\" ما الدنيا في الآخرة\" كل الدنيا من أولها إلى آخرها ،وكل ما فيها من الأملك والثروات التي توصل إليها الناس ،والتي بادت وانصرمت والتي لم يتوصلوا إليها بعد \"إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم\" يعني :في البحر \" فلينظر بم يرجع\" ما الذي يصيب هذا الأصبع من البحر؟ ،بلل فقط، هذا البلل ماذا يساوي بالنسبة للبحر؟ لا شيء ،هل يتأثر البحر؟ هل ينقص؟ أبداً ،لو انغمس الإنسان بكامله في البحر وخرج ،هذا البلل الذي أصابه ماذا يمثل بالنسبة لماء البحر؟ لا شيء ،فكيف بالإصبع؟ فكل ما نراه في هذه الدار وفي هذه الدنيا مما يتنافس فيه المتنافسون ،هي بمنزلة هذا البلل الذي يصيب الأصبع ولهذا قال ﷺ \":لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء\" وفي الحدي ِث َ :تحقي ُر الدنيا وشأْنِها ،و َتوضي ُح ال َمعاني ب َتقريبِها ل ِمثال في الواق ِع
الحديث الرابع والستون بعد الأربعمائة عن جابر رضي الله عنه أ َّن رسول الله صلى الله عليه وسلم َم َّر بالسو ِق َوال َّنا ُس َك َن َف َت ْي ِهَ ،ف َم َّر بِ َج ْدي أَ َس َّك َميتَ ،ف َت َنا َو َل ُه َفأَ َخ َذ بِأُ ُذ ِن ِهُ ،ث َّم َقالَ: ((أَي ُكم ُي ِحب أ ْن َه َذا َل ُه بِد ْر َهم؟)) فقالواَ :ما ُن ِحب أ َّن ُه لَ َنا ِب َش ْيء َو َما َن ْص َن ُع بِ ِه؟ ُث َّم َقالَ(( :أَ ُت ِحبو َن أَ َّن ُه لَ ُك ْم؟))َ ،قالُواَ :واللهِ لَ ْو َكا َن َح ًّيا َكا َن َع ْي ًبا ،أ َّن ُه أ َسك َف َك ْي َف َو ُه َو ميت! فقال(( :ف َواللهِ للد ْن َيا أ ْه َو ُن َعلَى اللهِ ِم ْن َه َذا َعلَ ْي ُك ْم)) رواه مسلم شرح الحديث ُيبي ُن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم لأصحا ِب ِه َرض َي اللهُ عنهم َحقار َة الدنيا و َهوا َنها وفي هذا الحدي ِث َيحكي جابر َرض َي اللهُ َعنه أ َّن النبي ﷺ بالسوق والناس َك َن َف َت ْيه ،يعني :اكتنفوه ﷺ عن جانبيه يمشون معه ﷺ فمر بجدي أ َس َّك ميت ،ثلثة أوصاف :جدي والجدي هو :ولد الماعز الذكر ،وولد الماعز الأنثى يقال له :عناق
فهذا جدي صغير بعضهم يقول :لم يكن له سنة وأ َس ّك يعني :هو الذي له أذن قصيرة ،وبعضهم يقول :لا أذن له ،لكن هنا له أذن؛ لأن النبي ﷺ أخذ بأذنه ،وإلا فالأصل أن الأ َس َّك هو الذي لا أذن له ،الأ َس ّك عيب فيه ،آذانه قصيرة ،فيكون ذلك نقصاً فيه ،وميت، كم قيمة هذا الآن لو أن الجدي عرض على الناس وقيل لهم :هذا جدي صغير أسك؟ ،كانوا يتأذون من رؤيته ،والنظر إليه ،يقولون :خذوه اشتروه ،ما أحد يشتري هذا النبي ﷺ أخذ بأذنه ،ثم قال( :أَيك ْم ُي ِحب أ َّن َهذا لَه ب ِد ْرهم؟) َوهذا الاس ِتفها ُم إِرشاد ِمنه ص َّلى اللهُ عليه وس َّلم و َتنبيهُ ،ي َنب ُههم صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم على إِلقا ِء ال َّسم ِع لِل ِخطا ِب ال َخطي ِر ،و ُشهو ِد ال َقل ِب لِ َما َيع ِني به م َن ال َخط ِب ال َجلي ِل؛ و ُهو َهوا ُن الدنيا فقالوا :ما ُن ِحب أ َّنه لنا بشيء ،أيِ :م َن الأشيا ِء ا َلّتي ِهي أَقل ِم َن الدره ِم َفض ًل َعنه َوما َنص َن ُع به؟! و َق ِد ا ْنقطع ِت الأَطما ُع ب َذل َك عن ا ِلانتِفا ِع بِه فأَعا َد ال َّنبي ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم َقو َله َم َّر ًة ثاني ًة َتأكي ًدا لِل َمقا ِم( :أَ ُتحبون أ َّنه َلكم؟)
قالوا :والله لو كا َن ح ًّيا كان َعي ًبا في ِه! َفقالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلمَ ( :فواللهِ لَلدنيا أَهو ُن على اللهِ) أي :لَجمي ُع أَنوا ِع َل َّذا ِتها أَح َق ُر وأذل َعلى اللهِ ِمن َهذا ال َج ْديِ الأَ َسك ال َمي ِت؛ َف ِهي لَيس ْت ِبشيء ِعن َد اللهِ. وفي الحدي ِث :أن الدنيا عند الله أذل وأحقر من الجدي الصغير الميت عند الناس
الحديث الخامس والستون بعد الأربعمائة عن أَبي ذر رضي الله عنه َقالَُ :ك ْن ُت أَ ْم ِشي َم َع ال َّنبي صلى الله عليه وسلم في َح َّرة بِال َم ِدي َن ِة َفا ْس َت ْق َبلَ َنا أُ ُحد ،فقالَ (( :يا أَ َبا َذر)) قلت :لَ َّب ْي َك َيا رسولَ الله .فقالَ (( :ما َي ُسر ِني أ َّن ِع ْن ِدي ِم ْثلَ أُ ُحد َه َذا َذ َه ًبا َت ْمضي َعلَ َّي َثلَ َث ُة أ ّيام َو ِع ْن ِدي ِم ْن ُه ِدي َنار ،إلا َش ْيء أ ْر ُص ُدهُ لِ َد ْين ،إلا أ ْن أقُولَ بِ ِه في ِع َبا ِد الله هكذا َو َه َك َذا َوه َك َذا)) عن َي ِمي ِن ِه وعن ِش َمالِ ِه َو َع ْن َخ ْلفِ ِه ُث َّم َسا َر ،فقال(( :إ َّن الأَ ْك َثري َن ُه ُم الأَ َقلو َن َي ْو َم القِ َيا َم ِة إلاَّ َم ْن َقالَ بال َما ِل ه َك َذا َوه َك َذا َوه َك َذا)) عن يمي ِن ِه وعن ِش َمالِ ِه ِوم ْن َخ ْلفِ ِه (( َو َقلِيل َما ُه ُم)). ُث َّم َقالَ ليَ (( :م َكا َن َك لا َت ْب َر ْح َح َّتى آتِي َك)) ُث َّم ا ْن َطلَ َق في َسوا ِد ال َّل ْي ِل َح َّتى َت َوا َرىَ ،ف َس ِم ْع ُت َصو ًتاَ ،ق ِد ا ْر َت َفعَ ،ف َت َخ َّو ْف ُت أ ْن َي ُكو َن أ َحد َع َر َض لل َّنبي صلى الله عليه وسلمَ ،فأ َر ْد ُت أ ْن آتِي ِه َف َذ َكر ُت َق ْوله(( :لا َت ْب َر ْح َح َّتى آ ِت َي َك)) فلم أ ْب َر ْح َح َّتى أ َتانيَ ،فقُ ْل ُت :لَ َق ْد َس ِم ْع ُت َصو ًتا َت َخ َّو ْف ُت ِم ْن ُه، َف َذ َك ْر ُت َل ُه ،فقالَ (( :و َهلْ َس ِم ْع َت ُه؟)) قلتَ :ن َع ْمَ ،قالََ (( :ذا َك ِجبريلُ أ َتا ِني. فقالَ :م ْن َما َت ِم ْن أُ َّمتِ َك لا ُي ْش ِر ُك بِالِ ِل َش ْي ًئا َد َخلَ ا ْل َج َّن َة)) ،قلتَ :وإ ْن َز َنى َوإ ْن َس َر َق؟ َقالََ (( :وإ ْن َز َنى َوإ ْن َس َر َق)) ( متفق َعلَ ْي ِه ،وهذا لفظ البخاري) شرح الحديث كنت أمشي مع النبي ﷺ في َح َّرة بالمدينة ،والحرة وهي الأرض ذات الحجارة السوداء ،ومشيه ﷺ في الحرة مع أبي ذر يدل على كمال تواضعه ﷺ
فاستقب َل َنا أُحد ،أي ظهر لهم جبل أُحد قبالة وجوههم. وهو الذي قال فيه النبي ﷺ\" :أُحد جبل يحبنا ونحبه\" فقال (:يا أبا ذر) ،قلت :لبيك يا رسول الله قوله :يا أبا ذر ،هذا من كمال أدبه ﷺ يكني أصحابه ،وهذا هو الأكمل ،فالعرب يكرهون الدعاء باللقب ،أن ُيدعى أحد بلقبه وجواب أبي ذر رضي الله عنه أيضاً في غاية الأدب يقول :قلت :لبيك يا رسول الله ،يعني :إجابة لك فقال\" :ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً\" ،وأحد جبل كبير ،هو أكبر جبل من الجبال القريبة من المدينة \" ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً\" وفي بعض الروايات ذكر ﷺ \"تحوله ذهباً\" ،أي :يتحول جبل أحد ذهباً \" تمضي عل ّي ثلثة أيام وعندي منه دينار ،إلا شيء أرصده لد ْين\" تمضي عليه ثلثة أيام ،باعتبار أن هذه المدة يحتاج إليها في تفريقه، والنظر في أصحاب الحاجات والنظر في الأعوان ،حتى يفرقوا هذا القدر الهائل من المال
\" إلا شيء أرصده لد ْين\" ،وهذا يدل على أن قضاء الدين أولى من الصدقة ،وأن الإنسان قد ُيبقى عنده مالاً من أجل سداد الدين ،ولا يذهب الإنسان يتصدق وعليه حقوق للخلق \" إلا أن أقول به في عباد الله هكذا ،وهكذا وهكذا ،عن يمينه وعن شماله ومن خلفه\" ،فالنبي ﷺ يفرقه من كل ناحية على أصحاب الحاجات في وجوه البر المتنوعة ،وهذا يدل على كثرة العطاء والبذل، حيث لا يبذل من جهة واحدة وإنما يبذل من جهات متعددة. ثم سار فقال\" :إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة\" \"الأكثرين\" يعني :في الدنيا من أصحاب المال والثراء هم الأقلون يوم القيامة ،الأقلون يعني :في المنزلة والدرجة \"إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا ،عن يمينه ،وعن شماله ،ومن خلفه\" ،يعني :كل إنسان عنده أموال في هذه الدنيا وثراء فإن ذلك يكون نقصاً في مرتبته في الآخرة إلا إن اتصف بهذا الوصف المذكور، قال \":إلا من قال :هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن خلفه\" ، أعطى وبذل وقال ﷺ \":وقليل ما هم\" ،وهذا صحيح؛ لأن النفوس مجبولة على الشح ،وقد حبب إليها المال ح ًّبا شديداً كما قال الله تعالى َ { :و ُت ِحبو َن ا ْل َمالَ ُح ًّبا َج ًّما} [الفجر]20 :
ثم قال لي \" :مكانك لا تبرح حتى آتيك\" ،اجلس مكانك وانطلق النبي ﷺ في سواد الليل حتى توارى ،واختفى ،يقول أبو ذر :فسمعت صوتاً قد ارتفع ،فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي ﷺ ،فأردت أن آتيه فذكرت قوله\" :لا تبرح حتى آتيك\" ،فلم أبرح حتى أتاني وهذا يدل على كمال طاعة الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ فقلت :لقد سمعت صوتاً تخوفت منه ،فذكرت له ،فقال\" :وهل سمعته؟\" قلت :نعم قال\" :ذاك جبريل أتاني ،فقال :من مات من أمتك لا يشرك بالِل شيئاً دخل الجنة\" قلت :وإن زنى ،وإن سرق؟ ،...ذكر الزنا والسرقة ،وفي رواية ذكر الخمر أيضاً. من أهل العلم من يقول :ذكر الزنا والسرقة باعتبار أن الزنا معصية تتعلق بحق الله -تبارك وتعالى ،وهي من الكبائر فتشير إلى باقي الذنوب المتعلقة بحق الله ،والسرقة معصية كبيرة تتعلق بحقوق الخلق والعدوان على أموالهم فيدخل فيها نوع المعاصي أو جنس المعاصي التي تتعلق بحقوق المخلوقين. قال\" :وإن زنى وإن سرق\"
وفي بعض الروايات أنه قاله ثلثاً :وإن زنى وإن سرق؟ ،قال\" :وإن زنى وإن سرق ،وإن زنى وإن سرق؟ ،قال :وإن زنى وإن سرق ،وقال: وإن رغم أنف أبي ذر\" وهذا يدل على أن الإنسان لا يخرج من الإسلم بفعل الكبيرة ،كما أنه لا يخلد بالنار بفعل الكبيرة اشتمل هذا الحديث :على فوائد كثيرة ،وقواعد عظيمة. وفيه :البشارة بعدم خلود المسلم في النار وإن عمل الكبائر ،فإن تاب منها في الدنيا لم يدخل النار إلا تحلة القسم ،وإن لم يتب فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة ،وإن شاء عذبه
الحديث السادس والستون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم َقالَ: ((لَ ْو َكا َن لِي ِم ْثلُ أُ ُحد َذ َه ًباَ ،ل َس َّر ِني أ ْن لا َت ُم َّر َعلَ َّي َثلَ ُث لَيال َو ِع ْن ِدي ِم ْن ُه َش ْيء إلا َش ْيء أ ْر ُص ُدهُ لِ َد ْين)) ( متفق َعلَ ْي ِه) شرح الحديث هذا الحديث يشابه الحديث السابق لأبي ذر رضي الله عنه المالُ ِم َن الفِ َت ِن الَّتي ا ْبتلَى اللهُ به ِعبا َده ،وال َّتقللُ منه ِعصمة ِمن ِفتن ِته؛ َولذل َك لم ُي ِح َّبه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ،ول ْم َيأتِه صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم ما ًلا إ َّلا َب َذ َله في أو ُج ِه الخي ِر. فأخ َب َر صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم أ َّنه لا ُي ِحب أ ْن يكو َن في ِم ْل ِكه ِمثلُ َجب ِل أُحد َذ َه ًبا و َي ْبقى عن َده منه ِدينار َفو َق َثلث ِة أ َّيام ،إ َّلا ِدينا ًرا َيج َعلُه لِ َسدا ِد َدين عليه وفي الحدي ِث :الاه ِتما ُم بأَ ْم ِر ال َّدي ِن وأدا ِئه ،وال َّترغي ُب في ال َّص َدق ِة، والحث عليها. وفيه :أ َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم كان في أَ ْعلى َد َرجا ِت الزه ِد في الدنيا ،بحي ُث إ َّنه لا ُي ِحب أ ْن َي ْبقى ب َي ِده َشيء ِمن الدنيا ،إ َّلا لإنفا ِق ِه في َمن َيست ِحقه ،وإ َّما لإرصا ِده ل َمن له َح ٌّق
الحديث السابع والستون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالََ :قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ا ْن ُظ ُروا إِلَى َم ْن ُه َو أ ْس َفلَ ِم ْن ُك ْم َولا َت ْن ُظ ُروا إِلَى َم ْن ُه َو َف ْو َق ُك ْم؛ َف ُه َو أ ْج َد ُر أ ْن لا َت ْز َد ُروا نِ ْع َم َة الله َعلَ ْي ُك ْم)) متفق َعلَ ْي ِه ،وهذا لفظ مسلم وفي رواية البخاري(( :إِ َذا َن َظ َر أَ َح ُد ُك ْم إِ َلى َم ْن فُضلَ َع َل ْي ِه في ال َما ِل َوال َخ ْل ِقَ ،ف ْل َي ْن ُظ ْر إِلَى َم ْن ُه َو أ ْس َفل ِم ْن ُه)) شرح الحديث َيحكي أبو ُه َرير َة رضي الله عنه أ َّن النب َّي ص َّلى الله عليه وس َّلم قال: (إذا ن َظر أح ُدكم إلى َمن فُضل عليه في المال وال َخ ْلق) أي إذا امت َّد ْت عي ُن المسلم عف ًوا وعن غير قصد إلى َمن َيفُوقه ما ًلا أو ِجس ًما أو صورة، وتأ َّثر بذلك نفس ًّيا (فلين ُظر إلى َمن هو أسفلَ منه)؛ يعني فل ُي َوجه بصر َه قص ًدا إلى َمن هو أقل منه ما ًلا ،وأدنى جس ًما وصورة من فقراء ال َّناس و ُضعفائهم ،حتى يش ُعر بالنعمة التي هو فيها ،ويش ُكر الله عليها هذا الحديث :جامع لمعاني الخير وفيه دواء كل داء من الحسد وغيره، وإرشا ُد المسلم إلى أفض ِل الوسائل التي تؤدي به إلى الشعور بالرضا. وفيه :أ َّن في العم ِل بهذا الحديث وقاي ًة للإنسان من كثير من الأمرا ِض القلب َّية؛ كالح َس ِد وال ِحقد ،وغيرهما
الحديث الثامن والستون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ: (( َت ِع َس َع ْب ُد الدي َنا ِرَ ،والد ْر َه ِمَ ،وال َق ِطي َف ِةَ ،وال َخ ِمي َص ِة ،إ ْن أُ ْع ِط َي َر ِض َي، َوإ ْن لَ ْم ُي ْع َط لَ ْم َي ْر َض)) رواه البخاري شرح الحديث أ ْش َقى ال َّنا ِس َم ِن ا َّت َخ َذ إلَ َهه َهواهُ و َشه َو َته ،ف َيكو ُن َع َملُه ُكله لِ َتحصي ِل هذه ال َّشهو ِة و َط َلبِها؛ فهو تا ِرك َما ُخلِ َق ِلأ ْجلِه ،وهو ِعبادةُ اللهِ َتعالى، ُمت َمسك ب َتحصي ِل َش َهواتِه ب َغي ِر ِرضا الل ِه َتعالى ،فهو ُم َضيع ِلآ ِخ َرتِه ب ُدنياه .وأس َع ُد النا ِس َمن عا َش لِلِ َع َّز و َجلَّ ،طالِ ًبا ِرضاه ،وما أ َع َّده ُسبحا َنه لِل َّصالِحي َن ِمن ِعبا ِده وفي هذا ال َحدي ِث َتحذير ِم َن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَ َم لِ ُكل ُمؤ ِمن ِمن أ ْن َيكو َن َعب ًدا لِ َش َهوا ِته ،و َح ٌّث على أ ْن َيعي َش ال ُمؤ ِم ُن َحيا َته لِلِ ،وفي َسبيلِه ُسبحا َنه .ف َيقولُ ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم: « َت ِع َس َعب ُد الدينا ِر ،والدره ِم ،والقطيفة و ال َخميص ِة» َيعنيَ :ع ُث َر و َس َق َط على َو ْج ِهه ،والدينا ُر ِم َن ال َّذ َه ِب ،والدر َه ُم ِم َن الفِ َّض ِة، وال َخميص ُةِ :كساء أس َو ُد ُمر َّبع ،له ُخطوط
قوله ﷺ \":تعس عبد الدينار\" يعني :الذي يتعلق قلبه بالمال سواء كان ديناراً أو ريالاً أو دولاراً أو غير ذلك ،بحيث إنه يكون مسخراً لهذا المال يتفانى في جمعه من غير نظر في طرق تحصيله هل هو من الحلل أو من الحرام ،وإذا وقع في يده فقلبه مشغول بهذا الدينار ،فهو يخاف عليه التحول من يده إلى يد غيره فمثل هذا يكون عبداً للدينار بهذا الاعتبار ،فالعبودية هي عبودية القلب، والحرية هي حرية القلب ،فمن كان قلبه مست َرقاً للدينار والدرهم فإنه في حال كما وصف النبي ﷺ \"،تعس عبد الدينار\" أي :هلك عبد الدينار والدرهم و َس َب ُب الدعا ِء عليه أ َّنه :إ ْن أُعط َي ُمرا َده ِم َن الما ِل واللَّ َّذا ِت َرض َي ع ِن الل ِه َتعالى ،وإ ْن ُمنِ َع كا َن سا ِخ ًطا غا ِض ًبا وفي الحدي ِث :ذم الحرص على الدنيا ،حتى يكون عب ًدا لها ،رضاه وسخطه لأجلها.
الحديث التاسع والستون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالََ :ل َق ْد َرأ ْي ُت َسب ِعي َن ِم ْن أ ْه ِل الص َّف ِةَ ،ما من ُه ْم َر ُجل َعلَ ْي ِه ِر َداء :إ َّما إزارَ ،وإ َّما ِك َساءَ ،ق ْد َر َب ُطوها في أع َناقِ ِه ْم، َف ِم ْن َها َما َي ْبلُ ُغ نِ ْص َف ال َّسا َق ْينَ ،و ِم ْن َها َما َي ْبلُ ُغ ال َك ْع َب ْي ِنَ ،ف َي ْج َم ُع ُه ِب َي ِد ِه َكرا ِه َي َة أ ْن ُت َرى َع ْو َر ُت ُه (رواه البخاري) شرح الحديث كان ِمن ال ُمسلمي َن في أ َّو ِل ال ِهجر ِة َصحابة ِكرام فُقرا ُء ،لا َيملِكون ِمن ُحطا ِم الدنيا شي ًئا؛ فقد َت َركوا أ ْموا َلهم و ِديا َرهم و َفروا إلى اللهِ و َرسولِه في المدين ِة ،وكان النبي صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ُيؤوي ِهم في َمسج ِده، و ُيط ِع ُمهم م َّما َيأ ِتيه ِمن ِرز ِق اللهِ ،وما ُي ْهدى إليه ِمن أغنيا ِء المسلمي َن َرض َي اللهُ عنهم وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر أبو ُهرير َة َر ِض َي الله عنه أ َّنه َرأَى َسبعي َن ِمن أ ْه ِل الص َّف ِة -وهم فُ َقرا ُء المسلمي َن ِمن أصحا ِب َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم الذين لم َت ُك ْن لهم َمنا ِزلُ َي ْس ُكنونها ،وكانوا َيأْ ُوون في ُص َّفة ،وهي ِمظلَّة كانت في آ ِخ ِر َمس ِج ِده ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم
ف ُيخ ِب ُر أ َّنه رآهم وليس منهم ر ُجل عليه ِرداء ،وهو ما َيس ُت ُر أعال َي ال َب َد ِن فق ْط ،لك ْن إ َّما عليه إزار ف َق ْط؛ وهو ما َي ْكسو الن ْص َف الأ ْس َفلَ ،وإ َّما يكو ُن عليه ِكساء و َثوب واحد ،وقد َر َبطوا أ ْك ِس َي َتهم في أعناقِهم؛ ف ِم ْن هذه الأ ْك ِس َي ِة ما َيبلُ ُغ نِ ْص َف ال َّسا َقي ِن؛ لقِ َص ِره وع َد ِم ِكفاي ِته أ ْن َيبلُ َغ أ ْط َولَ ِمن ذلك ،ومنها ما َيبلُ ُغ ال َكعبي ِن أس َفلَ الساقي ِن، وكان الوا ِح ُد منهم ي ُضم َثو َبه بِ َي ِده َكراهي َة أ ْن ُترى َع ْو َر ُته .وجاء في الروايا ِت أ َّنهم كانوا َي ُضمون ثِيا َبهم في حا ِل َكو ِنهم في ال َّصل ِة ،فلم ي ُك ْن لأحد منهم َثوبا ِن ،وكان ُيصلي فيه مع َتحر ِزه ح َّتى لا َتنك ِش َف َعور ُته وفي الحدي ِث َ :بيا ُن َص ْب ِر ال َّصحاب ِة الأوائ ِل على ال َّشدائ ِد والف ْق ِر ُح ًّبا في اللهِ و َرسولِه ،و َتفضي ًل للإسل ِم على الك ْف ِر وفيه :أن الدنيا لو كانت مك َّرمة عند الله ،لخ َّص أصفياءه ِب َها ،فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ،ولا يعطي الدين إلا من يحب.
الحديث السبعون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالََ :قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الد ْن َيا ِس ْج ُن ا ْل ُم ْؤ ِم ِنَ ،و َج َّن ُة ال َكافِ ِر)) رواه مسلم شرح الحديث الدنيا لِل ُمؤم ِن دا ُر َبلء وا ْبتلء َيصبِ ُر فيها َعلى الفِت ِن و َيت َح َّكم في َشهواتِها ُمقي ًدا َنف َسه عن لَ ْه ِوها إِرضا ًء لِلِ َتعالى وفي َهذا الحدي ِث ُيبين ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم \"أ َّن الدنيا ِسج ُن المؤ ِم ِن\" ؛ ف ُكل ُمؤمن َمسجون َممنوع في الدنيا ِم َن ال َّشهوا ِت ال ُم َح َّرم ِة وال َمكرو َه ِة َيس ِج ُن َنف َسه ع ِن ال َملذ و َيأ ُخ ُذها بال َّشدائ ِدُ ،مكلَّف ب ِف ْع ِل ال َّطاعا ِت ال َّشا َّق ِة َيحبِ ُس َنف َسه ِمن ُكل شيء لا ُيبي ُحه له الإِسل ُم ،والإيما ُن َق َّيده في ذل َك ال َح ْب ِس ،فإِذا ما َت ان َقلَ َب إِلى ما أَع َّد اللهُ َتعالى لَه م َن ال َّنعي ِم ال َّدائ ِم وال َّراح ِة الخالص ِة ِم َن النقصا ِن وأ َّما الكاف ُر َفلي َس َعليه قُيو ُد الإيما ِن ،ولَه م َن الدنيا َمع َتكدي ِرها بال ُم َنغصا ِت ،فإذا ما َت صا َر إلى ال َعذا ِب ال َّدائ ِم و َشقا ِء الأَ َب ِد.
معنى ذلك :أن الدنيا سجن المؤمن بالنسبة إلى ما أعد له من النعيم، وجنة الكافر بالنسبة إِلى ما أعد له من العذاب ،وأي ًضا فإن المؤمن ممنوع من الشهوات المحرمة ،والكافر منهمك فيها ،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمُ (( :ح َّف ِت ا ْل َج َّن ُة ِبا ْل َم َكا ِر ِه َو ُح َّف ِت ال َّنا ُر ِبال َّش َه َوا ِت))
الحديث الحادي والسبعون بعد الأربعمائة عن ابن عمر رضي الله عنهماَ ،قالَ :أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِ َم ْن ِك َب َّي ،فقالُ (( :ك ْن في الد ْن َيا َكأ َّن َك َغ ِريب ،أَو َعا ِب ُر َسبيل)) َو َكا َن ابن ُع َم َر رضي الله عنهما ،يقول :إِ َذا أ ْم َسي َت َفل َت ْن َت ِظ ِر ال َّص َبا َح، َوإِ َذا أَ ْص َب ْح َت َفل َت ْن َت ِظ ِر ال َم َسا َءَ ،و ُخ ْذ ِم ْن ِص َّحتِ َك لِ َم َر ِض َكَ ،و ِم ْن َح َيا ِت َك لِ َم ْوتِ َك (رواه البخاري) شرح الحديث قالوا في َش ْر ِح َه َذا الحديث معناه :لا َت ْر َك ْن إِ َلى الد ْن َيا َولا َت َّت ِخ ْذ َها َو َط ًنا، َولا ُت َحد ْث َن ْف َس َك بِ ُطو ِل ال َب َقا ِء فِي َهاَ ،ولا بِالا ْعتِ َنا ِء ِب َهاَ ،ولا َت َت َعلَّ ْق ِم ْن َها إلا ِب َما َي َت َعلَّ ُق ِب ِه ا ْل َغري ُب في َغ ْي ِر َو َطنِ ِهَ ،ولا َت ْش َت ِغلْ ِفي َها ِب َما لا َي ْش َت ِغلُ بِ ِه ال َغ ِري ُب ا َّل ِذي ُيري ُد ال َّذ َها َب إِ َلى أ ْهلِ ِه المؤم ُن َيع َلم أ َّن الآخرة هي دا ُر القرار وليس ِت الدنيا إ َّلا دا ًرا فاني ًة ستنتهي إ ْن عاج ًل أو آج ًل لذلك َيحكي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أ َّن رسول الله صلَّى الله عليه وس ّلَم أ َخذ -أي :أَم َسك -ب َمن ِكبه ،وال َمن ِك ُبَ :مج َمع ال َع ُضد والكت ِف؛ وذلك لتنبي ِهه إلى ال َّتوجه إليه ،والاستما ِع إلى حديثِه ،وقال ص ّلَى الله عليه وس ّلَم له:
( ُك ْن في الدنيا كأ َّنك غريب) َق ِدم بل ًدا لا مسك َن له فيه ُيؤ ِويه ،ولا سا ِكن ُيسليه ،خال عن الأهل والعيال والعلئِق ،التي هي سب ُب الاشتغا ِل عن الخالِق ،ولَ َّما ش َّبه الناس َك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن ،تر َّقى وأض َرب عنه بقوله( :أو عا ِب َر سبيل)؛ لأ َّن الغري َب قد يس ُكن في بلد ال ُغربة و ُيقيم فيها ،ب ِخلف عا ِب ِر ال َّسبيل القا ِصد للبلد الشا ِسع وبينه وبينها أَ ْودية ُم ْر ِد َية ،و َمفاو ُز ُمهلِكة ،وهو ب َمر َصد من قُ َّطاع الطريق، فهل له أن ُيقيم لحظ ًة ،أو يس ُكن َلمحة؟ والمعنى :لا تر َك ْن إلى الدنيا ،وكن فيها ِمثلَ الغري ِب الذي لا َيعلَق قل ُبه إ َّلا بال َّدار الآخرة ،وما هذه الأ َّيام والسنون والأعوام إ َّلا مراحلُ العم ِر التي تنتهي بك إلى المو ِت الذي لا َتدري متى يأتي وكان اب ُن عمر رضي الله عنهما يقول :إذا أَمسي َت فل َتنتظ ِر ال َّصباح؛ أي :لا ُتؤخر عم ًل من ال َّطاعات إلى ال َّصباح؛ فلع َلّك تكون من أهل القبور وإذا أصبح َت فل َتنتظ ِر المساء؛ أي :فل ُتؤخر عمل الخير إلى المساء؛ فقد ُيعاجلك المو ُت .و ُخ ْذ من ص َّحتك لمر ِضك؛ أي :اغت ِنم الأعمالَ ال َّصالحة في الص َّحة قبل أن ي ُحول بينك وبينها المر ُض .ومن حياتك لموتك؛ أي :واغت ِنم في حياتك الدنيا ما ين َفعك بعد موتك وفي الحدي ِث :على العاقل أ َّلا يغت َّر بالدنيا ولا َيجعلَها أكب َر همه ،بل ُيفكر في مصي ِره ورحيلِه عنها إلى دار القرار ،فما هو إ َّلا عا ِب ُر سبيل.
وفيه :أ َّن التفكي َر في َفناء الدنيا وعدم دوامها ُيؤدي بالعب ِد إلى الاستقامة ،والمواظب ِة على صال ِح الأعمال .وفيه :الحث على التشبه بالغري ِب وعاب ِر ال َّسبيل؛ ف ِكلهما لا َيلتف ُت إلى الدنيا
الحديث الثاني والسبعون بعد الأربعمائة عن أَبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه َقالََ :جا َء َر ُجل إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم ،فقالَ :يا رسولَ اللهُ ،دلَّ ِني َعلَى َع َمل إِ َذا َع ِم ْل ُت ُه أ َح َّبنِي اللهُ َوأ َح َّبنِي ال َّنا ُس ،فقال((:ا ْز َه ْد في الد ْن َيا ُي ِح ّبك اللهُ، َوا ْز َه ْد فِي َما ِع ْن َد ال َّنا ِس ُي ِح ّبك ال َّنا ُس)) حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (حسنه الشيخ الألباني) شرح الحديث اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين فإذا عمل بهما أحبه الله وأحبه الناس دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس ،فقال\" :ازهد في الدنيا يحبك الله\" والزهد :هو القناعة بما أعطاك الله ،والتعفف عن أموال الناس ،وكان عمر يقول على المنبر :إ َّن الطمع فقر وإ َّن اليأس غنى من أحبه الله تعالى وضع له القبول في الأرض ،فأقبلت عليه قلوب الخلق ،ومن أبغضه الله -تبارك وتعالى -فإن القلوب تنقبض منه وتمقته وتبغضه ،كما دل على ذلك الحديث المشهور
وإذا كان الإنسان مشتغلً بمرضاة الله تعالى صادقاً مع الله مخلصاً يريد ما عند الله فإن الله يحبه ،فالِل يحب المتقين ،يحب التوابين ،يحب المتطهرين ،فإذا أحب الله العبد فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه -تبارك وتعالى ،فيوضع له القبول في الأرض. هنا قال\" :دلني على عمل إذا عملته أحبني الله ،وأحبني الناس\" وهذا يدل على مشروعية أن الإنسان يسأل ويطلب ما ينفعه ويرفعه عند الله - تبارك وتعالى -يسأل عن الأمور النافعة التي تقربه إلى مولاه. \"ازهد في الدنيا يحبك الله\" الزهد في الدنيا لا شك أنه خلف التكثر والتوسع من هذه الحياة وحطامها ومتاعها ،ولا شك أن الزهد في الدنيا ينافي تعلق القلب بها أما إذا أقبل عليها واشتغل قلبه بها وتعلقت نفسه فيها فإنه يمكن أن يفعل كل قبيح في سبيل تحصيلها وجمعها والمحافظة عليها. وهذا التعلق والاشتغال سيكون على حساب تعلق القلب بالِل وتفريغه لمحبته وطاعته والإقبال عليه ،فإن هذه المحبة للدنيا تزاحم محبة الله تعالى في القلب والإقبال عليه ،والاشتغال بالدنيا بالجوارح سيكون على حساب اشتغاله بالطاعات بالجوارح ،ولابد. \"وازهد فيما عند الناس يحبك الناس\" الدنيا شيء محبب إلى نفوس الناس أموالهم حببت إليهم ،ونفوسهم تتشبث بها وتتبعها ،فإذا جاء من يمتد نظره إلى ما في أيديهم ويطلبه،
أو يتطلع إلى ما عندهم من الحطام ،أن يعطوه ،أن يمنحوه ،فإنهم يستثقلونه ويتبرمون به ويضيقون به ذرعاً فالتعفف عما في أيدي الناس وأن يرفع الإنسان نفسه هذا خير له ،مهما استطاع أن يستغني عما في أيديهم فليفعل ،فالمسألة مهما تكن فهي مذلة
الحديث الثالث والسبعون بعد الأربعمائة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهماَ ،قالََ :ذ َك َر ُع َم ُر ْب ُن ال َخ َّطا ِب رضي الله عنه َما أَ َصا َب ال َّنا ُس ِم َن الد ْن َياَ ،ف َقالَ :لَ َق ْد َرأ ْي ُت رسول الله صلى الله عليه وسلم َي َظل ا ْل َي ْو َم َي ْل َت ِوي َما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل َما َي ْملأ بِ ِه َب ْط َن ُه (رواه مسلم) شرح الحديث ((ال َّد َقلُ)) بفتح ال َّدال المهملة والقاف :ردي ُء التم ِر لَق ْد فُتِح ْت أَبوا ُب الدنيا َعلى ال َّنا ِس في أ َّيا ِم ُعم َر َرضي اللهُ عنه ،فاحتا َج أن ُيذك َرهم ب ُزه ِد ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم و َو َر ِعه وفي هذا الحدي ِث أ َّن ُعم َر ر ِضي اللهُ عنه َذ َكر ما أصا َب النا ُس ِمن الدنيا، ف َح َكى أ َّن َرسولَ اللهِ ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم كا َن َي َظل اليو َم َي ْلتوي ،أي من الجوع ما َي ِج ُد َدق ًل َيملأُ به َبط َنه ،و ُهو َردي ُء ال َّتم ِر ،لايجد من التمر الردئ ما يملأ به بطنه وهو أشرف الأمة فلَ ْم َيمتنِ ْع ِمن ذل َك إ َّلا ل ِلحتِيا ِج ،و َهذا في َبع ِض ال َفترا ِت ِمن َحياتِه
و َهذا لأ َّن ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم أَزه ُد ال َّنا ِس في الدنيا إِذ لو شا َء أ ْن َتصي َر َمعه الجبالُ َذه ًبا لصا َرت ،ولك َّنه لا ُيري ُد َهذاُ ،يري ُد أ ْن َيتقلَّلَ ِمن الدنيا ح َّتى َيخ ُر َج ِمنها لا َعلي ِه ولا لَه ِمنها ؛ َبل كا َن ص َلّى اللهُ عليه وس َّلم ُيعطي َعطا َء َمن لا َيخ َشى ال َفق َر ،و َيعي ُش ِعيش َة الفُقرا ِء وفي الحدي ِث :زهده صلى الله عليه وسلم وصبره ،وحقارة الدنيا
الحديث الرابع والسبعون بعد الأربعمائة عن عائشة رضي الله عنها ،قالتُ :توفي رسول الله صلى الله عليه وسلمَ ،و َما في َب ْيتِي ِم ْن َش ْيء َيأ ُكلُ ُه ُذو َكبِد إلا َش ْط ُر َش ِعير في َرف لي، َفأ َك ْل ُت ِم ْن ُه َح َّتى َطالَ َع َل َّيَ ،ف ِك ْل ُت ُه َف َف ِن َي ( متفق َعلَ ْي ِه) شرح الحديث كان َرسولُ الل ِه ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم َيدعو َر َّبه أ ْن َيج َعلَ ِرز َقه و ِرز َق أ ْهلِه َكفا ًفا ،وهو ما َي ْكفي الإنسا َن و ُيغ ِنيه ع ِن ُسؤا ِل ال َّنا ِس ،وكانت َزوجا ُته وأهلُ َبيتِه ُمح َت ِسبات ِضي َق ال َعي ِشَ ،ير ُجو َن َنعي ًما لا َين َق ِط ُع في دا ِر ال ُخل ِد وال َجزا ِء وفي هذا ال َحدي ِث ُتخبِ ُر أُم ال ُمؤ ِمني َن عائِش ُة َرض َي اللهُ عنها أ َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وس ّلَ َم ِحي َن ما َت لم َي ُك ْن ِعن َدها َطعام َيأ ُكلُه ذو َك ِبد ،أي: كا ِئن َح ٌّي ،إ َّلا َبع َض ال َّشعي ِر ،وكانت َت َض ُعه في َرف في ُحج َر ِتها ،فكانت َتأ ُكلُ منه ح َّتى طالَ ْت ُم َّدةُ أ ْكلِها منه وهو لا َيف َنى قولهاَ (( :ش ْط ُر َشعير)) أ ْيَ :ش ْيء ِم ْن َشعير هذا بيت رسول الله ﷺ بيت أحب زوجاته إليه ،وهي الصديقة بنت الصديق ،وما في بيتها شيء يأكله ذو كبد يعني :حتى الحيوان ،ما في شيء يؤكل إلا شطر شعير في رف ،أي :شعير يسير قليل في رف
قالت :فأكلت منه حتى طال عل ّي ،أكلت منه يعني :على قلته كانت تأكل منه ،إلا أن الله تعالى قد جعل فيه البركة ،فكان يكفيها ،ولا ينفد ،فأكلت منه زمناً طويلً فكلته بالمكيال ففني ،كأنه ذهبت بركته لما كالته فكا َل ْته ،أيَ :و َز َن ْته و َع َرف ْت ِمقدا َره ،ف ِعن َدها َفن َي وان َتهى ،فكا َن ِت ال َب َرك ُة فيه ِمن أ ْج ِل َج ْهلِها ب َك ْيلِه ،وكانت َت ُظن في ُكل َيوم أ َّنه س َي ْفنى؛ لِقِ َّلة كانت َتت َو َّه ُمها فيه؛ فلِذلك طالَ عليها ،ف َل َّما كا َل ْته َعلِم ْت ُم َّد َة َبقا ِئه ،ف َفن َي ِعن َد َتما ِم ذلك الأ َم ِد وق ْد َيكو ُن الأ ْم ُر ُمر َتبِ ًطا ب َب َرك ِة ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم فيما كان ِعن َدها ،ف َل َّما كا َل ْته ُر ِفع ْت تلك ال َب َرك ُة وفي ال َّصحي َحي ِن عن أسما َء بِن ِت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهما ،أ َّن ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم قال لها« :لا ُتو ِعي ف ُيو ِعي اللهُ علي ِك» ،ومعناهُ :لا ُتقدري الأشيا َء؛ فإ َّن اللهَ ُيو ِعي علي ِك ،أي :أ َّنه ُيعا ِملُك بح َس ِب ما ُتقدرين وعليه :فإذا َج َعلَ الإنسا ُن ال َّشي َء َموكو ًلا إلى اللهِ ع َّز وجلَّ ،وأ َكلَ منه ح َّتى َي ْفنى ،يكو ُن هذا أ ْب َر َك له وفي الحدي ِث َ :تغلي ُب ال َّت َوك ِل على اللهِ في َجمي ِع الأُمو ِر. وفيهَ :دليل على أ َّن الإنسا َن إذا كال ال َّشي َء ،وصار ُيل ِح ُظ هلْ َن َق َص؟ هلْ زاد؟ فإ َّن َب َر َك َته ُتن َز ُع وفيه :إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا ،وعدم النظر إليها.
وفيه :استحباب عدم كيل القوت توك ًل على الله ،وثقة به فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله الخفية وهذا لا يعارض قول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره، حيث أمر فيه أو و ّجه بكيل الطعام فقال\" :كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه\" فالمقصود بكيله :يعني عند الشراء ،أو عند البيع من أجل الإيفاء، إيفاء الناس الحقوق وألا َينقص من حقهم شيء ،فعند المعاطاة بالبيع والشراء يكال الطعام ،يبارك لكم فيه وأما هنا فليس ذلك في مقام البيع والشراء ،وإنما في مقام الإحصاء، فالذي يكيل الطعام الذي عنده أو إن كان شيئاً معدوداً يجلس يعد كم بقي من حبة ،فهذا يدل على الحرص ،وإذا ُوجد هذا الحرص فقد يكون ذلك سبباً لنزع البركة ،ولهذا قال النبي ﷺ\" :لا تح ِصي فيحصي الله علي ِك ،ولا توكي فيوكي الله علي ِك\" قال الحافظ :الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين وأما الكيل عند الإنفاق فالباعث عليه الشح؛ فلذا ُك ِره
الحديث الخامس والسبعون بعد الأربعمائة عن عمرو بن الحارث أخي ُج َو ْي ِر ّية بن ِت الحا ِرث أُم ال ُم ْؤ ِم ِني َن ،رضي الله عنهماَ ،قالََ :ما َت َر َك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ِع ْن َد َم ْو ِت ِه ِدينا ًرا، َولا ِد ْر َه ًماَ ،ولا َع ْب ًداَ ،ولا أَ َم ًةَ ،ولا َش ْي ًئا إلا َب ْغ َل َت ُه ا ْل َبي َضا َء ا َّلتي َكا َن َي ْر َك ُب َهاَ ،و ِسلَ َح ُهَ ،وأ ْر ًضا َج َع َل َها لاِ ْب ِن ال َّسبِي ِل َص َد َق ًة (رواه البخاري) شرح الحديث أ ْعطى اللهُ ُسبحا َنه ل َنبيه َمفا ِت َح ال ِغنى والد ْنيا ،وأ َحلَّ له ال َغنائ َم ،إ َّلا أ َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم كان زا ِه ًدا في الد ْنيا ،وق ْد ج َعلَ الد ْنيا في َي َد ْيه ،وليس في َقل ِبه ،وكان لا ي َّد ِخ ُر منها إ َّلا قُو َت أهلِه؛ ِرعاي ًة لهم وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر َعم ُرو ب ُن الحا ِر ِث َرض َي اللهُ عنه أ َّن ال َّنب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ما ت َر َك عن َد َمو ِته ِدر َه ًما ،ولا دينا ًرا؛ بل أن َف َق كلَّ ما عن َده ِمن الما ِل ،ولم ُيب ِق َعب ًدا ،ولا أَ َم ًة؛ فمنهم َمن أ ْع َت َقه ،وم ْنهم َمن مات ق ْبلَ َوفاتِه ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم فل ْم َيت ُر ْك صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِمن الما ِل إ َّلا َبغلَ َته ال َب ْيضا َء الَّتي كان َير َك ُبها ،قيلَ :ال َب ْغل ُة ُدل ُدلُ الَّتي أ ْهداها له ال ُم َق ْو ِق ُس ،وقد كانت ل َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم َب ْغلت أُ َخ ُر ،ولك ْن قالوا :لم َي ْب َق بع َد َوفا ِته ِسوى هذه ال َب ْغل ِة ،وقالواُ :عم َرت بع َده ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم ح َّتى ماتت في ِخلف ِة ُمعاوي َة َرض َي اللهُ عنه
و ِسل َحه الَّذي أ َع َّده لل َحر ِب ،كالسيو ِف ،وأ ْر ًضا ج َع َلها لاب ِن ال َّسبي ِل َص َدق ًة ،وهي ِنص ُف َف َد َك ،و ُثلُ ُث أر ِض وادي القُرى ،و َسه ُمه ِمن ُخ ُم ِس َخ ْيب َر ،و َنصي ُبه ِمن أر ِض َبني ال َّنضي ِر وق ْد ت َر َك ص َلّى اللهُ عليه وس َلّ َم أ ْشيا َء أُ ْخرىِ ،مثلَ أ ْثوابِه ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم ،وأ ْم ِتع ِة البي ِت ،وق ْد س َك َت ال َّراوي عن ِذك ِرها؛ ل َكونِها من الأمور المعروفة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((:نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة))
الحديث السادس والسبعون بعد الأربعمائة عن َخبا ِب بن الأَ َرت رضي الله عنه َقالََ :ها َج ْر َنا َم َع رسول الله صلى الله عليه وسلم َن ْل َت ِم ُس َو ْج َه اللهِ َت َعا َلىَ ،ف َو َق َع أ ْج ُر َنا َع َلى اللهَِ ،ف ِم َّنا َم ْن َما َت َو َل ْم َيأ ُكل م ْن أ ْج ِر ِه َش ْي ًئاِ ،م ْن ُه ْمُ :م ْص َع ُب بن ُع َم ْير -رضي الله عنه ،قُتِلَ َي ْو َم أُ ُحدَ ،و َت َر َك َن ِم َر ًةَ ،ف ُك َّنا إِ َذا َغ َّط ْي َنا بِ َها َرأْ َس ُهَ ،ب َد ْت ِر ْجلَهَُ ،وإِ َذا َغ َّط ْي َنا ِب َها ِر ْج َل ْي ِهَ ،ب َدا َرأ ُس ُهَ ،فأ َم َر َنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،أ ْن ُن َغطي َرأ َس ُهَ ،و َن ْج َعل َع َلى ِر ْجلَ ْي ِه َش ْي ًئا ِم َن الإ ْذ ِخ ِرَ ،و ِم َّنا َم ْن أ ْي َن َع ْت َل ُه َث َم َر ُت ُه، َف ُه َو َي ْه ِد ُب َها ( متفق َع َل ْي ِه) شرح الحديث ((ال َّن ِم َرةُ))ِ :كساء ُملَ َّون ِم ْن صوف ((أ ْي َن َع ْت)) أ ْيَ :ن ِض َج ْت َوأَ ْد َر َك ْت (( َي ْه ِدبها)) ُه َو بفتح اليا ِء وضم الدال وكسرها لغتان :أ ْيَ :ي ْق ُطف َها َو َي ْج َتنِي َها ،وهذه استعارة لما فتح الله َت َعا َلى عليهم من الدنيا وتمكنوا ِفي َها أرا َد أ ْصحا ُب ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم بأ ْعمالِهم ِرضا الل ِه ُسبحا َنه وتعالَى ،ولم َيس َع ْوا إلى َشيء ِمن َمتا ِع الد ْنيا؛ ب ِل ا ْبت َغ ُوا الأ ْج َر ِمن اللهِ تعا َلى ،فت َّم بهم نو ُر اللهِ في العالَمي َن.
وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر َخ َّبا ُب ب ُن الأ َرت َرض َي اللهُ عنه َعن حا ِل أ ْصحا ِب ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم ،وأ َّنهم ها َج ُروا م َع ال َّنبي ص َلّى اللهُ عليه وس َّل َم ِمن م َّك َة إلى ال َمدين ِة؛ ا ْب ِتغا َء َوج ِه اللهِ تعالى لا للدنيا قال :فو َج َب أ ْج ُر ال ُمها ِجري َن على الل ِه ،بما أو َج َبه ُسبحا َنه ب َوع ِده الصد ِق، وقولُه هذا موافِق لقولِه تعالَىَ { :و َم ْن َي ْخ ُر ْج ِم ْن َب ْيتِ ِه ُم َها ِج ًرا إِ َلى ال َّلهِ َو َر ُسولِ ِه ُث َّم ُي ْد ِر ْك ُه ا ْل َم ْو ُت َف َق ْد َو َق َع أَ ْج ُرهُ َعلَى ال َّلهِ} [النساء]100 : وب َّي َن َخ َّباب َرض َي اللهُ عنه أ َّن منهم َمن ما َت ولم َيأ ُخ ْذ ِمن ال َغنائ ِم ،أو َمتا ِع الدنيا ا َلّتي فُتِ َح ْت على ال ُمسلِمي ِن ب ْع َد ذلك شي ًئا؛ بل ق َص َر ن ْف َسه َعن َش َهوا ِتها؛ لِينالَها ُم َو َّفر ًة في الآ ِخر ِة ،فذلك الَّذي َسلِ َم له أ ْج ُر َعملِه كله، و ِمن هؤلاء َمن نالَ ِمن َمتا ِع ال َحيا ِة الدنيا ،وه ُم الَّذين أي َن َع ْت ث َم َر ُتهم فه ْم َي ْجنو َن منها و ِمن الَّذين لم َيأ ُخذوا ِمن أُجو ِره ُم الد ْنيو َّي ِة شي ًئا ُمص َع ُب ب ُن ُعمي ِر ب ِن هاش ِم ب ِن عب ِد َمناف القُ َرشي َرض َي اللهُ عنه ،وق ِد اس ُت ْش ِه َد يو َم أُ ُحد ،ق َتلَه عب ُد الل ِه ب ُن َقميئ َة ،ولم ي ُك ْن َيملِ ُك إ َّلا َن ِمر ًة ،وهي ِرداء فيه ُخطوط ِبيض و ُسود ،وكانت َقصير ًة ،ح َّتى إ َّنهم عن َدما جاؤوا لِ ُيكفنوه بها لم َت ْكفِه، فكانوا إذا غ َّط ْوا بها رأ َسه ظ َه َرت َق َدماه ،وإذا غ َّط ْوا بها ق َد َم ْيه ظ َه َرت رأ ُسه ،فأ َم َره ُم ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وسلَّ َم أ ْن ُيغطوا بها َرأ َسه ،و َي َضعوا على ِر ْجلِه الإ ْذ ِخ َر ،وهو ُعشب َمعروف ب ِطي ِب ال َّرائح ِة
وفي الحدي ِث :ما كان عليه السلف من الصدق في وصف أحوالهم و َبيا ُن َفضيل ِة ُمص َع ِب ب ِن ُع َمير َرض َي اللهُ عنه وفيه :أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار. وفيه :أن الكفن يكون سات ًرا لجميع البدن.
الحديث السابع والسبعون بعد الأربعمائة عن سه ِل بن سعد الساعدي رضي الله عنه َقالََ :قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم(( :لَ ْو َكا َنت الد ْن َيا َت ْع ِدلُ ِع ْن َد الله َج َنا َح َب ُعو َضةَ ،ما َس َقى َكافِ ًرا ِم ْن َها َش ْر َب َة َماء)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن َصحيح) شرح الحديث الدنيا هينة ِعن َد اللهِ ع َّز وجلَّ و َضئيلة ،ولا َتع ِدلُ عند اللهِ تعالى ِمثقالَ ذ َّرة ولا ُتسا ِوي َشي ًئا وفي هذا ال َحدي ِث يقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس َلّم: \"لو كان ِت الدنيا َتع ِدلُ عند الل ِه\" ،أيُ :تساوي أو ت ِز ُن عند اللهِ ع َّز وجلَّ \" َجنا َح َبعوضة\" ،أيَ :جنا َح ُذبابة؛ مث ًل لل ِق َّلة والص َغ ِر وال َحقار ِة وال َّدناء ِة \"ما س َقى كافِ ًرا منها َش ْرب َة ماء\" ،أي :جزا ًء له و ِعقا ًبا على ُكف ِره فالمقصو ُد :أ َّن الدنيا عند اللهِ هينة َدنيئة و َحقيرة ،ولا ُتساوي عند اللهِ أ َّي شيء ،ولا ُتساوي ح َّتى َجنا َح ُذبابة ،ولو كان ْت ُتساوي عند اللهِ أ َّي شيء ما ر َزق الكافِ َر فيها شي ًئا ،ولا ح َّتى سقاه َشرب ًة ِمن ماء؛ لأ َّنه لا َيس َت ِحق َشرب َة الما ِء هذه ،فهو قد ك َفر ب َمن َير ُزقُه و ُيط ِع ُمه و َي ْسقيه
ولأ َّنها لا ُتساوي عند الل ِه أ َّي شيء فق ْد ر َزق ال ِعبا َد كلَّهم؛ مؤ ِم َنهم وكافِ َرهم ،وأطع َمهم وسقاهم ،وأ َّخر ِحسا َبهم يو َم القيام ِة .وقيل :إ َّن الدنيا لِحقار ِتها عند اللهِ لم ُيع ِطها لأوليا ِئه ،وقد و َرد أ َّنه سبحانه \" َي ْحمي عب َده المؤ ِم َن عن الدنيا كما َي ْح ِمي أح ُدكم المري َض عن الما ِء\" وفي الحدي ِث :حقارة الدنيا عند الله تعالى ،ولهذا م َّلكها تعالى في الغالب للكفار والفساق لهوانهم عليه ،و َح َمى منها في الغالب الأنبياء والصالحين لئل ُت َد َّن َس ُهم.
الحديث الثامن والسبعون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالََ :س ِم ْع ُت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،يقول(( :أَلا إ َّن الد ْن َيا َم ْل ُعو َنةَ ،م ْل ُعون َما فِي َها ،إلا ِذ ْك َر الل ِه َت َعا َلى، َو َما َوالاهَُ ،وعالِ ًما َو ُم َت َعل ًما)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن) شرح الحديث الدنيا وما فيها من زينة مبغوضة مذمومة إلى الله تعالى؛ لأنها مبعدة الخلق عما خلقوا له من عبادة الله تعالى والقيام بشرعه ،إلا ذكر الله تعالى وما والاه من العبادات ،وكذا تعليم العلم وتعلمه ،مستثنى مما يبغضه الله؛ لأن هذا هو المقصود من إيجاد الخلق. وفي هذا الحديث يقول فيه النبي ﷺ \" :الدنيا ملعونة\" أي :أنها مبغضة إلى الله -تبارك وتعالى ،أن الله يسخطها ملعون ما فيها \"إلا ذكر الله تعالى وما والاه\" يعني :إلا ما قاربه أو قرب إليه من الطاعة ودل عليه ،ولهذا قال ﷺ\" :وعالماً ومتعلماً \" والمقصود به من يشتغل بالعلوم التي توصله إلى المالك المعبود ،العلم بالِل وأسمائه وصفاته ،والعلم بالطريق الموصل إليه ،والعلم بما يصير إليه الإنسان في آخرته ،هذه الثلث
وهذا الحديث يفهم على وجهه ،وهو أن الإسلم لا يدعو أتباعه إلى تعطيل الحياة الدنيا ،والاشتغال فقط بالعمل للآخرة ،ويبقى المسلمون في حال من الضعف والمذلة لعدوهم ،ليس هذا هو المراد إطلقاً والمقصود هنا -والله تعالى أعلم\" :الدنيا ملعونة ملعون ما فيها\" أي: ما أشغل عن ذكر الله وصرف عنه وفي الحدي ِث :ذم ما أشغل من الدنيا عن ذكر الله وطاعته ،كما قال تعالىَ { :يا أَي َها الَّ ِذي َن آ َم ُنوا لا ُت ْل ِه ُك ْم أَ ْم َوالُ ُك ْم َولا أَ ْولا ُد ُك ْم َعن ِذ ْك ِر ال َّلهِ َو َمن َي ْف َعلْ َذلِ َك َفأُ ْو َلئِ َك ُه ُم ا ْل َخا ِس ُرو َن} [المنافقون]9 : قال تعالىِ { :ر َجال الدنيا فليس بمذموم، على طاعة الله من وأما ما أعان َوإِي َتاء ال َّز َكا ِة} ِذ ْك ِر ال َّل ِه َوإِ َقا ِم ال َّصل ِة ِت َجا َرة َولا َب ْيع َعن لا ُت ْل ِهي ِه ْم [النور]37 :
الحديث التاسع والسبعون بعد الأربعمائة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه َقالََ :قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم(( :لاَ َت َّت ِخ ُذوا ال َّض ْي َع َة َف َت ْر َغ ُبوا في الد ْن َيا)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن). شرح الحديث الضيعة :العقار الذي يحتاج إلى عمل ،والمراد لا تتوغلوا في ذلك فترغبوا عن صلح آخرتكم وتشتغلوا في طلب الدنيا فل تشبعوا منها َح َّث ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المسلِمين على الاهتِما ِم بالآ ِخ َر ِة، و َج ْعلِها في المر َتب ِة الأولى إ ْن زا َح َم ْتها الدنيا على ذلك ،كما في هذا الحدي ِث ،حي ُث يقولُ صلَّى اللهُ ع َليه وس َلّم: \"لا ت َّت ِخذوا ال َّضيع َة\" ،أي :ال ُب ْستا َن والمزرع َة ،و َن ْح َوهما م َّما يكو ُن منه المعا ُش \"ف َت ْر َغبوا في الدنيا\" ،أيَ :تميلوا بها إلى الدنيا ،ف َتش َغ َلكم عن الآ ِخ َر ِة؛ فهو نهي عن الاش ِتغا ِل بال َّضيع ِة و ِرعاي ِة الأمل ِك عن أم ِر الدي ِن ،بحي ُث َي َّت ِج ُه صا ِح ُبها إلى الدنيا بس َببِها ،و َيت ُر َك ال َعملَ للآخر ِة والذي ين َبغي على ال َعب ِد أن ُيوا ِز َن بي َن أمو ِره كلها ،و ُيقد َم ما َيب َقى في الآخر ِة على ما َي ْفنى ِمن أمو ِر الدنيا وفي الحدي ِث :تقدي ُم المصال ِح الأُخ َرو َّي ِة على الدن َيو َّي ِة
الحديث الثمانون بعد الأربعمائة عن عب ِد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهماَ ،قالََ :م َّر َعلَ ْي َنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم َو َن ْح ُن نعالِ ُج ُخ ًّصا َل َناَ ،ف َقالََ (( :ما َه َذا؟)) َفقُ ْل َناَ :ق ْد َو َهىَ ،ف َن َح ُن ُن ْصلِ ُح ُه َف َقالََ (( :ما أ َرى الأَ ْم َر إلا أ ْع َجلَ ِم ْن َذلِ َك)) رواه أَبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم وقال الترمذيَ ( :ح ِديث َح َسن َصحيح) شرح الحديث الدنيا َم َحل اخ ِتبار ،وأعمالُ والآ ِخر ِة ه َي دا ُر ال َقرا ِر ،والعاقلُ َمن ق َّدم ِمن ُدنياهُ لآخرتِه ،و َزر َع في الدنيا؛ ليح ُص َد في الآخر ِة ب َفض ِل اللهِ ع َّز وجلَّ وفي هذا ال َحدي ِث يقولُ عب ُد الل ِه ب ُن عم ِرو ب ِن العا ِص رض َي الله َعنهما: \"م َّر علَ َّي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم ،ونح ُن نعال ُج ُخ ًّصا لنا\" ،أي: ُنصلِحه ،وال ُخص :بيت صغير يعمل من القصب وفروع الشجر والحطب ونحوه. \"وهي\" ،أي :ما ضع َف ِمنه وما فس َد أو انها َر فقالَ النبي صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم\" :ما هذا؟\" أي :ما الذي َتفعلو َن؟
قالَ عب ُد اللهِ :فقُلناُ \" :خ ٌّص لنا َو َهى\" ،أي :س َق َط\" ،فنح ُن نصلِ ُحه\" ،أي: ُنشيده و ُن ِعيد ِبنا َءه فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم\" :ما أَرى الأم َر إ َّلا أع َجلُ من ذل َك\" ،أي :ما أَرى المو َت َوما َبعده ِمن ال َقب ِر وال َحش ِر والقِيام ِة إ َّلا أسر َع ِمن أ ْن ُيشي َد الإنسا ُن لنف ِسه ما يزي ُد عن حاجتِه وهذا ِمن حث النبي صلَّى اللهُ علي ِه وسلَّم أن يكو َن ِحر ُص المؤم ِن باهت ِمامه بالآخر ِة أكب َر وأسر َع ِمن الاهتِمام بالدنيا ،لا النه ُي المطل ُق في عدم ال َّتشيي ِد والبنا ِء ،وربما يكو ُن كل ُم النبي عليه ال َّصلةُ وال َّسل ُم ل َبيا ِن َحقيق ِة الدنيا ،وأ َّنها مهما طال ْت فهي َقصيرة ومنتهية ،و َمصي ُر َمن علَيها معروف إلى المو ِت والقبو ِر؛ فإ ْصل ُح أمر الآ ِخر ِة أهم وأ ْولى من الاشتِغال بأ ْمر الدنيا
الحديث الحادي والثمانون بعد الأربعمائة عن كعب بن عياض رضي الله عنه َقالََ :س ِم ْع ُت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،يقول(( :إ َّن لِ ُكل أُ َّمة ِف ْت َن ًة ،وفِ ْت َن ُة أُ َّم ِتي :ال َمالُ)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن َصحيح) شرح الحديث المالُ فِتنة؛ ف َمن استخد َمه في طاع ِة اللهِ وس َّخره في َمرضاتِه كان المالُ استغ ّلَه في َمعصي ِة اللهِ بلو ِغ الج َّن ِة ،و َمن ساع َد ْته في نِعم ًة فيه و َع ِمل نِقم ًة تسوقُه إلى ال َّنا ِر ُيرضيه كان المالُ بما لا وفي هذا الحدي ِث َيقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس ّلَم: \"إ َّن لكل أ َّمة ِفتن ًة\" ،أي :لا ب َّد لكل أ َّمة ِمن الأ َم ِم ِمن ابتلء واخ ِتبار بشيء ُتفتت ُن به ويمايِ ُز بين صفوفِها والمقصود هنا بال ِفتن ِة ال َّشي ُء الَّذي َي ِضل به الإنسا ُن و َيزي ُغ عن َطري ِق الحق ،فر َّبما كان المالُ فتن ًة إذا أب َعد صا ِح َبه عن طاع ِة الل ِه ،ور َّبما كان افِلتنن ًسةاإ ُءذا ِفتأنعًةا إنذاعألوىق َعال ِتظلا ِلمإنواسلاَب َغنيِفيو َمضرياات ِعِع كان ِت ور َّبما ال ُحقو ِق، الجاهُ والآثا ِم ال َّشهو ِة \"و ِفتن ُة أ َّمتي :المالُ\" ،أي :وضللُ أ َّمتي سيكو ُن في الما ِل؛ وذلك في ال ِحر ِص على َجم ِعه وعد ِم المبالا ِة ِمن حلل أو ِمن حرام ،و َصر ِفه في المعاصي والفوا ِح ِش ،وعد ِم إخرا ِج حق اللهِ فيه
وذلك كما كانت فِتن ُة بني إسرائيلَ في النسا ِء فأض َّلتهم النسا ُء وأوق َع ْتهم في الفوا ِح ِش وال َّرذائ ِل فال َّنبي صلَّى اللهُ ع َليه وس َّلم ُيوض ُح أ َّن فِتن َة أ َّمتِه وابتل َءها واختبا َرها وضللَها َسيكو ُن ِمن ِجه ِة الما ِل ،لا ِمن ِجه ِة النسا ِء أو الجا ِه والسلطا ِن كالأُ َم ِم ال َّسابقة وفِتن ُة الما ِل هي إ ْح َدى الفِت ِن التي َذك َرها النبي صلَّى الله عليه وس َّلم ون َّبه على َخط ِرها وح َّذ َر منها أُ َّم َته ،ولعلَّ َتخصي َص فِتن ِة الما ِل بأ َّنها فِتن ُة هذه الأُ َّم ِة دون غي ِرها ِمن الفِت ِن :أ َّن الما ِل هو الفِتن ُة التي ُتوصلُ إلى الوقو ِع في غي ِرها من الفِتن أو إلى كثير منها كما في ال َّصحيحي ِن أن النبي صلَّى الله عليه وس َّلم قال(( :والل ِه ما أخا ُف عليكم أ ْن ُتش ِركوا َب ْعدي ،ولك ْن أخا ُف عليكم أن َتنا َفسوا فيها ف َتهلِكوا كما ه َلك َمن كان َق ْب َلكم))؛ فأ ْخ َب َر أ َّن التنافُ َس على الما ِل والدنيا سبب في الهل ِك وفي الحديث :ال َّتحذي ُر ِمن ِفتن ِة الما ِل التي َتش َغلُ عن طاع ِة اللهِ و ُتلهي عن المعرو ِف ،ولا ُيع َملُ فيه بما أرا َد اللهُ
الحديث الثاني والثمانون بعد الأربعمائة عن أَبي عمرو ،ويقالُ :أَبو عب ِد الله ،ويقالُ :أَبو ليلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه أ َّن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ: ((لَ ْي َس لاِ ْب ِن آ َد َم َح ٌّق في ِس َوى ه ِذ ِه ال ِخ َصا ِلَ :ب ْيت َي ْس ُك ُن ُهَ ،و َث ْوب ُيوا ِري َع ْو َر َت ُهَ ،و ِج ْل ُف ال ُخبز َوالماء)) رواه الترمذي ،وقال(( :حديث صحيح)) ضعيف ضعفه الشيخ الألباني في (الأحاديث الضعيفة والموضوعة )1063 [تحقيق رياض الصالحين] شرح الحديث ال ِج ْل ُف :ال ُخ ْبز لَ ْي َس َم َع ُه إ َدام ،وقيلُ :ه َو َغلي ُظ ال ُخ ُب ِز ليس لابن آدم ح ٌّق في سوى هذه الخصال يعني :ما عدا ذلك فهو من الأمور الزائدة التي يحاسب عليها ،وليس معنى ذلك أنها تحرم عليه، وإنما تكون من باب الفضل والزيادة يقول :بيت يسكنه ،وثوب يواري عورته ،وليس المقصود أن يكون الثوب من السرة إلى الركبة ليواري العورة ،وإنما عبر بذلك لبيان أن ذلك يكون بقدر حاجته ،فعبر بمثل هذه العبارة
وجلف الخبز والماء يعني :كما فسر بأنه الذي ليس معه إدام ،خبز وماء ،ليس معه شيء آخر ،يعني :أن هذه الأمور هي الأمور الضرورية التي تقوم بها الحياة ،وما عدا ذلك فهو زيادة فالمقصود أن الإنسان يكفيه من هذه الحياة الدنيا القليل ،فعلى أ ّي شيء يذل نفسه ،ويحتاج إلى الآخرين ويفتقر إليهم ،ولربما ضاع دينه وذهب بسبب ما يجمعه وما يحرص عليه من الدنيا الحديث هذا لا يصح ،ضعيف
الحديث الثالث والثمانون بعد الأربعمائة عن عب ِد الله بن الشخي ِر رضي الله عنه ،أنه َقالَ :أ َت ْي ُت ال َّنب َّي صلى الله عليه وسلمَ ،و ُه َو َي ْق َرأُ{ :أَ ْل َها ُك ُم ال َّت َكا ُث ُر} َقالَ: (( َيقُولُ ا ْب ُن آ َد َمَ :مالِي ،ماليَ ،و َهلْ لَ َك َيا ا ْب َن آ َد َم ِم ْن َمالِ َك إلا َما أ َك ْل َت َفأ ْف َن ْي َت ،أَو َل ِب ْس َت َفأَ ْب َل ْي َت ،أَ ْو َت َص َّد ْق َت َفأَ ْم َض ْي َت؟))! رواه مسلم شرح الحديث أي ليس لك من مالك إلا ما انتفعت به في دنياك ،بأكل أو لبس أو ادخرته لآخرتك ،وما سوى ذلك فهو لورثتك. قال بعض السلف :اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله ،واجعل الله ذخيرة لأولادك. فلَ ْيس للإنسا ِن ِم َن الدنيا ِمن الما ِل إ َّلا ما َتص َّدق ِبه راج ًيا َثوا َب اللهِ في الآخ َر ِة. وفي َهذا الحدي ِث َيقولُ َعب ُد اللهِ ب ُن الشخي ِر :أَتي ُت ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه وس َّلم َوهو َيق َرأُ{ :أَ ْل َها ُك ُم ال َّت َكا ُث ُر} [التكاثر ،]1 :أي :أَ ْش َغ َل ُكم َطل ُب َكثر ِة الما ِل َفقالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( :يقولُ اب ُن آ َد َم :مالي مالي) أيَ :يغ َتر ِبنِسب ِة الما ِل إِلى َنف ِسه
( َهل لَك يا ب َن آد َم ِمن َمال َك إ َّلا ما أَ َك ْل َت)ِ ،من ال َمأكولا ِت والمشروبا ِت (فأَ ْف َن ْي َت) أي :فأَ ْع َد ْم َتهاَ ،فو َصلَ َن ْف ُع َذلك إِلى أَجزا ِء ال َبد ِن واستقا َم بِه أم ُرها (أَو لَ ِبس َت) م َن الثيا ِب (فأَ ْب َل ْي َت) ،أي :فأَ ْخلَ ْق َتها و َهل َيح ُصلُ َل َك ِم َن الما ِل َوين َف ُعك إ َّلا ما َتص َّدق َت على ُمحتاج قا ِص ًدا َوج َه الل ِه َتعالى فأَ ْم َض ْي َت ،أي :فأَمض ْي َته وأَب َقي َته ل َن ْفس َك َيو َم ال َجزا ِء؟! وفي الحدي ِث :الحث على إِنفا ِق الما ِل في ُوجو ِه ال ِبر.
الحديث الرابع والثمانون بعد الأربعمائة عن عب ِد الله بن ُم َغ َّفل رضي الله عنه َقالََ :قالَ رجل للنبي صلى الله عليه وسلمَ :يا رسولَ اللهَ ،واللهِ إني لأُ ِحب َكَ ،ف َقالَ له(( :ا ْن ُظ ْر َما َذا َتقُولُ؟)) َقالََ :واللهِ إني لأُ ِحب َكَ ،ثلَ َث َم َّراتَ ،ف َقالَ: ((إ ْن ُك ْن َت ُت ِحب ِني َفأَ ِع َّد لِ ْل َف ْق ِر ِت ْج َفا ًفا ،فإ َّن ال َف ْق َر أ ْس َر ُع إِ َلى َم ْن ُي ِحبني ِم َن ال َّس ْي ِل إِلَى ُم ْن َت َهاهُ)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن) شرح الحديث هذا الحديث قال الشيخ ابن عثيمين والشيخ خالد السبت لايصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضعيف الإسناد وقد ضعف هذا الحديث الشيخ الألباني ثم تراجع الشيخ وصححه في السلسلة الصحيحة ()2827 لما كان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا ،كان المحب التابع له م ّتصف بذلك لقوة الرغبة ،وصدق المحبة فالمرء مع من أحب ،فمن أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا المراد بقوله :إن كنت تحبني فأعد للفقر تِجفافاً التجفاف هو :ثوب غليظ يوضع على الفرس من أجل أن يقيه في الحرب من وقع الرماح والسيوف والنبل ،وما إلى ذلك من أجل ألا يصاب الفرس؛ لأن الفرس
يكون في نحر العدو ،فيضعون عليه شيئاً غليظاً ،كالدرع الذي يلبسه الإنسان وهذا التجفاف قد يلبسه الرجل أيضاً ،ثوب غليظ بحيث يقيه من الإصابات ،ونحو ذلك فالمراد هنا إن كنت تحبني فأعد للفقر ِتجفافاً ،فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه بمعنى :أن سهام الفقر ستأتيك ،فاستعد لهذا كما يستعد المحارب بوضع شيء على الفرس إذا أراد أن يدخل المعركة لئل يصاب هذا الفرس برمح أو نبل أو سيف أو نحو ذلك. يقول :إن كنت تحبني فاستعد ،فإن الفقر سيصوب إليك وعلى كل حال الذين يحبون النبي ﷺ لم يصبهم الفقر جميعاً ،عثمان من أغنياء الصحابة ،وعبد الرحمن بن عوف من أغنياء الصحابة، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعا من أغنياء الصحابة ،وغير هؤلاء كثير
الحديث السادس والثمانون بعد الأربعمائة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه َقالََ :نا َم رسول الله صلى الله عليه وسلم َعلَى َحصيرَ ،ف َقا َم َو َق ْد أ َّث َر في َج ْن ِب ِه ،قُ ْل َناَ :يا َر ُسولَ الل ِه ،لَ ْو ا َّت َخ ْذ َنا َل َك ِو َطا ًءَ .ف َقالََ (( :ما لِي َولِلد ْن َيا؟ َما أَ َنا في الد ْن َيا إلا َك َرا ِكب ا ْس َت َظلَّ َت ْح َت َش َج َرة ُث َّم َرا َح َو َت َر َك َها)) رواه الترمذي ،وقالَ ( :ح ِديث َح َسن َصحيح) شرح الحديث كان ال َّنبي ص َّلى اللهُ ع َل ْيه وسلَّم أزه َد النا ِس في الدنيا؛ لِعل ِمه ب َحقيقتِها وأ َّنها دا ُر َفناء ،ولي َست باقي ًة ،وإ َّنما هي َمر َحلة ي َتز َّو ُد فيها المسلِ ُم ِمن الأعما ِل ال َّصالح ِة وال َّطاعا ِت؛ ح َّتى َيعي َش الحيا َة الباقي َة في َج َّن ِة اللهِ ع َّز وجلَّ وفي هذا الحدي ِث يقولُ عب ُد الل ِه ب ُن مسعود َر ِضي اللهُ َع ْنه: \"نا َم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَ ْيه وسلَّم على َحصير و هذا يدل على تواضعه ﷺ وعلى زهده وتقلله من الدنيا وتقشفه فيها ،فالحصير كما هو معلوم ليس من الفرش الوفيرة التي يجد الإنسان فيها راحة إذا جلس عليها أو نام عليها \" فقام\" أيِ :من نو ِمه
\"وقد أ َّثر في َجن ِبه\" ،أي :كانت أعوا ُد الحصي ِر وخيو ُطه مؤثر ًة في جنبِه ،وكان الحصي ُر ُين َس ُج ِمن و َر ِق ال َّنخي ِل \"وقد أثر في جنبه\" لأن عيدان هذا الحصير المصفوفة إلى بعضها تؤثر في جلد الإنسان ،والنبي ﷺ كما قال أنس رضي الله عنه \" :لا والذي نفسي بيده ما مست يدي من حرير ،ولا ديباج ألين من يد رسول الله ﷺ\" ،فإذا كانت هذه هي يده التي يعمل بها ،فما شأن سائر جسده ﷺ ،قد أثر في جنبه فقُلنا\" :يا رسولَ الل ِه ،لو ا َّت َخ ْذنا لك ِوطا ًء\" ،أي :فِرا ًشا أن َع َم وأب َس َط ِمن هذا الحصي ِر فقال ص ّلَى اللهُ علَ ْيه وسلَّم\" :ما لي وللدنيا\" ،أي :ليس لي أُلفة و َمح َّبة مع الدنيا لاحظ مع أن الع ْرض هو من الأمور اليسيرة ،فراش يستريح إذا جلس أو نام عليه لا يجد أثره كما يؤثر فيه هذا الحصير. فقال ﷺ\" :ما لي وللدنيا\" \"ما أنا في الدنيا إ َّلا َكرا ِكب\" أيِ :مثلَ را ِكب َيسي ُر في طريق ف َت ِعب، فن َزل و\"اس َتظلَّ تح َت ش َجرة\" ،أي :ا َّت َخذ ِمن أوراقِها ِظ ًّل ِمن حرار ِة ال َّشم ِس \"ث َّم را َح وت َركها\" ،أيَ :يس َتري ُح َقلي ًل ث َّم ُيك ِملُ سي َره ،وهذا ال َّتشبي ُه ِمن ال َّنبي صلَّى اللهُ علَ ْيه وس َّلم ُيصو ُر حيا َة المسلِ ِم في الدنيا كعاب ِر ال َّسبي ِل
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232