Important Announcement
PubHTML5 Scheduled Server Maintenance on (GMT) Sunday, June 26th, 2:00 am - 8:00 am.
PubHTML5 site will be inoperative during the times indicated!

Home Explore رياض الصالحين المائة الخامسة ...

رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Published by مكتبة(ورتل) الإلكترونيه, 2021-08-27 10:25:43

Description: رياض الصالحين المائة الخامسة ...

Search

Read the Text Version

‫الَّذي ُيري ُد أن َيبلُ َغ آ ِخر َته بأمان وفي غي ِر َتبا ُطؤ ِمنه؛ لِيت َن َّع َم بما في‬ ‫الدنيا على ما له في الآخر ِة‬ ‫وهذا إرشاد ِمن ال َّنبي صلَّى اللهُ ع َل ْيه وس ّلَم إلى َعد ِم الاش ِتغا ِل بالدنيا‬ ‫و َمل َّذاتِها‪ ،‬وأ َّنه َينبغي الاشتِغالُ بالآخر ِة؛ لأ َّنها دا ُر القرا ِر‪ ،‬و َح ٌّث على‬ ‫َت ْر ِك لَ ْه ِو الدنيا و َمتا ِعها‪ ،‬وأ َّلا َيكو َن الان ِشغالُ إ َّلا بالآ ِخ َر ِة‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬بيا ُن ما كان عليه النبي ص َّلى الله عليه وس ّلَم ِمن الزه ِد‬ ‫في الدنيا مع قُدرتِه على التمت ِع بها لو أَرا َد‬

‫الحديث السابع والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫((ي ْد ُخلُ الفُ َق َرا ُء ا ْل َج َّن َة َق ْبلَ الأَ ْغنِ َيا ِء بِ َخ ْم ِسما َئ ِة َعام))‬ ‫رواه الترمذي‪ ،‬وقال‪(( :‬حديث صحيح))‪.‬‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ال َفق ُر من الأُمو ِر التي يه ُر ُب منها الإنسا ُن في الدنيا‪ ،‬و َرغ َم ذلك فإ َّن َمن‬ ‫َص َب َر على ال َفق ِر واحت َس َب؛ فإ َّن فيه خي ًرا كبي ًرا لل ُمسلِ ِم في الآ ِخر ِة‪.‬‬ ‫وفي هذا الحدي ِث يقولُ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم‪\" :‬يدخل الفُقراء ال َج َّن َة‬ ‫قبلَ الأغنياء ب َخم ِس ِما َئ ِة عام\"‬ ‫أي‪ :‬يد ُخلون ال َج َّن َة قبلَ الأغنيا ِء بوقت َطويل؛ ولعلَّ ذلك ل ُيس ِر ِحسا ِب‬ ‫الفقرا ِء؛ لقِ َلّة ما كان ِعن َدهم في الدنيا‪ ،‬أ َّما الأغنيا ُء ف َيطولُ ِحسا ُبهم على‬ ‫ما كان ِعن َدهم من متا ِع الدنيا‬ ‫وهذا َيعني ال ُبشرى للفُقرا ِء ب ُسرع ِة ُدخو ِل ال َج َّن ِة‪ ،‬و َح ٌّث للأغنيا ِء على‬ ‫الاس ِت ْعدا ِد لذلك المو ِق ِف ب َتطيي ِب َمكاسبِهم‪ ،‬وتحدي ُد الوق ِت بأ َّنه ِنص ُف يوم‬ ‫في قولِ ِه‬ ‫ِمن أعوا ِم الدنيا كما‬ ‫عام‬ ‫َخم ُس ِم َئ ِة‬ ‫أي‪:‬‬ ‫ِمن أ َّيا ِم يو ِم القيام ِة‪،‬‬ ‫‪]47‬‬ ‫ِم َّما َت ُعدو َن} [الحج‪:‬‬ ‫َس َنة‬ ‫َرب َك َكأَ ْل ِف‬ ‫ِع ْن َد‬ ‫تعالى‪َ { :‬وإِ َّن َي ْو ًما‬ ‫ولكن لا َيل َز ُم ِمن َسبقِهم في الدخو ِل ارتفا ُع َمنا ِزلِهم‪ ،‬بل قد يكو ُن‬ ‫ال ُمتأخ ُر أ ْعلى من ِزلَ ًة‪ ،‬وإ ْن َس َب َقه غي ُره في الدخو ِل‪ ،‬فالم ِز َّي ُة م ِز َّيتا ِن‪:‬‬ ‫َمز َّي ُة َس ْبق‪ ،‬و َمز َّي ُة ِرف َعة‪ ،‬قد َتج َت ِمعا ِن وقد َتن َف ِردا ِن‬

‫وفي الحدي ِث ‪ُ :‬مواساةُ رسو ِل اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم للفُقرا ِء وفضل‬ ‫الفقير الصابر على الغني الشاكر‪ ،‬لأن الأغنياء يحبسون للحساب‬ ‫الحديث الثامن والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن ابن عباس و ِع ْم َرا َن بن ال ُح َص ْي ِن رضي الله عنه عن النبي صلى الله‬ ‫عليه وسلم َقالَ‪(( :‬ا َّطلَ ْع ُت في ال َج َّن ِة َف َرأ ْي ُت أ ْك َث َر أ ْهلِ َها الفُ َق َرا َء‪َ ،‬وا َّط َل ْع ُت‬ ‫في ال َّنا ِر َف َرأ ْي ُت أ ْك َث َر أ ْهلِ َها الن َسا َء))‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫في هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر النبي صلَّى الله عليه وس َلّم أ َّنه ا َّطلع في ال َج َّنة‬ ‫ورأى أ َّن أكث َر أهلِها الفُقرا ُء‪ ،‬وأ َّنه ا َّطلع في ال َّنار ورأى أ َّن أكث َر أهلها‬ ‫النسا ُء‬ ‫فهذا حدي ُث بِ َشا َرة ونِذارة‪ ،‬فال ِبشا َرةُ لل ُمؤمني َن ِمن الفُقرا ِء الَّذين َصبروا‬ ‫على حالِهم ف ُبشروا بال َف ْو ِز ال َعظي ِم‪ ،‬والنذارةُ لِلنسا ِء لِ َمن كان ِمنه َّن على‬ ‫حا َّف ِة َخطر لِتس َت ْد ِر َك ِمن أ ْم ِرها ح َّتى َتنالَ ِر َضا اللهَ و ِرضوا َنه‬ ‫فالفُقرا ُء أَكث ُر أَ ْه ِل ال َج َّن ِة‪ ،‬ولي َس ال َف ْق ُر أَد َخلَ ُه ُم ال َج َّن َة‪ ،‬إ َّنما أَدخلَه ُم اللهُ‬ ‫ال َج َّن َة بِ َصل ِحهم َمع ال َفق ِر؛ فال َفقي ُر إِذا َل ْم َي ُك ْن صال ًحا فل َفضلَ َله في‬ ‫ال َفق ِر‬

‫والنسا ُء أَ ْك َث ُر أه ِل ال َّنا ِر؛ وسب ُب ذلك ما جا َء في َحديث آ َخ َر أ َّنه َل َّما َذك َر‬ ‫ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم أ َّن أَك َث َر أَ ْه ِل ال َّنا ِر ِم َن النسا ِء‪َ ،‬قالت إِحدا ُه َّن‪ :‬ولِ َم يا‬ ‫َرسولَ اللهِ؟ َفأَجا َبها ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم ِب َقولِه‪َ \" :‬ي ْكفُ ْر َن\"‪ ،‬أي‪ :‬إ َّنما ُك َّن‬ ‫أَكث َر أَه ِل ال َّنا ِر؛ َلأ َّنه َّن َيكفُر َن‬ ‫َفقالَ ْت إِحدا ُه َّن أ َيكفُر َن بالِلِ؟ قال‪َ \":‬ي ْكفُر َن ال َعشي َر\"‪ ،‬أي‪ُ :‬ي ْن ِكر َن ِنع َم َة‬ ‫ال َّزو ِج وإِ ْح َسا َنه إِلَ ْي ِه َّن \"لو أَ ْح َس ْن َت إلى إِحدا ُه َّن ال َّده َر\"‪ ،‬أَيِ‪ :‬ال ُع ْم َر ُك ّلَه‪،‬‬ ‫\" ُث َّم َرأ ْت ِمن َك َشي ًئا َواح ًدا ِم َّما َت ْك َرهُ قالَت‪َ :‬ما رأي ُت ِمنك َخي ًرا َقط\"‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ما َوج ْد ُت ِمن َك شي ًئا َي ْن َف ُعني أو َي ُسرني طيلَ َة َحياتي ُكلها‬ ‫فيجب على المرأة تقوى الله والحذر مما يقد يقع فيه الكثير من النساء‬ ‫من التساهل بأمر الله‪ ،‬أو الوقوع في الفاحشة‪ ،‬أو التهاون بأسباب‬ ‫وقوعها‪ ،‬كل هذا يفيد الحذر من أسباب دخول النار‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬التحريض على ترك التوسع في الدنيا‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬التحريض للنساء على المحافظة على أمر الدين ليسلمن من‬ ‫النار‪.‬‬

‫الحديث التاسع والثمانون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما‪ ،‬عن النبي صلى الله عليه وسلم‬ ‫َقالَ‪(( :‬قُ ْم ُت َعلَى َبا ِب ال َج َّن ِة‪َ ،‬ف َكا َن َعا َّم ُة َم ْن َد َخلَ َها ال َم َسا ِكي ُن‪َ ،‬وأ ْص َحا ُب‬ ‫ال َجد َمح ُبو ُسو َن‪َ ،‬غ ْي َر أ َّن أ ْص َحا ِب ال َّنا ِر َق ْد أُ ِم َر ِب ِهم إِلَى ال َّنا ِر))‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم أ ْر َح ُم بِنا ِمن آبا ِئنا وأُ َّمها ِتنا؛ فكا َن ُيعل ُم أُ َّم َته‬ ‫و ُيبش ُرها و ُيحذ ُرها‪ ،‬فما ِمن َخير إ َّلا َدلَّنا عليه‪ ،‬وما ِمن َشر إ َّلا وح َّذ َرنا‬ ‫ِمنه‪ ،‬فب َّين لنا الأعمالَ التي ُتد ِخلُنا الج َّن َة‪ ،‬وح َّذ َرنا ِمن الأعما ِل التي‬ ‫ُتد ِخلُنا ال َّنا َر‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيقولُ ال َّرسولُ صلَّى اللهُ عليه وس َلّم‪:‬‬ ‫«قُم ُت على با ِب ال َج َّن ِة» وذلك إ َّما حي َن أُس ِر َي به‪ ،‬أو كا َن ذل َك َمنا ًما‪ ،‬أو‬ ‫ي َقظ ًة‬ ‫«فكا َن عا َّم َة» أي‪ :‬أ ْكث َر « َم ْن َد َخلَها الم َساكي ُن»؛ وذلك لِ ُيس ِر ِحسابِه ْم‬ ‫و ُسهولتِه‪ ،‬أو لأ َّن الغال َب على الفُقرا ِء أ َّنهم أق َر ُب إلى اللهِ تعالَى ِم َن‬ ‫الأ ْغنيا ِء في ال ِعباد ِة‬ ‫ورأى صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم أ ْصحا َب ال َجد ‪-‬أي‪ :‬أصحا َب ال َحظ ِمن‬ ‫الأ ْموا ِل‪ ،‬أو المنا ِص ِب‪ ،‬أو غي ِر ذلك من ال ُحظو ِظ الدنيو َّي ِة الفاني ِة‪-‬‬

‫محبوسي َن لم يؤ َذ ْن لهم ب ْع ُد في ُدخو ِل الج َّن ِة‪ ،‬فهم ممنوعون ِمن ُدخولِها‬ ‫ح َّتى ُيحا َسبوا على أموالِه ْم و ُحظو ِظهم ِمن الدنيا‪ ،‬وتوسي ِع جا ِههم‪،‬‬ ‫وتمت ِعهم على َوف ِق َش َهوا ِت ال َّنف ِس والهوى‬ ‫فإ َّن حللَ الدنيا له حساب‪ ،‬ول َحرا ِمها ِعقاب‪ ،‬وهم إ َّما أن يعفى عنهم‬ ‫ف َيد ُخلوا الج َّن َة‪ ،‬أو ُي َع َّذبوا ثم يكو ُن َمصي ُرهم إلى الج َّن ِة‪ ،‬وكأ َّن ذلك‬ ‫الحب َس عند ال َقنطر ِة التي يتقاصون فيها بعد الجوا ِز على الصرا ِط‬ ‫ثم أخبر ص َلّى اللهُ عليه وس ّلَم «أ َّن أ ْصحا َب ال َّنا ِر» الذي َن است َحقوا‬ ‫ُدخولَها بِ ُكفر ِهم أو َمعا ِصيهم‪« ،‬ق ْد أُ ِم َر بِهم إلى ال َّنا ِر»‬ ‫فال َّنا ُس في هذا المو ِض ِع َين َق ِسمو َن إلى َثلث ِة أ ْقسام‪:‬‬ ‫فأهلُ النا ِر َدخلوا النا َر‪ ،‬وهم ال ُك َّفا ُر الذي ُيساقون إلى ال َّنا ِر‬ ‫والفُقرا ُء ِمن المؤ ِمني َن َدخلوا ال َج َّن َة‪ ،‬فهم ال َّسابقون إلى الج َّن ِة ل َف ْق ِرهم‬ ‫والأَ ْغنيا ُء ِمن المؤمني َن َم ْوقوفو َن َم ْحبوسو َن إلى أ ْن َيشا َء اللهُ لل ِحسا ِب‪،‬‬ ‫فالفُ َقرا ُء أس َر ُع ِحسا ًبا من الأغنيا ِء‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ُ :‬بشرى لِل َمساكي ِن العا ِبدي َن بِد ُخولِهم الج َّن َة ق ْبلَ َغي ِرهم‪.‬‬ ‫وفيه‪َ :‬تحذي ُر الأ ْغنيا ِء ح َّتى ُيح ِسنوا في أموالِه ْم؛ لأ َّنه ْم يو َم القِيام ِة‬ ‫َم ْوقوفو َن و َم ْحبوسو َن ح َّتى ُيحا َسبوا على ُحظو ِظهم ِمن الدنيا‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن الذين يؤدون ُحقو َق الما ِل‪ ،‬و َيس َلمو َن ِمن فتنتِه؛‬

‫الحديث التسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم َقالَ‪:‬‬ ‫((أ ْص َد ُق َكلِ َمة َقالَ َها َشا ِعر َكلِ َم ُة لَبِيد‪ :‬ألا ُكل َش ْيء َما َخل الل َه َبا ِطلُ))‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫يشهد لهذا البيت قوله تعالى‪ُ { :‬كل َش ْيء َهالِك إِلا َو ْج َه ُه}‬ ‫[القصص‪]88 :‬‬ ‫كان لبيد من فحول شعراء الجاهلية‪ ،‬وهو من هوازان‪َ ،‬و َف َد على رسول‬ ‫الله صلى الله عليه وسلم فأسلم‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬وكان من المعمرين‪،‬‬ ‫عاش فوق مائة سنة‪ ،‬وكان شري ًفا في الجاهلية والإسلم‪ ،‬ولم يقل‬ ‫شع ًرا بعد إسلمه‪ ،‬وكان يقول‪ :‬أبدلني الله به القرآن‬ ‫وقال بعضهم أنه قال بي ًتا َواح ًدا بعد إسلمه فقط ‪:‬‬ ‫ما عاتب المر َء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح‬ ‫ويقال‪ :‬إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للبيد مرة‪ :‬أسمعنا من‬ ‫شعرك فقال‪ :‬قد تركت الشعر بعدما أخذت سورة البقرة وآل عمران‬ ‫قال الشافعي‪ :‬ولولا الشعر بالعلماء ُيزري لكنت اليوم أشع َر من لبيد‬

‫وفي هذا ال َحدي ِث ُي ْثني ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم على َبيت قاله ال َّشاع ُر‬ ‫ال ُم َخض َر ُم ال َّصحابي َلبي ُد ب ُن َربيع َة َرض َي اللهُ عنه‪ ،‬و ُيخبِ ُر أ َّنه أص َد ُق‬ ‫َكلمة قالها شاعر‪ ،‬وهي قولُه‪ :‬أ َلا ُكل َشيء ما َخ َل اللهَ باطل أي‪ :‬كل‬ ‫َشيء ِسوى اللهِ تعالَى زائل فائت ليس له َدوام‬ ‫ولا ي َتعا َر ُض َمد ُح َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِشع َر لَبيد َرض َي ️‬ ‫اللهُ عنه‪ ،‬مع ما و َر َد عنه ص ّلَى اللهُ عليه وس َّل َم ِم َن ال َّنهيِ ع ِن الشع ِر‪،‬‬ ‫كما في ال َّصحي َحي ِن ِمن َحدي ِث أبي ُه َر ْير َة َرض َي اللهُ عنه‪:‬‬ ‫« َلأ ْن َي ْم َتل َئ َجو ُف َرجل َق ْي ًحا َي ِري ِه‪َ ،‬خير ِمن أ ْن َي ْم َتل َئ ِشع ًرا»‬ ‫فهذا ال َحدي ُث وأ ْمثالُه لا ُيرا ُد به كل الشع ِر‪ ،‬وإ َّنما ُيرا ُد به الشع ُر ا َّلذي‬ ‫فيه الباطلُ والك ِذ ُب‪ ،‬أ ِو ال َّسب‪ ،‬أ ِو ال ُمفا َخرةُ‪ ،‬كما هو غالِ ُب ِشع ِر‬ ‫الجا ِهليي َن‪ ،‬وقد كان َح َّسا ُن ب ُن ثابت َرض َي اللهُ عنه ُين ِش ُد ال َّنب َّي ص َّلى اللهُ‬ ‫عليه وس َّل َم الشع َر بال َمس ِج ِد‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬فضيل ُة ال َّصحابي لَبي ِد ب ِن َربيع َة َرض َي اللهُ عنه‬

‫المقدمة‬ ‫باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من‬ ‫المأكول والمشروب والملبوس‬ ‫الحديث الحادي والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عائشة رضي الله عنها‪ ،‬قالت‪َ :‬ما َشب َع آلُ ُم َح ّمد صلى الله عليه‬ ‫وسلم ِم ْن ُخ ْب ِز َش ِعير َي ْو َم ْي ِن ُم َت َتا ِب َع ْي ِن َح َّتى قُبِ َض‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫وفي رواية‪َ :‬ما َشب َع آلُ م َح ّمد صلى الله عليه وسلم ُم ْن ُذ َق ِد َم ال َم ِدي َن َة ِم ْن‬ ‫َط َعا ِم ال ُبر َثل َث لَ َيال تِ َبا ًعا َح َّتى قُبِ َض‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كانت حياةُ ال َّنبي صلَّى اللهُ علَيه وس َّلم ِمثا ًلا في الزه ِد و ِش َّد ِة الحا ِل‪ ،‬مع‬ ‫َتمكي ِن اللهِ له وف ْت ِحه عليه‪ ،‬ولك َّن الدنيا كان ْت في َي ِده لا في ق ْلبِه‪ ،‬وآ َث َر ما‬ ‫َي ْبقى على ما َي ْفنى‬ ‫وض َر َبت أ َّمها ُت المؤمني َن زوجا ُت ال َّنبي ص َلّى اللهُ ع َليه وس َّلم أرو َع‬ ‫الأمثل ِة في ال َّصب ِر على البل ِء‪ ،‬وإيثا ِر ما عن َد الل ِه ُسبحانه وتعالى على ما‬ ‫هو فان‪ ،‬كما ُيوض ُح هذا الحدي ُث‬

‫فقد قالت عائش ُة أُم المؤمنين ر ِض َي اللهُ عنها‪\" :‬ما شبِ َع آلُ مح َّمد ِمن‬ ‫ُخ ْب ِز ال َّشعي ِر\"‪ ،‬أي‪ :‬ما م َلأَ أزوا ُج ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ُبطو َنهم‬ ‫ح َّتى الش َب ِع ِمن ُخب ِز ال َّشعي ِر‬ ‫\"يومي ِن ُمتتابعي ِن\"؛ وذلك لِق َلّ ِة ذا ِت الي ِد و ِضي ِق الحا ِل ز ْه ًدا وتقل ًل ِمن‬ ‫الدنيا‬ ‫\"ح َّتى قُبِ َض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم\"‪ ،‬أي‪ :‬ح َّتى مات‬ ‫ع ْل ًما بأ َّن هذا الخب َز ِمن أ َشد أنوا ِع المخبوزا ِت َطع ًما و َمذا ًقا وم ْل َم ًسا؛‬ ‫ففيه ُخشونة وصلبة‪ ،‬ولا َيس َتسي ُغه كثير ِمن ال َّنا ِس‪ ،‬ومع ذلك فقد كان‬ ‫ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا َي ِج ُده لِ َيش َب َع منه هو وأهلُه‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا‪ ،‬وزهده فيها‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬تحريض لأمته على الزهد فيها‪ ،‬والإعراض عما زاد على الحاجة‬ ‫منها‪ ،‬ولا منافاة فيه وبين حديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخر‬ ‫لأهله قوت سنة‪ ،‬لأنه كان يفعل ذلك في آخر حياته‪ ،‬فيخرجه في‬ ‫الحوائج تعرض عليه‬

‫الحديث الثاني والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن عروة عن عائشة رضي الله عنها‪ ،‬أ ّنها َكا َن ْت تقول‪َ :‬واللهِ‪َ ،‬يا ا ْب َن‬ ‫أُ ْخ ِتي‪ ،‬إ ْن ُك َّنا ل َن ْن ُظ ُر إِ َلى ال ِهلَ ِل‪ُ ،‬ث َّم ال ِهل ِل‪ُ ،‬ث َّم ال ِهل ِل‪َ :‬ثلَ َث ُة أه َلّة في‬ ‫َش ْه َر ْي ِن‪َ ،‬و َما أُوقِ َد في أَ ْب َيا ِت رسول الله صلى الله عليه وسلم َنار قط‪.‬‬ ‫قُ ْل ُت‪َ :‬يا َخالَ ُة‪َ ،‬ف َما َكا َن ُي ِعي ُش ُك ْم؟ قالت‪ :‬الأَ ْس َو َدا ِن ال َّت ْم ُر َوال َما ُء‪ ،‬إلاَّ أ َّن ُه َق ْد‬ ‫َكا َن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ِجي َران ِم َن الأَ ْن َصا ِر‪ ،‬و َكا َن ْت لَ ُه ْم‬ ‫َم َنا ِئ ُح َو َكا ُنوا ُي ْر ِسلُو َن إِ َلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ِم ْن أ ْل َبانِ َها‬ ‫َف َي ْس ِقي َنا‬ ‫متفق َعلَ ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫في هذا الحدي ِث َبيا ُن ما كان عليه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم ِم َن الزه ِد‬ ‫في الدنيا‪ ،‬وال َّصب ِر على ال َّتقل ِل ِمن َمتا ِعها‪ ،‬وأ ْخ ِذ ال َّضرو ِري ِم َن ال َعي ِش‪،‬‬ ‫وإيثا ِر الحيا ِة الآخر ِة على الدنيا‬ ‫حيث َتح ِكي أُم المؤمني َن عائش ُة بن ُت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهما لاب ِن‬ ‫أُختِها ُع ْرو َة ب ِن الزبي ِر ‪-‬فأُمه أسما ُء بن ُت أبي َبكر َرض َي اللهُ عنهم‪ -‬أ َّنهم‬ ‫كانوا َينت ِظرو َن الهللَ‪ُ ،‬ث َّم الهللَ‪َ ،‬ثلث َة أ ِه َّلة في َشه َري ِن‪ ،‬بِاعتبا ِر ُرؤي ِة‬ ‫الهل ِل في أ َّو ِل ال َّشه ِر الأ َّو ِل‪ُ ،‬ث َّم ُرؤي ِته ثان ًيا في أ َّو ِل ال َّشه ِر ال َّثاني‪ُ ،‬ث َّم‬ ‫ُرؤيتِه في أ َّو ِل ال َّشه ِر ال َّثال ِث‪ ،‬فال ُم َّدة ِستون يو ًما‪ ،‬والمرئي َثلث ُة أهلَّة‪،‬‬ ‫وما أُوق َد ْت في أ َبيا ِت رسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم نار‬ ‫والمعنى‪ :‬أ َّنهم كانوا َي َظلون َشهري ِن ُمتتابِ َع ْي ِن لا ُيط َب ُخ في َبيتِهم َشيء‬

‫فقال لها ُع ْروةُ ب ُن الزبي ِر‪« :‬يا خال ُة‪ ،‬ما كان ُي ِعي ُشكم؟» يعني‪َ :‬عل َم‬ ‫ُكنتم َتعيشو َن في ِظل هذه الش َّد ِة وال َّضي ِق؟‬ ‫فقال ْت َرض َي اللهُ عنها‪« :‬الأسودا ِن‪ :‬ال َّتم ُر والما ُء»‪ ،‬و ُسم َيا بالأسودي ِن؛‬ ‫َتغل ًيبا لِلَو ِن ال َّتم ِر‬ ‫ُث َّم قالت‪ :‬إ َّلا أ َّنه قد كان لِ َرسو ِل اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّل َم ِجيران ِم َن‬ ‫الأنصا ِر ‪-‬قيل‪ :‬ه ْم َس ْع ُد ب ُن ُعباد َة‪ ،‬وعب ُد اللهِ ب ُن َعم ِرو ب ِن َحرام‪ ،‬وأبو‬ ‫أيو َب خال ُد ب ُن َزيد‪ ،‬و َسع ُد ب ُن ُزرار َة‪ ،‬وغي ُرهم َرض َي اللهُ عنهم‪ -‬كان ْت‬ ‫لهم َمنائ ُح‪ ،‬وهي ال َّشاةُ أو ال َّناق ُة التي فيها َل َبن‪ ،‬أو ا َّلتي ُتع َطى لِل َغي ِر؛‬ ‫لِ َيحلُ َبها و َينتفِ َع َبلبنِها ُث َّم َي ُر َّدها على صاحبِها‪ ،‬وقد َتكو ُن َعط َّي ًة ُمؤ َّب َد ًة‬ ‫ب َعي ِنها و َمناف ِعها‪ ،‬كالهب ِة‬ ‫وكان هؤلاء الأنصا ُر ُي ْه ُدون َرسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َلّ َم ِمن‬ ‫أ ْلبانِهم َف َي ْس ِقينا‬ ‫قال الحافظ‪ :‬وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا‬ ‫في أول الأمر‬ ‫وفيه‪ :‬فضل الزهد‪ ،‬وإيثار الواجد للمعدوم‪ ،‬والاشتراك فيما في الأيدي‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه‪،‬‬ ‫تذكي ًرا بنعمته وليتأس به غيره‪.‬‬ ‫وفيه ‪َ :‬فضلُ الأَنصا ِر َرض َي اللهُ عنهم‪ ،‬و َفضلُ ال َّتهادي والمتا َحف ِة‬ ‫ولو بال َيسي ِر‬

‫الحديث الثالث والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي سعيد المق ُبري عن أَبي هريرة رضي الله عنه أَ َّن ُه َم َّر بِ َقوم َب ْي َن‬ ‫أَي ِديه ْم َشاة َم ْصلِ َّية‪َ ،‬ف َد َع ْوهُ َفأ َبى أَ ْن يأْ ُكلَ‪ .‬وقال‪ :‬خرج رسول الله صلى‬ ‫الله عليه وسلم ِم َن الد ْن َيا َولَ ْم َي ْش َب ْع ِم ْن ُخ ْب ِز ال َّشعي ِر‬ ‫رواه البخاري‬ ‫شرح الحديث‬ ‫(( َم ْصلِ َّية)) بفتح الميم‪ :‬أ ْي َم ْش ِو َّية‬ ‫كا َن ال َّصحاب ُة ر ِض َي الله عنهم َحريصي َن على الاقتِدا ِء بال َّنبي ص َلّى اللهُ‬ ‫عليه وسلَّم في َجمي ِع أُمو ِر َحياتِه‪ ،‬محا ِفظين على ال َعه ِد الذي تر َكهم‬ ‫رسولُ اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم عليه َق ْد َر استِطاع ِتهم و ُوس ِعهم‬ ‫وفي هذا الحدي ِث ُيخب ُر أبو ُه َرير َة ر ِض َي اللهُ عنه أ َّنه م َّر ب َقوم ب ْين أيدي ِه ْم‬ ‫شاة « َم ْصلِ َّية»‪ ،‬أي‪َ :‬م ْش ِو َّية‪ ،‬ف َد َع ْوهُ ل َيأ ُكلَ مع َهم‪ ،‬فرفض ذلك‪ ،‬وذكر‬ ‫لهم أن َرسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ُتوف َي َولم َيش َب ْع ِمن ُخب ِز ال َّشعي ِر‪،‬‬ ‫ف َب َّي َن أ َّن سب َب تر ِكه من الأ ْك ِل أ َّنه َتذ َّكر حالَ ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم‬ ‫وما كا َن علي ِه من ِش َّدة ال َع ْي ِش‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬إيثا ُر ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للآخر ِة على الدنيا‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن العالِ َم عليه أ ْن َي ِع َظ ال َّنا َس بال ُح ْسنى‬ ‫وفيه‪ :‬أن من شأن ال ُمحب أن يتبع آثار محبوبه‪ ،‬ويأتم بها‬

‫الحديث الرابع والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أنس رضي الله عنه َقالَ‪ :‬لَ ْم َيأ ُك ِل ال َّنبي صلى الله عليه وسلم َعلَى‬ ‫ِخ َوان َح َّتى َما َت‪َ ،‬و َما أ َكلَ ُخ ْب ًزا ُم َر َّق ًقا َح َّتى َما َت‬ ‫رواه البخاري‬ ‫وفي رواية َل ُه‪َ :‬ولا َرأى َشا ًة َس ِمي ًطا ب َع ْي ِن ِه َقط‬ ‫شرح الحديث‬ ‫والخبز المرقق‪ :‬هو الأرغفة الواسعة الرقيقة‬ ‫والسميط‪ :‬ما أزيل شعره وشوي بجلده‬ ‫فهذه الأحاديث كالتي قبلها في الحث على ال َّتقلل وعدم الانبساط في‬ ‫الدنيا؛ لأ َّنها دار زوال‪ ،‬ودار ُنقلة‪ ،‬ودار امتحان‪ ،‬ودار عمل‪ ،‬وليست دار‬ ‫متعة‪ ،‬وليست دار نعيم‪ ،‬وكان ﷺ يتقلل منها‪ ،‬وما كان ينبسط فيها‬ ‫في الطعام‪ ،‬ولا في لذيذ العيش‬ ‫فقد كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم متوا ِض ًعا في حياتِه وفي أُسلو ِب‬ ‫معيشتِه‪ ،‬مع ما فتح اللهُ عليه من المغان ِم‪ ،‬ول ِك َّنه آثر ما عند اللهِ على ما‬ ‫في الدنيا‪ ،‬فلم ي ُك ْن ص َّلى اللهُ عليه وس ّلَم ُي ِحب َت َر َف ال َعي ِش كما َيف َعلُ‬ ‫ال ُملو ُك‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيح ِكي أَ َنس ر ِض َي اللهُ عنه أ َّنه ما َعلِم ال َّنب َّي ص ّلَى اللهُ‬ ‫عليه وس ّلَم أَ َكلَ في َحياتِه كلها على مائدة ِمن تلك الموا ِئ ِد ال ُمر َتفِعة عن‬

‫الأر ِض التي َيأ ُكلُ عليها ال ُعظما ُء وال ُمت َرفُون‪ .‬والأَ ْكلُ عليها لم َي َزلْ ِمن‬ ‫َدأ ِب ال ُمت َرفي َن ؛ لِ َئ َّل َيف َت ِقروا إلى الان ِحنا ِء عن َد الأ ْك ِل‪ ،‬فكان ال َّنبي صلَّى‬ ‫اللهُ عليه وس َّلم لا ُيش َّب ُه بهم‪ ،‬وكان َيأ ُكلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحا ُبه‬ ‫على الس َف ِر التي ُت َمد على الأر ِض؛ َتوا ُض ًعا و ُزه ًدا في الدنيا و َمظاه ِرها‪،‬‬ ‫و َتعلي ًما لأُ َّمتِه‪.‬‬ ‫ولم ُيخ َب ْز له ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم ذلك ال ُخ ْب ُز ال َّرقِي ُق الفا ِخ ُر ال ُمس َّمى‬ ‫بالر َقا ِق‬ ‫ولا ريب في إباحة الأكل على الخوان أو الطاولة المرتفعة ‪ ،‬أو في‬ ‫إباحة أكل الخبز المرقق ‪ ،‬إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك‬ ‫تواضعاً وزهدا في متاع الحياة الدنيا‪.‬‬ ‫قال الحافظ ابن حجر ( تركه عليه الصلة والسلم الأكل على الخوان‬ ‫وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة )‬ ‫ولهذا لا يسوغ الإنكار على من تعاطى شيئا من ذلك ‪ ،‬ومن زار قوما‬ ‫فوجدهم يأكلون على الطاولة فل حرج عليه بأن يأكل معهم على‬ ‫الطاولة وسيكون مستغرباً لديهم كثيراً لو انفرد عنهم بالجلوس على‬ ‫الأرض ‪ ،‬ولا ُيلزمهم بذلك ‪ ،‬بل يلبي دعوتهم ‪ ،‬ويأكل معهم ‪ ،‬وإن ب ّين‬ ‫لهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ‪ ،‬وذك ّرهم بالزهد فهذا جيد حسن‬

‫الحديث الخامس والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما‪َ ،‬قالَ‪ :‬لَ َق ْد َرأ ْي ُت َنب َّي ُك ْم صلى الله‬ ‫عليه وسلم َو َما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل َما َي ْملأُ ِب ِه َب ْط َن ُه‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫((ال َّد َقلُ))‪َ :‬ت ْمر َر ِديء‪.‬‬ ‫قوله‪( :‬لقد رأيت نبيكم)‪ ،‬فيه‪ :‬حث المخاطبين على الاقتداء به‪،‬‬ ‫والإعراض عن الدنيا مهما أمكن‬ ‫وفي الرواية الكاملة للحديث‬ ‫قال ‪( :‬أَلَ ْس ُت ْم في َط َعام َو َش َراب ما ِش ْئ ُت ْم؟ ل َق ْد َرأَ ْي ُت َن ِب َّي ُك ْم َصلَّى ال َّلهُ عليه‬ ‫وسلَّ َم َوما َي ِج ُد ِم َن ال َّد َق ِل‪ ،‬ما َي ْملأُ به َب ْط َن ُه)‬ ‫وفي زيادة له ( َوما َت ْر َض ْو َن ُدو َن أَ ْل َوا ِن ال َّت ْم ِر َوالز ْب ِد)‬ ‫كا َن ال َّصحاب ُة ُمق َت ِدي َن بال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم و ُمستح ِضري َن أحوالَه‪،‬‬ ‫و ُزه َده‪ ،‬و ُمعلمي َن لِم ْن َبع َده ُم ال َّتأس َي بِه‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيتح َّد ُث النعما ُن ب ُن َبشير رضي اللهُ عنهما ُمخا ِط ًبا‬ ‫و ُمعل ًما َمن َبع َده ب َقولِه‪( :‬أَلس ُتم في َطعام َوشراب ما ِشئ ُتم؟)‬

‫أي‪ :‬أَلس ُتم ُم ْنغ ِمسي َن في َطعام و َشراب ِمقدا َر ما ِشئ ُتم ِم َن ال َّتو ِسع ِة‬ ‫والإِفرا ِط في ِه‬ ‫ُث َّم است َدلَّ بال َّنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأ َّنه ما كا َن َي ِج ُد أَحيا ًنا ِم َن ال َّد ْق ِل‬ ‫ما َيملأُ به َبط َنه‪ ،‬وال َّد ْقلُ هو َردي ُء ال َّتم ِر‪ُ ،‬ث َّم ُيوج ُه َكل َمه لِم ْن ُيخاط ُب ُهم‬ ‫ب َقولِه‪َ ( :‬وما َتر َض ْو َن دو َن أَلوا ِن ال َّتم ِر والزب ِد) وأَن ُتم لا َتر َضو َن بأَ َقلَّ ِمن‬ ‫أصنا ِف ال َّتم ِر والزب ِد‪ ،‬و َهذا َي ُدل َعلى َتوس ِعهم في ال َعي ِش‬

‫الأربعمائة بعد والتسعون السادس الحديث‬ ‫عن سه ِل بن سعد رضي الله عنه َقالَ‪َ :‬ما َرأى رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم ال َّنقِ َّي ِم ْن ِحين ا ْب َت َع َث ُه الله َت َعالَى َح َّتى َقب َض ُه الله َت َعالَى‪ .‬ف ِقيلَ لَ ُه‪َ :‬هلْ‬ ‫َكا َن َل ُك ْم في َعه ِد رسول الله صلى الله عليه وسلم َم َنا ِخلُ؟‬ ‫َقالَ‪َ :‬ما َرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ُم ْن ُخ ًل ِم ْن ِحي َن ا ْب َت َع َث ُه اللهُ‬ ‫َت َعالَى َح َّتى َق َب َض ُه اللهُ َت َعالَى‬ ‫َفقِيلَ َل ُه‪َ :‬ك ْي َف ُك ْن ُت ْم َتأ ُكلُو َن ال َّش ِعي َر َغ ْي َر َم ْن ُخول؟ َقالَ‪ُ :‬ك َّنا َنط َح ُن ُه‬ ‫َو َن ْنفُ ُخ ُه‪ ،‬ف َيطي ُر َما َطا َر‪َ ،‬و َما َبقِ َي َث َّر ْي َناهُ‬ ‫رواه البخاري‬ ‫الحديث شرح‬ ‫((ال َّن ِق ّي)) ُه َو بفتح النون وكسر القاف وتشديد اليا ِء‪َ :‬و ُه َو ال ُخ ْب ُز‬ ‫ال ُح َّوا َرى‪ ،‬وال ُح َّواري الدقيق الأبيض‬ ‫(( َث َّر ْي َناهُ)) أ ْي‪َ :‬بل ْل َناهُ َو َع َج َّناهُ‬ ‫كا َن ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّم وال َّصحاب ُة ر ِض َي اللهُ عنهم ُيمثلو َن‬ ‫القُد َو َة لِ َمن َبع َد ُهم في الزه ِد‪ ،‬و َعد ِم ا ِلان ِشغا ِل بِزين ِة الدنيا‪َ ،‬فل ْم َتك ْن‬ ‫ُمن َتهى آمالِهم‪َ ،‬بل َت َركوها َخ ْل َفهم‬ ‫وفي هذا ال َحدي ِث ُيخبِ ُر ال َّتابعي أبو حازم َسلم ُة ب ُن ِدينار أ َّنه َسأَل‬ ‫ال َّصحاب َّي َسهلَ ب َن َسعد ر ِض َي اللهُ عنه‪َ :‬هل أ َكلَ َرسولُ اللهِ ص َلّى اللهُ‬

‫عليه وس ّلَم ال َّن ِق َّي؟ وه َو ال ُخب ُز ال َّنقي ال َمنخولُ دقيقُه َم َّر ًة َبع َد َم َّرة حتى‬ ‫ُنق َي ِمن قُشو ِره وما َخ ُش َن منه‬ ‫َفقالَ َسهل‪« :‬ما َرأى َرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ال َّنق َّي ِمن ِحي ِن‬ ‫اب َت َع َثه اللهُ ح َّتى َق َب َضه اللهُ!»‬ ‫ف َسأَلَه أبو حازم‪َ :‬هلْ كا َن ْت لَك ْم في َعه ِد َرسو ِل اللهِ ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم‬ ‫َمنا ِخلُ؟ ج ْم ُع ُمن ُخل‪ ،‬وه َو ما ُين َخلُ بِه ال َّدقي ُق‪ ،‬و ُيف َصلُ به ال َّناع ُم منه عن‬ ‫ال َخ ِشن والقُشو ِر‬ ‫فقالَ َسهل‪ :‬ما َرأى َرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ُمن ُخ ًل ِمن حي َن‬ ‫اب َتع َثه اللهُ ح َّتى َق َب َضه‬ ‫والتقيي ُد بما بعد ال َبعث ِة يح َت ِملُ أن يكو َن احترا ًزا ع َّما َق ْبلَها؛ إذ كان صلَّى‬ ‫اللهُ عليه وس ّلَم سافر إلى ال َّشا ِم‪ ،‬وال ُخب ُز ال َّن ِقي والمنا ِخلُ وآلا ُت الت َرف ِه‬ ‫بها كثيرة‪ ،‬وأ َّما بعد ظهو ِر الن ُب َّو ِة فل َش َّك أ َّن النب َّي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم‬ ‫كان في م َّك َة وال َّطائِ ِف والمدين ِة‬ ‫وقد اش َت َهر أ َّن سبيلَ العي ِش صار ُمض َّي ًقا عليه في هذه الم ُد ِن‪ ،‬وعلى‬ ‫أك َث ِر ال َّصحاب ِة اضطرا ًرا ب َس َب ِب المقاطع ِة في م َّك َة‪ ،‬ث َّم ال ُحرو ِب وال َغ َزوا ِت‬ ‫بعد ال ِهجر ِة إلى المدين ِة مع ُمش ِركي م َّك َة ويهو ِد المدين ِة‪ ،‬ولَ َّما أحلَّ اللهُ له‬ ‫الغنا ِئ َم اختار صلَّى اللهُ عليه وس َّلم حيا َة الزه ِد وجعل ما أفاء اللهُ عليه‬ ‫في سبي ِل اللهِ‬ ‫ثم سأله أبو حازم‪َ :‬كي َف َكن ُتم َتأ ُكلو َن ال َّشعي َر َغي َر َمنخول؟‬

‫قال‪ُ :‬ك َّنا َن ْط َح ُنه ف َيصي ُر َدقي ًقا و َننفُ ُخه‪ ،‬ف َيطي ُر ما طا َر من القُشو ِر‬ ‫ون ْح ِوها‪َ ،‬وما َبق َي « َث َّريناهُ»‪ ،‬أي‪َ :‬بل ْلناهُ بالما ِء ف َع َج َّناهُ‪ ،‬ثم َخ َب ْزناهُ‬ ‫فأ َك ْلناهُ‪ ،‬وقيل‪ :‬المعنى أ َّنه ج َع ْلناه َم َر ًقا وط َب ْخناه ثم أ َك ْلناه‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬بيا ُن َمعي َش ِة ال َّنبي ص ّلَى اللهُ عليه وس َّلم وأَصحا ِبه‪ ،‬وبيا ُن‬ ‫َت ْر ِكه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ال َّتكل َف في شأ ِن ال َّطعا ِم‬

‫الحديث السابع والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي هريرة رضي الله عنه َقالَ‪ :‬خر َج رسولُ الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم َذا َت َي ْوم أَ ْو َل ْي َلة‪َ ،‬فإ َذا ُه َو بأَبِي َب ْكر َو ُع َم َر رضي الله عنهما‪َ ،‬ف َقالَ‪:‬‬ ‫(( َما أ ْخ َر َج ُك َما ِم ْن ُب ُيوتِ ُكما ه ِذ ِه ال َّسا َع َة؟)) َقالا‪ :‬ال ُجو ُع َيا رسول الله‬ ‫َقالَ‪َ (( :‬وأ َنا‪َ ،‬والَّ ِذي َن ْف ِسي بِ َي ِد ِه‪ ،‬لأ ْخ َر َج ِني ا ّلَ ِذي أ ْخ َر َج ُكما‪ ،‬قُوما))‬ ‫ف َقا َما َم َع ُه‪َ ،‬فأ َتى َر ُج ًل ِم َن الأَ ْن َصا ِر‪َ ،‬فإ َذا ُه َو َل ْي َس في ب ْيتِ ِه‪َ ،‬ف َل َّما َرأَ ْت ُه‬ ‫ال َم ْرأَةُ‪ ،‬قالت‪َ :‬م ْر َح ًبا َوأه ًل‪ .‬فقال لَ َها رسول الله صلى الله عليه وسلم‪:‬‬ ‫((أ ْي َن فُل ُن؟))‬ ‫قالت‪َ :‬ذ َه َب َي ْس َت ْع ِذ ُب ل َنا ال َما َء‪ .‬إِ ْذ َجا َء الأَ ْن َصا ِري‪َ ،‬ف َن َظ َر إِلَى رسول الله‬ ‫صلى الله عليه وسلم َو َصا ِح َب ْي ِه‪ُ ،‬ث َّم َقالَ‪ :‬ال َح ْم ُد لِلِ‪َ ،‬ما أَ َحد ا ْل َي ْو َم أ ْك َر َم‬ ‫أ ْض َيا ًفا ِمني‪َ ،‬فا ْن َطلَ َق َف َجاء ُه ْم ِب ِع ْذق ِفي ِه ُب ْسر َو َت ْمر َو ُر َطب‪َ ،‬ف َقالَ‪ُ :‬كلُوا‪،‬‬ ‫َوأَ َخ َذ ا ْل ُم ْد َي َة‪َ ،‬ف َقالَ لَ ُه رسول الله صلى الله عليه وسلم‪(( :‬إ ْيا َك‬ ‫َوا ْل َحلُو َب)) َف َذ َب َح لَ ُه ْم‪َ ،‬فأ َكلُوا ِم َن ال َّشا ِة َو ِم ْن َذلِ َك ال ِع ْذ ِق َو َش ِر ُبوا‪َ .‬فلَ َّما‬ ‫أ ْن َشبِ ُعوا َو َر ُووا َقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَبي َب ْكر َو ُع َم َر‬ ‫رضي الله عنهما‪َ (( :‬والَّ ِذي َن ْف ِسي ِب َي ِد ِه‪ ،‬لَ ُت ْسأَلُ َّن َع ْن َه َذا ال َّن ِعي ِم َي ْو َم‬ ‫ال ِق َيا َم ِة‪ ،‬أَ ْخ َر َج ُك ْم ِم ْن ُب ُيوتِ ُك ُم ا ْل ُجو ُع‪ُ ،‬ث َّم َل ْم َت ْر ِج ُعوا َح َّتى أ َصا َب ُك ْم َه َذا‬ ‫ال َّنعي ُم))‬ ‫رواه مسلم‬

‫شرح الحديث‬ ‫(( َي ْس َت ْع ِذ ُب)) أ ْي‪َ :‬ي ْطلُ ُب ال َما َء ال َع ْذ َب‪َ ،‬و ُه َو ال َّطي ُب‪.‬‬ ‫َو((ال ِع ْذ ُق)) َو ِه َي ال ُغ ْص ُن‪.‬‬ ‫َو((ال ُم ْد َي ُة)) بضم الميم وكسرها‪ :‬هي السكي ُن‪.‬‬ ‫َو((ا ْل َحلُو ُب))‪ :‬ذا ُت ال َّل َبن‪.‬‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َيحكي أبو ُه َر ْي َر َة ر ِضي اللهُ عنه أ َّن رسولَ اللهِ ص َّلى اللهُ‬ ‫عليه وسلَّم َخر َج ذا َت يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر و ُعم َر رضي الله‬ ‫تعالى عنهما‪ ،‬فقال ص َّلى اللهُ عليه وسلَّم‪ :‬ما أَخر َجكما ِمن ُبيو ِتكما؟ أي‪:‬‬ ‫قالا‪:‬‬ ‫العادة‪،‬‬ ‫في‬ ‫أَتخك َرْن َجنواقا َلتجالوخُعرو ِج‬ ‫ال َّساع َة؟ فإ َّنها لم‬ ‫هذه‬ ‫َمحلكما‬ ‫ِمن‬ ‫الجو ُع‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫قال‪\" :‬وأنا والَّذي نفسي بِي ِده\" ‪ ،‬هذا َق َسم ُيق ِس ُم فيه ال َّنبي صلَّى اللهُ عليه‬ ‫وس َّلم بِالِ ِل؛ لأ َّنه هو الَّذي أنفُ ُس العبا ِد بِي ِده جلَّ وعل‪َ ،‬يهديها إ ْن شا َء‬ ‫و ُيضلها إ ْن شا َء‪ ،‬ويمي ُتها إ ْن شا َء و ُيبقيها إن شا َء‪َ \"،‬لأ ْخ َر َجني الَّذي‬ ‫أَخ َر َجكما\" ‪ ،‬أي‪ :‬الجو ُع‬ ‫فقال ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم لهما‪\" :‬قُوموا\"‬ ‫َفقا ُموا معه َفأتى ص َّلى اللهُ عليه وس َّلم معهما رج ًل‪ ،‬أي‪َ :‬ب ْي َت رجل ِم َن‬ ‫الأنصار‪َ ،‬و َه َذا الأَ ْن َصا ِري الَّ ِذي أَ َت ْوهُ ُه َو‪ ،‬أَ ُبو ا ْل َه ْي َثم ْب ُن ال َّتي َها ِن‪َ ،‬ك َذا َجا َء‬ ‫ُم َب َّي ًنا في رواية الترمذي وغيره‬

‫فإذا هو‪ -‬أي‪ :‬ال َّرجلُ‪ -‬ليس في َبي ِته‪َ ،‬فل َّما أبص َر ِت المرأةُ‪ ،‬أي‪ :‬زوج ُة‬ ‫ال َّرج ِل ال َّنب َّي ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم قال ْت؟ مرح ًبا‪ ،‬أي‪ :‬أَتي َت مكا ًنا واس ًعا‪،‬‬ ‫وأه ًل‪ ،‬أي‪ :‬وج ْئ َت أه ًل‬ ‫فقال لها ص َلّى اللهُ عليه وسلَّم‪ \":‬أي َن فلن؟\" ُيري ُد زو َجها فأجا َب ْته‪َ :‬ذه َب‬ ‫\" َيستع ِذ ُب\"‪ ،‬أي‪َ :‬يطل ُب الع ْذ َب وهو الحل ُو لنا ِم َن الما ِء؛ فإ َّن أكث َر ميا ِه‬ ‫المدين ِة كان مال ًحا‬ ‫وجاء الأنصاري َفنظ َر إلى رسو ِل الل ِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم و َصا ِح َب ْيه‪،‬‬ ‫ُث َّم قال‪ :‬الحم ُد لِ ِل‪ ،‬ما أحد اليو َم أَكر َم‪ ،‬أي‪ :‬أَكر َم على الله أَضيا ًفا ِمني‪،‬‬ ‫َفانطل َق‪ ،‬أي‪ :‬بهم إلى حديق ِته‪َ ،‬فبس َط لهم بِسا ًطا‪ُ ،‬ث َّم انطلق إلى نخلة‬ ‫َفجاءهم \"بِع ْذق\"‪ ،‬وهو ِم َن ال َّنخ ِل بِمنزل ِة ال ُعنقو ِد ِم َن ال ِع َن ِب فيه ُب ْسر‬ ‫وتمر و ُر َطب‪ ،‬فوض َعه فقال‪ُ :‬كلوا من هذه‪ ،‬أي‪ :‬ال َّتمرا ِت وأنوا ِعها‬ ‫وأَخ َذ المدي ُة وهى‪ِ :‬سكي ُن الق َّصا ِب أ ِو ال َّشفرةُ‪ ،‬فقال له صلَّى اللهُ عليه‬ ‫وس َّلم‪\" :‬إ َّيا َك وال َحلو َب\" ‪ ،‬أي‪ :‬ذا َت ال َّلب ِن‪َ ،‬نهاهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أ ْن‬ ‫َيع ِم َد إلى شاة ُين َت َف ُع بِدرها ولبنِها؛ لأ َّنها حلوب َفيذ َبحها َفيخس َر َد َّرها‬ ‫وحلي َبها‪ ،‬و ُيغني عنها شاة أُخرى غي ُر حلوب‬ ‫َفذب َح لهم‪ ،‬أي‪َ :‬عنا ًقا أو َج ْد ًيا‪َ ،‬فأ َتاهم بها َفأكلوا ِم َن ال َّشا ِة و ِمن ذلك‬ ‫ال ِع ْذ ِق‪ ،‬و َش ِربوا‪َ ،‬فل َّما أ ْن َش ِبعوا \"و َر ُووا‬ ‫قال صلَّى اللهُ عليه وس ّلَم لأبي بكر و ُعم َر ر ِضي اللهُ عنهما‪ \":‬وا ّلَذي‬ ‫ن ْفسي بِيد ِه َل ُتسألُ َّن َعن هذا ال َّنعي ِم يو َم القيام ِة‪ ،‬أخ َر َجكم ِمن بيوتِكم‬ ‫الجو ُع‪ُ ،‬ث َّم لم َتر ِجعوا ح َّتى أصا َبكم هذا ال َّنعي ُم\"‬

‫و ُمالحرتاي ِجيَي َنج إ ُبل أى ْنال ُت َّط ْعساأَ ِلُمواُم وضُيقطارلَي َلنكإمل‪:‬يهه‪،‬ل َف ِنأَلَّد ُتْيمُتمغا ُشي ْكَة َرها‬ ‫يعني‪ :‬حي ُث كنتم‬ ‫َمطلوبِكم ِم َن الشب ِع‬ ‫أم لا؟‬ ‫َوالسؤالُ َع ْن َه َذا ال َّن ِعي ِم ُس َؤالُ َت ْع ِديد الن َعم لا ُس َؤالُ َت ْوبيخ و َت ْع ِذيب‬ ‫وفي الحدي ِث ‪ :‬جواز الضيافة للمقيم إذا احتاج إليها‬ ‫وجواز ترحيب المرأة بالضيفان‪ ،‬وإنزال الناس منازلهم‪ ،‬واستحباب ترك‬ ‫ذبح الحلوب إذا وجد غيرها‪ ،‬والنهي عن ذبحها نهي إرشاد لا كراهة‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن كلَّ َنعيم يأتي بعد ِش َّدة؛ فإ َّنه َيع ُظ ُم و ْق ُعه و َمب َل ُغه‪ ،‬وي َتع َّي ُن‬ ‫الزيادةُ في ُشك ِر اللهِ ع َّز وجلَّ عليه‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن ِمن ه ْديِه صلَّى اللهُ عليه وس َّلم ِذ ْك َر الإنسا ِن ما نالَه ِمن ألم أو‬ ‫جوع ونح ِوه‪ ،‬لا على ال َّتشكي وع َد ِم الر َضا‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن ِمن ه ْد ِيه ص َّلى اللهُ عليه وس َلّم إكرا َم ال َّضي ِف‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن ِم ْن ِفع ِل الصحاب ِة إظها َر البِ ْش ِر والف َر ِح بِال َّضي ِف في وج ِهه‬

‫الحديث الثامن والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن خالد بن ُع َم ْير ال َع َد ِوي‪َ ،‬قالَ‪َ :‬خ َط َب َنا ُع ْت َب ُة ب ُن َغ ْز َوا َن‪َ ،‬و َكا َن أ ِمي ًرا‬ ‫َع َلى ال َب ْص َر ِة‪َ ،‬ف َح ِم َد الله َوأ ْث َنى َعلَ ْي ِه‪ُ ،‬ث َّم َقالَ‪ :‬أَ َّما َب ْع ُد‪َ ،‬فإِ َّن الد ْن َيا َق ْد آ َذ َن ْت‬ ‫بِ ُص ْرم‪َ ،‬و َو َّل ْت َح َّذا َء‪َ ،‬و َل ْم َي ْب َق ِم ْن َها إلا ُص َبا َبة َك ُص َبا َب ِة الإ َنا ِء َي َت َصاب َها‬ ‫َصا ِح ُب َها‪َ ،‬وإِ َّن ُك ْم ُم ْن َتقِلُو َن ِم ْن َها إِ َلى َدار لا َز َوالَ لَ َها‪َ ،‬فا ْن َتقِلُوا بِ َخي ِر َما‬ ‫ِفي َها‬ ‫َج َه َّن َم َف َي ْه ِوي‬ ‫الَل َه َاح َجَق َْعر ًر ُيا ْل‪َ ،‬ق َىوال ِلمهِ ْن َل ُت ْمَشل ِفأَي َِّنر‬ ‫بِ َح ْض َر ِت ُك ْم‪َ ،‬فإِ َّن ُه َق ْد ُذ ِك َر َل َنا أ َّن‬ ‫أَ َف َع ِج ْب ُت ْم؟!‬ ‫َس ْب ِعي َن َعا ًما‪ ،‬لا ُي ْد ِر ُك‬ ‫َولَق ْد ُذ ِك َر لَ َنا أ َّن َما َب ْي َن ِم ْص َرا َع ْي ِن ِم ْن َم َصا ِري ِع ا ْل َج َّن ِة َمسي َرةُ أ ْر َب ِعي َن‬ ‫َعا ًما‪َ ،‬ول َيأتِ َي َّن َع َل ْي َها َي ْوم َو ُه َو َك ِظيظ ِم َن الز َحا ِم‪َ ،‬ولَ َق ْد َرأ ْي ُت ِني َساب َع‬ ‫َس ْب َعة َم َع رسول الله صلى الله عليه وسلم‪َ ،‬ما لَ َنا َط َعام إلا َو َر ُق ال َّش َج ِر‪،‬‬ ‫َح َّتى َق ِر َح ْت أ ْش َداقُ َنا‪َ ،‬فال َت َق ْط ُت ُب ْر َد ًة َف َش َق ْق ُت َها َب ْي ِني َو َب ْي َن َس ْع ِد ْب ِن َمالِك‪،‬‬ ‫فا َّت َز ْر ُت ِبنِ ْصفِ َها‪َ ،‬وا َّت َز َر َس ْعد بِنِ ْصفِ َها‪َ ،‬ف َما أ ْص َب َح ال َي ْو َم ِم َّنا أ َحد إلا أَ ْص َب َح‬ ‫أ ِمي ًرا َعلَى ِمصر ِم َن الأَ ْم َصا ِر‪َ ،‬وإني أ ُعو ُذ بِالِلِ أ ْن أ ُكو َن ِفي َن ْف ِسي‬ ‫َع ِظي ًما‪َ ،‬و ِع ْن َد الل ِه َص ِغي ًرا‬ ‫رواه مسلم‬ ‫شرح الحديث‬ ‫َخ َطب ُع ْت َب ُة ب ُن َغ ْز َوا َن ر ِضي اللهُ عنه‪« ،‬ف َح ِمد اللهَ وأ ْث َنى عليه» بما هو‬ ‫أهلُه‪ُ ،‬ث َّم قال‪« :‬أ َّما َبع ُد» أ َتى بها اقتدا ًء به ص ّلَى الله عليه وسلَّم‪ ،‬فقد‬

‫كان يأتي بها في ُخ َط ِبه لِ َيف ِصلَ بها بين مقدمة ال ُخطبة وموضو ِعها؛‬ ‫لأ َّنها ف ْصلُ ال ِخطاب‬ ‫«فإ َّن الدنيا قد آ َذ َن ْت»‪ ،‬أي‪ :‬أع َل َم ْت «بِ ُص ْرم»‪ ،‬أي‪ :‬ان ِقطاع‪« ،‬و َو َلّ ْت‬ ‫َح َّذا َء»‪ ،‬أي‪ُ :‬مس ِرعة الانقطاع‪« ،‬ولم َي ْب َق منها إ َّلا ُصبا َبة»‪ ،‬وهي البق َّية‬ ‫ال َي ِسيرة من ال َّشراب َتب َقى في أسف ِل الإناء «ك ُصباب ِة الإناء َيتصابها‬ ‫صاحبها \" أي يجمعها صاحبها‬ ‫\" وإ َّنكم ُمنتقِلون عنها»؛ إذ هي دا ُر ارتِحال وانتِقال «إلى دار لا َز َوالَ‬ ‫لها» ولا ار ِتحالَ عنها‪« ،‬فانتقِلوا»‪ ،‬أي‪ِ :‬من الدنيا «بخي ِر ما‬ ‫بِ َح ْض َر ِت ُكم»‪ ،‬أي‪ :‬ب َك ْس ِب صالِ ِح الأعما ِل وادخار ال َحسنا ِت عند الله ع َّز‬ ‫وجلَّ‬ ‫\"«فإ َّنه قد ُذكر لنا»‪ ،‬أي‪ :‬عن النبي صلَّى الله عليه وس َّلم «أ َّن ال َح َجر‬ ‫ُيل َقى ِمن َش َف ِة َجه َّن َم»‪ ،‬أي‪ِ :‬من َط َر ِفها «ف َيه ِوي»‪ ،‬أي َين ِزل و َيسقُط‬ ‫«فيها سبعين عا ًما»‪ ،‬أي في َق ْد ِر سبعي َن عا ًما «لا ُيد ِر ُك لها َق ْع ًرا» أي‪:‬‬ ‫لا َي ِصل إلى َق ْع ِرها وهو أس َفلُ ال َّشي ِء‬ ‫«ووالل ِه َل ُت ْم َلأَ َّن»‪ ،‬أي‪َ :‬ج َه َّن ُم «أ َفع ِج ْبتم؟!»‪ ،‬أي‪ِ :‬من هذا الأم ِر الدال‬ ‫على ِع َظم قُدرة الله سبحانه وكمال جللِه وق َّوة انتِقا ِمه‬ ‫َم َس َنص ًةا ِ‪،‬ريوِع َل َياأْلتِ َيج ََّّنن ِة»عل‪،‬يأهاي»‪،:‬مأايبي‪َ :‬ن‬ ‫«ولقد ُذكر لنا أ َّن ما بي َن ِم ْصرا َع ْي ِن من‬ ‫َط َر َف ْي باب من أبوا ِبها «مسير َة أربعين‬

‫الج َّن ِة «يوم» هو وق ُت ُدخولِها «وهو»‪ ،‬أي‪ :‬ال ِم ْصراع « َك ِظيظ»‪ ،‬أي‪:‬‬ ‫ُم ْم َتلِئ « ِم َن الزحام\"‬ ‫\"ولقد رأي ُتني ساب َع سبعة»‪ ،‬أي‪َ :‬ب ِق َّية سبعة «مع رسو ِل الله ص ّلَى الله‬ ‫عليه وس َّلم‪ ،‬ما لنا طعام إ َّلا َو َرق ال َّش َجر‪ ،‬ح َّتى تق َّر َح ْت»‪ ،‬أي‪ :‬تج َّرحت‬ ‫«أشداقُنا» جم ُع ِش ْدق‪ ،‬وهو جانب ال َف ِم‬ ‫«فا ْل َت َق ْط ُت ُب ْر َد ًة»‪ ،‬أي‪َ :‬ع َث ْر ُت على ِكساء من غير َق ْصد وطلب‬ ‫«ف َش َق ْق ُتها بيني وبي َن َس ْع ِد ب ِن َمالِك» هو اب ُن أبي َو َّقاص‪ ،‬أح ُد ال َع َشرة‬ ‫المب َّش ِرين بالج َّن ِة‬ ‫«فا َّت َز ْر ُت بنِصفها وا َّت َز َر َس ْعد بنِصفها‪ ،‬فما أص َبح»‪ ،‬أي‪ :‬صار «اليو َم‬ ‫ِم َّنا أحد إلا أص َبح أمي ًرا على ِم ْصر من الأمصا ِر»‪ ،‬فأص َبح ُع ْت َب ُة أمي ًرا‬ ‫على ال َب ْص َر ِة‪ ،‬و َس ْعد أمي ًرا على ال ُكو َف ِة‬ ‫\"«وإني أَ ُعو ُذ بالِل»‪ ،‬أي‪ :‬اعت ِصم بالِل «أن أكو َن في ن ْفسي عظي ًما»‬ ‫بأن ُيو ِه َمني ذلك الشيطا ُن وال َّن ْف ُس‪« ،‬وعن َد الل ِه َص ِغي ًرا» لا ُيق َبل عل َّي‬ ‫بالفض ِل والإحسا ِن‪ ،‬ولا ُين َصب ل َع َملي وزن إذا ُن ِصب الميزا ُن‬ ‫«وإ َّنها لم تكن ُنب َّوة َقط إ َّلا َتنا َس َخ ْت‪ ،‬ح َّتى يكو َن آخ ُر عا ِقبتها ُمل ًكا‪،‬‬ ‫ف َستخ ُبرون وتجربون الأُ َمرا َء بع َدنا»‬

‫الحدي ِث ‪ :‬فضلُ الله ع َّز وجلَّ ورحم ُته بعبا ِده الموحدين‪ .‬وفي‬ ‫وفيه‪ :‬إخبا ُره ص ّلَى الله عليه وس َّلم عن ال َغ ْيبِ َّيا ِت‪.‬‬ ‫وفيه ‪ :‬فوائد كثيرة‪ ،‬من الترغيب والترهيب‪ ،‬والوعظ والتذكير‪ ،‬وعمق‬ ‫النار‪ ،‬وسعة الجنة وغير ذلك‬

‫الحديث التاسع والتسعون بعد الأربعمائة‬ ‫عن أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه َقالَ‪ :‬أ ْخ َر َج ْت لَ َنا َعا ِئ َش ُة رضي‬ ‫الله عنها ِك َسا ًء َوإزا ًرا َغلِي ًظا‪ ،‬قالَ ْت‪ :‬قُبِ َض رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم في َه َذ ْي ِن‬ ‫متفق َعلَ ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫كان ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم زاه ًدا في أُمو ِر الدنيا‪ُ ،‬مقبِ ًل على أُمو ِر‬ ‫الآخر ِة‪َ ،‬ر ْغ َم ما آتاهُ اللهُ ُسبحانه ِمن الغنائ ِم والأموا ِل‪ ،‬ولك َّنه صلَّى اللهُ‬ ‫عليه وس َّل َم َض َر َب لنا ال َم َثلَ الأ ْعلى في ال َّتقل ِل ِمن َع َر ِض الدنيا‬ ‫وفي هذا الحدي ِث َي ْروي أبي ُموسى الأشعري أ َّن عائش َة أ َّم المؤمني َن‬ ‫َرض َي اللهُ عنها أ ْخ َر َجت إليه ْم ِكسا ًء ‪ ،‬وهو ال َّثو ُب ال ُمر َّق ُع‪ ،‬أو ال ِكسا ُء‬ ‫الغلي ُظ الَّذي ُي َر َّك ُب َبع ُضه على َبعض‬ ‫وقيل‪ :‬هو الذي أص َب َح َو َس ُطه َسمي ًكا‪ ،‬وال َّظاه ُر أ َّنه لا ُيط َل ُق إ َّلا على ما‬ ‫كان ِمن الصو ِف‬ ‫وأخ َب َر ْتهم أي ًضا أ َّن ال َّنب َّي ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم كان َيل َب ُس هذا ال َّثو َب‬ ‫و ْق َت أ ْن فا َض ْت ُرو ُحه إلى خالِقِها‪ ،‬وكان َيل َب ُس مع هذا ال ِكسا ِء إزا ًرا‬ ‫َغلي ًظا م َّما كان ُيص َن ُع بال َي َم ِن؛ ل َيس ُت َر به َعور َته ونِص َفه الأس َفلَ صلَّى اللهُ‬ ‫عليه وسلَّ َم‬

‫ولُ ْب ُسه ص َّلى اللهُ عليه وس َلّ َم للكساء َيحت ِملُ أ ْن يكو َن لل َّتوا ُض ِع و َت ْر ِك‬ ‫ال َّتنع ِم‪ ،‬و َيحت ِملُ أ ْن يكو َن عن َغي ِر ق ْصد منه؛ لأ َّنه كان َيل َب ُس ما َو َج َد‬ ‫الحدي ِث ‪ :‬إعراضه صلى الله عليه وسلم عن الدنيا‪ ،‬واكتفاؤه بما وفي‬ ‫تيسر من اللباس‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬تهييج للمتبعين سبيله على ذلك‪.‬‬

‫الحديث الخمسمائة‬ ‫عن سعد بن أَبي وقاص رضي الله عنه َقالَ‪ :‬إني لأَ َّولُ رجل من ا ْل َع َر ِب‬ ‫َر َمى ِب َس ْهم في َس ِبي ِل الله‪َ ،‬ولَ َق ْد ُك َّنا َن ْغ ُزو َم َع رسول الله صلى الله عليه‬ ‫وسلم َما لَ َنا َط َعام إلا َو َر ُق ا ْل ُح ْب َل ِة‪َ ،‬وه َذا ال َّس ُم ُر‪َ ،‬ح َّتى إ ْن َكا َن أ َح ُد َنا‬ ‫َل َي َض ُع َك َما َت َض ُع ال َّشاةُ َما لَ ُه َخ ْلط‬ ‫متفق َع َل ْي ِه‬ ‫شرح الحديث‬ ‫((ال ُح ْبلَة)) َو ِه َي َوال َّس ُم ُر‪َ ،‬ن ْو َعا ِن َم ْع ُرو َفا ِن ِم ْن َش َج ِر ا ْل َبا ِد َي ِة‪.‬‬ ‫وهذه الغزوة تسمى غزوة الخبط‪.‬‬ ‫لم ي ُك ِن ال َّنبي ص َّلى اللهُ عليه وس َّل َم و َصحاب ُته ال ِكرا ُم ِر ْضوا ُن اللهِ عليهم‬ ‫في بِداي ِة ال َّد ْعو ِة َيعيشو َن ر َغ َد ال َعي ِش‪ ،‬و َهناء َة ال ُمقا ِم؛ بلْ كانوا ُيقاسو َن‬ ‫ُظرو َف ال َحيا ِة‪ ،‬ولم َيم َن ْعهم ذلك ِمن َبذ ِل َمزيد ِمن ال َعطا ِء وال َّت ْضحي ِة ِمن‬ ‫أ ْج ِل هذا الدي ِن‬ ‫وكان ال َّصحاب ُة ال ِكرا ُم َي َتسا َبقو َن في الدفا ِع عن ِدي ِن اللهِ‪ ،‬وعن َرسو ِل‬ ‫اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّ َم؛ فهذا َسع ُد ب ُن أبي و َّقاص َرض َي اللهُ عنه ُيخبِ ُر‬ ‫بما كان منه‪ ،‬فيقولُ‪:‬‬

‫«إني َلأ َّولُ ال َع َر ِب َرمى ب َسهم في َسبي ِل اللهِ»‪ ،‬وكان ذلك في أ َّو ِل َسر َّية‬ ‫ب َع َثها ص ّلَى اللهُ عليه وسلَّ َم في ال َّسن ِة الأُولى ِمن ال ِه ْجر ِة‪ ،‬وهي َسر َّي ُة‬ ‫ُع َب ْيد َة ب ِن الحا ِر ِث ب ِن ال ُم َّطل ِب‪ ،‬فكان َسعد َرض َي اللهُ عنه أ َّولَ َمن َرمى‬ ‫و َي ْحكي َرض َي اللهُ عنه ما كان ِمن حالِهم في ال َغ ْز ِو م َع َرسو ِل اللهِ ِمن‬ ‫قلَّ ِة ال ُم ْؤن ِة وال َّزا ِد‪ ،‬ح َّتى إ َّنهم لَيأْ ُكلو َن و َر َق ال َّش َج ِر َرض َي اللهُ عنهم‬ ‫وأ ْرضا ُهم‪ ،‬ف ُيخ ِر ُج أ َح ُدهم عن َد َقضا ِء الحاج ِة كما ُتخ ِر ُج ال َّشاةُ أ ِو ال َبعي ُر ‪-‬‬ ‫وهو الج َملُ‪ -‬فال َبرا ُز يابس «ما له ِخ ْلط»‪ ،‬أي‪ :‬لا َيخ َتلِ ُط َبع ُضه ب َبعض‬ ‫ِمن ش َّد ِة َجفا ِفه و َت َفتتِه‬ ‫وفي الحدي ِث ‪َ :‬من َقبة ل َسع ِد ب ِن أبي و َّقاص َرض َي اللهُ عنه ب َبلئِه‬ ‫وسا ِب َق ِته في الإ ْسل ِم‪.‬‬ ‫وفيه‪ :‬أ َّن َش َظ َف ال َعي ِش وقلَّ َة ال ُم ْؤن ِة لا ُيبر ُر لل ُمسلِ ِم ال َّتقا ُع َس‪ ،‬وع َد َم‬ ‫الدفا ِع عن ِدي ِن اللهِ ُسبحانه‪ ،‬وال َّدعو ِة إليه؛ فكيف ب َمن و َّس َع اللهُ عليه؟!‬ ‫وفيه‪ :‬ال َّصب ُر في ال َّد ْعو ِة إلى اللهِ ع َّز وجلَّ‬


Like this book? You can publish your book online for free in a few minutes!
Create your own flipbook