Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore رياض الصالحين المائة الخامسة ...

رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Published by مكتبة(ورتل) الإلكترونيه, 2021-08-27 10:25:43

Description: رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Search

Read the Text Version

‫\" ما الدنيا في الآخرة\" كل الدنيا من أولها إلى آخرها‪ ،‬وكل ما فيها من‬ ‫الأملك والثروات التي توصل إليها الناس‪ ،‬والتي بادت وانصرمت والتي‬ ‫لم يتوصلوا إليها بعد‬ ‫\"إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم\" يعني‪ :‬في البحر‬ ‫\" فلينظر بم يرجع\" ما الذي يصيب هذا الأصبع من البحر؟‪ ،‬بلل فقط‪،‬‬ ‫هذا البلل ماذا يساوي بالنسبة للبحر؟ لا شيء‪ ،‬هل يتأثر البحر؟ هل‬ ‫ينقص؟ أبداً‪ ،‬لو انغمس الإنسان بكامله في البحر وخرج‪ ،‬هذا البلل الذي‬ ‫أصابه ماذا يمثل بالنسبة لماء البحر؟ لا شيء‪ ،‬فكيف بالإصبع؟‬ ‫فكل ما نراه في هذه الدار وفي هذه الدنيا مما يتنافس فيه‬ ‫المتنافسون‪ ،‬هي بمنزلة هذا البلل الذي يصيب الأصبع‬ ‫ولهذا قال ﷺ‪ \":‬لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى‬ ‫منها كافراً شربة ماء\"‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬تحقي ُر الدنيا وشأْنِها‪ ،‬و َتوضي ُح ال َمعاني ب َتقريبِها ل ِمثال‬ ‫في الواق ِع‬

‫الحديث الرابع والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن جابر رضي الله عنه أ َّن رسول الله صلى الله عليه وسلم َم َّر بالسو ِق‬ ‫َوال َّنا ُس َك َن َف َت ْي ِه‪َ ،‬ف َم َّر بِ َج ْدي أَ َس َّك َميت‪َ ،‬ف َت َنا َو َل ُه َفأَ َخ َذ بِأُ ُذ ِن ِه‪ُ ،‬ث َّم َقالَ‪:‬‬ ‫((أَي ُكم ُي ِحب أ ْن َه َذا َل ُه بِد ْر َهم؟))‬ ‫فقالوا‪َ :‬ما ُن ِحب أ َّن ُه لَ َنا ِب َش ْيء َو َما َن ْص َن ُع بِ ِه؟‬ ‫ُث َّم َقالَ‪(( :‬أَ ُت ِحبو َن أَ َّن ُه لَ ُك ْم؟))‪َ ،‬قالُوا‪َ :‬واللهِ لَ ْو َكا َن َح ًّيا َكا َن َع ْي ًبا‪ ،‬أ َّن ُه‬ ‫أ َسك َف َك ْي َف َو ُه َو ميت!‬ ‫فقال‪(( :‬ف َواللهِ للد ْن َيا أ ْه َو ُن َعلَى اللهِ ِم ْن َه َذا َعلَ ْي ُك ْم))‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ُيبي ُن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم لأصحا ِب ِه َرض َي اللهُ عنهم َحقار َة الدنيا‬ ‫و َهوا َنها‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيحكي جابر َرض َي اللهُ َعنه أ َّن النبي ﷺ بالسوق‬ ‫والناس َك َن َف َت ْيه‪ ،‬يعني‪ :‬اكتنفوه ﷺ عن جانبيه يمشون معه ﷺ‬ ‫فمر بجدي أ َس َّك ميت‪ ،‬ثلثة أوصاف‪ :‬جدي والجدي هو‪ :‬ولد الماعز‬ ‫الذكر‪ ،‬وولد الماعز الأنثى يقال له‪ :‬عناق‬

‫فهذا جدي صغير بعضهم يقول‪ :‬لم يكن له سنة‬ ‫وأ َس ّك يعني‪ :‬هو الذي له أذن قصيرة‪ ،‬وبعضهم يقول‪ :‬لا أذن له‪ ،‬لكن‬ ‫هنا له أذن؛ لأن النبي ﷺ أخذ بأذنه‪ ،‬وإلا فالأصل أن الأ َس َّك هو الذي‬ ‫لا أذن له‪ ،‬الأ َس ّك عيب فيه‪ ،‬آذانه قصيرة‪ ،‬فيكون ذلك نقصاً فيه‪ ،‬وميت‪،‬‬ ‫كم قيمة هذا الآن لو أن الجدي عرض على الناس وقيل لهم‪ :‬هذا جدي‬ ‫صغير أسك؟‪ ،‬كانوا يتأذون من رؤيته‪ ،‬والنظر إليه‪ ،‬يقولون‪ :‬خذوه‬ ‫اشتروه‪ ،‬ما أحد يشتري هذا‬ ‫النبي ﷺ أخذ بأذنه‪ ،‬ثم قال‪( :‬أَيك ْم ُي ِحب أ َّن َهذا لَه ب ِد ْرهم؟)‬ ‫َوهذا الاس ِتفها ُم إِرشاد ِمنه ص َّلى اللهُ عليه وس َّلم و َتنبيه‪ُ ،‬ي َنب ُههم صلَّى‬ ‫اللهُ عليه وس ّلَم على إِلقا ِء ال َّسم ِع لِل ِخطا ِب ال َخطي ِر‪ ،‬و ُشهو ِد ال َقل ِب لِ َما‬ ‫َيع ِني به م َن ال َخط ِب ال َجلي ِل؛ و ُهو َهوا ُن الدنيا‬ ‫فقالوا‪ :‬ما ُن ِحب أ َّنه لنا بشيء‪ ،‬أي‪ِ :‬م َن الأشيا ِء ا َلّتي ِهي أَقل ِم َن الدره ِم‬ ‫َفض ًل َعنه‬ ‫َوما َنص َن ُع به؟! و َق ِد ا ْنقطع ِت الأَطما ُع ب َذل َك عن ا ِلانتِفا ِع بِه‬ ‫فأَعا َد ال َّنبي ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم َقو َله َم َّر ًة ثاني ًة َتأكي ًدا لِل َمقا ِم‪( :‬أَ ُتحبون‬ ‫أ َّنه َلكم؟)‬

‫قالوا‪ :‬والله لو كا َن ح ًّيا كان َعي ًبا في ِه!‬ ‫َفقالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم‪َ ( :‬فواللهِ لَلدنيا أَهو ُن على اللهِ)‬ ‫أي‪ :‬لَجمي ُع أَنوا ِع َل َّذا ِتها أَح َق ُر وأذل َعلى اللهِ ِمن َهذا ال َج ْديِ الأَ َسك‬ ‫ال َمي ِت؛ َف ِهي لَيس ْت ِبشيء ِعن َد اللهِ‪.‬‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من الجدي الصغير الميت‬ ‫عند الناس‬

‫الحديث الخامس والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي ذر رضي الله عنه َقالَ‪ُ :‬ك ْن ُت أَ ْم ِشي َم َع ال َّنبي صلى الله عليه‬ ‫وسلم في َح َّرة بِال َم ِدي َن ِة َفا ْس َت ْق َبلَ َنا أُ ُحد‪ ،‬فقال‪َ (( :‬يا أَ َبا َذر)) قلت‪ :‬لَ َّب ْي َك َيا‬ ‫رسولَ الله‪ .‬فقال‪َ (( :‬ما َي ُسر ِني أ َّن ِع ْن ِدي ِم ْثلَ أُ ُحد َه َذا َذ َه ًبا َت ْمضي َعلَ َّي‬ ‫َثلَ َث ُة أ ّيام َو ِع ْن ِدي ِم ْن ُه ِدي َنار‪ ،‬إلا َش ْيء أ ْر ُص ُدهُ لِ َد ْين‪ ،‬إلا أ ْن أقُولَ بِ ِه في‬ ‫ِع َبا ِد الله هكذا َو َه َك َذا َوه َك َذا)) عن َي ِمي ِن ِه وعن ِش َمالِ ِه َو َع ْن َخ ْلفِ ِه‬ ‫ُث َّم َسا َر‪ ،‬فقال‪(( :‬إ َّن الأَ ْك َثري َن ُه ُم الأَ َقلو َن َي ْو َم القِ َيا َم ِة إلاَّ َم ْن َقالَ بال َما ِل‬ ‫ه َك َذا َوه َك َذا َوه َك َذا)) عن يمي ِن ِه وعن ِش َمالِ ِه ِوم ْن َخ ْلفِ ِه (( َو َقلِيل َما ُه ُم))‪.‬‬ ‫ُث َّم َقالَ لي‪َ (( :‬م َكا َن َك لا َت ْب َر ْح َح َّتى آتِي َك)) ُث َّم ا ْن َطلَ َق في َسوا ِد ال َّل ْي ِل َح َّتى‬ ‫َت َوا َرى‪َ ،‬ف َس ِم ْع ُت َصو ًتا‪َ ،‬ق ِد ا ْر َت َفع‪َ ،‬ف َت َخ َّو ْف ُت أ ْن َي ُكو َن أ َحد َع َر َض لل َّنبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪َ ،‬فأ َر ْد ُت أ ْن آتِي ِه َف َذ َكر ُت َق ْوله‪(( :‬لا َت ْب َر ْح َح َّتى‬ ‫آ ِت َي َك)) فلم أ ْب َر ْح َح َّتى أ َتاني‪َ ،‬فقُ ْل ُت‪ :‬لَ َق ْد َس ِم ْع ُت َصو ًتا َت َخ َّو ْف ُت ِم ْن ُه‪،‬‬ ‫َف َذ َك ْر ُت َل ُه‪ ،‬فقال‪َ (( :‬و َهلْ َس ِم ْع َت ُه؟)) قلت‪َ :‬ن َع ْم‪َ ،‬قالَ‪َ (( :‬ذا َك ِجبريلُ أ َتا ِني‪.‬‬ ‫فقال‪َ :‬م ْن َما َت ِم ْن أُ َّمتِ َك لا ُي ْش ِر ُك بِالِ ِل َش ْي ًئا َد َخلَ ا ْل َج َّن َة))‪ ،‬قلت‪َ :‬وإ ْن‬ ‫َز َنى َوإ ْن َس َر َق؟ َقالَ‪َ (( :‬وإ ْن َز َنى َوإ ْن َس َر َق)) ( متفق َعلَ ْي ِه‪ ،‬وهذا لفظ‬ ‫البخاري)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كنت أمشي مع النبي ﷺ في َح َّرة بالمدينة‪ ،‬والحرة وهي الأرض ذات‬ ‫الحجارة السوداء‪ ،‬ومشيه ﷺ في الحرة مع أبي ذر يدل على كمال‬ ‫تواضعه ﷺ‬

‫فاستقب َل َنا أُحد‪ ،‬أي ظهر لهم جبل أُحد قبالة وجوههم‪.‬‬ ‫وهو الذي قال فيه النبي ﷺ‪\" :‬أُحد جبل يحبنا ونحبه\"‬ ‫فقال‪ (:‬يا أبا ذر) ‪ ،‬قلت‪ :‬لبيك يا رسول الله‬ ‫قوله‪ :‬يا أبا ذر‪ ،‬هذا من كمال أدبه ﷺ يكني أصحابه‪ ،‬وهذا هو‬ ‫الأكمل‪ ،‬فالعرب يكرهون الدعاء باللقب‪ ،‬أن ُيدعى أحد بلقبه‬ ‫وجواب أبي ذر رضي الله عنه أيضاً في غاية الأدب يقول‪ :‬قلت‪ :‬لبيك يا‬ ‫رسول الله‪ ،‬يعني‪ :‬إجابة لك‬ ‫فقال‪\" :‬ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً\"‪ ،‬وأحد جبل كبير‪ ،‬هو‬ ‫أكبر جبل من الجبال القريبة من المدينة‬ ‫\" ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً\" وفي بعض الروايات ذكر‬ ‫ﷺ \"تحوله ذهباً\" ‪ ،‬أي‪ :‬يتحول جبل أحد ذهباً‬ ‫\" تمضي عل ّي ثلثة أيام وعندي منه دينار‪ ،‬إلا شيء أرصده لد ْين\"‬ ‫تمضي عليه ثلثة أيام‪ ،‬باعتبار أن هذه المدة يحتاج إليها في تفريقه‪،‬‬ ‫والنظر في أصحاب الحاجات والنظر في الأعوان‪ ،‬حتى يفرقوا هذا القدر‬ ‫الهائل من المال‬

‫\" إلا شيء أرصده لد ْين\" ‪ ،‬وهذا يدل على أن قضاء الدين أولى من‬ ‫الصدقة‪ ،‬وأن الإنسان قد ُيبقى عنده مالاً من أجل سداد الدين‪ ،‬ولا يذهب‬ ‫الإنسان يتصدق وعليه حقوق للخلق‬ ‫\" إلا أن أقول به في عباد الله هكذا‪ ،‬وهكذا وهكذا‪ ،‬عن يمينه وعن‬ ‫شماله ومن خلفه\"‪ ،‬فالنبي ﷺ يفرقه من كل ناحية على أصحاب‬ ‫الحاجات في وجوه البر المتنوعة‪ ،‬وهذا يدل على كثرة العطاء والبذل‪،‬‬ ‫حيث لا يبذل من جهة واحدة وإنما يبذل من جهات متعددة‪.‬‬ ‫ثم سار فقال‪\" :‬إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة\"‬ ‫\"الأكثرين\" يعني‪ :‬في الدنيا من أصحاب المال والثراء هم الأقلون يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬الأقلون يعني‪ :‬في المنزلة والدرجة‬ ‫\"إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا‪ ،‬عن يمينه‪ ،‬وعن شماله‪ ،‬ومن‬ ‫خلفه\" ‪ ،‬يعني‪ :‬كل إنسان عنده أموال في هذه الدنيا وثراء فإن ذلك‬ ‫يكون نقصاً في مرتبته في الآخرة إلا إن اتصف بهذا الوصف المذكور‪،‬‬ ‫قال‪ \":‬إلا من قال‪ :‬هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن خلفه\" ‪،‬‬ ‫أعطى وبذل‬ ‫وقال ﷺ‪ \":‬وقليل ما هم\"‪ ،‬وهذا صحيح؛ لأن النفوس مجبولة على‬ ‫الشح‪ ،‬وقد حبب إليها المال ح ًّبا شديداً كما قال الله تعالى ‪َ { :‬و ُت ِحبو َن‬ ‫ا ْل َمالَ ُح ًّبا َج ًّما} [الفجر‪]20 :‬‬

‫ثم قال لي‪ \" :‬مكانك لا تبرح حتى آتيك\"‪ ،‬اجلس مكانك‬ ‫وانطلق النبي ﷺ في سواد الليل حتى توارى‪ ،‬واختفى‪ ،‬يقول أبو‬ ‫ذر‪ :‬فسمعت صوتاً قد ارتفع‪ ،‬فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي ﷺ‬ ‫‪ ،‬فأردت أن آتيه فذكرت قوله‪\" :‬لا تبرح حتى آتيك\" ‪ ،‬فلم أبرح حتى‬ ‫أتاني‬ ‫وهذا يدل على كمال طاعة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ‬ ‫فقلت‪ :‬لقد سمعت صوتاً تخوفت منه‪ ،‬فذكرت له‪ ،‬فقال‪\" :‬وهل سمعته؟\"‬ ‫قلت‪ :‬نعم‬ ‫قال‪\" :‬ذاك جبريل أتاني‪ ،‬فقال‪ :‬من مات من أمتك لا يشرك بالِل شيئاً‬ ‫دخل الجنة\"‬ ‫قلت‪ :‬وإن زنى‪ ،‬وإن سرق؟‪ ،...‬ذكر الزنا والسرقة‪ ،‬وفي رواية ذكر‬ ‫الخمر أيضاً‪.‬‬ ‫من أهل العلم من يقول‪ :‬ذكر الزنا والسرقة باعتبار أن الزنا معصية‬ ‫تتعلق بحق الله ‪-‬تبارك وتعالى‪ ،‬وهي من الكبائر فتشير إلى باقي الذنوب‬ ‫المتعلقة بحق الله‪ ،‬والسرقة معصية كبيرة تتعلق بحقوق الخلق‬ ‫والعدوان على أموالهم فيدخل فيها نوع المعاصي أو جنس المعاصي‬ ‫التي تتعلق بحقوق المخلوقين‪.‬‬ ‫قال‪\" :‬وإن زنى وإن سرق\"‬

‫وفي بعض الروايات أنه قاله ثلثاً‪ :‬وإن زنى وإن سرق؟‪ ،‬قال‪\" :‬وإن‬ ‫زنى وإن سرق‪ ،‬وإن زنى وإن سرق؟‪ ،‬قال‪ :‬وإن زنى وإن سرق‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫وإن رغم أنف أبي ذر\"‬ ‫وهذا يدل على أن الإنسان لا يخرج من الإسلم بفعل الكبيرة‪ ،‬كما أنه لا‬ ‫يخلد بالنار بفعل الكبيرة‬ ‫اشتمل هذا الحديث‪ :‬على فوائد كثيرة‪ ،‬وقواعد عظيمة‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬البشارة بعدم خلود المسلم في النار وإن عمل الكبائر‪ ،‬فإن تاب‬ ‫منها في الدنيا لم يدخل النار إلا تحلة القسم‪ ،‬وإن لم يتب فأمره إلى الله‬ ‫إن شاء غفر له وأدخله الجنة‪ ،‬وإن شاء عذبه‬

‫الحديث السادس والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫((لَ ْو َكا َن لِي ِم ْثلُ أُ ُحد َذ َه ًبا‪َ ،‬ل َس َّر ِني أ ْن لا َت ُم َّر َعلَ َّي َثلَ ُث لَيال َو ِع ْن ِدي‬ ‫ِم ْن ُه َش ْيء إلا َش ْيء أ ْر ُص ُدهُ لِ َد ْين))‬ ‫( متفق َعلَ ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫هذا الحديث يشابه الحديث السابق لأبي ذر رضي الله عنه‬ ‫المالُ ِم َن الفِ َت ِن الَّتي ا ْبتلَى اللهُ به ِعبا َده‪ ،‬وال َّتقللُ منه ِعصمة ِمن ِفتن ِته؛‬ ‫َولذل َك لم ُي ِح َّبه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم‪ ،‬ول ْم َيأتِه صلَّى اللهُ عليه‬ ‫وس َّل َم ما ًلا إ َّلا َب َذ َله في أو ُج ِه الخي ِر‪.‬‬ ‫فأخ َب َر صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم أ َّنه لا ُي ِحب أ ْن يكو َن في ِم ْل ِكه ِمثلُ َجب ِل أُحد‬ ‫َذ َه ًبا و َي ْبقى عن َده منه ِدينار َفو َق َثلث ِة أ َّيام‪ ،‬إ َّلا ِدينا ًرا َيج َعلُه لِ َسدا ِد َدين‬ ‫عليه‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬الاه ِتما ُم بأَ ْم ِر ال َّدي ِن وأدا ِئه‪ ،‬وال َّترغي ُب في ال َّص َدق ِة‪،‬‬ ‫والحث عليها‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم كان في أَ ْعلى َد َرجا ِت الزه ِد في‬ ‫الدنيا‪ ،‬بحي ُث إ َّنه لا ُي ِحب أ ْن َي ْبقى ب َي ِده َشيء ِمن الدنيا‪ ،‬إ َّلا لإنفا ِق ِه في َمن‬ ‫َيست ِحقه‪ ،‬وإ َّما لإرصا ِده ل َمن له َح ٌّق‬

‫الحديث السابع والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫((ا ْن ُظ ُروا إِلَى َم ْن ُه َو أ ْس َفلَ ِم ْن ُك ْم َولا َت ْن ُظ ُروا إِلَى َم ْن ُه َو َف ْو َق ُك ْم؛ َف ُه َو‬ ‫أ ْج َد ُر أ ْن لا َت ْز َد ُروا نِ ْع َم َة الله َعلَ ْي ُك ْم))‬ ‫متفق َعلَ ْي ِه‪ ،‬وهذا لفظ مسلم‬ ‫وفي رواية البخاري‪(( :‬إِ َذا َن َظ َر أَ َح ُد ُك ْم إِ َلى َم ْن فُضلَ َع َل ْي ِه في ال َما ِل‬ ‫َوال َخ ْل ِق‪َ ،‬ف ْل َي ْن ُظ ْر إِلَى َم ْن ُه َو أ ْس َفل ِم ْن ُه))‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َيحكي أبو ُه َرير َة رضي الله عنه أ َّن النب َّي ص َّلى الله عليه وس َّلم قال‪:‬‬ ‫(إذا ن َظر أح ُدكم إلى َمن فُضل عليه في المال وال َخ ْلق) أي إذا امت َّد ْت عي ُن‬ ‫المسلم عف ًوا وعن غير قصد إلى َمن َيفُوقه ما ًلا أو ِجس ًما أو صورة‪،‬‬ ‫وتأ َّثر بذلك نفس ًّيا‬ ‫(فلين ُظر إلى َمن هو أسفلَ منه)؛ يعني فل ُي َوجه بصر َه قص ًدا إلى َمن هو‬ ‫أقل منه ما ًلا‪ ،‬وأدنى جس ًما وصورة من فقراء ال َّناس و ُضعفائهم‪ ،‬حتى‬ ‫يش ُعر بالنعمة التي هو فيها‪ ،‬ويش ُكر الله عليها‬ ‫هذا الحديث‪ :‬جامع لمعاني الخير وفيه دواء كل داء من الحسد وغيره‪،‬‬ ‫وإرشا ُد المسلم إلى أفض ِل الوسائل التي تؤدي به إلى الشعور بالرضا‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن في العم ِل بهذا الحديث وقاي ًة للإنسان من كثير من الأمرا ِض‬ ‫القلب َّية؛ كالح َس ِد وال ِحقد‪ ،‬وغيرهما‬

‫الحديث الثامن والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫(( َت ِع َس َع ْب ُد الدي َنا ِر‪َ ،‬والد ْر َه ِم‪َ ،‬وال َق ِطي َف ِة‪َ ،‬وال َخ ِمي َص ِة‪ ،‬إ ْن أُ ْع ِط َي َر ِض َي‪،‬‬ ‫َوإ ْن لَ ْم ُي ْع َط لَ ْم َي ْر َض))‬ ‫رواه البخاري‬ ‫شرح الحديث‬ ‫أ ْش َقى ال َّنا ِس َم ِن ا َّت َخ َذ إلَ َهه َهواهُ و َشه َو َته‪ ،‬ف َيكو ُن َع َملُه ُكله لِ َتحصي ِل‬ ‫هذه ال َّشهو ِة و َط َلبِها؛ فهو تا ِرك َما ُخلِ َق ِلأ ْجلِه‪ ،‬وهو ِعبادةُ اللهِ َتعالى‪،‬‬ ‫ُمت َمسك ب َتحصي ِل َش َهواتِه ب َغي ِر ِرضا الل ِه َتعالى‪ ،‬فهو ُم َضيع ِلآ ِخ َرتِه‬ ‫ب ُدنياه‪ .‬وأس َع ُد النا ِس َمن عا َش لِلِ َع َّز و َجلَّ‪ ،‬طالِ ًبا ِرضاه‪ ،‬وما أ َع َّده‬ ‫ُسبحا َنه لِل َّصالِحي َن ِمن ِعبا ِده‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث َتحذير ِم َن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَ َم لِ ُكل ُمؤ ِمن ِمن‬ ‫أ ْن َيكو َن َعب ًدا لِ َش َهوا ِته‪ ،‬و َح ٌّث على أ ْن َيعي َش ال ُمؤ ِم ُن َحيا َته لِلِ‪ ،‬وفي‬ ‫َسبيلِه ُسبحا َنه‪ .‬ف َيقولُ ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم‪:‬‬ ‫« َت ِع َس َعب ُد الدينا ِر‪ ،‬والدره ِم‪ ،‬والقطيفة و ال َخميص ِة»‬ ‫َيعني‪َ :‬ع ُث َر و َس َق َط على َو ْج ِهه‪ ،‬والدينا ُر ِم َن ال َّذ َه ِب‪ ،‬والدر َه ُم ِم َن الفِ َّض ِة‪،‬‬ ‫وال َخميص ُة‪ِ :‬كساء أس َو ُد ُمر َّبع‪ ،‬له ُخطوط‬

‫قوله ﷺ‪ \":‬تعس عبد الدينار\" يعني‪ :‬الذي يتعلق قلبه بالمال سواء‬ ‫كان ديناراً أو ريالاً أو دولاراً أو غير ذلك‪ ،‬بحيث إنه يكون مسخراً‬ ‫لهذا المال يتفانى في جمعه من غير نظر في طرق تحصيله هل هو من‬ ‫الحلل أو من الحرام‪ ،‬وإذا وقع في يده فقلبه مشغول بهذا الدينار‪ ،‬فهو‬ ‫يخاف عليه التحول من يده إلى يد غيره‬ ‫فمثل هذا يكون عبداً للدينار بهذا الاعتبار‪ ،‬فالعبودية هي عبودية القلب‪،‬‬ ‫والحرية هي حرية القلب‪ ،‬فمن كان قلبه مست َرقاً للدينار والدرهم فإنه‬ ‫في حال كما وصف النبي ﷺ‪ \"،‬تعس عبد الدينار\" أي‪ :‬هلك عبد‬ ‫الدينار والدرهم‬ ‫و َس َب ُب الدعا ِء عليه أ َّنه‪ :‬إ ْن أُعط َي ُمرا َده ِم َن الما ِل واللَّ َّذا ِت َرض َي ع ِن‬ ‫الل ِه َتعالى‪ ،‬وإ ْن ُمنِ َع كا َن سا ِخ ًطا غا ِض ًبا‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬ذم الحرص على الدنيا‪ ،‬حتى يكون عب ًدا لها‪ ،‬رضاه‬ ‫وسخطه لأجلها‪.‬‬

‫الحديث التاسع والستون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬ل َق ْد َرأ ْي ُت َسب ِعي َن ِم ْن أ ْه ِل الص َّف ِة‪َ ،‬ما‬ ‫من ُه ْم َر ُجل َعلَ ْي ِه ِر َداء‪ :‬إ َّما إزار‪َ ،‬وإ َّما ِك َساء‪َ ،‬ق ْد َر َب ُطوها في أع َناقِ ِه ْم‪،‬‬ ‫َف ِم ْن َها َما َي ْبلُ ُغ نِ ْص َف ال َّسا َق ْين‪َ ،‬و ِم ْن َها َما َي ْبلُ ُغ ال َك ْع َب ْي ِن‪َ ،‬ف َي ْج َم ُع ُه ِب َي ِد ِه‬ ‫َكرا ِه َي َة أ ْن ُت َرى َع ْو َر ُت ُه‬ ‫(رواه البخاري)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان ِمن ال ُمسلمي َن في أ َّو ِل ال ِهجر ِة َصحابة ِكرام فُقرا ُء‪ ،‬لا َيملِكون ِمن‬ ‫ُحطا ِم الدنيا شي ًئا؛ فقد َت َركوا أ ْموا َلهم و ِديا َرهم و َفروا إلى اللهِ و َرسولِه‬ ‫في المدين ِة‪ ،‬وكان النبي صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ُيؤوي ِهم في َمسج ِده‪،‬‬ ‫و ُيط ِع ُمهم م َّما َيأ ِتيه ِمن ِرز ِق اللهِ‪ ،‬وما ُي ْهدى إليه ِمن أغنيا ِء المسلمي َن‬ ‫َرض َي اللهُ عنهم‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر أبو ُهرير َة َر ِض َي الله عنه أ َّنه َرأَى َسبعي َن ِمن‬ ‫أ ْه ِل الص َّف ِة ‪-‬وهم فُ َقرا ُء المسلمي َن ِمن أصحا ِب َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه‬ ‫وسلَّ َم الذين لم َت ُك ْن لهم َمنا ِزلُ َي ْس ُكنونها‪ ،‬وكانوا َيأْ ُوون في ُص َّفة‪ ،‬وهي‬ ‫ِمظلَّة كانت في آ ِخ ِر َمس ِج ِده ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم‬

‫ف ُيخ ِب ُر أ َّنه رآهم وليس منهم ر ُجل عليه ِرداء‪ ،‬وهو ما َيس ُت ُر أعال َي ال َب َد ِن‬ ‫فق ْط‪ ،‬لك ْن إ َّما عليه إزار ف َق ْط؛ وهو ما َي ْكسو الن ْص َف الأ ْس َفلَ‪ ،‬وإ َّما يكو ُن‬ ‫عليه ِكساء و َثوب واحد‪ ،‬وقد َر َبطوا أ ْك ِس َي َتهم في أعناقِهم؛ ف ِم ْن هذه‬ ‫الأ ْك ِس َي ِة ما َيبلُ ُغ نِ ْص َف ال َّسا َقي ِن؛ لقِ َص ِره وع َد ِم ِكفاي ِته أ ْن َيبلُ َغ أ ْط َولَ ِمن‬ ‫ذلك‪ ،‬ومنها ما َيبلُ ُغ ال َكعبي ِن أس َفلَ الساقي ِن‪،‬‬ ‫وكان الوا ِح ُد منهم ي ُضم َثو َبه بِ َي ِده َكراهي َة أ ْن ُترى َع ْو َر ُته‪ .‬وجاء في‬ ‫الروايا ِت أ َّنهم كانوا َي ُضمون ثِيا َبهم في حا ِل َكو ِنهم في ال َّصل ِة‪ ،‬فلم ي ُك ْن‬ ‫لأحد منهم َثوبا ِن‪ ،‬وكان ُيصلي فيه مع َتحر ِزه ح َّتى لا َتنك ِش َف َعور ُته‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬بيا ُن َص ْب ِر ال َّصحاب ِة الأوائ ِل على ال َّشدائ ِد والف ْق ِر ُح ًّبا في‬ ‫اللهِ و َرسولِه‪ ،‬و َتفضي ًل للإسل ِم على الك ْف ِر‬ ‫وفيه ‪ :‬أن الدنيا لو كانت مك َّرمة عند الله‪ ،‬لخ َّص أصفياءه ِب َها‪ ،‬فإن الله‬ ‫يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب‪ ،‬ولا يعطي الدين إلا من يحب‪.‬‬

‫الحديث السبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫((الد ْن َيا ِس ْج ُن ا ْل ُم ْؤ ِم ِن‪َ ،‬و َج َّن ُة ال َكافِ ِر))‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الدنيا لِل ُمؤم ِن دا ُر َبلء وا ْبتلء َيصبِ ُر فيها َعلى الفِت ِن و َيت َح َّكم في‬ ‫َشهواتِها ُمقي ًدا َنف َسه عن لَ ْه ِوها إِرضا ًء لِلِ َتعالى‬ ‫وفي َهذا الحدي ِث ُيبين ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم‬ ‫\"أ َّن الدنيا ِسج ُن المؤ ِم ِن\" ؛ ف ُكل ُمؤمن َمسجون َممنوع في الدنيا ِم َن‬ ‫ال َّشهوا ِت ال ُم َح َّرم ِة وال َمكرو َه ِة َيس ِج ُن َنف َسه ع ِن ال َملذ و َيأ ُخ ُذها‬ ‫بال َّشدائ ِد‪ُ ،‬مكلَّف ب ِف ْع ِل ال َّطاعا ِت ال َّشا َّق ِة َيحبِ ُس َنف َسه ِمن ُكل شيء لا‬ ‫ُيبي ُحه له الإِسل ُم‪ ،‬والإيما ُن َق َّيده في ذل َك ال َح ْب ِس‪ ،‬فإِذا ما َت ان َقلَ َب إِلى ما‬ ‫أَع َّد اللهُ َتعالى لَه م َن ال َّنعي ِم ال َّدائ ِم وال َّراح ِة الخالص ِة ِم َن النقصا ِن‬ ‫وأ َّما الكاف ُر َفلي َس َعليه قُيو ُد الإيما ِن‪ ،‬ولَه م َن الدنيا َمع َتكدي ِرها‬ ‫بال ُم َنغصا ِت‪ ،‬فإذا ما َت صا َر إلى ال َعذا ِب ال َّدائ ِم و َشقا ِء الأَ َب ِد‪.‬‬

‫معنى ذلك‪ :‬أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد له من النعيم‪،‬‬ ‫وجنة الكافر بالنسبة إِلى ما أعد له من العذاب‪ ،‬وأي ًضا فإن المؤمن‬ ‫ممنوع من الشهوات المحرمة‪ ،‬والكافر منهمك فيها‪ ،‬وقد قال النبي‬ ‫صلى الله عليه وسلم‪ُ (( :‬ح َّف ِت ا ْل َج َّن ُة ِبا ْل َم َكا ِر ِه َو ُح َّف ِت ال َّنا ُر ِبال َّش َه َوا ِت))‬

‫الحديث الحادي والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ابن عمر رضي الله عنهما‪َ ،‬قالَ‪ :‬أخذ رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم بِ َم ْن ِك َب َّي‪ ،‬فقال‪ُ (( :‬ك ْن في الد ْن َيا َكأ َّن َك َغ ِريب‪ ،‬أَو َعا ِب ُر َسبيل))‬ ‫َو َكا َن ابن ُع َم َر رضي الله عنهما‪ ،‬يقول‪ :‬إِ َذا أ ْم َسي َت َفل َت ْن َت ِظ ِر ال َّص َبا َح‪،‬‬ ‫َوإِ َذا أَ ْص َب ْح َت َفل َت ْن َت ِظ ِر ال َم َسا َء‪َ ،‬و ُخ ْذ ِم ْن ِص َّحتِ َك لِ َم َر ِض َك‪َ ،‬و ِم ْن َح َيا ِت َك‬ ‫لِ َم ْوتِ َك‬ ‫(رواه البخاري)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫قالوا في َش ْر ِح َه َذا الحديث معناه‪ :‬لا َت ْر َك ْن إِ َلى الد ْن َيا َولا َت َّت ِخ ْذ َها َو َط ًنا‪،‬‬ ‫َولا ُت َحد ْث َن ْف َس َك بِ ُطو ِل ال َب َقا ِء فِي َها‪َ ،‬ولا بِالا ْعتِ َنا ِء ِب َها‪َ ،‬ولا َت َت َعلَّ ْق ِم ْن َها إلا‬ ‫ِب َما َي َت َعلَّ ُق ِب ِه ا ْل َغري ُب في َغ ْي ِر َو َطنِ ِه‪َ ،‬ولا َت ْش َت ِغلْ ِفي َها ِب َما لا َي ْش َت ِغلُ بِ ِه‬ ‫ال َغ ِري ُب ا َّل ِذي ُيري ُد ال َّذ َها َب إِ َلى أ ْهلِ ِه‬ ‫المؤم ُن َيع َلم أ َّن الآخرة هي دا ُر القرار وليس ِت الدنيا إ َّلا دا ًرا فاني ًة‬ ‫ستنتهي إ ْن عاج ًل أو آج ًل‬ ‫لذلك َيحكي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أ َّن رسول الله صلَّى الله‬ ‫عليه وس ّلَم أ َخذ ‪ -‬أي‪ :‬أَم َسك ‪ -‬ب َمن ِكبه‪ ،‬وال َمن ِك ُب‪َ :‬مج َمع ال َع ُضد والكت ِف؛‬ ‫وذلك لتنبي ِهه إلى ال َّتوجه إليه‪ ،‬والاستما ِع إلى حديثِه‪ ،‬وقال ص ّلَى الله‬ ‫عليه وس ّلَم له‪:‬‬

‫( ُك ْن في الدنيا كأ َّنك غريب) َق ِدم بل ًدا لا مسك َن له فيه ُيؤ ِويه‪ ،‬ولا سا ِكن‬ ‫ُيسليه‪ ،‬خال عن الأهل والعيال والعلئِق‪ ،‬التي هي سب ُب الاشتغا ِل عن‬ ‫الخالِق‪ ،‬ولَ َّما ش َّبه الناس َك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن‪ ،‬تر َّقى‬ ‫وأض َرب عنه بقوله‪( :‬أو عا ِب َر سبيل)؛ لأ َّن الغري َب قد يس ُكن في بلد‬ ‫ال ُغربة و ُيقيم فيها‪ ،‬ب ِخلف عا ِب ِر ال َّسبيل القا ِصد للبلد الشا ِسع وبينه‬ ‫وبينها أَ ْودية ُم ْر ِد َية‪ ،‬و َمفاو ُز ُمهلِكة‪ ،‬وهو ب َمر َصد من قُ َّطاع الطريق‪،‬‬ ‫فهل له أن ُيقيم لحظ ًة‪ ،‬أو يس ُكن َلمحة؟‬ ‫والمعنى‪ :‬لا تر َك ْن إلى الدنيا‪ ،‬وكن فيها ِمثلَ الغري ِب الذي لا َيعلَق قل ُبه‬ ‫إ َّلا بال َّدار الآخرة‪ ،‬وما هذه الأ َّيام والسنون والأعوام إ َّلا مراحلُ العم ِر‬ ‫التي تنتهي بك إلى المو ِت الذي لا َتدري متى يأتي‬ ‫وكان اب ُن عمر رضي الله عنهما يقول‪ :‬إذا أَمسي َت فل َتنتظ ِر ال َّصباح؛‬ ‫أي‪ :‬لا ُتؤخر عم ًل من ال َّطاعات إلى ال َّصباح؛ فلع َلّك تكون من أهل‬ ‫القبور‬ ‫وإذا أصبح َت فل َتنتظ ِر المساء؛ أي‪ :‬فل ُتؤخر عمل الخير إلى المساء؛‬ ‫فقد ُيعاجلك المو ُت‪ .‬و ُخ ْذ من ص َّحتك لمر ِضك؛ أي‪ :‬اغت ِنم الأعمالَ‬ ‫ال َّصالحة في الص َّحة قبل أن ي ُحول بينك وبينها المر ُض‪ .‬ومن حياتك‬ ‫لموتك؛ أي‪ :‬واغت ِنم في حياتك الدنيا ما ين َفعك بعد موتك‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬على العاقل أ َّلا يغت َّر بالدنيا ولا َيجعلَها أكب َر همه‪ ،‬بل ُيفكر‬ ‫في مصي ِره ورحيلِه عنها إلى دار القرار‪ ،‬فما هو إ َّلا عا ِب ُر سبيل‪.‬‬

‫وفيه‪ :‬أ َّن التفكي َر في َفناء الدنيا وعدم دوامها ُيؤدي بالعب ِد إلى‬ ‫الاستقامة‪ ،‬والمواظب ِة على صال ِح الأعمال‪ .‬وفيه‪ :‬الحث على التشبه‬ ‫بالغري ِب وعاب ِر ال َّسبيل؛ ف ِكلهما لا َيلتف ُت إلى الدنيا‬

‫الحديث الثاني والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬جا َء َر ُجل‬ ‫إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم‪ ،‬فقال‪َ :‬يا رسولَ الله‪ُ ،‬دلَّ ِني َعلَى َع َمل إِ َذا‬ ‫َع ِم ْل ُت ُه أ َح َّبنِي اللهُ َوأ َح َّبنِي ال َّنا ُس‪ ،‬فقال‪((:‬ا ْز َه ْد في الد ْن َيا ُي ِح ّبك اللهُ‪،‬‬ ‫َوا ْز َه ْد فِي َما ِع ْن َد ال َّنا ِس ُي ِح ّبك ال َّنا ُس))‬ ‫حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة‬ ‫(حسنه الشيخ الألباني)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين فإذا عمل بهما أحبه الله‬ ‫وأحبه الناس‬ ‫دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس‪ ،‬فقال‪\" :‬ازهد في‬ ‫الدنيا يحبك الله\"‬ ‫والزهد‪ :‬هو القناعة بما أعطاك الله‪ ،‬والتعفف عن أموال الناس‪ ،‬وكان‬ ‫عمر يقول على المنبر‪ :‬إ َّن الطمع فقر وإ َّن اليأس غنى‬ ‫من أحبه الله تعالى وضع له القبول في الأرض‪ ،‬فأقبلت عليه قلوب‬ ‫الخلق‪ ،‬ومن أبغضه الله ‪-‬تبارك وتعالى‪ -‬فإن القلوب تنقبض منه وتمقته‬ ‫وتبغضه‪ ،‬كما دل على ذلك الحديث المشهور‬

‫وإذا كان الإنسان مشتغلً بمرضاة الله تعالى صادقاً مع الله مخلصاً يريد‬ ‫ما عند الله فإن الله يحبه‪ ،‬فالِل يحب المتقين‪ ،‬يحب التوابين‪ ،‬يحب‬ ‫المتطهرين‪ ،‬فإذا أحب الله العبد فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه‬ ‫‪-‬تبارك وتعالى‪ ،‬فيوضع له القبول في الأرض‪.‬‬ ‫هنا قال‪\" :‬دلني على عمل إذا عملته أحبني الله‪ ،‬وأحبني الناس\" وهذا‬ ‫يدل على مشروعية أن الإنسان يسأل ويطلب ما ينفعه ويرفعه عند الله ‪-‬‬ ‫تبارك وتعالى‪ -‬يسأل عن الأمور النافعة التي تقربه إلى مولاه‪.‬‬ ‫\"ازهد في الدنيا يحبك الله\"‬ ‫الزهد في الدنيا لا شك أنه خلف التكثر والتوسع من هذه الحياة‬ ‫وحطامها ومتاعها‪ ،‬ولا شك أن الزهد في الدنيا ينافي تعلق القلب بها‬ ‫أما إذا أقبل عليها واشتغل قلبه بها وتعلقت نفسه فيها فإنه يمكن أن‬ ‫يفعل كل قبيح في سبيل تحصيلها وجمعها والمحافظة عليها‪.‬‬ ‫وهذا التعلق والاشتغال سيكون على حساب تعلق القلب بالِل وتفريغه‬ ‫لمحبته وطاعته والإقبال عليه‪ ،‬فإن هذه المحبة للدنيا تزاحم محبة الله‬ ‫تعالى في القلب والإقبال عليه‪ ،‬والاشتغال بالدنيا بالجوارح سيكون على‬ ‫حساب اشتغاله بالطاعات بالجوارح‪ ،‬ولابد‪.‬‬ ‫\"وازهد فيما عند الناس يحبك الناس\"‬ ‫الدنيا شيء محبب إلى نفوس الناس أموالهم حببت إليهم‪ ،‬ونفوسهم‬ ‫تتشبث بها وتتبعها‪ ،‬فإذا جاء من يمتد نظره إلى ما في أيديهم ويطلبه‪،‬‬

‫أو يتطلع إلى ما عندهم من الحطام‪ ،‬أن يعطوه‪ ،‬أن يمنحوه‪ ،‬فإنهم‬ ‫يستثقلونه ويتبرمون به ويضيقون به ذرعاً‬ ‫فالتعفف عما في أيدي الناس وأن يرفع الإنسان نفسه هذا خير له‪ ،‬مهما‬ ‫استطاع أن يستغني عما في أيديهم فليفعل‪ ،‬فالمسألة مهما تكن فهي‬ ‫مذلة‬

‫الحديث الثالث والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما‪َ ،‬قالَ‪َ :‬ذ َك َر ُع َم ُر ْب ُن ال َخ َّطا ِب‬ ‫رضي الله عنه َما أَ َصا َب ال َّنا ُس ِم َن الد ْن َيا‪َ ،‬ف َقالَ‪ :‬لَ َق ْد َرأ ْي ُت رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم َي َظل ا ْل َي ْو َم َي ْل َت ِوي َما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل َما َي ْملأ بِ ِه َب ْط َن ُه‬ ‫(رواه مسلم)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫((ال َّد َقلُ)) بفتح ال َّدال المهملة والقاف‪ :‬ردي ُء التم ِر‬ ‫لَق ْد فُتِح ْت أَبوا ُب الدنيا َعلى ال َّنا ِس في أ َّيا ِم ُعم َر َرضي اللهُ عنه‪ ،‬فاحتا َج‬ ‫أن ُيذك َرهم ب ُزه ِد ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم و َو َر ِعه‬ ‫وفي هذا الحدي ِث أ َّن ُعم َر ر ِضي اللهُ عنه َذ َكر ما أصا َب النا ُس ِمن الدنيا‪،‬‬ ‫ف َح َكى أ َّن َرسولَ اللهِ ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم كا َن َي َظل اليو َم َي ْلتوي‪ ،‬أي من‬ ‫الجوع‬ ‫ما َي ِج ُد َدق ًل َيملأُ به َبط َنه‪ ،‬و ُهو َردي ُء ال َّتم ِر‪ ،‬لايجد من التمر الردئ ما‬ ‫يملأ به بطنه وهو أشرف الأمة‬ ‫فلَ ْم َيمتنِ ْع ِمن ذل َك إ َّلا ل ِلحتِيا ِج‪ ،‬و َهذا في َبع ِض ال َفترا ِت ِمن َحياتِه‬

‫و َهذا لأ َّن ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم أَزه ُد ال َّنا ِس في الدنيا إِذ لو شا َء أ ْن‬ ‫َتصي َر َمعه الجبالُ َذه ًبا لصا َرت‪ ،‬ولك َّنه لا ُيري ُد َهذا‪ُ ،‬يري ُد أ ْن َيتقلَّلَ ِمن‬ ‫الدنيا ح َّتى َيخ ُر َج ِمنها لا َعلي ِه ولا لَه ِمنها ؛ َبل كا َن ص َلّى اللهُ عليه‬ ‫وس َّلم ُيعطي َعطا َء َمن لا َيخ َشى ال َفق َر‪ ،‬و َيعي ُش ِعيش َة الفُقرا ِء‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬زهده صلى الله عليه وسلم وصبره‪ ،‬وحقارة الدنيا‬

‫الحديث الرابع والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عائشة رضي الله عنها‪ ،‬قالت‪ُ :‬توفي رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪َ ،‬و َما في َب ْيتِي ِم ْن َش ْيء َيأ ُكلُ ُه ُذو َكبِد إلا َش ْط ُر َش ِعير في َرف لي‪،‬‬ ‫َفأ َك ْل ُت ِم ْن ُه َح َّتى َطالَ َع َل َّي‪َ ،‬ف ِك ْل ُت ُه َف َف ِن َي‬ ‫( متفق َعلَ ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان َرسولُ الل ِه ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم َيدعو َر َّبه أ ْن َيج َعلَ ِرز َقه و ِرز َق‬ ‫أ ْهلِه َكفا ًفا‪ ،‬وهو ما َي ْكفي الإنسا َن و ُيغ ِنيه ع ِن ُسؤا ِل ال َّنا ِس‪ ،‬وكانت‬ ‫َزوجا ُته وأهلُ َبيتِه ُمح َت ِسبات ِضي َق ال َعي ِش‪َ ،‬ير ُجو َن َنعي ًما لا َين َق ِط ُع في‬ ‫دا ِر ال ُخل ِد وال َجزا ِء‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث ُتخبِ ُر أُم ال ُمؤ ِمني َن عائِش ُة َرض َي اللهُ عنها أ َّن ال َّنب َّي‬ ‫صلَّى اللهُ عليه وس ّلَ َم ِحي َن ما َت لم َي ُك ْن ِعن َدها َطعام َيأ ُكلُه ذو َك ِبد‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫كا ِئن َح ٌّي‪ ،‬إ َّلا َبع َض ال َّشعي ِر‪ ،‬وكانت َت َض ُعه في َرف في ُحج َر ِتها‪ ،‬فكانت‬ ‫َتأ ُكلُ منه ح َّتى طالَ ْت ُم َّدةُ أ ْكلِها منه وهو لا َيف َنى‬ ‫قولها‪َ (( :‬ش ْط ُر َشعير)) أ ْي‪َ :‬ش ْيء ِم ْن َشعير‬ ‫هذا بيت رسول الله ﷺ بيت أحب زوجاته إليه‪ ،‬وهي الصديقة بنت‬ ‫الصديق‪ ،‬وما في بيتها شيء يأكله ذو كبد يعني‪ :‬حتى الحيوان‪ ،‬ما في‬ ‫شيء يؤكل إلا شطر شعير في رف‪ ،‬أي‪ :‬شعير يسير قليل في رف‬

‫قالت‪ :‬فأكلت منه حتى طال عل ّي‪ ،‬أكلت منه يعني‪ :‬على قلته كانت تأكل‬ ‫منه‪ ،‬إلا أن الله تعالى قد جعل فيه البركة‪ ،‬فكان يكفيها‪ ،‬ولا ينفد‪ ،‬فأكلت‬ ‫منه زمناً طويلً‬ ‫فكلته بالمكيال ففني‪ ،‬كأنه ذهبت بركته لما كالته‬ ‫فكا َل ْته‪ ،‬أي‪َ :‬و َز َن ْته و َع َرف ْت ِمقدا َره‪ ،‬ف ِعن َدها َفن َي وان َتهى‪ ،‬فكا َن ِت ال َب َرك ُة‬ ‫فيه ِمن أ ْج ِل َج ْهلِها ب َك ْيلِه‪ ،‬وكانت َت ُظن في ُكل َيوم أ َّنه س َي ْفنى؛ لِقِ َّلة كانت‬ ‫َتت َو َّه ُمها فيه؛ فلِذلك طالَ عليها‪ ،‬ف َل َّما كا َل ْته َعلِم ْت ُم َّد َة َبقا ِئه‪ ،‬ف َفن َي ِعن َد‬ ‫َتما ِم ذلك الأ َم ِد‬ ‫وق ْد َيكو ُن الأ ْم ُر ُمر َتبِ ًطا ب َب َرك ِة ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم فيما كان‬ ‫ِعن َدها‪ ،‬ف َل َّما كا َل ْته ُر ِفع ْت تلك ال َب َرك ُة‬ ‫وفي ال َّصحي َحي ِن عن أسما َء بِن ِت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهما‪ ،‬أ َّن ال َّنب َّي‬ ‫ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم قال لها‪« :‬لا ُتو ِعي ف ُيو ِعي اللهُ علي ِك»‪ ،‬ومعناهُ‪ :‬لا‬ ‫ُتقدري الأشيا َء؛ فإ َّن اللهَ ُيو ِعي علي ِك‪ ،‬أي‪ :‬أ َّنه ُيعا ِملُك بح َس ِب ما ُتقدرين‬ ‫وعليه‪ :‬فإذا َج َعلَ الإنسا ُن ال َّشي َء َموكو ًلا إلى اللهِ ع َّز وجلَّ‪ ،‬وأ َكلَ منه‬ ‫ح َّتى َي ْفنى‪ ،‬يكو ُن هذا أ ْب َر َك له‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬تغلي ُب ال َّت َوك ِل على اللهِ في َجمي ِع الأُمو ِر‪.‬‬ ‫وفيه‪َ :‬دليل على أ َّن الإنسا َن إذا كال ال َّشي َء‪ ،‬وصار ُيل ِح ُظ هلْ َن َق َص؟‬ ‫هلْ زاد؟ فإ َّن َب َر َك َته ُتن َز ُع‬ ‫وفيه ‪ :‬إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا‪ ،‬وعدم النظر إليها‪.‬‬

‫وفيه‪ :‬استحباب عدم كيل القوت توك ًل على الله‪ ،‬وثقة به فإن تكثير‬ ‫الطعام القليل من أسرار الله الخفية‬ ‫وهذا لا يعارض قول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره‪،‬‬ ‫حيث أمر فيه أو و ّجه بكيل الطعام فقال‪\" :‬كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه\"‬ ‫فالمقصود بكيله‪ :‬يعني عند الشراء‪ ،‬أو عند البيع من أجل الإيفاء‪،‬‬ ‫إيفاء الناس الحقوق وألا َينقص من حقهم شيء‪ ،‬فعند المعاطاة بالبيع‬ ‫والشراء يكال الطعام‪ ،‬يبارك لكم فيه‬ ‫وأما هنا فليس ذلك في مقام البيع والشراء‪ ،‬وإنما في مقام الإحصاء‪،‬‬ ‫فالذي يكيل الطعام الذي عنده أو إن كان شيئاً معدوداً يجلس يعد كم بقي‬ ‫من حبة‪ ،‬فهذا يدل على الحرص‪ ،‬وإذا ُوجد هذا الحرص فقد يكون ذلك‬ ‫سبباً لنزع البركة‪ ،‬ولهذا قال النبي ﷺ‪\" :‬لا تح ِصي فيحصي الله‬ ‫علي ِك‪ ،‬ولا توكي فيوكي الله علي ِك\"‬ ‫قال الحافظ‪ :‬الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين‬ ‫وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشح؛ فلذا ُك ِره‬

‫الحديث الخامس والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عمرو بن الحارث أخي ُج َو ْي ِر ّية بن ِت الحا ِرث أُم ال ُم ْؤ ِم ِني َن‪ ،‬رضي الله‬ ‫عنهما‪َ ،‬قالَ‪َ :‬ما َت َر َك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ِع ْن َد َم ْو ِت ِه ِدينا ًرا‪،‬‬ ‫َولا ِد ْر َه ًما‪َ ،‬ولا َع ْب ًدا‪َ ،‬ولا أَ َم ًة‪َ ،‬ولا َش ْي ًئا إلا َب ْغ َل َت ُه ا ْل َبي َضا َء ا َّلتي َكا َن‬ ‫َي ْر َك ُب َها‪َ ،‬و ِسلَ َح ُه‪َ ،‬وأ ْر ًضا َج َع َل َها لاِ ْب ِن ال َّسبِي ِل َص َد َق ًة‬ ‫(رواه البخاري)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫أ ْعطى اللهُ ُسبحا َنه ل َنبيه َمفا ِت َح ال ِغنى والد ْنيا‪ ،‬وأ َحلَّ له ال َغنائ َم‪ ،‬إ َّلا أ َّن‬ ‫ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم كان زا ِه ًدا في الد ْنيا‪ ،‬وق ْد ج َعلَ الد ْنيا في‬ ‫َي َد ْيه‪ ،‬وليس في َقل ِبه‪ ،‬وكان لا ي َّد ِخ ُر منها إ َّلا قُو َت أهلِه؛ ِرعاي ًة لهم‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر َعم ُرو ب ُن الحا ِر ِث َرض َي اللهُ عنه أ َّن ال َّنب َّي صلَّى‬ ‫اللهُ عليه وسلَّ َم ما ت َر َك عن َد َمو ِته ِدر َه ًما‪ ،‬ولا دينا ًرا؛ بل أن َف َق كلَّ ما‬ ‫عن َده ِمن الما ِل‪ ،‬ولم ُيب ِق َعب ًدا‪ ،‬ولا أَ َم ًة؛ فمنهم َمن أ ْع َت َقه‪ ،‬وم ْنهم َمن‬ ‫مات ق ْبلَ َوفاتِه ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم‬ ‫فل ْم َيت ُر ْك صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِمن الما ِل إ َّلا َبغلَ َته ال َب ْيضا َء الَّتي كان‬ ‫َير َك ُبها‪ ،‬قيلَ‪ :‬ال َب ْغل ُة ُدل ُدلُ الَّتي أ ْهداها له ال ُم َق ْو ِق ُس‪ ،‬وقد كانت ل َرسو ِل اللهِ‬ ‫صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم َب ْغلت أُ َخ ُر‪ ،‬ولك ْن قالوا‪ :‬لم َي ْب َق بع َد َوفا ِته ِسوى‬ ‫هذه ال َب ْغل ِة‪ ،‬وقالوا‪ُ :‬عم َرت بع َده ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم ح َّتى ماتت في‬ ‫ِخلف ِة ُمعاوي َة َرض َي اللهُ عنه‬

‫و ِسل َحه الَّذي أ َع َّده لل َحر ِب‪ ،‬كالسيو ِف‪ ،‬وأ ْر ًضا ج َع َلها لاب ِن ال َّسبي ِل‬ ‫َص َدق ًة‪ ،‬وهي ِنص ُف َف َد َك‪ ،‬و ُثلُ ُث أر ِض وادي القُرى‪ ،‬و َسه ُمه ِمن ُخ ُم ِس‬ ‫َخ ْيب َر‪ ،‬و َنصي ُبه ِمن أر ِض َبني ال َّنضي ِر‬ ‫وق ْد ت َر َك ص َلّى اللهُ عليه وس َلّ َم أ ْشيا َء أُ ْخرى‪ِ ،‬مثلَ أ ْثوابِه ص َّلى اللهُ عليه‬ ‫وسلَّ َم‪ ،‬وأ ْم ِتع ِة البي ِت‪ ،‬وق ْد س َك َت ال َّراوي عن ِذك ِرها؛ ل َكونِها من الأمور‬ ‫المعروفة‬ ‫وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ‪((:‬نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما‬ ‫تركنا صدقة))‬

‫الحديث السادس والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن َخبا ِب بن الأَ َرت رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬ها َج ْر َنا َم َع رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َن ْل َت ِم ُس َو ْج َه اللهِ َت َعا َلى‪َ ،‬ف َو َق َع أ ْج ُر َنا َع َلى اللهِ‪َ ،‬ف ِم َّنا َم ْن َما َت‬ ‫َو َل ْم َيأ ُكل م ْن أ ْج ِر ِه َش ْي ًئا‪ِ ،‬م ْن ُه ْم‪ُ :‬م ْص َع ُب بن ُع َم ْير‪ -‬رضي الله عنه‪ ،‬قُتِلَ‬ ‫َي ْو َم أُ ُحد‪َ ،‬و َت َر َك َن ِم َر ًة‪َ ،‬ف ُك َّنا إِ َذا َغ َّط ْي َنا بِ َها َرأْ َس ُه‪َ ،‬ب َد ْت ِر ْجلَهُ‪َ ،‬وإِ َذا َغ َّط ْي َنا‬ ‫ِب َها ِر ْج َل ْي ِه‪َ ،‬ب َدا َرأ ُس ُه‪َ ،‬فأ َم َر َنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‪ ،‬أ ْن ُن َغطي‬ ‫َرأ َس ُه‪َ ،‬و َن ْج َعل َع َلى ِر ْجلَ ْي ِه َش ْي ًئا ِم َن الإ ْذ ِخ ِر‪َ ،‬و ِم َّنا َم ْن أ ْي َن َع ْت َل ُه َث َم َر ُت ُه‪،‬‬ ‫َف ُه َو َي ْه ِد ُب َها‬ ‫( متفق َع َل ْي ِه)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫((ال َّن ِم َرةُ))‪ِ :‬كساء ُملَ َّون ِم ْن صوف‬ ‫((أ ْي َن َع ْت)) أ ْي‪َ :‬ن ِض َج ْت َوأَ ْد َر َك ْت‬ ‫(( َي ْه ِدبها)) ُه َو بفتح اليا ِء وضم الدال وكسرها لغتان‪ :‬أ ْي‪َ :‬ي ْق ُطف َها‬ ‫َو َي ْج َتنِي َها‪ ،‬وهذه استعارة لما فتح الله َت َعا َلى عليهم من الدنيا وتمكنوا‬ ‫ِفي َها‬ ‫أرا َد أ ْصحا ُب ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم بأ ْعمالِهم ِرضا الل ِه ُسبحا َنه‬ ‫وتعالَى‪ ،‬ولم َيس َع ْوا إلى َشيء ِمن َمتا ِع الد ْنيا؛ ب ِل ا ْبت َغ ُوا الأ ْج َر ِمن اللهِ‬ ‫تعا َلى‪ ،‬فت َّم بهم نو ُر اللهِ في العالَمي َن‪.‬‬

‫وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر َخ َّبا ُب ب ُن الأ َرت َرض َي اللهُ عنه َعن حا ِل أ ْصحا ِب‬ ‫ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم‪ ،‬وأ َّنهم ها َج ُروا م َع ال َّنبي ص َلّى اللهُ عليه‬ ‫وس َّل َم ِمن م َّك َة إلى ال َمدين ِة؛ ا ْب ِتغا َء َوج ِه اللهِ تعالى لا للدنيا‬ ‫قال‪ :‬فو َج َب أ ْج ُر ال ُمها ِجري َن على الل ِه‪ ،‬بما أو َج َبه ُسبحا َنه ب َوع ِده الصد ِق‪،‬‬ ‫وقولُه هذا موافِق لقولِه تعالَى‪َ { :‬و َم ْن َي ْخ ُر ْج ِم ْن َب ْيتِ ِه ُم َها ِج ًرا إِ َلى ال َّلهِ‬ ‫َو َر ُسولِ ِه ُث َّم ُي ْد ِر ْك ُه ا ْل َم ْو ُت َف َق ْد َو َق َع أَ ْج ُرهُ َعلَى ال َّلهِ} [النساء‪]100 :‬‬ ‫وب َّي َن َخ َّباب َرض َي اللهُ عنه أ َّن منهم َمن ما َت ولم َيأ ُخ ْذ ِمن ال َغنائ ِم‪ ،‬أو‬ ‫َمتا ِع الدنيا ا َلّتي فُتِ َح ْت على ال ُمسلِمي ِن ب ْع َد ذلك شي ًئا؛ بل ق َص َر ن ْف َسه َعن‬ ‫َش َهوا ِتها؛ لِينالَها ُم َو َّفر ًة في الآ ِخر ِة‪ ،‬فذلك الَّذي َسلِ َم له أ ْج ُر َعملِه كله‪،‬‬ ‫و ِمن هؤلاء َمن نالَ ِمن َمتا ِع ال َحيا ِة الدنيا‪ ،‬وه ُم الَّذين أي َن َع ْت ث َم َر ُتهم فه ْم‬ ‫َي ْجنو َن منها‬ ‫و ِمن الَّذين لم َيأ ُخذوا ِمن أُجو ِره ُم الد ْنيو َّي ِة شي ًئا ُمص َع ُب ب ُن ُعمي ِر ب ِن‬ ‫هاش ِم ب ِن عب ِد َمناف القُ َرشي َرض َي اللهُ عنه‪ ،‬وق ِد اس ُت ْش ِه َد يو َم أُ ُحد‪ ،‬ق َتلَه‬ ‫عب ُد الل ِه ب ُن َقميئ َة‪ ،‬ولم ي ُك ْن َيملِ ُك إ َّلا َن ِمر ًة‪ ،‬وهي ِرداء فيه ُخطوط ِبيض‬ ‫و ُسود‪ ،‬وكانت َقصير ًة‪ ،‬ح َّتى إ َّنهم عن َدما جاؤوا لِ ُيكفنوه بها لم َت ْكفِه‪،‬‬ ‫فكانوا إذا غ َّط ْوا بها رأ َسه ظ َه َرت َق َدماه‪ ،‬وإذا غ َّط ْوا بها ق َد َم ْيه ظ َه َرت‬ ‫رأ ُسه‪ ،‬فأ َم َره ُم ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم أ ْن ُيغطوا بها َرأ َسه‪ ،‬و َي َضعوا‬ ‫على ِر ْجلِه الإ ْذ ِخ َر‪ ،‬وهو ُعشب َمعروف ب ِطي ِب ال َّرائح ِة‬

‫وفي الحدي ِث ‪ :‬ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم و‬ ‫َبيا ُن َفضيل ِة ُمص َع ِب ب ِن ُع َمير َرض َي اللهُ عنه‬ ‫وفيه‪ :‬أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أن الكفن يكون سات ًرا لجميع البدن‪.‬‬

‫الحديث السابع والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن سه ِل بن سعد الساعدي رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم‪(( :‬لَ ْو َكا َنت الد ْن َيا َت ْع ِدلُ ِع ْن َد الله َج َنا َح َب ُعو َضة‪َ ،‬ما َس َقى َكافِ ًرا‬ ‫ِم ْن َها َش ْر َب َة َماء))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن َصحيح)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الدنيا هينة ِعن َد اللهِ ع َّز وجلَّ و َضئيلة‪ ،‬ولا َتع ِدلُ عند اللهِ تعالى ِمثقالَ ذ َّرة‬ ‫ولا ُتسا ِوي َشي ًئا‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث يقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس َلّم‪:‬‬ ‫\"لو كان ِت الدنيا َتع ِدلُ عند الل ِه\"‪ ،‬أي‪ُ :‬تساوي أو ت ِز ُن عند اللهِ ع َّز وجلَّ‬ ‫\" َجنا َح َبعوضة\"‪ ،‬أي‪َ :‬جنا َح ُذبابة؛ مث ًل لل ِق َّلة والص َغ ِر وال َحقار ِة‬ ‫وال َّدناء ِة‬ ‫\"ما س َقى كافِ ًرا منها َش ْرب َة ماء\"‪ ،‬أي‪ :‬جزا ًء له و ِعقا ًبا على ُكف ِره‬ ‫فالمقصو ُد‪ :‬أ َّن الدنيا عند اللهِ هينة َدنيئة و َحقيرة‪ ،‬ولا ُتساوي عند اللهِ‬ ‫أ َّي شيء‪ ،‬ولا ُتساوي ح َّتى َجنا َح ُذبابة‪ ،‬ولو كان ْت ُتساوي عند اللهِ أ َّي‬ ‫شيء ما ر َزق الكافِ َر فيها شي ًئا‪ ،‬ولا ح َّتى سقاه َشرب ًة ِمن ماء؛ لأ َّنه لا‬ ‫َيس َت ِحق َشرب َة الما ِء هذه‪ ،‬فهو قد ك َفر ب َمن َير ُزقُه و ُيط ِع ُمه و َي ْسقيه‬

‫ولأ َّنها لا ُتساوي عند الل ِه أ َّي شيء فق ْد ر َزق ال ِعبا َد كلَّهم؛ مؤ ِم َنهم‬ ‫وكافِ َرهم‪ ،‬وأطع َمهم وسقاهم‪ ،‬وأ َّخر ِحسا َبهم يو َم القيام ِة‪ .‬وقيل‪ :‬إ َّن الدنيا‬ ‫لِحقار ِتها عند اللهِ لم ُيع ِطها لأوليا ِئه‪ ،‬وقد و َرد أ َّنه سبحانه \" َي ْحمي عب َده‬ ‫المؤ ِم َن عن الدنيا كما َي ْح ِمي أح ُدكم المري َض عن الما ِء\"‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬حقارة الدنيا عند الله تعالى‪ ،‬ولهذا م َّلكها تعالى في الغالب‬ ‫للكفار والفساق لهوانهم عليه‪ ،‬و َح َمى منها في الغالب الأنبياء‬ ‫والصالحين لئل ُت َد َّن َس ُهم‪.‬‬

‫الحديث الثامن والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬س ِم ْع ُت رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪ ،‬يقول‪(( :‬أَلا إ َّن الد ْن َيا َم ْل ُعو َنة‪َ ،‬م ْل ُعون َما فِي َها‪ ،‬إلا ِذ ْك َر الل ِه َت َعا َلى‪،‬‬ ‫َو َما َوالاهُ‪َ ،‬وعالِ ًما َو ُم َت َعل ًما))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الدنيا وما فيها من زينة مبغوضة مذمومة إلى الله تعالى؛ لأنها مبعدة‬ ‫الخلق عما خلقوا له من عبادة الله تعالى والقيام بشرعه‪ ،‬إلا ذكر الله‬ ‫تعالى وما والاه من العبادات‪ ،‬وكذا تعليم العلم وتعلمه‪ ،‬مستثنى مما‬ ‫يبغضه الله؛ لأن هذا هو المقصود من إيجاد الخلق‪.‬‬ ‫وفي هذا الحديث يقول فيه النبي ﷺ‪ \" :‬الدنيا ملعونة\"‬ ‫أي‪ :‬أنها مبغضة إلى الله ‪-‬تبارك وتعالى‪ ،‬أن الله يسخطها ملعون ما فيها‬ ‫\"إلا ذكر الله تعالى وما والاه\" يعني‪ :‬إلا ما قاربه أو قرب إليه من‬ ‫الطاعة ودل عليه‪ ،‬ولهذا قال ﷺ‪\" :‬وعالماً ومتعلماً \" والمقصود به‬ ‫من يشتغل بالعلوم التي توصله إلى المالك المعبود ‪ ،‬العلم بالِل وأسمائه‬ ‫وصفاته‪ ،‬والعلم بالطريق الموصل إليه‪ ،‬والعلم بما يصير إليه الإنسان‬ ‫في آخرته‪ ،‬هذه الثلث‬

‫وهذا الحديث يفهم على وجهه‪ ،‬وهو أن الإسلم لا يدعو أتباعه إلى‬ ‫تعطيل الحياة الدنيا‪ ،‬والاشتغال فقط بالعمل للآخرة‪ ،‬ويبقى المسلمون في‬ ‫حال من الضعف والمذلة لعدوهم‪ ،‬ليس هذا هو المراد إطلقاً‬ ‫والمقصود هنا ‪-‬والله تعالى أعلم‪\" :‬الدنيا ملعونة ملعون ما فيها\" أي‪:‬‬ ‫ما أشغل عن ذكر الله وصرف عنه‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬ذم ما أشغل من الدنيا عن ذكر الله وطاعته‪ ،‬كما قال‬ ‫تعالى‪َ { :‬يا أَي َها الَّ ِذي َن آ َم ُنوا لا ُت ْل ِه ُك ْم أَ ْم َوالُ ُك ْم َولا أَ ْولا ُد ُك ْم َعن ِذ ْك ِر ال َّلهِ‬ ‫َو َمن َي ْف َعلْ َذلِ َك َفأُ ْو َلئِ َك ُه ُم ا ْل َخا ِس ُرو َن} [المنافقون‪]9 :‬‬ ‫قال تعالى‪ِ { :‬ر َجال‬ ‫الدنيا فليس بمذموم‪،‬‬ ‫على طاعة الله من‬ ‫وأما ما أعان‬ ‫َوإِي َتاء ال َّز َكا ِة}‬ ‫ِذ ْك ِر ال َّل ِه َوإِ َقا ِم ال َّصل ِة‬ ‫ِت َجا َرة َولا َب ْيع َعن‬ ‫لا ُت ْل ِهي ِه ْم‬ ‫[النور‪]37 :‬‬

‫الحديث التاسع والسبعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم‪(( :‬لاَ َت َّت ِخ ُذوا ال َّض ْي َع َة َف َت ْر َغ ُبوا في الد ْن َيا))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن)‪.‬‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الضيعة‪ :‬العقار الذي يحتاج إلى عمل‪ ،‬والمراد لا تتوغلوا في ذلك‬ ‫فترغبوا عن صلح آخرتكم وتشتغلوا في طلب الدنيا فل تشبعوا منها‬ ‫َح َّث ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المسلِمين على الاهتِما ِم بالآ ِخ َر ِة‪،‬‬ ‫و َج ْعلِها في المر َتب ِة الأولى إ ْن زا َح َم ْتها الدنيا على ذلك‪ ،‬كما في هذا‬ ‫الحدي ِث‪ ،‬حي ُث يقولُ صلَّى اللهُ ع َليه وس َلّم‪:‬‬ ‫\"لا ت َّت ِخذوا ال َّضيع َة\"‪ ،‬أي‪ :‬ال ُب ْستا َن والمزرع َة‪ ،‬و َن ْح َوهما م َّما يكو ُن منه‬ ‫المعا ُش‬ ‫\"ف َت ْر َغبوا في الدنيا\"‪ ،‬أي‪َ :‬تميلوا بها إلى الدنيا‪ ،‬ف َتش َغ َلكم عن الآ ِخ َر ِة؛‬ ‫فهو نهي عن الاش ِتغا ِل بال َّضيع ِة و ِرعاي ِة الأمل ِك عن أم ِر الدي ِن‪ ،‬بحي ُث‬ ‫َي َّت ِج ُه صا ِح ُبها إلى الدنيا بس َببِها‪ ،‬و َيت ُر َك ال َعملَ للآخر ِة‬ ‫والذي ين َبغي على ال َعب ِد أن ُيوا ِز َن بي َن أمو ِره كلها‪ ،‬و ُيقد َم ما َيب َقى في‬ ‫الآخر ِة على ما َي ْفنى ِمن أمو ِر الدنيا‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬تقدي ُم المصال ِح الأُخ َرو َّي ِة على الدن َيو َّي ِة‬

‫الحديث الثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عب ِد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما‪َ ،‬قالَ‪َ :‬م َّر َعلَ ْي َنا‬ ‫رسولُ الله صلى الله عليه وسلم َو َن ْح ُن نعالِ ُج ُخ ًّصا َل َنا‪َ ،‬ف َقالَ‪َ (( :‬ما‬ ‫َه َذا؟)) َفقُ ْل َنا‪َ :‬ق ْد َو َهى‪َ ،‬ف َن َح ُن ُن ْصلِ ُح ُه‬ ‫َف َقالَ‪َ (( :‬ما أ َرى الأَ ْم َر إلا أ ْع َجلَ ِم ْن َذلِ َك))‬ ‫رواه أَبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم‬ ‫وقال الترمذي‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن َصحيح)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫الدنيا َم َحل اخ ِتبار‪ ،‬وأعمالُ والآ ِخر ِة ه َي دا ُر ال َقرا ِر‪ ،‬والعاقلُ َمن ق َّدم ِمن‬ ‫ُدنياهُ لآخرتِه‪ ،‬و َزر َع في الدنيا؛ ليح ُص َد في الآخر ِة ب َفض ِل اللهِ ع َّز وجلَّ‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث يقولُ عب ُد الل ِه ب ُن عم ِرو ب ِن العا ِص رض َي الله َعنهما‪:‬‬ ‫\"م َّر علَ َّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم‪ ،‬ونح ُن نعال ُج ُخ ًّصا لنا\"‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ُنصلِحه‪ ،‬وال ُخص‪ :‬بيت صغير يعمل من القصب وفروع الشجر والحطب‬ ‫ونحوه‪.‬‬ ‫\"وهي\"‪ ،‬أي‪ :‬ما ضع َف ِمنه وما فس َد أو انها َر‬ ‫فقالَ النبي صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم‪\" :‬ما هذا؟\" أي‪ :‬ما الذي َتفعلو َن؟‬

‫قالَ عب ُد اللهِ‪ :‬فقُلنا‪ُ \" :‬خ ٌّص لنا َو َهى\"‪ ،‬أي‪ :‬س َق َط‪\" ،‬فنح ُن نصلِ ُحه\"‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ُنشيده و ُن ِعيد ِبنا َءه‬ ‫فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم‪\" :‬ما أَرى الأم َر إ َّلا أع َجلُ من‬ ‫ذل َك\"‪ ،‬أي‪ :‬ما أَرى المو َت َوما َبعده ِمن ال َقب ِر وال َحش ِر والقِيام ِة إ َّلا‬ ‫أسر َع ِمن أ ْن ُيشي َد الإنسا ُن لنف ِسه ما يزي ُد عن حاجتِه‬ ‫وهذا ِمن حث النبي صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم أن يكو َن ِحر ُص المؤم ِن‬ ‫باهت ِمامه بالآخر ِة أكب َر وأسر َع ِمن الاهتِمام بالدنيا‪ ،‬لا النه ُي المطل ُق في‬ ‫عدم ال َّتشيي ِد والبنا ِء‪ ،‬وربما يكو ُن كل ُم النبي عليه ال َّصلةُ وال َّسل ُم ل َبيا ِن‬ ‫َحقيق ِة الدنيا‪ ،‬وأ َّنها مهما طال ْت فهي َقصيرة ومنتهية‪ ،‬و َمصي ُر َمن علَيها‬ ‫معروف إلى المو ِت والقبو ِر؛ فإ ْصل ُح أمر الآ ِخر ِة أهم وأ ْولى من‬ ‫الاشتِغال بأ ْمر الدنيا‬

‫الحديث الحادي والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن كعب بن عياض رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬س ِم ْع ُت رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم‪ ،‬يقول‪(( :‬إ َّن لِ ُكل أُ َّمة ِف ْت َن ًة‪ ،‬وفِ ْت َن ُة أُ َّم ِتي‪ :‬ال َمالُ))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن َصحيح)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫المالُ فِتنة؛ ف َمن استخد َمه في طاع ِة اللهِ وس َّخره في َمرضاتِه كان المالُ‬ ‫استغ ّلَه في َمعصي ِة اللهِ‬ ‫بلو ِغ الج َّن ِة‪ ،‬و َمن‬ ‫ساع َد ْته في‬ ‫نِعم ًة‬ ‫فيه‬ ‫و َع ِمل‬ ‫نِقم ًة تسوقُه إلى ال َّنا ِر‬ ‫ُيرضيه كان المالُ‬ ‫بما لا‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس ّلَم‪:‬‬ ‫\"إ َّن لكل أ َّمة ِفتن ًة\"‪ ،‬أي‪ :‬لا ب َّد لكل أ َّمة ِمن الأ َم ِم ِمن ابتلء واخ ِتبار‬ ‫بشيء ُتفتت ُن به ويمايِ ُز بين صفوفِها‬ ‫والمقصود هنا بال ِفتن ِة ال َّشي ُء الَّذي َي ِضل به الإنسا ُن و َيزي ُغ عن َطري ِق‬ ‫الحق‪ ،‬فر َّبما كان المالُ فتن ًة إذا أب َعد صا ِح َبه عن طاع ِة الل ِه‪ ،‬ور َّبما كان‬ ‫افِلتنن ًسةاإ ُءذا ِفتأنعًةا إنذاعألوىق َعال ِتظلا ِلمإنواسلاَب َغنيِفيو َمضرياات ِعِع‬ ‫كان ِت‬ ‫ور َّبما‬ ‫ال ُحقو ِق‪،‬‬ ‫الجاهُ‬ ‫والآثا ِم‬ ‫ال َّشهو ِة‬ ‫\"و ِفتن ُة أ َّمتي‪ :‬المالُ\"‪ ،‬أي‪ :‬وضللُ أ َّمتي سيكو ُن في الما ِل؛ وذلك في‬ ‫ال ِحر ِص على َجم ِعه وعد ِم المبالا ِة ِمن حلل أو ِمن حرام‪ ،‬و َصر ِفه في‬ ‫المعاصي والفوا ِح ِش‪ ،‬وعد ِم إخرا ِج حق اللهِ فيه‬

‫وذلك كما كانت فِتن ُة بني إسرائيلَ في النسا ِء فأض َّلتهم النسا ُء وأوق َع ْتهم‬ ‫في الفوا ِح ِش وال َّرذائ ِل‬ ‫فال َّنبي صلَّى اللهُ ع َليه وس َّلم ُيوض ُح أ َّن فِتن َة أ َّمتِه وابتل َءها واختبا َرها‬ ‫وضللَها َسيكو ُن ِمن ِجه ِة الما ِل‪ ،‬لا ِمن ِجه ِة النسا ِء أو الجا ِه والسلطا ِن‬ ‫كالأُ َم ِم ال َّسابقة‬ ‫وفِتن ُة الما ِل هي إ ْح َدى الفِت ِن التي َذك َرها النبي صلَّى الله عليه وس َّلم ون َّبه‬ ‫على َخط ِرها وح َّذ َر منها أُ َّم َته‪ ،‬ولعلَّ َتخصي َص فِتن ِة الما ِل بأ َّنها فِتن ُة هذه‬ ‫الأُ َّم ِة دون غي ِرها ِمن الفِت ِن‪ :‬أ َّن الما ِل هو الفِتن ُة التي ُتوصلُ إلى الوقو ِع‬ ‫في غي ِرها من الفِتن أو إلى كثير منها‬ ‫كما في ال َّصحيحي ِن أن النبي صلَّى الله عليه وس َّلم قال‪(( :‬والل ِه ما أخا ُف‬ ‫عليكم أ ْن ُتش ِركوا َب ْعدي‪ ،‬ولك ْن أخا ُف عليكم أن َتنا َفسوا فيها ف َتهلِكوا كما‬ ‫ه َلك َمن كان َق ْب َلكم))؛ فأ ْخ َب َر أ َّن التنافُ َس على الما ِل والدنيا سبب في‬ ‫الهل ِك‬ ‫وفي الحديث ‪ :‬ال َّتحذي ُر ِمن ِفتن ِة الما ِل التي َتش َغلُ عن طاع ِة اللهِ و ُتلهي‬ ‫عن المعرو ِف‪ ،‬ولا ُيع َملُ فيه بما أرا َد اللهُ‬

‫الحديث الثاني والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي عمرو‪ ،‬ويقالُ‪ :‬أَبو عب ِد الله‪ ،‬ويقالُ‪ :‬أَبو ليلى عثمان ابن عفان‬ ‫رضي الله عنه أ َّن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫((لَ ْي َس لاِ ْب ِن آ َد َم َح ٌّق في ِس َوى ه ِذ ِه ال ِخ َصا ِل‪َ :‬ب ْيت َي ْس ُك ُن ُه‪َ ،‬و َث ْوب ُيوا ِري‬ ‫َع ْو َر َت ُه‪َ ،‬و ِج ْل ُف ال ُخبز َوالماء))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪(( :‬حديث صحيح))‬ ‫ضعيف‬ ‫ضعفه الشيخ الألباني في (الأحاديث الضعيفة والموضوعة ‪)1063‬‬ ‫[تحقيق رياض الصالحين]‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ال ِج ْل ُف‪ :‬ال ُخ ْبز لَ ْي َس َم َع ُه إ َدام‪ ،‬وقيل‪ُ :‬ه َو َغلي ُظ ال ُخ ُب ِز‬ ‫ليس لابن آدم ح ٌّق في سوى هذه الخصال يعني‪ :‬ما عدا ذلك فهو من‬ ‫الأمور الزائدة التي يحاسب عليها‪ ،‬وليس معنى ذلك أنها تحرم عليه‪،‬‬ ‫وإنما تكون من باب الفضل والزيادة‬ ‫يقول‪ :‬بيت يسكنه‪ ،‬وثوب يواري عورته‪ ،‬وليس المقصود أن يكون‬ ‫الثوب من السرة إلى الركبة ليواري العورة‪ ،‬وإنما عبر بذلك لبيان أن‬ ‫ذلك يكون بقدر حاجته‪ ،‬فعبر بمثل هذه العبارة‬

‫وجلف الخبز والماء يعني‪ :‬كما فسر بأنه الذي ليس معه إدام‪ ،‬خبز‬ ‫وماء‪ ،‬ليس معه شيء آخر‪ ،‬يعني‪ :‬أن هذه الأمور هي الأمور‬ ‫الضرورية التي تقوم بها الحياة‪ ،‬وما عدا ذلك فهو زيادة‬ ‫فالمقصود أن الإنسان يكفيه من هذه الحياة الدنيا القليل‪ ،‬فعلى أ ّي شيء‬ ‫يذل نفسه‪ ،‬ويحتاج إلى الآخرين ويفتقر إليهم‪ ،‬ولربما ضاع دينه وذهب‬ ‫بسبب ما يجمعه وما يحرص عليه من الدنيا‬ ‫الحديث هذا لا يصح‪ ،‬ضعيف‬

‫الحديث الثالث والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عب ِد الله بن الشخي ِر رضي الله عنه‪ ،‬أنه َقالَ‪ :‬أ َت ْي ُت ال َّنب َّي صلى الله‬ ‫عليه وسلم‪َ ،‬و ُه َو َي ْق َرأُ‪{ :‬أَ ْل َها ُك ُم ال َّت َكا ُث ُر} َقالَ‪:‬‬ ‫(( َيقُولُ ا ْب ُن آ َد َم‪َ :‬مالِي‪ ،‬مالي‪َ ،‬و َهلْ لَ َك َيا ا ْب َن آ َد َم ِم ْن َمالِ َك إلا َما أ َك ْل َت‬ ‫َفأ ْف َن ْي َت‪ ،‬أَو َل ِب ْس َت َفأَ ْب َل ْي َت‪ ،‬أَ ْو َت َص َّد ْق َت َفأَ ْم َض ْي َت؟))!‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫أي ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به في دنياك‪ ،‬بأكل أو لبس أو‬ ‫ادخرته لآخرتك‪ ،‬وما سوى ذلك فهو لورثتك‪.‬‬ ‫قال بعض السلف‪ :‬اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله‪ ،‬واجعل الله ذخيرة‬ ‫لأولادك‪.‬‬ ‫فلَ ْيس للإنسا ِن ِم َن الدنيا ِمن الما ِل إ َّلا ما َتص َّدق ِبه راج ًيا َثوا َب اللهِ في‬ ‫الآخ َر ِة‪.‬‬ ‫وفي َهذا الحدي ِث َيقولُ َعب ُد اللهِ ب ُن الشخي ِر‪ :‬أَتي ُت ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه‬ ‫وس َّلم َوهو َيق َرأُ‪{ :‬أَ ْل َها ُك ُم ال َّت َكا ُث ُر} [التكاثر‪ ،]1 :‬أي‪ :‬أَ ْش َغ َل ُكم َطل ُب َكثر ِة‬ ‫الما ِل‬ ‫َفقالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم‪َ ( :‬يقولُ اب ُن آ َد َم‪ :‬مالي مالي)‬ ‫أي‪َ :‬يغ َتر ِبنِسب ِة الما ِل إِلى َنف ِسه‬

‫( َهل لَك يا ب َن آد َم ِمن َمال َك إ َّلا ما أَ َك ْل َت)‪ِ ،‬من ال َمأكولا ِت والمشروبا ِت‬ ‫(فأَ ْف َن ْي َت) أي‪ :‬فأَ ْع َد ْم َتها‪َ ،‬فو َصلَ َن ْف ُع َذلك إِلى أَجزا ِء ال َبد ِن واستقا َم بِه‬ ‫أم ُرها‬ ‫(أَو لَ ِبس َت) م َن الثيا ِب (فأَ ْب َل ْي َت)‪ ،‬أي‪ :‬فأَ ْخلَ ْق َتها‬ ‫و َهل َيح ُصلُ َل َك ِم َن الما ِل َوين َف ُعك إ َّلا ما َتص َّدق َت على ُمحتاج قا ِص ًدا َوج َه‬ ‫الل ِه َتعالى فأَ ْم َض ْي َت‪ ،‬أي‪ :‬فأَمض ْي َته وأَب َقي َته ل َن ْفس َك َيو َم ال َجزا ِء؟!‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬الحث على إِنفا ِق الما ِل في ُوجو ِه ال ِبر‪.‬‬

‫الحديث الرابع والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عب ِد الله بن ُم َغ َّفل رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رجل للنبي صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪َ :‬يا رسولَ الله‪َ ،‬واللهِ إني لأُ ِحب َك‪َ ،‬ف َقالَ له‪(( :‬ا ْن ُظ ْر َما َذا َتقُولُ؟))‬ ‫َقالَ‪َ :‬واللهِ إني لأُ ِحب َك‪َ ،‬ثلَ َث َم َّرات‪َ ،‬ف َقالَ‪:‬‬ ‫((إ ْن ُك ْن َت ُت ِحب ِني َفأَ ِع َّد لِ ْل َف ْق ِر ِت ْج َفا ًفا‪ ،‬فإ َّن ال َف ْق َر أ ْس َر ُع إِ َلى َم ْن ُي ِحبني ِم َن‬ ‫ال َّس ْي ِل إِلَى ُم ْن َت َهاهُ))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫هذا الحديث قال الشيخ ابن عثيمين والشيخ خالد السبت لايصح عن‬ ‫النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف الإسناد‬ ‫وقد ضعف هذا الحديث الشيخ الألباني ثم تراجع الشيخ وصححه في‬ ‫السلسلة الصحيحة (‪)2827‬‬ ‫لما كان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا‪ ،‬كان المحب التابع‬ ‫له م ّتصف بذلك لقوة الرغبة‪ ،‬وصدق المحبة فالمرء مع من أحب‪ ،‬فمن‬ ‫أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا‬ ‫المراد بقوله‪ :‬إن كنت تحبني فأعد للفقر تِجفافاً التجفاف هو‪ :‬ثوب غليظ‬ ‫يوضع على الفرس من أجل أن يقيه في الحرب من وقع الرماح‬ ‫والسيوف والنبل‪ ،‬وما إلى ذلك من أجل ألا يصاب الفرس؛ لأن الفرس‬

‫يكون في نحر العدو‪ ،‬فيضعون عليه شيئاً غليظاً‪ ،‬كالدرع الذي يلبسه‬ ‫الإنسان‬ ‫وهذا التجفاف قد يلبسه الرجل أيضاً‪ ،‬ثوب غليظ بحيث يقيه من‬ ‫الإصابات‪ ،‬ونحو ذلك‬ ‫فالمراد هنا إن كنت تحبني فأعد للفقر ِتجفافاً‪ ،‬فإن الفقر أسرع إلى من‬ ‫يحبني من السيل إلى منتهاه بمعنى‪ :‬أن سهام الفقر ستأتيك‪ ،‬فاستعد‬ ‫لهذا كما يستعد المحارب بوضع شيء على الفرس إذا أراد أن يدخل‬ ‫المعركة لئل يصاب هذا الفرس برمح أو نبل أو سيف أو نحو ذلك‪.‬‬ ‫يقول‪ :‬إن كنت تحبني فاستعد‪ ،‬فإن الفقر سيصوب إليك‬ ‫وعلى كل حال الذين يحبون النبي ﷺ لم يصبهم الفقر جميعاً‪ ،‬عثمان‬ ‫من أغنياء الصحابة‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف من أغنياء الصحابة‪،‬‬ ‫وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعا من أغنياء الصحابة‪ ،‬وغير‬ ‫هؤلاء كثير‬

‫الحديث السادس والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬نا َم رسول الله صلى الله‬ ‫عليه وسلم َعلَى َحصير‪َ ،‬ف َقا َم َو َق ْد أ َّث َر في َج ْن ِب ِه‪ ،‬قُ ْل َنا‪َ :‬يا َر ُسولَ الل ِه‪ ،‬لَ ْو‬ ‫ا َّت َخ ْذ َنا َل َك ِو َطا ًء‪َ .‬ف َقالَ‪َ (( :‬ما لِي َولِلد ْن َيا؟ َما أَ َنا في الد ْن َيا إلا َك َرا ِكب‬ ‫ا ْس َت َظلَّ َت ْح َت َش َج َرة ُث َّم َرا َح َو َت َر َك َها))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪َ ( :‬ح ِديث َح َسن َصحيح)‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان ال َّنبي ص َّلى اللهُ ع َل ْيه وسلَّم أزه َد النا ِس في الدنيا؛ لِعل ِمه ب َحقيقتِها‬ ‫وأ َّنها دا ُر َفناء‪ ،‬ولي َست باقي ًة‪ ،‬وإ َّنما هي َمر َحلة ي َتز َّو ُد فيها المسلِ ُم ِمن‬ ‫الأعما ِل ال َّصالح ِة وال َّطاعا ِت؛ ح َّتى َيعي َش الحيا َة الباقي َة في َج َّن ِة اللهِ ع َّز‬ ‫وجلَّ‬ ‫وفي هذا الحدي ِث يقولُ عب ُد الل ِه ب ُن مسعود َر ِضي اللهُ َع ْنه‪:‬‬ ‫\"نا َم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَ ْيه وسلَّم على َحصير‬ ‫و هذا يدل على تواضعه ﷺ وعلى زهده وتقلله من الدنيا وتقشفه‬ ‫فيها‪ ،‬فالحصير كما هو معلوم ليس من الفرش الوفيرة التي يجد‬ ‫الإنسان فيها راحة إذا جلس عليها أو نام عليها‬ ‫\" فقام\" أي‪ِ :‬من نو ِمه‬

‫\"وقد أ َّثر في َجن ِبه\"‪ ،‬أي‪ :‬كانت أعوا ُد الحصي ِر وخيو ُطه مؤثر ًة في‬ ‫جنبِه‪ ،‬وكان الحصي ُر ُين َس ُج ِمن و َر ِق ال َّنخي ِل‬ ‫\"وقد أثر في جنبه\" لأن عيدان هذا الحصير المصفوفة إلى بعضها تؤثر‬ ‫في جلد الإنسان‪ ،‬والنبي ﷺ كما قال أنس رضي الله عنه ‪\" :‬لا والذي‬ ‫نفسي بيده ما مست يدي من حرير‪ ،‬ولا ديباج ألين من يد رسول الله‬ ‫ﷺ\" ‪ ،‬فإذا كانت هذه هي يده التي يعمل بها‪ ،‬فما شأن سائر جسده‬ ‫ﷺ‪ ،‬قد أثر في جنبه‬ ‫فقُلنا‪\" :‬يا رسولَ الل ِه‪ ،‬لو ا َّت َخ ْذنا لك ِوطا ًء\"‪ ،‬أي‪ :‬فِرا ًشا أن َع َم وأب َس َط ِمن‬ ‫هذا الحصي ِر‬ ‫فقال ص ّلَى اللهُ علَ ْيه وسلَّم‪\" :‬ما لي وللدنيا\"‪ ،‬أي‪ :‬ليس لي أُلفة و َمح َّبة‬ ‫مع الدنيا‬ ‫لاحظ مع أن الع ْرض هو من الأمور اليسيرة‪ ،‬فراش يستريح إذا جلس‬ ‫أو نام عليه لا يجد أثره كما يؤثر فيه هذا الحصير‪.‬‬ ‫فقال ﷺ‪\" :‬ما لي وللدنيا\"‬ ‫\"ما أنا في الدنيا إ َّلا َكرا ِكب\" أي‪ِ :‬مثلَ را ِكب َيسي ُر في طريق ف َت ِعب‪،‬‬ ‫فن َزل‬ ‫و\"اس َتظلَّ تح َت ش َجرة\"‪ ،‬أي‪ :‬ا َّت َخذ ِمن أوراقِها ِظ ًّل ِمن حرار ِة ال َّشم ِس‬ ‫\"ث َّم را َح وت َركها\"‪ ،‬أي‪َ :‬يس َتري ُح َقلي ًل ث َّم ُيك ِملُ سي َره‪ ،‬وهذا ال َّتشبي ُه ِمن‬ ‫ال َّنبي صلَّى اللهُ علَ ْيه وس َّلم ُيصو ُر حيا َة المسلِ ِم في الدنيا كعاب ِر ال َّسبي ِل‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook