Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Published by ahmad.fbing, 2022-04-01 19:46:44

Description: الاكسير خلاصة أعمال القلوب في مدارج السالكين

Search

Read the Text Version

‫التوكـــــل‬ ‫و(المعطي)‪ ،‬و(المحسن)‪ ،‬وتعل ًقا باسم (المعز)‪( ،‬المذل)‪( ،‬الخافض)‪،‬‬ ‫(الرافع)‪( ،‬المانع)‪ ،‬من جهة تو ُّك ِله عليه في إذلال أعدا ِء دينه‪ ،‬و َخ ْف ِضهم‬ ‫و َم ْن ِع ِهم أسبا َب النصرة‪ ،‬وتع ُّل ًقا بأسماء القدر ِة والإرادة‪ ،‬وله تع ُّل ٌق عا ٌّم‬ ‫بجميع الأسماء الحسنى؛ ولهذا فسرَّ ه َمن فسرَّ ه ِمن الأئ َّمة بأ َّنه المعرفة بالله‪.‬‬ ‫وإ َّنما أراد أ َّنه بح َسب معرف ِة العبد يص ُّح له مقا ُم التوكل‪ ،‬وك َّلما كان بالله‬ ‫أعر َف؛ كان تو ُّكله عليه أقوى‪.‬‬ ‫[ومن التوكل‪ :‬إسقا ُط ال َّط َل ِب] ِمن الخ ْلق لا من الحق‪ ،‬فلا يطلب من أحد‬ ‫شي ًئا‪ ،‬فإ َّن الطلب ِمن الخ ْلق في الأصل محظور‪ ،‬وغايته‪ :‬أن يباح للضرورة‪،‬‬ ‫كإباحة الميتة للمضطر‪ ،‬ون َّص أحم ُد على أ َّنه لا يجب‪ ،‬وكذلك كان شي ُخنا‬ ‫يشير إلى أ َّنه لا يجب الطلب والسؤال‪.‬‬ ‫وس ِمع ُته يقول في السؤال‪ُ « :‬ظ ْل ٌم في ح ِّق ال ُّربوب َّية‪ ،‬و ُظ ْل ٌم في ح ِّق الخ ْلق‪،‬‬ ‫وظل ٌم في ح ِّق الن ْفس»‪.‬‬ ‫أ َّما في حق الربوبية‪ ،‬ف ِلما فيه من ال ُّذ ِّل لغير الله‪ ،‬وإراق ِة ماء الوجه لغير‬ ‫خالقه‪ ،‬والتع ُّوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين‪.‬‬ ‫وأما في ح ِّق ال َّنا ِس‪ ،‬فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال‪ ،‬واستخ ِراجه منهم‪،‬‬ ‫وأبغض ما إليهم َمن يسألهم‪ ،‬وأ َح ُّب ما إليهم َمن لا يسألهم‪ ،‬فإ َّن أموالهم‬ ‫محبوباتهُ م‪ ،‬و َمن سألك محبوبك فقد تع َّرض لمَقتك و ُبغ ِضك‪.‬‬ ‫‪151‬‬

‫وأ َّما ُظ ْل ُم السائ ِل ن ْفسه حيث امتهنها‪ ،‬وأقامها في مقام ُذ ِّل السؤال‪ ،‬ورض َي‬ ‫لها ب ُذ ِّل الطلب م َّمن هو ِم ْث ُله‪ ،‬أو لع َّل السائ َل خي ٌر منه وأعلى قد ًرا‪.‬‬ ‫فسؤال المخلوق للمخلوق سؤا ُل الفقير للفقير‪ ،‬وال َّر ُّب تعالى ك َّلما سأ ْل َته‬ ‫َك ُر ْم َت عليه‪ ،‬ورض َي عنك‪ ،‬وأح َّبك‪ ،‬والمخلو ُق كلما سأل َته ُه ْن َت عليه‬ ‫وأبغضك و َقلاك‪ ،‬كما قيل‪:‬‬ ‫الله َيغ َض ُب إ ْن َت َر ْك َت ُس َؤا َل ُه‬ ‫و ُب َن ُّي آ َد َم ِحي َن ُيسأ ُل َيغ َض ُب‬ ‫وقبيحبالعبد‪ ‬المريدأنيتع َّرضلسؤالالعبيد وهويجدعندمولاهك َّلمايريد‪.‬‬ ‫وفي صحيح مسلم عن عوف‪ ‬بن مالك الأش َجع ِّي قال‪ُ :‬ك َّنا ِعن َد‬ ‫رسو ِل‪ ‬الله ﷺ تِسع ٌة أو َثماني ٌة‪ ،‬أو َسبع ٌة فقال‪« :‬ألا ُتبايِ ُعو َن َر ُسو َل‪ ‬الله؟»‪،‬‬ ‫و ُك َّنا َح ِديثي َعه ٍد بِ َب ْيع ٍة‪ ،‬ف ُق ْلنا‪ :‬قد با َي ْعنا َك يا رسو َل‪ ‬الله‪ُ ،‬ث َّم قال‪« :‬ألا ُتبايِ ُعو َن‬ ‫َر ُسو َل‪ ‬الله؟» َف َب َس ْطنا أي ِد َينا و ُق ْلنا‪ :‬قد با َي ْعنا َك يا رسو َل‪ ‬الله‪ ،‬ف َعلاَ َم ُنبايِ ُع َك؟‬ ‫فقال‪« :‬أ ْن َتع ُب ُدوا الله‪ ،‬ولا ُتشرْ ِ ُكوا ب ِه َش ْي ًئا‪ ،‬وال َّص َلوا ِت ال َخ ْم ِس ‪ -‬وأسرََّ َك ِلم ًة‬ ‫َخ ِف َّي ًة ‪ -‬ولا َت ْسأ ُلوا ال َّنا َس َش ْي ًئا»‪ ،‬قال‪ :‬ولقد رأ ْي ُت بع َض ُأو َلئِ َك ال َّن َف ِر َي ْس ُق ُط‬ ‫َس ْو ُط أح ِد ِهم فما َيسأ ُل أ َح ًدا أن ُينا ِو َله إ َّيا ُه(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪. )1043‬‬ ‫‪152‬‬

‫الصبـــــــر‬ ‫منزلـــــــة ال�صـــــبر‬ ‫قال الإمام أحمد ‪« :‬ذكر الل ُه ال َّصب َر في القرآن في نحو تسعي َن موض ًعا»‪.‬‬ ‫وهو واج ٌب بإجماع الأ َّمة‪ ،‬وهو نصف الإيمان‪ ،‬فإ َّن الإيمان نصفان‪ :‬نصف‬ ‫صبر‪ ،‬ونصف شكر‪.‬‬ ‫وهو في القرآن على س َّت َة عشرَ َ نو ًعا‪:‬‬ ‫الأول‪ :‬الأمر به‪ ،‬نحو قوله‪﴿ :‬ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾‬ ‫[البقرة‪.]153 :‬‬ ‫الثاني‪ :‬ال َّنه ُي عن ض ِّده كقوله‪﴿ :‬ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ‬ ‫ﯳ﴾ [الأحقاف‪ ،]35 :‬وقوله‪ ﴿ :‬ﯡﯢﯣ﴾ [الأنفال‪.]15 :‬‬ ‫الثالث‪ :‬ال َّثنا ُء على أهله‪ ،‬كقوله‪ ﴿ :‬ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ‬ ‫ﮁﮂ ﮃﮄﮅﮆﮇ﴾ [البقرة‪.]177 :‬‬ ‫الرابع‪ :‬إيجا ُبه سبحانه مح َّبتَه لهم‪ ،‬كقوله‪﴿ :‬ﯡﯢﯣ﴾ [آلعمران‪.]١٤٦:‬‬ ‫الخامس‪:‬إيجا ُب َم ِع َّي َتهلهم‪،‬وهيمع َّي ٌةخا َّص ٌة‪،‬تتض َّم ُن ِح ْف َظهم‪،‬ونصرْ َ هم‪،‬‬ ‫وتأيي َدهم‪ ،‬ليست مع َّي ًة عا َّم ًة‪ ،‬وهي مع َّي ُة ال ِعلم والإحاطة‪ ،‬كقوله‪ ﴿ :‬ﭚﭛ‬ ‫ﭜ ﭝﭞﭟ﴾ [الأنفال‪.]46 :‬‬ ‫السادس‪ :‬إخبا ُره بأ َّن ال َّصبر خي ٌر لأصحابه‪ ،‬كقوله‪﴿ :‬ﯩﯪ ﯫﯬ‬ ‫ﯭ﴾ [النحل‪.]126 :‬‬ ‫‪153‬‬

‫السابع‪ :‬إيجا ُب الجزا ِء لهم بأح َس ِن أعمالهِ م‪ ،‬كقوله‪﴿ :‬ﮀﮁﮂ‬ ‫ﮃﮄ ﮅﮆﮇ﴾ [النحل‪.]٩٦ :‬‬ ‫الثامن‪ :‬إيجا ُبه الجزا َء لهم بغير حساب‪ ،‬كقوله تعالى‪﴿ :‬ﰓ ﰔ ﰕﰖ‬ ‫ﰗﰘ﴾ [الزمر‪.]١٠ :‬‬ ‫التاسع‪ :‬إطلاق ال ُبشرى لأهل ال َّصبر‪ ،‬كقوله تعالى‪﴿ :‬ﭠﭡﭢ‬ ‫ﭣﭤ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭬ﴾ [البقرة‪.]١٥٥ :‬‬ ‫العاشر‪ :‬ضمان ال َّنص ِر والمد ِد لهم‪ ،‬كقوله تعالى‪﴿ :‬ﭹﭺﭻﭼﭽﭾ‬ ‫ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [آل عمران‪،]125 :‬‬ ‫ومنه قو ُل النب ِّي ﷺ‪« :‬وا ْع َل ْم أ َّن النَّرَص مع ال َّصب ِر»(((‪.‬‬ ‫الحادي عشر‪ :‬الإخبار أ َّن أهل ال َّصب ِر هم أه ُل العزائم‪ ،‬كقوله تعالى‪ ﴿ :‬ﯹ‬ ‫ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ﴾ [الشورى‪.]٤٣ :‬‬ ‫الثاني عشر‪ :‬الإخبار أ َّنه ما ُي َل َّقى الأعما َل ال َّصالح َة وجزا َءها والحظو َظ‬ ‫العظيم َة إلاَّ أه ُل ال َّصب ِر‪ ،‬كقوله تعالى‪ ﴿:‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ‬ ‫ﮗﮘﮙ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ ﮤ ﮥﮦ‬ ‫ﮧ﴾ [فصلت‪.]٣٥ – ٣٤ :‬‬ ‫الثال َثعش َر‪:‬الإخبارأ َّنهإ َّنما َينت ِف ُعبالآياتوال ِعبرَ ِ أه ُلال َّصب ِر‪،‬كقولهتعالى‪:‬‬ ‫((( أخرجه أحمد (‪ ،)2308‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (‪. )2382‬‬ ‫‪154‬‬

‫الصبـــــــر‬ ‫﴿ﮬﮭﮮﮯ ﮰﮱ ﯓﯔﯕﯖﯗ‬ ‫ﯘﯙ ﯚﯛﯜ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢ﴾ [إبراهيم‪.]5 :‬‬ ‫ال َّراب َع عش َر‪ :‬الإخبار بأ َّن الفو َز بالمطلوب‪ ،‬وال َّنجا َة من المرهوب‪ ،‬ودخو َل‬ ‫الج َّنة‪ ،‬إ َّنما نا ُلوه بال َّصبر‪ ،‬كقوله تعالى‪﴿ :‬ﮗﮘ ﮙﮚﮛ ﮜﮝﮞ‬ ‫ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ﴾ [الرعد‪.]٢٤ – ٢٣ :‬‬ ‫الخام َس عش َر‪ :‬أ َّنه يو ِر ُث صاح َبه درجة الإمام َة‪ ،‬س ِمع ُت شيخ الإسلام‬ ‫اب َن تيم َّي َة ‪ -‬ق َّدس الل ُه ُرو َحه ‪ -‬يقول‪ :‬بال َّصب ِر واليقين‪ُ ،‬تنا ُل الإمام ُة في ال ِّدين‪،‬‬ ‫ثم تلا قو َله تعالى‪﴿ :‬ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ‬ ‫ﮄ﴾ [السجدة‪.]٢٤ :‬‬ ‫الساد َس عش َر‪ :‬اقترا ُنه بمقامات الإسلا ِم والإيمان‪ ،‬كما قرنه الله سبحانه‬ ‫باليقين وبالإيمان‪ ،‬وبالتقوى والتو ُّكل‪ ،‬والشك ِر‪ ،‬والعم ِل ال َّصال ِح والمَ ْرحمَ ة‪.‬‬ ‫ولهذا كان ال َّصب ُر من الإيمان بمنزلة ال َّرأ ِس من الجسد‪ ،‬ولا إيما َن لمَن لا‬ ‫صب َر له‪ ،‬كما أ َّنه لا جسد لمَن لا رأس له‪ ،‬قال عمر‪ ‬بن الخ َّطاب ‪« :‬خي ُر‬ ‫عي ٍش أدر ْكناه بال َّصبر»‪ ،‬وأخبر ال َّنب ُّي ﷺ في الحديث ال َّصحي ِح‪« :‬أ َّن ُه ِضيا ٌء»(((‪،‬‬ ‫وقال‪َ « :‬من َي َتصبرَّ ْ ُي َصبرِّ ْ ُه الله»(((‪.‬‬ ‫وفي الحديث ال َّصحي ِح‪َ « :‬ع َج ًبا لأِ م ِر الم ْؤ ِم ِن! إ َّن أ ْم َر ُه ُك َّل ُه ل ُه َخي ٌر‪ ،‬ولي َس‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪. )223‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)1469‬ومسلم (‪. )1053‬‬ ‫‪155‬‬

‫ذل َك لأِ َح ٍد إلاَّ لِلم ْؤ ِم ِن‪ ،‬إ ْن أصا َب ْت ُه سرََّ ا ُء َش َك َر‪ ،‬فكا َن َخي ًرا ل ُه‪ ،‬وإ ْن أصا َب ْت ُه‬ ‫رََّضا ُء َصبرَ َ‪ ،‬فكا َن َخي ًرا ل ُه»(((‪.‬‬ ‫وقال للمرأة ال َّسودا ِء التي كانت ُتص َر ُع فسأ َل ْته أن يدع َو لها‪« :‬إ ْن ِش ْئ ِت‬ ‫َصبرَ ْ ِت ول ِك ال َج َّن ُة‪ ،‬وإ ْن ِش ْئ ِت َد َع ْو ُت الله أ ْن ُيعا ِف َي ِك»‪ ،‬فقال ْت‪ :‬إنيِّ أ َت َك َّش ُف‪،‬‬ ‫فا ْد ُع الله أن لا أ َت َك َّش َف‪ ،‬فد َعا لها(((‪.‬‬ ‫وأ َم َر الأنصا َر بأن َيصبرِ ُوا على الأ َث َر ِة ا َّلتي َي ْل َق ْونهَ ا َبع َده‪ ،‬ح َّتى َي ْل َق ْو ُه‬ ‫على ال َحو ِض‪.‬‬ ‫وأ َم َر ِعن َد ُملاقا ِة ال َع ُد ِّو بال َّصبر‪ ،‬وأ َم َر بال َّصب ِر ِعن َد ال ُم ِصيب ِة‪ ،‬وأخبرَ َ أ َّنه إ َّنما‬ ‫َي ُكو ُن ِعن َد ال َّصدم ِة ال ُأولىَ ‪.‬‬ ‫وأ َم َر ال ُمصا َب بأن َف ِع ال ُأ ُمو ِر ل ُه‪ ،‬وهو ال َّصب ُر والاحتِسا ُب؛ فإ َّن ذلك يخ ِّفف‬ ‫مصيب َته‪ ،‬ويو ِّفر أج َره‪ ،‬والج َزع والتس ُّخط والتش ِّكي َيزي ُد في المصيبة‪ ،‬و ُيذ ِه ُب‬ ‫الأجر‪.‬‬ ‫وأخبر ﷺ أ َّن ال َّصب َر خي ٌر ك ُّله‪ ،‬فقال‪« :‬ما ُأع ِط َي أ َح ٌد َعطا ًء َخي ًرا ل ُه وأ ْو َس َع‬ ‫ِم َن ال َّصب ِر»(((‪.‬‬ ‫وهو ثلاثة أنواع‪ :‬صب ٌر على طاعة الله‪ ،‬وصب ٌر عن معصية الله‪ ،‬وصبر على‬ ‫امتحان الله‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪ .)2999‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)5652‬ومسلم (‪. )2576‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)1469‬ومسلم (‪.)1053‬‬ ‫‪156‬‬

‫الصبـــــــر‬ ‫فالأ َّولان‪ :‬صب ٌر على ما يتع َّل ُق بالكسب‪ ،‬والثالث‪ :‬صب ٌر على ما لا ك ْس َب‬ ‫للعبد فيه‪.‬‬ ‫وس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة ‪-‬ق َّد َس الل ُه ُرو َحه‪ -‬يقول‪« :‬كان صب ُر‬ ‫يوس َف عن مطاوعة امرأ ِة العزيز عن شأنها‪ :‬أكم َل ِمن صب ِره على إلقاء إخوتِه‬ ‫له في ال ُج ِّب‪ ،‬وبي ِعه وتفري ِقهم بينه وبينْ أبيه؛ فإ َّن هذه أمو ٌر جر ْت عليه بغير‬ ‫اختياره‪ ،‬لا ك ْس َب له فيها‪ ،‬ليس للعبد فيها حيل ٌة غير الصبر‪ ،‬وأ َّما صب ُره عن‬ ‫المعصية‪:‬فصبراختيارورضاومحارب ٍةلل َّن ْفس‪،‬ولاس َّيمامعالأسبابالتيتقوى‬ ‫معها دواعي المواقعة‪ ،‬فإ َّنه كان شا ًّبا‪ ،‬وداعي ُة الشباب إليها قو َّية‪ ،‬وع َز ًبا ليس له‬ ‫ما يع ِّوضه ويبرد شهو َته‪ ،‬وغري ًبا‪ ،‬والغري ُب لا يستحي في بلد غربتِه م َّما يستحي‬ ‫منه بين أصحابه ومعار ِفه وأهله‪ ،‬ومملو ًكا‪ ،‬والمملوك أي ًضا ليس واز ُعه كوازع‬ ‫الح ِّر‪ ،‬والمرأة جميلة‪ ،‬وذا ُت منصب‪ ،‬وهي س ِّيدته‪ ،‬وقد غاب ال َّرقي ُب‪ ،‬وهي‬ ‫الداعي ُة له إلى ن ْفسها‪ ،‬والحريص ُة على ذلك أش َّد الحرص‪ ،‬ومع ذلك تو َّع َد ْته‬ ‫إ ْن لم يفع ْل بالسجن وال َّصغار‪ ،‬ومع هذه الدواعي ك ِّلها صب َر اختيا ًرا‪ ،‬وإيثا ًرا لمِا‬ ‫عند الله‪ ،‬وأين هذا ِمن صبره في ال ُج ِّب على ما ليس من كسبِه؟!»‪.‬‬ ‫وكان يقول‪« :‬الصب ُر على أداء الطاعات أكم ُل من الصبر على اجتناب‬ ‫المح َّرما ِتوأفضل؛فإ َّنمصلحة ِفع ِلالطاع ِةأ َح ُّبإلىالشارعمنمصلح ِةتر ِك‬ ‫المعصية‪ ،‬ومفسدة عد ِم الطاعة أبغ ُض إليه وأك َر ُه ِمن مفسدة وجو ِد المعصية»‪.‬‬ ‫‪157‬‬

‫وثمة تقسيم آخر للصبر‪:‬‬ ‫صب ٌر بالله‪ ،‬وصبر لله‪ ،‬وصبر مع الله‪.‬‬ ‫فالأول‪ :‬صبر الاستعان ِة به‪ ،‬ورؤيته أ َّنه هو المْ ُ َصبرِّ ‪ ،‬وأن َصبر العبد بر ّب ِه لا‬ ‫بن ْفسه‪ ،‬كما قال تعالى‪﴿ :‬ﯯﯰﯱﯲ ﯳ﴾ [النحل‪ ]127 :‬يعني‪ :‬إ ْن لم‬ ‫ُيصبرِّ ْك هو لم تصبر‪.‬‬ ‫وعاللىا اسلتصحمبار ِدمإحل َّبى َةالالخلْله‪،‬ق‪،‬وإوراغيد َةر‬ ‫الباع ُث‬ ‫وهو أن يكون‬ ‫والثاني‪ :‬الصبر لله‪،‬‬ ‫الن ْفس‪،‬‬ ‫لا لإظهاره ق َّو ِة‬ ‫وج ِهه‪ ،‬والتق َّر َب إليه‪،‬‬ ‫ذلك من الأغراض‪.‬‬ ‫والثالث‪ :‬الصبر مع الله‪ ،‬وهو دوران العبد مع مراد الله ال ِّدين ِّي منه‪ ،‬ومع‬ ‫أحكامه ال ِّدين َّية‪ ،‬صاب ًرا ن ْف َسه معها‪ ،‬سائ ًرا ب َسيرها‪ ،‬مقي ًام بإقامتها‪ ،‬يتو َّج ُه‬ ‫معها أين تو َّج َه ْت ركائ ُبها‪ ،‬وينزل معها أين استق َّلت مضاربهُ ا‪.‬‬ ‫فهذا معنى كونِه صاب ًرا مع الله؛ أي قد جعل ن ْف َسه َوق ًفا على أوامره ومحا ِّبه‪،‬‬ ‫وهو أش ُّد أنواع الصب ِر وأصع ُبها‪ ،‬وهو صب ُر ال ِّص ِّديقين‪.‬‬ ‫وفي كتاب الأدب للبخار ِّي‪ُ :‬سئِ َل رسو ُل‪ ‬الله ﷺ ع ِن الإيما ِن؟ فقال‪:‬‬ ‫«ال َّصب ُر‪ ،‬وال َّسماح ُة»(((‪.‬‬ ‫وهذا ِمن أج َم ِع الكلام وأعظ ِمه برها ًنا‪ ،‬وأو َعبِه لمقامات الإيمان من أ ّوَلهِ ا‬ ‫إلى آ ِخ ِرها‪.‬‬ ‫((( لم نقف عليه في «الأدب المفرد» وأخرجه أحمد (‪ ،)19435‬وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»‬ ‫(‪.)551‬‬ ‫‪158‬‬

‫الصبـــــــر‬ ‫فإ َّن ال َّن ْف َس ُيراد منها شيئان‪:‬‬ ‫‪َ -1‬ب ْذ ُل ما ُأمر ْت به وإعطا ُؤه‪ .‬فالحامل عليه السماحة‪.‬‬ ‫‪ -2‬ترك ما نهيت عنه‪ ،‬وال ُبع ُد منه؛ فالحامل عليه‪ :‬الصب ُر‪.‬‬ ‫وقد أمر الله سبحانه في كتابه بال َّصبر الجميل‪ ،‬وال َّصف ِح الجميل‪،‬‬ ‫والهجر الجميل‪.‬‬ ‫فس ِمع ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة ‪-‬ق َّدس الل ُه ُرو َحه‪ -‬يقول‪« :‬الصبر‬ ‫الجمي ُل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه‪ ،‬والصف ُح الجميل هو الذي لا عتا َب‬ ‫معه‪ ،‬والهج ُر الجميل الذي لا أذى معه»‪.‬‬ ‫وقال اب ُن ُع َي ْين َة في قوله تعالى‪﴿ :‬ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀ﴾‬ ‫[السجدة‪ ]24 :‬قال‪« :‬أخذوا برأس الأم ِر فجعلهم رؤسا َء»‪.‬‬ ‫وال َّشكوى إلى الله لا تنافي الصبر‪ ،‬فإ َّن يعقوب َو َعد بال َّصبر الجميل‪،‬‬ ‫وال َّنب ُّ�ي إذا و َعد لا يخُ ِل ُف‪ ،‬ثم ق�ال‪﴿ :‬ﯹ ﯺﯻ ﯼﯽﯾ﴾ [يوس�ف‪:‬‬ ‫‪.]٨٦‬‬ ‫وكذلك أ ُّيو ُب أخبرَ الل ُه عنه أ َّنه و َجده صاب ًرا مع قوله‪﴿:‬ﭤﭥﭦ‬ ‫ﭧﭨﭩ﴾ [الأنبياء‪.]٨٣ :‬‬ ‫وإذا َع َر ْتـ َك َب ِل َّيــ ٌة فاصـبرِ لهــــا‬ ‫َصـبرْ َ ال َكريـ ِم فإ َّنـ ُه بـ َك أ ْع َلـــ ُم‬ ‫‪159‬‬

‫وإذا َشـ َك ْو َت إلى ابـ ِن آ َد َم إ َّنــــما‬ ‫َت ْش ُكو ال َّرحي َم إلى ا َّلذي لا َي ْر َحـ ُم‬ ‫[وبالجملة] الصبر ِمن آ َك ِد المنازل في طريق المح َّبة‪ ،‬وأل َز ِمها للمحبين‪ ،‬وهم‬ ‫أحو ُج إلى منزلته من ك ِّل منزلة‪ ،‬وهو ِمن أعر ِف المناز ِل في طريق ال َّتوحيد‬ ‫وأب َينِها‪ ،‬وحاج ُة الم ِح ِّب إليه ضرور َّية‪.‬‬ ‫وقد أمر الله تعالى أح َّب الخ ْل ِق إليه بالصبر ل ُحكمه‪ ،‬وأخبر أ َّن صبره به‪،‬‬ ‫وأثنى على الصابري َن أح َس َن ال َّثناء‪ ،‬و َض ِم َن لهم أعظ َم الجزاء‪ ،‬وج َعل أج َر‬ ‫غي ِرهم محسو ًبا‪ ،‬وأج َرهم بغير حساب‪.‬‬ ‫‪160‬‬

‫الرضـــــــا‬ ‫منزلـــــــــة الر�ضـــــــا‬ ‫قد أجمع العلما ُء على أ َّنه مستح ٌّب‪ ،‬مؤ َّك ٌد استحبا ُبه‪ ،‬واختلفوا في وجوبه‬ ‫على قولين‪.‬‬ ‫و ِمن أعظ ِم أسبا ِب حصو ِل ال ِّرضا‪ :‬أن َيل َز َم ما جعل الله ِرضا ُه فيه؛ فإ َّنه‬ ‫يوصله إلى مقام ال ِّرضا ولا ُب َّد‪.‬‬ ‫قيل ليحيى‪ ‬بن ُمعاذ ‪« :‬متى َيب ُل ُغ العب ُد‪ ‬إلى مقام ال ِّرضا؟ فقال‪ :‬إذا‬ ‫أقام ن ْف َسه على أربعة أصو ٍل فيما يعامل به ر َّبه‪ ،‬فيقول‪ :‬إ ْن أعط ْي َتني َقبِل ُت‪،‬‬ ‫وإ ْن من ْع َتني َر ِضي ُت‪ ،‬وإ ْن تر ْك َتني َع َب ْد ُت‪ ،‬وإ ْن دع ْو َتني أ َج ْب ُت»‪.‬‬ ‫وليس من شرط ال ِّرضا ألاَّ يحُ ِ َّس بالألم والمَكا ِره؛ بل ألاَّ َيعت ِر َض على‬ ‫ال ُحكم ولا َيتس َّخطه‪ ،‬ووجود التألمُّ ِ وكراه ُة ال َّن ْف ِس له لا ينافي ال ِّرضا‪،‬‬ ‫كرضا المريض بشرُ ب ال َّدوا ِء ال َكريه‪ ،‬ورضا الصائم في اليوم الشدي ِد الح ِّر‬ ‫بما ينا ُله من ألم الجوع وال َّظمأ‪ ،‬ورضا المجاهد بما يح ُص ُل له في سبيل الله من‬ ‫ألم الجراح‪ ،‬وغيرها‪.‬‬ ‫وطريق الرضا طري ٌق مختصرة‪ ،‬قريبة ج ًّدا‪ ،‬موصل ٌة إلى أ َج ِّل غاية‪ ،‬ولكن‬ ‫فيها مشقة‪ ،‬ومع هذا فليست مش َّق ُتها بأصع َب ِمن مش َّق ِة طريق الجهاد‪ ،‬ولا‬ ‫فيها من العقبات والمفاوز ما فيها‪ ،‬وإ َّنما عقبتها ه َّم ٌة عالية‪ ،‬ون ْف ٌس زكية‪،‬‬ ‫وتوطين ال َّن ْف ِس على ك ِّل ما َي ِر ُد عليها من الله‪.‬‬ ‫‪161‬‬

‫و ُيس ِّه ُل ذلك على العبد‪ِ :‬ع ْل ُمه بضع ِفه وعج ِزه‪ ،‬ورحم ِة ر ِّبه‪ ،‬وشفقتِه‬ ‫عليه‪ ،‬وبِ ِّره به‪ ،‬فإذا َش ِه َد هذا وهذا‪ ،‬ولم يطرح ن ْف َسه بين يديه‪ ،‬ويرض‬ ‫به وعنه‪ ،‬وتنجذب دواعي ح ِّبه و ِرضا ُه ك ِّلها إليه‪ :‬فن ْف ُسه نف ٌس مطرود ٌة‬ ‫عن الله‪ ،‬بعيدة عنه‪ ،‬ليست مؤ َّهل ًة ل ُقربِه وموالاته‪ ،‬أو ن ْف ٌس ممتحن ٌة مبتلاة‬ ‫بأصناف البلايا والمِ َحن‪.‬‬ ‫فطريق الرضا والمح َّب ِة ُتسيرِّ العب َد وهو ُمستل ٍق على فراشه‪ ،‬فيصبح أما َم‬ ‫ال َّرك ِب بمراح َل‪.‬‬ ‫[و] ثمر ُة ال ِّرضا‪ :‬الفر ُح وال رُّسو ُر بال َّر ِّب تبارك وتعالى‪.‬‬ ‫ورأي ُت شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة ق َّدس الل ُه ُرو َحه في المنام‪ ،‬وكأنيِّ ذكر ُت‬ ‫له شي ًئا من أعمال القلب‪ ،‬وأخذ ُت في تعظيمه ومنفعتِه لا أذكره الآ َن فقال‪:‬‬ ‫«أ َّما أنا فطريقتي‪ :‬الفر ُح بالله‪ ،‬والسرُّ و ُر به»‪ ،‬أو نحو هذا من العبارة‪.‬‬ ‫وهكذا كانت حا ُله في الحياة‪ ،‬يبدو ذلك على ظاهره‪ ،‬وينادي به عليه حا ُله‪.‬‬ ‫القضاء‪،‬‬ ‫قبل‬ ‫‪« :‬ثلاثة من أعلام ال ِّرضا‪ :‬ت ْر ُك الاختيار‬ ‫وقال ذو ال ُّنون‬ ‫القضاء‪ ،‬وه َيجا ُن الح ِّب في َح ْش ِو البلاء»‪.‬‬ ‫وفقدان المرار ِة بعد‬ ‫وقيل لل ُحسين‪ ‬ب ِن عل ٍّي ‪« :‬إ َّن أبا ذ ٍّر يقول‪ :‬الفقر أ َح ُّب إل َّي من الغنى‪،‬‬ ‫والسق ُم أح ُّب إل َّي من ال ِّص َّحة‪ ،‬فقال‪ :‬ر ِح َم الل ُه أبا ذ ٍّر‪ ،‬أ َّما أنا فأقول‪َ :‬م ِن ا َّت َك َل‬ ‫على ُحس ِن اختيا ِر الله له لم َيتم َّن غي َر ما اختار الله له»‪.‬‬ ‫وقال ال ُف َضيل‪ ‬بن ِعيا ٍض لِبشرْ ٍ الحافي‪« :‬ال ِّرضا أفض ُل ِم َن ال ُّزهد في ال ُّدنيا؛‬ ‫لأ َّن الراضي لا يتم َّنى فوق منزلته»‪.‬‬ ‫‪162‬‬

‫الرضـــــــا‬ ‫مدار مقامات الدين على الرضا‪:‬‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﯧﯨ ﯩﯪﯫﯬﯭﯮ ﯯ﴾ [الأنعام‪.]١٦٤ :‬‬ ‫قال ابن ع َّباس ‪« :‬س ِّي ًدا وإلهًا‪ ،‬يعني‪ :‬فكيف أط ُل ُب ر ًّبا غي َره‪ ،‬وهو ر ُّب‬ ‫ك ِّل شيء؟!» وقال في أ َّو ِل ال ُّسورة‪﴿ :‬ﮞﮟ ﮠﮡﮢﮣ ﮤﮥ﴾‬ ‫[الأنعام‪ :]14 :‬يعني‪ :‬معبو ًدا وناص ًرا ومعينًا وملج ًأ‪ ،‬وهو من الموالاة التي‬ ‫تتض َّم ُن الحُ َّب والطاعة‪ ،‬وقال في و َسطها‪﴿ :‬ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ‬ ‫ﮖﮗﮘﮙ﴾ [الأنعام‪ ]114 :‬أي‪ :‬أفغي َر اللهِ أبتغي َمن يحَ ُك ُم بيني‬ ‫وب ْينكم‪ ،‬فنتحاكم إليه فيما اختل ْفنا فيه؟ وهذا كتا ُبه س ِّي ُد الح َّكام‪ ،‬فكيف‬ ‫نتحا َك ُم إلى غير كتابِه؟ وقد أنزله مفصّ اًَل مب َّينًا‪ ،‬كاف ًيا شاف ًيا‪.‬‬ ‫وأنت إذا تأ َّم ْل َت هذه الآيا ِت الثلا َث ح َّق التأ ُّم ِل‪ ،‬رأ ْي َتها هي ن ْف ُس الرضا‬ ‫بالله ر ًّبا‪ ،‬وبالإسلام دينًا‪ ،‬وبمحمد رسو اًل‪ ،‬ورأي َت الحدي َث مترج ًما عنها‪،‬‬ ‫ومشت ًّقا منها‪ ،‬فكثير من الناس يرضى به ر ًّبا‪ ،‬ولا يبغي ر ًّبا ِسواه‪ ،‬لكنه لا‬ ‫يرضى به و ْح َده ول ًّيا‪ ،‬بل يوالي ِم ْن دونه أولياء‪ ،‬ظنًّا منه أنهَّ م ُيق ِّربونه إلى الله‪،‬‬ ‫وأ َّن موالاتهَ م كموالاة خوا ِّص الم ِلك‪ ،‬وهذا عين الشرِّ ك؛ بل التوحي ُد‪ :‬أن‬ ‫لا ي َّتخذ من دونه أولياء‪.‬‬ ‫وكثير من الناس يبتغي غي َره َح َك ًام‪ ،‬يحاكم إليه‪ ،‬ويخُ ا ِصم إليه‪ ،‬و َيرضى‬ ‫ب ُحكمه‪.‬‬ ‫وهذه المقامات الثلاث ُة هي أركان التوحيد‪ :‬أن لا ي َّت ِخذ ِسواه ر ًّبا‪ ،‬ولا‬ ‫إلهًا‪ ،‬ولا غي َره َح َك ًام‪.‬‬ ‫‪163‬‬

