Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore رياض الصالحين المائة الخامسة ...

رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Published by مكتبة(ورتل) الإلكترونيه, 2021-08-27 10:25:43

Description: رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Search

Read the Text Version

‫\"يا اب َن آد َم لو بل َغ ْت\"‪ ،‬أي‪ :‬وصلَ ْت‪\" ،‬ذنو ُبك\" الَّتي ارتكب َتها وف َعل َتها‪،‬‬ ‫\" َعنا َن ال َّسما ِء\"‪ ،‬أي‪ :‬ال َّسحا َب‪ ،‬أي‪ :‬وصلَ ِت الذنو ُب إلى ال َّسما ِء الَّتي‬ ‫َتراها‬ ‫\"ث َّم\" بع َد ذلك‪\" ،‬اس َتغفر َتني\"‪ ،‬أي‪ :‬ط َلب َت المغفِر َة مني‪َ \" ،‬غ َفر ُت لك\"‬ ‫هذه الذنو َب والمعا ِص َي‪\" ،‬ولا أُبالي\" بهذه الذنو ِب والمعاصي وإ ْن‬ ‫كان ْت ِمن الكبائ ِر‬ ‫والمعنى‪ :‬أ َّنه لو َك ُث َرت ُذنو ُبك كثر ًة َتم َلأُ ما بي َن ال َّسما ِء والأر ِض‬ ‫بحيث َتبلُ ُغ أقطا َرها و َت ُع َّم َنوا ِح َيها‪ ،‬ث َّم اس َتغ َفر َتني‪َ ،‬غ َفر ُت لك جمي َعها‬ ‫غي َر ُمبال ب َكثرتِها؛ فإ َّن استِ ْدعا َء الاستغفا ِر للمغفر ِة َيستوي فيه القليلُ‬ ‫والكثي ُر‪ ،‬والجليلُ والحقي ُر‬ ‫\"يا اب َن آد َم‪ ،‬إ َّنك لو أتي َتني\"‪ ،‬أي‪ :‬بع َد المو ِت‪\" ،‬بِقُرا ِب\"‪ ،‬أي‪ :‬ب ِملْ ِء‬ ‫الأر ِض‪َ \" ،‬خطايا\"‪ ،‬أي‪ُ :‬ذنو ًبا و َمعا ِص َي‪\" ،‬ث َّم لَقي َتني\"‪ ،‬أي‪ :‬بع َد‬ ‫المو ِت ُموح ًدا \"لا ُتش ِر ُك بي شي ًئا\"‪ ،‬لا في الربوب َّي ِة‪ ،‬ولا في الألوه َّي ِة‪،‬‬ ‫ولا في الأسما ِء والصفا ِت‬ ‫\"لأَتي ُتك\"‪ ،‬أي‪ :‬قا َبل ُت هذه الذنو َب وا ْلمعا ِص َي‪\" ،‬بقُرابها\"‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ب ِم ْلئِها‪َ \" ،‬مغ ِفر ًة\"؛ لأ َّنني وا ِس ُع المغفر ِة‪ ،‬وأغ ِف ُر كلَّ شيء دو َن‬ ‫الشر ِك؛ كما قال س ْبحا َنه‪{ :‬إِ َّن ال َّلهَ َلا َي ْغ ِف ُر أَ ْن ُي ْش َر َك بِ ِه َو َي ْغفِ ُر َما ُدو َن‬ ‫َذلِ َك لِ َم ْن َي َشا ُء} [النساء‪]97 ،48 :‬‬ ‫وقال ال ُعلما ُء‪ :‬إ َّن ُغفرا َن الكبائ ِر لل ُمؤ ِمنين َيحتا ُج إلى توبة‪ ،‬أو إ َّن أ ْم َرها‬ ‫ب َي ِد الل ِه سبحانه‪ ،‬إ ْن شاء َعفا َعنها وإن شاء عا َقب عليها‪ ،‬وكذلك ُحقو ُق‬

‫ال َخل ِق؛ فإ َّنه لا ب َّد ِمن َردها‪ ،‬أو ُيجازي اللهُ ب َفضلِه صاح َب الحق و َي ْعفو‬ ‫ب َك َر ِمه عن المذنِ ِب فيها‬ ‫قال الحسن‪ :‬أكثروا من الاستغفار في بيوتكم‪ ،‬وعلى موائدكم‪ ،‬وفي‬ ‫طرقكم‪ ،‬وأسواقكم‪ ،‬ومجالسكم‪ ،‬وأينما كنتم‪ ،‬فإنكم ما تدرون متى تنزل‬ ‫المغفرة‪.‬‬ ‫وقال قتادة‪ :‬إن هذا القرآن ي ّدلكم على دائكم ودوائكم‪ ،‬فأ َّما داؤكم‬ ‫فالذنوب‪ ،‬وأما دواؤكم فالاستغفار‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬فضلُ ال َّتوحي ِد‪ ،‬وأ َّن الل َه َيغفِ ُر لل ُموحدين الذنوب‬ ‫والمعاصي‪.‬‬ ‫وفيه‪َ :‬س َع ُة رحم ِة الل ِه َتعالى ومغفر ِته و َفض ِله‪.‬‬ ‫وفيه‪ُ :‬خطور ُة الشر ِك وال َّتحذي ُر منه‬

‫المقدمة‬ ‫باب الجمع بين الخوف و الرجاء‬ ‫الحديث الثالث والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه أ َّن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫َقالَ‪َ (( :‬ل ْو َي ْعلَ ُم ا ْل ُمؤ ِم ُن َما ِع ْن َد الله ِم َن ال ُعقُو َب ِة‪َ ،‬ما َط ِم َع ِب َج َّنتِ ِه أَ َحد‪،‬‬ ‫َولَ ْو َي ْع َل ُم ال َكا ِف ُر َما ِع ْن َد الله ِم َن ال َّر ْح َم ِة‪َ ،‬ما َق َن َط ِم ْن َج َّن ِت ِه أ َحد))‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َعلى ال ُمسل ِم أ ْن َيكو َن َبي َن ال َخو ِف وال َّرجا ِء‪ ،‬فال َخو ُف َيح ِملُه على‬ ‫ال َعم ِل وعلى عدم الأ ْم ِن ِمن ال َعذا ِب‪ ،‬وال َّرجا ُء َيم َن ُعه ِم َن ال َيأ ِس‬ ‫ِمن رحم ِة اللهِ‬ ‫وفي هذا الحدي ِث ُيبي ُن ص ّلَى اللهُ عليه وس َّلم أ َّن اللهَ كما أ َّنه َغفور‬ ‫َرحيم فإ َّنه َشدي ُد ال ِعقا ِب‬ ‫\" َفلو َيعلَ ُم المؤ ِم ُن ما ِعن َد الل ِه ِم َن ال ُعقوب ِة\"‪ ،‬أي‪َ :‬على ما َيف َعلُ ِمن‬ ‫الذنو ِب‪ِ ،‬من َغي ِر أ ْن َين ُظ َر إِلى َرحم ِة الل ِه َتعالى‬ ‫\" ما َط ِم َع في َرحم ِته أَحد\"‪ ،‬فإذا كا َن المؤم ُن َكذل َك فالكافِ ُر ِمن با ِب‬ ‫أَولَى أ َّلا َيطم َع في َرحم ِة اللهِ‬

‫القِيام ِة ما‬ ‫أَالح َّرد‪،‬حفمإ ِةذاا َّلكتايَنااَّدلكخا َرف ُرها َكلِذيلو َِكم‬ ‫\"و َلو َيعل ُم الكافِ ُر ما ِعن َد الل ِه م َن‬ ‫فالمؤم ُن‬ ‫َق َن َط\"‪ ،‬أي‪ :‬ما َيئِ َس م َن الج َّن ِة‬ ‫أَولَى أ َّلا َيقن َط ِمن رحم ِة اللهِ‬ ‫هذا الحديث يلخص كل الموضوع‪ ،‬من أنه لاب ّد من اجتماع الخوف‬ ‫والرجاء‪ ،‬لأنه إذا نظر الإنسان في أحاديث الرجاء لربما يحصل عنده‬ ‫شيء من التفريط‪ ،‬وإذا نظر في جانب الخوف لربما يحصل عنده‬ ‫شيء من القنوط واليأس‪.‬‬

‫الحديث الرابع والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي سعيد الخد ِري رضي الله عنه أ َّن رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم َقالَ‪(( :‬إِ َذا ُو ِض َع ِت الجنازةُ وا ْح َت َملَ َها ال َّنا ُس أَ ِو الر َجالُ َع َلى‬ ‫أعناقِ ِه ْم‪َ ،‬فإ ْن َكا َن ْت َصالِ َح ًة‪ ،‬قال ْت‪َ :‬قد ُمو ِني َقد ُمونِي‪َ ،‬وإ ْن َكا َن ْت َغ ْي َر‬ ‫َصالِ َحة‪ ،‬قال ْت‪َ :‬يا َو ْي َل َها! أَ ْي َن َي ْذ َه ُبو َن بها؟ َي ْس َم ُع َص ْو َتها ُكل َش ْيء إلا‬ ‫الإ ْنسا ُن‪َ ،‬ولَ ْو َس ِم َع ُه َص ِع َق))‬ ‫رواه البخاري‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كثي ًرا ما كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ُيعظ ُم ِمن َهو ِل المو ِت‪ ،‬و ُيكثِ ُر‬ ‫ِمن ِذك ِره‪ ،‬و ُيسميه هاد َم اللَّ َّذا ِت؛ وذلك ح َّتى ُيبي َن صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم‬ ‫لأ َّم ِته ِع َظ َم هذا المو ِق ِف ف َيست ِعدوا له‬ ‫وفي هذا الحدي ِث ُيوض ُح النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم أ َّن المي َت إذا‬ ‫ُو ِض َع على َنع ِشه‪ ،‬واح َت َمل الرجالُ ال ِجناز َة على أعناقِهم؛ فإ َّن ال ِجناز َة‬ ‫َتتك َّل ُم‪ ،‬فإ ْن كانت صالح ًة‪ ،‬قالت‪َ \" :‬قدموني َقدموني\"‪ ،‬أي‪ :‬أس ِرعوا‬ ‫أس ِرعوا؛ وذلك ِمن َفرحتِها بما رأَ ْت ِمن ال ُمبشرا ِت‪ ،‬فهو اشتياق إلى‬ ‫ما أعده الله للمؤمن من نعيم القبر وما بعده‬ ‫وإ ْن كان ْت غي َر صالحة د َع ْت على ن ْف ِسها بال َوي ِل‪ ،‬وقالت‪\" :‬يا َو ْيلَها!‬ ‫أين َيذ َهبون بها؟!\" أي‪ :‬ات ُركوها ولا َتد ِفنوها؛ وذلك ِمن َه ْو ِل ما رأَ ْت‬ ‫ِمن العذا ِب الَّذي َينتظ ُرها‪ ،‬فهو جزع وتحسر من الفاجر‪ ،‬ورهبة مما‬ ‫أُعد له من عذاب القبر وما بعده‪.‬‬

‫وقال ذلك؛ لأ َّنه َيع َل ُم أ َّنه لم ُيقد ْم خي ًرا‪ ،‬وأ َّنه َيق َد ُم على ما َي ُسوؤهُ‪،‬‬ ‫ف َيك َرهُ القُدو َم عليه‬ ‫وإ َّنما أضاف ال َو ْيلَ إلى َضمي ِر الغائ ِب‪ ،‬وإ ْن كان ال ِقيا ُس أ ْن يقولَ‪ :‬يا‬ ‫َو ْيلي؛ َكراه َة أ ْن ُي ِضي َف الويلَ إلى ن ْف ِسه‪ ،‬أو كأ َّنه لَ َّما أب َص َر ن ْف َسه‬ ‫غي َر صالحة َن َف َر عنها‪ ،‬وج َعلَها كأ َّنها غي ُره‬ ‫ثم أخ َبر النبي صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم أنه َيس َم ُع َصو َت كل ِم ال ِجناز ِة كل‬ ‫َمخلوقا ِت الل ِه ع َّز وجلَّ إ َّلا الإنسا َن‪ ،‬فلو س ِمعها الإنسا ُن ل َص ِع َق‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫مات‬ ‫وهذا الصرا ُخ وال َّصو ُت الشدي ُد َيص ُد ُر ِمن ال َمي ِت ِمن َهو ِل ما ُيعا ِي ُن‬ ‫ِمن العذا ِب‪ ،‬وقد ب َّي َن ص َلّى اللهُ عليه وس َلّ َم المعنى الذي ِمن أ ْجلِه ُم ِنع‬ ‫الإنسا ُن أن َيس َمعها‪ ،‬وهو أ َّنه كان َيص َع ُق لو س ِمعها‬ ‫فأراد تعالَى الإبقا َء على ِعبا ِده‪ ،‬والرف َق بهم فى الدنيا؛ لِ َتع ُم َر وي َق َع‬ ‫فيها الابتل ُء والاختبا ُر‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬هذا الصرا ُخ مخ َت ٌّص بال َمي ِت الذي هو غي ُر صالح‪ ،‬وأ َّما الصال ُح‬ ‫ف ِمن شأ ِنه اللط ُف والرف ُق في كل ِمه‪ ،‬فل ُينا ِس ُب الصع ُق ِمن سما ِع‬ ‫كل ِمه‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬والكل ُم يكو ُن ِمن الرو ِح ب ْع َد ُمفارق ِته لج َس ِده‪،‬‬ ‫وقيل‪ :‬يخلُ ُق اللهُ في الج َس ِد النط َق‪ ،‬وال َّصوا ُب أ َّنه الجس ُد مع الرو ِح‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬أ َّن ال َمي َت ال َّصال َح ي َرى ال ُمبشرا ِت ق ْبلَ د ْفنِه‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬علمة ِمن َعلما ِت ُنب َّوتِه صلَّى اللهُ عليه وس ّلَ َم‪.‬‬

‫الحديث الخامس والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ابن مسعود رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪(( :‬ال َج َّن ُة أ ْق َر ُب إِلى أ َح ِد ُك ْم ِم ْن ِش َرا ِك َن ْعلِ ِه‪َ ،‬وال َّنا ُر ِم ْثلُ ذلك))‬ ‫رواه البخاري‬ ‫وفي الحديث الآخر‪(( :‬إن الرجل يتكلم بالكلمة ما يظن أ ْن يبلغ ما‬ ‫بلغت‪ ،‬يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه‪ ،‬وأن الرجل ليتكلم‬ ‫بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار))‬ ‫شرح الحديث‬ ‫هذا الحدي ُث يتض َّم ُن ترغي ًبا وترهي ًبا يت َض َّمن ترغي ًبا في الجملة‬ ‫الأولى‪ ،‬وهي قوله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫«الج َّنة أقر ُب إلى أح ِدكم من ِشراك نعلِ ِه» و ِشراك ال َّنع ِل هو السير‬ ‫الذي يكون على ظهر القدم‪ ،‬ويدخل فيه إصبع الرجل‪ ،‬وهو قريب من‬ ‫الإنسان ج ًّدا‪ ،‬ويضر ُب به المثل في القرب‬ ‫فالج َّنة أقر ُب إلى أح ِدكم إذا أطاع ر َّبه من ال َّس ْي ُر الذي يد ُخل فيه إصبع‬ ‫الر ْجل‬ ‫وذلك لأنه قد يتكلم الإنسان بالكلمة الواحد ِة من رضوان الله ‪ -‬ع َّز‬ ‫وجلَّ ‪ -‬لا يظن أنها تبلغ ما بلغت‪ ،‬فإذا هي توصله إلى ج َّنة ال َّنعيم‪.‬‬ ‫وكذلك ال َّنار إذا عصاه ِمثلُ ذلك ‪ ،‬وهي الجملة الثانية في الحديث‪ ،‬وهي‬ ‫التي فيها التحذير‪ ،‬يقول النبي ‪ -‬عليه الصلة والسلم ‪« :-‬وال َّنا ُر مثلُ‬ ‫ذلك» أي‪ :‬أقرب إلى أحدنا من ِشراك نعله‪ ،‬فإن الإنسان ربما يتكلم‬ ‫بالكلمة لا يلقى لها با ًلا‪ ،‬وهي من سخط الله‪ ،‬فيهوي بها في النار كذا‬

‫وكذا من السنين وهو لا يدري‪ .‬وما أكثر الكلمات التي يتكلم بها الإنسان‬ ‫غير مبال بها‪ ،‬وغير مهتم بمدلولها‪ ،‬فترديه في نار جهنم‬ ‫فل يزهد َّن الإنسان في قليل من الخير؛ فلع َّله يكون سب ًبا لرحمة الله‬ ‫به‪ ،‬ولا في قليل من ال َّشر أن يجتنبه؛ فر َّبما يكون فيه سخط الله تعالى‬ ‫و َب َّين النبي ص ّلَى الله عليه وس ّلَم في الحديث الآخر أث َر الكلم ِة وما‬ ‫يتر َّتب عليها ِمن أ ْجر أو ِوزر‪ ،‬ح َّتى إ َّن العب َد لَيتكلَّم بالكلم ِة ِم َّما‬ ‫َي ْرضاه الله ويحبه‪ ،‬لا َيلتفِت لها قل ُبه وبالُه لِقِ َّل ِة شأنِها عن َده؛ َي ْر َفعه‬ ‫الله بها درجات في الج َّن ِة‪ ،‬وإ َّنه لَيتكلَّم بالكلم ِة الواحد ِة ِم َّما َي ْس َخطه‬ ‫و َي ْك َرهه اللهُ ولا َي ْرضاه‪ ،‬لا َيلتفِت بالُه وقل ُبه ل ِع َظ ِمها؛ ف َي ْه ِوي بها (أي‪:‬‬ ‫َين ِزل و َيسقُط بسببِها) في َد َركا ِت َج َّه َن َم‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬دليل واضح على أ َّن ال َّطاعات ُموصلة إلى الج َّنة‪،‬‬ ‫والمعاصي ُمقربة من ال َّنار‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن المؤمن لا َيزهد في قليل من الخير‪ ،‬ولا َيستقل قلي ًل من‬ ‫الشر‪ ،‬ف َيح َسبه هي ًنا وهو عند الله عظيم؛ فإ َّن المؤمن لا يعلَم الحسنة‬ ‫التي ير َحمه الله بها‪ ،‬والسيئ َة التي يسخط الله عليه بها‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن تحصيلَ الج َّنة سهل بتصحيح ال َقص ِد و ِفعل ال َّطاعة‪ ،‬وال َّنار‬ ‫كذلك بموافق ِة الهوى وفِعل المعصي ِة‪.‬‬

‫المقدمة‬ ‫باب فضل البكاء من خشية لِل َت َعالَى وشو ًقا إِليه‬ ‫الحديث السادس والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ابن مسعود رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ لِي ال َّنبي صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪(( :‬ا ْق َر ْأ عل َّي القُ ْرآ َن)) قلت‪َ :‬يا رسول اللهِ‪ ،‬أقرأُ َعلَ ْي َك‪َ ،‬و َع َل ْي َك‬ ‫أُ ْن ِزلَ؟! َقالَ‪(( :‬إِني أُ ِحب أ ْن أ ْس َم َع ُه ِم ْن َغي ِري))‪َ .‬ف َق َر ْأ ُت َعلَ ْي ِه سور َة‬ ‫الن َسا ِء‪َ ،‬ح َّتى ِج ْئ ُت إِلى ه ِذ ِه الآية‪َ { :‬ف َك ْي َف إِ َذا ِج ْئ َنا ِم ْن ُكل أُ َّمة ِب َشهيد‬ ‫َو ِج ْئ َنا ِب َك َعلَى ه ُؤلا ِء َشهي ًدا} [النساء‪َ ]41 :‬قالَ‪َ (( :‬ح ْس ُب َك الآ َن))‬ ‫َفا َل َت َفت إِ َل ْي ِه فإذا َع ْي َناهُ َت ْذ ِر َفان‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان النبي ص َّلى الله عليه وسلَّم يحب أن َيسم َع القرآ َن من غي ِره؛ لذلك‬ ‫َطلَب ِمن اب ِن َم ْس ُعود ر ِضي اللهُ عنه أن َيق َرأَ عليه القُرآ َن‬ ‫وهذا يدل على أن من السنة أن يطلب الناس من واحد منهم أن يقرأ‬ ‫القرآن عليهم‪،‬‬ ‫فالنبي ﷺ طلب من ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأه عليه‪،‬‬ ‫وهذا الطلب تعجب منه ابن مسعود رضي الله عنه فقال‪ :‬أقرأ عليك‬ ‫وعليك أنزل؟! لأنه فهم أن المطلوب ليس هو تصحيح التلوة‪ ،‬ما‬ ‫طلب منه من أجل أن يصحح تلوته‪ ،‬فإن هذا ليس بمحل للعجب‪ ،‬إنما‬

‫المقصود أنه يسمع منه سماع رغبة ويلتذ بهذا السماع ‪-‬عليه الصلة‬ ‫والسلم‪-‬‬ ‫فتعجب ابن مسعود‪ ،‬كيف يطلب منه النبي ﷺ ذلك؟‬ ‫فقال‪ \":‬إني أحب أن أسمعه من غيري\"‪ ،‬وهذا من الأمور التي يمكن‬ ‫أن تحرك به القلوب‪ ،‬أن يسمع الإنسان القرآن من غيره‪ ،‬إذا كان يجد‬ ‫قلبه في تلك الحال‪.‬‬ ‫فمن الناس من قد لا يتأثر كثي ًرا إذا قرأ‪ ،‬ولكن إذا قرأ عليه غيره فإن‬ ‫ذلك يشترك فيه السماع‪ ،‬ولربما كان أكثر تأثي ًرا‪.‬‬ ‫يقول‪ :‬فقرأت عليه سورة النساء‪ ،‬حتى جئت إلى هذه الآية‪َ { :‬ف َك ْي َف‬ ‫إِ َذا ِج ْئ َنا ِم ْن ُكل أُ َّمة بِ َش ِهيد َو ِج ْئ َنا بِ َك َع َلى َه ُؤ َلا ِء َش ِهي ًدا}‬ ‫[النساء‪]41 :‬‬ ‫ِج ْئ َنا ِم ْن ُكل أُ َّمة بِ َش ِهيد وهم الرسل ‪-‬عليهم الصلة والسلم‪ -‬يشهدون‬ ‫على أممهم‪ ،‬وأنهم بلغوهم‪ ،‬يشهدون على من آمن واستجاب وانقاد‪،‬‬ ‫ومن لم يؤمن َو ِج ْئ َنا بِ َك َعلَى َه ُؤ َلا ِء َش ِهي ًدا‪ ،‬يعني‪ :‬هذه الأمة المؤمن‬ ‫والكافر‪ ،‬يشهد عليهم بالبلغ‪ ،‬ويشهد للمؤمن بالإيمان‪ ،‬ويشهد على‬ ‫الكافر بالكفر والتكذيب‪.‬‬ ‫قال‪\" :‬حسبك الآن\" يعني‪ :‬يكفيك‪.‬‬ ‫يقول‪ :‬فالتف ّت إليه‪ ،‬فإذا عيناه تذرفان‪ ،‬يعني‪ :‬تسيلن بالدموع‬ ‫لماذا بكى النبي ﷺ ؟ بكى تأث ًرا من سماع القرآن لاسيما هذه الآية‬ ‫التي تحمل الموقف العظيم‪ ،‬فيحتمل أن يكون البكاء بسبب رهبة ذلك‬

‫الموقف‪ ،‬وعظم ذلك الموقف‪ ،‬وهول المطلع‪ ،‬فيؤتى بالأمم‪ ،‬ويؤتى‬ ‫بالنبي ﷺ يشهد على أمته‪.‬‬ ‫ويمكن أن يكون هذا البكاء بسبب أن النبي ﷺ رق عند ذلك‪ ،‬حيث‬ ‫يشهد على بعض أمته بالتكذيب‪ ،‬والجحود والكفر‪ ،‬فيؤخذون بهذه‬ ‫الشهادة‪ ،‬ويقادون إلى النار‪ ،‬ويمكن أن يجتمع هذا وهذا‬ ‫قال الحافظ‪ :‬بكى صلى الله عليه وسلم رحم ًة لأمته‪ ،‬لأنه علم أنه لابد‬ ‫أن يشهد عليهم بعملهم‪ ،‬وعملهم قد لا يكون مستقي ًما فقد يفضي إلى‬ ‫تعذيبهم‬ ‫قال النووي‪ :‬البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين‪ ،‬وشعار‬ ‫الصالحين‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬الاستما ُع إلى قا ِرئ القرآ ِن‪ ،‬ولو كان المست ِم ُع ِمن‬ ‫ُح َّفا ِظه؛ اقتدا ًء بالنبي ص ّلَى الله عليه وس َّلم واتبا ًعا ل ُس َّن ِته‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن َس َما َع القرآ ِن فيه ثواب كما في تِلو ِته‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬ال ُبكا ُء عند سما ِع القُرآ ِن‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬الأم ُر ب َق ْطع تلو ِة القرآ ِن لل َم ْص َل َح ِة ‪.‬‬

‫الحديث السابع والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه َقالَ‪ :‬خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫ُخ ْط َب ًة َما َس ِم ْع ُت ِم ْثلَ َها َقط‪ ،‬فقال‪(( :‬لَ ْو َت ْع َل ُمو َن َما أ ْعلَ ُم‪ ،‬لَ َض ِح ْك ُت ْم َقلي ًل‬ ‫َولَ َب َك ْي ُت ْم َكثِي ًرا)) َقالَ‪َ :‬ف َغ َّطى أ ْص َحا ُب رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫ُو ُجو َه ُه ْم‪َ ،‬ولَ ُه ْم َخنِين‬ ‫متفق َع َل ْيه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َخ َطب رسولُ الله صلَّى الله عليه وس َّلم فقال‪:‬‬ ‫\" لو تعلمون ما أعلم\"‪ ،‬من شدة الأمر‪ ،‬وهول المطلع‪ ،‬وما يكون من‬ ‫الأهوال في الآخرة‪ ،‬ومن شدة عذاب الله في نار جهنم‬ ‫\"لضحكتم قليلً ولبكيتم كثي ًرا‪ \".‬أي‪ :‬أن الإنسان يقل أنسه وطربه‬ ‫ولذته في هذه الحياة‪ ،‬فينكمش آثار ذلك من الضحك الذي يصدر عادة‬ ‫عن نفس مطمئنة‪ ،‬فإن الخائف لا يضحك عادة‪.‬‬ ‫قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ‪\" :‬والمراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمة‬ ‫الله ‪ ،‬وانتقامه م َّمن يعصيه ‪ ،‬والأهوال التي تقع عند النزع ‪ ،‬والموت‬ ‫‪ ،‬وفي القبر ‪ ،‬ويوم القيامة ‪ ،‬ومناسبة كثرة البكاء وقلة الضحك في‬ ‫هذا المقام واضحة ‪ ،‬والمراد به التخويف\"‬ ‫\"فتح الباري\" (‪)319/11‬‬ ‫فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم‪ ،‬ولهم َخنين‬

‫هذا هو الشاهد في هذا الحديث ‪ ،‬غطوا وجوههم‪ ،‬ولهم خنين‪ ،‬أي‬ ‫صوت مرت ِفع ِمن الأن ِف بال ُبكاء ؛ تأث ًرا بما سمعوا من رسول الله ﷺ‬ ‫‪.‬‬ ‫وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن‪ ،‬وقد قيل‪ :‬اطلب قلبك في‬ ‫ثلث‪ :‬في الصلة‪ ،‬وفي مجالس الذكر‪ ،‬وعند قراءة القرآن‪ ،‬فإن لم‬ ‫تجده‪ ،‬فاسأل ربك أن يرزقك قل ًبا‪ ،‬فإنه لا قلب لك‪.‬‬ ‫وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة الجليلة التي تكسو القلوب‬ ‫انكسارا بين يدي الله ‪ ،‬واعترافا بالفقر إليه ‪ ،‬ورجاء رحمته وعفوه‬ ‫وإحسانه ‪ ،‬فالأمر خطير جد خطير‬ ‫وفي الحدي ِث‪ :‬أ َّن النب َّي ص َّلى اللهِ عليه وس َّلم أعظ ُم ال َّناس َخشي ًة لربه؛‬ ‫لأ َّن َخشي َة اللهِ إ َّنما تكو ُن على ِمقدا ِر ال ِعل ِم ِبه‪ ،‬ول َّما لم َيعل ْم أحد ك ِعل ِم‬ ‫النبي صلَّى الله عليه وس ّلَ َم‪ ،‬لم َيخ َش ك َخشيتِه‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬فضلُ ال َّصحاب ِة و ُبكا ُؤهم عن َد موعظ ِة النبي ص ّلَى الله عليه‬ ‫وس ّلَ َم لهم‪.‬‬

‫الحديث الثامن والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪(( :‬لا َيلِ ُج ال َّنا َر َر ُجل َب َكى ِم ْن َخ ْش َي ِة الل ِه َح َّتى َي ُعو َد اللَّ َب ُن في‬ ‫ال َّض ْر ِع‪َ ،‬ولا َي ْج َت ِم ُع ُغ َبار في سبي ِل اللهِ َو ُد َخا ُن َج َه َّن َم))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن َصحيح)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َخشي ُة اللهِ في السر وال َع َل ِن من المنجيا ِت ِمن النا ِر‪ ،‬وكذلك الجها ُد في‬ ‫َسبي ِل الل ِه سبب ل ُغفرا ِن الذنو ِب‪ ،‬وسبب للنجا ِة ِمن النا ِر‬ ‫كما يقولُ ال َّرسولُ ص َّلى اللهُ علَيه وس َّلم في هذا الحدي ِث‪:‬‬ ‫\"لا َيلِ ُج ال َّنا َر\"‪ ،‬أي‪ :‬لا َيد ُخلُ ال َّنا َر‬ ‫\"رجل ب َكى ِمن خ ْشي ِة اللهِ\"‪ ،‬أي‪ :‬إ َّن الخ ْو َف ِمن اللهِ هو الَّذي يج َعلُ‬ ‫صاح َبه ُمطي ًعا له ُمجت ِن ًبا لِ َمع ِصي ِته‪ ،‬وفيه الحث على البكاء من خشية‬ ‫الله‬ ‫ث َّم ض َرب مث ًل في استِحالَ ِة د ُخولِه ال َّنا َر كما يست ِحيلُ أ ْن َير ِج َع اللَّ َب ُن‬ ‫إلى ض ْر ِع ال َح َيوا ِن بع َد إ ْذ ُحلِ َب منه‪ ،‬فقال‪\" :‬ح َّتى َيعو َد اللَّب ُن في‬ ‫ال َّض ْر ِع\"‪ ،‬والمعنى‪ :‬أ َّن ُرجو َع ال َلّب ِن إلى ال َّضر ِع لا َيح ُد ُث‪ ،‬وكذلك لا‬ ‫َيد ُخلُ ال َّنا َر َمن ب َكى ِمن خ ْشي ِة اللهِ‬

‫وهذا كق ْولِه تعالى‪{ :‬إِ َّن الَّ ِذي َن َك َّذ ُبوا ِبآ َياتِ َنا َوا ْس َت ْك َب ُروا َع ْن َها َلا ُت َف َّت ُح َلهُ ْم‬ ‫أَ ْب َوا ُب ال َّس َما ِء َو َلا َي ْد ُخلُو َن ا ْل َج َّن َة َح َّتى َيلِ َج ا ْل َج َملُ فِي َسم ا ْل ِخ َيا ِط َو َك َذلِ َك‬ ‫َن ْج ِزي ا ْل ُم ْج ِر ِمي َن} [الأعراف‪]40 :‬‬ ‫\"ولا َيجت ِم ُع ُغبار في َسبي ِل اللهِ\"‪ ،‬وال ُغبا ُر هو ما َين ُت ُج و ُيثا ُر ِمن‬ ‫ُتراب عن َد الح َرك ِة أ ْثنا َء ال ِجها ِد‬ ‫\"و ُد َخا ُن ج َه َّن َم\"‪ ،‬أي‪ :‬لا يجت ِم ُع على المجا ِه ِد ال ُغبا ُر ا ّلَذي ح َدث له في‬ ‫المع َرك ِة وهي في َسبي ِل الل ِه‪ ،‬و ُدخا ُن ج َه َّن َم‪ ،‬ولك ْن ير َح ُمه اللهُ‪ ،‬فل‬ ‫يد ُخلُ ج َه َّن َم ب َسب ِب ِجها ِده وما فيه من َتعب و َمش َّقة وتعريض لل َّن ْف ِس‬ ‫للأَخطا ِر وال َمو ِت‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬فضل البكاء من خشية الله تعالى‪ ،‬لأن الخشية تحمله‬ ‫على امتثال الأوامر‪ ،‬واجتناب النواهي‬

‫الحديث التاسع والأربعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪َ (( :‬س ْب َعة ُي ِظل ُه ُم اللهُ في ِظل ِه َي ْو َم لا ِظلَّ إلا ِظل ُه‪ :‬إ َمام َعا ِدل‪،‬‬ ‫َو َشاب َن َشأَ فِي ِع َبا َد ِة اللهِ َت َعالَى‪َ ،‬و َر ُجل َق ْل ُب ُه ُم َع َّلق في ال َم َسا ِج ِد‪،‬‬ ‫َو َر ُجلَ ِن َت َحا ّبا في الله ا ْج َت َم َعا َع َل ْي ِه و َت َف َّر َقا َعلَ ْي ِه‪َ ،‬و َر ُجل َد َع ْت ُه ا ْم َرأَة‬ ‫َذا ُت َم ْن ِصب َو َج َمال‪َ ،‬فقال‪ :‬إني أَ َخا ُف الله‪َ ،‬و َر ُجل َت َص َّد َق ِب َص َد َقة‬ ‫َفأ ْخ َفا َها َح َّتى لا َت ْعلَ َم ِش َمالُه َما ُت ْن ِف ُق َي ِمي ُن ُه‪َ ،‬و َر ُجل َذ َك َر الله َخالِ ًيا‬ ‫ففاضت َع ْي َناهُ))‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َيو ُم ال ِقيام ِة يوم َعصيب كثي ُر الأهوا ِل‪َ ،‬ت ْدنو فيه ال َّشم ُس ِمن ُرؤو ِس‬ ‫ال ِعبا ِد‪ ،‬و َيش َتد عليهم َحرها‪ ،‬وقد َب َّش َرنا َرسولُ اللهِ ص َّلى اللهُ عليه‬ ‫وس ّلَ َم بأ َّن لِلِ ِعبا ًدا س ُي ِظلهم في ِظله في هذا اليو ِم الذي لا ِظلَّ ِسوى‬ ‫ِظله ُسبحانه و َتعالى‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث َيذ ُك ُر َرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم َسبع َة أصناف‬ ‫أ َحد‬ ‫َي ِج ُد‬ ‫لا‬ ‫ا َلّذي‬ ‫بِ ِظله ُسبحا َنه في ذلِك اليو ِم‬ ‫َيتن َّعمون‬ ‫الأُ َّم ِة‬ ‫هذ ِه‬ ‫ِمن‬ ‫إ َّلا َمن أ َظ َلّه اللهُ في ِظله‬ ‫ِظ ًّل‬ ‫والمرا ُد بالظل هنا‪ِ :‬ظل ال َعر ِش‪ ،‬كما جا َء ُمف َّس ًرا في أحادي َث أُخ َرى؛‬ ‫وإذا كان المرا ُد ِظلَّ ال َعر ِش؛ استلز َم كو َنهم في ك َن ِف اللهِ تعالَى‬ ‫وكرامتِه‬

‫وأ َّولُ هؤلا ِء ال َّسبع ِة‪ :‬الإما ُم العا ِدلُ‪ ،‬وهو‪ :‬الحا ِك ُم العا ِدلُ في َرع َّيتِه‪،‬‬ ‫الذي ُيحافِظ على ُحقوقِهم‪ ،‬و َير َعى َمصالِ َحهم‪ ،‬و َيح ُك ُم فيهم ب َشريع ِة‬ ‫الل ِه ع َّز وجلَّ‪ ،‬ف ُيقي ُم َمصالِ َح الدي ِن والدنيا‬ ‫وال َّثاني‪ :‬شا ٌّب َن َشأ ُمجت ِه ًدا في ِعباد ِة َربه‪ُ ،‬ملت ِز ًما بطاع ِته في أ ْم ِره‬ ‫و َن ْهيِه‪ ،‬و َخ َّص ال َّشا َّب بالذك ِر؛ لأ َّن ال ِعباد َة في ال َّشبا ِب أشد وأشق‬ ‫وأص َع ُب؛ ل َكثر ِة ال َّدواعي لل َمعصي ِة و َغلَب ِة ال َّشهوا ِت؛ فإذا لا َز َم ال ِعباد َة‬ ‫ِحينئذ َدلَّ ذلِك ع َلى ِش َّد ِة تقواه و َعظي ِم َخشي ِته ِمن الل ِه‬ ‫وال َّثال ُث‪ :‬الر ُجلُ ال ُم َع َلّ ُق َق ْل ُبه في ال َمسا ِج ِد؛ فهو َشدي ُد ال ُحب وال َّتعل ِق‬ ‫بالمسا ِج ِد‪َ ،‬يت َر َّدد عليها و َيك ُثر ُمك ُثه فيه‪ُ ،‬مل ِز ًما لل َجماع ِة والفرائ ِض‬ ‫و ُمنت ِظ ًرا للصل ِة بع َد الصل ِة‪ ،‬كأ َّن َقل َبه قِنديل ِمن َقنا ِدي ِل المس ِج ِد‪.‬‬ ‫وال َّراب ُع‪َ :‬ر ُجل ِن أح َّب ُكلٌّ منهما الآ َخ َر في ذا ِت اللهِ تعا َلى وفي َسبي ِل‬ ‫َمرضا ِته وطاع ِته لا ل َغ َرض ُدنيوي‪ ،‬واج َت َم َعا على ذلِك‪ ،‬واست َم َّرا على‬ ‫َمح َّب ِتهما هذه لأ ْجلِه ُسبحانه‪ ،‬وقولُه‪« :‬اجتم َعا على ذلِك و َتف َّر َقا عليه»‬ ‫ظاه ُره‪ :‬أ َّن ُح َّب َهما لِلِ صادق في ِحي ِن اجتما ِعهما‪ ،‬وافتراقِهما‬ ‫والخا ِم ُس‪َ :‬ر ُجل َطلَ َب ْته للفاحش ِة امرأة َح ْسنا ُء ذا ُت َح َسب و َن َسب‪،‬‬ ‫ومال وجاه‪ ،‬و َمركز َمرموق‪ ،‬فقال‪ :‬إني أخا ُف اللهَ‪ ،‬ويِحت ِملُ أ َّنه إ َّنما‬ ‫يقولُ ذلك بلِسانِه َز ْج ًرا لها عن الفا ِحش ِة‪ ،‬أو يقولُ ذلك ب َق ْل ِبه و ُيصد َقه‬ ‫فِعلُه‪ ،‬بأ ْن َيم َن َعه َخو ُف الل ِه عن اقترا ِف ما ُيغ ِض ُبه‪ ،‬وخ َّص ذا َت‬

‫المن ِص ِب وال َجما ِل ل َكثر ِة ال َّرغب ِة فيها‪ ،‬وهو بهذا الفِع ِل مع ه ِذه‬ ‫ال ُمغريا ِت الكثير ِة ج َمع أك َملَ المراتِ ِب في طاعة الله تعالَى والخو ِف‬ ‫منه‪ ،‬وهذه ِصف ُة الصديقي َن‬ ‫وال َّساد ُس‪َ :‬ر ُجل َتص َّدق َصدق َة ال َّتطو ِع‪ ،‬فبالَ َغ في إخفا ِء َصدقتِه على‬ ‫ال َّنا ِس‪ ،‬و َس َت َرها عن ُكل َشيء ح َّتى عن ن ْف ِسه‪ ،‬فل َتعل ُم ِشمالُه ما‬ ‫ُتن ِف ُق يمي ُنه‪ ،‬وإ َّنما َذ َك َر اليمي َن والشمالَ لل ُمبالَغ ِة في الإخفا ِء والإسرا ِر‬ ‫بالصدق ِة‪ ،‬وض َر َب ال َم َثلَ بهما لقُر ِب ال َيمي ِن ِمن الشما ِل ولملزم ِتهما‬ ‫ومعنى ال َم َثل‪ :‬لو كا َن ِشمالُه َر ُج ًل ُمتيق ًظا ما َعلِ َمها؛ ل ُمبالَغتِه في‬ ‫الإخفا ِء‪ ،‬وهذا هو الأفضلُ في ال َّصدق ِة والأبع ُد ِمن الريا ِء‪ ،‬وإ ْن كان‬ ‫ُيش َر ُع ال َجه ُر بال َّصدق ِة والزكا ِة إ ْن َسلِ َم ْت عن الريا ِء وقُ ِص َد بها حث‬ ‫ال َغي ِر على الإنفا ِق ول َيقت ِد َي به غي ُره‪ ،‬ولإظها ِر َشعائ ِر الإسل ِم‬ ‫وال َّساب ُع‪َ :‬ر ُجل َذ َك َر اللهَ بلِسا ِنه خال ًيا‪ ،‬أو َتذ َّكر ب َق ْلبِه َع َظم َة الل ِه تعا َلى‬ ‫ولِقا َءه‪ ،‬و َوقو َفه ب ْين َي َديه‪ ،‬و ُمحاسب َته على أعمالِه‪ ،‬حالَ كونِه خال ًيا‬ ‫ُمنف ِر ًدا عن ال َّنا ِس؛ لأ َّنه ِحي َنها يكو ُن أب َع َد عن الريا ِء‪ ،‬وقيل‪ :‬خال ًيا‬ ‫بق ْلبِه ِمن الالتفا ِت لغي ِر اللهِ ح َّتى ولو كان ب ْين النا ِس‪َ ،‬فسالَت ُدمو ُعه‬ ‫َخو ًفا ِمن الل ِه تعالَى‬ ‫وإ َّنما نالَ هؤلا ِء ال َّسبع ُة ذلك ال َّنعي َم بالإ ْخل ِص لِل تعالَى و ُمخالَف ِة‬ ‫اله َوى؛ فإ َّن الإما َم المسلَّ َط القاد َر لا َيتم َّك ُن ِمن العد ِل إ َّلا ب ُمخالف ِة‬ ‫هواه‪ ،‬والشا َّب المؤثِ َر لعبا ِد ِة الل ِه على دا ِعي َشبابِه لولا ُمخالَف ُة هواه‬

‫لم َيق ِد ْر على ذلك‪ ،‬والرجلَ الذي قل ُبه ُمع ّلَق في المسا ِج ِد إ َّنما ح َم َله‬ ‫على ذلك ُمخالَف ُة اله َوى الدا ِعي له إلى أماك ِن اللَّذا ِت‪ ،‬والمتصد َق‬ ‫ال ُمخ ِفي صدق َته عن ِشمالِه لولا َقه ُره لهواه لم َيق ِد ْر على ذلك‪ ،‬والذي‬ ‫دع ْته المرأةُ الجميل ُة الشريف ُة فخا َف اللهَ ع َّز وجلَّ وخالَف هواه‪،‬‬ ‫والذي ذ َك َر الل َه ع َّز وجلَّ خال ًيا ففاض ْت عيناه ِمن َخشي ِته إ َّنما أ ْوصلَ ُهما‬ ‫إلى ذلك ُمخالف ُة اله َوى؛ ف َن َّجاهم اللهِ ِمن َحر المو ِق ِف و َعر ِقه و ِش َّد ِته‬ ‫يو َم القِيام ِة‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬ف ْضلُ الأصنا ِف ال َّسبع ِة ال َمذكور ِة‪ ،‬وف ْضلُ َمن َسلِ َم ِمن‬ ‫الذنو ِب‪ ،‬واشت َغلَ بطاع ِة ربه طولَ ُعم ِره‬ ‫وفيه‪ :‬فضل البكاء من خشية الله تعالى‬

‫الحديث الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه َقالَ‪ :‬أتي ُت رسولَ الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َو ُه َو ُي َصلي ولِ َج ْو ِف ِه أَ ِزيز َكأَ ِزي ِز ال ِم ْر َج ِل ِم َن ال ُب َكا ِء‪.‬‬ ‫حديث صحيح رواه أَبو داود‬ ‫والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ال ُب َكا ُء ِمن َخشي ِة الله ِس َم ُة الأن ِبيا ِء وال َّصالحي َن‪ ،‬وهذا الحدي ُث بيان لِما‬ ‫كان عليه ال َّنبِي صلَّى الله عليه وسلَّم ِمن َخشي ِة الله‬ ‫وفيه َيح ِكي عب ُد الله ب ُن الشخي ِر ر ِض َي اللهُ عنه‪ ،‬أ َّنه رأى رسولَ الله‬ ‫صلَّى الله عليه وس َلّم ُيصلي وفي جوفه أَ ِزيز َكأز ِي ِز المرجل‬ ‫الأزيز‪ :‬صوت القِ ْدر عند غليانها‬ ‫(ال ِم ْر َجل)‪ :‬القِ ْدر الذي ُيط َبخ فيه‬ ‫هذا الصحابي الجليل يروي لنا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل‪ ،‬أي‪ :‬القدر الكبير الذي يغلي‪.‬‬ ‫فهو صلى الله عليه وسلم ي ْب ِكي في َصلته ف ُي ْس َم ُع ل َص ْد ِره َص ْوت‬ ‫َي ِجي ُش فيه ِمن ال ُب َكا ِء‪ ،‬وه َكذا كان ال َّنبِي صلَّى الله عليه وس َّلم‪ ،‬كأ َّن‬ ‫قل َبه أُ ْش ِر َب َخ ْو َف الل ِه تعالى‪ ،‬واس َتولى عليه حتى كأ َّنه َعاي َن ال ِحسا َب‬ ‫فينبغي لل ُم ْسلِم أ ْن يكو َن دائِ َم الخ ْو ِف ِمن الل ِه‪ ،‬لاسيما في ال َّصل ِة ا َلّتي‬ ‫هي ِمن أفض ِل ال َّطا َعا ِت‪ ،‬فإ َّنها إنما ُتق َبلُ إذا كان ْت ب ُخشوع و َخ ْوف من‬

‫الله ُس ْبحانه؛ قال الله تعالى‪َ { :‬ق ْد أَ ْفلَ َح ا ْل ُم ْؤ ِم ُنو َن * الذين ُه ْم ِفي‬ ‫َص َلتِ ِه ْم َخا ِش ُعو َن} [المؤمنون‪]2 -1 :‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬بيان لِما كان عليه ال َّنبي ص َّلى الله عليه وس َّلم من‬ ‫ِش َّد ِة ال َخ ْو ِف ِمن اللهِ جلَّ وعل‪ ،‬وما كا َن عليه ِمن ال ُخشو ِع في ال َّصل ِة‬

‫الحديث الحادي و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫لأُ َبي بن كعب رضي الله عنه ‪(( :‬إ َّن الله عز وجل أَ َم َر ِني أ ْن أ ْق َرأَ‬ ‫َع َل ْي َك‪َ { :‬ل ْم َي ُك ِن الَّ ِذي َن َك َفروا‪))}...‬‬ ‫َقالَ‪َ :‬و َس َّمانِي لك؟ َقالَ‪َ (( :‬ن َع ْم)) َف َب َكى أُ َب ٌّي‬ ‫(متفق َعلَ ْي ِه)‬ ‫وفي رواية‪َ :‬ف َج َعلَ أُ َب ٌّي َي ْب ِكي‬ ‫شرح الحديث‬ ‫عن أنس رضي الله عنه قال‪ :‬قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب‬ ‫رضي الله عنه ‪\" :‬إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك‪\"....‬‬ ‫وأبي بن كعب رضي الله عنه من أئمة القراء ‪ ،‬ومن علماء الصحابة‬ ‫‪-‬رضي الله عنهم وأرضاهم‪.-‬‬ ‫قوله ﷺ ‪ \":‬إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك\"‪ ،‬هذا فيه مزية‬ ‫ومنقبة عظيمة ج ًّدا لأبي بن كعب رضي الله عنه أن الله عز وجل‬ ‫ذكره‪ ،‬وأمر نبيه ﷺ وهو أشرف الأنبياء أن يقرأ عليه هذه‬ ‫السورة‪.‬‬

‫قال ابن كثير‪ :‬قرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة‬ ‫إبلغ‪ ،‬وتثبيت‪ ،‬وإنذار‪ ،‬لا قراءة تعلم واستذكار‪ ،‬كما قرأ على عمر‬ ‫بن الخطاب سورة الفتح يوم الحديبية‬ ‫وهذه السورة قد اشتملت على أصول الإسلم العظام‪ ،‬ومن تأمل‬ ‫الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة عرف ذلك‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وسماني؟ يعني بالاسم‪ ،‬بمعنى أنه لم يقل الله تعالى لرسوله ‪-‬‬ ‫عليه الصلة والسلم‪ :-‬اقرأ هذه السورة على أحد أصحابك مثلً‪ ،‬أو‬ ‫على رجل من أصحابك‪ ،‬وإنما ذكره باسمه‪ ،‬خصه‪ ،‬قال‪ \" :‬نعم\"‬ ‫فبكى أب ٌّي‪ ،‬وفي الرواية الأخرى‪ :‬فجعل أب ٌّي يبكي‪.‬‬ ‫وبكاء أُ َب ّي رضي الله عنه فر ًحا‪ ،‬وخشو ًعا‪ ،‬وخو ًفا من التقصير‪،‬‬ ‫واستحقا ًرا لنفسه‬ ‫وقيل‪ :‬الحكمة في تخصيصها بالذكر لأن فيها { َي ْتلُو ُص ُح ًفا م َط َّه َر ًة}‪،‬‬ ‫وفي تخصيص أُ َب ّي التنويه به في أنه أقرأ الصحابة‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬فضيل ُة أُ َبي ب ِن َك ْعب رضي ال َّله عنه‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬قِراءةُ الفا ِض ِل َعلى ال َمفضو ِل‪.‬‬ ‫َمعالي‬ ‫ِمن‬ ‫َو ُيعطاهُ‬ ‫به‬ ‫الإنسا ُن‬ ‫ِم َّما ُي َب َّش ُر‬ ‫وال َف َر ِح‬ ‫لِلسرو ِر‬ ‫ال ُبكا ُء‬ ‫وفيه‪:‬‬ ‫الأُمو ِر‪.‬‬

‫الحديث الثاني و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ أَبو بكر لِ ُع َم َر‪َ ،‬ر ِض َي اللهُ عنهما‪،‬‬ ‫بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ :‬ا ْن َطلِ ْق بِ َنا إِلى أُم أ ْي َم َن‬ ‫رضي الله عنها َنزو ُر َها‪َ ،‬ك َما َكا َن رسول الله صلى الله عليه وسلم‬ ‫َي ُزو ُرها‪،‬‬ ‫َفلَ َّما ا ْن َت َه ْي َنا إِلَ ْي َها َب َك ْت‪ ،‬فقالا لها‪َ :‬ما ُي ْب ِكي ِك؟ أ َما َت ْعلَ ِمي َن أ َّن َما ِع ْن َد الله‬ ‫َت َعالَى َخير لرسو ِل الله صلى الله عليه وسلم !‬ ‫قالت‪ :‬إني لا أبكي أني لا أَ ْعلَ ُم أ َّن َما ِع ْن َد الل ِه َخ ْير لرسو ِل الله صلى‬ ‫الله عليه وسلم‪َ ،‬ول ِكني أب ِكي أَ َّن ا ْل َو ْح َي َقد ا ْن َق َط َع ِم َن ال َّس َما ِء؛‬ ‫َف َه َّي َج ْت ُهما َع َلى ال ُب َكا ِء‪َ ،‬ف َج َعل َي ْب ِك َيا ِن َم َع َها‬ ‫( رواه مسلم)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َيحكي أنس ر ِضي اللهُ عنه أ َّن أبا بكر و ُع َم َر ر ِضي اللهُ عنهما َذه َبا ب ْع َد‬ ‫َوفا ِة رسو ِل الل ِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى أُم أيم َن ر ِضي اللهُ عنها‪،‬‬ ‫وهي َحا ِض َن ُة النبي ص ّلَى الله عليه وسلَّم ‪ ،‬وهي أُم أسام َة ب ِن زيد‬ ‫َي ُزورانها كما كان ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم َيزو ُرها‪َ ،‬فل َّما َو َص َل إليها‬ ‫َب َك ْت‪َ ،‬فسألاها‪ :‬ما ُيبكي ِك؟‬ ‫أ َما َتعل ِمي َن أ َّن ما ِعند الل ِه خير لِرسو ِل الل ِه ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم؟‬ ‫َفأجا َب ْت عليهما أَ َّنها ما َتبكي لِعد ِم ع ْل ِمها بأ َّن ما عن َد اللهِ خير لِرسولِ ِه‬ ‫ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم؛ وذلك لأ َّن هذا الأم َر ظا ِهر ‪ ،‬ولك َّن َسب َب ال ُبكا ِء‬ ‫هو أ َّن الوح َي‪ ،‬أي‪ :‬بِالأحكا ِم الإله َّي ِة ال َّسماو َّي ِة َق ِد انق َط َع ِم َن ال َّسما ِء‬

‫تحزن على انقطاع الوحي‪ ،‬فل شك أن مجيء الوحي إلى النبي ﷺ‬ ‫فيه خير كثير من العلم والرحمات‪ ،‬والتأييد والتثبيت‪ ،‬وأمور لا تخفى‪.‬‬ ‫فبكت على ذلك‬ ‫\" َف َه َّي َج ْت ُه َما\"‪ ،‬أي‪َ :‬فحم َل ْتهما على ال ُبكا ِء‪َ ،‬فجع َل َيبكيا ِن معها ‪،‬‬ ‫استثارت البكاء في نفوسهما‪ ،‬فجعل يبكيان معها‪َ ،‬والبكا ُء بهذا‬ ‫المعنى لا َينقط ُع إلى آ ِخ ِر الدنيا‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬زيارةُ الإنسا ِن لِ َم ْن كان صديقُه َيزو ُره ِمن با ِب ُحس ِن‬ ‫العه ِد و ِحف ِظ ال ُود‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬البكا ُء حز ًنا على ف ْق ِد ال ِع ْل ِم‪.‬‬ ‫أَالخيو ِهح‪،‬يِواللا َنايزك ِلو ُنِم َذنلالك ََّنسامقا ِءًص‪.‬ا‬ ‫الصحاب ِة البكا َء ِلانقطا ِع‬ ‫ِمن فِ ْع ِل‬ ‫أ َّن‬ ‫وفيه‪:‬‬ ‫قد َيهي ُج له البكا ُء بِبكا ِء‬ ‫الإنسا َن‬ ‫أ َّن‬ ‫وفيه‪:‬‬ ‫ِمن إخل ِصه‪.‬‬

‫الحديث الثالث و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ابن عمر رضي الله عنهما‪َ ،‬قالَ‪ :‬لَ َّما ا ْش َت َّد برسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َو َج ُع ُه‪ ،‬قِيلَ له في ال َّصلَ ِة‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬م ُروا أَ َبا َب ْكر َف ْل ُي َصل‬ ‫ِبال َّنا ِس))‪ .‬فقالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬إ َّن أَ َبا َب ْكر َر ُجل َرقِيق‪ ،‬إِ َذا‬ ‫َق َرأَ القُ ْرآ َن َغلَ َب ُه ال ُب َكا ُء‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬م ُروهُ َفل ُي َصل))‬ ‫وفي رواية عن عائشة‪ ،‬رضي الله عنها‪ ،‬قالت‪ :‬قلت‪ :‬إ َّن أَ َبا َب ْكر إِ َذا‬ ‫َقا َم َم َقا َم َك َل ْم ُي ْس ِم ِع ال َّنا َس ِم َن ال ُب َكا ِء‬ ‫(متفق َعلَ ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َصلةُ ال َجماع ِة أ ْم ُرها َعظيم‪ ،‬اه َت َّم بها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم‬ ‫اهتِما ًما كبي ًرا‪ ،‬وكذا ال َّصحاب ُة َرض َي اللهُ عنهم أجمعي َن‪ ،‬ولم َيتخلَّ ْف‬ ‫رسولُ الله ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم عنها‪ ،‬ولم ُيه ِم ْلها أب ًدا‪ ،‬ح َّتى ِعن َدما‬ ‫اشت َّد الم َر ُض عليه صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم أنا َب عنه َمن ُيصلي بال َّنا ِس‬ ‫لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه‪ ،‬يعني‪ :‬في مرض الموت‪ ،‬قيل له‬ ‫في الصلة‪ ،‬فقال‪(( :‬مروا أبا بكر فليصل بالناس‪))...‬‬ ‫وهذه إشارة منه ﷺ إلى خلفة أبي بكر رضي الله عنه فإن النبي‬ ‫ﷺ اختاره ليكون مقد ًما في دينهم‪ ،‬في عبادتهم‪ ،‬في صلتهم التي‬ ‫هي أجل وأشرف الأعمال‪ ،‬وهي الركن الأول من أركان الإسلم بعد‬ ‫الشهادتين‪ ،‬فقدمه ﷺ فكونه ﷺ يرتضيه لدنياهم ‪-‬يعني‬ ‫للخلفة‪ -‬من باب أولى‪.‬‬

‫فالشاهد هنا قال‪(( :‬مروا أبا بكر فليصل بالناس)) قالت عائشة ‪-‬‬ ‫رضي الله عنها‪(( :-‬إن أبا بكر رجل رقيق))‪ ،‬يعني‪ :‬رقيق القلب‪ ،‬وفي‬ ‫رواية أخرى‪(( :‬رجل أسيف)) يعني‪ :‬لا يتمالك نفسه‪ ،‬يبكي إذا قرأ‬ ‫القرآن‬ ‫قالت‪(( :‬إذا قرأ القرآن غلبه البكاء))‬ ‫فقال‪(( :‬مروه فليصل))‪ ،‬وفي رواية عن عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪-‬‬ ‫قالت‪ :‬قلت‪(( :‬إن أبا بكر إذا قام مقامك لم ُيسمع النا َس من البكاء))‬ ‫وهذا يدل على شدة خشوعهم‪ ،‬وتأثرهم بالقرآن‬ ‫فالنبي ﷺ قدمه مع أنها اعتذرت عنه بهذا الاعتذار‪ ،‬وكانت تريد‬ ‫بذلك ألا يتقدم في هذا المقام‪ ،‬فينقبض الناس؛ لأنه قام مقام رسول‬ ‫الله ﷺ ولا شك أنهم يكرهون ذلك‪ ،‬هم ينتظرون النبي ﷺ‬ ‫فيكون هذا آخر العهد بالنبي ﷺ‬ ‫فخا َف ْت َرض َي اللهُ عنها أ ْن َيتشا َء َم ال َّنا ُس ِمن أبي َبكر َرض َي اللهُ عنه؛‬ ‫لأ َّنه َحلَّ م َحلَّ النبي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم فأرا َد ْت أ ْن َتد َف َع عنه ذلك‬ ‫فقال ْت للنبي ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم‪ :‬إ َّن أبا بكر ر ُجل كثي ُر ال ُبكا ِء‬ ‫والحز ِن في ال َّصل ِة‪ ،‬فلو قا َم لِلإمام ِة ل ْن ُيس ِم َع ال َّنا َس قراء َته ِمن كثر ِة‬ ‫البكاء‪ ،‬وكان أبو بكر َرض َي اللهُ عنه كما قال ْت حقيق ًة‪ ،‬فل ْم َيلت ِف ِت النبي‬ ‫ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم لِقول ِها‪ ،‬وك َّر َر قولَه‪ُ « :‬م ُروا أبا بكر ُيصلي‬ ‫بِال َّنا ِس»‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬دليل على استحباب البكاء عند قراءة القرآن‬

‫الحديث الرابع و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف‪ :‬أ َّن عبد الرحمن بن عوف‬ ‫رضي الله عنه أُتِ َي بطعام وكان صا ِئ ًما‪ ،‬فقال‪ :‬قُتِلَ ُم ْص َع ُب بن ُع َم ْير‬ ‫رضي الله عنه َو ُه َو َخ ْير ِمني‪َ ،‬ف َل ْم يو َج ْد له َما ُي َك َّف ُن في ِه إلا ُب ْر َدة إ ْن‬ ‫ُغط َي بِ َها َرأ ُس ُه َب َد ْت ِر ْجلهُ؛ َوإ ْن ُغط َي ِب َها ِر ْجلَهُ َب َدا َرأ ُس ُه‪ُ ،‬ث َّم ُب ِس َط‬ ‫لَ َنا ِم َن الد ْن َيا َما ُب ِس َط‪ -‬أَو َقالَ‪ :‬أُ ْع ِطي َنا ِم َن الد ْن َيا َما أُ ْع ِطي َنا‪َ -‬ق ْد َخ ِشينا‬ ‫أ ْن َت ُكو َن َح َس َنا ُت َنا ُعجلَ ْت لَ َنا‪ُ ،‬ث َّم َج َعلَ َيب ِكي َح َّتى َت َر َك الط َعام‬ ‫( رواه البخاري)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان أصحا ُب النبي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم في بِداي ِة الأم ِر في ِضيق ِم َن‬ ‫ال َعي ِش‪ ،‬فكانوا أب َع َد ما يكونو َن عن ِزين ِة الحيا ِة الد ْنيا‪ ،‬ولك َّنهم ص َبروا‬ ‫وتح َّملوا ِمن أ ْج ِل َدعو ِة الإسل ِم‪.‬‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيروي التابعي إبراهي ُم ب ُن عب ِد ال َّرحم ِن ب ِن َعوف أ َّن‬ ‫أباهُ الصحاب َّي الجليلَ ع ْب َد ال َّرحم ِن ب َن َعوف َرض َي اللهُ عنه َروى له‬ ‫ما كان عليه أصحا ُب النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ِمن ِضي ِق الحا ِل‬ ‫وال َّتقل ِل ِم َن الدنيا‬ ‫وكان قد أُ ِت َي بِطعام وهو صائم‪ ،‬فقال‪ :‬قُتلَ ُم ْص َع ُب ب ُن ُع َمير وهو خير‬ ‫ِمني؛ ُكف َن في َثوب لم ي ُك ْن َيكفِيه‪ ،‬فكانوا إذا و َضعوه على رأ ِسه ظه َر ْت‬ ‫ِر ْجله‪ ،‬وإ ْن و َضعوه على ِرجلَ ْيه ظ َه َر رأ ُسه‬

‫و ِمن خير َّي ِة ُمص َعب َرض َي اللهُ عنه أ َّنه كان ِمن السا ِبقي َن إلى الإسل ِم‬ ‫وإلى ال ِهجر ِة‪ ،‬وكان ُيقر ُئ النا َس بالمدين ِة ق ْبلَ أن َي ْق َد َم النبي ص َّلى اللهُ‬ ‫عليه وس َلّ َم‪ ،‬وقد قُتِل َرض َي اللهُ عنه يو َم أُ ُحد‪.‬‬ ‫ُث َّم قال عب ُد ال َّرحم ِن ب ُن َعوف َرض َي اللهُ عنه‪ :‬وقُتِلَ حمزةُ ب ُن عب ِد‬ ‫ال ُم َّطلِ ِب َرض َي اللهُ عنه عم النبي صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم في غزو ِة أُ ُحد‬ ‫وهو خير ِمني‬ ‫وكل هذا ِمن الإقرا ِر بأفضل َّي ِة ه َذي ِن ال َّصحاب َّيي ِن تواض ًعا ِمن عب ِد‬ ‫ال َّرحم ِن ب ِن َعوف َرض َي اللهُ عنه‪ ،‬و ُح ًّبا لإخوا ِنه‪ ،‬وإظها ًرا لفضلِهم‬ ‫بأ َّنهم س َبقوا إلى الله وماتوا ولم َيتم َّتعوا ب َشيء م َّما ف َت َحه اللهُ على‬ ‫المسلِمي َن؛ ف ُهم َم ِظ َّن ُة ال َفو ِز بالأج ِر الكام ِل إ ْن شاء اللهُ‬ ‫ولذلك قال عب ُد ال َّرحم ِن ب ُن َعوف َرض َي اللهُ عنه مظ ِه ًرا الأس َف على‬ ‫ن ْف ِسه لأ َّنه كان ذا حظ وافر ِمن الدنيا‪ُ :‬ث َّم ُب ِس َط لنا ِم َن الدنيا ما ُب ِس َط‪،‬‬ ‫ففُ ِتح ْت علينا ال ُب ْلدا ُن‪ ،‬وزا َد المالُ‪ ،‬وقد خ ِشينا أ ْن تكو َن حسنا ُتنا‬ ‫ُعجل ْت لنا‪ ،‬فأَ َخ ْذنا بما َع ِم ْلنا ِم َن ال َحسنا ِت في الدنيا‪ ،‬وهذا َخوف ِمن‬ ‫أن يكو َن قد ُعجل الأج ُر لهم‪ ،‬ولم ُي َّد َخ ْر للآ ِخر ِة‪،‬‬ ‫ُث َّم َج َعل َيبكي ح َّتى ت َر َك ال َّطعا َم‪ ،‬وكان ُبكا ُؤه شفق ًة ِمن أ َّلا َيل َح َق ب َمن‬ ‫ت َق َّد َمه‪ ،‬وهذا ِفعلُ الخائ ِف ال َو ِج ِل ِمن الله سبحا َنه‪ ،‬ي َتو َّسلُ بذلك إلى‬ ‫إحسا ِن العم ِل؛ ل ُيحصلَ مغفر َة ُذنو ِبه‪ ،‬ور ْف َع َد َرجا ِته‪.‬‬

‫وهذا ال َور ُع وهذه ال َّت ْقوى إ َّنما َتنب ُع ِمن قلب مؤمن قوي الإيما ِن‪،‬‬ ‫وشخص أقام ُد ْنياهُ ل َتخ ُد َم آ ِخر َته‪ ،‬فكانت الدينا ب ُز ْخ ُرفِها في ي ِده وفي‬ ‫سبي ِل الله‪ ،‬لا في قل ِبه‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬ف ْضلُ عب ِد ال َّرحم ِن ب ِن َعوف َرض َي اللهُ عنه‪ ،‬وفِطن ِته؛‬ ‫فإ َّن ال َف ِط َن َمن حا َس َب ن ْف َسه ق ْبلَ أ ْن ي ِق َف لِلحسا ِب أما َم ال َمولى‬ ‫ُسبحا َنه و َتعالَى‪ .‬وهذا البكاء من مزيد خوفه من الله تعالى‪ ،‬وشدة‬ ‫خشيته‪ ،‬وعدم نظره إلى عمله‪.‬‬ ‫وفيه‪َ :‬فضلُ حمز َة و ُمصعب َرض َي اللهُ عنهما‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬بيا ُن َفض ِل الزه ِد في الدنيا؛ لئ َّل َتنقُ َص ح َسنا ُت العب ِد‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّنه َينبغي ِذك ُر ِس َي ِر ال َّصالِحي َن وتقللِهم في الدنيا؛ لِ َتقِلَّ رغب ُة‬ ‫المر ِء فيها‪.‬‬

‫الحديث الخامس و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي أُ َما َمة ُص َدي بن عجلن الباهلي رضي الله عنه عن النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم َقالَ‪(( :‬لَ ْي َس َش ْيء أ َح َّب إِلى اللهِ َت َعا َلى ِم ْن‬ ‫ق ْط َر َت ْي ِن َوأ َث َر ْي ِن‪َ :‬ق َط َرةُ ُد ُموع ِم ْن َخ ْش َي ِة اللهِ‪َ ،‬و َق َط َرةُ َدم ُت َه َرا ُق في‬ ‫َسبي ِل الل ِه‪َ .‬وأَ َّما الأَ َث َرا ِن‪َ :‬فأَ َثر في َسبي ِل اللهِ َت َعالَى‪َ ،‬وأَ َثر في َفريضة ِم ْن‬ ‫َفرا ِئ ِض الله َت َعالَى))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫في هذا الحديث قرن النبي ﷺ بين هذين الأثرين‪ ،‬وبين القطرتين‪،‬‬ ‫أما القطرتان فقطرة دموع من خشية الله‪ ،‬وقطرة دم تهراق في سبيل‬ ‫الله‪.‬‬ ‫أما قطرة الدم التي تهراق في سبيل الله فشأنها معروف‪ ،‬حينما يبذل‬ ‫الإنسان نفسه ومهجته في سبيل الله ‪-‬تبارك وتعالى‪.-‬‬ ‫فالنبي ﷺ قرن ذلك بقطرة دموع من خشية الله‪ ،‬وهذا يدل على أن‬ ‫ذلك عند الله بمنزلة عظيمة‬ ‫وهكذا في الأثرين‪ ،‬فأثر في سبيل الله‪ ،‬وأثر في فريضة من فرائض‬ ‫الله‪ ،‬أثر في سبيل الله‪ :‬يعني في الجهاد‪ ،‬وأثر في فريضة من فرائض‬ ‫الله تعالى‪.‬‬ ‫والأثر في سبيل الله هنا يمكن أن يفسر بالأثر الذي يكون للإنسان في‬ ‫ممشاه‪ ،‬ومنزله‪ ،‬ونحو ذلك‪ ،‬ويمكن أي ًضا أن يفسر بمعنى آخر‪ ،‬وهو‬

‫أثر ما يصيبه‪ ،‬ويقع له من جراح‪ ،‬فيبقى ذلك فيه‪ ،‬فهذا الأثر من تلك‬ ‫الإصابة يكون بتلك المنزلة العظيمة عند الله تعالى‬ ‫وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى‪ ،‬وهذا يدخل فيه الوضوء‪ ،‬آثار‬ ‫الماء‪ ،‬الطهارة‪ ،‬ويدخل فيه آثار الصلة مما يظهر على الإنسان ‪-‬‬ ‫مثلً‪ -‬من أثر السجود‪.‬‬ ‫وكذلك أي ًضا الأثر الذي يكون له في مصله الذي يصلي فيه‪ ،‬فإن‬ ‫الإنسان إذا كان يصلي في مكان‪ ،‬في بيته‪ ،‬أو نحو هذا‪ ،‬فإنه يظهر‬ ‫أثره في المحل‪.‬‬ ‫ويدخل في هذه الآثار ‪-‬والله تعالى أعلم‪ -‬ما ذكره السلف في معناها‪،‬‬ ‫فمن ذلك‪ :‬ما يتركه الإنسان من العلم النافع‪ ،‬وكذلك ما يتركه من‬ ‫الصدقة الجارية‪ ،‬أو الوقف‪ ،‬أو الولد الصالح الذي يدعو له‪ ،‬ويدخل‬ ‫فيه أي ًضا الآثار التي تكون بالخطا‪ ،‬آثاره إلى مجالس العلم‪ ،‬آثاره إلى‬ ‫المساجد‪ ،‬وما شابه ذلك‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬فضل البكاء من خشية الله‪ ،‬والجهاد في سبيل الله‪،‬‬ ‫وكثرة الخطا إلى المساجد‬

‫الحديث السادس و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي َنجيح ال ِعربا ِض ب ِن َسارية رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬و َع َظ َنا رسولُ‬ ‫اللهِ صلى الله عليه وسلم َموعظ ًة َبلي َغ ًة َو ِج َل ْت ِم ْن َها القُلُو ُب‪َ ،‬و َذ َر َف ْت‬ ‫ِم ْن َها ال ُع ُيو ُن‪َ ،‬فقُ ْل َنا‪َ :‬يا رسولَ الل ِه‪َ ،‬كأَ َّن َها َم ْو ِع َظ ُة ُم َودع َفأ ْو ِص َنا‪َ ،‬قالَ‪:‬‬ ‫((أُو ِصي ُك ْم ِب َت ْق َوى الل ِه‪َ ،‬وال َّس ْم ِع َوال َّطا َع ِة َوإ ْن َتأ َّمر َع َل ْي ُك ْم َع ْبد ‪ ،‬فإِ َّن ُه‬ ‫َم ْن َي ِع ْش ِم ْن ُك ْم بعدي َف َس َي َرى اختِل ًفا َكثي ًرا‪َ ،‬ف َعل ْي ُك ْم ب ُس َّن ِتي و ُس َّن ِة‬ ‫ال ُخلَفا ِء ال َّرا ِش ِدي َن ال َم ْه ِديِي َن َعضوا َع َل ْي َها بال َّنوا ِج ِذ‪َ ،‬وإِ َّيا ُك ْم َو ُم ْح َد َثا ِت‬ ‫الأُ ُمو ِر؛ فإ َّن كلَّ بدعة ضللة))‬ ‫رواه أَ ُبو داود والترمذي‪َ ،‬وقالَ‪(( :‬حديث حسن صحيح))‬ ‫شرح الحديث‬ ‫(وعظنا) الوعظ ‪ :‬هو التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب‬ ‫وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة ولا يكثر‬ ‫عليهم مخافة السآمة‬ ‫قوله (وجلت منها القلوب) أي خافت‪\" ،‬وذرفت منها العيون\" أي‬ ‫بكت حتى ذرفت دموعها‬ ‫فقلنا ‪( :‬يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا) لأن موعظة‬ ‫المودع تكون موعظة بالغة قوية فأوصنا‬ ‫وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم أنهم استغلوا هذه الفرصة‬ ‫ليوصيهم النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه خير‬ ‫قال ‪( :‬أوصيكم بتقوى الله عزوجل) وتقوى الله اتخاذ وقاية من عقابه‬ ‫بفعل أوامره واجتناب نواهيه وهذا حق الله عزوجل‬

‫(والسمع والطاعة) ‪ :‬يعني لولاة الأمور أي اسمعوا ما يقولون وما‬ ‫به يأمرون واجتنبوا ما عنه ينهون‬ ‫(وإن تأمر عليكم عبد) يعني وإن كان الأمير عبداً فأسمعوا له‬ ‫وأطيعوه ‪ ،‬وهذا هو مقتضى عموم الآية ( َيا أَي َها الَّ ِذي َن آ َم ُنوا أَ ِطي ُعوا‬ ‫ال َّل َه َوأَ ِطي ُعوا ال َّر ُسولَ َوأُولِي ا ْلأَ ْم ِر ِم ْن ُك ْم ‪[ )...‬النساء‪]59‬‬ ‫(فإنه من يعش منكم بعدي) أي من تطول حياته فسيرى اختلفاً كثيراً‬ ‫ووقع ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل الاختلف‬ ‫الكثير في زمن الصحابة رضي الله عنهم وفيما بعدهم‬ ‫ثم أمر صلى الله عليه وسلم بأن نلتزم بسنته أي بطريقته وطريقة‬ ‫الخلفاء الراشدين المهدين‬ ‫والخلفاء الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته علماً‬ ‫وعبادة ودعوة وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان‬ ‫وعلي رضي الله عنهم‬ ‫(المهديين) وصف كاشف‪ ،‬لأن كل رشاد فهو مهدي ومعنى المهدين‬ ‫الذين هدوا أي هداهم الله عزوجل لطريق الحق‬ ‫(عضوا عليها بالنواجذ) وهي أقصى الأضراس وهو كناية عن شدة‬ ‫التمسك بها‬ ‫ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محدثات الأمور فقال ‪:‬‬ ‫(إياكم) أي أحذركم من محدثات الأمور‬

‫وهي ما أحدث في الدين بل دليل شرعي وذلك لأنه لما امر بلزوم‬ ‫السنة حذر من البدعة‪ ،‬وقال ‪( :‬فإن كل بدعة ضللة)‬ ‫وفي الحدي ِث فوائد منها ‪ :‬حرص النبي صلى الله عليه وسلم على‬ ‫موعظة أصحابه ‪ ،‬حيث يأتي بالمواعظ المؤثرة التي توجل لها‬ ‫القلوب وتذرف منها الأعين ‪.‬‬ ‫ومنها ‪ :‬الوصية بتقوى الله عزوجل ‪ ،‬فهذه الوصية هي وصية الله‬ ‫في الأولين والآخرين لقوله تعالى (‪َ ...‬و َل َق ْد َو َّص ْي َنا الَّ ِذي َن أُو ُتوا ا ْل ِك َتا َب‬ ‫ِم ْن َق ْبلِ ُك ْم َوإِ َّيا ُك ْم أَ ِن ا َّتقُوا ال َّل َه ‪[ )...‬النساء‪. ]131‬‬ ‫ومنها ‪ :‬الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمور وقد أمر الله بذلك في‬ ‫قوله { َيا أَي َها الَّ ِذي َن آ َم ُنوا أَ ِطي ُعوا ال َّلهَ َوأَ ِطي ُعوا ال َّر ُسولَ َوأُولِي ا ْلأَ ْم ِر‬ ‫ِم ْن ُك ْم ‪[ }...‬النساء‪ ... ]59‬وهذا الأمر مشروط بأن لا يؤمر بمعصية‬ ‫الله ‪ ،‬فإن أمر بمعصية فل سمع ولا طاعة في معصية الله لقول النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم ‪ -‬إنما الطاعة في المعروف‬ ‫ومن هنا نتبين الفائدة في قوله تعالى ‪َ {:‬يا أَي َها الَّ ِذي َن آ َم ُنوا أَ ِطي ُعوا‬ ‫ال َّلهَ َوأَ ِطي ُعوا ال َّر ُسولَ َوأُولِي ا ْلأَ ْم ِر ِم ْن ُك ْم ‪[ } ...‬النساء‪]59‬‬ ‫حيث لم يعد الفعل عند ذكر طاعة أولياء الأمور بل جعلها تابعة‬ ‫لطاعة الله ورسوله‬ ‫ومنها ‪ :‬طلب الوصية من أصحاب العلم ‪.‬‬

‫ومنها ‪ :‬ظهور آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال‬ ‫‪( :‬من يعش منكم بعدي فسيرى اختلفاً كثيراً) والذين عاشوا من‬ ‫الصحابة رأوا اختلفاً كثيراً‬ ‫ومن فوائد الحديث ‪ :‬لزوم التمسك بسنة الرسول عليه الصلة‬ ‫والسلم لا سيما عند الاختلف والتفرق ولهذا قال ‪( :‬فعليكم بسنتي)‬ ‫ومن فوائد الحديث ‪ :‬التحذير من محدثات الأمور ‪ ،‬والمراد بها‬ ‫المحدثات في الدين‬ ‫ومن فوائد الحديث ‪ :‬أن كل بدعة ضللة ‪ ،‬وأنه ليس في البدع ما هو‬ ‫مستحسن كما زعمه بعض العلماء ‪ ،‬بل كل البدع ضللة فمن ظن أن‬ ‫البدعة حسنة فإنها لا تخلو من أحد أمرين ‪:‬‬ ‫إما أنها ليست بدعة وظنها الناس بدعة‬ ‫وإما أنها ليست حسنة وظن هو أنها حسنة‬ ‫وأما أن تكون بدعة وحسنة فهذا مستحيل بقول النبي صلى الله عليه‬ ‫وسلم (فإن كل بدعة ضللة)‬

‫المقدمة‬ ‫باب فضل الزهد في الدنيا و الحث على التقلل منها و فضل‬ ‫الفقر‬ ‫الحديث السابع و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أ َّن رسولَ الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َب َع َث أَ َبا عبيدة ب َن ال َج َّراح رضي الله عنه إِلَى ا ْل َب ْح َر ْي ِن‬ ‫َيأ ِتي ِب ِج ْز َيتِ َها‪َ ،‬ف َق ِد َم ب َمال ِم َن ا ْل َب ْح َر ْي ِن‪َ ،‬ف َس ِم َع ِت الأَ ْن َصا ُر بقُ ُدو ِم أَبي‬ ‫ُعب ْي َد َة‪َ ،‬ف َوا َف ْوا َصلَ َة ال َف ْج ِر َم َع رسو ِل الله صلى الله عليه وسلم َف َل َّما‬ ‫َصلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬ا ْن َصر َف‪َ ،‬ف َت َع َّر ُضوا َل ُه‪َ ،‬ف َت َب َّس َم‬ ‫رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ِح ْي َن َرآ ُه ْم‪ُ ،‬ث َّم َقالَ‪(( :‬أ ُظن ُك ْم َسمع ُت ْم‬ ‫أ َّن أَ َبا ُع َب ْي َد َة َق ِد َم بِ َش ْيء ِم َن ا ْل َب ْح َر ْي ِن؟))‬ ‫فقالوا‪ :‬أجل‪َ ،‬يا رسول الله‪ ،‬فقال‪(( :‬أ ْب ِش ُروا َوأَملُوا َما َي ُسر ُك ْم‪َ ،‬فوالله‬ ‫َما ال َف ْق َر أ ْخ َشى َعلَ ْي ُك ْم‪َ ،‬ول ِكني أَ ْخ َشى عليكم أ ْن ُت ْب َسط الد ْن َيا َعلَ ْي ُك ْم َك َما‬ ‫ُب ِس َط ْت َعلَى َم ْن َكا َن َق ْبلَ ُك ْم‪َ ،‬ف َت َنا َف ُسو َها َك َما َت َنا َف ُسو َها‪َ ،‬ف ُت ْهلِ َك ُك ْم َك َما‬ ‫أ ْه َل َك ْت ُه ْم))‬ ‫( متفق َعلَ ْي ِه)‬ ‫وفي رواية عند مسلم‪َ (( :‬ت َت َنا َف ُسو َن ُث َّم َت َت َحا َس ُدو َن ُث َّم َت َت َدا َب ُرو َن ُث َّم‬ ‫َت َت َبا َغ ُضو َن))‬

‫شرح الحديث‬ ‫ال َفق ُر وال ِغنى ِم ْح َنتا ِن ِم َن اللهِ َتعالى‪ ،‬و َبلِ َّيتا ِن َي ْبلو بهما أخيا َر ِعبا ِده؛‬ ‫لِ َيظ َه َر َصب ُر ال َّصابِري َن‪ ،‬و ُشك ُر ال َّشا ِكري َن‪ ،‬وقد كان ص ّلَى اللهُ عليه‬ ‫وسلَّ َم َيس َتعي ُذ ِم َن ال َفق ِر‪ ،‬و ُيحذ ُر ِمن ِفتن ِة ال ِغنى والما ِل‪.‬‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث َيروي َعم ُرو ب ُن َعوف ال ُم َزني َرض َي اللهُ عنه أ َّن‬ ‫أبا ُع َبيد َة ب َن ال َج َّرا ِح َرض َي اللهُ‬ ‫َرسولَ اللهِ ص ّلَى اللهُ عليه وس َلّ َم أر َسلَ‬ ‫المالُ ال َمفرو ُض على ال َمجو ِس‬ ‫عنه إلى ال َبح َر ْي ِن لِ َيأْت َي ب ِج ْز َيتِها‪ ،‬وهي‬ ‫ِمن أهلِها‪ُ ،‬مقابِلَ ِحما َيتِهم ب ْع َد أ ْن َصالَ َحهم على ذلك‪ ،‬وكان ِت ال َبح َر ْي ُن‬ ‫قد فُتِح ْت َسن َة َثمان ِم َن ال ِهجر ِة‪ ،‬وقد أ َق َّر ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم‬ ‫عليها عا ِملَها ال ُمن ِذ َر ب َن سا َوى‪ ،‬ثم لَ َّما ما َت أ َّم َر عليه ُم ال َعل َء ب َن‬ ‫ال َحض َرمي‪.‬‬ ‫ف َل َّما جاء أبو ُع َبيد َة َرض َي اللهُ عنه بهذا الما ِل‪ ،‬كان ذلك في َوق ِت‬ ‫َصل ِة ال َفج ِر‪ ،‬ف َح َضر ال َّنا ُس ال َّصل َة‪ ،‬ف َل َّما ص َلّى ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه‬ ‫وس ّلَ َم وان َص َر َف ِم َن ال َّصل ِة وت َو َّج َه إلى ال َّنا ِس‪َ ،‬ت َع َّر َض الأنصا ُر له‬ ‫كأ َّنهم َسأَلوه بالإشار ِة لِ َمع ِر َفتِهم ب َك َر ِم أخلقِه؛ لِ َيق ِس َم ب ْي َنهم ما جاء به‬ ‫أبو ُع َبيد َة؛ ِلأ َّنهم أر َه َق ْته ُم الحاج ُة والفاق ُة التي كانوا عليها‪ ،‬وليس‬ ‫ِحر ًصا على الدنيا‪ ،‬ولا َرغب ًة فيها‬ ‫ف َعلِ َم صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ما ُيريدو َن‪ ،‬ف َتب َّس َم‪ ،‬وقال‪« :‬أ ُظنكم ق ْد‬ ‫َس ِمع ُتم أ َّن أبا ُع َبيد َة قد جا َء ب َشيء؟» قالوا‪ :‬أ َجلْ يا َرسولَ اللهِ‬

‫قال‪« :‬فأب ِشروا وأملوا»‪ ،‬أيِ‪ :‬ارجوا ما َي ُسركم‪ ،‬وهذا َتهوين منه‬ ‫صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم عليهم ما ُهم فيه ِم َن الش َّد ِة‪ ،‬و ِبشارة لهم ب َتعجي ِل‬ ‫ال َفت ِح عليهم‪.‬‬ ‫ث َّم أق َس َم لهم قائِ ًل‪« :‬ف َواللهِ لا ال َفق َر أخشى عليكم‪ ،‬ول ِك ْن أ ْخشى عليك ْم‬ ‫أ ْن ُتب َس َط عليك ُم الدنيا»‪ ،‬وال ُمرا ُد به ال ِغنى و َكثرةُ الما ِل‬ ‫\"كما ُب ِس َط ْت على َمن كان َق ْبلكم\" ِم َن الأُ َم ِم‬ ‫إإلليىها َت‪،‬حوالصايلِشهتِاغ‪،‬ا ِلف ُتبؤهدا َيعإلِنىالآَه ِخلرِك ِةك‪،‬م؛كبما َس َبح َدِب َاثل َّتمناع ُزا ِلعأُ َمعِملي ِمهان‪،‬‬ ‫ف َت َتسا َبقوا‬ ‫ق ْبلِكم‪.‬‬ ‫والركو ِن‬ ‫وفي هذا إنذار بما س َي َق ُع‪ ،‬وقد َو َق َع ما أخ َب َر صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم؛ إ ْذ‬ ‫فُتِح ِت الدنيا ب ْع َده و ُب ِسط ْت‪ ،‬و َح َصلَ ال َّتحا ُس ُد وال َّتقا ُتلُ وما هو َمعروف‬ ‫م َّما َيش َه ُد ب ِمصدا ِق َخ َب ِره ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم‬ ‫قال ابن بطال‪ :‬فيه‪ :‬أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر‬ ‫من سوء عاقبتها وشر فتنتها‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬أ َّن ال ُمنا َفس َة في الدنيا قد َت ُجر إلى َهل ِك الدين‬

‫الحديث الثامن و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي سعيد الخدري رضي الله عنه َقالَ‪ :‬جلس رسولُ الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َعلَى ا ْل ِم ْن َب ِر‪َ ،‬و َج َل ْس َنا َح ْو َل ُه‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫((إ َّن م َّما أ َخا ُف َع َل ْي ُك ْم َب ْع ِدي َما ُي ْف َت ُح َع َل ْي ُك ْم ِم ْن َز ْه َر ِة الد ْن َيا َو ِزي َن ِت َها))‬ ‫متفق َعلَ ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫شاء اللهُ تعالَى و َق َضى ب ِحكم ِته البالِغ ِة أ ْن َيج َعلَ الدنيا دا َر ابتلء‬ ‫واختِبار؛ ف ِمنهم َمن َيغ َتر ب ِزينتِها و َيتنا َف ُس عليها‪ ،‬و ِمنهم َمن َيعلَ ُم‬ ‫َحقيق َتها‪ ،‬ف َينزوي عنها و َيز َه ُد فيها‪ ،‬و َير َغ ُب في الآ ِخر ِة وما ِعن َد اللهِ‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث َيروي أبو َسعيد ال ُخ ْدري َرض َي اللهُ عنه أ َّن النب َّي‬ ‫ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم َجلَ َس ذا َت يوم على ال ِمنب ِر في َمسج ِده والنا ُس‬ ‫َح ْو َله‪ ،‬ف َب َّين لهم أ َّنه َيت َخ َّو ُف على أُ َّمتِه ِمن ُحس ِن الدنيا و َجمالِها‪ ،‬وما‬ ‫ُيف َت ُح عليهم ِمن َزه َرتِها‪َ ،‬يعني‪َ :‬خي َرها‪ ،‬و َيق ِص ُد به المالَ‪ ،‬و َش َّب َه ما‬ ‫َس ُيف َت ُح ِم َن الدنيا بال َّزهر ِة؛ لأ َّنها َسريع ُة الذبو ِل‪ ،‬وكذا الدنيا َسريع ُة‬ ‫ال َّتغي ِر‬ ‫قوله ﷺ لأصحابه‪( :‬إن مما أخاف عليكم بعدي)‬ ‫فالأشياء التي يتخوفها النبي ﷺ على أصحابه وعلى أمته أمور‬ ‫كثيرة‬

‫فهنا النبي ﷺ قال‪ ( :‬إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من‬ ‫زهرة الدنيا وزينتها )‬ ‫وزهرة الدنيا يعني‪ :‬بهجة الدنيا‪ ،‬وقيل لها زهرة؛ لأنها كالزهرة‬ ‫تستهوي من نظر إليها‪ ،‬وتجذبه وتعجبه‪ ،‬وهي كالزهرة أيضاً في‬ ‫سرعة ذبولها وتحولها وتغيرها‪ ،‬ولك ّن الكثيرين ينظرون إلى ما فيها‬ ‫من الحسن والجمال والبهجة فتأسرهم أسراً وتشدهم إليها ش ًّدا‬ ‫فيقعون في وثاقها‪ ،‬ثم بعد ذلك يغفلون ويلهيهم ذلك عن ذكر الله عز‬ ‫وجل وطاعته والتقرب إليه‬ ‫(ما ُيفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) وهذا موافق للحديث‬ ‫السابق حيث قال لهم ﷺ‪( :‬فوالله ما الفق َر أخشى عليكم‪ ،‬ولكني‬ ‫أخشى أن ُتبسط الدنيا عليكم كما ُبسطت على من كان قبلكم‬ ‫فتنافسوها كما تنافسوها‪ ،‬فتهلككم كما أهلكتهم)‬ ‫وإذا حصل هذا التنافس حصل التسارع إلى عرضها الزائل‪ ،‬وحصل‬ ‫بسبب ذلك أيضاً قسوة القلوب‪ ،‬وما يضاف إلى ذلك من الوحشة في‬ ‫قلوب أهل الإيمان والعداوة والبغضاء‪،‬‬ ‫يقول ابن عباس رضي الله عنهما ‪\" :‬صار عامة مؤاخاة الناس على‬ ‫الدنيا\" على مصالح وتجارات ومكاسب‪ ،‬ولكن المؤاخاة التي تكون لِل‬ ‫وفي الله فحسب هذه قليلة‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬أ َّن للعالِ ِم أ ْن ُيحذ َر َمن ُيجالِ ُسه ِمن فِتن ِة الما ِل وغي ِره‪،‬‬ ‫و َتنبي َههم على َمواض ِع الخو ِف ِمن الافتتا ِن به‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬الحض على الاقتِصا ِد في الما ِل‪ ،‬وال َحث على ال َّصدق ِة وت ْر ِك‬ ‫الإ ْمسا ِك‪.‬‬

‫الحديث التاسع و الخمسون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫((إ َّن الد ْن َيا ُح ْل َوة َخ ِض َرة َوإ َّن الله َت َعالَى ُم ْس َت ْخلِفُ ُك ْم فِي َها‪َ ،‬ف َي ْن ُظ ُر َك ْي َف‬ ‫َت ْع َملُو َن‪َ ،‬فا َّتقُوا الد ْن َيا َوا َّتقُوا الن َسا َء))‬ ‫(رواه مسلم)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫في هذا ال َحدي ِث ُيو ِصي ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َلّم ب ُح ْس ِن ال َع َم ِل في‬ ‫الدنيا‪ ،‬وال ُمداو َم ِة على َت ْق َوى اللهِ بها‪ ،‬وال َح َذ ِر ِمن َز ْخ َرفتِها‪ ،‬وال َح َذ ِر‬ ‫ِم َن ِفتن ِة النسا ِء؛ فإ َّن أَ َّولَ ِفتنة َو َق َع ْت في بني إسرائيلَ كان ْت ِب َس َب ِب‬ ‫النسا ِء‬ ‫\"إ َّن الدنيا ُحلوة َخضرة\" ‪ُ ،‬حلوة في ال َمذا ِق َخ ْضرة في ال َم ْرأَى‪،‬‬ ‫وال َّشي ُء إذا كان َخ ِض ًرا ُحل ًوا فإ َّن ال َعي َن َتطلُ ُبه أَ َّو ًلا‪ُ ،‬ث َّم َتطلُ ُبه ال َّنف ُس‬ ‫ثان ًيا‪ ،‬وال َّشي ُء إذا اج َت َم َع فيه َطل ُب ال َع ْي ِن و َطل ُب ال َّنف ِس‪ ،‬فإ َّنه ُيو ِش ُك‬ ‫للإنسا ِن أ ْن َي َق َع فيه‪ .‬فالدنيا ُحلوة في َمذاقِها‪َ ،‬خ ْضرة في َمرآها‪،‬‬ ‫ف َي ْغ َتر الإنسا ُن بها و َي ْن َه ِم ُك فيها و َيجعلُها أَك َب َر َهمه‬ ‫ولك َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم َب َّي َن أ َّن اللهَ ُسبحا َنه و َتعالى ُمس َت ْخلِفُنا‬ ‫فيها َف َي ْن ُظ ُر كي َف َنع َملُ؛ هل نقوم بطاع ِته‪ ،‬ون ْن َهى ال َّنف َس ع ِن ال َه َوى‪،‬‬ ‫ونقوم ِبما أَو َج َب اللهُ علينا‪ ،‬ولا نغ َتر بالدنيا‪ ،‬أو أ َّن الأم َر بال َع ْك ِس؟‬

‫ولهذا قال‪( :‬فا َّتقُوا الدنيا)‪ ،‬أي‪ :‬قُوموا بِما أَم َركم به‪ ،‬وا ْت ُركوا ما‬ ‫َنها ُكم عنه‪ ،‬ولا َت ُغ َّر َّنكم َحل َوةُ الدنيا و َن ْض َر ُتها‪ .‬كما قال َتعالى‪َ { :‬ف َل‬ ‫َت ُغ َّر َّن ُك ُم ا ْل َح َياةُ الد ْن َيا َو َلا َي ُغ َّر َّن ُك ْم بِال َِّلِ ا ْل َغ ُرو ُر} (لقمان‪)33 :‬‬ ‫( َوا َّتقُوا النسا َء)‪َ ،‬فاح َذروا أن َتميلوا إلى النسا ِء بِال َحرا ِم‪ ،‬أو َت ْنساقُوا‬ ‫َورا َء النسا ِء و ِفت َنتِه َّن؛ فإ َّن أَ َّولَ ِفتن ِة َبني إسرائيلَ كانت في النسا ِء‪،‬‬ ‫فا ْف َت َت ُنوا في النسا ِء‪َ ،‬ف َضلوا وأَ َضلوا‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬الحث على ُملز َم ِة ال َّتق َوى‪ ،‬و َعد ِم الا ْن ِشغا ِل ِب َظواه ِر‬ ‫الدنيا و ِزي َنتِها‬ ‫وفيه‪ :‬التحذير من فتنة المال‪ ،‬وفتنة النساء‪.‬‬

‫الحديث الستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫((اللَّ ُه َّم لاَ َع ْي َش إلا َع ْي َش الآ ِخ َر ِة))‬ ‫( متفق َع َل ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أشد أحواله‪ ،‬لما رأى تعب‬ ‫أصحابه في حفر الخندق‪ ،‬وقاله في أسر الأحوال أي ًضا لما رأى كثرة‬ ‫المؤمنين في يوم عرفة‪ ،‬لبيك إن العيش عيش الآخر‪ ،‬أي الحياة‬ ‫الدائمة التي لا حزن فيها ولا تعب‬ ‫فالنبي ﷺ قال ذلك حينما خرج على أصحابه في غداة باردة‪ ،‬وهم‬ ‫يحفرون الخندق‪ ،‬وكان بعض أصحاب النبي ﷺ قد ربط على بطنه‬ ‫الحجر من الجوع‪ ،‬فلما رآهم في هذه الحال قال‪( :‬اللهم لا عيش إلا‬ ‫عيش الآخرة)‬ ‫لا عيش إلا عيش الآخرة‪ ،‬أما الدنيا‪ ،‬فإنها دار تحول وانتقال‪ ،‬ويكفي‬ ‫لبيان ذلك ومعرفته أن اسمها عنوان عليها‪ :‬دنيا‪ ،‬فهي ليست بتلك‬ ‫المنزلة والمرتبة‪ ،‬وإنما هي دنيا لدنائتها ودنوها وانحطاط مرتبتها‬ ‫قيل لها دنيا‪ ،‬فهي عرض زائل ينقضي سريعاً بما فيه من اللذات‪ ،‬أو‬ ‫بما فيه من الآلام والمشقات‪ ،‬وما يقاسيه الإنسان من الفقر والحاجة‪،‬‬ ‫اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة‪.‬‬

‫انظر إلى حال النبي ﷺ وحال أصحابه مع أنهم أعظم قدراً عند الله‬ ‫و منزلة وأحب إلى الله منا‪ ،‬انظر إلى حالهم وانظر إلى حالنا‪ ،‬فالدنيا‬ ‫ليست دليلً على كرامة الله تعالى على العبد إذا أعطيها فله حظ وله‬ ‫منزلة‬ ‫( اللهم لا عيش) أي‪ :‬عيش حقيقي‪ ،‬ولهذا قال الله تعالى ‪َ { :‬وإِ َّن‬ ‫ال َّدا َر ا ْلآ ِخ َر َة لَ ِه َي ا ْل َح َي َوا ُن} [العنكبوت‪ ، ]64:‬الحياة الكاملة‬ ‫( إلا عيش الآخرة) أما الدنيا فتذهب آلامها وتذهب مشقاتها وتذهب‬ ‫حسراتها ويذهب نعيمها ولا يبقى إلا عمل الإنسان‪.‬‬

‫الحديث الحادي والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫(( َي ْت َب ُع ا ْل َمي َت َثلَ َثة‪ :‬أ ْهلُ ُه َو َمالُ ُه َو َع َملُ ُه‪َ :‬ف َي ْر ِج ُع ا ْث َنا ِن‪َ ،‬و َي ْب َقى معه َوا ِحد‪:‬‬ ‫َي ْر ِج ُع أ ْهلُ ُه َو َمالُ ُه َوي ْب َقى َع َملُ ُه))‬ ‫(متفق َع َل ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َي ْت َب ُع المي َت إلى قب ِره ثلثة‪ ،‬ف َيرجع اثنان منها إلى مكانهما‪ ،‬و َيب َقى معه‬ ‫واحد؛ َي ْتبعه أهلُه حقيق ًة من ول ِده وأقاربِه‪ ،‬ومالُه ما احتيج إليه من ماله‬ ‫في تجهيزه‪ ،‬فيرجع أهلُه ومالُه إذا انقضى أم ُر الحزن عليه‪ ،‬سواء‬ ‫أقاموا بعد الدفن أم لا‪ ،‬و َيبقى عملُه فيد ُخل معه القبر‪.‬‬ ‫(ي ْتبع المي َت ثلثة‪ :‬أهله ) وهذا ظاهر‪ ،‬يذهبون معه يشيعونه‪ ،‬والعجيب‬ ‫أن الذين يضعونه في القبر ويضعونه في اللحد ويبدءون بإهالة التراب‬ ‫عليه‪ ،‬وتغبر أيديهم وأرجلهم هم أقرب الناس إليه‪ ،‬إكرامه دفنه‪ ،‬هذه‬ ‫الحياة‪ ،‬فالأهل يتبعونه‬ ‫والمال‪ ،‬ما هذا المال الذي يتبعه؟ المال ما كان معهم من أجل تجهيزه‪،‬‬ ‫وأضف إلى ذلك من يأتون إذا كان الإنسان عنده مؤسسة‪ ،‬عنده‬ ‫موظفون‪ ،‬عنده عمال يأتون بسيارات الشركة‪ ،‬ولربما جاءت حافلت‬ ‫مليئة بهؤلاء العمال‪ ،‬وامتلأت المقبرة بهؤلاء الموظفين عنده‬ ‫فيرجع اثنان ويبقى واحد‪ ،‬يرجع أهله وماله‬

‫أليس هذا يدعو إلى الاعتبار والتفكر والنظر الصحيح إلى حقيقة هذه‬ ‫الدنيا التي يتهالك عليها الناس وتحصل القطيعة بسببها‬ ‫و يبقى العمل فإذا ما كان عنده عمل‪ ،‬ليس له أعمال صالحة‪ ،‬ولا‬ ‫يتصدق‪ ،‬ولا يعرف الله تعالى ما الذي يبقى عنده؟‬ ‫ما يبقى عنده شيء‪ ،‬فالآخرة دار لا تصلح للمفاليس‪ ،‬فينبغي أن يجتهد‬ ‫الإنسان حقيقة في جمع الذي يبقى معه‪ ،‬يبقى عنده‪ ،‬يؤنسه في قبره‪،‬‬ ‫يأتيه على أفضل صورة‪ ،‬يو َّسع له في قبره بسببه ويأتيه من روح‬ ‫الجنة ونعيمها‪ ،‬كل ذلك بعد ألطاف الله تعالى يكون بسبب الأعمال في‬ ‫الحياة الحقيقية‬ ‫و في الحديث ‪ :‬زوالُ الدنيا متمثلة في الأهل والمال‪ ،‬وبقا ُء العمل‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬الحث على كثر ِة الأعمال ال َّصالحة التي تبقى بعد الموت‪.‬‬

‫الحديث الثاني والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫(( ُي ْؤ َتى ِبأ ْن َع ِم أ ْه ِل الد ْن َيا ِم ْن أ ْه ِل ال َّنا ِر َي ْو َم القِ َيا َم ِة‪َ ،‬ف ُي ْص َب ُغ في ال َّنا ِر‬ ‫َص ْب َغ ًة‪ُ ،‬ث َّم ُي َقالُ‪َ :‬يا ا ْب َن آ َد َم‪َ ،‬هلْ َرأ ْي َت َخ ْي ًرا َقط؟ َهلْ َم َّر بِ َك َن ِعيم َقط؟‬ ‫َف َيقُولُ‪ :‬لا َواللهِ َيا َرب‪َ ،‬و ُي ْؤ َتى بِأ َشد ال َّنا ِس ُبؤ ًسا في الد ْن َيا ِم ْن أ ْه ِل‬ ‫ال َج َّن ِة‪َ ،‬ف ُي ْص َب ُغ َص ْب َغ ًة في ال َج َّن ِة‪َ ،‬ف ُي َقالُ لَ ُه‪َ :‬يا ا ْب َن آ َد َم‪َ ،‬هلْ َرأ ْي َت ُبؤ ًسا‬ ‫َقط؟ َهلْ َم َّر بِ َك ِش َّدة َقط؟ ف َيقُولُ‪ :‬لا َوالل ِه‪َ ،‬ما َم َّر ِبي ُب ْؤس َقط‪َ ،‬ولا َرأ ْي ُت‬ ‫ِش َّد ًة َقط))‬ ‫(رواه مسلم)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ما أَ ْهو َن الدنيا بِ ِجوا ِر الآ ِخ َر ِة! َفل ُيقا ُس فان بِ َباق‪.‬‬ ‫وفي هذا الحدي ِث ُي ْخبِ ُر صلَّى اللهُ عليه وس َلّم أ َّنه ُيؤ َتى َيو َم القِيا َم ِة بأَك َث ِر‬ ‫ال َّنا ِس كا َن َي ْن َع ُم في الدنيا‪ ،‬وأَشدهم َنعي ًما في َبدنِه وثِيا ِبه وأَهلِه و َسكنِه‬ ‫ودا َّب ِته و َغي ِر ذلك‪ ،‬و َيكو ُن في الآخ َر ِة ِمن أه ِل ال َّنا ِر‬ ‫( ف ُيص َب ُغ) ‪ ،‬أي‪ُ :‬يغ َم ُس في ال َّنا ِر َغمس ًة واحد ًة‪ُ ،‬ث َّم ُيقالُ له َبع َد َهذه‬ ‫ال َغ ْمس ِة‪َ :‬هل َرأي َت َخي ًرا َقط؟ َهل َم َّر ِبك َنعيم َقط؟‬

‫َف َيقولُ‪ :‬لا واللهِ يا َرب‪ ،‬ف ُت ْن ِسيه تِلك ال َغم َس ُة الواحدةُ ُكلَّ َنعيم ذا َقه في‬ ‫الدنيا‪ ،‬مهما طالَ ُع ْم ُره في َنعي ِم الدنيا‪ ،‬و َمهما َت َم َّت َع ِبمل َّذا ِتها‪،‬‬ ‫و َشهواتِها؛ َفكي َف ِب َم ْن ُهو خالد ُمخ َّلد فيها أَب َد الآ ِبدي َن؟!‬ ‫و ُيؤ َتى َيو َم القيا َم ِة بأَشد ال َّنا ِس ُبؤ ًسا ِمن أه ِل الدنيا‪ ،‬في َبدنِه وأَهلِه‬ ‫ومالِه و َسكنِه و َغي ِر ذلك‪ ،‬و ُهو في الآ ِخر ِة ِمن أه ِل الج َّن ِة‪ ،‬ف ُيغ َم ُس في‬ ‫الج َّن ِة َغمس ًة واحد ًة‬ ‫ف ُيقالُ له‪ :‬يا اب َن آد َم‪ ،‬هلْ َرأي َت ُبؤ ًسا َقط؟ َهل َم َّر ب َك ِش َّدة قط؟ ف َيقولُ‪ :‬لا‬ ‫والل ِه يا َرب! ما َم َّر بي ُبؤس َقط ولا َرأي ُت ِش َّد ًة ق ْط‪.‬‬ ‫كل هذه الأمور تفتح عين القلب وبصره‪ ،‬ليكون ذلك النظر نافذاً في‬ ‫الحقائق معرضاً عن القشور والصور والأشكال التي تستهوي من قل‬ ‫عقله ونظره وقصر تدبره‪ ،‬اغتر بظاهر من الحياة الدنيا فشغلته عن‬ ‫الآخرة‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ِ :‬ش َّدةُ َغب ِن َمن ُيؤثِ ُر ال َقليلَ الفان َي على ال َكثي ِر الباقي‪.‬‬ ‫فيه‪ :‬أن عذاب الآخرة ينسي نعيم الدنيا‪ ،‬وأن نعيم الآخرة ينسي ش َّدة‬ ‫الدنيا‪.‬‬ ‫وفيه‪َ :‬بيا ُن َحقار ِة الدنيا بالنسب ِة لِلآ ِخر ِة‪.‬‬

‫الحديث الثالث والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ال ُم ْس َت ْو ِرد بن َش َّداد رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم‪َ (( :‬ما الد ْن َيا في الآ ِخ َر ِة إلا ِم ْثلُ َما َي ْج َعلُ أَ َح ُد ُك ْم أُ ْص ُب َع ُه في‬ ‫ال َيم‪َ ،‬ف ْل َي ْن ُظ ْر ِب َم َي ْر ِج ُع؟!))‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الدنيا لا ُتساوي شي ًئا إذا ُو ِض َعت على سبي ِل ال ُمقارن ِة بالآخر ِة؛ فه َي دا ُر‬ ‫عمل واختِبار‪َ ،‬يعي ُش فيها الإِنسا ُن َمرحل َة ذلك الاخ ِتبا ِر‪َ ،‬وليس ُعم َره‬ ‫ال َحقيق َّي‪ ،‬فذاك في الآخ َر ِة‬ ‫قال الله تعالى‪َ { :‬ف َما َم َتا ُع ا ْل َح َيا ِة الد ْن َيا ِفي الآ ِخ َر ِة إلا َقلِيل}‬ ‫[التوبة‪]38 :‬‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث ُيق ِس ُم ال َّنبي صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم بالِلِ أ َّن َم َثل الدنيا في‬ ‫َجن ِب الآخ َر ِة‪ ،‬وال َّنظ ِر إليها َم َثلُ ما َيجعلُ أَح ُد ال َّناس إِصب َعه في ال َبح ِر‪،‬‬ ‫ف ْل َي ْنظ ْر ِب َم َيرج ُع ‪َ ،‬ومعناه‪ :‬لا َيعلَ ُق بإص َب ِعه كثي ُر شيء م َن الما ِء‬ ‫َومعنى ال َحدي ِث‪ :‬ما الدنيا بالنسب ِة إلى الآخ َر ِة في ِق َص ِر ُم َّدتِها‪ ،‬و َفنا ِء‬ ‫َل َّذاتها‪ ،‬ودوا ِم الآخر ِة‪ ،‬ودوا ِم ل َّذاتِها ونعي ِمها‪ ،‬إ َّلا كنِسب ِة الما ِء الَّذي َيعلَ ُق‬ ‫بالإص َب ِع إلى باقي ال َبح ِر‪.‬‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook