الَّذي ُيري ُد أن َيبلُ َغ آ ِخر َته بأمان وفي غي ِر َتبا ُطؤ ِمنه؛ لِيت َن َّع َم بما في الدنيا على ما له في الآخر ِة وهذا إرشاد ِمن ال َّنبي صلَّى اللهُ ع َل ْيه وس ّلَم إلى َعد ِم الاش ِتغا ِل بالدنيا و َمل َّذاتِها ،وأ َّنه َينبغي الاشتِغالُ بالآخر ِة؛ لأ َّنها دا ُر القرا ِر ،و َح ٌّث على َت ْر ِك لَ ْه ِو الدنيا و َمتا ِعها ،وأ َّلا َيكو َن الان ِشغالُ إ َّلا بالآ ِخ َر ِة وفي الحدي ِث :بيا ُن ما كان عليه النبي ص َّلى الله عليه وس ّلَم ِمن الزه ِد في الدنيا مع قُدرتِه على التمت ِع بها لو أَرا َد
الحديث السابع والثمانون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالََ :قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ي ْد ُخلُ الفُ َق َرا ُء ا ْل َج َّن َة َق ْبلَ الأَ ْغنِ َيا ِء بِ َخ ْم ِسما َئ ِة َعام)) رواه الترمذي ،وقال(( :حديث صحيح)). شرح الحديث ال َفق ُر من الأُمو ِر التي يه ُر ُب منها الإنسا ُن في الدنيا ،و َرغ َم ذلك فإ َّن َمن َص َب َر على ال َفق ِر واحت َس َب؛ فإ َّن فيه خي ًرا كبي ًرا لل ُمسلِ ِم في الآ ِخر ِة. وفي هذا الحدي ِث يقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم\" :يدخل الفُقراء ال َج َّن َة قبلَ الأغنياء ب َخم ِس ِما َئ ِة عام\" أي :يد ُخلون ال َج َّن َة قبلَ الأغنيا ِء بوقت َطويل؛ ولعلَّ ذلك ل ُيس ِر ِحسا ِب الفقرا ِء؛ لقِ َلّة ما كان ِعن َدهم في الدنيا ،أ َّما الأغنيا ُء ف َيطولُ ِحسا ُبهم على ما كان ِعن َدهم من متا ِع الدنيا وهذا َيعني ال ُبشرى للفُقرا ِء ب ُسرع ِة ُدخو ِل ال َج َّن ِة ،و َح ٌّث للأغنيا ِء على الاس ِت ْعدا ِد لذلك المو ِق ِف ب َتطيي ِب َمكاسبِهم ،وتحدي ُد الوق ِت بأ َّنه ِنص ُف يوم في قولِ ِه ِمن أعوا ِم الدنيا كما عام َخم ُس ِم َئ ِة أي: ِمن أ َّيا ِم يو ِم القيام ِة، ]47 ِم َّما َت ُعدو َن} [الحج: َس َنة َرب َك َكأَ ْل ِف ِع ْن َد تعالىَ { :وإِ َّن َي ْو ًما ولكن لا َيل َز ُم ِمن َسبقِهم في الدخو ِل ارتفا ُع َمنا ِزلِهم ،بل قد يكو ُن ال ُمتأخ ُر أ ْعلى من ِزلَ ًة ،وإ ْن َس َب َقه غي ُره في الدخو ِل ،فالم ِز َّي ُة م ِز َّيتا ِن: َمز َّي ُة َس ْبق ،و َمز َّي ُة ِرف َعة ،قد َتج َت ِمعا ِن وقد َتن َف ِردا ِن
وفي الحدي ِث ُ :مواساةُ رسو ِل اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم للفُقرا ِء وفضل الفقير الصابر على الغني الشاكر ،لأن الأغنياء يحبسون للحساب الحديث الثامن والثمانون بعد الأربعمائة عن ابن عباس و ِع ْم َرا َن بن ال ُح َص ْي ِن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ(( :ا َّطلَ ْع ُت في ال َج َّن ِة َف َرأ ْي ُت أ ْك َث َر أ ْهلِ َها الفُ َق َرا َءَ ،وا َّط َل ْع ُت في ال َّنا ِر َف َرأ ْي ُت أ ْك َث َر أ ْهلِ َها الن َسا َء)) متفق َع َل ْي ِه شرح الحديث في هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر النبي صلَّى الله عليه وس َلّم أ َّنه ا َّطلع في ال َج َّنة ورأى أ َّن أكث َر أهلِها الفُقرا ُء ،وأ َّنه ا َّطلع في ال َّنار ورأى أ َّن أكث َر أهلها النسا ُء فهذا حدي ُث بِ َشا َرة ونِذارة ،فال ِبشا َرةُ لل ُمؤمني َن ِمن الفُقرا ِء الَّذين َصبروا على حالِهم ف ُبشروا بال َف ْو ِز ال َعظي ِم ،والنذارةُ لِلنسا ِء لِ َمن كان ِمنه َّن على حا َّف ِة َخطر لِتس َت ْد ِر َك ِمن أ ْم ِرها ح َّتى َتنالَ ِر َضا اللهَ و ِرضوا َنه فالفُقرا ُء أَكث ُر أَ ْه ِل ال َج َّن ِة ،ولي َس ال َف ْق ُر أَد َخلَ ُه ُم ال َج َّن َة ،إ َّنما أَدخلَه ُم اللهُ ال َج َّن َة بِ َصل ِحهم َمع ال َفق ِر؛ فال َفقي ُر إِذا َل ْم َي ُك ْن صال ًحا فل َفضلَ َله في ال َفق ِر
والنسا ُء أَ ْك َث ُر أه ِل ال َّنا ِر؛ وسب ُب ذلك ما جا َء في َحديث آ َخ َر أ َّنه َل َّما َذك َر ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم أ َّن أَك َث َر أَ ْه ِل ال َّنا ِر ِم َن النسا ِءَ ،قالت إِحدا ُه َّن :ولِ َم يا َرسولَ اللهِ؟ َفأَجا َبها ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم ِب َقولِهَ \" :ي ْكفُ ْر َن\" ،أي :إ َّنما ُك َّن أَكث َر أَه ِل ال َّنا ِر؛ َلأ َّنه َّن َيكفُر َن َفقالَ ْت إِحدا ُه َّن أ َيكفُر َن بالِلِ؟ قالَ \":ي ْكفُر َن ال َعشي َر\" ،أيُ :ي ْن ِكر َن ِنع َم َة ال َّزو ِج وإِ ْح َسا َنه إِلَ ْي ِه َّن \"لو أَ ْح َس ْن َت إلى إِحدا ُه َّن ال َّده َر\" ،أَيِ :ال ُع ْم َر ُك ّلَه، \" ُث َّم َرأ ْت ِمن َك َشي ًئا َواح ًدا ِم َّما َت ْك َرهُ قالَتَ :ما رأي ُت ِمنك َخي ًرا َقط\" ،أي: ما َوج ْد ُت ِمن َك شي ًئا َي ْن َف ُعني أو َي ُسرني طيلَ َة َحياتي ُكلها فيجب على المرأة تقوى الله والحذر مما يقد يقع فيه الكثير من النساء من التساهل بأمر الله ،أو الوقوع في الفاحشة ،أو التهاون بأسباب وقوعها ،كل هذا يفيد الحذر من أسباب دخول النار وفي الحدي ِث :التحريض على ترك التوسع في الدنيا. وفيه :التحريض للنساء على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من النار.
الحديث التاسع والثمانون بعد الأربعمائة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ،عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ(( :قُ ْم ُت َعلَى َبا ِب ال َج َّن ِةَ ،ف َكا َن َعا َّم ُة َم ْن َد َخلَ َها ال َم َسا ِكي ُنَ ،وأ ْص َحا ُب ال َجد َمح ُبو ُسو َنَ ،غ ْي َر أ َّن أ ْص َحا ِب ال َّنا ِر َق ْد أُ ِم َر ِب ِهم إِلَى ال َّنا ِر)) متفق َع َل ْي ِه شرح الحديث ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم أ ْر َح ُم بِنا ِمن آبا ِئنا وأُ َّمها ِتنا؛ فكا َن ُيعل ُم أُ َّم َته و ُيبش ُرها و ُيحذ ُرها ،فما ِمن َخير إ َّلا َدلَّنا عليه ،وما ِمن َشر إ َّلا وح َّذ َرنا ِمنه ،فب َّين لنا الأعمالَ التي ُتد ِخلُنا الج َّن َة ،وح َّذ َرنا ِمن الأعما ِل التي ُتد ِخلُنا ال َّنا َر وفي هذا الحدي ِث َيقولُ ال َّرسولُ صلَّى اللهُ عليه وس َلّم: «قُم ُت على با ِب ال َج َّن ِة» وذلك إ َّما حي َن أُس ِر َي به ،أو كا َن ذل َك َمنا ًما ،أو ي َقظ ًة «فكا َن عا َّم َة» أي :أ ْكث َر « َم ْن َد َخلَها الم َساكي ُن»؛ وذلك لِ ُيس ِر ِحسابِه ْم و ُسهولتِه ،أو لأ َّن الغال َب على الفُقرا ِء أ َّنهم أق َر ُب إلى اللهِ تعالَى ِم َن الأ ْغنيا ِء في ال ِعباد ِة ورأى صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم أ ْصحا َب ال َجد -أي :أصحا َب ال َحظ ِمن الأ ْموا ِل ،أو المنا ِص ِب ،أو غي ِر ذلك من ال ُحظو ِظ الدنيو َّي ِة الفاني ِة-
محبوسي َن لم يؤ َذ ْن لهم ب ْع ُد في ُدخو ِل الج َّن ِة ،فهم ممنوعون ِمن ُدخولِها ح َّتى ُيحا َسبوا على أموالِه ْم و ُحظو ِظهم ِمن الدنيا ،وتوسي ِع جا ِههم، وتمت ِعهم على َوف ِق َش َهوا ِت ال َّنف ِس والهوى فإ َّن حللَ الدنيا له حساب ،ول َحرا ِمها ِعقاب ،وهم إ َّما أن يعفى عنهم ف َيد ُخلوا الج َّن َة ،أو ُي َع َّذبوا ثم يكو ُن َمصي ُرهم إلى الج َّن ِة ،وكأ َّن ذلك الحب َس عند ال َقنطر ِة التي يتقاصون فيها بعد الجوا ِز على الصرا ِط ثم أخبر ص َلّى اللهُ عليه وس ّلَم «أ َّن أ ْصحا َب ال َّنا ِر» الذي َن است َحقوا ُدخولَها بِ ُكفر ِهم أو َمعا ِصيهم« ،ق ْد أُ ِم َر بِهم إلى ال َّنا ِر» فال َّنا ُس في هذا المو ِض ِع َين َق ِسمو َن إلى َثلث ِة أ ْقسام: فأهلُ النا ِر َدخلوا النا َر ،وهم ال ُك َّفا ُر الذي ُيساقون إلى ال َّنا ِر والفُقرا ُء ِمن المؤ ِمني َن َدخلوا ال َج َّن َة ،فهم ال َّسابقون إلى الج َّن ِة ل َف ْق ِرهم والأَ ْغنيا ُء ِمن المؤمني َن َم ْوقوفو َن َم ْحبوسو َن إلى أ ْن َيشا َء اللهُ لل ِحسا ِب، فالفُ َقرا ُء أس َر ُع ِحسا ًبا من الأغنيا ِء وفي الحدي ِث ُ :بشرى لِل َمساكي ِن العا ِبدي َن بِد ُخولِهم الج َّن َة ق ْبلَ َغي ِرهم. وفيهَ :تحذي ُر الأ ْغنيا ِء ح َّتى ُيح ِسنوا في أموالِه ْم؛ لأ َّنه ْم يو َم القِيام ِة َم ْوقوفو َن و َم ْحبوسو َن ح َّتى ُيحا َسبوا على ُحظو ِظهم ِمن الدنيا. وفيه :أ َّن الذين يؤدون ُحقو َق الما ِل ،و َيس َلمو َن ِمن فتنتِه؛
الحديث التسعون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ: ((أ ْص َد ُق َكلِ َمة َقالَ َها َشا ِعر َكلِ َم ُة لَبِيد :ألا ُكل َش ْيء َما َخل الل َه َبا ِطلُ)) متفق َع َل ْي ِه شرح الحديث يشهد لهذا البيت قوله تعالىُ { :كل َش ْيء َهالِك إِلا َو ْج َه ُه} [القصص]88 : كان لبيد من فحول شعراء الجاهلية ،وهو من هوازانَ ،و َف َد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ،وحسن إسلمه ،وكان من المعمرين، عاش فوق مائة سنة ،وكان شري ًفا في الجاهلية والإسلم ،ولم يقل شع ًرا بعد إسلمه ،وكان يقول :أبدلني الله به القرآن وقال بعضهم أنه قال بي ًتا َواح ًدا بعد إسلمه فقط : ما عاتب المر َء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح ويقال :إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للبيد مرة :أسمعنا من شعرك فقال :قد تركت الشعر بعدما أخذت سورة البقرة وآل عمران قال الشافعي :ولولا الشعر بالعلماء ُيزري لكنت اليوم أشع َر من لبيد
وفي هذا ال َحدي ِث ُي ْثني ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم على َبيت قاله ال َّشاع ُر ال ُم َخض َر ُم ال َّصحابي َلبي ُد ب ُن َربيع َة َرض َي اللهُ عنه ،و ُيخبِ ُر أ َّنه أص َد ُق َكلمة قالها شاعر ،وهي قولُه :أ َلا ُكل َشيء ما َخ َل اللهَ باطل أي :كل َشيء ِسوى اللهِ تعالَى زائل فائت ليس له َدوام ولا ي َتعا َر ُض َمد ُح َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِشع َر لَبيد َرض َي ️ اللهُ عنه ،مع ما و َر َد عنه ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم ِم َن ال َّنهيِ ع ِن الشع ِر، كما في ال َّصحي َحي ِن ِمن َحدي ِث أبي ُه َر ْير َة َرض َي اللهُ عنه: « َلأ ْن َي ْم َتل َئ َجو ُف َرجل َق ْي ًحا َي ِري ِهَ ،خير ِمن أ ْن َي ْم َتل َئ ِشع ًرا» فهذا ال َحدي ُث وأ ْمثالُه لا ُيرا ُد به كل الشع ِر ،وإ َّنما ُيرا ُد به الشع ُر ا َّلذي فيه الباطلُ والك ِذ ُب ،أ ِو ال َّسب ،أ ِو ال ُمفا َخرةُ ،كما هو غالِ ُب ِشع ِر الجا ِهليي َن ،وقد كان َح َّسا ُن ب ُن ثابت َرض َي اللهُ عنه ُين ِش ُد ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم الشع َر بال َمس ِج ِد وفي الحدي ِث َ :فضيل ُة ال َّصحابي لَبي ِد ب ِن َربيع َة َرض َي اللهُ عنه
المقدمة باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس الحديث الحادي والتسعون بعد الأربعمائة عن عائشة رضي الله عنها ،قالتَ :ما َشب َع آلُ ُم َح ّمد صلى الله عليه وسلم ِم ْن ُخ ْب ِز َش ِعير َي ْو َم ْي ِن ُم َت َتا ِب َع ْي ِن َح َّتى قُبِ َض متفق َع َل ْي ِه وفي روايةَ :ما َشب َع آلُ م َح ّمد صلى الله عليه وسلم ُم ْن ُذ َق ِد َم ال َم ِدي َن َة ِم ْن َط َعا ِم ال ُبر َثل َث لَ َيال تِ َبا ًعا َح َّتى قُبِ َض شرح الحديث كانت حياةُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس َّلم ِمثا ًلا في الزه ِد و ِش َّد ِة الحا ِل ،مع َتمكي ِن اللهِ له وف ْت ِحه عليه ،ولك َّن الدنيا كان ْت في َي ِده لا في ق ْلبِه ،وآ َث َر ما َي ْبقى على ما َي ْفنى وض َر َبت أ َّمها ُت المؤمني َن زوجا ُت ال َّنبي ص َلّى اللهُ ع َليه وس َّلم أرو َع الأمثل ِة في ال َّصب ِر على البل ِء ،وإيثا ِر ما عن َد الل ِه ُسبحانه وتعالى على ما هو فان ،كما ُيوض ُح هذا الحدي ُث
فقد قالت عائش ُة أُم المؤمنين ر ِض َي اللهُ عنها\" :ما شبِ َع آلُ مح َّمد ِمن ُخ ْب ِز ال َّشعي ِر\" ،أي :ما م َلأَ أزوا ُج ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ُبطو َنهم ح َّتى الش َب ِع ِمن ُخب ِز ال َّشعي ِر \"يومي ِن ُمتتابعي ِن\"؛ وذلك لِق َلّ ِة ذا ِت الي ِد و ِضي ِق الحا ِل ز ْه ًدا وتقل ًل ِمن الدنيا \"ح َّتى قُبِ َض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم\" ،أي :ح َّتى مات ع ْل ًما بأ َّن هذا الخب َز ِمن أ َشد أنوا ِع المخبوزا ِت َطع ًما و َمذا ًقا وم ْل َم ًسا؛ ففيه ُخشونة وصلبة ،ولا َيس َتسي ُغه كثير ِمن ال َّنا ِس ،ومع ذلك فقد كان ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا َي ِج ُده لِ َيش َب َع منه هو وأهلُه وفي الحدي ِث :إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا ،وزهده فيها. وفيه :تحريض لأمته على الزهد فيها ،والإعراض عما زاد على الحاجة منها ،ولا منافاة فيه وبين حديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخر لأهله قوت سنة ،لأنه كان يفعل ذلك في آخر حياته ،فيخرجه في الحوائج تعرض عليه
الحديث الثاني والتسعون بعد الأربعمائة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ،أ ّنها َكا َن ْت تقولَ :واللهَِ ،يا ا ْب َن أُ ْخ ِتي ،إ ْن ُك َّنا ل َن ْن ُظ ُر إِ َلى ال ِهلَ ِلُ ،ث َّم ال ِهل ِلُ ،ث َّم ال ِهل ِلَ :ثلَ َث ُة أه َلّة في َش ْه َر ْي ِنَ ،و َما أُوقِ َد في أَ ْب َيا ِت رسول الله صلى الله عليه وسلم َنار قط. قُ ْل ُتَ :يا َخالَ ُةَ ،ف َما َكا َن ُي ِعي ُش ُك ْم؟ قالت :الأَ ْس َو َدا ِن ال َّت ْم ُر َوال َما ُء ،إلاَّ أ َّن ُه َق ْد َكا َن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ِجي َران ِم َن الأَ ْن َصا ِر ،و َكا َن ْت لَ ُه ْم َم َنا ِئ ُح َو َكا ُنوا ُي ْر ِسلُو َن إِ َلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ِم ْن أ ْل َبانِ َها َف َي ْس ِقي َنا متفق َعلَ ْي ِه شرح الحديث في هذا الحدي ِث َبيا ُن ما كان عليه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم ِم َن الزه ِد في الدنيا ،وال َّصب ِر على ال َّتقل ِل ِمن َمتا ِعها ،وأ ْخ ِذ ال َّضرو ِري ِم َن ال َعي ِش، وإيثا ِر الحيا ِة الآخر ِة على الدنيا حيث َتح ِكي أُم المؤمني َن عائش ُة بن ُت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهما لاب ِن أُختِها ُع ْرو َة ب ِن الزبي ِر -فأُمه أسما ُء بن ُت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهم -أ َّنهم كانوا َينت ِظرو َن الهللَُ ،ث َّم الهللََ ،ثلث َة أ ِه َّلة في َشه َري ِن ،بِاعتبا ِر ُرؤي ِة الهل ِل في أ َّو ِل ال َّشه ِر الأ َّو ِلُ ،ث َّم ُرؤي ِته ثان ًيا في أ َّو ِل ال َّشه ِر ال َّثانيُ ،ث َّم ُرؤيتِه في أ َّو ِل ال َّشه ِر ال َّثال ِث ،فال ُم َّدة ِستون يو ًما ،والمرئي َثلث ُة أهلَّة، وما أُوق َد ْت في أ َبيا ِت رسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم نار والمعنى :أ َّنهم كانوا َي َظلون َشهري ِن ُمتتابِ َع ْي ِن لا ُيط َب ُخ في َبيتِهم َشيء
فقال لها ُع ْروةُ ب ُن الزبي ِر« :يا خال ُة ،ما كان ُي ِعي ُشكم؟» يعنيَ :عل َم ُكنتم َتعيشو َن في ِظل هذه الش َّد ِة وال َّضي ِق؟ فقال ْت َرض َي اللهُ عنها« :الأسودا ِن :ال َّتم ُر والما ُء» ،و ُسم َيا بالأسودي ِن؛ َتغل ًيبا لِلَو ِن ال َّتم ِر ُث َّم قالت :إ َّلا أ َّنه قد كان لِ َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم ِجيران ِم َن الأنصا ِر -قيل :ه ْم َس ْع ُد ب ُن ُعباد َة ،وعب ُد اللهِ ب ُن َعم ِرو ب ِن َحرام ،وأبو أيو َب خال ُد ب ُن َزيد ،و َسع ُد ب ُن ُزرار َة ،وغي ُرهم َرض َي اللهُ عنهم -كان ْت لهم َمنائ ُح ،وهي ال َّشاةُ أو ال َّناق ُة التي فيها َل َبن ،أو ا َّلتي ُتع َطى لِل َغي ِر؛ لِ َيحلُ َبها و َينتفِ َع َبلبنِها ُث َّم َي ُر َّدها على صاحبِها ،وقد َتكو ُن َعط َّي ًة ُمؤ َّب َد ًة ب َعي ِنها و َمناف ِعها ،كالهب ِة وكان هؤلاء الأنصا ُر ُي ْه ُدون َرسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِمن أ ْلبانِهم َف َي ْس ِقينا قال الحافظ :وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا في أول الأمر وفيه :فضل الزهد ،وإيثار الواجد للمعدوم ،والاشتراك فيما في الأيدي. وفيه :جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه، تذكي ًرا بنعمته وليتأس به غيره. وفيه َ :فضلُ الأَنصا ِر َرض َي اللهُ عنهم ،و َفضلُ ال َّتهادي والمتا َحف ِة ولو بال َيسي ِر
الحديث الثالث والتسعون بعد الأربعمائة عن أَبي سعيد المق ُبري عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَ َّن ُه َم َّر بِ َقوم َب ْي َن أَي ِديه ْم َشاة َم ْصلِ َّيةَ ،ف َد َع ْوهُ َفأ َبى أَ ْن يأْ ُكلَ .وقال :خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ِم َن الد ْن َيا َولَ ْم َي ْش َب ْع ِم ْن ُخ ْب ِز ال َّشعي ِر رواه البخاري شرح الحديث (( َم ْصلِ َّية)) بفتح الميم :أ ْي َم ْش ِو َّية كا َن ال َّصحاب ُة ر ِض َي الله عنهم َحريصي َن على الاقتِدا ِء بال َّنبي ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم في َجمي ِع أُمو ِر َحياتِه ،محا ِفظين على ال َعه ِد الذي تر َكهم رسولُ اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم عليه َق ْد َر استِطاع ِتهم و ُوس ِعهم وفي هذا الحدي ِث ُيخب ُر أبو ُه َرير َة ر ِض َي اللهُ عنه أ َّنه م َّر ب َقوم ب ْين أيدي ِه ْم شاة « َم ْصلِ َّية» ،أيَ :م ْش ِو َّية ،ف َد َع ْوهُ ل َيأ ُكلَ مع َهم ،فرفض ذلك ،وذكر لهم أن َرسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ُتوف َي َولم َيش َب ْع ِمن ُخب ِز ال َّشعي ِر، ف َب َّي َن أ َّن سب َب تر ِكه من الأ ْك ِل أ َّنه َتذ َّكر حالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم وما كا َن علي ِه من ِش َّدة ال َع ْي ِش وفي الحدي ِث :إيثا ُر ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للآخر ِة على الدنيا. وفيه :أ َّن العالِ َم عليه أ ْن َي ِع َظ ال َّنا َس بال ُح ْسنى وفيه :أن من شأن ال ُمحب أن يتبع آثار محبوبه ،ويأتم بها
الحديث الرابع والتسعون بعد الأربعمائة عن أنس رضي الله عنه َقالَ :لَ ْم َيأ ُك ِل ال َّنبي صلى الله عليه وسلم َعلَى ِخ َوان َح َّتى َما َتَ ،و َما أ َكلَ ُخ ْب ًزا ُم َر َّق ًقا َح َّتى َما َت رواه البخاري وفي رواية َل ُهَ :ولا َرأى َشا ًة َس ِمي ًطا ب َع ْي ِن ِه َقط شرح الحديث والخبز المرقق :هو الأرغفة الواسعة الرقيقة والسميط :ما أزيل شعره وشوي بجلده فهذه الأحاديث كالتي قبلها في الحث على ال َّتقلل وعدم الانبساط في الدنيا؛ لأ َّنها دار زوال ،ودار ُنقلة ،ودار امتحان ،ودار عمل ،وليست دار متعة ،وليست دار نعيم ،وكان ﷺ يتقلل منها ،وما كان ينبسط فيها في الطعام ،ولا في لذيذ العيش فقد كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم متوا ِض ًعا في حياتِه وفي أُسلو ِب معيشتِه ،مع ما فتح اللهُ عليه من المغان ِم ،ول ِك َّنه آثر ما عند اللهِ على ما في الدنيا ،فلم ي ُك ْن ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم ُي ِحب َت َر َف ال َعي ِش كما َيف َعلُ ال ُملو ُك وفي هذا الحدي ِث َيح ِكي أَ َنس ر ِض َي اللهُ عنه أ َّنه ما َعلِم ال َّنب َّي ص ّلَى اللهُ عليه وس ّلَم أَ َكلَ في َحياتِه كلها على مائدة ِمن تلك الموا ِئ ِد ال ُمر َتفِعة عن
الأر ِض التي َيأ ُكلُ عليها ال ُعظما ُء وال ُمت َرفُون .والأَ ْكلُ عليها لم َي َزلْ ِمن َدأ ِب ال ُمت َرفي َن ؛ لِ َئ َّل َيف َت ِقروا إلى الان ِحنا ِء عن َد الأ ْك ِل ،فكان ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم لا ُيش َّب ُه بهم ،وكان َيأ ُكلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحا ُبه على الس َف ِر التي ُت َمد على الأر ِض؛ َتوا ُض ًعا و ُزه ًدا في الدنيا و َمظاه ِرها، و َتعلي ًما لأُ َّمتِه. ولم ُيخ َب ْز له ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم ذلك ال ُخ ْب ُز ال َّرقِي ُق الفا ِخ ُر ال ُمس َّمى بالر َقا ِق ولا ريب في إباحة الأكل على الخوان أو الطاولة المرتفعة ،أو في إباحة أكل الخبز المرقق ،إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك تواضعاً وزهدا في متاع الحياة الدنيا. قال الحافظ ابن حجر ( تركه عليه الصلة والسلم الأكل على الخوان وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة ) ولهذا لا يسوغ الإنكار على من تعاطى شيئا من ذلك ،ومن زار قوما فوجدهم يأكلون على الطاولة فل حرج عليه بأن يأكل معهم على الطاولة وسيكون مستغرباً لديهم كثيراً لو انفرد عنهم بالجلوس على الأرض ،ولا ُيلزمهم بذلك ،بل يلبي دعوتهم ،ويأكل معهم ،وإن ب ّين لهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ،وذك ّرهم بالزهد فهذا جيد حسن
الحديث الخامس والتسعون بعد الأربعمائة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهماَ ،قالَ :لَ َق ْد َرأ ْي ُت َنب َّي ُك ْم صلى الله عليه وسلم َو َما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل َما َي ْملأُ ِب ِه َب ْط َن ُه رواه مسلم شرح الحديث ((ال َّد َقلُ))َ :ت ْمر َر ِديء. قوله( :لقد رأيت نبيكم) ،فيه :حث المخاطبين على الاقتداء به، والإعراض عن الدنيا مهما أمكن وفي الرواية الكاملة للحديث قال ( :أَلَ ْس ُت ْم في َط َعام َو َش َراب ما ِش ْئ ُت ْم؟ ل َق ْد َرأَ ْي ُت َن ِب َّي ُك ْم َصلَّى ال َّلهُ عليه وسلَّ َم َوما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل ،ما َي ْملأُ به َب ْط َن ُه) وفي زيادة له ( َوما َت ْر َض ْو َن ُدو َن أَ ْل َوا ِن ال َّت ْم ِر َوالز ْب ِد) كا َن ال َّصحاب ُة ُمق َت ِدي َن بال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم و ُمستح ِضري َن أحوالَه، و ُزه َده ،و ُمعلمي َن لِم ْن َبع َده ُم ال َّتأس َي بِه وفي هذا الحدي ِث َيتح َّد ُث النعما ُن ب ُن َبشير رضي اللهُ عنهما ُمخا ِط ًبا و ُمعل ًما َمن َبع َده ب َقولِه( :أَلس ُتم في َطعام َوشراب ما ِشئ ُتم؟)
أي :أَلس ُتم ُم ْنغ ِمسي َن في َطعام و َشراب ِمقدا َر ما ِشئ ُتم ِم َن ال َّتو ِسع ِة والإِفرا ِط في ِه ُث َّم است َدلَّ بال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأ َّنه ما كا َن َي ِج ُد أَحيا ًنا ِم َن ال َّد ْق ِل ما َيملأُ به َبط َنه ،وال َّد ْقلُ هو َردي ُء ال َّتم ِرُ ،ث َّم ُيوج ُه َكل َمه لِم ْن ُيخاط ُب ُهم ب َقولِهَ ( :وما َتر َض ْو َن دو َن أَلوا ِن ال َّتم ِر والزب ِد) وأَن ُتم لا َتر َضو َن بأَ َقلَّ ِمن أصنا ِف ال َّتم ِر والزب ِد ،و َهذا َي ُدل َعلى َتوس ِعهم في ال َعي ِش
الأربعمائة بعد والتسعون السادس الحديث عن سه ِل بن سعد رضي الله عنه َقالََ :ما َرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ال َّنقِ َّي ِم ْن ِحين ا ْب َت َع َث ُه الله َت َعالَى َح َّتى َقب َض ُه الله َت َعالَى .ف ِقيلَ لَ ُهَ :هلْ َكا َن َل ُك ْم في َعه ِد رسول الله صلى الله عليه وسلم َم َنا ِخلُ؟ َقالََ :ما َرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ُم ْن ُخ ًل ِم ْن ِحي َن ا ْب َت َع َث ُه اللهُ َت َعالَى َح َّتى َق َب َض ُه اللهُ َت َعالَى َفقِيلَ َل ُهَ :ك ْي َف ُك ْن ُت ْم َتأ ُكلُو َن ال َّش ِعي َر َغ ْي َر َم ْن ُخول؟ َقالَُ :ك َّنا َنط َح ُن ُه َو َن ْنفُ ُخ ُه ،ف َيطي ُر َما َطا َرَ ،و َما َبقِ َي َث َّر ْي َناهُ رواه البخاري الحديث شرح ((ال َّن ِق ّي)) ُه َو بفتح النون وكسر القاف وتشديد اليا ِءَ :و ُه َو ال ُخ ْب ُز ال ُح َّوا َرى ،وال ُح َّواري الدقيق الأبيض (( َث َّر ْي َناهُ)) أ ْيَ :بل ْل َناهُ َو َع َج َّناهُ كا َن ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم وال َّصحاب ُة ر ِض َي اللهُ عنهم ُيمثلو َن القُد َو َة لِ َمن َبع َد ُهم في الزه ِد ،و َعد ِم ا ِلان ِشغا ِل بِزين ِة الدنياَ ،فل ْم َتك ْن ُمن َتهى آمالِهمَ ،بل َت َركوها َخ ْل َفهم وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر ال َّتابعي أبو حازم َسلم ُة ب ُن ِدينار أ َّنه َسأَل ال َّصحاب َّي َسهلَ ب َن َسعد ر ِض َي اللهُ عنهَ :هل أ َكلَ َرسولُ اللهِ ص َلّى اللهُ
عليه وس ّلَم ال َّن ِق َّي؟ وه َو ال ُخب ُز ال َّنقي ال َمنخولُ دقيقُه َم َّر ًة َبع َد َم َّرة حتى ُنق َي ِمن قُشو ِره وما َخ ُش َن منه َفقالَ َسهل« :ما َرأى َرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ال َّنق َّي ِمن ِحي ِن اب َت َع َثه اللهُ ح َّتى َق َب َضه اللهُ!» ف َسأَلَه أبو حازمَ :هلْ كا َن ْت لَك ْم في َعه ِد َرسو ِل اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم َمنا ِخلُ؟ ج ْم ُع ُمن ُخل ،وه َو ما ُين َخلُ بِه ال َّدقي ُق ،و ُيف َصلُ به ال َّناع ُم منه عن ال َخ ِشن والقُشو ِر فقالَ َسهل :ما َرأى َرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ُمن ُخ ًل ِمن حي َن اب َتع َثه اللهُ ح َّتى َق َب َضه والتقيي ُد بما بعد ال َبعث ِة يح َت ِملُ أن يكو َن احترا ًزا ع َّما َق ْبلَها؛ إذ كان صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم سافر إلى ال َّشا ِم ،وال ُخب ُز ال َّن ِقي والمنا ِخلُ وآلا ُت الت َرف ِه بها كثيرة ،وأ َّما بعد ظهو ِر الن ُب َّو ِة فل َش َّك أ َّن النب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان في م َّك َة وال َّطائِ ِف والمدين ِة وقد اش َت َهر أ َّن سبيلَ العي ِش صار ُمض َّي ًقا عليه في هذه الم ُد ِن ،وعلى أك َث ِر ال َّصحاب ِة اضطرا ًرا ب َس َب ِب المقاطع ِة في م َّك َة ،ث َّم ال ُحرو ِب وال َغ َزوا ِت بعد ال ِهجر ِة إلى المدين ِة مع ُمش ِركي م َّك َة ويهو ِد المدين ِة ،ولَ َّما أحلَّ اللهُ له الغنا ِئ َم اختار صلَّى اللهُ عليه وس َّلم حيا َة الزه ِد وجعل ما أفاء اللهُ عليه في سبي ِل اللهِ ثم سأله أبو حازمَ :كي َف َكن ُتم َتأ ُكلو َن ال َّشعي َر َغي َر َمنخول؟
قالُ :ك َّنا َن ْط َح ُنه ف َيصي ُر َدقي ًقا و َننفُ ُخه ،ف َيطي ُر ما طا َر من القُشو ِر ون ْح ِوهاَ ،وما َبق َي « َث َّريناهُ» ،أيَ :بل ْلناهُ بالما ِء ف َع َج َّناهُ ،ثم َخ َب ْزناهُ فأ َك ْلناهُ ،وقيل :المعنى أ َّنه ج َع ْلناه َم َر ًقا وط َب ْخناه ثم أ َك ْلناه وفي الحدي ِث َ :بيا ُن َمعي َش ِة ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وس َّلم وأَصحا ِبه ،وبيا ُن َت ْر ِكه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ال َّتكل َف في شأ ِن ال َّطعا ِم
الحديث السابع والتسعون بعد الأربعمائة عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ :خر َج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم َذا َت َي ْوم أَ ْو َل ْي َلةَ ،فإ َذا ُه َو بأَبِي َب ْكر َو ُع َم َر رضي الله عنهماَ ،ف َقالَ: (( َما أ ْخ َر َج ُك َما ِم ْن ُب ُيوتِ ُكما ه ِذ ِه ال َّسا َع َة؟)) َقالا :ال ُجو ُع َيا رسول الله َقالََ (( :وأ َناَ ،والَّ ِذي َن ْف ِسي بِ َي ِد ِه ،لأ ْخ َر َج ِني ا ّلَ ِذي أ ْخ َر َج ُكما ،قُوما)) ف َقا َما َم َع ُهَ ،فأ َتى َر ُج ًل ِم َن الأَ ْن َصا ِرَ ،فإ َذا ُه َو َل ْي َس في ب ْيتِ ِهَ ،ف َل َّما َرأَ ْت ُه ال َم ْرأَةُ ،قالتَ :م ْر َح ًبا َوأه ًل .فقال لَ َها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أ ْي َن فُل ُن؟)) قالتَ :ذ َه َب َي ْس َت ْع ِذ ُب ل َنا ال َما َء .إِ ْذ َجا َء الأَ ْن َصا ِريَ ،ف َن َظ َر إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم َو َصا ِح َب ْي ِهُ ،ث َّم َقالَ :ال َح ْم ُد لِلَِ ،ما أَ َحد ا ْل َي ْو َم أ ْك َر َم أ ْض َيا ًفا ِمنيَ ،فا ْن َطلَ َق َف َجاء ُه ْم ِب ِع ْذق ِفي ِه ُب ْسر َو َت ْمر َو ُر َطبَ ،ف َقالَُ :كلُوا، َوأَ َخ َذ ا ْل ُم ْد َي َةَ ،ف َقالَ لَ ُه رسول الله صلى الله عليه وسلم(( :إ ْيا َك َوا ْل َحلُو َب)) َف َذ َب َح لَ ُه ْمَ ،فأ َكلُوا ِم َن ال َّشا ِة َو ِم ْن َذلِ َك ال ِع ْذ ِق َو َش ِر ُبواَ .فلَ َّما أ ْن َشبِ ُعوا َو َر ُووا َقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَبي َب ْكر َو ُع َم َر رضي الله عنهماَ (( :والَّ ِذي َن ْف ِسي ِب َي ِد ِه ،لَ ُت ْسأَلُ َّن َع ْن َه َذا ال َّن ِعي ِم َي ْو َم ال ِق َيا َم ِة ،أَ ْخ َر َج ُك ْم ِم ْن ُب ُيوتِ ُك ُم ا ْل ُجو ُعُ ،ث َّم َل ْم َت ْر ِج ُعوا َح َّتى أ َصا َب ُك ْم َه َذا ال َّنعي ُم)) رواه مسلم
شرح الحديث (( َي ْس َت ْع ِذ ُب)) أ ْيَ :ي ْطلُ ُب ال َما َء ال َع ْذ َبَ ،و ُه َو ال َّطي ُب. َو((ال ِع ْذ ُق)) َو ِه َي ال ُغ ْص ُن. َو((ال ُم ْد َي ُة)) بضم الميم وكسرها :هي السكي ُن. َو((ا ْل َحلُو ُب)) :ذا ُت ال َّل َبن. وفي هذا الحدي ِث َيحكي أبو ُه َر ْي َر َة ر ِضي اللهُ عنه أ َّن رسولَ اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم َخر َج ذا َت يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر و ُعم َر رضي الله تعالى عنهما ،فقال ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم :ما أَخر َجكما ِمن ُبيو ِتكما؟ أي: قالا: العادة، في أَتخك َرْن َجنواقا َلتجالوخُعرو ِج ال َّساع َة؟ فإ َّنها لم هذه َمحلكما ِمن الجو ُع ،أي: قال\" :وأنا والَّذي نفسي بِي ِده\" ،هذا َق َسم ُيق ِس ُم فيه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم بِالِ ِل؛ لأ َّنه هو الَّذي أنفُ ُس العبا ِد بِي ِده جلَّ وعلَ ،يهديها إ ْن شا َء و ُيضلها إ ْن شا َء ،ويمي ُتها إ ْن شا َء و ُيبقيها إن شا َءَ \"،لأ ْخ َر َجني الَّذي أَخ َر َجكما\" ،أي :الجو ُع فقال ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم لهما\" :قُوموا\" َفقا ُموا معه َفأتى ص َّلى اللهُ عليه وس َّلم معهما رج ًل ،أيَ :ب ْي َت رجل ِم َن الأنصارَ ،و َه َذا الأَ ْن َصا ِري الَّ ِذي أَ َت ْوهُ ُه َو ،أَ ُبو ا ْل َه ْي َثم ْب ُن ال َّتي َها ِنَ ،ك َذا َجا َء ُم َب َّي ًنا في رواية الترمذي وغيره
فإذا هو -أي :ال َّرجلُ -ليس في َبي ِتهَ ،فل َّما أبص َر ِت المرأةُ ،أي :زوج ُة ال َّرج ِل ال َّنب َّي ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم قال ْت؟ مرح ًبا ،أي :أَتي َت مكا ًنا واس ًعا، وأه ًل ،أي :وج ْئ َت أه ًل فقال لها ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم \":أي َن فلن؟\" ُيري ُد زو َجها فأجا َب ْتهَ :ذه َب \" َيستع ِذ ُب\" ،أيَ :يطل ُب الع ْذ َب وهو الحل ُو لنا ِم َن الما ِء؛ فإ َّن أكث َر ميا ِه المدين ِة كان مال ًحا وجاء الأنصاري َفنظ َر إلى رسو ِل الل ِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم و َصا ِح َب ْيه، ُث َّم قال :الحم ُد لِ ِل ،ما أحد اليو َم أَكر َم ،أي :أَكر َم على الله أَضيا ًفا ِمني، َفانطل َق ،أي :بهم إلى حديق ِتهَ ،فبس َط لهم بِسا ًطاُ ،ث َّم انطلق إلى نخلة َفجاءهم \"بِع ْذق\" ،وهو ِم َن ال َّنخ ِل بِمنزل ِة ال ُعنقو ِد ِم َن ال ِع َن ِب فيه ُب ْسر وتمر و ُر َطب ،فوض َعه فقالُ :كلوا من هذه ،أي :ال َّتمرا ِت وأنوا ِعها وأَخ َذ المدي ُة وهىِ :سكي ُن الق َّصا ِب أ ِو ال َّشفرةُ ،فقال له صلَّى اللهُ عليه وس َّلم\" :إ َّيا َك وال َحلو َب\" ،أي :ذا َت ال َّلب ِنَ ،نهاهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أ ْن َيع ِم َد إلى شاة ُين َت َف ُع بِدرها ولبنِها؛ لأ َّنها حلوب َفيذ َبحها َفيخس َر َد َّرها وحلي َبها ،و ُيغني عنها شاة أُخرى غي ُر حلوب َفذب َح لهم ،أيَ :عنا ًقا أو َج ْد ًياَ ،فأ َتاهم بها َفأكلوا ِم َن ال َّشا ِة و ِمن ذلك ال ِع ْذ ِق ،و َش ِربواَ ،فل َّما أ ْن َش ِبعوا \"و َر ُووا قال صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم لأبي بكر و ُعم َر ر ِضي اللهُ عنهما \":وا ّلَذي ن ْفسي بِيد ِه َل ُتسألُ َّن َعن هذا ال َّنعي ِم يو َم القيام ِة ،أخ َر َجكم ِمن بيوتِكم الجو ُعُ ،ث َّم لم َتر ِجعوا ح َّتى أصا َبكم هذا ال َّنعي ُم\"
و ُمالحرتاي ِجيَي َنج إ ُبل أى ْنال ُت َّط ْعساأَ ِلُمواُم وضُيقطارلَي َلنكإمل:يهه،ل َف ِنأَلَّد ُتْيمُتمغا ُشي ْكَة َرها يعني :حي ُث كنتم َمطلوبِكم ِم َن الشب ِع أم لا؟ َوالسؤالُ َع ْن َه َذا ال َّن ِعي ِم ُس َؤالُ َت ْع ِديد الن َعم لا ُس َؤالُ َت ْوبيخ و َت ْع ِذيب وفي الحدي ِث :جواز الضيافة للمقيم إذا احتاج إليها وجواز ترحيب المرأة بالضيفان ،وإنزال الناس منازلهم ،واستحباب ترك ذبح الحلوب إذا وجد غيرها ،والنهي عن ذبحها نهي إرشاد لا كراهة فيه. وفيه :أ َّن كلَّ َنعيم يأتي بعد ِش َّدة؛ فإ َّنه َيع ُظ ُم و ْق ُعه و َمب َل ُغه ،وي َتع َّي ُن الزيادةُ في ُشك ِر اللهِ ع َّز وجلَّ عليه. وفيه :أ َّن ِمن ه ْديِه صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ِذ ْك َر الإنسا ِن ما نالَه ِمن ألم أو جوع ونح ِوه ،لا على ال َّتشكي وع َد ِم الر َضا. وفيه :أ َّن ِمن ه ْد ِيه ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم إكرا َم ال َّضي ِف. وفيه :أ َّن ِم ْن ِفع ِل الصحاب ِة إظها َر البِ ْش ِر والف َر ِح بِال َّضي ِف في وج ِهه
الحديث الثامن والتسعون بعد الأربعمائة عن خالد بن ُع َم ْير ال َع َد ِويَ ،قالََ :خ َط َب َنا ُع ْت َب ُة ب ُن َغ ْز َوا َنَ ،و َكا َن أ ِمي ًرا َع َلى ال َب ْص َر ِةَ ،ف َح ِم َد الله َوأ ْث َنى َعلَ ْي ِهُ ،ث َّم َقالَ :أَ َّما َب ْع ُدَ ،فإِ َّن الد ْن َيا َق ْد آ َذ َن ْت بِ ُص ْرمَ ،و َو َّل ْت َح َّذا َءَ ،و َل ْم َي ْب َق ِم ْن َها إلا ُص َبا َبة َك ُص َبا َب ِة الإ َنا ِء َي َت َصاب َها َصا ِح ُب َهاَ ،وإِ َّن ُك ْم ُم ْن َتقِلُو َن ِم ْن َها إِ َلى َدار لا َز َوالَ لَ َهاَ ،فا ْن َتقِلُوا بِ َخي ِر َما ِفي َها َج َه َّن َم َف َي ْه ِوي الَل َه َاح َجَق َْعر ًر ُيا ْلَ ،ق َىوال ِلمهِ ْن َل ُت ْمَشل ِفأَي َِّنر بِ َح ْض َر ِت ُك ْمَ ،فإِ َّن ُه َق ْد ُذ ِك َر َل َنا أ َّن أَ َف َع ِج ْب ُت ْم؟! َس ْب ِعي َن َعا ًما ،لا ُي ْد ِر ُك َولَق ْد ُذ ِك َر لَ َنا أ َّن َما َب ْي َن ِم ْص َرا َع ْي ِن ِم ْن َم َصا ِري ِع ا ْل َج َّن ِة َمسي َرةُ أ ْر َب ِعي َن َعا ًماَ ،ول َيأتِ َي َّن َع َل ْي َها َي ْوم َو ُه َو َك ِظيظ ِم َن الز َحا ِمَ ،ولَ َق ْد َرأ ْي ُت ِني َساب َع َس ْب َعة َم َع رسول الله صلى الله عليه وسلمَ ،ما لَ َنا َط َعام إلا َو َر ُق ال َّش َج ِر، َح َّتى َق ِر َح ْت أ ْش َداقُ َناَ ،فال َت َق ْط ُت ُب ْر َد ًة َف َش َق ْق ُت َها َب ْي ِني َو َب ْي َن َس ْع ِد ْب ِن َمالِك، فا َّت َز ْر ُت ِبنِ ْصفِ َهاَ ،وا َّت َز َر َس ْعد بِنِ ْصفِ َهاَ ،ف َما أ ْص َب َح ال َي ْو َم ِم َّنا أ َحد إلا أَ ْص َب َح أ ِمي ًرا َعلَى ِمصر ِم َن الأَ ْم َصا ِرَ ،وإني أ ُعو ُذ بِالِلِ أ ْن أ ُكو َن ِفي َن ْف ِسي َع ِظي ًماَ ،و ِع ْن َد الل ِه َص ِغي ًرا رواه مسلم شرح الحديث َخ َطب ُع ْت َب ُة ب ُن َغ ْز َوا َن ر ِضي اللهُ عنه« ،ف َح ِمد اللهَ وأ ْث َنى عليه» بما هو أهلُهُ ،ث َّم قال« :أ َّما َبع ُد» أ َتى بها اقتدا ًء به ص ّلَى الله عليه وسلَّم ،فقد
كان يأتي بها في ُخ َط ِبه لِ َيف ِصلَ بها بين مقدمة ال ُخطبة وموضو ِعها؛ لأ َّنها ف ْصلُ ال ِخطاب «فإ َّن الدنيا قد آ َذ َن ْت» ،أي :أع َل َم ْت «بِ ُص ْرم» ،أي :ان ِقطاع« ،و َو َلّ ْت َح َّذا َء» ،أيُ :مس ِرعة الانقطاع« ،ولم َي ْب َق منها إ َّلا ُصبا َبة» ،وهي البق َّية ال َي ِسيرة من ال َّشراب َتب َقى في أسف ِل الإناء «ك ُصباب ِة الإناء َيتصابها صاحبها \" أي يجمعها صاحبها \" وإ َّنكم ُمنتقِلون عنها»؛ إذ هي دا ُر ارتِحال وانتِقال «إلى دار لا َز َوالَ لها» ولا ار ِتحالَ عنها« ،فانتقِلوا» ،أيِ :من الدنيا «بخي ِر ما بِ َح ْض َر ِت ُكم» ،أي :ب َك ْس ِب صالِ ِح الأعما ِل وادخار ال َحسنا ِت عند الله ع َّز وجلَّ \"«فإ َّنه قد ُذكر لنا» ،أي :عن النبي صلَّى الله عليه وس َّلم «أ َّن ال َح َجر ُيل َقى ِمن َش َف ِة َجه َّن َم» ،أيِ :من َط َر ِفها «ف َيه ِوي» ،أي َين ِزل و َيسقُط «فيها سبعين عا ًما» ،أي في َق ْد ِر سبعي َن عا ًما «لا ُيد ِر ُك لها َق ْع ًرا» أي: لا َي ِصل إلى َق ْع ِرها وهو أس َفلُ ال َّشي ِء «ووالل ِه َل ُت ْم َلأَ َّن» ،أيَ :ج َه َّن ُم «أ َفع ِج ْبتم؟!» ،أيِ :من هذا الأم ِر الدال على ِع َظم قُدرة الله سبحانه وكمال جللِه وق َّوة انتِقا ِمه َم َس َنص ًةا ِ،ريوِع َل َياأْلتِ َيج ََّّنن ِة»عل،يأهاي»،:مأايبيَ :ن «ولقد ُذكر لنا أ َّن ما بي َن ِم ْصرا َع ْي ِن من َط َر َف ْي باب من أبوا ِبها «مسير َة أربعين
الج َّن ِة «يوم» هو وق ُت ُدخولِها «وهو» ،أي :ال ِم ْصراع « َك ِظيظ» ،أي: ُم ْم َتلِئ « ِم َن الزحام\" \"ولقد رأي ُتني ساب َع سبعة» ،أيَ :ب ِق َّية سبعة «مع رسو ِل الله ص ّلَى الله عليه وس َّلم ،ما لنا طعام إ َّلا َو َرق ال َّش َجر ،ح َّتى تق َّر َح ْت» ،أي :تج َّرحت «أشداقُنا» جم ُع ِش ْدق ،وهو جانب ال َف ِم «فا ْل َت َق ْط ُت ُب ْر َد ًة» ،أيَ :ع َث ْر ُت على ِكساء من غير َق ْصد وطلب «ف َش َق ْق ُتها بيني وبي َن َس ْع ِد ب ِن َمالِك» هو اب ُن أبي َو َّقاص ،أح ُد ال َع َشرة المب َّش ِرين بالج َّن ِة «فا َّت َز ْر ُت بنِصفها وا َّت َز َر َس ْعد بنِصفها ،فما أص َبح» ،أي :صار «اليو َم ِم َّنا أحد إلا أص َبح أمي ًرا على ِم ْصر من الأمصا ِر» ،فأص َبح ُع ْت َب ُة أمي ًرا على ال َب ْص َر ِة ،و َس ْعد أمي ًرا على ال ُكو َف ِة \"«وإني أَ ُعو ُذ بالِل» ،أي :اعت ِصم بالِل «أن أكو َن في ن ْفسي عظي ًما» بأن ُيو ِه َمني ذلك الشيطا ُن وال َّن ْف ُس« ،وعن َد الل ِه َص ِغي ًرا» لا ُيق َبل عل َّي بالفض ِل والإحسا ِن ،ولا ُين َصب ل َع َملي وزن إذا ُن ِصب الميزا ُن «وإ َّنها لم تكن ُنب َّوة َقط إ َّلا َتنا َس َخ ْت ،ح َّتى يكو َن آخ ُر عا ِقبتها ُمل ًكا، ف َستخ ُبرون وتجربون الأُ َمرا َء بع َدنا»
الحدي ِث :فضلُ الله ع َّز وجلَّ ورحم ُته بعبا ِده الموحدين .وفي وفيه :إخبا ُره ص ّلَى الله عليه وس َّلم عن ال َغ ْيبِ َّيا ِت. وفيه :فوائد كثيرة ،من الترغيب والترهيب ،والوعظ والتذكير ،وعمق النار ،وسعة الجنة وغير ذلك
الحديث التاسع والتسعون بعد الأربعمائة عن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه َقالَ :أ ْخ َر َج ْت لَ َنا َعا ِئ َش ُة رضي الله عنها ِك َسا ًء َوإزا ًرا َغلِي ًظا ،قالَ ْت :قُبِ َض رسول الله صلى الله عليه وسلم في َه َذ ْي ِن متفق َعلَ ْي ِه شرح الحديث كان ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم زاه ًدا في أُمو ِر الدنياُ ،مقبِ ًل على أُمو ِر الآخر ِةَ ،ر ْغ َم ما آتاهُ اللهُ ُسبحانه ِمن الغنائ ِم والأموا ِل ،ولك َّنه صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم َض َر َب لنا ال َم َثلَ الأ ْعلى في ال َّتقل ِل ِمن َع َر ِض الدنيا وفي هذا الحدي ِث َي ْروي أبي ُموسى الأشعري أ َّن عائش َة أ َّم المؤمني َن َرض َي اللهُ عنها أ ْخ َر َجت إليه ْم ِكسا ًء ،وهو ال َّثو ُب ال ُمر َّق ُع ،أو ال ِكسا ُء الغلي ُظ الَّذي ُي َر َّك ُب َبع ُضه على َبعض وقيل :هو الذي أص َب َح َو َس ُطه َسمي ًكا ،وال َّظاه ُر أ َّنه لا ُيط َل ُق إ َّلا على ما كان ِمن الصو ِف وأخ َب َر ْتهم أي ًضا أ َّن ال َّنب َّي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم كان َيل َب ُس هذا ال َّثو َب و ْق َت أ ْن فا َض ْت ُرو ُحه إلى خالِقِها ،وكان َيل َب ُس مع هذا ال ِكسا ِء إزا ًرا َغلي ًظا م َّما كان ُيص َن ُع بال َي َم ِن؛ ل َيس ُت َر به َعور َته ونِص َفه الأس َفلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم
ولُ ْب ُسه ص َّلى اللهُ عليه وس َلّ َم للكساء َيحت ِملُ أ ْن يكو َن لل َّتوا ُض ِع و َت ْر ِك ال َّتنع ِم ،و َيحت ِملُ أ ْن يكو َن عن َغي ِر ق ْصد منه؛ لأ َّنه كان َيل َب ُس ما َو َج َد الحدي ِث :إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا ،واكتفاؤه بما وفي تيسر من اللباس. وفيه :تهييج للمتبعين سبيله على ذلك.
الحديث الخمسمائة عن سعد بن أَبي وقاص رضي الله عنه َقالَ :إني لأَ َّولُ رجل من ا ْل َع َر ِب َر َمى ِب َس ْهم في َس ِبي ِل اللهَ ،ولَ َق ْد ُك َّنا َن ْغ ُزو َم َع رسول الله صلى الله عليه وسلم َما لَ َنا َط َعام إلا َو َر ُق ا ْل ُح ْب َل ِةَ ،وه َذا ال َّس ُم ُرَ ،ح َّتى إ ْن َكا َن أ َح ُد َنا َل َي َض ُع َك َما َت َض ُع ال َّشاةُ َما لَ ُه َخ ْلط متفق َع َل ْي ِه شرح الحديث ((ال ُح ْبلَة)) َو ِه َي َوال َّس ُم ُرَ ،ن ْو َعا ِن َم ْع ُرو َفا ِن ِم ْن َش َج ِر ا ْل َبا ِد َي ِة. وهذه الغزوة تسمى غزوة الخبط. لم ي ُك ِن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم و َصحاب ُته ال ِكرا ُم ِر ْضوا ُن اللهِ عليهم في بِداي ِة ال َّد ْعو ِة َيعيشو َن ر َغ َد ال َعي ِش ،و َهناء َة ال ُمقا ِم؛ بلْ كانوا ُيقاسو َن ُظرو َف ال َحيا ِة ،ولم َيم َن ْعهم ذلك ِمن َبذ ِل َمزيد ِمن ال َعطا ِء وال َّت ْضحي ِة ِمن أ ْج ِل هذا الدي ِن وكان ال َّصحاب ُة ال ِكرا ُم َي َتسا َبقو َن في الدفا ِع عن ِدي ِن اللهِ ،وعن َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم؛ فهذا َسع ُد ب ُن أبي و َّقاص َرض َي اللهُ عنه ُيخبِ ُر بما كان منه ،فيقولُ:
«إني َلأ َّولُ ال َع َر ِب َرمى ب َسهم في َسبي ِل اللهِ» ،وكان ذلك في أ َّو ِل َسر َّية ب َع َثها ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم في ال َّسن ِة الأُولى ِمن ال ِه ْجر ِة ،وهي َسر َّي ُة ُع َب ْيد َة ب ِن الحا ِر ِث ب ِن ال ُم َّطل ِب ،فكان َسعد َرض َي اللهُ عنه أ َّولَ َمن َرمى و َي ْحكي َرض َي اللهُ عنه ما كان ِمن حالِهم في ال َغ ْز ِو م َع َرسو ِل اللهِ ِمن قلَّ ِة ال ُم ْؤن ِة وال َّزا ِد ،ح َّتى إ َّنهم لَيأْ ُكلو َن و َر َق ال َّش َج ِر َرض َي اللهُ عنهم وأ ْرضا ُهم ،ف ُيخ ِر ُج أ َح ُدهم عن َد َقضا ِء الحاج ِة كما ُتخ ِر ُج ال َّشاةُ أ ِو ال َبعي ُر - وهو الج َملُ -فال َبرا ُز يابس «ما له ِخ ْلط» ،أي :لا َيخ َتلِ ُط َبع ُضه ب َبعض ِمن ش َّد ِة َجفا ِفه و َت َفتتِه وفي الحدي ِث َ :من َقبة ل َسع ِد ب ِن أبي و َّقاص َرض َي اللهُ عنه ب َبلئِه وسا ِب َق ِته في الإ ْسل ِم. وفيه :أ َّن َش َظ َف ال َعي ِش وقلَّ َة ال ُم ْؤن ِة لا ُيبر ُر لل ُمسلِ ِم ال َّتقا ُع َس ،وع َد َم الدفا ِع عن ِدي ِن اللهِ ُسبحانه ،وال َّدعو ِة إليه؛ فكيف ب َمن و َّس َع اللهُ عليه؟! وفيه :ال َّصب ُر في ال َّد ْعو ِة إلى اللهِ ع َّز وجلَّ
Search
Read the Text Version
- 1
- 2
- 3
- 4
- 5
- 6
- 7
- 8
- 9
- 10
- 11
- 12
- 13
- 14
- 15
- 16
- 17
- 18
- 19
- 20
- 21
- 22
- 23
- 24
- 25
- 26
- 27
- 28
- 29
- 30
- 31
- 32
- 33
- 34
- 35
- 36
- 37
- 38
- 39
- 40
- 41
- 42
- 43
- 44
- 45
- 46
- 47
- 48
- 49
- 50
- 51
- 52
- 53
- 54
- 55
- 56
- 57
- 58
- 59
- 60
- 61
- 62
- 63
- 64
- 65
- 66
- 67
- 68
- 69
- 70
- 71
- 72
- 73
- 74
- 75
- 76
- 77
- 78
- 79
- 80
- 81
- 82
- 83
- 84
- 85
- 86
- 87
- 88
- 89
- 90
- 91
- 92
- 93
- 94
- 95
- 96
- 97
- 98
- 99
- 100
- 101
- 102
- 103
- 104
- 105
- 106
- 107
- 108
- 109
- 110
- 111
- 112
- 113
- 114
- 115
- 116
- 117
- 118
- 119
- 120
- 121
- 122
- 123
- 124
- 125
- 126
- 127
- 128
- 129
- 130
- 131
- 132
- 133
- 134
- 135
- 136
- 137
- 138
- 139
- 140
- 141
- 142
- 143
- 144
- 145
- 146
- 147
- 148
- 149
- 150
- 151
- 152
- 153
- 154
- 155
- 156
- 157
- 158
- 159
- 160
- 161
- 162
- 163
- 164
- 165
- 166
- 167
- 168
- 169
- 170
- 171
- 172
- 173
- 174
- 175
- 176
- 177
- 178
- 179
- 180
- 181
- 182
- 183
- 184
- 185
- 186
- 187
- 188
- 189
- 190
- 191
- 192
- 193
- 194
- 195
- 196
- 197
- 198
- 199
- 200
- 201
- 202
- 203
- 204
- 205
- 206
- 207
- 208
- 209
- 210
- 211
- 212
- 213
- 214
- 215
- 216
- 217
- 218
- 219
- 220
- 221
- 222
- 223
- 224
- 225
- 226
- 227
- 228
- 229
- 230
- 231
- 232