‫من علامات صحة الرضا استواء النعمة والبلية‪:‬‬ ‫تستوي النِّعم ُة والبل َّي ُة [عند العبد] في الرضا لوجوه‪:‬‬ ‫‪ -1‬أ َّنه عب ٌد مح ٌض‪ ،‬والعبد‪ ‬المح ُض لا َيسخط ج َريا َن أحكا ِم س ِّيده ال ُمش ِف ِق‬ ‫البا ِّر النَّاص ِح المحسن‪.‬‬ ‫‪ -2‬أ َّنه جاه ٌل بعواقب الأمور‪ ،‬وس ِّي ُده أعل ُم بمصلحته وما ينفعه‪.‬‬ ‫بأع َّنلهيهإ‪،‬ذاوإرذاض َيس ب ِخهطانهقتلضباعفيفح ِّقعهلينهعثمق ًُةلهوومنَك ُّلحهة‪،،‬ولوم َخيز َّ َدف ْدعإلاَّليه حشمَّدُل ًةه‪،.‬‬ ‫‪ِ -3‬عل ُمه‬ ‫و ُأ ِعي َن‬ ‫‪ -4‬أن يعلم أ َّن ِرضاه عن ر ِّبه في جميع الحالات ُيث ِم ُر رضا ر ِّبه عنه‪.‬‬ ‫‪ -5‬أ َّن ال ِّرضا َيفت ُح له با َب ال َّسلامة‪ ،‬فيجعل قل َبه سلي اًم نق ًّيا من الغ ِّش‬ ‫وال َّد َغ ِل وال ِغ ِّل‪ ،‬ولا ينجو من عذاب الله إلاَّ َمن أتى اللهَ بقلب سليم‪.‬‬ ‫‪ -6‬أ َّن ال ِّرضا ُيو ِج ُب له أ ْن لا يأسى على ما فاته‪ ،‬ولا يفر َح بما آتاه‪ ،‬وذلك‬ ‫ِمن أفض ِل ِخصا ِل الإيمان‪.‬‬ ‫‪ -7‬أن الرضا من أعمال القلوب‪ ،‬نظي ُر الجهاد من أعمال الجوارح‪ ،‬فإ َّن ك َّل‬ ‫واح ٍد منهما ِذرو ُة سنا ِم الإيمان‪.‬‬ ‫‪ -8‬أ َّن الراضي واق ٌف مع اختيار الله له‪ ،‬مع ِر ٌض عن اختياره لن ْفسه‪ ،‬وهذا‬ ‫من ق َّو ِة معرفته بر ِّبه‪ ،‬ومعرفتِه بن ْف ِسه‪.‬‬ ‫ وقد اجتمع ُو َه ْي ُب‪ ‬بن ال َو ْرد‪ ،‬وسفيا ُن ال َّثور ُّي‪ ،‬ويوس ُف‪ ‬بن أ ْسباط‪،‬‬ ‫‪164‬‬

‫الرضـــــــا‬ ‫فقال ال َّثور ُّي ‪« :‬قد كنت أك َر ُه مو َت ال ُفجاءة قبل اليوم‪ ،‬فأ َّما اليوم‪:‬‬ ‫ ‬ ‫فو ِد ْد ُت أنيِّ ميت‪ ،‬فقال له يوسف‪ ‬بن أسباط‪ :‬ولمَ؟ فقال‪ :‬لمِا أتخ َّو ُف من‬ ‫الفتنة‪ ،‬فقال يوسف‪ :‬لكنِّي لا أك َر ُه طو َل البقاء‪ ،‬فقال ال َّثور ُّي‪ :‬ولمَ تك َر ُه‬ ‫المو َت؟ قال‪ :‬لعليِّ أصاد ُف يو ًما أتو ُب فيه وأعم ُل عم اًل صالحًا‪ ،‬فقيل‬ ‫ل ُو َهيب‪ :‬أ ُّي شي ٍء تقول أنت؟ فقال‪ :‬أنا لا أختار شي ًئا‪ ،‬أح ُّب ذلك إل َّي‬ ‫أح ُّبه إلى الله‪ ،‬ف َق َّبل ال َّثور ُّي بين عينيه‪ ،‬وقال‪ُ :‬روحان َّي ٌة ور ِّب الكعبة»‪.‬‬ ‫فهذا حال عب ٍد قد استو ْت عنده حال ُة البقاء والموت‪ ،‬وقف مع اختيار‬ ‫الله له منهما‪.‬‬ ‫‪ -9‬أ َّن رضا الله عن العبد أكب ُر من الجنَّة وما فيها‪ ،‬قال الله تعالى‪ ﴿:‬ﯟ‬ ‫ﯠ ﯡ ﯢ﴾ [التوبة‪.]72 :‬‬ ‫‪ -10‬أن الرضا يفتح با َب ُحس ِن الخُ ُلق مع الله ومع الناس؛ فإ َّن حسن‬ ‫الخُل ِق من الرضا‪ ،‬وسوء الخلق من السخط‪ ،‬وحسن الخلق يب ُلغ‬ ‫بصاحبه درج َة الصائم القائم‪ ،‬وسوء الخلق يأكل الحسنا ِت كما‬ ‫تأ ُك ُل النا ُر الحطب‪.‬‬ ‫‪ -11‬أ َّن الرضا بالقدر يخ ِّل ُص العب َد ِمن أن ُيرضي النا َس بسخط الله‪ ،‬وأن‬ ‫ي ُذ َّمهم على ما لم يؤته الله‪ ،‬وأن يحَ َم َدهم على ما هو مح ُض فض ِل الله‪.‬‬ ‫‪ -12‬أ َّن المح َّب َة والإخلاص والإنابة لا تقوم إلا على ساق الرضا‪ ،‬فالم ِح ُّب‬ ‫را ٍض عن حبيبه في ك ِّل حالة‪ ،‬وقد كان ِعمرا ُن‪ ‬ب ُن ُح َصي ٍن‬ ‫‪165‬‬

‫استسقى بطنُه‪ ،‬فبق َي مل ًقى على ظهره مد ًة طويلة‪ ،‬لا يقوم ولا‬ ‫يقعد‪ ،‬وقد ُنقب له في سريره موض ٌع لحاجته‪ ،‬فدخل عليه ُم َط ِّرف‪ ‬بن‬ ‫عبد‪ ‬الله‪ ‬ب ِن ال ِّش ِّخير‪ ،‬فجعل يبكي لمِا رأى من حاله‪ ،‬فقال له ِع ْمران‪:‬‬ ‫«لمَ تبكي؟ فقال‪ :‬لأنيِّ أراك على هذه الحا ِل العظيمة‪ ،‬فقال‪ :‬لا َت ْب ِك‪،‬‬ ‫فإ َّن أح َّبه إل َّي أح ُّبه إليه‪ ،‬وقال‪ُ :‬أخبرِ ُك بشيء‪ ،‬لع َّل الله أن ينف َعك به‪،‬‬ ‫واك ُت ْم عل َّي حتى أموت‪ ،‬إ َّن الملائكة تزورني فآ َن ُس بها‪ ،‬و ُتس ِّل ُم عل َّي‬ ‫فأس َم ُع تسلي َمها»‪.‬‬ ‫‪ -13‬أ َّن أعمال الجوار ِح ُتضا َع ُف إلى ح ٍّد معلوم محسوب‪ ،‬وأ َّما أعما ُل‬ ‫القلوب فلا ينتهي تضعي ُفها‪.‬‬ ‫‪166‬‬

‫الشــــكر‬ ‫منزلــــــــة ال�شــــــكر‬ ‫وهي من أعلى المنازل‪ ،‬وهي فو َق منزلة الرضا وزيادة؛ فالرضا ُمند ِر ٌج‬ ‫في الشكر؛ إذ َيستحي ُل وجو ُد الشكر بدونه‪ ،‬وهو نص ُف الإيمان ‪ -‬كما تق َّدم‬ ‫‪ -‬والإيمان نصفان‪ :‬نصف ُش ْكر‪ ،‬ونصف َصبرْ ‪ ،‬وقد أ َمر الل ُه به‪ ،‬ونهى عن‬ ‫ض ِّده‪ ،‬وأ ْثنى على أهله‪ ،‬ووص َف به خوا َّص َخ ْلقه‪ ،‬وجعله غاي َة َخل ِقه‬ ‫وأ ْم ِره‪ ،‬وو َعد أه َله بأح َس ِن جزائه‪ ،‬وجعله سب ًبا للمزيد من فضله‪ ،‬وحار ًسا‬ ‫وحاف ًظا لنِعمته‪ ،‬وأخبرَ أ َّن أهله ُه ُم ال ُمنت ِفعون بآياته‪ ،‬واش َت َّق لهم اس ًام من‬ ‫أسمائه؛ فإنه سبحانه هو ال َّشكور‪ ،‬وهو ُمو ِصل الشاكر إلى مشكوره‪ ،‬بل‬ ‫ُيعيد الشاك َر مشكو ًرا‪ ،‬وهو غاية رضا ال َّر ِّب من عبده‪.‬‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ﴾ [النحل‪.]114 :‬‬ ‫وفي ال َّصحيحين عن النب ِّي ﷺ‪« :‬أ َّنه قا َم ح َّتى َت َو َّر َم ْت َق َدماه‪ ،‬فقيل له‪:‬‬ ‫َتف َع ُل هذا وقد َغ َفر الل ُه ل َك ما َتق َّد َم ِمن َذ ْنبِ َك وما َتأ َّخ َر؟ قال‪ :‬أفلا أ ُكو ُن‬ ‫َع ْب ًدا َشكو ًرا؟»(((‪ .‬وقال ل ُمعاذ‪« :‬واللهِ يا ُمعا ُذ‪ ،‬إنيِّ لأَ ُ ِح ُّب َك؛ فلا َت ْن َس أ ْن َتقو َل‬ ‫في ُد ُب ِر ك ِّل َصلا ٍة‪ :‬الله َّم أ ِع ِّني على ِذ ْك ِر َك‪ ،‬و ُش ْك ِر َك‪ ،‬و ُح ْس ِن ِعبا َدتِ َك»(((‪.‬‬ ‫وأصل ال ُّشكر في وضع ال ِّلسان‪ :‬ظهو ُر أث ِر ال ِغذاء في أبدان الحيوان ُظهو ًرا‬ ‫َب ِّي ًنا‪ ،‬كذلك حقيق ُته في العبودية‪ ،‬وهو ظهو ُر أث ِر نعم ِة الله على لسان عب ِده‪:‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)4836‬ومسلم (‪. )2819‬‬ ‫((( أخرجه أبو داود (‪ ،)1522‬والنسائي (‪ ،)1303‬وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (‪. )1522‬‬ ‫‪167‬‬

‫ثنا ًء واعترا ًفا‪ ،‬وعلى قلبه شهو ًدا ومح َّب ًة‪ ،‬وعلى جوار ِحه انقيا ًدا وطاع ًة‪.‬‬ ‫وال ُّش ْكر َمبن ٌّي على خم ِس قواع َد‪ :‬خضوع الشاكر للمشكور‪ ،‬وح ُّبه له‪،‬‬ ‫واعترا ُفه بنعمته‪ ،‬والثنا ُء عليه بها‪ ،‬وألاَّ يستعملها فيما َي ْك َره‪.‬‬ ‫فهذه الخمسة هي أساس الشكر‪ ،‬وبِنا ُؤه عليها‪ ،‬فمتى ُع ِد َم منها واحدة‪:‬‬ ‫اخت َّل ِمن قواعد الشكر قاعد ٌة‪.‬‬ ‫وكل َمن تك َّلم في ال ُّش ْكر وح ِّده‪ ،‬فكلامه إليها يرجع‪ ،‬وعليها يدور‪.‬‬ ‫فقيل‪ :‬ح ُّده أنه الاعترا ُف بنِعمة ال ُمن ِعم على وجه الخضوع‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬هو ُعكو ُف القلب على مح َّبة ال ُمن ِعم‪ ،‬والجوارح على طاعته‪،‬‬ ‫و َجريان ال ِّلسان ب ِذ ْكره‪ ،‬والثناء عليه‪.‬‬ ‫وقال داو ُد ‪ :‬يا ر ِّب‪ ،‬كيف أش ُكرك؟ و ُش ْكري نِعم ٌة عل َّي من عندك‬ ‫َتستو ِجب بها ُش ْك ًرا؟! فقال‪ :‬الآن َش َك ْر َتني يا داو ُد‪.‬‬ ‫وقال ال ُج َنيد وقد سأله سرَ ِ ٌّي عن الشكر‪ ،‬وهو َصب ٌّي َبع ُد‪« :‬ال ُّش ْك ُر‪:‬‬ ‫أن لا ُيستعا َن بشيء من نِعم الله على معاصيه‪ ،‬فقال‪ِ :‬من أين لك هذا؟ قال‪:‬‬ ‫ِمن مجُ الستِك»‪.‬‬ ‫‪168‬‬

‫الحيــــــاء‬ ‫منزلـــــــة الحيــــــاء‬ ‫قال الله تعالى‪ ﴿ :‬ﭪﭫﭬ ﭭﭮ﴾ [النساء‪ ]1:‬وقال تعالى‪﴿ :‬ﭲﭳ‬ ‫ﭴﭵﭶﭷ﴾ [غافر‪.]19 :‬‬ ‫وفي الصحيح من حديث ابن ُعم َر ‪ :‬أ َّن رسو َل‪ ‬اللهِ ﷺ َم َّر ب َر ُج ٍل ‪ -‬وهو‬ ‫َي ِع ُظ أخا ُه في ال َحيا ِء ‪ -‬فقال‪َ « :‬د ْع ُه؛ فإ َّن الحيا َء ِمن الإيما ِن»(((‪.‬‬ ‫وفيهما عن أبي سعي ٍد ‪« :‬كان َرسو ُل‪ ‬الله ﷺ أ َش َّد َحيا ًء ِم َن ال َع ْذرا ِء في‬ ‫ِخ ْد ِرها‪ ،‬فإذا رأى َشي ًئا َي ْك َر ُهه َع َر ْفنا ُه في َو ْج ِهه»(((‪.‬‬ ‫والحياء من الحياة‪ ،‬وعلى َح َسب حياة القلب يكون فيه ق َّوة ُخ ُل ِق الحياء‪،‬‬ ‫و ِق َّلة الحياء من موت القلب وال ُّروح‪ ،‬فكلما كان القل ُب أحيى‪ ،‬كان الحيا ُء أت َّم‪.‬‬ ‫قال ال ُج َنيد ‪« :‬الحيا ُء رؤية الآلاء‪ ،‬ورؤية التقصير‪ ،‬فيتو َّلد بينهما حال ٌة‬ ‫ُتس َّمى الحيا َء‪ ،‬وحقيق ُته؛ ُخ ُل ٌق َيب َع ُث على َت ْر ِك القبائح‪ ،‬و َيم َنع ال َّتفري َط في‬ ‫ح ِّق صاحب الح ِّق»‪.‬‬ ‫وقال ال ُف َضيل‪ ‬بن ِعيا ٍض ‪« :‬خمَ ٌس من علامات ال َّش ْقو ِة‪ :‬القسو ُة في‬ ‫القلب‪ ،‬وجمُ و ُد العين‪ ،‬و ِق َّل ُة الحياء‪ ،‬والرغب ُة في الدنيا‪ ،‬وطو ُل الأمل»‪.‬‬ ‫وقال يحَ يى‪ ‬ب ُن ُمعاذ ‪َ « :‬م ِن استحيا ِمن الله ُمطي ًعا‪ :‬استحيا منه وهو‬ ‫ُمذنِ ٌب»‪.‬‬ ‫)‪ (1‬أخرجه البخاري (‪ ،)24‬ومسلم (‪.(36‬‬ ‫)‪ (2‬أخرجه البخاري (‪ ،)6102‬ومسلم (‪.(2320‬‬ ‫‪169‬‬

‫وهذا الكلام يحتاج إلى شرح؛ ومعناه‪ :‬أ َّن َمن َغ َلب عليه ُخ ُل ُق الحياء من‬ ‫الله حتى في حال طاعتِه‪ ،‬فقلبه ُمط ِر ٌق بين يديه إطراق ُمست ٍح َخ ِج ٍل؛ فإنه إذا‬ ‫وا َقع ذن ًبا استحيا الله ِمن نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه‪ ،‬فيستحيي‬ ‫أن يرى ِمن ول ِّيه و َمن َيك ُرم عليه ما َيشي ُنه عنده‪ ،‬وفي الشاهد شاه ٌد بذلك؛‬ ‫فإ َّن الر ُج َل إذا ا َّطلع على أخ ِّص الناس به‪ ،‬وأح ِّبهم إليه‪ ،‬وأقربهِ م منه من‬ ‫صاحب‪ ،‬أو ولد‪ ،‬أو َمن يح ُّبه وهو يخونه‪ ،‬فإنه َيل َحقه من ذلك الاطلا ِع عليه‬ ‫حيا ٌء عجي ٌب‪ ،‬حتى كأنه هو الجاني‪ ،‬وهذا غاي ُة الكرم‪.‬‬ ‫وأما حياء الر ِّب من عبده‪ :‬فذاك نوع آ َخ ُر‪ ،‬لا ُتد ِركه الأفها ُم‪ ،‬ولا ُتك ِّيفه‬ ‫العقو ُل؛ فإنه حيا ُء كر ٍم وبِ ٍّر وجود وجلال؛ فإنه حي ٌّي كري ٌم َيستحيي من‬ ‫عبده إذا ر َفع إليه يد ْيه أن ُير َّدهما ِصف ًرا‪ ،‬ويستحيي أن ُيع ِّذ َب ذا َش ْيب ٍة شاب ْت‬ ‫في الإسلام‪.‬‬ ‫أوجه الحياء‪:‬‬ ‫وقد قسم الحياء على عشر ِة أ ْوجه‪ :‬حياء ِجناية‪ ،‬وحياء تقصير‪ ،‬وحياء‬ ‫َجلا ٍل‪ ،‬وحياء َك َر ٍم‪ ،‬وحياء ِح ْشم ٍة‪ ،‬وحياء استِصغار لل َّنفس واحتِقار لها‪،‬‬ ‫وحياء مح َّبة‪ ،‬وحياء عبود َّية‪ ،‬وحياء شرف و ِع َّزة‪ ،‬وحياء ال ُمستحيي من َن ْفسه‪.‬‬ ‫فأ َّما حياء الجناية‪ :‬فمنه حياء آدم ‪ ،‬لمََّا ف َّر هار ًبا في الجنة‪.‬‬ ‫وحياء التقصير كحياء الملائكة الذين ُيس ِّبحون الليل والنهار لا َيفترُ ون‪،‬‬ ‫فإذا كان يو ُم القيامة قالوا‪ُ « :‬س ْبحا َنك! ما عبدناك ح َّق عبادتِك»‪.‬‬ ‫‪170‬‬

‫الحيــــــاء‬ ‫وحياء الإجلال هو حياء معرفة‪ ،‬وعلى َح َسب معرفة العبد بر ِّبه يكون‬ ‫حياؤه منه‪.‬‬ ‫وحياء الكرم كحياء النب ِّي ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى َوليم ِة َزين َب‪،‬‬ ‫و َط َّولوا عنده‪ ،‬فقام واستحيا أن يقول لهم‪ :‬انصرفوا(((‪.‬‬ ‫وحياء الحشمة كحياء عليِّ‪ ‬بن أبي طالب أن يسأل رسول‪ ‬الله ﷺ عن‬ ‫المَ ْذ ِي؛ لمكان ابنتِه ِمنه(((‪.‬‬ ‫وحياء الاستِحقار واستِصغار ال َّن ْفس كحياء العب ِد من ر ِّبه حين يسأله‬ ‫حوائجه‪ ،‬احتِقا ًرا لشأن َن ْف ِسه‪ ،‬واستِصغا ًرا لها‪.‬‬ ‫وأما حياء المح َّبة‪ :‬فهو حياء المح ِّب من محبوبه‪ ،‬حتى إ َّنه إذا َخ َطر على قلبه‬ ‫في حال َغ ْيبتِه هاج الحيا ُء‬ ‫من قلبه‪ ،‬وأح َّس به في و ْجهه‪ ،‬ولا يدري ما سببه‪،‬‬ ‫وكذلك َيع ِرض للمح ِّب‬ ‫عند ملاقاتِه محبوبه ومفاجأته له روع ٌة شديد ٌة‪.‬‬ ‫وأ َّما حيا ُء العبودية‪ :‬فهو حياء مُ ت ِزج بين مح َّب ٍة وخوف‪ ،‬ومشاهد ِة عدم‬ ‫صلاح عبوديته لمعبوده‪ ،‬وأن َق ْد َره أعلى وأج ُّل منها‪ ،‬فعبود َّيته له ُتو ِجب‬ ‫استحيا َءه منه لا محالة‪.‬‬ ‫وأ َّما حيا ُء الشرف والع َّزة‪ :‬فحيا ُء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما‬ ‫هو دون ق ْدرها من بذل عطاء أو إحسان‪ ،‬فإنه يستحيي مع َب ْذلِه حيا َء شرَ ِف‬ ‫َن ْف ٍس و ِع َّزة‪ ،‬وهذا له سببان‪:‬‬ ‫)‪ (1‬أخرجه البخاري (‪ ،)4793‬ومسلم (‪.(1428‬‬ ‫)‪ (2‬أخرجه البخاري (‪ ،)269 ،178‬ومسلم (‪.(303‬‬ ‫‪171‬‬

‫أحدهما هذا‪ ،‬والثاني‪ :‬استحياؤه من الآ ِخذ‪ ،‬حتى إ َّن بعض أهل الكرم لا‬ ‫التك ُّرم؛‬ ‫حياء‬ ‫في‬ ‫َيد ُخل‬ ‫وهذا‬ ‫منه‪،‬‬ ‫حيا ًء‬ ‫لمن ُيعطيه‬ ‫ُتطا ِوعه َن ْف ُسه بمواجهته‬ ‫الآ ِخذ‪.‬‬ ‫لأنه يستحيي من َخ ْجل ِة‬ ‫وأ َّما حيا ُء المر ِء من ن ْف ِسه؛ فهو حياء ال ُّنفو ِس الشريفة العزيزة ِمن ِرضاها‬ ‫لن ْفسها بالنقص‪ ،‬و َبي ِعها بال ُّدو ِن وهذا أكم ُل ما يكون من الحياء؛ فالعب ُد إذا‬ ‫استحيا من ن ْفسه؛ فهو بأن يستحيي من غيره أ ْجد ُر‪.‬‬ ‫[و] العبد متى َع ِلم أن الر َّب تعالى ناظ ٌر إليه أورثه هذا العل ُم حيا ًء منه‪،‬‬ ‫يج ِذبه إلى احتمال أعباء الطاعة‪ ،‬مثل العبد إذا َع ِمل الشغل بين يدي س ِّيده‪،‬‬ ‫ت ِم ًال لأعبائه‪ ،‬ولا س َّيما مع الإحسان‬ ‫فإنه يكون نشي ًطا فيه‪ ،‬محُ‬ ‫من س ِّيده إليه‪،‬‬ ‫ما إذا كان غائ ًبا عن س ِّيده‪ ،‬والر ُّب‬ ‫ومح َّبتِه لس ِّيده‪ ،‬بخلاف‬ ‫تعالى لا َيغي ُب‬ ‫نظ ُره عن عبده‪ ،‬ولكن يغيب نظ ُر القلب والتفا ُته إلى نظره سبحانه إلى العبد‪،‬‬ ‫فإن القلب إذا غاب َنظ ُره‪ ،‬وق َّل التفا ُته إلى َنظ ِر الله تبارك وتعالى إليه‪ :‬تو َّلد‬ ‫من ذلك ِق َّل ُة الحياء ‪.‬‬ ‫وكذلك يحمله على استقباح ِجنايته‪ ،‬وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء َق ْد ٌر‬ ‫زائ ٌد على استقباح ملاحظة الوعيد‪ ،‬وهو فوقه‪.‬‬ ‫وأرفع درجة منه‪ :‬الاستقبا ُح الحاص ُل عن المح َّبة‪ ،‬فاستقباح المح ِّب أت ُّم‬ ‫من استقباح الخائف؛ ولذلك فإن هذا الحياء َيك ُّف العب َد أن يشتكي لغير الله‪،‬‬ ‫فيكون قد شكا الله إلى خ ْلقه‪ ،‬ولا َيم َن ُع الشكوى إليه سبحانه‪ ،‬فإن الشكوى‬ ‫إليه سبحانه فق ٌر‪ ،‬و ِذ َّل ٌة‪ ،‬وفاقة‪ ،‬وعبودية‪ ،‬فالحيا ُء منه لا ُينافيها‪.‬‬ ‫‪172‬‬

‫الصـــــدق‬ ‫منزلـــــــــة ال�صــــــدق‬ ‫هي منزل القوم الأعظ ُم‪ ،‬الذي منه تنشأ جمي ُع منازل ال َّسالكين‪ ،‬والطري ُق‬ ‫الأقوم الذي َمن لم َيسرِ ْ عليه فهو من ال ُمنق ِطعين الهالكين‪ ،‬وبه تمَ َّيز أه ُل النفاق‬ ‫من أهل الإيمان‪ ،‬و ُس َّكان ال ِجنا ِن من أهل النيران‪ ،‬وهو سيف الله في أرضه‬ ‫الذي ما ُو ِضع على شيء إلا َق َطعه‪ ،‬ولا وا َجه باط ًال إلا أر َداه وصرَ َ عه‪َ ،‬من‬ ‫صال به لم ُت َر َّد صولته‪ ،‬و َمن َن َطق به َع َل ْت على الخصوم َك ِلم ُته‪ ،‬فهو ُروح‬ ‫الأعمال‪ ،‬ومحَ َ ُّك الأحوال‪ ،‬والحام ُل على اقتِحام الأهوال‪ ،‬والباب الذي‬ ‫دخل منه الواصلون إلى َحضر ِة ذي ال َجلال‪ ،‬وهو أساس بِناء ال ِّدين‪ ،‬وعمود‬ ‫ُفسطاط اليقين‪ ،‬ودرجته تالية لدرجة ال ُّنب َّوة التي هي أرف ُع درجات العالمين‪،‬‬ ‫ومن مساكنهم في ال ِجنا ِن تجري العيو ُن والأنها ُر إلى مساكن ال ِّص ِّديقين‪ ،‬كما‬ ‫كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار َم َد ٌد م َّتصل و ُمعين‪.‬‬ ‫وقد أمر الله سبحانه أه َل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين‪ ،‬وخ َّص ال ُمن َع َم‬ ‫عليهم بال َّنب ِّيي َن وال ِّص ِّديقي َن وال ُّشهدا ِء وال َّصالحين؛ فقال تعالى‪﴿ :‬ﭲ‬ ‫ﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭹ﴾ [التوبة‪.]119:‬‬ ‫و َق َّسم الل ُه سبحانه النا َس إلى صاد ٍق ومناف ٍق؛ فقال‪﴿ :‬ﭦ ﭧﭨ‬ ‫ﭩﭪﭫﭬﭭ ﭮﭯﭰ﴾ [الأحزاب‪.]24 :‬‬ ‫والإيمان أسا ُسه الصد ُق‪ ،‬والنفا ُق أسا ُسه الكذ ُب؛ فلا يجتمع ك ِذب وإيمان‬ ‫إلا وأحدهما محُ ا ِر ٌب للآ َخر‪.‬‬ ‫‪173‬‬

‫وقال‪﴿ :‬ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬﭭ ﭮ‬ ‫ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ﴾ [ال ُّز َمر‪ ]34- 33:‬فالذي جاء بالصدق‬ ‫هو من شأنه الصد ُق في قوله وعم ِله وحاله‪ ،‬فالصدق في هذه الثلاثة‪.‬‬ ‫فال ِّصدق في الأقوال‪ :‬استِواء ال ِّلسان على الأقوال‪ ،‬كاستواء ال ُّس ْنبل ِة على‬ ‫ساقها‪ ،‬وال ِّصدق في الأعمال‪ :‬استوا ُء الأفعال على الأمر والمتابعة‪ ،‬كاستواء‬ ‫الرأس على الجسد‪ ،‬وال ِّصدق في الأحوال‪ :‬استواء القلب والجوارح على‬ ‫الإخلاص‪ ،‬واستِفراغ ال ُوسع‪ ،‬وبذ ُل ال َّطاقة‪ ،‬فبذلك يكون العب ُد من الذين‬ ‫جاؤوا بال ِّصدق‪ ،‬وب َح َسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به‪ :‬تكون ص ِّديق َّي ُته؛‬ ‫ولذلك كان لأبي بكر ال ِّص ِّدي ِق وأرضاه‪ُ :‬ذرو ُة َسنا ِم ال ِّصديق َّية‪ ،‬حتى‬ ‫ُس ِّمي «الصدي َق» على الإطلاق‪ ،‬والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ‬ ‫من الصادق‪ ،‬فأعلى مراتب الصدق‪ :‬مرتبة الصديق َّية‪ ،‬وهي كمال الانقيا ِد‬ ‫لل َّرسول ﷺ‪ ،‬مع كمال الإخلاص لل ُمر ِسل‪.‬‬ ‫وقد أ َمر الل ُه سبحانه رسو َله أن يسأله أن يجعل ُمد َخله ومخُ َرجه على ال ِّصدق؛‬ ‫فقال‪﴿ :‬ﮊﮋ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮕﮖ‬ ‫ﮗ﴾ [الإسراء‪ ]80:‬وأخبرَ عن خليله إبراهي َم ﷺ‪ ،‬أ َّنه سأله أن َهيِ َب له لسا َن‬ ‫ِصد ٍق في الناس‪ ،‬فقال‪ ﴿ :‬ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ﴾ [الشعراء‪.]84:‬‬ ‫وبشرَّ عبا َده بأن لهم عنده َق َد َم ِصد ٍق‪ ،‬و َم ْقع َد ِصد ٍق؛ فقال تعالى‪﴿ :‬ﭣ‬ ‫ﭤﭥ ﭦﭧﭨﭩﭪﭫ﴾ [يونس‪ ،]2:‬وقال‪﴿ :‬ﭪﭫ ﭬﭭﭮ‬ ‫ﭯﭰﭱ ﭲﭳﭴﭵ﴾ [القمر‪.]55 -54:‬‬ ‫‪174‬‬

‫الصـــــدق‬ ‫فهذه خمسة أشياء‪ُ :‬مد َخل الصدق‪ ،‬ومخُ َرج الصدق‪ ،‬ولسا ُن الصدق‪،‬‬ ‫و َق َد ُم الصدق‪ ،‬و َم ْق َع ُد الصدق‪.‬‬ ‫وحقيقة ال ِّصد ِق في هذه الأشياء‪ :‬هو الح ُّق الثابت‪ ،‬ال ُم َّت ِصل بالله‪ ،‬الموصل‬ ‫إلى الله‪ ،‬وهو ما كان به وله‪ ،‬من الأقوال والأعمال‪ ،‬وجزاء ذلك في الدنيا‬ ‫والآخرة‪.‬‬ ‫ف ُمد َخل الصدق‪ ،‬و خُم َرج الصدق‪ :‬أن يكون دخو ُله وخرو ُجه ح ًّقا ثاب ًتا‬ ‫بالله‪ ،‬وفي مرضاتِه‪ُ ،‬م َّتص ًال بال َّظ َفر بال ُبغي ِة‪ ،‬وحصول المطلوب‪ ،‬ضد مخُ َرج‬ ‫الك ِذب و ُمد َخله الذي لا غاية له ُيو ِصل إليها‪ ،‬ولا له ساق ثابتة يقوم‬ ‫عليها‪ ،‬ك ُمخ َرج أعدائه يوم بدر‪ ،‬ومخُ َرج الصدق ك ُمخ َرجه هو وأصحابه‬ ‫في تلك الغزوة‪.‬‬ ‫وكذلك ُمد َخله المدينة كان ُمد َخل ِصدق بالله‪ ،‬ولله‪ ،‬وابتغاء مرضاة الله‪،‬‬ ‫فا َّتصل به التأيي ُد وال َّظ َف ُر وال َّنص ُر‪ ،‬وإدرا ُك ما ط َلبه في الدنيا والآخرة‪ ،‬بخلاف‬ ‫ُمد َخل ال َك ِذب الذي رام أعداؤه أن َي ْد ُخلوا به المدين َة يوم الأحزاب‪ ،‬فإنه لم‬ ‫يكن بالله‪ ،‬ولا لله‪ ،‬بل محُ ا َّدة لله ورسوله‪ ،‬فلم ي َّت ِصل به إلا ال ِخذلا ُن وال َبوا ُر‪.‬‬ ‫وأ َّما لسان ال ِّصدق‪ :‬فهو الثنا ُء الحس ُن عليه ﷺ من سائر الأمم بالصدق‪،‬‬ ‫ليس ثنا ًء بال َك ِذب؛ كما قال عن إبراهيم وذر َّيته من الأنبياء والرسل‪﴿:‬ﰂ‬ ‫ﰃﰄ ﰅ ﰆﰇ ﰈ ﰉﰊ﴾ [مريم‪ ]50 :‬والمرا ُد بال ِّلسان هاهنا‪:‬‬ ‫الثنا ُء ال َح َس ُن‪.‬‬ ‫وأ َّما َقد ُمال ِّصد ِق‪:‬ف ُفسرِّ بالج َّنة‪،‬و ُفسرِّ بمحمدﷺ‪،‬و ُفسرِّ بالأعمالالصالحة‪.‬‬ ‫‪175‬‬

‫وحقيقة القدم ما ق َّدموه و ُيق ِدمون عليه يوم القيامة‪ ،‬وهم ق َّدموا الأعما َل‬ ‫والإيما َن بمحمد ﷺ‪ ،‬و ُيق ِدمون على الج َّنة التي هي جزاء ذلك‪.‬‬ ‫وأ َّما َمق َع ُد الصدق‪ :‬فهو الجنة عند الر ِّب تبارك وتعالى‪.‬‬ ‫و ِو ْصف ذلك ك ِّله بالصدق ُمستل ِز ٌم ثبو َت َه واستقرا َر ُه‪ ،‬وأنه ح ٌّق‪ ،‬ودوا َم ُه‬ ‫و َنف َع ُه‪ ،‬وكمال عائدته‪ ،‬فإنه ُم َّت ِص ٌل بالحق سبحانه‪ ،‬كائن به وله‪.‬‬ ‫قال عبد‪ ‬الواحد‪ ‬بن زيد‪« :‬الصدق‪ :‬الوفاء لله بالعمل»‪.‬‬ ‫وقيل‪ُ :‬موا َفقة السرِِّّ ال ُّنط َق‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬استواء الس ِّر والعلانية‪ ،‬يعني أن الكاذب علاني ُته خي ٌر من سريرته‪،‬‬ ‫كالمنافق الذي ظاه ُره خير من باطنه‪.‬‬ ‫إن الصاد َق مطلو ُبه رضا ر ِّبه‪ ،‬وتنفي ُذ أوامره‪ ،‬وتت ُّبع محا ِّبه‪ ،‬فهو ُمتق ِّلب‬ ‫فيها يسير معها أين تو َّجهت ركائ ُبها‪ ،‬و َيستق ُّل معها أين استق َّلت مضاربهُ ا‪،‬‬ ‫َف َب ْي َنا ُه َو في َصلاَ ٍة إِ ْذ رأي ْته في ِذ ْك ٍر ُث َّم فيِ َغ ْز ٍو‪ ،‬ثم في َح ٍّج‪ ،‬ثم في إحسان لل َخلق‬ ‫بالتعليم وغيره‪ ،‬من أنواع النفع‪ ،‬ثم في أم ٍر بمعروف‪ ،‬أو نهَ ي عن ُمنكر‪ ،‬أو في‬ ‫قيام بسبب فيه عمارة لل ِّدين والدنيا‪ ،‬ثم في عيادة مريض‪ ،‬أو تشييع جنازة‪ ،‬أو‬ ‫نصر مظلوم ‪-‬إن أمكن‪ -‬إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع‪.‬‬ ‫لا َيم ِلكه رس ٌم ولا عادة ولا َو ْض ٌع‪ ،‬ولا يتق َّيد بقيد ولا إشارة‪ ،‬ولا بمكان‬ ‫معينَّ لا يصليِّ إلاَّ فيه‪ ،‬وز ٍّي ُمعينَّ لا َيل َبس سواه‪ ،‬وعبادة ُمع َّينة لا َيلت ِفت‬ ‫إلى غيرها‪ ،‬مع فض ِلها عليها في الدرجة‪ ،‬و ُب ْع ِد ما بينهما ك ُب ْعد ما بين السماء‬ ‫‪176‬‬

‫الصاـلـــ�ـصــدـــقدق‬ ‫والأرض؛ فإن البلا َء والآفا ِت والريا َء والتص ُّنع‪ ،‬وعباد َة ال َّنف ِس‪ ،‬وإيثا َر‬ ‫ُمرا ِدها‪ ،‬والإشار َة إليها‪ :‬كلها في هذه الأوضاع‪ ،‬والرسوم والقيود‪ ،‬التي‬ ‫َح َبس ْت أربابهَ ا عن السير إلى قلوبهم‪ ،‬فض ًال عن السير من قلوبهم إلى الله‬ ‫تعالى‪ ،‬فإذا خرج أح ُدهم عن رس ِمه ووض ِعه وز ِّيه وقي ِده وإشارته ‪ -‬ولو‬ ‫إلى أفضل منه ‪ -‬اس َته َجن ذلك‪ ،‬ورآه نق ًصا‪ ،‬وسقو ًطا من أعين الناس‪،‬‬ ‫وانحطا ًطا ل ُرتبته عندهم‪ ،‬وهو قد انح َّط و َس َقط من عين الله‪.‬‬ ‫وأي ًضا ف َحمل الصدق ك َحمل الجبال ال َّرواسي‪ ،‬لا ُيطي ُقه إلاَّ أصحا ُب‬ ‫العزائم‪ ،‬فهم يتق َّلبون تحته تق ُّلب الحماَّ ل بحمله الثقيل‪ ،‬والرياء والكذب‬ ‫خفيف كالريشة‪ ،‬لا يجد له صاحبه ثِ َق ًال الب َّتة‪ ،‬فهو حام ٌل له في أي موضع‬ ‫ا َّت َفق‪ ،‬بلا تعب ولا مش َّقة ولا ُك ْلفة‪ ،‬ولا يتق َّلب تحت حمِ له ولا يجد ثِ َقله‪.‬‬ ‫‪177‬‬

‫منزلـــــــة الإيثــــــار‬ ‫قال الله تعالى في مدح أه ِله‪﴿ :‬ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ﴾‬ ‫[الحشر‪]9 :‬؛ فالإيثار ض ّد ال ُّشح؛ فإ َّن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه‪.‬‬ ‫قال عبد‪ ‬الله‪ ‬بن المبارك ‪« :‬سخاء ال َّن ْف ِس عماَّ في أيدي النا ِس أفض ُل‬ ‫ِمن سخاء ال َّن ْف ِس بال َبذل»‪.‬‬ ‫وهذا المنزل‪ :‬هو منزل الجو ِد والسخاء والإحسان‪.‬‬ ‫وس ِّمي بمنزل «الإيثار»؛ لأنه أعلى مراتبِه؛ فإ َّن المراتب ثلا ٌث‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن لا ينقصه الب ْذل‪ ،‬ولا يص ُع ُب عليه‪ ،‬فهو منزلة «السخاء»‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬أن يعطي الأكثر‪ ،‬و ُيب ِق َي له شي ًئا‪ ،‬أو يبق َي مث َل ما أعطى‪ ،‬فهو «ال ُجود»‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬أن يؤثر غي َره بالشيء مع حاجته إليه‪ ،‬فهي مرتبة «الإيثار»‪،‬‬ ‫وعك ُسها «الأ َثرة» وهو استِ ْئثا ُره عن أخيه بما هو محتاج إليه‪ ،‬وهي المرتبة‬ ‫التي قال فيها رسو ُل‪ ‬الله ﷺ للأنصار ‪« :‬إ َّن ُكم س َت ْل َق ْو َن َب ْعدي أ َثر ًة‪،‬‬ ‫فاصبرِ ُوا ح َّتى َت ْل َق ْوني على ال َح ْو ِض»(((‪ .‬وكان َقي ُس‪ ‬بن سعد‪ ‬ب ِن ُعباد َة من‬ ‫الأجواد المعروفين‪ ،‬حتى إ َّنه م ِرض م َّر ًة فاستبطأ إخوا َنه في العيادة‪ ،‬فسأل‬ ‫عنهم‪ ،‬فقالوا‪« :‬إنهم يستحيون م َّما لك عليهم من ال َّدين‪ ،‬فقال‪ :‬أخزى الل ُه‬ ‫ما ًال َيمنع الإخوا َن من الزيارة‪ ،‬ثم أ َم َر مناد ًيا ُينادي‪َ :‬من كان ل َقي ٍس عليه‬ ‫ما ٌل فهو منه في ِح ٍّل‪ ،‬فما أمسى حتى ُكسرِ َ ْت عتب ُة بابه؛ ل َكثرة َمن عا َده»‪.‬‬ ‫)‪ (1‬أخرجه البخاري (‪ )3793‬واللفظ له‪ ،‬ومسلم (‪.(1059‬‬ ‫‪178‬‬

‫الإيثـــــــار‬ ‫فتأ َّمل س َّر التقدير‪ ،‬حيث ق َّدر الحكي ُم الخبير ‪-‬سبحانه‪ -‬استئثا َر الناس‬ ‫على الأنصار بالدنيا ‪-‬وهم أهل الإيثار‪-‬؛ ليجاز هَيم على إيثارهم في الدنيا‬ ‫على نفوسهم بالمنازل العالية في ج َّنات ع ْد ٍن على الناس‪ ،‬فيظهر حينئذ‬ ‫فضيل ُة إيثا ِرهم ودرج ُته و َيغبِ ُطهم َم ِن استأثر عليهم بالدنيا أعظ َم ِغبط ٍة‪،‬‬ ‫وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم‪.‬‬ ‫فإذا رأي َت الناس يستأثرون عليك ‪-‬مع كونك من أهل الإيثار‪-‬؛ فاعلم‬ ‫أ َّنه الخير يراد بك‪.‬‬ ‫مراتب الجود‪:‬‬ ‫وال ُجود َعش ُر مرات َب‪:‬‬ ‫إحداها‪ :‬الجود بالن ْفس‪ ،‬وهو أعلى مراتبِه‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬ ‫يجَ ُو ُد بال َّن ْف ِس‪ ،‬إ ْذ َض َّن ال َبخي ُل بها‬ ‫وال ُجو ُد بال َّن ْف ِس أ ْقصىَ غاي ِة ال ُجو ِد‬ ‫الثانية‪ :‬الجود بالرياسة‪ ،‬وهو ثاني مرات ِب الجود‪ ،‬فيحمل الجوا َد ُجو ُده على‬ ‫امتهان رياسته‪ ،‬وال ُجو ِد بها‪ ،‬والإيثار في قضاء حاجات الملت ِمس‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬الجود براحتِه و َرفاهيته‪ ،‬وإجما ِم ن ْف ِسه‪ ،‬فيجود بها تع ًبا وك ًّدا في‬ ‫مصلحة غي ِره‪ ،‬ومن هذا جو ُد الإنسا ِن ب َنو ِمه ول َّذتِه ل ُمسا ِمره‪ ،‬كما قيل‪:‬‬ ‫ُم َت َّيـ ٌم بال َّنــ َدى لـو قـال سائِ ُلــ ُه‬ ‫َه ْب لي جمَ ي َع َك َرى َع ْي َن ْي َك‪ ،‬ل ْم َي َن ِم‬ ‫‪179‬‬

‫الرابعة‪ :‬الجود بال ِعلم و َب ْذلِه‪.‬‬ ‫ومن الجود به‪ :‬أن َتب ُذ َله لمَن لم يسأ ُلك عنه؛ بل َتط َر َحه عليه ط ْر ًحا‪.‬‬ ‫ومن الجود به‪ :‬أن السائل إذا سألك عن مسألة؛ استقصي َت له جوابهَ ا‬ ‫جوا ًبا شاف ًيا‪ ،‬لا يكون جوا ُبك له بق ْدر ما َتد َف ُع به الضرَّ ورة‪ ،‬كما كان‬ ‫بع ُضهم يك ُت ُب في جواب الفتيا‪« :‬نعم»‪ ،‬أو‪« :‬لا»‪ .‬مقتصرًِ ا عليها‪.‬‬ ‫وقد شاهد ُت من شيخ الإسلام اب ِن تيم َّي َة في ذلك أم ًرا عجي ًبا؛ كان إذا‬ ‫ُسئل عن مسألة ُحكم َّي ٍة‪ ،‬ذكر في جوابها مذاه َب الأئ َّم ِة الأربعة ‪-‬إذا َق ِد َر‬ ‫عليه‪ ،-‬ومأخ َذ الخلاف‪ ،‬وترجي َح القو ِل الراجح‪ ،‬وذك َر متعلقات المسأل ِة‬ ‫التي ربما تكون أنف َع للسائل من مسألته‪ ،‬فيكون فر ُحه بتلك المتعلقات‬ ‫وال َّلواز ِم أعظ َم من فر ِحه بمسألته‪.‬‬ ‫الخامسة‪ :‬الجود بال َّنفع بالجاه‪ ،‬كال َّشفاع ِة والمش ِي مع ال َّرجل إلى ذي‬ ‫سلطان ونحوه‪.‬‬ ‫السادسة‪ :‬الجود بنفع البدن على اختلاف أنوا ِعه‪ ،‬كما قال ال َّنب ُّي ﷺ‪:‬‬ ‫« ُيصبِ ُح على ُك ِّل ُسلاَ مى ِمن أ َح ِد ُكم َص َدق ٌة‪ُ ،‬ك َّل َيو ٍم َتط ُل ُع فيه ال َّشم ُس‪،‬‬ ‫َي ْع ِد ُل بينْ اث َنينْ ِ َص َدق ٌة‪ ،‬و ُتعي ُن ال َّر ُج َل في دا َّبتِه‪ ،‬ف َت ْح ِم ُله ع َليها‪ ،‬أو َير َف ُع له‬ ‫ع َليها َمتا َع ُه َص َدق ٌة‪ ،‬وال َك ِلم ُة ال َّط ِّيب ُة َص َدق ٌة‪ ،‬وب ُك ِّل ُخ ْطو ٍة َي ْمشيها ال َّر ُج ُل‬ ‫إلى ال َّصلا ِة َص َدق ٌة‪ ،‬و ُي ِمي ُط الأذى ع ِن ال َّطري ِق َص َدق ٌة»(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)2989‬ومسلم (‪.)1009‬‬ ‫‪180‬‬

‫الإيثـــــــار‬ ‫السابعة‪ :‬الجود بال ِعرض‪ ،‬ك ُجود أبيِ َض ْم َض ٍم من ال َّصحابة ‪ ،‬كان إذا‬ ‫أص َب َح قال‪ :‬ال َّله َّم إ َّنه لا ما َل لي فأتصد ُق بِه على ال َّنا ِس‪ ،‬وقد َتص َّد ْق ُت‬ ‫عليهم ب ِعرضي‪ ،‬ف َمن ش َت َمني‪ ،‬أو ق َذ َفني‪ :‬فهو في ِح ٍّل‪.‬‬ ‫وفي هذا الجود من سلامة الصدر‪ ،‬وراح ِة القلب‪ ،‬والتخ ُّل ِص من معاداة‬ ‫الخ ْلق ما فيه‪.‬‬ ‫الثامنة‪ :‬الجود بالصبر‪ ،‬والاحتمال‪ ،‬والإغضا ِء‪ ،‬وهذه مرتبة شريف ٌة ِمن‬ ‫مراتبه‪ ،‬وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال‪.‬‬ ‫ف َمن ص ُع َب عليه الجو ُد بماله فعليه بهذا الجو ِد؛ فإ َّنه يجتني ثمر َة عواقبِه‬ ‫الحميد ِة في ال ُّدنيا قبل الآخرة‪ ،‬وهذا جود ال ُفت َّوة‪.‬‬ ‫التاسعة‪ :‬الجود بال ُخلق والبِشر وال َبسطة‪ ،‬وهو فو َق الجود بالصبر‪،‬‬ ‫والاحتمال والعفو‪ ،‬وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم‪.‬‬ ‫والعبد لا يمكنه أن ي َس َع النا َس بماله ويمك ُنه أن ي َس َعهم ب ُخ ُلقه واحتماله‪.‬‬ ‫العاشرة‪ :‬الجود بتركه ما في أيدي النا ِس عليهم‪ ،‬فلا يلتفت إليه‪ ،‬ولا‬ ‫َيستش ِرف له بقلبه‪ ،‬ولا يتع َّرض له بحاله‪ ،‬ولا لسانِه‪ ،‬وهذا هو الذي قال‬ ‫عبد‪ ‬الله‪ ‬بن المبارك‪ :‬إ َّنه من جود الب ْذل‪.‬‬ ‫ولك ِّل مرتب ٍة من مراتب الجود مزيد وتأثي ٌر خا ٌّص في القلب والحال‪،‬‬ ‫والله سبحانه قد ض ِمن المزي َد للجواد‪ ،‬والإتلا َف لل ُم ْم ِسك‪ ،‬والله المستعان‪.‬‬ ‫‪181‬‬

‫منزلــــــــــة ال ُخلـــــــ ُق‬ ‫قال الله تعالى لنب ِّيه ﷺ‪﴿ :‬ﮛﮜ ﮝﮞ﴾ [القلم‪.]٤ :‬‬ ‫والمعنى‪ :‬إ َّنك َلعلى الخُ ُلق الذي آث َرك الله به في القرآن‪.‬‬ ‫وقد ج َمع الله له مكار َم الأخلاق في قوله تعالى‪﴿ :‬ﭵﭶﭷﭸﭹ‬ ‫ﭺﭻ﴾ [الأعراف‪.]199 :‬‬ ‫قال أن ٌس ‪« :‬ما َم ِس ْس ُت ِديبا ًجا ولا َحري ًرا أ ْلينَ َ ِمن َك ِّف َرسو ِل‪ ‬الله‬ ‫ﷺ‪ ،‬ولا َش ِم ْم ُت را ِئح ًة َق ُّط أ ْط َي َب ِمن را ِئح ِة َرسو ِل‪ ‬الله ﷺ‪ .‬ول َق ْد َخ َد ْم ُت‬ ‫لمِ َ‬ ‫ْ ٍء‬ ‫لِشيَ‬ ‫ِسنِي َن‪ ،‬فما قال‬ ‫َف َع ْل ُته‪:‬‬ ‫ولا قال‬ ‫لي َق ُّط‪ُ :‬أ ٍّف‪،‬‬ ‫أ ْف َع ْل ُه‪ :‬ألا َف َع ْل َت‬ ‫َ‬ ‫َعشرْ‬ ‫َرسو َل‪ ‬الله ﷺ‬ ‫عليه(((‪.‬‬ ‫كذا؟» متفق‬ ‫ٍء لمَ‬ ‫َف َع ْل َته؟ ولا لشيَ‬ ‫ْ‬ ‫ال ِّدين كله ُخلق‪ ،‬ف َمن زا َد عليك في الخُلق‪ ،‬زا َد عليك في ال ِّدين‪.‬‬ ‫وقد قيل‪ :‬إ َّن حسن الخُلق‪ :‬بذ ُل الندى‪ ،‬وك ُّف الأذى‪ ،‬واحتما ُل الأذى‪.‬‬ ‫و ُحسن الخُلق يقو ُم على أربعة أركان لا ُيتص َّور قيا ُم ساقه إلا عليها‪:‬‬ ‫الصبر‪ ،‬وال ِع َّفة‪ ،‬والشجاعة‪ ،‬والعدل‪.‬‬ ‫فالصبر يحَ ِم ُله على الاحتمال وك ْظ ِم الغيظ‪ ،‬وك ِّف الأذى‪ ،‬وال ِحل ِم والأنا ِة‬ ‫وال ِّرفق‪ ،‬وعد ِم ال َّطيش والعجلة‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)1973‬ومسلم (‪.)2330‬‬ ‫‪182‬‬

‫ال ُخــــــ ُلق‬ ‫والع َّفة تحمله على اجتناب ال َّرذائ ِل والقبائ ِح من القول والفعل‪ ،‬وتحَ ِمله‬ ‫على الحياء‪ ،‬وهو رأس ك ِّل خير‪ ،‬وتمنعه من الفحش‪ ،‬والبخ ِل والكذب‪،‬‬ ‫وال ِغيبة والنميمة‪.‬‬ ‫والشجاعة تحَ ِم ُله على ع َّز ِة النَّ ْفس‪ ،‬وإيثا ِر معالي الأخلاق وال ِّش َيم‪ ،‬وعلى‬ ‫ال َب ْذل والنَّدى‪ ،‬الذي هو شجاع ُة النَّ ْفس وق ّوَتهُ ا على إخراج المحبوب ومفارقته‪.‬‬ ‫والعدل يحَ ِم ُله على اعتدال أخلاقه‪ ،‬وتو ُّس ِطه فيها بين طرفيَ ِ الإفرا ِط‬ ‫والتفريط؛ ف َيح ِم ُله على ُخ ُلق الجود وال َّسخاء الذي هو تو ُّس ٌط بينْ الإمساك‬ ‫والإسرا ِف والتبذير‪ ،‬وعلى ُخ ُلق الحياء الذي هو تو ُّس ٌط بين ال ُّذ ِّل وال ِق َحة‪،‬‬ ‫وعلى ُخ ُلق الشجاع ِة الذي هو تو ُّس ٌط بين ال ُجبن وال َّته ُّور‪ ،‬وعلى ُخ ُلق ال ِحلم‬ ‫الذي هو تو ُّس ٌط بين الغضب والمهان ِة وسقو ِط الن ْفس‪.‬‬ ‫ومنشأ جمي ِع الأخلاق الفاضل ِة من هذه الأربعة‪.‬‬ ‫ومنشأ جميع الأخلاق السافلة‪ ،‬وبناؤها على أربعة أركان‪ :‬الجهل‪ ،‬والظلم‪،‬‬ ‫والشهوة‪ ،‬والغضب‪.‬‬ ‫فالجهل ُيريه الحس َن في صورة القبيح‪ ،‬والقبي َح في صورة الحسن‪ ،‬والكما َل‬ ‫نق ًصا‪ ،‬والنَّق َص كما ًال‪.‬‬ ‫وال ُّظ ْلم يحَ ِم ُله على وضع الشيَّ ِء في غير موض ِعه‪ ،‬ف َيغ َض ُب في موضع‬ ‫ال ِّرضا‪ ،‬و َيع َج ُل في موضع الأناة‪ ،‬و َيب َخ ُل في موضع الب ْذل‪ ،‬ويحجم في‬ ‫موضع الإقدام‪ ،‬و ُيق ِد ُم في موضع الإحجام‪ ،‬و َي ِلي ُن في موضع ال ِّش َّدة‪ ،‬ويشت ُّد‬ ‫‪183‬‬

‫في موضع ال ِّلين‪ ،‬ويتواضع في موضع ال ِع َّزة‪ ،‬ويتكبرَّ ُ في موضع ال َّتواضع‪.‬‬ ‫والشهوة تحَ ِم ُله على ال ِحرص وال ُّش ِّح والبخل‪ ،‬وعد ِم الع َّف ِة‪ ،‬والنَّهمة‬ ‫والجشع‪ ،‬وال ُّذ ِّل وال َّدناءا ِت ك ِّلها‪.‬‬ ‫والغضب يحَ ِم ُله على الكبر‪ ،‬والحق ِد‪ ،‬والحسد‪ ،‬والعدوا ِن‪ ،‬وال َّس َفه‪.‬‬ ‫ويتر َّك ُب ِمن بين ك ِّل ُخ ُلقي ِن ِمن هذه الأخلاق أخلا ٌق مذمومة‪.‬‬ ‫و ِملاك هذه الأربع ِة أصلان‪ :‬إفرا ُط النَّ ْفس في ال َّضعف‪ ،‬وإفرا ُطها في الق َّوة‪.‬‬ ‫يتو َّل ُد من إفراطها في الضعف‪ :‬المهانة‪ ُ،‬والبخل‪ ،‬وال ِخ َّس ُة واللؤم‪ ،‬والذ ُّل‪،‬‬ ‫وال ِحرص‪ ،‬والش ُّح‪ ،‬و َسفساف الأمور‪ ،‬والأخلاق‪.‬‬ ‫ويتو َّل ُد من إفراطها في الق َّوة‪ :‬الظل ُم والغضب وال ِح َّدة‪ ،‬وال ُفح ُش والبطش‪.‬‬ ‫ويتو َّلد ِمن تز ُّو ِج أحد الخُ ُلقي ِن بالآ َخ ِر أولا ُد ِغ َّية كثيرون؛ فإ َّن الن ْفس قد‬ ‫تجمع ق َّو ًة وضع ًفا‪ ،‬فيكون صاح ُبها أجب َر الناس إذا قدر‪ ،‬وأذلهَّ م إذا ُق ِهر‪،‬‬ ‫ظالمِ عسو ٌف ج َّبار‪ ،‬فإذا ُقهر صار أذ َّل ِمن امرأة جبان عن القوي‪ ،‬جريء‬ ‫على الضعيف‪.‬‬ ‫فالأخلاق الذميمة‪ :‬يو ِّلد بع ُضها بع ًضا‪ ،‬كما أن الأخلاق الحميد َة‪ :‬يو ِّلد‬ ‫بع ُضها بع ًضا‪.‬‬ ‫وك ُّل ُخ ُل ٍق محمو ٍد مكتنَ ٌف ب ُخ ُلقي ِن َذمي َمي ِن‪ ،‬وهو و َس ٌط بينهما‪ ،‬وط َرفاه‬ ‫ُخ ُلقان ذميمان‪ ،‬كالجود‪ :‬الذي يكتنفه ُخ ُل َقا البخل وال َّتبذير‪ ،‬والتواضع الذي‬ ‫‪184‬‬

‫ال ُخــــــــ ُلق‬ ‫يكتنفه ُخ ُل َقا الذ ِّل والمهانة‪ ،‬والكبر والعلو‪.‬‬ ‫فإن النَّ ْفس متى انحرف ْت عن التو ُّس ِط انحرفت إلى أحد الخُ ُلقين الذميمين‬ ‫ولا بد‪.‬‬ ‫فإذا انحرفت عن خ ُلق التواض ِع انحرفت‪ :‬إ َّما إلى ِكبرْ ٍ وعل ٍّو‪ ،‬وإ َّما إلى ذ ٍّل‬ ‫و َمهان ٍة وحقارة‪.‬‬ ‫وإذا انحرف ْت عن ُخ ُلق ال ِحلم انحرفت‪ :‬إما إلى ال َّطيش والن َزق وال ِح َّد ِة‬ ‫والخفة‪ ،‬وإ َّما إلى الذ ِّل والمهانة والحقارة‪ ،‬فف ْر ٌق بينْ َمن ِح ْل ُمه ِح ْل ُم ذ ٍّل ومهان ٍة‬ ‫وحقارة وعجز‪ ،‬وبينْ َمن ِح ْل ُمه ِح ْل ُم اقتدا ٍر وع َّز ٍة وشرف‪.‬‬ ‫وإذا انحرفت عن ُخ ُلق الأنا ِة وال ِّرفق انحرفت‪ :‬إ َّما إلى عجل ٍة و َطيش‬ ‫و ُعنف‪ ،‬وإ َّما إلى تفريط وإضاعة‪ ،‬وال ِّرف ُق والأناة بينهما‪.‬‬ ‫وإذا انحرفت عن ُخ ُلق الشجاعة انحرفت‪ :‬إ َّما إلى ته ُّو ٍر وإقدا ٍم غي ِر‬ ‫محمود‪ ،‬وإ َّما إلى جبن وتأ ُّخ ٍر مذمو ٍم‪.‬‬ ‫وصاحب الخ ُلق ال َو َسط‪َ :‬مهي ٌب محبوب‪ ،‬عزي ٌز جان ُبه‪ ،‬حبي ٌب لقاؤه‪.‬‬ ‫‪185‬‬

‫�سبل تهذيب الأخلاق‬ ‫[هذا] فصل نافع جد ًا عظيم النفع للسالك‪ ،‬يوصله عن قريب‪ ،‬ويسيرِّ ه‬ ‫بأخلاقه التي لا يمكنه إزال ُتها؛ فإ َّن أصعب ما على الطبيعة الإنسان َّي ِة تغيي ُر‬ ‫الأخلاق التي ُطبع ْت عليها‪ ،‬وأصحا ُب ال ِّرياضات الصعب ِة والمجاهدات‬ ‫الشاقة إ َّنما ع ِملوا عليها‪ ،‬ولم َيظ َف ْر أكث ُرهم بتبديلها‪ ،‬لكن النفوس اشتغلت‬ ‫بتلك ال ِّرياضات عن ظهور سلطانها‪ ،‬فإذا جاء سلطا ُن تلك الأخلاق وبرز‬ ‫كسرَ جيو َش الرياضة وش َّتتها‪ ،‬واستولى على مملكة الطبع‪.‬‬ ‫وهذا فص ٌل يص ُل به السالك مع تلك الأخلاق‪ ،‬ولا يحتاج إلى علاجها‬ ‫وإزالتِها‪ ،‬ويكون َسيرْ ُ ه أقوى وأ َج َّل وأسر َع من َسير العامل على إزالتها‪.‬‬ ‫ونق ِّد ُم قبل هذا مث اًل نض ِر ُبه‪ ،‬مطاب ًقا لمِا ُنريده‪ ،‬وهو‪ :‬نه ٌر جا ٍر في صببه‬ ‫ومنحد ِره‪ ،‬و ُمنت ٍه إلى تغريق أر ٍض وعمران ودو ٍر‪ ،‬وأصحابهُ ا يعلمون‬ ‫أ َّنه لا ينتهي حتى يخ ِّرب دو َرهم‪ ،‬و ُيت ِل َف أراض َيهم وأموالهَ م‪ ،‬فانقسموا‬ ‫ثلا َث فِ َر ٍق‪:‬‬ ‫فرقة صرف ْت قواها وقوى أعمالها إلى َس ْكره وحب ِسه وإيقافه‪ ،‬فلا تصنع‬ ‫هذه الفرق ُة كبي َر أمر؛ فإ َّنه يوشك أن يجتم َع ثم يحمل على ا َل َّس ْك ِر‪ ،‬فيكون‬ ‫إفسا ُده وتخري ُبه أعظ َم‪.‬‬ ‫وفرق ٌة رأت هذه الحالة‪ ،‬وع ِلم ْت أ َّنه لا ُيغني عنها شي ًئا‪ ،‬فقالت‪ :‬لا خلاص‬ ‫من محذوره إلا بقط ِعه من أصل ال َينبوع‪ ،‬فرام ْت قط َعه من أصله‪ ،‬فتع َّذر عليها‬ ‫‪186‬‬

‫تهذيب الأخلاق‬ ‫ذلك غاي َة ال َّتع ُّذر‪ ،‬وأ َب ِت الطبيع ُة النَّهري ُة عليهم ذلك أش َّد الإباء‪ ،‬فهم دائ اًم في‬ ‫قطع ال َينبوع‪ ،‬وك َّلما س ُّدوه ِمن موضع َن َب َع ِمن موضع‪ ،‬فاشتغل هؤلاء بشأن‬ ‫هذا النَّهر عن الزراعات والعمارا ِت وغر ِس الأشجار‪.‬‬ ‫فجاءت فرق ٌة ثالثة خالف ْت رأي الفرقتين‪ ،‬وع ِلموا أنهَّ م قد ضاعت عليهم‬ ‫كثي ٌر من مصالحهم‪ ،‬فأخذوا في صر ِف ذلك النه ِر عن مجَ راه المنتهي إلى خراب‬ ‫العمران‪ ،‬وصرفوه إلى موض ٍع ينتفعون بوصوله إليه‪ ،‬ولا يتض َّررون به‪،‬‬ ‫فصرفوه إلى أر ٍض قابلة للنبات‪ ،‬وس َقوها به‪ ،‬فأنبت ْت أنوا َع ال ُعشب والكل ِأ‬ ‫والثمار المختلفة الأصناف‪ ،‬فكانت هذه الفرق ُة هي أصو َب ال ِف َر ِق في شأن‬ ‫هذا النهر‪.‬‬ ‫فإذاتبينَّ هذاالم َثل‪،‬فاللهسبحانهاقتض ْتحكم ُتهأن َر َّكبالإنسا َن‪-‬بلسائ َر‬ ‫الحيوا ِن‪ -‬على طبيعة محمول ٍة على ق َّوتين‪ :‬غضب َّية‪ ،‬وشهوانية وهي الإرادية‪.‬‬ ‫وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق الن ْف ِس وصفاتهِ ا‪ ،‬وهما مركوزتان‬ ‫في ِجبِ َّلة ك ِّل حيوان‪ ،‬فبق َّوة الشهو ِة والإرادة يجَ ذ ُب المناف َع إلى ن ْف ِسه‪ ،‬وبق َّو ِة‬ ‫الغضب يدفع المضا َّر عنها‪.‬‬ ‫فإذا تبينَّ هذا فالنهر مثا ُل هاتين الق َّوتين‪ ،‬وهو منص ٌّب في جدول الطبيعة‬ ‫ومجَ راها إلى ُدور القلب وعمرانه وحواص ِله‪ُ ،‬يذ ِه ُبها و ُيت ِل ُفها ولا بد‪ ،‬فال ُّنفو ُس‬ ‫الجاهل ُة ال َّظالم ُة ترك ْته ومجراه‪ ،‬فخ َّرب ديا َر الإيمان‪ ،‬وق َلع آثا َره‪ ،‬وه َدم عمرا َنه‪،‬‬ ‫وأنب َت موض َعها ك َّل شجر ٍة خبيثة‪ِ ،‬من حنظل وضرَ ي ٍع و َشوك و َز ُّقوم‪ ،‬وهو‬ ‫الذي يأك ُله أه ُل النار يو َم المعاد‪.‬‬ ‫‪187‬‬

‫وأ َّما النُّفو ُس ال َّزك َّي ُة الفاضلة‪ :‬فإنهَّ ا رأ ْت ما يؤول إليه أم ُر هذا النهر‪،‬‬ ‫فافترقوا ثلا َث فِ َرق‪:‬‬ ‫فأصحاب الرياضات والمجاهدات‪ ،‬والخلوا ِت والتمرينات را ُموا ق ْط َعه‬ ‫من َينبوعه‪ ،‬فأ َب ْت ذلك حكم ُة الله تعالى‪ ،‬وما ط َبع عليه ال ِجبِ َّل َة البشرية‪ ،‬ولم‬ ‫َتن َق ْد له الطبيعة‪ ،‬فاشت َّد القتال‪ ،‬ودام الحرب‪ ،‬وحم َي ال َوطي ُس‪ ،‬وصارت‬ ‫الحرب ُد َو اًل و ِسجا اًل‪ ،‬وهؤلاء صرفوا ُقواهم إلى مجاهدة النَّ ْف ِس على إزالة‬ ‫تلك الصفات‪.‬‬ ‫وفرق ٌة أع َرضوا عنها‪ ،‬و َشغلوا نفو َسهم بالأعمال‪ ،‬ولم يجُ يبوا دواعي‬ ‫تلك ال ِّصفا ِت مع تخليتهم إ َّياها على مجَ راها‪ ،‬لكن لم يم ِّكنوا نه َرها من إفساد‬ ‫عمرانهم‪ ،‬بل اشتغلوا بتحصين العمران‪ ،‬وإحكا ِم بنائه وأسا ِسه‪ ،‬ورأ ْوا أن‬ ‫ذلك النَّه َر لا ب َّد أن يصل إليه‪ ،‬فإذا وصل وصل إلى بنا ٍء محُ َك ٍم لم َهي ِد ْمه‪ ،‬بل‬ ‫فصه َؤرلفاوءهاصفَريفقواطقع َّواَةلماعَّد ِةزيالمتفاهمسدوِةإرمادتنهِ‬ ‫م في العمارة‪،‬‬ ‫وشما ًال‪،‬‬ ‫يأ ُخ ُذ عنه يمينًا‬ ‫أصلها‪ ،‬خو ًفا‬ ‫وأولئك‬ ‫وإحكا ِم البناء‪،‬‬ ‫من هدم البناء‪.‬‬ ‫وسأل ُت يو ًما شيخ الإسلام اب َن تيم َّي َة عن هذه المسألة‪ ،‬وقط ِع الآفات‪،‬‬ ‫والاشتغا ِل بتنقية ال َّطري ِق وتنظيفها؟‬ ‫فقال لي في جملة كلامه‪« :‬النَّ ْف ُس مثل البا ُطوس ‪-‬وهو ُج ُّب ال َق َذر‪ -‬ك َّلما‬ ‫نبش َته ظ َهر وخرج‪ ،‬ولكن إ ْن أمكنك أن َتس ُق َف عليه‪ ،‬و َت ْعبرُ َه وتجَ وزه فاف َع ْل‪،‬‬ ‫ولا تشت ِغ ْل بنبشه؛ فإ َّنك لن تصل إلى قراره‪ ،‬وكلما نب ْش َت شي ًئا ظه َر غي ُره»‪.‬‬ ‫‪188‬‬

‫تهذيب الأخلاق‬ ‫فقل ُت‪ :‬سأل ُت عن هذه المسأل ِة بع َض ال ُّشيو ِخ فقال لي‪« :‬مثا ُل آفا ِت النَّ ْف ِس‬ ‫مثا ُل الح َّيا ِت والعقار ِب التي في طريق المسافر‪ ،‬فإ ْن أقبل على تفتيش الطريق‬ ‫عنها‪ ،‬والاشتغا ِل بق ْت ِلها انقطع‪ ،‬ولم ُيم ِكنْه السف ُر ق ُّط‪ ،‬ولكن لت ُك ْن ه َّم ُتك‬ ‫ال َمسي َر‪ ،‬والإعرا َض عنها‪ ،‬وعد َم الالتفات إليها‪ ،‬فإذا ع َرض لك فيها ما‬ ‫َيعوقك عن ال َمسي ِر فاق ُت ْله‪ ،‬ث َّم ام ِض على َسيرك»؛ فاستح َس َن شي ُخ الإسلام‬ ‫ذلك ج ًّدا‪ ،‬وأثنى على قائله‪.‬‬ ‫إذا تبين هذا‪ ،‬فهذه الفرق ُة الثالثة‪ :‬رأ ْت أ َّن هذه ال ِّصفا ِت ما ُخل َق ْت‬ ‫ُس ًدى ولا عب ًثا‪ ،‬وأنهَّ ا بمنزلة ما ٍء ُيسقى به الورد‪ ،‬والشوك‪ ،‬وال ِّثما ُر‪،‬‬ ‫والحطب‪ ،‬وأنهَّ ا صوان وأصدا ٌف لجواه َر منطوي ٍة عليها‪ ،‬وأ َّن ما خا َف‬ ‫منه أولئك هو ن ْف ُس سب ِب الفلاح وال َّظ َفر‪ ،‬فرأ ْوا أ َّن ال ِكبرْ َ نه ٌر يسق َى‬ ‫به العل ُّو والفخر‪ ،‬وال َب َط ُر وال ُّظ ْل ُم والعدوان‪ ،‬ويسق َى به عل ُّو اله َّمة‪،‬‬ ‫والأ َنفة‪ ،‬والحَ ِم َّية‪ ،‬والمراغم ُة لأعداء الله‪ ،‬وقه ُرهم والعل ُّو عليهم‪ ،‬وهذه‬ ‫د َّر ٌة في ص َدفته‪ ،‬فص َرفوا مجراه إلى هذا ال ِغراس‪ ،‬واستخرجوا هذه الد َّر َة‬ ‫من صدفته‪ ،‬وأبقوه على حاله في نفوسهم‪ ،‬لك ِن استعملوه حيث يكون‬ ‫استعما ُله أنف َع‪ ،‬وقد رأى النَّب ُّي ﷺ أبا ُد َجان َة َيت َب ْخترَ ُ بينْ ال َّص ّفَينْ ِ ‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫«إ َّهنا لمَِ ْشي ٌة ُي ْب ِغ ُضها الله‪ ،‬إلاَّ في ِم ْث ِل هذا ال َمو ِض ِع»(((‪.‬‬ ‫فانظر كيف خلىَّ مجرى هذه ال ِّصف ِة وهذا الخُل ِق يجري في أح َس ِن مواضعه‪،‬‬ ‫[و] كيفصار ِتال ِّصف ُةالمذموم ُةعبود َّي ًةوكيفاستحا َلالقاط ُعموص ًال‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (‪ .)154/3‬‬ ‫‪189‬‬

‫فصا ِح ُب ال ِّرياضات‪ ،‬والعام ُل على ق ْطع أصو ِل هذه ال ِّصفات مجته ٌد على‬ ‫قطع ما َّد ِة الخيلاء وال ِكبر‪ ،‬وهذا قد أق َّرها في موضعها وأ َع َّدها لأقرانها‪ ،‬وهو‬ ‫مص ِّر ٌف لها في َمصرف ُيعينه على مطلبه و ُيوصله إليه‪.‬‬ ‫وكذلك ُخلق الحسد؛ فإ َّنه لا ُيذ ُّم‪ ،‬وهو كالصدفة لدرة ال ِغبطة والمنافسة‪،‬‬ ‫كما قال النبي ﷺ‪« :‬لا َح َس َد إلاَّ في اثنَ َتينْ ِ ‪َ :‬ر ُج ٍل آتا ُه اللهُ مالاً ‪ ،‬ف َس َّل َطه على َه َل َكتِه‬ ‫في ال َح ِّق‪ ،‬و َر ُج ٍل آتا ُه الل ُه ال ُقرآ َن‪ ،‬فهو َي ُقو ُم به آنا َء ال َّلي ِل وأطرا َف النَّها ِر»(((‪.‬‬ ‫فالحسد ُيوصل إلى المنافسة التي يح ُّبها الله ويأمر بها في قوله‪﴿ :‬ﯢ ﯣ‬ ‫ﯤ ﯥ﴾ [المطففين‪]62 :‬؛ فلا تعمل على إعدام هذا الخُلق من‬ ‫ن ْفسك‪ ،‬بل احرفه إلى الحسد المحمو ِد الحامل على المنافسة في ال ُّر َتب العالية‪،‬‬ ‫وتزاحم أهلها بالركب‪ ،‬لا تتم َّن زوال نعمة الله عن عبده فتزول عنك ويبقيها‬ ‫عليه‪.‬‬ ‫وكذلك ُخلق ال ِحرص؛ فإ َّنه من أنفع الأخلاق وأوص ِلها إلى ك ِّل خير‪،‬‬ ‫وشد ُة الطلب بح َسب ق َّوة الحرص‪ ،‬فلا َتعم ْل على ق ْطعها ولكن علقها بما‬ ‫ينفع النف َس في معادها‪ ،‬ويكملها ويز ِّكيها‪ ،‬كما قال ﷺ‪« :‬ا ْح ِر ْص على ما‬ ‫َين َف ُع َك‪ ،‬واس َت ِع ْن باللهِ ولا َت ْع ِج ْز»(((‪.‬‬ ‫فقوة الحرص لا ُت َذ ُّم‪ ،‬وإنما ُيذم صرَ ُفها إلى ما يض ُّر الحر ُص عليه أو لا‬ ‫ينفع‪ ،‬وغي ُره أنف ُع للعبد منه‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)73‬ومسلم (‪.)816‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪.)2664‬‬ ‫‪190‬‬

‫تهذيب الأخلاق‬ ‫وكذلك ق َّوة الشهوة ِمن أنفع ال ُق َوى للعبد وأوص ِلها إلى كماله وسعادتِه؛‬ ‫فإنها ُتثمر المح َّب َة‪ ،‬وبح َسب شهوة العبد للكمال يكون طل ُبه له‪ ،‬وبح َسب‬ ‫ق َّو ِة شهوته لِ َل َّذ ِة العيش ووصا ِل الأح َّب ِة وق َّر ِة العين يكون طل ُبه لذلك في‬ ‫الجنة‪ ،‬وإ ْن كان مؤمنًا بها موقنًا مص ِّد ًقا؛ ف ِصد ُق الشهوة وق ّوَتهُ ا يحَ ِم ُله على‬ ‫بيع مشتهى أعلى منه وأج ّل وأرفع‪.‬‬ ‫وهذه قاعدة م َّطرد ٌة في جميع ال ِّصفات والأخلاق‪ ،‬فال ُّر ُسل صلوات الله‬ ‫وسلا ُمه عليهم جاؤوا بص ْرفها عن مجاريها المذموم ِة إلى مجا ٍر محمودة‪ ،‬وجاؤوا‬ ‫بصر ِف ق َّو ِة ال َّشهو ِة إلى النِّكاح وال َّتسري‪ ،‬حتى كان ل ُسليما َن مائ ُة امرأة‪،‬‬ ‫ولداو َد تس ٌع وتسعون‪ ،‬وج َمع الرسو ُل ﷺ بين تسع‪ ،‬وأباح للأ َّم ِة أرب ًعا‬ ‫ممَّا طاب من النساء‪ ،‬و ِمن السراري بلا حصر؛ ص ْر ًفا لق َّو ِة هذه ال َّشهو ِة عن‬ ‫مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يح ُّبه الله‪ ،‬وهو أح ُّب إليه ِمن َن ْف ِل العبادة‬ ‫عند أكث ِر الفقهاء‪.‬‬ ‫ولذلك جاؤوا بصرف قوة الغضب َّية إلى جهاد أعداء الله‪ ،‬وال ِغلظ ِة عليهم‬ ‫والانتقام منهم‪.‬‬ ‫وكذلك شهوة استما ِع الأصوا ِت المطربة ال َّلذيذ ِة لا ُي َذ ُّم بل يحُ َمد‪ ،‬وقد‬ ‫وقف النب ُّي ﷺ على أبي موسى الأشعر ِّي واستمع إلى قراءته‪ ،‬وقال‪« :‬لقد‬ ‫ُأو يِ َت ِم ْزما ًرا ِمن َمزا ِمي ِر آ ِل دا ُودَ»(((‪ ،‬وكان ُعم ُر‪ ‬بن الخ َّطاب يأ ُم ُره إذا‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)5048‬ومسلم (‪ .)793‬‬ ‫‪191‬‬

‫حضر ِعن َده مع الصحابة أن ُيس ِم َعهم قراء َته‪ ،‬فيقرأ و ُهم يسمعون‪ ،‬هذا كان‬ ‫سما َع القوم‪ ،‬ف َمن ح َّرم هذا ال َّسما َع أو من ك ِر َهه؟ وهل هذا إلاَّ َسما ُع خوا ِّص‬ ‫الأولياء؟ فأين هذا من سماع ال ُمكا ِء وال َّتصدي ِة وقرآن الشيطان‪ ،‬وآلا ِت‬ ‫المعازف بنغمات الناشد؟‬ ‫فلا ب َّد لل ُّروح من سما ٍع طي ٍب تتغ َّذى به‪ ،‬ولكن لا يستوي َمن غذاؤه‬ ‫العس ُل والحلوى والط ِّيبات‪ ،‬و َمن غذاؤه الرجيع وال َميت ُة وال َّد ُم ولحم الخنزير‬ ‫وما ُأ ِه َّل به لغير الله‪ ،‬ويا عج ًبا! إ ْن كان أ ْه ُل هذا لا يرون آثاره على شفاههم‬ ‫ووجوههم‪ ،‬أفلا َيس َتحون من معاينة أربا ِب البصائر ذلك عليهم؟!‬ ‫والمقصود‪ :‬أ َّن رسوم الطبيعة و ُقواها لا يمكن تعطي ُلها في دار الابتلاء‬ ‫والامتحان‪ ،‬فالبصير العار ُف َيستع ِم ُلها في مواضعها النافع ِة له‪ ،‬التي لا تحرم عليه‬ ‫دينًا‪ ،‬ولا تقطع عليه طري ًقا‪ ،‬ولا ُتف ِسد عليه حاله مع الله‪ ،‬ولا ُتس ِقطه من عينه‪.‬‬ ‫فإن قلت‪ :‬هل يمكن أن يكون الخُ ُل ُق كسب ًّيا‪ ،‬أو هو أم ٌر خارج عن الكسب؟‬ ‫قلت‪ :‬يمكن أن يقع كسب ًّيا بال َّتخ ُّلق وال َّتك ُّلف؛ حتى يصي َر له َسج َّي ًة وم َلك ًة‪،‬‬ ‫وقد قال النب ُّي ﷺ لأ َش ِّج عب ِد‪ ‬ال َقيس ‪« :‬إ َّن في َك لخ َُ ُل َقينْ ِ ُحيِ ُّب ُهما الله‪ :‬ال ِح ْل ُم‪،‬‬ ‫والأنا ُة»‪ ،‬فقال‪ :‬أ ُخ ُل َقينْ ِ تخَ َّل ْق ُت بهما‪ ،‬أ ْم َج َب َلني الله ع َلي ِهما؟ فقال‪« :‬ب ْل َج َب َل َك الله‬ ‫ع َلي ِهما»‪ .‬فقال‪ :‬ال َحم ُد لله ا َّلذي َج َب َلني على ُخ ُل َقينْ ِ يحُ ِ ُّب ُهما الله و َرسو ُله(((‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪ ،)17‬إلى قوله‪« :‬ال ِحلم والأناة»‪ ،‬وأخرج باقيه أبو داود (‪ .)5225‬‬ ‫‪192‬‬

‫تهذيب الأخلاق‬ ‫فد َّل على أن من ال ُخلق‪ :‬ما هو طبيعة و ِجبِ َّلة‪ ،‬وما هو مكت َسب‪ ،‬وكان النب ُّي‬ ‫ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح‪« :‬ال َّله َّم ا ْه ِدني لأ ْح َس ِن الأخلا ِق‪ ،‬لا َه ْيدي‬ ‫لأ ْح َسنِها إلاَّ أن َت‪ ،‬واصرْ ِ ْف ع ّنِي َس ِّي َئها‪ ،‬لا َيصرْ ِ ُف عنِّي َس ِّي َئها إلاَّ أن َت»(((‪،‬‬ ‫فذكر الكسب وال َق َدر‪.‬‬ ‫مشاهد العبد فيما يصيبه من أذى الخلق‪:‬‬ ‫وهاهنا للعبد أح َد عشرَ َ مشه ًدا فيما ُيصيبه من أذى الخ ْلق وجنايتِهم عليه‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬مشهد الق َدر‪ ،‬وأ َّن ما جرى عليه بمشيئة الله وقضا ِئه وق َدره‪ ،‬يراه‬ ‫كال َّتأ ِّذي بالح ِّر والبرد‪ ،‬والمر ِض والألم‪.‬‬ ‫المشهد الثاني‪ :‬مشهد ال َّصب ِر‪ ،‬ف َيش َه ُده ويشه ُد وجو َبه‪ ،‬و ُحس َن عاقبتِه‪،‬‬ ‫وجزا َء أهله‪ ،‬وما يتر َّت ُب عليه من ال ِغبطة والسرور‪.‬‬ ‫المشهد الثالث‪ :‬مشهد العفو والصف ِح وال ِحلم‪ ،‬فإ َّنه متى ش ِهد ذلك وف ْض َله‬ ‫وحلاوته و ِع َّزته‪ :‬لم َيع ِد ْل عنه إلا لغ َب ٍش في بصيرته‪.‬‬ ‫المشهد الرابع‪ :‬مشهد الرضا‪ ،‬وهو فو َق مشهد العف ِو وال َّصف ِح‪ ،‬وهذا لا‬ ‫يكون إلاَّ للنفوس المطمئنة‪ ،‬س َّيما إن كان ما ُأصيب ْت به سببه القيام لله‪ ،‬فإن‬ ‫كان ما ُأصيب به في الله‪ ،‬وفي مرضاتِه ومح َّبتِه؛ َر ِض َي ْت بما نالها في الله‪.‬‬ ‫المشهد الخامس‪ :‬مشهد الإحسان‪ ،‬وهو أرف ُع ممَّا قبله‪ ،‬وهو أن يقابل إساء َة‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪. )771‬‬ ‫‪193‬‬

‫المسي ِء إليه بالإحسان‪ ،‬ف ُيح ِس َن إليه ك َّلما أساء هو إليه‪.‬‬ ‫المشهد السادس‪ :‬مشهد السلامة وبر ِد القلب‪ ،‬وهذا مشه ٌد شريف ج ًّدا‬ ‫ناله من الأذى‪،‬‬ ‫ه بما‬ ‫قل َبه وسرَِّ‬ ‫أن لا َيش َغل‬ ‫حلاو َته‪ ،‬وهو‬ ‫لم َن ع َرفه‪ ،‬وذاق‬ ‫من ذلك‪ ،‬ويرى‬ ‫قلبه‬ ‫بل ُيف ِّر ُغ‬ ‫وشفاء ن ْف ِسه‪،‬‬ ‫إلى درك ثأ ِره‪،‬‬ ‫وطل ِب الوصول‬ ‫أ َّن سلامته وبر َده وخل َّوه منه أنف ُع له‪ ،‬وأ َل ُّذ وأطيب‪ ،‬وأعو ُن على مصالحه‪.‬‬ ‫المشهد السابع‪ :‬مشه ُد الأمن‪ ،‬فإ َّنه إذا ترك المقابل َة والانتقام؛ أ ِم َن ما هو‬ ‫ش ٌّر من ذلك‪ ،‬وإذا انتق َم وا َق َعه الخو ُف ولا ب َّد‪.‬‬ ‫المشهد الثامن‪ :‬مشهد الجهاد‪ ،‬وهو أن يشهد تو ُّل َد أذى النا ِس له من‬ ‫جهاده في سبيل الله‪ ،‬وأمر ِهم بالمعروف‪ ،‬ونهَ ِي ِهم عن المنكر‪ ،‬وإقام ِة دين الله‪،‬‬ ‫وإعلاء كلماتِه‪.‬‬ ‫وصاح ُب هذا المقام‪ :‬قد اشترى اللهُ منه ن ْف َسه وماله و ِعر َضه بأع َظ ِم الثمن‪.‬‬ ‫المشهد التاسع‪ :‬مشهد النِّعمة‪ ،‬وذلك من وجوه‪:‬‬ ‫أحدها‪ :‬أن يشهد نعم َة الله عليه في أن ج َع َله مظلو ًما يتر َّق ُب النَّص َر‪ ،‬ولم‬ ‫يجع ْله ظالمًِا يتر َّق ُب ال َم ْق َت والأخ َذ‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن يشهد نعم َة الله في ال َّتكفير بذلك من خطاياه؛ فإ َّنه ما أصاب‬ ‫المؤم َن َه ٌّم ولا َغ ٌّم ولا أ ًذى إلاَّ ك َّفر اللهُ به من خطاياه‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أن يشهد َكو َن تلك البل َّي ِة أهو َن وأسه َل من غيرها؛ فإ َّنه ما ِمن‬ ‫محن ٍة إلاَّ وفو َقها ما هو أقوى منها وأ َم ُّر‪ ،‬فإ ْن لم يكن فو َقها محن ٌة في البدن‬ ‫‪194‬‬

‫تهذيب الأخلاق‬ ‫والما ِل فلينظ ْر إلى سلامة دينه وإسلا ِمه وتوحيده‪ ،‬وأ َّن ك َّل مصيب ٍة دون‬ ‫مصيب ِة ال ِّدي ِن ج َل ٌل‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬توفي ُة أ ْج ِرها وثوابها يو َم الفقر والفاقة‪.‬‬ ‫المشهد العاشر‪ :‬مشهد الأُسوة‪ ،‬وهو مشه ٌد لطي ٌف شريف ج ًّدا‪.‬‬ ‫فإ َّن العاقل ال َّلبي َب يرضى أن يكون له ُأسو ٌة ب ُر ُس ِل الله‪ ،‬وأنبيائه وأوليا ِئه‪،‬‬ ‫وخا َّصتِه ِمن خ ْل ِقه؛ فإنهَّ م أش ُّد الخ ْل ِق امتحا ًنا بالناس‪ ،‬وأذى الناس‬ ‫تد ُّب ُر َقص ِص‬ ‫مع‬ ‫الأنبياء‬ ‫لم ي ْؤ َذ به َمن‬ ‫في الحدور‪ ،‬ويكفي‬ ‫ُإأمَليِههمم‪،‬أسورش ُأع ِنمنبن ِّيناال َّسيﷺل‬ ‫قال له‬ ‫َق ْب َله؛ وقد‬ ‫وأذى أعدائه له بما‬ ‫و َرق ُة‪ ‬ب ُن َنو َف ٍل‪َ :‬ل ُت َك َّذ َب َّن و َل ُتخ َر َج َّن ولت ْؤ َذ َي َّن‪ ،‬وقال له‪« :‬ما جاء أح ٌد ب ِم ْث ِل‬ ‫ما ِج ْئ َت به إلا ُعود َي»(((‪ ،‬وهذا مستم ٌّر في ورثته كما كان في مورثهم ﷺ‪.‬‬ ‫أفلا يرضى العب ُد أن يكون له أسو ٌة بخيار خ ْلق الله‪ ،‬وخوا ِّص عباده‪ :‬الأمثل‬ ‫فالأمثل؟!‬ ‫المشهد الحادي عشر ‪-‬وهو أ َج ُّل المشاه ِد وأرف ُعها‪ :-‬مشهد التوحيد‪ ،‬فإذا‬ ‫امتلأ قل ُبه بمح َّب ِة الله والإخلا ِص له ومعاملتِه وإيثار مرضاتِه والتق ُّر ِب إليه‪،‬‬ ‫وق َّر ْت عينُه بالله‪ ،‬وابتهج قلبه بح ِّبه والأُن ِس به والاطمئنان إليه‪ ،‬وسكن إليه‪،‬‬ ‫واشتاق إلى لقائه‪ ،‬واتخَّ ذه ول ًّيا دون ما سواه‪ ،‬بحيث َف َّو َض إليه أمو َره ك َّلها‪،‬‬ ‫ورض َي به وبأقضيته؛ فإنه لا يبقى في قلبه متس ٌع لشهود أذ َى الناس له البتة‪.‬‬ ‫((( أخرجه البخاري (‪ ،)3‬ومسلم (‪ .)160‬‬ ‫‪195‬‬

‫منزلــــــة التوا�ضـــــع‬ ‫قال الله تعالى‪﴿ :‬ﮱﯓ ﯔﯕﯖ ﯗ ﯘ﴾ [الفرقان‪.]٣٦ :‬‬ ‫وقال تعالى‪﴿ :‬ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ‬ ‫ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ﴾ [المائدة‪.]٤٥ :‬‬ ‫ل َّما كان ال ُّذ ُّل منهم ُذ َّل رحمة وعط ٍف وشفقة وإخبات ع ّداه بأداة «على»‬ ‫تضمينًا لمعاني هذه الأفعال؛ فإ َّنه لم ُي ِرد به ذ َّل الهوان الذي صاحبه ذليل‪ ،‬وإنما‬ ‫هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه َذلول‪ ،‬فالمؤمن َذلول‪.‬‬ ‫وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال‪ :‬قال رسول‪ ‬الله ﷺ‪« :‬لا َيد ُخ ُل‬ ‫ال َجنَّ ُة َمن كان في َق ْلبِه ِم ْثقا ُل َذ َّر ٍة ِمن ِكبرْ ٍ (((» ‪.‬‬ ‫وكان النَّب ُّي ﷺ َي ُم ُّر على ال ِّص ْبيا ِن ف ُي َس ِّل ُم علي ِهم‪ ،‬وكان ِت الأ َم ُة َتأ ُخ ُذ ب َي ِده‬ ‫ﷺ ف َتن َط ِل ُق به َحي ُث شا َء ْت‪ ،‬وكان ﷺ َي ُكو ُن في َبيتِه في ِخ ْدم ِة أ ْه ِله‪ ،‬ولمْ َي ُك ْن‬ ‫َين َت ِق ُم لنَ ْف ِسه َق ُّط‪ ،‬وكان ﷺ يخَ ْ ِص ُف َن ْع َله‪ ،‬و َي ْر َق ْع َث ْو َبه‪ ،‬ويحَ ُل ُب ال َّشا َة لأ ْه ِله‪،‬‬ ‫و َيع ِل ُف ال َب ِعي َر‪ ،‬و َيأ ُك ُل مع الخا ِد ِم ‪ ،‬ويجُ الِ ُس ال َمسا ِكي َن‪ ،‬و َي ْمشي مع الأ ْر َمل ِة‬ ‫وال َيتي ِم في حا َجتِ ِهما‪ ،‬و َيب َد ُأ َمن َل ِق َيه بال َّسلا ِم‪ ،‬ويجُ ِي ُب َد ْعو َة َمن َدعا ُه‪ ،‬ول ْو إلى‬ ‫أيسرَ ِ شيَ ٍء‪.‬‬ ‫((( أخرجه مسلم (‪. )91‬‬ ‫‪196‬‬

‫التواضـــــع‬ ‫وكان ﷺ َهينِّ َ ال ُم ْؤن ِة‪َ ،‬لينِّ َ الخُ ُل ِق‪ ،‬كري َم ال َّطب ِع‪ ،‬جمَ ي َل ال ُمعاشرَ ِة‪َ ،‬ط ْل َق ال َو ْج ِه‬ ‫ال َقل ِب‬ ‫َر ِقي َق‬ ‫َ ِمانلج َاغنِي ِر ِسبرَل َهُم ٍ‪.‬ف‪،‬‬ ‫ُم َتوا ِض ًعا ِمن َغي ِر ِذ َّل ٍة‪َ ،‬ج َوا ًدا‬ ‫ب ُك ِّل‬ ‫َرحي ًام‬ ‫خافِ َض ال َجنا ِح لِلم ْؤ ِمنِي َن‪َ ،‬لينِّ‬ ‫َب َّسا ًما‪،‬‬ ‫ُم ْس ِل ٍم‪،‬‬ ‫ُسئل ال ُفضي ُل‪ ‬ب ُن ِعياض عن التوا ُضع؟ فقال‪« :‬يخضع للح ِّق‪ ،‬وينقاد له‪،‬‬ ‫و َيق َب ُله ممَّن قاله»‪.‬‬ ‫وقال ُعروة‪ ‬بن ال ُّز َبير ‪« :‬رأي ُت ُعم َر‪ ‬بن الخ َّطاب على عاتقه ِقرب ُة‬ ‫سامعين‬ ‫الوفو ُد‬ ‫أتاني‬ ‫ل َّما‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫ينبغي لك هذا‪،‬‬ ‫ماء‪ ،‬قلت‪ :‬يا أمي َر المؤمنين‪ ،‬لا‬ ‫ها»‪.‬‬ ‫فأحبب ُت أن أكسرِ‬ ‫مطيعين‪ ،‬دخ َل ْت ن ْفسي نخوة‪،‬‬ ‫و ُيذكر أ َّن أبا ذر عيرَّ بلا اًل بسواده‪ ،‬ثم أ َّنه ن ِدم‪ ،‬فألقى ن ْف َسه وحلف‪:‬‬ ‫لا رفع ُت رأسي حتى يطأ بلا ٌل خ ِّدي بقدمه‪ ،‬فلم يرفع رأ َسه حتى فعل بلال‪.‬‬ ‫[و] أ َّو ُل ذنب َعصى الله به أ َب َوا الثقلين‪ :‬ال ِكبرْ ُ والحرص‪ ،‬فكان الكبرْ ُ‬ ‫ذن َب إبلي َس اللعين؛ فآل أم ُره إلى ما آل إليه‪ ،‬وذنب آد َم على نب ِّينا وعليه‬ ‫ال َّسلا ُم‪ :‬كان من الحرص والشهوة‪ ،‬فكان عاقبته التوب َة والهداية‪ ،‬وذنب‬ ‫إبلي َس حمله على الاحتجاج بالق َدر والإصرار‪ ،‬وذنب آدم أوجب له إضاف َته‬ ‫إلى ن ْف ِسه‪ ،‬والاعترا َف به والاستغفار‪.‬‬ ‫فأهل الكبرْ ِ والإصرار‪ ،‬والاحتِجا ِج بالأقدار‪ :‬مع شيخهم وقائ ِدهم إلى‬ ‫النار إبليس‪ ،‬وأهل الشهوة المستغفرون التائِبون المعت ِرفون بالذنوب‪ ،‬الذين‬ ‫لا يحتجون عليها بالق َدر‪ :‬مع أبيهم آد َم في الجنة‪.‬‬ ‫‪197‬‬

‫منزلـــــــــة المـــــروءة‬ ‫حقيقتها‪ :‬ا ِّتصا ُف الن ْف ِس بصفات الإنسا ِن التي فا َرق بها الحيوا َن البهيم‪،‬‬ ‫والشيطا َن ال َّرجيم؛ فإ َّن في النفس ثلاث َة دوا ٍع متجاذبة‪:‬‬ ‫دا ٍع يدعوها إلى الا ِّتصاف بأخلاق الشيطان‪ :‬من ال ِكبرْ ‪ ،‬والحسد‪ ،‬والعلو‪،‬‬ ‫والبغي‪ ،‬والشر‪ ،‬والأذى‪ ،‬والفساد‪ ،‬والغش‪.‬‬ ‫ودا ٍع يدعوها إلى أخلاق الحيوان‪ ،‬وهو داعي الشهوة‪.‬‬ ‫ودا ٍع يدعوها إلى أخلاق ال َم َلك‪ِ ،‬من الإحسان‪ ،‬والنُّصح‪ ،‬والبرِِّ‪،‬‬ ‫والعلم‪ ،‬والطاعة‪.‬‬ ‫فحقيقة المروءة‪ُ :‬بغض ذينك ال َّداع َيي ِن‪ ،‬وإجاب ُة الداعي الثالث‪.‬‬ ‫وقلة المروءة وعد ُمها‪ :‬هو الاسترسال مع ذينك الداعيين‪ ،‬والتو ُّج ُه‬ ‫لدعوتهِ ما أين كانت‪.‬‬ ‫قال بعض السلف‪« :‬خ َلق الله الملائك َة عقو اًل بلا شهوة‪ ،‬وخ َلق البهائم‬ ‫شهو ًة بلا عقول‪ ،‬وخلق اب َن آد َم‪ ،‬ور َّكب فيه العق َل والشهوة؛ ف َمن غلب‬ ‫عق ُله شهو َته ا ْل َتحق بالملائكة‪ ،‬و َمن َغ َلبت شهو ُته عق َله ا ْل َتحق بالبهائم»‪.‬‬ ‫ولهذا قيل في ح ِّد المروءة‪ :‬إنها غلب ُة العقل للشهوة‪.‬‬ ‫وحقيقة المروءة تجنُّبالدناياوال َّرذائل‪،‬منالأقوال‪،‬والأخلاق‪،‬والأعمال‪.‬‬ ‫‪198‬‬

‫المــــــروءة‬ ‫فمروءة اللسان‪ :‬حلاوته وطيبته ولِينُه‪ ،‬واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر‪.‬‬ ‫ومروءة ال ُخ ُلق‪َ :‬س َع ُته و َب ْس ُطه للحبيب والبغيض‪.‬‬ ‫ومروءة المال‪ :‬الإصابة ببذله مواق َعه المحمود َة عق اًل و ُعر ًفا وشر ًعا‪.‬‬ ‫ومروءة الجاه‪َ :‬ب ْذ ُله للمحتاج إليه‪.‬‬ ‫ومروءة الإحسان‪ :‬تعجي ُله وتيسيره‪ ،‬وتوفيره‪ ،‬وعدم رؤيته حا َل وقوعه‪،‬‬ ‫ونسيانه بعد وقوعه‪ ،‬فهذه مروءة ال َب ْذل‪.‬‬ ‫عنوأعميامبروماءةياألترَّخ ْذكه‪:‬مفكنترح ِّكقالكخ‪،‬صواتمر‪ِ ،‬كوالاملعااتبستِةق‪،‬وصالامءطافليبةطولالبممها‪،‬راوةا‪،‬لتوغاالفإ ِغلضعا ِءن‬ ‫ع َثرات الناس‪ ،‬وإشعارهم أ َّنك لا تعلم لأحد منهم عثرة‪ ،‬والتوقير للكبير‪،‬‬ ‫و ِحفظ حرمة النظير‪ ،‬ورعاية أدب الصغير‪.‬‬ ‫وهي ثلا ُث َدرجات‪:‬‬ ‫ال َّدرجة الأولى‪ :‬مروءة ال َمر ِء مع ن ْفسه‪ ،‬وهي أن يحملها َقسرًْ ا على مراعاة ما‬ ‫يج ِّمل ويزين‪ ،‬وترك ما يدنس ويشين‪ ،‬ليصير لها ملكة في العلانية؛ فمن اعتاد‬ ‫شي ًئا في سره وخلوته ملكه في علانيته وجهره‪.‬‬ ‫فلا يفعل خال ًيا ما يستحي ِمن فع ِله في الملأ‪ ،‬إلاَّ ما لا يحظ ُره الشر ُع والعقل‪،‬‬ ‫ولا يكون إلاَّ في الخلوة‪ ،‬كالجماع‪ ،‬والتخليِّ ‪ ،‬ونحو ذلك‪.‬‬ ‫الدرجة الثانية‪ :‬المروءة مع الخ ْلق‪ ،‬بأن يستعمل معهم شرو َط الأدب‬ ‫‪199‬‬

‫والحياء‪ ،‬والخُ ُلق الجميل‪ ،‬ولا يظهر لهم ما يكرهه هو ِمن غيره لنفسه‪،‬‬ ‫وليتخذ النا َس مرآ ًة لنفسه‪ ،‬فك ُّل ما َك ِر َهه ونف َر عنه‪ِ ،‬من قول أو فع ٍل أو‬ ‫خ ُلق‪ ،‬فليت َج َّن ْبه‪ ،‬وما أ َح َّبه من ذلك واستحسنه فليف َع ْله‪.‬‬ ‫الدرجة الثالثة‪ :‬المروءة مع الح ِّق سبحانه‪ ،‬بالاستحياء من نظره إليك‪،‬‬ ‫وا ِّطلاعه عليك في ك ِّل لحظة و َن َفس‪ ،‬وبإصلاح عيوب ن ْف ِسك جهد الإمكان؛‬ ‫فإ َّنه قد اشتراها منك وأنت سا ٍع في تسليم المبيع‪ ،‬وتقاضي الثمن‪ ،‬وليس من‬ ‫المروءة‪ :‬تسلي ُمه على ما فيه من العيوب‪ ،‬وتقاضي الثمن كام اًل‪.‬‬ ‫‪200‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook