ِمن أفض ِل ِخصا ِل الإيمان. -7أن الرضا من أعمال القلوب ،نظي ُر الجهاد من أعمال الجوارح ،فإ َّن ك َّل واح ٍد منهما ِذرو ُة سنا ِم الإيمان. -8أ َّن الراضي واق ٌف مع اختيار الله له ،مع ِر ٌض عن اختياره لن ْفسه ،وهذا من ق َّو ِة معرفته بر ِّبه ،ومعرفتِه بن ْف ِسه. وقد اجتمع ُو َه ْي ُب بن ال َو ْرد ،وسفيا ُن ال َّثور ُّي ،ويوس ُف بن أ ْسباط، 164
الرضـــــــا فقال ال َّثور ُّي « :قد كنت أك َر ُه مو َت ال ُفجاءة قبل اليوم ،فأ َّما اليوم: فو ِد ْد ُت أنيِّ ميت ،فقال له يوسف بن أسباط :ولمَ؟ فقال :لمِا أتخ َّو ُف من الفتنة ،فقال يوسف :لكنِّي لا أك َر ُه طو َل البقاء ،فقال ال َّثور ُّي :ولمَ تك َر ُه المو َت؟ قال :لعليِّ أصاد ُف يو ًما أتو ُب فيه وأعم ُل عم اًل صالحًا ،فقيل ل ُو َهيب :أ ُّي شي ٍء تقول أنت؟ فقال :أنا لا أختار شي ًئا ،أح ُّب ذلك إل َّي أح ُّبه إلى الله ،ف َق َّبل ال َّثور ُّي بين عينيه ،وقالُ :روحان َّي ٌة ور ِّب الكعبة». فهذا حال عب ٍد قد استو ْت عنده حال ُة البقاء والموت ،وقف مع اختيار الله له منهما. -9أ َّن رضا الله عن العبد أكب ُر من الجنَّة وما فيها ،قال الله تعالى ﴿:ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ﴾ [التوبة.]72 : -10أن الرضا يفتح با َب ُحس ِن الخُ ُلق مع الله ومع الناس؛ فإ َّن حسن الخُل ِق من الرضا ،وسوء الخلق من السخط ،وحسن الخلق يب ُلغ بصاحبه درج َة الصائم القائم ،وسوء الخلق يأكل الحسنا ِت كما تأ ُك ُل النا ُر الحطب. -11أ َّن الرضا بالقدر يخ ِّل ُص العب َد ِمن أن ُيرضي النا َس بسخط الله ،وأن ي ُذ َّمهم على ما لم يؤته الله ،وأن يحَ َم َدهم على ما هو مح ُض فض ِل الله. -12أ َّن المح َّب َة والإخلاص والإنابة لا تقوم إلا على ساق الرضا ،فالم ِح ُّب را ٍض عن حبيبه في ك ِّل حالة ،وقد كان ِعمرا ُن ب ُن ُح َصي ٍن 165
استسقى بطنُه ،فبق َي مل ًقى على ظهره مد ًة طويلة ،لا يقوم ولا يقعد ،وقد ُنقب له في سريره موض ٌع لحاجته ،فدخل عليه ُم َط ِّرف بن عبد الله ب ِن ال ِّش ِّخير ،فجعل يبكي لمِا رأى من حاله ،فقال له ِع ْمران: «لمَ تبكي؟ فقال :لأنيِّ أراك على هذه الحا ِل العظيمة ،فقال :لا َت ْب ِك، فإ َّن أح َّبه إل َّي أح ُّبه إليه ،وقالُ :أخبرِ ُك بشيء ،لع َّل الله أن ينف َعك به، واك ُت ْم عل َّي حتى أموت ،إ َّن الملائكة تزورني فآ َن ُس بها ،و ُتس ِّل ُم عل َّي فأس َم ُع تسلي َمها». -13أ َّن أعمال الجوار ِح ُتضا َع ُف إلى ح ٍّد معلوم محسوب ،وأ َّما أعما ُل القلوب فلا ينتهي تضعي ُفها. 166
الشــــكر منزلــــــــة ال�شــــــكر وهي من أعلى المنازل ،وهي فو َق منزلة الرضا وزيادة؛ فالرضا ُمند ِر ٌج في الشكر؛ إذ َيستحي ُل وجو ُد الشكر بدونه ،وهو نص ُف الإيمان -كما تق َّدم -والإيمان نصفان :نصف ُش ْكر ،ونصف َصبرْ ،وقد أ َمر الل ُه به ،ونهى عن ض ِّده ،وأ ْثنى على أهله ،ووص َف به خوا َّص َخ ْلقه ،وجعله غاي َة َخل ِقه وأ ْم ِره ،وو َعد أه َله بأح َس ِن جزائه ،وجعله سب ًبا للمزيد من فضله ،وحار ًسا وحاف ًظا لنِعمته ،وأخبرَ أ َّن أهله ُه ُم ال ُمنت ِفعون بآياته ،واش َت َّق لهم اس ًام من أسمائه؛ فإنه سبحانه هو ال َّشكور ،وهو ُمو ِصل الشاكر إلى مشكوره ،بل ُيعيد الشاك َر مشكو ًرا ،وهو غاية رضا ال َّر ِّب من عبده. قال الله تعالى﴿ :ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ﴾ [النحل.]114 : وفي ال َّصحيحين عن النب ِّي ﷺ« :أ َّنه قا َم ح َّتى َت َو َّر َم ْت َق َدماه ،فقيل له: َتف َع ُل هذا وقد َغ َفر الل ُه ل َك ما َتق َّد َم ِمن َذ ْنبِ َك وما َتأ َّخ َر؟ قال :أفلا أ ُكو ُن َع ْب ًدا َشكو ًرا؟»((( .وقال ل ُمعاذ« :واللهِ يا ُمعا ُذ ،إنيِّ لأَ ُ ِح ُّب َك؛ فلا َت ْن َس أ ْن َتقو َل في ُد ُب ِر ك ِّل َصلا ٍة :الله َّم أ ِع ِّني على ِذ ْك ِر َك ،و ُش ْك ِر َك ،و ُح ْس ِن ِعبا َدتِ َك»(((. وأصل ال ُّشكر في وضع ال ِّلسان :ظهو ُر أث ِر ال ِغذاء في أبدان الحيوان ُظهو ًرا َب ِّي ًنا ،كذلك حقيق ُته في العبودية ،وهو ظهو ُر أث ِر نعم ِة الله على لسان عب ِده: ((( أخرجه البخاري ( ،)4836ومسلم (. )2819 ((( أخرجه أبو داود ( ،)1522والنسائي ( ،)1303وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (. )1522 167
ثنا ًء واعترا ًفا ،وعلى قلبه شهو ًدا ومح َّب ًة ،وعلى جوار ِحه انقيا ًدا وطاع ًة. وال ُّش ْكر َمبن ٌّي على خم ِس قواع َد :خضوع الشاكر للمشكور ،وح ُّبه له، واعترا ُفه بنعمته ،والثنا ُء عليه بها ،وألاَّ يستعملها فيما َي ْك َره. فهذه الخمسة هي أساس الشكر ،وبِنا ُؤه عليها ،فمتى ُع ِد َم منها واحدة: اخت َّل ِمن قواعد الشكر قاعد ٌة. وكل َمن تك َّلم في ال ُّش ْكر وح ِّده ،فكلامه إليها يرجع ،وعليها يدور. فقيل :ح ُّده أنه الاعترا ُف بنِعمة ال ُمن ِعم على وجه الخضوع. وقيل :هو ُعكو ُف القلب على مح َّبة ال ُمن ِعم ،والجوارح على طاعته، و َجريان ال ِّلسان ب ِذ ْكره ،والثناء عليه. وقال داو ُد :يا ر ِّب ،كيف أش ُكرك؟ و ُش ْكري نِعم ٌة عل َّي من عندك َتستو ِجب بها ُش ْك ًرا؟! فقال :الآن َش َك ْر َتني يا داو ُد. وقال ال ُج َنيد وقد سأله سرَ ِ ٌّي عن الشكر ،وهو َصب ٌّي َبع ُد« :ال ُّش ْك ُر: أن لا ُيستعا َن بشيء من نِعم الله على معاصيه ،فقالِ :من أين لك هذا؟ قال: ِمن مجُ الستِك». 168
الحيــــــاء منزلـــــــة الحيــــــاء قال الله تعالى ﴿ :ﭪﭫﭬ ﭭﭮ﴾ [النساء ]1:وقال تعالى﴿ :ﭲﭳ ﭴﭵﭶﭷ﴾ [غافر.]19 : وفي الصحيح من حديث ابن ُعم َر :أ َّن رسو َل اللهِ ﷺ َم َّر ب َر ُج ٍل -وهو َي ِع ُظ أخا ُه في ال َحيا ِء -فقالَ « :د ْع ُه؛ فإ َّن الحيا َء ِمن الإيما ِن»(((. وفيهما عن أبي سعي ٍد « :كان َرسو ُل الله ﷺ أ َش َّد َحيا ًء ِم َن ال َع ْذرا ِء في ِخ ْد ِرها ،فإذا رأى َشي ًئا َي ْك َر ُهه َع َر ْفنا ُه في َو ْج ِهه»(((. والحياء من الحياة ،وعلى َح َسب حياة القلب يكون فيه ق َّوة ُخ ُل ِق الحياء، و ِق َّلة الحياء من موت القلب وال ُّروح ،فكلما كان القل ُب أحيى ،كان الحيا ُء أت َّم. قال ال ُج َنيد « :الحيا ُء رؤية الآلاء ،ورؤية التقصير ،فيتو َّلد بينهما حال ٌة ُتس َّمى الحيا َء ،وحقيق ُته؛ ُخ ُل ٌق َيب َع ُث على َت ْر ِك القبائح ،و َيم َنع ال َّتفري َط في ح ِّق صاحب الح ِّق». وقال ال ُف َضيل بن ِعيا ٍض « :خمَ ٌس من علامات ال َّش ْقو ِة :القسو ُة في القلب ،وجمُ و ُد العين ،و ِق َّل ُة الحياء ،والرغب ُة في الدنيا ،وطو ُل الأمل». وقال يحَ يى ب ُن ُمعاذ َ « :م ِن استحيا ِمن الله ُمطي ًعا :استحيا منه وهو ُمذنِ ٌب». ) (1أخرجه البخاري ( ،)24ومسلم (.(36 ) (2أخرجه البخاري ( ،)6102ومسلم (.(2320 169
وهذا الكلام يحتاج إلى شرح؛ ومعناه :أ َّن َمن َغ َلب عليه ُخ ُل ُق الحياء من الله حتى في حال طاعتِه ،فقلبه ُمط ِر ٌق بين يديه إطراق ُمست ٍح َخ ِج ٍل؛ فإنه إذا وا َقع ذن ًبا استحيا الله ِمن نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه ،فيستحيي أن يرى ِمن ول ِّيه و َمن َيك ُرم عليه ما َيشي ُنه عنده ،وفي الشاهد شاه ٌد بذلك؛ فإ َّن الر ُج َل إذا ا َّطلع على أخ ِّص الناس به ،وأح ِّبهم إليه ،وأقربهِ م منه من صاحب ،أو ولد ،أو َمن يح ُّبه وهو يخونه ،فإنه َيل َحقه من ذلك الاطلا ِع عليه حيا ٌء عجي ٌب ،حتى كأنه هو الجاني ،وهذا غاي ُة الكرم. وأما حياء الر ِّب من عبده :فذاك نوع آ َخ ُر ،لا ُتد ِركه الأفها ُم ،ولا ُتك ِّيفه العقو ُل؛ فإنه حيا ُء كر ٍم وبِ ٍّر وجود وجلال؛ فإنه حي ٌّي كري ٌم َيستحيي من عبده إذا ر َفع إليه يد ْيه أن ُير َّدهما ِصف ًرا ،ويستحيي أن ُيع ِّذ َب ذا َش ْيب ٍة شاب ْت في الإسلام. أوجه الحياء: وقد قسم الحياء على عشر ِة أ ْوجه :حياء ِجناية ،وحياء تقصير ،وحياء َجلا ٍل ،وحياء َك َر ٍم ،وحياء ِح ْشم ٍة ،وحياء استِصغار لل َّنفس واحتِقار لها، وحياء مح َّبة ،وحياء عبود َّية ،وحياء شرف و ِع َّزة ،وحياء ال ُمستحيي من َن ْفسه. فأ َّما حياء الجناية :فمنه حياء آدم ،لمََّا ف َّر هار ًبا في الجنة. وحياء التقصير كحياء الملائكة الذين ُيس ِّبحون الليل والنهار لا َيفترُ ون، فإذا كان يو ُم القيامة قالواُ « :س ْبحا َنك! ما عبدناك ح َّق عبادتِك». 170
الحيــــــاء وحياء الإجلال هو حياء معرفة ،وعلى َح َسب معرفة العبد بر ِّبه يكون حياؤه منه. وحياء الكرم كحياء النب ِّي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى َوليم ِة َزين َب، و َط َّولوا عنده ،فقام واستحيا أن يقول لهم :انصرفوا(((. وحياء الحشمة كحياء عليِّ بن أبي طالب أن يسأل رسول الله ﷺ عن المَ ْذ ِي؛ لمكان ابنتِه ِمنه(((. وحياء الاستِحقار واستِصغار ال َّن ْفس كحياء العب ِد من ر ِّبه حين يسأله حوائجه ،احتِقا ًرا لشأن َن ْف ِسه ،واستِصغا ًرا لها. وأما حياء المح َّبة :فهو حياء المح ِّب من محبوبه ،حتى إ َّنه إذا َخ َطر على قلبه في حال َغ ْيبتِه هاج الحيا ُء من قلبه ،وأح َّس به في و ْجهه ،ولا يدري ما سببه، وكذلك َيع ِرض للمح ِّب عند ملاقاتِه محبوبه ومفاجأته له روع ٌة شديد ٌة. وأ َّما حيا ُء العبودية :فهو حياء مُ ت ِزج بين مح َّب ٍة وخوف ،ومشاهد ِة عدم صلاح عبوديته لمعبوده ،وأن َق ْد َره أعلى وأج ُّل منها ،فعبود َّيته له ُتو ِجب استحيا َءه منه لا محالة. وأ َّما حيا ُء الشرف والع َّزة :فحيا ُء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون ق ْدرها من بذل عطاء أو إحسان ،فإنه يستحيي مع َب ْذلِه حيا َء شرَ ِف َن ْف ٍس و ِع َّزة ،وهذا له سببان: ) (1أخرجه البخاري ( ،)4793ومسلم (.(1428 ) (2أخرجه البخاري ( ،)269 ،178ومسلم (.(303 171
أحدهما هذا ،والثاني :استحياؤه من الآ ِخذ ،حتى إ َّن بعض أهل الكرم لا التك ُّرم؛ حياء في َيد ُخل وهذا منه، حيا ًء لمن ُيعطيه ُتطا ِوعه َن ْف ُسه بمواجهته الآ ِخذ. لأنه يستحيي من َخ ْجل ِة وأ َّما حيا ُء المر ِء من ن ْف ِسه؛ فهو حياء ال ُّنفو ِس الشريفة العزيزة ِمن ِرضاها لن ْفسها بالنقص ،و َبي ِعها بال ُّدو ِن وهذا أكم ُل ما يكون من الحياء؛ فالعب ُد إذا استحيا من ن ْفسه؛ فهو بأن يستحيي من غيره أ ْجد ُر. [و] العبد متى َع ِلم أن الر َّب تعالى ناظ ٌر إليه أورثه هذا العل ُم حيا ًء منه، يج ِذبه إلى احتمال أعباء الطاعة ،مثل العبد إذا َع ِمل الشغل بين يدي س ِّيده، ت ِم ًال لأعبائه ،ولا س َّيما مع الإحسان فإنه يكون نشي ًطا فيه ،محُ من س ِّيده إليه، ما إذا كان غائ ًبا عن س ِّيده ،والر ُّب ومح َّبتِه لس ِّيده ،بخلاف تعالى لا َيغي ُب نظ ُره عن عبده ،ولكن يغيب نظ ُر القلب والتفا ُته إلى نظره سبحانه إلى العبد، فإن القلب إذا غاب َنظ ُره ،وق َّل التفا ُته إلى َنظ ِر الله تبارك وتعالى إليه :تو َّلد من ذلك ِق َّل ُة الحياء . وكذلك يحمله على استقباح ِجنايته ،وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء َق ْد ٌر زائ ٌد على استقباح ملاحظة الوعيد ،وهو فوقه. وأرفع درجة منه :الاستقبا ُح الحاص ُل عن المح َّبة ،فاستقباح المح ِّب أت ُّم من استقباح الخائف؛ ولذلك فإن هذا الحياء َيك ُّف العب َد أن يشتكي لغير الله، فيكون قد شكا الله إلى خ ْلقه ،ولا َيم َن ُع الشكوى إليه سبحانه ،فإن الشكوى إليه سبحانه فق ٌر ،و ِذ َّل ٌة ،وفاقة ،وعبودية ،فالحيا ُء منه لا ُينافيها. 172
الصـــــدق منزلـــــــــة ال�صــــــدق هي منزل القوم الأعظ ُم ،الذي منه تنشأ جمي ُع منازل ال َّسالكين ،والطري ُق الأقوم الذي َمن لم َيسرِ ْ عليه فهو من ال ُمنق ِطعين الهالكين ،وبه تمَ َّيز أه ُل النفاق من أهل الإيمان ،و ُس َّكان ال ِجنا ِن من أهل النيران ،وهو سيف الله في أرضه الذي ما ُو ِضع على شيء إلا َق َطعه ،ولا وا َجه باط ًال إلا أر َداه وصرَ َ عهَ ،من صال به لم ُت َر َّد صولته ،و َمن َن َطق به َع َل ْت على الخصوم َك ِلم ُته ،فهو ُروح الأعمال ،ومحَ َ ُّك الأحوال ،والحام ُل على اقتِحام الأهوال ،والباب الذي دخل منه الواصلون إلى َحضر ِة ذي ال َجلال ،وهو أساس بِناء ال ِّدين ،وعمود ُفسطاط اليقين ،ودرجته تالية لدرجة ال ُّنب َّوة التي هي أرف ُع درجات العالمين، ومن مساكنهم في ال ِجنا ِن تجري العيو ُن والأنها ُر إلى مساكن ال ِّص ِّديقين ،كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار َم َد ٌد م َّتصل و ُمعين. وقد أمر الله سبحانه أه َل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين ،وخ َّص ال ُمن َع َم عليهم بال َّنب ِّيي َن وال ِّص ِّديقي َن وال ُّشهدا ِء وال َّصالحين؛ فقال تعالى﴿ :ﭲ ﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹ﴾ [التوبة.]119: و َق َّسم الل ُه سبحانه النا َس إلى صاد ٍق ومناف ٍق؛ فقال﴿ :ﭦ ﭧﭨ ﭩﭪﭫﭬﭭ ﭮﭯﭰ﴾ [الأحزاب.]24 : والإيمان أسا ُسه الصد ُق ،والنفا ُق أسا ُسه الكذ ُب؛ فلا يجتمع ك ِذب وإيمان إلا وأحدهما محُ ا ِر ٌب للآ َخر. 173
وقال﴿ :ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬﭭ ﭮ ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ﴾ [ال ُّز َمر ]34- 33:فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصد ُق في قوله وعم ِله وحاله ،فالصدق في هذه الثلاثة. فال ِّصدق في الأقوال :استِواء ال ِّلسان على الأقوال ،كاستواء ال ُّس ْنبل ِة على ساقها ،وال ِّصدق في الأعمال :استوا ُء الأفعال على الأمر والمتابعة ،كاستواء الرأس على الجسد ،وال ِّصدق في الأحوال :استواء القلب والجوارح على الإخلاص ،واستِفراغ ال ُوسع ،وبذ ُل ال َّطاقة ،فبذلك يكون العب ُد من الذين جاؤوا بال ِّصدق ،وب َح َسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به :تكون ص ِّديق َّي ُته؛ ولذلك كان لأبي بكر ال ِّص ِّدي ِق وأرضاهُ :ذرو ُة َسنا ِم ال ِّصديق َّية ،حتى ُس ِّمي «الصدي َق» على الإطلاق ،والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق ،فأعلى مراتب الصدق :مرتبة الصديق َّية ،وهي كمال الانقيا ِد لل َّرسول ﷺ ،مع كمال الإخلاص لل ُمر ِسل. وقد أ َمر الل ُه سبحانه رسو َله أن يسأله أن يجعل ُمد َخله ومخُ َرجه على ال ِّصدق؛ فقال﴿ :ﮊﮋ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮕﮖ ﮗ﴾ [الإسراء ]80:وأخبرَ عن خليله إبراهي َم ﷺ ،أ َّنه سأله أن َهيِ َب له لسا َن ِصد ٍق في الناس ،فقال ﴿ :ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ﴾ [الشعراء.]84: وبشرَّ عبا َده بأن لهم عنده َق َد َم ِصد ٍق ،و َم ْقع َد ِصد ٍق؛ فقال تعالى﴿ :ﭣ ﭤﭥ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫ﴾ [يونس ،]2:وقال﴿ :ﭪﭫ ﭬﭭﭮ ﭯﭰﭱ ﭲﭳﭴﭵ﴾ [القمر.]55 -54: 174
الصـــــدق فهذه خمسة أشياءُ :مد َخل الصدق ،ومخُ َرج الصدق ،ولسا ُن الصدق، و َق َد ُم الصدق ،و َم ْق َع ُد الصدق. وحقيقة ال ِّصد ِق في هذه الأشياء :هو الح ُّق الثابت ،ال ُم َّت ِصل بالله ،الموصل إلى الله ،وهو ما كان به وله ،من الأقوال والأعمال ،وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة. ف ُمد َخل الصدق ،و خُم َرج الصدق :أن يكون دخو ُله وخرو ُجه ح ًّقا ثاب ًتا بالله ،وفي مرضاتِهُ ،م َّتص ًال بال َّظ َفر بال ُبغي ِة ،وحصول المطلوب ،ضد مخُ َرج الك ِذب و ُمد َخله الذي لا غاية له ُيو ِصل إليها ،ولا له ساق ثابتة يقوم عليها ،ك ُمخ َرج أعدائه يوم بدر ،ومخُ َرج الصدق ك ُمخ َرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك ُمد َخله المدينة كان ُمد َخل ِصدق بالله ،ولله ،وابتغاء مرضاة الله، فا َّتصل به التأيي ُد وال َّظ َف ُر وال َّنص ُر ،وإدرا ُك ما ط َلبه في الدنيا والآخرة ،بخلاف ُمد َخل ال َك ِذب الذي رام أعداؤه أن َي ْد ُخلوا به المدين َة يوم الأحزاب ،فإنه لم يكن بالله ،ولا لله ،بل محُ ا َّدة لله ورسوله ،فلم ي َّت ِصل به إلا ال ِخذلا ُن وال َبوا ُر. وأ َّما لسان ال ِّصدق :فهو الثنا ُء الحس ُن عليه ﷺ من سائر الأمم بالصدق، ليس ثنا ًء بال َك ِذب؛ كما قال عن إبراهيم وذر َّيته من الأنبياء والرسل﴿:ﰂ ﰃﰄ ﰅ ﰆﰇ ﰈ ﰉﰊ﴾ [مريم ]50 :والمرا ُد بال ِّلسان هاهنا: الثنا ُء ال َح َس ُن. وأ َّما َقد ُمال ِّصد ِق:ف ُفسرِّ بالج َّنة،و ُفسرِّ بمحمدﷺ،و ُفسرِّ بالأعمالالصالحة. 175
وحقيقة القدم ما ق َّدموه و ُيق ِدمون عليه يوم القيامة ،وهم ق َّدموا الأعما َل والإيما َن بمحمد ﷺ ،و ُيق ِدمون على الج َّنة التي هي جزاء ذلك. وأ َّما َمق َع ُد الصدق :فهو الجنة عند الر ِّب تبارك وتعالى. و ِو ْصف ذلك ك ِّله بالصدق ُمستل ِز ٌم ثبو َت َه واستقرا َر ُه ،وأنه ح ٌّق ،ودوا َم ُه و َنف َع ُه ،وكمال عائدته ،فإنه ُم َّت ِص ٌل بالحق سبحانه ،كائن به وله. قال عبد الواحد بن زيد« :الصدق :الوفاء لله بالعمل». وقيلُ :موا َفقة السرِِّّ ال ُّنط َق. وقيل :استواء الس ِّر والعلانية ،يعني أن الكاذب علاني ُته خي ٌر من سريرته، كالمنافق الذي ظاه ُره خير من باطنه. إن الصاد َق مطلو ُبه رضا ر ِّبه ،وتنفي ُذ أوامره ،وتت ُّبع محا ِّبه ،فهو ُمتق ِّلب فيها يسير معها أين تو َّجهت ركائ ُبها ،و َيستق ُّل معها أين استق َّلت مضاربهُ ا، َف َب ْي َنا ُه َو في َصلاَ ٍة إِ ْذ رأي ْته في ِذ ْك ٍر ُث َّم فيِ َغ ْز ٍو ،ثم في َح ٍّج ،ثم في إحسان لل َخلق بالتعليم وغيره ،من أنواع النفع ،ثم في أم ٍر بمعروف ،أو نهَ ي عن ُمنكر ،أو في قيام بسبب فيه عمارة لل ِّدين والدنيا ،ثم في عيادة مريض ،أو تشييع جنازة ،أو نصر مظلوم -إن أمكن -إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع. لا َيم ِلكه رس ٌم ولا عادة ولا َو ْض ٌع ،ولا يتق َّيد بقيد ولا إشارة ،ولا بمكان معينَّ لا يصليِّ إلاَّ فيه ،وز ٍّي ُمعينَّ لا َيل َبس سواه ،وعبادة ُمع َّينة لا َيلت ِفت إلى غيرها ،مع فض ِلها عليها في الدرجة ،و ُب ْع ِد ما بينهما ك ُب ْعد ما بين السماء 176
الصاـلـــ�ـصــدـــقدق والأرض؛ فإن البلا َء والآفا ِت والريا َء والتص ُّنع ،وعباد َة ال َّنف ِس ،وإيثا َر ُمرا ِدها ،والإشار َة إليها :كلها في هذه الأوضاع ،والرسوم والقيود ،التي َح َبس ْت أربابهَ ا عن السير إلى قلوبهم ،فض ًال عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى ،فإذا خرج أح ُدهم عن رس ِمه ووض ِعه وز ِّيه وقي ِده وإشارته -ولو إلى أفضل منه -اس َته َجن ذلك ،ورآه نق ًصا ،وسقو ًطا من أعين الناس، وانحطا ًطا ل ُرتبته عندهم ،وهو قد انح َّط و َس َقط من عين الله. وأي ًضا ف َحمل الصدق ك َحمل الجبال ال َّرواسي ،لا ُيطي ُقه إلاَّ أصحا ُب العزائم ،فهم يتق َّلبون تحته تق ُّلب الحماَّ ل بحمله الثقيل ،والرياء والكذب خفيف كالريشة ،لا يجد له صاحبه ثِ َق ًال الب َّتة ،فهو حام ٌل له في أي موضع ا َّت َفق ،بلا تعب ولا مش َّقة ولا ُك ْلفة ،ولا يتق َّلب تحت حمِ له ولا يجد ثِ َقله. 177
منزلـــــــة الإيثــــــار قال الله تعالى في مدح أه ِله﴿ :ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ﴾ [الحشر]9 :؛ فالإيثار ض ّد ال ُّشح؛ فإ َّن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه. قال عبد الله بن المبارك « :سخاء ال َّن ْف ِس عماَّ في أيدي النا ِس أفض ُل ِمن سخاء ال َّن ْف ِس بال َبذل». وهذا المنزل :هو منزل الجو ِد والسخاء والإحسان. وس ِّمي بمنزل «الإيثار»؛ لأنه أعلى مراتبِه؛ فإ َّن المراتب ثلا ٌث: أحدها :أن لا ينقصه الب ْذل ،ولا يص ُع ُب عليه ،فهو منزلة «السخاء». الثانية :أن يعطي الأكثر ،و ُيب ِق َي له شي ًئا ،أو يبق َي مث َل ما أعطى ،فهو «ال ُجود». الثالثة :أن يؤثر غي َره بالشيء مع حاجته إليه ،فهي مرتبة «الإيثار»، وعك ُسها «الأ َثرة» وهو استِ ْئثا ُره عن أخيه بما هو محتاج إليه ،وهي المرتبة التي قال فيها رسو ُل الله ﷺ للأنصار « :إ َّن ُكم س َت ْل َق ْو َن َب ْعدي أ َثر ًة، فاصبرِ ُوا ح َّتى َت ْل َق ْوني على ال َح ْو ِض»((( .وكان َقي ُس بن سعد ب ِن ُعباد َة من الأجواد المعروفين ،حتى إ َّنه م ِرض م َّر ًة فاستبطأ إخوا َنه في العيادة ،فسأل عنهم ،فقالوا« :إنهم يستحيون م َّما لك عليهم من ال َّدين ،فقال :أخزى الل ُه ما ًال َيمنع الإخوا َن من الزيارة ،ثم أ َم َر مناد ًيا ُيناديَ :من كان ل َقي ٍس عليه ما ٌل فهو منه في ِح ٍّل ،فما أمسى حتى ُكسرِ َ ْت عتب ُة بابه؛ ل َكثرة َمن عا َده». ) (1أخرجه البخاري ( )3793واللفظ له ،ومسلم (.(1059 178
الإيثـــــــار فتأ َّمل س َّر التقدير ،حيث ق َّدر الحكي ُم الخبير -سبحانه -استئثا َر الناس على الأنصار بالدنيا -وهم أهل الإيثار-؛ ليجاز هَيم على إيثارهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في ج َّنات ع ْد ٍن على الناس ،فيظهر حينئذ فضيل ُة إيثا ِرهم ودرج ُته و َيغبِ ُطهم َم ِن استأثر عليهم بالدنيا أعظ َم ِغبط ٍة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فإذا رأي َت الناس يستأثرون عليك -مع كونك من أهل الإيثار-؛ فاعلم أ َّنه الخير يراد بك. مراتب الجود: وال ُجود َعش ُر مرات َب: إحداها :الجود بالن ْفس ،وهو أعلى مراتبِه ،كما قال الشاعر: يجَ ُو ُد بال َّن ْف ِس ،إ ْذ َض َّن ال َبخي ُل بها وال ُجو ُد بال َّن ْف ِس أ ْقصىَ غاي ِة ال ُجو ِد الثانية :الجود بالرياسة ،وهو ثاني مرات ِب الجود ،فيحمل الجوا َد ُجو ُده على امتهان رياسته ،وال ُجو ِد بها ،والإيثار في قضاء حاجات الملت ِمس. الثالثة :الجود براحتِه و َرفاهيته ،وإجما ِم ن ْف ِسه ،فيجود بها تع ًبا وك ًّدا في مصلحة غي ِره ،ومن هذا جو ُد الإنسا ِن ب َنو ِمه ول َّذتِه ل ُمسا ِمره ،كما قيل: ُم َت َّيـ ٌم بال َّنــ َدى لـو قـال سائِ ُلــ ُه َه ْب لي جمَ ي َع َك َرى َع ْي َن ْي َك ،ل ْم َي َن ِم 179
الرابعة :الجود بال ِعلم و َب ْذلِه. ومن الجود به :أن َتب ُذ َله لمَن لم يسأ ُلك عنه؛ بل َتط َر َحه عليه ط ْر ًحا. ومن الجود به :أن السائل إذا سألك عن مسألة؛ استقصي َت له جوابهَ ا جوا ًبا شاف ًيا ،لا يكون جوا ُبك له بق ْدر ما َتد َف ُع به الضرَّ ورة ،كما كان بع ُضهم يك ُت ُب في جواب الفتيا« :نعم» ،أو« :لا» .مقتصرًِ ا عليها. وقد شاهد ُت من شيخ الإسلام اب ِن تيم َّي َة في ذلك أم ًرا عجي ًبا؛ كان إذا ُسئل عن مسألة ُحكم َّي ٍة ،ذكر في جوابها مذاه َب الأئ َّم ِة الأربعة -إذا َق ِد َر عليه ،-ومأخ َذ الخلاف ،وترجي َح القو ِل الراجح ،وذك َر متعلقات المسأل ِة التي ربما تكون أنف َع للسائل من مسألته ،فيكون فر ُحه بتلك المتعلقات وال َّلواز ِم أعظ َم من فر ِحه بمسألته. الخامسة :الجود بال َّنفع بالجاه ،كال َّشفاع ِة والمش ِي مع ال َّرجل إلى ذي سلطان ونحوه. السادسة :الجود بنفع البدن على اختلاف أنوا ِعه ،كما قال ال َّنب ُّي ﷺ: « ُيصبِ ُح على ُك ِّل ُسلاَ مى ِمن أ َح ِد ُكم َص َدق ٌةُ ،ك َّل َيو ٍم َتط ُل ُع فيه ال َّشم ُس، َي ْع ِد ُل بينْ اث َنينْ ِ َص َدق ٌة ،و ُتعي ُن ال َّر ُج َل في دا َّبتِه ،ف َت ْح ِم ُله ع َليها ،أو َير َف ُع له ع َليها َمتا َع ُه َص َدق ٌة ،وال َك ِلم ُة ال َّط ِّيب ُة َص َدق ٌة ،وب ُك ِّل ُخ ْطو ٍة َي ْمشيها ال َّر ُج ُل إلى ال َّصلا ِة َص َدق ٌة ،و ُي ِمي ُط الأذى ع ِن ال َّطري ِق َص َدق ٌة»(((. ((( أخرجه البخاري ( ،)2989ومسلم (.)1009 180
الإيثـــــــار السابعة :الجود بال ِعرض ،ك ُجود أبيِ َض ْم َض ٍم من ال َّصحابة ،كان إذا أص َب َح قال :ال َّله َّم إ َّنه لا ما َل لي فأتصد ُق بِه على ال َّنا ِس ،وقد َتص َّد ْق ُت عليهم ب ِعرضي ،ف َمن ش َت َمني ،أو ق َذ َفني :فهو في ِح ٍّل. وفي هذا الجود من سلامة الصدر ،وراح ِة القلب ،والتخ ُّل ِص من معاداة الخ ْلق ما فيه. الثامنة :الجود بالصبر ،والاحتمال ،والإغضا ِء ،وهذه مرتبة شريف ٌة ِمن مراتبه ،وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال. ف َمن ص ُع َب عليه الجو ُد بماله فعليه بهذا الجو ِد؛ فإ َّنه يجتني ثمر َة عواقبِه الحميد ِة في ال ُّدنيا قبل الآخرة ،وهذا جود ال ُفت َّوة. التاسعة :الجود بال ُخلق والبِشر وال َبسطة ،وهو فو َق الجود بالصبر، والاحتمال والعفو ،وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم. والعبد لا يمكنه أن ي َس َع النا َس بماله ويمك ُنه أن ي َس َعهم ب ُخ ُلقه واحتماله. العاشرة :الجود بتركه ما في أيدي النا ِس عليهم ،فلا يلتفت إليه ،ولا َيستش ِرف له بقلبه ،ولا يتع َّرض له بحاله ،ولا لسانِه ،وهذا هو الذي قال عبد الله بن المبارك :إ َّنه من جود الب ْذل. ولك ِّل مرتب ٍة من مراتب الجود مزيد وتأثي ٌر خا ٌّص في القلب والحال، والله سبحانه قد ض ِمن المزي َد للجواد ،والإتلا َف لل ُم ْم ِسك ،والله المستعان. 181
منزلــــــــــة ال ُخلـــــــ ُق قال الله تعالى لنب ِّيه ﷺ﴿ :ﮛﮜ ﮝﮞ﴾ [القلم.]٤ : والمعنى :إ َّنك َلعلى الخُ ُلق الذي آث َرك الله به في القرآن. وقد ج َمع الله له مكار َم الأخلاق في قوله تعالى﴿ :ﭵﭶﭷﭸﭹ ﭺﭻ﴾ [الأعراف.]199 : قال أن ٌس « :ما َم ِس ْس ُت ِديبا ًجا ولا َحري ًرا أ ْلينَ َ ِمن َك ِّف َرسو ِل الله ﷺ ،ولا َش ِم ْم ُت را ِئح ًة َق ُّط أ ْط َي َب ِمن را ِئح ِة َرسو ِل الله ﷺ .ول َق ْد َخ َد ْم ُت لمِ َ ْ ٍء لِشيَ ِسنِي َن ،فما قال َف َع ْل ُته: ولا قال لي َق ُّطُ :أ ٍّف، أ ْف َع ْل ُه :ألا َف َع ْل َت َ َعشرْ َرسو َل الله ﷺ عليه(((. كذا؟» متفق ٍء لمَ َف َع ْل َته؟ ولا لشيَ ْ ال ِّدين كله ُخلق ،ف َمن زا َد عليك في الخُلق ،زا َد عليك في ال ِّدين. وقد قيل :إ َّن حسن الخُلق :بذ ُل الندى ،وك ُّف الأذى ،واحتما ُل الأذى. و ُحسن الخُلق يقو ُم على أربعة أركان لا ُيتص َّور قيا ُم ساقه إلا عليها: الصبر ،وال ِع َّفة ،والشجاعة ،والعدل. فالصبر يحَ ِم ُله على الاحتمال وك ْظ ِم الغيظ ،وك ِّف الأذى ،وال ِحل ِم والأنا ِة وال ِّرفق ،وعد ِم ال َّطيش والعجلة. ((( أخرجه البخاري ( ،)1973ومسلم (.)2330 182
ال ُخــــــ ُلق والع َّفة تحمله على اجتناب ال َّرذائ ِل والقبائ ِح من القول والفعل ،وتحَ ِمله على الحياء ،وهو رأس ك ِّل خير ،وتمنعه من الفحش ،والبخ ِل والكذب، وال ِغيبة والنميمة. والشجاعة تحَ ِم ُله على ع َّز ِة النَّ ْفس ،وإيثا ِر معالي الأخلاق وال ِّش َيم ،وعلى ال َب ْذل والنَّدى ،الذي هو شجاع ُة النَّ ْفس وق ّوَتهُ ا على إخراج المحبوب ومفارقته. والعدل يحَ ِم ُله على اعتدال أخلاقه ،وتو ُّس ِطه فيها بين طرفيَ ِ الإفرا ِط والتفريط؛ ف َيح ِم ُله على ُخ ُلق الجود وال َّسخاء الذي هو تو ُّس ٌط بينْ الإمساك والإسرا ِف والتبذير ،وعلى ُخ ُلق الحياء الذي هو تو ُّس ٌط بين ال ُّذ ِّل وال ِق َحة، وعلى ُخ ُلق الشجاع ِة الذي هو تو ُّس ٌط بين ال ُجبن وال َّته ُّور ،وعلى ُخ ُلق ال ِحلم الذي هو تو ُّس ٌط بين الغضب والمهان ِة وسقو ِط الن ْفس. ومنشأ جمي ِع الأخلاق الفاضل ِة من هذه الأربعة. ومنشأ جميع الأخلاق السافلة ،وبناؤها على أربعة أركان :الجهل ،والظلم، والشهوة ،والغضب. فالجهل ُيريه الحس َن في صورة القبيح ،والقبي َح في صورة الحسن ،والكما َل نق ًصا ،والنَّق َص كما ًال. وال ُّظ ْلم يحَ ِم ُله على وضع الشيَّ ِء في غير موض ِعه ،ف َيغ َض ُب في موضع ال ِّرضا ،و َيع َج ُل في موضع الأناة ،و َيب َخ ُل في موضع الب ْذل ،ويحجم في موضع الإقدام ،و ُيق ِد ُم في موضع الإحجام ،و َي ِلي ُن في موضع ال ِّش َّدة ،ويشت ُّد 183
في موضع ال ِّلين ،ويتواضع في موضع ال ِع َّزة ،ويتكبرَّ ُ في موضع ال َّتواضع. والشهوة تحَ ِم ُله على ال ِحرص وال ُّش ِّح والبخل ،وعد ِم الع َّف ِة ،والنَّهمة والجشع ،وال ُّذ ِّل وال َّدناءا ِت ك ِّلها. والغضب يحَ ِم ُله على الكبر ،والحق ِد ،والحسد ،والعدوا ِن ،وال َّس َفه. ويتر َّك ُب ِمن بين ك ِّل ُخ ُلقي ِن ِمن هذه الأخلاق أخلا ٌق مذمومة. و ِملاك هذه الأربع ِة أصلان :إفرا ُط النَّ ْفس في ال َّضعف ،وإفرا ُطها في الق َّوة. يتو َّل ُد من إفراطها في الضعف :المهانة ُ،والبخل ،وال ِخ َّس ُة واللؤم ،والذ ُّل، وال ِحرص ،والش ُّح ،و َسفساف الأمور ،والأخلاق. ويتو َّل ُد من إفراطها في الق َّوة :الظل ُم والغضب وال ِح َّدة ،وال ُفح ُش والبطش. ويتو َّلد ِمن تز ُّو ِج أحد الخُ ُلقي ِن بالآ َخ ِر أولا ُد ِغ َّية كثيرون؛ فإ َّن الن ْفس قد تجمع ق َّو ًة وضع ًفا ،فيكون صاح ُبها أجب َر الناس إذا قدر ،وأذلهَّ م إذا ُق ِهر، ظالمِ عسو ٌف ج َّبار ،فإذا ُقهر صار أذ َّل ِمن امرأة جبان عن القوي ،جريء على الضعيف. فالأخلاق الذميمة :يو ِّلد بع ُضها بع ًضا ،كما أن الأخلاق الحميد َة :يو ِّلد بع ُضها بع ًضا. وك ُّل ُخ ُل ٍق محمو ٍد مكتنَ ٌف ب ُخ ُلقي ِن َذمي َمي ِن ،وهو و َس ٌط بينهما ،وط َرفاه ُخ ُلقان ذميمان ،كالجود :الذي يكتنفه ُخ ُل َقا البخل وال َّتبذير ،والتواضع الذي 184
ال ُخــــــــ ُلق يكتنفه ُخ ُل َقا الذ ِّل والمهانة ،والكبر والعلو. فإن النَّ ْفس متى انحرف ْت عن التو ُّس ِط انحرفت إلى أحد الخُ ُلقين الذميمين ولا بد. فإذا انحرفت عن خ ُلق التواض ِع انحرفت :إ َّما إلى ِكبرْ ٍ وعل ٍّو ،وإ َّما إلى ذ ٍّل و َمهان ٍة وحقارة. وإذا انحرف ْت عن ُخ ُلق ال ِحلم انحرفت :إما إلى ال َّطيش والن َزق وال ِح َّد ِة والخفة ،وإ َّما إلى الذ ِّل والمهانة والحقارة ،فف ْر ٌق بينْ َمن ِح ْل ُمه ِح ْل ُم ذ ٍّل ومهان ٍة وحقارة وعجز ،وبينْ َمن ِح ْل ُمه ِح ْل ُم اقتدا ٍر وع َّز ٍة وشرف. وإذا انحرفت عن ُخ ُلق الأنا ِة وال ِّرفق انحرفت :إ َّما إلى عجل ٍة و َطيش و ُعنف ،وإ َّما إلى تفريط وإضاعة ،وال ِّرف ُق والأناة بينهما. وإذا انحرفت عن ُخ ُلق الشجاعة انحرفت :إ َّما إلى ته ُّو ٍر وإقدا ٍم غي ِر محمود ،وإ َّما إلى جبن وتأ ُّخ ٍر مذمو ٍم. وصاحب الخ ُلق ال َو َسطَ :مهي ٌب محبوب ،عزي ٌز جان ُبه ،حبي ٌب لقاؤه. 185
�سبل تهذيب الأخلاق [هذا] فصل نافع جد ًا عظيم النفع للسالك ،يوصله عن قريب ،ويسيرِّ ه بأخلاقه التي لا يمكنه إزال ُتها؛ فإ َّن أصعب ما على الطبيعة الإنسان َّي ِة تغيي ُر الأخلاق التي ُطبع ْت عليها ،وأصحا ُب ال ِّرياضات الصعب ِة والمجاهدات الشاقة إ َّنما ع ِملوا عليها ،ولم َيظ َف ْر أكث ُرهم بتبديلها ،لكن النفوس اشتغلت بتلك ال ِّرياضات عن ظهور سلطانها ،فإذا جاء سلطا ُن تلك الأخلاق وبرز كسرَ جيو َش الرياضة وش َّتتها ،واستولى على مملكة الطبع. وهذا فص ٌل يص ُل به السالك مع تلك الأخلاق ،ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتِها ،ويكون َسيرْ ُ ه أقوى وأ َج َّل وأسر َع من َسير العامل على إزالتها. ونق ِّد ُم قبل هذا مث اًل نض ِر ُبه ،مطاب ًقا لمِا ُنريده ،وهو :نه ٌر جا ٍر في صببه ومنحد ِره ،و ُمنت ٍه إلى تغريق أر ٍض وعمران ودو ٍر ،وأصحابهُ ا يعلمون أ َّنه لا ينتهي حتى يخ ِّرب دو َرهم ،و ُيت ِل َف أراض َيهم وأموالهَ م ،فانقسموا ثلا َث فِ َر ٍق: فرقة صرف ْت قواها وقوى أعمالها إلى َس ْكره وحب ِسه وإيقافه ،فلا تصنع هذه الفرق ُة كبي َر أمر؛ فإ َّنه يوشك أن يجتم َع ثم يحمل على ا َل َّس ْك ِر ،فيكون إفسا ُده وتخري ُبه أعظ َم. وفرق ٌة رأت هذه الحالة ،وع ِلم ْت أ َّنه لا ُيغني عنها شي ًئا ،فقالت :لا خلاص من محذوره إلا بقط ِعه من أصل ال َينبوع ،فرام ْت قط َعه من أصله ،فتع َّذر عليها 186
تهذيب الأخلاق ذلك غاي َة ال َّتع ُّذر ،وأ َب ِت الطبيع ُة النَّهري ُة عليهم ذلك أش َّد الإباء ،فهم دائ اًم في قطع ال َينبوع ،وك َّلما س ُّدوه ِمن موضع َن َب َع ِمن موضع ،فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النَّهر عن الزراعات والعمارا ِت وغر ِس الأشجار. فجاءت فرق ٌة ثالثة خالف ْت رأي الفرقتين ،وع ِلموا أنهَّ م قد ضاعت عليهم كثي ٌر من مصالحهم ،فأخذوا في صر ِف ذلك النه ِر عن مجَ راه المنتهي إلى خراب العمران ،وصرفوه إلى موض ٍع ينتفعون بوصوله إليه ،ولا يتض َّررون به، فصرفوه إلى أر ٍض قابلة للنبات ،وس َقوها به ،فأنبت ْت أنوا َع ال ُعشب والكل ِأ والثمار المختلفة الأصناف ،فكانت هذه الفرق ُة هي أصو َب ال ِف َر ِق في شأن هذا النهر. فإذاتبينَّ هذاالم َثل،فاللهسبحانهاقتض ْتحكم ُتهأن َر َّكبالإنسا َن-بلسائ َر الحيوا ِن -على طبيعة محمول ٍة على ق َّوتين :غضب َّية ،وشهوانية وهي الإرادية. وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الن ْف ِس وصفاتهِ ا ،وهما مركوزتان في ِجبِ َّلة ك ِّل حيوان ،فبق َّوة الشهو ِة والإرادة يجَ ذ ُب المناف َع إلى ن ْف ِسه ،وبق َّو ِة الغضب يدفع المضا َّر عنها. فإذا تبينَّ هذا فالنهر مثا ُل هاتين الق َّوتين ،وهو منص ٌّب في جدول الطبيعة ومجَ راها إلى ُدور القلب وعمرانه وحواص ِلهُ ،يذ ِه ُبها و ُيت ِل ُفها ولا بد ،فال ُّنفو ُس الجاهل ُة ال َّظالم ُة ترك ْته ومجراه ،فخ َّرب ديا َر الإيمان ،وق َلع آثا َره ،وه َدم عمرا َنه، وأنب َت موض َعها ك َّل شجر ٍة خبيثةِ ،من حنظل وضرَ ي ٍع و َشوك و َز ُّقوم ،وهو الذي يأك ُله أه ُل النار يو َم المعاد. 187
وأ َّما النُّفو ُس ال َّزك َّي ُة الفاضلة :فإنهَّ ا رأ ْت ما يؤول إليه أم ُر هذا النهر، فافترقوا ثلا َث فِ َرق: فأصحاب الرياضات والمجاهدات ،والخلوا ِت والتمرينات را ُموا ق ْط َعه من َينبوعه ،فأ َب ْت ذلك حكم ُة الله تعالى ،وما ط َبع عليه ال ِجبِ َّل َة البشرية ،ولم َتن َق ْد له الطبيعة ،فاشت َّد القتال ،ودام الحرب ،وحم َي ال َوطي ُس ،وصارت الحرب ُد َو اًل و ِسجا اًل ،وهؤلاء صرفوا ُقواهم إلى مجاهدة النَّ ْف ِس على إزالة تلك الصفات. وفرق ٌة أع َرضوا عنها ،و َشغلوا نفو َسهم بالأعمال ،ولم يجُ يبوا دواعي تلك ال ِّصفا ِت مع تخليتهم إ َّياها على مجَ راها ،لكن لم يم ِّكنوا نه َرها من إفساد عمرانهم ،بل اشتغلوا بتحصين العمران ،وإحكا ِم بنائه وأسا ِسه ،ورأ ْوا أن ذلك النَّه َر لا ب َّد أن يصل إليه ،فإذا وصل وصل إلى بنا ٍء محُ َك ٍم لم َهي ِد ْمه ،بل فصه َؤرلفاوءهاصفَريفقواطقع َّواَةلماعَّد ِةزيالمتفاهمسدوِةإرمادتنهِ م في العمارة، وشما ًال، يأ ُخ ُذ عنه يمينًا أصلها ،خو ًفا وأولئك وإحكا ِم البناء، من هدم البناء. وسأل ُت يو ًما شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة عن هذه المسألة ،وقط ِع الآفات، والاشتغا ِل بتنقية ال َّطري ِق وتنظيفها؟ فقال لي في جملة كلامه« :النَّ ْف ُس مثل البا ُطوس -وهو ُج ُّب ال َق َذر -ك َّلما نبش َته ظ َهر وخرج ،ولكن إ ْن أمكنك أن َتس ُق َف عليه ،و َت ْعبرُ َه وتجَ وزه فاف َع ْل، ولا تشت ِغ ْل بنبشه؛ فإ َّنك لن تصل إلى قراره ،وكلما نب ْش َت شي ًئا ظه َر غي ُره». 188
تهذيب الأخلاق فقل ُت :سأل ُت عن هذه المسأل ِة بع َض ال ُّشيو ِخ فقال لي« :مثا ُل آفا ِت النَّ ْف ِس مثا ُل الح َّيا ِت والعقار ِب التي في طريق المسافر ،فإ ْن أقبل على تفتيش الطريق عنها ،والاشتغا ِل بق ْت ِلها انقطع ،ولم ُيم ِكنْه السف ُر ق ُّط ،ولكن لت ُك ْن ه َّم ُتك ال َمسي َر ،والإعرا َض عنها ،وعد َم الالتفات إليها ،فإذا ع َرض لك فيها ما َيعوقك عن ال َمسي ِر فاق ُت ْله ،ث َّم ام ِض على َسيرك»؛ فاستح َس َن شي ُخ الإسلام ذلك ج ًّدا ،وأثنى على قائله. إذا تبين هذا ،فهذه الفرق ُة الثالثة :رأ ْت أ َّن هذه ال ِّصفا ِت ما ُخل َق ْت ُس ًدى ولا عب ًثا ،وأنهَّ ا بمنزلة ما ٍء ُيسقى به الورد ،والشوك ،وال ِّثما ُر، والحطب ،وأنهَّ ا صوان وأصدا ٌف لجواه َر منطوي ٍة عليها ،وأ َّن ما خا َف منه أولئك هو ن ْف ُس سب ِب الفلاح وال َّظ َفر ،فرأ ْوا أ َّن ال ِكبرْ َ نه ٌر يسق َى به العل ُّو والفخر ،وال َب َط ُر وال ُّظ ْل ُم والعدوان ،ويسق َى به عل ُّو اله َّمة، والأ َنفة ،والحَ ِم َّية ،والمراغم ُة لأعداء الله ،وقه ُرهم والعل ُّو عليهم ،وهذه د َّر ٌة في ص َدفته ،فص َرفوا مجراه إلى هذا ال ِغراس ،واستخرجوا هذه الد َّر َة من صدفته ،وأبقوه على حاله في نفوسهم ،لك ِن استعملوه حيث يكون استعما ُله أنف َع ،وقد رأى النَّب ُّي ﷺ أبا ُد َجان َة َيت َب ْخترَ ُ بينْ ال َّص ّفَينْ ِ ،فقال: «إ َّهنا لمَِ ْشي ٌة ُي ْب ِغ ُضها الله ،إلاَّ في ِم ْث ِل هذا ال َمو ِض ِع»(((. فانظر كيف خلىَّ مجرى هذه ال ِّصف ِة وهذا الخُل ِق يجري في أح َس ِن مواضعه، [و] كيفصار ِتال ِّصف ُةالمذموم ُةعبود َّي ًةوكيفاستحا َلالقاط ُعموص ًال. ((( أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ( .)154/3 189
فصا ِح ُب ال ِّرياضات ،والعام ُل على ق ْطع أصو ِل هذه ال ِّصفات مجته ٌد على قطع ما َّد ِة الخيلاء وال ِكبر ،وهذا قد أق َّرها في موضعها وأ َع َّدها لأقرانها ،وهو مص ِّر ٌف لها في َمصرف ُيعينه على مطلبه و ُيوصله إليه. وكذلك ُخلق الحسد؛ فإ َّنه لا ُيذ ُّم ،وهو كالصدفة لدرة ال ِغبطة والمنافسة، كما قال النبي ﷺ« :لا َح َس َد إلاَّ في اثنَ َتينْ ِ َ :ر ُج ٍل آتا ُه اللهُ مالاً ،ف َس َّل َطه على َه َل َكتِه في ال َح ِّق ،و َر ُج ٍل آتا ُه الل ُه ال ُقرآ َن ،فهو َي ُقو ُم به آنا َء ال َّلي ِل وأطرا َف النَّها ِر»(((. فالحسد ُيوصل إلى المنافسة التي يح ُّبها الله ويأمر بها في قوله﴿ :ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [المطففين]62 :؛ فلا تعمل على إعدام هذا الخُلق من ن ْفسك ،بل احرفه إلى الحسد المحمو ِد الحامل على المنافسة في ال ُّر َتب العالية، وتزاحم أهلها بالركب ،لا تتم َّن زوال نعمة الله عن عبده فتزول عنك ويبقيها عليه. وكذلك ُخلق ال ِحرص؛ فإ َّنه من أنفع الأخلاق وأوص ِلها إلى ك ِّل خير، وشد ُة الطلب بح َسب ق َّوة الحرص ،فلا َتعم ْل على ق ْطعها ولكن علقها بما ينفع النف َس في معادها ،ويكملها ويز ِّكيها ،كما قال ﷺ« :ا ْح ِر ْص على ما َين َف ُع َك ،واس َت ِع ْن باللهِ ولا َت ْع ِج ْز»(((. فقوة الحرص لا ُت َذ ُّم ،وإنما ُيذم صرَ ُفها إلى ما يض ُّر الحر ُص عليه أو لا ينفع ،وغي ُره أنف ُع للعبد منه. ((( أخرجه البخاري ( ،)73ومسلم (.)816 ((( أخرجه مسلم (.)2664 190
تهذيب الأخلاق وكذلك ق َّوة الشهوة ِمن أنفع ال ُق َوى للعبد وأوص ِلها إلى كماله وسعادتِه؛ فإنها ُتثمر المح َّب َة ،وبح َسب شهوة العبد للكمال يكون طل ُبه له ،وبح َسب ق َّو ِة شهوته لِ َل َّذ ِة العيش ووصا ِل الأح َّب ِة وق َّر ِة العين يكون طل ُبه لذلك في الجنة ،وإ ْن كان مؤمنًا بها موقنًا مص ِّد ًقا؛ ف ِصد ُق الشهوة وق ّوَتهُ ا يحَ ِم ُله على بيع مشتهى أعلى منه وأج ّل وأرفع. وهذه قاعدة م َّطرد ٌة في جميع ال ِّصفات والأخلاق ،فال ُّر ُسل صلوات الله وسلا ُمه عليهم جاؤوا بص ْرفها عن مجاريها المذموم ِة إلى مجا ٍر محمودة ،وجاؤوا بصر ِف ق َّو ِة ال َّشهو ِة إلى النِّكاح وال َّتسري ،حتى كان ل ُسليما َن مائ ُة امرأة، ولداو َد تس ٌع وتسعون ،وج َمع الرسو ُل ﷺ بين تسع ،وأباح للأ َّم ِة أرب ًعا ممَّا طاب من النساء ،و ِمن السراري بلا حصر؛ ص ْر ًفا لق َّو ِة هذه ال َّشهو ِة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يح ُّبه الله ،وهو أح ُّب إليه ِمن َن ْف ِل العبادة عند أكث ِر الفقهاء. ولذلك جاؤوا بصرف قوة الغضب َّية إلى جهاد أعداء الله ،وال ِغلظ ِة عليهم والانتقام منهم. وكذلك شهوة استما ِع الأصوا ِت المطربة ال َّلذيذ ِة لا ُي َذ ُّم بل يحُ َمد ،وقد وقف النب ُّي ﷺ على أبي موسى الأشعر ِّي واستمع إلى قراءته ،وقال« :لقد ُأو يِ َت ِم ْزما ًرا ِمن َمزا ِمي ِر آ ِل دا ُودَ»((( ،وكان ُعم ُر بن الخ َّطاب يأ ُم ُره إذا ((( أخرجه البخاري ( ،)5048ومسلم ( .)793 191
حضر ِعن َده مع الصحابة أن ُيس ِم َعهم قراء َته ،فيقرأ و ُهم يسمعون ،هذا كان سما َع القوم ،ف َمن ح َّرم هذا ال َّسما َع أو من ك ِر َهه؟ وهل هذا إلاَّ َسما ُع خوا ِّص الأولياء؟ فأين هذا من سماع ال ُمكا ِء وال َّتصدي ِة وقرآن الشيطان ،وآلا ِت المعازف بنغمات الناشد؟ فلا ب َّد لل ُّروح من سما ٍع طي ٍب تتغ َّذى به ،ولكن لا يستوي َمن غذاؤه العس ُل والحلوى والط ِّيبات ،و َمن غذاؤه الرجيع وال َميت ُة وال َّد ُم ولحم الخنزير وما ُأ ِه َّل به لغير الله ،ويا عج ًبا! إ ْن كان أ ْه ُل هذا لا يرون آثاره على شفاههم ووجوههم ،أفلا َيس َتحون من معاينة أربا ِب البصائر ذلك عليهم؟! والمقصود :أ َّن رسوم الطبيعة و ُقواها لا يمكن تعطي ُلها في دار الابتلاء والامتحان ،فالبصير العار ُف َيستع ِم ُلها في مواضعها النافع ِة له ،التي لا تحرم عليه دينًا ،ولا تقطع عليه طري ًقا ،ولا ُتف ِسد عليه حاله مع الله ،ولا ُتس ِقطه من عينه. فإن قلت :هل يمكن أن يكون الخُ ُل ُق كسب ًّيا ،أو هو أم ٌر خارج عن الكسب؟ قلت :يمكن أن يقع كسب ًّيا بال َّتخ ُّلق وال َّتك ُّلف؛ حتى يصي َر له َسج َّي ًة وم َلك ًة، وقد قال النب ُّي ﷺ لأ َش ِّج عب ِد ال َقيس « :إ َّن في َك لخ َُ ُل َقينْ ِ ُحيِ ُّب ُهما الله :ال ِح ْل ُم، والأنا ُة» ،فقال :أ ُخ ُل َقينْ ِ تخَ َّل ْق ُت بهما ،أ ْم َج َب َلني الله ع َلي ِهما؟ فقال« :ب ْل َج َب َل َك الله ع َلي ِهما» .فقال :ال َحم ُد لله ا َّلذي َج َب َلني على ُخ ُل َقينْ ِ يحُ ِ ُّب ُهما الله و َرسو ُله(((. ((( أخرجه مسلم ( ،)17إلى قوله« :ال ِحلم والأناة» ،وأخرج باقيه أبو داود ( .)5225 192
تهذيب الأخلاق فد َّل على أن من ال ُخلق :ما هو طبيعة و ِجبِ َّلة ،وما هو مكت َسب ،وكان النب ُّي ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح« :ال َّله َّم ا ْه ِدني لأ ْح َس ِن الأخلا ِق ،لا َه ْيدي لأ ْح َسنِها إلاَّ أن َت ،واصرْ ِ ْف ع ّنِي َس ِّي َئها ،لا َيصرْ ِ ُف عنِّي َس ِّي َئها إلاَّ أن َت»(((، فذكر الكسب وال َق َدر. مشاهد العبد فيما يصيبه من أذى الخلق: وهاهنا للعبد أح َد عشرَ َ مشه ًدا فيما ُيصيبه من أذى الخ ْلق وجنايتِهم عليه: أحدها :مشهد الق َدر ،وأ َّن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضا ِئه وق َدره ،يراه كال َّتأ ِّذي بالح ِّر والبرد ،والمر ِض والألم. المشهد الثاني :مشهد ال َّصب ِر ،ف َيش َه ُده ويشه ُد وجو َبه ،و ُحس َن عاقبتِه، وجزا َء أهله ،وما يتر َّت ُب عليه من ال ِغبطة والسرور. المشهد الثالث :مشهد العفو والصف ِح وال ِحلم ،فإ َّنه متى ش ِهد ذلك وف ْض َله وحلاوته و ِع َّزته :لم َيع ِد ْل عنه إلا لغ َب ٍش في بصيرته. المشهد الرابع :مشهد الرضا ،وهو فو َق مشهد العف ِو وال َّصف ِح ،وهذا لا يكون إلاَّ للنفوس المطمئنة ،س َّيما إن كان ما ُأصيب ْت به سببه القيام لله ،فإن كان ما ُأصيب به في الله ،وفي مرضاتِه ومح َّبتِه؛ َر ِض َي ْت بما نالها في الله. المشهد الخامس :مشهد الإحسان ،وهو أرف ُع ممَّا قبله ،وهو أن يقابل إساء َة ((( أخرجه مسلم (. )771 193
المسي ِء إليه بالإحسان ،ف ُيح ِس َن إليه ك َّلما أساء هو إليه. المشهد السادس :مشهد السلامة وبر ِد القلب ،وهذا مشه ٌد شريف ج ًّدا ناله من الأذى، ه بما قل َبه وسرَِّ أن لا َيش َغل حلاو َته ،وهو لم َن ع َرفه ،وذاق من ذلك ،ويرى قلبه بل ُيف ِّر ُغ وشفاء ن ْف ِسه، إلى درك ثأ ِره، وطل ِب الوصول أ َّن سلامته وبر َده وخل َّوه منه أنف ُع له ،وأ َل ُّذ وأطيب ،وأعو ُن على مصالحه. المشهد السابع :مشه ُد الأمن ،فإ َّنه إذا ترك المقابل َة والانتقام؛ أ ِم َن ما هو ش ٌّر من ذلك ،وإذا انتق َم وا َق َعه الخو ُف ولا ب َّد. المشهد الثامن :مشهد الجهاد ،وهو أن يشهد تو ُّل َد أذى النا ِس له من جهاده في سبيل الله ،وأمر ِهم بالمعروف ،ونهَ ِي ِهم عن المنكر ،وإقام ِة دين الله، وإعلاء كلماتِه. وصاح ُب هذا المقام :قد اشترى اللهُ منه ن ْف َسه وماله و ِعر َضه بأع َظ ِم الثمن. المشهد التاسع :مشهد النِّعمة ،وذلك من وجوه: أحدها :أن يشهد نعم َة الله عليه في أن ج َع َله مظلو ًما يتر َّق ُب النَّص َر ،ولم يجع ْله ظالمًِا يتر َّق ُب ال َم ْق َت والأخ َذ. ومنها :أن يشهد نعم َة الله في ال َّتكفير بذلك من خطاياه؛ فإ َّنه ما أصاب المؤم َن َه ٌّم ولا َغ ٌّم ولا أ ًذى إلاَّ ك َّفر اللهُ به من خطاياه. ومنها :أن يشهد َكو َن تلك البل َّي ِة أهو َن وأسه َل من غيرها؛ فإ َّنه ما ِمن محن ٍة إلاَّ وفو َقها ما هو أقوى منها وأ َم ُّر ،فإ ْن لم يكن فو َقها محن ٌة في البدن 194
تهذيب الأخلاق والما ِل فلينظ ْر إلى سلامة دينه وإسلا ِمه وتوحيده ،وأ َّن ك َّل مصيب ٍة دون مصيب ِة ال ِّدي ِن ج َل ٌل. ومنها :توفي ُة أ ْج ِرها وثوابها يو َم الفقر والفاقة. المشهد العاشر :مشهد الأُسوة ،وهو مشه ٌد لطي ٌف شريف ج ًّدا. فإ َّن العاقل ال َّلبي َب يرضى أن يكون له ُأسو ٌة ب ُر ُس ِل الله ،وأنبيائه وأوليا ِئه، وخا َّصتِه ِمن خ ْل ِقه؛ فإنهَّ م أش ُّد الخ ْل ِق امتحا ًنا بالناس ،وأذى الناس تد ُّب ُر َقص ِص مع الأنبياء لم ي ْؤ َذ به َمن في الحدور ،ويكفي ُإأمَليِههمم،أسورش ُأع ِنمنبن ِّيناال َّسيﷺل قال له َق ْب َله؛ وقد وأذى أعدائه له بما و َرق ُة ب ُن َنو َف ٍلَ :ل ُت َك َّذ َب َّن و َل ُتخ َر َج َّن ولت ْؤ َذ َي َّن ،وقال له« :ما جاء أح ٌد ب ِم ْث ِل ما ِج ْئ َت به إلا ُعود َي»((( ،وهذا مستم ٌّر في ورثته كما كان في مورثهم ﷺ. أفلا يرضى العب ُد أن يكون له أسو ٌة بخيار خ ْلق الله ،وخوا ِّص عباده :الأمثل فالأمثل؟! المشهد الحادي عشر -وهو أ َج ُّل المشاه ِد وأرف ُعها :-مشهد التوحيد ،فإذا امتلأ قل ُبه بمح َّب ِة الله والإخلا ِص له ومعاملتِه وإيثار مرضاتِه والتق ُّر ِب إليه، وق َّر ْت عينُه بالله ،وابتهج قلبه بح ِّبه والأُن ِس به والاطمئنان إليه ،وسكن إليه، واشتاق إلى لقائه ،واتخَّ ذه ول ًّيا دون ما سواه ،بحيث َف َّو َض إليه أمو َره ك َّلها، ورض َي به وبأقضيته؛ فإنه لا يبقى في قلبه متس ٌع لشهود أذ َى الناس له البتة. ((( أخرجه البخاري ( ،)3ومسلم ( .)160 195
منزلــــــة التوا�ضـــــع قال الله تعالى﴿ :ﮱﯓ ﯔﯕﯖ ﯗ ﯘ﴾ [الفرقان.]٣٦ : وقال تعالى﴿ :ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ﴾ [المائدة.]٤٥ : ل َّما كان ال ُّذ ُّل منهم ُذ َّل رحمة وعط ٍف وشفقة وإخبات ع ّداه بأداة «على» تضمينًا لمعاني هذه الأفعال؛ فإ َّنه لم ُي ِرد به ذ َّل الهوان الذي صاحبه ذليل ،وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه َذلول ،فالمؤمن َذلول. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال :قال رسول الله ﷺ« :لا َيد ُخ ُل ال َجنَّ ُة َمن كان في َق ْلبِه ِم ْثقا ُل َذ َّر ٍة ِمن ِكبرْ ٍ (((» . وكان النَّب ُّي ﷺ َي ُم ُّر على ال ِّص ْبيا ِن ف ُي َس ِّل ُم علي ِهم ،وكان ِت الأ َم ُة َتأ ُخ ُذ ب َي ِده ﷺ ف َتن َط ِل ُق به َحي ُث شا َء ْت ،وكان ﷺ َي ُكو ُن في َبيتِه في ِخ ْدم ِة أ ْه ِله ،ولمْ َي ُك ْن َين َت ِق ُم لنَ ْف ِسه َق ُّط ،وكان ﷺ يخَ ْ ِص ُف َن ْع َله ،و َي ْر َق ْع َث ْو َبه ،ويحَ ُل ُب ال َّشا َة لأ ْه ِله، و َيع ِل ُف ال َب ِعي َر ،و َيأ ُك ُل مع الخا ِد ِم ،ويجُ الِ ُس ال َمسا ِكي َن ،و َي ْمشي مع الأ ْر َمل ِة وال َيتي ِم في حا َجتِ ِهما ،و َيب َد ُأ َمن َل ِق َيه بال َّسلا ِم ،ويجُ ِي ُب َد ْعو َة َمن َدعا ُه ،ول ْو إلى أيسرَ ِ شيَ ٍء. ((( أخرجه مسلم (. )91 196
التواضـــــع وكان ﷺ َهينِّ َ ال ُم ْؤن ِةَ ،لينِّ َ الخُ ُل ِق ،كري َم ال َّطب ِع ،جمَ ي َل ال ُمعاشرَ ِةَ ،ط ْل َق ال َو ْج ِه ال َقل ِب َر ِقي َق َ ِمانلج َاغنِي ِر ِسبرَل َهُم ٍ.ف، ُم َتوا ِض ًعا ِمن َغي ِر ِذ َّل ٍةَ ،ج َوا ًدا ب ُك ِّل َرحي ًام خافِ َض ال َجنا ِح لِلم ْؤ ِمنِي َنَ ،لينِّ َب َّسا ًما، ُم ْس ِل ٍم، ُسئل ال ُفضي ُل ب ُن ِعياض عن التوا ُضع؟ فقال« :يخضع للح ِّق ،وينقاد له، و َيق َب ُله ممَّن قاله». وقال ُعروة بن ال ُّز َبير « :رأي ُت ُعم َر بن الخ َّطاب على عاتقه ِقرب ُة سامعين الوفو ُد أتاني ل َّما فقال: ينبغي لك هذا، ماء ،قلت :يا أمي َر المؤمنين ،لا ها». فأحبب ُت أن أكسرِ مطيعين ،دخ َل ْت ن ْفسي نخوة، و ُيذكر أ َّن أبا ذر عيرَّ بلا اًل بسواده ،ثم أ َّنه ن ِدم ،فألقى ن ْف َسه وحلف: لا رفع ُت رأسي حتى يطأ بلا ٌل خ ِّدي بقدمه ،فلم يرفع رأ َسه حتى فعل بلال. [و] أ َّو ُل ذنب َعصى الله به أ َب َوا الثقلين :ال ِكبرْ ُ والحرص ،فكان الكبرْ ُ ذن َب إبلي َس اللعين؛ فآل أم ُره إلى ما آل إليه ،وذنب آد َم على نب ِّينا وعليه ال َّسلا ُم :كان من الحرص والشهوة ،فكان عاقبته التوب َة والهداية ،وذنب إبلي َس حمله على الاحتجاج بالق َدر والإصرار ،وذنب آدم أوجب له إضاف َته إلى ن ْف ِسه ،والاعترا َف به والاستغفار. فأهل الكبرْ ِ والإصرار ،والاحتِجا ِج بالأقدار :مع شيخهم وقائ ِدهم إلى النار إبليس ،وأهل الشهوة المستغفرون التائِبون المعت ِرفون بالذنوب ،الذين لا يحتجون عليها بالق َدر :مع أبيهم آد َم في الجنة. 197
منزلـــــــــة المـــــروءة حقيقتها :ا ِّتصا ُف الن ْف ِس بصفات الإنسا ِن التي فا َرق بها الحيوا َن البهيم، والشيطا َن ال َّرجيم؛ فإ َّن في النفس ثلاث َة دوا ٍع متجاذبة: دا ٍع يدعوها إلى الا ِّتصاف بأخلاق الشيطان :من ال ِكبرْ ،والحسد ،والعلو، والبغي ،والشر ،والأذى ،والفساد ،والغش. ودا ٍع يدعوها إلى أخلاق الحيوان ،وهو داعي الشهوة. ودا ٍع يدعوها إلى أخلاق ال َم َلكِ ،من الإحسان ،والنُّصح ،والبرِِّ، والعلم ،والطاعة. فحقيقة المروءةُ :بغض ذينك ال َّداع َيي ِن ،وإجاب ُة الداعي الثالث. وقلة المروءة وعد ُمها :هو الاسترسال مع ذينك الداعيين ،والتو ُّج ُه لدعوتهِ ما أين كانت. قال بعض السلف« :خ َلق الله الملائك َة عقو اًل بلا شهوة ،وخ َلق البهائم شهو ًة بلا عقول ،وخلق اب َن آد َم ،ور َّكب فيه العق َل والشهوة؛ ف َمن غلب عق ُله شهو َته ا ْل َتحق بالملائكة ،و َمن َغ َلبت شهو ُته عق َله ا ْل َتحق بالبهائم». ولهذا قيل في ح ِّد المروءة :إنها غلب ُة العقل للشهوة. وحقيقة المروءة تجنُّبالدناياوال َّرذائل،منالأقوال،والأخلاق،والأعمال. 198
المــــــروءة فمروءة اللسان :حلاوته وطيبته ولِينُه ،واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر. ومروءة ال ُخ ُلقَ :س َع ُته و َب ْس ُطه للحبيب والبغيض. ومروءة المال :الإصابة ببذله مواق َعه المحمود َة عق اًل و ُعر ًفا وشر ًعا. ومروءة الجاهَ :ب ْذ ُله للمحتاج إليه. ومروءة الإحسان :تعجي ُله وتيسيره ،وتوفيره ،وعدم رؤيته حا َل وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه ،فهذه مروءة ال َب ْذل. عنوأعميامبروماءةياألترَّخ ْذكه:مفكنترح ِّكقالكخ،صواتمرِ ،كوالاملعااتبستِةق،وصالامءطافليبةطولالبممها،راوةا،لتوغاالفإ ِغلضعا ِءن ع َثرات الناس ،وإشعارهم أ َّنك لا تعلم لأحد منهم عثرة ،والتوقير للكبير، و ِحفظ حرمة النظير ،ورعاية أدب الصغير. وهي ثلا ُث َدرجات: ال َّدرجة الأولى :مروءة ال َمر ِء مع ن ْفسه ،وهي أن يحملها َقسرًْ ا على مراعاة ما يج ِّمل ويزين ،وترك ما يدنس ويشين ،ليصير لها ملكة في العلانية؛ فمن اعتاد شي ًئا في سره وخلوته ملكه في علانيته وجهره. فلا يفعل خال ًيا ما يستحي ِمن فع ِله في الملأ ،إلاَّ ما لا يحظ ُره الشر ُع والعقل، ولا يكون إلاَّ في الخلوة ،كالجماع ،والتخليِّ ،ونحو ذلك. الدرجة الثانية :المروءة مع الخ ْلق ،بأن يستعمل معهم شرو َط الأدب 199
والحياء ،والخُ ُلق الجميل ،ولا يظهر لهم ما يكرهه هو ِمن غيره لنفسه، وليتخذ النا َس مرآ ًة لنفسه ،فك ُّل ما َك ِر َهه ونف َر عنهِ ،من قول أو فع ٍل أو خ ُلق ،فليت َج َّن ْبه ،وما أ َح َّبه من ذلك واستحسنه فليف َع ْله. الدرجة الثالثة :المروءة مع الح ِّق سبحانه ،بالاستحياء من نظره إليك، وا ِّطلاعه عليك في ك ِّل لحظة و َن َفس ،وبإصلاح عيوب ن ْف ِسك جهد الإمكان؛ فإ َّنه قد اشتراها منك وأنت سا ٍع في تسليم المبيع ،وتقاضي الثمن ،وليس من المروءة :تسلي ُمه على ما فيه من العيوب ،وتقاضي الثمن كام اًل. 200
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232
- 233
- 234
- 235
- 236
- 237
- 238
- 239
- 240
- 241
- 242
- 243
- 244
- 245
- 246
- 247
- 248
- 249
- 250
- 251
- 252
- 253
- 254
- 255
- 256
- 257
- 258
- 259
- 260
- 261
- 262
- 263
- 264
- 265
- 266
- 267
- 268
- 269
- 270
- 271
- 272
- 273
- 274
- 275
- 276
- 277
- 278
- 279
- 280
- 281
- 282
- 283
- 284
- 285
- 286